مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

 

مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

 

الطريق إلى خلقيدونيّة

بعد انفضاض المجمع المسكوني الثالث ظهر أرشمندريت اسمه أوطيخا رئيس أحد أديار القسطنطينيّة، وكان من ألد اعداء نسطوريوس المبتدع. فلم يكتف بمـا حدّده المجمع في أفسّس ضد بدعته فتطرّف إلى القول بإنّ ربنا يسوع المسيح مؤلَّف من طبيعة واحدة وأنّ جسده غير مساوٍ لجسدنا في جوهره بما أنّه جسد إله وإنّ الطبيعة البشريّة ابتُلِعَت وتلاشت باتحادها مع الطبيعة الإلهيّة.

ولإنّه كان رئيس دير أيوب في الربع (الحي) السابع من المدينة، لذا فقد كان يقود 300 راهب لمدة تزيد عن الثلاثين عامًا، ومن خلال ابنه بالمعموديّة (الذي هو ابن أخيه) كريسافيوس Chrysaphius كبير موظفي البلاط الملكي استطاع أوطيخا الوصول إلى البلاط. وبينما كان المناخ الكنسيّ مُلبدًا بغيوم الخلاف بين الجانب السكندريّ ونظيره الأنطاكيّ، واجه أوطيخا مقاومة ومعارضة من الأنطاكيّين لأنّه كان متعصبًا جدًّا للسكندريّين، وهكذا زاد من حدة التوتر.[1]

وفي سنة 448 قدّم يوسابيوس أسقف دوريلاوس (دوريلوم) في فريجيّة إلى القسطنطينيّة ورفع شكواه على أوطيخا إلى فلافيانوس البطريرك القسطنطينيّ. فجمع هذا مجمعًا من 31 أسقفًا و32 أرشمندريتًا وبعد محاولات عديدة حضر أوطيخا إلى المجمع وسُئِل عن إيمانه فصدر الحكم بضلاله وتجديفه وجُرّد من الكهنوت وقُطِع من الشركة وعُزِل من رئاسة الدير.

وقد زار يوسابيوس أسقف دوريليم أوطيخا[2] في ديره بالقسطنطينيّة مرات عدّة واكتشف أنّ عقيدته غير أرثوذكسيّة، إذ يعتقد بالامتزاج.

وسعى أوطيخا وأنصاره لدى الإمبراطور ثيودوسيوس الصغير فكتب هذا إلى البابا ليو الأوّل يطعن بالبطريرك فلافيانوس ومجمعه. فكتب البابا مستفسرًا ورد عليه الجواب فوافق على الحكم الذي أصدره مجمع فلافيانوس.

وأمر ثيودوسيوس بعقد مجمع ثان في القسطنطينيّة فعقد في نيسان سنة 449 وأيّد حكم المجمع السابق

وكتب ليو رسالة مجمعيّة مسهبة تعرف باسم “طومس لاون” ثبت فيها تعليم فلافيانوس وضلال أوطيخا.

موقف كنيسة الإسكندريّة

شعر البابا ديسقوروس بخطورة انتشار أفكار ثيودوريت أسقف قورش، وإيباس أسقف الرُها في الشرق، تلك التي تهاجم عقيدة البابا كيرلس السكندريّ. وكذلك انتشار تعاليم ثيودور الموبسويستيّ ونسطور في كثير من المناطق في المشرق. وأمام اعتراف أوطيخا الخطيّ المخادع بأنّه:

”يرفض هؤلاء الذين يقولون إنّ جسد ربنا يسوع المسيح قد نزل من السماء… لأنّ ذاك الذي هو كلمة الله نزل من السماء بدون جسد وتجسّد من جسد العذراء نفسه بدون تغيير ولا تحويل وبطريقة عرفها هو نفسه وأرادها، وذاك الذي هو دومًا إله كامل قبل الدهور، صار أيضًا إنسانًا كاملًا في آخر الأيام من أجلنا ومن أجل خلاصنا“.[3]

شعر البابا ديسقوروس أنّ فلافيان بطريرك القسطنطينيّة، ويوسابيوس أسقف دوريليم قد انضما إلى التيار النسطوريّ الموجود في الشرق حينما طُلِب من أوطيخا في مجمع القسطنطينيّة المكانيّ 448م حرم كلّ من لا ينادي بطبيعتين من بعد الاتحاد.

مجمع أفسّس الثاني 449م

 لم يرق لثيودوسيوس حكم المجمع، فأصدر أمره بعقد مجمع مسكونيّ في أفسّس في السنة نفسها 449، واستدعى ديوسقورس بطريرك الإسكندريّة نصير أوطيخا ليتولى رئاسة المجمع. وكتب ثيودوسيوس كذلك للبابا ليو بشأن هذا المجمع فأجاب البابا بإرسال نوَّابه الأسقف يوليانوس والقس رينادوس والشماس إيلاريوس.

وبعد استعراض وقائع مجمع أفسّس الأوّل 431م، ومجمع القسطنطينيّة المكاني 448م، وقراءة اعتراف أوطيخا المكتوب بالإيمان الأرثوذكسيّ قدّمه إلى المجمع مخادعًا.

وبعد الاستماع إلى آراء الحاضرين؛ حكم المجمع بإدانة وعزل فلافيان بطريرك القسطنطينيّة ويوسابيوس أسقف دوروليم وبتبرئة أوطيخا وإعادته إلى رتبته الكهنوتيّة. كما حكم المجمع بحرم وعزل كلّ من هيباس أسقف الرها وثيودوريت أسقف قورش وآخرين.[4] وحدّد المجمع أنّ ديودور الطرسوسيّ نسطوريّ.[5] ولم تُقرأ رسالة البابا ليو الأوّل إلى المجمع وهيَ المعروفة بطومس لاون.

وفي سنة 450 توفي ثيودوسيوس الصغير فخلفته شقيقته الملكة بلخريا وتزوجت بقائد جيشها مركيانوس الحسن العبادة ليشاركها في إدارة المملكة. وأوّل عمل قامت به نقل جسد الشهيد فلافيانوس إلى كنيسة الرسل القديسين في القسطنطينيّة. واهتمّت بعقد مجمع مسكونيّ وكتبت في ذلك إلى البابا ليو فأجاب البابا مستحسنًا عملها وعيّن موفديه الأسقف يوليانوس والقس باسيليوس.

وجرت مكاتبات بين الملك مركيانوس والبابا ليو بهذا الشأن أسفرت عن صدور أمر الملك بعقد المجمع في مدينة نيقية التي عُقِد فيها المجمع الأوّل وبعث برسائل الدعوة إلى كلّ الأساقفة.

ولكن الملك مركيانوس لم يتمكن من الذهاب إلى نيقية وأصيب بعض الأساقفة بأمراض، فصدر الأمر بنقل المجمع إلى خلقيدونيّة في جوار القسطنطينيّة. وبدأ اجتماعه هُناك يوم الأثنين في 8 تشرين الأوّل 451 في كنيسة القديسة أوفيمية المعظمة في الشهيدات. وحضر المجمع مركيانوس والملكة بلخريا زوجته وكثيرون من أمراء الدولة.

مجمع خلقيدونية 451م

لم يقبل البابا ليو الأوّل نتائج مجمع أفسّس الثاني 449م ومنح الحلّ الكنسيّ لثيودوريت أسقف قورش وأعاده إلى الشركة.[6]

وليقرّروا أنّه مورس عليهم ضغوط أو وقعوا على أوراق بيضاء أو أنّه قد تمّ التزوير في أوراق المجمع (ύπέγρψαν είς άγραφον χάρτην).

الأمر الهام أنّه خلال المناقشة اعترف الباب ديسقورس بإصرار بطبيعتين في المسيح قبل الاتحاد وطبيعة واحدة بعد الاتحاد ولكنها (متجسِّدة):

”لا يمكن أن نعقل طبيعتين ولكن واحدة للكلمة المتجسِّد…أنا أقبل من طبيعتين بعد الاتحاد لا يوجد طبيعتان“.

 “ού δεί νοείν δύο φύσεις،άλλά μίαν φύσιν τού Λόγου σεσρκωμένην…..τό έκ δύο δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι….Μετά τήν ένωσιν δύο φύσεις ούκ είσί”.

 حينها شرح يوسابيوس أسقف دوريليم وباسيليوس سيليفكياس وميلوفثونجوس اليوبوليتون وآخرين بأنّ في المسيح الواحد يوجد طبيعتين (طبيعتين في شخص واحد، رّبّ واحد معروف في طبيعتين

 δύο φύσεις έν ένί προσώπω…ένας Κύριος…..έν δύο φύσεσι γνωριζόμενος).

 فقال البابا ديسقورس إنّ هذه الأقوال (تمزيق وتشريح) καινοτομίας وذيوفيزيتية δυοφημίας، وأضاف أنّه بسبب هذه الأقوال تمّ حرمان -وعن حق- فلافيانوس في 449، بينما قرّر المجمع أنّ فلافيانوس يتفق مع كيرلس الإسكندريّ.

وبالرغم من ذلك فإنّ البابا ديسقورس أظهر استعدادًا كبيرًا في أن يحكم على أوطيخا إذا ما ثبت أنّه يمتلك مفاهيم دوتوكية (δοκτικές (άντιλήψεις وأراد أن يبتعد عن مونوفيزيتيّة أوطيخا وأعلن أنّه يقبل مثل كيرلس طبيعتين الرّبّ بغير اختلاط ولا تغيير ولا تمزيق

 όπως ό Κύριλλος ότι δέχεται άσύγχυτες καί άτρεπτες τίς φύσεις τού Κύρίου ούτε σύγχυσιν،λέγομεν ούτε τροπήν،ούτε τομήν…

وقد نُوقش البابا ديسقوروس بشأن عقيدة أوطيخا الذي برأه مجمع أفسّس الثاني 449م ؛ فقال:

”إذا كان أوطيخا يتمسّك بمفاهيم ترفضها عقائد الكنيسة، فهو يستحق ليس العقاب فقط بل حتّى النار (أي جهنم) أيضًا. ولكن اهتمامي إنّما هو بالإيمان الجامع الرسوليّ وليس بأي إنسان أيًا كان“.[7]

وقال أيضًا في نفس الجلسة من المجمع الخلقيدونيّ:

”أنا أقبل عبارة من طبيعتين بعد الاتحاد“.[8]

وهو في تأكيده على الطبيعة الواحدة المتجسّدة لله الكلمة أراد أن يثبت عدم التقسيم بين الطبيعتين من بعد الاتحاد، وفي قبوله لعبارة: “من طبيعتين بعد الاتحاد”، أراد أن يؤكِّد ما أكّده القديس كيرلس الكبير عن استمرار وجود الطبيعتين في الاتحاد وعدم امتزاجهما أو اختلاطهما.

