معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

 

إقرأ أيضاً:

3- يسوع والألم

مهّدت لنا قراءة سفر أيوب إلى الدخول في فهم موقف يسوع تجاه الألم، وقبل أن نصل إلى الصليب، لابد لنا من تتبّع خطى يسوع في الإنجيل لنتبيّن من ناحية موقفه من الألم ومن المتألمين، ومن ناحية أخرى لفهم الطريق الذي أوصله إلى الصليب. وعند الصليب سنتوقف أيضاً أمام النشيد الرابع للعبد المتألم في سفر أشعياء.

  • مَن هو يسوع؟

يظهر لنا اختيار يسوع الأساسي في موقف التجارب (منى 4/1-11، لو 4/1-13): حياته هي هبة من الله يقبلها بدون استحواذ أو امتلاك، بل في تسليم كلّيّ لله. ويسير طريق يسوع نحو الله من خلال حياته الإنسانية اليومية التي تعرف الجوع والعطش والرغبة في الصداقة والتطلّع إلى النجاح، والتي تمرّ بتحمّل المشقات والصعوبات حتى الازدراء والألم، وفي ذلك كله يتّكل يسوع اتّكالاً كلِّيًّا على الله ويثق به كل الثقة.

وعندما يعود إلى موطنه بقوة الروح، يدخل المجمع ويقرأ سفر أشعياء: «روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشّر الفقراء وأرسلني لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم وللعميان عودة البصر إليهم وأفرج عن المظلومين وأعلن سنة رضا عند الرب» (لو 4/18). إنه يسوع ابن يوسف النجار من الناصرة الذي يحقق هذه النبؤة، فيه ومن خلاله يعلن الله أنه قريب من الفقراء والمأسورين والعميان والمظلومين.

  • رسالة يسوع:

حياة يسوع كلها هي إعلان عن قدرة الله على الألم والمرض، على الخطيئة والموت، على كل ما يكبّل الإنسان جسدياً ومعنوياً وروحياً، على كل ما يهمّش الإنسان عن مجتمعه، سواء أكان بسبب مرضه (البرص) أو خطيئته (السامرية، المرأة الزانية،…)، أو بسبب وظيفته المشبوهة (جباة الضرائب: زكّا، متّى). «إنه لتعليم جديد يُلقَى بسلطان» (مر 1/27)، كان يقول مَن يراه يعلّم ويشفي ويطرد الأرواح الشريرة. تتلخّص حياة يسوع في مواجهة مستمرة وبلا هوادة مع قوى الشر والألم. بدأ يسوع بشفاء المرضى وطرد الأرواح الشريرة، ثم غفر الخطايا وشفى يوم السبت، متخذاً مكان الله الذي يخلق ويخلّص ويجدّد الخليقة في اليوم السابع، وكأنه مَن يعطي الشريعة الجديدة (مر 1-2).

من خلال يسوع، حياته، كلامه وأفعاله، يظهر الله على أنه قريب من الإنسان، وخاصة الإنسان المتألم والمظلوم والخاطئ. كان اليهود ينتظرون مسيحاً يخلق المجتمع الجديد الطاهر والخالي من الخطاة، حيث يحيا الجميع كل أحكام الشريعة، فجاء يسوع ليدعو الخطاة إلى التوبة ويُرجعهم إلى مجتمعهم وينادي بالعدل والرحمة.

  • يسوع وتساؤل الناس أمام الألم:

وأمام الألم واجه يسوع تساؤل مجتمعه: لماذا الألم؟ في إنجيل يوحنا، الفصل 9، يتساءل الناس أمام إنسان أعمى منذ مولده مَن المخطئ؟ ويردّ يسوع: لا هو ولا أهله، ولكن كان ذلك لتظهر فيه أعمال الله. فيقوم يسوع بفتح أعين الأعمى في بداية المشهد الإنجيليّ (9/7)، وينفتح قلب هذا الرجل على نور الإيمان بيسوع في نهاية المشهد ويشهد أنه ابن الله (9/38). وبالنسبة إلى يسوع، لا تُهمّه معرفة سبب الألم بقدر ما تهمّه مواجهة هذه الحالة فوراً وبقوة جذرياً.

فحياة الإنسان أكرم من أي شيء في عيني الله (أش 43/4)، وفي وسط المرض أو الاحتياج أو الألم، جاء يسوع ليكشف للإنسان أن الله بجانبه، ليحرّره من كل مرض وكل فقر وكل خطيئة. مجد الله هو الإنسان الحي. وجاء يسوع ليعلن أعمال الله، ليمجّد الله. ومجد الله هو في هبة الحياة للإنسان وتجديد هذه الهبة باستمرار. وبالنسبة إلينا اليوم، فقد تستمر حياتنا في وسط بعض الآلام، إلا أنّ الألم فقد قدرته المميتة علينا، إذ اكتشفنا معنى حياتنا في الله ووضعنا ثقتنا ورجاءنا فيه.

وفي مرة أخرى، يخبر الناس يسوع عن الجليليّين الذين خلط بيلاطس دماءهم بدماء ذبائحهم فيعلن يسوع أنهم ليسوا أكبر خطيئة من أقرانهم، ويضيف أنَّهم إن لم يتوبوا فسيهلكون مثل أولئك (لو 13/1-5). لم يمت الجليليّون هكذا ميتة بسبب خطاياهم، ولكن استمرار الإنسان في الخطيئة يُدخل إلى العالم العنف والألم، ومعهما العبث واللا معنى. مات الجليليّون بقسوة وعنف، بسبب غباء شخص وتعنّته وشرّه. وشعر مواطنوهم بالخوف والاضطراب، لا من الموت في حدّ ذاته، بل أمام التساؤل عن معنى الحياة وكرامتها، عن جدواها وجمالها، عن مصدرها وغايتها.

وأمام مشهد القتل المأسويّ راودتهم أسئلة عن الله وعن محبته للبشر، عن قيمة الإنسان وعن ماهيّة الألم، ولذا جاءوا إلى يسوع ليخبروه بما حدث. ويفهم يسوع اضطرابهم ويدرك معنى حديثهم إليه: إنهم يطلبون نوراً وفهماً لأن الألم أنزل بهم ظلمة وحسرة وأغلق باب الرجاء في قلوبهم. ويقول يسوع للجليليّين إن الله ليس مصدر الشر والألم، ولكن، لمواجهتهما، على كل واحد أن يتحمّل مسؤوليته، وأول مسؤولية الإنسان عن قلبه، عن أعماله، عن مواقفه تجاه الآخرين: إذا أراد إنسان أن يواجه الألم والشر في العالم، فليبدأ بترتيب قلبه.

في نظر يسوع، قد ينتج الألم من الخطيئة ومن اختلال العلاقات بين الناس، الذي يصحبها. كلّنا يتذكّر نصّ التكوين وقصة الخلق. أصاب وقوع آدم في الخطيئة باختلال علاقته بالله وبحوّاء وبالأرض والعمل. إنكار الإنسان لله وتمحوره على ذاته يصيب علاقاته بالآخرين والعالم بالاضطراب. فالأنانية وحب الاستحواذ والرغبة في السلطة تصيب العلاقات بالخلل وتؤدي لا محالة إلى الألم، وتقود شيئاً فشيئاً إلى خلع كل معنى وطعم عن الحياة، وتُفضي نهائياً إلى الموت. تكرِّس الخطيئة العبث واللا معنى. فتفضيل الخطيئة، أي الظلمة، على النور، والكذب على الحق، والاستحواذ على العطاء، يدخل في منطق الموت والفناء.

ويسوع، في موقفه أمام الألم، يرى بوضوح ما قد يسببه: مرض، فقر، جهل، غشّ،طمع، هامشيّة، احتلال، استغلال للمنصب، خطيئة شخصية وجماعيّة. ولكنه لا يحاول أن يعطي نظرية شاملة عن أسباب الألم، وأبداً لا يبرر الألم ولا يدافع عنه. موقف يسوع هو الحضور بجانب الإنسان المتألم، أياً كان سبب الألم، ومساعدته على النهوض والشفاء، لأن الألم محطّم ومشوّه. موقف يسوع هو في تحرير الإنسان من القيود المؤلمة والمعيقة. موقف يسوع هو أساساً موقف رجاء وثقة، ففي نظر يسوع، لن يكون للألم وما يحمله من عبث وموت الكلمة الأخيرة على الإنسان/ بل محبة الله. وهذا معنى ردّ يسوع أمام الأعمى منذ ولادته «لكي تظهر فيه أعمال الله» (يو 9/3).

  • إعلان يسوع عن الله أبيه:

يثير يسوع بأعماله وأقواله ومواقفه الاضطراب في نفوس الفرّيسيّين والكتبة، فهو يهزّ صورة معيِّنة عن الله ويزعزع المجتمع القائم على السلطة الكهنوتية والدينية من خلال الطقوس والشرائع. برفض الفرّيسيّون والصدّوقيّون أن يقبلوا إعلان الله عن نفسه من خلال شخص يسوع، مفضّلين ومتمسّكين بصورتهم عن الله، ولذا نرى التآمر على إهلاك يسوع منذ البداية في الإنجيل (متّى 12/14، مر 3/6، لو 4/29).

اختيار يسوع لله وإعلانه عن محبته ورحمته يجلبان عليه الرفض والعنف، فأصبح على هامش المجتمع الديني الذي يعيش فيه. عانى يسوع من عدم الفهم وسوء النيّة، وتحمّل الرفض والتآمر. وتَوضّح له من خلال قراءته الكتاب المقدس وأحداث حياته أن طريق حياته سيؤدي به إلى الموت، لكنه ظلّ يرجو ويحب، يعطي ويبذل، يجول يشفي ويغفر ويقيم الموتى. قدّم حياته لأبيه، واثقاً بأن محبته أقوى من الموت. وهذا هو رهان يسوع: إذا أوصلته محبته للبشر إلى الصليب، فمحبة أبيه أقوى من خطيئة الإنسان وعنفه وستخرج منتصرة (متّى 16/21، مر 8/31، لو 9/22). وهذا هو معنى عبارة «يقوم بعد ثلاث أيّام»، إنها تعبير عن إيمان يسوع ورجائه وثقته بأبيه.

  • من أين لك هذا السلطان؟

وإذا كان يسوع قد سلّم حياته لله، ووجّهها إلى محبة إخوته البشر، من خلال كلماته وأفعاله الشافية والمحرّرة، فالسؤال الأساسي الذي يُطرح عليه: من أين لك هذا السلطان؟ (متّى 21/23، مر 11/28، لو 20/2)، بأيّ سلطان تشفي وتحرّر، تغفر وتقيم الموتى. لن يجاوب يسوع على السؤال، لأن الإجابة ليست في فحواها اللفظيّ، بل في الفهم لحياته وكلماته وأفعاله، في عطائه واختياراته الحرّة. ويصل العطاء الحرّ والكامل إلى قمّته على الصليب. تُعطى الإجابة لمَن يدخل في الفهم الداخلي والعميق لحياة يسوع. محور السؤال هو التالي: هل هذا السلطان منك أم يعلن سلطان الله. لا يردّ يسوع ولا يعطي جواباً، سوى جسد ابنه المعلّق على الصليب عرياناً ومزدرّي. يسوع هو كلمة الله الذي صار جسداً، هو كلمة الله الأولى والأخيرة والنهائية، مَن أراد أن يعرف الله فليسمع ويشاهد ويفهم هذه الكلمة، يسوع الناصري ابن الله.

 

  • طريق الآلام:

 في طريق الآلام الذي يسير فيه يسوع، لا نجد إطلاقاً أيّ بحث عن الآلام، أو دفاعاً عنها، أو تواطؤاً معها، أو تبريراً لها. ولا يمكننا أن ننسى أن يسوع تعرّض للآلام ولم يجلبها أو يطلبها. في بستان الزيتون نسمعه يطلب من أبيه أن يُبعد عنه الكأس: كأس الألم والموت، وبكلّ حرّية ومحبة يقبل أن يقدّم ذاته لأبيه وللبشر. طريق يسوع نحو أبيه هو طريق ابن البشر، طريق كل إنسان، وهذا الطريق يمرّ بالألم والموت. وأراد يسوع بمحبته وبكلّ حريته أن يذهب مع الإنسان إلى نهاية الطريق، ليعلن أن محبة الله أقوى وأقدر من كل خطيئة وعنف، ومن كل ألم وموت.

  • … وأسلم الروح:

على الصليب تظهر المحبة التي تربط يسوع بأبيه في الروح، وهذا ما يخلّص العالم: يسلم يسوع حياته، مصيره ومستقبله بين يديّ الآب، والآب يُسلم نفسه في شخص الابن، فكلمته هي هذا الجسد الممزّق المصلوب. الابن يُسلم الروح للآب، والآب يهب الروح للابن ويقيمه من بين الأموات ليحيا للأبد. يسوع يُسلم الروح على الصليب (متى 27/50، مر 15/37، لو 23/46، يو 19/30)، هذا الروح هو روح البنوة الحقيقية التي تخلق الكنيسة، – جسد المسيح القائم من بين الأموات -، والممثّلة في شخصَي مريم والتلميذ الحبيب الواقفين عند قدم الصليب.

