مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2
مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2
الطريق إلى خلقيدونيّة
بعد انفضاض المجمع المسكوني الثالث ظهر أرشمندريت اسمه أوطيخا رئيس أحد أديار القسطنطينيّة، وكان من ألد اعداء نسطوريوس المبتدع. فلم يكتف بمـا حدّده المجمع في أفسّس ضد بدعته فتطرّف إلى القول بإنّ ربنا يسوع المسيح مؤلَّف من طبيعة واحدة وأنّ جسده غير مساوٍ لجسدنا في جوهره بما أنّه جسد إله وإنّ الطبيعة البشريّة ابتُلِعَت وتلاشت باتحادها مع الطبيعة الإلهيّة.
ولإنّه كان رئيس دير أيوب في الربع (الحي) السابع من المدينة، لذا فقد كان يقود 300 راهب لمدة تزيد عن الثلاثين عامًا، ومن خلال ابنه بالمعموديّة (الذي هو ابن أخيه) كريسافيوس Chrysaphius كبير موظفي البلاط الملكي استطاع أوطيخا الوصول إلى البلاط. وبينما كان المناخ الكنسيّ مُلبدًا بغيوم الخلاف بين الجانب السكندريّ ونظيره الأنطاكيّ، واجه أوطيخا مقاومة ومعارضة من الأنطاكيّين لأنّه كان متعصبًا جدًّا للسكندريّين، وهكذا زاد من حدة التوتر.[1]
وفي سنة 448 قدّم يوسابيوس أسقف دوريلاوس (دوريلوم) في فريجيّة إلى القسطنطينيّة ورفع شكواه على أوطيخا إلى فلافيانوس البطريرك القسطنطينيّ. فجمع هذا مجمعًا من 31 أسقفًا و32 أرشمندريتًا وبعد محاولات عديدة حضر أوطيخا إلى المجمع وسُئِل عن إيمانه فصدر الحكم بضلاله وتجديفه وجُرّد من الكهنوت وقُطِع من الشركة وعُزِل من رئاسة الدير.
وقد زار يوسابيوس أسقف دوريليم أوطيخا[2] في ديره بالقسطنطينيّة مرات عدّة واكتشف أنّ عقيدته غير أرثوذكسيّة، إذ يعتقد بالامتزاج.
وسعى أوطيخا وأنصاره لدى الإمبراطور ثيودوسيوس الصغير فكتب هذا إلى البابا ليو الأوّل يطعن بالبطريرك فلافيانوس ومجمعه. فكتب البابا مستفسرًا ورد عليه الجواب فوافق على الحكم الذي أصدره مجمع فلافيانوس.
وأمر ثيودوسيوس بعقد مجمع ثان في القسطنطينيّة فعقد في نيسان سنة 449 وأيّد حكم المجمع السابق
وكتب ليو رسالة مجمعيّة مسهبة تعرف باسم “طومس لاون” ثبت فيها تعليم فلافيانوس وضلال أوطيخا.
موقف كنيسة الإسكندريّة
شعر البابا ديسقوروس بخطورة انتشار أفكار ثيودوريت أسقف قورش، وإيباس أسقف الرُها في الشرق، تلك التي تهاجم عقيدة البابا كيرلس السكندريّ. وكذلك انتشار تعاليم ثيودور الموبسويستيّ ونسطور في كثير من المناطق في المشرق. وأمام اعتراف أوطيخا الخطيّ المخادع بأنّه:
”يرفض هؤلاء الذين يقولون إنّ جسد ربنا يسوع المسيح قد نزل من السماء… لأنّ ذاك الذي هو كلمة الله نزل من السماء بدون جسد وتجسّد من جسد العذراء نفسه بدون تغيير ولا تحويل وبطريقة عرفها هو نفسه وأرادها، وذاك الذي هو دومًا إله كامل قبل الدهور، صار أيضًا إنسانًا كاملًا في آخر الأيام من أجلنا ومن أجل خلاصنا“.[3]
شعر البابا ديسقوروس أنّ فلافيان بطريرك القسطنطينيّة، ويوسابيوس أسقف دوريليم قد انضما إلى التيار النسطوريّ الموجود في الشرق حينما طُلِب من أوطيخا في مجمع القسطنطينيّة المكانيّ 448م حرم كلّ من لا ينادي بطبيعتين من بعد الاتحاد.
مجمع أفسّس الثاني 449م
لم يرق لثيودوسيوس حكم المجمع، فأصدر أمره بعقد مجمع مسكونيّ في أفسّس في السنة نفسها 449، واستدعى ديوسقورس بطريرك الإسكندريّة نصير أوطيخا ليتولى رئاسة المجمع. وكتب ثيودوسيوس كذلك للبابا ليو بشأن هذا المجمع فأجاب البابا بإرسال نوَّابه الأسقف يوليانوس والقس رينادوس والشماس إيلاريوس.
وبعد استعراض وقائع مجمع أفسّس الأوّل 431م، ومجمع القسطنطينيّة المكاني 448م، وقراءة اعتراف أوطيخا المكتوب بالإيمان الأرثوذكسيّ قدّمه إلى المجمع مخادعًا.
وبعد الاستماع إلى آراء الحاضرين؛ حكم المجمع بإدانة وعزل فلافيان بطريرك القسطنطينيّة ويوسابيوس أسقف دوروليم وبتبرئة أوطيخا وإعادته إلى رتبته الكهنوتيّة.كما حكم المجمع بحرم وعزل كلّ من هيباس أسقف الرها وثيودوريت أسقف قورش وآخرين.[4]وحدّد المجمع أنّ ديودور الطرسوسيّ نسطوريّ.[5] ولم تُقرأ رسالة البابا ليو الأوّل إلى المجمع وهيَ المعروفة بطومس لاون.
وفي سنة 450 توفي ثيودوسيوس الصغير فخلفته شقيقته الملكة بلخريا وتزوجت بقائد جيشها مركيانوس الحسن العبادة ليشاركها في إدارة المملكة. وأوّل عمل قامت به نقل جسد الشهيد فلافيانوس إلى كنيسة الرسل القديسين في القسطنطينيّة. واهتمّت بعقد مجمع مسكونيّ وكتبت في ذلك إلى البابا ليو فأجاب البابا مستحسنًا عملها وعيّن موفديه الأسقف يوليانوس والقس باسيليوس.
وجرت مكاتبات بين الملك مركيانوس والبابا ليو بهذا الشأن أسفرت عن صدور أمر الملك بعقد المجمع في مدينة نيقية التي عُقِد فيها المجمع الأوّل وبعث برسائل الدعوة إلى كلّ الأساقفة.
ولكن الملك مركيانوس لم يتمكن من الذهاب إلى نيقية وأصيب بعض الأساقفة بأمراض، فصدر الأمر بنقل المجمع إلى خلقيدونيّة في جوار القسطنطينيّة. وبدأ اجتماعه هُناك يوم الأثنين في 8 تشرين الأوّل 451 في كنيسة القديسة أوفيمية المعظمة في الشهيدات. وحضر المجمع مركيانوس والملكة بلخريا زوجته وكثيرون من أمراء الدولة.
مجمع خلقيدونية 451م
لم يقبل البابا ليو الأوّل نتائج مجمع أفسّس الثاني 449م ومنح الحلّ الكنسيّ لثيودوريت أسقف قورش وأعاده إلى الشركة.[6]
وليقرّروا أنّه مورس عليهم ضغوط أو وقعوا على أوراق بيضاء أو أنّه قد تمّ التزوير في أوراق المجمع (ύπέγρψαν είς άγραφον χάρτην).
الأمر الهام أنّه خلال المناقشة اعترف الباب ديسقورس بإصرار بطبيعتين في المسيح قبل الاتحاد وطبيعة واحدة بعد الاتحاد ولكنها (متجسِّدة):
”لا يمكن أن نعقل طبيعتين ولكن واحدة للكلمة المتجسِّد…أنا أقبل من طبيعتين بعد الاتحاد لا يوجد طبيعتان“.
“ού δεί νοείν δύο φύσεις،άλλά μίαν φύσιν τού Λόγου σεσρκωμένην…..τό έκ δύο δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι….Μετά τήν ένωσιν δύο φύσεις ούκ είσί”.
حينها شرح يوسابيوس أسقف دوريليم وباسيليوس سيليفكياس وميلوفثونجوس اليوبوليتون وآخرين بأنّ في المسيح الواحد يوجد طبيعتين (طبيعتين في شخص واحد، رّبّ واحد معروف في طبيعتين
δύο φύσεις έν ένί προσώπω…ένας Κύριος…..έν δύο φύσεσι γνωριζόμενος).
فقال البابا ديسقورس إنّ هذه الأقوال (تمزيق وتشريح) καινοτομίας وذيوفيزيتية δυοφημίας، وأضاف أنّه بسبب هذه الأقوال تمّ حرمان -وعن حق- فلافيانوس في 449، بينما قرّر المجمع أنّ فلافيانوس يتفق مع كيرلس الإسكندريّ.
وبالرغم من ذلك فإنّ البابا ديسقورس أظهر استعدادًا كبيرًا في أن يحكم على أوطيخا إذا ما ثبت أنّه يمتلك مفاهيم دوتوكية (δοκτικές (άντιλήψεις وأراد أن يبتعد عن مونوفيزيتيّة أوطيخا وأعلن أنّه يقبل مثل كيرلس طبيعتين الرّبّ بغير اختلاط ولا تغيير ولا تمزيق
όπως ό Κύριλλος ότι δέχεται άσύγχυτες καί άτρεπτες τίς φύσεις τού Κύρίου ούτε σύγχυσιν،λέγομεν ούτε τροπήν،ούτε τομήν…
وقد نُوقش البابا ديسقوروس بشأن عقيدة أوطيخا الذي برأه مجمع أفسّس الثاني 449م ؛ فقال:
”إذا كان أوطيخا يتمسّك بمفاهيم ترفضها عقائد الكنيسة، فهو يستحق ليس العقاب فقط بل حتّى النار (أي جهنم) أيضًا. ولكن اهتمامي إنّما هو بالإيمان الجامع الرسوليّ وليس بأي إنسان أيًا كان“.[7]
وهو في تأكيده على الطبيعة الواحدة المتجسّدة لله الكلمة أراد أن يثبت عدم التقسيم بين الطبيعتين من بعد الاتحاد، وفي قبوله لعبارة: “من طبيعتين بعد الاتحاد”، أراد أن يؤكِّد ما أكّده القديس كيرلس الكبير عن استمرار وجود الطبيعتين في الاتحاد وعدم امتزاجهما أو اختلاطهما.
وكان أناطوليوس أسقف القسطنطينيّة قد أعلن في الجلسة الخامسة للمجمع أنّ:
”ديسقوروس لم يتم عزله بسبب عقيدته، إنما بسبب أنّه قد حرم لاون“.[9]
وقد وافق الثلاثة عشر أسقفًا المصريين الذين حضروا مجمع خلقيدونية على حرم أوطيخا لكنهم رفضوا التوقيع على قرارات مجمع خلقيدونية أو طومس ليو أو عزل البابا ديسقوروس.
“وقد أشاروا إلى أنهم لا يستطيعون التوقيع بدون التوافق مع رئيس أساقفتهم.. وأنهم لا يستطيعون التوقيع دون أن يكون رئيس أساقفتهم معهم…”.[10]
وحدثت اضطرابات كبيرة في الشرق بسبب قرارات مجمع خلقيدونية ومع تغيير الأباطرة كانت الظروف تتغير.
نص حكم عزل البابا ديسقوروس
” من المجمع المسكوني العظيم والمقدس، الذي بنعمة الله وبأمر من……. أباطرتنا، والمجتمِع في خلقيدونية… إلى ديسقوروس: بسبب ازدراء القوانين المُقدّسة، واحتقارك لهذا المجمع المسكوني المقدس، حيث ـ وبالإضافة للتعديات الأخرى التي أُدنت بسببها ـ قد رفضت أن تستجيب لثلاثة استدعاءات من هذا المجمع العظيم والمقدس، والتي قُدمت لك وفقًا للقوانين الإلهية لكي ترد على التهم الموجهة إليك:
فلتعلم إذن، إنك في الاونم الثالث عشر من الشهر الحالي أكتوبر قد عُزلت بواسطة المجمع المسكوني والمقدس من أسقفيتك، وجُردت من كلّ رتبة كنسية“.
ومن كلمات أناطوليوس يوم 22 أكتوبر عندما قال إنّ السبب وراء إدانة البابا ديسقوروس لم يكن أمرًا متعلقًا بالإيمان وإنّما حقيقة “إنّه قد حرم السيد رئيس الأساقفة لاون”، ولم يذعن لاستدعاءات المجمع الثلاثة له.[11]
وهكذا نجد أنّ البابا ديسقورس لم يُحكم عليه لأجل إيمانه، أو أنّ إيمانه كان مختلفًا عن إيمان الآباء، أو لكونه هرطوقيّ، بل فقط لأسباب إداريّة وسياسيّة بحتة.
شخصيات في الصراع الخريستولوجي – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج1
شخصيات في الصراع الخريستولوجي – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج1
أهم الشخصيات في الصراع الخريستولوجي (من أبوليناريوس إلى نسطور)
أبوليناريوس
لقد حوّل أبوليناريوس Apollinarius تعليم ثلاثية تكوين الإنسان trichotomy من سيكولوجية أفلاطون إلى كريستولوجيّ. فقال:
”كما أنّ الإنسان العاديّ مكوَّن من جسد ونفس وروح، هكذا يسوع المسيح مكوّن من الجسد والنفس والكلمة (اللوغوس)“.
وفي رأيه أنّ الكلمة قد حلّ محل الروح pnuma (بنفما) واتحد بالجسد والنفس لتكوين الاتحاد.[1]
لم يتصوَّر أبوليناريوس إمكانية وجود نفس إنسانيّة عاقلة في المسيح في وجود الله الكلمة الذي هو روح والذي هو العقل الإلهيّ. رُبّما تصوّر أبوليناريوس أن النفس الإنسانيّة العاقلة تعني بالضرورة شخصًا بشريًّا متمايزًا عن شخص الله الكلمة. بمعنى أنّه خلط بين مفهوم الشخص الذي هو مالك الطبيعة، ومفهوم العقل الذي هو أحد خواص الطبيعة التي يملكها الشخص، أي أنّه قد اعتبر أنّ الشخص هو العقل.
وأراد بإلغاء الروح الإنسانيّة العاقلة أن يؤكِّد أنّ شخص كلمة الله هو الذي تجسّد وهو هو نفسه يسوع المسيح. بمعنى تأكيد الوحدة في شخص يسوع المسيح وأن كلمة الله لم يتخذ شخصًا من البشر بل اتخذ جسدًا ذا نفس بلا روح عاقلة. وبهذا يتحقق -فى نظره- وحدة الطبيعة في المسيح الكلمة المتجسد وعصمته من الخطيئة.
وقد تصوّر البعض أنّ القديس أثناسيوس الرسوليّ في القرن الرابع قد تأثر بفكر وتعليم أبوليناريوس في تعاليمه الكريستولوجية. ولكن القديس أثناسيوس قد شرح هذا الأمر باستقامته المعروفة في التعليم في رسالته إلى أبيكتيتوس، وقال إنّ عبارة القديس يوحنا الانجيليّ: ”الكلمة صار جسدًا“ (يو1: 14) تعني أنّ “الكلمة صار إنسانًا” وأنّ السيد المسيح قد اتخذ طبيعة بشرية كاملة من جسد وروح عاقلة. فقال القديس أثناسيوس:
”لإنّ القول “الكلمة صار جسدًا” هو مساو أيضًا للقول “الكلمة صار إنسانًا” حسب ما قيل في يوئيل النبيّ: “إنّي سأسكب من روحي على كلّ جسد”، لأنّ الوعد لم يكن ممتدًا إلى الحيوانات غير الناطقة، بل هو للبشر الذين من أجلهم قد صار الرّبّ إنسانًا“.[2]
وقال أيضًا في نفس الرسالة:
”إلَّا إنّ خلاصنا، في واقع الأمر، لا يعتبر خيالًا، فليس الجسد وحده هو الذي حصل على الخلاص، بل الإنسان كلّه من نفس وجسد حقًا، قد صار له الخلاص في الكلمة ذاته“.[3]
ديودور الطرسوسيّ
ظهرت ردود الفعل ضد الأبوليناريّة في نفس منطقة أبوليناريوس (سوريا) في شخص ديودور أسقف طرسوس (394م) Diodore of Tarsus وثيودور الموبسويستيّ في كيليكيا (428م) Theodore of Mopsuestia in Cilicia.
