معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

 

إقرأ أيضاً:

3- يسوع والألم

مهّدت لنا قراءة سفر أيوب إلى الدخول في فهم موقف يسوع تجاه الألم، وقبل أن نصل إلى الصليب، لابد لنا من تتبّع خطى يسوع في الإنجيل لنتبيّن من ناحية موقفه من الألم ومن المتألمين، ومن ناحية أخرى لفهم الطريق الذي أوصله إلى الصليب. وعند الصليب سنتوقف أيضاً أمام النشيد الرابع للعبد المتألم في سفر أشعياء.

  • مَن هو يسوع؟

يظهر لنا اختيار يسوع الأساسي في موقف التجارب (منى 4/1-11، لو 4/1-13): حياته هي هبة من الله يقبلها بدون استحواذ أو امتلاك، بل في تسليم كلّيّ لله. ويسير طريق يسوع نحو الله من خلال حياته الإنسانية اليومية التي تعرف الجوع والعطش والرغبة في الصداقة والتطلّع إلى النجاح، والتي تمرّ بتحمّل المشقات والصعوبات حتى الازدراء والألم، وفي ذلك كله يتّكل يسوع اتّكالاً كلِّيًّا على الله ويثق به كل الثقة.

وعندما يعود إلى موطنه بقوة الروح، يدخل المجمع ويقرأ سفر أشعياء: «روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشّر الفقراء وأرسلني لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم وللعميان عودة البصر إليهم وأفرج عن المظلومين وأعلن سنة رضا عند الرب» (لو 4/18). إنه يسوع ابن يوسف النجار من الناصرة الذي يحقق هذه النبؤة، فيه ومن خلاله يعلن الله أنه قريب من الفقراء والمأسورين والعميان والمظلومين.

  • رسالة يسوع:

حياة يسوع كلها هي إعلان عن قدرة الله على الألم والمرض، على الخطيئة والموت، على كل ما يكبّل الإنسان جسدياً ومعنوياً وروحياً، على كل ما يهمّش الإنسان عن مجتمعه، سواء أكان بسبب مرضه (البرص) أو خطيئته (السامرية، المرأة الزانية،…)، أو بسبب وظيفته المشبوهة (جباة الضرائب: زكّا، متّى). «إنه لتعليم جديد يُلقَى بسلطان» (مر 1/27)، كان يقول مَن يراه يعلّم ويشفي ويطرد الأرواح الشريرة. تتلخّص حياة يسوع في مواجهة مستمرة وبلا هوادة مع قوى الشر والألم. بدأ يسوع بشفاء المرضى وطرد الأرواح الشريرة، ثم غفر الخطايا وشفى يوم السبت، متخذاً مكان الله الذي يخلق ويخلّص ويجدّد الخليقة في اليوم السابع، وكأنه مَن يعطي الشريعة الجديدة (مر 1-2).

من خلال يسوع، حياته، كلامه وأفعاله، يظهر الله على أنه قريب من الإنسان، وخاصة الإنسان المتألم والمظلوم والخاطئ. كان اليهود ينتظرون مسيحاً يخلق المجتمع الجديد الطاهر والخالي من الخطاة، حيث يحيا الجميع كل أحكام الشريعة، فجاء يسوع ليدعو الخطاة إلى التوبة ويُرجعهم إلى مجتمعهم وينادي بالعدل والرحمة.

  • يسوع وتساؤل الناس أمام الألم:

وأمام الألم واجه يسوع تساؤل مجتمعه: لماذا الألم؟ في إنجيل يوحنا، الفصل 9، يتساءل الناس أمام إنسان أعمى منذ مولده مَن المخطئ؟ ويردّ يسوع: لا هو ولا أهله، ولكن كان ذلك لتظهر فيه أعمال الله. فيقوم يسوع بفتح أعين الأعمى في بداية المشهد الإنجيليّ (9/7)، وينفتح قلب هذا الرجل على نور الإيمان بيسوع في نهاية المشهد ويشهد أنه ابن الله (9/38). وبالنسبة إلى يسوع، لا تُهمّه معرفة سبب الألم بقدر ما تهمّه مواجهة هذه الحالة فوراً وبقوة جذرياً.

فحياة الإنسان أكرم من أي شيء في عيني الله (أش 43/4)، وفي وسط المرض أو الاحتياج أو الألم، جاء يسوع ليكشف للإنسان أن الله بجانبه، ليحرّره من كل مرض وكل فقر وكل خطيئة. مجد الله هو الإنسان الحي. وجاء يسوع ليعلن أعمال الله، ليمجّد الله. ومجد الله هو في هبة الحياة للإنسان وتجديد هذه الهبة باستمرار. وبالنسبة إلينا اليوم، فقد تستمر حياتنا في وسط بعض الآلام، إلا أنّ الألم فقد قدرته المميتة علينا، إذ اكتشفنا معنى حياتنا في الله ووضعنا ثقتنا ورجاءنا فيه.

وفي مرة أخرى، يخبر الناس يسوع عن الجليليّين الذين خلط بيلاطس دماءهم بدماء ذبائحهم فيعلن يسوع أنهم ليسوا أكبر خطيئة من أقرانهم، ويضيف أنَّهم إن لم يتوبوا فسيهلكون مثل أولئك (لو 13/1-5). لم يمت الجليليّون هكذا ميتة بسبب خطاياهم، ولكن استمرار الإنسان في الخطيئة يُدخل إلى العالم العنف والألم، ومعهما العبث واللا معنى. مات الجليليّون بقسوة وعنف، بسبب غباء شخص وتعنّته وشرّه. وشعر مواطنوهم بالخوف والاضطراب، لا من الموت في حدّ ذاته، بل أمام التساؤل عن معنى الحياة وكرامتها، عن جدواها وجمالها، عن مصدرها وغايتها.

وأمام مشهد القتل المأسويّ راودتهم أسئلة عن الله وعن محبته للبشر، عن قيمة الإنسان وعن ماهيّة الألم، ولذا جاءوا إلى يسوع ليخبروه بما حدث. ويفهم يسوع اضطرابهم ويدرك معنى حديثهم إليه: إنهم يطلبون نوراً وفهماً لأن الألم أنزل بهم ظلمة وحسرة وأغلق باب الرجاء في قلوبهم. ويقول يسوع للجليليّين إن الله ليس مصدر الشر والألم، ولكن، لمواجهتهما، على كل واحد أن يتحمّل مسؤوليته، وأول مسؤولية الإنسان عن قلبه، عن أعماله، عن مواقفه تجاه الآخرين: إذا أراد إنسان أن يواجه الألم والشر في العالم، فليبدأ بترتيب قلبه.

في نظر يسوع، قد ينتج الألم من الخطيئة ومن اختلال العلاقات بين الناس، الذي يصحبها. كلّنا يتذكّر نصّ التكوين وقصة الخلق. أصاب وقوع آدم في الخطيئة باختلال علاقته بالله وبحوّاء وبالأرض والعمل. إنكار الإنسان لله وتمحوره على ذاته يصيب علاقاته بالآخرين والعالم بالاضطراب. فالأنانية وحب الاستحواذ والرغبة في السلطة تصيب العلاقات بالخلل وتؤدي لا محالة إلى الألم، وتقود شيئاً فشيئاً إلى خلع كل معنى وطعم عن الحياة، وتُفضي نهائياً إلى الموت. تكرِّس الخطيئة العبث واللا معنى. فتفضيل الخطيئة، أي الظلمة، على النور، والكذب على الحق، والاستحواذ على العطاء، يدخل في منطق الموت والفناء.

ويسوع، في موقفه أمام الألم، يرى بوضوح ما قد يسببه: مرض، فقر، جهل، غشّ،طمع، هامشيّة، احتلال، استغلال للمنصب، خطيئة شخصية وجماعيّة. ولكنه لا يحاول أن يعطي نظرية شاملة عن أسباب الألم، وأبداً لا يبرر الألم ولا يدافع عنه. موقف يسوع هو الحضور بجانب الإنسان المتألم، أياً كان سبب الألم، ومساعدته على النهوض والشفاء، لأن الألم محطّم ومشوّه. موقف يسوع هو في تحرير الإنسان من القيود المؤلمة والمعيقة. موقف يسوع هو أساساً موقف رجاء وثقة، ففي نظر يسوع، لن يكون للألم وما يحمله من عبث وموت الكلمة الأخيرة على الإنسان/ بل محبة الله. وهذا معنى ردّ يسوع أمام الأعمى منذ ولادته «لكي تظهر فيه أعمال الله» (يو 9/3).

  • إعلان يسوع عن الله أبيه:

يثير يسوع بأعماله وأقواله ومواقفه الاضطراب في نفوس الفرّيسيّين والكتبة، فهو يهزّ صورة معيِّنة عن الله ويزعزع المجتمع القائم على السلطة الكهنوتية والدينية من خلال الطقوس والشرائع. برفض الفرّيسيّون والصدّوقيّون أن يقبلوا إعلان الله عن نفسه من خلال شخص يسوع، مفضّلين ومتمسّكين بصورتهم عن الله، ولذا نرى التآمر على إهلاك يسوع منذ البداية في الإنجيل (متّى 12/14، مر 3/6، لو 4/29).

اختيار يسوع لله وإعلانه عن محبته ورحمته يجلبان عليه الرفض والعنف، فأصبح على هامش المجتمع الديني الذي يعيش فيه. عانى يسوع من عدم الفهم وسوء النيّة، وتحمّل الرفض والتآمر. وتَوضّح له من خلال قراءته الكتاب المقدس وأحداث حياته أن طريق حياته سيؤدي به إلى الموت، لكنه ظلّ يرجو ويحب، يعطي ويبذل، يجول يشفي ويغفر ويقيم الموتى. قدّم حياته لأبيه، واثقاً بأن محبته أقوى من الموت. وهذا هو رهان يسوع: إذا أوصلته محبته للبشر إلى الصليب، فمحبة أبيه أقوى من خطيئة الإنسان وعنفه وستخرج منتصرة (متّى 16/21، مر 8/31، لو 9/22). وهذا هو معنى عبارة «يقوم بعد ثلاث أيّام»، إنها تعبير عن إيمان يسوع ورجائه وثقته بأبيه.

  • من أين لك هذا السلطان؟

وإذا كان يسوع قد سلّم حياته لله، ووجّهها إلى محبة إخوته البشر، من خلال كلماته وأفعاله الشافية والمحرّرة، فالسؤال الأساسي الذي يُطرح عليه: من أين لك هذا السلطان؟ (متّى 21/23، مر 11/28، لو 20/2)، بأيّ سلطان تشفي وتحرّر، تغفر وتقيم الموتى. لن يجاوب يسوع على السؤال، لأن الإجابة ليست في فحواها اللفظيّ، بل في الفهم لحياته وكلماته وأفعاله، في عطائه واختياراته الحرّة. ويصل العطاء الحرّ والكامل إلى قمّته على الصليب. تُعطى الإجابة لمَن يدخل في الفهم الداخلي والعميق لحياة يسوع. محور السؤال هو التالي: هل هذا السلطان منك أم يعلن سلطان الله. لا يردّ يسوع ولا يعطي جواباً، سوى جسد ابنه المعلّق على الصليب عرياناً ومزدرّي. يسوع هو كلمة الله الذي صار جسداً، هو كلمة الله الأولى والأخيرة والنهائية، مَن أراد أن يعرف الله فليسمع ويشاهد ويفهم هذه الكلمة، يسوع الناصري ابن الله.

 

  • طريق الآلام:

 في طريق الآلام الذي يسير فيه يسوع، لا نجد إطلاقاً أيّ بحث عن الآلام، أو دفاعاً عنها، أو تواطؤاً معها، أو تبريراً لها. ولا يمكننا أن ننسى أن يسوع تعرّض للآلام ولم يجلبها أو يطلبها. في بستان الزيتون نسمعه يطلب من أبيه أن يُبعد عنه الكأس: كأس الألم والموت، وبكلّ حرّية ومحبة يقبل أن يقدّم ذاته لأبيه وللبشر. طريق يسوع نحو أبيه هو طريق ابن البشر، طريق كل إنسان، وهذا الطريق يمرّ بالألم والموت. وأراد يسوع بمحبته وبكلّ حريته أن يذهب مع الإنسان إلى نهاية الطريق، ليعلن أن محبة الله أقوى وأقدر من كل خطيئة وعنف، ومن كل ألم وموت.

  • … وأسلم الروح:

على الصليب تظهر المحبة التي تربط يسوع بأبيه في الروح، وهذا ما يخلّص العالم: يسلم يسوع حياته، مصيره ومستقبله بين يديّ الآب، والآب يُسلم نفسه في شخص الابن، فكلمته هي هذا الجسد الممزّق المصلوب. الابن يُسلم الروح للآب، والآب يهب الروح للابن ويقيمه من بين الأموات ليحيا للأبد. يسوع يُسلم الروح على الصليب (متى 27/50، مر 15/37، لو 23/46، يو 19/30)، هذا الروح هو روح البنوة الحقيقية التي تخلق الكنيسة، – جسد المسيح القائم من بين الأموات -، والممثّلة في شخصَي مريم والتلميذ الحبيب الواقفين عند قدم الصليب.

هو الروح مَن يهب لكل إنسان القدرة – أي الإيمان والرجاء والمحبة – على اتّخاذ الطريق الذي اختاره يسوع: طريق الإيمان الجذريّ والرجاء الكامل والمحبة الملتهبة للآب وللبشر. وهذا هو ما يخلّص العالم. فليست الآلام التي تخلّص، بل المحبة والإيمان والرجاء التي عاش بها يسوع هذه الخبرة المؤلمة. ينزع الألم الإيمان والرجاء والمحبة من قلب الإنسان، وظلّ يسوع، بالرغم من الألم مؤمناً وراجياً ومحبّاً بفضل الروح.

الألم لا يخلّص، بل المحبة، الأم لا يعطي الحياة، بل الروح. وعندما نقول إن يسوع خلّصنا بآلامه، فنحن نريد أن نقول إن يسوع خلّصنا بالمحبة التي أظهرها في وسط آلامه المشوّهة والمدمرة. وبالرغم منها، نريد أن نقول إنه غلب قوى الموت والألم بإيمانه وبمحبته لأبيه وللبشر، نريد أن نقول إن العبث واللا معنى لم يغلبا يسوع، نريد أن نقول إن الحياة ظهرت في وسط الفناء الذي يحمله الألم، نريد أن نقول إن روح الله، روح الحياة، أقوى وأكبر من الموت والألم اللذين تجلبهما خطيئة الإنسان وعنفه وكذبه، فأين يا موت نصرك؟ وأين يا موت شوكتك؟… فالشكر لله الذي أتانا النصر عن يد ربنا يسوع المسيح (1 قور 15/55، 57). ونحن، عندما نقول: يا يسوع، أقدّم لك آلامي، نريد أن نقول: يا يسوع، إنّي أحبك وأثق بك، وأحب إخوتي، بالرغم من آلامي التي تريد أن تغلق قلبي وتخلع عنّي كل أمل وكل رجاء وكل محبة.

 

  • النشيد الرابع للعبد المتألم:

نحاول بوجه آخر أن نفهم موقف يسوع من الآلام من خلال قراءة النشيد الرابع للعبد المتألم: أش52/13- 53/12. وكلّنا يعرف كم أثّر هذا النشيد في الفكر والروحانية المسيحية، وتأثر به بلا أدنى شك كتاب العهد الجديد.

  • الإعلان عن انتصار العبد المتألم:

يبدأ النشيد بصوت الله الذي يتحدث عن عبده الذي يوفّق ويتعالى ويرتفع ويتسامى جدا: نسمع إعلاناً عن انتصار عبدٍ شُوّهت إنسانيته من جرّاء الآلام: «كما أن كثيرين ذُعروا في شأنك، هكذا لم يعد منظره منظر إنسان، وصورته صورة بني آدم» (52/14). كيف ينتصر ذاك الذي يثير الذعر من منظره؟ كيف ينتصر ذاك الذي لم يعد منظره إنسان؟ كيف ينتصر مَن دُمّر تحت الآلام؟

  • الإنسان الذي شوّهته الآلام:

ثم نسمع جماعة تتحدث: «مَن الذي آمن بما سمع منّا ولمَن كُشفت ذراع الرب؟» (53/1).

في النشيد الرابع لا يتحدث العبد أبداً ولا نسمع صوته، نسمع أولاً إعلاناً من الله بانتصار عبده، ثم ثانياً اعتراف جماعة تؤمن وتعلن أن ذراع الرب كُشفت فيه. فماذا حدث؟ وكيف حدث هذا؟

«فحسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلّلاً» (53/4ب)، تقول الجماعة، لماذا؟ «فإنه نبت كفرع أمامه وكأصل من أرض قاحلة، لا صورة له ولا بهاء، ننظر إليه ولا منظر فنشتهيه، مزدرّي ومتروك من الناس، رجل أوجاع وعارف بالألم، ومثل مَن يُستر الوجه عنه، مزدرى فلم نعبأ به» (53/2-3).

يعرض هذا النص وصفاً دقيقاً لآثار الألم في الإنسان، فهي تشويه وتحطيم، وهي تدمير وفناء، وهي قوة انغلاق وانعزال. الألم عدو الإنسان، يخلع عن الإنسان إنسانيته.

لماذا يحدث كل هذا لذلك الإنسان؟ في اعتقاد مَن يتحدّثون، بالتأكيد هو متروك من الله ومذلّل، بالتأكيد هو مصاب من الله،فيحمل في جسده عقاب ما اقترفت يداه.

  • اعتراف الجماعة بكذبها:

ولكن أمام هذا المنظر الصامت، المرعب والبشع والمخيف، تكتشف الجماعة كذبها ونفاقها فتقول: «فحسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلّلاً». تكتشف الجماعة الحقيقة في وجه مَن لا صورة له ولا بهاء: إنه ليس مصاباً أو مضروباً من الله، لكنه يحمل على وجهه وجسده وحياته آلام الجماعة وأوجاعها: «لقد حمل هو آلامنا واحتمل معاصينا، فحسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلّلاً. طُعن بسبب معاصينا وسُحق بسبب آثامنا. نزل به العقاب من أجل سلامنا وبجرحه شُفينا» (53/4-5).

تعترف الجماعة بأن آثامها ومعاصيها أدّت بالعبد الصامت إلى الآلام، إلى تشويه صورته وتحطيم جسده وحياته. على وجه العبد المتألم، يكتشف الإنسان فرداً وجماعة قبح الخطيئة، وقبح الكذب والأنانية والعنف والبغض. أمام العبد المتألم، نكتشف إلى أيّ مدة تشوّه الخطيئة الشخصية والجماعية الإنسان وتقتله، وإلى أيّ مدى تؤدّي الخطيئة إلى تحطيم الحياة وهدم الخلق وتنزع عن الإنسان إنسانيته.

 

  • طريق الحياة وانتصار العبد:

تدخل الجماعة في طريق الحياة، في طريق التوبة، معترفة بكذبها وخطيئتها: «كلنا ضللنا كالغنم، كل واحد مال إلى طريقه، فألقى الرب عليه إثم كلنا. عومل بقسوة فتواضع ولم يفتح فاه كحمل سيق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام الذين يجزونه ولم يفتح فاه» (53/6-7). الجرح الذي يسبّبه الإنسان الخاطئ لله هو في الحقيقة جرح لإنسانيته. بالخطيئة يصبح الإنسان لا صورة له ولا بهاء.

كيف يتحقق انتصار العبد، توفيقه، تعاليه وارتفاعه، وتساميه جداً؟ يتحقق ذلك من خلال النور الذي يخرج من جسده الممزّق ليفيق الإنسان من كذبه وعماه. «مع أنه لم يصنع عنفاً ولم يوجد في فمه مكر… بسبب عناء نفسه يرى النور ويشبع بعلمه، يبرّر عبدي الكثيرين وهو يحتمل آثامهم» (53/9ب، 11).

انتصار العبد وتوفيقه هما في اعتراف الإنسان بحرّيّة أمام العبد المتألم والصامت: أحبّني حتى إنه قبل هذا التشويه والتحقير من أجلي، أنا الخاطئ. فالعبد يهب نفسه واثقاً من أن الآلام المشوّهة لن تكون الكلمة الأخيرة في حياته، بل النور الذي يجعله الله له. والعبد يهب نفسه واثقاً من قدرة مَن ينظرون إليه، البشر الخطأة، على الخروج من كذبهم واعترافهم بمحبته الفيّاضة والفائقة لهم. ولذا لا ينطق العبد بكلمة، لكنه ينتظر برجاء وثقة اعتراف الجماعة المؤمنة: «نزل به العقاب من أجل سلامنا وبجرحه شفينا». يراهن الله على عبده، والعبد يراهن بحياته على الخطأة. وتوفيق العبد وتساميه هما في اعتراف الإنسان بحرّيّة بأن المحبة، محبة الله وعبده، تبادر بالعطاء وتهب بلا حدّ ولا قياس. ارتفاع العبد وتعاليه هما في تحمّله الآلام والعنف حتى يخلص مَن يحب من وطأة الظلام والكذب والخطيئة.

انتصار العبد هو إعلان الجماعة عن إيمانها بأن حب الله الذي ظهر على وجه العبد وجسده أكبر وأعظم من خطيئتها. انتصار العبد هو تحوّل الجماعة الحر من الكذب والخطيئة إلى الحق والنعمة. انتصار العبد هو في الاعتراف بنعمته الفيّاضة والمُحيية، ومبادلته الحب بالحب، والعطاء بالعطاء. انتصار العبد هو في إعلان الجماعة أن العبد خلّصها من الخطيئة بمعنى أن ليس لها الكلمة الأخيرة على حياتها، فكما آمن العبد بأن قدرة الله ومحبته أقوى من الموت، كذلك آمنت الجماعة بأن الله هكذا أحبّها حتى إنه غلب الخطيئة بتحمله إياها في شخص العبد.

انتصار العبد هو في إعلان الجماعة أن محبة الله أقوى وأكبر من الخطيئة، وأنه بجرح العبد المتألم دخلت إلى النور والحق والحياة. أمام العبد تكتشف الجماعة في الوقت نفسه كذبها وخطيئتها، ومحبة الله أقوى منهما، تكتشف الظلمة في داخلها والنور الذي يفوق الظلمة، تكتشف قبح فعلها ومحبة الله التي تقبل أن تحمل هذا القبح على وجه العبد الصامت.

انتصار العبد المتألم هو في دخول كل إنسان إلى حياة الحق والعدل والمحبة. العبد المتألم لا يتكلم ولا ينطق، لكن صارت حياته كلها كلمة محبة ورجاء، صارت حياته كلها كلمة مصالحة وشفاء. ومَن يعلن انتصار العبد الصامت؟ هم الذين تحرّروا من خطيئتهم، هم الذين تحرّروا من الكذب والظلمة، هم الذين يعلنون أن محبة الله هي الكلمة الأولى والأخيرة على حياة الإنسان.

