قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: aghroghorios

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

أعلن الدكتور Moody Smith في رئاسته لجمعية الأدب الكتابي في سنة 2000، معلقًا على الفترة التاريخية بين وجود كتابات العهد الجديد ودمجها في قانونية العهد الجديد.¹ وقد أدرك مودي المبدأ الرئيسي الرابع للدراسات الكنسية الحديثة، ألا وهو أن كُتّاب العهد الجديد كتبوا دون وعي بسلطتهم الخاصة ودون نية أن تكون كتبهم مقدسة.² ويقال إن كتاباتهم كُتبت لتكون حلًا ومعالجة لمشاكل الكنيسة الفورية.

وإنه لم تكتسب هذه الكتابات مكانة موثوقة إلا عندما بدأت الكنيسة اللاحقة تُظهر تقديرًا لهذه الكتابات.³ ويؤكد Mark Allan Powell في كتابه هذا الرأي بشكل واضح فيقول: “لم يكن مؤلفو العهد الجديد لديهم علم أنهم يكتبون وحيًا”.⁴ ويتخذ Schneemelcher نفس المنهج فيقول: “لم تُكتب الأناجيل ككتب قانونية بمعنى أن كُتّابها لم يكونوا يكتبون كتابًا مقدسًا له سلطة الوحي”.⁵

وبالطبع، لا بد أن نعترف أن هذا الفهم ممكن أن يكون صحيحًا في عدد من النقاط المهمة.

أنْ لا أحد من كُتّاب العهد الجديد كان لديه معرفة بالمستقبل بأنهم سوف يكتبون وحيًا، فهذا ليس شيئًا يمكن توقعه.⁶ ومن الصحيح أنهم تناولوا مشاكل عرضية في الكنيسة في القرن الأول.⁷

ومع ذلك، هل يعني هذا أن كُتّاب العهد الجديد لم يكن لديهم إدراك أنهم يكتبون بوحي؟ وكتبوا بدون قصد كتاباتهم لتُسيِّر حياة الكنيسة؟

على الرغم من أن هذه الادعاءات حول كُتّاب العهد الجديد قد تكون واسعة الانتشار ومتكررة، إلا أن بعض العلماء بدأوا يرفضونها. ولم يقتصر الأمر على سميث،⁸ بل قام جون بارتون،⁹ و إن. تي. رايت.¹⁰

فلهذا، كَتبتُ هذا الفصل لتحدي فكرة أن كُتّاب العهد الجديد كتبوا دون إدراك أنهم يكتبون وحيًا. فطرحُنا البسيط سيُظهر أن كُتّاب العهد الجديد أدركوا أن كتاباتهم ستنقل تقليدًا رسوليًا أصيلًا ذا سلطة. وبالتالي، كانوا يؤمنون أن لهذه الكتابات سلطة عليا داخل حياة الكنيسة.¹¹ كما قال إن. تي. رايت: “كانوا الكُتّاب مدركين أنهم يكتبون رسالة فريدة عن يسوع بقيادة الروح القدس، وستُشكّل الكنيسة فيما بعد، بناءً على كرازتهم، فهناك جيل سيتلقى من الجيل الأول”.¹²

فاستخدام مصطلح “Scripture” لوصف كيفية فهم كُتّاب العهد الجديد سيثير جدلًا واختلافًا – وهذا المصطلح مقبول لدى البعض، والبعض الآخر لا يرتاح كثيرًا له. فعلى سبيل المثال، لا يقر Robert Spivey و Smith بأن بولس كان يكتب كتابًا مقدسًا، ولكنه كان يكتب بوعي سلطته الرسولية.¹³ لكنهم لم يفسروا الاختلاف الجوهري بين السلطة الرسولية والوحي. فالسلطة الرسولية يمكن أن تُقاد بإلهام من الروح القدس بكتابة أو تكلم بكلمات الله ذاتها، فما هو الاختلاف إذًا؟

إذًا، هل كتابتهم تختلف عن الكتب المقدسة؟ يجيب Barton ويقول إن المرحلة الأولى لم تتسم بأنهم يكتبون كتابًا مقدسًا بالقدر الذي قد نتوقعه، ولا يرجع هذا إلى افتقارهم إلى الوحي، بل يرجع إلى أنهم في وقتهم كانوا ينظرون إلى الكتب المقدسة على أنها شيء قديم وأصيل، وكانت هذه الكتابات جديدة.

ولا يبدو أن هناك أهمية في إطلاق اسم “كتاب مقدس” عليها أم لا، فكانت هذه الكتب لها مكانتها كأحد أهم الكتب في العالم، ومكانتها مضمونة. فكانت كتبهم بمثابة كتب مقدسة، ولها سلطة ومكانة الكتب المقدسة عند اليهود لدى المسيحيين.

القضية الرئيسية هنا ليست إطلاق كُتّاب العهد الجديد على كتبهم أنها “كتاب مقدس”، مثلما ورد في كتاباتهم في بطرس الثانية 3: 16 وتيموثاوس الأولى 5: 18، لكن هل كتب هؤلاء الكُتّاب بوعيٍ كتبًا فهموا أنها تحتوي على وحي رسولي جديد عن يسوع المسيح، وبالتالي ستكون لها سلطة الوحي العليا في الكنيسة؟¹⁶

سننتقل إلى تحليل لنصوص كتابية من أجزاء متفرقة في العهد الجديد، بما في ذلك رسائل بولس والأناجيل وبعض كتابات العهد الجديد الأخرى. فلا يوجد مجال لنأخذ كل ما ورد في العهد الجديد (27 سفرًا)، ولكن نأخذ عينات فقط من النصوص التي تكون كافية لإثبات النقطة المطلوبة.

 

أولًا: رسائل بولس الرسول

رسالة غلاطية

بما أن معظم العهد الجديد هو رسائل بولس، فالأفضل أن نبدأ نقاشنا هذا بكتاباته.

غلاطية 1: 1: «بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ».

توجد تصريحات لبولس عن رسوليته، ولكن لا يوجد أوضح من نص رسالة غلاطية عن سلطانه الرسولي. وقد لاحظ F. F. Bruce أن بولس يتكلم هنا ويؤكد أن مصدر رسالته مصدر إلهي لرسالة رسولية.¹⁷ لا شك أن قول بولس هذه الصيغة التي في الآية هو رد على بعض من شككوا في سلطانه الرسولي في غلاطية.¹⁸ وكان بولس يرغب في تصحيح فهمهم في بداية رسالته.

لذلك، في غلاطية 1: 1، يبذل بولس قصارى جهده ليؤكد أن رسالته رسولية ليس فيها نوع من البشرية؛ لأنها لم تأتِ من الناس ولا بواسطة إنسان: οὐκ ἀπ᾽ ἀνθρώπων οὐδὲ δι᾽ ἀνθρώπου. وقوله هذا يشير إلى أن من دعا بولس ليسوا الرسل الآخرين، فلم تأتِ هذه الدعوة من خلال وسيط بشري (قارن ما قاله في غلاطية 1: 17–20):

«17 وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْقَ. 18 ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. 19 وَلكِنَّنِي لَمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِلاَّ يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ. 20 وَالَّذِي أَكْتُبُ بِهِ لَكُمْ، فَهُوَذَا قُدَّامَ اللهِ أَنِّي لَسْتُ أَكْذِبُ فِيهِ».

بل على العكس، أتت من خلال يسوع المسيح والله الآب، وفي إشارة إلى ما حدث مع بولس في طريقه إلى دمشق، حسب أيضًا نص أعمال الرسل 9: 1–9. فبولس يؤكد على سلطته الفريدة، ويتحدث دائمًا أنه رسول ليسوع المسيح، وسنتناول المواقف التي تُعرض أمامه من خلال هذا السلطان. وفي غلاطية 6: 1 يقول: «إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ».

فيشير بولس أن بعض الغلاطيين قد بدأوا يهجرون إنجيل النعمة ويتجهون نحو إنجيل آخر. ويطمئنهم بولس أن الإنجيل الذي بشّر به ليس إنجيل إنسان، بل كتبه بوحي من خلال يسوع المسيح. نجد هذا في غلاطية 1: 11: «فَأُعْلِمُكُمْ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَّ الْبِشَارَةَ الَّتِي بَشَّرْتُكُمْ بِهَا لَيْسَتْ صَادِرَةً عَنِ الْبَشَرِ. 12 فَأَنَا مَا تَلَقَّيْتُهَا وَلاَ أَخَذْتُهَا عَنْ إِنْسَانٍ، بَلْ عَنْ وَحْيٍ مِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ».

يؤكد بولس هنا أنه تلقى وحيًا من يسوع المسيح، ولذلك لا ينبغي عليكم يا أهل غلاطية التخلي عنه. وبولس في غلاطية 1: 8: «فَلَوْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ بَشَّرَكُمْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِبِشَارَةٍ غَيْرِ الَّتِي بَشَّرْنَاكُمْ بِهَا، فَلْيَكُنْ مَلْعُونًا!»، يُنذرهم أن هناك دينونة لكل من ينكر البشارة أو الإنجيل الذي يُبشَّر به أنه إنجيل فيه حق.

كل هذا يعطينا انطباعًا أن بولس كان يرى أن رسالة غلاطية كتبها بسلطان المسيح نفسه، وأنها كُتبت لتصحيح أفكار خاطئة عن رسالة الإنجيل. كما لاحظ أيضًا Ronald Fung أن بولس كان يرغب أن يقول لهم إن رسالة الإنجيل وصلت إليهم من خلاله نتيجة كشف الله له عن المسيح، وكان الإنجيل ما زال يُبشَّر به في وقت كتابته الرسالة. فلذلك، كان بولس يدعو إلى العودة إليه.²¹

أما مسألة إطلاق اسم على كتابات بولس أنها “كتاب مقدس” فهي فكرة ثانوية؛ لأنها من الأساس هذه الرسائل تحمل سلطة عليا، وأعلى سلطة يمكن أن تكون على نص مكتوب من جهة وحيها.

 

رسالة تسالونيكي الأولى

في تسالونيكي الأولى 2: 13: «وَنَحْنُ أَيْضًا نَشْكُرُ اللهَ بِلاَ انْقِطَاعٍ، لأَنَّهُ لَمَّا تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ اللهِ الَّتِي سَمِعْتُمُوهَا، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ حَقًّا كَكَلِمَةِ اللهِ الَّتِي تَعْمَلُ فِيكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ». يصرح بولس مرة أخرى بسلطانه الرسولي أنه رسول يسوع المسيح، ويستخدم تعبير “كلمة الله”.

ولا شك أن بولس أيضًا أشار إلى تقليد رسولي تلقاه أهل تسالونيكي من خلال تبشيرهم الشفهي، من خلال التعليم والوعظ.²⁴ واستخدم بولس مصطلح “تسلمتم” إشارة إلى قبول تقليد رسولي، وهذا مستخدم كثيرًا في كورنثوس الأولى 11: 23 و15: 1–3، وغلاطية 1: 9، وكولوسي 2: 6–8، وكورنثوس الثانية 3: 6. واستخدم بولس تعبير “كلمة الله” في مواضع متعددة إشارة إلى تعليم إلهي موحى به، على سبيل المثال: كورنثوس الأولى 14: 36، وكولوسي 1: 25، وتيموثاوس الثانية 2: 9. وهكذا في نص تسالونيكي الأولى 2: 13.

يقول Ernest Best إن بولس يقدم ادعاءً جريئًا أن كلماته هي كلمات الله.²⁶ كانت كلمات بولس الرسولية تشمل وحيًا وسلطة إلهية، وهي متكررة في تسالونيكي الأولى، ليس في هذا النص فقط، بل شملت نصوصًا أخرى تؤكد سلطة الرسالة ووحيها. في تسالونيكي الأولى 4: 2–8، يُصرح بولس صراحة أنه يكرر تعليمًا رسوليًا عن القداسة سبق أن سُلِّم إليه، وتعليم رجاء بواسطة يسوع المسيح، وبإرادة الله. وهكذا، تقدم رسالة تسالونيكي الأولى لكل إنسان أنها رسالة تحتوي على تعليم الله، لدرجة أنه بعدما أنهى بولس إرشاده عن القداسة، حذر أهل تسالونيكي من أن يتجاهلوا هذه التعليمات.

