تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

بدأ وعي الكنيسة بالحاجة إلى قائمة متفق عليها من الكتب يتشكّل تدريجيًا؛ وربما كان لظهور قانون ماركيون (Marcion’s canon) دورٌ متفاوت في تحفيز هذا الوعي. وبحلول نهاية القرن الثاني، أصبحت مسألة قانونية الكتب محل نقاش محتدم. (ويُقدَّم قانون موراتوري (Muratorian Canon)، الذي يُرجّح أنه يعود إلى هذه الفترة⁴، كدليل على هذا النقاش.)

في ذلك الوقت، لم يعد هناك شك في الجزء الأكبر من أسفار العهد الجديد: الأناجيل الأربعة، سفر الأعمال، رسائل القديس بولس الرسول، وبعض الرسائل الجامعة (Catholic Epistles). أما الشكوك فظلّت قائمة حول الكتب السبعة “المُختلَف عليها”، (وهي: الرسالة إلى العبرانيين، رسالة يعقوب، رسالة بطرس الثانية، رسالتا يوحنا الثانية والثالثة، رسالة يهوذا، وسفر الرؤيا) حتى القرن الرابع، وحتى بعد ذلك في بعض المناطق.

ومن المهم التنبيه إلى أن هذا العرض لا يتعدى كونه إطارًا عامًا للفهم السائد بشأن تكوين قانون أسفار العهد الجديد، إذ تختلف تفاصيل الحجة من كاتب إلى آخر.”

 

لا يمكن لنا في مقال واحد أن نطمح إلى معالجة شاملة لكل ما يتعلّق بتاريخ قانون أسفار العهد الجديد، أو إلى مناقشة جميع الآراء والحجج التي طُرحت حول هذا الموضوع. ومع ذلك، من الممكن أن نطرح بعض التساؤلات حول الطريقة المعتادة التي يُتناوَل بها هذا الموضوع.

أدلة مبكرة على أن كتب العهد الجديد كان يُنظر إليها على أنها تتمتع بسلطة كتابية

ينبغي أن نلاحظ أولًا أن الأدلة المتوفرة لدينا من المسيحية الأولى لا تدعم دائمًا الافتراضات أو الاستنتاجات التي تم ذكرها أعلاه.

 

أما فيما يخص الادّعاء القائل بأن كتابات العهد الجديد لم تكن تُعتبَر ذات سلطان “كتابي” (scriptural authority) حتى أواخر القرن الثاني، فإن الأدلة، على أقل تقدير، مبهمة. وأي شخص يرغب في الأخذ بهذا الادّعاء عليه أن يُفسّر الحقائق التالية:

 

أ. في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس 5:18، نرى مقطعًا من العهد القديم واقتباسًا من الإنجيل يُوضَعون جنبًا إلى جنب، ويُقدَّمون بنفس العبارة: “يقول الكتاب”. وحتى لو لم يكن الرسول بولس يشير إلى إنجيل مكتوب، إلا أنه من الواضح أنه يُساوي بين قول الرب وبين ما جاء في الكتاب المقدس للعهد القديم.

 

ب. في رسالة بطرس الثانية 3:16، يُشار إلى رسائل بولس، ويذكر أن البعض “يحرّفونها كما يفعلون أيضًا مع الكتب المقدسة الأخرى”، مما يعني أن رسائل بولس كانت تُعتبَر في نظر الكاتب مساوية لأسفار العهد القديم (من حيث السلطان).

 

ج. ينبغي الحذر عند استخلاص استنتاجات حاسمة من الديداخي (Didache)، بسبب الغموض الكبير حول تاريخ كتابته (ما بين سنة 70 إلى 150م تقريبًا) وطريقة تكوين هذه الوثيقة. لكن من الواضح في هذا أن الديداخي:

  1. يعتبر وصايا الرب ذات أعلى سلطان.
  2. يستشهد بإنجيل مكتوب (قارن: الديداخي 8:2 و15:3،4).
  3. يوصي قارئيه بشأن وصايا الرب قائلاً: “لا تُضِف عليها شيئًا ولا تُنقِص منها” (الديداخي 4:13، مقتبسًا من سفر التثنية 4:2 و12:32)، واضعًا بذلك وصايا الرب في مرتبة مساوية لشريعة موسى.

 

د. نفس الاقتباس من سفر التثنية نجده أيضًا في رسالة برنابا (Epistle of Barnabas) التي تعود إلى الربع الأول من القرن الثاني (برنابا 19:11).5 وفي نفس الرسالة نقرأ: “فلنحذر لئلا يُقال عنا كما هو مكتوب: «كَثِيرِونَ يُدْعَونَ، وَلَكِنْ قَلِيلِينَ فَقَطْ يُختَارُونَ.»” (برنابا 4:14). ويبدو أن الكاتب هنا يشير إلى إنجيل متى كمصدر كتابي (قارن متى 20:16 و22:14).

 

هـ. القديس إغناطيوس الأنطاكي (استُشهد بين عامي 98 و117م) يذكر في سياق واحد الإنجيل والرسل والأنبياء، وهو أسلوب معتاد للإشارة إلى أسفار العهد القديم.

 

و. الغنوصي باسيليدس (Basilides) (125–150م) يُقدِّم اقتباسات من رسائل بولس بهذه العبارات: «كما كُتِب» (ويليها رومية 8:19، 22)، وأيضًا: «والكتاب يقول في هذا الصدد…» (ويليها 1 كورنثوس 2:13). (راجع: هيبوليتس، Refutation of All Heresies، الكتاب السابع، الفصول 13 و14 – ANF).

 

ز. بوليكاربوس أسقف سميرنا (الذي استُشهد غالبًا حوالي عام 155م) يحضّ أهل فيلبي قائلاً: «كما قيل في هذه الكتب: “اغضبوا ولا تخطئوا” و”لا تغرب الشمس على غيظكم”» (رسالة بوليكاربوس إلى أهل فيلبي 12:1). وفي نفس الرسالة (6:3)، يضع المسيح والرسل والأنبياء معًا.

 

ح. ما يُعرَف بـ الرسالة الثانية للقديس كليمندس الروماني (2 Clement)، والتي كُتِبت ربما حوالي سنة 150م، يقتبس في الإصحاح 2:4 أولًا من إشعياء 54:1، ثم يقول: «وكتاب آخر يقول أيضًا: “لم آتِ لأدعو أبرارًا بل خطاة”» (مرقس 2:17 وما يوازيه).

 

وبالنظر إلى هذا النوع من الأدلة التي قدمناها، فإن الباحث ر. ب. س. هانسون R. P. C. Hanson6 جادل بأن هذه الشواهد لا تُثبت الأمر بشكل قاطع. فقد زعم أن التعبير الوحيد الذي يُعَدّ مؤشّرًا موثوقًا على المكانة التي منحها كتّاب القرن الثاني لأسفار العهد الجديد هو عبارة “الكتب المقدسة” (the Holy Scriptures). ويقول إننا لا نجد هذا التعبير مستخدمًا للإشارة إلى العهد الجديد حتى ما بعد منتصف القرن الثاني بفترة وجيزة، في دفاع أرستيدس (Aristides’ Apology، فقرة 16).

 

لكن التركيز على هذا التعبير بعينه غير مبرَّر، خصوصًا وأنه لا يُستخدم في العهد الجديد كله إلا مرة واحدة فقط (رومية 1:2)، ثم لا يظهر مجددًا إلا عند القديس يوستينوس الشهيد (الذي كتب حوالي سنة 160م)، حيث استخدمه مرتين فقط في أكثر من 70 إشارة إلى العهد القديم كـ”الكتب المقدسة”.

 

ما دام هناك مقاطع من أسفار العهد الجديد تُقدَّم بنفس الصيغ التي تُستخدم مع أسفار العهد القديم، فستظل هناك حاجة لإعطاء مبررات كافية إن أردنا التمييز في السلطان المنسوب لكل منهما.

 

عدم اعتبار التقليد الشفهي منافسًا للتقليد المكتوب

قضية أخرى يكتنفها الغموض في الأدلة هي مسألة التقليد الشفهي. لا شك في وجود تقليد شفهي في الكنيسة الأولى، ولكن يبدو أن مجرد حقيقة وجوده يُفهم أحيانًا وكأنه يُقلِّل من سلطان التقليد المكتوب.

 

ومن المؤسف أن كامبنهاوزن7 لا يزال يرى أن بابياس Papias (الذي كتب ما بين سنة 110–130م تقريبًا) كان يؤمن بـ”تفوق التقليد الشفهي”، مستندًا إلى قول بابياس:

«ما يأتي من الكتب لا يبدو لي نافعًا بقدر ما يأتي من الكلام الحي ويبقى كذلك» (تاريخ الكنيسة ليوسابيوس، الكتاب الثالث، الفصل 39، الفقرة 4 – ترجمة كامبنهاوزن).

 

ولكن كما أظهر جي. بي. لايتفوت J. B. Lightfoot8 في وقت سابق، وأعاد تأكيده باحثون آخرون لاحقًا (ذكرهم كامبنهاوزن نفسه)، فليس هذا هو الفهم الأوضح أو الأرجح للنص الوارد في كتاب يوسابيوس.

 

يبدو بالأحرى أن بابياس كان حقيقةً يعتمد على التقليد الشفهي فقط في تفسير أقوال الرب، لا في نقل مضمون تلك الأقوال نفسها. وقد يكون تعليقه المسيء على الكتب موجهًا في الواقع إلى الكتابات الهرطوقية التي كانت كما نعلم، في ذلك الوقت، تحاول تفسير أقوال الرب من منظورها الخاص، تمامًا كما كان يحاول بابياس أن يفسرها.

 

من خلال ما يقوله يوسابيوس Eusebius عنه، فإن الصورة التي تتكون لدينا عن بابياس هي صورة “أصولي” من القرن الثاني، يتمسك بعقيدة المُلك الألفي الحرفي (Pre-millennialism)، ويؤمن بـعصمة الأناجيل، حيث يجادل بقوة أن غياب الترتيب الزمني في إنجيل مرقس لا يعني وجود خطأ في هذا الإنجيل من قِبل الكاتب. (وهذا أمر غريب أن يصدر عن شخص يُفترض أنه يفضل التقليد الشفهي على المكتوب.)

 

ورغم أن هناك أدلة على استمرار وجود التقليد الشفهي، إلا أنه لا توجد أية أدلة على أن هذا التقليد كان يتنافس من حيث السلطان مع التقليد المكتوب.⁹

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

السؤال الجوهري هو السلطان، وليس مسألة الإدراج الكنسي

الأمر الأهم من مجرد النقاط المتعلقة باستخدام الأدلة من قِبَل الكُتّاب الذين تناولوا موضوع قانونية أسفار الكتاب المقدس، هو مسألة المنهجية التي يتّبعونها: هل يطرحون الأسئلة الصحيحة أصلًا عند بحثهم في تاريخ قانون العهد الجديد؟

 

السؤال الذي يُطرح عادةً هو: “متى نجد أوّل دليل على وجود قائمة متفق عليها من الأسفار ذات سلطان مُلزِم للكنيسة؟” الاقتباس الذي ذكرناه سابقًا عن كامبنهاوزن (Campenhausen) يعبّر عن هذا بوضوح: لا يمكن الحديث عن “قانون” إلّا عندما تُمنَح وثيقة (أو مجموعة وثائق) عن قصدٍ مكانةً معيارية خاصّة، تضعها في مرتبة واحدة مع الكتب المقدسة الموجودة للعهد القديم.

(والجدير بالذكر أن الافتراض بأن قانون العهد القديم كان قد اكتمل بشكل راسخ في الحقبة المعنيّة، هو أمر لا يتفق عليه جميع الباحثين).

 

هذا يعني فعليًا أننا ننطلق من مفهومنا الحالي لكلمة “قانون” (Canon)، ثم نحاول أن نجد دليلاً على وجود هذا المفهوم في الكنيسة الأولى. وبناء على هذا، ينصبّ اهتمامنا على إيجاد – أو إثبات عدم وجود – قوائم طويلة أو قصيرة من الأسفار المقبولة في فترات محدّدة من تاريخ الكنيسة المبكرة، وهو ما سعى إليه كامبنهاوزن10 مثلًا.

 

لكن، هل مسألة القوائم الرسمية هي في الحقيقة السؤال الأهم؟

صحيح أن كلمة “قانون” (canon) تعني في الأصل “قائمة”، ومن ثم، فإن “تقنين” الأسفار بالمعنى الدقيق للكلمة قد يكون قد تم في وقت متأخر نسبيًا. ولكن من المضلِّل جدًا أن نُوحي بأن لحظة إعداد القوائم هي المرحلة الأولى التي بدأت فيها أسفار العهد الجديد تُعتَبَر ذات سلطان [إلهي].

 

حينما يخبرنا كامبنهاوزن قائلاً: «في الكنيسة الأولى، كان المقصود بـ”الكتاب المقدس المسيحي” هو… ببساطة العهد القديم، الذي أُخذ من المجمع اليهودي وأُعيد تفسيره مسيحيًا. ولم تكن هناك بعد أية إشارة إلى قانون للعهد الجديد، لأن هذا نفسه لم يكن موجودًا…»،¹¹ فقد يكون محقًا من الناحية الفنية. لكن في الوقت نفسه، يكشف هذا عن قصور منهجيته بالكامل.

 

القضية الجوهرية هنا هي قضية السلطان (السلطة) Authority. فلو افترض كامبنهاوزن، مثلاً، أن العهد القديم كان هو السلطان الوحيد، أو حتى الأعلى، في الكنيسة الأولى، لبدا هذا الافتراض عبثياً على الفور. فلم يكن هناك وقت – منذ يوم الخمسين (العنصرة) – كانت فيه الكنيسة تعتبر أن العهد القديم وحده يُشكّل السلطان الوحيد أو حتى الأعلى.

 

يصف لوقا في أعمال الرسل 2 الكنيسة الأولى بأنها جماعة من المؤمنين «كانوا يواظبون على تعليم الرسل». فقد كان لسلطان الرسل وتعاليم المسيح التي نقلوها، مكانة أسمى من سلطان العهد القديم، إذ صار العهد القديم يُفهَم فقط في ضوء تعليم المسيح والرسل.

 

ونجد هذا الأمر جليًا أيضًا خارج أسفار العهد الجديد، كما في السجال الذي يرويه لنا القديس إغناطيوس (في رسالته إلى أهل فيلادلفيا 8:2)، حيث قال له بعض الأشخاص (غالبًا من المتهوّدين): «إن لم أجد هذا الشيء في كتبنا القديمة (يقصدون العهد القديم؟)، فلن أؤمن به عندما يرد في الإنجيل.» وحينما أكد لهم إغناطيوس أن الأمر مذكور فعلًا في الكتب المقدسة القديمة، أجابوا: «هذا يحتاج إلى إثبات.» فردّ إغناطيوس قائلاً: «أما أنا، فسجلاتي هي يسوع المسيح، وسجلاتي المقدسة هي صليبه وموته وقيامته، والإيمان الذي يأتي من خلاله.»

 

لا يمكن تقريباً التشكيك في أن المسيحيين الأوائل اعتبروا سلطان الرسل هو الأعلى، حتى أعلى من العهد القديم. ولا يوجد سبب يدعونا للاعتقاد أن هذا السلطان كان يقتصر فقط على تعليمهم الشفهي؛ بل من المؤكَّد تقريبًا أنه امتد أيضًا إلى كتاباتهم، منذ بدايتها.

 

وعليه، يجب أن نعيد صياغة أسئلتنا بشأن تاريخ قانون العهد الجديد بطريقة مختلفة. ما ينبغي علينا تتبعه ليس مجرد وجود قوائم مبكرة للأسفار المقبولة، بل ما إذا كانت هذه الأسفار – التي أُدرِجت لاحقًا في القوائم – قد اعتُبرت في الأصل وقبل ذلك رسولية وذات سلطان. أي: هل تم قبولها كأسفار قانونية عمليًا، حتى إن لم تكن قد أُدرجت رسميًا بعد؟

هذا سؤال أصعب بطبيعته من مجرد تتبُّع القوائم، لكنه يقودنا إلى ملاحظات جديرة بالاهتمام.

  • السلطان الذي يتجلى في الاستخدام المبكر لكتابات العهد الجديد

لقد رأينا سابقًا بعض الأدلة المبكرة التي تشير إلى أن العهد الجديد كان يُعتبر ذا سلطان كتابي (انظر النقطة 1 أعلاه). ويمكننا هنا أن نضيف المزيد من الأدلة المتعلّقة بكيفية استخدام العهد الجديد في الكنيسة الأولى.

 

يُقرّ كامبنهاوزن بأن حقيقة تكرار أو استخدام أو الإشارة إلى كتابات العهد الجديد لا تعني “تقنينها”¹². وهذا صحيح إذا ما أخذنا مفهوم “التقنين” بحسب فهم كامبنهاوزن له. ولكن إن كان يقصد أن التكرارات أو  الإشارات أو الاقتباسات لا تعني شيئًا بخصوص سلطان الكتب المشار إليها، فتصريحه هذا يحتاج إلى تبرير، في ضوء بعض الاعتراضات الواضحة. لا يمكن أن يُعتبر هذا الادعاء سليمًا إلا إذا أمكن إثبات أن كتّاب المسيحية الأولى رددوا أو اقتبسوا أو أشاروا إلى نصوص نعلم يقينًا أنها لم تكن تُعتبر ذات سلطان بنفس الطريقة. أما الواقع، فإن استخدام كتابات العهد الجديد هذا يعكس تمامًا الطريقة التي بها يُستَشهَد بالعهد القديم داخل أسفار العهد الجديد نفسها، وفي كتابات الكنيسة الأولى عمومًا.

 

إن مثل هذه التلميحات والإشارات الضمنية تظهر بوتيرة أكبر بكثير من الاقتباسات الرسمية الصريحة. أفليس من المشروع أن ننظر إلى هذا الأسلوب في الإشارة إلى كتابات العهد الجديد بالطريقة التي نظر بها وستكوت Westcott، عندما قال عن آباء الكنيسة الرسوليين:

 

«إن كلمات الكتاب المقدس (ويقصد بها العهد الجديد) منسوجة في نسيج كتبهم، لا مجزأة كاقتباسات رسمية. فهي ليست منظّمة بغرض الجدل [أو الاستدلال]، بل تُستخدم كتعبير طبيعي عن الحقائق المسيحية. وهذا الاستخدام للأسفار المقدسة يُظهِر – على الأقل – أنها كانت معروفة على نطاق واسع في ذلك الوقت، وبالتالي محروسة بشهادة جمع غفير [من المؤمنين]؛ بحيث أن لغتهم قد انتقلت إلى لغة المؤمنين اليومية؛ وأنها كانت مألوفة لدى أولئك المسيحيين الأوائل بقدر ما هي مألوفة لنا اليوم، بحيث كانوا يستخدمونها بلا وعي في كتاباتهم وحديثهم»¹³.

 

حتى في محاولة التحقق من الأسفار التي كانت معروفة ومستخدمة من قِبل كتّاب الكنيسة بعد العصر الرسولي، لم يُجرَ بعدُ تحليل دقيق بالقدر الكافي للكشف عن هذه الاستشهادات والتلميحات والإشارات غير المباشرة التي قد تشير إلى تلك الأسفار. إذ انصبّ التركيز أثناء البحث غالبًا على الاقتباسات الصريحة والواضحة فحسب.

 

لدينا مجال هنا لمزيد من الفحص الأدبي العميق، ليس فقط لاكتشاف التشابه في اللغة والمفردات والتراكيب النحوية، بل أيضًا لدراسة التشابه في الفكر اللاهوتي والمضمون العقائدي. إن السلطان الظاهري الذي تحظى به كتابات العهد الجديد لدى الكتّاب المسيحيين الأوائل، يتأكد بصورة لافتة من خلال استخدامها أيضًا من قِبل الهراطقة في القرن الثاني الميلادي.

 

لقد أشرنا أعلاه إلى أن الغنوصي باسيليدس (في النصف الأول من القرن الثاني) اقتبس من رسائل بولس على أنها «الكتاب المقدس». أما ماركيون، فعندما وضع «قانونًا» خاصًا به في ذات الفترة تقريبًا، لم يكن غرضه منح بعض الأسفار سلطانًا أعلى، بل على العكس: كان هدفه استبعاد سلطان باقي الأسفار الرسولية.