 

  • من جسد المصلوب خرجت الحياة:

يعود بنا هذا الالتفاف حول نص أشعيا إلى الصليب، لنزداد تعمّقاً في معنى غلبة يسوع على الموت والآلام. كما ذكرنا سلفاً، يلفظ يسوع الروح على الصليب الذي يمنح الإيمان: «كان هذا الرجل ابن الله حقاً» (متى 27/54، مر 15/39، لو 23/47)، يعلن قائد المائة إيمانه بالله أمام هذا الرجل يسوع الناصري المصلوب الذي يلفظ الروح. كلمة الله للبشر حتى نهاية الأزمنة هي جسد هذا الإنسان المعلّق على الصليب. في المسيح يجد كل إنسان طريقه إلى النور والحياة، لأنه في جسده أبطل الضغينة وغلب الموت (راجع أف 2/14-18، قو 2/13-14).

وفي إنجيل يوحنا يموت الناصري ليقوم حياً في جسده الكنيسة الممثّلة في شخصَي مريم ويوحنا الواقفين عند قدم الصليب. وفي ليلة الأحد، أحد القيامة، ينفخ يسوع روحه على التلاميذ ويرسلهم ليغفروا الخطايا، بمعنى أن يحرّروا ويشفوا ويحلّوا القيود والأغلال، وأن يقاوموا كل ألم وكل ظلم. تلك الرسالة التي بدأوها في حياة يسوع (متى 10/5-8، مر 6/7-13، لو 19/1-6)، تصبح من هذه اللحظة كل حياتهم وأساس عملهم ونشاطهم. فنراهم يشفون المرضى (رسل 3/1-8)، ويقيمون الموتى (رسل 9/37-40)، ويبشّرون بالمصالحة وغفران الخطايا (1 قور 1/22-24، 2 قور 5/11-21).

رسالة التلاميذ هي إتمام رسالة المعلّم: إعلان الله القريب من كل إنسان متألم، مظلوم، فقير، خاطئ. رسالة التلاميذ هي شهادة ليسوع المصلوب القائم من بين الأموات بمعنى أنها شهادة لمحبة الله القادرة على غلبة الخطيئة والعنف والكذب والموت. رسالة التلاميذ هي شهادة لروح الرب الذي يحيي الأموات، الذي يخلق من جديد، الذي يغفر الخطايا، الذي يفتح طريق الحياة في قلوب المتألمين والمحزونين.

رسالة الكنيسة لم تكن ولن تكون في الدفاع عن الآلام، أو في تبرير كل ما يحطّ ويقيّد الإنسان، بل كانت وستظلّ رسالة رجاء، شفاء، تحرير. هي رسالة قيامة: «فإذا كنّا متنا مع المسيح، فإنّنا نؤمن بأنّنا سنحيا معه» (روم 6/8). هذه هي رسالة الإنجيل، وهذه هي البشارة.

رسالة الكنيسة هي الإعلان أن هناك مستقبلاً لمَن هوى في الآلام أصبح بلا أمل ولا رجاء. رسالة الكنيسة هي في اتّخاذ كل الوسائل لتخفيف عن آلام الناس بكافّة أنواعها وأشكالها ومهما كانت أسبابها. رسالة الكنيسة هي رسالة يسوع المسيح: في وسط الآلام والمحنة يفتح الله طريقاً لكل إنسان، يعد بمستقبل، يقيم من الموت، كما أقام ابنه الوحيد سيداً وربّاً في السماوات وعلى الأرض للأبد.

الألم، هل من معنى؟

أنوار على الطريق

يمرّ طريق حياتنا بالآلام، آلام حياتنا الشخصية وآلام مَن نقابلهم على طريقنا. ولنا ولهم لا وجود لوصفة سحرية للتخلّص من تلك الآلام أو الإجابة على التساؤلات والهواجس التي تثيرها في نفوسنا وقلوبنا.

تشوّه الآلام إنسانيتنا وتحطّم حياتنا. هي قوى عبث ولا معنى تتسلّل إلى قلوبنا، تملأنا باليأس والخوف، وتُذيقنا طعم الفناء والموت.

لكن هل من سبيل للوصول إلى معنى عبر الآلام وبالرغم عنها؟ سنحاول تلمّس طريقنا، مع الاعتراف مبدئياً بالتقدير لكل مَن وقع تحت الآلام ولم يستطع الوقوف أو الوصول إلى معنى لحياته المحطّمة من جرّاء الظلم والعنف والألم. نسعى لاكتشاف أنوار على طريق الخروج من الألم، ونحاول إعطاء معنى للحياة بعد أن أصابها الألم. ونكتشف أن الخطوات البسيطة للخروج من الألم والتفوق عليه هي ما تعطي معنى للحياة عبر طريق الألم وبالرغم منه. ولا يتم الخلاص من الألم في لحظة، لأن الشفاء منه مسيرة نهوض مستمر ورجاء متجدّد، ولأن مقاومة سطوته فينا وفي الآخرين يستغرق حياتنا كلها.

  • التعبير عن الألم:

تثير الآلام الثورة والرفض: «إلامَ يا رب؟…» (مز 89/47)، أو، كما يقول إرميا «لماذا صار ألمي دائماً وضربتي معضلة تأبى الشفاء؟ إنك صرت لي كينبوع كاذب، كمياه لا يعتمد عليها» (15/18). وبعد الثورة عليه، يأتي الخوف من أن يعود مرة أخرى بعد أن يذهب. ولذا فلا بدّ من تعلّم التعبير عن الثورة والغضب والخوف أمام الألم، وذل ليس سهلاً دائماً، بسبب الخجل أو اليأس من أنفسنا أو من الآخرين. ولكن التعبير عن الذات هو أول الخلاص، ويعني أنّنا نثق بالآخر بالرغم من كل شيء. وتعرض لنا المزامير درساً رائعاً في هذا الشأن: «اللهم خلّصني فإن المياه قد بلغت حلقي… زاد عدد شعر رأسي عدد الذين بلا سبب أبغضوني… اللهم أنت عالم بحماقتي ولم تخفَ عنك آثامي… إني بائس ومتوجّع، فليحمني خلاصك يا الله… لأن الرب للمساكين يستمع وأسراه لم يزدرِ» (69/1، 5أ، 6، 30، 34).

ومريم، أخت لعازر، انغلقت في حزنها على أخيها الذي مات، وفي غضبها على يسوع لأنه تأخر في المجيء ليشفي أخاها. ولم يُنقذها من انغلاقها سوى نداء أختها، مرتا: «المعلم ههنا وهو يدعوك» (يو 11/28). وبدأت مريم مسيرة الخروج من ألمها بالتعبير ليسوع عن مدى حسرتها على موت أخيها وعن خيبة أملها في يسوع نفسه: «يا رب، لو كنت ههنا لما مات أخي» (يو 11/32). وتستمر المسيرة بالمضيّ نحو القبر حيث أنتن الميت. فتظهر الحياة في مواجهة الموت، ويتم شفاء القلب في التصدّي للشك والتردّد. وهنا يطلب يسوع إلى مريم ومرتا إيماناً به وبمحبته للعازر أقوى وأكبر من الموت: «فقال يسوع: «ارفعوا الحجر». قالت مرتا، أخت الميت: «يا رب، لقد أنتن، فهذا يومه الرابع». قال لها يسوع: «ألَم أقل لك إنك إن آمنت ترين مجد الله؟»… قال هذا ثمّ صاح بأعلى صوته: «يا لعازر، هلمّ فاخرج». فخرج الميت…» (يو 11/39-40، 43).

تبدأ المعجزة في قلب الأختَين، مرتا ومريم، حين يخرجان من صمتهما، ويعبرّان عن ألمهما، ويجدّدان إيمانهما بيسوع في وسط الموت وبالرغم من الألم، وتنتهي المعجزة بخروج لعازر من القبر. وإن لم تكن المعجزة الأولى قد تمّت في القلب، لما كان بالإمكان الوصول إلى الثانية. إن الله يغيّر القلوب ويفتح فيها طرق حياة في وسك الألم والموت. وهذه هي المعجزة اليومية التي تحدث لكل واحد منّا. ربّما لا تتغير الظروف الخارجية الصعبة، وربّما لا تتحوّل المضايق الداخلية المجرّحة، ولكن القلب يتغيّر دائماً بنعمة الله وتنفتح داخله آفاق صبر وتحمّل وأمل، لمَن يضعون ثقتهم بالرب.

  • طرق مسدودة وآفاق جديدة:

وينقذنا الكلام من الانغلاق في المرارة والعدوانيّة، المرارة والعدوانيّة على أنفسنا وعلى الآخرين: «أنا السبب، أستحقّ كل ما يجري لي»، «هو السبب وراء مشاكلي كلها»،… فعندما نتحدّث، نكتشف الأشياء بموضوعية أكبر، تلغي التضخّم الذي يُحدثه الألم في تأنيب الذات وفي اتّهام الآخر.

ويساعدنا الكلام عندما نمرّ بالآلام على التعرّف إلى ردود فعلنا التي يشوبها أحياناً الرجوع إلى الوراء، أي التصرّف بشكل طفوليّ أو مراهق: أنانية، طلب إشباع سريع للرغبات، علاقات انصهاريّة مع الآخرين، ردود فعل سريعة غير متعقّلة، عدم تحمّل النقص المادّيّ والعاطفيّ والروحيّ،… فعلى سبيل المثال، يبدأ بعض الأشخاص في الحديث عن أنفسهم بلا انقطاع كالأطفال، كأنهم أصبحوا مركز الكون، ويطلبون من الآخرين أن يتحولوا إلى خدم لهم. ويتراجع بعضهم إلى الخلف، محاولين، بحثاً عن التعزية، تلبية احتياجات «فميّة» كالأكل بشراهة، أو شرب الكحوليات من دون أدنى تعقل، أو التدخين بجنون، …. ويحاول آخرون نسيان ذواتهم في الغرق في العمل، في الاستغراق في مشاهدة التليفزيون ساعات طويلة، أو في البحث عن إشباع ملذّات جنسية بوجه أناني وغير بناء للشخص وللآخرين.

ويقع بعضهم فريسة للغيرة وللحسد، وللغضب والعصبية. ويرتبط بعضهم الآخر بأشخاص معيَّنين بوجه يحيطه اللبس والإبهام. ففي كل هذه الأحوال، يسمح الكلام للمتألم بالدخول في علاقة سويّة مع مَن حوله، يمكنهم من توجيه نظره إلى بعض ردود أفعاله الزائدة عن الحدّ، أو تلك التي يشوبها مظاهر الطفولة أو المراهقة.

ويلجأ بعض الناس إلى الصلاة بوجه يعني رفض مواجهة الواقع المؤلم (مرض، حادث، فشل أو رسوب، موت،…)، ومحاولة اقتلاع هذا الواقع كأنّ ما حدث لم يحدث قطّ، وكأنّ الزمن قد أُلغي. فيطلبون الشفاء السريع من مرض خطير، أو ينغلقون في مخيّلتهم مع ذكريات وصور مَن رحل عنهم، أو يرفضون قبول فشل ما بالغرق في الحزن والبكاء، وغير ذلك من الأمثلة التي نعرفها. ونحن نعلم أن قوة الصلاة تكمن في الانفتاح على المستقبل وانتظار نعمة الله التي تنتصر على الموت ولكنها لا تُعفي المؤمن من المرور به.

فيسوع في بستان الزيتون كان يطلب من أبيه إبعاد الكأس عنه، إلا أنه عبَّر عن ثقته العميقة بالله وعن تسليم حياته ومصيره ومستقبله بين يديّ الآب. وعلى الصليب لم يردّ الله على طلب الناظرين الذين تهكّموا على يسوع وطلبوا من الله أن ينزل ليُنقذه من الصليب: «خلَّص غيره، ولا يقدر أن يخلّص نفسه. هو ملك إسرائيل، فلينزل الآن عن الصليب. اتَّكل على الله، فليُنقذه الآن، إن كان راضياً عنه، فقد قال: أنا ابن الله» (متّى 27/42-43). كان طلبهم يعني أنه، إن كان الله معه، فليلغِ الصليب والألم والموت، في حين كانت صلاة يسوع تسليم لحياته ومصيره بين يديّ الآب بكلّ إيمان وثقة في الله القادر أن يقيمه من الموت: «يا أبت، في يديك أجعل روحي» (لو 23/46).

في طريق البحث عن معنى لحياتنا المهتزّة تحت وطأة الألم، قد تساعدنا الذاكرة مساعدة كبيرة. فتتذكر ما صنعه الرب في الماضي، كيف وكم خلّصنا؟ وهذا هو ملخّص صلاة المزامير: أنت، يا رب، من خلّص آبائي، ستخلّصني أنا أيضاً، أنت، يا الله، مَن كان معي منذ بداية حياتي، لن تتركني اليوم في ألمي، كما خلّصتني في السابق ستخلّصني مرة أخرى، ما أكثر وأعظم مراحمك يا رب.

وقد تعطينا العودة بالذاكرة إلى الماضي رجاءاّ ينير ما نعيشه اليوم وفهماً يُوضّح لنا ردود أفعالنا وكيفية مواجهتنا للظروف المؤلمة. فمن المهمّ أن تُذكر طريقة معالجتنا السابقة لخبرة الألم وكيف واجهناها وكيف تغلّبنا عليها، فنتجنّب الطرق المسدودة التي تُغرقنا في الحزن والألم، ونتمسّك بكلّ قوة بالوسائل التي تساعدنا على تخطّي الفترات الصعبة. فعلى سبيل المثال، قد نكتشف أن الأكل بشراهة لم يُفد، أو أن إغلاق الغرفة على أنفسنا لم ينفع، في حين شعرنا بجدوى الحديث إلى شخص حولنا، أو أحسسنا بأهمية عدم الانقطاع عن نشاطنا وعملنا.

للخروج من الألم، قد يكون السبيل إذاً في الذاكرة التي تتذكّر أعمال الله في الماضي، وفي الإرادة التي تنتبه لما يحدث لها اليوم من نِعَم، فتدفع الإنسان إلى انتظار الله بملء الثقة والرجاء فيه. وقد تفتح لنا هذه الخطوات الصغيرة آفاق نضج متجدّد لشخصيّتنا، واكتشاف أكبر وأعمق لقدرات وأبعاد مجهولة في حياتنا. كم من مرة بعد عبورنا تحدٍّ معنويّ أو ماديّ (سير على الأقدام لمدّة طويلة، مواجهة دروس صعبة، تخطّي تحديات كبيرة في العمل، …)، نقول لأنفسنا: «لم أتصوّر قطّ أنّي قادر على فعل ذلك».

إذاً قد يكون العبور بالألم فترة نتعرّف فيها إلى ما لم ينضج بعد في أنفسنا، ما بقي فينا من طفوليّ أو مراهق. فقد يساعدنا العبور بالألم على التعرّف إلى ما يعوق نموّنا ونضجنا وإيماننا، وعلى ما يمنعنا من الحياة من أجل الآخرين. لا تساعد الآلام في حدّ ذاتها على النموّ، لكن ما يساعدنا هو اكتشافنا ذواتنا وطريقة حياتنا وتفاعلنا مع الناس والأحداث من خلال خبرة الألم.

  • القلب المنتبه:

ولعبور فترات الألم، يجب علينا أن ننتبه إلى الأمور الصغيرة التي تعطينا تعزية وسلاماً، وأن ننتبه إلى الأضواء الخافتة التي تبدأ بالظهور في ظلمة حياتنا. فالسبيل الغامر يبدأ بقطرات ضعيفة، والنور يبدأ في الظهور في قلبنا عبر مكالمة تليفونية من صديق يواسي، من خلال مرح طفل صغير في العائلة، من خلال انتباه بسيط إلى مشكلة إنسان غيرنا، من خلال كلمة سمعناها من شخص تقيّ أو قرأناها في كتاب صلاة، …. فنتمسّك بهذه الأنوار ونسير وراءها إلى الأمام بكل قوة، لأنها ستزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، وستترسّخ فينا حتى تصبح يقيناً.

ويجب علينا أيضاً أن ننتبه إلى التواطؤ الخفيّ مع الألم، عندما نحتقر علامات التعزية الصغيرة ونتجاهل الأضواء الخافتة المنيرة في قلبنا، أو عندما نفضّل البقاء في الألم لأنه يجلب لنا بعض الفوائد غير المتوقّعة كالتفاف الناس حولنا وإشفاقهم علينا، أو عندما لا نجرؤ على الرجاء في الحياة مرة أخرى، فلا نقاوم الحزن ولا نعالج المعوقات، بل نستسلم لها.

  • التضامن مع الآخرين:

اكتشف أيوب أن طريق الخروج من آلامه يمرّ بالانتباه إلى الآخرين، إلى المظلومين والمتألمين، وبالبحث عن العدالة وبالعمل على تحقيقها. وفي الإنجيل يطلب يسوع من تلاميذه الجائعين والتعبين إطعام الجموع الجائعة، فيُشبع الكل ويُفيض الخبز (مر 6/30-44). وبعد القيامة يظهر يسوع لتلاميذه الخائفين، ويريهم جروحه معطياً السلام لهم ونافخاً الروح فيهم، فينطلقون لتحرير كل الخائفين والمقيَّدين (يو 20/19-23). شبع التلاميذ عندما تخطّوا ألم جوعهم وتفوّقوا على تشكّكهم، فشاركوا الجموع بالأرغفة والسمكات القليلات، بناء على طلب يسوع وببركته. وانطلق التلاميذ يُعلنون البشارة بغفران الخطايا بعدما رأوا الرب وفرحوا لأنه قد انتصر على الجروح التي سبَّبوها له بخطيئتهم وخوفهم وهربهم.

في الإنجيل، نرى الجوعان يُطعم الجائعين، والخاطئ يبشّر بغفران الخطايا. يمرّ طريق الحياة ببذلها في سبيل الآخرين، ويشعّ النور في قلوبنا حين نقاوم الظلام في قلوب الآخرين. لذا، عندما يطبّق علينا الألم، فلا نتراخى عن نجدة مَن يستغيث بنا أو يطلب مساعدتنا وصداقتنا. فهذا هو طريق خلاصنا وخلاصهم. فعلى سبيل المثال، قد تجد الجَدّة الأرملة شعاعاً من نور في مساعدة حفيدها على عمل واجبه المدرسيّ، وقد يتفوّق مريض على جزء من اكتئابه عندما يستمع إلى جاره المريض في غرفة المستشفى، وقد يجد الكاهن الذي يمر بجفاف روحيّ شيئاً من التعزية في إرشاده الروحيّ لأشخاص يشعرون المشاعر نفسها. يشعّ النور عندما نواجه قوى الظلام من شك وحزن وتردّد، فينا وفي الآخرين. تظهر الحياة في واقعنا وتاريخنا عندما نقاوم الجوع والخطيئة فينا وفي الآخرين.

وكذلك نرى بذل الذات في سبيل الآخرين في حب الأم لأولادها، وفي تعب المدرس من أجل تلاميذه، وفي سهر الطبيب على مرضاه. ولا يبحث هؤلاء عن التعب ولا عن الألم، ولكن التضحية بالذات في سبيل مَن نحب هي بمثابة ولادة جديدة لا تخلو من التعب والألم، ولادة تجد معناها في المحبة وفي عطاء الحياة، ولادة تبعث الفرح والرجاء وتنسى الضيق لأنه قد «وُلد إنسان في العالم» (يو 16/21). ومن هذا المنطلق بوسعنا أن نفهم كلمات بولس الرسول: «يسرّني الآن ما أعاني لأجلكمفأُتمّ في جسدي ما نقص من شدائد المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة…» (قو 1/24، 29). لا يرغب الرسول في الآلام ولا يبحث عنها، ولكنه يتحمّلها محبة للآخرين ليلدهم في المسيح.

  • المساندة الروحية وخبرة القيامة:

في طريق البحث عن معنى للألم، بكون حضور الآخرين بجانب الإنسان المتألم هاماً وضرورياً (وجد أيوب في شخص أليهو مَن ساعده على تعميق وجهة نظره وعلى الانفتاح على معنى جديد لحياته؛ استنجدت مرتا ومريم بيسوع لمساندتهما في مرض أخيهما، وجاء يسوع ليقف بجانبهما؛ طلب يسوع من تلاميذه الحضور بجانبه في بستان الزيتون؛…). الحياة والرجاء مُعدِيان، ينتقلان من شخص إلى شخص، وهما دائماً هبة من شخص لشخص آخر. وإذا كنّا أحياء اليوم، فيعود الفضل إلى أشخاص عديدين ساعدونا بحضورهم وبمثالهم، ساعدونا بكلماتهم وبوقوفهم إلى جانبنا في مواجهة الألم، أيّاً كان نوعه وسببه.

وإذا كنّا نؤمن اليوم، فيرجع الفضل إلى ما أعطانا الآخرون من إيمانهم، ومن رجائهم، ومن محبتهم وسط المضايق والآلام. وإذا كنّا نحيا اليوم، فيرجع الفضل إلى الأشخاص الذين قابلناهم في حياتنا ولم يُخفوا آلامهم وضعفهم وجرحهم، بل كشفوا لنا طريق الفصح الذي عبروه.

خبرة القيامة هي إعلان: يظهر يسوع لتلاميذه ويُريهم جروحه، إنها لم تَختَفِ، لكنها صارت علامة الانتصار على الألم والموت، وأصبحت إعلان عن الفرح الذي يهبه القائم من بين الأموات. يخلّص يسوع تلاميذَي عمّاوس من الحزن واليأس، فيجريان في وسط الليل إلى التلاميذ في أورشليم ليعلنوا أن المصلوب قام من بين الأموات وقد تعرّفوا إليه عند كسر الخبز. من إعلان لإعلان، تنتشر بشرى القيامة: يسوع الناصريّ، المصلوب، هو حيّ.

  • من أنا؟

وهكذا قد تساعدنا الآلام على اكتشاف حقيقة حياتنا، وهذا ما يسمّى التواضع. فلا يعني التواضع الانحطاط، بل تقبُّل حقيقة حياتنا وعلاقتنا بالله والآخرين كما هي. مع الألم، تسقط صورنا عن أنفسنا: صورة الصحة التي لا تعرف المرض، القوة الداخلية التي لا تعرف الاضطراب، الغنى المعنويّ أو الماديّ الذي لا ينضب ولا يتغيّر، التعزية الروحية التي لا تفهم معنى الجفاف،…. عندئذ قد ينفتح أمامنا طريق جديد نكتشف من خلاله ذواتنا مختلفين عمّا كنّا نعرف أو نتصوّر عن أنفسنا، نكتشف أنفسنا كأشخاص أكثر حساسية، أكثر شفافية، أكثر تحمّلاً وصبراً، كأشخاص أكبر قدرة على فهم الآخرين والتضامن معهم، وأعمق إيماناً بالله وثقة به.

وإذا أتت الظروف المؤلمة على ما كنّا نمتلك ونحيا من جميل وحلو ومهم، فقد نكتشف، عبر خبرة الألم، حقيقة أنفسنا كإنسان يحيا بواسطة الآخرين ومن أجلهم، إنسان يحيا بنعمة الله ومن أجله. وهذا ما يعبّر عنه بولس حين يقول عن كيانه الجديد في المسيح: «… فإنّي بالأحرى أفتخر راضياً بحالات ضعفي لتحلّ بي قدرة المسيح. ولذلك فإنّي راضٍ بحالات الضعف والإهانات والشدائد والاضطهادات والمضايق في سبيل المسيح، لأني عندما أكون ضعيفاً أكون قويًّا» (2 قور 12/10). لا يبحث الرسول عن الشدائد ولا يبغي المضايق، ولكن عندما تحلّ به الإهانات ويلقى الاضطهادات ويشعر الضعف، يكتشف نفسه محمولاً بقوة محبة المسيح له.