وفي نص تسالونيكي الأولى 4: 8: «إِذًا مَنْ يُرْذِلُ لاَ يُرْذِلُ إِنْسَانًا، بَلِ اللهَ الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا رُوحَهُ الْقُدُّوسَ». يقول Gordon Fee إن رفض تعليم بولس هو بمثابة رفض الله نفسه.²⁹ يقر بولس في موضع آخر بأسلوبه الرسولي في التعليم، ويقول في تسالونيكي الثانية 2: 15: «فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا».

وفي الواقع، يشير بولس في آيات أخرى إلى أن جسده ضعيف وأن الرسائل أقوى من هذا الجسد، في كورنثوس الثانية 10: 10: «لأَنَّهُ يَقُولُ: الرَّسَائِلُ ثَقِيلَةٌ وَقَوِيَّةٌ، وَأَمَّا حُضُورُ الْجَسَدِ فَضَعِيفٌ، وَالْكَلاَمُ حَقِيرٌ». ويختتم بولس رسالته إلى أهل تسالونيكي بطلب قراءة هذه الرسائل علنًا في الكنيسة، في تسالونيكي الأولى 5: 27 (قارن هذا الأسلوب بكورنثوس الثانية 10: 9، وكولوسي 4: 16، ورؤيا 1: 3).

وقد أدرك العلماء أن هذه الممارسات هي بالتوازي مع الممارسات اليهودية في قراءة أجزاء من العهد القديم بصوت عالٍ في العبادات العامة في المجمع (راجع لوقا 4: 17–20، وأعمال الرسل 13: 15 و15: 21).³² ومع ذلك، إصرار بولس على قراءة رسالة تسالونيكي الأولى علنًا يقترن بادعائه السلطة الرسولية والوحي في الرسالة نفسها، وهذا يوفر سببًا وجيهًا بأن الشعب ينظرون إلى هذه الرسالة أنها تحمل سلطان الله أو وحيه.³⁴

 

كورنثوس الأولى 14: 37–38

«إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ رُوحِيًّا، فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرَّبِّ. وَلكِنْ إِنْ يَجْهَلْ أَحَدٌ، فَلْيَجْهَلْ!».

يصرح بولس هنا بسلطانه الرسولي أنه يكتب وصايا الرب نفسه، ويختم قوله بمعنى: من عرف أنني أكتب أو لم يعرف. فبولس يعلن بدقة وبوضوح أنه يكتب أمر الله، فهذه العبارة في اليونانية تشير إلى أنه يكتب أمرًا صادرًا عن الله نفسه، كما أعطى الله أمره لموسى.³⁵ واستخدم بولس نفس الأسلوب في كورنثوس الأولى 7: 19.³⁶ إنه يكتب وصايا الله، أي أنه يكتب وصايا ذات سلطة صادرة عن الله نفسه.

وهناك تنوع بين تركيبات بولس اللغوية، مثل رسالة تيطس 1: 14: «لاَ يُصْغُونَ إِلَى خُرَافَاتٍ يَهُودِيَّةٍ، وَوَصَايَا أُنَاسٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الْحَقِّ». هنا يفرق بولس بين وصايا الناس وبين وصايا الله، وفي رسالة كورنثوس الأولى 14: 37–38، يساوي بولس بين ما يكتبه وبين كلام الله نفسه.³⁷ ومما يؤدي إلى وثوق بولس بسلطته على التكلم باسم الرب لدرجة أنه يُعلن أن كل من لا يقر بسلطان كتاباته يصفهم بأنهم سيكون عليهم دينونة.³⁹

يجادل Raymond Collins بأن بولس يحذر من مصيبة أخروية لكل من يرفض رسالته.⁴⁰ وهذه الصيغة تعكس دور بولس كرسول للعهد الجديد في كورنثوس الثانية 3: 6: «لَقَدْ جَعَلَنَا خُدَّامًا لِعَهْدِهِ الْجَدِيدِ، وَهُوَ عَهْدٌ لاَ يَعْتَمِدُ عَلَى الشَّرَائِعِ الْمَكْتُوبَةِ، بَلْ عَلَى الرُّوحِ». وينذر بولس من يرفض الخضوع لسلطته الرسولية الممنوحة من الله.⁴¹

ويلخص Archibald Robertson و Alfred Plummer أن بولس من هذه الآيات مدرك أنه لا يتكلم من نفسه، ولكن يتكلم بلسان المسيح.⁴²

في تسالونيكي الثانية 3: 6: «ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا». و14: «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ». كما قلنا عن نص كورنثوس الأولى 14: 37–38، فإن بولس يقول إنه ينبغي طاعة تعاليمه، وأن هناك دينونة على من سيرفضونها. فيقول بولس أن يتم تجنب كل أخ يسلك بلا ترتيب خلافًا للتقليد الذي تسلموه منا، فإن التقليد الذي يشير إليه بولس هنا بلا شك تعليم رسولي موثوق تم إعطاؤه إلى أهل تسالونيكي، وهو أمر يؤكد استخدام مصطلحات أساسية.

ولهذا السبب، يعلن بولس حكمًا نبويًا عن الذين يرفضون تعليمه الرسولي.⁴⁵ ويقول لأهل تسالونيكي أن يبتعدوا عن الأخ الذي يسلك بلا ترتيب، وهذا إشارة إلى نوع من التأديب الكنسي، وربما الحرمان الكنسي. وكما وضحنا أنه في تسالونيكي الثانية 3: 6 يقول إن ما يقوله بولس هو وصايا المسيح نفسه. يلاحظ هنا Leon Morris أن ما يقوله بولس يجعل الأمر أكثر إلهامًا وسلطانًا إلهيًا. وفي تسالونيكي الثانية 3: 14: «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ»، يقدم تحذيرًا ألا يتم التعامل مع من لا يطيع الرسالة، بل أيضًا يُصدر عقابًا كنسيًا لمن يعصي، ويقول إنه لا ينبغي التعامل معه.⁴⁸

يقول Charles Wanamaker بقول صريح إن بولس يدعو إلى حرمانهم الكنسي.⁴⁹

تستطيع الآن أن ترى اتجاهًا سائدًا في العديد من مقاطع بولس بشكل منتظم، تأكيدًا على سلطته الرسولية على التحدث باسم المسيح، وتوضيح أن السلطة الرسولية ليست في كلامه الشفهي بل في رسائله المكتوبة، وأن كل من يرفض تعليمه الشفهي والمكتوب يرفض وصايا المسيح ويكون له دينونة وحرمان كنسي. فلذلك، من الصعب قبول فكرة أن بولس لم يكن على دراية بما يكتب بأنه يكتب وحيًا إلهيًا.

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

كتاب الأناجيل

الأناجيل تختلف عن أدب الرسائل، فلا نتوقع أنهم سيقدمون أنفسهم بتصريحات مباشرة وصريحة حول سلطتهم الرسولية كما فعل بولس في الرسائل،⁵¹ فهم يعملون خلف الكواليس ولا يظهرون أنفسهم إلا نادرًا في سياق القصة.⁵² ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار عدم الكشف الرسمي عن هوية الأناجيل دليلًا على أن مؤلفيها لم يروا أن ما يكتبونه هو وحي يحمل سلطان الله. جادل Armin Baum بأن الكتب التاريخية في العهد الجديد – ويقصد بها الأناجيل وسفر الأعمال – كُتبت عمدًا بدون ذكر للأسماء لتكون مثلها مثل العهد القديم، والتي لم تتضمن هوية الكاتب في داخلها.⁵³

وهذا ما يجعل الأناجيل وأعمال الرسل مميزة عن معظم السير الذاتية اليونانية-الرومانية التي عادةً تتضمن اسم الكاتب، وإن لم يكن دائمًا.⁵⁴ وقد أعطى هذا الأسلوب لكُتّاب الإنجيل إعطاء الأولوية لموضوع الأناجيل.⁵⁵ وهكذا، فإن إخفاء الهوية لم يقلل من سلطان ووحي الأناجيل، بل ساهم في الواقع في زيادة الوحي عمدًا، أنها كُتبت مثل تقليد العهد القديم.⁵⁶

بالإضافة إلى حجة باوم، هناك طرق أخرى يمكن من خلالها تقييم وعي مؤلفي الأناجيل بسلطانهم بالإلهام.

وعلى الرغم من عدم ذكر أسماء الأناجيل رسميًا، ولكن هناك أدلة أكثر دقة تقدم دلائل حول هوية الكُتّاب، والأهم من ذلك، حول نيتهم في نقل تقليد رسولي موثوق به حول شخصية يسوع الناصري.

في مرقس 1: 1، لاحظ Robert Guelich أن افتتاحية مرقس تثير الجدل حول معاني كل كلمة فيها، فيقول: “بداية إنجيل يسوع المسيح!”. هذا عنوان الكتاب، ومرتبط بما سيأتي فيما بعد من كتابة مرقس.

ويلاحظ Robert Stein تذكيرًا بأن العمل بأكمله يؤكد مرقس أنه البشارة عن يسوع المسيح.⁶¹ إن استخدام مرقس للكلمة اليونانية εὐαγγελίον (الإنجيل)،⁶² لم يكن قد استُخدم من خلال مرقس للإشارة إلى النصوص المكتوبة، بل إلى إشارة إلى موثوقية الكلام الرسولي الذي سيقدمه.⁶³ وهكذا، فمنذ البداية يوضح مرقس أنه ينبغي أن نفهم أن الرسالة رسولية، والمصطلح نفسه يستخدمه في مرقس 14: 9: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ، تَذْكَارًا لَهَا»، مما يخلص تضمينًا أدبيًا واضحًا يعزز فكرة أن العمل بأكمله يجب تفسيره أنه الهدف من ملخص كتابته للإنجيل.⁶⁴

وقد دفع هذا اثنين من الباحثين، John Roberts و Andreas du Toit، إلى أن مرقس ادعاء عظيم حول الوحي والسلطان. وبالمثل، يجادل مارتن هينجل بأن مرقس يقدم إنجيله أنه رسالة خلاصية ليسوع المسيح، وبالتالي هو يلبي متطلبات أن هذه كتابات مقدسة.

ولكن هناك أدلة أخرى تدعم هذا الفهم.

تتطابق الافتتاحية في مرقس مع نفس افتتاحيات بعض كتب العهد القديم النبوية، على سبيل المثال: هوشع 1: 2: «أَوَّلَ مَا كَلَّمَ الرَّبُّ هُوشَعَ، قَالَ الرَّبُّ لِهُوشَعَ: اذْهَبْ خُذْ لِنَفْسِكَ امْرَأَةَ زِنًى وَأَوْلاَدَ زِنًى، لأَنَّ الأَرْضَ قَدْ زَنَتْ زِنًى تَارِكَةً الرَّبَّ». نجد صيغة مشابهة لاستخدام مرقس لكلمة “بداية إنجيل”، وهنا في هوشع “أول ما كلم”.⁶⁷ ويعلق Gerd Theissen على استخدام مرقس لهذه الصيغة قائلًا: “كان قراء وسامعو إنجيل مرقس على دراية بكتب الأنبياء، والتي بدأت بكلمة الله التي وصلت للإنسان”.⁶⁸ فيشير إنجيل مرقس إلى أنه يقدم الإنجيل كرسالة من الله مثل العهد القديم.