 

أما الغنوصي فالنتينوس (منتصف القرن الثاني)، فيقول عنه ترتليان14 Tertullian إنه لم يخترع “كتابات مقدسة” جديدة، بل حرّف معنى الكتابات المقبولة من خلال شروحه الخاصة. وقد دافع فان أونيك15 W.C. van Unnik بأن «إنجيل الحق» المنسوب إلى المدرسة الفالنتينية والموجود في مخطوطة نجع حمادي (Jung Codex) يؤكد هذا الرأي الذي أورده ترتليان. وفي موضع آخر، يقول ترتليان: «(الهراطقة) يتعاملون فعليًا مع الكتب المقدسة ويدعمون (آراءهم) منها. وبالطبع يفعلون ذلك؛ فمن أين يمكنهم أن يأتوا بحجج حول أمور الإيمان سوى من سجلات الإيمان؟»¹⁶

 

ويقول إيريناوس Irenaeus عن الأناجيل الأربعة ما يلي: «إن أساس هذه الأناجيل متين جدًا لدرجة أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لها، وكل واحد منهم يحاول أن يُقيم عقيدته الخاصة انطلاقًا من هذه (الوثائق)»¹⁷.

 

  • الأسفار المختلف عليها: كانت أيضًا ذات سلطان منذ وقت مبكر

إن التركيز على مسألة السلطان والاستخدام العملي لكتابات العهد الجديد، بدلًا من حصر النظر في مسألة القوائم الرسمية للأسفار المعترف بها، قد يساعدنا أيضًا على إعادة النظر في مشكلة معينة تخص تاريخ تشكّل قانون العهد الجديد.

 

نعلم أن النقاشات التي دارت في القرنين الثالث والرابع بشأن حدود قانون العهد الجديد، انصبت على وضع سبعة أسفار تُعرف بـ الأسفار المختلف عليها (Antilegomena)، وهي: الرسالة إلى العبرانيين، يعقوب، ٢ بطرس، ٢ و٣ يوحنا، يهوذا، وسفر الرؤيا. وهذه الأسفار لم تكن مقبولة على نطاق كلي من الكنيسة.

غالبًا ما يُقال إن مكانة هذه الأسفار كانت محل شك حتى قررت الكنيسة في القرن الرابع إدراجها رسميًا ضمن أسفار العهد الجديد. غير أن الأدلة لا تدعم هذا الادعاء بالضرورة.

بل يبدو أن التلميحات والإشارات إلى هذه الأسفار موجودة حتى منتصف القرن الثاني، وأن التشكيك في سلطانها لم يظهر إلا مع نهاية القرن الثاني، وذلك عندما فرض سيل الكتابات الهرطوقية على الكنيسة أن تبدأ في تقييم الأسفار التي لها سلطان مقابل تلك التي لا سلطان لها.

تشير كل الأدلة إلى أن هذه الأسفار كانت مقبولة قبل نهاية القرن الثاني في المناطق التي كانت معروفة فيها (ومن المهم التأكيد على هذه النقطة، لأنها تفسّر الشكوك التي أثيرت لاحقًا بشأنها [في مناطق أخرى لم تصلها هذه الأسفار بالسرعة ذاتها]).

 

لا يسعنا هنا سوى الإشارة الموجزة إلى الحقائق التالية:

(أ) الرسالة إلى العبرانيين مقتبسة بشكل موسّع في رسالة أكليمندس الأولى Clement (بين عامي 90–110م)، كما استخدمها عدد من الكُتّاب الآخرين. ولم يظهر لنا أن كنيسة شمال إفريقيا لم تكن تتضمنها في قائمتها لأسفار العهد الجديد إلا في بداية القرن الثالث، بحسب ما نعلم من ترتليان.

(ب) رسالة يعقوب موثقة في رسالة كليمنت الأولى ورسالة هرنياس Hernias (منتصف القرن الثاني) وغيرهما.

(ج) أعتقد شخصيًا أن رسالة يهوذا 18 تقتبس من 2 بطرس 3:3، وهناك آثار من 2 بطرس يمكن تتبّعها في بعض آباء الكنيسة الرسوليين مثل (1 أكليمندس 9:3؛ 11:1؛ 23:3؛ رؤى هرماس IV 3:4؛ أمثال هرماس VIII 11:1). ومن المعروف عمومًا أن رسالة 2 بطرس هي الأقل توثيقًا بين الأسفار المُختلَف عليها Antilegomena.

(د) الرسالتان الثانية والثالثة من يوحنا تمثلان تحديًا خاصًا من نوعهما. فعلى الرغم من وجود بعض الآثار لهما في كتابات مسيحية مبكرة، يبدو من سجلات مجمع قرطاج السابع (سنة 256 م)، ومن موضعين في كتابات إيريناوس (ضد الهرطقات Adv. Haer I 16:3؛ III 16:8)¹⁸، أن رسالتي يوحنا الأولى والثانية على الأقل كانتا تُعرفان كرسالة واحدة، إذ نُقلت اقتباسات من 2 يوحنا تحت عنوان: “من رسالة يوحنا”. وطالما لا نعرف على وجه الدقة الشكل الذي كانت تُعرف به هذه الرسائل الثلاث في ذلك الوقت، ونظرًا لِغموض الأدلة، لا يمكننا إلا أن نقول إنه لم تظهر أية شكوك حول صحة هذه الرسائل حتى نهاية القرن الثاني.

(هـ) نجد آثارًا لرسالة يهوذا في كتابات آباء الكنيسة الرسوليين، والطريقة التي يقتبس بها ترتليان من الرسالة (في كتابه حول زينة النساء De Cult. Fem.، القسم الثالث) توحي بأنها كانت مقبولة ومعترف بها منذ وقت طويل في كنيسة شمال إفريقيا.

 

سفر الرؤيا يبدو أنه كان مقبولًا على نطاق واسع حتى أواسط القرن الثالث. أما حقيقة أن صحة وسلطان هذه الأسفار قد أُثيرت حولها الشكوك عندما بدأت النقاشات حول مدى قانونية أسفار العهد الجديد في نهاية القرن الثاني، فتُفسَّر غالبًا بكون هذه الأسفار كانت معروفة في بعض المناطق دون غيرها، وكانت شبه مجهولة في مناطق أخرى.

 

السبب الآخر المحتمل لهذه الشكوك يعود إلى محاولة بعضهم في ذلك الزمان تضييق مفهوم “رسولي” ليعني فقط “من تأليف رسول مباشرة”. وبما أن كُتّاب هذه الأسفار –باستثناء 2 بطرس– لم يكونوا معروفين على وجه الدقة أو كان هناك غموض بشأن هويتهم، فقد كان من الطبيعي أن تُثار تساؤلات بشأنها. أما أسفار مثل مرقس ولوقا وأعمال الرسل، فقد كانت مكانتها قد ترسخت بما يكفي لئلا تثير أية إشكالات من هذا النوع.

 

الخلاصة

من الواضح أن كل ما سبق يشكّل رسمًا مبدئيًا فقط لكيفية تناول موضوع تاريخ قانون أسفار العهد الجديد. فبعض النقاط التي ذكرناها تُظهر ضعف بعض العروض المعيارية التقليدية حول هذا الموضوع.

 

ومن الواضح أيضًا أن أي نقاش حول سلطان كتابات العهد الجديد في الكنيسة ما بعد الرسولية يجب أن يأخذ في الاعتبار السؤال الأوسع عن مفهوم السلطان داخل الكنيسة في تلك الفترة. كما لا ينبغي أن يقلل بحثنا عن قوائم قانونية رسمية من أهمية دراسة ظهور ‘قانون’ العهد الجديد تدريجيًا؛ بل إن هدفنا هو توسيع نطاق التحقيق ووضعه في إطاره الصحيح.

 

توحي رؤيتنا العامة – بنظرة شاملة – حول سلطان كتابات العهد الجديد في الكنيسة الأولى إلى أنه ليس من غير الممكن، ولا من المستبعد منطقيًّا، أن جميع الكتابات الرسولية التي تشكّل اليوم العهد الجديد قد قُبِلت منذ البداية ككتب رسولية وبالتالي ذات سلطة من قبل الكنيسة ما بعد الرسولية، وأن الصحة أو الأصالة لبعض هذه الكتب لم يُشكَّك فيها إلا في وقت لاحق، لأسباب تاريخية واضحة لا تُنقص من قبولها كرسولية من قِبَل الكنيسة ما بعد الرسولية.

 

لكن، هذه ما هي إلا فرضية أولية بحاجة إلى تحليل أعمق وشامل لكل الأدلة المتاحة، للتحقق مما إذا كانت الأدلة فعلاً تدعم هذا الطرح. في حين لا يبدو أن تحليلاً من هذا النوع متوفر حتى الآن.

 

المراجع:

  1. H. V. Campenhausen، The Formation of the Christian Bible (توبنغن 1968؛ الترجمة الإنكليزية لندن 1972)، ص 103.

كان كامبنهاوزن (Campenhausen) أكثر دقة من ر. م. غرانت (R. M. Grant) في The Formation of the New Testament (لندن 1965). (للاطّلاع على بيان موجز عن موقف غرانت، انظر مقاله “The New Testament Canon” في Cambridge History of the Bible، الجزء الأول، ص 284 وما يليها).

يشير كلا من د. إ. غروه (D. E. Groh) في Interpretation 28 (1974، ص 331–343) وأ. س. سوندبرغ (A. C. Sundberg) في Interpretation 29 (1975، ص 352–371) إلى أن كامبنهاوزن لم يكن صارمًا بما فيه الكفاية وأنه يُحدّد تكوّن القانون في وقت مبكر جدًا. انظر أيضًا د. ل. دنغان (D. L. Dungan) في “The New Testament Canon in recent study”، Interpretation 29 (1975، ص 339–351).

أما الباحثون المحافظون، فيبدو أنهم نادرًا ما يتناولون الموضوع. ومن الاستثناءات إ. لايرد هاريس (E. Laird Harris) في Inspiration and Canonicity of the Bible (غراند رابيدز 1969)، إلا أن الكتاب يترك الكثير مما يُرغب بتناوله.

يمكن العثور على معالجة مختصرة للموضوع في مقدمات الشروحات العامة للعهد الجديد. يقدم د. غذري (D. Guthrie) بيانًا مختصرًا مفيدًا في New International Dictionary of the Christian Church، لكنه للأسف لم يتناول الموضوع بشكل شامل في New Testament Introduction.

 

  1. انظر Nicene and Post-Nicene Fathers، السلسلة الثانية، مجلد IV، ص 551 وما بعدها.
  2. E. Hennecke، New Testament Apocrypha (توبنغن 1959؛ ترجمة إنكليزية لندن 1963)، ص 29.
  3. A. C. Sundberg، “Canon Muratori: a 4th Century List”، Harvard Theological Review 66 (1973)، ص 1–41، يشكّك في تأريخ هذا القانون [أنه يعود إلى القرن الرابع].
  4. W. C. van Unnik، “De la règle mēte prostheinai mēte aphelein dans l’histoire du canon”، Vigiliae Christianae 3 (1949)، ص 10 وما بعدها، لا ينفي أن الصيغة الواردة في الديداخي وبرنابا تشير إلى الوصايا المكتوبة، بل يلاحظ فقط الفرق بينها وبين استخدامها في الكتابات الأحدث.
  5. Tradition in the Early Church (لندن 1962)، ص 205 وما بعدها.
  6. كامبنهاوزن، المذكور أعلاه، ص 130 وما بعدها. قارن أيضًا ر. م. غرانت (R. M. Grant) في Cambridge History of the Bible، ص 291.
  7. Essays on the work entitled Supernatural Religion (لندن 1893)، ص 156 وما بعدها.
  8. عمل مفيد جدًا عن العلاقة بين التقليد والكتاب المقدس في الكنيسة الأولى هو كتاب بهذا العنوان لـ إ. فليسمان-فان لير (E. Flesseman-Van Leer) (آسن 1953).
  9. كامبنهاوزن، المرجع السابق، ص 103.
  10. نفس المرجع.
  11. نفس المرجع.
  12. B. F. Westcott، A general survey of the history of the canon of the New Testament (لندن 1896)، ص 49.
  13. De Praescr. Haer.، الفصل 38 (في Ante‑Nicene Fathers).
  14. W. C. van Unnik، “The ‘Gospel of Truth’ and the New Testament” في F. L. Cross (محرِّر)، The Jung Codex (لندن 1955)، ص 79 وما بعدها.
  15. De Praescr. Haer.، الفصل 14 (في Ante‑Nicene Fathers).
  16. Adv. Haer. II 11:7 (في Ante‑Nicene Fathers). كما يخصص Westcott في نفس الكتاب جلستي بحث لنظرته حول شهادة الهراطقة على الأسفار القانونية (ص 278–279، 404 وما بعدها). انظر أيضًا بليز باسكال (Blaise Pascal) في Pensées (نسخة Livre de Poche، ص 260): «Les hérétiques au commencement de l’Église servent à prouver les canoniques.»
  17. انظر Westcott، المرجع الثالث عشر، ص 372، 380، 390.

 

كاتب المقال: ثيو دونر Theo Donner

رابط المقال:

https://www.thegospelcoalition.org/themelios/article/some-thoughts-on-the-history-of-the-new-testament-canon/

ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: aghroghorios

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

أعلن الدكتور Moody Smith في رئاسته لجمعية الأدب الكتابي في سنة 2000، معلقًا على الفترة التاريخية بين وجود كتابات العهد الجديد ودمجها في قانونية العهد الجديد.¹ وقد أدرك مودي المبدأ الرئيسي الرابع للدراسات الكنسية الحديثة، ألا وهو أن كُتّاب العهد الجديد كتبوا دون وعي بسلطتهم الخاصة ودون نية أن تكون كتبهم مقدسة.² ويقال إن كتاباتهم كُتبت لتكون حلًا ومعالجة لمشاكل الكنيسة الفورية.

وإنه لم تكتسب هذه الكتابات مكانة موثوقة إلا عندما بدأت الكنيسة اللاحقة تُظهر تقديرًا لهذه الكتابات.³ ويؤكد Mark Allan Powell في كتابه هذا الرأي بشكل واضح فيقول: “لم يكن مؤلفو العهد الجديد لديهم علم أنهم يكتبون وحيًا”.⁴ ويتخذ Schneemelcher نفس المنهج فيقول: “لم تُكتب الأناجيل ككتب قانونية بمعنى أن كُتّابها لم يكونوا يكتبون كتابًا مقدسًا له سلطة الوحي”.⁵

وبالطبع، لا بد أن نعترف أن هذا الفهم ممكن أن يكون صحيحًا في عدد من النقاط المهمة.

أنْ لا أحد من كُتّاب العهد الجديد كان لديه معرفة بالمستقبل بأنهم سوف يكتبون وحيًا، فهذا ليس شيئًا يمكن توقعه.⁶ ومن الصحيح أنهم تناولوا مشاكل عرضية في الكنيسة في القرن الأول.⁷

ومع ذلك، هل يعني هذا أن كُتّاب العهد الجديد لم يكن لديهم إدراك أنهم يكتبون بوحي؟ وكتبوا بدون قصد كتاباتهم لتُسيِّر حياة الكنيسة؟

على الرغم من أن هذه الادعاءات حول كُتّاب العهد الجديد قد تكون واسعة الانتشار ومتكررة، إلا أن بعض العلماء بدأوا يرفضونها. ولم يقتصر الأمر على سميث،⁸ بل قام جون بارتون،⁹ و إن. تي. رايت.¹⁰

فلهذا، كَتبتُ هذا الفصل لتحدي فكرة أن كُتّاب العهد الجديد كتبوا دون إدراك أنهم يكتبون وحيًا. فطرحُنا البسيط سيُظهر أن كُتّاب العهد الجديد أدركوا أن كتاباتهم ستنقل تقليدًا رسوليًا أصيلًا ذا سلطة. وبالتالي، كانوا يؤمنون أن لهذه الكتابات سلطة عليا داخل حياة الكنيسة.¹¹ كما قال إن. تي. رايت: “كانوا الكُتّاب مدركين أنهم يكتبون رسالة فريدة عن يسوع بقيادة الروح القدس، وستُشكّل الكنيسة فيما بعد، بناءً على كرازتهم، فهناك جيل سيتلقى من الجيل الأول”.¹²

فاستخدام مصطلح “Scripture” لوصف كيفية فهم كُتّاب العهد الجديد سيثير جدلًا واختلافًا – وهذا المصطلح مقبول لدى البعض، والبعض الآخر لا يرتاح كثيرًا له. فعلى سبيل المثال، لا يقر Robert Spivey و Smith بأن بولس كان يكتب كتابًا مقدسًا، ولكنه كان يكتب بوعي سلطته الرسولية.¹³ لكنهم لم يفسروا الاختلاف الجوهري بين السلطة الرسولية والوحي. فالسلطة الرسولية يمكن أن تُقاد بإلهام من الروح القدس بكتابة أو تكلم بكلمات الله ذاتها، فما هو الاختلاف إذًا؟

إذًا، هل كتابتهم تختلف عن الكتب المقدسة؟ يجيب Barton ويقول إن المرحلة الأولى لم تتسم بأنهم يكتبون كتابًا مقدسًا بالقدر الذي قد نتوقعه، ولا يرجع هذا إلى افتقارهم إلى الوحي، بل يرجع إلى أنهم في وقتهم كانوا ينظرون إلى الكتب المقدسة على أنها شيء قديم وأصيل، وكانت هذه الكتابات جديدة.

ولا يبدو أن هناك أهمية في إطلاق اسم “كتاب مقدس” عليها أم لا، فكانت هذه الكتب لها مكانتها كأحد أهم الكتب في العالم، ومكانتها مضمونة. فكانت كتبهم بمثابة كتب مقدسة، ولها سلطة ومكانة الكتب المقدسة عند اليهود لدى المسيحيين.

القضية الرئيسية هنا ليست إطلاق كُتّاب العهد الجديد على كتبهم أنها “كتاب مقدس”، مثلما ورد في كتاباتهم في بطرس الثانية 3: 16 وتيموثاوس الأولى 5: 18، لكن هل كتب هؤلاء الكُتّاب بوعيٍ كتبًا فهموا أنها تحتوي على وحي رسولي جديد عن يسوع المسيح، وبالتالي ستكون لها سلطة الوحي العليا في الكنيسة؟¹⁶

سننتقل إلى تحليل لنصوص كتابية من أجزاء متفرقة في العهد الجديد، بما في ذلك رسائل بولس والأناجيل وبعض كتابات العهد الجديد الأخرى. فلا يوجد مجال لنأخذ كل ما ورد في العهد الجديد (27 سفرًا)، ولكن نأخذ عينات فقط من النصوص التي تكون كافية لإثبات النقطة المطلوبة.

 

أولًا: رسائل بولس الرسول

رسالة غلاطية

بما أن معظم العهد الجديد هو رسائل بولس، فالأفضل أن نبدأ نقاشنا هذا بكتاباته.

غلاطية 1: 1: «بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ».

توجد تصريحات لبولس عن رسوليته، ولكن لا يوجد أوضح من نص رسالة غلاطية عن سلطانه الرسولي. وقد لاحظ F. F. Bruce أن بولس يتكلم هنا ويؤكد أن مصدر رسالته مصدر إلهي لرسالة رسولية.¹⁷ لا شك أن قول بولس هذه الصيغة التي في الآية هو رد على بعض من شككوا في سلطانه الرسولي في غلاطية.¹⁸ وكان بولس يرغب في تصحيح فهمهم في بداية رسالته.

لذلك، في غلاطية 1: 1، يبذل بولس قصارى جهده ليؤكد أن رسالته رسولية ليس فيها نوع من البشرية؛ لأنها لم تأتِ من الناس ولا بواسطة إنسان: οὐκ ἀπ᾽ ἀνθρώπων οὐδὲ δι᾽ ἀνθρώπου. وقوله هذا يشير إلى أن من دعا بولس ليسوا الرسل الآخرين، فلم تأتِ هذه الدعوة من خلال وسيط بشري (قارن ما قاله في غلاطية 1: 17–20):

«17 وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْقَ. 18 ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. 19 وَلكِنَّنِي لَمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِلاَّ يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ. 20 وَالَّذِي أَكْتُبُ بِهِ لَكُمْ، فَهُوَذَا قُدَّامَ اللهِ أَنِّي لَسْتُ أَكْذِبُ فِيهِ».

بل على العكس، أتت من خلال يسوع المسيح والله الآب، وفي إشارة إلى ما حدث مع بولس في طريقه إلى دمشق، حسب أيضًا نص أعمال الرسل 9: 1–9. فبولس يؤكد على سلطته الفريدة، ويتحدث دائمًا أنه رسول ليسوع المسيح، وسنتناول المواقف التي تُعرض أمامه من خلال هذا السلطان. وفي غلاطية 6: 1 يقول: «إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ».