هو الروح مَن يهب لكل إنسان القدرة – أي الإيمان والرجاء والمحبة – على اتّخاذ الطريق الذي اختاره يسوع: طريق الإيمان الجذريّ والرجاء الكامل والمحبة الملتهبة للآب وللبشر. وهذا هو ما يخلّص العالم. فليست الآلام التي تخلّص، بل المحبة والإيمان والرجاء التي عاش بها يسوع هذه الخبرة المؤلمة. ينزع الألم الإيمان والرجاء والمحبة من قلب الإنسان، وظلّ يسوع، بالرغم من الألم مؤمناً وراجياً ومحبّاً بفضل الروح.

الألم لا يخلّص، بل المحبة، الأم لا يعطي الحياة، بل الروح. وعندما نقول إن يسوع خلّصنا بآلامه، فنحن نريد أن نقول إن يسوع خلّصنا بالمحبة التي أظهرها في وسط آلامه المشوّهة والمدمرة. وبالرغم منها، نريد أن نقول إنه غلب قوى الموت والألم بإيمانه وبمحبته لأبيه وللبشر، نريد أن نقول إن العبث واللا معنى لم يغلبا يسوع، نريد أن نقول إن الحياة ظهرت في وسط الفناء الذي يحمله الألم، نريد أن نقول إن روح الله، روح الحياة، أقوى وأكبر من الموت والألم اللذين تجلبهما خطيئة الإنسان وعنفه وكذبه، فأين يا موت نصرك؟ وأين يا موت شوكتك؟… فالشكر لله الذي أتانا النصر عن يد ربنا يسوع المسيح (1 قور 15/55، 57). ونحن، عندما نقول: يا يسوع، أقدّم لك آلامي، نريد أن نقول: يا يسوع، إنّي أحبك وأثق بك، وأحب إخوتي، بالرغم من آلامي التي تريد أن تغلق قلبي وتخلع عنّي كل أمل وكل رجاء وكل محبة.

 

  • النشيد الرابع للعبد المتألم:

نحاول بوجه آخر أن نفهم موقف يسوع من الآلام من خلال قراءة النشيد الرابع للعبد المتألم: أش52/13- 53/12. وكلّنا يعرف كم أثّر هذا النشيد في الفكر والروحانية المسيحية، وتأثر به بلا أدنى شك كتاب العهد الجديد.

  • الإعلان عن انتصار العبد المتألم:

يبدأ النشيد بصوت الله الذي يتحدث عن عبده الذي يوفّق ويتعالى ويرتفع ويتسامى جدا: نسمع إعلاناً عن انتصار عبدٍ شُوّهت إنسانيته من جرّاء الآلام: «كما أن كثيرين ذُعروا في شأنك، هكذا لم يعد منظره منظر إنسان، وصورته صورة بني آدم» (52/14). كيف ينتصر ذاك الذي يثير الذعر من منظره؟ كيف ينتصر ذاك الذي لم يعد منظره إنسان؟ كيف ينتصر مَن دُمّر تحت الآلام؟

  • الإنسان الذي شوّهته الآلام:

ثم نسمع جماعة تتحدث: «مَن الذي آمن بما سمع منّا ولمَن كُشفت ذراع الرب؟» (53/1).

في النشيد الرابع لا يتحدث العبد أبداً ولا نسمع صوته، نسمع أولاً إعلاناً من الله بانتصار عبده، ثم ثانياً اعتراف جماعة تؤمن وتعلن أن ذراع الرب كُشفت فيه. فماذا حدث؟ وكيف حدث هذا؟

«فحسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلّلاً» (53/4ب)، تقول الجماعة، لماذا؟ «فإنه نبت كفرع أمامه وكأصل من أرض قاحلة، لا صورة له ولا بهاء، ننظر إليه ولا منظر فنشتهيه، مزدرّي ومتروك من الناس، رجل أوجاع وعارف بالألم، ومثل مَن يُستر الوجه عنه، مزدرى فلم نعبأ به» (53/2-3).

يعرض هذا النص وصفاً دقيقاً لآثار الألم في الإنسان، فهي تشويه وتحطيم، وهي تدمير وفناء، وهي قوة انغلاق وانعزال. الألم عدو الإنسان، يخلع عن الإنسان إنسانيته.

لماذا يحدث كل هذا لذلك الإنسان؟ في اعتقاد مَن يتحدّثون، بالتأكيد هو متروك من الله ومذلّل، بالتأكيد هو مصاب من الله،فيحمل في جسده عقاب ما اقترفت يداه.

  • اعتراف الجماعة بكذبها:

ولكن أمام هذا المنظر الصامت، المرعب والبشع والمخيف، تكتشف الجماعة كذبها ونفاقها فتقول: «فحسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلّلاً». تكتشف الجماعة الحقيقة في وجه مَن لا صورة له ولا بهاء: إنه ليس مصاباً أو مضروباً من الله، لكنه يحمل على وجهه وجسده وحياته آلام الجماعة وأوجاعها: «لقد حمل هو آلامنا واحتمل معاصينا، فحسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلّلاً. طُعن بسبب معاصينا وسُحق بسبب آثامنا. نزل به العقاب من أجل سلامنا وبجرحه شُفينا» (53/4-5).

تعترف الجماعة بأن آثامها ومعاصيها أدّت بالعبد الصامت إلى الآلام، إلى تشويه صورته وتحطيم جسده وحياته. على وجه العبد المتألم، يكتشف الإنسان فرداً وجماعة قبح الخطيئة، وقبح الكذب والأنانية والعنف والبغض. أمام العبد المتألم، نكتشف إلى أيّ مدة تشوّه الخطيئة الشخصية والجماعية الإنسان وتقتله، وإلى أيّ مدى تؤدّي الخطيئة إلى تحطيم الحياة وهدم الخلق وتنزع عن الإنسان إنسانيته.

 

  • طريق الحياة وانتصار العبد:

تدخل الجماعة في طريق الحياة، في طريق التوبة، معترفة بكذبها وخطيئتها: «كلنا ضللنا كالغنم، كل واحد مال إلى طريقه، فألقى الرب عليه إثم كلنا. عومل بقسوة فتواضع ولم يفتح فاه كحمل سيق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام الذين يجزونه ولم يفتح فاه» (53/6-7). الجرح الذي يسبّبه الإنسان الخاطئ لله هو في الحقيقة جرح لإنسانيته. بالخطيئة يصبح الإنسان لا صورة له ولا بهاء.

كيف يتحقق انتصار العبد، توفيقه، تعاليه وارتفاعه، وتساميه جداً؟ يتحقق ذلك من خلال النور الذي يخرج من جسده الممزّق ليفيق الإنسان من كذبه وعماه. «مع أنه لم يصنع عنفاً ولم يوجد في فمه مكر… بسبب عناء نفسه يرى النور ويشبع بعلمه، يبرّر عبدي الكثيرين وهو يحتمل آثامهم» (53/9ب، 11).

انتصار العبد وتوفيقه هما في اعتراف الإنسان بحرّيّة أمام العبد المتألم والصامت: أحبّني حتى إنه قبل هذا التشويه والتحقير من أجلي، أنا الخاطئ. فالعبد يهب نفسه واثقاً من أن الآلام المشوّهة لن تكون الكلمة الأخيرة في حياته، بل النور الذي يجعله الله له. والعبد يهب نفسه واثقاً من قدرة مَن ينظرون إليه، البشر الخطأة، على الخروج من كذبهم واعترافهم بمحبته الفيّاضة والفائقة لهم. ولذا لا ينطق العبد بكلمة، لكنه ينتظر برجاء وثقة اعتراف الجماعة المؤمنة: «نزل به العقاب من أجل سلامنا وبجرحه شفينا». يراهن الله على عبده، والعبد يراهن بحياته على الخطأة. وتوفيق العبد وتساميه هما في اعتراف الإنسان بحرّيّة بأن المحبة، محبة الله وعبده، تبادر بالعطاء وتهب بلا حدّ ولا قياس. ارتفاع العبد وتعاليه هما في تحمّله الآلام والعنف حتى يخلص مَن يحب من وطأة الظلام والكذب والخطيئة.

انتصار العبد هو إعلان الجماعة عن إيمانها بأن حب الله الذي ظهر على وجه العبد وجسده أكبر وأعظم من خطيئتها. انتصار العبد هو تحوّل الجماعة الحر من الكذب والخطيئة إلى الحق والنعمة. انتصار العبد هو في الاعتراف بنعمته الفيّاضة والمُحيية، ومبادلته الحب بالحب، والعطاء بالعطاء. انتصار العبد هو في إعلان الجماعة أن العبد خلّصها من الخطيئة بمعنى أن ليس لها الكلمة الأخيرة على حياتها، فكما آمن العبد بأن قدرة الله ومحبته أقوى من الموت، كذلك آمنت الجماعة بأن الله هكذا أحبّها حتى إنه غلب الخطيئة بتحمله إياها في شخص العبد.

انتصار العبد هو في إعلان الجماعة أن محبة الله أقوى وأكبر من الخطيئة، وأنه بجرح العبد المتألم دخلت إلى النور والحق والحياة. أمام العبد تكتشف الجماعة في الوقت نفسه كذبها وخطيئتها، ومحبة الله أقوى منهما، تكتشف الظلمة في داخلها والنور الذي يفوق الظلمة، تكتشف قبح فعلها ومحبة الله التي تقبل أن تحمل هذا القبح على وجه العبد الصامت.

انتصار العبد المتألم هو في دخول كل إنسان إلى حياة الحق والعدل والمحبة. العبد المتألم لا يتكلم ولا ينطق، لكن صارت حياته كلها كلمة محبة ورجاء، صارت حياته كلها كلمة مصالحة وشفاء. ومَن يعلن انتصار العبد الصامت؟ هم الذين تحرّروا من خطيئتهم، هم الذين تحرّروا من الكذب والظلمة، هم الذين يعلنون أن محبة الله هي الكلمة الأولى والأخيرة على حياة الإنسان.

 

  • من جسد المصلوب خرجت الحياة:

يعود بنا هذا الالتفاف حول نص أشعيا إلى الصليب، لنزداد تعمّقاً في معنى غلبة يسوع على الموت والآلام. كما ذكرنا سلفاً، يلفظ يسوع الروح على الصليب الذي يمنح الإيمان: «كان هذا الرجل ابن الله حقاً» (متى 27/54، مر 15/39، لو 23/47)، يعلن قائد المائة إيمانه بالله أمام هذا الرجل يسوع الناصري المصلوب الذي يلفظ الروح. كلمة الله للبشر حتى نهاية الأزمنة هي جسد هذا الإنسان المعلّق على الصليب. في المسيح يجد كل إنسان طريقه إلى النور والحياة، لأنه في جسده أبطل الضغينة وغلب الموت (راجع أف 2/14-18، قو 2/13-14).

وفي إنجيل يوحنا يموت الناصري ليقوم حياً في جسده الكنيسة الممثّلة في شخصَي مريم ويوحنا الواقفين عند قدم الصليب. وفي ليلة الأحد، أحد القيامة، ينفخ يسوع روحه على التلاميذ ويرسلهم ليغفروا الخطايا، بمعنى أن يحرّروا ويشفوا ويحلّوا القيود والأغلال، وأن يقاوموا كل ألم وكل ظلم. تلك الرسالة التي بدأوها في حياة يسوع (متى 10/5-8، مر 6/7-13، لو 19/1-6)، تصبح من هذه اللحظة كل حياتهم وأساس عملهم ونشاطهم. فنراهم يشفون المرضى (رسل 3/1-8)، ويقيمون الموتى (رسل 9/37-40)، ويبشّرون بالمصالحة وغفران الخطايا (1 قور 1/22-24، 2 قور 5/11-21).

رسالة التلاميذ هي إتمام رسالة المعلّم: إعلان الله القريب من كل إنسان متألم، مظلوم، فقير، خاطئ. رسالة التلاميذ هي شهادة ليسوع المصلوب القائم من بين الأموات بمعنى أنها شهادة لمحبة الله القادرة على غلبة الخطيئة والعنف والكذب والموت. رسالة التلاميذ هي شهادة لروح الرب الذي يحيي الأموات، الذي يخلق من جديد، الذي يغفر الخطايا، الذي يفتح طريق الحياة في قلوب المتألمين والمحزونين.

رسالة الكنيسة لم تكن ولن تكون في الدفاع عن الآلام، أو في تبرير كل ما يحطّ ويقيّد الإنسان، بل كانت وستظلّ رسالة رجاء، شفاء، تحرير. هي رسالة قيامة: «فإذا كنّا متنا مع المسيح، فإنّنا نؤمن بأنّنا سنحيا معه» (روم 6/8). هذه هي رسالة الإنجيل، وهذه هي البشارة.

رسالة الكنيسة هي الإعلان أن هناك مستقبلاً لمَن هوى في الآلام أصبح بلا أمل ولا رجاء. رسالة الكنيسة هي في اتّخاذ كل الوسائل لتخفيف عن آلام الناس بكافّة أنواعها وأشكالها ومهما كانت أسبابها. رسالة الكنيسة هي رسالة يسوع المسيح: في وسط الآلام والمحنة يفتح الله طريقاً لكل إنسان، يعد بمستقبل، يقيم من الموت، كما أقام ابنه الوحيد سيداً وربّاً في السماوات وعلى الأرض للأبد.