مرقس يقدم إنجيله لتجسيد التقاليد الرسولية، فهو يتبع ما جاء في عظة بطرس في أعمال الرسل 10: 34–43.⁶⁹ فعظة بطرس يعتقد العديد من العلماء أنها تقليد سابق للوقا، وبالتالي من المرجح أن تكون واحدة من أقدم التعبيرات عن رسالة الإنجيل.⁷⁰ فيبدأ إنجيل مرقس وسفر أعمال الرسل 10: 34–43 بمصطلحات إنجيلية،⁷¹ ويتحدثان عن يسوع باعتباره المسيا،⁷² ويربطان المسيح بسياق إشعياء في العهد القديم،⁷³ ويضعان بداية الخدمة من الجليل،⁷⁴ ويناقشان دور يوحنا المعمدان،⁷⁵ وبالطبع يسلطان الضوء على خدمة المسيح من الفداء والموت والقيامة.⁷⁶ وتشير هذه المقارنات إلى أن إنجيل مرقس هو تجسيد لمواد سابقة رسولية تقليدية، وخاصة تقاليد من القديس بطرس.⁷⁷

يعلق Guelich: “إذا كان الإطار الأساسي والسياقي هو إنجيل يسوع المسيح، ويتوافق هذا السياق مع تقليد كامل وراء أعمال الرسل 10: 34–43، فإن الطابع التقليدي لمرقس هو المواد السابقة له في كتابته للإنجيل”.⁷⁸

إن حقيقة أن مرقس يقدم إنجيله كمحتوى رسالة رسولية ويؤكد رسوليتها من ناحية الأدلة الداخلية، أن مصادره هي شهادة الرسول بطرس نفسه. فإلى جانب حقيقة أن هناك صلة بين مرقس وبطرس، وهذه الصلة مذكورة ومعروفة في كتابات آباء الكنيسة الأوائل،⁷⁹ ونجد العلاقة بين مرقس وبطرس مشهودة في آيات العهد الجديد مثل بطرس الأولى 5: 13 وأعمال الرسل 12: 12–17.⁸⁰ فإن إنجيل مرقس يذكر ارتباط مرقس ببطرس من خلال تشكيل ضمني لما يقوله بطرس نفسه.

أول تلميذ مذكور في مرقس هو بطرس في مرقس 1: 16، وآخر تلميذ مذكور هو بطرس في 16: 7.⁸¹ علاوة على هذا، فإن ذكر بطرس كان واضحًا في إنجيل مرقس، مما يُظهر مرقس أنه يبذل قصارى جهده لتبيان وإبراز شخصية بطرس في مقدمة كلامه.⁸² هذا الذكر لبطرس، والطريقة التي يتمركز فيها بطرس في إنجيل مرقس وروايات التلاميذ،⁸⁴ يتضح أن بطرس هو المصدر الرئيسي لشهادة شهود العيان الذي يقف خلف إنجيل مرقس.⁸⁵ يلاحظ هينجل أن ذكر اسم سمعان بطرس كتلميذ هو أولًا وأخيرًا، ذكر أن كلام مرقس مبني على تقليد، وبالتالي سلطته.⁸⁶

 

ومن العوامل الجديرة بالملاحظة طريقة ربط مرقس قصة يسوع المسيح وقصة النبوات اليهودية، وهذا ما تفعله جميع الأناجيل الإزائية بدرجة أو بأخرى.⁸⁷ وبالنسبة لمرقس، فإن بداية الإنجيل ليست ميلاد يسوع أو حتى خدمته العلنية، بل يذكر فيها التوقعات والتطلعات المسيانية لليهود كما تتجلى في مقاطع مختلفة في العهد القديم.⁸⁸ على وجه الخصوص، يصور مرقس 1: 2 المسيح أنه محقق وعد أتى في ملاخي 3: 1 (قارن هذا بخروج 23: 20)، وتم تحويل الآية عن يهوه إلى يسوع بذكر “طريق أمامي” إلى لفظ مرقس “أمامك” عن يسوع.

ويستشهد مرقس 1: 3 بإشعياء 40: 3، حيث كان على الشعب أن يُعدّوا طريق الرب – مرة أخرى، إشارة إلى أن يسوع هو تحقيق واضح لمجيء يهوه شخصيًا. ويشير إلى صوت سماوي وإعطاء الروح القدس في مرقس 1: 10–11، وهو أن يسوع هو الخادم المجهز بالروح القدس المذكور في إشعياء 42: 1 (وقارن هذا بإشعياء 52: 7 وإشعياء 61: 1). وبما لا شك أن هذه الروابط التي استخدمها مرقس ليست بالضرورة تؤكد أنه يكتب بوحي إلهي، ولكنها تشكل جهدًا من مرقس لتقديم إنجيله على أنه استمرار للسرد الكتابي،⁹¹ وهذا ما أدركه بلا شك من قرأوه.

وكما لاحظ إن. تي. رايت بقوله: “لم يفكر اليهود تلك الفترة في التقاليد الكتابية أنها مجرد سرد فقط، بل كانوا قادرين على تصور القصة بالكامل والبحث بانتظام عن ختام هذه القصة المناسب”.⁹²

 

وعي إنجيل يوحنا

يوحنا 21: 24: على عكس الأناجيل الإزائية، فإن إنجيل يوحنا كان أكثر وضوحًا بشأن هوية مؤلفيه، في قول يوحنا: «هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهذَا وَكَتَبَ هذَا».⁹³ فهو يؤكد هوية هذا التلميذ الغامض.

فأثارت عبارة “التلميذ الحبيب” جدلًا أكاديميًا واسعًا، وثم اقتراحات مختلفة حول الهوية.⁹⁴ ومع ذلك، بغض النظر عن الاقتراحات، فمن الواضح أن هذا الشخص داخل الدائرة الرسولية الداخلية، وكان من أوائل التلاميذ الذين تم دعوتهم في يوحنا 1: 35–40، وحضر العشاء الأخير في يوحنا 13: 23، وحضر الصليب في يوحنا 19: 26–35، وكان مع بطرس ويسوع في يوحنا 21: 20.

في الواقع، إن التلميذ الحبيب هو من شهود العيان الذين لديهم شمول في شهادتهم، وبظهوره في بداية إنجيل يوحنا 1: 35–40 ونهايته يوحنا 21: 20، تمامًا كما ذكرنا أسلوب ذكر مرقس لبطرس كشخصية محورية.⁹⁶ ويلخص Bauckham إلى أن إنجيل يوحنا يقدم التلميذ الحبيب على أنه التلميذ الذي يعبر عن شهود العيان كأهم مصدر صلب تاريخي للإنجيل.⁹⁷ وهكذا، على أقل تقدير، يوضح يوحنا 21: 24 أن إنجيل يوحنا لديه شهادة شهود عيان من الرسل، أي من شخص مرتبط مباشرة بالدائرة المقربة من يسوع.⁹⁸ وهناك المزيد من هذا، فمكانة هذا التلميذ الحبيب.

إن يوحنا هو الشاهد الموثوق به (μαρτυρῶν)، وكان موجودًا من البداية. ونجد أن هذه الفكرة فيها تشابه كبير بين ما أعلنه يوحنا عن نفسه في يوحنا 15: 27: «وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابْتِدَاءِ»، بمعنى: ستشهدون أنتم لأنكم كنتم معي منذ البداية.⁹⁹ وتأتي قوة الشهادة هنا من الروح القدس الذي وعد يسوع أن يكون فيهم في يوحنا 15: 26.¹⁰⁰ ومن المفيد أن نرى الآيتين جنبًا إلى جنب: «سَتَشْهَدُونَ (μαρτυρεῖτε) لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ مَعِي مُنْذُ الْبَدْءِ» (يوحنا 15: 27)،

مع الآية التي تقول: «هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ (μαρτυρῶν) بِهذِهِ الأُمُورِ وَكَتَبَ هذِهِ الأُمُورَ» (يوحنا 21: 24). وهكذا، فإن يوحنا 21: 24 هو إعلان قوي على أن وعد يسوع في يوحنا 15: 26 و27 بإرسال شهود ذوي سلطة وإلهام من الروح القدس قد تحقق. فما سيكتبونه هو شهادة موثوقة لتلاميذ مملوءين بالروح القدس.¹⁰¹

وبناءً على كل هذا، تمكن Jean Zumstein من التصريح بأن إنجيل يوحنا يتمتع بمكانة مماثلة مثل العهد القديم.¹⁰² ويرى Ridderbos أن يوحنا 21: 24 دليل أن التلميذ الحبيب دوّن شهادته وجعلها في الكتاب المقدس.¹⁰³

وبالتأكيد، نجد هذا الاستنتاج عندما نضع يوحنا 21: 24 بجانب يوحنا 20: 30: «وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. 31 وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ».¹⁰⁴

وفي المقطع الأخير، يقر الكاتب أن ليس كل شيء كُتب في الإنجيل، ولكن ما كُتب هو يكفي لتعرفوا أن لنا حياة باسمه. وهذه العبارة دقيقة: γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ –

من المقاطع الرئيسية في العهد القديم، تشير بوضوح إلى الكتاب المقدس:

Deut 28:58: “careful to do all the words of this law that are written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

2 Chron 34:21: “do according to all that is written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

Jer 25:13: “I will bring upon that land . . . everything written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

تثنية 28: 58: «إِنْ لَمْ تَحْرِصْ لِتَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذَا النَّامُوسِ الْمَكْتُوبَةِ فِي هذَا السِّفْرِ، لِتَهَابَ هذَا الاسْمَ الْجَلِيلَ الْمَرْهُوبَ، الرَّبَّ إِلهَكَ».

 

أخبار الأيام الثاني 34: 21: «اذْهَبُوا اسْأَلُوا الرَّبَّ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ مَنْ بَقِيَ مِنْ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا عَنْ كَلاَمِ السِّفْرِ الَّذِي وُجِدَ، لأَنَّهُ عَظِيمٌ غَضَبُ الرَّبِّ الَّذِي انْسَكَبَ عَلَيْنَا مِنْ أَجْلِ أَنَّ آبَاءَنَا لَمْ يَحْفَظُوا كَلاَمَ الرَّبِّ لِيَعْمَلُوا حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي هذَا السِّفْرِ».

 

وفي إرميا 25: 13: «وَأَجْلِبُ عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ كُلَّ كَلاَمِي الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ عَلَيْهَا، كُلَّ مَا كُتِبَ فِي هذَا السِّفْرِ الَّذِي تَنَبَّأَ بِهِ إِرْمِيَا عَلَى كُلِّ الشُّعُوبِ».

وبالإضافة إلى قولهم ما جاء في سفر الرؤيا عن وعي الكاتب أنه يكتب كتابًا مقدسًا، مثلما يكتبون في رؤيا 22: 18: «لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ».¹⁰⁵ وفي الآية 22: 18، يقدم تحذيرًا أنه لا يجوز تغيير نبوة هذا الكتاب، أي المكتوب داخل هذا الكتاب.

وكاتب إنجيل يوحنا رأى يوحنا المعمدان كنبي له دور مثل دور أنبياء العهد القديم، وكان مهتمًا بكتابة الكلمات الخاصة به. وفي إنجيل يوحنا 20: 31 يقول إن من يؤمن به سيكون له حياة باسمه. ويعقل كينر ويقول إن يوحنا 20: 30–31 تشير إلى أن كاتب الإنجيل الرابع يرى أن عمله ينتمي إلى فئة الكتب المقدسة القديمة.

 

لوقا ووعيه أنه يكتب وحيًا

لوقا 1: 1–4: بطريقة مشابهة لإنجيل يوحنا، مقدمة إنجيل لوقا تخاطب الذين يزعمون أنهم ينقلون تقليدًا رسوليًا.¹⁰⁹

يقول الكاتب إنه تسلّم من أولئك الذين كانوا مُعايِنين كشهود عيان وخُدّامًا للكلمة. فهو يشير أولًا إلى شهود العيان، ثم خُدّام الكلمة، مما يجعل الكاتب لوقا مسيحيًا من الجيل الثالث.

ومع ذلك، فإن الحقيقة أن لوقا استخدم أداة تعريف مفردة، مما يجعل المصطلحين يشيران إلى أن شهود العيان هم أنفسهم المعاينون وخُدّام للكلمة. لذلك، يرى معظم الباحثين أنه يقصد شهود عيان وخُدّامًا للكلمة، وليس مجموعتين.¹¹³ ويدعم هذا الاعتقاد البحثي عند الباحثين وصف خدمة الرسل في آيات أخرى بلغة مشابهة للغاية.

