“حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الأَعْرَجُ كَالإِيَّلِ (إشعياء 35:6): شهادة حية على موثوقية الوحي الإلهي وفاعليته في التاريخِ البشري. ترجمة ودراسة: Patricia Michael

“حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الأَعْرَجُ كَالإِيَّلِ (إشعياء 35:6): شهادة حية على موثوقية الوحي الإلهي وفاعليته في التاريخِ البشري. ترجمة ودراسة: Patricia Michael

“حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الأَعْرَجُ كَالإِيَّلِ (إشعياء 35:6): شهادة حية على موثوقية الوحي الإلهي وفاعليته في التاريخِ البشري. ترجمة ودراسة: Patricia Michael

🟤 المقدمة:

منذ قرون بعيدة، نَطَق النبي إشعياء بكلمات نبويّة مُدهشة تصف زمناً سيحلُّ فيه الشفاء الجسدي والتجديد الروحي؛ زمناً يُبصر فيه الأعمى، ويقفز فيه الأعرج كالأيّل، ويتحوَّل فيه القفر إلى موضع فَيْض وحياة، إذ تنبأ بكلمات تحمل في طيّاتها وعدًا عميقًا يتجاوز التوقعات البشرية حيث قال:

“حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الأَعْرَجُ كَالإِيَّلِ وَيَتَرَنَّمُ لِسَانُ الأَخْرَسِ، لأَنَّهُ قَدِ انْفَجَرَتْ فِي الْبَرِّيَّةِ مِيَاهٌ، وَأَنْهَارٌ فِي الْقَفْرِ.” (إش 35: 6).

لم تكن هذه النبوءة مجرد تعبيرات شاعرية، بل كانت إعلانًا عن تدخُّل إلهي حقيقي سيتجسّد في التاريخ. هذه النبوءة– شأنها شأن سائر النبوءات الكتابية – تحمل في طيّاتها إشارات واضحة إلى عمل الله الخلاصي والتدخُّل الإلهي في مجرى التاريخ، لا سيّما فيما يخص العصر المسياني، حيث يُستعلَن التدبير الإلهي داخل التاريخ البشري من خلال أعمال ظاهرة للعيان.

يتناول هذا المقال كيف تحقّقت نبوءة إشعياء النبي بدقّة مُعجزيّة في زمن تجسُّد السيد المسيح، ثم امتدَّ تحقيقها في زمن الرُّسل الأطهار، مما يُبرز وحدة الإعلان الإلهي بين العهدين القديم والجديد، ويُظهر أن ما تنبأ به الأنبياء قد تحقّق حرفيًا من خلال اعمال السيد المسيح وتلاميذه من بعده، ليبقى هذا التحقيق شهادة حيّة على صدق الوحي وفاعلية الكلمة الإلهية عبر التاريخ.

🟤 أولا: نبؤة اشعياء النبي

“حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الأَعْرَجُ كَالإِيَّلِ وَيَتَرَنَّمُ لِسَانُ الأَخْرَسِ، لأَنَّهُ قَدِ انْفَجَرَتْ فِي الْبَرِّيَّةِ مِيَاهٌ، وَأَنْهَارٌ فِي الْقَفْرِ.” (إش 35: 6).

تشير هذه النبوءة، التي تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، إلى تحوُّلات جذرية وعميقة جداً تصاحب قدوم العصر المسياني، وتتجلّى في تدخُّل إلهي مباشر في الواقع البشري، من خلال آيات شفاء وتجديد روحي يتجاوز نواميس الطبيعة.

يتميّز التصوير البلاغي لإشعياء في هذه النبوءة ببُعدٍ لاهوتي فريد:

فالأبكم لا يقتصر على النُّطق، بل يُرنّم، والأعرج لا يكتفي بالمشي، بل يقفز كالأيّل – وهي صُور تُجسّد فرح الخلاص ومجد الاستعلان الإلهي في التاريخ.

🟤 ثانيًا: تحقيق النبوءة في أيام تجسُّد السيد المسيح

في سياق تأكيد هويّة السيد المسيح بوصفه المسيّا المنتظر الذي تتحقّق فيه النبؤات، يُقدّم لنا متّى الانجيلي مشهدًا يُظهر بوضوح أن أعمال السيد المسيح كانت شهادة حيّة على تحقيق النبوءات.

فعندما كان يوحنا المعمدان في السجن وسمع بأعمال السيد المسيح أرسل اثنين من تلاميذه ليسألاه: «أنت هو الآتي، أم ننتظر آخر؟»

(متى 11: 2 – 3)

“أَمَّا يُوحَنَّا فَلَمَّا سَمِعَ فِي السِّجْنِ بِأَعْمَالِ الْمَسِيحِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، وَقَالَ لَهُ: «أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟»

لم يُجب السيد المسيح بإعلان نظري أو تصريح لاهوتي مباشر عن هويّته، بل أحال السائلين إلى أعماله التي تُجَسّد ما تنبأ به الأنبياء، لتكون هذه الأعمال الإلهية شهادة حيّة – تلك الشهادة التي سبق أن أشار إليها إشعياء النبي في نبوءته.

(مت 11: 4-6).

فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمَا: «اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ».

تُعيد هذه الكلمات صدى نبوءة إشعياء، لا سيَّما في تفاصيلها الحيّة؛ فالأعمى يُبصر، والأعرج يمشي — تمامًا كما سبق وتنبأ اشعياء النبي، وبذلك، يرتبط النص الإنجيلي ارتباطاً وثيقاً بالنص النبوي، مُبيّناً أنّ زمن تحقيق الوعد قد بدأ فعليّاً خلال تجسّد السيد المسيح.

إن السيد المسيح لا يُعلن سلطانه بالأقوال فقط، بل بالأعمال التي تُجسّد الإعلان الإلهي للعالم. وهكذا، فإنّ النبوءة التي تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، والتي تتحدث عن تحوّلات عجائبية في زمن المسيّا، تحققت في ملء الزمان بالتجسّد الإلهي. فمعجزات السيد المسيح وأعماله ليست أحداثًا منفصلة أو استعراضات لقدرات إلهية، بل علامات تحمل دلالة نبويّة، تُثبت أن الوعود الإلهية قد بدأت تدخل حيّز التنفيذ، وأن السيد المسيح هو التجسيد الحيّ لتلك الوعود؛ الإله المتجسّد، الفاعل في العالم.

🟤 ثالثا: استمرارية تحقيق نبوءة إشعياء في عصر الكنيسة الأولى (أعمال الرسل)

من الملاحظ أن اشعياء النبي لا يقتصر في نبوءته على الاشارة الى شفاء العُمي والصُم، بل يقدّم بُعْدًا لافتاً يتَّسم بدقّة تعبيريّة بالغة ذات دلالة لاهوتية عميقة: فالأبكم لا ينطق فًحَسْب، بل “يترنّم”، والأعرج لا يمشي فقط، بل “يقفز كالأيّل” (إشعياء 35: 6). وبذلك، لا يمكن فهم هذه الدقّة التعبيرية والصياغة الدقيقة في النبوءة بوصفها تصويرًا بلاغيًا أو مبالغة أدبيّة، بل باعتبارها دلالات نبوية واضحة تُشير إلى علامات زمن المسيّا، كما تبلورت في الذهن النبوي في العهد القديم.

وعند الانتقال إلى العهد الجديد، نجد أن تأسيس الكنيسة بعد صعود السيد المسيح إلى السماء—وهو حدث اشار اليه المسيح بوضوح في مواضع متعددة (متى 16: 18–19؛ متى 18: 17؛ متى 26: 29؛ أعمال الرسل 1: 3) — جاء مترافقًا مع عمل آيات ومعجزات أُجريت على ايدي الرُّسل بقوة سماوية أكدت صدق الرسالة الإلهية.

ويقدّم لنا القديس لوقا في سفر أعمال الرُّسل، سِجلاً لتاريخ الكنيسة الناشئة، حيث يُورد فيه في الأصحاح الثالث معجزة شفاء الأعرج عند باب الهيكل، وهي حادثة تُعدُّ تحقيقًا مباشرًا ودقيقًا لنبوءة إشعياء:

(أع 3: 1-10)

“وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعًا إِلَى الْهَيْكَلِ فِي سَاعَةِ الصَّلاَةِ التَّاسِعَةِ. وَكَانَ رَجُلٌ أَعْرَجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يُحْمَلُ، كَانُوا يَضَعُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ بَابِ الْهَيْكَلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «الْجَمِيلُ» لِيَسْأَلَ صَدَقَةً مِنَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْهَيْكَلَ. فَهذَا لَمَّا رَأَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا مُزْمِعَيْنِ أَنْ يَدْخُلاَ الْهَيْكَلَ، سَأَلَ لِيَأْخُذَ صَدَقَةً. فَتَفَرَّسَ فِيهِ بُطْرُسُ مَعَ يُوحَنَّا، وَقَالَ: «انْظُرْ إِلَيْنَا!» فَلاَحَظَهُمَا مُنْتَظِرًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا. فَقَالَ بُطْرُسُ: «لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ، وَلكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ!» وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَهُ، فَفِي الْحَالِ تَشَدَّدَتْ رِجْلاَهُ وَكَعْبَاهُ، فَوَثَبَ وَوَقَفَ وَصَارَ يَمْشِي، وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى الْهَيْكَلِ وَهُوَ يَمْشِي وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ اللهَ. وَأَبْصَرَهُ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَهُوَ يَمْشِي وَيُسَبِّحُ اللهَ. وَعَرَفُوهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ لأَجْلِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَابِ الْهَيْكَلِ الْجَمِيلِ، فَامْتَلأُوا دَهْشَةً وَحَيْرَةً مِمَّا حَدَثَ لَهُ.”

🔸دقّة تحقيق النبوءة في سفر أعمال الرُّسل «حينئذٍ يقفز الأعرج كالأيّل»:

1- استجابة معجزيّة تفوق مضمون الأمر

يلاحظ القارئ في هذا النص أن بطرس الرسول، عند مخاطبته للرجل الأعرج، أمره قائلاً: “بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ!» وهي دعوة للقيام بفعل أساسي كان مستحيلاً عليه القيام به منذ ولادته. غير ان القديس لوقا، بدقته المنهجية، يضيف تفصيلًا لافتًا للغاية يتمثّل في أن الرجل لم يكتفِ بالمشي، بل “قفز” ايضاً.

(أع 3: 7–8)

“فِي الْحَالِ تَشَدَّدَتْ رِجْلاَهُ وَكَعْبَاهُ، فَوَثَبَ وَوَقَفَ وَصَارَ يَمْشِي، وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى الْهَيْكَلِ وَهُوَ يَمْشِي وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ اللهَ.”

يبرز القديس لوقا عنصر المفاجأة الإلهية ويُظهر أن فعل الله لا يقتصر على الحد الأدنى من المطلوب، بل يتجاوز التوقعات ويُظهر ملء النعمة والقدرة.

  1. تحقيق دقيق لنبوءة إشعياء

هذا التفصيل الدقيق ليس مجرّد إضافة سَرْديّة عفوية أو تصويرًا أدبيًا بلاغيًا، بل يُعدّ تحقيقًا دقيقًا مباشراً لنبوءة إشعياء القائلة: «حينئذٍ يقفز الأعرج كالأيّل» (إش 35: 6).

إن الأفعال الواردة في النص مثل وَثَبَ، وَقَفَ، وَصَارَ يَمْشِي، وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ اللهَ، تُحاكي بدقّة التعبيرات التي استخدمها إشعياء النبي، بما يشير إلى أن ما دوّنه القديس لوقا لم يكن مجرّد استدعاء أدبي لِنَصٍّ نَبَويٍّ، بل تسجيل دقيق لحَدث واقعي يحمل صدى نبوءة تحقّقت حرفيّا.

  1. النبوءة كامتداد للتاريخ الخلاصي

غير أن هذا التوافق اللفظي والدلالي لا يُختزل في مجرّد استيفاء شكلي للنبوءة، بل يكشف امتدادًا للفعل الإلهي في تاريخ الخلاص؛ ليس بوصفه تكرارًا حرفيًا لوعود اشار اليها الوحي، بل كثمرة لزمن الخلاص الذي ابتدأ في المسيح ويظلّ فاعلًا وممتدًا في حياة رُسُله وخدمتهم.

المعجزة إذًا تتجاوز حدود الإدراك الحسّي لتصبح علامة لاهوتية تُظهر أمانة الله في وعوده، وعمله المتواصل في التاريخ بطرق ملموسة ومجيدة.

  1. النبوءة كحدث تاريخي لا مجاز بلاغي

تكتسب هذه “ٱلدِّقَّةُ ٱلسَّرْدِيَّةُ” أهميتها اللاهوتية من كونها تربط حدثاً تاريخياً في العهد الجديد بنبوءة مسيانية تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد. فالنبوءة هنا ليست مجرّد مجازاً ادبياً أو وعود غامضة ورؤى عامّة، بل هي تنبؤ دقيق لتحوُّل جوهري وحقيقي سيحدث في المسار الانساني بفعل التدخُّل الالهي.

  1. تحولًا جذريًا يمسّ جوهر الكائن البشري.

من الناحية الروحية، ترمز عبارة “القفز كالأيّل” إلى حرية داخلية وانطلاق جديد. فالقفز هنا لا يُفهم فقط بوصفه حركة جسدية، بل كتعبير عن فرح عميق، حياة مُفعمة، وتحرُّر من قيود العجز والمرض، ونبوءة عن تعافٍ شامل يشمل الإنسان بكليّته.

هذا التفصيل يعكس أيضًا طبيعة المسيح الذي يُعيد تشكيل الإنسان ولا يقتصر على ازالة الأعراض فَحسْب، بل يُحدث تحولًا جذريًا يمسّ جوهر الكائن البشري. الرجل الأعرج لا يكتفي بتحقيق الحد الأدنى، بل ينتقل إلى القفز النشيط، وهو ما يرمز إلى فرح فيّاض وحياة متجددة، وقدرة فائقة على الحركة بعد عجز مزمن.

نحن لسنا أمام شفاء جسدي فحسب، بل أمام خَلْق جديد، يعكس العمل الالهي الفدائي الذي لا يُرمّم ما قد تهدَّم فقط، بل يجدّد ويُنشىء كياناً جديداً. إن الله لا يقتصر على إحداث شفاء اعتيادي، بل يحوّل الإنسان إلى كائن جديد يعبّر عن التحرر والفرح، وكأنّ حركته إعلان عن بدء زمن جديد، قَوامه الحريّة والشفاء الشامل، روحيًا وجسديًا.

  1. الإنجيل كتحقيق ملموس للوعد

يُبرز هذا التفصيل الطبيعة الفريدة للإنجيل، بوصفه إعلانًا إلهيًا ملموسًا يُجسّد وفاء الله بوعوده ضمن التاريخ البشري. فالإنجيل لا يقدّم مجرد فكرة نظريّة أو تأمل لاهوتي، بل يدوّن أحداثًا واقعية تؤكّد موثوقية الوحي وفاعليته التاريخية، وفي هذا الإطار ومن خلال توثيقه لهذا الحدث بتفاصيله الدقيقة، يُحقّق القديس لوقا غايته اللاهوتيّة في رَبْط العهد الجديد بجذوره في العهد القديم، مظهرًا أن التجسُّد والفداء لا يقومان على مفاهيم روحية مجرّدة، بل يتجليّان كوقائع تاريخية مُعلنة ومثبّتة.

  1. تحقيق النبوءة كعلامة لعمل الله التاريخي

بناء على ذلك، يمكن القول إن هذه الدقّة في الوصف ليست صدفة عابرة او مجاز بلاغي، بل هي تأكيد مقصود أن النبوءة قد تحققت فعليّا، حيث يظهر الله من خلالها بصفته خالقاً ومحرّراً، يُفعّل وعوده القديمة بطريقة تتّسم بالوضوح والتميُّز. هذا يدفع القارئ إلى إدراك أنّ الكتاب المقدس، بتفاصيله الدقيقة، ليس مجرد سجل تاريخي عابر، بل هو وحي إلهي حيّ يتخطّى حدود الزمن، ليصل إلى الأبدية ويعلن مجد الله الحيّ.

🟤رابعا: البعد اللاهوتي للوحي النبوي

يبقى السؤال اللاهوتي الأساسي: كيف أمكن لنبي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد أن يتنبأ بمثل هذا التفصيل الدقيق لمعجزة ستتحقّق في القرن الأول الميلادي؟ إنّ هذا المستوى من الدقّة لا يمكن تفسيره ضمن إطار التوقعات البشرية المجرّدة او التخمينات التاريخية، بل هو شاهد على الطبيعة الإلهية للوحي الكتابي.

فالأنبياء لم يكونوا مجرّد ناقلين لأفكار شخصية أو اجتماعية، بل كانوا وسطاء مميزين تكلّموا بوحي إلهي، كما يؤكد الرسول بطرس في رسالته:

(2 بط 1: 21).

“لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.”

وهكذا تتجلّى النبوءات الكتابية كتعبير عن خطة إلهية متكاملة، لا كتوقّعات بشرية أو تكهّنات تاريخية، بل كأعمال إلهية تتحقّق عبر الزمن، شاهدةً على صدق الإعلان الإلهي في شخص يسوع المسيح، الذي جاء ليُتمّم كل ما كتب عنه الأنبياء، كما قال: هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ».” (لو 24: 44)

🟤الخاتمة:

تُظهر دراسة النبوءات الكتابية وتحقيقها التاريخي وحدة وتكامل خطة الله الخلاصية عبر الزمن، ممّا يؤكّد الطابع الإلهي للوحي المقدس. إذ تتجاوز النبوءات كونها توقعات بشرية أو تخمينات تاريخية، لتكون إعلانًا كاشفًا عن مشيئة الله الثابتة التي تتجسّد في مجيء السيد المسيح وتدخُّل الله الفاعل في مجرى التاريخ. هذه الحقيقة تحث الباحثين على الاعتراف بالكتاب المقدس كمصدر موثوق للمعرفة الإلهية، كما تعزز قوة الأدلة التاريخية والنبوية، مما يُرسّخ أسس الدفاعيات المسيحية في مواجهة الشكوك والانتقادات المعاصرة.

ليكون للبركة

Patricia Michael

Miller, Dave. The Bible Is from God: A Sampling of Proofs. Montgomery, AL: Apologetics Press, 2003. [see chapter four: “Messianic Anticipations – The Lame Shall Leap”].

France, R. T. The Gospel of Matthew. New International Commentary on the New Testament. Grand Rapids: Eerdmans, 2007.

Keener, Craig S. The IVP Bible Background Commentary: New Testament. Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1993.

Oswalt, John N. The Book of Isaiah: Chapters 1–39. New International Commentary on the Old Testament. Grand Rapids: Eerdmans, 1986.

“حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الأَعْرَجُ كَالإِيَّلِ (إشعياء 35:6): شهادة حية على موثوقية الوحي الإلهي وفاعليته في التاريخِ البشري. ترجمة ودراسة: Patricia Michael

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: aghroghorios

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

أعلن الدكتور Moody Smith في رئاسته لجمعية الأدب الكتابي في سنة 2000، معلقًا على الفترة التاريخية بين وجود كتابات العهد الجديد ودمجها في قانونية العهد الجديد.¹ وقد أدرك مودي المبدأ الرئيسي الرابع للدراسات الكنسية الحديثة، ألا وهو أن كُتّاب العهد الجديد كتبوا دون وعي بسلطتهم الخاصة ودون نية أن تكون كتبهم مقدسة.² ويقال إن كتاباتهم كُتبت لتكون حلًا ومعالجة لمشاكل الكنيسة الفورية.

وإنه لم تكتسب هذه الكتابات مكانة موثوقة إلا عندما بدأت الكنيسة اللاحقة تُظهر تقديرًا لهذه الكتابات.³ ويؤكد Mark Allan Powell في كتابه هذا الرأي بشكل واضح فيقول: “لم يكن مؤلفو العهد الجديد لديهم علم أنهم يكتبون وحيًا”.⁴ ويتخذ Schneemelcher نفس المنهج فيقول: “لم تُكتب الأناجيل ككتب قانونية بمعنى أن كُتّابها لم يكونوا يكتبون كتابًا مقدسًا له سلطة الوحي”.⁵

وبالطبع، لا بد أن نعترف أن هذا الفهم ممكن أن يكون صحيحًا في عدد من النقاط المهمة.

أنْ لا أحد من كُتّاب العهد الجديد كان لديه معرفة بالمستقبل بأنهم سوف يكتبون وحيًا، فهذا ليس شيئًا يمكن توقعه.⁶ ومن الصحيح أنهم تناولوا مشاكل عرضية في الكنيسة في القرن الأول.⁷

ومع ذلك، هل يعني هذا أن كُتّاب العهد الجديد لم يكن لديهم إدراك أنهم يكتبون بوحي؟ وكتبوا بدون قصد كتاباتهم لتُسيِّر حياة الكنيسة؟

على الرغم من أن هذه الادعاءات حول كُتّاب العهد الجديد قد تكون واسعة الانتشار ومتكررة، إلا أن بعض العلماء بدأوا يرفضونها. ولم يقتصر الأمر على سميث،⁸ بل قام جون بارتون،⁹ و إن. تي. رايت.¹⁰

فلهذا، كَتبتُ هذا الفصل لتحدي فكرة أن كُتّاب العهد الجديد كتبوا دون إدراك أنهم يكتبون وحيًا. فطرحُنا البسيط سيُظهر أن كُتّاب العهد الجديد أدركوا أن كتاباتهم ستنقل تقليدًا رسوليًا أصيلًا ذا سلطة. وبالتالي، كانوا يؤمنون أن لهذه الكتابات سلطة عليا داخل حياة الكنيسة.¹¹ كما قال إن. تي. رايت: “كانوا الكُتّاب مدركين أنهم يكتبون رسالة فريدة عن يسوع بقيادة الروح القدس، وستُشكّل الكنيسة فيما بعد، بناءً على كرازتهم، فهناك جيل سيتلقى من الجيل الأول”.¹²

فاستخدام مصطلح “Scripture” لوصف كيفية فهم كُتّاب العهد الجديد سيثير جدلًا واختلافًا – وهذا المصطلح مقبول لدى البعض، والبعض الآخر لا يرتاح كثيرًا له. فعلى سبيل المثال، لا يقر Robert Spivey و Smith بأن بولس كان يكتب كتابًا مقدسًا، ولكنه كان يكتب بوعي سلطته الرسولية.¹³ لكنهم لم يفسروا الاختلاف الجوهري بين السلطة الرسولية والوحي. فالسلطة الرسولية يمكن أن تُقاد بإلهام من الروح القدس بكتابة أو تكلم بكلمات الله ذاتها، فما هو الاختلاف إذًا؟

إذًا، هل كتابتهم تختلف عن الكتب المقدسة؟ يجيب Barton ويقول إن المرحلة الأولى لم تتسم بأنهم يكتبون كتابًا مقدسًا بالقدر الذي قد نتوقعه، ولا يرجع هذا إلى افتقارهم إلى الوحي، بل يرجع إلى أنهم في وقتهم كانوا ينظرون إلى الكتب المقدسة على أنها شيء قديم وأصيل، وكانت هذه الكتابات جديدة.

ولا يبدو أن هناك أهمية في إطلاق اسم “كتاب مقدس” عليها أم لا، فكانت هذه الكتب لها مكانتها كأحد أهم الكتب في العالم، ومكانتها مضمونة. فكانت كتبهم بمثابة كتب مقدسة، ولها سلطة ومكانة الكتب المقدسة عند اليهود لدى المسيحيين.

القضية الرئيسية هنا ليست إطلاق كُتّاب العهد الجديد على كتبهم أنها “كتاب مقدس”، مثلما ورد في كتاباتهم في بطرس الثانية 3: 16 وتيموثاوس الأولى 5: 18، لكن هل كتب هؤلاء الكُتّاب بوعيٍ كتبًا فهموا أنها تحتوي على وحي رسولي جديد عن يسوع المسيح، وبالتالي ستكون لها سلطة الوحي العليا في الكنيسة؟¹⁶

سننتقل إلى تحليل لنصوص كتابية من أجزاء متفرقة في العهد الجديد، بما في ذلك رسائل بولس والأناجيل وبعض كتابات العهد الجديد الأخرى. فلا يوجد مجال لنأخذ كل ما ورد في العهد الجديد (27 سفرًا)، ولكن نأخذ عينات فقط من النصوص التي تكون كافية لإثبات النقطة المطلوبة.

 

أولًا: رسائل بولس الرسول

رسالة غلاطية

بما أن معظم العهد الجديد هو رسائل بولس، فالأفضل أن نبدأ نقاشنا هذا بكتاباته.

غلاطية 1: 1: «بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ».

توجد تصريحات لبولس عن رسوليته، ولكن لا يوجد أوضح من نص رسالة غلاطية عن سلطانه الرسولي. وقد لاحظ F. F. Bruce أن بولس يتكلم هنا ويؤكد أن مصدر رسالته مصدر إلهي لرسالة رسولية.¹⁷ لا شك أن قول بولس هذه الصيغة التي في الآية هو رد على بعض من شككوا في سلطانه الرسولي في غلاطية.¹⁸ وكان بولس يرغب في تصحيح فهمهم في بداية رسالته.

لذلك، في غلاطية 1: 1، يبذل بولس قصارى جهده ليؤكد أن رسالته رسولية ليس فيها نوع من البشرية؛ لأنها لم تأتِ من الناس ولا بواسطة إنسان: οὐκ ἀπ᾽ ἀνθρώπων οὐδὲ δι᾽ ἀνθρώπου. وقوله هذا يشير إلى أن من دعا بولس ليسوا الرسل الآخرين، فلم تأتِ هذه الدعوة من خلال وسيط بشري (قارن ما قاله في غلاطية 1: 17–20):

«17 وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْقَ. 18 ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. 19 وَلكِنَّنِي لَمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِلاَّ يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ. 20 وَالَّذِي أَكْتُبُ بِهِ لَكُمْ، فَهُوَذَا قُدَّامَ اللهِ أَنِّي لَسْتُ أَكْذِبُ فِيهِ».

بل على العكس، أتت من خلال يسوع المسيح والله الآب، وفي إشارة إلى ما حدث مع بولس في طريقه إلى دمشق، حسب أيضًا نص أعمال الرسل 9: 1–9. فبولس يؤكد على سلطته الفريدة، ويتحدث دائمًا أنه رسول ليسوع المسيح، وسنتناول المواقف التي تُعرض أمامه من خلال هذا السلطان. وفي غلاطية 6: 1 يقول: «إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ».

فيشير بولس أن بعض الغلاطيين قد بدأوا يهجرون إنجيل النعمة ويتجهون نحو إنجيل آخر. ويطمئنهم بولس أن الإنجيل الذي بشّر به ليس إنجيل إنسان، بل كتبه بوحي من خلال يسوع المسيح. نجد هذا في غلاطية 1: 11: «فَأُعْلِمُكُمْ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَّ الْبِشَارَةَ الَّتِي بَشَّرْتُكُمْ بِهَا لَيْسَتْ صَادِرَةً عَنِ الْبَشَرِ. 12 فَأَنَا مَا تَلَقَّيْتُهَا وَلاَ أَخَذْتُهَا عَنْ إِنْسَانٍ، بَلْ عَنْ وَحْيٍ مِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ».

يؤكد بولس هنا أنه تلقى وحيًا من يسوع المسيح، ولذلك لا ينبغي عليكم يا أهل غلاطية التخلي عنه. وبولس في غلاطية 1: 8: «فَلَوْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ بَشَّرَكُمْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِبِشَارَةٍ غَيْرِ الَّتِي بَشَّرْنَاكُمْ بِهَا، فَلْيَكُنْ مَلْعُونًا!»، يُنذرهم أن هناك دينونة لكل من ينكر البشارة أو الإنجيل الذي يُبشَّر به أنه إنجيل فيه حق.

كل هذا يعطينا انطباعًا أن بولس كان يرى أن رسالة غلاطية كتبها بسلطان المسيح نفسه، وأنها كُتبت لتصحيح أفكار خاطئة عن رسالة الإنجيل. كما لاحظ أيضًا Ronald Fung أن بولس كان يرغب أن يقول لهم إن رسالة الإنجيل وصلت إليهم من خلاله نتيجة كشف الله له عن المسيح، وكان الإنجيل ما زال يُبشَّر به في وقت كتابته الرسالة. فلذلك، كان بولس يدعو إلى العودة إليه.²¹

أما مسألة إطلاق اسم على كتابات بولس أنها “كتاب مقدس” فهي فكرة ثانوية؛ لأنها من الأساس هذه الرسائل تحمل سلطة عليا، وأعلى سلطة يمكن أن تكون على نص مكتوب من جهة وحيها.

 

رسالة تسالونيكي الأولى

في تسالونيكي الأولى 2: 13: «وَنَحْنُ أَيْضًا نَشْكُرُ اللهَ بِلاَ انْقِطَاعٍ، لأَنَّهُ لَمَّا تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ اللهِ الَّتِي سَمِعْتُمُوهَا، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ حَقًّا كَكَلِمَةِ اللهِ الَّتِي تَعْمَلُ فِيكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ». يصرح بولس مرة أخرى بسلطانه الرسولي أنه رسول يسوع المسيح، ويستخدم تعبير “كلمة الله”.

ولا شك أن بولس أيضًا أشار إلى تقليد رسولي تلقاه أهل تسالونيكي من خلال تبشيرهم الشفهي، من خلال التعليم والوعظ.²⁴ واستخدم بولس مصطلح “تسلمتم” إشارة إلى قبول تقليد رسولي، وهذا مستخدم كثيرًا في كورنثوس الأولى 11: 23 و15: 1–3، وغلاطية 1: 9، وكولوسي 2: 6–8، وكورنثوس الثانية 3: 6. واستخدم بولس تعبير “كلمة الله” في مواضع متعددة إشارة إلى تعليم إلهي موحى به، على سبيل المثال: كورنثوس الأولى 14: 36، وكولوسي 1: 25، وتيموثاوس الثانية 2: 9. وهكذا في نص تسالونيكي الأولى 2: 13.

يقول Ernest Best إن بولس يقدم ادعاءً جريئًا أن كلماته هي كلمات الله.²⁶ كانت كلمات بولس الرسولية تشمل وحيًا وسلطة إلهية، وهي متكررة في تسالونيكي الأولى، ليس في هذا النص فقط، بل شملت نصوصًا أخرى تؤكد سلطة الرسالة ووحيها. في تسالونيكي الأولى 4: 2–8، يُصرح بولس صراحة أنه يكرر تعليمًا رسوليًا عن القداسة سبق أن سُلِّم إليه، وتعليم رجاء بواسطة يسوع المسيح، وبإرادة الله. وهكذا، تقدم رسالة تسالونيكي الأولى لكل إنسان أنها رسالة تحتوي على تعليم الله، لدرجة أنه بعدما أنهى بولس إرشاده عن القداسة، حذر أهل تسالونيكي من أن يتجاهلوا هذه التعليمات.

وفي نص تسالونيكي الأولى 4: 8: «إِذًا مَنْ يُرْذِلُ لاَ يُرْذِلُ إِنْسَانًا، بَلِ اللهَ الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا رُوحَهُ الْقُدُّوسَ». يقول Gordon Fee إن رفض تعليم بولس هو بمثابة رفض الله نفسه.²⁹ يقر بولس في موضع آخر بأسلوبه الرسولي في التعليم، ويقول في تسالونيكي الثانية 2: 15: «فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا».

وفي الواقع، يشير بولس في آيات أخرى إلى أن جسده ضعيف وأن الرسائل أقوى من هذا الجسد، في كورنثوس الثانية 10: 10: «لأَنَّهُ يَقُولُ: الرَّسَائِلُ ثَقِيلَةٌ وَقَوِيَّةٌ، وَأَمَّا حُضُورُ الْجَسَدِ فَضَعِيفٌ، وَالْكَلاَمُ حَقِيرٌ». ويختتم بولس رسالته إلى أهل تسالونيكي بطلب قراءة هذه الرسائل علنًا في الكنيسة، في تسالونيكي الأولى 5: 27 (قارن هذا الأسلوب بكورنثوس الثانية 10: 9، وكولوسي 4: 16، ورؤيا 1: 3).

وقد أدرك العلماء أن هذه الممارسات هي بالتوازي مع الممارسات اليهودية في قراءة أجزاء من العهد القديم بصوت عالٍ في العبادات العامة في المجمع (راجع لوقا 4: 17–20، وأعمال الرسل 13: 15 و15: 21).³² ومع ذلك، إصرار بولس على قراءة رسالة تسالونيكي الأولى علنًا يقترن بادعائه السلطة الرسولية والوحي في الرسالة نفسها، وهذا يوفر سببًا وجيهًا بأن الشعب ينظرون إلى هذه الرسالة أنها تحمل سلطان الله أو وحيه.³⁴

 

كورنثوس الأولى 14: 37–38

«إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ رُوحِيًّا، فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرَّبِّ. وَلكِنْ إِنْ يَجْهَلْ أَحَدٌ، فَلْيَجْهَلْ!».

يصرح بولس هنا بسلطانه الرسولي أنه يكتب وصايا الرب نفسه، ويختم قوله بمعنى: من عرف أنني أكتب أو لم يعرف. فبولس يعلن بدقة وبوضوح أنه يكتب أمر الله، فهذه العبارة في اليونانية تشير إلى أنه يكتب أمرًا صادرًا عن الله نفسه، كما أعطى الله أمره لموسى.³⁵ واستخدم بولس نفس الأسلوب في كورنثوس الأولى 7: 19.³⁶ إنه يكتب وصايا الله، أي أنه يكتب وصايا ذات سلطة صادرة عن الله نفسه.