إدّعى ديودور أنّ اللاهوت سوف ينتقص إذا كوّن الكلمة والجسد اتحادًا جوهريًّا substantial (أو أقنوميًّا) مشابهًا لذلك الذي ينتج عن اتحاد الجسد والنفس (العاقلة) في الإنسان.
في رد فعله على ذلك (أي على فكرة تكوين الكلمة والجسد إتحادًا جوهريًّا) قادته نظريته الخاصة إلى الفصل بين اللاهوت والناسوت. وهذا أوصله إلى التمييز[4] بين ابن الله وابن داود. وقال:[5]
”إن الكتب المُقدّسة تضع حدًا فاصلًا بين أفعال الابنين… فلماذا يحصل من يجدفون على ابن الإنسان على الغفران، بينما من يجدفون على الروح (الروح القدس) لا يحصلون على الغفران“؟[6]
ثيودور الموبسويستيّ
أراد ثيودور الموبسويستيّ أن يؤكِّد الإنسانيّة الكاملة للمسيح واعتبر أن الإنسانيّة الكاملة لا تتحقق إلا إذا كان المسيح شخصًا إنسانيًا لأنه اعتقد أنه لا وجود كامل بلا شخصيّة. وبهذا لم يكتف بتأكيد وجود طبيعة إنسانيّة كاملة للسيد المسيح، ولكنه تمادى إلى تأكيد اتخاذ الله الكلمة لإنسان تام يستخدمه كأداة لخلاص البشريّة، واعتبر أن الله الكلمة قد سكن في هذا الإنسان بالإرادة الصالحة، وأنه قد اتحد به اتحادًا خارجيًا فقط.
واستخدم عبارة اتصال conjoining sunafeia (سينافيا) بدلًا من كلمة اتحاد enwsiV union (إينوسيس). وبهذا فقد جعل في المسيح شخصين أحدهما إلهيّ والآخر إنسانيَّ وقد كونا معًا شخصًاواحدًا هو شخص الاتحاد (اتحاد خارجيَّ) مشبهًا إياه بإتحاد الرجل بالمرأة.
”علاوة على ذلك، فقد نظر ثيودور الموبسويستيّ إلى اتحاد اللاهوت والناسوت في السيد المسيح فقط بمعنى enoikhsiV (إنيكيسيس) أي سكنى، لأن بالنسبة له فكرة التجسد كانت تبدو مطابقة لفكرة تحول اللوغوس (الكلمة) إلى إنسان، ولذلك رفضها كفكرة منافية للعقل. ومع ذلك هو يعتقد بأنه عندما يحل الله في أي شخص، فهو لا يسكن فيه بحسب طبيعته، وبالتالى ليس بالتعبير عن قوته، ولكن بمسرته eudokia (إفذوكيا) الصالحة.
هذه السكنى ليست متشابهة في جميع الأبرار، ولكن مقياسها يتقرّر بقياس مسرةeudokia للاهوت. ولكنها لم تحدث أبدًا لأحد بنفس الدرجة العالية التي للسيد المسيح“.
لكن كما أنه لم يتجاهل حقيقة أن ضمير الكنيسة قد رفض هذا الازدواج في شخصية المسيح، إلا أنه سعى إلى التخلص من الصعوبة وكرّر القول صريحًا:
”إن الطبيعتين اللتين اتحدتا معًا كونتا شخصًا واحدًا فقط، كما أنّ الرجل والمرأة هما جسد واحد… فإذا أمعنا الفكر في الطبيعتين في تمايزهما يجب علينا أن نعرف طبيعة الكلمة على أنه كامل وتام، وكذلك شخصه. وأيضًا طبيعة وشخص الإنسان على أنها كاملة وتامة. وإذا -من ناحية أخرى- نظرنا إلى الاتصال sunafeia (سينافيا) نقول إنّه شخص واحد“.[8]
إنَّ نفس صورة الوحدة بين الرجل وزوجته تبيِّن أن ثيودور لم يفترض اتحادًا حقيقيًا لطبيعتين في المسيح، ولكن تصوره كان لصلة خارجية بين الاثنين. علاوة على ذلك فإن التعبير “إتصال” conjoining – sunafeia (سينافيا) الذي يختاره هنا بدلًا من كلمة “اتحاد” union – enwsiV (إنوسيس) التي يستعملها في مواضع أخرى، مشتقة من الفعل sunaptw (سينابتو) (الراقصين الممسكين بأيدي بعضهم البعض – أي يصل بعضهم بالبعض الآخر) تعبر فقط عن ارتباط خارجى، وتوطد معًا.
لذلك فهو مرفوض بوضوح.. بواسطة علماء الكنيسة.
كما أن ثيودور قد عيّن مجرد صلة خارجية في العبارة التي اقتبسناها الآن:
”إنَّ الكلمة سكن في الإنسان المُتَخَذ كما في هيكل”. وكما أن الهيكل والتمثال القائم بداخله هما واحد في المظهر الخارجى هكذا فإن اللاهوت والناسوت في المسيح يظهران من الخارج فقط في حقيقتهما كشخص واحد، ولكنهما في جوهرهما يستمرا شخصين“.
نسطور
من مدرسة ثيودور جاء نسطور، الذي ارتبطت باسمه الحقبة الأولى للنزاع الكرستولوجى الكبير. ولد نسطور في جرمانيكيا وهيَ مدينة بسوريا، ثمّ أتى إلى أنطاكيا في سن مبكرة، أساسًا بغرض نيل قسطًا أكبر من التعليم العالمى.
وسريعًا ما تميز بالطلاقة العظمى في التحدث الارتجالى مع صوت قوى وشجى، وبعد ذلك بقليل إلتحق بدير Euprepius يوبريبيوس في أنطاكيا، ومن هناك عيّن شماسًا ثمّ قسيسًا في كاتدرائية أنطاكيا. ككاهن، وعظ كثيرًا وبقبول ملحوظ، مع تمتعه أيضًا بسمعة كونه ناسكًا صارمًا وكثيرًا ما أظهر حماسًا عظيمًا.. ورغبة في مدح الجموع له خاصة في عظاته.[9]
كنتيجة للشهرة التي نالها بعد موت الأسقف سيسينيوس أسقف القسطنطينيّة في 24 ديسمبر عام 427م فقد رُفع إلى هذا الكرسي الشهير، وترجّى شعبه أن ينالوا فيه خلفًا من أنطاكيا لذهبي الفم أسقف القسطنطينيّة. منذ وقت سيامته في 10 أبريل عام 428م أظهر إعجابًا عظيمًا بعمل الوعظ وحماسًا ضد الهرطقات. ففى عظته الأولى خاطب الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير بالكلمات التالية:
”أعطني أيها الإمبراطور الأرض نقية من الهراطقة وأنا سوف أعطيك السماء، ساعدني لأشن حربًا ضد الهرطقات وأنا سوف أساعدك في حربك ضد الفرس“.[10]
وبعد ذلك بأيام قليلة صمّم على حرم الآريوسيّين من الكنيسة الصغيرة التي كانوا لا يزالون يمتلكونها في القسطنطينيّة، حتّى أنهم اقتيدوا إلى إشعال النار فيها بأنفسهم، والتي بسببها نال نسطور من الهراطقة ومن كثير من الأرثوذكس لقب “حارق متعمّد”.
بالإضافة إلى ذلك فقد هاجم النوفاتيين والأربعتعشرية والمكدونيين ونال من الإمبراطور عديدًا من الأحكام المشدّدة ضد الهرطقات.
وفي رسالة.. ليوحنا أسقف أنطاكية، يؤكِّد نسطور أنّه في وقت وصوله إلى القسطنطينيّة وجد خصومًا (متضادين) موجودين فعلًا. لقّب أحد أطرافهم القديسة العذراء بلقب “والدة الإله” وآخر بأنّها مجرد “والدة إنسان”. وحتّى يتمّ التوسط بينهما قال إنه اقترح عبارة “والدة المسيح” معتقدًا أن كلا الطرفين سوف يرضى بها[11]… من ناحية أخرى فإن سقراط يقص أن:
”الكاهن أنسطاسيوس صديق نسطور، الذي أحضره معه إلى القسطنطينيّة قد حذَّر سامعيه يومًا ما، في عظة أنّه لا يجب أن يطلق أحد على مريم لقب والدة الإله qeotokoV (ثيئوتوكوس) لأن مريم كانت إنسانة والله لا يمكن أن يولد من إنسان“.[12]
هذا الهجوم على المعتقد القديم والمصطلح الكنسيّ المقبول حتّى ذلك الوقت، قد سبب هياجًا عظيمًا وإضطرابًا وسط الإكليروس والعلمانيين. وتقدّم نسطور نفسه ودافع عن خطاب صديقه في عدة عظات. وإتفق أحد الأطراف (المتضادة) معه، وعارضه الآخر…
وفقًا لهذا التقييم للأمر، فإنّ نسطور لم يجد النزاع قائمًا بالفعل في القسطنطينيّة، ولكنه مع صديقه أنسطاسيوس كانا أوّل من أثاره. ومع ذلك فإنّ العظات الموجودة لدينا، كما ذكرنا، والتي ألقاها في هذا الموضوع لا زالت محفوظة لنا جزئيًّا، وهيَ كافية بالتمام لدحض تأكيدات الكثيرين غير الدقيقة بأنّ نسطور في الواقع لم يعلِّم شيئًا ذا سمة هرطوقيّة.
ففي خطبته الأولى هتف بعاطفة:
”إنّهم يسألون إن كان من الممكن أن تدعى مريم والدة الإله. لكن هل لله أم إذًا؟ في هذه الحالة يجب أن نعذر الوثنية التي تكلمت عن أمهّات للآلهة، لكن بولس لم يكن كاذبًا حينما قال عن لاهوت المسيح (عب7: 3) أنه بلا أب، بلا أم، بلا نسب. لا يا أصدقائى لم تحمل مريم الله.. المخلوق لم يحمل الخالق إنما حملت الإنسان الذي هو أداة اللاهوت. لم يضع الروح القدس الكلمة، لكنه أمد له من العذراء المطوبة، بهيكل حتّى يمكنه سكناه..
أنا أكرِّم هذه الحُلة التي استفاد منها من أجل ذاك الذي احتجب في داخلها ولم ينفصل عنها.. أنا أفرِّق الطبائع وأوحِّد التوقير. تبصَّر في معنى هذا الكلام. فإن ذاك الذي تشكّل في رحم مريم لم يكن الله نفسه لكن الله إتخذه.. وبسبب ذاك الذي إتَّخَذَ فإن المُتَّخَذْ أيضًا يدعى الله“.[13]
أمّا خطبته الثانية فتبدأ بتعبير لاذع ضد أسلافه، كما لو أنّه لم يكن لديهم الوقت لقيادة الناس نحو معرفة أعمق بالله. ومن هنا يتحوَّل ثانية إلى موضوعه الرئيسيّ أنّ المسيح له طبيعة مزدوجة وكرامة موحَّدة. فيقول:
”حينما تتكلم الأسفار المُقدّسة عن ميلاد المسيح أو موته فهيَ لا تدعوه الله أبدًا بل المسيح أو يسوع أو الرب… مريم إذًا يمكن أن تدعى خريستوتوكوس CristotokoV (والدة المسيح) وحملت ابن الله بقدر ما حملت الإنسان، الذي بسبب اتحاده† بابن الله (بالمعنى الخاص) يمكن أن يدعى إبن الله (بالمعنى الأوسع). وبنفس الطريقة يمكن أن يقال أن إبن الله مات وليس أن الله مات..
إذن فلنحفظ اتصال الطبيعتين fusewn thrwmen sunafeian الغير مختلط ولنعترف بالله في الإنسان وبسبب هذا الإتصال الإلهى نوقر ونكرّم الإنسان المعبود مع الله الكلى القدرة“.[14]
فى خطابه الثالث يقول:
”إنَّ الآريوسيّين يضعون اللوغوس فقط تحت الآب لكن هؤلاء الناس (الذين يعلِّمون بالثيئوتوكوس qeotokoV ويتكلمون عن ميلاد الله) يضعونه تحت مريم أيضًا، مؤكّدين أنه أحدث منها، ومعطين اللاهوت خالق الكل، أمًا زمنية كأصل له.
إذًا لم يكن ذاك الذي حملته إنسانًا إنما الله الكلمة، إذًا لم تكن هيَ أم ذاك الذي ولد، لأنه كيف تكون هيَ أم ذاك الذي له طبيعة مختلفة عنها؟ لكن إن كانت تدعى أمه، إذًا فإن ذاك الذي ولد ليس ذو طبيعة إلهية، لكنه إنسان حيث أن كلّ أم تحمل من له نفس جوهرها (مادتها). لم يولد الله الكلمة إذًا من مريم، لكنه سكن في ذاك الذي ولد من مريم“.
وجد نسطور أنّه من اللازم إلقاء عظة ثانية للتو حتّى يحذّر، كما قال، من كانوا حاضرين ضد تقديم الإكرام الزائد لمريم، وضد الرأي الذي يقول إنّ كلمة الله (اللوغوس) يمكن أن يولد مرتين (مرة أزليًّا من الآب والمرة الثانية من مريم). فقال (نسطور) إنّ ذاك الذي يقول ببساطة أنّ الله مولود من مريم يجعل من العقيدة المسيحيّة سخرة للوثنيّين، لأن الوثنيّون سوف يجاوبون:
””لا استطيع أن أعبد إلهًا يولد ويموت ويدفن”… هل أقيم الكلمة من الأموات؟ وإذا كان معطي الحياة (اللوغوس) قد مات، من يمكنه أن يُعطي الحياة إذًا؟ إنَّ سرّ الإلوهة يجب أن يعبّر عنه بالأسلوب التالي: “إنَّ الكلمة الذي سكن في هيكل شكَّله (كوَّنه) الروح القدس هو شيء والهيكل نفسه المختلف عن الله الساكن فيه هو آخر“.[15]
[1]Cf. Hefele, C.J. A History of the Councils of the Church, Vol III, AMS Press 1972, p.2 reprinted from the edition of 1883 Edinburgh.
[2]St. Athanasius, Letter to Epictetus, par.8, N.&P.N. Fathers, Oct. 1987, Eerdmans, second series, vol. IV, p. 573.
[4]Cf. Kelly, J.N.D., Early Christian Doctrines, Chapter XI-Fourth Centry christology- Fifth Edition- A and C Black, London 1977, p. 303, quoting R. Abramowski, Z.N.T.W. 42 (1949), E.g. frg. 42.
[7] Hefele, C.J., A History of the Councils of the Church, Vol III, p. 5 – AMS Press 1972, reprinted from the edition of 1883 Edinburgh.
14Cf. Hefele, C.J., p. 6-7, quoting Hardouin and Mansi, ll. cc. § 29; Dorner, l.c. p.52.
[9]Cf. Hefele, C.J., quoting Socrat. Hist. Eccl. Lib, vii. C. 29; Theodoret. Haeret, Fabul. lib. iv. c. 12; Evargrius. Hist. Eccl. i. 7; Gennad. De Scrip. eccl. c. 53 Vincent. Lirin. c. 16.