وكان أناطوليوس أسقف القسطنطينيّة قد أعلن في الجلسة الخامسة للمجمع أنّ:

”ديسقوروس لم يتم عزله بسبب عقيدته، إنما بسبب أنّه قد حرم لاون“.[9]

وقد وافق الثلاثة عشر أسقفًا المصريين الذين حضروا مجمع خلقيدونية على حرم أوطيخا لكنهم رفضوا التوقيع على قرارات مجمع خلقيدونية أو طومس ليو أو عزل البابا ديسقوروس.

“وقد أشاروا إلى أنهم لا يستطيعون التوقيع بدون التوافق مع رئيس أساقفتهم.. وأنهم لا يستطيعون التوقيع دون أن يكون رئيس أساقفتهم معهم…”.[10] 

وحدثت اضطرابات كبيرة في الشرق بسبب قرارات مجمع خلقيدونية ومع تغيير الأباطرة كانت الظروف تتغير.

نص حكم عزل البابا ديسقوروس

” من المجمع المسكوني العظيم والمقدس، الذي بنعمة الله وبأمر من……. أباطرتنا، والمجتمِع في خلقيدونية… إلى ديسقوروس: بسبب ازدراء القوانين المُقدّسة، واحتقارك لهذا المجمع المسكوني المقدس، حيث ـ وبالإضافة للتعديات الأخرى التي أُدنت بسببها ـ قد رفضت أن تستجيب لثلاثة استدعاءات من هذا المجمع العظيم والمقدس، والتي قُدمت لك وفقًا للقوانين الإلهية لكي ترد على التهم الموجهة إليك:

فلتعلم إذن، إنك في الاونم الثالث عشر من الشهر الحالي أكتوبر قد عُزلت بواسطة المجمع المسكوني والمقدس من أسقفيتك، وجُردت من كلّ رتبة كنسية“.

ومن كلمات أناطوليوس يوم 22 أكتوبر عندما قال إنّ السبب وراء إدانة البابا ديسقوروس لم يكن أمرًا متعلقًا بالإيمان وإنّما حقيقة “إنّه قد حرم السيد رئيس الأساقفة لاون”، ولم يذعن لاستدعاءات المجمع الثلاثة له.[11]

وهكذا نجد أنّ البابا ديسقورس لم يُحكم عليه لأجل إيمانه، أو أنّ إيمانه كان مختلفًا عن إيمان الآباء، أو لكونه هرطوقيّ، بل فقط لأسباب إداريّة وسياسيّة بحتة.

 

[1] Cf. Samuel, V.C. pp. 14-15.

[2] Ibid p. 15.

[3] Ibid p. 30-31, see Mansi VI, p. 744, quoted in Bettenson, Documents, pp. 48-49..

[4] Cf. Samuel, V.C., pp. 29-35.

[5] Kelly, J.N.D., Early Christian Doctrines, Chapter XI Fourth Century Christology, A & C Black- London 1977, 5th Revised Edition, p. 302.

[6] Cf. Samuel, V.C., p. 69.

[7] Ibid., p. 51.

[8] Ibid., p. 55.

[9] Cf. Sellers, R.V. p. 119.

[10] Cf. Samuel, V.C., p. 75, see also Sellers, R.V., p. 114, and Hefele, C.J. p. 333, 334.

II, i, pp. 320: 14,.ACO [11]

 

مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

شخصيات في الصراع الخريستولوجي – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج1

شخصيات في الصراع الخريستولوجي – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج1

 

شخصيات في الصراع الخريستولوجي – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج1

 

أهم الشخصيات في الصراع الخريستولوجي (من أبوليناريوس إلى نسطور)

 

أبوليناريوس

لقد حوّل أبوليناريوس Apollinarius تعليم ثلاثية تكوين الإنسان trichotomy من سيكولوجية أفلاطون إلى كريستولوجيّ. فقال:

”كما أنّ الإنسان العاديّ مكوَّن من جسد ونفس وروح، هكذا يسوع المسيح مكوّن من الجسد والنفس والكلمة (اللوغوس)“.

وفي رأيه أنّ الكلمة قد حلّ محل الروح pnuma (بنفما) واتحد بالجسد والنفس لتكوين الاتحاد.[1]

لم يتصوَّر أبوليناريوس إمكانية وجود نفس إنسانيّة عاقلة في المسيح في وجود الله الكلمة الذي هو روح والذي هو العقل الإلهيّ. رُبّما تصوّر أبوليناريوس أن النفس الإنسانيّة العاقلة تعني بالضرورة شخصًا بشريًّا متمايزًا عن شخص الله الكلمة. بمعنى أنّه خلط بين مفهوم الشخص الذي هو مالك الطبيعة، ومفهوم العقل الذي هو أحد خواص الطبيعة التي يملكها الشخص، أي أنّه قد اعتبر أنّ الشخص هو العقل.

وأراد بإلغاء الروح الإنسانيّة العاقلة أن يؤكِّد أنّ شخص كلمة الله هو الذي تجسّد وهو هو نفسه يسوع المسيح. بمعنى تأكيد الوحدة في شخص يسوع المسيح وأن كلمة الله لم يتخذ شخصًا من البشر بل اتخذ جسدًا ذا نفس بلا روح عاقلة. وبهذا يتحقق -فى نظره- وحدة الطبيعة في المسيح الكلمة المتجسد وعصمته من الخطيئة.

وقد تصوّر البعض أنّ القديس أثناسيوس الرسوليّ في القرن الرابع قد تأثر بفكر وتعليم أبوليناريوس في تعاليمه الكريستولوجية. ولكن القديس أثناسيوس قد شرح هذا الأمر باستقامته المعروفة في التعليم في رسالته إلى أبيكتيتوس، وقال إنّ عبارة القديس يوحنا الانجيليّ: ”الكلمة صار جسدًا“ (يو1: 14) تعني أنّ “الكلمة صار إنسانًا” وأنّ السيد المسيح قد اتخذ طبيعة بشرية كاملة من جسد وروح عاقلة. فقال القديس أثناسيوس:

”لإنّ القول “الكلمة صار جسدًا” هو مساو أيضًا للقول “الكلمة صار إنسانًا” حسب ما قيل في يوئيل النبيّ: “إنّي سأسكب من روحي على كلّ جسد”، لأنّ الوعد لم يكن ممتدًا إلى الحيوانات غير الناطقة، بل هو للبشر الذين من أجلهم قد صار الرّبّ إنسانًا“.[2]

وقال أيضًا في نفس الرسالة:

”إلَّا إنّ خلاصنا، في واقع الأمر، لا يعتبر خيالًا، فليس الجسد وحده هو الذي حصل على الخلاص، بل الإنسان كلّه من نفس وجسد حقًا، قد صار له الخلاص في الكلمة ذاته“.[3]

ديودور الطرسوسيّ

ظهرت ردود الفعل ضد الأبوليناريّة في نفس منطقة أبوليناريوس (سوريا) في شخص ديودور أسقف طرسوس (394م) Diodore of Tarsus وثيودور الموبسويستيّ في كيليكيا (428م) Theodore of Mopsuestia in Cilicia.

إدّعى ديودور أنّ اللاهوت سوف ينتقص إذا كوّن الكلمة والجسد اتحادًا جوهريًّا substantial (أو أقنوميًّا) مشابهًا لذلك الذي ينتج عن اتحاد الجسد والنفس (العاقلة) في الإنسان.

 في رد فعله على ذلك (أي على فكرة تكوين الكلمة والجسد إتحادًا جوهريًّا) قادته نظريته الخاصة إلى الفصل بين اللاهوت والناسوت. وهذا أوصله إلى التمييز[4] بين ابن الله وابن داود. وقال:[5]

”إن الكتب المُقدّسة تضع حدًا فاصلًا بين أفعال الابنين… فلماذا يحصل من يجدفون على ابن الإنسان على الغفران، بينما من يجدفون على الروح (الروح القدس) لا يحصلون على الغفران“؟[6]

ثيودور الموبسويستيّ

أراد ثيودور الموبسويستيّ أن يؤكِّد الإنسانيّة الكاملة للمسيح واعتبر أن الإنسانيّة الكاملة لا تتحقق إلا إذا كان المسيح شخصًا إنسانيًا لأنه اعتقد أنه لا وجود كامل بلا شخصيّة. وبهذا لم يكتف بتأكيد وجود طبيعة إنسانيّة كاملة للسيد المسيح، ولكنه تمادى إلى تأكيد اتخاذ الله الكلمة لإنسان تام يستخدمه كأداة لخلاص البشريّة، واعتبر أن الله الكلمة قد سكن في هذا الإنسان بالإرادة الصالحة، وأنه قد اتحد به اتحادًا خارجيًا فقط. 

واستخدم عبارة اتصال conjoining sunafeia (سينافيا) بدلًا من كلمة اتحاد enwsiV union (إينوسيس). وبهذا فقد جعل في المسيح شخصين أحدهما إلهيّ والآخر إنسانيَّ وقد كونا معًا شخصًا واحدًا هو شخص الاتحاد (اتحاد خارجيَّ) مشبهًا إياه بإتحاد الرجل بالمرأة.

قال المؤرخ هيفليC.J. Hefele [7]:

”علاوة على ذلك، فقد نظر ثيودور الموبسويستيّ إلى اتحاد اللاهوت والناسوت في السيد المسيح فقط بمعنى enoikhsiV (إنيكيسيس) أي سكنى، لأن بالنسبة له فكرة التجسد كانت تبدو مطابقة لفكرة تحول اللوغوس (الكلمة) إلى إنسان، ولذلك رفضها كفكرة منافية للعقل. ومع ذلك هو يعتقد بأنه عندما يحل الله في أي شخص، فهو لا يسكن فيه بحسب طبيعته، وبالتالى ليس بالتعبير عن قوته، ولكن بمسرته eudokia (إفذوكيا) الصالحة.

هذه السكنى ليست متشابهة في جميع الأبرار، ولكن مقياسها يتقرّر بقياس مسرةeudokia  للاهوت. ولكنها لم تحدث أبدًا لأحد بنفس الدرجة العالية التي للسيد المسيح“.