وهناك تنوع بين تركيبات بولس اللغوية، مثل رسالة تيطس 1: 14: «لاَ يُصْغُونَ إِلَى خُرَافَاتٍ يَهُودِيَّةٍ، وَوَصَايَا أُنَاسٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الْحَقِّ». هنا يفرق بولس بين وصايا الناس وبين وصايا الله، وفي رسالة كورنثوس الأولى 14: 37–38، يساوي بولس بين ما يكتبه وبين كلام الله نفسه.³⁷ ومما يؤدي إلى وثوق بولس بسلطته على التكلم باسم الرب لدرجة أنه يُعلن أن كل من لا يقر بسلطان كتاباته يصفهم بأنهم سيكون عليهم دينونة.³⁹

يجادل Raymond Collins بأن بولس يحذر من مصيبة أخروية لكل من يرفض رسالته.⁴⁰ وهذه الصيغة تعكس دور بولس كرسول للعهد الجديد في كورنثوس الثانية 3: 6: «لَقَدْ جَعَلَنَا خُدَّامًا لِعَهْدِهِ الْجَدِيدِ، وَهُوَ عَهْدٌ لاَ يَعْتَمِدُ عَلَى الشَّرَائِعِ الْمَكْتُوبَةِ، بَلْ عَلَى الرُّوحِ». وينذر بولس من يرفض الخضوع لسلطته الرسولية الممنوحة من الله.⁴¹

ويلخص Archibald Robertson و Alfred Plummer أن بولس من هذه الآيات مدرك أنه لا يتكلم من نفسه، ولكن يتكلم بلسان المسيح.⁴²

في تسالونيكي الثانية 3: 6: «ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا». و14: «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ». كما قلنا عن نص كورنثوس الأولى 14: 37–38، فإن بولس يقول إنه ينبغي طاعة تعاليمه، وأن هناك دينونة على من سيرفضونها. فيقول بولس أن يتم تجنب كل أخ يسلك بلا ترتيب خلافًا للتقليد الذي تسلموه منا، فإن التقليد الذي يشير إليه بولس هنا بلا شك تعليم رسولي موثوق تم إعطاؤه إلى أهل تسالونيكي، وهو أمر يؤكد استخدام مصطلحات أساسية.

ولهذا السبب، يعلن بولس حكمًا نبويًا عن الذين يرفضون تعليمه الرسولي.⁴⁵ ويقول لأهل تسالونيكي أن يبتعدوا عن الأخ الذي يسلك بلا ترتيب، وهذا إشارة إلى نوع من التأديب الكنسي، وربما الحرمان الكنسي. وكما وضحنا أنه في تسالونيكي الثانية 3: 6 يقول إن ما يقوله بولس هو وصايا المسيح نفسه. يلاحظ هنا Leon Morris أن ما يقوله بولس يجعل الأمر أكثر إلهامًا وسلطانًا إلهيًا. وفي تسالونيكي الثانية 3: 14: «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ»، يقدم تحذيرًا ألا يتم التعامل مع من لا يطيع الرسالة، بل أيضًا يُصدر عقابًا كنسيًا لمن يعصي، ويقول إنه لا ينبغي التعامل معه.⁴⁸

يقول Charles Wanamaker بقول صريح إن بولس يدعو إلى حرمانهم الكنسي.⁴⁹

تستطيع الآن أن ترى اتجاهًا سائدًا في العديد من مقاطع بولس بشكل منتظم، تأكيدًا على سلطته الرسولية على التحدث باسم المسيح، وتوضيح أن السلطة الرسولية ليست في كلامه الشفهي بل في رسائله المكتوبة، وأن كل من يرفض تعليمه الشفهي والمكتوب يرفض وصايا المسيح ويكون له دينونة وحرمان كنسي. فلذلك، من الصعب قبول فكرة أن بولس لم يكن على دراية بما يكتب بأنه يكتب وحيًا إلهيًا.

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

كتاب الأناجيل

الأناجيل تختلف عن أدب الرسائل، فلا نتوقع أنهم سيقدمون أنفسهم بتصريحات مباشرة وصريحة حول سلطتهم الرسولية كما فعل بولس في الرسائل،⁵¹ فهم يعملون خلف الكواليس ولا يظهرون أنفسهم إلا نادرًا في سياق القصة.⁵² ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار عدم الكشف الرسمي عن هوية الأناجيل دليلًا على أن مؤلفيها لم يروا أن ما يكتبونه هو وحي يحمل سلطان الله. جادل Armin Baum بأن الكتب التاريخية في العهد الجديد – ويقصد بها الأناجيل وسفر الأعمال – كُتبت عمدًا بدون ذكر للأسماء لتكون مثلها مثل العهد القديم، والتي لم تتضمن هوية الكاتب في داخلها.⁵³

وهذا ما يجعل الأناجيل وأعمال الرسل مميزة عن معظم السير الذاتية اليونانية-الرومانية التي عادةً تتضمن اسم الكاتب، وإن لم يكن دائمًا.⁵⁴ وقد أعطى هذا الأسلوب لكُتّاب الإنجيل إعطاء الأولوية لموضوع الأناجيل.⁵⁵ وهكذا، فإن إخفاء الهوية لم يقلل من سلطان ووحي الأناجيل، بل ساهم في الواقع في زيادة الوحي عمدًا، أنها كُتبت مثل تقليد العهد القديم.⁵⁶

بالإضافة إلى حجة باوم، هناك طرق أخرى يمكن من خلالها تقييم وعي مؤلفي الأناجيل بسلطانهم بالإلهام.

وعلى الرغم من عدم ذكر أسماء الأناجيل رسميًا، ولكن هناك أدلة أكثر دقة تقدم دلائل حول هوية الكُتّاب، والأهم من ذلك، حول نيتهم في نقل تقليد رسولي موثوق به حول شخصية يسوع الناصري.

في مرقس 1: 1، لاحظ Robert Guelich أن افتتاحية مرقس تثير الجدل حول معاني كل كلمة فيها، فيقول: “بداية إنجيل يسوع المسيح!”. هذا عنوان الكتاب، ومرتبط بما سيأتي فيما بعد من كتابة مرقس.

ويلاحظ Robert Stein تذكيرًا بأن العمل بأكمله يؤكد مرقس أنه البشارة عن يسوع المسيح.⁶¹ إن استخدام مرقس للكلمة اليونانية εὐαγγελίον (الإنجيل)،⁶² لم يكن قد استُخدم من خلال مرقس للإشارة إلى النصوص المكتوبة، بل إلى إشارة إلى موثوقية الكلام الرسولي الذي سيقدمه.⁶³ وهكذا، فمنذ البداية يوضح مرقس أنه ينبغي أن نفهم أن الرسالة رسولية، والمصطلح نفسه يستخدمه في مرقس 14: 9: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ، تَذْكَارًا لَهَا»، مما يخلص تضمينًا أدبيًا واضحًا يعزز فكرة أن العمل بأكمله يجب تفسيره أنه الهدف من ملخص كتابته للإنجيل.⁶⁴

وقد دفع هذا اثنين من الباحثين، John Roberts و Andreas du Toit، إلى أن مرقس ادعاء عظيم حول الوحي والسلطان. وبالمثل، يجادل مارتن هينجل بأن مرقس يقدم إنجيله أنه رسالة خلاصية ليسوع المسيح، وبالتالي هو يلبي متطلبات أن هذه كتابات مقدسة.

ولكن هناك أدلة أخرى تدعم هذا الفهم.

تتطابق الافتتاحية في مرقس مع نفس افتتاحيات بعض كتب العهد القديم النبوية، على سبيل المثال: هوشع 1: 2: «أَوَّلَ مَا كَلَّمَ الرَّبُّ هُوشَعَ، قَالَ الرَّبُّ لِهُوشَعَ: اذْهَبْ خُذْ لِنَفْسِكَ امْرَأَةَ زِنًى وَأَوْلاَدَ زِنًى، لأَنَّ الأَرْضَ قَدْ زَنَتْ زِنًى تَارِكَةً الرَّبَّ». نجد صيغة مشابهة لاستخدام مرقس لكلمة “بداية إنجيل”، وهنا في هوشع “أول ما كلم”.⁶⁷ ويعلق Gerd Theissen على استخدام مرقس لهذه الصيغة قائلًا: “كان قراء وسامعو إنجيل مرقس على دراية بكتب الأنبياء، والتي بدأت بكلمة الله التي وصلت للإنسان”.⁶⁸ فيشير إنجيل مرقس إلى أنه يقدم الإنجيل كرسالة من الله مثل العهد القديم.

مرقس يقدم إنجيله لتجسيد التقاليد الرسولية، فهو يتبع ما جاء في عظة بطرس في أعمال الرسل 10: 34–43.⁶⁹ فعظة بطرس يعتقد العديد من العلماء أنها تقليد سابق للوقا، وبالتالي من المرجح أن تكون واحدة من أقدم التعبيرات عن رسالة الإنجيل.⁷⁰ فيبدأ إنجيل مرقس وسفر أعمال الرسل 10: 34–43 بمصطلحات إنجيلية،⁷¹ ويتحدثان عن يسوع باعتباره المسيا،⁷² ويربطان المسيح بسياق إشعياء في العهد القديم،⁷³ ويضعان بداية الخدمة من الجليل،⁷⁴ ويناقشان دور يوحنا المعمدان،⁷⁵ وبالطبع يسلطان الضوء على خدمة المسيح من الفداء والموت والقيامة.⁷⁶ وتشير هذه المقارنات إلى أن إنجيل مرقس هو تجسيد لمواد سابقة رسولية تقليدية، وخاصة تقاليد من القديس بطرس.⁷⁷

يعلق Guelich: “إذا كان الإطار الأساسي والسياقي هو إنجيل يسوع المسيح، ويتوافق هذا السياق مع تقليد كامل وراء أعمال الرسل 10: 34–43، فإن الطابع التقليدي لمرقس هو المواد السابقة له في كتابته للإنجيل”.⁷⁸

إن حقيقة أن مرقس يقدم إنجيله كمحتوى رسالة رسولية ويؤكد رسوليتها من ناحية الأدلة الداخلية، أن مصادره هي شهادة الرسول بطرس نفسه. فإلى جانب حقيقة أن هناك صلة بين مرقس وبطرس، وهذه الصلة مذكورة ومعروفة في كتابات آباء الكنيسة الأوائل،⁷⁹ ونجد العلاقة بين مرقس وبطرس مشهودة في آيات العهد الجديد مثل بطرس الأولى 5: 13 وأعمال الرسل 12: 12–17.⁸⁰ فإن إنجيل مرقس يذكر ارتباط مرقس ببطرس من خلال تشكيل ضمني لما يقوله بطرس نفسه.

أول تلميذ مذكور في مرقس هو بطرس في مرقس 1: 16، وآخر تلميذ مذكور هو بطرس في 16: 7.⁸¹ علاوة على هذا، فإن ذكر بطرس كان واضحًا في إنجيل مرقس، مما يُظهر مرقس أنه يبذل قصارى جهده لتبيان وإبراز شخصية بطرس في مقدمة كلامه.⁸² هذا الذكر لبطرس، والطريقة التي يتمركز فيها بطرس في إنجيل مرقس وروايات التلاميذ،⁸⁴ يتضح أن بطرس هو المصدر الرئيسي لشهادة شهود العيان الذي يقف خلف إنجيل مرقس.⁸⁵ يلاحظ هينجل أن ذكر اسم سمعان بطرس كتلميذ هو أولًا وأخيرًا، ذكر أن كلام مرقس مبني على تقليد، وبالتالي سلطته.⁸⁶

 

ومن العوامل الجديرة بالملاحظة طريقة ربط مرقس قصة يسوع المسيح وقصة النبوات اليهودية، وهذا ما تفعله جميع الأناجيل الإزائية بدرجة أو بأخرى.⁸⁷ وبالنسبة لمرقس، فإن بداية الإنجيل ليست ميلاد يسوع أو حتى خدمته العلنية، بل يذكر فيها التوقعات والتطلعات المسيانية لليهود كما تتجلى في مقاطع مختلفة في العهد القديم.⁸⁸ على وجه الخصوص، يصور مرقس 1: 2 المسيح أنه محقق وعد أتى في ملاخي 3: 1 (قارن هذا بخروج 23: 20)، وتم تحويل الآية عن يهوه إلى يسوع بذكر “طريق أمامي” إلى لفظ مرقس “أمامك” عن يسوع.

ويستشهد مرقس 1: 3 بإشعياء 40: 3، حيث كان على الشعب أن يُعدّوا طريق الرب – مرة أخرى، إشارة إلى أن يسوع هو تحقيق واضح لمجيء يهوه شخصيًا. ويشير إلى صوت سماوي وإعطاء الروح القدس في مرقس 1: 10–11، وهو أن يسوع هو الخادم المجهز بالروح القدس المذكور في إشعياء 42: 1 (وقارن هذا بإشعياء 52: 7 وإشعياء 61: 1). وبما لا شك أن هذه الروابط التي استخدمها مرقس ليست بالضرورة تؤكد أنه يكتب بوحي إلهي، ولكنها تشكل جهدًا من مرقس لتقديم إنجيله على أنه استمرار للسرد الكتابي،⁹¹ وهذا ما أدركه بلا شك من قرأوه.

وكما لاحظ إن. تي. رايت بقوله: “لم يفكر اليهود تلك الفترة في التقاليد الكتابية أنها مجرد سرد فقط، بل كانوا قادرين على تصور القصة بالكامل والبحث بانتظام عن ختام هذه القصة المناسب”.⁹²

 

وعي إنجيل يوحنا

يوحنا 21: 24: على عكس الأناجيل الإزائية، فإن إنجيل يوحنا كان أكثر وضوحًا بشأن هوية مؤلفيه، في قول يوحنا: «هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهذَا وَكَتَبَ هذَا».⁹³ فهو يؤكد هوية هذا التلميذ الغامض.

فأثارت عبارة “التلميذ الحبيب” جدلًا أكاديميًا واسعًا، وثم اقتراحات مختلفة حول الهوية.⁹⁴ ومع ذلك، بغض النظر عن الاقتراحات، فمن الواضح أن هذا الشخص داخل الدائرة الرسولية الداخلية، وكان من أوائل التلاميذ الذين تم دعوتهم في يوحنا 1: 35–40، وحضر العشاء الأخير في يوحنا 13: 23، وحضر الصليب في يوحنا 19: 26–35، وكان مع بطرس ويسوع في يوحنا 21: 20.

في الواقع، إن التلميذ الحبيب هو من شهود العيان الذين لديهم شمول في شهادتهم، وبظهوره في بداية إنجيل يوحنا 1: 35–40 ونهايته يوحنا 21: 20، تمامًا كما ذكرنا أسلوب ذكر مرقس لبطرس كشخصية محورية.⁹⁶ ويلخص Bauckham إلى أن إنجيل يوحنا يقدم التلميذ الحبيب على أنه التلميذ الذي يعبر عن شهود العيان كأهم مصدر صلب تاريخي للإنجيل.⁹⁷ وهكذا، على أقل تقدير، يوضح يوحنا 21: 24 أن إنجيل يوحنا لديه شهادة شهود عيان من الرسل، أي من شخص مرتبط مباشرة بالدائرة المقربة من يسوع.⁹⁸ وهناك المزيد من هذا، فمكانة هذا التلميذ الحبيب.

إن يوحنا هو الشاهد الموثوق به (μαρτυρῶν)، وكان موجودًا من البداية. ونجد أن هذه الفكرة فيها تشابه كبير بين ما أعلنه يوحنا عن نفسه في يوحنا 15: 27: «وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابْتِدَاءِ»، بمعنى: ستشهدون أنتم لأنكم كنتم معي منذ البداية.⁹⁹ وتأتي قوة الشهادة هنا من الروح القدس الذي وعد يسوع أن يكون فيهم في يوحنا 15: 26.¹⁰⁰ ومن المفيد أن نرى الآيتين جنبًا إلى جنب: «سَتَشْهَدُونَ (μαρτυρεῖτε) لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ مَعِي مُنْذُ الْبَدْءِ» (يوحنا 15: 27)،

مع الآية التي تقول: «هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ (μαρτυρῶν) بِهذِهِ الأُمُورِ وَكَتَبَ هذِهِ الأُمُورَ» (يوحنا 21: 24). وهكذا، فإن يوحنا 21: 24 هو إعلان قوي على أن وعد يسوع في يوحنا 15: 26 و27 بإرسال شهود ذوي سلطة وإلهام من الروح القدس قد تحقق. فما سيكتبونه هو شهادة موثوقة لتلاميذ مملوءين بالروح القدس.¹⁰¹

وبناءً على كل هذا، تمكن Jean Zumstein من التصريح بأن إنجيل يوحنا يتمتع بمكانة مماثلة مثل العهد القديم.¹⁰² ويرى Ridderbos أن يوحنا 21: 24 دليل أن التلميذ الحبيب دوّن شهادته وجعلها في الكتاب المقدس.¹⁰³

وبالتأكيد، نجد هذا الاستنتاج عندما نضع يوحنا 21: 24 بجانب يوحنا 20: 30: «وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. 31 وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ».¹⁰⁴

وفي المقطع الأخير، يقر الكاتب أن ليس كل شيء كُتب في الإنجيل، ولكن ما كُتب هو يكفي لتعرفوا أن لنا حياة باسمه. وهذه العبارة دقيقة: γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ –

من المقاطع الرئيسية في العهد القديم، تشير بوضوح إلى الكتاب المقدس:

Deut 28:58: “careful to do all the words of this law that are written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

2 Chron 34:21: “do according to all that is written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

Jer 25:13: “I will bring upon that land . . . everything written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

تثنية 28: 58: «إِنْ لَمْ تَحْرِصْ لِتَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذَا النَّامُوسِ الْمَكْتُوبَةِ فِي هذَا السِّفْرِ، لِتَهَابَ هذَا الاسْمَ الْجَلِيلَ الْمَرْهُوبَ، الرَّبَّ إِلهَكَ».