الألم، هل من معنى؟

أنوار على الطريق

يمرّ طريق حياتنا بالآلام، آلام حياتنا الشخصية وآلام مَن نقابلهم على طريقنا. ولنا ولهم لا وجود لوصفة سحرية للتخلّص من تلك الآلام أو الإجابة على التساؤلات والهواجس التي تثيرها في نفوسنا وقلوبنا.

تشوّه الآلام إنسانيتنا وتحطّم حياتنا. هي قوى عبث ولا معنى تتسلّل إلى قلوبنا، تملأنا باليأس والخوف، وتُذيقنا طعم الفناء والموت.

لكن هل من سبيل للوصول إلى معنى عبر الآلام وبالرغم عنها؟ سنحاول تلمّس طريقنا، مع الاعتراف مبدئياً بالتقدير لكل مَن وقع تحت الآلام ولم يستطع الوقوف أو الوصول إلى معنى لحياته المحطّمة من جرّاء الظلم والعنف والألم. نسعى لاكتشاف أنوار على طريق الخروج من الألم، ونحاول إعطاء معنى للحياة بعد أن أصابها الألم. ونكتشف أن الخطوات البسيطة للخروج من الألم والتفوق عليه هي ما تعطي معنى للحياة عبر طريق الألم وبالرغم منه. ولا يتم الخلاص من الألم في لحظة، لأن الشفاء منه مسيرة نهوض مستمر ورجاء متجدّد، ولأن مقاومة سطوته فينا وفي الآخرين يستغرق حياتنا كلها.

  • التعبير عن الألم:

تثير الآلام الثورة والرفض: «إلامَ يا رب؟…» (مز 89/47)، أو، كما يقول إرميا «لماذا صار ألمي دائماً وضربتي معضلة تأبى الشفاء؟ إنك صرت لي كينبوع كاذب، كمياه لا يعتمد عليها» (15/18). وبعد الثورة عليه، يأتي الخوف من أن يعود مرة أخرى بعد أن يذهب. ولذا فلا بدّ من تعلّم التعبير عن الثورة والغضب والخوف أمام الألم، وذل ليس سهلاً دائماً، بسبب الخجل أو اليأس من أنفسنا أو من الآخرين. ولكن التعبير عن الذات هو أول الخلاص، ويعني أنّنا نثق بالآخر بالرغم من كل شيء. وتعرض لنا المزامير درساً رائعاً في هذا الشأن: «اللهم خلّصني فإن المياه قد بلغت حلقي… زاد عدد شعر رأسي عدد الذين بلا سبب أبغضوني… اللهم أنت عالم بحماقتي ولم تخفَ عنك آثامي… إني بائس ومتوجّع، فليحمني خلاصك يا الله… لأن الرب للمساكين يستمع وأسراه لم يزدرِ» (69/1، 5أ، 6، 30، 34).

ومريم، أخت لعازر، انغلقت في حزنها على أخيها الذي مات، وفي غضبها على يسوع لأنه تأخر في المجيء ليشفي أخاها. ولم يُنقذها من انغلاقها سوى نداء أختها، مرتا: «المعلم ههنا وهو يدعوك» (يو 11/28). وبدأت مريم مسيرة الخروج من ألمها بالتعبير ليسوع عن مدى حسرتها على موت أخيها وعن خيبة أملها في يسوع نفسه: «يا رب، لو كنت ههنا لما مات أخي» (يو 11/32). وتستمر المسيرة بالمضيّ نحو القبر حيث أنتن الميت. فتظهر الحياة في مواجهة الموت، ويتم شفاء القلب في التصدّي للشك والتردّد. وهنا يطلب يسوع إلى مريم ومرتا إيماناً به وبمحبته للعازر أقوى وأكبر من الموت: «فقال يسوع: «ارفعوا الحجر». قالت مرتا، أخت الميت: «يا رب، لقد أنتن، فهذا يومه الرابع». قال لها يسوع: «ألَم أقل لك إنك إن آمنت ترين مجد الله؟»… قال هذا ثمّ صاح بأعلى صوته: «يا لعازر، هلمّ فاخرج». فخرج الميت…» (يو 11/39-40، 43).

تبدأ المعجزة في قلب الأختَين، مرتا ومريم، حين يخرجان من صمتهما، ويعبرّان عن ألمهما، ويجدّدان إيمانهما بيسوع في وسط الموت وبالرغم من الألم، وتنتهي المعجزة بخروج لعازر من القبر. وإن لم تكن المعجزة الأولى قد تمّت في القلب، لما كان بالإمكان الوصول إلى الثانية. إن الله يغيّر القلوب ويفتح فيها طرق حياة في وسك الألم والموت. وهذه هي المعجزة اليومية التي تحدث لكل واحد منّا. ربّما لا تتغير الظروف الخارجية الصعبة، وربّما لا تتحوّل المضايق الداخلية المجرّحة، ولكن القلب يتغيّر دائماً بنعمة الله وتنفتح داخله آفاق صبر وتحمّل وأمل، لمَن يضعون ثقتهم بالرب.

  • طرق مسدودة وآفاق جديدة:

وينقذنا الكلام من الانغلاق في المرارة والعدوانيّة، المرارة والعدوانيّة على أنفسنا وعلى الآخرين: «أنا السبب، أستحقّ كل ما يجري لي»، «هو السبب وراء مشاكلي كلها»،… فعندما نتحدّث، نكتشف الأشياء بموضوعية أكبر، تلغي التضخّم الذي يُحدثه الألم في تأنيب الذات وفي اتّهام الآخر.

ويساعدنا الكلام عندما نمرّ بالآلام على التعرّف إلى ردود فعلنا التي يشوبها أحياناً الرجوع إلى الوراء، أي التصرّف بشكل طفوليّ أو مراهق: أنانية، طلب إشباع سريع للرغبات، علاقات انصهاريّة مع الآخرين، ردود فعل سريعة غير متعقّلة، عدم تحمّل النقص المادّيّ والعاطفيّ والروحيّ،… فعلى سبيل المثال، يبدأ بعض الأشخاص في الحديث عن أنفسهم بلا انقطاع كالأطفال، كأنهم أصبحوا مركز الكون، ويطلبون من الآخرين أن يتحولوا إلى خدم لهم. ويتراجع بعضهم إلى الخلف، محاولين، بحثاً عن التعزية، تلبية احتياجات «فميّة» كالأكل بشراهة، أو شرب الكحوليات من دون أدنى تعقل، أو التدخين بجنون، …. ويحاول آخرون نسيان ذواتهم في الغرق في العمل، في الاستغراق في مشاهدة التليفزيون ساعات طويلة، أو في البحث عن إشباع ملذّات جنسية بوجه أناني وغير بناء للشخص وللآخرين.

ويقع بعضهم فريسة للغيرة وللحسد، وللغضب والعصبية. ويرتبط بعضهم الآخر بأشخاص معيَّنين بوجه يحيطه اللبس والإبهام. ففي كل هذه الأحوال، يسمح الكلام للمتألم بالدخول في علاقة سويّة مع مَن حوله، يمكنهم من توجيه نظره إلى بعض ردود أفعاله الزائدة عن الحدّ، أو تلك التي يشوبها مظاهر الطفولة أو المراهقة.

ويلجأ بعض الناس إلى الصلاة بوجه يعني رفض مواجهة الواقع المؤلم (مرض، حادث، فشل أو رسوب، موت،…)، ومحاولة اقتلاع هذا الواقع كأنّ ما حدث لم يحدث قطّ، وكأنّ الزمن قد أُلغي. فيطلبون الشفاء السريع من مرض خطير، أو ينغلقون في مخيّلتهم مع ذكريات وصور مَن رحل عنهم، أو يرفضون قبول فشل ما بالغرق في الحزن والبكاء، وغير ذلك من الأمثلة التي نعرفها. ونحن نعلم أن قوة الصلاة تكمن في الانفتاح على المستقبل وانتظار نعمة الله التي تنتصر على الموت ولكنها لا تُعفي المؤمن من المرور به.

فيسوع في بستان الزيتون كان يطلب من أبيه إبعاد الكأس عنه، إلا أنه عبَّر عن ثقته العميقة بالله وعن تسليم حياته ومصيره ومستقبله بين يديّ الآب. وعلى الصليب لم يردّ الله على طلب الناظرين الذين تهكّموا على يسوع وطلبوا من الله أن ينزل ليُنقذه من الصليب: «خلَّص غيره، ولا يقدر أن يخلّص نفسه. هو ملك إسرائيل، فلينزل الآن عن الصليب. اتَّكل على الله، فليُنقذه الآن، إن كان راضياً عنه، فقد قال: أنا ابن الله» (متّى 27/42-43). كان طلبهم يعني أنه، إن كان الله معه، فليلغِ الصليب والألم والموت، في حين كانت صلاة يسوع تسليم لحياته ومصيره بين يديّ الآب بكلّ إيمان وثقة في الله القادر أن يقيمه من الموت: «يا أبت، في يديك أجعل روحي» (لو 23/46).

في طريق البحث عن معنى لحياتنا المهتزّة تحت وطأة الألم، قد تساعدنا الذاكرة مساعدة كبيرة. فتتذكر ما صنعه الرب في الماضي، كيف وكم خلّصنا؟ وهذا هو ملخّص صلاة المزامير: أنت، يا رب، من خلّص آبائي، ستخلّصني أنا أيضاً، أنت، يا الله، مَن كان معي منذ بداية حياتي، لن تتركني اليوم في ألمي، كما خلّصتني في السابق ستخلّصني مرة أخرى، ما أكثر وأعظم مراحمك يا رب.

وقد تعطينا العودة بالذاكرة إلى الماضي رجاءاّ ينير ما نعيشه اليوم وفهماً يُوضّح لنا ردود أفعالنا وكيفية مواجهتنا للظروف المؤلمة. فمن المهمّ أن تُذكر طريقة معالجتنا السابقة لخبرة الألم وكيف واجهناها وكيف تغلّبنا عليها، فنتجنّب الطرق المسدودة التي تُغرقنا في الحزن والألم، ونتمسّك بكلّ قوة بالوسائل التي تساعدنا على تخطّي الفترات الصعبة. فعلى سبيل المثال، قد نكتشف أن الأكل بشراهة لم يُفد، أو أن إغلاق الغرفة على أنفسنا لم ينفع، في حين شعرنا بجدوى الحديث إلى شخص حولنا، أو أحسسنا بأهمية عدم الانقطاع عن نشاطنا وعملنا.

للخروج من الألم، قد يكون السبيل إذاً في الذاكرة التي تتذكّر أعمال الله في الماضي، وفي الإرادة التي تنتبه لما يحدث لها اليوم من نِعَم، فتدفع الإنسان إلى انتظار الله بملء الثقة والرجاء فيه. وقد تفتح لنا هذه الخطوات الصغيرة آفاق نضج متجدّد لشخصيّتنا، واكتشاف أكبر وأعمق لقدرات وأبعاد مجهولة في حياتنا. كم من مرة بعد عبورنا تحدٍّ معنويّ أو ماديّ (سير على الأقدام لمدّة طويلة، مواجهة دروس صعبة، تخطّي تحديات كبيرة في العمل، …)، نقول لأنفسنا: «لم أتصوّر قطّ أنّي قادر على فعل ذلك».

إذاً قد يكون العبور بالألم فترة نتعرّف فيها إلى ما لم ينضج بعد في أنفسنا، ما بقي فينا من طفوليّ أو مراهق. فقد يساعدنا العبور بالألم على التعرّف إلى ما يعوق نموّنا ونضجنا وإيماننا، وعلى ما يمنعنا من الحياة من أجل الآخرين. لا تساعد الآلام في حدّ ذاتها على النموّ، لكن ما يساعدنا هو اكتشافنا ذواتنا وطريقة حياتنا وتفاعلنا مع الناس والأحداث من خلال خبرة الألم.

  • القلب المنتبه:

ولعبور فترات الألم، يجب علينا أن ننتبه إلى الأمور الصغيرة التي تعطينا تعزية وسلاماً، وأن ننتبه إلى الأضواء الخافتة التي تبدأ بالظهور في ظلمة حياتنا. فالسبيل الغامر يبدأ بقطرات ضعيفة، والنور يبدأ في الظهور في قلبنا عبر مكالمة تليفونية من صديق يواسي، من خلال مرح طفل صغير في العائلة، من خلال انتباه بسيط إلى مشكلة إنسان غيرنا، من خلال كلمة سمعناها من شخص تقيّ أو قرأناها في كتاب صلاة، …. فنتمسّك بهذه الأنوار ونسير وراءها إلى الأمام بكل قوة، لأنها ستزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، وستترسّخ فينا حتى تصبح يقيناً.