لكن كما أنه لم يتجاهل حقيقة أن ضمير الكنيسة قد رفض هذا الازدواج في شخصية المسيح، إلا أنه سعى إلى التخلص من الصعوبة وكرّر القول صريحًا:

”إن الطبيعتين اللتين اتحدتا معًا كونتا شخصًا واحدًا فقط، كما أنّ الرجل والمرأة هما جسد واحد… فإذا أمعنا الفكر في الطبيعتين في تمايزهما يجب علينا أن نعرف طبيعة الكلمة على أنه كامل وتام، وكذلك شخصه. وأيضًا طبيعة وشخص الإنسان على أنها كاملة وتامة. وإذا -من ناحية أخرى- نظرنا إلى الاتصال sunafeia (سينافيا) نقول إنّه شخص واحد“.[8]

إنَّ نفس صورة الوحدة بين الرجل وزوجته تبيِّن أن ثيودور لم يفترض اتحادًا حقيقيًا لطبيعتين في المسيح، ولكن تصوره كان لصلة خارجية بين الاثنين. علاوة على ذلك فإن التعبير “إتصال” conjoining – sunafeia (سينافيا) الذي يختاره هنا بدلًا من كلمة “اتحاد” union – enwsiV (إنوسيس) التي يستعملها في مواضع أخرى، مشتقة من الفعل sunaptw (سينابتو) (الراقصين الممسكين بأيدي بعضهم البعض – أي يصل بعضهم بالبعض الآخر) تعبر فقط عن ارتباط خارجى، وتوطد معًا.

لذلك فهو مرفوض بوضوح.. بواسطة علماء الكنيسة.

كما أن ثيودور قد عيّن مجرد صلة خارجية في العبارة التي اقتبسناها الآن:

إنَّ الكلمة سكن في الإنسان المُتَخَذ كما في هيكل”. وكما أن الهيكل والتمثال القائم بداخله هما واحد في المظهر الخارجى هكذا فإن اللاهوت والناسوت في المسيح يظهران من الخارج فقط في حقيقتهما كشخص واحد، ولكنهما في جوهرهما يستمرا شخصين“.

نسطور

من مدرسة ثيودور جاء نسطور، الذي ارتبطت باسمه الحقبة الأولى للنزاع الكرستولوجى الكبير. ولد نسطور في جرمانيكيا وهيَ مدينة بسوريا، ثمّ أتى إلى أنطاكيا في سن مبكرة، أساسًا بغرض نيل قسطًا أكبر من التعليم العالمى.

وسريعًا ما تميز بالطلاقة العظمى في التحدث الارتجالى مع صوت قوى وشجى، وبعد ذلك بقليل إلتحق بدير Euprepius يوبريبيوس في أنطاكيا، ومن هناك عيّن شماسًا ثمّ قسيسًا في كاتدرائية أنطاكيا. ككاهن، وعظ كثيرًا وبقبول ملحوظ، مع تمتعه أيضًا بسمعة كونه ناسكًا صارمًا وكثيرًا ما أظهر حماسًا عظيمًا.. ورغبة في مدح الجموع له خاصة في عظاته.[9]

كنتيجة للشهرة التي نالها بعد موت الأسقف سيسينيوس أسقف القسطنطينيّة في 24 ديسمبر عام 427م فقد رُفع إلى هذا الكرسي الشهير، وترجّى شعبه أن ينالوا فيه خلفًا من أنطاكيا لذهبي الفم أسقف القسطنطينيّة. منذ وقت سيامته في 10 أبريل عام 428م أظهر إعجابًا عظيمًا بعمل الوعظ وحماسًا ضد الهرطقات. ففى عظته الأولى خاطب الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير بالكلمات التالية:

”أعطني أيها الإمبراطور الأرض نقية من الهراطقة وأنا سوف أعطيك السماء، ساعدني لأشن حربًا ضد الهرطقات وأنا سوف أساعدك في حربك ضد الفرس“.[10]

وبعد ذلك بأيام قليلة صمّم على حرم الآريوسيّين من الكنيسة الصغيرة التي كانوا لا يزالون يمتلكونها في القسطنطينيّة، حتّى أنهم اقتيدوا إلى إشعال النار فيها بأنفسهم، والتي بسببها نال نسطور من الهراطقة ومن كثير من الأرثوذكس لقب “حارق متعمّد”. 

بالإضافة إلى ذلك فقد هاجم النوفاتيين والأربعتعشرية والمكدونيين ونال من الإمبراطور عديدًا من الأحكام المشدّدة ضد الهرطقات.

وفي رسالة.. ليوحنا أسقف أنطاكية، يؤكِّد نسطور أنّه في وقت وصوله إلى القسطنطينيّة وجد خصومًا (متضادين) موجودين فعلًا. لقّب أحد أطرافهم القديسة العذراء بلقب “والدة الإله” وآخر بأنّها مجرد “والدة إنسان”. وحتّى يتمّ التوسط بينهما قال إنه اقترح عبارة “والدة المسيح” معتقدًا أن كلا الطرفين سوف يرضى بها[11]… من ناحية أخرى فإن سقراط يقص أن:

الكاهن أنسطاسيوس صديق نسطور، الذي أحضره معه إلى القسطنطينيّة قد حذَّر سامعيه يومًا ما، في عظة أنّه لا يجب أن يطلق أحد على مريم لقب والدة الإله qeotokoV (ثيئوتوكوس) لأن مريم كانت إنسانة والله لا يمكن أن يولد من إنسان“.[12]

هذا الهجوم على المعتقد القديم والمصطلح الكنسيّ المقبول حتّى ذلك الوقت، قد سبب هياجًا عظيمًا وإضطرابًا وسط الإكليروس والعلمانيين. وتقدّم نسطور نفسه ودافع عن خطاب صديقه في عدة عظات. وإتفق أحد الأطراف (المتضادة) معه، وعارضه الآخر…

وفقًا لهذا التقييم للأمر، فإنّ نسطور لم يجد النزاع قائمًا بالفعل في القسطنطينيّة، ولكنه مع صديقه أنسطاسيوس كانا أوّل من أثاره. ومع ذلك فإنّ العظات الموجودة لدينا، كما ذكرنا، والتي ألقاها في هذا الموضوع لا زالت محفوظة لنا جزئيًّا، وهيَ كافية بالتمام لدحض تأكيدات الكثيرين غير الدقيقة بأنّ نسطور في الواقع لم يعلِّم شيئًا ذا سمة هرطوقيّة.

ففي خطبته الأولى هتف بعاطفة:

”إنّهم يسألون إن كان من الممكن أن تدعى مريم والدة الإله. لكن هل لله أم إذًا؟ في هذه الحالة يجب أن نعذر الوثنية التي تكلمت عن أمهّات للآلهة، لكن بولس لم يكن كاذبًا حينما قال عن لاهوت المسيح (عب7: 3) أنه بلا أب، بلا أم، بلا نسب. لا يا أصدقائى لم تحمل مريم الله.. المخلوق لم يحمل الخالق إنما حملت الإنسان الذي هو أداة اللاهوت. لم يضع الروح القدس الكلمة، لكنه أمد له من العذراء المطوبة، بهيكل حتّى يمكنه سكناه..

أنا أكرِّم هذه الحُلة التي استفاد منها من أجل ذاك الذي احتجب في داخلها ولم ينفصل عنها.. أنا أفرِّق الطبائع وأوحِّد التوقير. تبصَّر في معنى هذا الكلام. فإن ذاك الذي تشكّل في رحم مريم لم يكن الله نفسه لكن الله إتخذه.. وبسبب ذاك الذي إتَّخَذَ فإن المُتَّخَذْ أيضًا يدعى الله“.[13]

أمّا خطبته الثانية فتبدأ بتعبير لاذع ضد أسلافه، كما لو أنّه لم يكن لديهم الوقت لقيادة الناس نحو معرفة أعمق بالله. ومن هنا يتحوَّل ثانية إلى موضوعه الرئيسيّ أنّ المسيح له طبيعة مزدوجة وكرامة موحَّدة. فيقول:

”حينما تتكلم الأسفار المُقدّسة عن ميلاد المسيح أو موته فهيَ لا تدعوه الله أبدًا بل المسيح أو يسوع أو الرب… مريم إذًا يمكن أن تدعى خريستوتوكوس CristotokoV (والدة المسيح) وحملت ابن الله بقدر ما حملت الإنسان، الذي بسبب اتحاده بابن الله (بالمعنى الخاص) يمكن أن يدعى إبن الله (بالمعنى الأوسع). وبنفس الطريقة يمكن أن يقال أن إبن الله مات وليس أن الله مات..

إذن فلنحفظ اتصال الطبيعتين fusewn thrwmen sunafeian الغير مختلط ولنعترف بالله في الإنسان وبسبب هذا الإتصال الإلهى نوقر ونكرّم الإنسان المعبود مع الله الكلى القدرة“.[14]

فى خطابه الثالث يقول:

”إنَّ الآريوسيّين يضعون اللوغوس فقط تحت الآب لكن هؤلاء الناس (الذين يعلِّمون بالثيئوتوكوس qeotokoV ويتكلمون عن ميلاد الله) يضعونه تحت مريم أيضًا، مؤكّدين أنه أحدث منها، ومعطين اللاهوت خالق الكل، أمًا زمنية كأصل له.

إذًا لم يكن ذاك الذي حملته إنسانًا إنما الله الكلمة، إذًا لم تكن هيَ أم ذاك الذي ولد، لأنه كيف تكون هيَ أم ذاك الذي له طبيعة مختلفة عنها؟ لكن إن كانت تدعى أمه، إذًا فإن ذاك الذي ولد ليس ذو طبيعة إلهية، لكنه إنسان حيث أن كلّ أم تحمل من له نفس جوهرها (مادتها). لم يولد الله الكلمة إذًا من مريم، لكنه سكن في ذاك الذي ولد من مريم“.

وجد نسطور أنّه من اللازم إلقاء عظة ثانية للتو حتّى يحذّر، كما قال، من كانوا حاضرين ضد تقديم الإكرام الزائد لمريم، وضد الرأي الذي يقول إنّ كلمة الله (اللوغوس) يمكن أن يولد مرتين (مرة أزليًّا من الآب والمرة الثانية من مريم). فقال (نسطور) إنّ ذاك الذي يقول ببساطة أنّ الله مولود من مريم يجعل من العقيدة المسيحيّة سخرة للوثنيّين، لأن الوثنيّون سوف يجاوبون:

””لا استطيع أن أعبد إلهًا يولد ويموت ويدفن”… هل أقيم الكلمة من الأموات؟ وإذا كان معطي الحياة (اللوغوس) قد مات، من يمكنه أن يُعطي الحياة إذًا؟ إنَّ سرّ الإلوهة يجب أن يعبّر عنه بالأسلوب التالي: “إنَّ الكلمة الذي سكن في هيكل شكَّله (كوَّنه) الروح القدس هو شيء والهيكل نفسه المختلف عن الله الساكن فيه هو آخر“.[15]

[1]Cf. Hefele, C.J. A History of the Councils of the Church, Vol III, AMS Press 1972, p.2 reprinted from the edition of 1883 Edinburgh.