1- على الرغم من أن لوقا استخدم كلمة “شهود العيان” في المقدمة، يقول Joel Green إن كلمات لوقا هي مراعاة للمخاوف التاريخية، فيُقيم شهادته على شهادة العيان. لذلك، لوقا يؤكد أن كلامه مبني على شهادة العيان.¹¹⁴

ويزخر إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل بإشارات كثيرة تشير إلى أن الرسل هم شهود عيان شهدوا أعمال يسوع العظيمة في أعمال الرسل 1: 8، و3: 15، و5: 32، و10: 39–41، و26: 16. والجدير بالذكر أن لوقا 24: 48 يختم الإنجيل ويصف الرسل أنهم شهود (μάρτυρες)، مما يشكل شمولًا أدبيًا رائعًا للإنجيل بأكمله، ويعزز الشمول أن بداية إنجيل لوقا مبنية على أنهم شهود ونهايته. وفي لوقا 1: 1–2، يذكر أن الرسل شهود على ما تحقق في خدمة يسوع.¹¹⁵ وفي لوقا 24: 48، يوحي بهذا الشمول، ولوقا كان يعتبر إنجيله شاهدًا رسوليًا على تحقق أسفار العهد القديم وإكمالها من خلال خدمة يسوع المسيح.

لوقا 24: «وَقَالَ لَهُمْ: هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَبُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ. 45 حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. 46 وَقَالَ لَهُمْ: هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، 47 وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ. 48 وَأَنْتُمْ شُهُودٌ لِذلِكَ».

فيمكن اعتبار كتابات لوقا أنها تكملة لسرد تاريخي للعهد القديم.

كما يلاحظ Marshall أن لوقا اعتبر عمله هو استمرار للتصور التاريخي المدون في العهد القديم.¹¹⁶ ويؤكد Craig Evans أن لوقا كان يقصد أن يُقرأ إنجيله بجوار القصص الكتابية، وكان يعتقد أنها أصبحت جزءًا من الكتاب المقدس.¹¹⁷

2- يصف أعمال الرسل 1: 22 السمتين الرئيسيتين للرسل: وجوب أن يكونوا حاضرين منذ البدء، وأن يكونوا شهودًا أساسيين للقيامة. وهذا يشكل تشابهًا لافتًا مع أولئك الذين كانوا شهود عيان منذ البدء في لوقا 1: 2، بالمقارنة مع أعمال الرسل 10: 37. ويظهر هذا المزيج أيضًا في يوحنا 15: 27 عندما يقول يسوع: «أَنْتُمْ شُهُودِي لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ مَعِي مُنْذُ الْبِدَايَةِ».¹¹⁸

3- لوقا أيضًا يصف تلقي بولس للخدمة في أعمال الرسل 26: 16، فيصف بولس أنه الخادم والشاهد (nasb; ὑπηρέτην καὶ μάρτυρα)، يشبه تمامًا تعبيره في لوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، · καὶ ὑπηρέται».

4- يشير سفر أعمال الرسل 6: 4 إلى أن الرسل مكرسون لخدمة الرب بقوله (τῇ διακονίᾳ τοῦ λόγου)، وهذه العبارة مشابهة بشكل ملفت لعبارة لوقا في لوقا 1: 2 عندما وصفهم أنهم خُدّام للكلمة (ὑπηρέται τοῦ λόγου). في الواقع، كما ذكرنا في رسالة تسالونيكي الأولى 2: 13، تُستخدم كلمة “الكلمة” في جميع أنحاء العهد الجديد إشارة إلى رسالة إلهية موثوقة.¹¹⁹ ويُعلق Fitzmyer على استخدام هذه العبارة في لوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ».

يمكن أن يُفهم أن “الكلمة” هنا مصطلح عام يُقصد به قصة الفكر المسيحي، إلا أن الاستخدام الذي تكتسبه الصيغة في اليونانية (ho logos) تشير في سفر الأعمال إلى كلمة الله في أعمال 8: 4، وأعمال 10: 36، و11: 19، و14: 25. وبالمقارنة بلوقا 8: 12–15، يعطيها دلالة واضحة على كلمة الله. تجدر الإشارة إلى أن أعمال الرسل 1: 1 يقول لوقا ويستعيد صيغته الإنجيلية بمصطلح (τὸν λόγον).

كما لوحظ في مناقشة نص رسالة تسالونيكي الأولى 2: 13، استخدام لغة مثل παρέδοσαν التي تعني “مُسلَّم” في لوقا 1: 2 في آيات متعددة في العهد الجديد عن نقل وتسليم تقليد رسولي.¹²¹

تشير كل هذه الاعتبارات إلى أن لوقا يقدم إنجيله على أنه تجسيد للكلمة الرسولية ذات الوحي، سُلِّمت إليه وأُوكِلت إليه. وبالطبع، يُقر لوقا بأنه ينشئ روايته الخاصة لهذا التقليد،¹¹² فهو يقدم ترتيبًا منظمًا (καθεξῆς).¹²³ ومع ذلك، لا يكتب لوقا كشخص من جيل ثالث، فلوقا ليس غريبًا، بل يكتب كشخص تلقى مادته مباشرة من الرسل. يشير David Moessner إلى أن كلمة παρηκολουθηκότι لا تُشير إلى أن لوقا بحث في هذه الأمور، بل إلى أنه شخص زُرعت فيه هذه التقاليد وتدرب عليها.¹²⁴

وهكذا، يقدم لوقا نفسه أنه قد تعلم جميع هذه التقاليد لبعض الوقت (ἄνωθεν) من القديس بولس، وربما من آخرين.¹²⁵ وبهذه الطريقة، يُعطي لوقا القارئ شهادة متميزة،¹²⁶ تبرز وجوب الوثوق فيها، فهو يتحدث بصوت رسولي. من المهم جدًا أن يُقدم لوقا هذه الشهادات الرسولية إن أراد تحقيق الغرض الذي يكتب لأجله، ألا وهو أن يكون لدى ثاوفيلس يقين بشأن الأمور المتيقنة عنده. يجادل Bock أن هذه اللغة تشير إلى أن ثاوفيلس مؤمن، أو ربما شخص عرف الرب حديثًا ويحتاج طمأنينة بشأن التعليم الذي تلقاه سابقًا.¹²⁷

يقول Marshall إن ثاوفيلس كان على الأرجح متلقيًا للتعليم المسيحي الرسمي.¹²⁸ إذا كان الأمر كذلك، فإن لوقا لا يكتب ببساطة لإعادة الحقائق التاريخية الخام، بل يكتب بناءً لاهوتيًا.¹²⁹ يقدم لوقا إنجيله أنه مصدر رسولي ليشجع المسيحيين ويطمئنهم بشأن البشارة التي آمنوا بها، أي أنه يكتب كتابًا مكتوبًا للكنيسة. لم يكن الأمر مجرد كتابة تاريخية، بل تاريخ الخلاص.¹³⁰

وكما يذكر Fitzmyer، أن لوقا ليس مؤرخًا هيلينستيًا علمانيًا، بل أقرب في كتابته إلى تاريخ العهد القديم الكتابي.¹³¹ وتشير كل هذه الاعتبارات إلى أن لوقا قدم إنجيله كوثيقة رسولية تُظهر أن المسيح أكمل العهد القديم، وتعزز الثقة بالحقائق المسيحية الأساسية. ويلخص Evans قائلًا: “لا يرى لوقا نفسه في المقام الأول كاتبًا للسيرة، ولا حتى مؤرخًا، بل إن لوقا يكتب كتابًا مقدسًا، كتابًا يعلن ما فعله الله عندما كان بيننا”.¹³²

 

إنجيل متى

على عكس الأناجيل الثلاثة، احتوى إنجيل متى على عدد أقل من الأدلة الداخلية التي تشير إلى أنه ينقل تقليدًا رسوليًا. متى 9: 9: «وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ، رَأَى إِنْسَانًا جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ اسْمُهُ مَتَّى، فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي. فَقَامَ وَتَبِعَهُ». متى 10: 3: «فِيلُبُّسُ، وَبَرْثُولَمَاوُسُ. تُومَا، وَمَتَّى الْعَشَّارُ. يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى، وَلَبَّاوُسُ الْمُلَقَّبُ تَدَّاوُسَ».

ومع ذلك، لا يزال هناك دلائل على أن هذا الإنجيل قد كُتب بقصد إكمال قصة العهد القديم.¹³⁴ ولعل أبرز ما يميزه بهذا الصدد هو الطريقة الفريدة التي يبدأ بها متى إنجيله بعنوان افتتاحي، متى 1: 1: «كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ». يتبعه سلسلة النسب في متى 1: 2–17.

يشير Davies و Allison إلى أن العبارة الأولى لمتى (Βίβλος γενέσεως) لا تشير إلى بداية سلسلة النسب بقدر ما تشير إلى الكتاب ككل،¹³⁵ وهي الطريقة التي استُخدمت في تكوين 2: 4: «هذِهِ مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، يَوْمَ عَمِلَ الرَّبُّ الإِلهُ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ»، وتكوين 5: 1: «هذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ، يَوْمَ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ. عَلَى شَبَهِ اللهِ عَمِلَهُ». فهو لا يشير إلى النسب في حد ذاته، بل التاريخ الأولي لشعب الله.¹³⁶ بالإضافة إلى ذلك، يجادل ديفيز وأليسون بأن المصطلح (γενέσεως) من شأنه أن يقودنا في التفكير في عنوان سفر التكوين في الترجمة السبعينية، فكان سفر التكوين يُطلق عليه (Γένεσις).

ومن ثم، يدفع المرء أن يتساءل عما إذا كان الاستخدام التمهيدي لكلمة (Βίβλος γενέσεως) يدفع قراء متى إلى التفكير في أول سفر في التوراة، ويتوقع القارئ أن إنجيل متى هو سفر تكوين جديد، سفر خاص بتكوين يسوع المسيح.¹³⁷ وبالتالي، فإن العبارة الافتتاحية لإنجيل متى تُفهم على أفضل وجه على أنها سفر التكوين الجديد الذي كتبه يسوع المسيح.¹³⁸

تشير هذه البداية إلى أن متى يكتب عمدًا بأسلوب كتابي. فقد نظر إلى كتابته وأراد من قرائه أن ينظروا إليه على أنه استمرار لقصة التوراة. وهكذا، استطاع Willi Marxsen أن يعلن: “متى بواسطة هذه العبارة يقدم إنجيل متى على أنه سفر التكوين المقدس، قياسًا للعهد القديم”.¹³⁹

إن الحقيقة أن متى يبدو وكأنه يصوغ إنجيله على غرار كتب العهد القديم تؤكدها حقيقة أنه يتحول فورًا إلى سلسلة الأنساب، واضعًا يسوع من قصة بني إسرائيل، مع التركيز بشكل خاص على داود.¹⁴⁰ وسلسلة النسب. وكان هذا بالطبع نوعًا أدبيًا معروفًا في العهد القديم، ويُستخدم كثيرًا لإظهار الكشف التاريخي لعمل الله لفداء شعبه.¹⁴¹ وفي هذا الصدد، فإن أقرب نظير لإنجيل متى هو سفر أخبار الأيام، الذي يبدأ أيضًا بسلسلة نسب تركز على سلسلة نسب داود.¹⁴²

وكان سفر أخبار الأيام يُعتبر بحلول القرن الأول هو السفر الأخير في الشريعة كما جادل بعض الباحثين.¹⁴³ فإن إنجيل متى سيكون بالتأكيد استكمالًا له. إن وجود شريعة للعهد القديم تنتهي بسفر أخبار الأيام كان الغرض من ذلك تذكير اليهود بأن عودة إسرائيل من السبي المذكور في عزرا ونحميا ليس معناه انتهاء القضية. إنها مجرد عودة جسدية وليست روحية، فكانت قلوب الناس لا تزال تحتاج لتغيير.

وظلت إسرائيل في المنفى الروحي.¹⁴⁴ وكانت إسرائيل تتطلع متى سيأتي المسيح ابن داود إلى أورشليم ويجلب الخلاص الكامل لشعبه.¹⁴⁵

وفي الفصل الافتتاحي من إنجيل متى، سيكون من الواضح أنه ينوي أن ينهي هذه القصة، فيكمل ما انتهى به العهد القديم، مع التركيز على داود وخلاص إسرائيل. علاوة على ذلك، فإن الأمر العظيم في نهاية إنجيل متى 28: 18: «فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، 19 فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. 20 وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ».