ويجب علينا أيضاً أن ننتبه إلى التواطؤ الخفيّ مع الألم، عندما نحتقر علامات التعزية الصغيرة ونتجاهل الأضواء الخافتة المنيرة في قلبنا، أو عندما نفضّل البقاء في الألم لأنه يجلب لنا بعض الفوائد غير المتوقّعة كالتفاف الناس حولنا وإشفاقهم علينا، أو عندما لا نجرؤ على الرجاء في الحياة مرة أخرى، فلا نقاوم الحزن ولا نعالج المعوقات، بل نستسلم لها.

  • التضامن مع الآخرين:

اكتشف أيوب أن طريق الخروج من آلامه يمرّ بالانتباه إلى الآخرين، إلى المظلومين والمتألمين، وبالبحث عن العدالة وبالعمل على تحقيقها. وفي الإنجيل يطلب يسوع من تلاميذه الجائعين والتعبين إطعام الجموع الجائعة، فيُشبع الكل ويُفيض الخبز (مر 6/30-44). وبعد القيامة يظهر يسوع لتلاميذه الخائفين، ويريهم جروحه معطياً السلام لهم ونافخاً الروح فيهم، فينطلقون لتحرير كل الخائفين والمقيَّدين (يو 20/19-23). شبع التلاميذ عندما تخطّوا ألم جوعهم وتفوّقوا على تشكّكهم، فشاركوا الجموع بالأرغفة والسمكات القليلات، بناء على طلب يسوع وببركته. وانطلق التلاميذ يُعلنون البشارة بغفران الخطايا بعدما رأوا الرب وفرحوا لأنه قد انتصر على الجروح التي سبَّبوها له بخطيئتهم وخوفهم وهربهم.

في الإنجيل، نرى الجوعان يُطعم الجائعين، والخاطئ يبشّر بغفران الخطايا. يمرّ طريق الحياة ببذلها في سبيل الآخرين، ويشعّ النور في قلوبنا حين نقاوم الظلام في قلوب الآخرين. لذا، عندما يطبّق علينا الألم، فلا نتراخى عن نجدة مَن يستغيث بنا أو يطلب مساعدتنا وصداقتنا. فهذا هو طريق خلاصنا وخلاصهم. فعلى سبيل المثال، قد تجد الجَدّة الأرملة شعاعاً من نور في مساعدة حفيدها على عمل واجبه المدرسيّ، وقد يتفوّق مريض على جزء من اكتئابه عندما يستمع إلى جاره المريض في غرفة المستشفى، وقد يجد الكاهن الذي يمر بجفاف روحيّ شيئاً من التعزية في إرشاده الروحيّ لأشخاص يشعرون المشاعر نفسها. يشعّ النور عندما نواجه قوى الظلام من شك وحزن وتردّد، فينا وفي الآخرين. تظهر الحياة في واقعنا وتاريخنا عندما نقاوم الجوع والخطيئة فينا وفي الآخرين.

وكذلك نرى بذل الذات في سبيل الآخرين في حب الأم لأولادها، وفي تعب المدرس من أجل تلاميذه، وفي سهر الطبيب على مرضاه. ولا يبحث هؤلاء عن التعب ولا عن الألم، ولكن التضحية بالذات في سبيل مَن نحب هي بمثابة ولادة جديدة لا تخلو من التعب والألم، ولادة تجد معناها في المحبة وفي عطاء الحياة، ولادة تبعث الفرح والرجاء وتنسى الضيق لأنه قد «وُلد إنسان في العالم» (يو 16/21). ومن هذا المنطلق بوسعنا أن نفهم كلمات بولس الرسول: «يسرّني الآن ما أعاني لأجلكمفأُتمّ في جسدي ما نقص من شدائد المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة…» (قو 1/24، 29). لا يرغب الرسول في الآلام ولا يبحث عنها، ولكنه يتحمّلها محبة للآخرين ليلدهم في المسيح.

  • المساندة الروحية وخبرة القيامة:

في طريق البحث عن معنى للألم، بكون حضور الآخرين بجانب الإنسان المتألم هاماً وضرورياً (وجد أيوب في شخص أليهو مَن ساعده على تعميق وجهة نظره وعلى الانفتاح على معنى جديد لحياته؛ استنجدت مرتا ومريم بيسوع لمساندتهما في مرض أخيهما، وجاء يسوع ليقف بجانبهما؛ طلب يسوع من تلاميذه الحضور بجانبه في بستان الزيتون؛…). الحياة والرجاء مُعدِيان، ينتقلان من شخص إلى شخص، وهما دائماً هبة من شخص لشخص آخر. وإذا كنّا أحياء اليوم، فيعود الفضل إلى أشخاص عديدين ساعدونا بحضورهم وبمثالهم، ساعدونا بكلماتهم وبوقوفهم إلى جانبنا في مواجهة الألم، أيّاً كان نوعه وسببه.

وإذا كنّا نؤمن اليوم، فيرجع الفضل إلى ما أعطانا الآخرون من إيمانهم، ومن رجائهم، ومن محبتهم وسط المضايق والآلام. وإذا كنّا نحيا اليوم، فيرجع الفضل إلى الأشخاص الذين قابلناهم في حياتنا ولم يُخفوا آلامهم وضعفهم وجرحهم، بل كشفوا لنا طريق الفصح الذي عبروه.

خبرة القيامة هي إعلان: يظهر يسوع لتلاميذه ويُريهم جروحه، إنها لم تَختَفِ، لكنها صارت علامة الانتصار على الألم والموت، وأصبحت إعلان عن الفرح الذي يهبه القائم من بين الأموات. يخلّص يسوع تلاميذَي عمّاوس من الحزن واليأس، فيجريان في وسط الليل إلى التلاميذ في أورشليم ليعلنوا أن المصلوب قام من بين الأموات وقد تعرّفوا إليه عند كسر الخبز. من إعلان لإعلان، تنتشر بشرى القيامة: يسوع الناصريّ، المصلوب، هو حيّ.

  • من أنا؟

وهكذا قد تساعدنا الآلام على اكتشاف حقيقة حياتنا، وهذا ما يسمّى التواضع. فلا يعني التواضع الانحطاط، بل تقبُّل حقيقة حياتنا وعلاقتنا بالله والآخرين كما هي. مع الألم، تسقط صورنا عن أنفسنا: صورة الصحة التي لا تعرف المرض، القوة الداخلية التي لا تعرف الاضطراب، الغنى المعنويّ أو الماديّ الذي لا ينضب ولا يتغيّر، التعزية الروحية التي لا تفهم معنى الجفاف،…. عندئذ قد ينفتح أمامنا طريق جديد نكتشف من خلاله ذواتنا مختلفين عمّا كنّا نعرف أو نتصوّر عن أنفسنا، نكتشف أنفسنا كأشخاص أكثر حساسية، أكثر شفافية، أكثر تحمّلاً وصبراً، كأشخاص أكبر قدرة على فهم الآخرين والتضامن معهم، وأعمق إيماناً بالله وثقة به.

وإذا أتت الظروف المؤلمة على ما كنّا نمتلك ونحيا من جميل وحلو ومهم، فقد نكتشف، عبر خبرة الألم، حقيقة أنفسنا كإنسان يحيا بواسطة الآخرين ومن أجلهم، إنسان يحيا بنعمة الله ومن أجله. وهذا ما يعبّر عنه بولس حين يقول عن كيانه الجديد في المسيح: «… فإنّي بالأحرى أفتخر راضياً بحالات ضعفي لتحلّ بي قدرة المسيح. ولذلك فإنّي راضٍ بحالات الضعف والإهانات والشدائد والاضطهادات والمضايق في سبيل المسيح، لأني عندما أكون ضعيفاً أكون قويًّا» (2 قور 12/10). لا يبحث الرسول عن الشدائد ولا يبغي المضايق، ولكن عندما تحلّ به الإهانات ويلقى الاضطهادات ويشعر الضعف، يكتشف نفسه محمولاً بقوة محبة المسيح له.

وهكذا قد نكتشف أن قيمة حياتنا لا تعتمد على ما نحن عليه أو نملكه، بل على كون كل واحد فينا مهماًّ وثميناً في نظر الآخرين وفي نظر الله. وهكذا قد تعبر بنا الآلام إلى اختبار حرّية متجدّدة، هي حرّية القلب الذي يسكن في الله ويسكن الله فيه.

نافذة

تحمُّل الآلام طريق صعب وثقيل، ومواجهة الآلام كفاح طويل ومرير، والنصر ليس بديهياًّ أو واضحاً. ولكن إيماننا يعلن أنه ليس للموت والآلام الكلمة الأخيرة في حياة الإنسان، وإيماننا يدفعنا دفعاً لاتّخاذ موقف إيجابيّ للتخفيف من الألم، بل إلى نزعة من حياة البشر، وإيماننا يدعونا بكل قوة إلى التضامن الفعليّ مع كل المتألمين والمظلومين. الآلام هي قوة انغلاق وتحطيم، ونغلبها بالخروج من ذواتنا للدفاع عن كل المتألمين، وقد كان هذا طريق الأنبياء وأيوب ويسوع. تدفعنا الآلام دفعاً لمقاومتها، لإزالتها بكل ما أوتينا من قوة ومقدرة ووسائل.

لماذا الألم؟ لماذا أنا؟ لا توجد لدينا إجابات شافية أو كاملة عن هذه الأسئلة، ولكن نحن واثقون بأننا للحياة والفرح، ونحن واثقون بغلبة يسوع المسيح على الألم والخطيئة والموت.

في وسط العالم نحن شهود على القيامة، نحن فعلة للعدالة، نحن مقاومو الألم، الظلم، المرض والحزن.

في وسط العالم، حياتنا هي إيمان بيسوع القائم من بين الأموات، وإذا جرّدتنا الآلام من كل شيء، فنحن نعلم أنّنا نستمدّ حياتنا من الله وقيمتها الوحيدة هي أن نكون فيه: «فمَن يفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدّة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عريٌ أم خطر أم سيف؟… ولكننا في ذلك كله فزنا فوزاً مبيناً بالذي أحبّنا وأنّي واثق بأنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا أصحاب رئاسات، ولا حاضر ولا مستقبل ولا قوات ولا علوّ ولا عمق ولا خليقة أخرى بوسعها أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا» (روم 8: 35، 37-38).

 

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

إقرأ أيضاً:

2- سفر أيوب: لماذا الألم؟

بعد أن تناولنا ماهيّة الألم وآثاره في الإنسان والسؤال الذي يثيره حول معنى الحياة، يظلّ السؤال الذي يتردد دائماً: «لماذا الألم؟ وما السبب؟ ومَن المسئول؟».

بادئ ذي بدء، نقول إن هذه الأسئلة صحيحة لأنها تدلّ على أن السائل يعي أن الألم شر لابد من تجنّبه، وإذا وقع فلابد من اقتلاعه. لم نجد في قرائتنا السابقة للمزامير ولن نجد في الكتاب المقدس كله دفاعاً عن الألم ولا طلباً للألم ولا استمتاعاً بالألم.

لكن كيف يرد الكتاب المقدس على هذا السؤال: «لماذا الألم؟».

لن نجد إجابة واضحة، نهائية وشافية على هذا السؤال، ولكنّنا سنحاول تلمّس طريقنا في الإجابة عليه من خلال قراءة لاهوتيّة لسفر أيوب، وعند اللزوم سنتطرّق إلى أسفار أخرى من الكتاب المقدس أو نعرض بعض التفسيرات الفلسفية واللاهوتيّة الشائعة.

  • ما هو سفر أيوب؟

يصنَّف سفر أيوب في باب الكتب الحكميّة التي تعرض سرّ الإنسان والحياة والموت، وتخاطب الإنسان أياً كان، ناقلة من حكمة البشر ما يساعد كل مؤمن على فهم سر الحياة والحب والعمل والخلق والخلود. وأيوب هو أحد الحكماء الذي واجه مثل باقي البشر السؤال الذي يطرحه الألم والمرض والموت. ونحن لا نعرف لأيوب وطناً أو زمناً أو ديانة، غير أنه رجل مؤمن بالله. ويعود زمن كتابة السفر غالباً إلى ما بعد سبي الشعب العبراني إلى بابل(587-534 ق.م).

  • مَن هو أيوب؟

أيوب هو رجل صالح بمدحه الله: «إنه رجل كامل مستقيم يتقي الله ويجانب الشر، وإلى الآن متمسّك بكماله» (2/3). ويأتيه الشر من مصدر غريب عن الله وعن الإنسان. فنسمع الشيطان يشكّك في صدق إيمان أيوب ويشكوه لله. يبحث سفر أيوب أولاً وأخيراً في أساس العلاقة بين الله والإنسان، والسؤال هو التالي: هل يطيع الإنسان الله بسبب الخيرات التي ينعم بها؟ وبالنسبة إلى الشيطان، إذا نُزعت هذه الخيرات، ارتدّ الإنسان عن الله وأبطل علاقته به.