فيشير بولس أن بعض الغلاطيين قد بدأوا يهجرون إنجيل النعمة ويتجهون نحو إنجيل آخر. ويطمئنهم بولس أن الإنجيل الذي بشّر به ليس إنجيل إنسان، بل كتبه بوحي من خلال يسوع المسيح. نجد هذا في غلاطية 1: 11: «فَأُعْلِمُكُمْ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَّ الْبِشَارَةَ الَّتِي بَشَّرْتُكُمْ بِهَا لَيْسَتْ صَادِرَةً عَنِ الْبَشَرِ. 12 فَأَنَا مَا تَلَقَّيْتُهَا وَلاَ أَخَذْتُهَا عَنْ إِنْسَانٍ، بَلْ عَنْ وَحْيٍ مِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ».

يؤكد بولس هنا أنه تلقى وحيًا من يسوع المسيح، ولذلك لا ينبغي عليكم يا أهل غلاطية التخلي عنه. وبولس في غلاطية 1: 8: «فَلَوْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ بَشَّرَكُمْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِبِشَارَةٍ غَيْرِ الَّتِي بَشَّرْنَاكُمْ بِهَا، فَلْيَكُنْ مَلْعُونًا!»، يُنذرهم أن هناك دينونة لكل من ينكر البشارة أو الإنجيل الذي يُبشَّر به أنه إنجيل فيه حق.

كل هذا يعطينا انطباعًا أن بولس كان يرى أن رسالة غلاطية كتبها بسلطان المسيح نفسه، وأنها كُتبت لتصحيح أفكار خاطئة عن رسالة الإنجيل. كما لاحظ أيضًا Ronald Fung أن بولس كان يرغب أن يقول لهم إن رسالة الإنجيل وصلت إليهم من خلاله نتيجة كشف الله له عن المسيح، وكان الإنجيل ما زال يُبشَّر به في وقت كتابته الرسالة. فلذلك، كان بولس يدعو إلى العودة إليه.²¹

أما مسألة إطلاق اسم على كتابات بولس أنها “كتاب مقدس” فهي فكرة ثانوية؛ لأنها من الأساس هذه الرسائل تحمل سلطة عليا، وأعلى سلطة يمكن أن تكون على نص مكتوب من جهة وحيها.

 

رسالة تسالونيكي الأولى

في تسالونيكي الأولى 2: 13: «وَنَحْنُ أَيْضًا نَشْكُرُ اللهَ بِلاَ انْقِطَاعٍ، لأَنَّهُ لَمَّا تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ اللهِ الَّتِي سَمِعْتُمُوهَا، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ حَقًّا كَكَلِمَةِ اللهِ الَّتِي تَعْمَلُ فِيكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ». يصرح بولس مرة أخرى بسلطانه الرسولي أنه رسول يسوع المسيح، ويستخدم تعبير “كلمة الله”.

ولا شك أن بولس أيضًا أشار إلى تقليد رسولي تلقاه أهل تسالونيكي من خلال تبشيرهم الشفهي، من خلال التعليم والوعظ.²⁴ واستخدم بولس مصطلح “تسلمتم” إشارة إلى قبول تقليد رسولي، وهذا مستخدم كثيرًا في كورنثوس الأولى 11: 23 و15: 1–3، وغلاطية 1: 9، وكولوسي 2: 6–8، وكورنثوس الثانية 3: 6. واستخدم بولس تعبير “كلمة الله” في مواضع متعددة إشارة إلى تعليم إلهي موحى به، على سبيل المثال: كورنثوس الأولى 14: 36، وكولوسي 1: 25، وتيموثاوس الثانية 2: 9. وهكذا في نص تسالونيكي الأولى 2: 13.

يقول Ernest Best إن بولس يقدم ادعاءً جريئًا أن كلماته هي كلمات الله.²⁶ كانت كلمات بولس الرسولية تشمل وحيًا وسلطة إلهية، وهي متكررة في تسالونيكي الأولى، ليس في هذا النص فقط، بل شملت نصوصًا أخرى تؤكد سلطة الرسالة ووحيها. في تسالونيكي الأولى 4: 2–8، يُصرح بولس صراحة أنه يكرر تعليمًا رسوليًا عن القداسة سبق أن سُلِّم إليه، وتعليم رجاء بواسطة يسوع المسيح، وبإرادة الله. وهكذا، تقدم رسالة تسالونيكي الأولى لكل إنسان أنها رسالة تحتوي على تعليم الله، لدرجة أنه بعدما أنهى بولس إرشاده عن القداسة، حذر أهل تسالونيكي من أن يتجاهلوا هذه التعليمات.

وفي نص تسالونيكي الأولى 4: 8: «إِذًا مَنْ يُرْذِلُ لاَ يُرْذِلُ إِنْسَانًا، بَلِ اللهَ الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا رُوحَهُ الْقُدُّوسَ». يقول Gordon Fee إن رفض تعليم بولس هو بمثابة رفض الله نفسه.²⁹ يقر بولس في موضع آخر بأسلوبه الرسولي في التعليم، ويقول في تسالونيكي الثانية 2: 15: «فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا».

وفي الواقع، يشير بولس في آيات أخرى إلى أن جسده ضعيف وأن الرسائل أقوى من هذا الجسد، في كورنثوس الثانية 10: 10: «لأَنَّهُ يَقُولُ: الرَّسَائِلُ ثَقِيلَةٌ وَقَوِيَّةٌ، وَأَمَّا حُضُورُ الْجَسَدِ فَضَعِيفٌ، وَالْكَلاَمُ حَقِيرٌ». ويختتم بولس رسالته إلى أهل تسالونيكي بطلب قراءة هذه الرسائل علنًا في الكنيسة، في تسالونيكي الأولى 5: 27 (قارن هذا الأسلوب بكورنثوس الثانية 10: 9، وكولوسي 4: 16، ورؤيا 1: 3).

وقد أدرك العلماء أن هذه الممارسات هي بالتوازي مع الممارسات اليهودية في قراءة أجزاء من العهد القديم بصوت عالٍ في العبادات العامة في المجمع (راجع لوقا 4: 17–20، وأعمال الرسل 13: 15 و15: 21).³² ومع ذلك، إصرار بولس على قراءة رسالة تسالونيكي الأولى علنًا يقترن بادعائه السلطة الرسولية والوحي في الرسالة نفسها، وهذا يوفر سببًا وجيهًا بأن الشعب ينظرون إلى هذه الرسالة أنها تحمل سلطان الله أو وحيه.³⁴

 

كورنثوس الأولى 14: 37–38

«إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ رُوحِيًّا، فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرَّبِّ. وَلكِنْ إِنْ يَجْهَلْ أَحَدٌ، فَلْيَجْهَلْ!».

يصرح بولس هنا بسلطانه الرسولي أنه يكتب وصايا الرب نفسه، ويختم قوله بمعنى: من عرف أنني أكتب أو لم يعرف. فبولس يعلن بدقة وبوضوح أنه يكتب أمر الله، فهذه العبارة في اليونانية تشير إلى أنه يكتب أمرًا صادرًا عن الله نفسه، كما أعطى الله أمره لموسى.³⁵ واستخدم بولس نفس الأسلوب في كورنثوس الأولى 7: 19.³⁶ إنه يكتب وصايا الله، أي أنه يكتب وصايا ذات سلطة صادرة عن الله نفسه.

وهناك تنوع بين تركيبات بولس اللغوية، مثل رسالة تيطس 1: 14: «لاَ يُصْغُونَ إِلَى خُرَافَاتٍ يَهُودِيَّةٍ، وَوَصَايَا أُنَاسٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الْحَقِّ». هنا يفرق بولس بين وصايا الناس وبين وصايا الله، وفي رسالة كورنثوس الأولى 14: 37–38، يساوي بولس بين ما يكتبه وبين كلام الله نفسه.³⁷ ومما يؤدي إلى وثوق بولس بسلطته على التكلم باسم الرب لدرجة أنه يُعلن أن كل من لا يقر بسلطان كتاباته يصفهم بأنهم سيكون عليهم دينونة.³⁹

يجادل Raymond Collins بأن بولس يحذر من مصيبة أخروية لكل من يرفض رسالته.⁴⁰ وهذه الصيغة تعكس دور بولس كرسول للعهد الجديد في كورنثوس الثانية 3: 6: «لَقَدْ جَعَلَنَا خُدَّامًا لِعَهْدِهِ الْجَدِيدِ، وَهُوَ عَهْدٌ لاَ يَعْتَمِدُ عَلَى الشَّرَائِعِ الْمَكْتُوبَةِ، بَلْ عَلَى الرُّوحِ». وينذر بولس من يرفض الخضوع لسلطته الرسولية الممنوحة من الله.⁴¹

ويلخص Archibald Robertson و Alfred Plummer أن بولس من هذه الآيات مدرك أنه لا يتكلم من نفسه، ولكن يتكلم بلسان المسيح.⁴²

في تسالونيكي الثانية 3: 6: «ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا». و14: «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ». كما قلنا عن نص كورنثوس الأولى 14: 37–38، فإن بولس يقول إنه ينبغي طاعة تعاليمه، وأن هناك دينونة على من سيرفضونها. فيقول بولس أن يتم تجنب كل أخ يسلك بلا ترتيب خلافًا للتقليد الذي تسلموه منا، فإن التقليد الذي يشير إليه بولس هنا بلا شك تعليم رسولي موثوق تم إعطاؤه إلى أهل تسالونيكي، وهو أمر يؤكد استخدام مصطلحات أساسية.

ولهذا السبب، يعلن بولس حكمًا نبويًا عن الذين يرفضون تعليمه الرسولي.⁴⁵ ويقول لأهل تسالونيكي أن يبتعدوا عن الأخ الذي يسلك بلا ترتيب، وهذا إشارة إلى نوع من التأديب الكنسي، وربما الحرمان الكنسي. وكما وضحنا أنه في تسالونيكي الثانية 3: 6 يقول إن ما يقوله بولس هو وصايا المسيح نفسه. يلاحظ هنا Leon Morris أن ما يقوله بولس يجعل الأمر أكثر إلهامًا وسلطانًا إلهيًا. وفي تسالونيكي الثانية 3: 14: «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ»، يقدم تحذيرًا ألا يتم التعامل مع من لا يطيع الرسالة، بل أيضًا يُصدر عقابًا كنسيًا لمن يعصي، ويقول إنه لا ينبغي التعامل معه.⁴⁸

يقول Charles Wanamaker بقول صريح إن بولس يدعو إلى حرمانهم الكنسي.⁴⁹

تستطيع الآن أن ترى اتجاهًا سائدًا في العديد من مقاطع بولس بشكل منتظم، تأكيدًا على سلطته الرسولية على التحدث باسم المسيح، وتوضيح أن السلطة الرسولية ليست في كلامه الشفهي بل في رسائله المكتوبة، وأن كل من يرفض تعليمه الشفهي والمكتوب يرفض وصايا المسيح ويكون له دينونة وحرمان كنسي. فلذلك، من الصعب قبول فكرة أن بولس لم يكن على دراية بما يكتب بأنه يكتب وحيًا إلهيًا.

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

كتاب الأناجيل

الأناجيل تختلف عن أدب الرسائل، فلا نتوقع أنهم سيقدمون أنفسهم بتصريحات مباشرة وصريحة حول سلطتهم الرسولية كما فعل بولس في الرسائل،⁵¹ فهم يعملون خلف الكواليس ولا يظهرون أنفسهم إلا نادرًا في سياق القصة.⁵² ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار عدم الكشف الرسمي عن هوية الأناجيل دليلًا على أن مؤلفيها لم يروا أن ما يكتبونه هو وحي يحمل سلطان الله. جادل Armin Baum بأن الكتب التاريخية في العهد الجديد – ويقصد بها الأناجيل وسفر الأعمال – كُتبت عمدًا بدون ذكر للأسماء لتكون مثلها مثل العهد القديم، والتي لم تتضمن هوية الكاتب في داخلها.⁵³

وهذا ما يجعل الأناجيل وأعمال الرسل مميزة عن معظم السير الذاتية اليونانية-الرومانية التي عادةً تتضمن اسم الكاتب، وإن لم يكن دائمًا.⁵⁴ وقد أعطى هذا الأسلوب لكُتّاب الإنجيل إعطاء الأولوية لموضوع الأناجيل.⁵⁵ وهكذا، فإن إخفاء الهوية لم يقلل من سلطان ووحي الأناجيل، بل ساهم في الواقع في زيادة الوحي عمدًا، أنها كُتبت مثل تقليد العهد القديم.⁵⁶

بالإضافة إلى حجة باوم، هناك طرق أخرى يمكن من خلالها تقييم وعي مؤلفي الأناجيل بسلطانهم بالإلهام.

وعلى الرغم من عدم ذكر أسماء الأناجيل رسميًا، ولكن هناك أدلة أكثر دقة تقدم دلائل حول هوية الكُتّاب، والأهم من ذلك، حول نيتهم في نقل تقليد رسولي موثوق به حول شخصية يسوع الناصري.

في مرقس 1: 1، لاحظ Robert Guelich أن افتتاحية مرقس تثير الجدل حول معاني كل كلمة فيها، فيقول: “بداية إنجيل يسوع المسيح!”. هذا عنوان الكتاب، ومرتبط بما سيأتي فيما بعد من كتابة مرقس.

ويلاحظ Robert Stein تذكيرًا بأن العمل بأكمله يؤكد مرقس أنه البشارة عن يسوع المسيح.⁶¹ إن استخدام مرقس للكلمة اليونانية εὐαγγελίον (الإنجيل)،⁶² لم يكن قد استُخدم من خلال مرقس للإشارة إلى النصوص المكتوبة، بل إلى إشارة إلى موثوقية الكلام الرسولي الذي سيقدمه.⁶³ وهكذا، فمنذ البداية يوضح مرقس أنه ينبغي أن نفهم أن الرسالة رسولية، والمصطلح نفسه يستخدمه في مرقس 14: 9: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ، تَذْكَارًا لَهَا»، مما يخلص تضمينًا أدبيًا واضحًا يعزز فكرة أن العمل بأكمله يجب تفسيره أنه الهدف من ملخص كتابته للإنجيل.⁶⁴

وقد دفع هذا اثنين من الباحثين، John Roberts و Andreas du Toit، إلى أن مرقس ادعاء عظيم حول الوحي والسلطان. وبالمثل، يجادل مارتن هينجل بأن مرقس يقدم إنجيله أنه رسالة خلاصية ليسوع المسيح، وبالتالي هو يلبي متطلبات أن هذه كتابات مقدسة.

ولكن هناك أدلة أخرى تدعم هذا الفهم.

تتطابق الافتتاحية في مرقس مع نفس افتتاحيات بعض كتب العهد القديم النبوية، على سبيل المثال: هوشع 1: 2: «أَوَّلَ مَا كَلَّمَ الرَّبُّ هُوشَعَ، قَالَ الرَّبُّ لِهُوشَعَ: اذْهَبْ خُذْ لِنَفْسِكَ امْرَأَةَ زِنًى وَأَوْلاَدَ زِنًى، لأَنَّ الأَرْضَ قَدْ زَنَتْ زِنًى تَارِكَةً الرَّبَّ». نجد صيغة مشابهة لاستخدام مرقس لكلمة “بداية إنجيل”، وهنا في هوشع “أول ما كلم”.⁶⁷ ويعلق Gerd Theissen على استخدام مرقس لهذه الصيغة قائلًا: “كان قراء وسامعو إنجيل مرقس على دراية بكتب الأنبياء، والتي بدأت بكلمة الله التي وصلت للإنسان”.⁶⁸ فيشير إنجيل مرقس إلى أنه يقدم الإنجيل كرسالة من الله مثل العهد القديم.

مرقس يقدم إنجيله لتجسيد التقاليد الرسولية، فهو يتبع ما جاء في عظة بطرس في أعمال الرسل 10: 34–43.⁶⁹ فعظة بطرس يعتقد العديد من العلماء أنها تقليد سابق للوقا، وبالتالي من المرجح أن تكون واحدة من أقدم التعبيرات عن رسالة الإنجيل.⁷⁰ فيبدأ إنجيل مرقس وسفر أعمال الرسل 10: 34–43 بمصطلحات إنجيلية،⁷¹ ويتحدثان عن يسوع باعتباره المسيا،⁷² ويربطان المسيح بسياق إشعياء في العهد القديم،⁷³ ويضعان بداية الخدمة من الجليل،⁷⁴ ويناقشان دور يوحنا المعمدان،⁷⁵ وبالطبع يسلطان الضوء على خدمة المسيح من الفداء والموت والقيامة.⁷⁶ وتشير هذه المقارنات إلى أن إنجيل مرقس هو تجسيد لمواد سابقة رسولية تقليدية، وخاصة تقاليد من القديس بطرس.⁷⁷

يعلق Guelich: “إذا كان الإطار الأساسي والسياقي هو إنجيل يسوع المسيح، ويتوافق هذا السياق مع تقليد كامل وراء أعمال الرسل 10: 34–43، فإن الطابع التقليدي لمرقس هو المواد السابقة له في كتابته للإنجيل”.⁷⁸

إن حقيقة أن مرقس يقدم إنجيله كمحتوى رسالة رسولية ويؤكد رسوليتها من ناحية الأدلة الداخلية، أن مصادره هي شهادة الرسول بطرس نفسه. فإلى جانب حقيقة أن هناك صلة بين مرقس وبطرس، وهذه الصلة مذكورة ومعروفة في كتابات آباء الكنيسة الأوائل،⁷⁹ ونجد العلاقة بين مرقس وبطرس مشهودة في آيات العهد الجديد مثل بطرس الأولى 5: 13 وأعمال الرسل 12: 12–17.⁸⁰ فإن إنجيل مرقس يذكر ارتباط مرقس ببطرس من خلال تشكيل ضمني لما يقوله بطرس نفسه.

أول تلميذ مذكور في مرقس هو بطرس في مرقس 1: 16، وآخر تلميذ مذكور هو بطرس في 16: 7.⁸¹ علاوة على هذا، فإن ذكر بطرس كان واضحًا في إنجيل مرقس، مما يُظهر مرقس أنه يبذل قصارى جهده لتبيان وإبراز شخصية بطرس في مقدمة كلامه.⁸² هذا الذكر لبطرس، والطريقة التي يتمركز فيها بطرس في إنجيل مرقس وروايات التلاميذ،⁸⁴ يتضح أن بطرس هو المصدر الرئيسي لشهادة شهود العيان الذي يقف خلف إنجيل مرقس.⁸⁵ يلاحظ هينجل أن ذكر اسم سمعان بطرس كتلميذ هو أولًا وأخيرًا، ذكر أن كلام مرقس مبني على تقليد، وبالتالي سلطته.⁸⁶

 

ومن العوامل الجديرة بالملاحظة طريقة ربط مرقس قصة يسوع المسيح وقصة النبوات اليهودية، وهذا ما تفعله جميع الأناجيل الإزائية بدرجة أو بأخرى.⁸⁷ وبالنسبة لمرقس، فإن بداية الإنجيل ليست ميلاد يسوع أو حتى خدمته العلنية، بل يذكر فيها التوقعات والتطلعات المسيانية لليهود كما تتجلى في مقاطع مختلفة في العهد القديم.⁸⁸ على وجه الخصوص، يصور مرقس 1: 2 المسيح أنه محقق وعد أتى في ملاخي 3: 1 (قارن هذا بخروج 23: 20)، وتم تحويل الآية عن يهوه إلى يسوع بذكر “طريق أمامي” إلى لفظ مرقس “أمامك” عن يسوع.

ويستشهد مرقس 1: 3 بإشعياء 40: 3، حيث كان على الشعب أن يُعدّوا طريق الرب – مرة أخرى، إشارة إلى أن يسوع هو تحقيق واضح لمجيء يهوه شخصيًا. ويشير إلى صوت سماوي وإعطاء الروح القدس في مرقس 1: 10–11، وهو أن يسوع هو الخادم المجهز بالروح القدس المذكور في إشعياء 42: 1 (وقارن هذا بإشعياء 52: 7 وإشعياء 61: 1). وبما لا شك أن هذه الروابط التي استخدمها مرقس ليست بالضرورة تؤكد أنه يكتب بوحي إلهي، ولكنها تشكل جهدًا من مرقس لتقديم إنجيله على أنه استمرار للسرد الكتابي،⁹¹ وهذا ما أدركه بلا شك من قرأوه.