[10]Cf. Hefele, C.J., quoting Socrat. Hist. Eccl. vii. 29.
[11]Cf. Hefele, C.J., quoting Mansi, t. v. p. 573; Hardouin, t.i.p. 1331.
[12]According to Cyril of Alexandria (Ep. vi. p. 30, Ep. ix. P.37, Opp.t.v.ed. Aubert; and in Mansi, t. iv. P. 1014).
[13]Cf. Hefele, C.J., pp. 12-13, quoting Marius Mercat. ed. Garnier-Migne, p. 757 sqq.
† يقصد اتحاد في الكرامة وليس في الطبيعة كما سبق أن ذكر في خطابه الأول.
[14]Cf. Hefele, C.J., quoting Loofs, Nestoriana, p. 249.
هرطقات ظهرت بعد الاريوسية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج8
هرطقات ظهرت بعد الاريوسية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج8
بعض الهرطقات التي ظهرت بعد الآريوسية
(1) الإفنوميُّون
بدعة الإفنوميِّين، نسبة إلى زعيمهم إفنوميوس Eunomius (394+م) الذي كان كاتم سِّر مؤسِّس هذه البدعة، الذي يُدعى إيتيوس Aetius. وإيتيوس هذا كان أوفر المغامرين اللاهوتيين إنتاجاً[1]، أمَّا إفنوميوس فكان مشهوراً بجرأته وقُدرته على العمل المتواصل، وكان كثير التَّقلُّب.
أُقيم أسقفاً على كيزيكوس Cyzicus بواسطة إفدوكسيوس Eudoxius (300-370م) أسقف القسطنطينيَّة[2]، وسُرعان ما أتَّحد مع إيتيوس Aetius وانفصلا علناً عن إفدوكسيوس Eudoxius ووصماه بأنه رَجُل متلّون، مخادع، وانتهازي.
كان أتباع إفنوميوس Eunomius يقولون: إنَّ الابن يمكن أن يُدعى الله، ولكن بالاسم لا غير، ليبقى بينه وبين الله الرأس غير المخلوق، هوَّة لا يمكن اجتيازها. فحتى عبارة الأريوسيِّين عن الابن بأنه “شبيه في الجوهر” كانوا يعتبرونها تحفُّظاً غير الشريف، فكانوا إذاً أسوأ من الأريوسيِّين في اعتقادهم.
وكان إفنوميوس Eunomius يُعيد معمودية الذين ينضمُّون إلى مذهبه، مغطِّساً إياهم غطسة واحدة، ومنكِّساً رؤوسهم إلى أسفل وأرجلهم إلى فوق، وهو يقول: “يُعمَّد فلان باسم الآب غير المخلوق، والابن المخلوق، والرُّوح القُدُس المخلوق من الابن المخلوق”. وكان يُنكر العذاب الأخير، وجهنَّم.
(2) الإفدوكسيُّون
نسبة إلى إفدوكسيوس Eudoxius أسقف القسطنطينيَّة[3] في عهد الإمبراطور فالنس (364-378م). وهي فئة لم تكن أريوسيَّة بكلِّ معنى الكلمة، لكنَّها انحازت بصورة ظاهرة إلى اليسار في الأريوسيَّة، وادَّعت أنها تمثِّل الأريوسيَّة الأصلية القديمة. وتمسَّك إفدوكسيوس Eudoxiusبالعبارة المبهمة التي اخترعها أكاكيوس Acacius (+366م) أسقف قيصريَّة[4] وهي “أنّ الابن شبيه بالآب”، بدون إشارة إلى أن هذه المشابهة تتخطّى الوجهة الأدبية.
فكانت النتيجة العملية، إعداد الطريق لأصحاب البدعة الإفنوميَّة.
(3) النِّصف أريوسيِّين
ويُسمَّون أيضاً “محاربي الروح”. وكان زعيمهم هو باسيليوس أسقف أنقرة Basil of Ancyra[5]. وكان حزب النِّصف أريوسيِّين هم أصل بدعة مقدونيوس Macedonius (+362) أسقف القسطنطينيَّة بقوَّة الملك قسطنديوس[6] (337-361م) بعد إنزال أسقُفه القانوني بولس. ثم خُلع من هذه الأسقفية في سنة 360م بواسطة الإفنوميِّين. وقد علَّم أن “الابن مشابه للآب في كل شيء، ولكنَّه لا يساويه في الجوهر. وأن الروح القدس مخلوق وخادم للابن، كأحد الملائكة”.
وقد سُمِّى مشايعوه “المقدونيِّين”. وكانوا قد تدرَّجوا في إيمانهم إلى إعلان عظمة الابن غير المخلوقة، إلا أنهم ظلُّوا يرفضون عبارة مجمع نيقية بأن الابن “مساو للآب في الجوهر”. وقال عنهم القديس أثناسيوس الرسولي (329-373م) وهو في منفاه الثاني:
[سمعتُ والأمل يحزُّ في نفسي، أن بعض الذين هجروا الأريوسِّين اشمئزازاً منهم لتجديفهم على الله، يدعون بعد ذلك الروح مخلوقاً ويقولون: إنه أحد الأرواح الخادمة، ولا يختلف عن الملائكة إلا بالرُّتبة][7].
وهو ما دفع مجمع القسطنطينيَّة إلى تثبيت تكملة قانون الإيمان النِّيقاوي بعد عبارة “نؤمن بالروح القدس”، بقوله: “الرَّب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو من الآب والابن مسجودٌ له وممجَّد”، وكانت هذه الإضافة جزءًا من دساتير الإيمان المحليَّة في الكنائس المختلفة في الشَّرق.
(4) السَّابيليُّون
نسبة إلى سابيليوس Sabellius[8] الذي اعتقد أن الثلاثة أقانيم هم أقنوم واحد مثلث الأسماء، ظهر تارة كآب، وتارة كابن، وأُخرى كروح قُدُس، بتغيُّر الصُّورة والشَّكل. وترجع بدعة السَّابيليِّين إلى تعاليم نوفاتوس الذي هو نوفاتيان[9] Novatian ومعه أيضاً براكسياس Praxeas في أواخر القرن الثاني الميلادي[10].
فيقول السَّابيليُّون: إن الابن والروح القدس إنما هما من الظُّهورات والأشكال أو الانبثاقات من شخص الآب الواحد. وقد أرسل البابا ديونيسيوس الكبير (248-265م) البطريرك الإسكندرية رسالة إلى زيستوس الثاني Sixtus II (257-258م) أسقف روما، يصف فيها هرطقة سابيليوس، بأنها مملوءة كُفراً وتجديفاً على الله الآب، وشكوكاً كثيرة بخصوص ابنه الوحيد بكرُ كلّ خليقة، الكلمة المتأنِّس، وقصوراً شديداً في معرفة الروح القدس، فيقول:
[قد كتبتُ بضع رسائل لمعالجة الموضوع، وضعتُ فيها بمساعدة الله، كثيراً من التَّعاليم على قدر استطاعتي، وها أنا أرسلُ إليك نُسخاً منها][11].
(5) المركليُّون
نسبة إلى مركلُّوس Marcellus (+374م) أسقف أنقرة Ancyra في غلاطية. وكان اعتقاده قريباً من تعليم سابيليوس، ومناقضاً للإيمان الحقيقي بلاهوت الابن، وبالتَّجسُّد. ويُنسب إليه الرأي، بأن الكلمة كان قوَّة إلهيَّة غير شخصيَّة، كامنة في الآب منذ الأزل، ولكنَّها صادرة منه في عمل الخليقة، ودخلت أخيراً في علاقات مع شخص الإنساني، فصار بذلك ابن الله. على أن هذا الامتداد من الوحدة الإلهيَّة، يتبعه انكماش، عندما ينسحب الكلمة من يسوع، ويكون الله ثانية، الُكل في الكُل!
(6) القوتينيُّون
هم أتباع فوتينوس Photinus الذي صار أسقفاً على سيرميوم Sirmium سنة 344م[12] وهو تلميذ مركلُّوس Marcellus (+374م) أسقف أنقرة. وكان فوتينوس Photinus هذا متصلَّباً في رأيه، عنيداً، حاضر الذِّهن. وقد صدرت ضدَّه أحكام أربعة مجامع متتابعة قبل أن يضع السلطة المدنيَّة حدًّا لمشاغباته في سنة 351م. وقال في تعليمه عن شخص السيِّد المسيح له المجد “إن يسوع الذي استقرَّ فيه الكلمة استقراراً تاماً ممتازاً، كان إنساناً مجرَّداً بسيطاً”.
وهو رأيٌّ يشبه رأي بولس السَّاموساطي. ولم يكن يعترف بالثالوث القدُّوس، وكان يُسمِّي الله روحاً خالق الكُل، ويرى أن الكلمة ما هو إلا كلمة لفظيَّة، وأمرٌ إلهيٌ خادمٌ لله في إبداع الكون كأنَّه آله صناعيَّة، وأن المسيح إنسانٌ مجرَّد، اقتبل كلمة الله ولكنَّه لم يقتبل الجوهر، بل اللفظ فقط، وأن بدء وجوده كان في مريم”[13].
(7) الأبوليناريُّون
هم أتباع أبوليناريوس Apollinarius (310-390م) أسقف اللاذقيّة في سوريا. ويقول عنه البابا أثناسيوس الرسولي:
[إنه اعتاد أن يقول: إن الكلمة أخذ جسداً بدون نفس. وإذ يشعر أحياناً بخجل لجهله، يعود فيقول: إن الجسد الذي اتَّخذه، كانت فيه نفس غير عاقلة، جارياً على رأي أفلاطون في التَّفريق بين النَّفس والعقل].
وفي تفسيره الخاطيء للآيتين (1 تسالونيكي 23:5، غلاطية 18:5) نسب للمسيح جسداً بشرياً ونفساً بشريَّة، ونفى أن يكون له روح عاقلة، وجعل الكلمة يحلُّ محلّ الرُّوح في شخص المسيح، فيجعل المسيح كائناً متوسِّطاً بين الله والإنسان، قائلاً: إن المسيح مزيجٌ من الله والإنسان. واندفع إلى القول: إنه لا يجوز أن نعبُد كائناً بشرياً متوشِّحاً بالله، أو نسجد له. فتصدَّى له القديس غريغوريوس اللاهوتي (329-389م) قائلاً:
[يجب أن نسجُد لإله متوشِّح بالنَّاسوت، وليس لجسد متوشِّح باللاهوت].
[1] أثناسيوس في المجامع (31)، وسقراط في تاريخ الكنيسة (45:2).
[2] شارك في كثير من المجامع الأريوسية في القرن الرَّابع الميلادي. ورُسم أسقفاً على أنطاكية سنة 358م، ثم صار أسقفاً للقسطنطينيَّة سنة 360م. ولم يتبق من كتاباته سوى شذرات بسيطة من مقالة له عن التَّجسُّد.
[6] وهو يُسمَّى أيضاً “قسطنطينوس”. والذي حكم الجزء الشَّرقي من الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة.
[7] الرسالة الأولى إلى القديس سرابيون عن الروح القدس.
[8] يُعرَف عنه القليل جداً. ويُظن أنَّه لاهوتي من بواكير القرن الثالث الميلادي، ومن أصل روماني. ورد ذكره في بعض كتابات الآباء اليونان في أواخر القرن الرَّابع أو الخامس الميلادي، حيث ينسبونه إلى ليبيا أو الخمس مُدُن الغربيَّة Pentapolis.
Cf. ODCC, 2nd edition, p. 1218.
[9] نوفاتوس أو نوفاتيان، هو قس من كنيسة روما، له مؤلّف هام ومتكامل عن الثالوث. أما تفاصيل حياته، فهي مجهولة. وقد تعرَّض للاستشهاد في حُكم فالريان سنة 257م. ولم تقبل الكنيسة تعاليمه، كما رفضها البابا ديونيسيوس الكبير (248-265م).
Cf. ODCC, 2nd edition, p. 984.
ويقول عنه يوسابيوس القيصري: نحن بحق نشعر بالكراهية نحو نوفاتوس الذي قسَّم الكنيسة، ودفع ببعض الإخوة إلى الكُفر والتَّجديف، وأدخل تعاليم كُفريَّة عن الله وأخرى عن ربنا يسوع المسيح الكُلي الرأفة، مدَّعياً بأنه غير رحيم. وعلاوة على كل هذا، فإنه يرفض المعمودية المقدسة، ويقلب الإيمان والاعتراف اللذين يسبقانها، ويمنع عنهم كُليَّة الروح القدس، إن كان هناك أيُّ رجاء أن يبقى معهم أو يعود إليهم.
انظر: يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة القمص مرقس داود، الطبعة الثانية، القاهرة، 1979م، ص351.
[10] براكسياس هو هرطوقي، وصلتنا معلومات عن تاريخه وتعليمه من مقالة باليونانية بعنوان “ضدَّ براكسيان” Adversus Praxian كُتبت حوالي سنة 213م.
وقد اشار العلامة ترتليان (160-225م) إلى تعاليمه الخاطئة.
Cf. ODCC, 2nd edition, p. 1115.
[11] يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة القمص مرقس دادود، مرجع سابق، (6:7)، ص 349.
[12] ظل فوتينوس أسقفاً على سيرميوم Sirmium حتى سنة 351م حين أُقصيّ عن منصبه، لتعاليمه الخاطئة، وبقرار من مجمع عُقد في سيرميوم بأمر الإمبراطور قنسطنطيوس Constantius. ولم يصلنا شيء من كتاباته. أما تعليمه، فعرفناه مما كتبه عنه مناوئوه.
الصراع حول مصطلح الهوموأوسيوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج7
الصراع حول مصطلح الهوموأوسيوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج7
الصراع حول مصطلح الهوموأوسيوس
هذا الاصطلاح الذي يورده قانون الإيمان النيقاوي والذي يُعرف في اليونانية باسم όμοούσιος (هوموؤسيوس)، هو اصطلاح لاهوتي يختص بعلاقة الابن بالآب، والذي يعني أن الابن مساو للآب في الجوهر، أو من ذات جوهر الآب. وكان أول من استخدم هذا الاصطلاح هو القديس إيريناؤس (130-200م)، والعلاّمة المصري أوريجانوس (185-254م)، كما سبق أن أشرتُ.
وفي ذلك يقول العلاّمة أوريجانوس في كتابه “المبادئ”:
[إن الابن مشترك مع الآب في الجوهر ούσία (أوسيَّا)، لأن ما ينبثق (أو يولد) من الجوهر، هو مساو له وواحد معه όμοούσιος (هوموؤسيوس) بكلِّ تأكيد][1].
والأوسيّا ούσία تعني الجوهر أو الكيان being أو الوجود الحقيقي البسيط غير المحدود، وهي في الإنجليزية essence من الأصل اللاتيني essential وفي اللاتينية substantia[2]. والأوسيّا تحوي أيضاً في مضمونها الاصطلاح اللاهوتي Φύσις (فيسيس) الذي يعني “طبيعة” nature ولكنها لا تساويها تماماً. وبالرغم من ذلك، فقد كانت “الأوسيّا” تعتبر لدى لاهوتيي كنيسة الإسكندرية مساوية تماماً للـ “فيسيس”.
فجاءت عند البابا أثناسيوس الرسولي [طبيعة Φύσις إلهية واحدة One is the divine nature]. كما جاءت هكذا أيضاً عند القديس كيرلس الكبير (412-444م). ليس هذا فقط، بل كان البابا أثناسيوس الرسولي يستخدم اصطلاح “الأوسيّا” واصطلاح “الهيبوستاسيس” أي “الأقنوم” كمترادفين، يحلُّ أيهما محل الآخر، ويشاركه في ذلك القديس جيروم (342-420م).