وهكذا قد نكتشف أن قيمة حياتنا لا تعتمد على ما نحن عليه أو نملكه، بل على كون كل واحد فينا مهماًّ وثميناً في نظر الآخرين وفي نظر الله. وهكذا قد تعبر بنا الآلام إلى اختبار حرّية متجدّدة، هي حرّية القلب الذي يسكن في الله ويسكن الله فيه.

نافذة

تحمُّل الآلام طريق صعب وثقيل، ومواجهة الآلام كفاح طويل ومرير، والنصر ليس بديهياًّ أو واضحاً. ولكن إيماننا يعلن أنه ليس للموت والآلام الكلمة الأخيرة في حياة الإنسان، وإيماننا يدفعنا دفعاً لاتّخاذ موقف إيجابيّ للتخفيف من الألم، بل إلى نزعة من حياة البشر، وإيماننا يدعونا بكل قوة إلى التضامن الفعليّ مع كل المتألمين والمظلومين. الآلام هي قوة انغلاق وتحطيم، ونغلبها بالخروج من ذواتنا للدفاع عن كل المتألمين، وقد كان هذا طريق الأنبياء وأيوب ويسوع. تدفعنا الآلام دفعاً لمقاومتها، لإزالتها بكل ما أوتينا من قوة ومقدرة ووسائل.

لماذا الألم؟ لماذا أنا؟ لا توجد لدينا إجابات شافية أو كاملة عن هذه الأسئلة، ولكن نحن واثقون بأننا للحياة والفرح، ونحن واثقون بغلبة يسوع المسيح على الألم والخطيئة والموت.

في وسط العالم نحن شهود على القيامة، نحن فعلة للعدالة، نحن مقاومو الألم، الظلم، المرض والحزن.

في وسط العالم، حياتنا هي إيمان بيسوع القائم من بين الأموات، وإذا جرّدتنا الآلام من كل شيء، فنحن نعلم أنّنا نستمدّ حياتنا من الله وقيمتها الوحيدة هي أن نكون فيه: «فمَن يفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدّة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عريٌ أم خطر أم سيف؟… ولكننا في ذلك كله فزنا فوزاً مبيناً بالذي أحبّنا وأنّي واثق بأنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا أصحاب رئاسات، ولا حاضر ولا مستقبل ولا قوات ولا علوّ ولا عمق ولا خليقة أخرى بوسعها أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا» (روم 8: 35، 37-38).

 

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

إقرأ أيضاً:

2- سفر أيوب: لماذا الألم؟

بعد أن تناولنا ماهيّة الألم وآثاره في الإنسان والسؤال الذي يثيره حول معنى الحياة، يظلّ السؤال الذي يتردد دائماً: «لماذا الألم؟ وما السبب؟ ومَن المسئول؟».

بادئ ذي بدء، نقول إن هذه الأسئلة صحيحة لأنها تدلّ على أن السائل يعي أن الألم شر لابد من تجنّبه، وإذا وقع فلابد من اقتلاعه. لم نجد في قرائتنا السابقة للمزامير ولن نجد في الكتاب المقدس كله دفاعاً عن الألم ولا طلباً للألم ولا استمتاعاً بالألم.

لكن كيف يرد الكتاب المقدس على هذا السؤال: «لماذا الألم؟».

لن نجد إجابة واضحة، نهائية وشافية على هذا السؤال، ولكنّنا سنحاول تلمّس طريقنا في الإجابة عليه من خلال قراءة لاهوتيّة لسفر أيوب، وعند اللزوم سنتطرّق إلى أسفار أخرى من الكتاب المقدس أو نعرض بعض التفسيرات الفلسفية واللاهوتيّة الشائعة.

  • ما هو سفر أيوب؟

يصنَّف سفر أيوب في باب الكتب الحكميّة التي تعرض سرّ الإنسان والحياة والموت، وتخاطب الإنسان أياً كان، ناقلة من حكمة البشر ما يساعد كل مؤمن على فهم سر الحياة والحب والعمل والخلق والخلود. وأيوب هو أحد الحكماء الذي واجه مثل باقي البشر السؤال الذي يطرحه الألم والمرض والموت. ونحن لا نعرف لأيوب وطناً أو زمناً أو ديانة، غير أنه رجل مؤمن بالله. ويعود زمن كتابة السفر غالباً إلى ما بعد سبي الشعب العبراني إلى بابل(587-534 ق.م).

  • مَن هو أيوب؟

أيوب هو رجل صالح بمدحه الله: «إنه رجل كامل مستقيم يتقي الله ويجانب الشر، وإلى الآن متمسّك بكماله» (2/3). ويأتيه الشر من مصدر غريب عن الله وعن الإنسان. فنسمع الشيطان يشكّك في صدق إيمان أيوب ويشكوه لله. يبحث سفر أيوب أولاً وأخيراً في أساس العلاقة بين الله والإنسان، والسؤال هو التالي: هل يطيع الإنسان الله بسبب الخيرات التي ينعم بها؟ وبالنسبة إلى الشيطان، إذا نُزعت هذه الخيرات، ارتدّ الإنسان عن الله وأبطل علاقته به.

  • مصائب أيوب:

بفقد أيوب صحته وبنيه وممتلكاته كلها، فيبقى مؤمناً بالله ولم يجدف أبداً عليه: «وقال: عرياناً خرجت من بطن أمي وعرياناً أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ، تبارك اسم الرب. في هذا كله لم يخطأ أيوب، ولا عتب على الله». (1/21-22). يؤمن أيوب بالله ويعترف بقدرة الله على كل شيء. ولكن هذا الاعتراف الإيمانيّ المبدئيّ لا يجاوب على التساؤلات التي يطرحها الألم: لماذا؟ لماذا؟ من أين يأتي؟ ومَن السبب؟. بل أكثر من ذلك، إنه لا يعيد السلام والنور إلى علاقة أيوب بالله، تلك التي اهتزّت تحت وطأة الألم، وجعلت أيوب يتساءل مَن هو الله الذي يرى الشقاء الذي حلّ به واحد تلو الآخر من دون أن يرحمه، وهل هو الله الذي أرسله ولماذا، وما موقف الله من الإنسان المتألم. ولذا ظلّ أيوب يعبّر بكل صدق وإصرار عن ألمه وعن صراعه لفهم معنى ما حدث له.

ويأتي أصدقاء أيوب لتبرير ما يحدث له: إذا فقدت خيراتك فلابد أنك خاطئ، لأن الله يكافئ الصالحين ويعاقب الأشرار. يدخل موقف أصدقاء أيوب في إطار نظرية لاهوتيّة شائعة في أذهاننا حول المجازاة الزمنيّة، فالأشرار يعاقبون والصالحون يكافأون. لنسمعهم يقولون لأيوب: «أذكر هل هلك أحدْ وهو بريء وأين دمرّ أهل الاستقامة؟ بل هل رأيت أن الذين يحرثون الإثم ويزرعون المشقة هم يحصدونها… أيكون الإنسان باراً أمام الله أم الرجل طاهراً أمام صانعه؟» (4/7-8، 17).

وفي نظر أصدقاء أيوب، وعلى رأسهم أليفاز، لا يمكن إنكار هذه النظرية، وعلى أيوب أن يتوب: «وأنت إن بكّرت إلى الله وطلبت رحمة القدير وكنت نقياً ومستقيماً، ففي الحال يغار عليك ويلبّي صدق نواياك» (5/8). وبكل ثقة يدعون أيوب إلى الاعتراف بفهمهم للحقيقة: «هذا ما فحصناه وهو الحق فاسمعه وانتفع به» (5/27). وحتى النهاية سيظل أصدقاء أيوب مصمّمين على رأيهم، يردّدونه بلا هوادة ويدافعون عنه. وليس موقف أصدقاء أيوب غريباً عنّا، فنحن نطرحه على أنفسنا عندما نتعرّض لمكروه: يا ترى ماذا فعلت لأستحقّ هذا؟ ما خطأي كي أتألم كما أتألم الآن؟

  • تبريرات الألم؟

ونسمع تبريرات كثيرة للمصائب والآلام. ولكن كلّما كانت نهائية وواثقة من نفسها، فهي في أغلب الأوقات خاطئة، وفي كل الأحوال لا تساعد المتألم على اكتشاف معنى لحياته بالرغم من الألم. وقبل أن ندخل مع أيوب في طريقه نحو الله من خلال الألم الذي حطّ به، نعرض سريعاً بعض التبريرات التي كثيراً ما نسمعها، وللأسف كثيراً ما نردّدها على مسامع من يتألمون.

بعض اللاهوتيين والفلاسفة يقولون إن الشر هو ظل الخير، ويفقد طبيعته كَشرّ إذا وُضع في الإطار العام للتطوّر. فالألم هو أزمة نمو، والحروب هي ولادة للتاريخ. ولكن هذا التبرير الغريب يزيد المتألم ألماً ويولّد في قلبه الغضب والثورة على كل شيء، على الناس وعلى الله. فيقول المتألم: «لماذا أتحمّل أنا ثمن هذا التطور؟ لماذا هكذا أتألم؟ أيّ نمو وأيّ حياة أجني من آلامي المدمرة؟». وكما سنرى مع أيوب، فالله لا يريد الشر ولا الألم، فالله لا يحطّم ولا يدمر ولا يتواطأ مع أيّ قوة تنال من الإنسان، من حياته وسعادته.

يقول بعضهم إن الألم عقاب عن شر اقترفه الإنسان، فماذا نقول عن آلام الأبرياء: أيوب، يوسف، يسوع، الأطفال المرضى، المسجونون بسبب آرائهم. أيّ شر فعل هؤلاء؟ وأيّ خطأ اقترفوه؟ وفي رأي بعضهم الآخر، ينتج الألم والشر من الاستعمال السيّئ لحرية الإنسان، ولكن ماذا نقول عن التفجيرات البركانية والأعاصير المدمرّة والأمراض الوراثية. ويقول بعضهم الآخر إن الأمراض والشيخوخة والكوارث الطبيعية ما هي إلا نواقص في الطبيعة وتعبير عن قدر محتّم، ولكن معرفة السبب وشرحها لا يلغي ثقل الألم وتأثيره في الإنسان.

ويحاول بعضهم التخفيف عن ألم الناس، فيقولون في أحاديثهم الروحيّة للمتألم: «إن كنت تتألم فذلك علامة عن حب الله أنه يجرّب مَن يحبّ». «يا ليته يحبّني حبّاً أقلّ قليلاً، فالألم يعصرني عصراً»، يجاوبهم الإنسان المتألم. ويزيد بعضهم فيقول للمتألم: «افرح لأن آلامك تخلّص العالم». والسؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: كيف يتحول ألم بلا معنى إلى قوة خصبة للحياة؟ كيف يتحول مصدر اليأس في حياة إنسان إلى رجاء للآخرين؟ كيف يصير ما هو غير آدمي في حياة شخص إلى قوة تحرير للآخرين؟ كيف يقبل الله تقدمة ما يشوّه الإنسان ويحوّله إلى دودة حقيرة؟ كيف يفرح حين ينظر إلى الإنسان في هذه الحال؟

يبقى كل شرح لأسباب الألم ناقصاً وغير صحيح، قد يقول شيئاً نافعاً لكنه يهدم على الجانب الآخر أشياء كثيرة. يحاول الإجابة عن سؤال ويطرح عدّة أسئلة أخرى أخطر: مَن هو الله، وما هي إرادته على الإنسان، أيّ صورة عن الله نقدّم للناس، وماذا نقول للإنسان المتألم؟

مصير كل محاولة لشرح الأسباب بطريقة نهائية وشاملة هو الفشل. فهي تسعى إلى التبرير، ولكنها لا تساعد الإنسان المتألم على مواجهة ألمه وعلى توجيه حياته، بل تزيده ألماً على ألم.

وهذا ما حدث لأيوب عندما لم يدخل في نظرية أصدقائه، فطلب منهم الصمت رحمة له: «مَن لي بأن تسكتوا فيكون لكم في ذلك حكمة. اسمعوا حججي وأصغوا إلى دعاوى شفتَيَّ، ألإرضاء الله تتكلمون بالظلم أم لأجله تنطقون بالخداع؟» (13/5-7). وأكثر من ذلك، فالإنصات إلى المتألم يصبح بمثابة تعزية لهم: «اسمعوا قولي سماعاً ولتكن لي منكم هذه التعزية، اصبروا عليّ فأتكلم وبعد كلامي تسخرون» (21/3). وذلك يُفهمنا كم قد تكون أحاديثنا للأشخاص المتألمين كالسكاكين التي تغمد في جروحهم، وكم يصبح استماعنا إليهم تعزية لنا.

  • طريق أيوب نحو الله والآخرين عبر الآلام:

تكمن عظمة أيوب في دفاعه عن نفسه وفي بحثه الدؤوب عن تفسير لما يحدث له، وفي إلحاحه على الله كي يكلمه ويرشده. ويُظهر سفر أيوب مسيرة المعاناة والآلام التي مرّ بها أيوب، كما يبيّن لنا طريق الخلاص الذي اتّخذه كي يصل في النهاية إلى السلام والطمأنينة في معاينة الرب.

  • صرخة الحياة:

أول طريق الخلاص صرخة، وصرخة قوية مدوية، هي صرخة كل إنسان متألم: «بعد ذلك فتح أيوب فمه ولعن يومه وتكلم أيوب وقال: لا كان نهار وُلدت فيه ولا ليل قال: قد حُبل برجل» (3/3). أمام الآلام يصبح الكون والحياة بلا معنى، بل أكثر من ذلك، يفضي الألم بالإنسان إلى تفضيل الموت على الحياة لأنه قوة موت وتحطيم للإنسان. الآلام هي عبث ولا معنى. ليتني لم أولد، يعلن أيوب، ويقول: «فلا طمأنينة لي ولا قرار ولا راحة وقد داهمني الاضطراب» (3/26). وأمام الألم، ردّد إرميا أيضاً الكلمات نفسها: «ملعون اليوم الذي وُلدت فيه، اليوم الذي ولدتني فيه أمي لا يكون مباركاً» (إر 20/14).

أول طريق الخلاص هو صرخة الألم التي ترفض الألم وتدين التدمير والتحطيم اللذين يُدخلهما إلى الحياة. أول طريق الخلاص هو التعبير عن مدى التحطيم والتشويه اللذين يسبّبهما الألم في الإنسان. وهذه الصرخة موجّهة نحو الله كتساؤل حار، كحيرة مريرة، كاستفهام قوي ومُلحّ: لماذا؟ لماذا؟ فهي إذاً تحمل في طياتها، بالرغم من ثورتها وتمردها ورفضها، رجاءاً وطلباً للخلاص. هي صيحة رجاء، لأنها تعدّت صمت الموت الذي يحمله الألم، وهي طلب للخلاص لأنها تؤمن بالحياة بالرغم من الموت الذي يجلبه الألم.

  • لا استسلام للألم:

ثانياً، يرفض أيوب وجهة نظر أصحابه الذين يرون في شقائه عقاباً من الله ويستمرّ في رفض نظريتهم بكل قوة وحتى النهاية. ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أن أيوب يرفض تبريراً لألمه لا يعيد إلى حياته التوازن المفقود، بل، وهذا هو الأهم، يرفض أيوب الاستسلام لتبرير للألم لا يعطي معنى لحياته، ولا يعطي نوراً لعلاقته بالله وبالآخرين. في نظر أيوب، لا تساعده تبريرات أصدقائه على القيام من سقطته، ولا على السير في طريق الحياة ولا على استعادة التوازن المفقود في علاقته بالله وبالآخرين. على العكس، هي تكرّس العبث واللا معنى اللذين نزلا به، وتزيده ألماً على ألم وحسرة فوق حسرة. تبريرات أصدقاء أيوب اللاهوتية هي عبارة عن لمات جوفاء.

 ويرى أيوب في تبريرات أصدقائه محاولة منهم للتهرّب من الأسئلة الحقيقية التي يطرحها الألم على حياة الإنسان. هم يحاولون تبرير أوجاع أيوب ليسكنوا من خوفهم أمام الألم وتهديده المستتر لهم، لأنه في حال ظهور خطأ نظريتهم، يصبح الألم بلا مفهوم، كقوة غامضة قادرة على ضرب أيّ إنسان بلا تمييز وبلا سبب. وقد يكون هذا موقفنا أمام الألم والإنسان المتألم، نريد تبريراً سريعاً لما يحدث له، نريد أن نعطيه إجابة شافية، نريد أن لا نبقى بجانبه طويلاً، لأننا كلنا خائفون ومرعبون من شبح الألم. نريد كتم صرخة المتألم لأنه يُفزعنا، نريد إبعاد المتألم عن أعيننا لأنه يرعبنا. ألم نقرأ في الإنجيل (مر 10/46-52) كيف طلب الناس من أعمى أريحا، برطيماوس، الكفّ عن الصراخ «رحماك، يا ابن داود؟». فيسوع لا يخاف من مواجهة الإنسان المتألم ولكنه يحترم حرّيته وإرادته حتى يخلّصه من ألمه.

يعترف أيوب بأنه خاطئ ولكنه يسأل الله عن سبب عدم مغفرته له، ولما تتبعه خطيئته: «إذا خطئت فماذا فعلت لك يا رقيب البشر؟ ولِمَ جعلتني هدفاً لك حتى صرت عبئاً عليك؟ ولِمَ لا تتحمّل معصيتي ولا تنقل عنّي إثمي؟» (7/20-21أ). «فإنك تكتب عليّ أموراً مريرة وتُلحق بي آثام صباي» (13/26). أمام أصدقائه، يعترف أيوب بأنه إنسان خاطئ لكنه في الوقت نفسه لا يجد في حياته وتاريخه سبباً يستوجب هذه الآلام المريرة والمحطمة: «أروني الصواب فأسكت، فهمّوني في أيّ شيء ضللت. كلام الحق ما أحلى وقعه. أما لومكم لي فلا حق فيه.

أتحسبون كلامي يستحق اللوم، وهو كلام يائس يذهب في الريح؟ تلقون على اليتيم قرعة وتبيعون صديقكم بالرخص. فتطّفوا الآن والتفتوا إليّ، فإنّي بريء ثابت» (6/24-29). وأكثر من ذلك، يتفهم أيوب موقف أصدقائه، ويقول إنه بوسعه لو كان مكانهم أن يردّد الأقوال نفسها: «يا ما سمعت مثل هذا الكلام، وكم تتعبني تعزيتكم. أما للكلام الفارغ نهاية؟ وماذا يحرّضني حتى أجاوب؟ لو كنتم مكاني لتكلمت كلامكم ونمقته وهززت عليكم رأسي، أو لشجعتكم بكلمات فمي إلى أن تكلّ من الحراك شفتاي. والآن إذا تكلمت لا تزول كآبتي، أو تمنّعت فلا تذهب عنّي» (16/2-6).

وقد حسن كلام أيوب في عيني الرب، وعاتب الله أصدقاء أيوب عتاباً مريراً، رافضاً كلام أليفاز وزميليه الذين بنظريتهم اللاهوتية حول المجازاة الزمنية ظلموا في الوقت نفسه الله وعبده أيوب، وشوّهوا الله والإنسان: «إن غضبي قد اضطرم عليك وكلام صاحبَيك لأنكم لم تتكلموا عليّ بحسب الحق كعبدي أيوب. فخذوا الآن لكم سبعة ثيران وسبعة كباش واذهبوا إلى أيوب واصعدوا مُحرقة عنكم، وعبدي أيوب يصلي من أجلكم فإنّي أرفع وجهه ولا أعاملكم بحسب حماقتكم لأنكم لم تتكلموا عليّ بحسب الحق كعبدي أيوب» (42/7-8).

  • الانفتاح على آلام الآخرين:

ثالثاً، يحوّل أيوب شيئاً فشيئاً تساؤله عن ألمه الشخصي إلى تساؤل عن آلم الآخرين. يبدأ في الخروج من قوقعة آلامه عندما ينتبه إلى أحزان الآخرين. يتساءل عن معنى العدالة أمام مشهد الأشرار الذين يظلمون والأبرار الذين لا يجدون مكافأتهم، ويضيف كيف تتفق نظرية أصدقائه مع هذه الحقيقة المريرة. تحوّل رفض أيوب لألمه وللتبريرات الأشدّ إيلاماً إلى دفاع عن المظلومين وعن المتألّمين مثله. يطرح أيوب أسئلة خطيرة على نفسه وعلينا: «فإنّي كلما تذكرت ارتعت وأخذ جسمي الارتعاش. لماذا يحيا الأشرار ويشيخون ويعظم اقتدارهم؟ ذرّيّتهم قائمة أمامهم على أيامهم وخلفهم لدى أعينهم» (21/6-8).

«لماذا لا يدخر القدير أزمنة وعارفوه لا يشهدون أيامه؟، فإن من الناس مَن ينقلون الحدود ويسلبون القطعان ويرعونها. يسوقون حمار الأيتام ويرتهنون ثور الأرملة. يُبعدون المعوزين عن الطريق فيختبئ مساكين الأرض جميعاً» (24/1-4).

ومن أعماق تساؤلاته، يكتشف أيوب أن الله يقف إلى جانب الفقير والمسكين والمظلوم وأنه يهتم بهم، ويكتشف أنه بالتأكيد يهتم به هو أيضاً. ويمثل هذا التطور أو التحول الداخلي بداية النور الذي سيصل بأيوب إلى معاينة الله، عبر الألم والتجرّد والمعاناة.

 يعلن أيوب إيمانه بحضور الله المحيي في حياته، رافضاً التواطؤ مع أيّ سوء، وشاكراً على نعمة الضمير المرتاح في الرب: «حيّ الله الذي يرفض حقّي والقدير الذي مرّر نفسي. ما دامت نفسي فيَّ وروح الله في أنفي لن تنطق بالسوء شفتاي ولا يتمتم لسني بالبهتان. حاشى لي أن أبرّركم. إلى أن تفيض روحي لا أقلع عن كمالي. تمسّكت ببرّي فلا أُرخيه لأن ضميري لا يخجل على يوم من أيامي» (27/2-6).

وبالرغم من الألم الذي يُغشّيه ويحوّل شكله إلى حيوان لا إنسان، يقاوم أيوب الانغلاق على الذات لينفتح على طلب العدالة للجميع انطلاقاً من أبوّة الله للكل: «إن كنت استهنت بحق عبدي أو أمّتي في دعواهما عليّ، فماذا أصنع حين يقوم الله وكيف أجيبه حين يحقّق؟ أوليس الذي صنعني في البطن هو صنعهما وواحد كوّننا في الرحم» (31/13-15). وتكتمل العدالة برفض عبوديّة المال: «هل جعلت في الذهب ثقتي….إنها جريمة ترفع إلى القضاء لأنّي أكون قد كفرت بالله العليّ» (31/24أ، 28).