 

أخبار الأيام الثاني 34: 21: «اذْهَبُوا اسْأَلُوا الرَّبَّ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ مَنْ بَقِيَ مِنْ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا عَنْ كَلاَمِ السِّفْرِ الَّذِي وُجِدَ، لأَنَّهُ عَظِيمٌ غَضَبُ الرَّبِّ الَّذِي انْسَكَبَ عَلَيْنَا مِنْ أَجْلِ أَنَّ آبَاءَنَا لَمْ يَحْفَظُوا كَلاَمَ الرَّبِّ لِيَعْمَلُوا حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي هذَا السِّفْرِ».

 

وفي إرميا 25: 13: «وَأَجْلِبُ عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ كُلَّ كَلاَمِي الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ عَلَيْهَا، كُلَّ مَا كُتِبَ فِي هذَا السِّفْرِ الَّذِي تَنَبَّأَ بِهِ إِرْمِيَا عَلَى كُلِّ الشُّعُوبِ».

وبالإضافة إلى قولهم ما جاء في سفر الرؤيا عن وعي الكاتب أنه يكتب كتابًا مقدسًا، مثلما يكتبون في رؤيا 22: 18: «لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ».¹⁰⁵ وفي الآية 22: 18، يقدم تحذيرًا أنه لا يجوز تغيير نبوة هذا الكتاب، أي المكتوب داخل هذا الكتاب.

وكاتب إنجيل يوحنا رأى يوحنا المعمدان كنبي له دور مثل دور أنبياء العهد القديم، وكان مهتمًا بكتابة الكلمات الخاصة به. وفي إنجيل يوحنا 20: 31 يقول إن من يؤمن به سيكون له حياة باسمه. ويعقل كينر ويقول إن يوحنا 20: 30–31 تشير إلى أن كاتب الإنجيل الرابع يرى أن عمله ينتمي إلى فئة الكتب المقدسة القديمة.

 

لوقا ووعيه أنه يكتب وحيًا

لوقا 1: 1–4: بطريقة مشابهة لإنجيل يوحنا، مقدمة إنجيل لوقا تخاطب الذين يزعمون أنهم ينقلون تقليدًا رسوليًا.¹⁰⁹

يقول الكاتب إنه تسلّم من أولئك الذين كانوا مُعايِنين كشهود عيان وخُدّامًا للكلمة. فهو يشير أولًا إلى شهود العيان، ثم خُدّام الكلمة، مما يجعل الكاتب لوقا مسيحيًا من الجيل الثالث.

ومع ذلك، فإن الحقيقة أن لوقا استخدم أداة تعريف مفردة، مما يجعل المصطلحين يشيران إلى أن شهود العيان هم أنفسهم المعاينون وخُدّام للكلمة. لذلك، يرى معظم الباحثين أنه يقصد شهود عيان وخُدّامًا للكلمة، وليس مجموعتين.¹¹³ ويدعم هذا الاعتقاد البحثي عند الباحثين وصف خدمة الرسل في آيات أخرى بلغة مشابهة للغاية.

1- على الرغم من أن لوقا استخدم كلمة “شهود العيان” في المقدمة، يقول Joel Green إن كلمات لوقا هي مراعاة للمخاوف التاريخية، فيُقيم شهادته على شهادة العيان. لذلك، لوقا يؤكد أن كلامه مبني على شهادة العيان.¹¹⁴

ويزخر إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل بإشارات كثيرة تشير إلى أن الرسل هم شهود عيان شهدوا أعمال يسوع العظيمة في أعمال الرسل 1: 8، و3: 15، و5: 32، و10: 39–41، و26: 16. والجدير بالذكر أن لوقا 24: 48 يختم الإنجيل ويصف الرسل أنهم شهود (μάρτυρες)، مما يشكل شمولًا أدبيًا رائعًا للإنجيل بأكمله، ويعزز الشمول أن بداية إنجيل لوقا مبنية على أنهم شهود ونهايته. وفي لوقا 1: 1–2، يذكر أن الرسل شهود على ما تحقق في خدمة يسوع.¹¹⁵ وفي لوقا 24: 48، يوحي بهذا الشمول، ولوقا كان يعتبر إنجيله شاهدًا رسوليًا على تحقق أسفار العهد القديم وإكمالها من خلال خدمة يسوع المسيح.

لوقا 24: «وَقَالَ لَهُمْ: هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَبُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ. 45 حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. 46 وَقَالَ لَهُمْ: هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، 47 وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ. 48 وَأَنْتُمْ شُهُودٌ لِذلِكَ».

فيمكن اعتبار كتابات لوقا أنها تكملة لسرد تاريخي للعهد القديم.

كما يلاحظ Marshall أن لوقا اعتبر عمله هو استمرار للتصور التاريخي المدون في العهد القديم.¹¹⁶ ويؤكد Craig Evans أن لوقا كان يقصد أن يُقرأ إنجيله بجوار القصص الكتابية، وكان يعتقد أنها أصبحت جزءًا من الكتاب المقدس.¹¹⁷

2- يصف أعمال الرسل 1: 22 السمتين الرئيسيتين للرسل: وجوب أن يكونوا حاضرين منذ البدء، وأن يكونوا شهودًا أساسيين للقيامة. وهذا يشكل تشابهًا لافتًا مع أولئك الذين كانوا شهود عيان منذ البدء في لوقا 1: 2، بالمقارنة مع أعمال الرسل 10: 37. ويظهر هذا المزيج أيضًا في يوحنا 15: 27 عندما يقول يسوع: «أَنْتُمْ شُهُودِي لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ مَعِي مُنْذُ الْبِدَايَةِ».¹¹⁸

3- لوقا أيضًا يصف تلقي بولس للخدمة في أعمال الرسل 26: 16، فيصف بولس أنه الخادم والشاهد (nasb; ὑπηρέτην καὶ μάρτυρα)، يشبه تمامًا تعبيره في لوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، · καὶ ὑπηρέται».

4- يشير سفر أعمال الرسل 6: 4 إلى أن الرسل مكرسون لخدمة الرب بقوله (τῇ διακονίᾳ τοῦ λόγου)، وهذه العبارة مشابهة بشكل ملفت لعبارة لوقا في لوقا 1: 2 عندما وصفهم أنهم خُدّام للكلمة (ὑπηρέται τοῦ λόγου). في الواقع، كما ذكرنا في رسالة تسالونيكي الأولى 2: 13، تُستخدم كلمة “الكلمة” في جميع أنحاء العهد الجديد إشارة إلى رسالة إلهية موثوقة.¹¹⁹ ويُعلق Fitzmyer على استخدام هذه العبارة في لوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ».

يمكن أن يُفهم أن “الكلمة” هنا مصطلح عام يُقصد به قصة الفكر المسيحي، إلا أن الاستخدام الذي تكتسبه الصيغة في اليونانية (ho logos) تشير في سفر الأعمال إلى كلمة الله في أعمال 8: 4، وأعمال 10: 36، و11: 19، و14: 25. وبالمقارنة بلوقا 8: 12–15، يعطيها دلالة واضحة على كلمة الله. تجدر الإشارة إلى أن أعمال الرسل 1: 1 يقول لوقا ويستعيد صيغته الإنجيلية بمصطلح (τὸν λόγον).

كما لوحظ في مناقشة نص رسالة تسالونيكي الأولى 2: 13، استخدام لغة مثل παρέδοσαν التي تعني “مُسلَّم” في لوقا 1: 2 في آيات متعددة في العهد الجديد عن نقل وتسليم تقليد رسولي.¹²¹

تشير كل هذه الاعتبارات إلى أن لوقا يقدم إنجيله على أنه تجسيد للكلمة الرسولية ذات الوحي، سُلِّمت إليه وأُوكِلت إليه. وبالطبع، يُقر لوقا بأنه ينشئ روايته الخاصة لهذا التقليد،¹¹² فهو يقدم ترتيبًا منظمًا (καθεξῆς).¹²³ ومع ذلك، لا يكتب لوقا كشخص من جيل ثالث، فلوقا ليس غريبًا، بل يكتب كشخص تلقى مادته مباشرة من الرسل. يشير David Moessner إلى أن كلمة παρηκολουθηκότι لا تُشير إلى أن لوقا بحث في هذه الأمور، بل إلى أنه شخص زُرعت فيه هذه التقاليد وتدرب عليها.¹²⁴

وهكذا، يقدم لوقا نفسه أنه قد تعلم جميع هذه التقاليد لبعض الوقت (ἄνωθεν) من القديس بولس، وربما من آخرين.¹²⁵ وبهذه الطريقة، يُعطي لوقا القارئ شهادة متميزة،¹²⁶ تبرز وجوب الوثوق فيها، فهو يتحدث بصوت رسولي. من المهم جدًا أن يُقدم لوقا هذه الشهادات الرسولية إن أراد تحقيق الغرض الذي يكتب لأجله، ألا وهو أن يكون لدى ثاوفيلس يقين بشأن الأمور المتيقنة عنده. يجادل Bock أن هذه اللغة تشير إلى أن ثاوفيلس مؤمن، أو ربما شخص عرف الرب حديثًا ويحتاج طمأنينة بشأن التعليم الذي تلقاه سابقًا.¹²⁷

يقول Marshall إن ثاوفيلس كان على الأرجح متلقيًا للتعليم المسيحي الرسمي.¹²⁸ إذا كان الأمر كذلك، فإن لوقا لا يكتب ببساطة لإعادة الحقائق التاريخية الخام، بل يكتب بناءً لاهوتيًا.¹²⁹ يقدم لوقا إنجيله أنه مصدر رسولي ليشجع المسيحيين ويطمئنهم بشأن البشارة التي آمنوا بها، أي أنه يكتب كتابًا مكتوبًا للكنيسة. لم يكن الأمر مجرد كتابة تاريخية، بل تاريخ الخلاص.¹³⁰

وكما يذكر Fitzmyer، أن لوقا ليس مؤرخًا هيلينستيًا علمانيًا، بل أقرب في كتابته إلى تاريخ العهد القديم الكتابي.¹³¹ وتشير كل هذه الاعتبارات إلى أن لوقا قدم إنجيله كوثيقة رسولية تُظهر أن المسيح أكمل العهد القديم، وتعزز الثقة بالحقائق المسيحية الأساسية. ويلخص Evans قائلًا: “لا يرى لوقا نفسه في المقام الأول كاتبًا للسيرة، ولا حتى مؤرخًا، بل إن لوقا يكتب كتابًا مقدسًا، كتابًا يعلن ما فعله الله عندما كان بيننا”.¹³²

 

إنجيل متى

على عكس الأناجيل الثلاثة، احتوى إنجيل متى على عدد أقل من الأدلة الداخلية التي تشير إلى أنه ينقل تقليدًا رسوليًا. متى 9: 9: «وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ، رَأَى إِنْسَانًا جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ اسْمُهُ مَتَّى، فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي. فَقَامَ وَتَبِعَهُ». متى 10: 3: «فِيلُبُّسُ، وَبَرْثُولَمَاوُسُ. تُومَا، وَمَتَّى الْعَشَّارُ. يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى، وَلَبَّاوُسُ الْمُلَقَّبُ تَدَّاوُسَ».

ومع ذلك، لا يزال هناك دلائل على أن هذا الإنجيل قد كُتب بقصد إكمال قصة العهد القديم.¹³⁴ ولعل أبرز ما يميزه بهذا الصدد هو الطريقة الفريدة التي يبدأ بها متى إنجيله بعنوان افتتاحي، متى 1: 1: «كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ». يتبعه سلسلة النسب في متى 1: 2–17.

يشير Davies و Allison إلى أن العبارة الأولى لمتى (Βίβλος γενέσεως) لا تشير إلى بداية سلسلة النسب بقدر ما تشير إلى الكتاب ككل،¹³⁵ وهي الطريقة التي استُخدمت في تكوين 2: 4: «هذِهِ مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، يَوْمَ عَمِلَ الرَّبُّ الإِلهُ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ»، وتكوين 5: 1: «هذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ، يَوْمَ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ. عَلَى شَبَهِ اللهِ عَمِلَهُ». فهو لا يشير إلى النسب في حد ذاته، بل التاريخ الأولي لشعب الله.¹³⁶ بالإضافة إلى ذلك، يجادل ديفيز وأليسون بأن المصطلح (γενέσεως) من شأنه أن يقودنا في التفكير في عنوان سفر التكوين في الترجمة السبعينية، فكان سفر التكوين يُطلق عليه (Γένεσις).

ومن ثم، يدفع المرء أن يتساءل عما إذا كان الاستخدام التمهيدي لكلمة (Βίβλος γενέσεως) يدفع قراء متى إلى التفكير في أول سفر في التوراة، ويتوقع القارئ أن إنجيل متى هو سفر تكوين جديد، سفر خاص بتكوين يسوع المسيح.¹³⁷ وبالتالي، فإن العبارة الافتتاحية لإنجيل متى تُفهم على أفضل وجه على أنها سفر التكوين الجديد الذي كتبه يسوع المسيح.¹³⁸

تشير هذه البداية إلى أن متى يكتب عمدًا بأسلوب كتابي. فقد نظر إلى كتابته وأراد من قرائه أن ينظروا إليه على أنه استمرار لقصة التوراة. وهكذا، استطاع Willi Marxsen أن يعلن: “متى بواسطة هذه العبارة يقدم إنجيل متى على أنه سفر التكوين المقدس، قياسًا للعهد القديم”.¹³⁹

إن الحقيقة أن متى يبدو وكأنه يصوغ إنجيله على غرار كتب العهد القديم تؤكدها حقيقة أنه يتحول فورًا إلى سلسلة الأنساب، واضعًا يسوع من قصة بني إسرائيل، مع التركيز بشكل خاص على داود.¹⁴⁰ وسلسلة النسب. وكان هذا بالطبع نوعًا أدبيًا معروفًا في العهد القديم، ويُستخدم كثيرًا لإظهار الكشف التاريخي لعمل الله لفداء شعبه.¹⁴¹ وفي هذا الصدد، فإن أقرب نظير لإنجيل متى هو سفر أخبار الأيام، الذي يبدأ أيضًا بسلسلة نسب تركز على سلسلة نسب داود.¹⁴²

وكان سفر أخبار الأيام يُعتبر بحلول القرن الأول هو السفر الأخير في الشريعة كما جادل بعض الباحثين.¹⁴³ فإن إنجيل متى سيكون بالتأكيد استكمالًا له. إن وجود شريعة للعهد القديم تنتهي بسفر أخبار الأيام كان الغرض من ذلك تذكير اليهود بأن عودة إسرائيل من السبي المذكور في عزرا ونحميا ليس معناه انتهاء القضية. إنها مجرد عودة جسدية وليست روحية، فكانت قلوب الناس لا تزال تحتاج لتغيير.

وظلت إسرائيل في المنفى الروحي.¹⁴⁴ وكانت إسرائيل تتطلع متى سيأتي المسيح ابن داود إلى أورشليم ويجلب الخلاص الكامل لشعبه.¹⁴⁵

وفي الفصل الافتتاحي من إنجيل متى، سيكون من الواضح أنه ينوي أن ينهي هذه القصة، فيكمل ما انتهى به العهد القديم، مع التركيز على داود وخلاص إسرائيل. علاوة على ذلك، فإن الأمر العظيم في نهاية إنجيل متى 28: 18: «فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، 19 فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. 20 وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ».