فعن “الأوسيّا” يقول القديس أثناسيوس الرسولي:
[إن الله هو ذو جوهر ούσία غير مُدرَك، وفوق كلِّ إدراك][3].
ومن هذه “الأوسيّا” كان اصطلاح الـ “هوموؤسيوس”.
ونفس هذا الاصطلاح الذي قنَّنه مجمع نيقية المسكوني الأول سنة 325م، كان يهدف به آباء المجمع إلى إثبات أن الابن مع الآب هما واحد، وأن هذا الجوهر هو كيانٌ أساسي واحد. فأضافوا بعد قانون الإيمان –بسبب المحرومين- نصّاً قالوا فيه بأن الابن “ليس من هيبوستاسيس ύπόστασις آخر”، أي “ليس من جوهر آخر”[4].
ولازال هذا الاصطلاح مستخدماً في كافة كنائس المسكونة حتى اليوم، بعد أن جاز تاريخاً طويلاً من الصدام والصراع والقبول والرفض بين الاساقفة وبعضهم البعض، وبالتالي بين الكنائس المختلفة.
وترجمة الاصطلاح اليوناني όμοούσιος (هوموؤسيوس) في اللغة العربية إلى “مساو في الجوهر لـ”، لا تفيد بدقة ما يعنيه هذا الاصطلاح اليوناني عن علاقة الابن بالآب. لأن المساواة أو التساوي في اللغة العربية تعني حتماً التساوي بين شيئين أو شخصين، حتى لو كان تساوياً مُطلقاً.
ولكن الابن هو من نفس جوهر الآب، فهو والآب واحد. فمساواة الابن للآب في الجوهر، لا تعني أن جوهر الابن يساوي تماماً جوهر الآب، بمعنى وجود جوهران في الله. لأن الله جوهرٌ واحدٌ في ثلاثة أقانيم. وكون الابن هو صورة الآب ورسم جوهره، يعني أنه من ذات جوهره.
لقد استخدم البابا أثناسيوس الرسولي اصطلاح الـ “هوموؤسيوس” لكي يهدم به اصطلاح الأريوسيين وهو الـ “هوميؤسيوس” في شرحهم لعلاقة الابن بالآب. فالابن لا يمكن أن يكون مشابهاً للآب، لأنه غير مفترق عن طبيعة الآب، وهو وإن كان مساوياً للآب في الجوهر، فهو “تساوي الوحدانية”. لأن الذي هو من جوهر الله الآب ومتساوي معه، يتحتم أن يكون واحداً معه في ذات الجوهر.
[2] نظراً لعجز اللغة اللاتينية في تفسير المصطلحات اللاهوتية، كانت كلمة substantia تعني كلاً من (أوسيَّا)، (هيبوستاسيس). أي أن كلمة “طبيعة” في اللاتينية كانت تعني كلاً من الجوهر والأقنوم. وكان آباء نيقية يخشون لو أنهم اعترفوا باثنَين هيبوستاسيس (أي أُقنومَين)، أن يُتهموا بأنهم يقبلون الاعتراف بجوهرَين.
انظر: المقالة الأولى ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي، مرجع سابق، ص 128
قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6
قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6
كان الإيمان بالمسيح المُخلّص هو مركز البشارة، حتّى صارت ”السمكة“ هيَ الرمز للإيمان المسيحيّ في العالم الهليني وذلك لأنها في اليونانيّة ”ἰχθύς – إكسوس“ تشمل الحروف الأولى من العبارة ”يسوع المسيح، ابن الله المخلّص“. وقد شهد العلَّامة ترتليان بذلك كما شهدت نقوش السراديب الرومانيّة. وردت هذه العبارة الرمزيّة في مؤلفات الكُتَّاب المسيحيّين في نطاق واسع كقانون إيمان يُعبّر عن المعتقد المسيحيّ.
هذا لم تستحدثه المسيحيّة، فقد سبقتها اليهوديّة إلى ذلك، من خلال ما يُسمى بـ”الشِمَع- שְׁמֵע“ والتي تعني ”اسمع“، المأخوذة من الآية: ”اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرّبّ إِلهُنَا رّبّ وَاحِدٌ“ (تث6: 4).[1] يُعتبر هذا هو أقدم قانون إيمان عرفته البشريّة، فقد كان يُتلى يوميًا في الصلوات اليهوديّة. [2] وهو من أكثر اللحظات نشوة عند المُتعبد اليهوديّ، ففيه يرى أنّه يتقابل مع الله، وفيه يشهد لله، حتّى أنّه قد جاء في المدراش: ”إنّ الله عُرِف في العالم، بسبب أنّنا حملنا الشهادة له“، ويرون أنّ هذا القانون هو جوهر الإيمان اليهوديّ.[3]
بعد مجئ السيد له المجد، وإذ انطلقت الكنيسة في عصر الرسل تكرز وتبشر العالم بالخلاص كان لزامًا أن يعترف كلّ موعوظ بإيمانه جهرًا في صيغة مُختصرة قبلما يتقبّل العضويّة في جسد المسيح، أي قُبيل عماده مباشرة. وذلك كما فعل الخصي الأثيوبيّ (أع ٨: ٣٧) حين أعلن رغبته في العماد مُعترفًا ”أنا أومن أنّ يسوع المسيح هو ابن الله“.
فلم تكن العقيدة آن ذاك مُجرّد تعبيرًا فرديًّا نظريًّا، بل كانت تعبيرًا عن واقع الكنيسة. ولقد تمت صياغة العقائد كردود أفعال ضد التأويلات الخاطئة التي للهراطقة، وقد كان هدفها الجوهريّ هو الحفاظ على جوهر رسالة الإنجيل.[4]
يتحدّث عن قانون الإيمان فيما قبل مجمع نيقية الكثير من آباء الكنيسة، لكنّ، لم يكن له مُسمّى واحد، فالبعض أطلق عليه اسم: ”قاعدة الإيمان“، ”κανὼν τη̂ς πίστεως,- regula fidei“، وفي أحيان أُخرى كان يُدعى بـ”قانون الحقّ“.
يخبرنا عن قاعدة الإيمان المؤرخ الأوّل للكنيسة يوسابيوس القيصريّ، عندما يتحدّث عن مُخالفة الهراطقة للإيمان الأرثوذكسيّ، نجده يكتب: ”لقد تركوا قاعدة الإيمان القديم، لذلك، هم لا يعرفون المسيح، ولا فحصوا الكتب كما ينبغي“.[5]
بينما يُخبرنا هيبوليتوس الرومانيّ عن ”قاعدة الحقّ“، قائلًا: ”لقد كتبنا كتبًا دفاعية عن الإيمان، بكفاية واسهاب، وشرحنا قاعدة الحقّ لكل من يرغب“.[6]
يُعدّد المُعلِّم إكليمندس السكندريّ أسماء قانون الإيمان على النحو التالي:
”إنَّ الإيمان له قاعدة، وأنّ هذه القاعدة هيَ قانون الإيمان، أو القانون الكنسيّ، أو قاعدة الحقّ والتسليم“.[7]
يخبرنا ترتليان إنّ قاعدة الإيمان هذه، هيَ المقياس، وهيَ التي يُقاس عليها التّعليم الأرثوذكسيّ، وتُفرز الهرطقات:
”هذه القاعدة هيَ من الرسل، وحتّى بولس الرسول بعد اهتدائه، صعد إلى أورشليم، كي يُقارن قاعدة إنجيله، بقاعدة الإيمان عند باقي الرسل، وهذه القاعدة هيَ التي يتمّ بموجبها فرز الهرطقات والهراطقة“.[8]
أوريجانوس، وهو من هو، يقول إنّ قاعدة الحقّ هذه كانت مُنتشرة ومعروفة في كلّ الكنائس: ”إنّ كلّ ما يخص المسيح، قد حدّدته الكنائس، حسب القاعدة التي تقبلها كلّ الكنائس، وكلّ وعظ وكرازة يجب أن يتّبع هذه القاعدة“.[9]
فقد كان قانون الإيمان نصًا يشمل عناصر الإيمان الجوهريّة للمسيحيّة، مُرتبطة باللِّتورجيَّا والكتاب المُقدّس، وهو المقياس الذي يحكم ويُفسرّ ويعظ المُعلمون من خلاله، وهو ليس بالأمر المُستحدث، بل هو مُترسِّخ في تّعليم الكنيسة منذ نشأتها.
وقد كانت قوانين الإيمان هذه تعبيرًا فكريًّا عن الإيمان الحيّ في الكنيسة، أو هو تعبير جهاريّ يُعلن الإيمان الراسخ في الكنيسة. ونجد له هيئة أوليّة في بعض نصوص العهد الجديد، مثل:
– في اعتراف الخصي الحبشيّ، قُبيل معموديته على يد فيلبس، نجد إحدى الأشكال الأولى لاعتراف الإيمان: ”فَقَالَ فِيلُبُّسُ:‘إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كلّ قَلْبِكَ يَجُوزُ’. فَأَجَابَ وَقَالَ: ‘أَنَا أُومِنُ أنّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ’“ (أع8: 37).
وبهذا نجد أنّ صيّغ قانون الإيمان، تعود بذرتها الأولى إلى الرسل أنفسهم، وقد ظهر في أقدم أشكاله، كصيغة خاصة بالمعموديّة، يعترف بها طالب العماد مُعلنًا قبوله الحقّ ودخوله ”الحياة في المسيح يسوع“. فقد كانت المعموديّة، إحدى الدوافع التي أدت إلى ظهور قانون الإيمان، حتّى تتأكد الكنيسة أنّ المُعمّد مؤمن ومعترف بالإيمان المسيحيّ بأكمله.
في الدوائر اليهوديّة كان يكفي لطالب العماد أن يُعلن هذا القانون الإيمانيّ البسيط؛ أنّ ”يسوع هو المسيّا“، أي هو المخلّص الذي انتظره الآباء وشهد عنه الأنبياء، فيه كملت الشريعة وتحقّقت مواعيد الله للبشريّة. أمّا بالنسبة للأمم، إذ لم تكن لهم الشريعة ولا عرفوا النبوات عن المسيّا يعبدون آلهةً كثيرةً وأربابًا كثيرة، كان لزامًا على طالب العماد أن يُعلن حقّيقة إيمانه بأكثر وضوح: إيمانه بالله الواحد المثلث الأقانيم، وعمل المسيح الخلاّصيّ.
إذ ظهرت غنوصيّات غير أرثوذكسيّة تنادي بالثنائيّة، وتُحقِر من المادة وتشوّه حقّيقة التجسد الإلهيّ، لم يعد ”قانون الإيمان“ في صورته الأولى كافيًا، أي لا يكفي إعلان أنّ ”المسيح ابن الله الحيّ“، إنما يلزم الاعتراف بـ ”الحبل به من الروح القدس، ولادته من العذراء مريم، تألمه في عهد بيلاطس البنطي وموته ودفنه (وليس كما علَّم الغنوصيّين أنّه اختُطِف إلى السماء من على الصليب أو قبيل صلبه)، وأنّ الروح القدس حال في الكنيسة… إلخ“.[11]
نجد أولى الصياغات المُعبرة عن قانون الإيمان، خارج العهد الجديد، عند القديس إغناطيوس الأنطاكيّ، حيث يكتب في رسالته إلى سميرنا:
”أُمَجِد يسوع المسيح الذي جعلكم حكماء, لقد أدركت أنّكم قد بُنيتم بأيمان لا يتزعزع، كأنّكم مُسمرُون على صليب يسوع المسيح بالجسد والروح، وثابتون بقوة في المحبة بدم المسيح، الذي هو حقّيقة ‘من نسل داود بالجسد’ (رو1:4), وولد حقّيقة من العذراء، واعتمد من يوحنا ‘لتتم به كلّ عدالة’ (متى3:15), وسُمِّر من أجلنا على عهد بيلاطس البنطي وهيرودس رئيس الرُبع، وبثمرة صليبه وآلامه المُقدّسة وجدنا الحياة، وبقيامته ‘رفع رايته’ (إش 5:26) فوق العصور ليجمع قديسيه ومؤمنيه، في اليهوديّة والأمم، في جسد واحد أي في كنيسته“.[12]
في رسالته إلى تراليان نجد اعترافًا إيمانيًّا آخر، كالتالي:
”صُمّوا آذانكم عندما تسمعون كلامًا لا يكون عن المسيح ابن داود من مريم العذراء, عن المسيح الذي وُلِد حقًّا، وأكل وشرب، واحتمل الآلام على عهد بيلاطس البنطي، ومات على الصليب أمام السماء والأرض وما تحت الأرض, وقام من بين الأموات“.[13]
عند إغناطيوس، نجد أنّ حقّيقة ميلاده من العذراء مريم تُمثل بُرهانًا على بشريّة يسوع، وهذا في سياق حربه ضد بدعة الخياليّين أو الديسوتيّين. فكلمات مثل: ”حقًّا أكل وشرب“، تؤكد على حقّيقة تجسد الكلمة، وكثيرًا ما استخدمتها الكنيسة لتُحارب هذه البدع.
بوليكاربوس، في رسالته الوحيدة التي تركها لنا، قُبيل استشهاده، يكتب فيها:
”آمنوا بمن أقام سيدنا يسوع المسيح من الأموات، وأعطاه مجدًا، وأجلسه عن يمين عرشه، وأخضع له كلّ ما في السماء وما على الأرض، والذي تعبده كلّ نسمة، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات“.[14]
يوستينوس الشهيد، عندما سأله الوالي ”ريستكس“، عن إيمانه. أجاب: ”الإيمان الذي نعتنقه بتقوى، إنه الإله صانع العالم بأسره منذ البدء، وأيضًا، بيسوع المسيح، ابن الله، والذي أخبر عنه الأنبياء بانه سوف ينزل للبشريّة كمُعلن للخلاص، ومُعلم للعقائد الحسنة“.[15]
في هذا الاعتراف الإيمانيّ المُختصر، نجد القديس يوستينوس يتحدث عن الله الخالق، وابنه يسوع الذي أخبر عنه الأنبياء. والنبوة في تعاليم آباء ما قبل نيقية مُرتبطة بشدة بالروح القدس مُعطي النبوة. ثُمَّ أنّ هذا الابن تجسد لكي يُعلمنا العقائد الإلهيّة السليمة ويقضي على التشوّهات التي كانت في مُخيلات البشر لدى الله، ثُمَّ يُعطينا الخلاص الذي منه.
أثيناغوراس، المُعلم السكندريّ الشهير، وأحد عُمداء مدرسة الإسكندريّة المسيحيّة، والذي سوف نتناول تعاليمه اللاهوتيّة في فصل خاص من هذا الكتاب، يقول في دفاعه عن المسيحيّين:
”لقد أشرت بما فيه الكفاية إلى أنّنا لسنا مُلحدين لأنّ إلهنا هو الإله الواحد غير المخلوق وأبديّ وغير مرئيّ ولا يُشبهه شيء مُدرك. يُمكن معرفته فقط بالعقل والمنطق، مُحاطٌ بنور وجمال، بالروح والقوة اللامُتناهية، الذي بكلمته خُلِقت المسكونة بترتيب وإحكام.
ونؤمن بابن الله، ودعونا نعترف أنّه لمن المُضحك أن يكون لله ابن! لكنّ، فيما يخص فكرنا عن الله الآب والابن، فهو مُختلف تمامًا عن أساطير الشُعراء التي تتضمن تعاليم عن آلهة لا يختلفون عن البشر! إنّ ابن الله هو كلمة الله (اللوغوس)، هو الفكر الذي يُبدع والقوة التي تخلق، الذي بموجب مشيئته كان كلّ شيء، فالآب والابن واحد، حيث إنّه من خلال قوة ووحدة الروح، فإنّ الآب في الابن والابن في الآب. إنّ ابن الله هو فكر وكلمة الآب.. وهو مولود من الآب، غير مخلوق، وإنّ الله كان لديه الكلمة في ذاته منذ البدء، لم يوجد وقت كان فيه الله بلا كلمة..