  • مصائب أيوب:

بفقد أيوب صحته وبنيه وممتلكاته كلها، فيبقى مؤمناً بالله ولم يجدف أبداً عليه: «وقال: عرياناً خرجت من بطن أمي وعرياناً أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ، تبارك اسم الرب. في هذا كله لم يخطأ أيوب، ولا عتب على الله». (1/21-22). يؤمن أيوب بالله ويعترف بقدرة الله على كل شيء. ولكن هذا الاعتراف الإيمانيّ المبدئيّ لا يجاوب على التساؤلات التي يطرحها الألم: لماذا؟ لماذا؟ من أين يأتي؟ ومَن السبب؟. بل أكثر من ذلك، إنه لا يعيد السلام والنور إلى علاقة أيوب بالله، تلك التي اهتزّت تحت وطأة الألم، وجعلت أيوب يتساءل مَن هو الله الذي يرى الشقاء الذي حلّ به واحد تلو الآخر من دون أن يرحمه، وهل هو الله الذي أرسله ولماذا، وما موقف الله من الإنسان المتألم. ولذا ظلّ أيوب يعبّر بكل صدق وإصرار عن ألمه وعن صراعه لفهم معنى ما حدث له.

ويأتي أصدقاء أيوب لتبرير ما يحدث له: إذا فقدت خيراتك فلابد أنك خاطئ، لأن الله يكافئ الصالحين ويعاقب الأشرار. يدخل موقف أصدقاء أيوب في إطار نظرية لاهوتيّة شائعة في أذهاننا حول المجازاة الزمنيّة، فالأشرار يعاقبون والصالحون يكافأون. لنسمعهم يقولون لأيوب: «أذكر هل هلك أحدْ وهو بريء وأين دمرّ أهل الاستقامة؟ بل هل رأيت أن الذين يحرثون الإثم ويزرعون المشقة هم يحصدونها… أيكون الإنسان باراً أمام الله أم الرجل طاهراً أمام صانعه؟» (4/7-8، 17).

وفي نظر أصدقاء أيوب، وعلى رأسهم أليفاز، لا يمكن إنكار هذه النظرية، وعلى أيوب أن يتوب: «وأنت إن بكّرت إلى الله وطلبت رحمة القدير وكنت نقياً ومستقيماً، ففي الحال يغار عليك ويلبّي صدق نواياك» (5/8). وبكل ثقة يدعون أيوب إلى الاعتراف بفهمهم للحقيقة: «هذا ما فحصناه وهو الحق فاسمعه وانتفع به» (5/27). وحتى النهاية سيظل أصدقاء أيوب مصمّمين على رأيهم، يردّدونه بلا هوادة ويدافعون عنه. وليس موقف أصدقاء أيوب غريباً عنّا، فنحن نطرحه على أنفسنا عندما نتعرّض لمكروه: يا ترى ماذا فعلت لأستحقّ هذا؟ ما خطأي كي أتألم كما أتألم الآن؟

  • تبريرات الألم؟

ونسمع تبريرات كثيرة للمصائب والآلام. ولكن كلّما كانت نهائية وواثقة من نفسها، فهي في أغلب الأوقات خاطئة، وفي كل الأحوال لا تساعد المتألم على اكتشاف معنى لحياته بالرغم من الألم. وقبل أن ندخل مع أيوب في طريقه نحو الله من خلال الألم الذي حطّ به، نعرض سريعاً بعض التبريرات التي كثيراً ما نسمعها، وللأسف كثيراً ما نردّدها على مسامع من يتألمون.

بعض اللاهوتيين والفلاسفة يقولون إن الشر هو ظل الخير، ويفقد طبيعته كَشرّ إذا وُضع في الإطار العام للتطوّر. فالألم هو أزمة نمو، والحروب هي ولادة للتاريخ. ولكن هذا التبرير الغريب يزيد المتألم ألماً ويولّد في قلبه الغضب والثورة على كل شيء، على الناس وعلى الله. فيقول المتألم: «لماذا أتحمّل أنا ثمن هذا التطور؟ لماذا هكذا أتألم؟ أيّ نمو وأيّ حياة أجني من آلامي المدمرة؟». وكما سنرى مع أيوب، فالله لا يريد الشر ولا الألم، فالله لا يحطّم ولا يدمر ولا يتواطأ مع أيّ قوة تنال من الإنسان، من حياته وسعادته.

يقول بعضهم إن الألم عقاب عن شر اقترفه الإنسان، فماذا نقول عن آلام الأبرياء: أيوب، يوسف، يسوع، الأطفال المرضى، المسجونون بسبب آرائهم. أيّ شر فعل هؤلاء؟ وأيّ خطأ اقترفوه؟ وفي رأي بعضهم الآخر، ينتج الألم والشر من الاستعمال السيّئ لحرية الإنسان، ولكن ماذا نقول عن التفجيرات البركانية والأعاصير المدمرّة والأمراض الوراثية. ويقول بعضهم الآخر إن الأمراض والشيخوخة والكوارث الطبيعية ما هي إلا نواقص في الطبيعة وتعبير عن قدر محتّم، ولكن معرفة السبب وشرحها لا يلغي ثقل الألم وتأثيره في الإنسان.

ويحاول بعضهم التخفيف عن ألم الناس، فيقولون في أحاديثهم الروحيّة للمتألم: «إن كنت تتألم فذلك علامة عن حب الله أنه يجرّب مَن يحبّ». «يا ليته يحبّني حبّاً أقلّ قليلاً، فالألم يعصرني عصراً»، يجاوبهم الإنسان المتألم. ويزيد بعضهم فيقول للمتألم: «افرح لأن آلامك تخلّص العالم». والسؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: كيف يتحول ألم بلا معنى إلى قوة خصبة للحياة؟ كيف يتحول مصدر اليأس في حياة إنسان إلى رجاء للآخرين؟ كيف يصير ما هو غير آدمي في حياة شخص إلى قوة تحرير للآخرين؟ كيف يقبل الله تقدمة ما يشوّه الإنسان ويحوّله إلى دودة حقيرة؟ كيف يفرح حين ينظر إلى الإنسان في هذه الحال؟

يبقى كل شرح لأسباب الألم ناقصاً وغير صحيح، قد يقول شيئاً نافعاً لكنه يهدم على الجانب الآخر أشياء كثيرة. يحاول الإجابة عن سؤال ويطرح عدّة أسئلة أخرى أخطر: مَن هو الله، وما هي إرادته على الإنسان، أيّ صورة عن الله نقدّم للناس، وماذا نقول للإنسان المتألم؟

مصير كل محاولة لشرح الأسباب بطريقة نهائية وشاملة هو الفشل. فهي تسعى إلى التبرير، ولكنها لا تساعد الإنسان المتألم على مواجهة ألمه وعلى توجيه حياته، بل تزيده ألماً على ألم.

وهذا ما حدث لأيوب عندما لم يدخل في نظرية أصدقائه، فطلب منهم الصمت رحمة له: «مَن لي بأن تسكتوا فيكون لكم في ذلك حكمة. اسمعوا حججي وأصغوا إلى دعاوى شفتَيَّ، ألإرضاء الله تتكلمون بالظلم أم لأجله تنطقون بالخداع؟» (13/5-7). وأكثر من ذلك، فالإنصات إلى المتألم يصبح بمثابة تعزية لهم: «اسمعوا قولي سماعاً ولتكن لي منكم هذه التعزية، اصبروا عليّ فأتكلم وبعد كلامي تسخرون» (21/3). وذلك يُفهمنا كم قد تكون أحاديثنا للأشخاص المتألمين كالسكاكين التي تغمد في جروحهم، وكم يصبح استماعنا إليهم تعزية لنا.

  • طريق أيوب نحو الله والآخرين عبر الآلام:

تكمن عظمة أيوب في دفاعه عن نفسه وفي بحثه الدؤوب عن تفسير لما يحدث له، وفي إلحاحه على الله كي يكلمه ويرشده. ويُظهر سفر أيوب مسيرة المعاناة والآلام التي مرّ بها أيوب، كما يبيّن لنا طريق الخلاص الذي اتّخذه كي يصل في النهاية إلى السلام والطمأنينة في معاينة الرب.

  • صرخة الحياة:

أول طريق الخلاص صرخة، وصرخة قوية مدوية، هي صرخة كل إنسان متألم: «بعد ذلك فتح أيوب فمه ولعن يومه وتكلم أيوب وقال: لا كان نهار وُلدت فيه ولا ليل قال: قد حُبل برجل» (3/3). أمام الآلام يصبح الكون والحياة بلا معنى، بل أكثر من ذلك، يفضي الألم بالإنسان إلى تفضيل الموت على الحياة لأنه قوة موت وتحطيم للإنسان. الآلام هي عبث ولا معنى. ليتني لم أولد، يعلن أيوب، ويقول: «فلا طمأنينة لي ولا قرار ولا راحة وقد داهمني الاضطراب» (3/26). وأمام الألم، ردّد إرميا أيضاً الكلمات نفسها: «ملعون اليوم الذي وُلدت فيه، اليوم الذي ولدتني فيه أمي لا يكون مباركاً» (إر 20/14).

أول طريق الخلاص هو صرخة الألم التي ترفض الألم وتدين التدمير والتحطيم اللذين يُدخلهما إلى الحياة. أول طريق الخلاص هو التعبير عن مدى التحطيم والتشويه اللذين يسبّبهما الألم في الإنسان. وهذه الصرخة موجّهة نحو الله كتساؤل حار، كحيرة مريرة، كاستفهام قوي ومُلحّ: لماذا؟ لماذا؟ فهي إذاً تحمل في طياتها، بالرغم من ثورتها وتمردها ورفضها، رجاءاً وطلباً للخلاص. هي صيحة رجاء، لأنها تعدّت صمت الموت الذي يحمله الألم، وهي طلب للخلاص لأنها تؤمن بالحياة بالرغم من الموت الذي يجلبه الألم.

  • لا استسلام للألم:

ثانياً، يرفض أيوب وجهة نظر أصحابه الذين يرون في شقائه عقاباً من الله ويستمرّ في رفض نظريتهم بكل قوة وحتى النهاية. ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أن أيوب يرفض تبريراً لألمه لا يعيد إلى حياته التوازن المفقود، بل، وهذا هو الأهم، يرفض أيوب الاستسلام لتبرير للألم لا يعطي معنى لحياته، ولا يعطي نوراً لعلاقته بالله وبالآخرين. في نظر أيوب، لا تساعده تبريرات أصدقائه على القيام من سقطته، ولا على السير في طريق الحياة ولا على استعادة التوازن المفقود في علاقته بالله وبالآخرين. على العكس، هي تكرّس العبث واللا معنى اللذين نزلا به، وتزيده ألماً على ألم وحسرة فوق حسرة. تبريرات أصدقاء أيوب اللاهوتية هي عبارة عن لمات جوفاء.

 ويرى أيوب في تبريرات أصدقائه محاولة منهم للتهرّب من الأسئلة الحقيقية التي يطرحها الألم على حياة الإنسان. هم يحاولون تبرير أوجاع أيوب ليسكنوا من خوفهم أمام الألم وتهديده المستتر لهم، لأنه في حال ظهور خطأ نظريتهم، يصبح الألم بلا مفهوم، كقوة غامضة قادرة على ضرب أيّ إنسان بلا تمييز وبلا سبب. وقد يكون هذا موقفنا أمام الألم والإنسان المتألم، نريد تبريراً سريعاً لما يحدث له، نريد أن نعطيه إجابة شافية، نريد أن لا نبقى بجانبه طويلاً، لأننا كلنا خائفون ومرعبون من شبح الألم. نريد كتم صرخة المتألم لأنه يُفزعنا، نريد إبعاد المتألم عن أعيننا لأنه يرعبنا. ألم نقرأ في الإنجيل (مر 10/46-52) كيف طلب الناس من أعمى أريحا، برطيماوس، الكفّ عن الصراخ «رحماك، يا ابن داود؟». فيسوع لا يخاف من مواجهة الإنسان المتألم ولكنه يحترم حرّيته وإرادته حتى يخلّصه من ألمه.

يعترف أيوب بأنه خاطئ ولكنه يسأل الله عن سبب عدم مغفرته له، ولما تتبعه خطيئته: «إذا خطئت فماذا فعلت لك يا رقيب البشر؟ ولِمَ جعلتني هدفاً لك حتى صرت عبئاً عليك؟ ولِمَ لا تتحمّل معصيتي ولا تنقل عنّي إثمي؟» (7/20-21أ). «فإنك تكتب عليّ أموراً مريرة وتُلحق بي آثام صباي» (13/26). أمام أصدقائه، يعترف أيوب بأنه إنسان خاطئ لكنه في الوقت نفسه لا يجد في حياته وتاريخه سبباً يستوجب هذه الآلام المريرة والمحطمة: «أروني الصواب فأسكت، فهمّوني في أيّ شيء ضللت. كلام الحق ما أحلى وقعه. أما لومكم لي فلا حق فيه.

أتحسبون كلامي يستحق اللوم، وهو كلام يائس يذهب في الريح؟ تلقون على اليتيم قرعة وتبيعون صديقكم بالرخص. فتطّفوا الآن والتفتوا إليّ، فإنّي بريء ثابت» (6/24-29). وأكثر من ذلك، يتفهم أيوب موقف أصدقائه، ويقول إنه بوسعه لو كان مكانهم أن يردّد الأقوال نفسها: «يا ما سمعت مثل هذا الكلام، وكم تتعبني تعزيتكم. أما للكلام الفارغ نهاية؟ وماذا يحرّضني حتى أجاوب؟ لو كنتم مكاني لتكلمت كلامكم ونمقته وهززت عليكم رأسي، أو لشجعتكم بكلمات فمي إلى أن تكلّ من الحراك شفتاي. والآن إذا تكلمت لا تزول كآبتي، أو تمنّعت فلا تذهب عنّي» (16/2-6).