وكما لاحظ إن. تي. رايت بقوله: “لم يفكر اليهود تلك الفترة في التقاليد الكتابية أنها مجرد سرد فقط، بل كانوا قادرين على تصور القصة بالكامل والبحث بانتظام عن ختام هذه القصة المناسب”.⁹²

 

وعي إنجيل يوحنا

يوحنا 21: 24: على عكس الأناجيل الإزائية، فإن إنجيل يوحنا كان أكثر وضوحًا بشأن هوية مؤلفيه، في قول يوحنا: «هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهذَا وَكَتَبَ هذَا».⁹³ فهو يؤكد هوية هذا التلميذ الغامض.

فأثارت عبارة “التلميذ الحبيب” جدلًا أكاديميًا واسعًا، وثم اقتراحات مختلفة حول الهوية.⁹⁴ ومع ذلك، بغض النظر عن الاقتراحات، فمن الواضح أن هذا الشخص داخل الدائرة الرسولية الداخلية، وكان من أوائل التلاميذ الذين تم دعوتهم في يوحنا 1: 35–40، وحضر العشاء الأخير في يوحنا 13: 23، وحضر الصليب في يوحنا 19: 26–35، وكان مع بطرس ويسوع في يوحنا 21: 20.

في الواقع، إن التلميذ الحبيب هو من شهود العيان الذين لديهم شمول في شهادتهم، وبظهوره في بداية إنجيل يوحنا 1: 35–40 ونهايته يوحنا 21: 20، تمامًا كما ذكرنا أسلوب ذكر مرقس لبطرس كشخصية محورية.⁹⁶ ويلخص Bauckham إلى أن إنجيل يوحنا يقدم التلميذ الحبيب على أنه التلميذ الذي يعبر عن شهود العيان كأهم مصدر صلب تاريخي للإنجيل.⁹⁷ وهكذا، على أقل تقدير، يوضح يوحنا 21: 24 أن إنجيل يوحنا لديه شهادة شهود عيان من الرسل، أي من شخص مرتبط مباشرة بالدائرة المقربة من يسوع.⁹⁸ وهناك المزيد من هذا، فمكانة هذا التلميذ الحبيب.

إن يوحنا هو الشاهد الموثوق به (μαρτυρῶν)، وكان موجودًا من البداية. ونجد أن هذه الفكرة فيها تشابه كبير بين ما أعلنه يوحنا عن نفسه في يوحنا 15: 27: «وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابْتِدَاءِ»، بمعنى: ستشهدون أنتم لأنكم كنتم معي منذ البداية.⁹⁹ وتأتي قوة الشهادة هنا من الروح القدس الذي وعد يسوع أن يكون فيهم في يوحنا 15: 26.¹⁰⁰ ومن المفيد أن نرى الآيتين جنبًا إلى جنب: «سَتَشْهَدُونَ (μαρτυρεῖτε) لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ مَعِي مُنْذُ الْبَدْءِ» (يوحنا 15: 27)،

مع الآية التي تقول: «هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ (μαρτυρῶν) بِهذِهِ الأُمُورِ وَكَتَبَ هذِهِ الأُمُورَ» (يوحنا 21: 24). وهكذا، فإن يوحنا 21: 24 هو إعلان قوي على أن وعد يسوع في يوحنا 15: 26 و27 بإرسال شهود ذوي سلطة وإلهام من الروح القدس قد تحقق. فما سيكتبونه هو شهادة موثوقة لتلاميذ مملوءين بالروح القدس.¹⁰¹

وبناءً على كل هذا، تمكن Jean Zumstein من التصريح بأن إنجيل يوحنا يتمتع بمكانة مماثلة مثل العهد القديم.¹⁰² ويرى Ridderbos أن يوحنا 21: 24 دليل أن التلميذ الحبيب دوّن شهادته وجعلها في الكتاب المقدس.¹⁰³

وبالتأكيد، نجد هذا الاستنتاج عندما نضع يوحنا 21: 24 بجانب يوحنا 20: 30: «وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. 31 وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ».¹⁰⁴

وفي المقطع الأخير، يقر الكاتب أن ليس كل شيء كُتب في الإنجيل، ولكن ما كُتب هو يكفي لتعرفوا أن لنا حياة باسمه. وهذه العبارة دقيقة: γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ –

من المقاطع الرئيسية في العهد القديم، تشير بوضوح إلى الكتاب المقدس:

Deut 28:58: “careful to do all the words of this law that are written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

2 Chron 34:21: “do according to all that is written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

Jer 25:13: “I will bring upon that land . . . everything written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

تثنية 28: 58: «إِنْ لَمْ تَحْرِصْ لِتَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذَا النَّامُوسِ الْمَكْتُوبَةِ فِي هذَا السِّفْرِ، لِتَهَابَ هذَا الاسْمَ الْجَلِيلَ الْمَرْهُوبَ، الرَّبَّ إِلهَكَ».

 

أخبار الأيام الثاني 34: 21: «اذْهَبُوا اسْأَلُوا الرَّبَّ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ مَنْ بَقِيَ مِنْ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا عَنْ كَلاَمِ السِّفْرِ الَّذِي وُجِدَ، لأَنَّهُ عَظِيمٌ غَضَبُ الرَّبِّ الَّذِي انْسَكَبَ عَلَيْنَا مِنْ أَجْلِ أَنَّ آبَاءَنَا لَمْ يَحْفَظُوا كَلاَمَ الرَّبِّ لِيَعْمَلُوا حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي هذَا السِّفْرِ».

 

وفي إرميا 25: 13: «وَأَجْلِبُ عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ كُلَّ كَلاَمِي الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ عَلَيْهَا، كُلَّ مَا كُتِبَ فِي هذَا السِّفْرِ الَّذِي تَنَبَّأَ بِهِ إِرْمِيَا عَلَى كُلِّ الشُّعُوبِ».

وبالإضافة إلى قولهم ما جاء في سفر الرؤيا عن وعي الكاتب أنه يكتب كتابًا مقدسًا، مثلما يكتبون في رؤيا 22: 18: «لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ».¹⁰⁵ وفي الآية 22: 18، يقدم تحذيرًا أنه لا يجوز تغيير نبوة هذا الكتاب، أي المكتوب داخل هذا الكتاب.

وكاتب إنجيل يوحنا رأى يوحنا المعمدان كنبي له دور مثل دور أنبياء العهد القديم، وكان مهتمًا بكتابة الكلمات الخاصة به. وفي إنجيل يوحنا 20: 31 يقول إن من يؤمن به سيكون له حياة باسمه. ويعقل كينر ويقول إن يوحنا 20: 30–31 تشير إلى أن كاتب الإنجيل الرابع يرى أن عمله ينتمي إلى فئة الكتب المقدسة القديمة.

 

لوقا ووعيه أنه يكتب وحيًا

لوقا 1: 1–4: بطريقة مشابهة لإنجيل يوحنا، مقدمة إنجيل لوقا تخاطب الذين يزعمون أنهم ينقلون تقليدًا رسوليًا.¹⁰⁹

يقول الكاتب إنه تسلّم من أولئك الذين كانوا مُعايِنين كشهود عيان وخُدّامًا للكلمة. فهو يشير أولًا إلى شهود العيان، ثم خُدّام الكلمة، مما يجعل الكاتب لوقا مسيحيًا من الجيل الثالث.

ومع ذلك، فإن الحقيقة أن لوقا استخدم أداة تعريف مفردة، مما يجعل المصطلحين يشيران إلى أن شهود العيان هم أنفسهم المعاينون وخُدّام للكلمة. لذلك، يرى معظم الباحثين أنه يقصد شهود عيان وخُدّامًا للكلمة، وليس مجموعتين.¹¹³ ويدعم هذا الاعتقاد البحثي عند الباحثين وصف خدمة الرسل في آيات أخرى بلغة مشابهة للغاية.

1- على الرغم من أن لوقا استخدم كلمة “شهود العيان” في المقدمة، يقول Joel Green إن كلمات لوقا هي مراعاة للمخاوف التاريخية، فيُقيم شهادته على شهادة العيان. لذلك، لوقا يؤكد أن كلامه مبني على شهادة العيان.¹¹⁴

ويزخر إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل بإشارات كثيرة تشير إلى أن الرسل هم شهود عيان شهدوا أعمال يسوع العظيمة في أعمال الرسل 1: 8، و3: 15، و5: 32، و10: 39–41، و26: 16. والجدير بالذكر أن لوقا 24: 48 يختم الإنجيل ويصف الرسل أنهم شهود (μάρτυρες)، مما يشكل شمولًا أدبيًا رائعًا للإنجيل بأكمله، ويعزز الشمول أن بداية إنجيل لوقا مبنية على أنهم شهود ونهايته. وفي لوقا 1: 1–2، يذكر أن الرسل شهود على ما تحقق في خدمة يسوع.¹¹⁵ وفي لوقا 24: 48، يوحي بهذا الشمول، ولوقا كان يعتبر إنجيله شاهدًا رسوليًا على تحقق أسفار العهد القديم وإكمالها من خلال خدمة يسوع المسيح.

لوقا 24: «وَقَالَ لَهُمْ: هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَبُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ. 45 حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. 46 وَقَالَ لَهُمْ: هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، 47 وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ. 48 وَأَنْتُمْ شُهُودٌ لِذلِكَ».

فيمكن اعتبار كتابات لوقا أنها تكملة لسرد تاريخي للعهد القديم.

كما يلاحظ Marshall أن لوقا اعتبر عمله هو استمرار للتصور التاريخي المدون في العهد القديم.¹¹⁶ ويؤكد Craig Evans أن لوقا كان يقصد أن يُقرأ إنجيله بجوار القصص الكتابية، وكان يعتقد أنها أصبحت جزءًا من الكتاب المقدس.¹¹⁷

2- يصف أعمال الرسل 1: 22 السمتين الرئيسيتين للرسل: وجوب أن يكونوا حاضرين منذ البدء، وأن يكونوا شهودًا أساسيين للقيامة. وهذا يشكل تشابهًا لافتًا مع أولئك الذين كانوا شهود عيان منذ البدء في لوقا 1: 2، بالمقارنة مع أعمال الرسل 10: 37. ويظهر هذا المزيج أيضًا في يوحنا 15: 27 عندما يقول يسوع: «أَنْتُمْ شُهُودِي لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ مَعِي مُنْذُ الْبِدَايَةِ».¹¹⁸

3- لوقا أيضًا يصف تلقي بولس للخدمة في أعمال الرسل 26: 16، فيصف بولس أنه الخادم والشاهد (nasb; ὑπηρέτην καὶ μάρτυρα)، يشبه تمامًا تعبيره في لوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، · καὶ ὑπηρέται».

4- يشير سفر أعمال الرسل 6: 4 إلى أن الرسل مكرسون لخدمة الرب بقوله (τῇ διακονίᾳ τοῦ λόγου)، وهذه العبارة مشابهة بشكل ملفت لعبارة لوقا في لوقا 1: 2 عندما وصفهم أنهم خُدّام للكلمة (ὑπηρέται τοῦ λόγου). في الواقع، كما ذكرنا في رسالة تسالونيكي الأولى 2: 13، تُستخدم كلمة “الكلمة” في جميع أنحاء العهد الجديد إشارة إلى رسالة إلهية موثوقة.¹¹⁹ ويُعلق Fitzmyer على استخدام هذه العبارة في لوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ».

يمكن أن يُفهم أن “الكلمة” هنا مصطلح عام يُقصد به قصة الفكر المسيحي، إلا أن الاستخدام الذي تكتسبه الصيغة في اليونانية (ho logos) تشير في سفر الأعمال إلى كلمة الله في أعمال 8: 4، وأعمال 10: 36، و11: 19، و14: 25. وبالمقارنة بلوقا 8: 12–15، يعطيها دلالة واضحة على كلمة الله. تجدر الإشارة إلى أن أعمال الرسل 1: 1 يقول لوقا ويستعيد صيغته الإنجيلية بمصطلح (τὸν λόγον).

كما لوحظ في مناقشة نص رسالة تسالونيكي الأولى 2: 13، استخدام لغة مثل παρέδοσαν التي تعني “مُسلَّم” في لوقا 1: 2 في آيات متعددة في العهد الجديد عن نقل وتسليم تقليد رسولي.¹²¹

تشير كل هذه الاعتبارات إلى أن لوقا يقدم إنجيله على أنه تجسيد للكلمة الرسولية ذات الوحي، سُلِّمت إليه وأُوكِلت إليه. وبالطبع، يُقر لوقا بأنه ينشئ روايته الخاصة لهذا التقليد،¹¹² فهو يقدم ترتيبًا منظمًا (καθεξῆς).¹²³ ومع ذلك، لا يكتب لوقا كشخص من جيل ثالث، فلوقا ليس غريبًا، بل يكتب كشخص تلقى مادته مباشرة من الرسل. يشير David Moessner إلى أن كلمة παρηκολουθηκότι لا تُشير إلى أن لوقا بحث في هذه الأمور، بل إلى أنه شخص زُرعت فيه هذه التقاليد وتدرب عليها.¹²⁴

وهكذا، يقدم لوقا نفسه أنه قد تعلم جميع هذه التقاليد لبعض الوقت (ἄνωθεν) من القديس بولس، وربما من آخرين.¹²⁵ وبهذه الطريقة، يُعطي لوقا القارئ شهادة متميزة،¹²⁶ تبرز وجوب الوثوق فيها، فهو يتحدث بصوت رسولي. من المهم جدًا أن يُقدم لوقا هذه الشهادات الرسولية إن أراد تحقيق الغرض الذي يكتب لأجله، ألا وهو أن يكون لدى ثاوفيلس يقين بشأن الأمور المتيقنة عنده. يجادل Bock أن هذه اللغة تشير إلى أن ثاوفيلس مؤمن، أو ربما شخص عرف الرب حديثًا ويحتاج طمأنينة بشأن التعليم الذي تلقاه سابقًا.¹²⁷

يقول Marshall إن ثاوفيلس كان على الأرجح متلقيًا للتعليم المسيحي الرسمي.¹²⁸ إذا كان الأمر كذلك، فإن لوقا لا يكتب ببساطة لإعادة الحقائق التاريخية الخام، بل يكتب بناءً لاهوتيًا.¹²⁹ يقدم لوقا إنجيله أنه مصدر رسولي ليشجع المسيحيين ويطمئنهم بشأن البشارة التي آمنوا بها، أي أنه يكتب كتابًا مكتوبًا للكنيسة. لم يكن الأمر مجرد كتابة تاريخية، بل تاريخ الخلاص.¹³⁰

وكما يذكر Fitzmyer، أن لوقا ليس مؤرخًا هيلينستيًا علمانيًا، بل أقرب في كتابته إلى تاريخ العهد القديم الكتابي.¹³¹ وتشير كل هذه الاعتبارات إلى أن لوقا قدم إنجيله كوثيقة رسولية تُظهر أن المسيح أكمل العهد القديم، وتعزز الثقة بالحقائق المسيحية الأساسية. ويلخص Evans قائلًا: “لا يرى لوقا نفسه في المقام الأول كاتبًا للسيرة، ولا حتى مؤرخًا، بل إن لوقا يكتب كتابًا مقدسًا، كتابًا يعلن ما فعله الله عندما كان بيننا”.¹³²

 

إنجيل متى

على عكس الأناجيل الثلاثة، احتوى إنجيل متى على عدد أقل من الأدلة الداخلية التي تشير إلى أنه ينقل تقليدًا رسوليًا. متى 9: 9: «وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ، رَأَى إِنْسَانًا جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ اسْمُهُ مَتَّى، فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي. فَقَامَ وَتَبِعَهُ». متى 10: 3: «فِيلُبُّسُ، وَبَرْثُولَمَاوُسُ. تُومَا، وَمَتَّى الْعَشَّارُ. يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى، وَلَبَّاوُسُ الْمُلَقَّبُ تَدَّاوُسَ».

ومع ذلك، لا يزال هناك دلائل على أن هذا الإنجيل قد كُتب بقصد إكمال قصة العهد القديم.¹³⁴ ولعل أبرز ما يميزه بهذا الصدد هو الطريقة الفريدة التي يبدأ بها متى إنجيله بعنوان افتتاحي، متى 1: 1: «كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ». يتبعه سلسلة النسب في متى 1: 2–17.

يشير Davies و Allison إلى أن العبارة الأولى لمتى (Βίβλος γενέσεως) لا تشير إلى بداية سلسلة النسب بقدر ما تشير إلى الكتاب ككل،¹³⁵ وهي الطريقة التي استُخدمت في تكوين 2: 4: «هذِهِ مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، يَوْمَ عَمِلَ الرَّبُّ الإِلهُ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ»، وتكوين 5: 1: «هذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ، يَوْمَ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ. عَلَى شَبَهِ اللهِ عَمِلَهُ». فهو لا يشير إلى النسب في حد ذاته، بل التاريخ الأولي لشعب الله.¹³⁶ بالإضافة إلى ذلك، يجادل ديفيز وأليسون بأن المصطلح (γενέσεως) من شأنه أن يقودنا في التفكير في عنوان سفر التكوين في الترجمة السبعينية، فكان سفر التكوين يُطلق عليه (Γένεσις).

ومن ثم، يدفع المرء أن يتساءل عما إذا كان الاستخدام التمهيدي لكلمة (Βίβλος γενέσεως) يدفع قراء متى إلى التفكير في أول سفر في التوراة، ويتوقع القارئ أن إنجيل متى هو سفر تكوين جديد، سفر خاص بتكوين يسوع المسيح.¹³⁷ وبالتالي، فإن العبارة الافتتاحية لإنجيل متى تُفهم على أفضل وجه على أنها سفر التكوين الجديد الذي كتبه يسوع المسيح.¹³⁸

تشير هذه البداية إلى أن متى يكتب عمدًا بأسلوب كتابي. فقد نظر إلى كتابته وأراد من قرائه أن ينظروا إليه على أنه استمرار لقصة التوراة. وهكذا، استطاع Willi Marxsen أن يعلن: “متى بواسطة هذه العبارة يقدم إنجيل متى على أنه سفر التكوين المقدس، قياسًا للعهد القديم”.¹³⁹

إن الحقيقة أن متى يبدو وكأنه يصوغ إنجيله على غرار كتب العهد القديم تؤكدها حقيقة أنه يتحول فورًا إلى سلسلة الأنساب، واضعًا يسوع من قصة بني إسرائيل، مع التركيز بشكل خاص على داود.¹⁴⁰ وسلسلة النسب. وكان هذا بالطبع نوعًا أدبيًا معروفًا في العهد القديم، ويُستخدم كثيرًا لإظهار الكشف التاريخي لعمل الله لفداء شعبه.¹⁴¹ وفي هذا الصدد، فإن أقرب نظير لإنجيل متى هو سفر أخبار الأيام، الذي يبدأ أيضًا بسلسلة نسب تركز على سلسلة نسب داود.¹⁴²

وكان سفر أخبار الأيام يُعتبر بحلول القرن الأول هو السفر الأخير في الشريعة كما جادل بعض الباحثين.¹⁴³ فإن إنجيل متى سيكون بالتأكيد استكمالًا له. إن وجود شريعة للعهد القديم تنتهي بسفر أخبار الأيام كان الغرض من ذلك تذكير اليهود بأن عودة إسرائيل من السبي المذكور في عزرا ونحميا ليس معناه انتهاء القضية. إنها مجرد عودة جسدية وليست روحية، فكانت قلوب الناس لا تزال تحتاج لتغيير.

وظلت إسرائيل في المنفى الروحي.¹⁴⁴ وكانت إسرائيل تتطلع متى سيأتي المسيح ابن داود إلى أورشليم ويجلب الخلاص الكامل لشعبه.¹⁴⁵

وفي الفصل الافتتاحي من إنجيل متى، سيكون من الواضح أنه ينوي أن ينهي هذه القصة، فيكمل ما انتهى به العهد القديم، مع التركيز على داود وخلاص إسرائيل. علاوة على ذلك، فإن الأمر العظيم في نهاية إنجيل متى 28: 18: «فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، 19 فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. 20 وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ».

كل هذا صدى لنهاية سفر أخبار الأيام الثاني 36: 23: «هكَذَا قَالَ كُورَشُ مَلِكُ فَارِسَ: إِنَّ الرَّبَّ إِلهَ السَّمَاءِ قَدْ أَعْطَانِي جَمِيعَ مَمَالِكِ الأَرْضِ، وَهُوَ أَوْصَانِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا فِي أُورُشَلِيمَ الَّتِي فِي يَهُوذَا. مَنْ مِنْكُمْ مِنْ جَمِيعِ شَعْبِهِ، الرَّبُّ إِلهُهُ مَعَهُ وَلْيَصْعَدْ».