كل هذا صدى لنهاية سفر أخبار الأيام الثاني 36: 23: «هكَذَا قَالَ كُورَشُ مَلِكُ فَارِسَ: إِنَّ الرَّبَّ إِلهَ السَّمَاءِ قَدْ أَعْطَانِي جَمِيعَ مَمَالِكِ الأَرْضِ، وَهُوَ أَوْصَانِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا فِي أُورُشَلِيمَ الَّتِي فِي يَهُوذَا. مَنْ مِنْكُمْ مِنْ جَمِيعِ شَعْبِهِ، الرَّبُّ إِلهُهُ مَعَهُ وَلْيَصْعَدْ».

مما دفع Greg Beale إلى القول إن متى بنى إنجيله جزئيًا ليعكس بداية ونهاية سفر أخبار الأيام.¹⁴⁶ وبغض النظر عما إذا كان المرء يقبل أن سفر أخبار الأيام الأول هو السفر الأخير في القانونية العبرانية، فإن الروابط بين إنجيل متى وسفر أخبار الأيام لا تزال قائمة في الواقع. وبناءً على هذا الأساس، يستنتج Davies و Allison أن متى اعتبر إنجيله استمرارًا للتاريخ الكتابي، وربما أيضًا تصور عمله أنه ينتمي إلى نفس الفئة الأدبية التي كُتب بها العهد القديم، والتي تناولت أيضًا شخصياته.¹⁴⁷

فمتى كان يرغب بتسجيل خطة خلاص الله الذي طال انتظار شعبه لها. ثانيًا، إن صح التعبير، فلا عجب إذًا أن يكون متى حريصًا كل الحرص على تصوير يسوع كموسى الثاني.

وهذا النمط من موسى موجود في متى عندما كان يسوع رضيعًا، ومع ذلك يتم نجاته في خروج 2: 1–10 ومتى 2: 1–18. ويكرر يسوع الخروج الأصلي من مصر (هوشع 11: 1 ومتى 2: 15). ويحظى يسوع بفترة للخروج للخدمة العلنية في خروج 3: 1 ومتى 2: 23–3: 13. ويبدأ يسوع خدمته عند نهر الأردن في المعمودية (راجع خروج 14 وقارنها بمتى 3: 13–17، قارن أيضًا كورنثوس الأولى 10: 2).

ويسوع مثل موسى يطعم الناس في البرية (قارن بين خروج 16 وعدد 11 ومتى 14: 13–20).¹⁴⁸

ومن الجدير بالملاحظة أن يسوع صعد إلى الجبل في متى 5: 1، وأن موسى صعد إلى الجبل ليتلقى الشريعة في خروج 19: 3، 12–13، 18، والتثنية 1: 24، 41، 43؛ و5: 5، ويوصف أنه جلس هناك في تثنية 9: 9.¹⁴⁹ فلا شك أن هذه الصورة تُصدِّر يسوع في إنجيل متى أنه المخلص الجديد والنهائي برؤية جديدة ومتقنة.

فكان يكتب شريعة ذات سلطان إلهي. وهذا ما دفع Smith وآخرين إلى إعادة النظر إلى تقسيم إنجيل متى إلى خمسة أجزاء تعليمية، ليوازي أسفار موسى الخمسة، باعتباره مقدمًا إنجيله على أنه الوحي النهائي ليسوع.¹⁵⁰

 

 

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

كتابات العهد الجديد الأخرى

على الرغم من أننا لا نستطيع تناول جميع الأسفار المتبقية في العهد الجديد، ولكن سنسلط الضوء على بعض المواضيع الأخرى التي فيها إدراك للوحي والسلطة الرسولية للكاتب أثناء كتابته.

في عبرانيين 2: 1–4: «لِذلِكَ يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ إِلَى مَا سَمِعْنَا لِئَلاَّ نَفُوتَهُ، 2 لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً، وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً، 3 فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟ قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا، 4 شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ».

في رسالة العبرانيين، نجد أن هوية الكاتب سيطرت على كلامه. فبدلًا من اتباع استنتاج أوريجانوس القائل عن العبرانيين: “الله يعلم من كتب هذه الرسالة”،¹⁵² استمر الباحثون في تقديم دراسات وربطها بأبلوس، وبريسكلا، ولوقا. للأسف، أدى هذا إلى إغفال أمر مهم، أن الكاتب يقدم نفسه أنه يعتمد على تقليد رسولي مباشر.

عندما أشار إلى خلاص عظيم، وأن الغرض من هذه الرسالة استكشاف هذا الخلاص، ويشير الكاتب أن رسالة الخلاص أُعلنت أولًا من قبل الرب، وصارت لنا ثابتة من قبل الذين سمعوا وشهدوا آيات وعجائب ومعجزات متنوعة من الروح القدس. فذِكرُه لعبارة “الذين سمعوا”، أي الرسل الذين سمعوا من يسوع مباشرة، والذين أُيِّدت خدمتهم بآيات وعجائب ومظاهر التقوى.

وعمل الروح القدس. ونجد هذا في أعمال 2: 43: «فَصَارَ خَوْفٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ، وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ». وأعمال 4: 30: «بِمَدِّ يَدِكَ لِلشِّفَاءِ، وَلْتُجْرَ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ بِاسْمِ فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ». وأعمال 5: 12: «وَجَرَتْ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّعْبِ. وَكَانَ الْجَمِيعُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ فِي رِوَاقِ سُلَيْمَانَ». وأعمال 6: 8، وأعمال 14: 3، وأعمال 15: 12، ورومية 15: 19، وكورنثوس الثانية 12: 12.

وبالمقارنة بلوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ».¹⁵⁶ إن استخدام كلمة ἐβεβαιώθη اليونانية يسلط الضوء على سلطة الرسل، فهم لم يبلغوا الرسالة فحسب، بل أكدوا وأثبتوا وضمنوا الرسالة. فكلمة “إلينا” (εἰς ἡμᾶς)، فالكلمة لا تعني بالضرورة أن الكاتب تلقى هذا التقليد مع الجمهور، ولكن هي لغة مستخدمة من لوقا 1: 2 ويوحنا الأولى 1: 2، ولا تذكر الآيات أن الجمهور تلقى مع الكاتب التسليم.

وهكذا، يصور الكاتب نفسه على أنه في وضع مشابه جدًا لوضع مرقس ولوقا، فيكتب شهادة رسولية موثوقة وينقلها إلى مستمعيه.

ولاحظ Donald Hagner في هذا الصدد أن كاتب العبرانيين يمكن تشبيهه بلوقا.¹⁶¹ وبالمثل، يلاحظ George Buchanan أن الكاتب كان ينقل تقليدًا رسوليًا تلقاه مباشرة من الرسل أنفسهم.¹⁶² وتتأكد الصلة بين الكاتب والدائرة الرسولية من خلال حقيقة أن رفيق كاتب العبرانيين هو تيموثاوس، الذي عرف بولس وسيلا وسافر معهما حسب ما جاء في أعمال الرسل 16: 3، وأعمال 17: 14، ورومية 16: 21، وكورنثوس الأولى 4: 17، وكورنثوس الثانية 1: 19.¹⁶³

إذا كان الأمر هكذا، فإن الكاتب – على الرغم أنه ليس شاهد عيان مباشر ليسوع في حياته – لكن يقدم نفسه أنه كان مساعدًا للرسول، وأنه مشارك في الرسالة الرسولية. وهذا يتناقض مع كُتّاب مثل إغناطيوس،¹⁶⁴ وكليمندس الروماني،¹⁶⁵ الذين يميزون بوضوح بين الفترة الرسولية وفترة حياتهم. إنهم ينظرون إلى خدمة الرسل ولا يقدمونها. لذا، لا ينبغي أن نستعجب أن المسيحيين الأوائل اعتبروا الرسالة للعبرانيين كتابًا رسوليًا. في الواقع، فهم أوريجانوس السفر بهذه الطريقة تحديدًا عندما قال إنه كُتب من قبل شخص كان جزءًا من الدائرة الرسولية، ومن المرجح أنه كان رفيقًا وتلميذًا لبولس نفسه.¹⁶⁶ وهذا من شأنه أن يفسر سبب ارتباط كاتب رسالة العبرانيين ارتباطًا وثيقًا بالرسل في بداية المسيحية المبكرة.

بالإضافة إلى أن الكاتب يقول عن نفسه في هذا السفر إنه يقدم شروط العهد الجديد من خلال المسيح، بنفس الطريقة التي عُرضت بها شروط العهد القديم من خلال موسى في سفر التثنية.¹⁶⁸ في دراسته الحديثة، لم يُظهر David Allen أن رسالة العبرانيين تعتمد على نص وموضوعات سفر التثنية فقط، بل أظهر أيضًا أن أساس بنية الرسالة – التثنية بأكمله من دعوة شعب الله والاختيار بين الحياة والموت – مُعاد تقديمها في رسالة العبرانيين بغرض مسيحي.¹⁶⁹ ونتيجة لذلك، خلص ألين إلى أن الرسالة للعبرانيين لا تستخدم سفر التثنية فقط، بل وصفها أنها تثنية جديد.¹⁷⁰ في جوهرها، تعيد رسالة العبرانيين صياغة سفر التثنية وإعادة تشكيل قصة بني إسرائيل لجيل جديد، وبالتالي أصبحت توراة جديدة.¹⁷¹

وفي رسالة بطرس الثانية 3: 2: «لِتَذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا الأَنْبِيَاءُ الْقِدِّيسُونَ، وَوَصِيَّتَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ، وَصِيَّةَ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ».

هذا النص يتجاهله البعض، فالكاتب يطلب من القارئ الخضوع لنبوات الأنبياء ووصية الرب والمخلص من خلال الرسل، وهذا ما يؤكده الكاتب.¹⁷²

أنبياء العهد القديم ورسل العهد الجديد يظهرون كمتساويين كمصدر للوحي والسلطة. فهناك تساوي بين تنبؤات الأنبياء القديسين في النصوص المكتوبة ووصايا الرب من خلال الرسل. ويدعم السياق المباشر هذا، فرسائل بولس يعتبرها الكاتب أنها جزء من القانونية في بطرس الثانية 3: 16: «كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ».

وفي كورنثوس الأولى 14: 37: «فَإِنِ اعْتَبَرَ أَحَدٌ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ صَاحِبَ مَوْهِبَةٍ رُوحِيَّةٍ، فَلْيُدْرِكْ أَنَّ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ إِنَّمَا هُوَ وَصِيَّةُ الرَّبِّ».

بل إن كاتب بطرس الأولى يذكر أنه كتب نصوصًا أخرى، بطرس الثانية 3: 1: «أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، أَنَا الآنَ أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ رِسَالَتِي الثَّانِيَةَ». وإشارة إلى بطرس الأولى 1: 1: «مِنْ بُطْرُسَ، رَسُولِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى الْمُخْتَارِينَ الْمُتَغَرِّبِينَ الْمُشَتَّتِينَ فِي بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَآسِيَةَ وَبِيثِينِيَّةَ».¹⁷⁸

لذلك، اعتبر كاتب رسالة بطرس الثانية النصوص الرسولية المكتوبة سابقًا هي نصوص موثوقة في بطرس الثانية 3: 16، ويقول لقرائه إنه ينبغي أن يخضعوا إليها ولوصاياها في بطرس الثانية 3: 2.

المرجع:

 

 

Were the New Testament Authors Unaware of Their Own Authority? Lee McDonald

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

 

 

هل العهد الجديد مكتوب بوحي؟ أين دعا الله إلى كتابته؟ (19)

هل العهد الجديد مكتوب بوحي؟ أين دعا الله إلى كتابته؟ (19)

https://youtu.be/PLI3GWAbV04

نستطيع تلخيص الإعتراض في سؤالين فقط:

  1. هل قال أي كاتب للأناجيل أنه يكتب بوحي؟
  2. هل قال الله لكتبة الأناجيل أن يكتب؟

وسوف نجيب عليهما سويًا دفعة واحدة بتفصيل..