ويظهر على طريق أيوب رجل حكيم، أليهو، ليعلن له أن الله يتكلم بطرق مختلفة لا نعلمها، وهو القادر على استعمال كل الوسائل، حتى الألم، كي يتعرّف الإنسان إليه وكي ينمو في طريق إنسانيّته: «فإن الله أبر من الإنسان. فما بالك تخاصمه؟ ألأنّه لا يجيب عن جميع أعماله؟ إن الله يتكلم بطريقة ثمّ بأخرى ولا نشعر بذلك… حينئذ يفتح آذان الناس ويختم على إنذارهم ليصرف الإنسان عن عمله ويمحو الكبرياء عن الرجل» (33/12ب-14، 16-17). ويواصل أليهو حديثه مؤكداً على أن الله يأخذ جانب المتألمين والمنسحقين، هو معهم، يسمع صراخهم ويستجيب لهم: «حتى رُفع إليه صراخ المساكين» (34/28).

  • طريق النور:

فَهِم أيوب أن مواجهة آلامه تمرّ بانفتاحه على آلام الآخرين وفي مساعدتهم من دون انتظار حلّ لمشاكله، سار طريق أيوب نحو الله عبر انتباهه الفعّال والجاد تجاه إخوته المتألمين وفي السعي الصادق لمعاونتهم. ومن هنا يظهر لنا سر رفض أيوب للتفسيرات السريعة للألم وللتبريرات المتعجّلة له، فقد كانت تعني له الاستسلام للشر والظلم، وهذا يخالف إيمانه بالله الذي يحرّر ويخلّص. ومن هنا أيضاً نفهم مسيرة أيوب نحو الله، فقد مرت بالحوار الغاضب وبالرجاء الواثق، ولكنها مشت بالتأكيد غي طريق رفع المعاناة عن المساكين ومقاومة الألم.

وفي مسيرته الروحية، تدرّج أيوب في مواجهته مع الله، فنسمعه أولاً يطلب حَكَماً بينهما: «لو كان بيننا حَكَم يجعل يده على كِلَينا، لرفع عنّي عصاه ولما روّعني رعبه» (9/33-34)، ثم يتبيّن أن الله يشهد له أمام أصدقائه: «لي منذ الآن شاهد في السماء ومحامٍ عنّي في الأعالي. إن الساخرين منّي هم أصدقائي، ولكن إلى الله تفيض عيناي» (16/19-20). وأخيراً يصل أيوب إلى الرجاء المطمئن في محرّر فادٍ: «أعرف أن شفيعي حيّ وسأقوم آجلاً من التراب فتلبس هذه الأعضاء جلدي وبجسدي أعاين الله» (19/25-26).

 تجربة الموت التي مرّ بها أيوب أوصلته بعد طريق مرير إلى التعرّف إلى الله كمصدر للحياة، وإلى اكتشاف الله الذي ينقذه من الموت وينقذ العالم من الظلم. ويكتشف أيوب أن إرادة الله هي إرادة حياة تفوق كل قوى الموت. وهذه هي الكلمة الأخيرة والأكيدة عن حياة العالم وحياة أيوب: الله مع الإنسان في كل حال ليخلقه ويعطيه الحياة بالرغم من كل شيء، من وسط الألم ومن وسط الموت. الله أقوى من الألم، الله أكبر من الموت.

 وأمام الله، ظلّ أيوب واثقاً بمحبة الله وبعدله وبرحمته، فلم يتوار ولم يبتعد، بل بقي أميناً في صلاته وتضرعاته إلى الرب: «وأعرض قضيّتي أمامه وأملأ فمي حججاً وأعرف كلمات إجابته وأتفهّم ما يقول لي؟ أبعظمة جبروته يحاكمني أم عليه أن يصغي إليّ؟ فيرى أنّي خصم مستقيم وأن دعواي هي الرابحة» (23/4-7).

 وفي رد الله على أيوب (38-40)، نفهم أن نظ’رة الله إلى الإنسان تنبع من حب مجاني خلاّق، وهذا هو الأساس الذي يمكّن من التقاء الله بحرّية. لقاء الإنسان لله ولقاء الله للإنسان، هو لقاء بين حرّيتين، ومبدأه أن الله أحبّ أولاً حباً عظيماً مجانياً. تقف قدرة الله الفائقة عاجزة أمام حرية الإنسان وترفض الرضوخ المستسلم من جانب الإنسان والذي يُخفي وراءه التذمّر وعدم الرضا. يطلب الله من الإنسان أن يساهم معه في بناء عالم عادل انطلاقاً من الثقة والإيمان بأن قوى العبث هي تحت سيطرته: «أنظر إلى بهيموت الذي صنعته مثلك: إنه يأكل العشب قبل الثور» (40/15).

الألم الذي ينحر أيوب لن يقوده إلى الفناء، وهذا هو رجاؤه في وسط المحنة. يكتشف أيوب نفسه محمولاً ومأخوذاً داخل نظرة حب شاملة ومجانية. يكتشف أيوب محبة الله المجانية التي تضفي معنى على العدالة، فيدخل في فهم جديد لحياته ولمعناها ولحياة العالم من حوله. محبة الله المجانية له ولكل إنسان تدعوه للعمل من أجل العدالة في العالم ومن أجل تخفيف المعاناة عن كل المتألمين جسدياً ومعنوياً وروحياً. وهنا يجد أيوب السلام والنور لحياته: «كنت قد سمعتك سمع الأذن، أمّا الآن فعيني قد رأتك، فلذلك أرجع عن كلامي» (42/5-6أ).

محبة الله سر عميق وكبير لا تحوطه نظريات ولا تقيّده تفسيرات. وكل تبرير للألم بجرح حب الله للإنسان وينال من أبوّته الفيّاضة للبشر. محلة الله تدعو إلى الحرية والمجانية. هي نور يضيء الطريق الذي ينفتح أمام الإنسان المتألم ويدعوه إلى التقدم واثقاً في النصر على قوى الألم والظلم والقهر. محبة الله كبيرة، لا يحدّها فكر أو لاهوت، لأن المحبة تحب بدون سبب، وبدون استحقاق، وبلا حدود.

 لقاء أيوب لله هو لقاء محلة حرّ ومجاني. كفى أيوب أن الله حاضر في حياته، يقف بجانبه في غضبه على الألم وفي رفضه للألم، وكفى أيوب أن الله معه، يدافع عنه أمام الظلم الذي وقع عليه وعلى الآخرين.

«لماذا الألم» لم يجاوب سفر أيوب، بل أكثر من ذلك رفض التفسيرات الزمنية الشائعة المبررة للألم. لكنه أظهر أن الحب المجاني هو أساس العلاقة بين الله والإنسان. الألم سر في حياة الإنسان والعالم، والسؤال «لماذا الألم» تلقائي وبديهي على لسان كل إنسان وخاصةً الإنسان المتألم. وهو سؤال سويّ وصحيح لأنه يعني أن الإنسان يفهم أن الألم شر لا معنى له، وأن الألم غريب على حياته ومشوّه لها، وأنه يجب والتخلّص منه. لكن الألم لن يقهر فقط بالإجابة على هذا السؤال، بل أساساً بمواجهته من طرفنا بكل الوسائل المتاحة، وبرفضنا لكل تبرير له، وبمساهمتنا في تحرير المتألمين والمظلومين. ونحن في ذلك كله واثقون بأن محبة الله أقوى من كل ألم وظلم وعنف، ومؤمنون بحضوره معنا، هو من يعطي الغلبة النهائية على كل قوى تدمير للإنسان وللعالم.

  • شفاء القلب:

تحوّل أيوب من معاتبة الله إلى تسبيح الله بعد طريق طويل من التعبير الصادق والمرير عن ألمه وعن عدم فهمه لما يحدث له. وشيئاً فشيئاً اكتشف أن الله يقف بجانب المتألمين والمظلومين، وأن أساس حياته هو محبة الله المجانية والمتجددة له. يصل أيوب إلى التسبيح والتمجيد قبل أن ترجع إليه صحته وأملاكه، لأنه اكتشف طريق الحياة في قلبه أمام الله. ليست الصحة والأملاك سبب فرحه وتمجيده لله، بل الثقة بأن الله يهب له الحياة ويمنحه الغلبة على الألم والظلم، ويدعوه إلى تحقيق العدل والكرامة لكل إنسان.

تحوّل أيوب عبر طريق الآلام إلى إنسان حر لأنه اكتشف قيمة حياته في محلة الله له، لا في المال ولا في الصحة ولا في القوة. كل ما سبق هو جميل ورائع وجدير البحث والدفاع عنه، ولكنه وُجد من أجل الإنسان ولم يُخلق الإنسان له. هي وسائل بين يدي الإنسان من أجل حياته وفرحه وهنائه، ولكنها ليست هدفاً في حدّ ذاتها. حياة الإنسان وفرحه وهناؤه هي في محبة الله له وفي تجاوبه مع هذه المحبة، وتظهر محبة الإنسان لله وتنمو وتتعمّق من خلال علاقة الإنسان بما يملك ويمتلك. وإذا أتى الألم على المال والصحة والقوة، قد يكتشف الإنسان عبر طريق الآلام أن محبة الله حاضرة في حياته، وتساعده على النهوض والقيام والتصدّي للظلم والألم على كافّة أشكاله وأنواعه. في محبة الله، يكتشف الإنسان قيمة حياته ومعناها، يجد القوة والرجاء لمقاومة الظلم والألم. في محبة الله، يصبح الإنسان حراً.

«طوبى للذين بك عزّتهم، ففي قلوبهم مَراقٍ إليك» (مز 83/6).

 التحوّل الحقيقي هو تحوّل القلب الذي يرى ويفهم، والشفاء الحقيقي هو في القلب الذي يبرأ من تمردّه وعزلته ووحدته، ويصل إلى تجديد إيمانه بالله الخالق والمحب محبة مجانية فيّاضة. وعندئذ تتحوّل لعنة الألم إلى موقف واقعي، صادق وفعّال، ضد الألم في حياة الشخص نفسه وبالأخص في حياة الآخرين، لتخفيف الآلام ورفع المعاناة عن كل مظلوم ومسكين.

 سفر أيوب هو نشيد يمجّد العلاقة بين الإنسان والله التي هي أساسها المحبة الحقيقية المجانية أكبر وأقوى من كل ألم وكل ظلم.

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى المزامير 1 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى المزامير 1 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى المزامير 1 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى المزامير 1 – الأب نادر ميشيل

إقرأ أيضاً:

يَختبر الأَلَم كلُّ إنسان، أصغيراً كان أم كبيراً، غنياً أم فقيراً، مثقَّفاً أم غير متعلّم. فمَن منّا لم يعرف الألم ومَن منّا لم يقابل أشخاصاً يتألَّمون. وأمام الألم يطرح الإنسان عدّة أسئلة تبقى بلا جواب واضح: لماذا الألم؟ مَن هو الله؟ وأين هو في حياتي؟…

 وغالباً ما يعجز الناس عن فهم معنى ما يصيبهم من ألم، ويغرقون في مشاعر الحزن والغضب واليأس. وكثيراً ما نكتشف أمام الإنسان المتألِّم خوفنا من مواجهته وقلّة حيلتنا وخجلنا أيضاً. فنهرب منه ونحن بالقرب منه، لأنّنا نشعر أنّ الكلمات تفقد جدواها ومعناها، أو تتحوّل إلى ثرثرة تسعى إلى تناسي الأسئلة التي يطرحها الألم علينا ونتعثّر في الردّ عليها. فيكون حالنا وحال مَن يتألَّم، إمَّا البكم، وإمَّا الثرثرة.

ولكن هل نبقى صامتين أمام الألم، وهل نجازف بالكلام وأن نخاطر بالبحث عن معنى لحياتنا، لأنّ الألم جزء من حالتنا الإنسانيّة، والحديث عنه يُعدّ محاولة للفهم، إن كان ذلك ممكناً. ويمثّل الكلام محاولة للخروج منه وتعدّي البكم الذي أصاب الإنسان من جرّائه، وبالتالي يمثّل الكلام سعي الإنسان لاسترجاع مبادرة الحياة التي اهتزّت تحت وطأة الألم. الكلام عن الألم، أي ما نحاول أن نقوم به في هذه الصفحات، هو محاولة للتقدّم على طريق البحث عن معنى للحياة عندما يعلن الألم عن العبث واللا معنى.

 ولكن يبقى الحديث عن الألم مهمًة صعبة وحسّاسة. إنّها مهمّة صعبة لأنّ كلّ تحليل وكلّ حديث لا يفيان بحقّ الإنسان المتألِّم، ولا بعظمته التي تظهر من خلال ضعفه عندما يحطّمه الألم ويطحنه. وهي مهمّة حسّاسة لأنّنا عندما نتحدّث عن الألم فنحن نتحدّث عن أشخاص متألّمين يستوجبون الاحترام العميق لشخصهم والتقدير الكبير لمشاعرهم، وقد نتلعثم فلا نجد الكلمات المناسبة تماماً للتعبير عن الاحترام والتقدير لكلّ مَن يمرّ بخبرة الألم. وقد تتحوّل كلماتنا، في أحيان ليست بقليلة، إلى حضور صامت بجانب مَن يتألَّم.

سيصحبنا الكتاب المقدّس في مسعانا للتحدّث عن الألم، وفي تحسّسنا الطريق نحو النور. فنسأل المزامير كيف تصوّر الإنسان المتألُّم، وسفر أيّوب كيف يجيب عن السؤال الذي يطرحه الإنسان عن سبب الألم وعن معنى الحياة والجود، ونستعرض مع يسوع في الإنجيل موقف الله من الألم والإنسان المتألُّم. وفي كلّ مرحلة سنستعين أيضاً بالدراسات الفلسفيّة والنفسيّة عن الألم وآثاره في الإنسان، ونتطرّق إلى الأحاديث اللاهوتيّة والروحيّة عن الألم، مبيّنين طرق تناولها هذا الموضوع وكيفيّة ردّها على التساؤلات التي يطرحها الألم.

 

1- سفر المزامير: ما الألم؟

يشهد سفر المزامير على صلاة الأجيال المتتابعة وإيمانها بالله الخالق والمخلّص. ونجد فيها صدى لصرخة الإنسان المتألِّم، على المستوى الفرديّ:

«استمع يا ربً لصلاتي وأصغ إلى صراخي ولا تسكت عن دموعي فإنّي عندك ضيف وكجميع آبائي مُقيم» (39/13).

ونجد صدى أيضاً لألم الجماعة:

«ولكنّك نبذتنا وأخزيتنا ولم تعد تخرج وجيوشنا تردّنا من وجه المُضايق على أعقابنا ومبغضونا يسلِبون على هواهم» (44/10-11).

عندما يصيب الألم الإنسان في كيانه الجسدّي، تتأثّر حياته كلّها ووجوده أمام الله وحضوره للآخرين. وأيّاً كان سبب الألم، إن نتج من عمل الإنسان نفسه أو من جرّاء الآخرين، إن كان بسبب مرض عضويّ أو بسبب جرح نفسيّ أو روحيّ، فهو إصابة في الصميم لحياة الإنسان تدفعه إلى الصراخ إلى الله القادر أن يخلّصه ويعيده إلى الحياة. فمن ناحية، يلمس الألم الجسمانيّ عمق الإنسان.

ومن ناحية أخرى، يظهر الألم المعنويّ والروحيّ، في جسد الإنسان. الإنسان كيان واحد، جسديّ وروحيّ في آن واحد، لا فصل بينهما، بل اتّحاد وثيق. فنسمع في المزمور: «آثامي جاوزَت رأسي وثقُلت كحمل أثقل من طاقتي. جروحي أنتنت وفاحت من جرّاء حماقتي. انحنيت جداً وتحدّبت وبالحداد طوال النهار مَشيت. امتلأت كَليتاي التهاباً ولا صحّة في جسدي. وهَنتُ جداً وانسَحقتُ ومن زئير قلبي زَمجَرتُ» (38/5-9).

ويصيب الألم في الوقت نفسه العلاقة بالله وبالآخرين، لأنّ البعدَين متَّصلان ومرتبطان الواحد بالآخر، فما ينال من علاقة الإنسان بالآخرين يؤثّر في صلاته وموقفه من الله: «أيُّها السَّيِّد، بُغيتي كُلُّها أمامك وتنَهّدي لا يَخفى علَيكَ يَخفق قَلبي وقُوَّتي تُفارقُني وحتَّى نُورُ عَينَيّ لم يَبقَ معي. ووقف أحبَّائي ورِفاقي متنحّين عن ضربتي ووقَف بعيداً أقاربي» (38/10-11).

«جميع مبغضيَّ عليّ يتهامسون والشرَّ لي يُضمرون، مرض خبيث سرى فيه، أمّا وقد اضّجع فلن يقوم وحتّى صديقي الحميم الذي اتّكلت عليه فأكل خبزي هو رفع عليّ عقبه» (41/8-10).

وأصعب ألم هو اختبار غياب الربّ والاشتياق إليه في وسط ليل القلب والحواسّ: «كما يشتاق الأيّل إلى مجاري المياه كذلك تشتاق نفسي إليك يا الله، ظمئت نفسي إليك يا الله، إلى الإله الحيّ، متى آتي وأحضر أمام الله؟ قد كان لي دمعي خبزاً نهاراً وليلاً إذ قيل لي طول يومي: أين إلهك» (42/2-4).

ونسمع في المزمور 22 أبلغ تعبير عن ألم الإنسان وعن صرخته إلى الله، وهو المزمور الذي صلاّه يسوع على الصليب، وقد ذكر الإنجيل على لسان يسوع الآيات الأولى منه (متّى 27/46، مر 15/34): «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ هيهات أن تخلّصني كلمات زئيري إلهي، في النهار أدعو فلا تجيب وفي الليل لا سكينة لي».

«أمّا أنا فدودة لا إنسان، عار عند البشريّة ورذالة في الشعب جميع الذين يرونني يسخرون بي ويفغرون الشفاه ويهزّون الرؤوس إلى الربّ سلّم أمره فلينجّه ولأنّه يحبّه فلينقذه».

«مثل الماء انسكبتُ وتفككت جميع عظامي، مثل الشمع صار قلبي وذاب في وسط أحشائي».

«وأنت يا رّب، لا تتباعد يا قوّتي، أسرع إلى نصرتي من السيف أنقذ نفسي ومن يد الكلب وحيدتي، من شِدق الأسد ومن قرون الثور خلّصني» (22/2-3، 7-9، 15، 20-22).

نحن والمزامير

في هذه المزامير نجد صدى لما نختبره كلّ يوم من ألم جسمانيّ تسبّبه الأمراض الخطيرة أو المزمنة، الإصابات العابرة أو الإعاقات المستديمة، متاعب الشيخوخة وأوجاعها. وقد تفوق الآلام النفسيّة الألم الجسمانيّ، مثل المخاوف والوساوس والاكتئاب، وجروح الذاكرة والإحساس بالفشل في الزواج، في الدرس، في العمل أو في الحياة الرهبانيّة.

ومن أسباب الألم النفسيّ أيضاً الشعور بعدم الأهميّة والتخوّف من المستقبل والتهديدات المختلفة، وكذلك التمزّق العائليّ والفراق عن الأهل والأحبّاء، وإحساس فرد أو جماعة من الناس بالظلم والطغيان، مثل استغلال شعب وحرمانه من حقوقه وتهميش فئات من المجتمع. ولا نغفل الآلام التي يسبّبها الشعور بالوحدة وعدم الأمانة الزوجية والخيانة والإنكار والموت عامّة والموت المفاجئ خاصةً. والألم الروحيّ صعب ومرّ للغاية، كاختبار غياب الربّ بالأخصّ بعد فترة تعزية ونور، فتضيع المعالم وتهتز الثوابت ويختفي الطريق، ويشعر الإنسان وكأنّ الله خدعه فأتى به إلى مكان قفر وتركه وسط الليل بعد أن لمس قلبه بمحبّة وجذبه بلطف. ويؤلم الإنسان أيضاً المرور بتجربة صعبة تحمل معها الشك واليأس والإحباط، كما تؤلم الخطيئة والتواطؤ معها.

آثار الألم في الإنسان

نبين في الفقرات القادمة بعض آثار الألم في الإنسان، ونحلّل بعض مظاهره، ولكن بالطبع ليس كل متألِّم يمرّ بهذه المشاعر كلها، ولا يحياها كل شخص بالقوة نفسها. لكننا نحاول من خلال عرضنا الدخول في فهم متعمّق وصادق لما يمرّ به الإنسان من مشاعر وأحاسيس. على أيّ حال، تتعدّد أسباب الألم، ويختلف رد فعل شخص عن شخص آخر، ولكن، في النهاية، الألم هو دائماً قوة محطِّمة ومدمِّرة للإنسان جسدياً، معنوياً، وروحياً.

  • الشعور بالغربة:

في كل هذه التجارب، يشعر الإنسان بالألم كشيء غريب عنه، كعدوان خارجي. يعطي الألم إحساساً بالغربة تشوّه الإنسان حتى إنّه لم يعد يتعرّف إلى نفسه، صار غريباً لنفسه: «لا أعرف مَن أنا ولم أعد أفهم ما يحدث لي، لم أعد الإنسان الذي كنت من قبل، تغيّرتُ وتغيّرت حياتي». يشعر الإنسان بنوع من نزيف الحياة يوماً بعد يوم، كأنّ الألم يستهلك حيويته ويمتّص طاقته، وكأنّه ماضٍ إلى الضياع والفقدان بكل ما تحمله هذه المشاعر من ألم ولا معنى. صار المتألم غريباً لنفسه، فأصبح غريباً للآخرين أيضاً، لأنه تبدّل شكله وطبعه وضعفت قدراته وإمكاناته. ويقود الشعور بالغربة إلى الخجل من الذات، لأن الإنسان يحسّ تحت وطأة الألم أنه صار مختلفاً عن الآخرين وغريباً عن سائر الناس.

بالرغم من حسن النوايا وصدق المشاعر، سرعان ما تضعف همم الأصدقاء والمقرّبين. فيزهق مَن هم بجانب الشخص المتألم، لأن الألم مُتعب ومُرهق، ولأن الألم يخيف مَن يشاهده على وجوه الآخرين ويهدّده بإمكانية وقوع الألم نفسه عليه. ولأن التساؤلات التي يطرحها الألم صعبة ومخيفة، يصعب على الناس، حتى أقرب المقرّبين، مرافقة المتألم طويلاً. فعندما يطول الألم، لا يدري الناس عامّة ماذا يفعلون حياله وماذا يقولون للصديق المتألم، فيتوارى بعضهم عن الأنظار خجلاً أو يأساً أو تحرجاً، ويرتدّ إلى الوراء بعضهم الآخر، محاولين النسيان وتبرير الفرار. فيضيف كل هذا إلى وجع الإنسان المتألم آلام الوحدة والإحباط والتحسّر والمرارة، آلام الإحساس بالفقر والكبت والغضب.

  • الشعور بالوحدة:

يعطي الألم إحساساً بالوحدة وبالانفصال عن مظاهر الحياة الإنسانية والاجتماعية العادية. تؤدّي الغربة إلى الوحدة: «أنا وحيد أمام هذا الواقع الجديد الذي يصيبني، مَن تُراه يفهم آلامي ومداها، مَن تُراه يقدّر اضطرابي الداخليّ ومخاوفي وهواجسي؟» الإنسان المتألم هو دائماً وأساساً وحيد بالرغم من وجود الأهل والأصدقاء حوله. فبسبب الألم، ينسلّ الإنسان من نسيج الحياة الإنسانية الطبيعي والعادي، لأنه أصبح غير قادر على مجاراة نمط الحياة العادية، ولأن الألم يحاصره داخلياً ويعصره خارجياً.