كل هذا صدى لنهاية سفر أخبار الأيام الثاني 36: 23: «هكَذَا قَالَ كُورَشُ مَلِكُ فَارِسَ: إِنَّ الرَّبَّ إِلهَ السَّمَاءِ قَدْ أَعْطَانِي جَمِيعَ مَمَالِكِ الأَرْضِ، وَهُوَ أَوْصَانِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا فِي أُورُشَلِيمَ الَّتِي فِي يَهُوذَا. مَنْ مِنْكُمْ مِنْ جَمِيعِ شَعْبِهِ، الرَّبُّ إِلهُهُ مَعَهُ وَلْيَصْعَدْ».

مما دفع Greg Beale إلى القول إن متى بنى إنجيله جزئيًا ليعكس بداية ونهاية سفر أخبار الأيام.¹⁴⁶ وبغض النظر عما إذا كان المرء يقبل أن سفر أخبار الأيام الأول هو السفر الأخير في القانونية العبرانية، فإن الروابط بين إنجيل متى وسفر أخبار الأيام لا تزال قائمة في الواقع. وبناءً على هذا الأساس، يستنتج Davies و Allison أن متى اعتبر إنجيله استمرارًا للتاريخ الكتابي، وربما أيضًا تصور عمله أنه ينتمي إلى نفس الفئة الأدبية التي كُتب بها العهد القديم، والتي تناولت أيضًا شخصياته.¹⁴⁷

فمتى كان يرغب بتسجيل خطة خلاص الله الذي طال انتظار شعبه لها. ثانيًا، إن صح التعبير، فلا عجب إذًا أن يكون متى حريصًا كل الحرص على تصوير يسوع كموسى الثاني.

وهذا النمط من موسى موجود في متى عندما كان يسوع رضيعًا، ومع ذلك يتم نجاته في خروج 2: 1–10 ومتى 2: 1–18. ويكرر يسوع الخروج الأصلي من مصر (هوشع 11: 1 ومتى 2: 15). ويحظى يسوع بفترة للخروج للخدمة العلنية في خروج 3: 1 ومتى 2: 23–3: 13. ويبدأ يسوع خدمته عند نهر الأردن في المعمودية (راجع خروج 14 وقارنها بمتى 3: 13–17، قارن أيضًا كورنثوس الأولى 10: 2).

ويسوع مثل موسى يطعم الناس في البرية (قارن بين خروج 16 وعدد 11 ومتى 14: 13–20).¹⁴⁸

ومن الجدير بالملاحظة أن يسوع صعد إلى الجبل في متى 5: 1، وأن موسى صعد إلى الجبل ليتلقى الشريعة في خروج 19: 3، 12–13، 18، والتثنية 1: 24، 41، 43؛ و5: 5، ويوصف أنه جلس هناك في تثنية 9: 9.¹⁴⁹ فلا شك أن هذه الصورة تُصدِّر يسوع في إنجيل متى أنه المخلص الجديد والنهائي برؤية جديدة ومتقنة.

فكان يكتب شريعة ذات سلطان إلهي. وهذا ما دفع Smith وآخرين إلى إعادة النظر إلى تقسيم إنجيل متى إلى خمسة أجزاء تعليمية، ليوازي أسفار موسى الخمسة، باعتباره مقدمًا إنجيله على أنه الوحي النهائي ليسوع.¹⁵⁰

 

 

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

كتابات العهد الجديد الأخرى

على الرغم من أننا لا نستطيع تناول جميع الأسفار المتبقية في العهد الجديد، ولكن سنسلط الضوء على بعض المواضيع الأخرى التي فيها إدراك للوحي والسلطة الرسولية للكاتب أثناء كتابته.

في عبرانيين 2: 1–4: «لِذلِكَ يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ إِلَى مَا سَمِعْنَا لِئَلاَّ نَفُوتَهُ، 2 لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً، وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً، 3 فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟ قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا، 4 شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ».

في رسالة العبرانيين، نجد أن هوية الكاتب سيطرت على كلامه. فبدلًا من اتباع استنتاج أوريجانوس القائل عن العبرانيين: “الله يعلم من كتب هذه الرسالة”،¹⁵² استمر الباحثون في تقديم دراسات وربطها بأبلوس، وبريسكلا، ولوقا. للأسف، أدى هذا إلى إغفال أمر مهم، أن الكاتب يقدم نفسه أنه يعتمد على تقليد رسولي مباشر.

عندما أشار إلى خلاص عظيم، وأن الغرض من هذه الرسالة استكشاف هذا الخلاص، ويشير الكاتب أن رسالة الخلاص أُعلنت أولًا من قبل الرب، وصارت لنا ثابتة من قبل الذين سمعوا وشهدوا آيات وعجائب ومعجزات متنوعة من الروح القدس. فذِكرُه لعبارة “الذين سمعوا”، أي الرسل الذين سمعوا من يسوع مباشرة، والذين أُيِّدت خدمتهم بآيات وعجائب ومظاهر التقوى.

وعمل الروح القدس. ونجد هذا في أعمال 2: 43: «فَصَارَ خَوْفٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ، وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ». وأعمال 4: 30: «بِمَدِّ يَدِكَ لِلشِّفَاءِ، وَلْتُجْرَ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ بِاسْمِ فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ». وأعمال 5: 12: «وَجَرَتْ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّعْبِ. وَكَانَ الْجَمِيعُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ فِي رِوَاقِ سُلَيْمَانَ». وأعمال 6: 8، وأعمال 14: 3، وأعمال 15: 12، ورومية 15: 19، وكورنثوس الثانية 12: 12.

وبالمقارنة بلوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ».¹⁵⁶ إن استخدام كلمة ἐβεβαιώθη اليونانية يسلط الضوء على سلطة الرسل، فهم لم يبلغوا الرسالة فحسب، بل أكدوا وأثبتوا وضمنوا الرسالة. فكلمة “إلينا” (εἰς ἡμᾶς)، فالكلمة لا تعني بالضرورة أن الكاتب تلقى هذا التقليد مع الجمهور، ولكن هي لغة مستخدمة من لوقا 1: 2 ويوحنا الأولى 1: 2، ولا تذكر الآيات أن الجمهور تلقى مع الكاتب التسليم.

وهكذا، يصور الكاتب نفسه على أنه في وضع مشابه جدًا لوضع مرقس ولوقا، فيكتب شهادة رسولية موثوقة وينقلها إلى مستمعيه.

ولاحظ Donald Hagner في هذا الصدد أن كاتب العبرانيين يمكن تشبيهه بلوقا.¹⁶¹ وبالمثل، يلاحظ George Buchanan أن الكاتب كان ينقل تقليدًا رسوليًا تلقاه مباشرة من الرسل أنفسهم.¹⁶² وتتأكد الصلة بين الكاتب والدائرة الرسولية من خلال حقيقة أن رفيق كاتب العبرانيين هو تيموثاوس، الذي عرف بولس وسيلا وسافر معهما حسب ما جاء في أعمال الرسل 16: 3، وأعمال 17: 14، ورومية 16: 21، وكورنثوس الأولى 4: 17، وكورنثوس الثانية 1: 19.¹⁶³

إذا كان الأمر هكذا، فإن الكاتب – على الرغم أنه ليس شاهد عيان مباشر ليسوع في حياته – لكن يقدم نفسه أنه كان مساعدًا للرسول، وأنه مشارك في الرسالة الرسولية. وهذا يتناقض مع كُتّاب مثل إغناطيوس،¹⁶⁴ وكليمندس الروماني،¹⁶⁵ الذين يميزون بوضوح بين الفترة الرسولية وفترة حياتهم. إنهم ينظرون إلى خدمة الرسل ولا يقدمونها. لذا، لا ينبغي أن نستعجب أن المسيحيين الأوائل اعتبروا الرسالة للعبرانيين كتابًا رسوليًا. في الواقع، فهم أوريجانوس السفر بهذه الطريقة تحديدًا عندما قال إنه كُتب من قبل شخص كان جزءًا من الدائرة الرسولية، ومن المرجح أنه كان رفيقًا وتلميذًا لبولس نفسه.¹⁶⁶ وهذا من شأنه أن يفسر سبب ارتباط كاتب رسالة العبرانيين ارتباطًا وثيقًا بالرسل في بداية المسيحية المبكرة.

بالإضافة إلى أن الكاتب يقول عن نفسه في هذا السفر إنه يقدم شروط العهد الجديد من خلال المسيح، بنفس الطريقة التي عُرضت بها شروط العهد القديم من خلال موسى في سفر التثنية.¹⁶⁸ في دراسته الحديثة، لم يُظهر David Allen أن رسالة العبرانيين تعتمد على نص وموضوعات سفر التثنية فقط، بل أظهر أيضًا أن أساس بنية الرسالة – التثنية بأكمله من دعوة شعب الله والاختيار بين الحياة والموت – مُعاد تقديمها في رسالة العبرانيين بغرض مسيحي.¹⁶⁹ ونتيجة لذلك، خلص ألين إلى أن الرسالة للعبرانيين لا تستخدم سفر التثنية فقط، بل وصفها أنها تثنية جديد.¹⁷⁰ في جوهرها، تعيد رسالة العبرانيين صياغة سفر التثنية وإعادة تشكيل قصة بني إسرائيل لجيل جديد، وبالتالي أصبحت توراة جديدة.¹⁷¹

وفي رسالة بطرس الثانية 3: 2: «لِتَذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا الأَنْبِيَاءُ الْقِدِّيسُونَ، وَوَصِيَّتَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ، وَصِيَّةَ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ».

هذا النص يتجاهله البعض، فالكاتب يطلب من القارئ الخضوع لنبوات الأنبياء ووصية الرب والمخلص من خلال الرسل، وهذا ما يؤكده الكاتب.¹⁷²

أنبياء العهد القديم ورسل العهد الجديد يظهرون كمتساويين كمصدر للوحي والسلطة. فهناك تساوي بين تنبؤات الأنبياء القديسين في النصوص المكتوبة ووصايا الرب من خلال الرسل. ويدعم السياق المباشر هذا، فرسائل بولس يعتبرها الكاتب أنها جزء من القانونية في بطرس الثانية 3: 16: «كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ».

وفي كورنثوس الأولى 14: 37: «فَإِنِ اعْتَبَرَ أَحَدٌ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ صَاحِبَ مَوْهِبَةٍ رُوحِيَّةٍ، فَلْيُدْرِكْ أَنَّ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ إِنَّمَا هُوَ وَصِيَّةُ الرَّبِّ».

بل إن كاتب بطرس الأولى يذكر أنه كتب نصوصًا أخرى، بطرس الثانية 3: 1: «أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، أَنَا الآنَ أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ رِسَالَتِي الثَّانِيَةَ». وإشارة إلى بطرس الأولى 1: 1: «مِنْ بُطْرُسَ، رَسُولِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى الْمُخْتَارِينَ الْمُتَغَرِّبِينَ الْمُشَتَّتِينَ فِي بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَآسِيَةَ وَبِيثِينِيَّةَ».¹⁷⁸

لذلك، اعتبر كاتب رسالة بطرس الثانية النصوص الرسولية المكتوبة سابقًا هي نصوص موثوقة في بطرس الثانية 3: 16، ويقول لقرائه إنه ينبغي أن يخضعوا إليها ولوصاياها في بطرس الثانية 3: 2.

المرجع:

 

 

Were the New Testament Authors Unaware of Their Own Authority? Lee McDonald

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

 

 

مفهوم الوحي والعصمة ج2

مفهوم الوحي والعصمة ج2

مفهوم الوحي والعصمة ج2

 

 

س11 : هل معني عصمة الكتاب المقدَّس بلاغة وجمال الاسلوب الذي كُتب به ؟

ج : الهدف من الكتاب المقدَّس هو خلاص الإنسان وليس بلاغة وجمال الأسلوب ، فبالرغم من أن الكتاب حوى أساليب متعددة من شعر ونثر ، وتميز بغنى الأسلوب وفخامته ، فصار محبباً للنفس ، إلاَّ أنه لم يكتب من أجل هذا الهدف ، إنما من أجل سعادة الإنسان وحياته الأبدية ” لان كلَّ ما سبق فكُتب كُتب لأجل تعليمنا حتي بالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لنا رجاء ” ( رو 15 : 4 ) 0

فالأسفار المقدَّسة لا تمثل نتاجاً أدبياً أبدعه بعض العباقرة ، ولا تمثل أيضاً إنتاجاً بشريَّاً متميزاً أضاف إليه الله بعض الأمور الالهيَّة ، ولا تمثل أفكاراً بشرية وافق عليها الله إلى حد ما .. إن الأسفار المقدَّسة قد خرجت إلى الوجود بطرق خارقة للعادة ، فهي وحدها دون أية كتابات أخري في العالم كله وعلي مدى الأجيال أتت بنفخة من الله .

وعلي كلٍ فمن أمثلة روعة الأسلوب في اللغة العبرية المزمور 119 حيث نجده مقسماً إلى إثنين وعشرين قطعة بعدد حروف اللغة العبرية ، وكل قطعة تشمل ثمان آيات ، والآيات الثمان في القطعة الأولي جميعها تبدأ بحرف ” أ ” والثمانية آيات التالية في القطعة الثانية تبدأ بحرف ” ب ” والثمانية آيات في القطع الثالثة تبدأ جميعها بالحرف التالي وهلم جرا …

س 12 : هل ما أقبله فقط من الكتاب المقدَّس وأتفاعل معه يعتبر كلمة الله ، وما عداه كلمات بشرية لأنها لا تؤثر في النفس ؟

ج : يعـد المفهوم السابق طعن في صميم الوحي الإلهي ، فالوحي في الكتاب المقدس هو وحي مطلق ، جميع الأسفار بكل ما جاء فيها هو كلمة الله الموُحى بها والمعصومة من الخطأ0 أما لو أخذنـا بالمفهوم السابق فإننا سنقع في موقف متناقض ، فالنص الواحد قد يؤثر في شخص دون الآخر ، فمثلاً قصة الإبن الضال قد تؤثر في شخص دون الآخر ، فهل تعد كلمة الله لأن شخصاً تأثر بها أم تعد مجرد كلمات بشرية لأن شخصاً آخر لم يتأثر بها ؟!

         لقد خلط أصحاب النقد بيـن الكتاب المقدَّس ككلمة الله ، وبين عمل الروح القدس في فتح البصيرة الداخلية للإنسان لكيما يدرك ويتفهم كلمة الله ، والحقيقة أن الكتاب المقدَّس كله كلمة الله سواء قبلها الإنسان أو رفضها سواء أثرت في الإنسان أو لم تؤثر ، فهذا التأثُّر أو عدم التأثُّر ناتج عن إستعداد الإنسان وليس بسبب ضعف كلمة الله على الإطلاق .

         ويفرق ” ج . و . بروميل  ” بين عمل الروح القدس في الوحي ، وبين عمله في الاستنارة الباطنية ، فيقول ” ولقد أمسك بعض اللاهوتيين المعاصرين موضوع هذه الإنارة كأنها وحي حقيقي ، حسب التصوُّر الإصلاحي . أي أن الكتاب المقدَّس مُوحى به فقط بقدر ما يستعمل الروح القدس هذه الفقرة أو تلك لينجز إستنارة داخلية في الفرد المسيحي .. فالكتـاب المقدَّس سجل موحى به لإعلان الله لنفسه ، سواء قبل هذا الفرد أو ذاك شهادته ، أو لم يقبل . إن الوحي وتسجيله في صورة مكتوبة كليهما عملان ظاهريان . أما الإنـارة بواسطـة الـروح القـدس فهـي التكملــة الباطنيـة لهـذه التأثيرات في داخل الفرد وبغرض خلاصه “ ( G.W.Bromiley,M.A,ph.D.,L itt  )(1)0

س13 : هل تكرار بعض الفقرات في الأسفار المقدَّسة ينفي عنها صفة الوحي والعصمة ؟

         وقال أحد النُقَّاد أن كتَّاب الكتاب المقدَّس لصوص لأنهم لم يراعوا حق التأليف بل قاموا بسرقات أدبية ، فمتى ولوقا سرقوا 85 % من كتاب مرقس ، وأعتبر هذا الناقد أن تطابق إصحاح 37 من سفر أشعياء مع إصحاح 19 ملوك الثاني يعد سرقة أدبية 100%  . وإدعي الناقد أن هذا التكرار يسقط فكرة الوحي والعصمة ، لأن الوحي لا يكرر الكلام .