 

الوحي في المسيحية هو من الروح القدس، فهو الذي يقوم بتعليم وتذكير رسل المسيح أجمعين بما قاله المسيح وما فعله وأمور أخر كثيرة، الأدلة:

  • “وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ.” (يو 14: 26).
  • “الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ.” (1 كو 2: 13).
  • “فَمَتَى سَاقُوكُمْ لِيُسَلِّمُوكُمْ، فَلاَ تَعْتَنُوا مِنْ قَبْلُ بِمَا تَتَكَلَّمُونَ وَلاَ تَهْتَمُّوا، بَلْ مَهْمَا أُعْطِيتُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَبِذلِكَ تَكَلَّمُوا. لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلِ الرُّوحُ الْقُدُسُ.” (مر 13: 11).
  • “فَانْصَرَفُوا وَهُمْ غَيْرُ مُتَّفِقِينَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، لَمَّا قَالَ بُولُسُ كَلِمَةً وَاحِدَةً: «إِنَّهُ حَسَنًا كَلَّمَ الرُّوحُ الْقُدُسُ آبَاءَنَا بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ” (أع 28: 25).
  • “لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.” (2 بط 1: 21).
  • “«أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ الَّذِي سَبَقَ الرُّوحُ الْقُدُسُ فَقَالَهُ بِفَمِ دَاوُدَ، عَنْ يَهُوذَا الَّذِي صَارَ دَلِيلًا لِلَّذِينَ قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ،” (أع 1: 16).
  • “ثُمَّ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ: «كَيْفَ يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي، حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ.” (مر 12: 35-36).

وتجدر الإشارة هنا إلى ألوهية الروح القدس فهو الله الذي يوحي للأنبياء والرسل، لكن هذه ليست النقطة محل البحث الآن.

فهنا نجد أن الروح القدس هو الذي يتكلم بفم الأنبياء والرسل والتلاميذ، فهل لدى التلاميذ هذا الروح القدس لغرض إعلان بشارة المسيح للعالم؟ وهل تكلموا بالروح القدس؟ الإجابة هي نعم، ومن كلام المسيح نفسه:

  • “وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ.” (يو 14: 26).
  • “وَهَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ مَوْعِدَ أَبِي. فَأَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي».” (لو 24: 49).

فها هو رب المجد بنفسه يوصي تلاميذه ألا يغادروا أورشليم إلى أن يلبسوا قوة من الأعالي، فما هي هذه القوة؟ إنها قوة الروح القدس الذي سيحل على رسل المسيح.

“وَفِيمَا هُوَ مُجْتَمِعٌ مَعَهُمْ أَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ، بَلْ يَنْتَظِرُوا «مَوْعِدَ الآبِ الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي، لأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِالْمَاءِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ، لَيْسَ بَعْدَ هذِهِ الأَيَّامِ بِكَثِيرٍ». أَمَّا هُمُ الْمُجْتَمِعُونَ فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ: «يَا رَبُّ، هَلْ فِي هذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟» فَقَالَ لَهُمْ: «لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ، لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ».” (أع 1: 4-8).

 

فالرب يسوع المسيح قد أنبأ رسله بأن الروح القدس سيحل عليهم لأجل أن يكونوا له شهودا في كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض، وليذكرهم بما قاله لهم المسيح ويعلمهم كل شيء. وبالفعل، حل الروح القدس على الرسل المجتمعين في العلية في يوم الخمسين، حيث يقول الكتاب:

“وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا.” (أع 2: 1-4).

 

لكن، من الذين كانوا في العلية مجتمعين وحل عليهم الروح القدس؟

 

“حِينَئِذٍ رَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ، الَّذِي هُوَ بِالْقُرْبِ مِنْ أُورُشَلِيمَ عَلَى سَفَرِ سَبْتٍ. وَلَمَّا دَخَلُوا صَعِدُوا إِلَى الْعِلِّيَّةِ الَّتِي كَانُوا يُقِيمُونَ فِيهَا: بُطْرُسُ وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا وَأَنْدَرَاوُسُ وَفِيلُبُّسُ وَتُومَا وَبَرْثُولَمَاوُسُ وَمَتَّى وَيَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى وَسِمْعَانُ الْغَيُورُ وَيَهُوذَا أَخُو يَعْقُوبَ. هؤُلاَءِ كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلاَةِ وَالطِّلْبَةِ، مَعَ النِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ. وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ قَامَ بُطْرُسُ فِي وَسْطِ التَّلاَمِيذِ، وَكَانَ عِدَّةُ أَسْمَاءٍ مَعًا نَحْوَ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ. فَقَالَ:” (أع 1: 12-14).

 

هنا نجد أن الذين كانوا في العلية ليسوا فقط هم التلاميذ الـ11، بل يقول النص أنهم نحو 120 شخصًا. منهم التلاميذ الـ11 ومريم العذراء ونساء أخريات، بالإضافة إلى اخوته. و”أخوته” يختلفون عن “التلاميذ الـ11” بدليل أن النص قد فصل بينهم وبين الـ11 الذين قال اسمهم واحدا فواحدا في النص السابق، وبدليل أنهم حينما أرادوا أن يختاروا التلميذ الثاني عشر، اختاروا ممن تبعوا الرب يسوع، وكان من بين الحاضرين في العلية حيث يقول النص:

“فَيَنْبَغِي أَنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا مَعَنَا كُلَّ الزَّمَانِ الَّذِي فِيهِ دَخَلَ إِلَيْنَا الرَّبُّ يَسُوعُ وَخَرَجَ، مُنْذُ مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ عَنَّا، يَصِيرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَاهِدًا مَعَنَا بِقِيَامَتِهِ». فَأَقَامُوا اثْنَيْنِ: يُوسُفَ الَّذِي يُدْعَى بَارْسَابَا الْمُلَقَّبَ يُوسْتُسَ، وَمَتِّيَاسَ.” (أع 1: 21-23).

فالروح القدس جعل رسل المسيح يكرزون من هذا اليوم في البشرية كلها وإلى أقصى الأرض، وذكرهم بكل شيء وعلمهم بكل شيء.

فكيف يسأل ميمو عن الوحي لكتبة الأناجيل وهم المسوقين بالروح القدس والذين حل عليهم الروح القدس لغرض البشارة؟ فالروح القدس الذي حل عليهم بغرض البشارة والكرازة لكل المسكونة جعلهم يطوفون الأرض يكرزون بالمسيح، سواء أكانت هذه الكرازة شفاهية أو مكتوبة (الأناجيل).

 

فما هو الوحي إلا أن يحل الروح القدس على الرسل لأجل الغرض الذي حدده لهم المسيح (يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم … اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس إلخ إلخ)؟

نحن لا نقدم دليلا أن الرسل كتبوا الأناجيل فقط بالوحي، بل أننا أثبتنا أن كرازة رسل المسيح كلهم كانت بالروح القدس (الوحي) سواء أكانت هذه البشارة كتابية أم شفاهية. ونحن هنا قدمنا شهادة عن حلول الروح القدس على الرسل أجمعين وليس عن التلاميذ الأحد عشر أو الاثني عشر فقط.

 

لكننا نقدم شهادة إضافية عن مرقس ولوقا الرسولين.

فمرقس الرسول إن قال المعترضون أن القديس مرقس لم يعاين الرب أي لم يكن من الرسل السبعين بل كان فقط مترجمًا/مفسرًا لبطرس الرسول الذي هو من التلاميذ الذين حل عليهم الروح القدس باتفاق حتى المخالفين، فتكون بشارته هي بشارة بطرس الرسول.

وإن قال المعترضون أن القديس مرقس من السبعين رسولا (وقد شهد بذلك العلامة أوريجينوس[1] والقديس أبيفانيوس[2]) وأنه قد تبع المسيح منذ البداية، فقد أثبتوا له أنه قد حل عليه الروح القدس، كما أنه كان يكرز مع رسل آخرين كما يشهد بهذا الكتاب المقدس لفترة طويلة، وقد كان بيته هو العلية التي كان بقية الرسل والتلاميذ يجتمعون فيها دائمًا.

 

وأما لوقا الرسول فهو بنفسه يقول أنه ينقل عن شهود العيان، أي التلاميذ الذين كانوا معاينين وخدامًا للكلمة منذ البداية، وبالطبع هؤلاء التلاميذ قد حل عليهم الروح القدس باتفاق المخالفين لنا في الايمان [“إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ،” (لو 1: 1-3).]

إذن فلوقا الرسول قد تتبع كل شيء من الأول بتدقيق من الذين كانوا معاينين وخدام للكلمة منذ البدء، وكتب هذا التسليم الرسولي المتيقن عنده.

ومن هنا نكون قد أثبتنا أنهم يكتبون بالروح القدس ويبشرون بالروح القدس، وأن الرب يسوع بنفسه هو من دعاهم للبشارة باسمه في كل المسكونة لليهود والأمم، وأن الروح القدس الذي هو الله كان هو العامل فيهم، وبهذا نكون قد رددنا على السؤالين دفعة واحدة.

 

أما عن رسائل القديس بولس الرسول فلنرجع لقصة ظهور المسيح له ولنر هل يكتب بالروح القدس وبمعرفة شهود العيان أم لا، وهل الرب هو من دعاه للكتابة أم انه يبشر ويكتب من تلقاء نفسه.

نجد أن الرب بعدما ظهر لشاول (بولس الرسول فيما بعد) قد ظهر أيضًا لحنانيا الرسول في رؤيا، وأعلمه ما حدث مع شاول وأرشده أن يذهب إلى شاول وقال له الرب أن السبب هو: لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ (أعمال الرسل 9: 15) فهذه هي “الدعوة” وهذا هو “السبب” الذي دعاه الرب لأجل تحقيقه، فهل أرشد الرب حنانيا الرسول ليعطي الروح القدس لشاول لأجل هذا الغرض؟ نعم، حيث نقرأ:

“فَمَضَى حَنَانِيَّا وَدَخَلَ الْبَيْتَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ يَدَيْهِ وَقَالَ: «أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ، قَدْ أَرْسَلَنِي الرَّبُّ يَسُوعُ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتَ فِيهِ، لِكَيْ تُبْصِرَ وَتَمْتَلِئَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ».” (أع 9: 17).

إذن، فالدعوة هي أن يحمل اسم المسيح أمام الأمم والملوك وبني إسرائيل (البشارة) وهذا سيتم بالروح القدس الذي إمتلأ به.

ليس هذا وحسب، بل أن بولس الرسول التقى بالتلاميذ الذين حل عليهم الروح القدس قبله في يوم الخمسين، وجلس معهم وكرز معهم لوقت طويل، حيث يقول الكتاب:

“وَلَمَّا جَاءَ شَاوُلُ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَاوَلَ أَنْ يَلْتَصِقَ بِالتَّلاَمِيذِ، وَكَانَ الْجَمِيعُ يَخَافُونَهُ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ أَنَّهُ تِلْمِيذٌ. فَأَخَذَهُ بَرْنَابَا وَأَحْضَرَهُ إِلَى الرُّسُلِ، وَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ أَبْصَرَ الرَّبَّ فِي الطَّرِيقِ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ، وَكَيْفَ جَاهَرَ فِي دِمَشْقَ بِاسْمِ يَسُوعَ. فَكَانَ مَعَهُمْ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ فِي أُورُشَلِيمَ وَيُجَاهِرُ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ.” (أع 9: 26-28).