وبالنسبة إلى المتألم، يشعر بالوحدة لأنه ينظر إلى الآخرين، فيجدهم في صحة جيدة، وأسرهم تسير على ما يرام، ناجحين في دروسهم وعملهم، يكملون حياتهم وأشغالهم، يلهون ويفرحون. أما هو، فيقتطعه الألم عن الحياة، وينزع عنه الفرح، ويخلع عنه الهناء. وشيئاً فشيئاً، تحت وطأة الألم، يصبح الإنسان وحيداً، وقد عانى من حوله بالإرهاق والملل والخوف من رؤيته متألماً.

  • الانغلاق على الذات:

وبعد الشعور بالغربة والوحدة، يتسلل إلى قلب المتألم الانغلاق على الذات. يصبح الألم محور التفكير، ويتحول الأنا إلى مركز الاهتمام. الإنسان في صراع مستمر مع الألم، في بحث مستمر للخروج من دوامته ومن قيوده، يجري وراء المسكنات وأدعياء الحلول السريعة ومرّوجي الإجابات الجذرية. «مَن يخلّصني من آلامي؟»، هذا هو السؤال الأساسي لمَن يتألم. وعندئذ يبدأ اهتمام المتألم بشؤون من حوله وأمورهم يقلّ ويضمر حتى يكاد أن يختفي، وتخفّ قدرته على الانتباه إلى الآخرين ومتابعة همومهم ومتاعبهم.

ولكن لننتبه هنا إلى شيء هام، وهو أن أشدّ ما في الألم من خبث وغرابة هو أنه يدفع الإنسان إلى التواطؤ معه وإلى التعايش مع الأسباب التي أدت إليه، فقد نجد إنساناً يصرخ طالباً النجاة من الألم، وفي الوقت نفسه يتعايش بأشكال مختلفة مع الوضع الجديد الذي أتى به الألم إلى حياته، فليس كل مريض يبحث بالضرورة عن الشفاء، لأن بعضهم قد وجد نوعاً من التوازن في حالة المرض، ورتّب، بوعي أو غير وعي، حياته وعلاقاته على هذا الأساس. وهكذا وجد نوعاً جديداً، وإلى حدّ كبير مريحاً، من الرضا الذي يدفعه إلى الاستسلام للوضع المؤلم.

فعلى سبيل المثال، بسبب المرض، يعطف الأقرباء عليه، ويهتّم الأصدقاء به، ويسارع الكل بتقديم العون له، بل يقبلون تجاوزاته ويغفرون له طلباته غير المعقولة. وشيئاً فشيئاً نجد هذا الشخص وقد استحبّ مرضه وارتبط به ولم يعد يرغب في الشفاء منه، حتى وإن أعرب عن العكس للآخرين. ألم نسمع يسوع يسأل الأعمى والمقعد: ماذا تريد أن أصنع لك؟ هل تريد أن تشفى؟ فليست الرغبة في الشفاء بديهية، ولا يعني دائماً طلب الخروج من دائرة الألم استعداد الشخص لأخذ الوسائل اللازمة للخروج منه. فالرغبة في الخلاص من الألم تمثل نوعاً من المغامرة تطلب من بعضهم شجاعة أكبر من تلك التي يُظهرونها في تحمّل الألم.

ويعني طلب النجاة من الألم الاستعداد لمواجهة المستقبل، وهو اختبار جدّيّ للحرية، يخافه بعض الناس أكثر من الألم. فمَن عانى طويلاً من الألم قد يتعب من المواجهة وطلب النجاة المستمر، وقد ييأس من تكرار القيام والسقوط، وأخيراً قد يفقد الأمل في المستقبل والثقة في نفسه وفي الله وفي الآخرين. فإذا حلّ به الألم يخاف النهوض منه واستكمال مسيرة الحياة، مفضلاً الوضع المؤلم الحالي على أن يقع تحت الألم مرة أخرى أو أن يمر بخبرة صعبة مرة ثانية.

  • اليأس:

يقود الألم إلى طريق مسدود حيث لا رجاء ولا أمل في الذات وفي الآخرين، لا رجاء ولا أمل في الحاضر والمستقبل. يقود الألم الإنسان إلى حيث لا معنى لأي شيء، لا معنى للنجاح، للشهادات، للمال، للصداقة، للحب، للأسرة، للأولاد. يفضي الألم بالإنسان إلى حيث لا معنى للصلاة ولا جدوى منه. يؤدي الألم في نهابة المطاف إلى اليأس من الحياة، بل حتى إلى النفور منها، لأنه يحمل الإنسان على الشعور بأن لا طعم للحياة ولا قيمة لها. فعندما تتبدّد مصادر الفرح وتيبس ينابيع الرجاء، يصبح كل شيء عبثاً. الألم يحطّم ويعزل، الألم يخنق شرايين الحياة وينفث رائحة الموت. الألم هو عبث ولا معنى.

  • التساؤل الذي يطرحه الألم:

سيبقى دائماً المزمور 22، الذي ردّده يسوع على الصليب، صدى صادقاً ومعبرّاً عن كل إنسان متألم: «أنا دودة لا إنسان». بسبب شر الناس يدخل صاحب المزمور في أزمة مع الله من جرّاء الآلام التي حولته إلى دودة لا إنسان. فقد أصابت الآلام جسده وحياته ووجوده، وأصبح تساؤله هو عن نفسه، وعن الله، وعن الحياة: مَن أنا؟ هل أنا إنسان حقاً؟ ومَن هو الله الذي يقبل أن تنحلّ إنسانيّتي وأن أصير كالدودة؟ وما معنى حياتي؟ ومَن هم الناس بالنسبة إليَّ؟

  • ما الإنسان وما معنى حياته؟

يصيب الألم الإنسان في صميم وجوده وفي عمق علاقته بالله وبالآخرين، ويؤدي إلى اختلال كبير في توازن الحياة، وفي فهم الإنسان لذاته ولعلاقته مع الآخرين. ولن يكون البحث عن الحل في النبش في الماضي ومحاولته تتبّع الأسباب التي أدّت إلى الوضع الحالي. الحل هو في المستقبل: هل يمكن أن أجد معنى لحياتي بالرغم من العبث واللا معنى اللذين يدخلهما الألم في حياتي؟ معرفة الأسباب مهمة كي يتجنبها الشخص في المستقبل أو حتى يتجنبها الآخرون في حياتهم. ولكن تحديد الأسباب وحتى علاجها، إن كان ذلك ممكناً، لا يكفي للرد على التساؤل الذي يطرحه الألم. الألم يدخل اللا معنى على حياة الإنسان، ومعرفة السبب لا يعيد المعنى الذي زلزله الألم.

على سبيل المثال، لا يكفي أن تقول للمصاب بتليّف في الكبد أنه نتيجة الإصابة بالبلهارسيا أو الإفراط في الكحول حتى يخف ألمه، ولا يكفي أن نقول للزوجة الشابة التي خذلها زوجها وعذبها أنه شخصية مراهقة وغير مسئولة حتى يهدأ قلبها وتشفى من جراحها، ولا يكفي أن نقول للمصاب بأزمة ربو أنه نتيجة تلوث الجو بعادم السيارات ونفايات المصانع حتى يسترجع عافيته وثقته في الحياة. هذا الشرح لا يعيد التوازن إلى الحياة الذي أفقده الألم، ومعرفة السبب لا تجيب على السؤال الذي يطرحه الألم عن معنى الإنسان وحياته. ولا يمكن أن تتحول معرفة الأسباب إلى تبرير للألم وما يعنيه من هدم وفناء لحياة الإنسان.

  • مَن هو الله؟

وإذا تساءل الإنسان عن معنى حياته فهو يتساءل في الوقت نفسه عن معطي الحياة وعن إرادته، إنه يتساءل عن الله: مَن هو الله؟ لماذا خلقني؟ ولماذا يرضى بأن أتألم؟ ما مصيري؟ هل يمكنني أن أرجوه أنا المتألم، المهدّد بالعبث والفناء؟ هل يمكنه أن يخلصني؟ هل يمكنه أن يعيدني إلى الحياة بعد أن أصابني الألم والموت؟ هل للحياة معنى؟ أم مصيرها الفناء والعبث اللذان يعلنهما الألم هل هناك قوة أكبر من الألم تساعدني على اكتشاف معنى لحياتي وسط الألم؟ هل يمكنني أن أرجو الحياة حين يلوّح الألم بالموت؟

  • هل من إجابة؟ هل من طريق؟

أسئلة تلو أسئلة تحاصر المتألم وتحطّم قلبه، دون إجابة. فالإجابة ليست تلقائيّة، بل تمر بطريق الظلمة الذي يفتحه الألم في حياة الإنسان المتألم، وإذا خرج الإنسان من البكم إلى الصراخ إلى الله، فقد دخل في طريق الخلاص. فالألم ينفي أيّ رجاء وأيّ أمل للإنسان، والشخص المتألم يقول لنفسه إنه ليس لأحد القدرة على مساعدته في الخلاص، ويعتقد أن الكل مساهم ومتواطئ في الألم الذي يصيبه، الأعداء والأصدقاء على حدٍّ سواء، والله نفسه.

«إلهي إلهي لماذا تركتني»، هي في الوقت نفسه صرخة مَن يشعر ببعد الله عنه في مصيبته، واستغاثة مَن يضع رجاءه في الله القادر على خلاصه من الألم والموت والفناء. تعني الاستغاثة بالله الإيمان بقدرته على فتح طريق أمام الحياة بعد ما أصابها الألم باليأس والفناء؛ والصراخ إلى الله هو الاعتراف بقدرته على تجديد الحياة بعد ما ذبلت واندثرت. الله الخالق هو الله المخلّص، بمعنى أنه يخلق من جديد.

وهنا أيضاً ترشدنا المزامير:

«لقد أجبتني سأُبَشّرُ إخوتي باسمِكَ وفي وسَطِ الجَماعة أُسبِّحُكَ» (22/22ب-23).

«آمنتُ سأُعاينُ صَلاحَ الرب في أرض الأحياء» (27/13).

«أقولُ لله صَخرتي: لماذا نسيتني ولماذا أسيرُ بالحداد من مُضايَقة العدو؟ عند تَرضّض عظامي عيَّرني مُضايقيَّ بقولهم لي النهار كله: أين إلهك؟ لماذا تكتئِبين يا نفسي وعَليَّ تنوحين؟ إرتَجي الله فإنّي سأعودُ وأحمدُه وهو خلاص وجهي وإلهي» (42/10-12).

إذاً قد ينفتح طريق الآلام على مستقبل يُدخل الإنسان في علاقة متجددة بالله وبالآخرين، أساسها خبرة الموت والحياة المعطاة مرة أخرى. ما كان مؤلماً، عبثاً، مميتاً، قد يصبح أساساً لحياة جديدة، مؤسسة على خبرة الخلاص الذي يعطيه الله. الإنسان المتألم قد يكتشف معنى جديداً لحياته. أقول: «قد يكتشف»، لأن ذلك التحول ليس تلقائياً أو بديهياً، بل يمر بمراحل متنوعة لا تصل بالضرورة بكل إنسان متألم إلى اكتشاف معنى لحياته ووجوده اللذين أصابتهما الآلام، وهذا ما سنراه في قرائتنا سفر «أيوب».

القوانين الرسولية – تعاليم الكنيسة الجامعة في اليتامى

القوانين الرسولية – تعاليم الكنيسة الجامعة في اليتامى

القوانين الرسولية – تعاليم الكنيسة الجامعة في اليتامى

القوانين الرسولية في اليتامى

1- في واجب تربية اليتامى

1- إذا أصبح أحد المسيحيين يتيما -صبيا كان أم بنتا- فإنه من الخير أن يتبناه أحد الإخوة ممن لا ولد لهم وإذا كان لأحد الإخوة ابن بلغ سن الزواج فليس هناك ما يحول دون زواجه من الفتاه اليتيمة، والذين يتصرفون على هذا النحو يصبحون آباء لليتامى، ويجزيهم الله عن عملهم خير جزاء.

2- والذين يتصرفون خلاف ذلك وهمهم إعجاب الناس خجولين من الغنى ومن سكان الميتم ويتحذرون من اليتيم فأبو اليتامى وقاضي الأرامل سيوقعهم في الحالة نفسها فهذا سيبدده البخل ويصبح بسببه قفرا، ومالم يوزعه على القديسين سيأكله الأشوريون كما قال أشعياء: أرضكم يأكلها الغرباء أمامكم.

2- الأسقف أبو اليتامى

1-فأنتم أيها الأساقفة اهتموا بطعانهم بحيث لا ينقصهم شيء، كونوا لليتامى الوالدين وللأرامل في مقام الأزواج، حثوا الشباب على الزواج وارحموا الضعيف وابحثوا للصانع عن عمل آووا الغرباء وأطعموا الجياع اعطوا للعطاش شرابا وللعراه كسوه زوروا المرضى واغيثوا المعتقلين.

2- وفوق كل ذلك ليكن اهتمامكم بمن هم في الميتم لكي لا ينقصهم شيء، وبالفتاة الي ان تبلغ سن الزواج فأعطوها لأخ، وبالفتى فاكفلوا معيشته الى ان يحسن صنعه فيعيش من صنعته، حتى إذا حذق فيها يستطيع ان يشتري ما يحتاجه من عده، فلا يثقل على المحبة الصادقة التي اظهرها الأخوة نحوه بل تزداد له.

3- العطاء اعظم غبطه من الاخذ

1- سعيد ذاك الذي استطاع ان يسعف نفسه ولم يجر على اليتيم والغريب والأرملة لان الرب قال ان العطاء أعظم غبطه من الاخذ.

2- وقال ايضا: الويل لمن لا يشكو من فاقه ويتلقى الويل لمن يستطيع ان يغيث غيره ويأخذ ما هو لغيره سوف يؤدي كلاهما حسابا للرب الإله في يوم الدين

3- ان الذي يجمع الحسنات لصالح احداث الميتم او لصالح من يشكون الشيخوخة او للمرضى او لإعالة رب الأسرة العديدة الأفراد ، هذا الشخص لا ألوم عليه بل يستحق التكريم انه يحسب ان كنز الله قد وضعه الله في ايدي المحسنين، حتى يحسنوا بلا تأخير لمن يسألهم، إن الرجل المحتاج لا يأخذ عن كسل بل عن كرم المحسن الذي يعطي لأنه سئل وهذا الرجل يكون مغبوطا من قبل الله في الحياة الأبدية.

4- يبدد الله مال الغني المتحايل

1- أما الذي لديه المال ويتحايل على الغير، أو يركن إلى الكسل بدلا من الاجتهاد لغوث الآخرين فإنه سوف يؤدي حسابا لأنه منع الجائعين خبزهم.

2- ومن لديه المال ولا يعطي للآخرين ولا يستعمله لنفسه فقد اقتنى ثعبانا كما قيل انه ينام على كنوز وتحقق به ما هو مكتوب : يرد كسبه ولا يلتهمه ولا يعود عليه بفائدة لعدم استعماله، ويقول الكتاب: لا ينفع المال في يوم الغضب.

3- مثل هذا الرجل لا يضع إيمانه بالله بل بماله فقد جعله الهه ووضع فيه رجاءه، مثل هذا الرجل يبتعد عن الحق ويحابي الوجوه ويكفر ويتمثل بالمرائين والسفلة، لا يتصف بما يتصف به الرجل الكريم يصبح فاقد الاتزان متراخيا أو متذمرا، يقضي ايامه في الحزن يكون عدوا لنفسه ولا يصادقه أحد.

4- ان ما اكتسبه يتبدد ويأكله رجل غريب انا لص سرقه واما موت داهمه، لان الغني قد ابتلع اموالا الا انه يتقيأها.

5- لا تؤخذ الحسنه لإعالة الأيتام من ذوي السيرة السيئة

1- ننصح إذا من يتدبرون أمور الأرامل واليتامى ان يقوموا بعملهم بكل تقوي ومخافة وان يشكروا الله رازق الطعام للجياع وان يرفعوا اليه اعينهم

2- وقد قال من ترى يأكل ويتنعم اكثر مني فانه يبسط يده فيشبع كل حي مرضاته، برا للشباب وخمرا للعذارى وزيتا لبهجة كل حي وكلا للبهائم وخضرا لخدمة البشر ولحما للوحوش وحبوبا للطيور ويؤمن للجميع الطعام.

3- ولذلك يقول الرب انظروا الي طير السماء فانها لاتزرع ولاتحصد ولا تجمع فى الاهراء وابوكم السماوي يقوتها، أفلستم أنتم أفضل منها بكثير؟ فلا تقلقوا اذن قائلين ماذا نأكل أو ماذا نشرب ؟ فأبوكم عالم بأنكم تحتاجون إلى هذا كله

4- أذكروا عنايته وخذوا الحسنات ، فهي إنما تأتي من قبله واعتنوا بتوزيعها

انشدوا البهجه حولكم، كونوا نافعين للمعطي لليتيم وللأرمله الإله القدير بإبنه الحبيب ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الله في الروح والحق ، إلى أبد الدهور آمين

6- ولا من التجار والزناة

1-يجب على الأسقف أن يعرف ممن تقبل القرابين ولمن ترفض

2-فالتجار يسارعون الى العطاء ولكن قلما يتخلص التاجر من الإثم فعنهم قال اشعيا فى موضع معيرا اسرائيل ان تجارك يمزجون صرفك بماء

3- فاهرب من التجار ومن الزناه : لاتدخل بيت الرب الهك جعل بغي وتحفظ من المرابين وغيرهم من الزناه فان قرابينهم رجس عند الله

4-واهرب ايضا ايها الاسقف ممن يثقلون كاهل الارمله واليتيم ويملؤن السجون بأبرياء والذين يعاملون خدامهم بالسوء أي بالضرب والجوع وسوء المعامله وإحداث الجروح الكثيره هؤلاء جميعا قرابينهم نجسه

5- وابتعدا عن الظالمين وعن الذين يتخذون الخطابة وسيله للدفاع عن الظلم وعن صانعي الاصنام وعن اللصوص والجباه والظالمين والذين يغشون في الوزن او القياس وعن الجندي المفتري الذي لايقنع بمرتبه بل يخيف الفقراء وعن القاتل والجلاد والقاضي الظالم ومدمر الأعمال والمثير الفتنه بين الناس وفاعل النجاسه والسكير والمجدف والرجس والمرابي وكل شرير وكل من يقاوم ارادة الله لان الكتاب يقول كلهم رجس عند الرب كل الذين كانت هذه صفاتهم.

6- فالذين يأخذون منهم الحسنة ليعيلوا الارامل واليتامى سيأدون حسابا امام منبر الله كما ان ادونياس النبي المكتوب عنه في سفر الملوك لم يحفظ وصية الرب فاكل خبزا وشرب ماء في المكان الذي نهاه الرب عنه بسبب اثم يربعام فقتله الاسد.

7- فالخبز الذي تقدمه الارامل من تعبهن وان كان متواضعا وقليلا هو حقا أفضل من الذي تأخذه من الظلم والغضب وان كان كثيرا وفاخرا فالكتاب يقول يسير للصديق خير من وفر منافقين كثيرين

8- اذا اكلت الأرملة من مال الأثمة وبعد الشبع صلت لأجلهم لا تستجاب لان الله عارف القلوب قد حكم على الأثمة قائلا لو ان موسي وصموئيل وقفا امامي لما توجهت نفسي الى هذا الشعب وانت فلا تصل عن هذا الشعب ولا ترفع صلاة ولا صراخا لأجلهم ولا تشفع الي فاني لا اسمع لك

9- وليس هذا فقط بل ان الذين يسقطون في الخطيئة ولم يتوبوا ليس فقط لا يستجابون اذا صلوا بل انهم يغيظون الله اذ يذكرونه بينما يقترفون الاثم

7- لم يقبل الانبياء هدايا الأثمة

1- ابعدوا اذا مثل هذه القرابين كأنها جعل بغى وثمن كلب فكلاهما ينهي عنه الناموس

2- ولم يقبل اليشع هدايا حزائيل وكذلك احيا هدايا يربعام، فاذا كان انبياء الله لم يقبلوا الهدايا من الأثمة اليس من العدل ايها الأساقفة ان تفعلوا مثلهم وسيمون الساحر عرض علينا نحن بطرس ويوحنا نقودا وظن انه يحصل بالمال على النعمة التي لا تثمن فلم نستجب لطلبه ودعونا عليه بالهلاك الابدي لأنه توهم ان موهبة الله تقتني بالنقود وأنها ليست عطية من الله بل ظن انها تقتنى بالمال.

3-اهربوا اذن ممن يقدمون القرابين لهيكل الله وضميرهم مثقل لان الله قال ابتعد عن الجور فإنك لا تخاف وعن الهول فانه لا يدنو منك

8- اطعموا المحتاجين من تعب المؤمنين

1- واذا قلتم ان الذين يقدمون الحسنات هم هؤلاء الناس، واذا لم نأخذ منهم فكيف نعول الأرامل والمعوزين من الشعب؟ اسمعوا منا: لأجل هذا خذوا مما يعطى للاويين تقدمة الثمار التي يعطيكموها الشعب لتعولوا الارامل والمحتاجين من الشعب ولا تضطروا ان تأخذوا من الأشرار، وإذا رفضت الكنائس ذلك فأموت أفضل من ان تأخذ شيئا من اعداء الله فتصير عارا وهزءا بين الاحباء ولقد قال النبي عن اولئك: ان زيت الخاطئ لا يدهن به رأسي.

3- اختبروا اذن اولئك ، وخذوا ممن يسيرون في البرارة واسعفوا المضافين ولا تأخذوا ممن هم خارج الجماعة الى ان يستحقوا ان يصيروا اعضاء الكنيسة

4- واذا قلت الهبات فارسل الى الإخوة واجمع منهم واخدم الايتام والارامل بالعدل

9- تضامن المؤمنين

1- اقرا على شعبك ما قاله سليمان الحكيم : اكرم الرب من مالك ومن اوائل جميع غلاتك فتمتلئ اهراؤك وفرا وتفيض معاصرك خمرا، فمن تعب المؤمنين البر أطعموا المحتاجين واكسوهم ومما يعطى لكم كما قلنا سابقا، وزعوا على المحتاجين من القديسين، حرروا العبيد والمكبلين والاسرى والمضطهدين والمحكوم عليهم لأجل اسم المسيح من قبل الطغاة والمصارعة او بالموت فالكتاب يقول: أنقذ المسوقين ولا تخذل المقودين الى القتل.

10- استعملوا مال الشرير لشراء حطب الوقود

1- واذا اضطررتم ان تأخذوا شيئا من مال رجل الشرور فاستعملوه لشراء حطب الوقود كي لا يعود منه شيئا الى الأرملة او اليتيم فيشتريا به طاما او شرابا لهما ان ما ياتى من الأثمة فإنما يعد للنار ليس لطعام الابرار.

2- وهذا ما يأمر به الناموس : ما بقى من الذبيحة لا تؤكل بل يحرق بالنار.

3- لا تقبل قرابينهم المقدمة لا لأنها مرذولة من طبيعتها بل لان فعل من يقربها مرفوض.

4- نأمر هذا: لا تبعدوا من يتقربون منكم وانظروا ان المقابلة كثيرا ما تفيد الأثمة حتى يصبحوا ابرارا وتكون مضره فقط عند الاشتراك في عبادتهم.