ج : 1 – مع بداية المسيحية لم يكن هناك إنجيلاً مكتوباً ، وقد تداولت أحداث الإنجيل شفاهة ، وإنتشر الإيمان عن طريق التلمذة للآباء الرسل ، وقال معلمنــا بولـس الرسول لتلميذه تيموثاوس ” تمسك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته مني ” ( 2 تي 1 : 3 ) كما أوصاه قائلاً ” وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعـه أناساً أمناء يكونون أكفاء يعلموا آخرين أيضاً ” ( 2 تي 2 : 2 ) ومدح أهل كورنثوس لأنهم حفظوا التعاليم ” فأمدحكم أيها الأخوة علي أنكم .. تحفظون التعاليم كما سلمتها إليكم ” ( 1 كو 11 : 2 ) إذاً نستطيع أن نقول أن التعليم الشفاهي كان متاحاً لكل المؤمنين فكم وكم بكتبة الأناجيل ، فمتى الإنجيلي قد تتلمذ على أيدي السيد المسيح وعاصر الأحداث بالتفصيل ، فكيف يقول عنه الناقد أنه قد سرق من كتاب مرقس ؟! . ولوقا الإنجيلي الذي بحث وإستقصى وتتبع كل شئ بتدقيق . ( لو 1 : 1 ) . كيف يقول عنه الناقد أنه قد سرق من كتاب مرقس ؟! .. وكيف يتسنى السرقة مع أن كل كاتب من كتَّاب الأناجيل الأربعة كتب في مكان معين ولشعب معين ومن وجهة نظر معينة ؟! .. لقد شاء الله صاحب الكتاب أن يتكرَّر ذكر بعض الأحداث في أكثر من سفر ، وذلك لحكمة إلهية ، ولذلك تشابهت كتابات الإنجيلين بنسبة 53 %، وكل ما جاء في إنجيل مرقس ورد في إنجيل متى ولوقا بإستثناء 24 آية ، وتشابهت رسالتا بولس الرسول إلى أفسس وإلى كولوسي ، فرسالة أفسس حملت 73 آية  ( من مجمل 155 آية ) متشابهة مع رسالة كولوسي ، وثلث مفردات كولوسي تجدها في أفسس وهذا التكرار لا يعد عيباً علي الإطلاق .

2 –  لم يوجد كاتب من كتَّاب الأناجيل قد دوَّن في الصفحة الأولي من إنجيله عبارة ” حقوق التأليف محفوظة للمؤلف ” لأن المؤلف الحقيقي هو روح الله القدوس ، فتأكد أيها الناقد أن مارمرقس الإنجيلي لن يتضايق ، ولن يعتبر قط أن متى ولوقا قد سرقوا منه مجهوده في التأليف ، لأن المعرفة كانت متاحة للجميع ، وحياة السيد المسيح ومعجزاته وتعاليمه وصلبه وموته وقيامته ليست وقفاً على إنسان معين ، بل هي ملكاً للكل .

3 – لا يصح ولا يليق أن نُلقّب الرسل الأطهار أنهم لصوص .

4 – التطابق التام بين أشعياء 37 وملوك الثاني 19 له مبرره ، إذ أن أشعياء النبي كان طرفاً في حادثة حصار سنحاريب ملك أشور لأورشليم وإستهزائه بإله إسرائيل ، وشاهد الإنتقام الإلهي من جيش سنحاريب وقتل الملاك ل 185 ألفاً منهـم . فقد سجل أشعياء النبي هذه الحادثة في سفره ، وعندما شارك في كتابة سفر الملوك الثاني أعاد كتابة القصة بنفس الأسلـوب ونفس الألفاظ ، فلا يعد هذا سرقة أدبية ، لأنه من سرق مِن مَن ؟ هـل أشعيـاء سرق من أشعياء ؟!

5 – الأمر العجيب أن الناقد لم ينتبه ، أو ربما يتغافل التكرارات العديدة للقصص والعبارات التي وردت في كتابه .

س 14 : هل تمايز كتَّاب الأسفار المقدسة في رواية القصة الواحدة يعني عدم العصمة ؟

ج : قد يذكر أكثر من كاتب نفس القصة ، فمثلاً قد يذكر إثنين أو أكثر من الإنجيليين معجزة أجراها السيد المسيح ، ونجد مفارقات بين رواية هذا ورواية ذاك .. لماذا ؟ .. لأن كل كاتب يركز على جانب معين .

         ويقول ” د . ادوار ج. يونج ” ” قد تقع في العادة بعض الفروق الطفيفة في الرواية الواحدة التي يتعرَّض لها أكثر من كاتب في الكتاب المقدَّس ، غير أن هذا لا يُعتبر في حد ذاته مأخذاً عليها أو دليلاً علي عدم عصمتها .. قد كان الجاري ، علي ما يشهد به علم الآثار ، كتابة الرواية الواحدة على أكثر من صورة أو أسلوب ، وقد جاءت علي سبيل المثال نسخ متعددة للسجلات السنوية للملك سنحاريب فقـد كُتبت لا علي ورق ، أو رق ، بل علي حجر ، ومع أنها كانت تتعرَّض للواقعة الواحدة ، إلاَّ إنها كانت توردها في إختلاف يسير بين النسخة والاخري .. ولا يمكن أن يقول أحد أن العصمة تتطلب بالضرورة عرض الرواية بنفس الصورة الأولى ، مادام من الثابت أن الحق الوارد فيها في شتَّي الصور هو هو لا يتغير(1) .

كما يقول ” د . إدوارد ج . يونج ” أيضاً ” إن عقيدة العصمة .. لا تتطلب أن يتحوَّل كتَّاب الكتاب المقدَّس إلى مجرد آلات مُسجلة ، أو أن يُسجّل جميعهم الواقعة الواحدة تسجيلاً موحداً حرفياً ، أو أن يُرتّبوا سرد الوقائع وتتابعها بالصورة الواحدة ، إذ يحدث مرات كثيرة ، ولأسباب تختص بالتأكيد ، وليس لمجرد التسلسل التاريخي ، أن يأتي العرض بصورة مغايرة ، فإذا نقل كاتبان واقعة واحدة مُترجَمة من لغة إلى لغة ، فلا يشترط أن تأتي الترجمة واحدة بنصها وفصها عند الكاتبان – كالنقل من الآرامية إلى اليونانية – بل يجوز أن يستعمل كل منهما حريته في التعبير ، وفي الحدود التي ينقل فيها بالضبط الفكر الأصلي ، كما أن العصمة لا تتطلب أن يسرد كل كاتب الوقائع بنفس الصورة التي يسردها بها الكاتب الآخر ، أو أن يأخذها من الزاوية التي يأخذها منها الآخر . إن العصمة في كلمات أخرى تسمح بالإستخدام الكامل للمواهـب والوزنـات التـي أعطاها الله للكاتب أن يتحلى بها(1)0

         ويقول ” صموئيل كريجعن هؤلاء النُقَّاد ” فالذين يتصوَّرون هكذا يريدون أن تكون الكتب المقدَّسة نسخة طبق الأصل من نموذج واحد . ولكن الحقيقة غير ذلك وهي كما قال ” إبراهام كيبر ” أن الروح القدس الفنان الأعظم قد قدَّم اللوحة الفنية التي تشمل تشكيلة من الألوان ومتعددة الجوانب بحيث يمكن أن تتعدَّد تفسيراتها، ولكنهــا فـي النهاية تُقدَّم أبعاداً متكاملة عن اللوحة العظيمة الواحدة(1)0

         ونحن نؤكد أن الوحي في المسيحية لا يعني علي الإطلاق الوحي اللفظي ، وكأن الروح القدس يملئ الكاتب كلمة كلمة وحرفاً حرفاً ، ويلغي شخصيته إنما الوحي عمل مشترك ، إلهي وإنساني في آن واحد 0 الله يوحي ويرشد ويعصم بروحه القدوس ، والإنسان يُعبّر ويُجسّد المعاني بلغته البشرية ، ولذلك يقول نيافة المتنيح الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف ” إنها كلمة الله مهما تغيَّرت العبارة ، فلو قلنا مثلاً  ” هكذا أحب الله العالم حتي بذل ابنه الوحيد ” ( يو 3 : 16 ) بتركيبات أخري لظلت هذه الآية كما نقول ” أحب الله العالم إلى درجة أنه بذل إبنه .. ” أو غير ذلك الكثير في اللغة العربية أو مئات التعبيرات في اللغات الأخرى 00 الوحي قوة تملأ فكر وحس الرسول فينطق به بلغة البشر .. الروح إذاً يضبط الرسول في التعبير ” مسوقين ” ( 2 بط 1 : 21 ) ويحفظه من الخطأ ويعصمه من التراث ، فتجئ التعبيرات في لغة البشر ولكن الروح هو القوة الفعالة فيها ”  (1).

س15 : هل عدم دقة الترجمـة أو إختلاف الألفاظ بين الترجمات ، في بعض المواقع الكتابيَّة ، يعدُّ نوعاً من التحريف ؟

ج : أولاً : أود أن أشير إلي مدى صعوبة الترجمة ولا سيما من الأصل العبري :

1 – كُتب الأصل العبري كله على شكل حروف متراصة يفصل بين كل حرف وآخر مسافة شعرة ، والكلمة الأخيرة من السطر إذا إنتهي السطر ولم تستكمل حروفها تستكمل في بداية السطر التالي .

2 – يلتزم المترجم بأمرين وهما الترجمة الحرفية ، ونقل المعني كما يقصده الكاتب ، حتى أن المترجمين كانوا يقضون أحياناً شهراً كاملاً يبحثون عن معني كلمة معينة ، وقد تستغرق ترجمة الكتاب المقدَّس الكامل عشرات السنين .

3 – أمثلة من صعوبة الترجمة :

أ – قال فرعون ليوسف ” أنت تكون علي بيتي وعلي فمك يُقبِّل جميع شعبي ” ( تك 41 :40 ) ومعنـى ” علي فمك يُقبّل ” هنا قد يكون بعيداً عن ذهن العصر الحاضر ، ويجد المترجم صعوبة بالغة في ربطها بالمعنى، ولكن بعد الدراسة والتفكير والتدبيـر نجد أن القبلة هنا علامة على الحب والتوقير ، فمعنى أن شعب مصر يُقبّل فم يوسف ، أي يقدم له الحب والتوقير والاحترام .

ب – جاء في سفـر عاموس ” هـل تركض الخيل علي الصخر . أو يُحرث عليه بالبقر ” ( عا 6 : 12 ) ففي الأصل العبري كلمة ” بالبقر ” تُكتب ب ب ق ري م ” فعندما نظر المترجم الحرفين الأخيرين ( ي . م ) علي أنها علامة جمع إضطر أن يُضيف كلمة ” عليه ” ليعطي المعني ” أو يُحرث عليه بالبقر ” وهي الترجمة البيروتية التي بين أيدينا . أما في الترجمة  التفسيرية ، فقد نظر المترجم إلى الحرفين الأخيرين ( ي . م ) علي أنهما يشكلان كلمة مستقلة ” يم ” أي ماء أو بحر ، فجاءت الترجمة  ” أو يُحرث البحر بالبقر ” وكلا الترجمتين تفيد الصعوبة والإستحالة ، فلا الصخر ولا البحر يُحرث بالمحراث الذي يجره البقر .

ثانياً : جميع الإختلافات في جميع الترجمات لجميع لغات العالم ، ولا واحدة منها تؤثر علي أصغر عقيدة إيمانية : لإن أي عقيدة إيمانية لا تُبنى علي آية واحدة 0 أما إختلاف الألفاظ في الترجمات فهو أمر وارد ومتوقع ومقبول ، فلك ياصديقي أن تتصوَّر صفوف المترجمين في أزمان شتى وهم يترجمون من العبرية إلي اللغات المختلفة ، فهل تتوقع أن تأتي جميع الترجمات تحمل نفس الألفاظ ؟! .. ولك أيضاً أن تتصوَّر أحداث العهد الجديد وقد جرت في ظل اللغة الآرامية التي نطق بها السيد المسيح وتلاميذه ، بينما تم تسجيل الأحداث باللغة اليونانية ، وهذا يعتبر نوعاً من الترجمة ، ثم ترجمت من اليونانية إلى معظم لغات ولهجات العالم ، مع ملاحظة أن اللغة اليونانية الثرية في التعبير تحمل ألفاظاً لا تجد ما يقابلها في اللغات الأخرى ، فيبحث المترجم جاهداً علي أقرب الألفاظ التي تؤدي لنفس المعني ، أو أقرب ما يمكن للمعني ، فهل بعد كل هذا تتوقع أن تأتي جميع الترجمات في شتي أنحاء العالم وفي الأزمنة المختلفة تحمل نفس الألفاظ ؟!

         خذ مثلاً عملياً ، لو كلفت عشرين طالباً بترجمة قطعة من لغة أجنبية إلى لغة محلية ، فهل تتوقع منهم أنهم جميعاً يستخدمون ذات المفردات ويتفقون في جميع الألفاظ ؟! . كلاَّ لأن المتوقع أن الألفاظ تتفاوت ولكن المعني سيظل واحداً ، ولذلك جاء في الترجمة الإنجليزية R.S.V  ” يتضح للقارئ المدقق في ترجمتنا عام 1946 م ، وترجمة سنة 1881م ، 1901م  أن تنقيح الترجمة لم يؤثر علي أي عقيدة مسيحية ، وذلك لسبب بسيط هو أن الألفاظ والقراءات المختلفة لم تغير في العقيدة المسيحية(1)0 بل نقول أن كثير من الألفاظ في نفس اللغة تتطوَّر مع الزمن ، ويدخل اللغة مصطلحات لم تكن تُستخدم من قبل ، ولك أن تقرأ كتاب كُتب باللغة العربية منذ ثلثمائة عام فقط لتجد صعوبة في بعض الألفاظ، فتتفهمها من سياق الكلام ، ولو جاءت منفـردة ما كان يمكنك التعرُّف عليها .

ثالثاً : إن كانت بعض الترجمات تحمل لنا بعض الكلمات غير الدقيقة، فان هذا لا يمثل مشكلة عويصة لا حل لها : ففي ظل التقدم الذي نعيش فيه نستطيع التوصل بسهولة إلى ترجمات مختلفة وربما في لغات مختلفة ، فنستجلي غوامض ما ظهر في ترجمة معينة ، أو عدم دقة الألفاظ في آية معينة ، ودائماً علماء الكتاب ينصحون الدارسين بقراءة الأسفار المقدسة بلغتها الأصلية للتمتع بغنى ثراءها، ويقول ” د . أميل ماهر اسحق ” : ” الوحي ثابت ومؤكد بالنسبة للأصول المكتوبة بخط مؤلفي الأسفار وحدها ، ولا ينطبق ( هذا ) علي الترجمات .. كما أننا نلاحظ في الترجمات إلى اللغات المختلفة قديمها وحديثها وُجد فيها قصوراً . ولذلك فإننا لا نقول بعصمة الترجمات ، وإنما قد يستخدم وجود أكثر من ترجمة في اللغة الواحدة علي اكتشاف ذلك القصور وتفاديه .. وبالرغم من إننا لا نمتلك في الوقت الحاضر الأصول الأولى لأسفار الكتاب المقدَّس ، فإننا لدينا عدداً وفيراً جداً من المخطوطات القديمة ، وإقتباسات الأباء باللغات الأصلية ، وايضاً الترجمات القديمة وكلها تساعد علي استعادة النص الأصلي بصورة تكاد تكون كاملة وكافية بالغرض (1)0

         ونود أن نشير إلى أن محاولات ضبط الخلافات في الترجمات الأساسية مثل السبعينيه والسريانية والقبطية .. إلخ يدخل من صميم عمل مدرسة النقد الأدني ، ويقول ” أيريل كيرنز ” : ” قد ساهم النقد الأدنى Lower Criticism في تأكيد درجة الدقة العالية للنص الكتابي الذي بين أيدينا ، حتى أننا نستطيع أن نجزم بأننا نملك الكتابات الأصلية لأسفار الكتاب ، وتصبح بذلك تعاليم الكتاب وعقائده أقنع من أن تتعرَّض للشك ولو من أكثر النقاد تطرفاً (2) .

رابعاً : إمكانية ترجمة الأسفار المقدّسة أمر يُحسب للكتاب المقدَّس وليس عليه ، لماذا ؟

1 – لأن الكتاب المقدَّس هو كتاب الله للعالم كله وليس قاصراً علي شعب بذاته ، ولا قَيدْ لغة بذاتها ، فإن الله يريد أن الجميع يخلصون والى معرفة الحق يقبلون ، فلو إفترضنا أن الكتاب المقدَّس لم يسمح الله بترجمته ، وعلى من يريد مطالعته أن يتعلم اللغة العبرية واليونانية ، وكأنه يستحيل التعامل مع الله إلاَّ من خلال العبرية أو اليونانية . تُرى أية صعوبة كانت ستقف أمام القاعدة العريضة لشعوب العالم أجمع ؟!!

2 – لو لم يكن ممكناً ترجمة الكتاب المقدَّس ، فإن هذا وبلا شك ، كان سيضع الله في موقف المتحيز لشعب معين ، وحاشا لله ذلك . أنه يريد الإنسان وليس اللغة ، ولهذا سمح بإستخدام أكثر من لغة في تدوين الأسفار المقدسة . بل أن الروح القدس قد قام بترجمة فورية لعظة بطرس الرسول يوم الخمسين إلى لغات مختلفة ( أع 20 : 7 – 11 ) والسيد المسيح له المجد قد أوصى كنيسته قبل الصعود قائلاً ” أذهبوا إلي العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها ” ( مر 16 : 15 ) .