ونعلم أيضًا، أنّ الروح القدس الذي أظهر ذاته من خلال عمله في الأنبياء، مُنبثق من الله، فهو ينبع منه ويرجع إليه، مثل شعاع الشمس..
فنحن نعترف بإله واحد، آب وابن وروح قدس، لهم قوة واحدة“.[16]
في واحدة من رسائل الشهيد كبريانوس القرطاجنيّ، يكتب:
”بكل تأكيد، لا يؤمن ماركيون بنفس الإله الآب وخالق كلّ الأشياء، كما نُعلِّم نحن، هل هو يعترف بنفس الابن المسيح المولود من العذراء مريم الذي هو الكلمة المُتجسد، والذي حمل خطايانا وقهر الموت، وهو أوّل من أسّس قيامة الجسد في أقنومه، عندما أقام جسده، وأظهر لتلاميذه أنّه أقام نفس الجسد“.[17]
كبريانوس هُنا يتحدث عن الله الآب الخالق ضابط الكلّ، ويؤكد إنسانيّة المسيح المأخوذة من العذراء مريم، وأنّه حقًّا وُلِد ومات وقام.
القديس إيرينيئوس من بدايات القرن الثاني، يشرح خلاصة الإيمان المسيحيّ بالثالوث القدوس، في ثلاثة بنود، أشبه بقانون إيمانيّ، وهي:
”إنّ البند الأوّل من قانون إيماننا، وقاعدة البناء وأساس الخلاص هيَ أنّ: ‘الله الآب غير المولود، غير المُحوى، غير المرئي، إله واحد خالق الجميع. والبند الثاني: هو أنّ كلمة الله ابن الله، يسوع المسيح رّبّنا، الذي تنبأ عنه الأنبياء، الذي كلّ شيء به كان وبتدبير الآب في الأيام الأخيرة صار إنسانًا بين البشر (يو1: 14) وتراءى للكل لكي يُبطل الموت، ولكي يجمع كلّ شيء ويُظهر الحياة ويصنع شركة بين الله والإنسان. والبند الثالث هو أنّ: الروح القدس هو الذي بواسطته تنبأ الأنبياء وتعلّم الآباء بأمور الله، والذي بواسطته دخل الأبرار إلى طريق البر، كما أنّه انسكب في الأيام الأخيرة بطريقة جديدة على جنس البشر مجدّدًا الإنسان لله“.[18]
في مؤلفه الشهير ”ضد الهرطقات“، يكتب:
”قد استلمت من الرسل، ومن تلامذتهم، الإيمان بإله واحد، آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض والبحار، وكلّ ما فيها، والإيمان بيسوع المسيح الواحد، الذي هو ابن الله، الذي تجسد من أجل خلاصنا، والإيمان بالروح القدس الذي أعلن التدبير بواسطة الأنبياء، أي بمجئ المسيح، وميلاده العذراويّ، وآلامه، وقيامته من بين الأموات، وصعوده إلى السموات جسديًّا، وظهوره ثانية من السماء، في مجد الآب، لكي يجمع كلّ الأشياء في نفسه، ولكي يُقيم أجساد كلّ البشر إلى الحياة، لكي تجثو للمسيح يسوع، رّبّنا وإلهنا ومُخلّصنا، كلّ ركبة، بحسب مشيئة الآب غير المنظور، ولكي يعترف كلّ لسان له، ولكي يجري دينونة عادلة… هذه الكرازة، وهذا الإيمان، تحفظه الكنيسة، رغم تشتتها في كلّ العالم“.[19]
العلَّامة ترتليان، هو الآخر يتحدث أكثر من مرة عن قانون الإيمان المعروف في عصره، فيقول:
”قاعدة الإيمان، نعرفها جميعًا ونُكرّرها بروح واحد… نؤمن بإله واحد عظيم، صانع العالم، وابنه، يسوع المسيح، الذي وُلِد من العذراء، وتألم في عهد بيلاطس البنطي، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماوات، ويجلس الآن عن اليد اليُمنى للآب، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، كما سيُقيم الأجساد“.[20]
إذ بدأت الهرطقات والبدع تنتشر، لم يعد ”قانون الإيمان“ خاصًا بطالبي العماد، إنما صارت الحاجة مُلحة لاستعماله الكنسيّ في العبادة الليتورچيّة والعبادة الخاصة. بدأت المجامع المسكونيّة تضع قانون الإيمان، لأهداف دفاعيّة وتّعليميّة. ففي مجمع نيقية وُضِع قانون الإيمان ليُحارب الآريوسيّة.
فإنّه وإن اقترب من قانون الإيمان الأورشليميّ العماديّ القديم، لكنّه أضاف إلى الفقرة الثانية الخاصة بالسيد المسيح هذه الصيغة: ”نور من نور، إله حقّ من إله حقّ، مولود غير مخلوق، واحد مع الآب في الجوهر“. هذه الصيغة لا يستطيع الآريوسيّون أن ينطقوا بها، فتفرزهم عن المؤمنين. بهذا قدّم مجمع نيقية للكنيسة صيغة لاهوتيّة مُبسطة تعلن إيمان الكنيسة، ويعترف بها المسيحيّون ويترنمون بها ويُصلّونها، فلم تعد حكرًا على المُعمدين فقط.
في المجمع المسكونيّ الثاني بالقسطنطينيّة أُضيف إلى قانون الإيمان النيقيّ صيغة خاصة بالروح القدس: ”الرّبّ المحيّي، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء…“.
[1] انظر أيضًا: تث4: 25؛ 2صم7: 22؛ 22: 32؛ 1مل8: 60؛ 1أخ17: 20؛ مز18: 31؛ إش43: 10؛ يوئيل2: 27؛ زك14: 9. هذه النصوص التي تتّبع قانون ”اسمع“، وتُشدّد على وحدانيّة الله ومُلكه. ولها مثيلاتها في العهد الجديد، انظر: مر12: 29؛ يو17: 3؛ 1كو8: 4؛ غلا3: 20؛ 1تي2: 5.
[10] أغلب القراءات النقدّية الحديثة للنص، تقرأه ”الذي–ὅς ظهر في الجسد“، بدلًا من: ”الله-θεός ظهر في الجسد“. وهذا لا يُغير من معنى النص نهائيًا، فقد كان هذا تعبيرًا سرائريًا- μυστήριον عن الشخص (يسوع) الذي أعطى العالم المعرفة عن الله غير المُدرك، أو لنقل هو تعبير عن الله المُمجد، والذي لا يُمكن معرفته في مجده. فعدم نطق الاسم ”الله“، كان تعبيرًا عن هذا الإجلال السرائري للإله، حتّى في المفهوم اليهوديّ القديم (Philip Schaff, The Creeds of Christendom, With a History and Critical Notes, Volume II: The Greek and Latin Creeds, With Translations (New York: Harper & Brothers, 1890), 7.).
[11] منعًا للتكرار، يُمكن الرجوع إلى الفصل الخاص بالإيمان بالثالوث في المعموديّة، إذ جاء به الكثير من قوانين الإيمان الأولى، والتي آثرنا ألَّا نُعيد كتاباتها هُنا.
مراحل الرهبنة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج5
مراحل الرهبنة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج5
مراحل الرهبنة والانحرافات النسكية
مراحل الرهبنة وأهم شخصياتها
مرت الرهبانية بأربع مراحل:
1- مرحلة النسك.
2- مرحلة التوحد ومثالها الأنبا بولا.
3- مرحلة التجمعات الرهبانية وبدأها الأنبا أنطونيوس، وبعده أمونيوس ومقاريوس.
4- مرحلة الشركة الباخومية.
1. مرحلة النسك
عرفت الكنيسة منذ بدايتها أشخاص أطلق عليهم لقب نُسّاك، وهؤلاء هم من تركوا شهوات ومتطلبات العالم وتمسكوا بالبتولية، بيكتب هنري شادويك:
“خلال القرن الثاني كان هناك بعض المسيحيين في مناطق متفرقة رفضوا الزواج وتخلوا عن كلّ ممتلكاتهم إلا القليل، التزموا أمام أنفسهم وأمام مجتمعهم بالانعزال وتكريس كلّ الوقت في الصلاة وعمل الرحمة. هؤلاء النساك لم يجمعهم حياة شركة لها قوانين أو زي خاص أو صندوق مالي موحد –بالرغم من وجود نماذج سابقة للمعيشة المشتركة في الجماعات التي كانت تسكن على حدود اليهودية مثل جماعة الأسينيين أو جماعة وادي قمران التي حفظت لنا مخطوطات البحر الأحمر، أو جماعة الثيرابيوتا في الإسكندرية التي ذكرها فيلو السكندري“.
(هنري شادويك، الكنيسة الأولى)
نذكر من هذه المجموعات
– البنات الأربع العذارى الذين لفيلبس الذين ذكرهم سفر أعمال الرسل (21: 8، انظر أيضًا: تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، 3: 31).
– كليمندس السكندري بيذكر شخص اسمه نيقولاوس، اسمه ارتبط بهرطقة النيقولاويين، ويقول أنه كان له أربع بنات بقين عذارى حتّى يوم انتقالهن (stor. 2: 118).
– يوحنا الرسول ظل متبتل حتّى انتقاله.
-يعقوب الرسول أسقف أورشليم، كان يعيش عيشة هي أقرب لما نعرفه عن حياة الرهبان فيما يخص التقشف والفقر الاختياري. يتكلم عنه مؤرخ اسمه هيجسيوس فيقول: “لم يكن يشرب الخمر أو أي شراب مُسكر، ولا يأكل أي لحوم، ولا يقص شعره، ولم يدهن نفسه اطلاقًا بالدهن، وامتنع عن الاستحمام، وكان يذهب إلى الهيكل وحده، ودائمًا يجدونه يصلي عن الشعب” (تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، 2: 23).
كما نرى فإن النسك والبتولية كانت غير مغلقة على جنس بعينه، بل كانت للجنسين على السواء. كما أن هذا المذهب أو أسلوب الحياة التقوية المسيحية أزدهر بشكل كبير خلال القرن الثاني، وهذا يتجلى على الخصوص في كتابات كلّ من:
– بوليكاربوس الذي كتب بعده ببضع سنوات إلى كنيسة فيلبي فلم ينس البتوليين الذين يجب أن يكون ضميرهم بلا لوم وتكون حياتهم طاهرة (في 5: 3)
– كذلك اشار إليهم كتاب الراعي لهرماس ذاكرًا البتوليين الذين في كنيسة روما
– يوستينوس من أوائل القرن الثاني كتب في دفاعه عن المسيحية، يقول: “كثيرون هم الرجال والنساء الذي تبعوا المسيح من طفولتهم، من حافظوا على العفة حتّى سن الستين والسبعين، وأني لأفخر أن أعطيكم أمثلة عنهم” (الدفاع الأول15: 48)
– عظات أوريجانوس، وتحديدًا في عمله ضد كلسوس تحدث عن هؤلاء البتوليين الذين يعيشون حية البتولية الكاملة من أجل الصلاة (ضد كلسوس7: 48).
وبيكتب المؤرخ هنري شادويك عن أنواع النساك في الوقت ده، ويقول:
“أغلب النساك كانوا بسطاء إلى حد ما،
ولكن لم يدم هذا طويلًا بعد أن صارت للحركة النسكية أساسها اللاهوتي المتين. في كتابات كليمندس السكندري وأوريجانوس على الأخص نجد أن كلّ العناصر الأساسية للتعليم النسكي موجودة بالفعل.
التعليم الذي سيطر عليه نموذج الشهيد الذي لا يرجو شيئًا من هذا العالم بل يبحث عن الاشتراك مع الرب في آلامه. بالضبط مثلما كان الصليب هو نصرة الرب على قوات الشر، كذلك الشهيد يشترك في هذا النصر باستشهاده. واستمر النساك بهذه الروح بعد انتهاء عصور الاضطهاد. وسعوا لتحقيق بذل الذات نفسه من خلال الانفصال عن العالم. بذل الذات كما جاء في الإنجيل، يمتزج مع البساطة والتقشف الموروثة من الآداب الكلاسيكية السابقة.
الحركة النسكية ضمت إليها ليس البسطاء فقط بل أيضًا من المتعلمين فلسفة أفلاطون ومثله الأعلى في الاستشهاد سقراط، ومبادئ [سينيكا الفيلسوف الرواقي] عن ضبط النفس، وتعاليم الرواقية عن السعادة الحقيقية التي تكمن في قمع الرغبة فيما لا يمكن للمرء أن يحصل عليه ويحتفظ به، فمن ثم إخماد الشهوات مطلوب من أجل حياة صحيحة” (هنري شادويك، الكنيسة الأولى).
الإنحرافات النسكية في المسيحية المُبكرة
ظهرت جماعات نسكية بتدعو للنسك الشديد لدرجة تدمير الجسد، ورفض الزواج في المُطلق، فالزواج مُحرم حتّى على عامة الشعب.
هذه الحركة تأثرت كثيرًا بالفكر الغنوسي وكانت تُدعى “encratism” أو الممتنعون.
بنلاقي فكر الجماعات دي، بالإضافة للفكر الغنوسي في كتير من كتب الأبوكريفا اللي ظهرت في أواخر القرن الأول وبدايات القرن الثاني. مثلًا:
مكتوب في أعمال بولس وتكلا، إن بولس دخل إيقونية عند منزل أنسيفورس، وقال: “طوبى للذين يحفظون جسدهم طاهرًا لأن الله سوف يكلمهم، طوبى طوبى للذين عندهم زوجاتا وكأنهم ليسوا متزوجين لأنهم يرثون الله، طوبى لأجساد العذارى لأنهن سوف يرضين الله ولن يفقدوا مكافأة طهارتهن” (أعمال بولس وتكلا، 5).
وفي كتاب أعمال يوحنا الأبوكريفي وفي (العدد 63) بيتكلم عن دروزيانا المرأة اللي أنفصلت عن زوجها لفترة طويلة، للدرجة أن زوجها وضعها حية في مقبرة وأغلق عليها، وقال لها: “كوني لي زوجة، كما كنتي من قبل، وإلا سوف تموتين”. وقد فضلت الموت على أن تشترك في هذه الأدران.
بيكتب هنري شادويك عن الفترة دي وبيقول:
“ثارت مشكلة لاهوتية حادة حول وجود معيارين وطريقين للحياة الروحية. الأمر الذي ظل مجهولًا لفترة طويلة هو هل هذين الطريقين هما مجرد تعبير عن فكرة أن هناك درجتين على الأقل من النمو والإدراك الروحي والسلوك لكنهما متاحين للجميع، أم أن الفرق يعني أن المتزوجين الذين يعيشون في العالم، هم معينين لدرجة أدنى بالطبيعة، ليس لهم أن يصلوا للدرجات العليا في الصلاة ورؤية الله. فبحسب أوريجانوس، على سبيل المثال، النصوص التي ترجح كفة الرأي الأول عديدة، لكن في مواضع أخرى نجد أن الرأي الثاني متضمن بشكل خطير. ففي واحدة من عظاته تكلم عن جيش المسيح مجموعة صغيرة من المقاتلين وجمع غفير من الأتباع الذين يساعدون الجند في حربهم ضد قوات الشر لكنهم لا يحاربون بأنفسهم” (هنري شادويك، تاريخ الكنيسة)
في أواخر القرن الرابع حدث نزاع عكسي تمامًا عندما أنكر جوفنيان بشدة أفضلية حياة البتولية
في الوقت ده طبعًا كان عدو الكنيسة اللدود هو الإفراط والمُبالغة بكافة صورها، وعلشان كده بنلاقي الرسول بولس بينصح تلميذه تيموثاوس، وبيقول:
“المتكلمين في رياء بأقوال كاذبة، ومانعين عن الزواج، وأمرين أن يُمتنع عن أطعمة قد خلقها الله لتتناول بالشكر من المؤمنين” (1تي4: 2). ولذا نسمع أحد الآباء المصريين يخبر القديس يوحنا كاسيان: “الصوم بمبالغة يولد شرًا يماثل النهم”. Confer. 2: 16))
فالزواج أمر جيد، ودائمًا الكنيسة تعلم أن المضجع غير دنس، حتّى في الكتابات النسكية الأولى، كان في تحذير شديد من رفض الزواج، فنعم الناسك لا يتزوج، لكن عدم زواجه ليس رفضًا للزواج في ذاته، إنما لتكن كلّ حياته للرب، زي ما بتقول التعاليم الرسولية (apostolical constitutions): “إنه يلزم النساك أنفسهم بالبتولية، ليس رفضًا للزواج، بل ليتيحوا لأنفسهم مزيدًا من الوقت في الصلاة“. (التعاليم الرسولية، 8: 24).