وقد حسن كلام أيوب في عيني الرب، وعاتب الله أصدقاء أيوب عتاباً مريراً، رافضاً كلام أليفاز وزميليه الذين بنظريتهم اللاهوتية حول المجازاة الزمنية ظلموا في الوقت نفسه الله وعبده أيوب، وشوّهوا الله والإنسان: «إن غضبي قد اضطرم عليك وكلام صاحبَيك لأنكم لم تتكلموا عليّ بحسب الحق كعبدي أيوب. فخذوا الآن لكم سبعة ثيران وسبعة كباش واذهبوا إلى أيوب واصعدوا مُحرقة عنكم، وعبدي أيوب يصلي من أجلكم فإنّي أرفع وجهه ولا أعاملكم بحسب حماقتكم لأنكم لم تتكلموا عليّ بحسب الحق كعبدي أيوب» (42/7-8).

  • الانفتاح على آلام الآخرين:

ثالثاً، يحوّل أيوب شيئاً فشيئاً تساؤله عن ألمه الشخصي إلى تساؤل عن آلم الآخرين. يبدأ في الخروج من قوقعة آلامه عندما ينتبه إلى أحزان الآخرين. يتساءل عن معنى العدالة أمام مشهد الأشرار الذين يظلمون والأبرار الذين لا يجدون مكافأتهم، ويضيف كيف تتفق نظرية أصدقائه مع هذه الحقيقة المريرة. تحوّل رفض أيوب لألمه وللتبريرات الأشدّ إيلاماً إلى دفاع عن المظلومين وعن المتألّمين مثله. يطرح أيوب أسئلة خطيرة على نفسه وعلينا: «فإنّي كلما تذكرت ارتعت وأخذ جسمي الارتعاش. لماذا يحيا الأشرار ويشيخون ويعظم اقتدارهم؟ ذرّيّتهم قائمة أمامهم على أيامهم وخلفهم لدى أعينهم» (21/6-8).

«لماذا لا يدخر القدير أزمنة وعارفوه لا يشهدون أيامه؟، فإن من الناس مَن ينقلون الحدود ويسلبون القطعان ويرعونها. يسوقون حمار الأيتام ويرتهنون ثور الأرملة. يُبعدون المعوزين عن الطريق فيختبئ مساكين الأرض جميعاً» (24/1-4).

ومن أعماق تساؤلاته، يكتشف أيوب أن الله يقف إلى جانب الفقير والمسكين والمظلوم وأنه يهتم بهم، ويكتشف أنه بالتأكيد يهتم به هو أيضاً. ويمثل هذا التطور أو التحول الداخلي بداية النور الذي سيصل بأيوب إلى معاينة الله، عبر الألم والتجرّد والمعاناة.

 يعلن أيوب إيمانه بحضور الله المحيي في حياته، رافضاً التواطؤ مع أيّ سوء، وشاكراً على نعمة الضمير المرتاح في الرب: «حيّ الله الذي يرفض حقّي والقدير الذي مرّر نفسي. ما دامت نفسي فيَّ وروح الله في أنفي لن تنطق بالسوء شفتاي ولا يتمتم لسني بالبهتان. حاشى لي أن أبرّركم. إلى أن تفيض روحي لا أقلع عن كمالي. تمسّكت ببرّي فلا أُرخيه لأن ضميري لا يخجل على يوم من أيامي» (27/2-6).

وبالرغم من الألم الذي يُغشّيه ويحوّل شكله إلى حيوان لا إنسان، يقاوم أيوب الانغلاق على الذات لينفتح على طلب العدالة للجميع انطلاقاً من أبوّة الله للكل: «إن كنت استهنت بحق عبدي أو أمّتي في دعواهما عليّ، فماذا أصنع حين يقوم الله وكيف أجيبه حين يحقّق؟ أوليس الذي صنعني في البطن هو صنعهما وواحد كوّننا في الرحم» (31/13-15). وتكتمل العدالة برفض عبوديّة المال: «هل جعلت في الذهب ثقتي….إنها جريمة ترفع إلى القضاء لأنّي أكون قد كفرت بالله العليّ» (31/24أ، 28).

ويظهر على طريق أيوب رجل حكيم، أليهو، ليعلن له أن الله يتكلم بطرق مختلفة لا نعلمها، وهو القادر على استعمال كل الوسائل، حتى الألم، كي يتعرّف الإنسان إليه وكي ينمو في طريق إنسانيّته: «فإن الله أبر من الإنسان. فما بالك تخاصمه؟ ألأنّه لا يجيب عن جميع أعماله؟ إن الله يتكلم بطريقة ثمّ بأخرى ولا نشعر بذلك… حينئذ يفتح آذان الناس ويختم على إنذارهم ليصرف الإنسان عن عمله ويمحو الكبرياء عن الرجل» (33/12ب-14، 16-17). ويواصل أليهو حديثه مؤكداً على أن الله يأخذ جانب المتألمين والمنسحقين، هو معهم، يسمع صراخهم ويستجيب لهم: «حتى رُفع إليه صراخ المساكين» (34/28).

  • طريق النور:

فَهِم أيوب أن مواجهة آلامه تمرّ بانفتاحه على آلام الآخرين وفي مساعدتهم من دون انتظار حلّ لمشاكله، سار طريق أيوب نحو الله عبر انتباهه الفعّال والجاد تجاه إخوته المتألمين وفي السعي الصادق لمعاونتهم. ومن هنا يظهر لنا سر رفض أيوب للتفسيرات السريعة للألم وللتبريرات المتعجّلة له، فقد كانت تعني له الاستسلام للشر والظلم، وهذا يخالف إيمانه بالله الذي يحرّر ويخلّص. ومن هنا أيضاً نفهم مسيرة أيوب نحو الله، فقد مرت بالحوار الغاضب وبالرجاء الواثق، ولكنها مشت بالتأكيد غي طريق رفع المعاناة عن المساكين ومقاومة الألم.

وفي مسيرته الروحية، تدرّج أيوب في مواجهته مع الله، فنسمعه أولاً يطلب حَكَماً بينهما: «لو كان بيننا حَكَم يجعل يده على كِلَينا، لرفع عنّي عصاه ولما روّعني رعبه» (9/33-34)، ثم يتبيّن أن الله يشهد له أمام أصدقائه: «لي منذ الآن شاهد في السماء ومحامٍ عنّي في الأعالي. إن الساخرين منّي هم أصدقائي، ولكن إلى الله تفيض عيناي» (16/19-20). وأخيراً يصل أيوب إلى الرجاء المطمئن في محرّر فادٍ: «أعرف أن شفيعي حيّ وسأقوم آجلاً من التراب فتلبس هذه الأعضاء جلدي وبجسدي أعاين الله» (19/25-26).

 تجربة الموت التي مرّ بها أيوب أوصلته بعد طريق مرير إلى التعرّف إلى الله كمصدر للحياة، وإلى اكتشاف الله الذي ينقذه من الموت وينقذ العالم من الظلم. ويكتشف أيوب أن إرادة الله هي إرادة حياة تفوق كل قوى الموت. وهذه هي الكلمة الأخيرة والأكيدة عن حياة العالم وحياة أيوب: الله مع الإنسان في كل حال ليخلقه ويعطيه الحياة بالرغم من كل شيء، من وسط الألم ومن وسط الموت. الله أقوى من الألم، الله أكبر من الموت.

 وأمام الله، ظلّ أيوب واثقاً بمحبة الله وبعدله وبرحمته، فلم يتوار ولم يبتعد، بل بقي أميناً في صلاته وتضرعاته إلى الرب: «وأعرض قضيّتي أمامه وأملأ فمي حججاً وأعرف كلمات إجابته وأتفهّم ما يقول لي؟ أبعظمة جبروته يحاكمني أم عليه أن يصغي إليّ؟ فيرى أنّي خصم مستقيم وأن دعواي هي الرابحة» (23/4-7).

 وفي رد الله على أيوب (38-40)، نفهم أن نظ’رة الله إلى الإنسان تنبع من حب مجاني خلاّق، وهذا هو الأساس الذي يمكّن من التقاء الله بحرّية. لقاء الإنسان لله ولقاء الله للإنسان، هو لقاء بين حرّيتين، ومبدأه أن الله أحبّ أولاً حباً عظيماً مجانياً. تقف قدرة الله الفائقة عاجزة أمام حرية الإنسان وترفض الرضوخ المستسلم من جانب الإنسان والذي يُخفي وراءه التذمّر وعدم الرضا. يطلب الله من الإنسان أن يساهم معه في بناء عالم عادل انطلاقاً من الثقة والإيمان بأن قوى العبث هي تحت سيطرته: «أنظر إلى بهيموت الذي صنعته مثلك: إنه يأكل العشب قبل الثور» (40/15).

الألم الذي ينحر أيوب لن يقوده إلى الفناء، وهذا هو رجاؤه في وسط المحنة. يكتشف أيوب نفسه محمولاً ومأخوذاً داخل نظرة حب شاملة ومجانية. يكتشف أيوب محبة الله المجانية التي تضفي معنى على العدالة، فيدخل في فهم جديد لحياته ولمعناها ولحياة العالم من حوله. محبة الله المجانية له ولكل إنسان تدعوه للعمل من أجل العدالة في العالم ومن أجل تخفيف المعاناة عن كل المتألمين جسدياً ومعنوياً وروحياً. وهنا يجد أيوب السلام والنور لحياته: «كنت قد سمعتك سمع الأذن، أمّا الآن فعيني قد رأتك، فلذلك أرجع عن كلامي» (42/5-6أ).

محبة الله سر عميق وكبير لا تحوطه نظريات ولا تقيّده تفسيرات. وكل تبرير للألم بجرح حب الله للإنسان وينال من أبوّته الفيّاضة للبشر. محلة الله تدعو إلى الحرية والمجانية. هي نور يضيء الطريق الذي ينفتح أمام الإنسان المتألم ويدعوه إلى التقدم واثقاً في النصر على قوى الألم والظلم والقهر. محبة الله كبيرة، لا يحدّها فكر أو لاهوت، لأن المحبة تحب بدون سبب، وبدون استحقاق، وبلا حدود.

 لقاء أيوب لله هو لقاء محلة حرّ ومجاني. كفى أيوب أن الله حاضر في حياته، يقف بجانبه في غضبه على الألم وفي رفضه للألم، وكفى أيوب أن الله معه، يدافع عنه أمام الظلم الذي وقع عليه وعلى الآخرين.

«لماذا الألم» لم يجاوب سفر أيوب، بل أكثر من ذلك رفض التفسيرات الزمنية الشائعة المبررة للألم. لكنه أظهر أن الحب المجاني هو أساس العلاقة بين الله والإنسان. الألم سر في حياة الإنسان والعالم، والسؤال «لماذا الألم» تلقائي وبديهي على لسان كل إنسان وخاصةً الإنسان المتألم. وهو سؤال سويّ وصحيح لأنه يعني أن الإنسان يفهم أن الألم شر لا معنى له، وأن الألم غريب على حياته ومشوّه لها، وأنه يجب والتخلّص منه. لكن الألم لن يقهر فقط بالإجابة على هذا السؤال، بل أساساً بمواجهته من طرفنا بكل الوسائل المتاحة، وبرفضنا لكل تبرير له، وبمساهمتنا في تحرير المتألمين والمظلومين. ونحن في ذلك كله واثقون بأن محبة الله أقوى من كل ألم وظلم وعنف، ومؤمنون بحضوره معنا، هو من يعطي الغلبة النهائية على كل قوى تدمير للإنسان وللعالم.

  • شفاء القلب:

تحوّل أيوب من معاتبة الله إلى تسبيح الله بعد طريق طويل من التعبير الصادق والمرير عن ألمه وعن عدم فهمه لما يحدث له. وشيئاً فشيئاً اكتشف أن الله يقف بجانب المتألمين والمظلومين، وأن أساس حياته هو محبة الله المجانية والمتجددة له. يصل أيوب إلى التسبيح والتمجيد قبل أن ترجع إليه صحته وأملاكه، لأنه اكتشف طريق الحياة في قلبه أمام الله. ليست الصحة والأملاك سبب فرحه وتمجيده لله، بل الثقة بأن الله يهب له الحياة ويمنحه الغلبة على الألم والظلم، ويدعوه إلى تحقيق العدل والكرامة لكل إنسان.

تحوّل أيوب عبر طريق الآلام إلى إنسان حر لأنه اكتشف قيمة حياته في محلة الله له، لا في المال ولا في الصحة ولا في القوة. كل ما سبق هو جميل ورائع وجدير البحث والدفاع عنه، ولكنه وُجد من أجل الإنسان ولم يُخلق الإنسان له. هي وسائل بين يدي الإنسان من أجل حياته وفرحه وهنائه، ولكنها ليست هدفاً في حدّ ذاتها. حياة الإنسان وفرحه وهناؤه هي في محبة الله له وفي تجاوبه مع هذه المحبة، وتظهر محبة الإنسان لله وتنمو وتتعمّق من خلال علاقة الإنسان بما يملك ويمتلك. وإذا أتى الألم على المال والصحة والقوة، قد يكتشف الإنسان عبر طريق الآلام أن محبة الله حاضرة في حياته، وتساعده على النهوض والقيام والتصدّي للظلم والألم على كافّة أشكاله وأنواعه. في محبة الله، يكتشف الإنسان قيمة حياته ومعناها، يجد القوة والرجاء لمقاومة الظلم والألم. في محبة الله، يصبح الإنسان حراً.