3 – ترجمة الكتاب المقدَّس لمعظم لغات العالم ، إلى نحو ألفي لغة ولهجة ، أدى لإنتشـار الإيمان في المسكونة كلها ، وتحققت نبؤة السيد المسيح ” ويُكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمـم ” ( مت 24 : 14 ) كما قال عن المرأة ساكبة الطيب ” الحق أقول لكم حيثما يُكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يُخبر أيضاّ بما فعلته هذه تذكاراً لها ” ( مت 26 : 13 ) 0

4 – ترجمة الكتاب المقدَّس أدت لإنتشاره منذ العصور الأولي في شتي أنحاء المسكونة ، وبذلك أصبحت قضية التحريف التي مازال ينادي بها البعض قضية خاسرة تماماً ، فمن يصدق إنه أمكن جمع جميع النسخ بلا إستثناء من على سطح الأرض وما خُفي في باطنها ، وتم تحريفه أو حرقه ؟!! .. أي عقل يقبل هذا ؟!!!

س 16 : ما هو السر في إختلاف بعض الألفاظ وبعض الأساليب بين مزامير الاجبية ومثيلتها المدونَّة في الطبعة البيروتية ؟

ج : كانت هناك ترجمة لاتينية قديمة لأسفار العهد القديم نقلاً عن الترجمة السبعينية ( اليونانية ) تمت في منتصف القرن الثاني الميلادي ، ولكن أسلوب هذه الترجمة كان صعباً لعامة الناس ، وإحتاجت هـذه الترجمة إلى تنقيح ، فكلف البابا داماسوس القديس إيريناؤس في القرن الرابع بتنقيح هذه الترجمة ، وأكبَّ القديس جيروم (إيريناؤس ) ، علي هذا العمل ، وبذل جهداً كبيراً في تنقيح سفر التكوين ، ذاك الجهد الذي لم يبذله في سفري الخروج واللاويين ، ونظراً لطول الوقت الذي إستغرقه في التنقيح ، فكر في عمل ترجمة جديدة من العبرانية لللاتينية ، ولا سيما أنه أجاد اللغة العبرانية وخالط اليهود في بيت لحم ، فأتم الترجمة خلال الفترة ( 366 – 384 م ) وراعى سهولة ووضوح الأسلوب ، حتى دُعيت بالفولجاتا Volgata  أي الشعبية أو الشائعة ، وقد نالت هذه الترجمة شهرة واسعة رغم أن كنيسة روما رفضت هذه الترجمة وتمسكت بالترجمة اللاتينية القديمة ، لأنها مُترجمه من النص اليوناني ( الترجمة السبعينية ) إلاَّ أن عامة الشعب أقبلوا على الفولجاتا لسهولة ووضوح الأسلوب ، وفي أيام البابا غريغوريوس الكبير بابا روما ( 590 – 640 م ) بدأ إستعمال الفولجاتا فـي الكنيسة وفي سنة 1456 م عندما إخترع ” جوتنبرج ” أول آله  طباعـة ، طُبعت ترجمة الفولجاتا ، فكانت أول كتاب طُبع في العالم كله عقب إختراع آلة الطباعة ، وفي سنة 1546 م أعتمد مجمع ترنت هذه الترجمة .

         ومن هذه الترجمة تمت ترجمة الطبعة البيروتية العربية المستخدمة حالياً وقد بدأها ” دكتور عالي سميث “الذي وُلِد سنة 1801 م وذهب إلى بيروت سنة 1827 م وتعلَّم العربية وإتقنها ، وفي سنة 1847 م بدأ الترجمة مع مجموعة من معاونيه ولا سيما ” المعلم بطرس البستاني ” الذي كان ضليعاً في اللغتين العربية والعبرية ، وقام ” الشيخ نصيف اليازجي ” بالضبط النحوي ، وتمت ترجمة أسفار موسى الخمسة ثم العهد الجديد وبعض النبؤات ، طبع منها التكوين والخروج وستة عشر إصحاحاً من إنجيل متى ، وتوفي ” دكتور عالي سميث ” سنة 1854 م قبـل أن يري ثمرة جهوده ، فأكمل المسيرة ” د . كرنيليوس فان دايك ” الذي وُلِد سنة 1818 م في أمريكا وتعلم الطب ونبغ في اللغات حتى أنه أجاد التكلم بعشرات اللغات قديمة وحديثة ، وفي سنة 1839م ذهب إلى بيروت وتعلَّم العربية وإتقتها ، وراجع ما تم ترجمته بمعرفة سميث ، ثم ترجم بقية الأسفار بمعاونة ” الشيخ يوسف الأسير ” الأزهري التي ضبط النحو ، وإنتهت الترجمة في 29 مارس 1865م ، ومع هذا ظل ” فان دايك ” يُنقح في الترجمة مع كل طبعة جديدة حتى إنتقاله في 13 نوفمبر سنة 1895م ، وهذه الترجمة  هي المستخدمة للآن في مصر ، أما الأجبية والقطمارس المُستخدم في الكنيسة فهو ترجمة عربية نقـلاً عـن الترجمـة القبطيـة نقلاً عن الترجمة اليونانيـة ( السبعينية ) ومن ثمَّ ظهرت بعض الخلافات في الألفاظ المستخدمة وأحياناً في صياغة الآيات .

س 17 : كُتب العهد القديم باللغة العبرية القديمة بأحرف أبجدية خالية من التشكيل والحروف المتحركة والتنقيط ، وإن هذه اللغة خرجت عن الإستعمال الحي في القرن السادس قبـل الميلاد ، وعندما جاء المازوريون ( 500 -900م ) وضعوا التنقيط والتشكيل . ألا تكون التوراة الحالية قد تعرَّضت للتحريف ولو بدون قصد في بعض مواضعها عن الأصل ؟

ج : 1 – لم ينقطع الشعب اليهودي عن قراءة التوراة سواء قبل السبي أو خلال فترة السبي أو بعد العودة منه ، ولم يجدوا صعوبة في القراءة ، فلا يصح الحكم علي المرحلة قبل إستخدام التشكيل والحروف المتحركة والتنقيط بمعيار اليوم ، فبالرغم من أنه لم يكن هناك تشكيل ولا تنقيط لكنهم أجادوا القراءة باللغة العبرية ، وهذا مـا فعلـه عزرا الكاتب الماهر ” وقرأوا في السفر في شريعة الله ببيان وفسروا المعني وأفهموهم القراءة ” ( نح 8 : 8 ) وعندما دخل السيد المسيح له المجد مجمع الناصرة ” فدُفع إليه سفر اشعياء ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوباً فيـه روح الرب عليَّ ” ( لو 4 : 17 – 20 )0

         ويقول ” جوش مكدويل ” : ” كانت المخطوطات اليونانية تُكتب بدون فواصل بين الكلمات ، بينما كانت النصوص العبرية تُكتب بدون حروف علَّة حتى أضافها المازوريون بين القرن الخامس والقرن العاشر الميلادي . وقد يبدو هذا مُستغرباً بالنسبة للقارئ الحديث ، ولكن بالنسبة للقدماء ممن كانوا يتحدثون اليونانية أو العبرية كان هذا أمراً عادياً ، وكانت الكلمات مفهومة وواضحة ، ولم يكن اليهود بحاجة إلى كتابة حروف العلَّة إذ أنهم تعلَّموا لغتهم وتعلَّموا كيف ينطقونها ويفسرونها . كذلك لـم يكـن لدي الشعوب المتحدثة باليونانية أي مشكلة في قراءة لغتها بدون مسافات فاصلة بين الكلمات (1).

2 – تم ترجمة العهد القديم في القرن الثالث قبل الميلاد من اللغة العبرية إلى اللغة اليونانية التي كانت تمثل لغة العالم المتحضر حينذاك .

3 – لم توضع التوراة في ركن مهمل ، بل كان يوجد منها مئات النسخ التي إنتشرت في طول البلاد وعرضها ، وكانت في كل مجمع من مجامع اليهود ، وكانت محل إهتمام كل اليهود وموضع دراستهم العميقة .

4 – فـي مجمع ” جامينا ” سنة 90 م تم إعتماد النص العبري الساكن من بين عدة نصوص وترجمات . وهذا دليل علي كفاءة وفاعلية هذا النص ، فلو كانت ثمة مشاكل تتعلق بالنص ، ما كان هذا المجمع التاريخي الهام أكد علي أهمية هذا النص .

5 – بدأ المازوريون عملهم نحو سنة 500 م ، فأنتجوا لنا النص المازوري ، وكلمـة ” مازوري ” مشتقـة من لفظة ” مازورا ” أي تقليد ، وبذلك وضع المازوريون الصيغة التقليدية لقراءة التوراة ، فعندما بدأ المازوريون عملهم كان أمامهم النص العبري ، وكان أمامهم ترجمات مختلفة تمثل الترجمات اليونانية ومنها السبعينية التي ترجع للقرن الثالث قبل الميلاد ، وترجمة أكويلا ، وترجمة سيماخوس وترجمة ثيودوسيون ، وترجع للقرن الثاني الميلادي ، والترجمات السريانية مثل ”  البشيتا ” أي البسيطة أو الدارجة أو العامة التي تمت في القرن الأول الميلادي .

         وهذه الفرص لم تتوافر قط لأي كتاب آخر فمثلاً معروف أن التنقيط في اللغة العربية ، وهي إحدي اللغات السامية ، لم يتم إلاَّ في القرن الثامن الميلادي ، فمثلاً الكتاب الذي كُتب في القرن السابع الميلادي قبل ظهور التنقيط بنحو مائة وخمسين عاماً ، لم تتوافر له الفرص التي توفرت للكتاب المقدَّس ، فلم يكن له ترجمات مختلفة ، ولذلك كانت مشكلة التنقيط أصعب كثيراً من مثيلها في كتابنا المقدَّس ( راجع كتابنا : مدارس النقد والتشكيك والرد عليها جـ5 ص33 – 37 )0

س 18 : مادامت النسخ الأصلية للأسفار المقدسة قد فقدت ، من يضمن لنا أن النُسخ التي بين أيدينا مطابقة للأصل ؟

ج : 1 – بداية ، دعنا ياصديقي نطرح هذا السؤال : لماذا سمح الله باختفاء النسخ الأصلية للأسفار المقدسة ؟

أ – حتى لا ينجرف الإنسان ، فيقدم العبادة لها ، كما عَبَدَ الشعب اليهودي من قبل الحيَّة النحاسية التي صنعها موسي النبي ، فما كان من حزقيا الملك إلاَّ أنه سحقها ” وسحق حيَّة النحاس التي عملها موسي لأن بني إسرائيل كانوا في تلك الأيام يوقدون لها ودعوها نحشتان ” ( 2 مل 18 : 4 ) .

ب – حتى لا يتلاعب أحد في هذه الأصول. أما الآن فمن المستحيل أن يتلاعب أحد في آلاف وملايين النسخ الموجودة بمعظم لغات العالم .

2 – نحن لا نُقدّس الجلود والرقوق وأوراق البردي التي كُتبت عليها الأسفار المقدَّسة ، لكننا نُقدّس كلمة الله المكتوبة على هذه المواد .

3 – النُسخ الأصلية نُقلت منها عدة مخطوطات بطريقة في منتهي الدقة ، وهذه المخطوطات تمثل الجيل التالي ، وهذه بدورها نُقل منها عدد أكبر من المخطوطات ، فهي تمثل الجيل الثالث ، وهلم جرا .. فمثلاً لو أن النسخة الأصلية لسفر معين نسخ منها 20 نسخة ( الجيل الثاني ) وهذه النسخ العشرين نُسخ منها مائة نسخة ( الجيل الثالث ) وبما أن النُسخ المائة متطابقة تماماً فهذا دليل ثابت علي أن النُسخ العشرين ( الجيل الثاني ) مطابقة تماماً للأصول ، فكم وكم عندما نجد آلاف المخطوطات التي يتم اكتشافها في مناطق جغرافية مختلفة وترجع لتواريخ مختلفة وجميعها متطابقة . أليس هذا دليلاً علي تطابق ما بين أيدينا للأصول الأولي ؟

4 – هل يتصوَّر البعض أننا يجب أن نرفض الكتاب المقدَّس أنفاس الله بحجة عدم وجود النسخة الأصلية ؟! وهل يمكن أن نتعامل مع التراث الفكري بهذا المنطق المريض ؟! ولو فعلنا هذا ، ألاَّ نصبح شعباً بلا تاريخ ولا تراث ولا قيم ؟!

         إن كنا نقبل كتابات قدامي الفلاسفة والمفكرين والمؤرخين ، مثل هيروديت ، وأفلاطون ، وأرسطو ، وتاسيتوس ، رغم أن أقدم النُسخ التي نمتلكها لكتاباتهم ترجع لتاريخ متأخر عن تاريخ موتهم بمئات السنين ، فمثلاً أقدم نُسخة لدينا من عدد مائة نُسخة لكتابات سوفوكليس ( 496 – 406 ق.م ) ترجع إلى سنة 1000م ، أي بفارق زمني 1400 سنة ، وأقدم نسخة لدينا من عدد ثمان نسخ لكتابـات هيروديت ( 480 – 425 ق . م ) ترجع إلى سنة 900 م بفارق زمني أكثر من 1300 سنة ، وأقدم نُسخة لدينا من عدد خمس نسخ لكتابات أرسطو ( 384 – 322 ق.م ) ترجع إلى سنة 1100 م أي بفارق زمني نحو 1400 سنة ، وأقدم نُسخة لدينا من عدد عشرين نسخة لكتاب الحوليات لتاسيتوس الروماني ( حتي سنة 100م ) ترجع إلى سنة 1100 م أي بفارق زمني 1000 سنة ، وهكذا ( راجع جوش مكدويل – برهان جديد يتطلب قراراً ص 60 وفي طبعة 2004 م صـ80 ، 81 ) فإن كنا نثق في كتابات وأفكار هؤلاء الفلاسفة والمؤرخين ، فكيف لا نثق في المخطوطات القديمة مثل مخطوطات وادي قمران الخاصة بأسفار العهد القديم ، والتي لا يفصلها عن النُسخ الأصلية سوى مدى زمني قليل ؟!

         فقد كانت إكتشافات منطقة قمران من أعظم إكتشافات القرن العشرين حيث تم إكتشاف كم هائل من أسفار العهد القديم ، وقد بيع عدد كبير منها للجامعة العبرية في إسرائيل بمائتين وخمسين ألف دولار فحفظت في معرض بُني خصيصاً لها علي شكل أحد الجرار التي وُجدت بها اللفائف ، وترجع أهمية كنوز قمران إلى أنها قرَّبتنا للأصول بنحو ألف عام . كيف ؟ كانت أقدم المخطوطات لدينا قبل هذا الإكتشاف يرجع تاريخها للقرن التاسع الميلادي ، أما مخطوطات قمران فقد عادت بنا إلى القرن الثاني قبل الميلاد ، وبعضها يرجع لتاريخ أقدم ، وكم سعد علماء الكتاب بأعظم إكتشافات العصر الحديث ، ولا سيما عندما قارنوا هذه  المخطوطات بما بين أيدينا الآن ، فشكروا النُسَّاخ العظماء الأتقياء المجهولين على مدى دقتهم ( راجع كتابنا : كنز قمران )0

         ويقول ” بـول ليتـل ” عـن إكتشافات وادي قمران ” فوائد هذه اللفائف : أكدت دقة 1000 سنة من التسجيل والتاريخ العبري أي من 200 ق.م وحتي 916 م .. يمكن بسهولة رؤية مدى أهمية هذه الاكتشاف ، بالنسبة لهؤلاء الذين يتساءلون عن مدى دقة نص العهد القديم . في ضربة واحدة مثيرة تحققت في أن هذا الاكتشاف جعلنا نرجع إلى الوراء حوالي ألف سنة ، مما أغلق الفجوة في الزمن بين المخطوطات التي لدينا الآن وبين المخطوطات القديمة . هذا الأمر يشبه لو أنك علمت أن اللوحة التي تملكها لا ترجع إلى 200 عام بل 1000 عام . إن المقارنة بين لفائف البحر الميت وبين النص الماسوري نتج عنه إكتشاف مدى الدقة الهائلة في عملية نسخ المخطوطات والنسخ(1)0

         أما مخطوطات العهد الجديد فما أكثرها ، وما أقربها للأصول ، ويقول ” بول ليتل ” : ” لقد كُتـب العهد الجديد في الأصل باللغة اليونانية ، وأخر الأرقام المعروفة الآن للمخطوطات بلغت 5500 ، بعضها نُسخ كاملة والبعض الآخر مجرد شظايا صغيرة ، وواحدة من هذه الشظايا قد تم تحديد تاريخها في زمان مبكر جداً بين كل القطع المعروفة ، وهي تحمل جزءاً من إنجيل يوحنا 18 وبها 5 آيات وحيث أن هذه القطعة الصغيرة جاءت من مصر وقد تم نسخها وتداولها من بطمس بآسيا الصغرى ، حيث تم نفي الرسول يوحنا ، فقد قدَّر مجموعة من الباحثين زمن كتابتها إلى حوالي 90 -100م ”  (1)0

         وقال ” ف . هورت ” : ” إن هذه الكثرة من مخطوطات العهد الجديد والتي يعود الكثير منها إلى العصور الأولي ، التي تكاد تتصل بتاريخ كتابة النص الأصلي ، تجعل نص العهد الجديد يقف فريداً بين الكتابات الكلاسيكية القديمة ولا تدانيه في ذلك أي كتابات أخري(2)0

وقال ” فريدريك كينون ” وهو عالم شهير في علم المخطوطات ” الفترة الفاصلة بين تواريخ الكتابة الأصلية وأقدم الأدلة ( المخطوطات ) تصير صغيرة للغاية حتى يمكن القول أنها تافهة .. ويمكن الآن أن نعتبر أننا قـد تثبتنا تماماً من أصالة نصوص أسفار العهد الجديد وكذلك سلامتهـا عموماً(1) .