أيضًا ميثوديوس الأوليمبي في كتابه وليمة العشر عذارى، كتب: “عندما أدخل الكلمة البتولية في العالم لم يقصد إطلاقًا إلغاء الزواج، فلم يلغ الأمر الذي ورد في سفر التكوين وهو “أثمروا وأكثروا”، فالله في الزواج يربط الرجل بالمرأة التي خلقها هو” (وليمة العشر عذارى، 2: 1).
ويقص علينا يوسابيوس القيصري قصة أسقف يُدعى بنتيوس الكنوسي، بجزيرة كريت، أراد أن يفرض البتولية على كافة المؤمنين دون استثناء، ولكنه قوبل بتوبيخ شديد (تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، 4: 23).
مراحل الرهبنة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج5
الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج4
الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج4
الدعوة الرهبانية في العهد الجديد
يؤرخ القديس يوحنا ذهبي الفم [347 – 407 م] لتاريخ البتولية في كتاباته فيقول:
“في العهد الجديد …خرج جمال البتولية جليًا إلى النور.”
JOHN CHRYSOSTOM, Letter to a young window in N.P.N.F.IX. (Grand rapids, Michigan: WM.B.Eerdmans Publishing Company, 1956)
فحياة البتولية في العهد الجديد، عهد المسيا، جديدة تمامًا من جهة أصلها والدافع إليها وممارساتها … ويؤكد آباء الكنيسة هذه الحقيقة فيقول القديس أمبروسيوس [ 340- 397 ]:
“فمن ذا الذي يستطيع أن ينكر أن هذه الحياة
العذراوية تستمد قوتها من السماء، تلك الحياة
التي لم توجد على الأرض إلا عندما نزل رب
المجد وأخذ جسدًا بشريًا؟!”
ST.AMBROSE, Concerning Virgins, book I in N.P.N.F, vol. X, P.365
وهذا مايشير إليه البابا أثناسيوس [ 311 – 323م ] في حديثه إلي بعض العذارى:
“لو لم يتجسد الابن الكلمة كيف كان يمكن الارتباط به؟!
ولكن عندما أخذ الرب جسدًا بشريًا من السيدة العذراء مريم،
أصبحتن عذاري وعرائس للمسيح. فلقد زرع والداكن فيكن بذرة الاشتياق إلي حياة الفضيلة وقام برعايتها حسنًا، ثم نمٌاها الختن الذي ألقي بكلمته في قلوبكن فنمى فيكن الاشتياق لأن تصِـرن عذاري مكرسات له. فيجب عليكن أن تنظرن الي سيرة العذراءمريم كمثال وصورة للحياة السمائية.”
See ST. ATHANASIUS, First Letter to Virgins, P.288
ويرجع الحياة البتولية بعض آباء الكنيسة لحياة العذراء مريم ويسوع، زي ما بيُعلق القديس جيروم قائلًا:
“لقد تقدست البتولية في شخص الرب يسوع وأمه العذراء القديسة مريم. إذ أن كليهما بتول.”
ST.Jerome, Letters to Eustochium, Letter XXII On the Preservation of Virginity in N.P.N.F., Series II, Vol. P.29
الدعوة لحياة البتولية من خلال نصوص العهد الجديد
العهد الجديد لم ينقل لنا التعليم النسكي في صيغ تعليمية، بل وجد التعليم النسكي مكانه وسط تعاليم أُخرى مُقدمة بشكل وعظي للجماعات المسيحية بحسب ما تطلبته الظروف.
التعليم النسكي كله مُلخص في كلمات يسوع: “إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه كلّ يوم ويتبعني.. مت16: 24، مر8: 24”.
فالنسك في المسيحية له دعامتين أساسيتين هما:
1- إنكار الذات، واللي بيدخل تحته مفهوم الفقر الإختياري.
2- التصميم القاطع باتباع يسوع والتمثل بيه.
إنكار الذات أو الفقر الإختياري كمان بيظهره يسوع في قصة الشاب الغني، اللي قال له المسيح: “إن أردت أن تكون كاملًا، فأذهب وبع كلّ أملاكك وأعط الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني.. مت19: 16- مرقس10: 17- لو18: 18″.
هنا لازم ننوه إن الممتلكات الدنيوية في حد ذاتها شئ جيد، إلا أن التعالم معها بشكل مفرط، بمعنى أن تملكك هي وتسيطر عليك، بدلًا من أن تتسلط أنت عليها، فإنها في هذه الحالة تعد عائقًا ليس للحياة السماوية فقط، بل على مستوى الحياة العادية أيضًا، فبدلًا من أن نحيا لنستمتع بالحياة، نحن نحيا لنضخم ثروتنا ونحافظ عليها، أي أنه بدلًا من الحياة لأجل أنفسنا، أصبحنا نحيا لأجل أملاكنا..
مفهوم الترك ده بنلاقيه كمان عند ق. لوقا لم بيقول عن المسيح: “كذلك كلّ واحد منكم لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذًا” (لو14: 33)
كمان بيقول: “إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته، حتّى نفسه أيضًا، فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا” (لو14: 25- مت10: 37)
كمان الترك في الأناجيل له مفهوم مختلف، فبطرس طلب منه يسوع بحسب إنجيل لوقا إنه يتبعه، وبيقول الكتاب فللوقت ترك كلّ شئ وتبعه، لكن من تسلسل الحداث فيما بعد بنعرف إن بطرس على أرض الواقع لم يتخلى عن أي شئ، بل على العكس عنده بيته وزوجته وأولاده وحماته وعايش معاهم وعزم يسوع عنده وسطهم، كمان بيمتلك مركبته وأدوات الصيد بتاعته وكل شئ. فماذا ترك إذن؟! لقد ترك التعبد لمثل هذه الأشياء، أصبح في حرية دون أن يتقيد بأي مما يملك، لم تعد تربطه الممتلكات بالأرض بل صار حرًا يتبع المسيح أينما ذهب.
بولس الرسول في كورنثوس الأولى الإصحاح السابع بيقول: “غير المتزوج يهتم فيما للرب كيف يرضي الرب، أما المتزوج فيهتم فيما للعالم، كيف يرضي امرأته“. لكنه بيوضح إن ده مش وصية إلهية بقدر ما هو رؤية شخصية للقديس بولس بسبب الضيقة الموجودة على المؤمنين في عصره، ومفهومه عن قرب نهاية العالم، فيقول: “إنني أُعطي رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا، فأظن أنه حسن بسبب الضيق الحاضر حسنٌ للإنسان أن يكون هكذا” (1كو7: 25، 26).
يعلق الكثيرون من أباء الكنيسة الأولي على كلمات معلمنا القديس بولس الرسول.. فيقول القديس جيروم في رسالته المكتوبة في عام 384م إلي تلميذته استوخيوم العذراء:
“لماذا يفضل القديس بولس الرسول البتولية؟ لأنه هو أيضًا كان بتولًا ليس رغمًا عنه بل بإرادته الحرة.”
ويتساءل جيروم لماذا لم يأخذ الرسول أمرًا من الرب بخصوص البتولية؟ ويجيب بأنه “مايُقدم بالإرادة الحرة وليس بالإجبار تكون له قيمة أعظم. فلو كان هناك أمر بالبتولية، لكان ذلك يعني تحريم أو منع ما قدسه الله أي الزواج..”
ST.Jerome, Letter xxii to Eustochium in N.P.N.F, SeriesII, Vol. VI, p.30
وبتفضيل البتولية على الزواج يوضح القديس جيروم أنه:
” لايُنقص من شأن الزواج عندما يضع البتولية في مكانة متقدمة ولكنه يوضح للعذاري رفعة مكانتهن التي تسمو على كلّ ماهو أرضي.”
ST.Jerome, Letter xxii to Eustochium in N.P.N.F, SeriesII, Vol. VI, p.29
طبعًا العهد الجديد ملئ بالتعاليم التي استقت منها الرهبنة منهجها، مثل إخضاع الجسد للروح، قمع شهوات الجسد، الصلاة الدائمة.. وغيرها.. لكن سنكتفي حاليًا بهذا القدر.
الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج4
مصادر الرهبنة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج3
مصادر الرهبنة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج3
مصادر الرهبنة وأسباب انتشارها
مصادر التاريخ الرهباني
1- هستوريا موناخرم، عمل بيقدم سير للرهبان وتعاليمهم في شكل رحلة لسبع رهبان إلى صحراء مصر، وغير معروف على وجه الدقة كاتب العمل ده، وهناك شك ما بين روفينوس وجيروم.
3- التاريخ اللوزياكي لبيلاديوس، وهو من أهم المصادر عن التاريخ الرهباني لإن الكاتب كان على معرفة شخصية بالناس اللي كتب عنهم.
4- كتابات خاصة بالسلوكيات والعادات الرهبانية زي كتابات افجاريوس البنطي، ويوحنا كاسيان، ودي بترجع أهميتها لإنها بتعرفنا على النمط الرهباني وتطوره عبر العصور.
5- تعاليم الآباء الرهبان، في نظر العامة الناسك المتوحد له توقير خاص. آباء الصحراء في مصر في النصف الثاني من القرن الرابع كانت الجموع تخرج لزيارتهم باستمرار ويسألونهم السؤال المعتاد: قل لي كلمة منفعة يا أبي بها أخلص. وإجاباتهم سجلت وجمعت في فردوس الآباء Apophthegms of the Fathers. وصار من البديهي أن تكون كلمات من يقطن الصحراء بالقرب من الله موحى بها. (هنري شادويك الكنيسة الأولى)
ما هي أهمية دراسة تاريخ الرهبنة؟
– التقليد الشرقي مش بيميز أبدًا بين عقيدة الكنيسة واللاهوت النظري من جهة، والخبرة الشخصية والأخلاقية من جهة أخرى. بيوضح ده في مقولة لاهوتي أرثوذكسي من القرن اللي فات اسمه فيلاريت أسقف موسكو، بيقول:
“ما من سر من أسرار حكمة الله الخفية ينبغي أن يبدو لنا غريبًا أو متساميًا بالكلية، بل علينا، بكل تواضع، أن نُكيف ذهننا على تأمل الإلهيات”. أو بمعنى تاني، إن الأسرار الإلهية واللاهوت هي حقيقة بنتعلمها على أنها سرّ، إلى أن تتجلى في واقع حياتنا المُعاش. فاللاهوت والتصوف مش متعارضين، إنما متكاملين ولاغنى لأحدهم عن الآخر.
– علشان كده بنلاقي الكنيسة اعطت لقب لاهوتي لإثنين فقط في كلّ تاريخها، هما ق. يوحنا الإنجيلي اللاهوتي، والقديس غريغوريوس النيزينزي، والإثنين بيتميز منهجهم بالتصوف. وبتضيف ليهم الكنيسة اليونانية سمعان اللاهوتي الحديث، وهو أيضًا كان راهب متصوف. فالصوفية في الفكر المسيحي هي كمال كلّ لاهوت وقمته.
– الفكر المسيحي كمان بيختلف عن الفكر الغنوسي، لإن المنهج الغنوسي بينشد المعرفة في ذاتها، وبيضع الخلاص في الوصول للمعرفة، وحتى المسيح في الفكر الغنوسي هو المُخلص لإنه أتى بالمعرفة الكاملة.. أما في المسيحية، فالمعرفة هي عامل في خدمة غاية أسمى ونهائية، وهي الإتحاد بالله، أو اللي بيسميه الآباء اليونان الثيئوسيس أو التأله.
– المفهوم ده، اللي هو الإتحاد بالله أو الثيئوسيس أو التأله، هو اللي دافعت عنه الكنيسة على مر عصورها ضد الهرطقات، فالكنيسة حاربت الغنوسية لإنها بترفض تكوين علاقة شركة بين الإنسان والله، وحاربت الآريوسية لإنها بتقول إننا إتحدنا بمخلوق متأله مش الله الحقيقي، وحاربت النسطورية لإنها بترفض الشركة الحقيقية مع الله، وبتقول إننا متحدناش بالله، لإن المسيح نفسه متحدش بالله، إنما كان الله بيحل فيه حلول مؤقت، مش حلول جوهري وحقيقي.
– الصراعات الكنسية كان الرهبان عامل قوي جدًا فيها، مثل الأنبا أنطونيوس في مرحلة الصراع الآريوسي عندما نزل إلى الأسكندرية في غياب الأسقف أثناسيوس ليشدد من عزم الشعب- في عصر الأنبا شنودة رئيس المتوحدين قام الرهبان بهدم كتير من المعابد الوثنية- الصراع حول أوريجينوس والصراع بين الإخوة الطوال وروفينوس وجيروم وغيرهم- الصراع حول شخص المسيح وتدخل الرهبان بلا نوم مثلًا.
لأجل كلّ ما قيل فهناك أهمية كبيرة للتعرف على تاريخ الروحانية المسيحية، أو تاريخ الرهبنة، إذ كيف يُمكننا أن نتعلم طريق حياة الكمال المسيحية، تلك الحياة المماثلة لعقيدتها النظرية، دون النظر إلى “مُعلمي الحياة الروحية” كما يدعوهم اللاهوتي الأرثوذكسي فلاديمير لوسكي.
أسباب انتشار الحركة النسكية في العالم المسيحي منذ القرن الأول
1- يجب أن نعترف أن أحد الأسباب التي أدت إلى أزدياد أعداد النُسّاك كانت حالات الإضطهاد المريرة التي مرت بها الكنيسة الأولى من الرومان واليهود على السواء، فهرب بعض الناس إلى الصحاري والبراري كي يستطيعون من التعبد لإلههم في هدوء وسكينة بعيدًا عن اضطرابات العالم.
بيكتب هنري شادويك عن الفترة دي وبيقول:
“الانعزال عن الجمال الباطل كان أيسر على من يتوقعون قرب نهاية العالم ممن يظنون أن الزمن مستمر وممن لهم من المتاع ما يورِّثونه لأطفالهم. عارض القديس بولس امتناع أهل كورنثوس عن الزواج اعتمادًا على فكرة ثنائية المادة والروح الغنوسية.
لكن على أساس أن الوقت مقصر سمح لمن لهم زوجات أن يسلكوا كمن ليس لهم. وعندما بات واضحًا أن الوقت ليس مقصرًا بالدرجة التي كان يظنها الرسول، إلا أن مشاعر الشهيد ظلت حية في القلوب نتيجة عدم استقرار الحياة تحت نير الاضطهادات وإدراك أن الصلاح الحقيقي ليس موجود في متع هذا العالم. (هنري شادويك، الكنيسة الأولى)”
2- الإتجاه الإسخاتولوجي للكنيسة الأولى، فمن المعروف إن الكنيسة الولى كانت تؤمن بمجئ الرب خلال الجيل الذي يحيون فيه، وأنهم سوف يشاهدون الرب بأعينهم قادمًا على السحاب، وعلى ذلك فكان الترك الفعلي لحياة العالم أمرًا طبيعيًا.