[2]St. Athanasius, Letter to Epictetus, par.8, N.&P.N. Fathers, Oct. 1987, Eerdmans, second series, vol. IV, p. 573.

[3]Ibid, par. 7, p. 572, 573.

[4]Cf. Kelly, J.N.D., Early Christian Doctrines, Chapter XI-Fourth Centry christology- Fifth Edition- A and C Black, London 1977, p. 303, quoting R. Abramowski, Z.N.T.W. 42 (1949), E.g. frg. 42.

[5]Cf. ibid., quoting. Abramowski, Z.N.T.W. 42 (1949), E.g. frg. 19: cf. frg. 42.

[6]Cf. ibid., p.303.

[7] Hefele, C.J., A History of the Councils of the Church, Vol III, p. 5 – AMS Press 1972, reprinted from the edition of 1883 Edinburgh.

14Cf. Hefele, C.J., p. 6-7, quoting Hardouin and Mansi, ll. cc. § 29; Dorner, l.c. p.52.

[9]Cf. Hefele, C.J., quoting Socrat. Hist. Eccl. Lib, vii. C. 29; Theodoret. Haeret, Fabul. lib. iv. c. 12; Evargrius. Hist. Eccl. i. 7; Gennad. De Scrip. eccl. c. 53 Vincent. Lirin. c. 16.

[10]Cf. Hefele, C.J., quoting Socrat. Hist. Eccl. vii. 29.

[11]Cf. Hefele, C.J., quoting Mansi, t. v. p. 573; Hardouin, t.i.p. 1331.

[12]According to Cyril of Alexandria (Ep. vi. p. 30, Ep. ix. P.37, Opp.t.v.ed. Aubert; and in Mansi, t. iv. P. 1014).

[13]Cf. Hefele, C.J., pp. 12-13, quoting Marius Mercat. ed. Garnier-Migne, p. 757 sqq.

 يقصد اتحاد في الكرامة وليس في الطبيعة كما سبق أن ذكر في خطابه الأول.

[14]Cf. Hefele, C.J., quoting Loofs, Nestoriana, p. 249.

[15]Cf. Hefele, C.J., quoting Marins Mercator, l.c., p.782.

 

شخصيات في الصراع الخريستولوجي – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج1

هرطقات ظهرت بعد الاريوسية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج8

هرطقات ظهرت بعد الاريوسية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج8

 

هرطقات ظهرت بعد الاريوسية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج8

 

بعض الهرطقات التي ظهرت بعد الآريوسية

(1) الإفنوميُّون

بدعة الإفنوميِّين، نسبة إلى زعيمهم إفنوميوس Eunomius (394+م) الذي كان كاتم سِّر مؤسِّس هذه البدعة، الذي يُدعى إيتيوس Aetius. وإيتيوس هذا كان أوفر المغامرين اللاهوتيين إنتاجاً[1]، أمَّا إفنوميوس فكان مشهوراً بجرأته وقُدرته على العمل المتواصل، وكان كثير التَّقلُّب.

أُقيم أسقفاً على كيزيكوس Cyzicus بواسطة إفدوكسيوس Eudoxius (300-370م) أسقف القسطنطينيَّة[2]، وسُرعان ما أتَّحد مع إيتيوس Aetius وانفصلا علناً عن إفدوكسيوس Eudoxius ووصماه بأنه رَجُل متلّون، مخادع، وانتهازي.

كان أتباع إفنوميوس Eunomius يقولون: إنَّ الابن يمكن أن يُدعى الله، ولكن بالاسم لا غير، ليبقى بينه وبين الله الرأس غير المخلوق، هوَّة لا يمكن اجتيازها. فحتى عبارة الأريوسيِّين عن الابن بأنه “شبيه في الجوهر” كانوا يعتبرونها تحفُّظاً غير الشريف، فكانوا إذاً أسوأ من الأريوسيِّين في اعتقادهم.

وكان إفنوميوس Eunomius يُعيد معمودية الذين ينضمُّون إلى مذهبه، مغطِّساً إياهم غطسة واحدة، ومنكِّساً رؤوسهم إلى أسفل وأرجلهم إلى فوق، وهو يقول: “يُعمَّد فلان باسم الآب غير المخلوق، والابن المخلوق، والرُّوح القُدُس المخلوق من الابن المخلوق”. وكان يُنكر العذاب الأخير، وجهنَّم.

 

(2) الإفدوكسيُّون

نسبة إلى إفدوكسيوس Eudoxius أسقف القسطنطينيَّة[3] في عهد الإمبراطور فالنس (364-378م). وهي فئة لم تكن أريوسيَّة بكلِّ معنى الكلمة، لكنَّها انحازت بصورة ظاهرة إلى اليسار في الأريوسيَّة، وادَّعت أنها  تمثِّل الأريوسيَّة الأصلية القديمة. وتمسَّك إفدوكسيوس Eudoxiusبالعبارة المبهمة التي اخترعها أكاكيوس Acacius (+366م) أسقف قيصريَّة[4] وهي “أنّ الابن شبيه بالآب”، بدون إشارة إلى أن هذه المشابهة تتخطّى الوجهة الأدبية.

فكانت النتيجة العملية، إعداد الطريق لأصحاب البدعة الإفنوميَّة.

(3) النِّصف أريوسيِّين

ويُسمَّون أيضاً “محاربي الروح”. وكان زعيمهم هو باسيليوس أسقف أنقرة Basil of Ancyra[5]. وكان حزب النِّصف أريوسيِّين هم أصل بدعة مقدونيوس Macedonius (+362) أسقف القسطنطينيَّة بقوَّة الملك قسطنديوس[6] (337-361م) بعد إنزال أسقُفه القانوني بولس. ثم خُلع من هذه الأسقفية في سنة 360م بواسطة الإفنوميِّين. وقد علَّم أن “الابن مشابه للآب في كل شيء، ولكنَّه لا يساويه في الجوهر. وأن الروح القدس مخلوق وخادم للابن، كأحد الملائكة”.

وقد سُمِّى مشايعوه “المقدونيِّين”. وكانوا قد تدرَّجوا في إيمانهم إلى إعلان عظمة الابن غير المخلوقة، إلا أنهم ظلُّوا يرفضون عبارة مجمع نيقية بأن الابن “مساو للآب في الجوهر”. وقال عنهم القديس أثناسيوس الرسولي (329-373م) وهو في منفاه الثاني:

[سمعتُ والأمل يحزُّ في نفسي، أن بعض الذين هجروا الأريوسِّين اشمئزازاً منهم لتجديفهم على الله، يدعون بعد ذلك الروح مخلوقاً ويقولون: إنه أحد الأرواح الخادمة، ولا يختلف عن الملائكة إلا بالرُّتبة][7].

وهو ما دفع مجمع القسطنطينيَّة إلى تثبيت تكملة قانون الإيمان النِّيقاوي بعد عبارة “نؤمن بالروح القدس”، بقوله: “الرَّب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو من الآب والابن مسجودٌ له وممجَّد”، وكانت هذه الإضافة جزءًا من دساتير الإيمان المحليَّة في الكنائس المختلفة في الشَّرق.

 (4) السَّابيليُّون

نسبة إلى سابيليوس  Sabellius[8] الذي اعتقد أن الثلاثة أقانيم هم أقنوم واحد مثلث الأسماء، ظهر تارة كآب، وتارة كابن، وأُخرى كروح قُدُس، بتغيُّر الصُّورة والشَّكل. وترجع بدعة السَّابيليِّين إلى تعاليم نوفاتوس الذي هو نوفاتيان[9] Novatian ومعه أيضاً براكسياس Praxeas في أواخر القرن الثاني الميلادي[10].

فيقول السَّابيليُّون: إن الابن والروح القدس إنما هما من الظُّهورات والأشكال أو الانبثاقات من شخص الآب الواحد. وقد أرسل البابا ديونيسيوس الكبير (248-265م) البطريرك الإسكندرية رسالة إلى زيستوس الثاني Sixtus II (257-258م) أسقف روما، يصف فيها هرطقة سابيليوس، بأنها مملوءة كُفراً وتجديفاً على الله الآب، وشكوكاً كثيرة بخصوص ابنه الوحيد بكرُ كلّ خليقة، الكلمة المتأنِّس، وقصوراً شديداً في معرفة الروح القدس، فيقول:

[قد كتبتُ بضع رسائل لمعالجة الموضوع، وضعتُ فيها بمساعدة الله، كثيراً من التَّعاليم على قدر استطاعتي، وها أنا أرسلُ إليك نُسخاً منها][11].

 (5) المركليُّون

نسبة إلى مركلُّوس Marcellus (+374م) أسقف أنقرة Ancyra في غلاطية. وكان اعتقاده قريباً من تعليم سابيليوس، ومناقضاً للإيمان الحقيقي بلاهوت الابن، وبالتَّجسُّد. ويُنسب إليه الرأي، بأن الكلمة كان قوَّة إلهيَّة غير شخصيَّة، كامنة في الآب منذ الأزل، ولكنَّها صادرة منه في عمل الخليقة، ودخلت أخيراً في علاقات مع شخص الإنساني، فصار بذلك ابن الله. على أن هذا الامتداد من الوحدة الإلهيَّة، يتبعه انكماش، عندما ينسحب الكلمة من يسوع، ويكون الله ثانية، الُكل في الكُل!

(6) القوتينيُّون

هم أتباع فوتينوس Photinus الذي صار أسقفاً على سيرميوم Sirmium سنة 344م[12] وهو تلميذ مركلُّوس Marcellus (+374م) أسقف أنقرة. وكان فوتينوس Photinus هذا متصلَّباً في رأيه، عنيداً، حاضر الذِّهن. وقد صدرت ضدَّه أحكام أربعة مجامع متتابعة قبل أن يضع السلطة المدنيَّة حدًّا لمشاغباته في سنة 351م. وقال في تعليمه عن شخص السيِّد المسيح له المجد “إن يسوع الذي استقرَّ فيه الكلمة استقراراً تاماً ممتازاً، كان إنساناً مجرَّداً بسيطاً”.

وهو رأيٌّ يشبه رأي بولس السَّاموساطي. ولم يكن يعترف بالثالوث القدُّوس، وكان يُسمِّي الله روحاً خالق الكُل، ويرى أن الكلمة ما هو إلا كلمة لفظيَّة، وأمرٌ إلهيٌ خادمٌ لله في إبداع الكون كأنَّه آله صناعيَّة، وأن المسيح إنسانٌ مجرَّد، اقتبل كلمة الله ولكنَّه لم يقتبل الجوهر، بل اللفظ فقط، وأن بدء وجوده كان في مريم”[13].