«طوبى للذين بك عزّتهم، ففي قلوبهم مَراقٍ إليك» (مز 83/6).

 التحوّل الحقيقي هو تحوّل القلب الذي يرى ويفهم، والشفاء الحقيقي هو في القلب الذي يبرأ من تمردّه وعزلته ووحدته، ويصل إلى تجديد إيمانه بالله الخالق والمحب محبة مجانية فيّاضة. وعندئذ تتحوّل لعنة الألم إلى موقف واقعي، صادق وفعّال، ضد الألم في حياة الشخص نفسه وبالأخص في حياة الآخرين، لتخفيف الآلام ورفع المعاناة عن كل مظلوم ومسكين.

 سفر أيوب هو نشيد يمجّد العلاقة بين الإنسان والله التي هي أساسها المحبة الحقيقية المجانية أكبر وأقوى من كل ألم وكل ظلم.

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى المزامير 1 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى المزامير 1 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى المزامير 1 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى المزامير 1 – الأب نادر ميشيل

إقرأ أيضاً:

يَختبر الأَلَم كلُّ إنسان، أصغيراً كان أم كبيراً، غنياً أم فقيراً، مثقَّفاً أم غير متعلّم. فمَن منّا لم يعرف الألم ومَن منّا لم يقابل أشخاصاً يتألَّمون. وأمام الألم يطرح الإنسان عدّة أسئلة تبقى بلا جواب واضح: لماذا الألم؟ مَن هو الله؟ وأين هو في حياتي؟…

 وغالباً ما يعجز الناس عن فهم معنى ما يصيبهم من ألم، ويغرقون في مشاعر الحزن والغضب واليأس. وكثيراً ما نكتشف أمام الإنسان المتألِّم خوفنا من مواجهته وقلّة حيلتنا وخجلنا أيضاً. فنهرب منه ونحن بالقرب منه، لأنّنا نشعر أنّ الكلمات تفقد جدواها ومعناها، أو تتحوّل إلى ثرثرة تسعى إلى تناسي الأسئلة التي يطرحها الألم علينا ونتعثّر في الردّ عليها. فيكون حالنا وحال مَن يتألَّم، إمَّا البكم، وإمَّا الثرثرة.

ولكن هل نبقى صامتين أمام الألم، وهل نجازف بالكلام وأن نخاطر بالبحث عن معنى لحياتنا، لأنّ الألم جزء من حالتنا الإنسانيّة، والحديث عنه يُعدّ محاولة للفهم، إن كان ذلك ممكناً. ويمثّل الكلام محاولة للخروج منه وتعدّي البكم الذي أصاب الإنسان من جرّائه، وبالتالي يمثّل الكلام سعي الإنسان لاسترجاع مبادرة الحياة التي اهتزّت تحت وطأة الألم. الكلام عن الألم، أي ما نحاول أن نقوم به في هذه الصفحات، هو محاولة للتقدّم على طريق البحث عن معنى للحياة عندما يعلن الألم عن العبث واللا معنى.

 ولكن يبقى الحديث عن الألم مهمًة صعبة وحسّاسة. إنّها مهمّة صعبة لأنّ كلّ تحليل وكلّ حديث لا يفيان بحقّ الإنسان المتألِّم، ولا بعظمته التي تظهر من خلال ضعفه عندما يحطّمه الألم ويطحنه. وهي مهمّة حسّاسة لأنّنا عندما نتحدّث عن الألم فنحن نتحدّث عن أشخاص متألّمين يستوجبون الاحترام العميق لشخصهم والتقدير الكبير لمشاعرهم، وقد نتلعثم فلا نجد الكلمات المناسبة تماماً للتعبير عن الاحترام والتقدير لكلّ مَن يمرّ بخبرة الألم. وقد تتحوّل كلماتنا، في أحيان ليست بقليلة، إلى حضور صامت بجانب مَن يتألَّم.

سيصحبنا الكتاب المقدّس في مسعانا للتحدّث عن الألم، وفي تحسّسنا الطريق نحو النور. فنسأل المزامير كيف تصوّر الإنسان المتألُّم، وسفر أيّوب كيف يجيب عن السؤال الذي يطرحه الإنسان عن سبب الألم وعن معنى الحياة والجود، ونستعرض مع يسوع في الإنجيل موقف الله من الألم والإنسان المتألُّم. وفي كلّ مرحلة سنستعين أيضاً بالدراسات الفلسفيّة والنفسيّة عن الألم وآثاره في الإنسان، ونتطرّق إلى الأحاديث اللاهوتيّة والروحيّة عن الألم، مبيّنين طرق تناولها هذا الموضوع وكيفيّة ردّها على التساؤلات التي يطرحها الألم.

 

1- سفر المزامير: ما الألم؟

يشهد سفر المزامير على صلاة الأجيال المتتابعة وإيمانها بالله الخالق والمخلّص. ونجد فيها صدى لصرخة الإنسان المتألِّم، على المستوى الفرديّ:

«استمع يا ربً لصلاتي وأصغ إلى صراخي ولا تسكت عن دموعي فإنّي عندك ضيف وكجميع آبائي مُقيم» (39/13).

ونجد صدى أيضاً لألم الجماعة:

«ولكنّك نبذتنا وأخزيتنا ولم تعد تخرج وجيوشنا تردّنا من وجه المُضايق على أعقابنا ومبغضونا يسلِبون على هواهم» (44/10-11).

عندما يصيب الألم الإنسان في كيانه الجسدّي، تتأثّر حياته كلّها ووجوده أمام الله وحضوره للآخرين. وأيّاً كان سبب الألم، إن نتج من عمل الإنسان نفسه أو من جرّاء الآخرين، إن كان بسبب مرض عضويّ أو بسبب جرح نفسيّ أو روحيّ، فهو إصابة في الصميم لحياة الإنسان تدفعه إلى الصراخ إلى الله القادر أن يخلّصه ويعيده إلى الحياة. فمن ناحية، يلمس الألم الجسمانيّ عمق الإنسان.

ومن ناحية أخرى، يظهر الألم المعنويّ والروحيّ، في جسد الإنسان. الإنسان كيان واحد، جسديّ وروحيّ في آن واحد، لا فصل بينهما، بل اتّحاد وثيق. فنسمع في المزمور: «آثامي جاوزَت رأسي وثقُلت كحمل أثقل من طاقتي. جروحي أنتنت وفاحت من جرّاء حماقتي. انحنيت جداً وتحدّبت وبالحداد طوال النهار مَشيت. امتلأت كَليتاي التهاباً ولا صحّة في جسدي. وهَنتُ جداً وانسَحقتُ ومن زئير قلبي زَمجَرتُ» (38/5-9).

ويصيب الألم في الوقت نفسه العلاقة بالله وبالآخرين، لأنّ البعدَين متَّصلان ومرتبطان الواحد بالآخر، فما ينال من علاقة الإنسان بالآخرين يؤثّر في صلاته وموقفه من الله: «أيُّها السَّيِّد، بُغيتي كُلُّها أمامك وتنَهّدي لا يَخفى علَيكَ يَخفق قَلبي وقُوَّتي تُفارقُني وحتَّى نُورُ عَينَيّ لم يَبقَ معي. ووقف أحبَّائي ورِفاقي متنحّين عن ضربتي ووقَف بعيداً أقاربي» (38/10-11).

«جميع مبغضيَّ عليّ يتهامسون والشرَّ لي يُضمرون، مرض خبيث سرى فيه، أمّا وقد اضّجع فلن يقوم وحتّى صديقي الحميم الذي اتّكلت عليه فأكل خبزي هو رفع عليّ عقبه» (41/8-10).

وأصعب ألم هو اختبار غياب الربّ والاشتياق إليه في وسط ليل القلب والحواسّ: «كما يشتاق الأيّل إلى مجاري المياه كذلك تشتاق نفسي إليك يا الله، ظمئت نفسي إليك يا الله، إلى الإله الحيّ، متى آتي وأحضر أمام الله؟ قد كان لي دمعي خبزاً نهاراً وليلاً إذ قيل لي طول يومي: أين إلهك» (42/2-4).

ونسمع في المزمور 22 أبلغ تعبير عن ألم الإنسان وعن صرخته إلى الله، وهو المزمور الذي صلاّه يسوع على الصليب، وقد ذكر الإنجيل على لسان يسوع الآيات الأولى منه (متّى 27/46، مر 15/34): «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ هيهات أن تخلّصني كلمات زئيري إلهي، في النهار أدعو فلا تجيب وفي الليل لا سكينة لي».

«أمّا أنا فدودة لا إنسان، عار عند البشريّة ورذالة في الشعب جميع الذين يرونني يسخرون بي ويفغرون الشفاه ويهزّون الرؤوس إلى الربّ سلّم أمره فلينجّه ولأنّه يحبّه فلينقذه».

«مثل الماء انسكبتُ وتفككت جميع عظامي، مثل الشمع صار قلبي وذاب في وسط أحشائي».

«وأنت يا رّب، لا تتباعد يا قوّتي، أسرع إلى نصرتي من السيف أنقذ نفسي ومن يد الكلب وحيدتي، من شِدق الأسد ومن قرون الثور خلّصني» (22/2-3، 7-9، 15، 20-22).

نحن والمزامير

في هذه المزامير نجد صدى لما نختبره كلّ يوم من ألم جسمانيّ تسبّبه الأمراض الخطيرة أو المزمنة، الإصابات العابرة أو الإعاقات المستديمة، متاعب الشيخوخة وأوجاعها. وقد تفوق الآلام النفسيّة الألم الجسمانيّ، مثل المخاوف والوساوس والاكتئاب، وجروح الذاكرة والإحساس بالفشل في الزواج، في الدرس، في العمل أو في الحياة الرهبانيّة.

ومن أسباب الألم النفسيّ أيضاً الشعور بعدم الأهميّة والتخوّف من المستقبل والتهديدات المختلفة، وكذلك التمزّق العائليّ والفراق عن الأهل والأحبّاء، وإحساس فرد أو جماعة من الناس بالظلم والطغيان، مثل استغلال شعب وحرمانه من حقوقه وتهميش فئات من المجتمع. ولا نغفل الآلام التي يسبّبها الشعور بالوحدة وعدم الأمانة الزوجية والخيانة والإنكار والموت عامّة والموت المفاجئ خاصةً. والألم الروحيّ صعب ومرّ للغاية، كاختبار غياب الربّ بالأخصّ بعد فترة تعزية ونور، فتضيع المعالم وتهتز الثوابت ويختفي الطريق، ويشعر الإنسان وكأنّ الله خدعه فأتى به إلى مكان قفر وتركه وسط الليل بعد أن لمس قلبه بمحبّة وجذبه بلطف. ويؤلم الإنسان أيضاً المرور بتجربة صعبة تحمل معها الشك واليأس والإحباط، كما تؤلم الخطيئة والتواطؤ معها.

آثار الألم في الإنسان

نبين في الفقرات القادمة بعض آثار الألم في الإنسان، ونحلّل بعض مظاهره، ولكن بالطبع ليس كل متألِّم يمرّ بهذه المشاعر كلها، ولا يحياها كل شخص بالقوة نفسها. لكننا نحاول من خلال عرضنا الدخول في فهم متعمّق وصادق لما يمرّ به الإنسان من مشاعر وأحاسيس. على أيّ حال، تتعدّد أسباب الألم، ويختلف رد فعل شخص عن شخص آخر، ولكن، في النهاية، الألم هو دائماً قوة محطِّمة ومدمِّرة للإنسان جسدياً، معنوياً، وروحياً.

  • الشعور بالغربة:

في كل هذه التجارب، يشعر الإنسان بالألم كشيء غريب عنه، كعدوان خارجي. يعطي الألم إحساساً بالغربة تشوّه الإنسان حتى إنّه لم يعد يتعرّف إلى نفسه، صار غريباً لنفسه: «لا أعرف مَن أنا ولم أعد أفهم ما يحدث لي، لم أعد الإنسان الذي كنت من قبل، تغيّرتُ وتغيّرت حياتي». يشعر الإنسان بنوع من نزيف الحياة يوماً بعد يوم، كأنّ الألم يستهلك حيويته ويمتّص طاقته، وكأنّه ماضٍ إلى الضياع والفقدان بكل ما تحمله هذه المشاعر من ألم ولا معنى. صار المتألم غريباً لنفسه، فأصبح غريباً للآخرين أيضاً، لأنه تبدّل شكله وطبعه وضعفت قدراته وإمكاناته. ويقود الشعور بالغربة إلى الخجل من الذات، لأن الإنسان يحسّ تحت وطأة الألم أنه صار مختلفاً عن الآخرين وغريباً عن سائر الناس.