3- النصوص الإنجيلية الكثيرة التي يزخر بها العهد الجديد.
مصادر الرهبنة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج3
الهرطقات المسيحية الاولى – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج2
الهرطقات المسيحية الاولى – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج2
ما هيَ الهرطقات والبدع
كلمة هرطقة هيَ كلمة يونانيّة ”αίρεσις– Hairesis“ ومعناها اختيار، وقد استخدمت للتعبير عن المدارس الفكرية إلهيّلينية، اليونانيّة، كما استخدمت في العهد الجديد بمعنى ”شيعه، مذهب، بدعة“، وذلك للتعبير عن الجماعات اليهوديّة مثل ”شيعة αίρεσις الصدوقيين’ (أع17:5)، و‘مذهب αίρέσεως الفريسيين’ (أع5:15؛ أع5:26).
قد استخدمها المؤرخ والكاهن اليهوديّ يوسيفوس المُعاصر لتلاميذ المسيح (35-100م) بهذا المعنى، وطبقها على المذاهب اليهوديّة التي كانت سائدة في عصره، وهيَ الفريسيين والصدوقيين والآسينيّين.[1]
كما استخدمت من وجهة نظر اليهود لوصف الجماعة المسيحيّة في أيامها الأولى والتي نظروا إليها كجماعة خارجة من اليهوديّة ومن ثُمَّ دُعيت بـ”الطريق الذي يقال له شيعة αίρεσιν“ (أع14:24)، و”مذهب αίρέσεως يقاوم في كلّ مكان“ (أع22:28)، كما وُصِف القديس بولس بـ”مُقدّام شيعة αίρέσεως الناصريين“ (أع5:24).
واستخدمت في الكنيسة الأولى بمعنى ”بدعة αίρεσεις“ (غل20:5)، لوصف الجماعات التي خرجت عن التسليم الرسوليّ وتعاليم الكنيسة، والذين وُصفوا بأصحاب ”البدع αίρεσεις“ (1كو19:11)، والذين يقول عنهم القديس بطرس أنهم معلمون كذبة ”الذين يدسّون بدع αίρεσεις هلاك وإذ هم ينكرون الرّبّ الذي اشتراهم يجلبون على أنفسهم هلاكا سرّيّعا“ (2بط1:2).
شاع بعد ذلك تعبير هراطقة للتعبير عن أصحاب البدع والهرطقات التي خرجت عن المسيحيّة وصار لهم فكرهم الخاص. يقول العلَّامة ترتليان:
”لأنهم هرطقة فلا يمكن أن يكونوا مسيحيّين حقّيقيّين لأنهم حصلوا على ما أتّبعوه ليس من المسيح بل باختيارهم الخاص، ومن هذا السعي جلبوا على أنفسهم وقبلوا اسم هراطقة. وهكذا فلكونهم غير مسيحيّين لم ينالوا أي حقّ في الأسفار المسيحيّة المُقدّسة؟ ومن العدل أن نقول لهم “ من أنتم؟ من أين ومتى جئتم؟ ولأنكم لستم منا ماذا تفعلون بما هو لنا؟ حقًّا، بأي حقّ يا مركيون تقطع خشبي؟ ومن الذي سمح لك يا فالنتينوس أن تحوِّل مجاري نبعي؟“[2]
السيمونيّة
نسبة إلى سيمون الساحر، الذي كان مُعاصرًا للرسل (أع8: 10)، وقد نسب إليه آباء الكنيسة كلّ هرطقة وبدعة دخلت إلى المسيحيّة، يقول عنه القديس يوستينوس: ”إنه ولد في قرية جيتون، ووصل إلى روما في عهد الإمبراطور كلوديوس، حيث عُبِد كإله“.[3]
يكتب عنه القديس كيرلس الأورشليمي: ”هذا الرجل بعد أن طرده الرسل جاء إلى روما، واستمال إليه زانية تُدعى هيلانة، وقد تجاسرّ بفمه المملوء تجديفًا أن يدّعي أنه هو الذي ظهر على جبل سيناء كالآب، وظهر كيسوع المسيح بين اليهود، وليس في جسد حقّيقيّ،[4] وبعد ذلك كالروح القدس الذي وعد المسيح أن يُرسله كمُعزٍ“.[5]
الأبيونيّة Ebionites، المتهودون أو اليهود المُتنصرين
ظلوا مُتمسكين بتقاليدهم اليهوديّة، ورفضوا الإيمان بالثالوث. وقالوا بأن الروح القدس قوة مؤنثة وأنها أم المسيح. وقد تزعمهم كيرنثوس، وقد أرَّقت هذه البدعة الكنيسة حتّى القرن السابع. كانوا يحفظون السبت على الرغم من احتفالهم بيوم الأحد مع المسيحيّين، ورفضوا الميلاد العذراوي، كما علَّموا أيضًا بالتبني، أي أن يسوع كان مُجرّد إنسان ارتفع في المجد واتحد بالله من أجل فضائله، وبهذا فليس هو الله الظاهر في الجسد.
دعاهم رجال الكنيسة بـ”الأبيونيين“، وهيَ من الكلمة العبريّة (אֶבְירֹן)، وجمعها أبيونيم، والتي تعني ”الفقراء“، نسبة إلى فقر تعاليمهم وضحالتها.
وقد تحدث عنهم العلَّامة هيبوليتس الرومانيّ قائلًا:
”يعترف الأبيونيون، على آية حال، أن العالم خُلِق بواسطة الذي هو الله بالحقّيقة، لكنّهم يزعمون عن المسيح أساطير مثيلة بما زعمه كيرنثوس وكربوكريتس. ويعيشون بحسب عادات اليهود زاعمين أنهم يتبرّرون بإتمام الناموس.
لذلك فقد كان -بحسب الأبيونيين- أن المخلّص دُعيَّ مسيح الله ويسوع، لأنّه ولا واحد من بقية البشر حفظ الناموس تمامًا. لأنّه حتّى لو حفظ أي أحد أخر، وتمّم الوصايا المحتواة في الناموس سيكون هذا مسيحًا. ويزعم الأبيونيين، أنهم هم أيضًا عندما يتممون الناموس، بنفس الطريقة سيصبحون مسحاء؛ لأنهم يؤكدون أن رّبّنا نفسه كان إنسانًا مثل كلّ البشر“.[6]
لقد كان أغلب الأبيونيين مسيحيّين، لكنّهم رفضوا الاعتراف بجديد الإنجيل، العهد الذي أسّسه الرّبّ جديدًا مع الكنيسة، وظلوا مُتمسكين بالشريعة اليهوديّة. ويرفض هؤلاء الأبيونيون أن يكون المسيح قد ولِد من عذراء، هو مخلوق مثل رؤساء الملائكة، وهو يملك على الملائكة، وعلى جميع الخلائق.
وعليه، فقد اسقطت الأبيونيّة من حسبانها الإيمان الثالوثيّ، ورفضت كلّ ما يُهدّد فكرة التوحيد بالشكل الحسابيّ البشريّ، لذا، اعتبرت المسيح مُجرّد مخلوق، اصطفاه الله لحسن سلوكه، وإيمانه، وجعله ابنًا فوق كلّ خليقته، وهذا ما عُرِف فيما بعد بـ”التبنويّة“.
ذكرهم القديس جيروم، في إحدى رسائله إلى القديس أغسطينوس، يقول فيها:
”إنّ المسألة التي هيَ موضوع المناقشة… يمكن أن تُلخص في الآتي:
أنه منذ الكرازة بانجيل المسيح، يحفظ اليهود الذين آمنوا وصايا الناموس بحرص… فإنّ كان هذا صحيحًا، فإننا نسقط في هرطقة كيرينثوس وإبيون اللذين، رغم إيمانهما بالمسيح، حُرما بواسطة الآباء من أجل هذا الخطأ الواحد أنهما خلطا بين شعائر وطقوس الناموس من جهة، وإنجيل المسيح من الجهة الأخرى، وأعلنا إيمانهما في ما هو جديد بينما لم يتخليا عن ما هو قديم.
ولماذا أتحدث عن الإبيونيين، الذين يدَّعون انهم مسيحيّون؟ فإنّه في أيامنا هذه توجد طائفة بين اليهود والتي تتخلل كلّ مجامع الشرق، وتدعى طائفة Minei وهيَ الآن أيضًا قد حُرمت بواسطة الفريسيين. وأتباع هذه البدعة يُعرفون ”بالناصريين“.
يؤمنون بالمسيح أنه ابن الله وقد وُلد من العذراء مريم، ويقولون إن الذي تألم تحت حُكم بيلاطس البنطي وقام ثانيةً هو نفسه الذي نؤمن به. لكنّ بينما هم يرغبون أن يكونوا يهودًا وفي نفس الوقت مسيحيّين صاروا ليسوا يهودًا ولا مسيحيّين…
لذلك إن كان لايوجد بديل لنا سوى أن نقبل يهودًا في الكنيسة، هم والممارسات التي يفرضها ناموسهم، وإن كان باختصار، سوف يُعلن شرعيًا بالنسبة لهم أن يستمروا في كنائس المسيح وأن يمارسوا ما اعتادوا ممارسته في مجامع الشيطان، سأقول لك رأيي في هذا الأمر، إنهم لن يصبحوا مسيحيّين، لكنّهم سيحولوننا إلى يهود“.[7]
الغنوصيّة Gnosticism
أو ”العرفان- γνωσις“، أي الذين يبتغون المعرفة. تيار خلط بين الدين والفلسفة، يرتكز على المعرفة ليشرح كلّ شئ، ولاسيَّما اللاهوتيًّات. والهدف النهائي من المعرفة بحسب الغنوصيّة، هو خلاص الجنس البشريّ، الذي هو كائنات مُنبثقة من الإله، وقد تَمَّ حبسها داخل أجساد في عالم الشر.
وقد تاثرت الغنوصيّة بعدّد من الفلسفات اليونانيّة، وأخذت منها عناصر مُختلفة تكونت من خلالها تعاليمها الدينية؛ فقد أخذت عن الأفلاطونيّة الحديثة فكرة الوسطاء بين الله والعالم، وعن الفيثاغورية النظرة النسكيّة الزهديّة والمتصوفة، وعن الرواقيّة الواجب الأخلاقيّ للفرد.
وقد انتشرت الغنوصيّة في أوائل القرن الأوّل وبداية القرن الثاني، في الإسكندريّة، وأنطاكيّة، وروما. ولقائها مع المسيحيّة قد أكسبها أهمّيّة بالغة، إذ تسلّلت بين المؤمنين، وخاصة المُثقفين، الذين أرادوا وضع ماهية عقلية للمسيحيّة. وقد كان أزهر عصورها هو القرن الثاني، الذي فيه ظهر أهمّ قادتها، واُنتِجت خلاله الكثير من الأعمال والأناجيل الغنوصيّة، التي اكتُشِفت حديثًا من خلال ”مكتبة نجع حمادي“ في مصر.[8]
فقد أخذوا شيئًا ما بما تقوله الكنيسة، وإنما بصورة مشوَّهة وعلى اتساع تحليلي، وكان زعيمها الأوّل ”سيمون“ وهو ساحر سفر الأعمال، وكان قبل عماده يُدعى من جميع الشعب ”قوة الله العظيمة“ (أع 10:8)، لِمّا كان يأتيه من معجزات.
وكان قد تلقَّى بعض تعاليم الرسل في ما يختص بأن القوة الإلهيّة إنما تتصل مباشرة باسم الروح القدس كما هو مدوَّن بوضوح في سفر الأعمال (أع 9:8-19)، لكنّه إرتد من بعد عماده (من أيدي الرسل) وتمّ عزله عن الكنيسة، فادَّعى أن شريكته هيلانة هيَ ”الباراكليت“ وأن القوة التي تنبثق من الله هيَ قوَّة مؤنَّثة.
وتقول الغنوصيّة بالثنائية، أي أنها تؤمن بإلهين، إله شرير قد خلق العالم، وإله خيّر يسعى لإنقاذ البشر. كما تؤمن أن بأن أرواح البشر من بين هذه الكائنات الإلهيّة، وهيَ سجينة أجساد نُفخت بداخلها، وتسعى للخلاص من خلال النسك مع المعرفة، وبهذا تطهر الروح وتعود بعد الموت إلى الإلهيّ.
ويُمكن تلخيص الخطوط العامة للعقائد الغنوصيّة كالتالي:
1- يوجد تعارض تام بين النظام الكوني لهذا العالم، وبين الله الفائق السمو بغير حدود، ولا يُمكن التوفيق بينهما بحال من الأحوال. فالعالم في الغنوصيّة هو عالم من الصراعات المُستمرة، والانقسام والتضاد بين النور والظلمة، وداخل الإنسان ذاته بين الروحاني والماديّ، وتؤدي هذه الثنائية إلى رفض مبدأ وحدة الخالق، الذي هو أساس تقليد الفكر اليهوديّ والمسيحيّ.
فهي تؤمن بخلق العالم من خلال إلهين:
الديمورج، خالق هذا العالم، وبهذا فهو خالق الشر، وهو إله العهد القديم، بحسب الفكر الغنوصيّ.
وهُناك كائن وسيط بين النور والظُلمة يُدعى ”الروح، أو اللوغوس“.
والإله الأسمى، الذي يدعونه بصفات سلبية، أي: الغير موصوف، غير المعروف، بداية كلّ شئ… وغير ذلك.
3- الروح الذي هو من الإله الأسمى، اختلط بعنصرين أدنى منه، وهم من نتاج الديميورج الشرير، هما النفس والجسد. ويظل الإنسان على غير درآية أو لا يعرف بوجود الروح.
4- وهذا الروح يحتاج إلى فادٍ، كيما يُخلّصه من قيود الجسد، الذي هو بمثابة سجن للمخلوق الإلهيّ.
فدراسة مُدقّقة لها تجعلنا نُجزم أنّها خليط ما بين إلهيّلينيّة والعبرانيّة. ومن أشهر قادتها: ماركيون، باسيليدس، فالنتينوس.
أشهر أعضائها
1- ماركيون Marcion
أحد هراطقة القرن الثاني، يُحسب كواحد من الغنوصيّين، وُلِد في بنطس، وكان يعمل في صناعة السفن، انتمى إلى كنيسة روما، وقد حرمته عام 144م بسبب أفكاره المُنحرفة، فقد كان مُعاديًا لليهوديّة، ويرفض العهد القديم.
ألّف كتاب للعهد الجديد خاص به، جمعه من بعض رسائل بولس، ومن أجزاء من إنجيل لوقا. وقد أدّعى أن للعالم إلهين، أحدهما ظالم وشرير ومُنتقم وهو إله العبرانيّين، وآخر بار ومُحب وهو من كشفه لنا المسيح، الذي تجسد ظاهريًا فقط، ولم يكن له جسد من لحم ودم مثلنا. لذا، نجد القديس إيرينيئوس يقول عنه: ”عندما يقسم ماركيون الله إلى اثنين، معلنًا أن واحدًا صالحٌ والآخر عادلٌ، فهو في الحقّيقة يضع نهاية للألوهة كلها“.[9]
وقد واجهه كلّ من يوستينوس، وترتليان، وأوريجانوس، وإيرينيئوس، وحاربوا هذه البدعة التي لم تنته إلَّا مع مطلع القرن العاشر.