وعرض على التلاميذ البشارة التي كان يبشر بها فأعطوه يمين الشركة كشريك معهم في خدمة بشارة المسيح:

ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدْتُ أَيْضاً إِلَى أُورُشَلِيمَ مَعَ بَرْنَابَا، آخِذاً مَعِي تِيطُسَ أَيْضاً. (2) وَإِنَّمَا صَعِدْتُ بِمُوجَبِ إِعْلاَنٍ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الإِنْجِيلَ الَّذِي أَكْرِزُ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، وَلَكِنْ بِالاِنْفِرَادِ عَلَى الْمُعْتَبَرِينَ، لِئَلاَّ أَكُونَ أَسْعَى أَوْ قَدْ سَعَيْتُ بَاطِلاً. (غلاطية 2 / 1-2)

 

وَأَمَّا الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ شَيْءٌ، مَهْمَا كَانُوا، لاَ فَرْقَ عِنْدِي: اللهُ لاَ يَأْخُذُ بِوَجْهِ إِنْسَانٍ – فَإِنَّ هَؤُلاَءِ الْمُعْتَبَرِينَ لَمْ يُشِيرُوا عَلَيَّ بِشَيْءٍ. (7) بَلْ بِالْعَكْسِ، إِذْ رَأَوْا أَنِّي اؤْتُمِنْتُ عَلَى إِنْجِيلِ الْغُرْلَةِ كَمَا بُطْرُسُ عَلَى إِنْجِيلِ الْخِتَانِ. (8) فَإِنَّ الَّذِي عَمِلَ فِي بُطْرُسَ لِرِسَالَةِ الْخِتَانِ عَمِلَ فِيَّ أَيْضاً لِلأُمَمِ. (9) فَإِذْ عَلِمَ بِالنِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لِي يَعْقُوبُ وَصَفَا وَيُوحَنَّا، الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ أَعْمِدَةٌ، أَعْطَوْنِي وَبَرْنَابَا يَمِينَ الشَّرِكَةِ لِنَكُونَ نَحْنُ لِلأُمَمِ وَأَمَّا هُمْ فَلِلْخِتَانِ. (غلاطية 2 / 6-9)

 

ليس هذا وحسب، بل أن القديس بولس الرسول في قصة عليم الساحر الذي كان يقاوم الرب، يقول عنه (بولس) الكتاب أنه امتلأ من الروح القدس حتى قاوم عليم الساحر باسم الرب وأغلق عيناه:

وَأَمَّا شَاوُلُ، الَّذِي هُوَ بُولُسُ أَيْضًا، فَامْتَلأَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَشَخَصَ إِلَيْهِ وَقَالَ: «أَيُّهَا الْمُمْتَلِئُ كُلَّ غِشٍّ وَكُلَّ خُبْثٍ! يَا ابْنَ إِبْلِيسَ! يَا عَدُوَّ كُلِّ بِرّ! أَلاَ تَزَالُ تُفْسِدُ سُبُلَ اللهِ الْمُسْتَقِيمَةَ؟ فَالآنَ هُوَذَا يَدُ الرَّبِّ عَلَيْكَ، فَتَكُونُ أَعْمَى لاَ تُبْصِرُ الشَّمْسَ إِلَى حِينٍ». فَفِي الْحَالِ سَقَطَ عَلَيْهِ ضَبَابٌ وَظُلْمَةٌ، فَجَعَلَ يَدُورُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَقُودُهُ بِيَدِهِ. فَالْوَالِي حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى مَا جَرَى، آمَنَ مُنْدَهِشًا مِنْ تَعْلِيمِ الرَّبِّ.” (أع 13: 9-12).

وليست هذه المعجزة الوحيدة التي فعلها الرسول بولس بل أن الكتاب يقول:

“فَأَقَامَا زَمَانًا طَوِيلًا يُجَاهِرَانِ بِالرَّبِّ الَّذِي كَانَ يَشْهَدُ لِكَلِمَةِ نِعْمَتِهِ، وَيُعْطِي أَنْ تُجْرَى آيَاتٌ وَعَجَائِبُ عَلَى أَيْدِيهِمَا. فَانْشَقَّ جُمْهُورُ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ مَعَ الْيَهُودِ، وَبَعْضُهُمْ مَعَ الرَّسُولَيْنِ.” (أع 14: 3-4).

 

فها هو الرسول بولس، يبشر بدعوة من المسيح نفسه، وحل عليه الروح القدس لأجل البشارة والكرازة، ويعمل الرب به المعجزات، وقد عرض إيمانه على التلاميذ والرسل الآخرين. فهل -بعد كل هذا- يمكن أن يقول قائل: أين قال كتبة العهد الجديد أنهم يكتبون بوحي وهم كل بشارتهم إنما كانت من الروح القدس؟

 

[1] De Reta in Deum Fide.

[2] Adv. Haer. 51:5.

هل العهد الجديد مكتوب بوحي؟ أين دعا الله إلى كتابته؟ (19)

معيار الوحي: أدلة وحي العهد الجديد من داخل العهد الجديد – أمير جرجس

معيار الوحي: أدلة وحي العهد الجديد من داخل العهد الجديد – أمير جرجس هل اعتبر كتبة العهد الجديد أن ما يكتبونه وحيًا مقدسًا كوحي العهد القديم؟

معيار الوحي: أدلة وحي العهد الجديد من داخل العهد الجديد – أمير جرجس هل اعتبر كتبة العهد الجديد أن ما يكتبونه وحيًا مقدسًا كوحي العهد القديم؟

طبقت الكنيسة مفهوم الـ”قانون” على مجموعة من الكتب لم تكتب في الأساس لهذا الغرض (وعلى نفس المبدأ كان من الممكن ان تطبقها على أي مجموعة من الكتب داخل القرون الاولي للمسيحية).

 

عندما نذهب لنبحث عن أدلة وجود الـ”قانون” في المجتمع المسيحي المبكر، فليس لدينا أفضل من العهد الجديد نفسه.

 

يأتي أحد أقدم التعابير لقانون ناشئ من المقطع المعروف جيدًا في 2 بطرس 3 :15-16

وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا، كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ، كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ.

 

حيث يعلن بطرس أن رسائل بولس هي “كتابات مقدسة” على قدم المساواة مع سلطة العهد القديم. والجدير بالذكر أن هذا المقطع لا يشير فقط إلى رسالة واحدة لبولس، ولكن إلى مجموعة من رسائل بولس التي بدأت بالفعل في الانتشار في جميع أنحاء الكنائس – لدرجة أن بطرس يمكن أن يشير إلى “لكل رسائل بولس” وتوقع أن يفهم جمهوره ما كان يشير إليه.[1]

 

الآثار المترتبة على هذه الآية متعددة، منها:

  • إشارة بطرس إلى رسائل بولس على أنها “كتاب مقدس” تمت بدون أي تفاصيل تمامًا، كما لو كان توقع أن يكون قرائه قد عرفوا بالفعل كتابات بولس ويوافقون على أنها كتابات مقدسة؛ لم يقدم أي دفاع أو تفسير لهذه الفكرة.
  • لا يعطي بطرس أي إشارة على أن بولس كان سيعترض على فكرة اعتبار رسائله “كتابًا مقدسًا موثوقًا به”. علاوة على ذلك، لا يبدو أن بطرس نفسه يعتقد أنه من الغريب أن يتم اعتبار رسالة من أحد الرسل “كتابًا مقدسًا موثوقًا به” من قبل المجتمعات التي تلقته. في الواقع، بما أن بطرس قدم نفسه أيضًا كرسول (1: 1)، فإن الآثار المترتبة على ذلك هي أن رسالته يجب أن تُؤخذ بنفس الثقل الموثوق به مثل رسالة بولس.
  • إذا كانت بعض رسائل بولس قد اعتبرت بالفعل “كتابًا مقدسًا” من قبل العديد من المسيحيين الأوائل، فيمكننا إذن أن نفترض بشكل معقول أنه تم الاعتراف أيضًا بوثائق مكتوبة أخرى على هذا النحو بحلول هذا الوقت. وبالتالي، فإن أي اقتراح بأن فكرة قانون العهد الجديد المكتوب كان قرارًا كنسيًا متأخرًا لا يتوافق مع الشهادة التاريخية الموجودة هنا.

 

1 تيموثاوس 5 :18:

 λέγει γὰρ ἡ γραφή، Βοῦν ἀλοῶντα οὐ φιμώσεις، καὶ، Ἄξιος ὁ ἐργάτης τοῦ μισθοῦ αὐτοῦ

(“أَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ: «لاَ تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا»، و«الْفَاعِلُ مُسْتَحِقٌ أُجْرَتَهُ».”).

 يأتي الاقتباس الأول من تثنية 25: 4، والثاني مطابق لقول يسوع في لوقا 10: 7. نظراً إلى:

  • لا يمكن تفسير هذا الاقتباس من خلال اللجوء إلى التقليد الشفوي لأنه يشار إليه بوضوح باسم ἡ γραφή. [2] (مكتوب في الكتابات المقدسة). يلاحظ مارشال، “من المؤكد أن هناك حاجة إلى مصدر مكتوب، ويمكن أن يكون مصدر موثوق به.”[3]
  • بينما المصدر المكتوب الآخر هو احتمال (Q [4] أو كتاب أبوكريفي[5]) وتجدر الإشارة إلى أن النص اليوناني في تيموثاوس الأولى 5:18 مطابق لوقا 10: 7 فقط.[6] وبهذا فإن إنجيل لوقا يتناسب مع الأدلة بطريقتين هامتين: لا تتطابق صياغته تمامًا مع 1 تيموثاوس 5 :18 فحسب، بل إنه كتاب اعتبره المسيحيون الأوائل (في مرحلة ما) في الواقع “كتابًا مقدسًا” له السلطة الكاملة مثل سُلطة العهد القديم. ليس لدينا دليل تاريخي على صحة أي من هذه الأشياء بالنسبة لـ Q أو وجود كتاب أبوكريفي.
  • توفر الروابط التاريخية المعروفة بين بولس ولوقا على الأقل سيناريو معقولًا لسبب استشهاد رسالة بولس بإنجيل لوقا. بالإضافة إلى كونه رفيق سفر بولس في سفر أعمال الرسل، فقد ورد ذكر لوقا عدة مرات في رسائل بولس أخرى (كول 4 :14؛ 2 تيم 4 :11؛ فيلبي 1: 24) ومن الواضح أن له صلات مباشرة بالدائرة الرسولية (لو 1: 2). علاوة على ذلك، هناك ارتباط منتظم بين بولس وإنجيل لوقا في كتابات آباء الكنيسة الأوائل.[7] حتى أن البعض اقترح أن لوقا كان أمانًا في نقله لبولس في تيموثاوس الأولى.[8]

 

كل هذه الاعتبارات، خاصة إذا تم أخذها جنبًا إلى جنب، تشير إلى أن احتمالاته التاريخية يجب أن تؤخذ في الاعتبار لصالح تيموثاوس الأولى 5 :18 نقلاً عن إنجيل لوقا.

بل إن جون ماير John P. Meier أكثر ثقة، حيث يقول: “التفسير الوحيد الذي يتجنب الألعاب البهلوانية الفكرية المشوهة أو الترافع الخاص هو التفسير الواضح والصريح. يستشهد [تيموثاوس الأول] بإنجيل لوقا جنبًا إلى جنب مع سفر التثنية ككتاب معياري لترتيب خدمة الكنيسة. “[9]

 

يلمح بطرس إلى مثل هذا السيناريو في 2 بطرس 3: 2 (لِتَذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا الأَنْبِيَاءُ الْقِدِّيسُونَ، وَوَصِيَّتَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ، وَصِيَّةَ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ.) حيث يطلب من جمهوره الخضوع “لنبوءات الأنبياء القديسين ووصية الرب والمخلص من خلال رسلكم”. هناك عدة ملاحظات تستحق الإدلاء بها:

 

  • وضع بطرس شهادة الرسل جنبًا إلى جنب مع شهادة أنبياء العهد القديم، موضحًا أن لكل منهم سلطانًا متساويًا وإلهيًا للتحدث بكلمة الله.
  • تشير حقيقة أنه يشير أولاً إلى نصوص العهد القديم، ثم وضعه جنبًا إلى جنب مع التعاليم المقدمة ” وَوَصِيَّتَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ “، إلى أنه يرى الوحي الإلهي في مرحلتين أو حقبتين مختلفتين – ربما إشارة إلى بدايات القانون الثنائي العهد الجديد والقديم. وتجدر الإشارة إلى حقيقة أنه يشير إلى “الرسل” الجمع كاعتراف بأن “العهد جديد” سيتألف من أكثر رسول (مما يوضح أن بولس ليس المؤلف الوحيد).[10]
  • بالنظر إلى أن الإشارة إلى “الأنبياء القديسين” هي إشارة واضحة للنصوص المكتوبة[11]، يبدو أن رسالة بطرس الثانية 3: 2 تُظهر إمكانية أن تشير أيضًا ” وَوَصِيَّتَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ ” للنصوص المكتوبة.