5- قلنا لكم هذا ايها الاحباء لأجل تثبيتكم.

11- واجب تربية الاولاد

1- وانتم ايها الاباء ربوا اولادكم في الرب بالتأديب والموعظة في الرب، علموهم ان يكونوا متزنين ولطفاء في الكلام لكيلا يتكبروا فيما بعد فيخرجوا عن طاعة والديهم او يتراخوا ويقاوموا الخير.

2- لهذا لا تخافوا ان تؤدبوهم وادعوهم الى التعقل بهدوء انكم لا تقتلونهم بتأديبكم ولكنكم تخلصونهم كما يقول سليمان في موضع من سفر الحكمة ادب ابنك فيريحك فان فيه رجاء صالحا ان ضربته بالعصا تنقذ نفسه من الجحيم.

3- ويقول ايضا من وفر عصاه يبغض ابنه وبعده ارضض اضلاعه مادام صغيرا لئلا يتصلب فيعصيك فالذي يتهرب من نصح وتأديب ابنه يبغض ذاك الابن.

4- علموا اذن ابناءكم كلام الرب، ادبوهم حتى بالضرب، اجعلوهم طائعين منذ نعومة اظافرهم يعرفون الكتب المقدسة كتبنا الإلهية، سلموهم كل الكتاب المقدس ولا تتراخوا معهم ولا تتركوا لهم سلطه دون علمكم، حتى يتسلطوا عليكم فيميلوا الى الإباحية ويسقطوا في الخلاعة

5- واذا وصلوا الى هذا الحد بسبب اهمال الوالدين فالآباء هم المسؤولون عن نفوسهم فإذا ابتعدوا عن الاتحاد بالله بسبب اهمال الوالدين فالأولاد يخطؤون ولكن لا يعاقبون وحدهم بل ايضا اباؤهم الذين يحاكمون قبلهم.

6- لذلك اسهروا عليهم واذا وصلوا الى سن الزواج لئلا ينجرفوا في سن الشباب الى الدعارة فيطلب منكم جواب في يوم الدين من قبل الرب الاله.

12- على الخدام ان يطيعوا اسيادهم

1- فيما يخص الخدام ماذا يزيد على ما قلنا؟ يجب على العبد ان يقترب بطيب خاطر من سيده بخوف الله ولو كان السيد اثيما او فاسقا شرط الا يشترك في عباداته.

2- وليحب السيد خادمه وان كان على غير دينه وليقاضه بعدل لأنه انسان مثله.

3- ومن كان سيده مؤمنا فليحفظ له السيادة وليحبه كسيد وكمؤمن مثله وكأب، ولا يقدم له طاعة نفاق بل ليخلص له لان الله سيمنحه جزاء خدمته

4- كذلك السيد الذى لديه خادم مؤمن فليحترمه ويحبه كابن وصديق لأجل شركة الايمان.

13- الطاعة للسلطة

1- اطيعوا كل ملك وكل سلطان فيما يرضي الله كأنهم خدام الله ينفذون الغضب على من يفعل الشر قوموا بخدمتهم بمخافة وادفعوا لهم الجزية اعترفوا بسلطانهم واحترموهم وادفعوا لهم الخراج.

2- لان امر الله هو هذا لا يكن لاحد عليكم حق ما خلا المحبة المتبادلة هذا ما امر به الله بالمسيح.

14- في البتولية

1- في ما يختص بالبتولية فإننا لم نأخذ فيها وصيه فاللواتي يردنها هي دعوه ندعو اليها وننصح بها ولكنها ليست للجميع، فإن سليمان يقول: ان لا تنذر خير من ان تنذر ولا توفي.

2- فلتكن تلك العذراء مقدسة جسدا ونفسا كهيكل الله ومسكن المسيح ومهبط الروح القدس فيجب على المدعوة ان تكون مستحقه لدعوتها، تحسن الاعمال تظهر ان نذرها حقيقي وصادر عن تقوى ولا يؤدي الى زواج شيطاني

3- فلا تكن مضطربة كثيرة التنقل ولا مترددة بل محترمة قويه حكيمة وطاهرة تهرب من المقابلات المتكررة وبالأخص من مقابلة غير المحترمين

القوانين الرسولية – تعاليم الكنيسة الجامعة في اليتامى

القوانين الرسولية – تعاليم الكنيسة الجامعة في الشهداء

القوانين الرسولية – تعاليم الكنيسة الجامعة في الشهداء

القوانين الرسولية – تعاليم الكنيسة الجامعة في الشهداء

القوانين الرسولية – تعاليم الكنيسة الجامعة في الشهداء

عن كتاب: القوانين الرسولية – سلسلة النصوص الليتورجية – أقدم النصوص المسيحية – الكسليك 2006

تعريب الأب: جورج نصور

1-  واجب الاهتمام بالشهداء الذين يتكبدون الالام لاجل اسم المسيح

  • اذا حكم على مسيحي من قبل الاثمة، -لأجل اسم المسيح ولإيمانه بالله ومحبته- بدخول حلبة المصارعة او بمقاومة الأسود، او بالعمل في المناجم، فلا تنسوه. بل بتعبكم وبعرقكم (1) أرسلو اليه بما يحتاجه من قوت، وادفعو الجزية للجنود لكي يخففوا عنه ويريحوه، حتى بفعلكم هذا لا يكون أخوكم الطوباوي في ضيق.
  • فالذي حكم عليه لأجل اسم الرب الاله يعتبر شهيدا قديسا، أخا المسيح “ابن العلي“(2)، إناء الروح القدس الذي بواسطته “يضيء نور مجد الانجيل”(3) الذي تسلمه كل مؤمن. وقد استحق اكليلا لا يفنى(4) بشهادته لالام المسيح والشركة في دمه “ليصير على صورة المسيح في موته”(5) وينال التبني.
  • لذلك ايها المؤمنون جميعا، وبواسطة اسقفكم، اخدموا القديسين من اموالكم(6) ومن تعبكم. وإذا كان احد ليس لديه شيء فليصم ويجعل نصف قوته كل يوم للقديسين. ومن كان في يسر فليخدمهم بحسب استطاعته. والذي يعطي كل ما يستملكه لينقذهم من السجن، فطوبى له انه صديق المسيح.
  • والذي “اعطى كل ما له للمعوزين”(7)، وهو يقدر الاشياء الإلهية وخاصة الشهداء، فهذا يكون مستحقا لله ويكمل إرادته(8)، إذ يكرم القديسين الذين اعترفوا له “أمام الأمم والملوك وبني إسرائيل”(9). فعنهم تكلم الرب قائلا: “كل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضا به قدام أبي”(10).
  • فإذا كان هؤلاء يشهد لهم المسيح عند الآب، أفلا يجب عليكم ألا تخجلوا من زيارتهم في سجونهم؟ وإذا فعلتم ذلك يحسب لكم شهادة كامنة في المحنة. إنكم لتشاركونهم في جهادهم.
  • ولقد تكلم الرب في موضع عن هؤلاء قائلا: “تعالو يا مباركي أبي، رثو الملك المعد لكم منذ إنشاء العالم. لأني جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني. كنت غريبا فآويتموني، وعريانا فكسوتموني. وكنت مريضا فعدتموني ومحبوسا فأتينم إلي.
  • “حينئذ يجيبه الصديقون قائلين: يا رب متى رأيناك جائعا فأطعمناك، او عطشان فسقيناك، ومتى رأيناك غريبا فآويناك او عريانا فكسوناك. ومتى رأيناك مريضا او محبوسا فجئنا اليك؟
  • “فيجيبهم قائلا “إن كل ما صنعتموه الى واحد من إخوتي هؤلاء الأصاغر فإلى قد صنعتموه”(11)، فيذهب هؤلاء الى الحياة الخالدة(12).

 

2- طوبى للمضطهدين

  1. وإذا ادعى أحد انه من الاخوة ولكن اغراه الشرير فصنع الشر واستحق الزجر وحكم عليه بالموت لاتهامه بالفسق والقتل، ابتعدوا عنه لتكونوا في أمان ولكيلا تكونوا شركاء في جرمه ومثلا يحتذى به المسيحيون في مخالفة الناموس بدون خوف. لا تقربوا هؤلاء وابتعدوا عنهم.
  2. أما الذين لأجل المسيح وقعو فريسة الأثمة في السجن، او حكم عليهم بالموت او بالقيود والنفي، فأعينوهم بكل عزيمة ونجوا اعضاءكم من ايدي الاثمة.
  3. واذا وقع احد من المعنيين في قبضتهم ولاقى العذابات، فطوبى له لأنه اصبح مشاركا للشهداء ومتشبها بآلام ربنا يسوع المسيح (13).
  4. ونحن ايضا اخذنا ضربات كثيرة لأجل المسيح من قبل قيافا والإسكندر وحنان(14). وكنا نخرج فرحين لأنا استحققنا ان نقاسي هذه الآلام لأجل اسم مخلصنا (15).

وانتم افرحوا اذا تألمتم هكذا، لأنكم تصبحون طوباويين في ذلك اليوم (16).

 

3- إقبلوا المضطهدين لأجل الإيمان

  1. اما المضطهدين لأجل الإيمان، والذين هربوا من مدينة الى مدينة (17)، حسب وصية الرب فاقبلوهم واهتموا بهم واحتسبوهم من الشهداء. وافرحوا لأنكم شاركتموهم في اضطهادهم، عالمين ان المسيح قد طوبهم.
  2. لأنه هو نفسه قال: “طوبى لكم إذا عيروكم واضطهدوكم وافتروا عليكم بكل سوء من أجلي؛ إفرحوا وابتهجوا فإن أجركم عظيم في السماوات. فإنهم هكذا اضطهدوا الأنبياء الذين قبلكم”(18).
  3. وأيضا: “إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم أيضا”(19). وأيضا: “ومتى اضطهدوكم في هذه المدينة فاهربوا الى أخرى”(20)، لأنه “في العالم ستكونون في شدة”(20). “سيسلمونكم الى المحافل وستساقون الى الولاة والملوك من أجلي لتشهدوا أمامهم …. ومن يثبت الى المنتهى فذلك يخلص”(22).
  4. فالذي اضطهد لأجل الإيمان وشهد وتعذب لأجله، فهو حقا رجل الله(23).

 

4– الجاحد عدو الله

  1. وإذا أحد جحد المسيح هربا من الاضطهاد، محبا نفسه أكثر من الرب”(24) “الذي في يده نسمته” (25)، فهذا مسكين معذب، يريد ان يكون صديق الناس وهو عدو الله.  لا نصيب له مع القديسين، بل هو ملعون مبغوض.

وبدل ملكوت المباركين تكون حصته “في النار الأبدية التي أعدت لإبليس وملائكته”(26). إن من يجحد المسيح لا يكون مبغوضا من الناس فحسب، بل يطرده الله من وجهه ويرذله.

  1. وعنه أعلن الرب قائلا: “من ينكرني أمام الناس، ومن يستحي بإسمي، سأنكره أنا ايضا أمام أبي الذي في السماوات”(27).
  1. وعن هذا ايضا قال الرب لتلاميذه: “من أحب أبا او أما أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنا او ابنة أكثر مني فلا يستحقني، ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني. من وجد نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها”(28).

“ماذا ينفع الإنسان ان يربح العالم كله إذا خسر نفسه؟ أم ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟”(29).

  1. وأيضا: “لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولا يستطيعون ان يقتلوا النفس، بل خافوا بالحري ممن يقدر ان يهلك النفس والجسد كليهما في الجحيم”(30).

5- التخلي عن النفس حبا بالمسيح

  1. كل إنسان يرغب في تعلم مهنة، فليراقب معلمه كيف يعمل وبأية حذاقة يؤدي عمله! ليسع هو ايضا ان يعمل مثله، ليتقن الصنع. وإذا فشل فهو غير أهل لهذه الصنعة.
  2. ونحن ايضا لنا معلم، ربنا يسوع المسيح، فلماذا لا نتمثل بتعليمه؟
  3. فقد تخلى عن الراحة والطعام والمجد والغنى والكبرياء وحب السيطرة، وعن أمه وإخوته، وحتى عن نفسه، لأجل خضوعه للآب ومحبته لنا نحن البشر. إنه احتمل ليس فقط البغض والإضطهاد والتعيير والتحقير، بل قبل الصلب على خشبة حتى يخلص اليهود واليونانيين التائبين.
  4. فإذا كان هو قد تخلى عن كل شيء(31)، ولم يخجل من الصليب ولم يرذل الموت، فلماذا لا نتمثل نحن بآلامه، ولماذا لا نتخلى من أجله عن أنفسنا، فيعطينا الصبر من عنده.
  5. لقد احتمل هذه الأشياء لأجلنا، فلنتحملها لنفسنا. فهو لا يحتاج إلينا(32)، أما نحن فإننا بحاجة الى رحمته. لا ينتظر منا سوى إيمان صادق (33)، كما يقول الكتاب: “إن بررت فبماذا تمن عليه وماذا يأخذ من يدك؟ إنما نفاقك يضر إنسانا وبرك ينفع إبن الإنسان”(34).

6- فلنعترف الأعتراف الحسن

  1. لنتخل إذن عن أهلنا واقربائنا وأصدقائنا، عن امرأتنا وأولادنا وممتلكاتنا، وعن كل ما يتعلق بالمعيشة (35) حتى لا تعيقنا في التقوى.
  2. علينا ان “نصلي لئلا ندخل في تجربة” (36). وإذ دعينا للإستشهاد، فلنعترف بثبات بالإسم الكريم، وإذا عوقبنا بسببه فلنفرح إذ نسرع نحو القيامة.
  3. ولا نتعجب من ان نضطهد. “لا نحب ما في العالم” (37)، ولا مديح البشر (38)، ولا إكرام ومجد الحكام، كما فعل قوم من اليهود، كانوا يتعجبون من معجزات الرب، ولكنهم لم يؤمنوا به خوفا من الرؤساء والكهنة. “إنهم آثروا مجد الناس على مجد الله”(39).
  4. “فلنعترف الإعتراف الحسن (40)،  لا فقط لنخلص بل لنسعف المستنيرين الجدد، ولنجعل الموعوظين مؤمنين.
  5. فإذا رفضنا شيئا من الاعتراف وجحدنا الإيمان لأجل كبرياء في المعرفة او خوفا من عذاب طفيف، فإننا لا نبتعد فقط عن المجد الأبدي، بل نكون سببا في هلاك آخرين. وبذلك نصبح عرضة لعقاب مضاعف اذ نبذر الشك بسبب جحودنا، ونظهر ان تعليمنا مغلوط بما انه صادر لتمجيد ذاتنا.
  6. لذلك لا نستسلم الى المخاطر، لأن الرب يقول: “صلوا لئلا تدخلوا في تجربة”(41). “إن الروح نشيط، اما الجسد فضعيف”(42)، وإذا سقطنا عن ضعف فلا نخف من الاعتراف.
  7. وإذا جحد أحد رجاءه الذي هو يسوع(43)، وشعر بدنو الموت، أخذ الغد يتقلب على فراش المرض بأوجاع لا تطاق في بطنه او معدته او راسه، أو بألم عضال كالانحلال، او الغرغرينة او الفالج او الاستسقاء، او بمرض في الأمعاء. انه يسعى سريعا على ازالة تلك الكوارث ولو كانت الحياة تفارقه. إنه يرغب ألا يحرم من الحياة الزمنية، فكيف يهمل الأشياء الابدية حتى “يلقى في الظلمة الخارجية، هناك يكون البكاء وصريف الأسنان”(44).
  8. والذي استحق نعمة الاستشهاد فليفرح بالرب(45)، فقد حصل على اكليل الكمال وخرج من هذه الحياة بالاعتراف. وإذا كان موعوظا فليمض بلا خوف، لأن الآلام التي تحملها لأجل المسيح هي له بمثابة عماد أفضل. هو قد مات مع الرب حقا، أما الباقون فعلى مثاله.
  9. فليفرح من يتشبه بالمعلم، لأنه قال: “كل تلميذ كامل يكون كمعلمه”(46). فمعلمنا الرب يسوع ضرب لأجلنا وأهين وعير(47)، فاحتمل كل ذلك بطول اناة وصبر. وقد لطم على وجهه وتألم ورفع على الصليب بعد ان جلد وشرب خلا ومرا(48)، وبعدما أكمل كل ما كتب عنه(49)، قال لله أبيه: “في يديك أستودع روحي”(50).
  10. لذلك من أعطى عهدا أن يكون له تلميذا، فليسع على أن يقتدي بعذاباته، وليتشبه بصبره. وليعلم أنه حتى لو ألقي في النار من قبل البشر لن يناله سوء، مثل الفتية الثلاثة(51). وإذا أحتمل شيئا من الالام فأنه ينال أجره عند الرب بإيمانه بالواحد الأوحد، الله الحق(52) والآب، بيسوع المسيح الحبر العظيم(53) مخلص النفوس ومكافئ(54) المجاهدين له المجد أبد الدهور. آمين.

7- في قيامة الموتى

  1. الإله القدير هو الذي يقيمنا بربنا يسوع المسيح، حسب وعده الصادق. إنه يقيمنا مع جميع الذين رقدوا منذ الدهر. نحن الآن على هذه الهيئة لا ينقصنا شيء غير الفساد، ولكننا سنقوم عادمي الفساد(55).
  2. وإذا ادركنا الموت في البحر وتشتتنا في الأرض، أو افترستنا الوحوش او قطعتنا الطيور، فإن الله يقيمنا بقدرته، لأن العالم كله هو في يد الله. فقد قال: “شعرة من رؤوسكم لا تهلك … بثباتكم تنقذون انفسكم”(56).
  3. في ما يخص قيامة الأموات وجزاء الشهداء، يقول جبرائيل لدانيال: “وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، بعضهم للحياة الأبدية وبعضهم للعار والرذل الأبدي. ويضيء العقلاء كضياء الجلد والشمس والكواكب” (57).
  4. سبق القديس جبرائيل فقال بأن القديسين يضيئون مثل النيرات. شهد لهم أنهم يعرفون الحق واسمه القدوس. إنه لم يبشر بالقيامة للشهداء فقط، بل لجميع البشر، صالحين وأشرار، أبرارا واثمة، لكي ينال كل واحد حسب ما يستحقه، إذ قال: “سيحضر الله كل عمل ليدين على كل خفي خيرا كان او شرا”(58).
  5. لم يؤمن اليهود بهذه القيامة، إذ قالوا: “قد يبست عظامنا وانقطعنا … فلهم يقول الله: هائنذا افتح قبوركم واصعدكم من قبوركم .. وأجعل روحي فيكم فتحيون .. فتعلمون أني أنا الرب تكلمت وفعلت .. “(59).
  6. ويقول على لسان أشعيا: “سيحيا الأموات ويقوم الأشلاء من القبور ويرنم سكان التراب. لأن الندى الذي من لدنك يكون دواءا لهم”(60).
  7. ولقد قيل الكثير في القيامة وفي المجد الدائم للأبرار، وفي عقاب الأثمة وهلاكهم وزيفهم ودينونتهم واحتقارهم، وزجهم في النار الأبدية (61) والدود الذي لا يفنى (62).
  8. ولو أراد الله ان يبقى الناس أحياء لأستطاع ذلك. فقد بين ان أخنوخ(63) وإيليا(64) لم يدركهما الموت. ولو أراد في كل جيل ان يقيم الراقدين لأستطاع ذلك بذاته او بغيره، كما أقام ابن الأرملة(65) على يد إيليا، وابن الشونمية على يد أليشاع (66).
  9. نحن متأكدون ان الموت ليس عقابا، اذ خضع له القديسون ورب القديسين نفسه، يسوع المسيح “حياة المؤمنين وقيامة الراقدين”(67).
  10. ولذلك نحن كرجال في مدينة عظمى نجاهد مع المجاهدين الى ان يأتي الإنحلال بعد قليل، ثم يقوم كل واحد إما للدينونة وإما لإكليل المجد.
  11. فالذي كون من التراب(68) جسد آدم والآخرين، يقيم أجساد هؤلاء والرجل الأول، لأنه قال: “يسمع جميع من في القبور صوت ابن الله، والذين يسمعون ينهضون للحياة”(69).
  12. نؤمن أن قيامتهم ستكون لأجل قيامة الرب. لأنه هو الذي أقام لعازر بعد أربعة أيام(70)، وابنة يائيروس(71)، وابن الأرملة(72).

وأقام ذاته بأمر الآب بعد ثلاثة أيام وصار عربون قيامتنا(73). هو الذي أخرج يونان من بطن الحوت(74) حيا وبلا ألم بعد ثلاثة أيام، والفتيان الثلاثة من أتون بابل(75)، ودانيال من جب الأسود(76)، ألا يستطيع ان يقيمنا نحن أيضا؟

  1. وإذا استهتر اليونانيون ولم يؤمنوا بكتبنا المقدسة، فليؤمنوا بنبيتهم “سيبلا”؛ هذا ما قالته لهم، حسبما نقرأ: “ومتى اضمحل كل شيء وصار رمادا، وهدأ الله السرمدي النار التي أضرمها، كون من جديد الرجال من عظم ومن رماد، وجعلهم أمواتا من جديد كما كانوا أولا. وعندئذ صدر الحكم الذي اصدره الله نفسه، أصدر الحكم على العالم من جديد. فالذين أخطأوا تحت إثم هؤلاء تغطيهم الأرض من جديد. أما الذين ساروا في التقوى فيعيشون في العالم من جديد. يعطي الله الروح والحياة والنعمة لهؤلاء الأتقياء، ويرى الجميع بعضهم بعضا”.
  2. فاذا كانت هي قد اعترفت بالقيامة ولم تنكر الميلاد الثاني، وميزت الأتقياء من الأثمة، فنكرانهم لكتبنا إذن باطل.
  3. إننا تتكلم عن القيامة وتظهرها بوضوح. فلا يصغ المؤمنون إذن الى أقوال اليونانيين. يقال إنه يوجد طير وحيد اسمه “يتيم زمانه”، وهذا الطير هو البرهان الأعظم للقيامة. يقولون إنه يبقى بتولا ووحيدا في القدرة، وإنه كل خمس مئة سنة يأتي الى مصر على مرتفع في الشمس وحاملا كثيرا من البذور والأغصان، ويقف وجهة الشرق كما يزعمون، ويتضرع الى الشمس تلقائيا فيصبح رمادا. وهذا الرماد يتحول الى دودة، ثم يسخن فيخرج “يتيم زمانه” جديد ويطير الى الجزيرة العربية. وهذا مما يتعدى الشريعة المصرية.
  4. فإذا كانوا، كما يقولون أنفسهم، يبرهنون عن القيامة بواسطة طير غير ناطق، فلماذا يرفضون براهيننا؟ إننا نعترف أن الذي يستطيع ان يخرج شيئا من العدم الى الوجود (77)، يمكنه أن يبعث الى الحياة من مات.
  5. ولإثبات هذه العقيدة نحن نساق للضرب والإضطهاد والموت. فإذا كنا نحتمل هذه العذابات ونحن لا إثبات لدينا، فما نبشر به يكون باطلا.
  6. وكما آمنا بما قاله موسى أن “في البدء خلق الله السماوات والأرض”(78)، وقد عرفنا نه لم يحتج الى المادة بل الى ارادته فقط، التي بها أمر المسيح فتكون كل شيء اي السماء والأرض والبحر، والنور والليل والنهار، والنيرات والنجوم، والطيور والأسمال والدواب والحيات، والأشجار والنبات. وبالطريقة نفسها يقيم الجميع بإرادته دون ان يحتاج الى مساعدة.
  7. فإن فعل قدرته هو أن يجبر الكون ويقيم الموتى. عندما خلق الإنسان من العدم صنعه من عناصر مختلفة، وأعطاه نفسا لم تكن من قبل.