يقول عنه ق. كيرلس الأورشليمي:
”لتمقتوا أيضًا أتباع ماركيون الذين يفصلون بين أقوال العهد القديم والعهد الجديد لأنّ ماركيون أعظم المُنافقين، زعم بوجود ثلاثة آلهة، وإذ عرّف أن في العهد الجديد شهادات الأنبياء عن المسيح، ترك الشهادات المأخوذة من العهد القديم حتّى ترك الملك بغير شهادة“.[10]
2- فالنتينوس Valentinus
كان مُعلمًا مصريًا بدأ نشاطه في الإسكندريّة، ثُمَّ ذهب إلى روما حيث أسّس هُناك مدرسة، ولما حُرِم من الكنيسة أنشأ جماعة خاصة مُستقلة، وهو أحد الهراطقة الغنوصيّين المشهورين. وكان يؤكد على أن الإلوهيّة تتكون من ثلاثيّن إيونًا[11] منهم الروح القدس. وقال إنّ إنبثاق الروح القدس ليس بصورة مباشرة من الله.
وقال إنّ الإله فيتوس (أي العمق) ولد ثمانية أيونات، ومنهم وُلد عشرة، ومن العشرة وُلد أثنا عشر ذكرا وأنثى، وولد سيغا (أي الصمت)، من هذا الإله فيتوس، ومن سيغا ولد الكلمة، كما قال إنّ كمال الآلهة هو كائن يُدعى الحكمة، وهو المسيح!![12]
وقال إنّ المسيح لم يتخذ جسدًا إنسانيًّا حقّيقيًّا، بل اتخّذ هيئة الجسد، مظهر الجسد وهيئة الإنسان لأنّه لا يمكن أن يأخذ جسد من المادة التي هيَ شر بحسب اعتقاده! اتخّذ جسدًا سمائيًّا أو أثيريًا، وهو، حسب قوله لم يُولد من العذراء لكنّ جسده الهوائي مرَّ من خلال جسدها العذراوي!![13]
3- باسيليدس Basilides
بحسب إيرينيئوس، فإنّ باسيليدس كان مُعلّمًا في الإسكندريّة، وعاش في عهد الإمبراطور هدريان، وأنطونيوس بيوس (120- 145م).[14] كتب إنجيلًا ليس في حوزتنا منه سوى شذرة واحدة، وكتاب آخر باسم ”التفسير- Exegetica“، بقيَّ لنا منه بعض الشذرات التي اقتبسها هيجيمونيوس،[15] وإكليمندس السكندريّ.[16] كما ألّف مزامير وأناشيد لم يبقى منها شئ.
يتلَّخص فكره العقائديّ في أنه يؤمن بإنبثاقات الفيض في الإلوهة، بحسب الفكر الغنوصيّ، والتي تُدعى ”إيونات“. تسكن في ثلاثمائة خمس وستين من السماوات التي خلقتها لنفسها، وهيَ تتساوى مع عدّد أيام السنة.
وإن المسيح، وهو الابن البكر لله، وهو ”النوس“ أو العقل، قد جاء لينجي الذين يؤمنون به من سلطان العالم. وعند الصلب جاء سمعان القيرواني ليحمل معه الصليب، فأُلقيَّ شبهه عليه، وصلب مكانه بالجهل والخطأ، بينما ظلّ يسوع واقفًا بهيئة سمعان يسخر منهم، ثُمَّ غيّر هيئته بإرادته، وصعد إلى الذي أرسله.[17]
الغنوصيّون المسيحيّون بالاجمال يفسرون العقائد المسيحيّة تبعًا لتعاليمهم ويصوغون تعاليمهم بألفاظ وعبارات مسيحيّة. فهم يُقيَّمون الثنائية على ما يزعمون من تعارض بين التوراة والإنجيل، إذ يقولون إن التوراة تصور إلهًا قاسيًا جبارًا، بينما الإنجيل يكشف لنا عن إله وديع حليم خَيَّر للغاية.
فذهب باسيليدس للقول بإن إله العهد القديم ما هو إلَّا رئيس الملائكة الأشرار، ولا صلة بين المسيح المخلّص وبين المسيح الحربى الذي وعد به أنبياء العهد القديم الناطقون عن وحى إلههم، لكنّ المسيح جاء لتحقيق رسالة مساندة للمسيحيّة. لذلك كان الغنوصيّون ينبذون التوراة نبذًا تامًا، ويقبلون من بين الأناجيل والرسائل ما يروق لهم، ويحذفون ما لا يقبلونه من الفصول والآيات المناقضة لآرائهم.
باسيليدس يضع بعد (الآب) ثمانى مُجرّدًات مشخصة صدر بعضها عن بعض، الواحد تلو الآخر، منها الحكمة والعدالة والسلام، ويقول إنّ الملائكة الأوّل الصادرين عن الحكمة صنعوا السماء الأولى، والملائكة الصادرين عنهم صنعوا السماء الثانية.
أراد الآب أن يقضى على العمل المشئوم الذي عمله الصانع، وأن يخلّص الإنسانيّة التعيسة التي لم يخلقها، والتي لم تكن تعرفه فنزل المسيح من السماء لم يولد من العذراء مريم، بل ظهر تام التكوين، وأخذ يعلّم ويعرف الناس بالآب، ولم يتخذ له جسدًا ماديًّا، بل ظهر في شبه جسد، لأنّ المادة رديئة، ولأنها ملك الصانع.
افترق الغنوصيّون فيما يترتب على رداءة المادة واحتقار الجسم، فذهب فريق إلى منع الزواج، وذهب فريق آخر إلى إباحة جميع الأفعال، وإعفاء النفس من تبعية ضعف الجسم، أمّا ما ذهب إليه باسيليدس، فهو: إن الشهوة الجنسية ولو أنّها طبيعيّة، إلَّا إنّها ليست ضرورية.
كان المسيحيّين ينكرون ذلك أشد الانكار، كما كانوا ينكرون التعاليم الغنوصيّة، في أن للعالم صانعًا مغايرًا لله، وأن للنفس حياة سابقة على الحياة الأرضيّة، وأن الخطية الأصلية ارتكبت في العالم المعقول، وأن المادة شريرة بالذات، وأن الأجسام لا تقوم. ولما كانت هذه القضايا أفلاطونيّة، وكان الغنوصيّون يستشهدون بأفلاطون في صدّدها، فقد دعا البعض من المسيحيّين أفلاطون بأنه أب البدع، في الوقت الذي كان فيه غيرهم يعتبره مهمًا بالنسبة للفلسفات المسيحيّة.
لقد عاشت الكنيسة في صراع داخليّ لمواجهة هذه الأخطار الغنوصيّة وصارعت أكثر من قرنين لتوضح بالأقوال اللاهوتيّة خطورة التعاليم الغنوصيّة المسيحيّة.
المونارخيّون Monarchianism، أو الموحدين، أو مؤلمي الآب
وهي قريبة الشبه من الأبيونية، وقد سُميَّت بـ”صالبيّ الآب، أو مؤلميّ الآب“، لأنهم يقولون أن الله واحد صمد، بالمفهوم الصنمي العدّدي، وهم بذلك يجعلون من الآب مصلوبًا على الصليب، إذ تلاشى مفهوم الأقانيم، وصار الآب والابن والروح القدس مُجرّد صور تعبيرية عن الله الواحد عدّديًا.
وأشهر ممثليها هم براكسياس الذي كتب ضده العلَّامة ترتليان، ونوئيتوس الذي كتب ضده العلَّامة هيبوليتس الرومانيّ، وقال:
”نوئيتوس الذي من سميرنا، طلَّ علينا بهرطقته التي جلبها عن إبيجونوس، ووصل بها إلى روما، وقد أيّدها كاليستوس (رئيس أساقفة روما في ذلك الحين)، ويقول إنّ الله الآب خالق الكون، هو الذي دُعيَّ أيضًا بالابن، وهذا شخص واحد، إنما مُقسم من جهة الاسم فقط“.[18]
ينادون بأن الروح القدس هو أصل وجود الآب والابن. وهيَ تعني أن الابن متطابق مع الآب (يُعرف على أنه الآب، أو أنهما واحد). ومنهم من يعتقدون بأن الآب نفسه نزل إلى بطن العذراء، وهو نفسه وُلد منها، وهو نفسه قد تألم على الصليب، وفي الحقّيقة هو نفسه يسوع المسيح.
لقد كان براكسيوس هو أوّل من جلب هذا النوع من الضلال من آسيا إلى روما، حين رحل إليها في عهد الإمبراطور مرقس أوريليوس، وقد هاجمه العلَّامة ترتليان بمهارة،[19] ودعاه: ”حامل رسالة الشيطان المزدوجة“، فمن جهة هو ينكر الروح القدس، ومن جهة أُخرى فهو يصلب الآب.
وكلمة ”مونارخيًّا- μοναρχια“ كانت في الأصل كلمة أرثوذكسيّة، تُستخدم في التعبير عن وحدة الرأسة التي للآب، أي أن الآب هو الأصل والينبوع الذي ولد منه الابن، وانبثق عنه الروح القدس.
وتنقسم المونارخيّة بحسب منحاها اللاهوتيّ إلى قسمين كبيرين:
1- التبني Adoptianosme: تُعلم هذه النظرية، بأن المسيح، كسائر البشر، ولد كإنسان فقط، ونما مثل سائر الناس، وأن الله الآب قد جعل منه ابنًا خاصًا له، نظرًا لتقواه، وحدث هذا تحديدًا وقت عماده في نهر الأردن، وبعضهم يقولون أن هذا التبني حدث بعد القيامة. وقد قال بهذه النظرية: ثيودوتُس، بولس الساوساطي.
2- الشكليّة، أو الدوسيتيّة: إحدى شيع المونارخيّة، أسّسها سابليّوس أحد أساقفة المُدن الخمس الغربية، وقد نادى بأن الله أقنوم واحد، لكنّ له أسماء مُتعدّدة، فعندما خلقنا دُعيَّ الآب، وعندما خلّصنا دُعيَّ الابن، وعندما قدّسنا دُعيَّ الروح القدس.
بمُجرّد أن ارتقى كاليستوس كرسي بطريركية روما (217م) قام بعزل سابليّوس من شركة الكنيسة.
كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ ضد المونارخيّين في كتابه ”شرح الإيمان“، يقول:
ونحن نؤمن بالمثل بالروح القدس (1كو10:2). ولا نعتقد بـ ”ابن-آب“ كما يفعل السابيليون… هادمين بنوة الابن. ولا نحن نعزو إلى الآب الجسد القابل للألم الذي حمله الابن من أجل خلاص العالم كله، ولا نعتقد بثلاثة أقانيم متفرقة عن بعضها البعض، مثل ثلاثة أشخاص منفصلين بدنيًا (أو شخصيًّا)، فذلك سوف يفضي إلى تعدّد الآلهة الذي للوثنيّين، لكنّ على العكس، كنهر مولود من منبع وهو غير منفصل عن منبعه، مع أن هناك شكلان واسمان…
لكنّ الينبوع (أو المنبع) ليس هو النهر ولا النهر هو المنبع لكنّ كلّ منهما هو الماء نفسه… وهكذا تتدفق الألوهة من الآب إلى الابن بغير تغير الانفصال… ونحن لا نعتقد في ابن الله الذي هو الله الخالق كلّ الأشياء، أنه ”مخلوق“ أو ”مصنوع“ أو ”آتٍ من عدم الوجود“، لكنّه هو الكائن من الكائن.[20]
[7] BJ Kidd, ed., Documents Illustrative of the History of the Church, vol. 1, Macmillan, New York, 1932, pp. 265, 266.
[8] يعود الفضل في معرفتنا بالغنوصيّة إلى مكتبة نجع حمادي، فقبل اكتشافها لم نكن نعرف عنها غير ما جاء في كتابات الآباء الذين واجهوها، مثل إيرنيئوس وهيبوليتوس وأبيفانيوس.. وغيرهم. وهيَ مجموعة من المخطوطات تشمل ثلاثة عشر مُجلدًا، تتضمن واحد وخمسين نصًا، بعضها مُكرّر. وهذه النصوص جميعها قد تمت ترجمتها من اليونانيّة إلى القبطية. وقد اكتُشفت في عام 1954م عند جبل الطارف، في الضفة الشرقية لوادي النيل، على يد فلاح مصري يُدعى: ”مُحمد على السمّان“ (انظر: شنودة ماهر إسحق (القس)، يوحنا نسيم(الدكتور)، تراث الأدب القبطي (القاهرة: مؤسّسة القديس مرقس لدراسات التاريخ القبطي، 2003)، ص 125).
[9] DW Bercot, ed., A Dictionary of Early Christian Beliefs, Hendrickson Publishers, Massachusetts, 1998, p. 419.
الكنائس الرسولية الخمسة القديمة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج1
الكنائس الرسولية الخمسة القديمة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج1
1- كنيسة أورشليم
كان أمرًا طبيعيًا أن تحتل كنيسة أورشليم شهرة خاصة في عصر الرسل فأورشليم أول مدينة رددت صدى صوت الرب يسوع، وذاقت حلاوته قبل العالم كله وتقدَّس ترابها بدم رب المجد يسوع عند صلبه. وفيها وُلِدت الكنيسة المسيحية ومنها ذاعت بشرى الخلاص في العالم كله. وهي أول مركز ديني مسيحي أنُشيء وفيها عُقِد أول مجمع كنسي. وقد تولى أمور كنيسة أورشليم القديس يعقوب البار أحد الإثنى عشر تلميذًا حتى استشهاده سنة 62 م.
2- كنيسة أنطاكية
كانت المدينة الثالثة في الإمبراطورية الرومانية بعد روما والإسكندرية وقد قيل عنها “إن أنطاكية كانت هي باب فلسطين المفتوح على العالمين اليوناني والروماني. ولذلك كانت خير قاعدة لنشر المسيحية فيهما؛ وقد أخبرنا القديس لوقا عن دخول الإيمان إلى أنطاكية على يد الذين تشتتوا بسبب قتل استفانوس (أع11: 19- 21). وهي تعتبر الكنيسة الأممية الأولى وفيها عُرِف المؤمنون لأول مرة باسم مسيحيين وقد تعب في الكرازة بها بولس وبرنابا (أع11: 22- 26). وجعلها القديس بولس مركز انطلاقه في رحلاته التبشيرية.
3- كنيسة الإسكندرية
من الناحية السياسية كانت تُعَد المدينة الثانية في الإمبراطورية الرومانية ولكن من الناحية العلمية والثقافية كانت المدينة الأولى بدون منازع. ولقد وصل إليها الإيمان المسيحي قبل كرازة مارمرقس بها نظرًا لقُرب المسافة بين مصر واليهودية إذ كان يوجد من بين الذين حضروا يوم الخمسين بعض من المصريين (أع2: 10). وكان لكرازة مارمرقس بالإسكندرية ولتأسيسه مدرسة الإسكندرية بها، بالإضافة إلى ما هو معروف عن حب الشعب الشديد للتدين دور كبير في جعل كرسي الإسكندرية كرسي له شأن واحترام كبير داخل الكنيسة الجامعة.
4- كنيسة القسطنطينية
وهي كنيسة قد تأسست في القرن الرابع عندما بنى الإمبراطور قسطنطين مدينة القسطنطينية وجعلها العاصمة الثانية للإمبراطورية الرومانية واهتم بأن يؤسس بها كنيسة كبيرة، ومن هنا اكتسب كرسي القسطنطينية أهميته، إذ أصبح كرسي العاصمة الشرقية للإمبراطورية.
5- كنيسة روما
كانت روما بالطبع هي العاصمة الأولى للإمبراطورية الرومانية وكانت بمثابة قلب العالم سياسيًا إذ كانت مقر القياصرة الرومان.
وقد دخلت المسيحية إلى مدينة روما بواسطة الذين حضروا يوم الخمسين وسمعوا عظة بطرس. ثم بعد ذلك عندما سافر إليها بولس الرسول وكَرَزَ بها وأسس كنيستها ثم بعد ذلك القديس بطرس حيث استُشهد هناك. وأصبح بذلك كرسي روما كرسي عظيم الشأن خاصةً بحكم أنه هو الكرسي الرسولي الوحيد في الغرب.
الكنائس الرسولية الخمسة القديمة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج1