هل يوصي الكتاب المقدس بتقديم الذبائح للشيطان؟

هل يوصي الكتاب المقدس بتقديم الذبائح للشيطان؟

هل يوصي الكتاب المقدس بتقديم الذبائح للشيطان؟

هل الله يحب ويبيح الذبائح البشرية؟ وهل هو إله دموي؟

هل الله يحب ويبيح الذبائح البشرية؟ وهل هو إله دموي؟

 

هل الله يحب ويبيح الذبائح البشرية؟ وهل هو إله دموي؟

فهرس موضوع دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس.

للدخول على الموضوعات الرجاء الضغط على العناوين :-

1-دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 1) أصل وطبيعة الذبيحة ونظرية تقدمها.

2-دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 2) أهمية الذبيحة وشمولها، لمحة تاريخية سريعة.

3- دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 3) أهمية الذبيحة وشمولها، تابع لمحة تاريخية سريعة الفصح πασχα.

4- دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 4) أهمية الذبيحة وشمولها، تابع لمحة تاريخية سريعة (ب) الحقبة الموسوية.

5- دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 5) أهمية الذبيحة وشمولها، تابع لمحة تاريخية سريعة عصور ما بعد موسى + مصدر تشريع الذبائح.

6- دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 6) تابع المقدمة (ب) العهد القديم تطور طقوس الذبائح، جوانب الذبيحة المختلفة.

7- دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 7) تابع المقدمة (ب) العهد القديم، ثالثاً: من الطقوس إلى الذبيحة الروحية.

8- دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 8) تابع المقدمة(جـ) العهد الجديد، معنى الذبيحة.

9- تابع دراسة في الذبائح (9) يسوع يقدم نفسه ذبيحة.

10- تابع دراسة في الذبائح (10) تابع يسوع يقدم نفسه ذبيحة – يسوع المسيح حمل الله.

11- تابع دراسة في الذبائح (11) ذبيحة الصليب في ضوء ذبائح العهد القديم.

12- تابع دراسة في الذبائح (12) معنى الدم ومعنى كل المصطلحات التي تدل عليه.

13- تابع دراسة في الذبائح (13) معنى الدم في العهد الجديد ومصطلحاته.

14- تابع دراسة في الذبائح (14) الذبائح الدموية واستخدام الحيوانات وشروط الذبيحة.

15- تابع دراسة في الذبائح (15) ذبيحة المحرقة – ὁλοκαύτωμα – עלׇה.

16- تابع دراسة في الذبائح (16) ذبيحة المحرقة ὁλοκαύτωμα شريعة المحرقة.

17- تابع دراسة في الذبائح (17) ذبيحة المحرقة ὁλοκαύτωμα الطاعة ومعنى العصيان.

18- تابع دراسة في الذبائح (18) ذبيحة المحرقة – المسيح يقدم نفسه ذبيحة طاعة.

19- تابع دراسة في الذبائح (19) ذبيحة الخطية ومفهومها – άμαρτία – חַטָּאת.

20- تابع دراسة في الذبائح (20) مفهوم الخطية في الفكر اليهودي الصحيح.

21- تابع دراسة في الذبائح (21) ملخص مفهوم الخطية في العهدين άμαρτία.

22- تابع دراسة في الذبائح (22) ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها.

23- تابع دراسة في الذبائح (23) ذبيحة الخطية חַטָּאת المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية.

24- تابع دراسة في الذبائح (24) مقارنة بين ذبيحة المحرقة وذبيحة الخطية.

25- تابع دراسة في الذبائح (25) الوجه الثالث من أوجه الصليب ذبيحة الإثم ἀνομία אָשָׁם.

——————————————————————————————-

مراجع الموضوع كالتالي:

1 – الكتاب المقدس – العهد القديم – عبري عربي (ترجمة بين السطور) – الجامعة الأنطونية – كلية العلوم البيبلية والمسكونية والأديان – إعداد الأبوان بولس الفغالي وأنطوان عوكر (طبعة 2007م)
2 – الكتاب المقدس – العهد الجديد – يوناني عربي (ترجمة بين السطور) – الجامعة الأنطونية – كلية العلوم البيبلية والمسكونية والأديان – إعداد الآباء بولس الفغالي ، أنطوان عوكر ، نعمة الله الخوري ، يوسف فخري (طبعة 2003م)
3 – الكتاب المقدس – ترجمة الرهبنة اليسوعية اللاتين – طبعة 1989م
4 – الكتاب المقدس – العهد الجديد بالخلفيات التوضيحية – إصدار دار الكتاب المقدس – طبعة ثالثة 2006م
5 – The RSV Interlinear Greek – English New Testament
6 – التفسير التطبيقي للكتاب المقدس 
7 – لِسان المُتعلمين – قاموس تحليلي للثروة الكلامية في كتابات العهد القديم العبرية والآرامية لدراسة وتفسير كتابات العهد القديم . مع إشارات للأصول والمفاهيم العبرانية في كتابات العهد الجديد – الجزء الأول حرف أليف – أمير مُحسن
8 – القاموس الموسوعي للعهد القديم – الجزء الأول والثاني والسابع – يشتمل على المفردات اللاهوتية لكلمات العهد القديم في لغته الأصلية (العبرية) – فيرلين د. فيربروج – مكتبة دار الكلمة Logos – الطبعة الأولى 2010م
9 – القاموس الموسوعي للعهد الجديد يشتمل على المفردات اللاهوتية لكلمات العهد الجديد في لغته الأصلية (اليونانية) – فيرلين د. فيربروج – مكتبة دار الكلمة Logos – الطبعة الأولى 2007م
10 – معجم اللاهوت الكتابي – وقد نُقل إلى العربية عن Vocabulaire de theologie biblique Troisieme edition 1974 – Les Editions Du Cerf, PARIS – طبعة ثانية 1988م
11 – الترجمة المسكونية الفرنسية للكتاب المقدس – Traduction DEcumeniqe De La BIBLE – طبعة 1982م
12 – قاموس يوناني إنجليزي – An intermediate Greek – Englis Lexicon – OXFORD – طبعة 1990م
13 – قاموس المورد – إنجليزي عربي – طبعة 1992م
14 – قاموس المنهل – فرنسي عربي – طبعة 1989م
15 – الكنز في قواعد اللغة العبرية تأليف محمد بدر
16 – اللغة اليونانية للعهد الجديد تأليف أستاذ صموئيل كامل عبد السيد ، موريس تاوضروس – مؤسسة القديس أنطونيوس
17 – دائرة المعارف الكتابية – الجزء الأول والثالث 
18 – فهرس الكتاب المقدس – The NIV exhaustive Concordance
19 – الكنز في قواعد اللغة العربية تأليف محمد بدر
20 – الفهرس العربي لكلمات العهد الجديد اليونانية – طبعة 1979م
21 – تفسير وشرح اللاويين المنسوب للقديس أفرام السرياني مُترجم من المخطوطين الماروني والسرياني واليعقوبي 
22 – ليتورجية الينبوع – الأب جان كوربون – منشورات النور – طبعة 1993م
23 – المسيح في الأعياد اليهودية – إعداد القمص روفائيل البرموسي ومراجعة نيافة الأنبا إيسوذورس – الطبعة الأولى 2004م
24 – شرح اللاويين – سفر العبادة والتقديس – أحد رهبان دير القديس أنبا مقار – طبعة 2008م
25 – شرح سفر التكوين – سفر البدايات – أحد رهبان دير القديس أنبا مقار – طبعة 2005م
26 – شرح سفر العدد – سفر التيه والتجربة في البرية – أحد رهبان دير القديس أنبا مقار – طبعة 2009م
27 – مُعجم المصطلحات الكنسية – الجزء الثاني – الطبعة الأولى 2002م
28 – سفر اللاويين – الأرشدياكون نجيب جرجس – طبعة 1980م
29 – مجموعة الشرع الكنسي – منشورات النور – طبعة 1975م
30 – مذكرات الطقوس – القمص صليب سوريال – الجزء الثالث
31 – سفر اللاويين – من تفسيرات وتأملات الآباء الأولين – كنيسة الشهيد مارجرجس بأسبورتنج – القمص تادرس يعقوب الطبعة الأولى 1984
32 – اللاهوت المسيحي والإنسان المُعاصر – الأب سليم باسترس (الجزء الأول)
33 – تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية – القمص تادرس يعقوب
34 – شرح إنجيل يوحنا – القمص متى المسكين 
35 – الكنيسة الخالدة – للقمص متى المسكين
36 – أثناسيوس الرسولي [ سيرته ، دفاعه عن الإيمان ضد الأريوسيين ، لاهوته (أي شروحاته اللاهوتية) ] – القمص متى المسكين
37 – تفسير كلمات الكتاب المقدس – معجم الألفاظ العسرة – سعيد مرقص إبراهيم
38 – معجم ألفاظ الكتاب المقدس – إعداد المستشار نجيب وهبة
39 – الدسقولية (تعاليم الرسل) – إعداد وتعليق الدكتور وليم سليمان قلادة – الطبعة الثانية – إصدار دار الثقافة
40 
– هذا بخلاف بعض المراجع الكثيرة الأخرى المذكورة في بعض الأجزاء، وأيضاً بعض المراجع الآبائية للقديس كيرلس الكبير والقديس أثناسيوس الرسولي وغيرهما من الآباء والقديسين، وبخلاف ما سوف يوضع في الأجزاء الجديدة 

 

صلوا من أجلي – النعمة معكم

 

 

تابع دراسة في الذبائح (25) الوجه الثالث من أوجه الصليب ذبيحة الإثم ἀνομία אָשָׁם.

تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίαςσΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[3] الوجه الثالث من أوجه الصليب
ذبيحة الإثم –ἀνομία– אָשָׁם
للرجوع للجزء الرابع و العشرون أضغط هنا.

ذبيحة الإثم وبالعبرية אשָׁם – أ ش م = وهو جذر يدل على التعدي والوقع في درجة أعلى من الخطية العادية وتحمل عقوباتها: 
To became guilty. trespass. To judge as guilty. To bear one’s guilty. To suffer punishment due for it. To punish. One which is faulty guilty
ويقابله في اللغة العربية لفظة [إثم] في لسان العرب: [الإثم] الذنب، وقيل هو أن يُعمَل ما لا يحل لهُ… وأَثِم فلان، بالكسر، يأْثَم إثْماً ومَأْثَماً أَي وقع في الإِثْم، فهو آثِم وأَثِيمٌ وأَثُومٌ أَيضاً، وفي مقاييس اللغة: [أثم] الهمزة والثاء والميم تدلُّ على أصلٍ واحد، وهو البطء والتأخُّر. يقال ناقة آثِمةٌ أي متأخِّرة. قال الأعشى: والإثم مشتقٌّ من ذلك، لأنَّ ذا الإثمِ بطيءٌ عن الخير متأخّر عنه.
وفي الإنجليزية تأتي مترجمة من اللغة اليونانية ἀνομία بمعنى 
Lawlessness = chaos, mess, clutter, anarchy, disorder, defiance, recalcitrance, disobedience
عدم شرعية، فوضى، فوضى سياسية, يعوزه الحكومة (أي ليس لدية حكومة), غير خاضع للقانون أو بلا قانون أو تعدي القانون، بلا ناموس، تعدي الناموس، ورطة, فسد, ركام يعوزه النظام, ضوضاء, ضجة، تشويش كامل، اضطراب، شغب، فتنة، فتنة شغب أو محنة، هباء، تحدي، جموح، استخفاف، تعنت، تمرد, عصيان, نشوز, معتل الصحة (وهذا ما سوف نراه في حزقيال 6 في المعنى العبري). 
وأيضاً تأتي في الإنجليزية من الكلمة اليونانية ἀνομίαν
ἀνομίαν = iniquity = practice lawlessness
بمعنى: ظلم, ممارسة الفوضى
وطبعاً تنفرد اللغة العبرية אשָׁם في المعنى الأقوى والأشمل على وجهٍ خاص، فالكلمة تأتي كفعل لازم، بمعنى: أَثِمَ، أَذْنَب، أذنب إلى، تَهاوَن، استهزاء، تعَدَّى الوصية، عَمِلَ ما لا يحق لهُ، خان خيانة، تمرد، وكثيراً ما ترتبط بعبادة الأوثان، مستوجب الحكم، تُهمة بزيادة الإثم، وهي ترتبط بالمجازاة بسبب التمرد أو انقسام القلب، وتأتي كأثر واضح بعقوبة في شكل خراب فني:
  • [ وتدفعه للذي أذنبت إليه ] (عدد 5: 7)
  • [ قد أَثِمَ إثماً إلى الرب ] (لاويين 5: 19)
  • [ أرضها ملآنة إثماً على قدوس إسرائيل ] (إرميا 51: 5)
  • [ فإذا أخطأ وأذنب ] (لاويين 6: 4 (5: 3))
  • وخان خيانة بالرب فقد أذنبت تلك النفس ] (عدد 5: 6)
  • [ وعَمِلوا واحدة من جميع مناهي الرب التي لا ينبغي عَمَلُها وَأَثِمُوا ] (لاويين 4: 13)
  • [ ولما أَثِمَ ببعل ] (هوشع 13: 1)
  • [ الجهال يستهزئون بالإثم ] (أمثال 14: 9)
  • [ تُجازي السامرة لأنها تمردت ] (هوشع 13: 6 (14: 1))
  • [ قد قَسَّموا قُلوبهم الآن يُعاقبون ] (هوشع 10: 2)
  • [ ويتكلم الملك بهذا الكلام كمذنب ] (2صموئيل 14: 13)
  • [ حقاً إننا مُذنبون إلى أخينا ] (تكوين 42: 21)
  • [ فيحملون ذنب إثم ] (لاويين 22: 16)
  • [ بل ازدادَ آمون إثْماً ] (2أخبار 33: 32)
  • [ قد خنتم واتخذتم نساء غريبة لتزيدوا على إثم إسرائيل ] (عزرا 10: 10)
  • [ اللهم إني أخجل وأخزى من أن أرفع يا إلهي وجهي نحوك لأن ذنوبنا قد كثرت فوق رؤوسنا وآثامنا تعاظمت إلى السماء ] (عزرا 9: 6)
  • [ جاء علينا (عقوبة) لأجل أعمالنا الرديئة وآثامنا العظيمة، لأنك قد جازيتنا يا إلهنا أقل من آثامنا ] (عزرا 9: 13)
أما بالنسبة للخراب الفني، والمجازاة على الإثم المرتبط بخيانة الرب وعبادة غيره والحيدان عنه وتلويث المقدسات، في سفر حزقيال يشرح هذا كله بالتفصيل قائلاً:
  • [ قل يا جبال إسرائيل أسمعي كلمة السيد الرب، هكذا قال السيد الرب للجبال وللآكام، للأودية وللأوطئة، هانذا أنا جالب عليكم سيفاً وأُبيد مرتفعاتكم. فتخرب مذابحكم وتتكسر شمساتكم وأطرح قتلاكم قدامأصنامكم. وأضع جثث بني إسرائيل قدام أصنامهم وأُذري عظامكم حول مذابحكم. في كل مساكنكم تقفُرالمدن وتخرُب المرتفعات لكي تقفُر وتخرُب مذابحكم وتنكسر وتزول أصنامكم وتُقطع شمساتكم وتمحى أعمالكم. وتسقط القتلى في وسطكم، فتعلمون إني أنا الرب (أو بغرض أنكم تعلمون إني انا الرب). وأبقي بقية اذ يكون لكم ناجون من السيف بين الأمم عند تذريكم في الأراضي. والناجون منكم يذكرونني بين الأمم الذين يسبون إليهم إذا كسرت قلبهم الزاني الذي حاد عني وعيونهم الزانية وراء أصنامهم ومقتوا أنفسهم لأجل الشرور التي فعلوها في كل رجاساتهم. ويعلمون إني أنا الرب لم أقل باطلاً إني أفعل بهم هذا الشر (العقوبة المستحقة كنتيجة طبيعية لهذا الإثم بسبب خيانة القلب الذي حاد عن الرب عن قصد). هكذا قال السيد الرب اضرب بيدك وأخبط برجلك وقل آه (تعبير عن شدة الندم والأسف القاسي على بلاء النفس) على كل رجاسات بيت إسرائيل الشريرة حتى يسقطوا بالسيف وبالجوع وبالوباء. البعيد يموت بالوباء والقريب يسقط بالسيف والباقي والمنحصر يموت بالجوع فأُتمم غضبي عليهم. فتعلمون إني أنا الرب إذا كانت قتلاهم وسط أصنامهم حول مذابحهم على كل أكمة عالية وفي رؤوس كل الجبال وتحت كل شجرة خضراء وتحت كل بلوطة غبياء، الموضع الذي قربوا فيه رائحة سرور لكل أصنامهم. وأمد يدي عليهم وأُصير الأرض مقفرة وخربة من القفر إلى دبلة في كل مساكنهم، فيعلمون إني أنا الرب ] (حزقيال 6: 3 – 14)
ومن كل هذه الآيات السابقة التي ذكرناها يتضح لنا معنى الإثم وشدة خطورته وتبعاته على الإنسان، لأنه يعتبر إعوجاج وانحراف عن المسار الطبيعي السوي، وفي اللغة اليونانية كترجمة للكلمة العبرية أشام وهي تعني – كما رأينا – تخطي الحدود أو اغتصاب حق الآخرين أو انتهاك ناموس الله والتعدي عليه رغم المعرفة الدقيقة به.


  • أولاً : مفهوم الإثم – ἀνομία
سبق أن شرحنا بالتفصيل ذبيحة الخطية في الجزء السابق، والتي كانت تُقدَّم للتكفير عن شخص المُخطئ على وجه العموم، بينما ذبيحة الإثم تختلف عنها في أنها تُقدم فقط من أجل التكفير عن إثم معين ومُحدد، ولكننا نلاحظ – بالطبع – أن تسميتها هُنا [ ذبيحة الإثم ] لذلك نجد أمامنا سؤال هام للغاية وهو: ما هو الفرق بين الخطية والإثم ؟
توجد عدة كلمات عبرية – كما رأينا – تُترجم بالعربية بكلمة [ إثم ]، ومن أهمها كلمة [ آون אָֽוֶן ] التي وردت 215 مرة في العهد القديم، ومعناها [ اعوجاج أو انحراف ] وهذا الاعوجاج والانحراف أدى لشرّ أو بلية أو لمصيبة كبيرة [ الزارع إثماً يحصد بَلِيَّةً ] (أمثال 22: 8)، وهو بطبعه باطل وغش [ إلى متى تَبيتُ في وسطك أفكارك الباطلة ] (إرميا 4: 14)، لأنه يأتي عادة من عناد القلب: [ والعِناد كالوثن والترافيم ] (1صموئيل 15: 23).
أي باختصار تعني الشرّ باعتباره انحراف واضح عن الحق، فهي مشتقة من الفعل العبري [ أوه אוה ] الذي يعني [ يثني أو يعوَّج ] كما يعني أيضاً [ يُخطئ أو يضل ]، bend. Inflect، وفي تحليل معناه القاموسي يدُل على الشهوة الشديدة لأي شيء والمثيل لهُ، أو شهوة الشرّ الشديدة عن حاجة مُلحة في النفس (عن مشيئة وإرادة) بسبب محبة الشرّ، بسبب التلذذ به والميل النفسي والفكري نحوه بجاذبية خاصة ومُلحة باشتياقٍ شديد، بحنين ولهفة وتوق وتمني، وبخاصة عن الحاجات والغرائز to desire. To long for. To wish.
كما تستخدم العبرية كما رأينا في كلمة [אָשָׁם] للتعبير عن الإثم بالعربية، وهي تعني تخطي الحدود أو اغتصاب حق الآخرين أو انتهاك ناموس الله كما راينا في معناها وشرحناه…


أما في العهد الجديد فكلمة [إثم] هي ترجمة للكلمة اليونانية [أنوميا = ἀνομία] أي بلا ناموس أو تعدي الناموس: [ كل من يفعل الخطية يفعل التعدي (الإثم) أيضاً والخطية هي التعدي ] (1يوحنا 3: 4)، [ الذي تفتخر بالناموس أبتعدي الناموس (إثم) تُهين الله ] (رومية 2: 23).
ونجد أن القديس يوحنا الرسول يقول: [ كل إثم هو خطية ] (1يوحنا 5: 17) حيث يتضح لنا هنا أن الخطية أشمل في معناها من الإثم للتعبير عن تعدي الناموس، فالخطية تعني الفعل نفسه، أما الإثم يعني طبيعة الفعل، فلهذا نقرأ على سبيل المثال: [ أعترف للرب بذنبي (الذي فعلت)، وأنت رفعت آثام خطيئتي (رفعت طبيعة الفعل الذي ارتكبته، الذي حطمني وحطم علاقتي مع شخصك) ] (مزمور 32: 5). ويقول القديس بولس الرسول البارع في ألفاظه وتركيباته اللغوية: [ ولا تُقدموا أعضائكم آلات إثم للخطية … ] (رومية 6: 3).


  • إذن ، فذبيحة الإثم شديدة الارتباط بذبيحة الخطية، لأنه يستحيل فصل الخطية عن المُخطئ، إلا أن الأمر هُنا يتعلَّق بالإثم الذي اقتُرف ضد الله أو ضد القريب الذي هو صورة الله، فالوحي الإلهي يذكر بالتحديد خطايا مُعينة إذا أخطأ بها الإنسان وأذنب ضد الله أو ضد شخص ما، يجب عليه أن يُقدم عنها ذبيحة إثم.

وذبيحة الإثم – كما سوف نرى بأكثر دقة وتفصيل – هي تقدمة كبش في كل الحالات، لأنها فدية عن ذنب مُحدد، لذلك فهي لا تتغير ولا تزيد ولا تنقُص، لأن الخطية في كل الحالات هي التعدي، وذبيحة الإثم تُشير إلى التكفير عن الخطية ذاتها، تلك التي حملها الرب يسوع المسيح في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبرّ (أنظر: 1بطرس 2: 22).

كما كان يلزم من جانب المذنب أن يرد ما أخطأ به ويُزيد عليه خُمسة، فهذه الذبيحة تعتبر للتكفير والتعويض. وهي بالطبع تُشير إلى ذبيحة المسيح الرب، التي هي ذبيحة إثم حقيقية، التي تنبأ عنها إشعياء النبي قائلاً: [ أما الرب فسُرَّ أن يسحقه بالحزن، إنْ جعل نفسه ذبيحة إثم… وعبدي البار بمعرفته يُبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها ] (إشعياء 53: 10و 11). فقد كفر المسيح الرب بموته على الصليب عن كل آثام الإنسان وردَّ لهُ مجده بأكثر مما سلبه الإنسان بخطيته وإثمه، إذ فقد صورة الله ومثاله وتسلط عليه الموت، وأصبح الإثم هو المحرك الأساسي لسلوكه المشين…

تابع دراسة في الذبائح (24) مقارنة بين ذبيحة المحرقة وذبيحة الخطية

تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
تابع / ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת

                                                       تابع الوجه التطبيقي لذبيحة الخطية
                                                   تابع رابعاً: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية

                                                  مقارنة بين ذبيحة المحرقة وذبيحة الخطيــــة
                                                 للرجوع للجزء الثالث و العشرون أضغط هنا.

خامساً: مقارنة سريعة بين عمل الذبيحتين (ذبيحة المحرقة وذبيحة الخطية) على الصليب:

إذا ما قرنا بين عمل الذبيحتين على الصليب فسنجد أن:

ذبيحة المحرقة: تُعبَّر عن موقف المسيح الرب على الصليب أمام الآب ببره الشخصي، فينال الرضا والمسرة حتماً وبالضرورة.

 

بينما ذبيحة الخطية: تُعبَّر عن موقف المسيح الرب أمام الآب وعليه نجاسات وكل خطايا الإنسان، أي البشرية بكاملها.

لذلك، فبينما نجد أن ذبيحة المحرقة كانت تُفحص بالسلخ والتقطيع والغسل، إشارة إلى الفحص الذي أثبت برّ المسيح وقداسته، لا نجد مثل هذا الفحص إطلاقاً في ذبيحة الخطية، بل على العكس تماماً كان يخرج بها الكاهن خارج الهيكل وخارج المحلة كلها، إشارة إلى عدم ترائيها أمام الله أو إلى عدم إمكانية رؤية الله لها توضيحاً لجُرم الخطية وشناعتها وقوة الظلمة التي تعتريها، لأن الخطية ظلمة وموت وفساد كما رأينا في كل شرحنا السابق، ويستحيل أن تُرى أمام الله لذلك نجد الرب يسوع وهو على عود الصليب يقدم نفسه كذبيحة خطية وإثم يصرخ قائلاً: إلهي إلهي لماذا تركتني !!!
[ فإن الحيوانات التي يدخُل بدمها عن الخطية إلى الأقداس بيد رئيس الكهنة تُحرق أجسامها خارج المحلة، لذلك يسوع أيضاً لكي يُقدس الشعب بدم نفسه تألم خارج الباب. فلنخرج إذن إليه حاملين عاره ] (عبرانيين13: 11 – 13)، ولنُلاحظ أنه بالرغم من المسيح الرب لم يُحرق جسده خارج الباب (أي خارج أورشليم تماماً) ولكنه حمل خطايا الكثيرين، فدمه محسوب أنه دم محرقة ولو لم تُحرق، لأن النار الإلهية غير المنظورة التي يحملها المسيح الرب كابن الله في جسده، هي التي التهمت الخطايا بالتمام وانهتها وأبطلت قوتها وفعلها، لأن الروح الأزلي الذي في المسيح هو روح الإحراق وروح التطهير [ إذا غسل السيد قذر بنات صهيون ونقى دم أورشليم من وسطها بروح القضاء وبروح الإحراق ] (أشعياء4: 4)

فقوة روح الإحراق في المسيح يسوع الذي يحملها في نفسه للتطهير لغسل قذر الإنسان الذي يأتي إليه تائباً مؤمناً بذبيحة نفسه لأجل خطاياه، هو وضع روحي فائق جداً عن الإحساس والتصور الذي يُحسب أنه (الأرشي تيبوس – αρχέτυπος) للنار المادية التي كانت تأكل جسد ذبيحة المحرقة، وهكذا يُحسب أن النار أحرقت خطايا الشعب التي اعترف بها (كما يحدث حسب الطقس في العهد القديم) على رأس العِجْل أو المعزى. فنار المُحرقة الأرضية هي مجرد صورة باهتة في فعلها بالنسبة للنار الإلهية التي في جسد المسيح الرب على الصليب، لذلك فالصليب يُحسب عن جدارة بأنه هو مذبح المُحرقة الأصلي αρχέτυπος، لأن عليه تم ذبح المسيح الرب، وعليه انسكب دمه (كمذبح). فهنا الوجه الأول للمحرقة داخل الهيكل. ولأن الصليب كان خارج الباب وعليه تم الغفران والكفارة وتم الصُلح وتم القبض على الشيطان، فهذا هو الوجه الآخر للذبيحة القديمة عندما كانت تُحرق خارج المحلة، حيث كانت النار تلتهم خطايا الشعب (نظرياً على مستوى الرمز في العهد القديم) مع لحمها، وتمت حقيقياً وفعلياً على مستوى الواقع العملي في المسيح يسوع: [ مسامحاً لكم بجميع الخطايا، إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض (الناموس) الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مُسمَّراً إياه بالصليب، إذ (عليه بعد أن مزق الصك) جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه (في الصيب) ] (كولوسي2: 13 – 15)

ولنلاحظ أن في وقت واحد وعلى ذات الصليب ولذات الابن الواحد تمت هاتان الذبيحتان معاً (المحرقة والخطية)، ففي الوقت الذي احتجب فيه وجه الآب عن الابن بسبب الخطية التي حملها عن الإنسان، كان في ذات الوقت وعلى الصليب نفسه هو هو بنفسه موضع فرح ومسرة وقبول ورضا الآب بسبب طاعته وبره وكماله الشخصي.

إذن فلا محل لقائل: أن المسيح الرب جاز فترة ما بعيداً عن الآب، أو أن الآب انفصل عنه وتركه لأنهم جوهر واحد لا انفصال فيه، ويتكل أحد على شرح “لماذا تركتني” بهذا المعنى، ولكنه كان يُكمل عملين في وقت واحد معاً…

كذلك ليس صحيحاً على الإطلاق ما يقوله بعض الشراح الغير فاهمين لسرّ عمل المسيح وسرّ الثالوث القدوس، قائلين: إن المسيح عندما قال “إلهي إلهي لماذا تركتني” كان يتكلم بناسوته. هذا افتراء على المسيح الرب المتحد جسده بلاهوته بغير افتراق، فهذا افتراء على المسيح الرب وتقسيم فاضح لطبيعته الواحدة، لأن [ ناسوته لم يفارق لاهوته قط ولا للحظة واحدة ولا ترفة عين ] كما نقول في القداس الإلهي . فاللاهوت لم يفارق الناسوت في المسيح الرب، لا في قول ولا في عمل ولا في فعل، وإلا نكون قد قضينا على التجسد وخسرنا الوحدة وفقدنا خلاصنا.

كذلك أيضاً يُخطأ جداً من يقول: أنه يتكلم كإنسان تحت الآلام مثلنا عندما قال: [ فلتعبر عني هذه الكأس ] (متى26: 39)، لأن المسيح الرب في قوله “لماذا تركتني” أو في قوله “فلتعبر عني هذه الكأس” لم يتغير عن كونه المسيح الرب الذي قال:
[ أنا والأب واحد ] (يوحنا10: 30)؛ و[ الآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال ] (يوحنا14: 10)؛ و[ الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب ] (يوحنا1: 18)؛ و[ ابن الإنسان (الذي على الأرض) هو في السماء ] (يوحنا3: 13).
فهو لم ينقسم على نفسه قط، ولا انقسمت طبيعته قط ولا تكلم بلسانين (مرة بلسان بشر ومرة بلسان إله)، ولا أبدى مشيئتين (مرة مشيئة بشرية، ومرة أخرى مشيئة إلهية، وذلك حسب الموقف كما يدَّعي البعض)، ولا عمل عملاً نسخ به عملاً سابقاً قط، ولكن الحقيقة تكمن في أن المسيح الرب القدوس الله المتجسد عمل عملاً واسع الاختصاصات وأكمل بالصليب صوراً عديدة متضاعفة متعددة الآثار، وينبغي أن لا ننسى إطلاقاً حقيقة مطلقة أنه هو الله الكلمة المتجسد، الله الظاهر في الجسد، وكل ما فعله المسيح الرب فعله كمسيح واحد وليس مسيحان أو شخصيتان منفصلتان قط …
عموماً في كل هذه العثرات في الشرح والفهم، فالعيب والذنب ليس على الله، بل العيب في الإنسانية الشقية التي فتحت حصنها الإلهي وهو العقل للشيطان، ومكنته من احتلال أركانه فأظلم وسقط تماماً ولم يقدر أن يستوعب أسرار الله وعمله فلم يُضيئ إنجيل المسيح أمام هذا العقل المُعتم [ الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تُضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله ] (2كورنثوس4: 4). ولكن قد أتى المسيح الرب ليعمل ويُصلح ويُصالح ويُجدد هذه الأركان الضعيفة في الإنسان الساقط ويُقيمه مرة أخرى بما هو أعظم مما كان فيه …

نعود للصليب مرة أخرى والمقارنة بين الذبيحتين، لنجد أن المسيح الرب أكمل ذبيحتين ليُكمل عملين متلازمين بشدة:

الأول وهو

تقديم بره الشخصي في طاعة مُحكمة ومشيئة كاملة مُذعنة حتى الموت، موت الصليب بسرور [ قدم نفسه لله بلا عيب ] (1بطرس1: 19)، فَقُبِلَ مُرضياً عنه كرائحة سرور أمام الآب = ذبيحة المحرقة

الثاني وهو

تقديم نفسه حاملاً خطايا الإنسان ونجاساته [ في جسده على الخشبة ] (1بطرس2: 24)، متألماً مُتمنعاً (إذ لم يكن معقولاً أن يحمل الخطية في جسده بسرور!!) وقد قَبِلَ بحزن عظيم أن يُصلب خارج أورشليم كحامل عار ولعنة الإنسان كخاطي وتعدٍ على وصية الله = ذبيحة خطية.

ومن هُنا وعلى هذا الضوء نستطيع أن نفهم المفارقة بين الآيات والمواقف ونستوعب سرها:

  • + ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية – متى20: 28
  • لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة – يوحنا12: 27
  • وابتدأ يُعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي (يتحتم أو يجب بالضرورة) أن يتألم كثيراً ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويُقتل… وقال القول علانية فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره، فالتفت وابصر تلاميذه فانتهر بطرس قائلاً: اذهب عني يا شيطان لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس – مرقس8: 31، 32 [ هذا أخذتموه مُسَلَّماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه ] (أعمال2: 23)
  • الكأس الذي اعطاني الآب ألا أشربها (قال هذا عند قطع بطرس لأُذن مَلْخُس عبد رئيس الكهنة ليلة القبض عليه في جثسيماني) – يوحنا18: 11
  • + طعامي ان أعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمم عمله – يوحنا4: 34
  • ثم قال ها أنذا آجيء لأفعل مشيئتك يا الله… فبهذه المشيئة نحن مُقدسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة – عبرانيين10: 9و 10
  • الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه – يوحنا13: 31
  • بذلت ظهري للضاربين، وخديَّ للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق. والسيد الرب يُعينني لذلك لا أخجل، جعلت وجهي كالصوان، وعرفت أني لا أخزى – أشعياء50: 6، 7
  • وابتدأ يحزن ويكتئب، فقال لهم نفسي حزينة جداً حتى الموت. ثم تقدم قليلاً وخر على وجهه وكان يُصلي قائلاً: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس [ وفي نفس ذات الوقت يقول وهو يُريد بمسرة لأن يُتمم مشيئة الآب – وهذا تناقض بالنسبة للعقل البشري ] ولكن ليس كما أُريد انا بل كما تُريد أنت [ الكأس الذي أعطاني الآب ألا اشربها ] … فمضى ثانية وصلى قائلاً: ذلك الكلام بعينه – متى26: 37و 38و 39و 42و 44
  • ثم تقدم قليلاً وخَرَّ على الأرض وكان يُصلي لكي تعبُر عنه الساعة إن أمكن وقال: يا أبا الآب كل شيء مستطاع لك فأُجيز عني هذه الكأس، ولكن ليكن لا ما أُريد أنا بل ما تُريد أنت… ومضى أيضاً وصلى قائلاً ذلك الكلام بعينه – مرقس14: 35و 36و 39
  • + يا ابتاه إن شئت أن تُجيز عني هذه الكأس – لوقا22: 42

ولنقارن هذه الآيات على ضوء ما سبق:

(يوحنا4: 34) طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني  (متى26: 37) نفسي حزينة جداً حتى الموت
(متى20: 28) ابن الإنسان يبذل نفسه، أتيت لهذه الساعة – (مرقس14: 35) كان يُصلي لكي تعبر عنه الساعة أن أمكن
(يوحنا12: 27) الكاس التي أعطاني الآب ألا اشربها  (مر14: 36) يا أبا الآب كل شيء مستطاع لك فأُجيز عني هذه الكأس

فسنجد أن الآيات السابقة – في هذا الجدول الأخير والبسيط – والتي على اليمين تكشف عن سرور تتميم مشيئة الآب = ذبيحة المحرقة، والتي على اليسار حزن بسبب حَمل الخطية والعار = ذبيحة الخطية.

 

تابع دراسة في الذبائح (23) ذبيحة الخطية חַטָּאת المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية.

تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
تابع / ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת

                                                        الوجه التطبيقي لذبيحة الخطية
                                                   رابعا: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية
                                                   للرجوع للجزء الثانى عشر اضغط هنـا.

رابعاً: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية

بعد أن تعرفنا على معنى الخطية ومفهومها الصحيح حسب الكتاب المقدس ككل وعلى ضوء التقليد اليهودي المتشبع من العهد القديم، ووقفنا على مدى خطورتها وفعلها في الإنسان الذي شوه طبعه الخاص المخلوق على صورة الله ومال نحوها بحريته وحده إذ هو الذي اختطف لنفسه قضية الموت لذلك استمر يعمل فيه الموت ولم يستطع يرفع نظره نحو الله بطهر وبراءة ليستحق رؤياه او التعامل معه، وتعرفنا على شروط تقديمها والمناسبات التي تُقدم فيها، فلنا الآن أن ندخل في عمق معناها التطبيقي بالنسبة لعمل المسيح كذبيحة خطية عن العالم كله، وقد رأينا في شرح ذبيحة المحرقة السالفة الذكر والشرح إذ أنها أول ذبيحة نشرحها وهي المقدمة أولاً كما سبق ورأينا، فقد تعرفنا فيها على المسيح الرب كذبيحة محرقة يتقدم إلى الصليب بإرادته وحده وسلطانه بكل مسرة، ليُكمل الطاعة، طاعة الابن للآب، ليصير كفارة عن عدم طاعة الإنسان لله، فقبله ابوه كذبيحة للرضا والمسرة التامة، ولكن في ذبيحة الخطية ينكشف وجه آخر من أوجُه الصليب، فلا نسمع في ذبيحة الخطية أنها للرضا والمسرة ولا أنها رائحة سرور مثل ذبيحة المحرقة [ فيما عدا الاستثناء الوارد في لاويين4: 31 ( وجميع شحمها – ذبيحة الخطية لأحد العامة – ينزعه كما نزع الشحم عن ذبيحة السلامة ويُوقد الكاهن على المذبح رائحة سرور للرب ويُكفر عنه الكاهن فيصفح عنه ) ]، بل نسمع فقط – عموماً – أن مُقدمها يضع يديه عليها معترفاً بخطاياه، فتُنقل خطاياه منه إلى ذبيحته؛ فتُساق الذبيحة للموت عوضاً عنه.

هكذا رأينا ايضاً – بوضوح شديد – هذا العمل يكمُل على الصليب، إذ تقدم المسيح حمل الله حاملاً خطايا وآثام ونجاسات الإنسان (كل إنسان): [ الذي حمل – Carried up – هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت (يُزال من أو يرحل بعيداً) عن الخطايا فنحيا للبرّ الذي بجلدته (بجراحه) شُفيتم ] (1بطرس2: 24) [ سكب للموت نفسه وأُحصيَّ مع أثمة، وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين، لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها، وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحُبُره (جرحه أو جراحاته) شُفينا ] (أنظر أشعياء 53)، [ فإن المسيح أيضاً تألم مرة واحدة من أجل خطايانا (كلنا)، البار من أجل الأثمة، لكي (بهدف) يُقربنا إلى الله مُماتاً في الجسد ولكن محيى في الروح ] (1بطرس3: 18).. 

وطبعاً القديس بطرس الرسول حينما قال أنه مات لأجلنا لم يكن يقولها استنتاجاً أو تخميناً أو حتى لم يكتب كل هذا الكلام من نفسه بل لأنه سمعها من فم الرب نفسه في العشاء الأخير حينما قال بنفسه: [ هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين ] (مرقس14: 24)، والكنيسة أخذت هذا تقليداً من فم الرب وصار تقليد رسولي ظاهراً جداً في صلوات الإفخارستيا إلى هذا اليوم بل وإلى يوم مجيئه العظيم، وهذا هو منبع تسبحة المسيح التقليدية في الكنيسة الأولى وإلى يومنا هذا …

إذن نرى في هذه التقدمة – ذبيحة الخطية – أن لا مجال للمسرة فيها، ولا يوجد فيها موضع لرضا، بل على النقيض تماماً نجد أن الآب يحجب وجهه من هذه الناحية، أو على الأوضح ينحجب وجه الآب عنه، بسبب ما يحمله في جسده من نجاسات الإنسان وخطاياه العديدة والشنيعة كلها، أو باختصار حجب وجهه عنه حينما كان في موقف العار والفضيحة حاملاً كل أوجاع الإنسان الداخلية والتي فصلته عن الله (أي فصلت الإنسان عن الله ولا نتكلم هنا عن أنه يوجد انفصال بين الابن والآب لأنهم من نفس ذات الطبيعة والجوهر لا ينفصلوا قط وهذه استحاله مطلقة أن تحدث في الله قط) : [ إذ صار لعنة لأجلنا ] (غلاطية3: 13)
ولا ينبغي أن نفهم أن المسيح يسوع نفسه هو اللعنة، لأن هذا يستحيل، بل هو الذي حمل اللعنة على نفسه، ويقول القديس اثناسيوس الرسولي: [ لا نفهم من هذا ببساطة أن المسيح بكليته صار خطية أو لعنة، إنما حَمَلَ اللعنة التي علينا ]

يا إخوتي ينبغي أن نفهم الإنجيل في إطاره الصحيح لئلا نخرج بمفاهيم مغلوطة تقدم المسيح الرب وكأنه هو بشخصه اللعنة كما يفهم البعض خطأ، فقد شرح القديس بطرس الرسول وأثبت أن المسيح تألم وهو بريء مما نُسب إليه، لذلك فآلامه آلام كفارة عن الآخرين وليس عن نفسه هو شخصياً، وإذ هو نفسه المذبوح على الصليب أصبح هو الذبيحة وهو الكاهن معاً، وطبعاً قد سبق وذكرنا كلمات القديس بطرس الرسول مع كلمات وآيات أشعياء النبي كما رأينا، ومضمون الفقرتين معاً ليس فقط أن الرب قدم نفسه ذبيحة خطية أنه يُنجينا ويفدينا من الخطية، بل القصد أن يفكنا من قيد الخطية وحبسها وعبوديتها، لذلك تتجه الفقرتان إلى التعليم الأبدي الذي تقدمه لنا من جهة خبرة حرية مجد أولاد الله في المسيح يسوع لننفك من تحت سلطان الخطية والموت لندخل في عهد حرية مجد أولاد الله لنصير [ رعية مع القديسين وأهل بيت الله ] (أفسس2: 19).

ففي آية القديس بطرس الرسول [ الذي حمل هو نفسه خطايانا ] مقتبسة من إشعياء (53: 4)، مظهراً أن المسيح كعبد الله (بحسب أنه اتخذ جسداً حاملاً جسم بشريتنا نحن العبيد) هو حمل الله الوديع القدوس البار الذي حَمَلَ ليس خطاياه هو ولكن خطايانا نحن، وحملها كما يقول في جسده على الخشبة، وقد أتى تعبير القديس بطرس الرسول [ حمل هو خطايانا في جسده على الخشبة ] على أساس الآيات السابقة في نفس ذات الإصحاح وقبل هذه الآية، أنه لم يفعل خطية ولا وُجِدَ في فمه غش…

ولكن كيف وهو القوس البار، بل ومطلق القداسة والبرّ، يحمل خطايانا نحن البشر الأشرار ؟!!!

من جهة كيفيه حمل خطايانا وهو البار والذي لم يوجد في فمه غش وهو الذي قال [ من منكم يبكتني على خطية فأن كنت أقول الحق فلماذا لستم تؤمنون بي ] (يوحنا8: 46) ، فأن بداية حمل خطايانا في جثسيماني عندما صلى ثلاثة مرات بلجاجة أن يعفيه الله من شرب هذه الكأس [ يا أبتاه إن شئت أن تُجيز عني هذه الكأس ] (لوقا22: 42؛ متى26: 41 – 42).

وهنا يلزمنا أن نُلاحظ ونُدقق لكي نفهم عمل المسيح الرب بوضوح ودقة شديدة، فهو لم يكن خائفاً من الموت أو جزعاً منه أو كارهاً له أو في صراع ما بين ان يقبل الصليب والآلام أم يرفضها إطلاقاً، فأن المسيح الرب بسبب حمله خطايانا الشنيعة كلها يعود فوق الصليب على مرأى ومسمع من الجميع يصرخ قائلاً: [ إلهي إلهي لماذا تركتني ] (متى27: 46)، وهنا يتضح آية جثماني ومعناها الحقيقي، وهذا لأنه وقف ضمنياً موقف الخطاة أو بالأحرى موقف الخطية ذاتها: [ الذي لم يعرف خطية (مطلقاً) صار خطية لأجلنا ] (2كورنثوس5: 21)، ومن المعروف جيداً لدينا بيقين أن الله لا يرى الخطية أو يتعامل معها لا من قريب ولا من بعيد، لأن الظلمة يستحيل جمعها مع نور قط، ومن أجل ذلك أحتجب وجه الآب عن المسيح حامل الخطية على صورة ما، لا نستطيع ان ندركها أو نفهمها لأنها سر صنعه المسيح مع أنه ظل بار وقدوس (مطلق القداسة والبرّ) لا يعرف الخطية قط، وطبعاً لن نعود نكرر أن المسيح الرب ليس هو الخطية بل الحامل الخطية.

ولذلك لن نعود نستغرب أو نتعجب من تعبير الرب مُخلصنا الصالح الذي عَبَّرَ عن شناعة هذا الوجه من الصليب (ذبيحة الخطية) بقوله: [ إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ]، مع أننا سمعناه في الذبيحة السابقة (ذبيحة المحرقة) وهو في صورة الابن البار الطائع الآب حتى الموت إذ قال: [ الكأس التي أعطاني الآب ألا اشربها ]، إذن ففي الصليب عملان متداخلان يظهران، وكأنهما متعارضان، ولكن لم يَدَعْ الطقس في القديم محلاً لتعارُض ولا لاعتراض؛ فالمسيح الرب أكمل على الصليب ذبيحتين معاً : ذبيحة محرقة للرضا والسرور،وذبيحة خطية ولعنة

وكان من اللائق به أن يفرح بالصليب ويُقبل إليه كعلامة طاعة (ذبيحة محرقة كما شرحناها سابقاً في نفس ذات هذه السلسة) وإظهار برّ البنوة المطلق الذي له، وكان يليق أيضاً أن يرتعب ويفزع منه كخشبة عار وعلامة لعنة بسبب الخطية. فهو يحمل الخطايا التي منها التجديف والزنا والعداوة والقتل والبغضة وغيرها من الخطايا الشنيعة، التي وجد أنه لو حملها لا يستطيع ان يقف أمام الآب، وإلا كيف أن ابن الله يجدف على الله أبيه الذي هو معه واحد في الجوهر، وكيف للمسيح البار الذي لا يوجد في فمه غش ولا شبه خطية حتى أن يلقب كخاطئ ويحملها فعلاً بكل جرمها على الصليب، كيف له أن يقف كمتعدٍ وخاطئ، فيتم حجب وجه الآب عنه، وهو يرتضي بهذا كله قائلاً [ لتكن مشيئتك ولا مشيئتي ]، وهو يظهر سرّ إخلائه العجيب منتظراً أن يُتمم مشيئة الآب التي هي عينها نفس ذات مشيئته أيضاً كما سبق ووضحنا، وحَمَلَ خطايا كل بني آدم في جسده، وهذا كله لأجلنا نحن ونحن لا نشعر بقيمة عمله العظيم جداً !!!

——————————————————————————

تابع رابعاً: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية
+ المسيح حمل خطايا كل البشر بسبب اتخاذه جسداً (لماذا اتخذ الله جسداً)

المسيح كلمة الله اللوغوس حينما تجسد أخذ جسداً بشرياً وظهر في هيئة إنسان، حل فيه ملء اللاهوت جسدياً (كولوسي2: 9)؛ وبهذا أخذ جسده الخاص صفة اللاهوت وهو عدم المحدودية، وبهذه الصفة الإلهية امتد جسده ليشمل كل أجساد البشرية بطريقة ما وبالتالي خطاياها كلها أخذها في جسده – حسب السرّ والتدبير (أي سرّ التجسد) – حسب مشيئة الآب ليتمم خلاص كل إنسان يؤمن به: [ وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ] (فيلبي2: 8).

ولنا أن نستوعب سرّ التجسد الآن ونفهم لماذا لم يظهر الله في أي شيء آخر ولم يبهر الإنسان بظهوره المُحيي، فالمسيح الرب [ لم يظهر عن طريق أجزاء أُخرى من الخليقة أكثر سمواً من الإنسان، فهو لم يأتي لكي يتظاهر أو يستعرض نفسه، بل جاء لكي يُشفي ويُعلم الذين هم تحت الآلام، فالمعلم الصالح لا يتعالى على تلاميذه بل يتباسط معهم من أجل منفعتهم، فطريقة الذي يُريد أن يتظاهر، هي مجرد أن يظهر ويبهر عيون الناظرين ( وهذا هو تصور الإنسان الساقط عن الله فيرى أن الله عظيم من جهة الإبهار، وذلك لأن الإنسان دائماً ينظر للقوة المطلقة لتحقيق ذاته وكبرياء نفسه وهذا ما يسقطه على الله، لذلك نجد أن الكثيرين من الناس لا يقبلون التجسد الإلهي إطلاقاً وبالتالي يتعثرون في الصليب، وبالتالي لا يعلمون أن الذي يأتي ليُشفي جرح الإنسانية المتعبة وشفاء كسرها الذي صار بالموت، وقد أتى ليُعلِّم طريق الخلاص المؤدي للحياة)، فطريقته هي ألاَّ يكتفي بمجرد حلوله بيننا (وظهوره وسطنا) بل أن يُقدم ذاته لمساعدة من هم في احتياج، وأن يَظهر لهم بالقدر الذي يحتمله أولئك الذين هم في حاجة إليه، لئلا إذا زاد (ظهوره) عن القدر الذي يحتاجه المتألمون فقد يُسبب هذا اضطراباً لنفس الأشخاص الذين يحتاجونه، مما يجعل ظهور الله عديم النفع بالنسبة لهم. (لأننا رأينا المسيح الرب في التجلي وقد لمع وجهه وحتى ملابسة أكثر من ضياء الشمس الطبيعية فسقط التلاميذ ولم يحتملوا قط، فكم وكم أن ظهر بملء لاهوته العظيم أمام أعين الكل بدون جسد، فكم سيسقط الكل موتى لا يحتملون شدة بهاء مجد قداسته المرعب للساكنين في الظلمة والتي ملك عليهم الموت والفساد !!!)
(والمسيح الرب ظهر كطبيب حقيقي له القدرة المطلقة على الشفاء، والطبيب الحقيقي الذي له القدرة على شفاء الناس) في مرات كثيرة يضع أدوية على الجروح حسب ما يرى هو أنها نافعة ومُفيدة للمرض، رغم من أن الكثيرين يظنون أنها غير مناسبة، والطبيب يهدف دائماً إلى شفاء مرضاه، (لذلك فلنلاحظ أن الحديث عن الشفاء الذي تممه كلمة الله بتجسده ظهر بوضوح في إشعياء 53 كما سبق ورأينا إذ قال [ وبجراحاته شُفينا ] (أشعياء53: 5) وأيضاً في المزامير [ أرسل كلمته فشفاهم ] (مزمور107: 20)، فكل ما يسخر منه البشر كأمر غير لائق، هذا يجعله الله بصلاحه لائقاً ] (القديس اثناسيوس الرسولي – بعض أجزاء من فقرات كتاب تجسد الكلمة فصل 43؛ فصل 1: 1؛ فصل 2: 1؛ + الرسالة إلى ديونيسيوس الإسكندري، وما وضع بين قوسين للتوضيح وربط الفقرات مع بعضها البعض)

يا إخوتي لنتعمق ونتأمل جيداً فيما قلنا ونعود لنوضح بأكثر تفصيل قائلين: الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، وفسدت الطبيعة البشرية ولم يعد في استطاعتها أن ترى الله ولا تنظر هيئته، لأنها صارت ظلمة ولا تستطيع ان تقترب من النور لذلك قال الله لموسى حينما طلب أن يراه: [ وقال (الله لموسى) لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش ] (خروج33: 20)، فالإنسان بسبب الظلمة والفساد لا يستطيع أن يعرف الله الحياة، لأنه ذاق الموت في الجسد، وأصبح فاسد كُلياً ليس فيه شيء صالح لكي يستطيع أن يتعرف على صلاح الله ويدخل في شركة معه، لأنه تستحيل للظلمة أن تثبت أمام النور، كما أنه لا يستطع أحد أن ينظر ويتفرس للشمس الطبيعية والمخلوقة بإحدى عينيه لئلا يعمى ويفقد نظره تماماً ولا يستطيع أن يُبصر مرة أخرى، فكم يكون حاله أن حاول أن ينظر لنور الله الذي يفوق الشمس في القوة والمجد والبهاء، وكيف للفاسد ان يحيا مع عدم الفساد، وكيف لمن انتن في قبر الموت يستطيع أن يقف مرة أخرى ويُشارك الأحياء، ولأن الفساد لا يتوقف أن لم يأتي عديم الفساد ليبطل قوته ويُميته، لذلك أتى الغير الفاسد الله الكلمة ولبس الجسد القابل للموت، وإذ أتحد بجسم بشريتنا اتحاداً حقيقياً غير قابل للانفصال، فأصبح نائباً عن البشرية ككل، وباشتراك الجسد في عدم موت الله الكلمة المتجسد، أُوقف فساد الجنس البشري، لأن الكلمة بتجسده أرتضى أن يحمل كل أوجاع البشرية وموتها المحتوم في جسده الشبيه لنا في كل شيء ما خلا الخطيئة وحدها، ولكونه فوق الجميع لأنه الله الكلمة بالحقيقة فقد جعل جسده ذبيحة لأجل الجميع، ولكونه واحداً معنا فعلاً ألبسنا عدم الفساد وأدخلنا في شركة حيه مع الآب في شخصه المتحد بنا اتحاداً حقيقياً لا رمزية فيه، ويقول القديس أثناسيوس الرسولي:

[ فقد أدرك الكلمة جيداً أنه لم يكن ممكناً أن يُقضى على فساد البشرية بأي طريقة أُخرى سوى الموت نيابة عن الجميع. ومن غير المُمكن أن يموت الكلمة لأنه غير مائت بسبب أنه هو ابن الآب غير المائت. ولهذا اتخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت حتى إنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يُصبح جديراً ليس فقط أن يموت نيابة عن الجميع، بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به. ومن ذلك الحين فصاعداً يُمنع الفساد من أن يسري في جميع البشر بنعمة القيامة من الأموات. لذلك قَدَّمَ للموت ذلك الجسد الذي اتخذه لنفسه كتقدمة مقدسة وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمة مناسبة، فإنه رفع الموت فوراً عن جميع نظرائه البشر .

ولأن كلمة الله هو فوق الجميع فقد كان لائقاً أن يُقدم هيكله الخاص وأداته البشرية فدية عن حياة الجميع موفياً دين الجميع بموته. وهكذا باتخاذه جسداً مماثلاً لجسد جميع البشر وباتحاده بهم، فإن ابن الله عديم الفساد ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأمواتولم يعد الفساد الفعلي بالموت له أي سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي جاء وسكن بينهم بواسطة جسده.
وكما أنه عندما يدخل أحد الملوك العظام إلى مدينة عظيمة، ويسكن في أحد بيوتها فإن المدينة كلها تُكرَّمه أعظم تكريم ولا يجرؤ أي عدو أو عصابة أن تدخل إليها أو تحطمها، بل على العكس تكون جديرة بكل عناية واهتمام بسبب سُكنى الملك في أحد بيوتها، هكذا كان الحال مع ملك الكل.
والآن، لأنه قد جاء إلى عالمنا وسكن في جسد مماثل لأجسادنا، فقد بَطُلت منذ ذلك الحين كل مؤامرة العدو ضد البشر وأُبطل فساد الموت الذي كان سائداً عليهم من قبل، لأن الجنس البشري كان سيهلك بالتمام لو لم يكن رب الكل ومُخلص الجميع ابن الله قد جاء ليضع حداً للموت. ] (القديس اثناسيوس الرسولي – تجسد الكلمة الفصل التاسع: 1 – 4)

ويقول أيضاً: [ وفي الحقيقة فإن هذا العمل العظيم (التجسد) هو لائق بدرجة فائقة بصلاح الله. لأنه إذا أسس ملك منزلاً أو مدينة ثم تسبب إهمال سكانها، حاربها اللصوص، فإنه لا يُهملها قط، بل ينتقم من اللصوص ويُخلصها لأنها صنعة يديه وهو غير ناظر إلى إهمال سكانها، بل بما ما يليق به هو ذاته (فإهمال البشر يقابله عدم إهمال الله، فالإهمال لا يليق بصلاح الله تجسد الكلمة فصل2: 1).

هكذا وبالأكثر جداً فإن كلمة الآب كلي الصلاح، لم يتخلى عن الجنس البشري الذي خُلِقَ بواسطته، ولم يتركه ينحدر إلى الفناء. بل أبطل الموت الذي حدث نتيجة التعدي، بتقديم جسده الخاص. ثم قوَّم إهمالهم بتعاليمه، وبقوته الخاصة أصلح كل أحوال البشر.
وهذه كلها يُمكن للمرء أن يتحققها مما قاله الكُتاب (التلاميذ الرسل) الموحى إليهم عن المُخلِّص، إذا قرأ أحدٌ، ما كُتِبَ بواسطتهم حيث يقولون: ” لأن محبة المسيح تحصرنا، إذ نحن نحسب هذا إنه أن كان واحد قد مات لأجل الجميع فالجميع إذاً ماتوا. وهو مات لأجل الجميع كي لا نعيش فيما بعد لأنفسنا، بل للذي مات لأجلنا وقام ربنا يسوع المسيح ” . وأيضاً: ” لكن الذي وُضِعَ قليلاً عن الملائكة (باتخاذه جسداً بشرياً) نراه مُكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد ” (عب2: 9).

وبعد ذلك يوضح السبب الذي من أجله كان ضرورياً أن الله الكلمة نفسه وليس آخر سواه هو الذي يتجسدفيقول: ” لأنه لاق (لائق) بذلك الذي من أجله الكل وبه الكل وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد أن يُكمل رئيس خلاصهم بالآلام ” (عب2: 10). وهو بهذا يقصد أن يوضح أنه لم يكن أحدٌ آخر يستطيع أن يسترد البشر من الفساد الذي حدث (نتيجة السقوط) غير كلمة الله الذي خلقهم في البداية.
وأيضاً أشار الرسول إلى أن الكلمة بذاته أتخذ لنفسه جسداً ليُقدمه ذبيحة عن الأجساد المُماثلة قائلاً: ” فإذ تشارك الأولاد في اللحم والدم أشترك هو أيضاً فيهما لكي يُبيد بالموت ذلك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية ” (عب2: 14و 15).
لأن بذبيحة جسده الذاتي وضع نهاية لناموس الموت الذي كان قائماً ضدنا. وصنع لنا بداية جديدة للحياة برجاء القيامة الذي أعطاه لنا. لأنه إن كان بإنسان واحد (آدم) قد ساد الموت على البشر، ولهذا أيضاً فبسبب تأنس كلمة الله فقد حدثت إبادة للموت وتمت قيامة الحياة كما يقول لابس المسيح بولس: ” فإنه إذ الموت بإنسان،بإنسان أيضاً قيامة الأموات لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيا الجميع ” (1كو15: 21 – 22)، وبالتالي فنحن الآن لا نموت بعد كمُدانين، بل كأُناس يقومون من الموت ننتظر القيامة العامة للجميعوالتي سيُبينها في أوقاتها التي يُحددها الله الذي أتمها والذي وهبنا إياها ] (القديس اثناسيوس الرسولي – تجسد الكلمة الفصل10: 1 – 5)

تابع دراسة في الذبائح (22) ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها

تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
تابع / ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת

                                                  ثانياً : ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها 
                                                  للرجوع للجزء الحادى و العشرون أضغط هنـا.

ثانياً : ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها 

المقصود بالطبع بذبيحة الخطية هي إعادة الصلة بالله بعد أن عُرضَّت للخطر بسبب الخطايا الغير المتعمدة [إذا أخطأت نفس سهواً في شيء من جميع مناهي الرب ] (لاويين4: 2) أو بسبب حالة نجاسة [ ثم يعمل الكاهن ذبيحة الخطية ويُكفرّ عن المُتطهر من نجاسته ] (لاويين14: 19) …
عموماً أننا نجد أن بعد ما كلم الله موسى عن القرابين المقدمة وقود رائحة سرور للرب على مذبح المحرقة في خيمة الاجتماع [ ذبيحة المحرقة ] كلمه عن الذبائح التي يلزم تقديمها في حال الخطأ السهو، ولا تقل بالطبع هذه الذبائح في أهميتها عن الذبائح المقدمة كذبيحة محرقة رائحة سرور للرب، لأنها تُكمل الصورة التي تُشير إلى ذبيحة الصليب في جانب من أهم جوانبها وهو الفداء والكفَّارة والتكفير عن خطايا العالم كله. ونجد أن هناك أربعة تقسيمات كبرى بالنسبة لتقديم ذبيحة الخطية وهي :

(1) ذبيحة خطية الكاهن [لاويين 4: 3 – 12]؛ (2) الجمهور كله أو الشعب أو الجماعة كلها [لاويين 4: 13 – 21]؛ (3) الرئيس (رئيس الجماعة أو القائد) [لاويين 4: 22 – 26]؛ (4)الشخص العادي من الجماعة أو الشعب [لاويين 4: 27 – لاويين 5: 13 ؛ لاويين 4: 27 – 35 ؛ لاويين 5: 1 – 6 وهو يُقدم أحكاماً خاصة للخطايا المستترة، وفي لاويين 5: 7 – 13 يٌقدم امتيازاً خاصاً للفقراء]

 

  • متى تُقدم ذبيحة الخطية [ لاويين 4؛ 5 ]

1 – إذا أخطأت نفس سهواً في شيء من جميع مناهي الرب التي لا ينبغي عملها و عملت واحدة منها (4: 2)
نجد أن أول شرط لتقديم الذبيحة هو إذا أخطأت نفس سهواً أو عن غير دراية من جميع مناهي الرب التي نهى عنها واكتشفت هذه الخطية عليها أن تقرب عنها ذبيحة الخطية، وكذلك أن سمع أحد حلفاناً ولم يُخبر به، أو إذا مس شيئاً نجساً من غير وعي، أو إذا حلف مفرطاً بشفتيه [ وإذا أخطا أحد وسمع صوت حلف وهو شاهد يبصر أو يعرف فأن لم يُخبر به حمل ذنبه (المقصود هنا في حالة الشهادة أمام القضاء). أو إذا مس أحد شيئاً نجساً، جثة وحش نجس أو جثة بهيمة نجسة أو جثة دبيب نجس وأُخفيَّ عنه (بدون وعي منه) فهو نجس ومذنب. أو إذا مس نجاسة إنسان من جميع نجاساته التي يتنجس بها وأُخفيَّ عنه ثم علم فهو مذنب. أو إذا حلف أحد مفرطاً بشفتيه للإساءة أو للإحسان من جميع ما يفترط به الإنسان في اليمين (أمام القضاء) وأُخفيَّ عنه ثم علم فهو مذنب في شيء من ذلك. فان كان يذنب في شيء من هذه يقر بما قد أخطأ به. ويأتي إلى الرب بذبيحة لإثمه عن خطيته ] (5: 1 – 6)

2 – إن كان الكاهن الممسوح يخطئ لإثم الشعب (لعثرة الشعب – يتسبب في عثرة الشعب) يقرب عن خطيته التي أخطأ ثوراً ابن بقر صحيحا للرب ذبيحة خطية (4: 3)، أو [ إن سها كل جماعة إسرائيل وأُخفي أمر عن أعين المجمع وعملوا واحدة من جميع مناهي الرب التي لا ينبغي عملها وأثموا. ثم عُرفت الخطية التي أخطأوا بها يقرب المجمع (الجمع) ثوراً ابن بقر ذبيحة خطية يأتون به إلى قدام خيمة الاجتماع. ويضع شيوخ الجماعة أيديهم على رأس الثور أمام الرب و يذبح الثور أمام الرب ] (4: 13 – 15) 
ونرى هنا ضرورة تقديم ذبيحة خطية في حالة إذا أخطأ سهواً كاهن ممسوح، وتسبب خطؤه في عثرة الشعب، فعلى الكاهن الذي أخطأ أن يُقدم عن خطيئته ثوراً ابن بقر صحيحاً للرب ذبيحة خطية، وكذلك على الجمع أن يُقدم نفس ذات الذبيحة. أي أن خطيئة الكاهن الممسوح لخدمة الرب تُعادل الجماعة كلها، لأن المفروض على الكاهن أنه مُعلِّم الشريعة: [ لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة، ومن فمه يطلبون الشريعة لأنه رسول رب الجنود ] (مل2: 7)، [ فكل من أُعطيَّ كثيراً يُطلب منه كثيرٌ، ومَنْ يُودعونه كثيراً يُطالبونه بأكثر ] (لو12: 48)، لذلك فأن خطية الكاهن على مستوى خطير جداً أدت أن يقدم ذبيحة تُقدمها كل الجماعة عن أنفسها، وذلك ليظهر الطقس خطورة خطيئة الكاهن أمام الله لأنه بذلك يعثر الشعب ويسرب الاستهانة بقدوس إسرائيل لقلوب الشعب الذين سيستهينون بالخطية لأن رسول الرب الذي يعلمهم الشريعة لا يلتزم بها ويضلهم بأعماله عن الالتزام بمخافة الله والحياة بالتقوى، لذلك نفهم لماذا الله قال لموسى لن تدخل الأرض هو وهارون وقد قال لهما: [ لأنكما خنتماني في وسط بني إسرائيل عند ماء مريبة قادش في برية صين إذ لم تقدساني في وسط بني إسرائيل ] (تثنية 32: 51) …

3 – أما إذا أخطأ رئيس [ وعمل بسهو واحدة من جميع مناهي الرب إلهه التي لا ينبغي عملها وأَثِمَ، ثم أُعْلِمَ بخطيته التي أخطأ بها، يأتي بقربانه تيساً من المعز ذكراً صحيحاً ] (4: 23) 
4 – أما إذا أخطأ واحدٌ من عامة الشعب، فأنه [ يأتي بقربانه عنزاً من الماعز ، أنثى صحيحة عن خطيته ] (4: 28)، [ وأن أتى بقربانه من الضأن ذبيحة خطية يأتي بها أنثى صحيحة ] (4: 32)

وهنا عموماً يُلاحظ أن نوع الذبيحة قد تغير من ثور بقر يقربه الكاهن الممسوح أو جماعة الشعب كله، إلى تيس ماعز بالنسبة للرئيس، أو إلى عنزة من الماعز أُنثى صحيحة بالنسبة للفرد الذي من عامة الشعب، إشارة إلى هبوط مستوى خطورة الخطية من حيث أثرها على الآخرين أو الجماعة ككل .

وكذلك جمع الشعب، إذا أخطأوا مجتمعين وأُخفيَّ عنهم (أي سهواً) فخطيئتهم تُقدَّر في خطورتها كخطيئة الكاهن الممسوح. أما خطيئة الرئيس فهي أقل من خطيئة الكاهن الممسوح، لأن هناك من هو مسئول عنه وهو الكاهن؛ ولكن خطيئته لها أثر مباشر على من يرأسهم من الشعب. لذلك فذبيحة الرئيس تيس من ذكر الماعز، أما ذبيحة الفرد الذي من عامة الشعب فأُنثى الماعز، لأن خطيئته محصورة في نفسه فقط .
أما إذا كان الشخص الذي من عامة الشعب أفقر من أن يُقدم من الماعز أو الضأن ذبيحة خطية، فكان يُمكنه أن يُقدم يمامتين أو فرخي حمام، أحدهما ذبيحة خطية والآخر محرقة [ أنظر لاويين 5: 7و 8 ؛ عدد 15: 27 ]، وأن لم تنل يده ذلك، فكان يُمكنه أن يُقدم عُشر الإيفة من دقيق قربان خطية، إلا أنه لا يضع عليه زيتاً ولا لُبان بخور، لأنه قربان خطية (لاويين 5: 11) ..
————————————————————————————-

مناسبات أُخرى لتقديم ذبيحة الخطية +

(1) تكريس الكهنة وتكريس اللاويين: وقد جاء الحديث عن تكريس هارون وبنيه في (خروج29) وكانت تقدم الذبائح الخاصة بتكريسهم لمدة 7 أيام (خروج29: 10 – 27)، ولا يبرحون فيها باب خيمة الاجتماع (خروج29: 35 – 37 + لاويين8: 33 – 35)، وكان على موسى أن يُقدم فيها كل يوم التقدمات الآتية لتقديسهم: [ 1 – ثور واحد ابن بقر: ذبيحة خطية؛ 2 – كبش صحيح: ذبيحة محرقة؛ 3 – كبش آخر صحيح: ذبيحة ملء؛ 4 – خبز فطير؛ 5 – أقراص فطير ملتوتة بزيت؛ 6 – رقاق فطير مدهون بزيت ]، والخبز والأقراص والرقاق تُصنع كلها من دقيق حنطة نقي، وتوضع في سلة واحدة، وتُقدم جميعها مع كبش الملء، ويأكلها هارون وبنوه. ويتكرر ذلك سبعة أيام إذ تُمثل دورة كاملة من الزمن، وذلك إشارة إلى أن الكاهن المُكرس لخدمة الرب يلزم أن يكون مقدساً كل حياته. لأن إن كانت الوصية لكل الشعب: [ فتتقدسون وتكونون قديسين، لأني أنا قدوس ] (لاويين11: 44)، فكم بالحري للذين صاروا كهنة للرب إلههم. وفي (لاويين8: 14 – 36) يُعيد سرد وقائع هذا التكريس الذي صنعه موسى والذي يرمز إلى كهنوت المسيح وتقديمه ذاته ذبيحة عن خطايا الشعب. فقد قُدَّم عن هارون وبنيه ثورٌ ذبيحة خطية مع ذبائح المحرقة والسلامة (خروج29: 10- 14 و36 و37؛ لاويين18: 1و14 – 17). وموسى النبي هو الذي قام بتكريسهم. وفي اليوم الثامن بعد التكريس قدَّم هارون عن نفسه عجلاً ذبيحة خطية، وقدَّمت الجماعة عن نفسها تيساً ذبيحة خطية.

وهُنا نُلاحظ أن ذبيحة الجماعة كانت أقل في قيمتها من ذبيحة هارون وبنيه، وذلك لأن هارون وبنيه كانوا مختارين للكهنوت ومكرسين لخدمة الرب، فبسبب موقعهم من المسئولية أمام الله صاروا مُطالَبين بذبيحة خطية أكثر من الجماعة كلها. من أجل هذا كان رئيس الكهنة الذي له الحق وحده أن يدخل إلى الأقداس مرة واحدة في السنة للتكفير عن خطايا الشعب، كان يفعل ذلك [ ليس بلا دم يُقدمه عن نفسه وعن جهالات الشعب… ] (عبرانيين9: 7)
وكذلك عند تكريس اللاويين كان يُقدم ثور ذبيحة خطية (عدد8: 8و 12). فقد كانوا هم أيضاً مُخصصين لخدمة الرب، ومع ذلك فقد كانوا محتاجين بالأكثر للتكفير عن خطاياهم بسبب مسئوليتهم الأكبر.

(2) في المناسبات والأعياد

(أ‌) في بداية الشهور القمرية: كان يُقدم في كل يوم تيساً واحداً ذبيحة خطية (عدد28: 15) مع المحرقة الدائمة.
(ب‌) في عيد الفطير: كان يُقدم في كل يوم من سبعة أيام العيد تيساً واحداً ذبيحة خطية مع ذبائح المحرقة وتقدمة الدقيق (عدد28: 22)
(ج) وفي يوم الباكورة الذي هو يوم الخمسين: كان يُقدم تيساً واحداً ذبيحة خطية مع ذبائح المحرقة وتقدمة الدقيق (عدد28: 30)
(د) وفي اليوم الأول من الشهر السابع، وفي العاشر والخامس عشر إلى الثاني والعشرين من نفس الشهر (الذي هو عيد المظال): كان يُقدم تيساً واحداً ذبيحة خطية مع باقي الذبائح (عدد29: 5و11و16و19و22و25و28و31و34و38)
(هـ) وفي يوم الكفارة: كان هارون يُقدم عن نفسه ثوراً ذبيحة خطية، ثم يُقدم عن الجماعة تيسين، ويعمل عليهما قُرعة، ويُقرب أحدهما ذبيحة خطية، أما الآخر فيُطلقه حياً إلى البرية (لاويين16: 1 – 34)، وسوف نشرح هذه الذبيحة الخاصة بيوم الكفارة فيما بعد بالتفصيل.

(3) ذبائح الخطية للتكفير:

(أ‌) بعد الولادة: كان يُقدم عن المرأة بعد كمال أيام تطهيرها فرخ حمامة أو يمامة ذبيحة خطية (لاويين12: 6 – 8)، ولزماً هنا أن نُعلق قليلاً بسبب اللبس الحادث ما بين مفهوم تقديم ذبيحة خطية بعد الولادة في العهد القديم وبين المفهوم الخاطئ اليوم بحشر مفهوم الطهارة والنجاسة في هذا الأمر الذي وضع إفرازات المرأة موضع تدنيس ونجاسة على غير المفهوم الأصيل الذي لتعليم الكتاب المقدس وشروحات آباء الكنيسة المعتبرين فيها أعمدة، وذلك بسبب الفكر المشوش عن الدنس والطاهر والنجس بسبب التأثر بخبرة حياة الخطية والمجتمع عموماً وعلى الأخص في الشرق، كما أيضاً يأتي بسبب عدم الإفراز والتمييز الروحي لما قصد به الله أن يُعلم شعبه حسب ما يستطيعوا ان يفهموه في هذه الأوقات كما سوف نرى، لذلك نرى القديس كيرلس الكبير عامود الدين في مستهل شرحه لسفر اللاويين يقول : [ بحق، أن كلمة الله لما جاء إلى العالم وظهر في الجسد، كان في هيئته الجسدية مرئياً من الجميع، بينما كان لاهوته غير مرئي إلا لتلاميذه الخصوصيين فحسب، هكذا الكلمة المكتوبة: فإن لها هيئة حرفية أو معنى ظاهرياً واضحاً للقارئ العادي،ومعنى باطنياً لا يُمكن تمييزه إلا روحياً ]

وتطبيقاً لهذا القانون الذي وضعه القديس كيرلس الكبير عامود الدين، فأن شرائع التطهير في العهد القديم هي في ظاهرها علامات خارجية للتطهير من نجاسات تتعلق بالجسد الطبيعي كإفرازات لكي لا تسبب مرض لأحد في ذلك الزمان، وعلى الأخص إذ كان المفهوم الطبي في العهد القديم مجهول كثيراً بالنسبة لشعب بدائي لا يعرف الحقائق الطبية وممكن ان يمرض بسبب جهله بهذه الحقائق ويهلك في البرية، بينما هي تحمل في نفس ذات الوقت – في أعماقها – مغزى التطهير الروحي من نجاسة النفس والروح التي أصابت الإنسان من جراء الخطية، والتي لا يُمكن التطهير منها إلا بدم المسيح وحده [ كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح] (1بطرس1: 19) وليس بدم تيران وتيوس وعجول ولا بماء خارجي لغسل الجسد يتطهر الإنسان طهارة داخلية حقيقية لا يعوزها شيء آخر، وهذا ما وضحه القديس بولس الرسول في رسالته للعبرانيين قائلاً: [ لأنه أن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش (يقصد التطهير الطقسي) على المُنجَّسين ، يُقدس إلى طهارة الجسد (التطهير الخارجي فقط)، فكم بالحري (بالأولى) يكون دم المسيح، الذي بروح أزلي قدَّم نفسه لله بلا عيب، يُطهر (يغسل) ضمائركم من أعمال ميتة (بلا فائدة وأعمال تخرج من أموات بالخطايا والذنوب) لتخدموا الله الحي ] (عبرانيين9: 13و 14)

ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [ هكذا يقول: إنه إذا كان دم ثيران يُمكن أن يُطهر الجسد، فكم بالأحرى دم المسيح القادر على أن يُطهر نجاسة النفس. ولكي لا تعتقد وأنت تسمع أن (دم تيوس وثيران) “يُقدس”، وأن هذا الدم هو شيء مهم، فإنه يُشير ويُظهر الفرق بين كل من التطهيرين، وكيف أن التطهير بدم المسيح هو اسمى وأعلى بكثير، بينما التطهير (بدم الحيوانات) هو محدود وبسيط. ويقول أن هذا الدم هو دم طبيعي جداً. بينما ذلك الدم كان لتيوس، لكن هذا الدم فهو دم المسيح، ولم يكتفي بالاسم فقط، بل يذكر طريقة التقدمة، لأنه يقول: “الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب”، أي أن الذبيح كان بلا عيب ونقياً من الخطايا. وعبارة “بروح أزلي” تُعلن أنه لم يُقدم (نفسه) بنار ولا بأشياء أُخرى. يقول: ” يُطهر ضمائركم من أعمال ميتة” وبالصواب قال: “من أعمال ميتة”، لأنه إن لمس أحد آنذاك ميتاً كان يتنجس، وهُنا لو حدث أن شخصاً مارس أعمال ميتة يتنجس ضميره. ثم يقول: “لتخدموا الله الحي”، هُنا يُظهر أن ذاك الذي يُمارس أعمالاً ميتة، لا يُمكنه أن يخدم الله الحي وبالصواب قال: ” الله (الحقيقي) الحي”، مُظهراً بهذا أن التقدمات التي تُقدم له ينبغي أن تكون هكذا (حية). وبناء على ذلك فكل ما هو لنا (في المسيح) هي أمور حية وحقيقية، أما تلك التي كانت لليهود هي أعمال ميتة وكاذبة، وهي بالحق هكذا.
إذاً لا يأتي أحد إلى هُنا (يتكلم عن الكنيسة) وهو يُمارس أعمالاً ميتة. لأنه إن كان ذاك الذي يلمس جسد ميت لا ينبغي له أن يدخل (إلى الأقداس)، فبالأكثر جداً لا ينبغي لذاك الذي يُمارس أعمالاً ميتة أن يدخل (إلى السماء)، لأنه نجس بشكل مُخيف. والأعمال الميتة هي تلك التي ليست فيها حياة، والتي تنبعث منها عفونة. أي أنه كما أن الجسد الميت لا يتأثر بأي مشاعر، بل ويُثير الحزن لمن يقترب منه، هكذا الخطية فهي تُصيب الفكر بشكل مباشر، ولا تتركه للهدوء، بل وتجعله يضطرب ويهتز. يُقال أن شدة الوباء تُحطم الجسد. هكذا الخطية، إنها لا تختلف قط عن الوباء، فهي تفسد الهواء أولاً ثم بعد ذلك الأجساد، ولكنها تتجه نحو النفس مباشرة ] (القديس يوحنا ذهبي الفم عن شرح رسالة العبرانيين العظة 15 ص235 – 236)

فبالنسبة لتطهير المرأة بعد الولادة لا داعي لأن نؤكد، أن التناسل والجنس والحَبَل والولادة ليست في حد ذاتها خطية ولا نتيجة سقوط، ولا تحمل في أصلها أي دنس ولا نجاسة؛ لأننا نعلم أن الله في خلقته للإنسان “ذكراً وأُنثى خلقهم، وباركهم الله وقال لهم: أثمروا واكثروا واملأوا الأرض واخضعوها…” (تك1: 27و 28)، ولا داعي لأن نؤكد فساد المفهوم الذي يقول لو مش كانوا سقطوا الله سيجعل الإنسان أن يتناسل بطريقة أُخرى غير طريقة التناسل المعروفة طبيعياً، مع أن هذا الفكر يأتي نتيجة خبرة الانحراف بالشهوة والخطية التي عملت في قلب الإنسان حتى أن دنس ما خلقه الله ولا يقبله طبيعياً من الله بل يقبله من الشيطان وهذا في منتهى الخطورة لأنه يجعل كل الآباء منجسين ودنسين بسبب الولادة، وان يجعل الله مسئولاً عن السقوط لأنه غرس في طبيعة الإنسان مه هو دنس حسب فكر الناس المتدني والتي زرع فيه الخطية من عدو كل خير ….

ويقول القديس أثناسيوس الكبير (الرسولي) في رسالته للقديس آمون: [ أن كنا نعتقد حسب الكتب أن الإنسان هو من عمل يدي الله، فكيف يخرج عمل دنس من قوة نقية؟ وأن كنا نحن ذُرية الله، حسب قول سفر أعمال الرسل (أعمال17: 28و 29)، فليس فينا شيء غير نقي. لأننا نُصبح نجسين فقط حينما نرتكب خطية. ولكن حين تحدث إفرازات جسدية – دون تدخل الإرادة – حينئذٍ علينا أن نحسبها مثل سائر الأشياء، ضرورات طبيعية ] (Migne XXVI,1169,1176)

عموماً لشرح المعنى ببساطة (مع أننا سبق وشرحناه هنا في دراستنا هذه) ولكن أعيده بتركيز وببساطة دون شرح آبائي طويل وأقول: أن من أحد نتائج تعدي آدم وحواء على وصية الله بأكلهما من الشجرة التي منعهم الله من الأكل منها كان هو صدور الحكم الإلهي على المرأة بالمعاناة والوجع في حبلها وولادتها للأطفال، حتى انها تحسب أن ساعتها قد جاءت وقاربت الموت (أنظر يوحنا16: 21). وهكذا صار المدخل إلى الحياة الأرضية بالولادة الجسدية بالشعور بالموت وانتهاء ساعة الإنسان وبداية المعاناة، وشعوره بالموت يسيطر على حياته ويجعله في الخوف لأنه يشعر طبيعياً بما هو مكتوب: [ وضع للناس أن يموتوا مرة ثم بعد ذلك الدينونة ] (عبرانيين)، فالمشكلة كلها الخوف من الدينونة لأن الإنسان بسبب السقوط أصبح تحت سلطان الموت ومن ثمَّ العبودية [ ويعتق (المسيح) اولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية] (عبرانيين2: 15)، وقد قال كاتب سفر الجامعة عن الموت بسبب معاناة الإنسان وشعوره الداخلي بالدينونة والتألم في هذا العالم بسبب المعصية والشر: [ يوم الممات خير من يوم الولادة ] (جامعة7: 1)، وقد وصفه داود النبي قائلاً: [ هأنذا بالإثم صُورت، وبالخطية حبلت بي أُمي ] (مزمور51: 5)، وحذاري من أي أحد يشرح أو يفهم الآية على أساس أنه يقصد بسبب التناسل أو الجنس تم الحبل، هذا مفهوم خطير ومشوه جداً ومشوش للغاية..
ولا يصح – إطلاقاً ولا تحت أي حجة – لإنسان مسيحي أن يتخيله أو يفكر فيه أو أي شارح للكتاب المقدس أن يؤكد عليه أو يضعه قانون، ولا حتى تأمل لأنه بذلك يُهين الله نفسه الذي وضع هذا وزرعه في الإنسان، لأن نص سفر التكوين لم يقل أن الله غير طبيعة التناسل الطبيعي في الإنسان، لأن هذا المعنى غير وارد في الكتاب المقدس كله ولكنه مجرد استنتاج من أُناس متشددي الرأي بسبب كونهم، يا إما رهباناً عاشوا في دعوتهم مكرسين انفسهم لله لأنه طريقهم الخاص فتشددوا في موضوع الزواج والجنس، والبعض منهم ظن أن البتولية أعظم من الزواج وأسمى منها، أو يا أما نتج من لهم خبرة سيئة في الزواج وتعطلت حياتهم الروحية بسبب ارتباطهم بمن هم كانوا غير عارفين الله، فظنوا أن الزواج عموماً حياة غير منضبطة بالروح، أو يا أما من لهم خبرة طويلة في الخطية والانحراف الجنسي فظنوا أن هذا بسبب الغريزة التي هي ملتصقة بأجسادهم، وهذا كله خاطئ تمام وناتج عن خبرات منحرفة عن الطريق السليم ولا يصح نربط ما وضعه الله في الإنسان بخبرات الشر التي عشناها كلنا متأثرين بها فنظن أنه من المستحيل ان يكون الجنس من الله موضوع في الإنسان، وبخاصة أننا نعلم أن الجنس سينتهي بانتقال الإنسان من هذا العالم، ولكنه سينتهي مثل كل ما هو من احتياجات الجسد، لئلا يكون أيضاً الجوع والطعام والشراب أيضاً مثله يحمل دنس للإنسان، فاحذروزا يا إخوتي من تلويث وتدنيس ما خلقه الله وأعطاه للإنسان بتفسيرات غريبة عن روح الإنجيل بل والكتاب المقدس ككل، ولنتذكر كلام الله لبطرس الرسول حينما قال له: [ ما طهره الله لا تدنسه انت ] (أعمال10: 15)، فلا يصح أن نشوه الجنس وندنس إفرازات الجسد الطبيعية التي هي حاجة الجسد العادية جداً، والتي لا تدنس قلب الإنسان أو تنجسه قط، بل الخطية وحدها وهي التي تحتاج لتوبة للتطهير والتقديس بدم حمل الله رافع خطية العالم…


ولكن يشرح هذه الآية [ هأنذا بالإثم صُورت، وبالخطية حبلت بي أُمي ] (مزمور51: 5) – لكي يتم فهم معناها – العلامة أوريجانوس وهو في هذا الشرح يتفق مع جمهرة كبيرة من الآباء قائلاً: [ ولكن أن كان يوافقكم أن تسمعوا ما يُفكر به قديسون آخرون بخصوص يوم الولادة، فاسمعوا داود يتكلم قائلاً: “هأنذا بالإثم حُبل بي وبالخطايا ولدتني أُمي”؛ مُبيتاً بذلك أن كل نفس تولد بالجسد إنما هي مُحاطة بدنس الإثم والخطية، ومن أجل هذا يُمكننا أن نقول ما سبق ذكرناه سالفاً: “ليس أحد بلا دنس ولو كانت حياته يوماً واحداً”. ] ((On Lev.Hom.8,3,(2),(5) 

أما بالنسبة لختان الطفل في اليوم الثامن، ولماذا اليوم الثامن على الأخص، لأن الختان علامة عهد بين الله وشعبه بني إسرائيل، سلَّمه الله لإبراهيم (تك17: 9 – 14)، ثم أكده لموسى في شريعة تطهير المرأة بعد ولادة الأطفال (لاويين12: 3)، وكان الختان يتم بقطع الغلاف اللحمي الخارجي دائرياً من عضو الذكورة في الطفل الذكر فقط، وذلك كعلامة عهد خاصة بين الله وكل فرد من بني إسرائيل ليكونوا له [ مملكة كهنة وأمة مقدسة ] لتكون خاصة بالرب، وكختم لبرّ الإيمان الذي آمن به إبراهيم بالله، حينما قدم ابنه إسحق وحيده ذبيحة لطاعة الله بالحب وثقه منه بأن الله قادر أن يُقيمه من بين الأموات لأنه أعطاه وعد في اسحق، وقد كان الختان بهذا المفهوم الروحي إشارة ورمزاً لقطع جسم خطايا البشرية، وخلع الإنسان العتيق، ولبس الجديد، وذلك بالاشتراك في موت المسيح وقيامته بالمعمودية، كما عبر عن ذلك القديس الشهيد يوستين قائلاً: [ إن الوصية بطقس الختان التي تأمر بأن يُختتن الأطفال في اليوم الثامن، كانت رمزاً أو مثالاً للختان الحقيقي للخلاص من الخطية والشرّ، بواسطة قيامة الرب يسوع المسيح من بين الأموات في اليوم الأول من الأسبوع (الأحد)، الذي بالرغم من بقائه مُعتبراً الأول لكل الأيام إلا أنه يُدعى الثامن (بعد مرور سبعة ايام الأسبوع التي تُمثل أيام الخلقة الولى) ] (Justin Mart.,Dial.with Trypho)

وقد أُختتن المسيح الرب أيضاً في اليوم الثامن لكي يُتمم الناموس، ولكي بختانه يُكمل لنا الخلاص ويهبنا الختانة الروحية بموته وقيامته، ويقول القديس كيرلس الكبير عامود الدين: [ في اليوم الثامن، إذن، اختُتن المسيح وتقبل اسمه (“سُمي يسوع”، كما تسمَّى من الملائكة” لو2: 21)، لأن عندنا، أي بهذا، خلَّصنا بواسطته وفيه. كما قيل: “وبه أيضاً خُتنتم ختاناً غير مصنوع بيد، بخلع جسم خطايا البشرية، بختان المسيح. مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أُقمتم أيضاً معه “(كو2: 11و 12). أي أنه كما كان موت المسيح من أجلنا وكانت قيامته (أيضاً من أجلنا) كذلك كانت ختانته ] (عن شرح القديس كيرلس الكبير لإنجيل لوقا)

والختان في اليوم الثامن، لأنه إشارة واضحة وبليغة جداً ليوم قيامة الرب الذي في يوم الأحد الذي هو بعد السبت وانتهاء الخليقة القديمة فأصبح أحد قيامة الرب هو اليوم الثامن، أي اليوم الجديد الذي للخليقة الجديدة في المسيح يسوع، لأن اليوم الثامن هو اليوم الجديد بعد اليوم السابع التي للخليقة القديمة، ولآباء الكنيسة شرح مطول جداً في هذا الموضوع ولكن وضعته باختصار شديد جداً، لكي أوضح المعنى فقط بالنسبة لليوم الثامن الذي هو إشارة ليوم الأحد، أو يوم الشمس الذي فيه أشرق الرب بقيامته معلناً اليوم الجديد الذي فيه فرح البشرية لأن أصبح لها خلق جديد في المسيح يسوع، لذلك الكنيسة كانت تُعمد في اليوم الثامن لتنبيه الأبوين أن يعيشوا خليقة جديدة ويسلموا أولادهم الإيمان الحي الذي يتناسب مع الخليقة الجديدة في المسيح يسوع، وهنا الطقس ليس حرفي إنما ينبغي أن نفهم روحه ولا نصير مثل شعب اليهود الذين عبدوا الحرف ونسوا القصد الإلهي ولم يعيشوا بالإيمان كشعب الله المختار …

عموماً وبتأسيس المعمودية التي يتم فيها الختان الروحي للإنسان، حيث يخلع جسد الخطية ويلبس الخليقة الجديدة بالروح القدس، ويتم الختم الإلهي للاتحاد بالله، ينتهي عهد ختان اللحم تماماً وفي ذلك يقول القديس كيرلس الكبير: [ ولكن بعد ختانة المسيح انتهى هذا الطقس إلى الأبد، وذلك بدخول المعمودية التي كان طقس الختان يرمز لها. لأنه بسبب المعمودية لا نعود نُمارس طقس الختان بعد… ] (شرح القديس كيرلس الكبير لإنجيل لوقا2: 21)

طبعاً اليوم بيتم الختان من الناحية الطبية الصحية فقط لا غير ولا ترتبط بالإيمان في شيء ما قط، ولا علاقة لها بأي طقس إلزامي في المسيحية ولا الإنجيل ولا الكنيسة عموماً في أي طائفة من الطوائف المسيحية التقليدية…
———————————————————————————

تابع مناسبات أُخرى لتقديم ذبيحة الخطية +

(أ‌) بعد الشفاء من البَرَص: كان الأبرص يُقدم في اليوم الثامن لتطهيره خروفين ونعجة وتقدمة دقيق ذبائح إثم وخطية ومحرقة. أما إذا كان فقيراً فكان يُقدم فرخي حمام أو يمامتين (أنظر لاويين 14: 19و 22و 30).

(ب‌) بعد التطهير من نجاسة سيل: كان يُقدم كل من تنجس بسيل يمامتين أو فرخي حمام (وهي غالباً ناتجة عن مرض جنسي بسبب الخطايا الجنسية – وقد سبق وشرحنا الموضوع بتفاصيله في شرح ذبيحة المحرقة) (أنظر لاويين15: 14و 15و 30)

(ج) إذا تنجس نذير في أيام نذره: كان يُقدم يمامتين أو فرخي حمام، أحدهما ذبيحة خطية والآخر ذبيحة محرقة للتكفير عنه. ومتى تمت أيام نذره كان عليه أن يُقدم للرب نعجة واحدة حولية صحيحة ذبيحة خطية (أنظر عدد6: 10و 11؛ عدد7: 16 –… الخ)، ولكي نفهم موضوع تنجيس نذير لابد من أن نفهم ما معنى نذير: عموماً كلمة “نذير” في اللغة العربية مأخوذة من الفعل العبري “نذر” بمعنى “تكريس” أو ” تخصُّص” أي كفعل “تخصيص”. ويُذكر موضوع النذر لله كثيراً في الكتاب المقدس، وخاصة في العهد القديم، وعلى الأخص في سفر المزامير. ولم يكن النذر أمر توجيه من الشريعة، أي أنه ليس قانون تشريعي في العهد القديم، بل هو أمر يعتبر تطوعي من الشخص نفسه بدون أي قانون أو نص في شريعة أو حتى طلب من الله إلا في حالات خاصة كما سوف نرى، وذلك على خلاف تقديم العشور والذبائح والتقديمات وحفظ السبت والختان الذي أمرت بهما الشريعة كأفعال إلزامية وليست اختياريه حسب وصية الله.
وبالرغم من ذلك فقد وضعت الشريعة مبادئ مُحددة للنذر لمن يحب أن ينذر شيئاً للرب. فالنذر الذي ينذره الرجل أو الأرملة أو الطلقة لا يجوز نقصه أو النكوص عن الوفاء به لأنه مقدم لله الحي كسيد عظيم جداً لا يصح ان يُقدم له ما هو معيوب أو ناقص أو الرجوع فيه كأنه مقدم لأي شخص أقل من أن يُحترم أو يُقدر، لذلك من الخطورة أن نقدم شيئاً ما لله باستهتار أو نقص أو بدون وعي منا أو إدراك لمن نُقدم أو لماذا نُقدم، لأنه ينبغي أن تكون التقدمة بلا تسرع أو عن مجرد انفعال بدون إدراك أو وعي…

أما إذا صدر النذر من فتاة دون مشورة أبيها، أو من امرأة دون مشورة زوجها، فكان من حق الأب أو الزوج متى سمع النذر أن يُثبته أو يُلغيه في يوم سماعه: [ وكلم موسى رؤوس أسباط بني إسرائيل قائلاً هذا ما أمر به الرب. إذا نذر رجل نذراً للرب أو أقسم قسماً أن يُلزم نفسه بلازم فلا ينقض كلامه حسب كل ما خرج من فمه يفعل. وأما المرأة فإذا نذرت نذراً للرب والتزمت بلازم في بيت أبيها في صباها. وسمع أبوها نذرها واللازم الذي ألزمت نفسها به فأن سكت أبوها لها ثبتت كل نذورها وكل لوازمها التي ألزمت نفسها بها تثبت. وأن نهاها أبوها يوم سمعه (عن نذرها) فكل نذورها ولوازمها التي الزمت نفسها بها لا تثبت والرب يصفح عنها لأن أباها قد نهاها. وأن كانت لزوج و نذورها عليها أو نطق شفتيها الذي ألزمت نفسها به. وسمع زوجها فأن سكت في يوم سمعه ثبتت نذورها ولوازمها التي ألزمت نفسها بها تثبت. وأن نهاها رجلها في يوم سمعه فسخ نذرها الذي عليها ونُطق شفتيها الذي ألزمت نفسها به والرب يصفح عنها. وأما نذر أرملة أو مُطلقة فكل ما ألزمت نفسها به يثبت عليها. ولكن أن نذرت في بيت زوجها أو ألزمت نفسها بلازم بقسم. وسمع زوجها فأن سكت لها ولم ينهها ثبتت كل نذورها وكل لازم ألزمت نفسها به يثبت. وأن فسخها زوجها في يوم سمعه فكل ما خرج من شفتيها من نذورها أو لوازم نفسها لا يثبت قد فسخها زوجها والرب يصفح عنها. كل نذر و كل قسم التزام لإذلال النفس زوجها يثبته وزوجها يفسخه. وأن سكت لها زوجها من يوم إلى يوم فقد أثبت كل نذورها أو كل لوازمها التي عليها أثبتها لأنه سكت لها في يوم سمعه. فأن فسخها بعد سمعه فقد حمل ذنبها. ] (عدد30: 1 – 15).

لذلك وحتى اليوم وفي العهد الجديد رأت الكنيسة نفس ذات الأمر والقانون وذلك بكون الله لا يتغير ولا فرق ما بين العهدين من الجهة الأدبية وليست الطقسية، فبكون الأب هو المسئول أمام الله عن أولاده القُصر لأنهم لم يبلغوا بعد فمن حقه أن يلغي نذرهم الذي نذروه بتسرع أو بعدم وعي، وأيضاً كون الزوج مع زوجته جسداً واحداً فلا يصح للزوجة أو حتى للزوج أن ينذر أحدهما شيئاً بدون اتفاقه مع الآخر لتكون التقدمة أمام الله صحيحة ومُلزمة كما رأينا في سفر العدد….

سبب تقديم النذر كما هو واضح في الكتاب المقدس: نرى في سفر المزامير تعهدات الناذرين بوفاء نذورهم، وذلك كاعتراف بفضل الله عليهم وتقديمهم مشاعر شكرهم وتمجيدهم للرب الذي أحسن إليهم بدون أي استحقاق لهم بل هو فضل الله عليهم ورحمته، وهم يقدمون الشكر والحمد عملياً بالنذر:

  • + مِن قِبَلك تسبيحي في الجماعة العظيمة. أُوفي بنذوري قُدام خائفيه (مز22: 25)
  • + اللهم عليَّ نذورك، أُوفي ذبائح شكر لك، لأنك نجيت نفسي من الموت. نعم، ورجلَيَّ من الزَّلق… (مز56: 12و 13)
  • + هكذا أُرنم لاسمك إلى الأبد لوفاء نذوري يوماً فيوماً (مز61: 8)
  • + أدخل إلى بيتك بمحرقات، أوفيك نذوري التي نطقت بها شفتاي، وتكلَّم بها فمي في ضيقي (مز66: 13و 14)
  • + ماذا أردُّ للرب من أجل كل حسناته لي؟ كأس الخلاص أتناول، وباسم الرب أدعو. أُوفي نذوري للرب مقابل كل شعبه (مز116: 12 – 14)

طبعاً كل ما ذكرناه بالنسبة لأي عطية تُقدم لله، ولكن يوجد من ينذر نفسه للرب، بمعنى أنه يكرس حياته للرب في عبادة نسكية وواجبات والتزامات خاصة يُقدمها طوعاً للرب وباختياره الخاص، إما طول الحياة أو لزمان محدد حسب اختيار كل واحد كنوع من الاعتكاف ونذر النفس للرب لمدة محددة، وقد تكلم الكتاب المقدس عن نذر الأشخاص بطرق متنوعة مثل:

1 – إما أن يكون نذر الشخص من قِبَل الله نفسه، مثل ما كان مع شمشون [ وكان رجل من صرعة من عشيرة الدانيين اسمه منوح وامرأته عاقر لم تلد. فتراءى ملاك الرب للمرأة وقال لها ها أنت عاقر لم تلدي ولكنك تحبلين وتلدين أبناً. والآن فاحذري ولا تشربي خمراً ولا مسكراً ولا تأكلي شيئاً نجساً. فها أنك تحبلين وتلدين أبناً ولا يَعلُ موسى (موس للحلاقة) رأسه لأن الصبي يكون نذيراً لله من البطن وهو يبدأ يخلص إسرائيل من يد الفلسطينيين ] (قضاة13: 2 – 5)، وايضاً في حالة يوحنا المعمدان [ لأنه يكون عظيماً أمام الرب (في عيني الرب أو في تقديره – تقديره في عيني الرب) وخمراً ومُسكراً لا يشرب ومن بطن أمه (لأنه نذيراً للرب – وبالطبع أكد على نذره وتكريسه للرب بأنه وهب نفسه للرب) يمتلئ من الروح القدس (وهي علامة تكريس وتخصيص كامل للرب للوظيفة وعمل خاص كما ترد في الآية التي بعدها: يرد كثيرين من بني إسرائيل، ويتقدم أمامه “أمام الرب” بروح إيليا وقوته، ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء، والعُصاة إلى فكر الأبرار، لكي يُهيئ للرب شعباً مُستعداً) ] (لوقا1: 15)

2 – أو أن ينذر الوالدان (الأبوين) أولادهم للرب، كما نذرت حنَّة صموئيل النبي ليكون للرب طول حياته وليس لمدة معينة، بل وهبته بالكامل لله وحده فقط طول حياته: [ ونذرت نذراً وقالت يا رب الجنود أن نظرت نظراً إلى مذلة أَمَتك وذكرتني ولم تنس أَمَتك (عبدتك) بل أعطيت أَمَتك زرع بشر فإني أُعطيه للرب كل أيام حياته ولا يعلو رأسه موسى (كشروط النذير) ] (1صموئيل1: 11)

3 – أو أن يُنذر الإنسان نفسه للرب فترة من حياته، وذلك كما جاء في شريعة النذير كما ذكرناها في سفر العدد. وبالطبع نجد ان الشريعة لا تُحدد المدة التي ينذر فيها الشخص نفسه لله، إذ أن الأرجح أن هذه المُدة كان يُحددها الشخص نفسه. وتذكر “المِشْنا اليهودية” أن المُدة كانت عادة ثلاثين يوماً أو ستين يوماً.

ونجد عموماً أن كلمة “نذر” لم ترد في العهد الجديد سوى مرتين، وكانت مرتبطة بالقديس بولس الرسول [ “وأما بولس فلبث أيضاً أياماً كثيرة ثم ودع الإخوة وسافر في البحر إلى سورية ومعه بريسكلا وأكيلا بعدما حلق رأسه في كنخريا لأنه كان عليه نذر”؛ ” فافعل هذا الذي نقول لك عندنا أربعة رجال عليهم نذر ” ] (أعمال18: 18؛ 21: 23)، طبعاً لن نشرح الملابسات في هذه الآيات التي يطول شرحها لأن كثيرين اطالوا في شرحها جداً ما بين فريقين وكل فريق له حجة مقنعه في الشرح والتفصيل، ولكننا نركز عموماً على شريعة النذير لنفهم ما هو التنجيس الذي يحدث ولماذا تقدم ذبيحة خطية عنها ولسنا في صدد شرح سفر أعمال الرسل وتفسير هذا الموقف، ولكن عموماً بالرغم من أن النذور كانت سائدة في العهد القديم كتعبير عن الورع والتقوى، إلا أنها أخذت في العهد الجديد صورة أكثر اتساعاً بتكريس الحياة كلها للرب تحت أي مُسمى، سواء كانت رهبنة، أو تبتلاً، أو خدمة …الخ؛ لأن محبة المسيح وبذله لنفسه من أجل خلاصنا قد اسرتنا وصارت محبته تحصرنا، فلم نَعُد مِلكاً لأنفسنا بل للذي مات لأجلنا وقام: [ لأنكم قد اشتُريتم بثمن فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله ] (1كورنثوس6: 20).
عموماً لكي ما نفهم ما المعنى المقصود بتنجيس النذير لابد من ان نتعرف على شريعة النذير والتزاماته فأن كسرها ستدنس ويحتاج ذبيحة خطية وذبيحة إثم كما سوف نشرحها فيما بعد، وهذه هي شريعة النذير والتزاماته:

1 – ألا يشرب خمراً أو يأكل حتى من ثمار الكرمة (العنب) (عدد6: 3و 4)
2 – ألا يحلق شعر رأسه (عدد6: 5)
3 – ألا يتنجس لأجل ميت (عدد6: 6 – 8)

+ عموماً المعنى العام والمقصود من وراء هذا كله بأنها توضح أن فترة نذر النفس للرب، هي فترة التصاق بالرب وتكريس الحياة لعباداته، فهي إذن تستلزم النسك والزهد وترك مباهج العالم بكل ما فيه، وبما أن المُسكر يُفسد ذهن الإنسان ويفقده توازنه، فمن اللائق أن يُمتنع عن الخمر المُسكر، وأي نوع يؤدي إلى السُكر وغيبة الوعي أو عدم الاتزان. من أجل ذلك أوصى القديس بولس الرسول أهل كنيسة أفسس قائلاً: [ ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة، بل امتلئوا بالروح ] (أفسس5: 18)، واحب أن أربط هذا الكلام بإنجيل لوقا في كلامة عن القديس يوحنا المعمدان: [ لأنه يكون عظيماً أمام الرب (في عيني الرب أو في تقديره – تقديره في عيني الرب) وخمراً ومُسكراً لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس ] (لوقا1: 15). وفي ايام انتهاء نذر النذير مُصرح له أن يشرب خمراً كإشارة على الفرح الروحي بالرب وأنه تمم هذا النذر بمسرة قلبه وليس غصباً عن إرادته.

+ وبالنسبة لترك الشعر بلا أي حلاقة أو هندمة أو تنظيم وترتيب، فهو علامة ظاهرة أمام الناس أنه شخص مخصص للرب وحده، كما أن حلاقة الشعر بالنسبة للرجل يُعتبر نوع من أنواع الزينة والشكل المهندم أمام الناس والمجتمع، ولكن لكونه للرب وحده يعطي ذاته فأنه لا يهتم بمباهج الحياة ورؤية الناس لشكله او شخصه، وهذا نوع من أنواع التكريس لله وحده، إذ أن اهتمامه كيف يُرضي الله وليس الناس.

+ وأيضاً النذير ملتزم بأن لا يأتي إلى جسد ميت كل أيام انتذاره، حتى لو كان الميت هو أبوه أو أمه أو أخته أو أخيه… الخ، فلا ينبغي أن يتنجس من أجلهم عند موتهم لأن انتذاره لإلهه على رأسه؛ ومثله مثل رئيس الكهنة والكهنة بني هارون (أنظر لاويين21: 11). فقد كان على النذير (كما للكاهن أيضاً) أن يرتفع فوق كل علاقة جسدية مهما ما كان نوعها، وخاصة وأن الجسد الميت كان يُعتبر نجاسة في العهد القديم، لأن الموت كان أُجرة الخطية وعلامة دخولها إلى العالم، لذلك يُحسب لمس الميت نجاسة حسب الشريعة حتى ولو كان الميت نبياً، فالموت دخل إلى العالم بالخطية، إذ أن بالخطية الموت والانفصال عن الله، والاهتمام بالجسد الميت ولمسه هو علامة موت، ولأن الله يريد أن الكل يشعر بفجاعة الخطية لا يُريد لأحد ان يتعلق بالموت ويهتم بجسد الموت ويعرف كم كانت الخطية خاطئة جداً وما فعلته في كيانه، ومن خصص نفسه للرب لا يمسه موت ولا يعرف ميت، بل هو منفصل كُلياً عن كل ميت وكل رباط جسدي لأنه ارتبط بالرب وحده الذي هو الحياة…

عموماً القصد كله من طقس تطهير النذير إذا تدنس انتذاره، وتقديسه والتكفير عنه، أنه يُظهر ويُبين إلى أي مدى يُريد الرب ممَّن يتكرس له أن يحفظ نفسه نقياً طاهراً من كل دنس، بريئاً من كل نقص، سواء كان بقصد أو بغير قصد: [ لأن هذه هي إرادة الله قداستكم ] (1تسالونيكي4: 3)، [ لأن الله لم يَدْعُنا للنجاسة بل في القداسة ] (1تسالونيكي4: 7)، وذلك كله لأجل أن نُعاين الرب ويكون هناك شركة حيه وحقيقية معه في النور، فالرب قدوس والذي يقترب منه لابد من ان يتقدس:

  • [ من مثلك بين الآلهة، يا رب من مثلك معتزاً في القداسة، مخوفاً بالتسابيح صانعاً عجائب ] (خروج15: 11)
  • [ اتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب ] (عبرانيين12: 14)
  • [ فإذ لنا هذه المواعيد أيها الأحباء لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة في خوف الله ] (2كورنثوس7: 1)

وسوف نتحدث في الجزء القادم عن: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية


 

تابع دراسة في الذبائح (21) ملخص مفهوم الخطية في العهدين άμαρτία.

تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
تابع / ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת

                                     تابع مفهوم الخطية : [رابعاً] ملخص مفهوم الخطية في العهدين
                                                للرجوع للجزء العشرون أضغط هنــا.

[رابعاً] ملخص مفهوم الخطية في العهد القديم :

باختصار نستطيع أن نفهم المعنى الشامل للخطية ونستوعب خطورتها وشناعتها، عموماً في العهد القديم تأتي الخطية بعدة معاني هامة كما رأينا سابقاً وهي: ضلال، يضل [ كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه ] (إشعياء 53: 6)، إخفاق، يخسر نفسه، يُذنب، يتعدى الحدود، يغلط (عن جهل أو عن قصد )، وعموماً توصف الخطية بوجه عام كتحول عن الله وانتهاك العهد، والنتيجة الطبيعية للخطية هو الهروب من محضر الله كما فعل آدم وحواء حينما أخفوا أنفسهم لكي لا يراهم الله [ تك3: 9 ]، ونفس ذات الهروب يحدث لكل خاطي اليوم في هروبة من الصلاة والإنجيل… 

وبسبب الخطية تغرب الإنسان عن الله الذي هو الحياة واختطف لنفسه قضية الموت، لأن أجرة الخطية هي موت، فالموت ملازم حتمي للخطية وأثاره تظهر في كآبة الإنسان وحزنه بعد ارتكاب الخطية التي تُسيطر عليه وتقيده وتفسد طبيعته: [ الشرير تأخذه آثامه وبحبال خطيتة يُمسك ] (أمثال 5: 22)، والخطية تجعل الإنسان يدخل في حالة تيه وتغرب عن الله وعن نفسه، مثلما تاه شعب إسرائيل في البرية بسبب التمرد وعدم طاعة وصية الله وتخطيها [ لماذا لا تطيعون وصية الرب ] (عدد14: 41)، وقد صارت الخطية خطيرة للغاية لأنها تفصل بين الخطاة وبين الله [ بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع ] (إشعياء 59: 2)، فالخطية باختصار هي عصيان وتمرد وكسر عهد، وإعلان خصومة…

عموماً نجد ونلاحظ في العهد القديم أنه بالرغم من أنه ركز بشدة على مشكلة الخطية وفظاعتها وإظهار عواقبها الوخيمة وعلى الأخص أنها تجلب الموت لفاعلها، ولكنه يضع روح الرجاء الحي بالتوبة وتقديم ذبيحة للتكفير عن الخطية والتي تظهر وعد الله بالخلاص عن طريق الذبيحة الكاملة التي بابنه الوحيد الجنس الواحد معه في الجوهر، لأن منذ أول يوم ارتكب فيه الإنسان المعصية ودخل في شرك الموت التي نصبه له إبليس بالخطية نجد أن الله يعطي الوعد [ نسل المرأة يسحق رأس الحية ]، كما سوف نرى كيف قدم المسيح الرب نفسه ذبيحة خطية عن حياة العالم …

[خامساً] الخطية في العهد الجديد :

يستخدم العهد الجديد (1الاستخدام السائد [ άμαρτάνω – hamartano ]، وتصريف أفعالها في الترجمة السبعينية للعهد القديم كتعبير شامل عن كل شيء يُعارض الله، ويجد المفهوم الإنجيلي عن الخطية أشمل تعبيراته عند القديس بولس والقديس يوحنا، فقد وردت كلمة [ άμαρτία – hamartia ] حوالي 173 مرة، وكلمة [ άμαρτάνω – hamartano ] حوالي 42 مرة، وترد كلمة [ άμαρτημα – hamartema ] أربعة مرات فقط ويُشير إلى ارتكاب الفرد للخطية: [ اهربوا من الزنا كل خطيةάμαρτημα يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد لكن الذي يزني يخطئ إلى جسده ] (1كورنثوس6: 18)، ويستخدم اللفظة أيضاً في سياق الغفران: [ الحق أقول لكم أن جميع الخطايا άμαρτηματα تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها ] (مرقس 3: 28)، [ الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجلالصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله ] (رومية3: 25)، أو تظهر كصفة توضح أنه لا يوجد من ليس له خطية [ وقال لهم من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر ] (يوحنا8: 7)، عموماً نجد في العهد الجديد أن لفظة [ άμαρτωλός، – hamartolos ] خاطئ، هي الصفة المعتاد استخدامها …

ومن الملاحظ أن هناك مزج ما بين لفظتين في العهد الجديد [ الجيل الفاسق والخاطئ ]، [ لأن من استحى بي و بكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فان ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين ] (مرقس8: 38)، وهذا يوضح أن الخطية هي رفض المسيح الرب ووصاياه وعدم الحياة بها والشهادة الحسنة بالتقوى لله الحي، لذلك فالخطية تفصل الإنسان فصلاً تاماً عن الله ويتم رفضه في اليوم الأخير، لذلك فأن التوبة أمر حتمي وضروري لينال الإنسان الغفران ويأخذ قوة الله وينال النعمة 


ونجد أن الرب يسوع تخطى المفهوم اليهودي للخطية ويوضح أبعادها ومشكلتها الحقيقية، لأنه أوضح أن الممارسات الشكلية ليس لها اعتباراً عند الله، بل الاعتبار عنده هو أن يحيا الإنسان بالوصية ما عدا ذلك فهو خطية واضحة [ ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة. فحينئذ أصرح لهم إني لم أعرفكم قط اذهبوا عني يا فاعلي الإثم ] (مت7: 21 – 23)، فواضح هنا أن التركيز على أن الخطية هي عدم عمل إرادة الله وهي الحياة بحسب وصاياه المُحيية وهي تُسمى حسب الكتاب المقدس : الطاعة 
وسوف نوضح المفهوم الشامل في العهد الجديد بعد أن نشرح ذبيحة الخطية والتي يقصد بها إعادة الصلة بالله بعد أن عُرضت للخطر بسبب الخطايا الغير متعمدة أو بسبب حالة نجاسة كما سوف نرى بالتفصيل …

[سادساً] خلاصة مفهوم الخطية من العهدين :

عموماً وباختصار شديد: الخطية هي أي موقف من مواقف عدم المبالاة (اللا مبالاة) أو عدم الإيمان والثقة في محبة الله، أو العصيان لإرادة الله المعلنة في الضمير أو الناموس أو في الإنجيل، سواء ظهر هذا الموقف في الفكر أو في القول أو في الفعل أو في الاتجاه، أو السلوك أو النية …
والخطية هي في الأساس قطع الصلة بالله ورفض مقاصد محبته من نحو خليقته، كما هي أيضاً علاقة خاطئة مع الآخرين أي ضد المحبة، وهي مقاومة الناموس الإلهي الذي أعطاه الله لخليقته، وانحراف لقوى الإنسان الشخصية مما يؤدي إلى الموت الروحي والأدبي … 
وتعتبر الخطية قناعة طائشة بمستوى أخلاقي هابط من الانغماس في اللذات المنطوي في أعماقه على تأليه الذات دون اعتبار لله أو لأخيه الإنسان …

_____يتبــــــــــــــع_____
وفي الجزء القادم سنتكلم عن

ثانياً : ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها 

 

تابع دراسة في الذبائح (20) مفهوم الخطية في الفكر اليهودي الصحيح.

                                              تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس

الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
تابع ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת
للرجوع للجزء التاسع عشر أضغط هنـا.

[ثالثاً] الخطية والناموس الإلهي ، ومفهوم الخطية في الفكر اليهودي الصحيح :

1 – أننا نلاحظ أن إدراك الخطية ومعرفة خطورتها – بالنسبة للعهد القديم والفكر اليهودي الأصيل – متجه بأكثر قوة نحو الناموس، لأن جوهر الخطية كان قبل كل شيء انتهاك لنواميس الله ووصاياه، لأن إدراك الخطية مستحيل أن يكون بغير ناموس يظهرها ويفضحها لأن بدون الناموس لم تكن هناك معرفة للخطية الدفينة في داخل القلب، [ لم أعرف الخطية إلا بالناموس فإنني لم أعرف الشهوة (أنها كامنه في قلبي) لو لم يقل الناموس لا تشته ] (رو7: 7)، لأن الناموس مرآة النفس الذي يظهر مدى وسخ الإنسان من الداخل ومدى تورطه في الخطية، ومدى عمل الخطية وسلطانها في داخل الإنسان ليحيا في الموت ويقع تحت الدينونة: [ فإننا نعلم أن الناموس روحي و أما أنا فجسدي مبيع تحت (سلطان) الخطية. لأني لست اعرف ما أنا افعله إذ لست افعل ما أريده بل ما ابغضه فإياه أفعل. فان كنت أفعل ما لست أريده كعبد ] فاني أصادق الناموس انه حسن. فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة في . فاني أعلم انه ليس ساكن فيَّ، أي في جسدي شيء صالح، لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن افعل الحسنى فلست أجد. لأني لست افعل الصالح الذي أُريده بل الشر الذي لست أُريده فإياه أفعل [ كعبد للخطية ]. فان كنت ما لست أُريده إياه افعل فلست بعد افعله أنا بلالخطية الساكنة فيَّ. [ ألستم تعلمون أن الذي تقدمون ذواتكم له عبيداً للطاعة، أنتم عبيد للذي تطيعونه إما للخطية للموت او للطاعة للبر (رو 6 : 16) ] إذاً أجد الناموس لي حينما أريد أن افعل الحسنى أن الشر حاضر عندي. فاني أُسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن. و لكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني و يسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت. ] (رو7: 14 – 24) 
وبالطبع، بما أن الأمم الذين ليسوا من شعب إسرائيل ولا يعرفون وصايا الله، فهم جميعاً خطاة، لأن ليس معنى أنهم بلا ناموس أصبحوا مبررون لأنهم لا يعلمون وصايا الله، لأن لهم الناموس الطبيعي: [ لأنه الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم ] (رو 2 : 14)، فالإنسان على كل وضع ليس له ما يبرر موقفه: [ لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر ] (رو 1 : 20) 

2 – فالخطية – في مفهومها الصحيح – هي فعل يقوم به الإنسان، بل هي موقف الإنسان تجاه الله. والخطية تتمحور حول العهد، فقد دخل الله بمبادرة خاصة منه في علاقة مع البشر، وحدد لهم بنفسه الشروط التي يجب أن ينفذوها. فكانت كلمات الشريعة هي بنود عهده الخاص وشعائر طقس العهد، ومن رفض العهد هو الذي لم ينفذ شروطه، وهذه تُسمى خطية ضد العهد، وهنا يتم فسخ هذا العهد بين الإنسان والله فيُطرح بعيداً في الموت، لأن عهد الله عهد حياة وبركة وارتباط، وخارجه الظلمة والموت، وهذه هي الخطية التي فيها حدد الإنسان موقفه تجاه الله برفضه لعهده الذي أقامه بنفسه مع الإنسان !!!
وبلا شك في أن هذا المدلول للخطية يخص بالدرجة الأولى شعب إسرائيل الذي نال العهد والشريعة [ وطبعاً الكلام موجه لنا في العهد الجديد أيضاً كما سنوضحه فيما بعد ]. إذن فكل عمل بشري يُعارض شريعة الله هو خطية، والألفاظ العبرية التي تدل على هذا العمل تُظهر نشاط الإنسان الخاطئ وخطورة وضعه:
+ فالكلمة [ חטא – ح ط أ ] تُترجم في العربية [ خطئ أو إثم ]، وتُستعمل أيضاً لكي تصف العلاقة بين البشر، وتُستعمل للتعبير عن تعدٍ وإهمال وخيانة بالنسبة لله ( خيانة عهد ) وإلى القاعدة السلوكية التي وضعها .
+ والكلمة [ עון – ع و ن ] تُشير إلى الضلال الذي به ينحرف الإنسان عن الطريق المستقيم .
+ والكلمة [ פשע – ف ش ع ] تُشير إلى أن الإنسان يترفع ضد الله ويخونه كما يفعل العبد أمام سيده .
وبالإجمال، الخاطي هو الإنسان الذي فشل في علاقته مع الله بإهماله للقواعد السلوكية وخيانته للعهد الذي أقامه معه الله، باقتراف الشر والإثم، ومن ثمَّ أصبح عبداً للخطية وواقع تحت سلطانها الذي يعمل فيه وبالتالي واقع تحت حكمها أي الموت.

عموماً نقدر أن نقول أن الخطية ليست حدثاً يقع مصادفة، وكأن الإنسان صالح بطبيعته وموجه بشرائع مجتمع صالح، وبذلك يكون ضل بدون علم منه، ولكن – في الواقع العملي المُعاش – الخطية تولد من ” قلبه الشرير “: فالفرعون الذي قاوم الله [ قسى قلبه ] لئلا يخضع لما طلبه موسى ويطلق الشعب ليعبد الله في البرية !!، وأيضاً نجد هذه القساوة لشعب إسرائيل نفسه في رحلته في البرية وأظهر أنه شعب قاسي الرقاب]، ونجد قصة الطوفان التي جعلت الله يقول: [ لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته ] !!! 
فالشر نجده حاضر في التاريخ الإنساني كله ومتعلق بكل مجتمع بشري وفي كل فرد من أفراد المجتمع مهما كان وضعه أو مقامه، فالخطية تنتشر مثل الخمير في العجين كله، وطبيعة فعلها المرّ هو تذوق ثمرها من حزن واكتآب يُمرر النفس ويجعل الإنسان في حالة موت عن الحياة، أي انفصال عن الله القائم فيه وعليه وجوده الحقيقي … وهذا نجده عملياً في الحزن المصاحب للخطية عند اقترافها أو تتميمها، الذي يصل لحد الكآبة الشديدة، والتي أن استمرت تفقد الإنسان الحس أو توصله لحالة اليأس الكامل المدمر للنفس، والبعض يصل أحياناً لحد الانتحار !!! ومن هنا ندرك أن الخطية خاطئة جداً وخطيرة جداً على حياة الإنسان الذي يعيش بها وفيها !!!

 

_____يتبــــــــــــــع_____
وفي الجزء القادم سنتكلم عن

[رابعاً] ملخص مفهوم الخطية في العهدين 

 

 

تابع دراسة في الذبائح (19) ذبيحة الخطية ومفهومها – άμαρτία – חַטָּאת.

                                               تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس

الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת
للرجوع للجزء الثامن عشر أضغط هنا.
ذبيحة الخطية وبالعبرية חַטָּאת– hattat = خطية أو خطأ، والمقصود منها إعادة الصلة بالله بعد أن عُرضت للخطر بسبب الخطايا غير المتعمدة [ إذا أخطأت نفس سهواً في شيء من جميع مناهي الرب – لاويين 4: 2 ] أو بسبب حالة نجاسة [ ثم يعمل الكاهن ذبيحة الخطية ويُكفر عن المُتطهر من نجاسته ] (لاويين 14: 19)، وسوف نرى بالتفصيل معنى الخطية وخطورتها في هذه الذبيحة التي تخصنا جداً وبالضرورة، كوننا كلنا اختبرنا وذقنا مرارة السقوط الذي فصلنا عن الله محب البشر القدوس، وقبل أن نتلكم عن طقس هذه الذبيحة بالتفصيل، لابد أن نفهم معنى الخطية وخطورتها بالتفصيل لكي نعي هذه الذبيحة وندرك أهميتها ونتذوق عمل المسيح الرب لخلاصنا فندخل في حرية مجد أولاد الله ونتذوق حلاوة عمل الله وندخل في خبرة التحرر من الخطية وننفك من الموت الذي هو نتيجة طبيعية للخطية …

أولاً : مفهوم الخطية – άμαρτία = خطية، تعدي

  • [أولاً] توضيح المعنى الشامل للكلمة

(أ‌) في اللغة اليونانية الكلاسيكية تأتي [ άμαρτάνω – hamartano ] بمعنى: يُخطأ الهدف، أو لا يُشارك في شيء ما، وكانت تعتبر نتيجة لبعض الجهل، والاسم المُشابه [άμαρτία – hamartia ] وتأتي على أساس روحي بمعنى خطأ أو فشل للوصول للهدف. النتيجة عموماً لمثل هذا الفعل هي [ άμαρτημα –hamartema ] وتعني فشل – خطأ – ذنب [ ارتكب في حق الأصدقاء أو النفس ]، ومن هذه الكلمات اشتقت الصفة والاسم [ άμαρτωλός، – hamartolos ] وهي تأتي بمعنى شرير كصفة، أو كاسم بمعنى خاطئ، أو باختصار تأتي بمعنى الشيء أو الشخص الذي يفشل …

(ب‌) وقد ساد استخدام الاسم [ άμαρτημα – hamartema ] على الفعل [ άμαρτάνω –hamartano ] وسط عالم متحدثي اللغة اليونانية. وقد استخدم هذا الاسم أرسطو من الناحية الفلسفية بين (الظلم) و (سوء الحظ)، وأظهره على أساس أنه عبارة عن مخالفة للنظام السائد، ولكن بدون نية شريرة. وبذلك أصبحت الكلمة [άμαρτία – hamartia ] كلمة شاملة بمعنى نسبي غير مُحدد، وتأتي بمعنى: إساءة ضد شعور صائب أو سليم، ومعناها يتراوح أيضاً ما بين الغباوة إلى كسر القانون، أو تأتي كوصف لأي شيء لا يتوافق مع الأخلاق السائدة، أو لا يتوافق مع الاحترام الواجب للنظام الاجتماعي والسياسي .