مما دفع Greg Beale إلى القول إن متى بنى إنجيله جزئيًا ليعكس بداية ونهاية سفر أخبار الأيام.¹⁴⁶ وبغض النظر عما إذا كان المرء يقبل أن سفر أخبار الأيام الأول هو السفر الأخير في القانونية العبرانية، فإن الروابط بين إنجيل متى وسفر أخبار الأيام لا تزال قائمة في الواقع. وبناءً على هذا الأساس، يستنتج Davies و Allison أن متى اعتبر إنجيله استمرارًا للتاريخ الكتابي، وربما أيضًا تصور عمله أنه ينتمي إلى نفس الفئة الأدبية التي كُتب بها العهد القديم، والتي تناولت أيضًا شخصياته.¹⁴⁷

فمتى كان يرغب بتسجيل خطة خلاص الله الذي طال انتظار شعبه لها. ثانيًا، إن صح التعبير، فلا عجب إذًا أن يكون متى حريصًا كل الحرص على تصوير يسوع كموسى الثاني.

وهذا النمط من موسى موجود في متى عندما كان يسوع رضيعًا، ومع ذلك يتم نجاته في خروج 2: 1–10 ومتى 2: 1–18. ويكرر يسوع الخروج الأصلي من مصر (هوشع 11: 1 ومتى 2: 15). ويحظى يسوع بفترة للخروج للخدمة العلنية في خروج 3: 1 ومتى 2: 23–3: 13. ويبدأ يسوع خدمته عند نهر الأردن في المعمودية (راجع خروج 14 وقارنها بمتى 3: 13–17، قارن أيضًا كورنثوس الأولى 10: 2).

ويسوع مثل موسى يطعم الناس في البرية (قارن بين خروج 16 وعدد 11 ومتى 14: 13–20).¹⁴⁸

ومن الجدير بالملاحظة أن يسوع صعد إلى الجبل في متى 5: 1، وأن موسى صعد إلى الجبل ليتلقى الشريعة في خروج 19: 3، 12–13، 18، والتثنية 1: 24، 41، 43؛ و5: 5، ويوصف أنه جلس هناك في تثنية 9: 9.¹⁴⁹ فلا شك أن هذه الصورة تُصدِّر يسوع في إنجيل متى أنه المخلص الجديد والنهائي برؤية جديدة ومتقنة.

فكان يكتب شريعة ذات سلطان إلهي. وهذا ما دفع Smith وآخرين إلى إعادة النظر إلى تقسيم إنجيل متى إلى خمسة أجزاء تعليمية، ليوازي أسفار موسى الخمسة، باعتباره مقدمًا إنجيله على أنه الوحي النهائي ليسوع.¹⁵⁰

 

 

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

كتابات العهد الجديد الأخرى

على الرغم من أننا لا نستطيع تناول جميع الأسفار المتبقية في العهد الجديد، ولكن سنسلط الضوء على بعض المواضيع الأخرى التي فيها إدراك للوحي والسلطة الرسولية للكاتب أثناء كتابته.

في عبرانيين 2: 1–4: «لِذلِكَ يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ إِلَى مَا سَمِعْنَا لِئَلاَّ نَفُوتَهُ، 2 لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً، وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً، 3 فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟ قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا، 4 شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ».

في رسالة العبرانيين، نجد أن هوية الكاتب سيطرت على كلامه. فبدلًا من اتباع استنتاج أوريجانوس القائل عن العبرانيين: “الله يعلم من كتب هذه الرسالة”،¹⁵² استمر الباحثون في تقديم دراسات وربطها بأبلوس، وبريسكلا، ولوقا. للأسف، أدى هذا إلى إغفال أمر مهم، أن الكاتب يقدم نفسه أنه يعتمد على تقليد رسولي مباشر.

عندما أشار إلى خلاص عظيم، وأن الغرض من هذه الرسالة استكشاف هذا الخلاص، ويشير الكاتب أن رسالة الخلاص أُعلنت أولًا من قبل الرب، وصارت لنا ثابتة من قبل الذين سمعوا وشهدوا آيات وعجائب ومعجزات متنوعة من الروح القدس. فذِكرُه لعبارة “الذين سمعوا”، أي الرسل الذين سمعوا من يسوع مباشرة، والذين أُيِّدت خدمتهم بآيات وعجائب ومظاهر التقوى.

وعمل الروح القدس. ونجد هذا في أعمال 2: 43: «فَصَارَ خَوْفٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ، وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ». وأعمال 4: 30: «بِمَدِّ يَدِكَ لِلشِّفَاءِ، وَلْتُجْرَ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ بِاسْمِ فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ». وأعمال 5: 12: «وَجَرَتْ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّعْبِ. وَكَانَ الْجَمِيعُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ فِي رِوَاقِ سُلَيْمَانَ». وأعمال 6: 8، وأعمال 14: 3، وأعمال 15: 12، ورومية 15: 19، وكورنثوس الثانية 12: 12.

وبالمقارنة بلوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ».¹⁵⁶ إن استخدام كلمة ἐβεβαιώθη اليونانية يسلط الضوء على سلطة الرسل، فهم لم يبلغوا الرسالة فحسب، بل أكدوا وأثبتوا وضمنوا الرسالة. فكلمة “إلينا” (εἰς ἡμᾶς)، فالكلمة لا تعني بالضرورة أن الكاتب تلقى هذا التقليد مع الجمهور، ولكن هي لغة مستخدمة من لوقا 1: 2 ويوحنا الأولى 1: 2، ولا تذكر الآيات أن الجمهور تلقى مع الكاتب التسليم.

وهكذا، يصور الكاتب نفسه على أنه في وضع مشابه جدًا لوضع مرقس ولوقا، فيكتب شهادة رسولية موثوقة وينقلها إلى مستمعيه.

ولاحظ Donald Hagner في هذا الصدد أن كاتب العبرانيين يمكن تشبيهه بلوقا.¹⁶¹ وبالمثل، يلاحظ George Buchanan أن الكاتب كان ينقل تقليدًا رسوليًا تلقاه مباشرة من الرسل أنفسهم.¹⁶² وتتأكد الصلة بين الكاتب والدائرة الرسولية من خلال حقيقة أن رفيق كاتب العبرانيين هو تيموثاوس، الذي عرف بولس وسيلا وسافر معهما حسب ما جاء في أعمال الرسل 16: 3، وأعمال 17: 14، ورومية 16: 21، وكورنثوس الأولى 4: 17، وكورنثوس الثانية 1: 19.¹⁶³

إذا كان الأمر هكذا، فإن الكاتب – على الرغم أنه ليس شاهد عيان مباشر ليسوع في حياته – لكن يقدم نفسه أنه كان مساعدًا للرسول، وأنه مشارك في الرسالة الرسولية. وهذا يتناقض مع كُتّاب مثل إغناطيوس،¹⁶⁴ وكليمندس الروماني،¹⁶⁵ الذين يميزون بوضوح بين الفترة الرسولية وفترة حياتهم. إنهم ينظرون إلى خدمة الرسل ولا يقدمونها. لذا، لا ينبغي أن نستعجب أن المسيحيين الأوائل اعتبروا الرسالة للعبرانيين كتابًا رسوليًا. في الواقع، فهم أوريجانوس السفر بهذه الطريقة تحديدًا عندما قال إنه كُتب من قبل شخص كان جزءًا من الدائرة الرسولية، ومن المرجح أنه كان رفيقًا وتلميذًا لبولس نفسه.¹⁶⁶ وهذا من شأنه أن يفسر سبب ارتباط كاتب رسالة العبرانيين ارتباطًا وثيقًا بالرسل في بداية المسيحية المبكرة.

بالإضافة إلى أن الكاتب يقول عن نفسه في هذا السفر إنه يقدم شروط العهد الجديد من خلال المسيح، بنفس الطريقة التي عُرضت بها شروط العهد القديم من خلال موسى في سفر التثنية.¹⁶⁸ في دراسته الحديثة، لم يُظهر David Allen أن رسالة العبرانيين تعتمد على نص وموضوعات سفر التثنية فقط، بل أظهر أيضًا أن أساس بنية الرسالة – التثنية بأكمله من دعوة شعب الله والاختيار بين الحياة والموت – مُعاد تقديمها في رسالة العبرانيين بغرض مسيحي.¹⁶⁹ ونتيجة لذلك، خلص ألين إلى أن الرسالة للعبرانيين لا تستخدم سفر التثنية فقط، بل وصفها أنها تثنية جديد.¹⁷⁰ في جوهرها، تعيد رسالة العبرانيين صياغة سفر التثنية وإعادة تشكيل قصة بني إسرائيل لجيل جديد، وبالتالي أصبحت توراة جديدة.¹⁷¹

وفي رسالة بطرس الثانية 3: 2: «لِتَذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا الأَنْبِيَاءُ الْقِدِّيسُونَ، وَوَصِيَّتَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ، وَصِيَّةَ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ».

هذا النص يتجاهله البعض، فالكاتب يطلب من القارئ الخضوع لنبوات الأنبياء ووصية الرب والمخلص من خلال الرسل، وهذا ما يؤكده الكاتب.¹⁷²

أنبياء العهد القديم ورسل العهد الجديد يظهرون كمتساويين كمصدر للوحي والسلطة. فهناك تساوي بين تنبؤات الأنبياء القديسين في النصوص المكتوبة ووصايا الرب من خلال الرسل. ويدعم السياق المباشر هذا، فرسائل بولس يعتبرها الكاتب أنها جزء من القانونية في بطرس الثانية 3: 16: «كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ».

وفي كورنثوس الأولى 14: 37: «فَإِنِ اعْتَبَرَ أَحَدٌ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ صَاحِبَ مَوْهِبَةٍ رُوحِيَّةٍ، فَلْيُدْرِكْ أَنَّ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ إِنَّمَا هُوَ وَصِيَّةُ الرَّبِّ».

بل إن كاتب بطرس الأولى يذكر أنه كتب نصوصًا أخرى، بطرس الثانية 3: 1: «أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، أَنَا الآنَ أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ رِسَالَتِي الثَّانِيَةَ». وإشارة إلى بطرس الأولى 1: 1: «مِنْ بُطْرُسَ، رَسُولِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى الْمُخْتَارِينَ الْمُتَغَرِّبِينَ الْمُشَتَّتِينَ فِي بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَآسِيَةَ وَبِيثِينِيَّةَ».¹⁷⁸

لذلك، اعتبر كاتب رسالة بطرس الثانية النصوص الرسولية المكتوبة سابقًا هي نصوص موثوقة في بطرس الثانية 3: 16، ويقول لقرائه إنه ينبغي أن يخضعوا إليها ولوصاياها في بطرس الثانية 3: 2.

المرجع:

 

 

Were the New Testament Authors Unaware of Their Own Authority? Lee McDonald

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

 

 

كتاب يسوع المسيح في الأناجيل الأربعة – د. موريس تاوضروس

كتاب يسوع المسيح في الأناجيل الأربعة – د. موريس تاوضروس

كتاب يسوع المسيح في الأناجيل الأربعة – د. موريس تاوضروس

تحميل الكتاب PDF

كتاب مسابقات في الكتاب المقدس الأناجيل الأربعة PDF

كتاب مسابقات في الكتاب المقدس الأناجيل الأربعة PDF

كتاب مسابقات في الكتاب المقدس الأناجيل الأربعة PDF

كتاب مسابقات في الكتاب المقدس الأناجيل الأربعة PDF

تحميل الكتاب PDF

تفسير متى هنري ج1 – تفسير العهد الجديد الأناجيل الأربعة – التفسير الكامل للكتاب المقدس PDF

تفسير متى هنري ج1 – تفسير العهد الجديد الأناجيل الأربعة – التفسير الكامل للكتاب المقدس PDF

تفسير متى هنري ج1 – تفسير العهد الجديد الأناجيل الأربعة – التفسير الكامل للكتاب المقدس PDF

تفسير متى هنري ج1 – تفسير العهد الجديد الأناجيل الأربعة – التفسير الكامل للكتاب المقدس PDF

تحميل الكتاب PDF

تفسير إنجيل متى

تفسير إنجيل مرقس

تفسير إنجيل لوقا

تفسير إنجيل يوحنا

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

 

مرقس

اعتبر إنجيل مرقس أول الأناجيل لأنه أصبح من المعترف به الآن أنه مصدر أساسي للإنجيلين المتشابهين الآخرين. ومع ذلك، فإن إنجيل مرقس لم يلق عناية كافية إلا منذ أزمنة قريبة فقط. وكان قد لاقى إهمالاً بصفة عامة من الكنيسة منذ الأيام الأولى للمسيحية، وذلك لاهتمام الكنيسة بالإنجيلين الذين يحتويان على قصص أطول وهما متى ولوقا. وهذا أمر لا يكاد يبعث إلى الدهشة لأنهما يضمان معظم المعلومات الواردة في إنجيل مرقس بل ويضمان المزيد أيضاً. ولذلك فسرعان ما جاء وقت اعتبر فيه إنجيل مرقس أنه نسخة مختصرة من إنجيل متى. ولكن الوضع قد تغير الآن، حيث عرق أنه يكاد يكون من المؤكد أن إنجيل مرقس هو أول ما كتب من الأناجيل، وبذلك وصل إلى مكانة من المحتمل أنه لم يحظ بها منذ ظهوره لأول مرة.

ومع ذلك، هناك بعض الأدلة التي تفيد أنه كان يلقى التقدير في بعض الدوائر المسيحية المعينة ليس بعد كتابته بوقت طويل، فعلى سبيل المثال نجد أن بابياس Papias الذي كان يكتب حوالي عام 140م، ولكنه كان يقتبس من مصدر سابق، يعرف مرقس بأنه كان “المترجم الخاص ببطرس” ويقول إنه كان يكتب بدقة ولكن بدون ترتيب كل الأمور التي يستطيع تذكرها من أقوال المسيح وأعماله. كذلك إيريناوس وأكليمندس السكندري يربطان بين إنجيل مرقس وكرازة بطرس، وفي عصور قريبة ساد الاعتقاد بأن محتويات الإنجيل تدعم الرأي القائل إن بطرس كان مصدر الكثير مما جاء به.

وقد سرد عدداً من القصص بتفاصيل رائعة فكان من الطبيعي اعتبارها المصادر الأولى للأحداث التي وصفتها[1]. فقصة دعوة بطرس، وقصة أول سبت ليسوع في كفر ناحوم، حيث شفى حماة بطرس[2]، تعد من الأمثلة الجيدة على ذلك. وفضلاً على ذلك، فبعض الإشارات إلى التلاميذ، وإلى بطرس بصفة خاصة، غير مواتية بالنسبة لهم وبدرجة كبيرة. فالتلاميذ كانوا يصورون بصفة دائمة على أنهم جهلة متبلدو الذهن، أخفقوا في فهم ما كان يحاول يسوع أن يعلمهم[3]. وفي إنجيل مرقس لم يكن التلاميذ بأي حال من النوعية التي كانت الكنيسة في وقت لاحق تود أن يكونوا منها. ولذلك فمن غير المحتمل أن يكونوا قد وصفوا بهذه الصورة غير المرضية ما لم يكن لدى مرقس معلومات جيدة، ربما حصل عليها من بطرس نفسه لتدعم هذه الصورة.

الكاتب

ولكن من هو مرقس؟ من الطبيعي أن اسم “مرقس” كان من الأسماء الشائعة، وكان من الممكن أن يكون أي شخص. وفي مناقشتنا هذا السؤال، نحن في حاجة إلى أن نتذكر أنه ليس من بين الأناجيل من يذكر في الواقع اسم كاتبه. وإنجيل يوحنا أقرب الأناجيل إلى ذلك، ولكن حتى هناك لا نجد سوى إشارة غامضة إلى شاهد لصلب المسيح[4]. وعلى الرغم من أن هذا الشخص كثيراً ما يشار إليه بعبارة “التلميذ المحبوب”، إلا أنه ليس من الواضح تماماً من كان هذا. وفي هذه الناحية فإن الأناجيل تختلف تماماً عن معظم بقية العهد الجديد، لأنها قدمت إلينا ككتابات مجهولة الكاتب. ونسبتها التقليدية على متى ومرقس ولوقا ويوحنا أضيفت بالطبع إلى مرحة مبكرة، ولكنها تمثل آراء الكنيسة بالنسبة لكتبة الأناجيل، وليس أي ادعاء من قبل الكاتبين أنفسهم.

وواضح من البرهان أن كاتب الإنجيل الثاني كانت الكنيسة الأولى بصفة عامة تربط بينه وبين شخص اسمه يوحنا الملقب مرقس، والذي يعرف من أجزاء أخرى من العهد الجديد[5]. وطبقاً لما جاء في سفر أعمال الرسل، فإن مجموعة من المسيحيين كانوا يلتقون بصفة منتظمة في بيت أمه في أورشليم[6]، ويوحنا مرقس نفسه ذكر على أنه كان رفيق بولس وبرنابا في أول رحلة تبشيرية قاما بها[7]. وعلى الرغم من أن مرقس لم يذهب معهما[8]، إلا أن بولس يمتدحه في اثنتين من رسائله التالية[9]، ومن ثم فلا بد وأن الرجلين كانا قد سويا خلافاتهما. كذلك ذكر بمحبة في (1بطرس 5: 13)، وأن هذا اعتماداً على وجهة النظر الخاصة بكاتب رسالة بطرس الأولى، يمكن أخذه كدليل للربط بينه وبين بطرس وكذلك ببولس.

وإنه لمن الصعوبة بالأكثر التأكد من أن نفس مرقس هذا هو حقاً كاتب الإنجيل. غير أنه بالنظر إلى ميل مسيحيي القرن الثاني للربط بين أسفار العهد الجديد وشخصيات رئيسية من الكنيسة الأولى، فلربما لا يكون التقليد الذي يربط مرقس بالإنجيل الثاني بعيداً تماماً عن الحقيقة. فيوحنا مرقس الذي تقابلنا معه في العهد الجديد هو شخص لا أهمية كبيرة له، وليس من نوعية الشخص التذي تعزى إليه كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلاً.

القراء

كان الاعتقاد السائد أن إنجيل مرقس كتب في روما، لخدمة احتياجات الكنيسة هناك. ويختلف إيريناوس وأكليمندس السكندري حول الظروف الحقيقية التي أحاطت بكتابته، ولكنهما يتفقان معاً على أنه كتب في روما. وإذا كان كاتب الإنجيل هو حقاً يوحنا مرقس، فإن الإشارات إليه في العهد الجديد تجعله أيضاً في روما.

ومن المؤكد أن الأنجيل كتب لقراء من غير اليهود. وقد ترجمت عبارات مثل “طاليثا قومي” أو “إفثا”[10] إلى اللغة اليونانية لفائدة قراء مرقس. كذلك شرحت أيضاً العادات اليهودية بطريقة توحي أنها لم تكن مألوفة[11]. كذلك هناك عدد من العبارات اللاتينية التقنية في إنجيل مرقس[12]، الأمر الذي يستشف منه أن الإنجيل كتب في جزء من الإمبراطورية الرومانية كانت اللغة اللاتينية مستعملة فيه. وعلى ضوء هذه الأدلة يبدو أنه من المؤكد أن تكون روما المكان المفضل لكتابة الإنجيل.

التاريخ

تحديد تاريخ للإنجيل على الرغم من ذلك لا يعد أمراً سهل، لعدة أسباب:

ç الدليل المستمد من آباء الكنيسة دليل متناقض. ذلك أن أكليمندس السكندري يقول إن مرقس كتب الإنجيل حيث أملاه عليه بطرس، وأن المسودة الأخيرة له وافق عليها بطرس نفسه. غير أن إيريناوس يقول إن الإنجيل لم يكتب إلا بعد موت بطرس وبولس. وهذا معناه أنه علينا أن نحاول من دليل من الإنجيل نفسه معرفة متى كتب، وهذه ليست بالمهمة السهلة.