 (7) الأبوليناريُّون

هم أتباع أبوليناريوس Apollinarius (310-390م) أسقف اللاذقيّة في سوريا. ويقول عنه البابا أثناسيوس الرسولي:

[إنه اعتاد أن يقول: إن الكلمة أخذ جسداً بدون نفس. وإذ يشعر أحياناً بخجل لجهله، يعود فيقول: إن الجسد الذي اتَّخذه، كانت فيه نفس غير عاقلة، جارياً على رأي أفلاطون في التَّفريق بين النَّفس والعقل].

وفي تفسيره الخاطيء للآيتين (1 تسالونيكي 23:5، غلاطية 18:5) نسب للمسيح جسداً بشرياً ونفساً بشريَّة، ونفى أن يكون له روح عاقلة، وجعل الكلمة يحلُّ محلّ الرُّوح في شخص المسيح، فيجعل المسيح كائناً متوسِّطاً بين الله والإنسان، قائلاً: إن المسيح مزيجٌ من الله والإنسان. واندفع إلى القول: إنه لا يجوز أن نعبُد كائناً بشرياً متوشِّحاً بالله، أو نسجد له. فتصدَّى له القديس غريغوريوس اللاهوتي (329-389م) قائلاً:

[يجب أن نسجُد لإله متوشِّح بالنَّاسوت، وليس لجسد متوشِّح باللاهوت].

[1] أثناسيوس في المجامع (31)، وسقراط في تاريخ الكنيسة (45:2).

[2] شارك في كثير من المجامع الأريوسية في القرن الرَّابع الميلادي. ورُسم أسقفاً على أنطاكية سنة 358م، ثم صار أسقفاً للقسطنطينيَّة سنة 360م. ولم يتبق من كتاباته سوى شذرات بسيطة من مقالة له عن التَّجسُّد.

ODCC, 2nd edition, p. 479, 480.

[3] سبق الإشارة إليه منذ قليل.

[4] لاهوتي أريوسي، وهو تلميذ يوسابيوس Eusebius القيصري (360-340م)، وخليفته على كرسي قيصريَّة فلسطين.

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 8.

[5] Cf. ODCC, 2nd edition, p. 141.

[6] وهو يُسمَّى أيضاً “قسطنطينوس”. والذي حكم الجزء الشَّرقي من الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة.

[7] الرسالة الأولى إلى القديس سرابيون عن الروح القدس.

[8] يُعرَف عنه القليل جداً. ويُظن أنَّه لاهوتي من بواكير القرن الثالث الميلادي، ومن أصل روماني. ورد ذكره في بعض كتابات الآباء اليونان في أواخر القرن الرَّابع أو الخامس الميلادي، حيث ينسبونه إلى ليبيا أو الخمس مُدُن الغربيَّة Pentapolis.

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 1218.

[9] نوفاتوس أو نوفاتيان، هو قس من كنيسة روما، له مؤلّف هام ومتكامل عن الثالوث. أما تفاصيل حياته، فهي مجهولة. وقد تعرَّض للاستشهاد في حُكم فالريان سنة 257م. ولم تقبل الكنيسة تعاليمه، كما رفضها البابا ديونيسيوس الكبير (248-265م).

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 984.

ويقول عنه يوسابيوس القيصري: نحن بحق نشعر بالكراهية نحو نوفاتوس الذي قسَّم الكنيسة، ودفع ببعض الإخوة إلى الكُفر والتَّجديف، وأدخل تعاليم كُفريَّة عن الله وأخرى عن ربنا يسوع المسيح الكُلي الرأفة، مدَّعياً بأنه غير رحيم. وعلاوة على كل هذا، فإنه يرفض المعمودية المقدسة، ويقلب الإيمان والاعتراف اللذين يسبقانها، ويمنع عنهم كُليَّة الروح القدس، إن كان هناك أيُّ رجاء أن يبقى معهم أو يعود إليهم.

انظر: يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة القمص مرقس داود، الطبعة الثانية، القاهرة، 1979م، ص351.

[10] براكسياس هو هرطوقي، وصلتنا معلومات عن تاريخه وتعليمه من مقالة باليونانية بعنوان “ضدَّ براكسيان” Adversus Praxian كُتبت حوالي سنة 213م.

وقد اشار العلامة ترتليان (160-225م) إلى تعاليمه الخاطئة.

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 1115.

[11] يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة القمص مرقس دادود، مرجع سابق، (6:7)، ص 349.

[12] ظل فوتينوس أسقفاً على سيرميوم Sirmium حتى سنة 351م حين أُقصيّ عن منصبه، لتعاليمه الخاطئة، وبقرار من مجمع عُقد في سيرميوم بأمر الإمبراطور قنسطنطيوس Constantius. ولم يصلنا شيء من كتاباته. أما تعليمه، فعرفناه مما كتبه عنه مناوئوه.

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 1087.

[13] تاريخ الكنيسة لسوزومين (6:4).

 

هرطقات ظهرت بعد الاريوسية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج8

الصراع حول مصطلح الهوموأوسيوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج7

الصراع حول مصطلح الهوموأوسيوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج7

 

الصراع حول مصطلح الهوموأوسيوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج7

 

الصراع حول مصطلح الهوموأوسيوس

هذا الاصطلاح الذي يورده قانون الإيمان النيقاوي والذي يُعرف في اليونانية باسم όμοούσιος (هوموؤسيوس)، هو اصطلاح لاهوتي يختص بعلاقة الابن بالآب، والذي يعني أن الابن مساو للآب في الجوهر، أو من ذات جوهر الآب. وكان أول من استخدم هذا الاصطلاح هو القديس إيريناؤس (130-200م)، والعلاّمة المصري أوريجانوس (185-254م)، كما سبق أن أشرتُ.

وفي ذلك يقول العلاّمة أوريجانوس في كتابه “المبادئ”:

[إن الابن مشترك مع الآب في الجوهر ούσία (أوسيَّا)، لأن ما ينبثق (أو يولد) من الجوهر، هو مساو له وواحد معه όμοούσιος (هوموؤسيوس) بكلِّ تأكيد][1].

والأوسيّا ούσία تعني الجوهر أو الكيان being أو الوجود الحقيقي البسيط غير المحدود، وهي في الإنجليزية essence من الأصل اللاتيني essential وفي اللاتينية substantia[2]. والأوسيّا تحوي أيضاً في مضمونها الاصطلاح اللاهوتي Φύσις (فيسيس) الذي يعني “طبيعة” nature ولكنها لا تساويها تماماً. وبالرغم من ذلك، فقد كانت “الأوسيّا” تعتبر لدى لاهوتيي كنيسة الإسكندرية مساوية تماماً للـ “فيسيس”.

فجاءت عند البابا أثناسيوس الرسولي [طبيعة Φύσις إلهية واحدة One is the divine nature]. كما جاءت هكذا أيضاً عند القديس كيرلس الكبير (412-444م). ليس هذا فقط، بل كان البابا أثناسيوس الرسولي يستخدم اصطلاح “الأوسيّا” واصطلاح “الهيبوستاسيس” أي “الأقنوم” كمترادفين، يحلُّ أيهما محل الآخر، ويشاركه في ذلك القديس جيروم (342-420م).

فعن “الأوسيّا” يقول القديس أثناسيوس الرسولي:

[إن الله هو ذو جوهر ούσία غير مُدرَك، وفوق كلِّ إدراك][3].

ومن هذه “الأوسيّا” كان اصطلاح الـ “هوموؤسيوس”.

ونفس هذا الاصطلاح الذي قنَّنه مجمع نيقية المسكوني الأول سنة 325م، كان يهدف به آباء المجمع إلى إثبات أن الابن مع الآب هما واحد، وأن هذا الجوهر هو كيانٌ أساسي واحد. فأضافوا بعد قانون الإيمان –بسبب المحرومين- نصّاً قالوا فيه بأن الابن “ليس من هيبوستاسيس ύπόστασις آخر”، أي “ليس من جوهر آخر”[4].

ولازال هذا الاصطلاح مستخدماً في كافة كنائس المسكونة حتى اليوم، بعد أن جاز تاريخاً طويلاً من الصدام والصراع والقبول والرفض بين الاساقفة وبعضهم البعض، وبالتالي بين الكنائس المختلفة.

وترجمة الاصطلاح اليوناني όμοούσιος (هوموؤسيوس) في اللغة العربية إلى “مساو في الجوهر لـ”، لا تفيد بدقة ما يعنيه هذا الاصطلاح اليوناني عن علاقة الابن بالآب. لأن المساواة أو التساوي في اللغة العربية تعني حتماً التساوي بين شيئين أو شخصين، حتى لو كان تساوياً مُطلقاً.

ولكن الابن هو من نفس جوهر الآب، فهو والآب واحد. فمساواة الابن للآب في الجوهر، لا تعني أن جوهر الابن يساوي تماماً جوهر الآب، بمعنى وجود جوهران في الله. لأن الله جوهرٌ واحدٌ في ثلاثة أقانيم. وكون الابن هو صورة الآب ورسم جوهره، يعني أنه من ذات جوهره.

لقد استخدم البابا أثناسيوس الرسولي اصطلاح الـ “هوموؤسيوس” لكي يهدم به اصطلاح الأريوسيين وهو الـ “هوميؤسيوس” في شرحهم لعلاقة الابن بالآب. فالابن لا يمكن أن يكون مشابهاً للآب، لأنه غير مفترق عن طبيعة الآب، وهو وإن كان مساوياً للآب في الجوهر، فهو “تساوي الوحدانية”. لأن الذي هو من جوهر الله الآب ومتساوي معه، يتحتم أن يكون واحداً معه في ذات الجوهر.

[1] Origen., De Princip. 1. 2. 12.

[2] نظراً لعجز اللغة اللاتينية في تفسير المصطلحات اللاهوتية، كانت كلمة substantia تعني كلاً من (أوسيَّا)، (هيبوستاسيس). أي أن كلمة “طبيعة” في اللاتينية كانت تعني كلاً من الجوهر والأقنوم. وكان آباء نيقية يخشون لو أنهم اعترفوا باثنَين هيبوستاسيس (أي أُقنومَين)، أن يُتهموا بأنهم يقبلون الاعتراف بجوهرَين.

انظر: المقالة الأولى ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي، مرجع سابق، ص 128

[3] Athanas., Contra gent., 2.