(ت‌) ونجد النظرة اليونانية للذنب تصوره التراجيديات الكلاسيكية على أساس التحامه بالجنون المحتوم للإنسان، فالذنب ليس مجرد فعل، ولكنه حقيقة متأصلة في أعماق كيان الإنسان، وهو المسبب للمُعاناة، كما أن الذنب والمصير مجدولين ومشتبكين بطريقة لا يمكن فيها فصلهم عن بعضهم البعض، وهي تعتبر نظرة سليمة وعميقة لمشكلة الإنسان الذي تذوق خبرة الخطية المُرة التي حتمت عليه مصير متعب جداً وهو الموت الذي يعمل فيه من يوم ميلاده بالفساد …

(ث‌) وقد شددت بعض الفلسفات الهلينية على العلاقة بين الذنب والمصير من خلال العديد من الشعائر والفكر الديني في محاولة للهروب من حتمية المصير، وأيضاً اجتهدوا على محاولة إدراك الذنب و صياغته عقلانياً في منهج دراسي، واعتقدوا أنه يُمكن التغلب عليه من خلال الفهم الأفضل والسلوك الصحيح. وتعمل نظريتهم من خلال الافتراض المُسبق بأن الإنسان في الأساس صالح … 
وبالطبع هذه النظرة – للأسف – توجد عند بعض المسيحيين اليوم من جهة تعديل السلوك لتصحيح وضعه والتخلص من الشعور بالذنب ورفع ضمير الخطية، وهذه النظرة بعيدة كل البعد عن خلاص الله كما سوف نرى في تفاصيل ذبيحة المسيح الرب، لأن هذه النظرة تجعلنا ننحرف عن الطريق المرسوم من الله لخلاصنا،لأن أعمالنا لا تقدر أن ترفعنا للمستوى الإلهي مهما كانت رائعة وممتازة، والدليل كله يظهر في العهد القديم وتاريخ البشرية التي لم تستطع أن تتحرر من مصير الموت المحتوم، وعدم معرفة الله كشخص حي وحضور مُحيي، لأنه لا يرى الإنسان الله ويعيش، كما أنه لا يقدر على رؤية الشمس الطبيعية المخلوقة، لأنه لو نظر إليها يعمي تماماً لأن عيناه لم تكن مؤهله لتلك الرؤيا، وكذلك حياتنا كبشر لا تتفق مع قداسة الله، فمن يقدر أن يحتمل أن يتفرس في النور الإلهي وطبعة غير مؤهل لهذا اللقاء ولتلك الرؤيا !!!

[ثانياً] توضيح المعنى في الترجمة السبعينية والعهد القديم
(أ‌) في السبعينية تُمثل الكلمة معنى الظلم على مدى كل الكلمات العبرية للذنب والخطية، وتصريف كل الأفعال التي تدل عليها تأتي بمعنى: زلة – خطية – ذنب، أو خطية كانحراف واعي عن الطريق الصحيح، وتأتي أيضاً بنفس المعنى للكلمة اليونانية [ άμαρτωλός، – hamartolos ] والتي عادة تعني فعال شر، أو الخارج عن القانون .

(ب‌) وعلى خلاف العهد الجديد لا يرد في العهد القديم كلمة أولية أو عامة عن الخطية، ومع هذا فأن الخطية، بالإضافة لذنب الشخص، أُدركت بوضوح كواقع يفصل البشر والأمة الإسرائيلية – على الأخص – عن الله وهذا هو المعنى الرئيسي للخطية. فيهوه نفسه هو المقياس للخطأ والصواب. ويُعبَّر عهده مع الشعب، ووصاياه وناموسه وكلمته المنطوقة من خلال خدامه المختارين عن معيار إرادته، وعلى ضوء هذا نستشف بوضوح معنى الخطية الخطير، وهي البعد عن الله، لذلك فهي تجلب حتماً الضرر والعقاب وبالتالي الموت، لأن الشعب ترك المقياس لحياتهم وهو الله بشخصه الذي هو الحياة !!!

(ج) نجد أن العهد القديم ينظر للخطية على أنها الجانب السلبي المُعاكس لفكرة العهد، ومن هنا غالباً ما يُعبَّر عنها في مصطلحات قانونية. فتاريخ الأمة اليهودية يوضح هذه الحقيقة ويصورها كتاريخ ارتداد، ثم عقاب على هذا الارتداد ليقظة الأمة اليهودية، ثم نداء التوبة والرجوع عن العصيان والارتداد، ثم تدخل سماوي من يهوه وإنقاذ الشعب من السبي، ثم العودة لبناء المدينة وبناء الهيكل والعودة لعبادة يهوه بفرح ومسرة…
يمنح سفر التكوين 3 – 11 مثال واضح عن فكرة العهد القديم للخطية، مصوراً بطريقة متقنة الاستقلال البشري وسلوك الاكتفاء بالذات. فنجد أن الخطية تنتشر في سلسلة من الانتشارات المتجددة بدءاً بسقوط آدم في تكوين 3 الذي يقود إلى قتل الأخ لأخيه (تكوين 4: 1 – 8) إلى أغنية لامك الذي وضحت استفحال شر القتل وامتداده [ وقال لامك لامرأتيه عادة وصلة اسمعا قولي يا امرأتي لامك وأصغيا لكلامي فاني قتلت رجلاً لجرحي وفتى لشدخي. انه ينتقم لقايين سبعة أضعاف وأما للامك فسبعة وسبعين ] (تكوين 4: 23 – 24). ثم وصول الشر لذروته في العالم قبل الطوفان والفيضان (تكوين 6: 1 – 6)، وأخيراً بناء برج بابل (تكوين 11: 1 – 9).

فالنزوع للابتعاد عن النظام المُعطى من الله وبناء النفس في وضعها الخاص وبطريقتها الخاصة متمركز في القلب [ ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم ]، [فتنسم الرب رائحة الرضا وقال الرب في قلبه لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته ولا أعود أيضاً أُميت كل حي كما فعلت (وسوف نشرح هذا الجزء في شرح موجز لسفر التكوين فيما بعد)] (تكوين 6: 5؛ 8: 21)، فاعتماد الإنسان على ذاته وأفكار قلبه يورطه دائماً وباستمرار في البعد عن الله، ويكون هو مصدر الخير لذاته ولا يعود له الرب المقياس لخيره وسعادته الشخصية، لذلك بتصورات قلبه الشرير يظن أنه لا يحتاج إلا لأعماله الخاصة، والتي إلى اليوم هي المحرك الأساسي للإنسان وهذا يكشف لماذا دائماً يسعى الإنسان لتداريب جسدية لكي يعود إلى الله معتمداً على ذراعه في خلاص نفسه غير مدرك أن هذا هو أساس الخطية !!!

(د) الخطية – في أساس جوهرها – هو (1) السقوط بعيداً عن العلاقة الأمينة مع الله والتغرب عن النعمة الممنوحة منه، (2) عدم طاعة وصاياه وناموسه المقدس
وتسمى الأولى (1) عدم أمانة لعهد الله: الخيانة [ فرأيت أنه لأجل كل الأسباب إذ زنت العاصية إسرائيل فطلقتها و أعطيتها كتاب طلاقها لم تخف الخائنة يهوذا أختها بل مضت وزنت هي أيضاً وكان من هوان زناها أنها نجست الأرض وزنت مع الحجر ومع الشجر وفي كل هذا أيضاً لم ترجع إلي أختها الخائنة يهوذا بكل قلبها بل بالكذب يقول الرب ] (إرميا 3: 8 – 10) ، (أنظر هوشع 2)
بينما تُسمى الثانية (2) عدم الطاعة لوصايا الله وناموسه: التعدي والتمرد [ فقال صموئيل هل مسرة الرب بالمحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة و الإصغاء أفضل من شحم الكباش لأن التمرد كخطية العرافة والعناد كالوثن والترافيم ، لأنك رفضت كلام الرب رفضك من الملك . فقال شاول لصموئيل أخطأت لأني تعديت قول الرب وكلامك لأني خفت من الشعب وسمعت لصوتهم والآن فاغفر خطيتي وارجع معي فاسجد للرب فقال صموئيل لشاول لا أرجع معك لأنك رفضت كلام الرب فرفضك الرب من أن تكون ملكاً على إسرائيل ] (1صموئيل 15: 22 – 26) ، [أصغ يا شعبيإلىشريعتيأميلوا آذانكم إلى كلام فمي] (أنظر للأهمية مزمور 78)، عموماً في الحالتين سواء الخيانة أو التعدي، قد أغلق شعب الله المُختار على نفسه بعيداً عن علاقة الشركة مع الله وأصبحوا عصاه [ لماذا تخاصمونني كلكم عصيتموني يقول الرب ] (إرميا 2: 29)

ونفس ذات المشكلة نجدها قائمة لليوم، لأن معظم الذين يريدون أن يحيوا الحياة الروحية رفضوا كلام الرب ولم يفتشوا عن الشركة مع الله حسب العهد الذي أقامه هو معنا، بل كل همهم أن يكفوا عن فعل الشر لمجرد أنه يكون إنسان مستحق للحياة الأبدية بجهاده وأعماله متغاضياً عن العهد الإلهي، ناسياً أن أساس العلاقة مع الله علاقة شركة في سر الطاعة والمحبة، والأعمال هي ثمرة تمسكه بالعهد، وإيمانه بالله حبيبه الخاص

لذلك نجد الصراع القائم اليوم ما بين فريقين، فريق يؤكد على النعمة المطلقة والمجردة من كل فعل عملي وكأنها نظرية فكرية، فالإنسان يدخل الملكوت حتى لو لم يحيا الإنسان بالطاعة للوصية حسب العهد مع الله، وفريق آخر يؤكد على الأعمال مفرغاً إياها من النعمة وكأن جهاد الإنسان هو في أن يعمل الأعمال الحسنة فقط فجردوها من النعمة، وهذا التضارب كله نشأ بسبب عدم فهم ما هي الخطية وما هو العهد ….

(هـ) ونجد في العهد القديم أنه من المستحيل أن تُفصل خطية الفرد عن الأمة، فتركزت كتابات العهد القديم الأولى على التاريخ المتكرر لارتداد الأمة [ أنظر قضاة من 26 إلى 36 ]، لكن تضع التقاليد اللاحقة تركيزاً أكبر على مصير الفرد كما هو واضح في المزامير وسفر أيوب :
(1) الخطية تصبح خطية أمه أو شعب أو جماعة، لأن ممكن لإنسان واحد عاصي ولا يحيا بالإيمان وسط الجماعة، يُكدرها ويقودها للهلاك إذ يثبت عزيمتها وينفث فيها عدم الثقة في الله بإقناع العقل ورؤية الأمور بنظرة من هو لم يعرف الله ولم يذق قدرته في حياته، أو بعض الأناس عديمي الإيمان يساعدون الشعب على التذمر وعصيان الله، كما حدث قبل عبور الشعب لأرض الميعاد حسب وعد الله لموسى والشعب [ ثم رجعوا من تجسس الأرض بعد أربعين يوما … لكن كالب أنصت الشعب إلى موسى وقال إننا نصعد ونمتلكها لأننا قادرون عليها، وأما الرجال الذين صعدوا معه فقالوا لا نقدر أن نصعد إلى الشعب لأنهم اشد منا، فأشاعوا مذمة الأرض التي تجسسوها في بني إسرائيل قائلين الأرض التي مررنا فيها لنتجسسها هي أرض تأكل سكانها (وهو تصوير على أن لهم قوة عظيمة) وجميع الشعب الذي رأينا فيها أُناس طوال القامة، وقد رأينا هناك الجبابرة بني عناق من الجبابرة فكنا في أعيننا كالجراد وهكذا كنا في أعينهم، فرفعت كل الجماعة صوتها و صرخت و بكى الشعب تلك الليلة، وتذمر على موسى وعلى هرون جميع بني إسرائيلوقال لهما كل الجماعة ليتنا متنا في أرض مصر أو ليتنا متنا في هذا القفر، و لماذا أتى (ولنلاحظ الشك الذي تسبب في العصيان) بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف وتصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة أليس خيراً لنا أن نرجع إلى مصر، فقال بعضهم إلى بعض نقيم رئيساً ونرجع إلى مصر، فسقط موسى وهرون على وجهيهما أمام كل معشر جماعة بني إسرائيل، و يشوع بن نون و كالب بن يفنة من الذين تجسسوا الأرض مزقا ثيابهم. و كلما كل جماعة بني إسرائيل قائلين الأرض التي مررنا فيها لنتجسسها الأرض جيدة جداً جداً، إن سر بنا الرب يدخلنا إلى هذه الأرض ويعطينا إياها أرضاً تفيض لبناً و عسلاً، إنما لا تتمردوا على الرب ولا تخافوا من شعب الأرض لأنهم خبزنا قد زال عنهم ظلهم والرب معنا لا تخافوهم ، ولكن قال كل الجماعة أن يُرجما بالحجارة ثم ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع لكل بني إسرائيل، و قال الرب لموسى حتى متى يهينني هذا الشعب و حتى متى لا يصدقونني بجميع الآيات التي عملت في وسطهم ] (أنظر سفر العدد الإصحاح 13 ، الإصحاح 14)
أليس هذا هو حال الناس في كل زمان وعلى الأخص زماننا هذا وللأسف هذا هو حال الذين يقولون أنهم مؤمنين، يتذمروا على الله حينما تشتد الضيقات وتُقام الاضطهادات ، فيسقطوا في خطية التذمر العظيمة ويخطئوا إلى الله وينسوا كل أعماله التي عملها معهم !!! ولنتذكر أيامنا الصعبة هذه ونقارن بيننا وبين هؤلاء الذين كدروا الشعب وحرموهم من العبور لأرض الميعاد حسب تدبير الله وعهده مع الشعب، فانهار الإيمان وفقدوا الثقة في الله !!!

فخطية فرد أو جماعة وسط شعب الله تؤثر غالباً وفي غالبية الأحوال، تُأثيراً سلبي على الشعب ككل لتحرمه من حضور الله وعمله [ وسطك حرام يا إسرائيل: ” قم قدس الشعب وقل تقدسوا للغد لأنه هكذا قال الرب إله إسرائيل
 في وسطك حرام يا إسرائيل فلا تتمكن للثبوت أمام أعدائك حتى تنزعوا الحرام من وسطكم ” (يش 7 : 13) ]
(2) بالخطية ملك الموت على الإنسان [ قد ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي (رو 5: 14) ]، ولا يقدر أحد أن يرى الله ويتواجد في محضره [ في سنة وفاة عزيا الملك رأيت السيد جالسا على كرسي عال ومرتفع و أذياله تملأ الهيكل. السيرافيم واقفون فوقه لكل واحد ستة أجنحة باثنين يغطي وجهه وباثنين يغطي رجليه وباثنين يطير. وهذا نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس رب الجنود مجده ملء كل الأرض. فاهتزت أساسات العتب من صوت الصارخ وامتلأ البيت دخانا. فقلت ويل لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين لأن عيني قد رأتا الملك رب الجنود. فطار إليَّ واحد من السيرافيم وبيده جمرة قد أخذها بملقط من على المذبح. ومس بها فمي وقال أن هذه قد مست شفتيك فانتزع إثمك وكُفِرَ عن خطيتك. ] (إشعياء 6: 1 – 7)
ونجد أن العهد القديم يُشدد على الخطية التي ملكت على الإنسان ككل في تكوين 6 : 5 [ ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض و أن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم ] ؛ في تكوين 8: 21 [ لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان لان تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته ] ؛ ويوضح ذلك بأكثر جلاء في إشعياء 64 : 6 – 7 [ وقد صرنا كلنا كنجس وكثوب عدة كل أعمال برنا و قد ذبلنا كورقة وآثامنا كريح تحملنا. وليس من يدعو باسمك أو ينتبه ليتمسك بك لأنك حجبت وجهك عنا وأذبتنا بسبب آثامنا. ] (وواضح هنا مسئولية كل إنسان عن إثمه الذي تمادى فيه بكل قوته، لأنه فعل الخطية بكل نشاط واجتهاد، حسب مسرة قلبه وإرادته وحده…
عموماً من هذا لا نستنتج أن الإنسان ورث الخطية كفعل، بل يوضح العهد القديم أن الموت ملك على كل إنسان وصار طبعه غريب عن الله ، فلا يستطيع أن يفهم طبيعة الله أو يقترب من القدوس البار، لأن طبعه فسد، وبسبب طبيعة الخطية الكل وقع تحت حكم الموت [ موتاً تموت = أجرة الخطية (طبيعتها أو نتيجتها الطبيعية) موت ] (تكوين 2: 17 ؛ رومية 3: 23)


Exit mobile version