ç كثيراً ما كان هناك اعتقاد بأن الإشارات إلى محاكمات واضطهادات في إنجيل مرقس توحي بأن قراءه كانوا يلاقون الآلام بسبب إيمانهم بالمسيح. وإذا كان الأمر كذلك[13]، فيمكن أن يرجع تاريخ الإنجيل إلى فترة تقع ما بين 60 و70م، وهي الفترة التي حاول نيرون فيها أن يلقي باللوم على المسيحيين بأنهم السبب في حريق روما. غير أن الاضطهاد كان بالطبع من السمات الشائعة في حياة الكنيسة في القرن الأول. ولذلك فإنه ليس من الضروري بالربط بين إنجيل مرقس وأي من الاضطهادات الشهيرة. فلا بد وأنه كانت هناك كثير من الاضطهادات المحلية التي لا نعرف شيئاً عنها، على الرغم من أنها كانت اضطهادات حقيقية بالفعل.

ç ثم إن هناك السؤال ما إذا كان الجزء الرؤوي في إنجيل مرقس يفترض مقدماً أن أورشليم قد سقطت بالفعل في يد الرومان. وبالنظر إلى أن هذا وقع سنة 70م، فالإجابة على هذا السؤال سوف تجعل تاريخ الإنجيل على الأقل قبل أو بعد هذا الحدث بقليل. ولكن هنا أيضاً انقسمت الآراء. فقد قال روبنسون بأنه من المؤكد أن إنجيل مرقس قد كتب قبل سنة 70م. (مع بقية العهد الجديد)، ومن رأيه أنه كان موجوداً قبل ذلك التاريخ بوقت طويل. ولذلك يُرجع كتابته إلى الفترة ما بين 45-60م. ومع ذلك فهناك مفكرون آخرون يرجعون تاريخه إلى الفترة ما بين 60-70م.

الأسباب التي حملت مرقس على الكتابة

من السهولة تحديد الدافع الذي حمل مرقس على كتابة إنجيله بالشكل الذي كتبه به.

إذا كان إنجيل مرقس له علاقة ما ببطرس – كما توحي التقاليد الأولى – فإن من أسباب كتابته قد تكون رغبته في حفظ ذكريات بطرس كشهادة دائمة للكنيسة. وهذا سيكون أمراً من السهل فهمه إذا كان مرقس قد قام بالكتابة في وقت يسبق موت بطرس أو بعد ذلك مباشرة.

إلا أن هذا الإنجيل كتب في ظل موقف معين كان في الذهن. وهناك عدد من النواحي المميزة والملفتة للنظر بالنسبة لصورة يسوع في إنجيل مرقس[14]. فقد قدم هنا على اعتبار أنه بشر تماماً: فقد غضب يسوع في بعض المناسبات، ولم يكن يقدر على عمل المعجزات إذا لم تتوافر الظروف الإيمانية المماثلة[15]، وكان يعاني آلاماً جسدية وبطريقة يمكن الاعتقاد أنها تتنافى مع وضعه كابن الله[16]. وفي وقت ما، اعتبرت هذه الأشياء على أنها من علامات فكر مرقس اللاهوتي “البدائي”. غير أنه يوجد تفسير آخر لها: هناك فكرة طرحها بروفسور “مارتن R. P. Martin”، مفادها أن كثيرين من المسيحيين وجدوا أنه من الصعوبة التوفيق بين لاهوت يسوع وإنسانيته الحقيقية العاملة. ولذا اقترحوا أن يسوع الإله حل في يسوع الإنسان عند عماده، ثم تركه ثانية قبل صلبه – وهؤلاء هم الدوستيون، الذين يقولون إن يسوع بدا كإنسان فقط (من الكلمة اليونانية Dokeo: ومعناها “يبدو”). ولقد اهتم كاتب رسالة يوحنا الأولى بتصحيح مفاهيم هؤلاء الناس، وربما أخذ إنجيل يوحنا ذلك في الاعتبار. إلا أن إنجيل مرقس ربما جاء مصححاً لهذه الفكرة. وفي الرد على أولئك الذين كانوا يقولون إن بشرية يسوع أمر وهمي، فإن مرقس يؤكد حقيقة بشريته بتقديمه يسوع على أنه المسيح الله الذي أخفى أصله وأهميته ثم أعلن عنهما في شخص إنسان حقيقي.

 

لوقا

التقاليد التي تربط الإنجيل الثالث بشخص لوقا يعود تاريخها إلى بداية القرن الثاني. والقائمة الموراتورية ومقدمة إنجيل لوقا المضادة للماركونية، وكذلك إيريناوس وأكليمندس السكندري، وإوريجانوس وترتليان، كل هؤلاء يذكرون لوقا باعتباه كاتبه. والقيمة الحقيقية لهذه التقاليد، على الرغم من ذلك، غير مؤكدة، لأن معظم ما تتضمنه كان من الممكن استخلاصه من العهد الجديد نفسه، وعلى هذا فليس من الضروري أن تكون لها جدارة في حد ذاتها. والدليل المستمد من العهد الجديد، نراه في الواقع أكثر فائدة من ناحية تعريف كاتب هذه الإنجيل.

ç هناك سمة مميزة لهذا الإنجيل وهي أنه في حد ذاته ليس كاملاً: فهو أحد جزئين يتناولان تاريخ المسيحية الأولى، والجزء الثاني هو سفر أعمال الرسل. وأسلوب هذه السفرين ولغتهما متشابهان بحيث لا يتركان موضعاً للريبة في أنهما إنتاج كاتب واحد[17]. فكلاهما موجه لنفس الشخص الذي ذكر أن أسمه “ثاوفيلس”.

ç هناك فقرات معينة في سفر أعمال الرسل معروفة بأنها التي جاءت بضمير المتكلم بالجمع[18]. وقد كان ذلك نتيجة أن القصة عند هذه النقاط تتغير من استخدام ضمير الغائب للجماعة، أو ضمير الغائب للمفرد، إلى استعمال ضمير الجمع للمتكلم (نحن). وعلى الرغم من أنه لم يوضح إطلاقاً من المقصود بضمير الجمع للمتكلم هذا، إلا أن استخدام هذا الضمير يشير بوضوح إلى أن الكاتب كان موجوداً في هذه المناسبات، وعلى ذلك فقد كان رفيقاً لبولس. وبالنظر إلى أن أسلوب هذه الفقرات مماثل لأسلوب السفر بجملته، فيبدو أن الكاتب قد استخدم مفكرته الخاصة كمصدر للمعلومات. والفحص الدقيق للقصص يبين أن لوقا هو أفضل من ينطبق عليه هذه القصص.

ç لوقا هذا عرفه بولس بأنه طبيب، وكثيراً ما اتجه الفكر إلى أن كاتب لوقا وسفر الأعمال، كان ملماً بلغة طبية، واهتماماً بتشخيص الأمراض، وكثيراً ما تم التأكيد على هذه النقطة، ومن المحتمل أن المصطلحات الطبية المحدودة التي استخدمت ربما كانت مألوفة لأي شخص ذلك في العالم الروماني. إلا أن هناك نقطة أو اثنتان في الإنجيل يبدو أن لوقا يظهر نفسه عندهما أنه أكثر تعاطفاً من مرقس بالنسبة لعمل الأطباء. وهذا يأتي بشكل ملحوظ تماماً في القصة التي تبين كيف أن يسوع شفى امرأة نازفة الدماء التي كان يبدو أن مرضها غير قابل للشفاء. ويذكر مرقس حقيقة أنها عولجت لدى العديد من الأطباء، ثم يعلق بشيء من السخرية: “وأنفقت كل ما عندها ولم تنتفع شيئاً بل صارت إلى حال أردأ”[19]. أما من ناحية أخرى، نجد أن لوقا بكل بساطة يعلق قائلاً: “ولم تقدر أن تشفي من أحد”[20].

وقد ذكر لوقا ثلاث مرات في العهد الجديد. وفي كل مرة قيل إنه كان رفيقاً لبولس، وفي رسالة كولوسي يقول بولس إنه لم يكن يهودياً[21]. وإذا كان هو حقاً كاتب إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل يكون بذلك هو الكاتب الوحيد من غير اليهود في مجموعة كتبة العهد الجديد[22]. ومن المؤكد أن الأسلوب اليوناني لهذه الكتابات يوحي بأن كاتبها لا بد أن يكون مواطناً يونانياً.

وطبقاً لما يقوله يوسابيوس فقد جاء لوقا من إنطاكية في سوريا[23]، وهناك مخطوطة قديمة لسفر أعمال الرسل تشير إلى أنه كان في أنطاكية حين وصلت للكنيسة هناك أنباء عن مجاعة وشيكة[24]. أما نص سفر أعمال الرسل المقبول بصفة عامة، فقد ورد به أن لوقا كان برفقة بولس حين توجه إلى أوربا لأول مرة. كما أنه صاحب بولس أيضاً في رحلته الأخيرة إلى أورشليم، ثم واصل السفر معه إلى روما نفسها. كما يقول “ستريتر” وآخرون، ربما جمع لوقا جزءًا من مادة إنجيله أثناء هذه الفترة من الكنيسة في قيصرية، على الرغم من أن نسخته الأخيرة ربما تكون قد كتبت في روما.

التاريخ

من غير الممكن التأكد على نحو من الدقة التاريخ الذي أنهى فيه لوقا إنجيله. وبالنظر إلى أنه يدمج في قصته مادة مأخوذة من إنجيل مرقس، فلا بد أن يكون قد كتب المسودة الأخيرة لسفره بعد أن تمت كتابة إنجيل مرقس وأصبح متداولاً. وعلى هذا فإن التاريخ الذي نعطيه لإنجيل لوقا يعتمد إلى حد ما على التاريخ الذي ننسبه إلى إنجيل مرقس[25]. وقد قيل إن لوقا أظهر معرفة بسقوط أورشليم على يد الرومان سنة 70م. فإذا كان الأمر كذلك فإن تاريخ إتمام كتابة الإنجيل يرجع إلى ما بعد ذلك بقليل. لكن هناك من يرون أنه لا يوجد مبرر لتأكيد هذه الفكرة، وينسبون إلى الإنجيل تاريخاً مبكراً عن ذلك، والبعض يعطونه تاريخاً يرجع إلى الفترة من 57-60م.

الأسباب التي دعت لوقا لكتابة إنجيله

لماذا كتب لوقا إنجيله؟ كان هذا من أكثر الموضوعات التي تمت مناقشتها بحدة بين باحثي العهد الجديد في الفترة الأخيرة، ولقد طرح عدد كبير من الاقتراحات في هذا الخصوص. وعدد قليل من أهم هذه الاقتراحات يستحق الذكر.

ç يجب ألا ننسى أن لوقا لم يذكر لنا شيئاً عن هدفه في مقدمة إنجيله. وهو يقول إنه يكتب لشخص اسمه ثاوفيلس “لتعرف صحة الكلام الذي علمت به”[26]. كما يقول أيضاً إنه كتب إنجيله بتدقيق وبطريقة أدبية، وقد درس القصص التي كتبها أناس آخرون، وعلى هذا الأساس كتب “على التوالي”. وهذا يوضح لنا عدداً من الأمور. فمن ناحية يبدو واضحاً أن ثاوفيلس (أيا كان هذا الشخص) كان مسيحياً. وقد كتب لوقا إنجيله ليساعده وغيره من المؤمنين كي يحسنوا فهمهم للإيمان المسيحي. لكن الكاتب يوضح أيضاً أنه يرى أن أفضل طريقة لتحقيق ذلك هو أن يبدأ على قدر المستطاع بما عرف عن حياة يسوع نفسه وتعاليمه. ولذلك كان له أيضاً اهتمام تاريخي في اكتشاف الحقائق عن يسوع، وعلى مثال غيره من الإنجيليين لم يبدأ بكتابة سيرة ذاتية عن يسوع بالمعنى التقني. غير أنه في ذات والوقت أدرك أنه إن كان لرسالته إلى ثاوفيلس أن يكون لها ثقل كبير فإن الأمر يتطلب منه التزام بكل دقة بحقائق التاريخ.

ç ولهذا السبب نجد أن لوقا يبدأ قصته عن يسوع باليهودية فيوضح في الأصحاحين الأولين من إنجيله استمرارية المسيحية مع اليهودية والعهد القديم. ثم إنه يؤكد في ذات الوقت على أن يسوع هو تحقيق لكل مواعيد الله، ولذلك فلم تعد هناك حاجة الآن إلى ديان العهد القديم. والعلاقة بين اليهود والمسيحيين كانت تشكل بالطبع موضوعاً هاماً في الكنائس الأولى، وهذا ما نستطيع أن نلمسه من رسائل بولس. ومن بداية إنجيله يؤكد لوقا أن أولئك الذين يتبعون يسوع ليسوا في حاجة في البداية أن يصبحوا يهوداً كي يكونوا بعد ذلك مسيحيين. بل جاء يسوع بالأحرى ليكون “نوراً… للأمم”[27].

ç في الوقت الذي كتب فيه لوقا إنجيله، كانت أحداث حياة المسيح قد أصبحت تنتمي إلى الماضي. وكثيراً ما أدت هذه الحقيقة إلى أن تهتم الأجيال اللاحقة من المسيحيين بتاريخ القرن الأول بأكثر من اهتمامهم بالأحداث الخاصة بأيامهم. غير أن لوقا في قصته عن حياة يسوع وخدمته، يؤكد على أنه توجد علاقة هامة بين أحداث حياة يسوع، والحياة في الكنيسة المعاصرة. وقد فعل هذا، بالتأكيد على أن قوة حياة وجود المسيح في الكنيسة، الروح القدس، كان لها أيضاً دورها الهام في خدمة يسوع. وعند نقاط هامة كثيرة نجد أن لوقا ينطلق بوضوح ويتحدث باستفاضة عما جاء بشكل ضمني فقط في إنجيلي متى ومرقس. وكان للروح القدس دوره في ميلاد يسوع، ومعموديته وخدمته. وفي خاتمة الإنجيل طُلب من التلاميذ أن ينتظروا في أورشليم حتى يقبلوا هم أيضاً عطية الروح القدس[28]. ولعل لوقا كان بهذا يؤكد على استمرارية وجود يسوع مع تلاميذه كتصحيح لأفكار بعض معاصريه الذين تبرموا لأن المجيء الثاني للمسيح لم يتحقق بعد. وهو يذكرهم أنه على الرغم من أن ظهور يسوع الأخير في مجد لا يزال أمراً يخص المستقبل، إلا أنه موجود مع تلاميذه بطريقة حقيقية من خلال حضور الروح القدس في حياتهم.

ç وهناك ملاحظة هامة أخرى في إنجيل لوقا، وهو تأكيده على أن الرسالة المسيحية مقدمة لكل إنسان، وهذا أمر واضح لنا اليوم، ولكنه لم يكن هكذا على الإطلاق بالنسبة للأجيال القليلة الأولى من المسيحيين. ومن بين أعظم إسهامات بولس الرسول أنه بين أن محبة الله تمتد إلى أدنى طبقات المجتمع. وأوضح لوقا في إنجيله أن هذه كانت أيضاً رسالة حياة المسيح وتعليمه. فحين يروي قصة الطفل يسوع، نراه يضمنها القول بأنه سيكون “نور إعلان للأمم”[29]. وفي تتبعه لسلسلة أنساب يسوع، يرجع لوقا إلى آدم[30]، أب البشرية جميعاً، في حين أن متى يتوقف عند إبراهيم فقط أب الجنس اليهودي[31]. وفي قصة لوقا عن العظة في المجمع في الناصرة، كانت رسالة يسوع تركز على الأمم[32]. كما يذكر لوقا أيضاً اهتمام يسوع الخاص حتى بالسامريين، الذين يكرههم اليهود بأكثر حتى مما يكرهون الرومان[33]. وطوال هذا الإنجيل يقدم يسوع بصفة خاصة على أنه صديق المنبوذين في المجتمع[34]. وهؤلاء هم الذين يسر الله بالترحيب بهم، وسروره في قبول أناس كهؤلاء في ملكوته هو سرور يشاركه فيه أيضاً أتباع يسوع[35]. وسعادة كون الإنسان مسيحياً تم التأكيد عليها مراراً وتكراراً. وقصة لوقا تبدأ بالملائكة وهو يبشرون “بفرح عظيم”[36]، وتختتم بالتلاميذ وهو عائدون إلى أورشليم بعد الصعود “بفرح عظيم”[37]. وبين هذين الحدثين نجد أن كثيراً من أروع أمثال يسوع تنتهي بنفس نبرة السعادة هذه. فالخروف الضال، والابن الضال، وأمثال أخرى كثيرة تؤكد الفرح الذي أعطى لتلاميذ يسوع – وهو فرح قائم على أساس محبة الله الغافرة التي أُظهرت لهم حين كانوا هم أنفسهم من المنبوذين والخطاة[38].

وربما لا يوجد سفر آخر في العهد الجديد كله يقدم يسوع بهذه الصورة الرائعة كصديق ومخلص للجميع. وهذا هو تماماً ما استهدفه لوقا. لأنه كان من المهم أن تدرك الكنيسة على أيامه كيف أن رسالتها للعالم كله متأصلة بشكل قوي في تعليم ومثال يسوع نفسه.

 

 

متى

يختلف إنجيل متى عن كل من إنجيل مرقس وإنجيل لوقا. وهناك عدد من السمات الخاصة التي يتطلب الأمر تأملها قبل أن نذكر أي شيء عن أصله، وتاريخه، وكاتبه.

يتميز هذا الإنجيل بترتيب منظم للغاية بالنسبة لمادته، حيث رُتب بحسب الموضوعات. ومن الممكن تقسيمه بعدد من الطرق المختلفة، فهناك هيكل لهذا الإنجيل كان يستعمل في الماضي على نطاق واسع[39]، وكان ينظر إلى الإنجيل كمجموعة من خمسة قوالب أو أنه كُتب من مادة رتبت بين المقدمة التي تضمنت قصص الميلاد[40]. والخاتمة التي تضمنت قصة الآلام. وكل من أجزاء الإنجيل هذه يمكن ملاحظة أنه يضم مجموعة متوازنة بشكل جيد من مادة للقصة والتعليم على النحو التالي:

(1) الناموس الجديد

 

قصة (الخدمة في الجليل

3: 1 – 4: 25

تعليم (الموعظة على الجبل)

5: 1 – 7: 29

(2) التلمذة المسيحية

 

قصة

8: 1 – 9: 34

تعليم

9: 35 – 10: 42

(3) معنى الملكوت

 

قصة

11: 1 – 12: 50

تعليم (أمثال)

13: 1-52

(4) الكنيسية

 

قصة

13: 53 – 17: 27

تعليم (نظام، تأديب، عبادة)

18: 1-35

(5) دينونة

 

قصة (مجادلات في أورشليم)

19: 1 – 22 : 46

تعليم (دينونة على الفريسيين وتعاليم رؤوية

23: 1 – 25: 46

ومن رأي “باكون B. W. Bacon”، أن متى يستعمل هذا المخطط لتقديم يسوع لقرائه كموسى جديد، والتقسيم الخماسي لإنجيله يعد نظيراً ملموساً لأسفار موسى الخمسة في العهد القديم. ولكن هذا أمر يصعب إثباته. فلم يقل متى في أي موضع إن يسوع هو “موسى الثاني”، بل وليس هناك تشابه بين الخمسة التي قسم إليها الإنجيل وبين أسفار موسى الخمسة. فليس هناك شيء مشترك بين الإثنين سوى الرقم خمسة.

والواقع أنه ليس من المؤكد أنه توجد خمسة أقسام في الإنجيل. والسبب الرئيسي لتقسيمه على هذا النحو يرجع إلى حقيقة أن عبارة “فلما أكمل يسوع هذه الأقوال….” وجدت خمس مرات في الإنجيل، وفي نقاط تتناغم مع النهاية المزعومة لهذه الأجزاء. إلا أننا حللنا الإنجيل على أساس محتوياته، بدلاً من استخدام هذا المعيار القائم على الأسلوب الأدبي، سوف نصل إلى استنتاجات مختلفة تماماً. ولقد قال بروفيسور ج. د. كنجسري J. D. Kingsbruy إنه لا توجد خمسة تقسيمات في إنجيل متى بل ثلاث فحسب. وينادي بأن اهتمام متى الرئيسي كان منصباً على أن يبين أن يسوع هو ابن الله والمسيا، وأن الإنجيل مرتب موضوعاً حول هذا الموضوع:

1 – شخص يسوع باعتباره المسيا وابن الله (1: 1 – 4: 16).

2 – إعلان رسالة يسوع (4: 17 – 16: 20).

3 – آلام وموت وقيامة المسيح وابن الله (16: 21 – 28: 20).