[4] القديس أثناسيوس الرسولي، ضد الأريوسيين، المقالة الأولى، مرجع سابق، ص 127

 

الصراع حول مصطلح الهوموأوسيوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج7

قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6

قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6

 

قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6

 

كان الإيمان بالمسيح المُخلّص هو مركز البشارة، حتّى صارت ”السمكة“ هيَ الرمز للإيمان المسيحيّ في العالم الهليني وذلك لأنها في اليونانيّة ”ἰχθύς – إكسوس“ تشمل الحروف الأولى من العبارة ”يسوع المسيح، ابن الله المخلّص“. وقد شهد العلَّامة ترتليان بذلك كما شهدت نقوش السراديب الرومانيّة. وردت هذه العبارة الرمزيّة في مؤلفات الكُتَّاب المسيحيّين في نطاق واسع كقانون إيمان يُعبّر عن المعتقد المسيحيّ.

هذا لم تستحدثه المسيحيّة، فقد سبقتها اليهوديّة إلى ذلك، من خلال ما يُسمى بـ”الشِمَع- שְׁמֵע“ والتي تعني ”اسمع“، المأخوذة من الآية: ”اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرّبّ إِلهُنَا رّبّ وَاحِدٌ“ (تث6: 4).[1] يُعتبر هذا هو أقدم قانون إيمان عرفته البشريّة، فقد كان يُتلى يوميًا في الصلوات اليهوديّة. [2] وهو من أكثر اللحظات نشوة عند المُتعبد اليهوديّ، ففيه يرى أنّه يتقابل مع الله، وفيه يشهد لله، حتّى أنّه قد جاء في المدراش: ”إنّ الله عُرِف في العالم، بسبب أنّنا حملنا الشهادة له“، ويرون أنّ هذا القانون هو جوهر الإيمان اليهوديّ.[3]

بعد مجئ السيد له المجد، وإذ انطلقت الكنيسة في عصر الرسل تكرز وتبشر العالم بالخلاص كان لزامًا أن يعترف كلّ موعوظ بإيمانه جهرًا في صيغة مُختصرة قبلما يتقبّل العضويّة في جسد المسيح، أي قُبيل عماده مباشرة. وذلك كما فعل الخصي الأثيوبيّ (أع ٨: ٣٧) حين أعلن رغبته في العماد مُعترفًا ”أنا أومن أنّ يسوع المسيح هو ابن الله“.

فلم تكن العقيدة آن ذاك مُجرّد تعبيرًا فرديًّا نظريًّا، بل كانت تعبيرًا عن واقع الكنيسة. ولقد تمت صياغة العقائد كردود أفعال ضد التأويلات الخاطئة التي للهراطقة، وقد كان هدفها الجوهريّ هو الحفاظ على جوهر رسالة الإنجيل.[4]

يتحدّث عن قانون الإيمان فيما قبل مجمع نيقية الكثير من آباء الكنيسة، لكنّ، لم يكن له مُسمّى واحد، فالبعض أطلق عليه اسم: ”قاعدة الإيمان“، ”κανν τη̂ς πίστεως,- regula fidei“، وفي أحيان أُخرى كان يُدعى بـ”قانون الحقّ“.

يخبرنا عن قاعدة الإيمان المؤرخ الأوّل للكنيسة يوسابيوس القيصريّ، عندما يتحدّث عن مُخالفة الهراطقة للإيمان الأرثوذكسيّ، نجده يكتب: ”لقد تركوا قاعدة الإيمان القديم، لذلك، هم لا يعرفون المسيح، ولا فحصوا الكتب كما ينبغي“.[5]

بينما يُخبرنا هيبوليتوس الرومانيّ عن ”قاعدة الحقّ“، قائلًا: ”لقد كتبنا كتبًا دفاعية عن الإيمان، بكفاية واسهاب، وشرحنا قاعدة الحقّ لكل من يرغب“.[6]

يُعدّد المُعلِّم إكليمندس السكندريّ أسماء قانون الإيمان على النحو التالي:

”إنَّ الإيمان له قاعدة، وأنّ هذه القاعدة هيَ قانون الإيمان، أو القانون الكنسيّ، أو قاعدة الحقّ والتسليم“.[7]

يخبرنا ترتليان إنّ قاعدة الإيمان هذه، هيَ المقياس، وهيَ التي يُقاس عليها التّعليم الأرثوذكسيّ، وتُفرز الهرطقات:

”هذه القاعدة هيَ من الرسل، وحتّى بولس الرسول بعد اهتدائه، صعد إلى أورشليم، كي يُقارن قاعدة إنجيله، بقاعدة الإيمان عند باقي الرسل، وهذه القاعدة هيَ التي يتمّ بموجبها فرز الهرطقات والهراطقة“.[8]

أوريجانوس، وهو من هو، يقول إنّ قاعدة الحقّ هذه كانت مُنتشرة ومعروفة في كلّ الكنائس: ”إنّ كلّ ما يخص المسيح، قد حدّدته الكنائس، حسب القاعدة التي تقبلها كلّ الكنائس، وكلّ وعظ وكرازة يجب أن يتّبع هذه القاعدة“.[9]

فقد كان قانون الإيمان نصًا يشمل عناصر الإيمان الجوهريّة للمسيحيّة، مُرتبطة باللِّتورجيَّا والكتاب المُقدّس، وهو المقياس الذي يحكم ويُفسرّ ويعظ المُعلمون من خلاله، وهو ليس بالأمر المُستحدث، بل هو مُترسِّخ في تّعليم الكنيسة منذ نشأتها.

وقد كانت قوانين الإيمان هذه تعبيرًا فكريًّا عن الإيمان الحيّ في الكنيسة، أو هو تعبير جهاريّ يُعلن الإيمان الراسخ في الكنيسة. ونجد له هيئة أوليّة في بعض نصوص العهد الجديد، مثل:

–         في اعتراف الخصي الحبشيّ، قُبيل معموديته على يد فيلبس، نجد إحدى الأشكال الأولى لاعتراف الإيمان: ”فَقَالَ فِيلُبُّسُ:‘إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كلّ قَلْبِكَ يَجُوزُ’. فَأَجَابَ وَقَالَ: ‘أَنَا أُومِنُ أنّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ’“ (أع8: 37).

–         ”لإنّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرّبّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أنّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خلّصتَ.‏لأنّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ“ (رو10: 9، 10).

–         ”فَإنّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: إنّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وأنّهُ دُفِنَ، وَأنّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ“ (1كو15: 3، 4).

–         ”عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ. وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سرّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرّر فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ“ (1تي3: 15، 16).[10]

وبهذا نجد أنّ صيّغ قانون الإيمان، تعود بذرتها الأولى إلى الرسل أنفسهم، وقد ظهر في أقدم أشكاله، كصيغة خاصة بالمعموديّة، يعترف بها طالب العماد مُعلنًا قبوله الحقّ ودخوله ”الحياة في المسيح يسوع“. فقد كانت المعموديّة، إحدى الدوافع التي أدت إلى ظهور قانون الإيمان، حتّى تتأكد الكنيسة أنّ المُعمّد مؤمن ومعترف بالإيمان المسيحيّ بأكمله.

في الدوائر اليهوديّة كان يكفي لطالب العماد أن يُعلن هذا القانون الإيمانيّ البسيط؛ أنّ ”يسوع هو المسيّا“، أي هو المخلّص الذي انتظره الآباء وشهد عنه الأنبياء، فيه كملت الشريعة وتحقّقت مواعيد الله للبشريّة. أمّا بالنسبة للأمم، إذ لم تكن لهم الشريعة ولا عرفوا النبوات عن المسيّا يعبدون آلهةً كثيرةً وأربابًا كثيرة، كان لزامًا على طالب العماد أن يُعلن حقّيقة إيمانه بأكثر وضوح: إيمانه بالله الواحد المثلث الأقانيم، وعمل المسيح الخلاّصيّ.

إذ ظهرت غنوصيّات غير أرثوذكسيّة تنادي بالثنائيّة، وتُحقِر من المادة وتشوّه حقّيقة التجسد الإلهيّ، لم يعد ”قانون الإيمان“ في صورته الأولى كافيًا، أي لا يكفي إعلان أنّ ”المسيح ابن الله الحيّ“، إنما يلزم الاعتراف بـ ”الحبل به من الروح القدس، ولادته من العذراء مريم، تألمه في عهد بيلاطس البنطي وموته ودفنه (وليس كما علَّم الغنوصيّين أنّه اختُطِف إلى السماء من على الصليب أو قبيل صلبه)، وأنّ الروح القدس حال في الكنيسة… إلخ“.[11]

نجد أولى الصياغات المُعبرة عن قانون الإيمان، خارج العهد الجديد، عند القديس إغناطيوس الأنطاكيّ، حيث يكتب في رسالته إلى سميرنا:

”أُمَجِد يسوع المسيح الذي جعلكم حكماء, لقد أدركت أنّكم قد بُنيتم بأيمان لا يتزعزع، كأنّكم مُسمرُون على صليب يسوع المسيح بالجسد والروح، وثابتون بقوة في المحبة بدم المسيح، الذي هو حقّيقة ‘من نسل داود بالجسد’ (رو1:4), وولد حقّيقة من العذراء، واعتمد من يوحنا ‘لتتم به كلّ عدالة’ (متى3:15), وسُمِّر من أجلنا على عهد بيلاطس البنطي وهيرودس رئيس الرُبع، وبثمرة صليبه وآلامه المُقدّسة وجدنا الحياة، وبقيامته ‘رفع رايته’ (إش 5:26) فوق العصور ليجمع قديسيه ومؤمنيه، في اليهوديّة والأمم، في جسد واحد أي في كنيسته“.[12]

في رسالته إلى تراليان نجد اعترافًا إيمانيًّا آخر، كالتالي:

صُمّوا آذانكم عندما تسمعون كلامًا لا يكون عن المسيح ابن داود من مريم العذراء, عن المسيح الذي وُلِد حقًّا، وأكل وشرب، واحتمل الآلام على عهد بيلاطس البنطي، ومات على الصليب أمام السماء والأرض وما تحت الأرض, وقام من بين الأموات.[13]

 عند إغناطيوس، نجد أنّ حقّيقة ميلاده من العذراء مريم تُمثل بُرهانًا على بشريّة يسوع، وهذا في سياق حربه ضد بدعة الخياليّين أو الديسوتيّين. فكلمات مثل: ”حقًّا أكل وشرب“، تؤكد على حقّيقة تجسد الكلمة، وكثيرًا ما استخدمتها الكنيسة لتُحارب هذه البدع.