أما الآن، فلهذه النفس الكائنة يعطي جسدا كان قد اضمحل. فالقيامة هي للراقدين وليست للموجودين.

  1. فالذي كون الأجساد الأولى من لا شيء، وكونها في صور مختلفة، هو الذي يقيم الأموات بإحيائهم. هو الذي يكون الإنسان في الأحشاء بنطفة قليلة ويخلق فيه نفسا من العدم.

هكذا يقول لإرميا في موضع: “قبل أن أصورك في البطن عرفتك”(76). وفي موضع آخر: “أنا الرب باسط السماء ومؤسس الأرض والبحر، جابل روح الإنسان فيه” (80).

هو يقيم جميع البشر الذين هم خلائقه. هكذا يشهد الكتاب المقدس عندما يقول الله لإبنه الوحيد، المسيح: “لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا … فخلق الله الإنسان على صورته، ذكرا وأنثى(81) خلقهم”(82).

  1. وأيوب الإلهي الصبور الذي قال الكتاب عنه: “كتب أنه سيقوم مع الذين يقيمهم الرب، هو يقول للرب: ألم تكن قد صيبتني كاللبن وجمدتني كالجبن، وكسوتني جلدا ولحما وحبكتني بعظام وعصب، وحياة نعمة آتيتني، وحفظت عنايتك روحي. هذا كله صنعته في، وأنا أعلم أنك قدير على كل شيء ولا يعسر عليك شيء”(83).
  2. ويقول لله حبيب الله داود: “يداك صنعتاني وكونتاني”(84). وأيضا: “إنك عالم بجبلتنا”(85). وبعده: “أنت كونتني وجعلت علي يدك. علم عجيب فوق طاقتي، أرفع من أن أدركه … رأتني عيناك جنينا وفي سفرك كتبت جميع الأكوان”(86). ويتضرع أشعيا الى الله قائلا: “نحن الطين وأنت جابلنا”(87).
  3. إذا كان الإنسان هو خليقة الله بالمسيح، فكل ميت سيقوم به، إما لتتويجه على أعماله الصالحة وإما للعقوبة على آثامه. واضع الناموس يجري حكما عادلا: فكما أنه يعاقب الأثمة كذلك يخلص المؤمنين القديسين الذي ذبحهم الناس، الذين يضيئون كالنجوم ويلمعون كالنيرات(88)، كما قال جبرائيل لدانيال.
  4. كل تلاميذ المسيح يجب أن يبقوا مؤمنين؛ ونحن نؤمن بمواعيده لأنه صادق غير كاذب. فقد قال الطوباوي داود: “الرب صادق في كل أقواله وبار في جميع أعماله”(89).
  5. الذي كون له جسدا من العذراء، والذي أقام ذاته من بين الأموات، هو الذي يقيم الراقدين.
  6. الذي من حبة حنطة تدفن في الأرض يخرج سنبلة سمينة، ومن شجرة مقطوعة يخرج أغصانا، الذي من عصا هارون اليابسة أخرج نبتا (90)، هو الذي يقيمنا في المجد.
  7. الذي أقام المخلع صحيحا(91) وأبرأ يابس اليد(92)، الذي أعاد البصر للأعمى(93) من التراب والبصاق، هو الذي يقيمنا.
  8. الذي من خمسة أرغفة وسمكتين أشبع خمسة آلاف(94) وفضل اثنتا عشر قفة(95)؛ وحول الماء خمرا(96)؛ ومن فم سمكة أخرج ستارا على يدي، أنا بطرس، لدفع الجزية للجباة(97)، هو الذي يقيم الموتى.
  9. فنحن نشهد لهذه الأشياء كلها التي عملها، والباقي يشهد به الأنبياء.
  10. نحن الذين أكلنا وشربنا معه(98)، وعاينا معجزاته وحياته وتصرفاته، وأقواله وآلامه، وموته وقيامته من بين الأموات، وصعوده الى السماوات بعد أربعين يوما(99) من قيامته، وتسلمنا أمره هذا: “إكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها”(100)، “وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم بموتي”(101).

حسب إرادة إله الجميع الذي هو ابوه، وشهادة الروح القدس الذي هو المعزي، نحن نعلمكم هذه الأشياء كلها التي امرنا بها، عندما ارتفع الى السماء (102)، على مرأى من أعيننا الى الذي أرسله(103).

  1. فإذا آمنتم بها فطوبى لكم(104)؛ وإن لم تؤمنوا نكون نحن أبرياء وأطهارا من عدم إيمانكم.

8- تكريم الشهداء

  1. في ما يختص بالشهداء، نقول لكم: ليكونوا عندكم موضع اعتبار كما كانوا عندنا محل تقدير. مثل الطوباوي يعقوب الأسقف، والقديس إسطفانوس شريكنا في الخدمة.
  2. إنهما موقران من الله ومن الرجال الأبرار، طاهران من كل دنس، غير ميالين الى الخطيئة، ثابتان في عمل الخير، لا يغرهما المديح. وعنهم قال داود:”كريم في عيني الرب موت اصفيائه”(105). وسليمان:”ذكرالصديق بركة”(106). وعنهم قال أيضا النبي:”الرجال الصديقون يرفعون”(107).

9- التمييز بين الشهداء

  1. هذا كله قلناه بحسب الحقيقة عن الذين استشهدوا للمسيح، وليس عن الشهداء الكذبة الذين قال عنهم الكتاب المقدس: “اسم المنافقين يبلى”(108)،  لإن “الشاهد الأمين لا يكذب وشاهد الزور ينفث الكذب”(109).
  2. فالذي ذهب للإستشهاد ليشهد للحق، هذا حقا شهيد ويستحق الثقة في شهادته بكلام التقوى وبإراقة دمه.

10- يوم الأحد يوم فرح روحي

  1. ننصحكم أيها الأخوة والشركاء في الاستعباد، ان تهربوا من الكلام الأجوف ومن كلام السوء والكلام السمج، من السكر والشره ومن باطل الكلام(110)، خاصة في أيام الآحاد حيث نمنحكم الفرح. فلا يكن شيء غير لائق لا بالقول ولا بالفعل. لأن الكتاب المقدس يقوم في موضع: “أعبدوا الرب بخشية وابتهجوا برعدة”(111)،
  2. يجب أن تكون أفراحكم بخشية ورعدة. فلا يحق للمسيحي المؤمن أن يقرأ تسبيحا وثنيا أو نشيدا خليعا، إذ أنه يتحد به بواسطة التسبيح للأوثان الذي يردده بالأسماء الشيطانية. وبدل ان يجذب اليه الروح القدس يدخل الروح الشرير.

11- لنبتعد عن الأصنام

  1. فلنبتعد عن القسم بها او عن ذكر اسمها المرذول، او عن السجود لها، أو أن نخافها كآلهة. فهي ليست آلهة بل شياطين شريرة أو أصنام مصطنعة(112).
  2. يقول الله في موضع لبني إسرائيل: “قد تركني بنوك وحلفوا بما ليس إلها”(113). وبعده: “إني أستأصل اسماء الأصنام”(114) عن الأرض فلا تذكر من بعد. وفي موضع آخر:”هم أغاروني بمن ليس إلها وأغضبوني بأباطيلهم”(115).

ففي جميع الكتب المقدسة هذه الأصنام مرذولة عند الله.

12- وعن العبادات الوثنية

  1. لا يجب فقط ألا نحلف بالأوثان، بل ننصحك ألا تأخذ شرائعك من النيرات، وألا تحلف بها أو تعبدها. فقد قيل: “لا ترفع طرفك الى الشمس والقمر والكواكب … فتجتذب وتسجد لها”(116). وفي موضع آخر: “لا تتعلموا طريقة الأمم ولا تفزعوا من آيات السماء”(117).
  2. فالنجوم والنيرات هي لإنارة البشر(118) وليست لنسجد لها، وإن كان الإسرائيليون قد عبدوها عن خبث، “واتقو المخلوق وعبدوه دون الخالق”(119) واحتقروا الخالق بدل أن يعجبوا به. وصنعوا عجلا كما فعلوا في البرية(120)، وسجدوا لبعل فغور(121).

وفي مكان آخر، البعل(122) وتموز(123) وعشتاروت الصيدونية(124)، ثم مولك(125) وكاموش(126). وفي مكان آخر عبدوا الشمس، كما هو مكتوب في سفر حزقيال(127)، وحتى الحيوانات غير الناطقة كعجل آبيس عند المصريين، والعجل المنذيسي، وآلهة من فضة وذهب، كما صنعوا في يهوذا.

  1. فلأجل هذه كلها يهدد الرب على لسان النبي قائلا: “أقليل لآل يهوذا أن يصنعوا من الأرجاس ما صنعوه هنا؟ فإنهم ملأوا الأرض جورا وعادوا يسخطونني. وها هم يستهزئون. فأنا ايضا أعاملهم بالحنق، لا ترثي عيني ولا اشفق. وإذا صرخوا على مسمعي بصوت عظيم فلا أسمعهم”(128).
  2. رأيتم أيها الأحباء، كيف يظهر الرب غضبه بهذه التهديدات ضد عبدة الأوثان والذين يكرمون الشمس والقمر.
  3. لذلك يجب على رجل الله(129)، أي المسيحي، ألا يحلف بالشمس أو بالقمر او بالنجوم، ولا بالسماء ولا بالأرض(130)، ولا بأي شيء من العناصر، كبيرا كان او صغيرا.
  4. إذا كان المعلم أمرنا بألا نحلف بالله الكائن حتى يكون كلامنا صادقا أكثر من قسمنا؛ والا نحلف بالسماء نفسها، لأن هذا كفر اليوناني؛ ولا بأورشليم أو بمقدسات الله أو بالمذبح، ولا بالقربان ولا بذهب الهيكل، ولا برأسنا(131)، فتلك هي عادة اليهود الرجسة، ولذلك فهي ممنوعة عندنا. فليكن كلام المؤمنين: “نعم نعم، ولا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشرير”(132).

فكم بالحري يحاكمون من يحلفون بقسم على أشياء كاذبة ويكرمون الأشياء الوهمية أكثر من الحقيقية. هؤلاء اسلمهم الله بسبب شرهم(133) إلى التهور ليفعلوا ما هو محرم.

13- أعياد التقويم الكنسي

  1. إحفظوا أيام الأعياد، أيها الإخوة، وأولها ميلاد الرب الذي تتمونه في 25 من الشهر التاسع.
  2. ومن بعده عيد الظهور يكون عندكم مكرما. ففي هذا العيد أظهر لكم الرب لاهوته. وليكن هذا العيد في اليوم السادس من الشهر العاشر.
  3. ومن بعدها حافظوا على الصيام الأربعيني ذكرا لتدبير الرب وتعليمه. أتموا هذا الصيام قبل صيام الفصح. يبتدئ يوم الإثنين وينتهي عند التهيئة (الجمعة مساء).
  4. وبعد هذا وقد أنهيتم الصيام، ابتدئوا أسبوع الفصح بالصوم وبالمخافة والرعدة. وصلوا في هذه الأيام لأجل الذين هلكوا.

14- شرح أسبوع الآلام المقدس

  1. إن اليهود ابتداوا يتشاورون على الرب في السبت الثاني من الشهر الأول أي نيسان. ويوم الثلاثاء من بعد السبت، كثرت المشورة. ويوم الأربعاء قرروا موته على الصليب.
  2. وكان يهوذا يعلم بذلك، وقد ابتعد عنا منذ زمن طويل، فاسقطه الشيطان بحب المال، وكان من قبل قد اؤتمن على صندوق النفقة وسرق مال الفقراء(134)، فلم يرذله الرب، لأنه طويل الأناة.

وبينما كنا نأكل معه أراد أن يؤدبه ويعلمنا  معرفته، قال: “الحق الحق أقول لكم: إن واحدا منكم سيسلمني”(135).

  1. فشرع كل واحد منا يقول: “ألعلي أنا؟”(136). والتزم الرب الصمت فوقفت أنا، أحد الإثني عشر، الذي كان يسوع يحبه أكثر من الآخرين، وعانقته ثم سألته من هو ذاك الذي سيسلمه؟”(137) فلم يقل لنا اسمه، الرب الصالح، بل أعطى علامتين للمسَّلِم: الأول عندما قال: “الذي يغمس يده معي في الصحفة”(138)، والثانية: “الذي أعطيه اللقمة التي أغمسها”(139).
  2. ولما سأله هو: “ألعلي أنا يا معلمي.”(140). لم يجب الرب: “نعم”، بل “أنت قلت”. أراد بذلك أن يخيفه، فقال: “ويل لذلك الرجل الذي يسلم ابن الإنسان، فلقد كان خيرا لذلك الرجل الا يولد”(140).
  3. فلما سمع ذلك خرج؛ وسال الكهنة: “ماذا تريدون أن تعطوني وأنا اسلمه إليكم.” فجعلوا له ثلاثين من الفضة (142).
  4. ويوم الخميس أكلنا معه الفصح. ومد ذاك يده الى الصحفة (143) وتناول الطعام وخرج في الليل(144). فقال  لنا الرب: “لقد أتت الساعة حيث تتفرقون كل واحد من جهته وتتركونني وحدي”(145). فاكد كل واحد بأننا لن نتركه.

وقلت له، أنا بطرس، بأني مستعد أن أموت معه(146). فقال:” الحق اقول لك: قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات، أنك لا تعرفني”(147).

  1. وعندما أعطانا الأسرار –التي هي مثال الحقيقة- جسده ودمه الكريم(148)، لم يكن يهوذا حاضرا معنا. وخرج الى جبل الزيتون(149) “عبر وادي قدرون حيث كان بستان”(150). فرفعنا التسابيح كالعادة(151) ومكثنا هناك.
  2. ثم ابتعد قليلا وصلى لأبيه قائلا: “يا أبتاه، إن شئت فاجز عني هذه الكأس، ولكن لا تكن مشيئتي بل مشيئتك”(152). وفعل ذلك ثلاث مرات. ونحن استسلمنا الى النوم لكثرة الأسى. فقال لنا: “ها قد دنت الساعة، وابن الإنسان يسلم الى أيدي الخطأة”(153).
  3. حينئذ جاء يهوذا ومعه جمع (154) من الأثمة. وكان قد أعطاهم علامة (155) ظهرت بقبلته الغاشة (156). فقبلوا العلامة وقبضوا على الرب، وكبلوه واقتادوه الى دار قيافا رئيس الكهنة(157)، حيث كان قد اجتمع عدد كبير –ليس من الشعب- بل منا لجماهير المرتزقة.

كان هناك محفل –ليس محفل الكهنة- بل محفل متعدي الناموس، محكمة الأثمة. هؤلاء شنعوا به، لطموه وضربوه(158)، عيروه وامتحنوه، وطلبوا منه أن ينتبأ ضد النبؤات؛ ونعتوه بالأحمق والمجدف ومخالف لناموس موسى، وناقض الهيكل(159) والذبائح، وعدو الرومان ومقاوم لقيصر(160).

  1. حقروه بهذه الأشياء الى مطلع الفجر؛ ثم أخذه “الثيران والكلاب”(161) الى حنان صهر قيافا(162). وهناك عاملوه المعاملة نفسها. وعند يوم التهيئة(163) سلموه إلى والي الرومان(164)، بيلاطس، لائمين إياه في أشياء خطيرة لا صحة لها(165). فسخط الوالي(166) عليهم وقال: “أنا لا أجد عليه علة”(167).
  2. أما هم فأحضروا شاهدي زور(168) بغية ان يفتروا على الرب. فوجدا غير متفقين في شهادتهما عند إثبات ادعائهما، قالا: “هذا الرجل يقول إنه ملك، ويمنع إداء الجزية لقيصر”(169)
  3. فصاروا هم المتهمين والشهود والقضاة، واصدروا الحكم قائلين: “أصلبه، اصلبه”(170)، حتى يتم ما كتب عنه في الانبياء(171): “قد قام علي شهود زور ونافثو جور”(172). وأيضا: “قد احاطت بي كلاب كثيرة، زمرة من الأشرار أحدقت بي”(173). وفي موضع آخر: “صار لي ميراثي كأسد في الغابة رفع علي صوته”(174).
  4. فبيلاطس امتهن شأن الحكم بجبن، واتهمه بالشر. وبدل ان يضمد جراح البار، ويشهد أنه إنما أسلم ظلما، حكم عليه أنه يستحق الموت، وأسلمه للصلب. مع أن قوانين الرومان لا تحكم على أحد بالموت دون دفاع.
  5. فأخذ الجند رب المجد(175) ورفعوه على الصليب. وكانت نحو الساعة السادسة(176) عندما صلبوه(177). وفي الساعة الثالثة (178) أخذوا القرار بشأنه.
  6. وبعده “أعطوه خلا ممزوجا بمر، ثم اقتسموا ثيابه بينهم”(179). ثم صلبوا لصين معه(180)، واحدا من كل جهة، لكي يتم المكتوب(181). “جعلوا في طعامي مرارة، وفي عطشي سقوني خلا”(182). وأيضا: “اقتسموا ثيابي بينهم وعلى ردائي اقترعوا”(183). وفي موضع آخر: “إنه أحصي مع العصاة”(184).
  7. بعد ذلك طبق الظلام على الأرض ثلاث ساعات “من الساعة السادسة حتى الساعة التاسعة”(185). ثم سطع النور من جديد حتى المساء، كما هو مكتوب: “ويكون يوم… ليس بنهار ولا ليل، بل يكون وقت المساء نور”(186).
  8. ونحو الساعة التاسعة صرخ الى إبيه قائلا: “إلهي، إلهي لم تركتني؟”(187). وبعد قليل صرخ بصوت عظيم(188): “يا أبتاه، إغفر لهم فإنهم لا يدرون ما يفعلون”(189).

وأردف: “في يديك أستودع روحي”(190) وأسلم الروح. وعند غروب الشمس وضع في قبر جديد(191).

  1. وعند فجر الأول من الأسبوع(192) قام من بين الأموات متمما ما قاله لنا قبل آلامه من أنه: “ينبغي لإبن البشر أن يقيم في جوف الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال”(193).
  2. ولما قام من بين الأموات “ظهر اولا لمريم المجدلية ومريم أم يعقوب”(194). وبعد ذلك لكليوبا في الطريق(195). وبعده لنا نحن تلاميذه وكنا قد هربنا خوفا من اليهود(196)، وكنا نبحث سرا عما يخصه، وهذا كله مدون في الإنجيل.
  3. فأمرنا إذن أن نصوم هذه الستة أيام لاجل إثم اليهود وتعديهم الشريعة، أن ننوح عليهم ونندبهم لأجل هلاكهم. لأنه هو نفسه “بكى عليهم … لأنهم لم يعرفوا وقت افتقادهم”(197)، وأمرنا أن نصوم يومي الأربعاء والجمعة: الأول لأجل الخيانة، والثاني لأجل الآلام. وحدد أن نكف عن الصيام في اليوم السابع عند صياح الديك.

إننا نصوم ذلك السبت لا لأنه يجب الصيام يوم السبت –فهو يبقى يوم الراحة عن العمل- ولكن لانه يجب الصيام في ذلك اليوم فقط، لأن القدير كان تحت الأرض في ذلك اليوم.

  1. لأن في يوم عيدهم قبضوا على الرب، ليتم ذاك المقول: “جعلوا راياتهم شعارا في وسط عيدهم ولم يعرفوا”(198)، يجب أن نحزن عليهم لإن الرب جاء ولم يؤمنوا به، بل رفضوا تعليمه وحكموا على أنهم غير مستحقين للخلاص.

15- طوبى لكم أنتم الذين من الأمم

  1. أما أنتم فطوبى لكم:أنتم الذين لم يكونوا قبلا شعبا، وأما الآن فأمة مقدسة”(199). قد تخلصتم من ضلال الأصنام والجهل والنفاق، “أنتم الذين لم يكونوا مرحومين وإما الآن فمرحومون”(200).
  2. لأن لكم فتح باب الحياة، أنتم الذين من الأمم، الذيم لم تكونوا قبلا محبوبين، أما الآن فأنتم أخلاء، “شعب مقتنى”(201) يقوده الله نحو الفضائل، الذين عنهم قال المخلص:”إني اعتلنت لمن لم يسألوا عني، ووجدت ممن لم يطلبوني. قلت هاءنذا لأمة لم تدع بإسمي”(202).
  3. أنتم لم تسألوا عنه قبلا، ولكنه هو سأل عنكم. وأنتم آمنتم به وأطعتم دعوته، وتركتم جنون الأصنام ولجأتم الى الحقيقة الوحيدة، الى الله القدير بيسوع المسيح، واصبحتم كمال عدد الذين حصلوا على الحياة، “ربوات ربوات وألوف ألوف”(203) كما هو مكتوب في سفر داود.
  4. أما لإسرائيل غير المؤمن، فيقول: “بسطت يدي النهار كله نحو شعب عاص يسلكون طريقا غير صالح وراء أفكارهم، شعب يغضبونني في وجهي”(204).

16- أنتم عرفتم الله أو بالحري عرفكم الله

  1. أنظروا إذن كيف اغضب الشعب الرب لكونه لم يؤمن به! لذلك يقول: “أغضبوا الروح القدوس فتحول لهم عدوا”(205).
  2. إن عماهم منعهم عن البصر لأجل سوء ظنهم. ذلك أنهم رأوا يسوع ولم يؤمنوا به أنه مسيح الله المولود منه قبل كل الدهور. الأبن الوحيد، الكلمة الله، الذي لم يعرفوه لعدم إيمانهم، ولم يفهموا معجزاته ولا ما كتب عنه الأنبياء:
  3. من أنه يولد من عذراء، وقد جهلوا هذا: “ها إن العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل”(206)؛ “لأنه قد ولد لنا صبي، اعطي لنا ابن، فصارت الرئاسة على كتفه ودعي اسمه ملاك المشورة العظمى عجيبا مشيرا، رئيس السلام أبا الدهر الآتي”(207).
  4. ولأجل أنهم تمادوا في الشر ولم يطيعوه، يقول: “يا رب، من آمن بما سمع منا، ولمن أعلنت ذراع الرب؟”(208). وبعده:” إسمعوا سماعا ولا تفهموا، وانظروا نظرا ولا تعرفوا، فقط غلظ قلب هذا الشعب”(209).
  5. ولذلك ضاعت عنهم المعرفة، لأنهم نظروا ولم ينظروا، وعرفوا ولم يعرفوا. أما لكم أنتم الذين من الأمم، فقد أعطي الملكوت(210)، لأنكم لم تعرفوا الرب لكنكم آمنتم بالكرازة: “عرفتم الله بل بالحري عرفكم الله”(211)، بيسوع المخلص وفادي جميع الذين وضعوا رجاءهم فيه.
  6. فقد تركتم عاداتكم الأولى الباطلة، واحتقرتم الأصنام التي لا نفس لها، ورفضتم أعمال الشياطين التي في الظلمة وأسرعتم الى “النور الحقيقي”(212)، وعرفتم بواسطته “الإله الحقيقي الوحيد””(213) والآب، وصرتم ورثة لملكوته.
  7. وإذا “اعتمدتم لموت الرب ولقيامته”(214)؛ “وكأطفال ولدوا حديثا”(215) إبتعدوا عن كل خطيئة، “لأنكم لستم بعد لنفسكم، بل لمن اشتراكم بدمه”(216).
  8. وفي ما يخص عدم إيمان إسرائيل، يقول الرب: “إن ملكوت الله ينزع منكم ويدفع الى أمة تستثمره”(217)، ليدل أنه اعطى لكم الملكوت، أنتم الذين كنتم قبلا بعيدين منه، على رجاء أن تأتوا بثمار.
  9. أنتم الذين أرسلتم الى الكرم قديما ولم تسمعوا، أما أولئك فسمعو(218)، والان وقد ندمتم على تصرفكم المتناقض فاعملوا للخير. أنهم خانوا العهود وأهملوا الكرم؛ وزادوا على ذلك أنهم قتلوا مدراء الكرم(219) الذين أرسلهم الرب الكرام، إما بالرجم أو بالسيف أو بالنشر(220)، وقتلوا آخر مرسل داخل المقدس “بين الهيكل والمذبح”(221). وأخيرا قتلوا الوارث نفسه: “طرحوه خارج الكرم وقتلوه”(222).
  10. وحجر الأساس الذي رذلوه قبلتموه أنتم كرأس للزاوية (213). لذلك يقول الله عنكم: “شعب لم أعرفه يتعبد لي، حالما يسمعونني يطيعونني”(224).