بالرغم من حسن النوايا وصدق المشاعر، سرعان ما تضعف همم الأصدقاء والمقرّبين. فيزهق مَن هم بجانب الشخص المتألم، لأن الألم مُتعب ومُرهق، ولأن الألم يخيف مَن يشاهده على وجوه الآخرين ويهدّده بإمكانية وقوع الألم نفسه عليه. ولأن التساؤلات التي يطرحها الألم صعبة ومخيفة، يصعب على الناس، حتى أقرب المقرّبين، مرافقة المتألم طويلاً. فعندما يطول الألم، لا يدري الناس عامّة ماذا يفعلون حياله وماذا يقولون للصديق المتألم، فيتوارى بعضهم عن الأنظار خجلاً أو يأساً أو تحرجاً، ويرتدّ إلى الوراء بعضهم الآخر، محاولين النسيان وتبرير الفرار. فيضيف كل هذا إلى وجع الإنسان المتألم آلام الوحدة والإحباط والتحسّر والمرارة، آلام الإحساس بالفقر والكبت والغضب.

  • الشعور بالوحدة:

يعطي الألم إحساساً بالوحدة وبالانفصال عن مظاهر الحياة الإنسانية والاجتماعية العادية. تؤدّي الغربة إلى الوحدة: «أنا وحيد أمام هذا الواقع الجديد الذي يصيبني، مَن تُراه يفهم آلامي ومداها، مَن تُراه يقدّر اضطرابي الداخليّ ومخاوفي وهواجسي؟» الإنسان المتألم هو دائماً وأساساً وحيد بالرغم من وجود الأهل والأصدقاء حوله. فبسبب الألم، ينسلّ الإنسان من نسيج الحياة الإنسانية الطبيعي والعادي، لأنه أصبح غير قادر على مجاراة نمط الحياة العادية، ولأن الألم يحاصره داخلياً ويعصره خارجياً.

وبالنسبة إلى المتألم، يشعر بالوحدة لأنه ينظر إلى الآخرين، فيجدهم في صحة جيدة، وأسرهم تسير على ما يرام، ناجحين في دروسهم وعملهم، يكملون حياتهم وأشغالهم، يلهون ويفرحون. أما هو، فيقتطعه الألم عن الحياة، وينزع عنه الفرح، ويخلع عنه الهناء. وشيئاً فشيئاً، تحت وطأة الألم، يصبح الإنسان وحيداً، وقد عانى من حوله بالإرهاق والملل والخوف من رؤيته متألماً.

  • الانغلاق على الذات:

وبعد الشعور بالغربة والوحدة، يتسلل إلى قلب المتألم الانغلاق على الذات. يصبح الألم محور التفكير، ويتحول الأنا إلى مركز الاهتمام. الإنسان في صراع مستمر مع الألم، في بحث مستمر للخروج من دوامته ومن قيوده، يجري وراء المسكنات وأدعياء الحلول السريعة ومرّوجي الإجابات الجذرية. «مَن يخلّصني من آلامي؟»، هذا هو السؤال الأساسي لمَن يتألم. وعندئذ يبدأ اهتمام المتألم بشؤون من حوله وأمورهم يقلّ ويضمر حتى يكاد أن يختفي، وتخفّ قدرته على الانتباه إلى الآخرين ومتابعة همومهم ومتاعبهم.

ولكن لننتبه هنا إلى شيء هام، وهو أن أشدّ ما في الألم من خبث وغرابة هو أنه يدفع الإنسان إلى التواطؤ معه وإلى التعايش مع الأسباب التي أدت إليه، فقد نجد إنساناً يصرخ طالباً النجاة من الألم، وفي الوقت نفسه يتعايش بأشكال مختلفة مع الوضع الجديد الذي أتى به الألم إلى حياته، فليس كل مريض يبحث بالضرورة عن الشفاء، لأن بعضهم قد وجد نوعاً من التوازن في حالة المرض، ورتّب، بوعي أو غير وعي، حياته وعلاقاته على هذا الأساس. وهكذا وجد نوعاً جديداً، وإلى حدّ كبير مريحاً، من الرضا الذي يدفعه إلى الاستسلام للوضع المؤلم.

فعلى سبيل المثال، بسبب المرض، يعطف الأقرباء عليه، ويهتّم الأصدقاء به، ويسارع الكل بتقديم العون له، بل يقبلون تجاوزاته ويغفرون له طلباته غير المعقولة. وشيئاً فشيئاً نجد هذا الشخص وقد استحبّ مرضه وارتبط به ولم يعد يرغب في الشفاء منه، حتى وإن أعرب عن العكس للآخرين. ألم نسمع يسوع يسأل الأعمى والمقعد: ماذا تريد أن أصنع لك؟ هل تريد أن تشفى؟ فليست الرغبة في الشفاء بديهية، ولا يعني دائماً طلب الخروج من دائرة الألم استعداد الشخص لأخذ الوسائل اللازمة للخروج منه. فالرغبة في الخلاص من الألم تمثل نوعاً من المغامرة تطلب من بعضهم شجاعة أكبر من تلك التي يُظهرونها في تحمّل الألم.

ويعني طلب النجاة من الألم الاستعداد لمواجهة المستقبل، وهو اختبار جدّيّ للحرية، يخافه بعض الناس أكثر من الألم. فمَن عانى طويلاً من الألم قد يتعب من المواجهة وطلب النجاة المستمر، وقد ييأس من تكرار القيام والسقوط، وأخيراً قد يفقد الأمل في المستقبل والثقة في نفسه وفي الله وفي الآخرين. فإذا حلّ به الألم يخاف النهوض منه واستكمال مسيرة الحياة، مفضلاً الوضع المؤلم الحالي على أن يقع تحت الألم مرة أخرى أو أن يمر بخبرة صعبة مرة ثانية.

  • اليأس:

يقود الألم إلى طريق مسدود حيث لا رجاء ولا أمل في الذات وفي الآخرين، لا رجاء ولا أمل في الحاضر والمستقبل. يقود الألم الإنسان إلى حيث لا معنى لأي شيء، لا معنى للنجاح، للشهادات، للمال، للصداقة، للحب، للأسرة، للأولاد. يفضي الألم بالإنسان إلى حيث لا معنى للصلاة ولا جدوى منه. يؤدي الألم في نهابة المطاف إلى اليأس من الحياة، بل حتى إلى النفور منها، لأنه يحمل الإنسان على الشعور بأن لا طعم للحياة ولا قيمة لها. فعندما تتبدّد مصادر الفرح وتيبس ينابيع الرجاء، يصبح كل شيء عبثاً. الألم يحطّم ويعزل، الألم يخنق شرايين الحياة وينفث رائحة الموت. الألم هو عبث ولا معنى.

  • التساؤل الذي يطرحه الألم:

سيبقى دائماً المزمور 22، الذي ردّده يسوع على الصليب، صدى صادقاً ومعبرّاً عن كل إنسان متألم: «أنا دودة لا إنسان». بسبب شر الناس يدخل صاحب المزمور في أزمة مع الله من جرّاء الآلام التي حولته إلى دودة لا إنسان. فقد أصابت الآلام جسده وحياته ووجوده، وأصبح تساؤله هو عن نفسه، وعن الله، وعن الحياة: مَن أنا؟ هل أنا إنسان حقاً؟ ومَن هو الله الذي يقبل أن تنحلّ إنسانيّتي وأن أصير كالدودة؟ وما معنى حياتي؟ ومَن هم الناس بالنسبة إليَّ؟

  • ما الإنسان وما معنى حياته؟

يصيب الألم الإنسان في صميم وجوده وفي عمق علاقته بالله وبالآخرين، ويؤدي إلى اختلال كبير في توازن الحياة، وفي فهم الإنسان لذاته ولعلاقته مع الآخرين. ولن يكون البحث عن الحل في النبش في الماضي ومحاولته تتبّع الأسباب التي أدّت إلى الوضع الحالي. الحل هو في المستقبل: هل يمكن أن أجد معنى لحياتي بالرغم من العبث واللا معنى اللذين يدخلهما الألم في حياتي؟ معرفة الأسباب مهمة كي يتجنبها الشخص في المستقبل أو حتى يتجنبها الآخرون في حياتهم. ولكن تحديد الأسباب وحتى علاجها، إن كان ذلك ممكناً، لا يكفي للرد على التساؤل الذي يطرحه الألم. الألم يدخل اللا معنى على حياة الإنسان، ومعرفة السبب لا يعيد المعنى الذي زلزله الألم.

على سبيل المثال، لا يكفي أن تقول للمصاب بتليّف في الكبد أنه نتيجة الإصابة بالبلهارسيا أو الإفراط في الكحول حتى يخف ألمه، ولا يكفي أن نقول للزوجة الشابة التي خذلها زوجها وعذبها أنه شخصية مراهقة وغير مسئولة حتى يهدأ قلبها وتشفى من جراحها، ولا يكفي أن نقول للمصاب بأزمة ربو أنه نتيجة تلوث الجو بعادم السيارات ونفايات المصانع حتى يسترجع عافيته وثقته في الحياة. هذا الشرح لا يعيد التوازن إلى الحياة الذي أفقده الألم، ومعرفة السبب لا تجيب على السؤال الذي يطرحه الألم عن معنى الإنسان وحياته. ولا يمكن أن تتحول معرفة الأسباب إلى تبرير للألم وما يعنيه من هدم وفناء لحياة الإنسان.

  • مَن هو الله؟

وإذا تساءل الإنسان عن معنى حياته فهو يتساءل في الوقت نفسه عن معطي الحياة وعن إرادته، إنه يتساءل عن الله: مَن هو الله؟ لماذا خلقني؟ ولماذا يرضى بأن أتألم؟ ما مصيري؟ هل يمكنني أن أرجوه أنا المتألم، المهدّد بالعبث والفناء؟ هل يمكنه أن يخلصني؟ هل يمكنه أن يعيدني إلى الحياة بعد أن أصابني الألم والموت؟ هل للحياة معنى؟ أم مصيرها الفناء والعبث اللذان يعلنهما الألم هل هناك قوة أكبر من الألم تساعدني على اكتشاف معنى لحياتي وسط الألم؟ هل يمكنني أن أرجو الحياة حين يلوّح الألم بالموت؟

  • هل من إجابة؟ هل من طريق؟

أسئلة تلو أسئلة تحاصر المتألم وتحطّم قلبه، دون إجابة. فالإجابة ليست تلقائيّة، بل تمر بطريق الظلمة الذي يفتحه الألم في حياة الإنسان المتألم، وإذا خرج الإنسان من البكم إلى الصراخ إلى الله، فقد دخل في طريق الخلاص. فالألم ينفي أيّ رجاء وأيّ أمل للإنسان، والشخص المتألم يقول لنفسه إنه ليس لأحد القدرة على مساعدته في الخلاص، ويعتقد أن الكل مساهم ومتواطئ في الألم الذي يصيبه، الأعداء والأصدقاء على حدٍّ سواء، والله نفسه.

«إلهي إلهي لماذا تركتني»، هي في الوقت نفسه صرخة مَن يشعر ببعد الله عنه في مصيبته، واستغاثة مَن يضع رجاءه في الله القادر على خلاصه من الألم والموت والفناء. تعني الاستغاثة بالله الإيمان بقدرته على فتح طريق أمام الحياة بعد ما أصابها الألم باليأس والفناء؛ والصراخ إلى الله هو الاعتراف بقدرته على تجديد الحياة بعد ما ذبلت واندثرت. الله الخالق هو الله المخلّص، بمعنى أنه يخلق من جديد.

وهنا أيضاً ترشدنا المزامير:

«لقد أجبتني سأُبَشّرُ إخوتي باسمِكَ وفي وسَطِ الجَماعة أُسبِّحُكَ» (22/22ب-23).

«آمنتُ سأُعاينُ صَلاحَ الرب في أرض الأحياء» (27/13).

«أقولُ لله صَخرتي: لماذا نسيتني ولماذا أسيرُ بالحداد من مُضايَقة العدو؟ عند تَرضّض عظامي عيَّرني مُضايقيَّ بقولهم لي النهار كله: أين إلهك؟ لماذا تكتئِبين يا نفسي وعَليَّ تنوحين؟ إرتَجي الله فإنّي سأعودُ وأحمدُه وهو خلاص وجهي وإلهي» (42/10-12).

إذاً قد ينفتح طريق الآلام على مستقبل يُدخل الإنسان في علاقة متجددة بالله وبالآخرين، أساسها خبرة الموت والحياة المعطاة مرة أخرى. ما كان مؤلماً، عبثاً، مميتاً، قد يصبح أساساً لحياة جديدة، مؤسسة على خبرة الخلاص الذي يعطيه الله. الإنسان المتألم قد يكتشف معنى جديداً لحياته. أقول: «قد يكتشف»، لأن ذلك التحول ليس تلقائياً أو بديهياً، بل يمر بمراحل متنوعة لا تصل بالضرورة بكل إنسان متألم إلى اكتشاف معنى لحياته ووجوده اللذين أصابتهما الآلام، وهذا ما سنراه في قرائتنا سفر «أيوب».

Exit mobile version