بوليكاربوس، في رسالته الوحيدة التي تركها لنا، قُبيل استشهاده، يكتب فيها:

”آمنوا بمن أقام سيدنا يسوع المسيح من الأموات، وأعطاه مجدًا، وأجلسه عن يمين عرشه، وأخضع له كلّ ما في السماء وما على الأرض، والذي تعبده كلّ نسمة، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات“.[14]

يوستينوس الشهيد، عندما سأله الوالي ”ريستكس“، عن إيمانه. أجاب: ”الإيمان الذي نعتنقه بتقوى، إنه الإله صانع العالم بأسره منذ البدء، وأيضًا، بيسوع المسيح، ابن الله، والذي أخبر عنه الأنبياء بانه سوف ينزل للبشريّة كمُعلن للخلاص، ومُعلم للعقائد الحسنة“.[15]

في هذا الاعتراف الإيمانيّ المُختصر، نجد القديس يوستينوس يتحدث عن الله الخالق، وابنه يسوع الذي أخبر عنه الأنبياء. والنبوة في تعاليم آباء ما قبل نيقية مُرتبطة بشدة بالروح القدس مُعطي النبوة. ثُمَّ أنّ هذا الابن تجسد لكي يُعلمنا العقائد الإلهيّة السليمة ويقضي على التشوّهات التي كانت في مُخيلات البشر لدى الله، ثُمَّ يُعطينا الخلاص الذي منه.

أثيناغوراس، المُعلم السكندريّ الشهير، وأحد عُمداء مدرسة الإسكندريّة المسيحيّة، والذي سوف نتناول تعاليمه اللاهوتيّة في فصل خاص من هذا الكتاب، يقول في دفاعه عن المسيحيّين:

”لقد أشرت بما فيه الكفاية إلى أنّنا لسنا مُلحدين لأنّ إلهنا هو الإله الواحد غير المخلوق وأبديّ وغير مرئيّ ولا يُشبهه شيء مُدرك. يُمكن معرفته فقط بالعقل والمنطق، مُحاطٌ بنور وجمال، بالروح والقوة اللامُتناهية، الذي بكلمته خُلِقت المسكونة بترتيب وإحكام.

ونؤمن بابن الله، ودعونا نعترف أنّه لمن المُضحك أن يكون لله ابن! لكنّ، فيما يخص فكرنا عن الله الآب والابن، فهو مُختلف تمامًا عن أساطير الشُعراء التي تتضمن تعاليم عن آلهة لا يختلفون عن البشر! إنّ ابن الله هو كلمة الله (اللوغوس)، هو الفكر الذي يُبدع والقوة التي تخلق، الذي بموجب مشيئته كان كلّ شيء، فالآب والابن واحد، حيث إنّه من خلال قوة ووحدة الروح، فإنّ الآب في الابن والابن في الآب. إنّ ابن الله هو فكر وكلمة الآب.. وهو مولود من الآب، غير مخلوق، وإنّ الله كان لديه الكلمة في ذاته منذ البدء، لم يوجد وقت كان فيه الله بلا كلمة..

ونعلم أيضًا، أنّ الروح القدس الذي أظهر ذاته من خلال عمله في الأنبياء، مُنبثق من الله، فهو ينبع منه ويرجع إليه، مثل شعاع الشمس..

فنحن نعترف بإله واحد، آب وابن وروح قدس، لهم قوة واحدة“.[16]

في واحدة من رسائل الشهيد كبريانوس القرطاجنيّ، يكتب:

”بكل تأكيد، لا يؤمن ماركيون بنفس الإله الآب وخالق كلّ الأشياء، كما نُعلِّم نحن، هل هو يعترف بنفس الابن المسيح المولود من العذراء مريم الذي هو الكلمة المُتجسد، والذي حمل خطايانا وقهر الموت، وهو أوّل من أسّس قيامة الجسد في أقنومه، عندما أقام جسده، وأظهر لتلاميذه أنّه أقام نفس الجسد“.[17]

كبريانوس هُنا يتحدث عن الله الآب الخالق ضابط الكلّ، ويؤكد إنسانيّة المسيح المأخوذة من العذراء مريم، وأنّه حقًّا وُلِد ومات وقام.

القديس إيرينيئوس من بدايات القرن الثاني، يشرح خلاصة الإيمان المسيحيّ بالثالوث القدوس، في ثلاثة بنود، أشبه بقانون إيمانيّ، وهي:

”إنّ البند الأوّل من قانون إيماننا، وقاعدة البناء وأساس الخلاص هيَ أنّ: ‘الله الآب غير المولود، غير المُحوى، غير المرئي، إله واحد خالق الجميع. والبند الثاني: هو أنّ كلمة الله ابن الله، يسوع المسيح رّبّنا، الذي تنبأ عنه الأنبياء، الذي كلّ شيء به كان وبتدبير الآب في الأيام الأخيرة صار إنسانًا بين البشر (يو1: 14) وتراءى للكل لكي يُبطل الموت، ولكي يجمع كلّ شيء ويُظهر الحياة ويصنع شركة بين الله والإنسان. والبند الثالث هو أنّ: الروح القدس هو الذي بواسطته تنبأ الأنبياء وتعلّم الآباء بأمور الله، والذي بواسطته دخل الأبرار إلى طريق البر، كما أنّه انسكب في الأيام الأخيرة بطريقة جديدة على جنس البشر مجدّدًا الإنسان لله“.[18]

في مؤلفه الشهير ”ضد الهرطقات“، يكتب:

”قد استلمت من الرسل، ومن تلامذتهم، الإيمان بإله واحد، آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض والبحار، وكلّ ما فيها، والإيمان بيسوع المسيح الواحد، الذي هو ابن الله، الذي تجسد من أجل خلاصنا، والإيمان بالروح القدس الذي أعلن التدبير بواسطة الأنبياء، أي بمجئ المسيح، وميلاده العذراويّ، وآلامه، وقيامته من بين الأموات، وصعوده إلى السموات جسديًّا، وظهوره ثانية من السماء، في مجد الآب، لكي يجمع كلّ الأشياء في نفسه، ولكي يُقيم أجساد كلّ البشر إلى الحياة، لكي تجثو للمسيح يسوع، رّبّنا وإلهنا ومُخلّصنا، كلّ ركبة، بحسب مشيئة الآب غير المنظور، ولكي يعترف كلّ لسان له، ولكي يجري دينونة عادلة… هذه الكرازة، وهذا الإيمان، تحفظه الكنيسة، رغم تشتتها في كلّ العالم“.[19]

العلَّامة ترتليان، هو الآخر يتحدث أكثر من مرة عن قانون الإيمان المعروف في عصره، فيقول:

”قاعدة الإيمان، نعرفها جميعًا ونُكرّرها بروح واحد… نؤمن بإله واحد عظيم، صانع العالم، وابنه، يسوع المسيح، الذي وُلِد من العذراء، وتألم في عهد بيلاطس البنطي، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماوات، ويجلس الآن عن اليد اليُمنى للآب، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، كما سيُقيم الأجساد“.[20]

إذ بدأت الهرطقات والبدع تنتشر، لم يعد ”قانون الإيمان“ خاصًا بطالبي العماد، إنما صارت الحاجة مُلحة لاستعماله الكنسيّ في العبادة الليتورچيّة والعبادة الخاصة. بدأت المجامع المسكونيّة تضع قانون الإيمان، لأهداف دفاعيّة وتّعليميّة. ففي مجمع نيقية وُضِع قانون الإيمان ليُحارب الآريوسيّة.

فإنّه وإن اقترب من قانون الإيمان الأورشليميّ العماديّ القديم، لكنّه أضاف إلى الفقرة الثانية الخاصة بالسيد المسيح هذه الصيغة: ”نور من نور، إله حقّ من إله حقّ، مولود غير مخلوق، واحد مع الآب في الجوهر“. هذه الصيغة لا يستطيع الآريوسيّون أن ينطقوا بها، فتفرزهم عن المؤمنين. بهذا قدّم مجمع نيقية للكنيسة صيغة لاهوتيّة مُبسطة تعلن إيمان الكنيسة، ويعترف بها المسيحيّون ويترنمون بها ويُصلّونها، فلم تعد حكرًا على المُعمدين فقط.

في المجمع المسكونيّ الثاني بالقسطنطينيّة أُضيف إلى قانون الإيمان النيقيّ صيغة خاصة بالروح القدس: ”الرّبّ المحيّي، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء…“.

 

[1] انظر أيضًا: تث4: 25؛ 2صم7: 22؛ 22: 32؛ 1مل8: 60؛ 1أخ17: 20؛ مز18: 31؛ إش43: 10؛ يوئيل2: 27؛ زك14: 9. هذه النصوص التي تتّبع قانون ”اسمع“، وتُشدّد على وحدانيّة الله ومُلكه. ولها مثيلاتها في العهد الجديد، انظر: مر12: 29؛ يو17: 3؛ 1كو8: 4؛ غلا3: 20؛ 1تي2: 5.

[2] للمزيد اقرأ: رافائيل البراموسي (الراهب القمص)، الرّبّ إلهنا رّبّ واحد (القاهرة: الكرمة، 2015).

[3] Sifri 346 on Deuteronomy 33: 5; Midrash Tehilim 123: 2; Pesikta 12: 102b; Yalkut 1: 275, 2: 317.

[4] Paul Tillich, A History of Christian Thought, XXXIX

[5] تاريخ الكنيسة 5: 28.

[6] Eleneshos, 10: 5: 1.

[7] المتنوعات 7: 7؛ 6: 15؛ 6: 18.

[8] ضد مركيون 5: 1، 3؛ ضد فالنتينوس 4: 1.

[9] تفسير يوحنا 13: 16؛ عظات على إرميا 5: 4.

[10] أغلب القراءات النقدّية الحديثة للنص، تقرأه ”الذي–ὅς ظهر في الجسد“، بدلًا من: ”الله-θεός ظهر في الجسد“. وهذا لا يُغير من معنى النص نهائيًا، فقد كان هذا تعبيرًا سرائريًا- μυστήριον عن الشخص (يسوع) الذي أعطى العالم المعرفة عن الله غير المُدرك، أو لنقل هو تعبير عن الله المُمجد، والذي لا يُمكن معرفته في مجده. فعدم نطق الاسم ”الله“، كان تعبيرًا عن هذا الإجلال السرائري للإله، حتّى في المفهوم اليهوديّ القديم (Philip Schaff, The Creeds of Christendom, With a History and Critical Notes, Volume II: The Greek and Latin Creeds, With Translations (New York: Harper & Brothers, 1890), 7.).