17- تقويم عيد الفصح

  1. يجب عليكم ايها الأخوة، الذين اشتريتم بدم المسيح الكريم(225)، أن تقيموا أيام الفصح بدقة وبكل اعتناء، في وقت الإعتدال الربيعي، لكي لا تقيموا مرتين في السنة ذكرى الآلام، بل مرة واحدة في السنة للذي مات مرة واحدة. فلا تعيدوا مع اليهود،
  2. لأنه لم تعد لنا شركة معهم(226). لأنهم زاغوا في حكمهم الذي ظنوا أنه قد اكتمل، فصاروا ضالين في كل مكان وبعيدين عن الحق.
  3. أما أنتم فاحفظوا بدقة ساعة اعتدال الربيع التي تأتي في الثاني والعشرين من الشهر الثاني عشر أي شهر آذار. فتراقبونه حتى الحادي والعشرين من القمر، حتى لا يقع الرابع عشر من القمر في أسبوع آخر فيحصل خطأ عن غير قصد، فنعيد الفصح مرتين في السنة نفسها. لا نعيد فصح ربنا يسوع المسيح في يوم آخر سوى يوم الأحد.

18- صيام الفصح

  1. فصوموا إذن أيام الفصح مبتدئين من الإثنين الى التهيئة والسبت، ستة أيام تستعملون أثناءها الخبز والملح والبقول، والماء للشرب. وامتنعوا عن الخمر واللحوم في تلك الأيام، لأنها أيام حزن وليست أعيادا.
  2. صوموا يومي الجمعة والسبت معا، للذين يستطيعون ذلك، لا تأكلوا شيئا حتى صياح الديك في الليل. وإذا لم يستطع أحد ان يصوم اليومين معا، فليحافظ  أقله على السبت. لان الرب يقول عن نفسه في موضع: “ومتى رفع العريس عنهم فحينئذ يصومون في تلك الأيام”(227).

19- مراسيم ليلة الفصح

  1. في تلك الأيام رفعه عنا اليهود (228)، متعدو الشريعة، واقتادوه للصلب “واحصي مع الأثمة”(229).
  2. لذلك ندعوكم الى الصيام في هذه الأيام –كما نحن صمنا عندما رفع عنا- حتى الغروب. في باقي الأيام التي تسبق يوم الجمعة، ليأكل كل واحد عند الساعة التاسعة او في الغروب. وإذا كان يستطيع ذلك فليصم من مساء الخميس الى صباح الديك.
  3. في صباح أول الأسبوع(230) أي يوم الأحد، فمن الغروب الى صياح الديك تجمعوا في الكنيسة، واسهروا في الصلاة والتضرع الى الله في السهر، تقراون الناموس والأنبياء والمزامير الى صياح الديك. ثم تعمدون موعوظيكم وتقرأون الإنجيل بمخافة ورعدة، وتكلمون الشعب بما يفيد خلاصهم. كفوا عن حزنكم وتضرعوا الى الله لهداية اسرائيل حتى يسلك طريق التوبة (231) ويمحوا إثمه.
  4. لأن الحاكم الغريب غسل يديه قائلا: “أنا برئ من دم هذا الصديق، أبصروا أنتم”(232). فصرخ إسرائيل:”دمه علينا وعلى أولادنا”(233). فأجاب بيلاطس: “أأصلب ملككم؟” – فصاحوا قائلين: “لا ملك لنا إلا قيصر(234) .. إصلبه، إصلبه(235). كل من يجعل نفسه ملكا يقاوم قيصر، وإن أنت أطلقته فلست مواليا لقيصر”(236).

ثم إن بيلاطس الوالي وهيرودس الملك أمرا بصلبه. فتم المقول: “لماذا إرتجت الأمم وهذت الشعوب بالباطل؟ قام ملوك الأرض والعظماء ائتمروا معا على الرب وعلى مسيحه”(237)، “وطرحوا الحبيب كالميت الملقى”(238).

  1. فصلب يوم الجمعة وقام صباح الأحد؛ وتمت الكتابة القائلة: “قم يا الله ودن الأرض فأنك انت ترث جميع الأمم”(239). وايضا:” أقوم الآن، يقول الرب، وأنعم بالخلاص على من اليه يقومون”(240). و “أنت يا رب ارحمني وأقمني فأجزيهم”(241).
  2. لأجل ذلك أنتم، إذ قد قام الرب، أصعدوا قربانكم الذي أمركم به على لساننا قائلا: “إصنعوا هذا لذكري”(242) وكفوا عن الصوم وافرحوا، لأن عربون قيامتنا، يسوع المسيح، قد قام من الأموات(243). “واحفظوا هذا الأمر فريضة لكم مدى الدهر”(244)، “إلى أن يأتي الرب”(245).
  3. في نظر اليهود مات الرب، أما عندنا نحن المسيحيين فقد قام. أولئك يصرون على ذلك لعدم إيمانهم، أما نحن فلإيماننا، لنا الرجاء فيه حياة أبدية لا تموت.

20- تقويم ما بعد الفصح

  1. بعد ثمانية أيام، ليكن لكم عيد جديد مكرم، هو اليوم الثامن، الذي فيه أنا توما غير المؤمن بقيامته غمرني مظهرا لي أثر المسامير والحربة في جنبه (246).
  2. وبعده من أول أحد عدوا أربعين يوما(247) من الأحد الى الخميس، وعيدوا عيد صعود الرب الذي فيه أكمل كل تدبير وكل أمر، وذهب الى الذي أرسله، الى الله الآب، وجلس عن يمين القدرة(248) واستقر الى أن “يجعل جميع أعدائه تحت قدميه”(249). وسيأتي عند انقضاء الدهر بقوة ومجد عظيم (250) ليدين الأحياء والأموات(251)؛ “ويجازي كل واحد بحسب أعماله”(252). وعندئد سينظرون الى ابن الله الحبيب الذي طعنوه(253) ويعترفون به “وينوحون في ما بينهم كل عشيرة على حدتها.. ونساؤهم على حدتهن”(254).
  3. والآن في العاشر من شهر أيلول تجتمعون(255) لتقرأوا مراثي إرميا حيث يقول: “روح أفواهنا المسيح الرب، فقد أخذ في حفرهم”(256). وتقرأون باروك حيث هو مكتوب: “هذا هو إلهنا ولا يعتبر تجاهه آخر. هو وجد طريق التأديب بكماله، وجعله ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه. وبعد ذلك تراءى على الأرض وتردد بين البشر”(257).

وبعدما يقرأون يقرعون صدورهم ويحزنون، كما هي عادتهم إذ يتذكرون الجلاء الذي حصل في عهد نبوكدنصر حقا، فيبتدئون يسمعون الأسى الذي سيحل فيهم.

  1. بعد عشرة ايام للصعود، أي بعد الأحد الأول، تكون العنصرة، فليكن عيدا عظيما لكم. ففي هذا اليوم عند الساعة الثالثة(258) ارسل الرب يسوع الينا موهبة الروح القدس(259)، فامتلأنا من قوته وتكلمنا بلغات جديدة كما كان يضعها فينا. فبشرنا اليهود والأمم بأن يسوع هو مسيح الله، وقد جعله ديان الأحياء والأموات(260).
  2. وموسى يشهد بذلك إذ يقول: “وأمطر الرب نارا من عند الرب”(261). وقد رآه يعقوب بصورة إنسان، إذ قال “إني رأيت الله وجها لوجه ونجت نفسي”(262). وقبله إبراهيم كضيف واعترف به ديانا وربا(263).
  3. هذا الذي رآه موسى في العليقة(264) وقال عنه في تثنية الإشتراع:”يقيم لك الرب إلهك نبيا من بينكم، من إخوتك مثلي، له تسمعون في كل شيء مما قلته لكم. وأي إنسان لم يطع هذا النبي يستأصل من الشعب”(265).
  4. هذا رآه يشوع بن نون “رئيس جند الرب”(266) متسلحا يحارب في أريحا، فسقط  ساجدا له كالعبد أمام سيده. هذا رآه صموئيل “مسيح الله”(267)، ودعا الكهنة والملوك مسحاء.
  5. هذا رآه داود فرنم له نشيد قائلا: “نشيد للحبيب”(268) فصوب وجهه نحوه وقال:”تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار، وببهائك انجح واركب في سبيل الحق والدعة والبر، فتعلمك يمينك المخاوف. نبالك مسنونة أيها القوي، وشعوب تحتك يسقطون، وتنخلع قلوب أعداء الملك … لذلك مسحك إلهك يا الله بدهن البهجة أفضل من أصحابك”(269).
  6. وعليه تكلم سليمان وكأنه يراه: “الرب حازني في أول طريقه قبل ما عمله منذ البدء. من الأزل مسحت من الأول من قبل ان كانت الأرض ولدت حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة المياه. قبل أن أقرت الجبال وقبل التلال ولدت”(270) وايضا: “الحكمة بنت بيتها”(271).
  7. وعنه قال أشعيا: “ويخرج قضيب من  جذر يسى وينمي فرع من أصوله … وفي ذلك اليوم أصل يسى القائم راية للشعوب، إياه تترجى الأمم”(272). وزكريا:” هوذا ملكك يأتيك صديقا مخلصا وديعا راكبا على آتان وجحش ابن آتان”(273).
  8. ويقول دانيال عنه أنه “ابن الإنسان”(274) الذي يمضي الى الآب فيدفع إليه الحكم والجلال. وأنه “حجر قطع لا باليدين … فصار جبلا كبيرا وملأ الأرض كلها”(275)، فهشم كثرة الحكام وكثرة الأصنام، وبشر بالله الواحد، واختار مملكة الرومان.
  9. وعنه تنبأ إرميا قائلا: “روح أفواهنا المسيح الرب أخذ حفرهم، الذي قلنا إنا في ظله نحيا بين الأمم”(276)، وحزقيال وباقي النبياء قالوا عنه إنه المسيح الرب، الملك الحاكم المشترع، رسول الآب، الإله الأبن الوحيد.
  10. به نبشركم ونعلن أنه الله الكلمة، يساعد إلهه وأباه في خلق كل شيء. آمنوا به تحيو؛ وإن لم تؤمنوا تعاقبوا. لأن “من يرفض أن يؤمن بالإبن لن يرى الحياة أبدا، بل غضب الله يستقر عليه”(271).
  11. وبعدما عيدتم العنصرة، عيدوا أسبوعا واحدا، وبعده صوموا أسبوعا واحدا. لأن من العدل أن نفرح بما وهبنا الله ثم نصوم بعد الراحة.
  12. فإن موسى وإيليا صاما أربعين يوما(278). ودانيال ناح ثلاثة أسابيع من الأيام، لم يأكل طعاما، ولم يدخل فمه لحم ولا خمر(275). والطوباوية حنة عندما طلبت صموئيل، قالت: “لم اشرب خمرا ولا مسكرا ولكني اسكب نفسي أمام الرب”(280).
  13. وأهل نينوى صاموا ثلاثة ايام وثلاث ليال(281) ليهربوا من محنة الغضب. وأستير ومردكاي(282)، ويهوديت(283) صاموا ليهربوا من وعيد أليفانا وهامان. ويقول داود: “انثنت ركبتاي من الصوم وهزل جسدي من الضعف”(284).
  14. فأنتم إذن صوموا وارفعوا الى الرب طلباتكم.
  15. بعد أسبوع الصوم، نأمركم بأن تصوموا يومي الأربعاء والجمعة من الأسبوع. وصوموا حسب مقدرتكم لتعينوا الفقراء.
  16. في كل السبوت ما عدا سبتا واحدا، وفي كل احد افرحوا بإقامة الإجتماعات. والذي يصوم يوم الأحد هو عبد للخطيئة، لأن الأحد هو يوم القيامة، كذلك من يصوم في العنصرة أو يحزن في عيد الرب. يجب أن نفرح في هذه الأيام لا أن نحزن.

مراجع

  1. راجع تك 19:3
  2. لو 35:6
  3. 2 قور 4:4
  4. 1 قور 25:9
  5. فل 10:3؛ راجع 1 بط 1:5
  6. لو 3:8
  7. متى 21:19
  8. راجع متى 21:7
  9. رسل 15:9
  10. متى 32:10
  11. متى 34:25 – 40
  12. متى 46:25
  13. 1 بط 1:5
  14. راجع رسل 6:4
  15. رسل 41:5
  16. لو 22:6 – 23
  17. راجع متى 23:10
  18. متى 11:5 – 12
  19. يو 20:15
  20. متى 23:10
  21. يو 33:16
  22. متى 17:10 – 18 ، 22
  23. راجع 1 طيم 11:6
  24. يو 25:12
  25. دا 23:5
  26. متى 34:25 و 41
  27. متى 33:10؛ مر 38:8؛ راجع 2 طيم 12:2
  28. متى 37:10 – 39
  29. متى 26:16
  30. متى 28:10
  31. راجع لو 33:14
  32. راجع سي 12:15
  33. راجع 2 قور 8:8
  34. أي 7:35 – 8
  35. راجع لو 26:14
  36. متى 41:26
  37. يو 15:2؛ 2 طيم 10:4
  38. راجع روم 29:2
  39. يو 42:12 – 43
  40. 1 طيم 12:6
  41. لو 40:22
  42. متى 41:26
  43. راجع 1 طيم 1:1
  44. متى 12:8 ؛ 13:22
  45. راجع فل 1:3؛ 4:4
  46. لو 40:6
  47. راجع متى 28:27 – 35
  48. متى 34:27
  49. راجع يو 28:19
  50. لو 46:23
  51. راجع دا 3
  52. يو 3:17
  53. عب 14:4
  54. راجع رسل 35:7؛ عب 6:11
  55. راجع 1 قور 52:15
  56. لو 18:21 – 19
  57. دا 2:12 – 3
  58. جا 14:12
  59. حز 11:37 – 12 ، 14
  60. أش 19:26
  61. راجع متى 41:25
  62. راجع أش 24:66
  63. راجع تك 24:5
  64. راجع 2 مل 11:2
  65. راجع 1 مل 17:17 – 24
  66. راجع 2 مل 4
  67. يو 25:11
  68. راجع تك 7:2
  69. يو 25:5 و 28
  70. راجع يو 11
  71. راجع مر 21:5 – 43
  72. راجع لو 11:7 – 17
  73. راجع 1 قور 20:15
  74. راجع يو 2
  75. راجع دا 3
  76. راجع دا 17:6 – 24
  77. راجع روم 17:4
  78. تك 1:1
  79. إر 5:1
  80. زك 1:12
  81. أي 18:42 سبعينية
  82. تك 26:1 -27
  83. أي 10:10؛ 10 – 13 سعينية
  84. مز 73:118
  85. مز 14:102
  86. مز 5:138 – 6؛ 16
  87. أش 7:64
  88. راجع دا 3ك12
  89. مز 13:144
  90. راجع عج 16:18 – 26
  91. راجع متى 1:9 – 8
  92. مز 1:3 – 6
  93. راجع يو 1:9 – 17 ؛ مز 22:8 – 26
  94. راجع متى 17:14 – 21
  95. راجع يو 1:6 – 13
  96. راجع يو 3:2 – 11
  97. راجع متى 24:17 – 27
  98. رسل 42:10
  99. رسل 41:10؛ 3:1
  100. مز 15:16
  101. متى 19:28؛ روم 3:6
  102. راجع رسل 9:1 ؛ مز 19:16
  103. راجع يو 3:17
  104. مز 16:16
  105. مز 15:115
  106. مثل 7:10
  107. أش 1:57
  108. مثل 7:10
  109. مثل 5:14
  110. راجع قول 8:3؛ أف 4:5
  111. مز 11:2
  112. راجع إر 18:51
  113. إر 7:5
  114. زك 2:13؛ 7:9
  115. تث 21:32
  116. تث 19:4
  117. إر 2:10
  118. راجع تك 15:1
  119. روم 25:1
  120. راجع خر 4:32
  121. راجع عد 3:25
  122. راجع قض 13:2
  123. راجع حز 14:8
  124. راجع 1 مل 5:11 و 7
  125. راجع 2 مل 10:23
  126. راجع 1 مل 5:11 و 7
  127. 16:8
  128. حز 17:8 – 18
  129. راجع 1 طيم 11:6
  130. راجع متى 34:5 ؛ بع 12:5
  131. متى 35:5؛ 16:23 – 22
  132. متى 37:5
  133. راجع روم 28:1
  134. راجع يو 6:12
  135. يو 21:13
  136. مر 19:14
  137. راجع يو 23:13 – 25
  138. مر 20:14؛ متى 23:26
  139. يو 26:13
  140. متى 25:26
  141. متى 24:26؛ مر 21:14
  142. متى 15:26
  143. متى 23:26
  144. يو 19:3 – 30
  145. يو 32:19
  146. راجع متى 33:26؛ يو 37:13
  147. متى 34:26؛ لو 34:22
  148. راجع 1 بط 19:1
  149. متى 30:26
  150. يو 1:18
  151. راجع متى 30:26؛ لو 39:22
  152. لو 41:22 – 42
  153. متى 45:26
  154. متى 47:26
  155. راجع متى 48:26
  156. راجع لو 48:22
  157. متى 57:26
  158. راجع متى 67:26
  159. راجع متى 59:26 – 65؛ رسل 14:6
  160. راجع يو 12:19؛ لو 2:23
  161. مز 13:21 و 17
  162. يو 113:18
  163. يو 14:19
  164. متى 2:27
  165. يو 30:18
  166. يو 30:18؛ 4:19
  167. لو 4:23 و 14؛ يو 38:18
  168. راجع متى 60: 26
  169. لو 2:23
  170. لو 21:23؛ يو 6:19
  171. متى 56:26؛ لو 22:37
  172. مز 12:26
  173. مز 13:21 و 17
  174. إر 8:12
  175. راجع 1 قور 8:2
  176. راجع يو 14:19
  177. راجع متى 35:27
  178. راجع مر 25:15
  179. متى 34:27 – 35
  180. متى 38:27؛ لو 33:23
  181. راجع يو 24:19
  182. مز 22:68
  183. مز 19:21؛ يو 24:19
  184. اش 12:53؛ 28:15
  185. متى 45:27
  186. زك 7:14
  187. متى 46:27؛ مز 2:21
  188. متى 50:27
  189. لو 34:23
  190. لو 46:23؛ مز 6:30
  191. متى 60:27
  192. متى 1:28
  193. متى 40:12
  194. مر 1:16 و 9
  195. راجع لو 18:24 و 32
  196. يو 19:20؛ راجع مر 14:16
  197. لو 41:19 ، 44
  198. مز 4:73 – 5
  199. 1 بط 10:2 و 9
  200. 1 بط 10:2
  201. 1 بط 9:2
  202. أش 1:65
  203. دا 10:7
  204. أش 2:65 – 3
  205. أش 10:63
  206. أش 14:7
  207. أش 5:9
  208. أش 1:53
  209. أش 9:6 – 10 ؛ رسل 26:28 – 27
  210. متى 43:21
  211. غل 9:4
  212. يو 9:1
  213. يو 3:17
  214. روم 3:6
  215. 1 بط 2:2
  216. 1 قور 19:6 – 20
  217. متى 43:21
  218. راجع متى 28:21 – 29
  219. راجع متى 35:21
  220. راجع عب 37:11
  221. متى 25:23
  222. متى 38:21 – 39
  223. راجع متى 42:21
  224. مز 44:17 – 45
  225. راجع 1 بط 19:1
  226. راجع 2 قور 14:6 – 15
  227. لو 35:5؛ مز 20:2
  228. رؤ 9:2؛ 9:3
  229. مر 28:15″ أش 12:53
  230. متى 1:28
  231. راجع عب 17:12
  232. متى 24:27
  233. متى 25:27
  234. يو 15:19
  235. يو 6:19
  236. يو 12:19
  237. مز 1:2 – 2
  238. أش 19:14
  239. مز 8:81
  240. مز 6:11
  241. مز 11:40
  242. لو 19:22؛ قور 24:11
  243. 1 قور 20:15
  244. خر 24:12؛ أح 34:19؛ متى 20:28
  245. 1 قور 26:11
  246. راجع يو 24:20 – 29
  247. راجع رسل 3:1
  248. متى 64:26
  249. مز 1:109؛ متى 144:22؛ 1 قور 25:15
  250. متى 30:24؛ 20:28
  251. 2 طيم 1:4؛ 1 بط 5:4
  252. روم 6:2؛ مز 13:61
  253. يو 37:19
  254. زك 10:12 و 12؛ رؤ 7:1؛ يو 37:19
  255. راجع أح 29:16
  256. مز 20:4
  257. با 63:3 – 38
  258. راجع رسل 15:2
  259. راجع رسل 4:2
  260. رسل 42:10؛ 1بط 5:4
  261. تك 24:19
  262. تك 31:32
  263. راجع تك 18
  264. راجع خر 3
  265. تث 15:18، 19؛ أح 29:23؛ رسل 22:3 – 23
  266. يش 14:5
  267. راجع 1 صم 3:12 و 5
  268. مز 1:44
  269. مز 4:44 – 6، 8
  270. مثل 22:8 – 25
  271. مثل 1:9
  272. أش 1:11، 10؛ روم 12:15
  273. زك 9:9؛ متى 5:21
  274. دا 13:7 – 14
  275. دا 34:2 – 35
  276. مرا 20:4
  277. يو 36:3
  278. راجع خر 38:34؛ 1 مل 8:19
  279. دا 2:10 – 3
  280. 1 صم 15:1
  281. راجع يون 4:3 – 5
  282. راجع أس 16:4
  283. راجع يه 6:8
  284. مز 24:108

 

القوانين الرسولية – تعاليم الكنيسة الجامعة في الشهداء

Exit mobile version