لقد بزلت عدد من المحاولات الفكرية أيضاً لتفسير تركيب الإنجيل بواسطة كتب الفصول اليهودية المقدسة، أو صيغ لغوية وحسابية مختلفة. وأنها بالطبع لحقيقة أن تعاليم الإنجيل كثيراً ما تجمع في سلاسل ثلاثية وسباعية، ولكن هذا ربما كان القصد منه مساعدة المسيحيين الذين يريدون أن يحفظوا أقوال يسوع عن ظهر قلب، لا أن يكون بمثابة إشارة خفية لترتيب مادته.

يؤكد متى أيضاً – وبصفة خاصة – على العهد القديم. وقد قدمت حياة يسوع وتعاليمه على أنها تحقيق للمواعيد التي قطعها الله لإسرائيل. وقد ذكر هذا ليس في إطار المعنى العام بأن يسوع هو “ابن داود” فحسب، بل بالأكثر بإشارات واضحة لنصوص العهد القديم. لقد كان الكاتب على قناعة أن يسوع أتم في اختباره كل ما وقع لإسرائيل. ولكي يثبت ذلك نراه كثيراً ما يستشهد بنصوص العهد القديم وبطريقة قد تبدو لنا غريبة إلى حد ما[41]. فعلى سبيل المثال، حين يذكر متى عودة الطفل يسوع من مصر إلى موطنه نراه يقتبس قول هوشع عن خروج إسرائيل من مصر: “من مصر دعوت ابني”. غير أن رسالته واضحة: كل ما كان يعتبر مركزياً في علاقة الله مع شعبه إسرائيل تم حقاً وبشكل نهائي في حياة يسوع.

لذلك فإنه لما يدعو إلى الدهشة إلى حد ما أننا نجد أنه إلى جانب هذا الاهتمام اليهودي القوي، هناك تأكيد عظيم على شمولية الرسالة المسيحية. فأخطاء اليهود لم يتم التغاضي عنها في صمت[42]. ففي متى نجد أقسى الانتقادات لرياء الفريسيين[43]، وهناك دلالات عديدة على أنه قد ولى اليوم الذي كان فيه الإسرائيليون فيه شعب الله. وقد تمت موازنة هذا بتأكيد رائع على العمل المرسلي للكنيسة. وأصبح الأمر في غاية الوضوح في الإرسالية العظمى التي كلف بها يسوع تلاميذه في خاتمة الإنجيل[44]. غير أنه قد لمح إلى ذلك منذ البداية حين انضم المجوس الحكماء، الذين هم من غير اليهود، في السجود للطفل يسوع[45].

نجد هنا أيضاً اهتماماً واضحاً بالأخرويات، والتعليم الخاص بهذا الموضوع الذي تضمنه الأصحاحات 24، 25 جاء على نحو أشمل وأكمل مما جاء في الأجزاء المناظرة في الأناجيل المتشابهة الأخرى. فإنجيل متى يتضمن عدداً من الأمثال تتناول موضوع المجيء الثاني والدينونة الأخيرة، ولا نجد هذه الأمثال في الأناجيل الأخرى. ومعظمها تركز على تشجيع المسيحيين على الحياة في حالة الاستعداد المستمر لعودة يسوع: “لأنكم لا تعرفون اليوم أو الساعة”. ولعل بعضاً من أعضاء كنيسة متى كانوا قد بدأوا يشكون في عودة يسوع ثانية، والأمثال التي على نمط العذارى العشر تؤكد أنه في ظل موقف كهذا لن يكون المسيحيون إطلاقاً في حالة مناسبة للقاء ربهم.

وهناك سمة أخرى هام لإنجيل متى تتمثل في اهتمامه بالكنيسة. والواقع أنه الإنجيل الوحيد الذي استخدمت فيه الكلمة التي تترجم كنيسة “Ekklesia”. وهذه الحقيقة من المؤكد أنها تتضمن إشارة إلى الإنجيل كله. فقد كان متى يضع مجموعة من تعاليم يسوع في شكل يمكن أن يستعمل مباشرة طوال حياة الكنيسة. لقد كانت خلاصة وافية لنصيحة لها سلطانها سواء بالنسبة للمتجددين حديثاً أو المؤمنين القدامى فيما هم يحاولون أن يضعوا إيمانهم المسيحي موضع التطبيق في حياتهم اليومية.

الكاتب

ليس هناك اتفاق عام بالنسبة لمن كتب الإنجيل، وما هو زمن كتابته. وكثيرون من المفكرين لا يجدون الآن أية صعوبة في قبول التقاليد المسيحية القديمة التي تعرف مرقس ولوقا على أنهما قاما بكتابة الإنجيلين المنسوبين إليهما، لكن الوضع مختلف إلى حد ما بالنسبة لإنجيل متى. لأن متى، الذي ربط آباء الكنيسة اسمه بهذا الإنجيل، كان تلميذاً ليسوع، وعلى ذلك كان شاهد عيان بالنسبة للأحداث التي وصفها. وليس من السهل معرفة السبب الذي يجعل واحداً من الاثني عشر معتمداً بدرجة كبيرة جداً على إنجيل مرقس، الذي كتبه شخص لم يكن شاهد عيان للأحداث المتعلقة بحياة يسوع.

وبالطبع فموضوع الكاتب الحقيقي للإنجيل ليس الموضوع المهم بالنسبة لفهمنا له. فالسفر نفسه جاء خلواً من اسم كاتبه، ولا يتضمن أية إشارة على الإطلاق بالنسبة لمن كتبه. وربما كان شخصاً مرتبطاً بمتى الرسول، ولكن في أية مرحلة، أو بأية طريقة، فهذا لم يمكن قوله تحديداً.

تاريخ كتابته

كذلك تاريخ كتابة الإنجيل هو موضوع شك، ويعتمد على الإجابات على عدد من الأسئلة الأخرى.

ç من المفترض أنه لا بد وأن يكون قد كتب بعد إنجيل مرقس وبعد مجموعة الأقوال المعروفة بالمصدر Q. إلا أنه سبق لنا أن لمسنا المشاكل المتعلقة بإعطاء تواريخ ثابتة لهذه المواد.

çكثيرون من الباحثين يعتقدون أن إنجيل متى قد كتب بعد لوقا، لأن الإنجيل يبدو أنه يحتوي على إشارات مباشرة لسقوط أورشليم سنة 70م، وهنا أيضاً نقول إن هذا لا يعني بالضرورة أن الإنجيل كتب بعد هذا الحدث. وذلك الافتراض كان يقوم إلى حد كبير على الاعتقاد بأنه لا يوجد شيء يمكن القول إنه نبوة حقيقية مؤكدة. وعلى هذا فإذا بدا أن يسوع قد تنبأ بحدث في المستقبل فإن هذا معناه أن الكنيسة الأولى لا بد وأنها أعادت كتابة التقليد على ضوء الملابسات التالية. ولكن روبنسون Robinson أشار بحق إلى سذاجة هذا الافتراض، ويضع تاريخاً قبل ذلك بكثير معتمداً بصفة رئيسية على ذلك الأساس.

ç قيل أيضاً إن نمط تنظيم الكنيسة الذي نلمسه في إنجيل متى يعد نمطاً جيد التطور، وعلى هذا فهو يعكس مرحلة متأخرة جداً من القرن الأول. إلا أن هذا أمر ليس من السهل إثباته. وحين نقارن تفاصيل تعليم هذا الإنجيل عن الكنيسة، برسائل بولس مثلاً إلى كنيسة كورنثوس والتي كانت في منتصف خمسينات القرن الأول، فمن الصعوبة بالبالغة أن نرى فروقاً حقيقية بين الحالتين.

واستناداً إلى كيفية إجابتنا على هذه الأسئلة، قد يرجع تاريخ كتابة الإنجيل إلى الفترة من 80-100م (وهذا ما تؤيده غالبية المفكرين)، أو قبل سنة 70م، وربما في تاريخ مبكر يقع بين 40-60م. (حسب رأي روبنسون Robinson ووجوثري Guthrrie وكاتب أو اثنين من الكتبة الألمان).

 

يوحنا

مع استثناء واحد صغير، أو استثنائين، فإن كل ما قيل هنا تقريباً عن الأناجيل المتشابهة، يمثل إجماعاً في الرأي ساد بين باحثي العهد الجديد لفترة طويلة. وفي معظم النواحي الهامة نسبياً لم يتغير سوى القليل منذ كتب “ستريتر” عمله الهام منذ خمسين سنة مضت. وفي مواضع متفرقة، وضعت تأكيدات جديدة متباينة فيما اكتشف النظم الأحدث لنقاد الصيغ ونقاد التنقيح، مع أنه حتى هذا يعد تطوراً طبيعياً من عمل الأجيال السابقة.

أما بالنسبة لعمل الإنجيل الرابع، إنجيل يوحنا، فأصبحت المسائل الآن مختلفة تماماً. فقد كتب “ستريتر” عن هذا الإنجيل أنه يستمد ليس من المصادر الرئيسية، بل من الصورة الحية…. التي رسمها خيال (الكاتب) على أساس اللاهوت الدفاعي المعاصر، وشاركته رأيه هذا غالبية معاصريه، فقد اعتبروا إنجيل يوحنا تفسيراً لاهوتياً لحياة يسوع صدر في القرن الثاني مستخدماً لغة الفلسفة الهلينية ونمط فكرها. وكانوا ينظرون إليه كنوع من عظة ممتدة، ليس له أية علاقة بتقاليد يعول عليها عن المسيح كما عاش وعلم بالفعل.

ففي حين أنه منذ عشرين أو ثلاثين سنة مضت اعتبر إنجيل يوحنا في الغالب على أنه نسخة مختلفة من الأناجيل المتشابهة، إلا أن كثيرين من المفكرين الأكفاء مستعدون الآن لاعتباره مصدراً مبكراً ومستقلاً للمعرفة عن حياة يسوع وتعليمه، وأنه على قدر متساو مع الأناجيل المتشابهة من حيث قيمته. ويمكننا أن نتتبع ثلاثة أسباب رئيسية لهذا التغير الجذري في الرأي.

يوحنا والأناجيل المتشابهة

منذ خمسين سنة مضت كان الاعتقاد السائد أن كاتب إنجيل يوحنا كان على معرفة بالأناجيل المتشابهة synoptic. وهذا يرجع إلى عدد من القصص التي كانت مشتركة بينهما، فقصة إطعام يسوع خمسة آلاف[46]، وقصة دهنه بالطيب في بيت عنيا[47]، هما من الأمثلة على ذلك. ولذلك افترض أن يوحنا كان يكتب نوعاً من التفسيرات “اللاهوتية” للقصص الواقعية التي وردت في الأناجيل المتشابهة. ولا شك أن هذا أدى إلى استنتاج أن الإنجيل الرابع لا بد وأن يكون متأخراً في التاريخ، وأقل في النوعية من الأناجيل المتشابهة.

ومع ذلك فقد تم التشكيك في هذا الافتراض عند نقطتين:

أولاً: من المعترف به وعلى نطاق واسع الآن أنه من غير الممكن أن نضع “تاريخ الأناجيل المتشابهة مقابل “الفكر اللاهوتي” ليوحنا. ذلك أن كتبة الأناجيل المتشابهة كانوا هم أيضاً من اللاهوتيين. فهم لم يكتبوا أناجيلهم لتسجيل سير ذاتية خالصة، بل لأنه كان لديهم رسالة يريدون توصيلها لقرائهم. كما يتضح أيضاً أن الإنجيل الرابع لم يعتمد بالفعل على الأناجيل الثلاثة الأخرى والواقع أن كاتبه ربما كتبه دون أي معرفة بكتابات الإنجيليين الآخرين.

والفحص الدقيق للقصص الموجودة في الأناجيل الأربعة جميعاً ستبين أن هناك تشابهات بينها، كما أنه توجد عدة اختلافات في رواية يوحنا، وهذه الاختلافات ليست من النوعية التي يمكن تفسيرها بسهولة على أسس لاهوتية. فالاختلافات الواردة في قصص يوحنا، يمكن في الواقع فهمها بسهولة أكثر إذا افترضنا أنه كان متاحاً له الاطلاع على تقارير الأحداث التي كانت معروفة أيضاً لكتبة الأناجيل المتشابهة. وحين تفحص هذه الفرضية بالتفصيل، يمكن معرفة ليس أن قصص يوحنا جاءت من مصدر مختلف فحسب، بل أنه توجد بعض المعلومات في إنجيل يوحنا يمكن استخدامها في تأييد المعلومات الواردة في الأناجيل الأخرى. وهذا مما يساعد على جعل قصة حياة يسوع ورسالته أسهل فهماً.

فعلى سبيل المثال، يذكر يوحنا أن بعضاً من تلاميذ يسوع كانوا قبلاً من تلاميذ يوحنا المعمدان[48]. وهذا يوضح لنا الطبيعة الحقيقية لشهادة المعمدان عن يسوع التي وردت في الأناجيل المتشابهة، ولا سيما التأكيد الذي وضع هناك عن دوره في أن يقوم “طريق الرب”. وقصة يوحنا تساعدنا أيضاً على الإجابة على سؤال (غير واضح في الأناجيل المتشابهة) الخاص بما كان يعمله يسوع في الفترة بين عماده والقبض على يوحنا المعمدان. فالأناجيل المتشابهة تقول إن يسوع بدأ خدمته في الجليل بعد القبض على يوحنا المعمدان[49]. وهذه هي الخدمة الوحيدة التي سجلت في الأناجيل المتشابهة. إلا أنه أثناء زيارته الأخيرة لأورشليم، يذكر إنجيل متى ولوقا (المصدر Q) أن يسوع قال عن سكانها: “كم مرة أردت أن أجمع أولادك…”[50]. وهذا ما يوحي بأن يسوع قام بزيارة أورشليم في عدة مناسبات سابقة. ويتحدث يوحنا عن مثل هذه المناسبة بالضبط، في بداية خدمة يسوع تماماً، حين عمل إلى جانب يوحنا المعمدان في اليهودية قبل أن يعود ثانية إلى الجليل حين ألقي القبض على يوحنا[51].

وإنجيل يوحنا يملأ فراغات مادة الأناجيل المتشابهة في نقطة لاحقة حين يسجل زيارة أخرى قام بها يسوع إلى أورشليم قبل دخوله إليها في أحد السعف بستة شهور[52]. ويذكر يوحنا كيف غادر يسوع الجليل وذهب إلى أورشليم في عيد المظال (سبتمبر) ومكث هناك حتى عيد التكريس (ديسمبر).  وبعد ذلك، وبسبب العداوة المتزايدة عاد إلى المنطقة التي سبق وعمل فيها المعمدان[53]، وقام بزيارة خاطفة لبيت عنيا[54]، وذلك لدى سماعه بموت لعازر، وبعد ذلك بزمن قليل، قبل الفصح (أبريل) بستة أيام، عاد لزيارته الأخيرة لأورشليم[55]. وهذه هي الزيارة الوحيدة التي سجلت بقليل من التفصيل في مرقس، على الرغم من أن الزيارات الأخرى لمح إليها بعبارة مرقس الموجزة: “قام من هناك (الجليل) وجاء إلى تخوم اليهودية عبر الأردن”[56].

ثانياً: هناك أيضاً عدداً من التفصيلات البسيطة التي ذكرها إنجيل يوحنا والتي تساعد على شرح وتوضيح بعض النقاط في قصص الأناجيل المتشابهة[57]. فهناك على سبيل المثال إطعام الخمسة آلاف[58]. فقد ذكر في نهاية القصة في إنجيل مرقس أن يسوع أجبر تلاميذه على الهرب إلى السفينة، فيما يقوم هو شخصياً بصرف الجماهير. لكن تقليد يوحنا المستقل يستكمل بعض التفاصيل موضحاً أن يسوع اضطر إلى اتخاذ هذا الإجراء لأن الجماهير كانت متلهفة على خطفة وإقامته ملكاً عليهم. وسبق لنا أن لاحظنا في أصحاح سابق كيف أن قصص العشاء الأخير، وتجارب يسوع في البرية لا يمكن فهمها تماماً إلا على ضوء المعلومات التي ذكرت في إنجيل يوحنا.

وعلى ضوء دليل من هذه النوعية، أصبح هناك إدراك في أن إنجيل يوحنا يعد مصدراً في حد ذاته. فالمعلومات التي يحتويها غير تلك التي نجدها في الأناجيل المتشابهة، ولكن في نقاط هامة كثيرة نجد أن إنجيل يوحنا يكمل الأناجيل الثلاثة الأخرى.

خلفية يوحنا هي اليهودية

من المعروف أيضاً أن خلفية كثير مما ورد في إنجيل يوحنا هي خلفية يهودية وليست يونانية فقط. والتقاليد الأولى تقول إن هذا الإنجيل ولد في أفسس. ولذلك كان من الطبيعي أن يتطلع الباحثون إلى خلفية هيلينية له، ولا سيما أن مقدمة الأناجيل، تشرح التجسد في ضوء الكلمة “لوغوس”[59]، وهذه التقاليد الخاصة بالكنيسة من الطبيعي ألا يعتمد عليها دائماً. وبالنسبة لإنجيل يوحنا، فإنه من المثير أن نلاحظ أنه إذا أغفلنا المقدمة، فإننا لا نجد فيما يتبقى إلا النادر مما يتطلب خلفية يونانية. والواقع أن هذا عكس ما كان منتظراً. والإنجيلي يذكر هدفه كتابة في صيغة يهودية خالصة: “وأما هذه فقط كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله”[60]. ثم إن هناك أيضاً تأكيداً طوال الإنجيل على إتمام أقوال العهد القديم الأمر الذي يوحي أيضاً بخلفية يهودية.

وهذا الانطباع تأكد من تحليل دقيق للغة الإنجيل الفعلية، لأنه عند نقاط كثيرة تبين اللغة اليونانية علاقة وثيقة بمصادر آرامية. فكثيراً ما يستخدم الكاتب كلمات آرامية مثل: صفا، جباثا، أو ربوني[61]، ثم يعود ويفسرها لمنفعة قرائه اليونانيين. حتى كلمة “مسيا”[62] ذكر لها شرحاً دقيقاً. ومما يعطي مغزى أكثر، أنه توجد أيضاً عدة نقاط تتبع فيها اللغة اليونانية للإنجيل قواعد اللغة الآرامية. ونجد مثالاً لهذا في قول المعمدان عن يسوع “لست بمستحق (أن أحل) سيور حذائه”[63]. فالتعبير هنا يتبع النهج الآرامي ولو أن هذا لا يظهر في الترجمات المختلفة. ولكن التعبير غير العادي لهذه العبارة في إنجيل يوحنا هو تعبير عادي في اللغة الآرامية.

ثم إننا نجد أقوال يسوع أيضاً في إنجيل يوحنا وقد تم التعبير عنها في شبه التطابق وهو الأمر المعروف في الشعر في اللغة السامية[64]، وهناك أجزاء أخرى من تعليمه يمكن ترجمتها إلى الآرامية لتكون شعراً آرامياً واقعياً كاملاً[65].

وليس من المحتمل أن يكون إنجيل يوحنا ترجمة مباشرة من مستند آرامي، ولو أن البعض اقترح هذا. غير أن هذه الحقائق توحي بالفعل أن التعليم في إنجيل يوحنا له نفس الخلفية الفلسطينية، مثل مادة الأناجيل المتشابهة، والاستعمال الغريب لقواعد اللغة الآرامية في الكتابة اليونانية قد يستشف منه أن اللغة الآرامية كانت لغة الكاتب الأصلية.

اكتشافات أثرية

وإلى جانب الدليل الداخلي، يوجد أيضاً دليل كاف وهام مستمد من الحفريات الأثرية، ويدحض الآن الفكرة القديمة بأن إنجيل يوحنا كان إنجيلاً هيلينياً قديماً. وثمة ثلاثة عناصر رئيسية في الدليل لها أهميتها هنا.

ç لفائف البحر الميت بينت أن الجمع الغريب بين أفكار يونانية ويهودية والذي نجده في إنجيل يوحنا، كان سائداً ليس فقط في مدن يونانية مثل أفسس في القرن الثاني الميلادي، بل كان كذلك في فلسطين نفسها، في دوائر يهودية خالصة، في الحقبة السابقة للمسيحية. وكثير من العبارات المألوفة في إنجيل يوحنا وجدت أيضاً في اللفائف مثل: “من يفعل الحق”، “الذي يسير في الظلام”، “أبناء النور”، “روح الحق”[66]، وعبارات أخرى كثيرة جاءت في إنجيل يوحنا مطابقة لما كانت عليه في جماعة قمران. وفضلاً عن ذلك فإن المقابلة في إنجيل يوحنا بين النور والظلمة، الحق والباطل نجدها مطابقة أيضاً لما جاء في لفائف قمران. وفي كلا النصين نجد أن هذه الازدواجية بين النور والظلمة، والحق والباطل هي ازدواجية أخلاقية بالمقابلة مع التأكيد التجريدي لمعظم الفلسفات اليونانية والغنوصية.