[11] منعًا للتكرار، يُمكن الرجوع إلى الفصل الخاص بالإيمان بالثالوث في المعموديّة، إذ جاء به الكثير من قوانين الإيمان الأولى، والتي آثرنا ألَّا نُعيد كتاباتها هُنا.

 [12]الرسالة إلى سميرنا، 1.

 [13]إلى تراليان، 9؛ انظر أيضًا: مغنسيا، 11.

[14] الرسالة إلى فيلبي، 2.

[15] سيرافيم البراموسي (الراهب)، الشهادة في نصوص العهد الجديد وحياة الكنيسة الأولى (القاهرة: مدرسة الإسكندريّ للدراست المسيحيّة، 2014)، ص 177.

[16] A Pela Regarding Christians, 10.

[17] رسالة 73: 5.

 [18]الكرازة الرسوليّة 6.

 [19] ضد الهرطقات، 1: 10: 1، 2.

[20] De Virginibus Velandis, cap. 1; Adv. Praxeam, cap. 2; De Præscript. Hæret. cap. 13.

 

قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6

الاطار العام للمسيحية في القرن الثاني – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج2

الاطار العام للمسيحية في القرن الثاني – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج2

 

الاطار العام للمسيحية في القرن الثاني – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج2

 

 

الاطار العام للمسيحية في القرن الثاني

بعد أن عاشت الكنيسة الإيمان الثالوثيّ المُستلم من الرسل، سواء مما كتبوه وتركوه لنا في العهد الجديد، أو مما سلَّموه شفاهة، وعاش في خبرة الكنيسة كجماعة ليتورجيّة مُتعبدة، وبعد رحيل آخر الرسل (القديس يوحنا اللاهوتيّ)، ثُمَّ مرحلة الاصطدام باليهود والرومانيّون، مع الإيمان المسيحيّ، الذي كان يخالفهم الرأي، ويتصدى لمعتقداتهم، ويفضحها، ويجرّدها من معانيها.

كان صوت المسيحيّين هذا، إنطلاقًا من الأمانة التي أودعها المسيح في الكنيسة، إذ اعلن لها عن إله يسكن فيها، وهيَ بدورها تحيا كارزة له، بالعمل وبالكلمة، وما لا يُمكن أن تقبله على نفسها، هو أن تطمر هذه الوزنة مثل العبد الجبان، الذي انتظر الساعة الأخيرة ليُعيدها إلى سيده (مت25: 14- 31)، بل أن تستثمرها، وتحميها، وتصونها، وتُدافع عنها عند الحاجة، وتسبر الغنى الموجود فيها، لتستمد منه غذاء مُشبعًا لكل ما يُثار من أفكار حول الإيمان.

انطلاقًا من هذه الرسالة، التي سلّمها يسوع المسيح للكنيسة، وائتمنها عليها، راحت الكنيسة تُبشّر بتعاليمه، وتَدرِس في الوقت عينه، صفات المُعلم، لترد على تساؤلات شخصيّة، وعلى استفهامات المُرتدين الجُدّد.[1]

كانت الأجوبة في البدء تعتمد كُلّيًّا على الكتب المُقدّسة، إذ كانت الحرب مع اليهود، ويكفي إثبات مسيّانيّة يسوع حتّى يؤمنون. ثم، تطوّر الوضع، حتّى لا تتشتّت الجماعة من تفسيرات مُختلفة للنص الكتابيّ، فأصبح التقليد هو المقياس الذي يُبنى عليه تفسير العهدين، والتّعليم اللاهوتيّ على السواء.

بعد قليل، واجه المسيحيّون الوثنيّين، فكان لابد من التعامل معهم من نفس الأرضيّة التي يتحركون منها للنقد، وهيَ الفلسفة والبحث النظريّ، وعلوم اللغة. إذا أضفنا إلى كلّ ما سبق الهرطقات التي نشأت في بوادر المسيحيّة، فإنّنا نجد من كلّ ذلك العوامل التي دفعت مُعلميّ الكنيسة الأولين نحو تأسيس علم اللاهوت المسيحيّ، الذي نما وتطوّر عبر القرون واللغات، ولم يتغيّر أساسه الأصليّ الذي وضعه الرسل، ونحتته الكنيسة على مدى العصور.

عند قراءتنا للنصوص اللاهوتيّة عند آباء ما قبل القديس إيرينيئوس –ولا سيَّما حقبة الآباء الرسوليّون والمُدافعون- يجب أن نضع في أذهاننا أن هؤلاء الآباء لم يفكروا بوضع لاهوت نظاميّ، بل كان جلَّ اهتمامهم مُنصبًا على الشأن الرعويّ، أي التمسك بما تسَلمّوه من تعاليم الرسل، وكيفية تطبيق هذه التعاليم بشكل عمليّ أمام التحديّات التي تواجهها الكنيسة في ذلك العصر.

كما أنّ آباء حقبة ما قبل نيقية، عاشوا ورحلوا قبل بدء المجامع المسكونيّة ومشكلة تحديد الصيغ الإيمانيّة، تلك المجامع التي نحتّت الصيغ اللاهوتيّة، تلك المُستخدمة في الشرح اللاهوتيّ حتّى عصرنا الحاليّ، مثل: ثلاثة أقانيم وجوهر واحد، مفهوم الأقنوم، مفهوم الطبيعة، مفهوم الجوهر… وغيرها.

لذا، فإنّ هؤلاء الآباء قد نحتوا ألفاظهم اللاهوتيّة الخاصة، تلك الألفاظ المُختلفة -في الغالب- عن المفاهيم اللفظية المُستخدمة في الشروحات اللاهوتيّة منذ فترة ما بعد نيقية. هذا الأمر الذي جعلهم في كثير من الأحيان موضع شك وريبة من الباحثين في ما إذا كانوا يعتقدون الاِعتقاد السليم في الإيمان، أم كان لديهم خلط بين الأقانيم، أو أنّهم اعتقدوا في التبعية.[2]

أيضًا الهرطقات والمُشكلات اللاهوتيّة التي كانوا يواجهونها، كان لها تأثيرًا كبيرًا في أسلوب التفسير وفي استخدام المُصطلحات. فمثلًا النص المذكور في إنجيل ق. يوحنا ”أبي أعظم مني“ (يو14: 28)، فمع نهاية القرن الثاني وبدايات القرن الثالث نجد تفسيرات ترتليان وأوريجانوس لهذا الشاهد هيَ محاولة للتمييز بوضوح بين الآب والابن، ذلك لأنّهم كانوا في مواجهة الهرطقة المونارخيّة أو السابليّة التي تُشدّد بشكل مُفرط على وحدانيّة الله لجعلها أقرب للشكل الصنميّ الجامد الواحد عدّديًّا.

وعلى الرغم من أن ترتليان وأوريجانوس كانا يؤكدان دائمًا على أن المسيح هو الله مثل الآب تمامًا – كما سنرى في الفصول القادمة – إلَّا إنّهم رغبوا من خلال هذا الشاهد في التمييز بين الآب والابن وايضاح أنهما أقنومان وليسا أقنومًا واحدًا.

بينما نفس هذا النص في القرن الرابع أتجه التفسير الآبائيّ من خلاله للتدقيق على الوحدة بين الآب والابن، وذلك لأنّ المُشكلة التي تواجهّها الكنيسة في عصرهم ليست المونارخيّة، بل الآريوسيّة التي تُنادي بأنّ الابن إله أقل من الآب، أو بمعنى آخر فهي تُنادي بإلهين.[3] ولهذا فالخلفيات الثقافيّة واللاهوتيّة مُهمة للغاية لمعرفة ما كان مقصد كلّ أب من الآباء بتدقيق.

يُعتبر القرنين الثاني والثالث، مرحلة حاسمة في تاريخ الكنيسة، فلم تعد المسيحيّة محصورة في مجموعات صغيرة، تنتمي اجتماعيًّا إلى الأقليات. بل، أصبحت مُتأصلة تأصلًا متينًا في طبقات المجتمع كلها، ومُنتشرة جُغرافيًا انتشارًا واسعًا من المُحيط الأطلسي إلى بلاد فارس.

على العكس مما نتصوّره غالبًا، لم تتعرض المسيحيّة للاضطهاد المُستمر، بل مرّت بأحداث هدوء وسلام طويلة، وقد كان هذا خير سبيل نحو انتشار الرسالة، ونمو الكنيسة الداخليّ، على السواء.

وكما رأينا في الفصول السابقة، فإنّ مُحاربة البدع قد أدّت إلى وضع علم لاهوت حقّيقيّ، وأن هذا التطوّر الذي شهده الفكر المسيحيّ، قد بلغ شأوًا أوقع الفلاسفة اليونانيّين في القلق. وهذا ما دفع ”كلسّس“ (177- 180م) إلى مُهاجمة المسيحيّة واليهوديّة كمنشأ لها، وتصدى له العظيم أوريجانوس.

على صعيد آخر، اجتهدت الكنيسة في وضع أسّس متينة، وبدأ ظهور إكليروس تراتيبي حول الأسقف، وتطوّر ليتورجيّ، وقانونيّ وتنظيمي إن صح قولنا.

وقد انعقدّت الكثير من المجامع المحلية، التي تجمع بين كنائس تنتمي إلى بُقعة جُغرافية محدودة. فزادت من أواصل الوحدة بين المسيحيّين. حتّى إن القديس كبريانوس، قد جمع حوله واحد وسبعين أسقفًا في مدينة قرطاجنة عام 256م، وهو أولى المجامع المحلية الهامة.

لكنّ لم تمتد هذه الفترة طويلًا، إذ بعد وقت ليس ببعيد، سيثير الشيطان دقلديانوس ليُذيق المسيحيّين أشد أنواع الاضطهادات وأعنفها على مدى التاريخ، ذاك الذي سوف يستمر نحو ثماني سنوات (303: 311م).[4]

 

 

[1] انظر: أنطوان عرب، ميشال أبرص (الأبوان)، المجمع المسكونيّ الأول (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1997)، ص 36، 37.

[2] Subordination: هرطقة، غالبًا ما تُنسب إلى بعض آباء ما قبل نيقية كيوستينوس وترتليان وأثيناغوراس وأوريجانوس، وهيَ في المجمل تعني أنّ الابن والروح القدس أقل من الآب وتابعين له.

[3] للمزيد انظر: جورج عوض، الآباء والكتاب المُقدّس (القاهرة: مؤسّسة القديس أنطونيوس، 2015)، 50 وما بعدها.

[4] انظر: أنطوان الغزال، صبحي حموي (الأبوان)، تاريخ الكنيسة المُفصل (بيروت: دار المشرق، 2002)، ص 75، 76.

 

 

الاطار العام للمسيحية في القرن الثاني – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج2

Exit mobile version