 في الواقع، تشير رسالة بطرس الثانية 3 :16 إلى مثال معين للنصوص المكتوبة لواحد على الأقل من الرسل. بما أن رسالة بطرس الثانية 3: 16 تبين أن بطرس فهم أن بعض الشهادات الرسولية يجب حفظها بصيغة مكتوبة، فإن رسالة بطرس الثانية 3: 2 تبدأ في الظهور كمرجع محتمل لقانون العهد القديم وبدايات لقانون العهد الجديد.

 

من الواضح أن هذه الآية تضع أساسًا حاسمًا لبروز مجموعة العهد الجديد في المستقبل جنبًا إلى جنب مع المجموعة القديمة. إنه يكشف أن المسيحيين الأوائل كان لديهم قناعة لاهوتية بأن التعاليم الرسولية (والكتابات؛ راجع 3، 16) كانت المرحلة التالية من إعلان الله في العهد.

 

القراءة العامة للكتب القانونية

يحث بولس الشعب في عدد من رسائله بقراءتها علنًا في الكنائس. تعلن كولوسي 4: 16، (وَمَتَى قُرِئَتْ عِنْدَكُمْ هذِهِ الرِّسَالَةُ فَاجْعَلُوهَا تُقْرَأُ أَيْضًا فِي كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ، وَالَّتِي مِنْ لاَوُدِكِيَّةَ تَقْرَأُونَهَا أَنْتُمْ أَيْضًا (، في 1 تسالونيكي 5 :27 (أُنَاشِدُكُمْ بِالرَّبِّ أَنْ تُقْرَأَ هذِهِ الرِّسَالَةُ عَلَى جَمِيعِ الإِخْوَةِ الْقِدِّيسِينَ).

 

في 2 كورنثوس 10: 9، في سياق دفاع بولس عن سلطته الرسولية، يذكر القراءة العامة لرسائله ويعرب عن قلقه بشأن تأثيرها: “لِئَلاَّ أَظْهَرَ كَأَنِّي أُخِيفُكُمْ بِالرَّسَائِلِ.”.

 

يتنبأ سفر الرؤيا أيضًا أن يُقرأ علنًا ” طُوبَى لِلَّذِي يَقْرَأُ وَلِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ النُّبُوَّةِ، وَيَحْفَظُونَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهَا، لأَنَّ الْوَقْتَ قَرِيبٌ.” (1: 3).[12] يمكن إرجاع ممارسة قراءة الكتاب المقدس في العبادة إلى المجمع اليهودي، حيث كانت تُقرأ أجزاء من العهد القديم بصوت عالٍ بشكل روتيني على المُصلين (لوقا 4: 17-20؛ أعمال الرسل 13: 15؛ 15 :21).[13] آخرون اقترحوا أن إنجيلي متى ومرقس قد كُتبوا ببنية ليتورجيا تشير إلى أنهما استُخدما للقراءة العامة في العبادة على مدار العام.[14]

 

إن إصرار بولس على قراءة رسائله علنًا، إلى جانب ادعاءاته العلنية الخاصة بالسلطة الرسولية، جنبًا إلى جنب مع حقيقة أن العديد من قرائه فهموا ما تعنيه القراءة العامة في سياق الكنيس، يقدم أسبابًا وجيهة للاعتقاد بأن رسائله كانت لتكون كذلك. يُنظر إليها على أنها في نفس فئة “الكتاب المقدس” الأخرى التي تُقرأ أثناء أوقات الصلاة العامة. في الواقع، يوضح بولس بنفسه هذه الصلة عندما حث تيموثاوس، “إِلَى أَنْ أَجِيءَ اعْكُفْ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالْوَعْظِ وَالتَّعْلِيمِ.” (1 تيموثاوس 4: 13).

تم تأكيد ممارسة قراءة الكتب الكنسية في العبادة – على الرغم من ظهورها فقط في شكل بذرة في كتب العهد الجديد – بشكل أكثر صراحة على أنها شائعة في زمن يوستينوس الشهيد في منتصف القرن الثاني:

 

وفي اليوم المسمى الأحد، يجتمع كل من يعيش في المدن أو في الريف معًا في مكان واحد، وتُقرأ مذكرات الرسل أو كتابات الأنبياء، طالما سمح الوقت بذلك؛ وبعد ذلك، عندما يتوقف القارئ، يوجه الأب مخاطباً شفهياً، ويحث على تقليد هذه الأشياء الطيبة.[15]

 

لم يقتصر الأمر على وضع يوستينوس “مذكرات الرسل” بأنها (إشارة واضحة إلى الأناجيل) على قدم المساواة مع كتابات أنبياء العهد القديم، ولكنه ذكرهم أولاً أيضاً، موضحًا أنه بحلول هذا الوقت كان لقراءة كُتب العهد الجديد الكثير من الطرق. حل محل قراءة التوراة.[16]

 

من اللافت للنظر أن مصدر يوستينوس ثنائي للوحي الكتابي – الأنبياء والرسل هو بالضبط المصدر الثنائي الذي أكده بطرس الثانية 3: 2 كما نوقش أعلاه. مرة أخرى، يبدو أن البنية الناشئة لقانون العهد الجديد كانت موجودة بالفعل في زمن بطرس وبولس، والتي تم إدراكها بشكل كامل خلال زمن يوستينوس.

 

الاعتراض الأساسي الذي أثاره علماء أن مثل هذه القراءة العامة لا تثبت أن الكتاب كان موثوقًا لأن الكتب الأبوكريفية – على سبيل المثال، إنجيل بطرس، راعي هرماس، رسالة كليمندس الأولي – يُقرأون أحيانًا في الكنائس أيضًا.[17]

 

ومع ذلك، فإن هذا الاعتراض لا ينفي وجهة نظرنا هنا لعدد من الأسباب:

 

أولاً، كان السؤال عن الكتب التي يجب أن تُقرأ بانتظام في العبادة مرتبطًا بشكل أساسي بمسألة الكتب التي كانت تعتبر ذات سلطة كتابية للكنيسة. عدم وجود إجماع على نطاق هذه القراءات لا يغير هذه الحقيقة. تعلن غامبل أن “القراءة الليتورجيا توضع في البيئة التي اكتسبت من خلالها النصوص السلطة اللاهوتية، والتي أصبحت فيها تلك السلطة سارية المفعول”.[18]

 

ثانيًا، بصرف النظر عن الاختلافات هنا وهناك، كانت الغالبية العظمى من الكتب المقروءة في العبادة المسيحية المبكرة هي نفس الكتب التي وجدت في النهاية موطنًا في قانون العهد الجديد. في الواقع، لهذا السبب بالتحديد وجدوا في النهاية منزلاً في القانون – كانت الكتب الأكثر شيوعًا التي تم الاعتراف بها وتأكيدها في العبادة العامة. حتى أن يوسابيوس يعترف بأن الكتب التي تم استلامها باعتبارها كتابًا مقدسًا موثوقًا هي تلك التي “تمت قراءتها علنًا في جميع الكنائس أو معظمها”.[19]

 

ثالثًا، لا يمكن أن ننسى أن الكنائس الأولى (لا تختلف عن الكنيسة اليوم) كان لديها فئة في عبادتها العامة لقراءة ما اعتُبر مفيدًا وبنيانًا ولكن لا يزال معروفًا للجميع أنه لا يوجد كتاب مقدس. تضمنت هذه القراءة رسائل من قادة مسيحيين مهمين، تتعلق بوفاة الشهداء، وقراءات أخرى تعتبر مفيدة للجماعة.[20] بالنظر إلى أن كتابًا مثل الراعي هرماس، على الرغم من شعبيته الكبيرة واعتباره أرثوذكسيًا، كان معروفًا على نطاق واسع إنه إنتاج غير رسولي من القرن الثاني، ويبدو أنه قد يكون قد تمت قراءته أيضًا ضمن نفس الفئة.[21]

 

باختصار، لقد رأينا في هذا القسم الأول أن هناك الكثير من الأدلة داخل العهد الجديد نفسه بخصوص قانون ناشئ من الكتاب المقدس: إشارات إلى مجموعة رسائل بولس على أنها “كتاب مقدس”، اقتباس من إنجيل لوقا على أنه “كتاب مقدس،” تلميحات لسلطة قانونية مزدوجة في الأنبياء والرسل، وقراءة كتب العهد الجديد – الكتب التي يُفهم أنها تحمل السلطة الرسولية – في العبادة العامة للكنيسة.

 

على الرغم من أن أيًا من هذه النقاط قد لا تكون قاطعة في حد ذاتها، إلا أن وزنها التراكمي يصبح مهمًا. يصبح هذا الدليل التاريخي لقانون ناشئ أكثر إقناعًا عندما يتذكر المرء السياق العام الذي يمكن من خلاله تفسير هذا الدليل كما حدده الفصل السابق: جماعة مسيحية مبكرة لديها ميل نحو النصوص المكتوبة، والسلطة المعترف بها للكتابات الرسولية، وعمل الروح القدس.

 

 

 

 

[1] Regarding Pauline letter collections see S. E. Porter, “When and How Was the Pauline Canon Compiled? An Assessment of Theories, ” in The Pauline Canon, ed. S. E. Porter (Leiden: Brill, 2004), 95-127; and D. Trobisch , Paul’s Letter Collection: Tracing the Origins (Minneapolis: Fortress , 1994).

[2] Lorenz Oberlinner, Kommentar zumersten Timotheusbrief (Freiburg imBreisgau: Herder, 1994), p. 254

[3] Marshall, Pastoral Epistles, p. 616 (emphasis mine).

[4] Anthony T. Hanson, Pastoral Epistles (Grand Rapids: Eerdmans, 1982), p. 102.

[5] Kelly, Pastoral Epistles, p. 126; Dibelius and Conzelmann, Pastoral Epistles, p. 79.

[6] لا تزال العبارة المماثلة في متى 10:10 مختلفة عن لوقا 10: 7 و1 تيموثاوس 5: 18، ترد أصداء هذه العبارة أيضًا في كورنثوس الأولى 9:14

13: 2. وديداك

[7] E.g., Irenaeus (Hist. eccl. 5.8.3); Origen (Hist. eccl. 6.25.6); and the Muratorian Fragment.

[8] C. F. D. Moule, “The Problem of the Pastoral Epistles: A Reappraisal,” BJRL 47 (1965): 430-52.

[9] John P. Meier, “The Inspiration of Scripture: But What Counts as Scripture?,” Mid-Stream 38 (1999): 77.

[10] المرجع في 2 بطرس 3: 2 ل “وصية” الرسل المفردة قد أربكت البعض.

يلخص دانيال جيه. هارينغتون، يهوذا وبطرس الثاني، الأمر جيدًا عندما يعلن أن “[الوصية] لا تشير كثيرًا إلى وصية واحدة (على سبيل المثال، أمر الحب) بل إلى جوهر الإيمان المسيحي الذي أعلنه الرسل “(ص 281-82).

[11] Attempts to make “prophets” here refer to New Testament prophets has been roundly

rejected; see Bauckham, jude 2 Peter, 287.

[12] Harry Y. Gamble, Books and Readers in the Early Church (New Haven, CT: Yale University Press, 1995), 206.

[13] Ibid., 209-11.

[14] 32G. D. Kilpatrick, The Origins of the Gospel according to St. Matthew (Oxford: Clarendon, 1950) , 72-100; Michael D. Goulder, Midrash and Lection in Matthew (London : SPC K, 1974) , 182-83; Phillip Carrington, The Primitive Christian Calendar: A Study in the Making of the Marean Gospel (Cambridge: Cambridge University Press, 1952).

[15] 1 Apol. 67.3.

[16] Martin Hengel, “The Titles of the Gospels and the Gospel of Mark,” in Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985) , 76.

[17] Hist. eccl. 6.12.2; 3.3.6; 4.23.11.

[18] Gamble, Books and Readers, 216.

[19] Hist. eccl. 3.31.6; English translation from Gamble Books and Readers, 216.

[20] Hist. eccl. 4.23.11; and Canon 36 of the Council of Carthage.

[21] The Shepherd is expressly rejected by the second-century Muratorian Fragment.

معيار الوحي: أدلة وحي العهد الجديد من داخل العهد الجديد – هل اعتبر كتبة العهد الجديد أن ما يكتبونه وحيًا مقدسًا كوحي العهد القديم؟

Exit mobile version