ç وهناك اكتشاف آخر. على نفس القدر من الأهمية، جاء تقريباً في نفس الوقت مع لفائف قمران، وهي المكتبة القبطية الغنوسية التي وجدت في نجع حمادي في صعيد مصر. وقبل اكتشاف هذه الوثائق كان معرفتنا للغنوسية تقوم إلى حد كبير على معلومات قدمها عدد من مؤرخي الكنيسة واللاهوتيين الذين ألفوا كتباً لدحضها. ومن خلال أقوالهم لم يكن من الصعوبة تخيل أن إنجيل يوحنا ربما يكون قد كتب في القرن الثاني كجزء من المعركة بين الغوسيين و”الارثوذوكس” المسيحيين. غير أنه مع معرفتنا الجديدة المستمدة من كتابات المعلمين الغنوسيين، أصبح من الواضح تماماً أن هناك فرقاً شاسعاً بين عالم إنجيل يوحنا وعالم الغنوسية الكلاسيكية

ç قدمت الاكتشافات الأثرية في أورشليم أيضاً دليلاً يوضح تقاليد إنجيل يوحنا. ومن سمات هذا الإنجيل غير العادية الأسماء وأوصاف الأماكن. وكان الاعتقاد السائد ذات مرة أن هذه الأسماء قد استخدمت إما كوسيلة لاهوتية (كرموز)، أو لتعطي الانطباع بالمصداقية في قصص مختلفة. إلا أنه أصبح من الواضح الآن أن معظم هذه المعلومات الجغرافية تعتمد على معرفة حقيقية للمدينة بالشكل الذي كانت عليه قبل سنة 70م. ففي تلك السنة دمر الرومان أورشليم بشكل تام[67]، وبعد ذلك التاريخ كان من المستحيل أن ننظر إلى الأطلال ونتخيل مسبقاً ما كانت عليه المدينة[68]. وبينت الحفريات في أورشليم الآن أن وصف بركة بيت صيدا، على سبيل المثال أو الموضع الذي “يقال له البلاط” حيث قال يسوع بيلاطس، كان على أساس معرفة وثيقة بالمدينة في زمن يسوع.

الكاتب وتاريخ الكتابة

المحصلة النهائية لكل خطوط البحث المتشعبة هذه تمثلت في إعادة تقدير إنجيل يوحنا كمصدر يعول عليه لحياة المسيح وتعليمه. كما أن ذلك أدى أيضاً إلى إعادة فتح موضوع كاتب هذا الإنجيل وتاريخ كتابته. والسؤال الخاص بمن كتب هذا الإنجيل كان دائماً سؤالاً مربكاً، فضلاً عن أن تقاليد الكنيسة تذكر اثنين باسم يوحنا فيما بتعلق بهذا الإنجيل: الرسول، ويوحنا الذي يطلقون عليه “الشيخ”. ثم أن هناك حقيقة أن “التلميذ المحبوب” يبدو أنه صور في الإنجيل نفسه كمصدر لبعض المعلومات[69]، وهنا أيضاً نجد أن الأمر أبعد ما يكون عن الوضوح بالنسبة لمن كان هذا الشخص. ويعرف إيريناوس التلميذ المحبوب بأنه يوحنا الرسول. غير أن باحثين كثيرين يعتقدون بأنه ربما كان شخصية مثالية ترمز إلى المؤمن الحقيقي بيسوع. بل إنه عرف بأنه لعازر، والذي على أية حال، كان الشخص الوحيد الذي قيل تعه دائماً إن يسوع كان يحبه.

هناك نظرية جذابة قد تشرح الحقائق الجديدة التي ظهرت الآن عن يوحنا، وهو أن هذا الإنجيل كانت له طبعتان. وسبق أن رأينا أنه إذا استثنينا المقدمة يظهر السفر بأكثر ملائمة للعالم اليوناني. ولذلك من المحتمل أن تكون المقدمة قد أضيفت بعد إتمام العمل الأصلي، حتى يروق الإنجيل لنوعية جديدة من القراء.

وهذا الاحتمال تدعمه أيضاً العلاقة الغريبة بين الأصحاحين 20، 21. فالآية الأخيرة من الأصحاح العشرين يبدو أنها الخاتمة المنطقية للسفر، ولكن هذه الخاتمة اتبعت بعد ذلك بالتعليمات التي وجهها يسوع لبطرس بعد القيامة في الأصحاح 21. ومن المحتمل أن هذا الأصحاح الأخير قد أضيف حين أرسل السفر لخدمة احتياجات مجموعة جديدة من الناس، على الرغم من أن أسلوبه ولغته يتشابهان تماماً مع أسلوب بقية الإنجيل ولغته، ولذلك فلا بد وأنه أضيف بواسطة نفس الشخص.

من المحتمل أن الإنجيل كتب أولاً في فلسطين، ليبين أن يسوع هو المسيح. وربما كان في ذهن الكاتب طوائف اليهود الذين تأثروا بأفكار مثل التي كانت عند جماعة قمران. وعلى ذلك، حينما يبدو أن نفس التعليم يصلح للناس في أي مكان من الإمبراطورية الرومانية، هنا أعيد تنقيح الإنجيل، وتم شرح العادات والتعبيرات اليهودية، وأضيفت إليه المقدمة والخاتمة. والنصيحة التي وجهت إلى قادة الكنائس في الأصحاح 21 توحي بأن الصيغة النهائية للإنجيل ربما وجهت إلى كنيسة مسيحية من اليهود في مكان ما في العالم اللاتيني، ربما في أفسس.

أما موضوع تاريخ الإنجيل فلم يفصل في الواقع فيه بعد، لأنه ليس لدينا دليل آخر نقدمه في هذا الشأن. ويلمح آراء الكنيسة أنه كتب بواسطة يوحنا الرسول في نهاية حياته الطويلة، ومعظم الباحثين يستمرون في أن ينسبوا إليه تاريخاً يقع ما بين سنة 70-100م. ومن المؤكد أنه لا يجب أن يعزى إليه تاريخ يقع بعد نهاية القرن الأول، إلا أنه ليس هناك دليل حقيقي لإعطائه تاريخاً قرب نهاية تلك الفترة. ويجادل روبنسون بقوة ويقول إنه من المحتمل أن يكون أول الأناجيل قاطبة، ويجعل تاريخ كتابته في الفترة من 40-56م. وإذا كان هذا صحيحاً، فإن إنجيل يوحنا يحتمل والحالة هذه أن يكون معاصراً للأناجيل المتشابهة، ومثل هذا التاريخ سوف يكون من شأنه أن يزيل تماماً أي عائق يحول دون النظر إلى يوحنا الرسول على أنه كاتب الإنجيل الذي يحمل الآن اسمه.

 

[1] مر 1: 14-20.

[2] مرقس 1: 29-34.

[3] مرقس 4: 35-41؛ 5: 25-34؛ 6: 37-38؛ 8: 14-21؛ 8: 31-33؛ 9: 1-2؛ 9: 32؛ 10: 35-45.

[4] يوحنا 19: 35.

[5] يوحنا 12: 2.

[6] أعمال 12: 12.

[7] أعمال 12: 25.

[8] أعمال 15: 37-41.

[9] كولوسي 4: 10؛ فلمون 24.

[10] مرقس 5: 41؛ 7: 34.

[11] مرقس 7: 3-4.

[12] مرقس 4: 21؛ 12: 42؛ 14: 65؛ 15: 19.

[13] مرقس 8: 34-38؛ 10: 33-34 و45؛ 13: 8-13.

[14] مرقس 1: 43؛ 3: 5؛ 8: 12؛ 8: 33؛ 10: 14؛ 6: 1-6.

[15] مرقس 8: 31-33.

[16] مرقس 9: 31.

[17] لوقا 1: 1-4؛ أعمال 1: 1.

[18] أعمال 16: 10-17؛ 20: 5-15؛ 21: 1-18؛ 27: 1 – 28: 16.

[19] مرقس 5: 26.

[20] لوقا 8: 43.

[21] كولوسي 4: 14.

[22] 2تيموثاوس 4: 11.

[23][23] تاريخ الكنيسة 2، 4، 6.

[24] أعمال 11: 28.

[25] لوقا 21: 5-24.

[26] لوقا 1: 1-4.

[27] لوقا 2: 32.

[28] لوقا 1: 35؛ 3: 22؛ 4: 1-4.

[29] لوقا 2: 32.

[30] لوقا 3: 28-38.

[31] متى 1: 1-17.

[32] لوقا 4: 16-30.

[33] لوقا 9: 51-56.

[34] لوقا 10: 25-37.

[35] لوقا 17: 11-19.

[36] لوقا 2: 10.

[37] لوقا 24: 52.

[38] لوقا 15: 1-7، 11-32.

[39] متى 1: 1 – 2: 23.

[40] متى 26: 1 – 28: 20.

[41] هوشع 11: 1.

[42] متى 23: 1-36.

[43] متى 8: 10-12؛ 21: 43.

[44] متى 28: 16-20.

[45] متى 2: 1-12.

[46] يوحنا 6: 1-15؛ مرقس 6: 30-44؛ متى 14: 13-21.

[47] يوحنا 12: 1-8؛ مرقس 14: 3-9؛ متى 26: 6-13.

[48] يوحنا 1: 35-42.

[49] مرقس 1: 14؛ متى 4: 12؛ لوقا 4: 14-15.

[50] متى 23: 37؛ لوقا 13: 24.

[51] يوحنا 2: 13؛ 4: 3.

[52] يوحنا 7: 1 – 10: 42.

[53] يوحنا 10: 40.

[54] يوحنا 11: 1-54.

[55] يوحنا 12: 1، 12.

[56] مرقس 10: 1.

[57] مرقس 6: 45.

[58] يوحنا 6: 14-15.

[59] يوحنا 1: 1-18.

[60] يوحنا 20: 31.

[61] يوحنا 1: 42؛ 19: 13؛ 20: 16.

[62] يوحنا 1: 41.

[63] يوحنا 1: 27.

[64] يوحنا 12: 25؛ 13: 16، 20.

[65] يوحنا 3: 29-30.

[66] يوحنا 3: 21؛ 12: 36؛ 14: 17.

[67] يوحنا 5: 1-18.

[68] يوحنا 19: 13.

[69] يوحنا 21: 24.

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

ما هو الفرق بين الأناجيل الأربعة؟ وماذا عن التناقض الموجود بها؟!

ما هو الفرق بين الأناجيل الأربعة؟ وماذا عن التناقض الموجود بها؟!

ما هو الفرق بين الأناجيل الأربعة؟ وماذا عن التناقض الموجود بها؟!

ما هو الفرق بين الأناجيل الأربعة؟ وماذا عن التناقض الموجود بها؟!

لماذا أربعة أناجيل؟ وهل بها تناقض؟

سؤال: ما هو الفرق بين الأناجيل الأربعة؟ وماذا عن التناقض الموجود بها؟!

الإجابة:

الأناجيل كلها إنجيل واحد، ولا يوجد أي تناقض أو اختلاف فيما بينها .. بل هي فقط أربعة بشاير كُتِبَت بوحي الله إلى أربعة أشخاص هم متى -مرقس – لوقا – يوحنا. وكل شخص منهم كان يكتب لطائفة معينة من الناس، وهذا هو سبب الاختلاف الظاهري بينهم.. والمتعمق في دراسة الكتاب المقدس، لا يجد أي اختلاف في الأناجيل الأربعة.. بل هي مكملة لبعضها البعض..

أما بالنسبة لتاريخ كتابة الأناجيل، فيصعب تحديد السنة بالضبط.. لكن الشهادات الخارجية والأدلة والنظريات العلمية الحديثة تحدد أن الأناجيل الثلاثة الأولى -متى ومرقس ولوقا- كتبت قبل سنة 70م، أي قبل خراب أورشليم الذي حدث في تلك السنة. وتحددت التسعينات لإنجيل يوحنا.. وهناك اجتماع عام بين العلماء على أن بشارة مرقس هي أقدم البشائر الأربعة، تليها بشارة متي، ثم لوقا.

نظرة سريعة على الأناجيل الأربعة:

1- الإنجيل كما دونه متى – مت:

تنبأ أنبياء العهد القديم وانتظروا بشوق مجيء المختار، الذي سيدخل التاريخ ليقوم بفداء الشعب وخلاصه، وجاءت أول آية في إنجيل متى تعلن تحقيق أمل إسرائيل في مجيء المسيا المنتظر“كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود بن إبراهيم” لقد وضع رجال الكنيسة الأوائل إنجيل متى كأول كتاب في العهد الجديد لأنه حلقة وصل بين كتب العهد القديم والعهد الجديد ويصف إنجيل متى شخص وعمل المسيا الملك.

2- الإنجيل كما دونه مرقس – مر:

إنجيل مرقس (ويكتبه البعض خطأ إنجيل مرقص) قصر الأناجيل الأربعة، ويعطى نظرة واضحة وسريعة عن حياة المسيح ويركز على معجزات المسيح، وينتهي هذا الإنجيل إلى الحديث عن نهاية الزمان وعن ما سيحدث عند رجوع المسيح، ثم يسرد الأحداث المتعلقة بآلام المسيحوموته وقيامته وصعوده إلى السماء، ويؤكد على مساندة المسيح لتلاميذه فيما هم ينشرون البشارة في العالم أجمع.

3- الإنجيل كما دونه لوقا – لو:

يبنى لوقا إنجيله على الحقائق التاريخية، ونظرا لتدقيقه في تسلسل الأحداث الصحيحة، جاء إنجيله أشمل الأناجيل الأربعة من هذه الناحية، ويقدمالسيد المسيح على أنه الإنسان المثالي الذي أتى ليبحث عن الخطاة ويخلصهم.

4- الإنجيل كما دونه يوحنا – يو:

إنجيل يوحنا غير عادى في محتواه وفي أسلوبه، وهو إضافة جديدة للثلاثة أناجيل فهو أسهلها في القراءة، وأعمقها علمًا ودرسًا ويقدم المسيحبكونه الكلمة الأزلي الذي أظهر محبة الله إذ صار بشرا سويا لكي يخلص من الهلاك من يؤمنون به ويهبهم الحياة الأبدية والغرض من هذا الإنجيل، كما هو واضح من المعجزات الواردة فيه هو التحريض على الإيمان بالمسيح لنوال الحياة.

 

متى

مرقس

لوقا

يوحنا

لمن كُتب ؟
 

لليهود

للرومان

لليونان

للعالم المسيحى

موضوعه
 

المسيّا الملك

المسيا غالبإبليس

المسيح صديق البشرية

المسيح الكلمةالمتجسد

رسالة المسيح
 

يتمم الناموس

يصنع عجائب

يخلص البشرية

يحل في وسطنا

مادة
 الإنجيل

 

اهتم بالنبوات

اهتم بالعمل

اهتم بالتاريخ

اهتم باللاهوت

رمزه
 

وجه إنسان

الأسد

الثور

النسر

الإدعاء يوجود تناقض بين الأناجيل: هذا المقال منقول من موقع كنيسة الأنبا تكلا.

أولًا: الزعم بوجود تناقض بين إنجيل يوحنا والأناجيل الثلاثة الأخرى:

نحن لا ننكر بأن إنجيل يوحنا ينفرد بمنهج خاص، لكن ذلك يرجع للأسباب الآتية:

1- كَتَبَ يوحنا إنجيله بعد أن كتبت الأناجيل الثلاثة الأولى الأخرى. كُتِبَ في أواخر القرن الأول، حوالي سنة 95م، وكانت غايته تكملة ما جاء بهذه الأناجيل الأخرى؛ بمعنى تفصيل ما أجمل ذكره، أو ذكر ما أغفل كتابته. (ستجد النص الكامل للكتاب المقدس هنا في موقع الأنبا تكلا) فلم يكن هناك داع لتكرار ما قد تم كتابته بالفعل..

2- يوحنا كان له هدف أساسي هو إثبات إلوهية المسيح، وهذا ما يكشفه صراحة في خاتمة إنجيله: “وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تُكتَب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح إبن الله. ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه” (يو30:20، 31).

3- كتب يوحنا إنجيله أواخر القرن الأول، وكان في ذلك الوقت ظهرت هرطقات ضد لاهوت المسيح.. فكان من أغراضه ضحد هذه الهرطقات وإثبات خطأها. وهذا واضح من رسائله الثلاثة (2يو10، 11).

 

ثانيًا: الزعم بوجود تعارض بين الأناجيل الثلاثة الأولى:

ونحن نقول أن الاتفاقات بينها أكثر بكثير مما بينها من اختلافات ظاهرية. ونقول اختلافات ظاهرية لأنها ليست حقيقية. وليس أدل على التوافق بين الأناجيل الثلاثة الأولى، من وضع مضمونها في ثلاثة أنهار متوازية في بعض الكتب. كل جزء من إنجيل متى مثلًا مع ما يقابله من إنجيلي مرقس ولوقا وهكذا.. وقد بدأ هذا العمل منذ وقت مبكر في تاريخ الكنيسة، حتى أن القديس والفيلسوف أغسطينوس (القرن الرابع)، وضع كتابًا أسماه “اتفاق الأناجيل””Harmony of the Gospels”.

ونستطيع إجمال هذه الاختلافات المزعومة في ثلاث نقاط: الترتيب الزمني للأحداث، ثم تفاصيل الأحداث، وأخيرًا حرفية كلام السيد المسيح.

1- الترتيب الزمني للأحداث:

إن أسلوب الترتيب الزمني للأحداث ليس هو الطريقة الوحيدة الواجب على المؤرِخ إتباعها. فهناك الترتيب المنطقي، الذي يربط الأحداث بمسبباتها.. وهناك الترتيب النفسي الذي يخضع لتأثير الكاتِب، وتتمشى مع الغرض الذي لأجله كُتِبَ.. فمثلًا لاحَظ علماء الكتاب أن لوقا في أنجيله اهتم بذكر وتدوين معجزات الشفاء التي فعلها المسيح. والسبب في ذلك واضح؛ فلقد كان لوقا طبيبًا (لو14:4)، وكطبيب اهتم بذكر معجزات الشفاء التي كان يعجز الطب إزاءها…

2- تفاصيل الأحداث:

الإنجيليين يتفقون في جوهر الأحداث، ومن الناحية الأخرى فإن وجود تباين ينفي عنهم تواطئهم معًا أو اتفاقهم المسبق..! ونلاحظ أن بعض هذه الاختلافات راجع إلى بعض التفاصيل التي لم يرد أن يسجلها أحد الإنجيليين من وجهة نظره، بينما سجلها آخر.. كما أن هذا الاختلاف قد يحدث نتيجة أحداث متشابهة.. أي حدوث أكثر من حادثة من نفس النوع. كما حدث في معجزة إشباع الألوف والبركة (فلدينا إشباع الخمسة آلاف من خمسة أرغفة وسمكتين، ثم إشباع الأربعة آلاف من سبع خبزات وقليل من صغار السمك (مت15:14-20؛ 32:15-38؛ مر35:6-44؛ 1:8-9).. الهدف هنا من الكتابة هو إظهار بركة المسيح..

ونود أن نشير إلى نقطة هامة وهي أن الكتبة الملهمين لهم أن يستعملوا ما درج عليه عصرهم من قواعد لغوية وعوائد شائعة. فمثلًا قول المسيح “جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال” (مت39:12، 40). وحينما نحسب المدة التي مكثها المسيح لا تكون ثلاثة أيام وثلاث ليال كامل.. كان اليهود في عصر المسيح يقصدون بكلمة نهار وليل إلى غير يوم كامل (أي ليس 24 ساعة).. وبهذا المفهوم تكلم السيد المسيح في النص السابق المرتبط بيونان وبقائه في بطن الحوت.. وفي عصر الرسل كان يطلق اليوم الثامن على يوم الأحد الذي يُدعى “أول الأسبوع”.

هذه مجرد أمثلة.. فإذا وجدن بعض ما يبدو أنها متناقضات فالسبب يرجع إلى جهل البشر ببعض الظروف والقوانين أو العادات التي تكشف الدراسات عنها.

  • كتاب: كتابنا المقدس ومسيحنا القدوس – نيافة الأنبا يؤانس (أسقف الغربية المتنيح)

ما هو الفرق بين الأناجيل الأربعة؟ وماذا عن التناقض الموجود بها؟!

Exit mobile version