5 – لو كانت النُسخ الأصلية بين أيدينا ، لشكَّك النُقَّاد فيها وقالوا : ومن يدرينا أن هذه النُسخ هي النُسخ الأصلية ؟! إن فقدان النُسخ الأصلية التي أنتشرت نُسخ منها وملأت العالم تظل تحتفظ بذات قوتها وعظمتها وعصمتها ، أنظر إلى وثيقة تحرير العبيد التي حرَّرها ” آبراهام لينكولن ” في أول يناير سنة 1863 ، ثم إلتهمتها النيران في حريق ضخم شبَّ في شيكاغو سنة 1871م أي بعد كتابتها بنحو ثمان سنوات ، فهل تجرأ احد ملاك العبيد ، وأعاد عبيده ، بحجة أن أصل الوثيقة قد إلتهمتها النيران؟!!

6 – يقول ” جوش مكدويل ” : ” وفرة النُسخ المختلفة مع الإكتشافات الأثريـة ، والملاحظات والتعليقات علي النصوص ، والأدوات الأخري ، ساعدتنا جميعاً علي أن تكون هناك قناعة داخلنا تؤكد أن الترجمات التي بين أيدينا دقيقة وتمثل كلمة الله المعصومة .قال ” جودريك ”  : أنت تستطيع أن تثق في الكتاب الـذي بين يديك لأنه هو كلمة الله المعصومة ، فالسهو الـذي لحق بنسخ ونقل الكتاب بسيط للغاية ، وتمت السيطـرة عليه ، ويتلاشى . ولذلك أقول مطمئنـاً أن الكتـاب المقـدَّس الحالــي موثـــوق بـه ( Goodrick. IMBIWG. 113 )  ” (1)0

س 19 : كيف نتعامل مع الصعوبات التي تواجهنا في الكتاب المقدَّس ؟ وما هو موقفنا تجاه الذين يهاجمون الكتاب ؟

ج : 1 – عندما نواجه معضلة في الكتاب المقدس لا نحتد ولا نشك في وحي الكتاب وعصمته ، بل نعطي أنفسنا فرصة للدراسة والتأمل والصلاة ، لكيما يفك لنا الـروح القدس الختوم ، وما أجمل طلبة معلمنا بولس الرسول من اجل تلميذه تيموثاوس ” إفهم ما أقول فليعطك الرب فهماً فـي كل شئ ” ( 2 تي 2 : 7 ) وما أجمل قول ” الشهيد يوستين ” : ” إذا بدا أن هناك نصوصاً تتعارض مع أخري في الكتاب المقدَّس ، فالأفضل أن أعترف أنني لم أفهم جيداً ما هو مكتوب(1) .

         وقال ” القديس أغسطينوس ” : ” إن مؤلفات الكتب المقدَّسة هذه التي تُعرف بالقانونية هي فقط التـي تعلمتُ أن أعطيها إنتباهاً وإحتراماً كإعتقادي الجازم بأنه ليس هناك أحد من كتابها قد أخطأ . فعندما ألتقي في هذه الكتب بدعوة تبدو مناقضة للحقيقة ، فإنني عندئذ لا أشك في أن .. المُترجم لم يُترجم النص الأصلي بشكل صحيح ، أو أن مقدرتي علي الفهم تتسم بالضعف ” (1) .

2 – هناك أمور كانت تعتبر فيما مضي معضلات ، وكانت محط نقد النُقَّاد لسنوات عديدة وأجيال طويلة ، ولكن مع الوقت إنكشفت الحقيقة وتأكد الجميع من صدقها ، فمثلاً النبؤات التي وردت وتفوق الخيال من كان يصدقها ؟! عذراء تحبل وتلد ( اش 7 : 14 ) والمولود هو إله قدير ( اش 9 : 6 ) ؟! 00 وتخرب مدينة بابل سيدة مدن الأرض ولا تُبنىَ ثانية ؟! 00 والعناصر تنحل ( 2 بط 3 : 10 ، 11 ) ؟! .

         ويقول اللاهوتي ” و . أ . كريسويل ” في عام 1861م ” نشرت الأكاديمية الفرنسية للعلوم كتيباً صغيراً وضعوا فيه 51 حقيقة علمية تتعارض مع كلمة الله . واليوم لا يوجد عالِم واحد في العالم يعتقد بحقيقة واحدة من هذه الحقائق المزعومة التي ظهرت عام 1861م ، ولا واحدة ” (2) .

         يقول ” بول ليتل ” أن ” الدليل قد أثبت الدقة الإجمالية للنصوص الكتابية برغم النسخ من نُسخة لأخرى عبر مرور الزمن .. وذلك نتيجة للعناية الفائقة التي كان النُساخ يمنحونها لكل نسخة . بمقارنة هذه الآلاف من الوثائق الكتابية ، هناك بعض المشكلات تبدو حتي الآن غير قابلة للتفسير . يمكننا أن نعترف بذلك بلا خوف ، متذكرين أوقاتاً عديدة في الماضي عندما تم حل العديد من المتناقضات المحتملة في النص حينما توافرت المزيد من المعلومات . ولذلك فان الموقف المنطقي الذي علينا إتخاذه هو : أنه عندما تكون هناك مناطق تبدو متناقضة يجب إرجاء المشكلة قليلاً(1)

         يقول ” جوش مكدويل ” : ” مثل هذه التناقضات المدُعاة ليست جديدة ، لقد عُرفت بواسطة دارسي الكتب المقدَّسة خلال القرون الماضية .. فالكتاب يقف صامداً ، وهناك الكثير من المشاكل تنكشف أكثر مما كان حادث منذ قرون مضت ، وهناك إكتشافات في البحر الميت ، والسامرة ، ونجع حمادي ، ومؤخراً فـي إبلا ، تعطي أدلة قويـة للمواقـف التـي يتمسـك بهـا اللاهوتيـون لزمــن طويل(1) .

3 – عندما تواجهنا مشكلة من مشكلات الكتاب المقدس علينا مراعاة الأمور الآتية :

أ – تفسير النصوص الصعبة في ضوء النصوص الواضحة .

ب – مراعاة أن رجال العهد الجديد إقتبسوا من العهد القديم إما إقتباساً حرفياً ، أو إقتباساً بالمعني .

ج – لم يستخدم الكتاب المقدَّس اللغة العلمية المتخصصة ، إنما إاستخدم لغة الحياة اليومية غير المتخصصة ، فلو كُتب الكتاب المقدَّس بلغة علمية متخصصة لاحتاج تغييره كل عدة سنوات ، ومن كان يستطيع الإستفادة منه منـذ أيـام القدم للآن ؟! 00 بل من يستطيع أن يستفيد منه في الوقت الحاضر إلاَّ العلماء فقط ؟! .

د – بعض الأشخاص وبعض المدن وبعض الأماكن لها أكثر من إسم في الكتاب المقدَّس .

هـ – إستخدم الكتاب المقدَّس الأعداد إما بصورة تقريبية أحياناً ، أو بصورة دقيقة أحياناً أخري .

و – يحوي الكتاب تشبيهات وإستعارات ورموز ومجاز ، مما يستلزم الرجوع لقواعد اللغة والبيان حتى لا تختلط الأمور ، فيجب مراعاة الأسلوب الأدبي المُستخدم ، فعندما ترنم المرنم قائلاً ” الجبال قفزت مثل الكباش ” ( مز 114 : 4 ) وعندما قال أشعياء النبي ” ولك شجر الحقل يصفق بالأيادي ” ( أش 55 : 12 ) لا يمكن أن نأخذ المعني الحرفي لأن الجبال لا تقفز ، ولا الأشجار تصفق ، إنما نأخذ المعني البلاغي الذي يعبر عن فرحة الخليقة بجابلها .

ز – قد يستخدم الكتاب المقدَّس أسلوب الماضي بالنسبة لأمور مستقبلية ، وذلك لتأكيد أنها سوف تحدث ، وقد تشير النبؤة الواحدة إلى حدثين ، أحدهما يقع في الزمن القريب ، والآخر في الزمن البعيد ، مثلما تحدث السيد المسيح عن علامات خراب أورشليم مع علامات مجيئه الثاني ( مت 24، 25 )

ح – دراسة البيئة التي كُتب فيها السفر ومجريات الأمور حينذاك وملابسات الموقف ، فهذه الأمور تساعدنا علي تفهم الموقف بصورة أفضل .

4 – ليس معني وجود خلافات بين الكتاب المقدَّس وآراء بعض النُقَّاد ، أن هؤلاء النُقَّاد هم علـى حق والكتاب هو الخطأ ، فطالما إختلف النُقَّاد فيما بينهم ، ولذلك يجب الثقة الكاملة في عصمة الكتاب المقدَّس .

5  – بالنسبة لموقفنا من النُقَّاد الذين يهاجمون الكتاب المقدَّس فإنهم يناطحون الصخر ، ونحن نصلي لكيما يفتح الله أذهان عقولهم ، وينير بصيرتهم ، فيعرفون الحق والحق يحررهم .. لا نعطي أذاناً صاغية لإفتراءاتهم وإستهزاءاتهم . إنما نلتفت إلى إنتقاداتهـم الموضوعية ، ونضعها محل الدراسة ، واثقين بنعمـة المسيح أن لكل سؤال في الكتاب إجابة ، شاكرين هؤلاء النُقَّاد بلسان القديس أغسطينوس الذي شكر الهراطقة الذين أعطونا فرصة الدراسة والبحث .

         وتعدَّ سلسلة  ” ملف مفتوح ” التي تبحث في أفكار وتساؤلات مدارس النقد والتشكيك والرد عليها محاولة متواضعة لسد العجز في الرد علي النقد الكتابي في كنيستنا القبطية ، فأرجوك ياصديقي ان توآزرني بصلواتك ومشاركتك العمل معنا من أجل إستكمال هذه السلسلة0

ولإلهنا المجد الدائم إلي الأبد آمين

الإسكندرية في 30 أغسطس سنة 2009 م .

 

(1)   مركز المطبوعات المسيحية – تفسير الكتاب المقدَّس جـ1 ص 17 ، 18

(1)   أصالة الكتاب المقدَّس ص 139 ، 140

(1)   أصالة الكتاب المقدَّس ص 160 ، 161

(1)   المسيحية الحقيقية ص 98 ، 99

(1)   وحدة الكتاب المقدَّس ص 15 ، 16

 

(1)   القس أنجليوس جرجس – من يطعن في النور ؟ ص 46

(1)   الكتاب المقدَّس – أسلوب تفسيره السليم في فكر الآباء القويم ص 49

(2)   المسيحية عبر العصور ص 486

(1)   برهان جديد يتطلب قراراً ص 65

(1)   ترجمة وجدي وهبه – لماذا أؤمن – إجابات منطقية عن الإيمان ص 91 ، 92

(1)   ترجمة وجدي وهبه – لماذا أؤمن – إجابات منطقية عن الإيمان ص 94

(2)   جوش مكدويل – برهان يتطلب قراراً ص 63 ، وفي طبعة 2004م ص 79

(1)   ترجمة وجدي وهبه – لماذا أؤمن – إجابات منطقية عن الإيمان ص 98

(1)   برهان جديد يتطلب قراراً ص 58

(1)   د0 جوزيف موريس فلتس – مؤتمر العقيدة السادس سنة 2003 ص 135

(1)   أورده د0 موريس بوكاي – القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم ص 57 

(2)   ترجمة وجدي وهبه – لماذا أؤمن – إجابات منطقية عن الإيمان ص 156

(1)  ترجمة وجدي وهبه – لماذا أؤمن – إجابات منطقية عن الإيمان ص 81 ، 82 

(1)   برهان جديد يتطلب قراراً ص 319

 

مفهوم الوحي والعصمة ج2

مفهوم الوحي والعصمة ج1

مفهوم الوحي والعصمة ج1

مفهوم الوحي والعصمة ج1

 

 

س1 : ماهو “النقد الكتابي”؟

ج : ” النقد الكتابي ” Biblical Criticism  تعبير قديم أُستخدم في اللغة اليونانية تحت إسـم ” كرتيكي ”  ويعني ” القدرة علي التمييز ، وبدونه لا يكون هناك أمر محدد وواضح في أمر ما ” فالنقد الكتابي يعني تقيّيم النص الكتابي ، والحكم عما إذا كان هذا النص قانونياً أي صحيحاً مُوحي به من الله أو نصاً زائفاً ( أبو كريفا ) ؟

وإن كان ” النقد ” بصفة عامة يعني الإدراك والتمييّز والتقيّيم ومحاولة إصدار الحكم من جهة المميزات والعيوب ، فإن النقد الخاص بالكتاب المقدَّس دُعي ” النقد الكتابي ” Bablical Criticism وجاء تعريف النقد الكتابي في دائرة المعارف المسيحية على أنه العلم الذي به نصل إلى المعرفة الكافية لأجل النص الأصلي للكتاب المقدَّس ، وتاريخه ، وحالته الحالية ( Gardner, CC, 206 )  [ راجع جوش مكدويل – برهان يتطلب قراراً ص 363 ]0

وقد إستخدمت الكنيسة الأولي مفهوم ” النقد الكتابي ” في فرز النصوص القانونية، التـي بها ” تكلم أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ” ( 2 بط 1 : 21 ) من النصوص الأبوكريفا التي جاءت نتيجة مجهود شخصي محض ، وبناء علي النقد الكتابي بمفهومه الايجابي قبلت كنيسة العهد القديم 46 سفراً ورفضت أسفاراً أخري كثيرة مثل أسفار آدم ، وشيث ، وأخنوخ ، ونوح ، وإبراهيم ، وعزدراس الذي جاء فيه أن الروح القدس قد أملى عزرا الكاهن سبعين سفراً لا يطلع عليها إلاَّ الحكماء فقط دون عامة الناس ( لاحظ أن الوحي في المسيحية ليس وحياً إملائياً ) وأيضا بناء علي النقد الكتابي بمفهومه الايجابي قبلت كنيسة العهد الجديد 27 سفراً ورفضت أسفاراً أخرى كثيرة مثل أناجيل الإثنى عشر ، والعبرانين ، والمصريين ، وبطرس ، ومريم المجدلية ، ويعقوب ، وفيلبس ، ونيقوديموس ، ويهوذا الأسخريوطي الذي ظهرت نسخة منه منذ سنوات قليلة ولكنه كان معروفاً من قبل أنه إنجيل مرفوض رفضته الكنيسة الأولي ، والإنجيل الأبدي0

وأيضاً عندما قام ” تاتيان ” في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي بتفكيك محتويات الأناجيل الأربعة ، وأعاد نسجها في قصة متصلة ، ودُعـي بالإنجيـل الرباعي ( الدياطسرون ) لم تقبله الكنيسة كسفر قانوني لأنه كان نتيجة مجهود بشري حتى لو كانت محتوياته مُوحي بها ، فقد شاء الله أن يكون هناك أربعة كتَّاب للإنجيل كلٍ على حدة ، وكل واحد منهم يركز علي جانب معين في شخصية السيد المسيح ، فلا يمكن تغافل هذه الإرادة الإلهية0

س 2 : ما المقصود بالنقد الأدنى والنقد الأعلى ؟

ج : أفرز لنا النقد الكتابي بمفهومه الإيجابي ” مدرسة النقد الأدنى ” Lower Criticism وهى التي تقرُّ وتعترف بالوحي الإلهي في الأسفار القانونية ، وتهتم بالنواحي الإيجابية مثل دراسة المخطوطات ومدى تطابقها مع الأصل ، وتحديد أعمارها ، وأيضاً دراسة اللغات القديمة التي كتبت بها الأسفار المقدًّسة وكذلك دراسة البيئة التي وُلدت فيها هذه الأسفار 000 إلخ وقد قدمت لنا هذه المدرسة الكثير من العلم النافع0

ويقول ” بول ليتل ” : ” إن فحص الأسفار وأصولها يُسمى علم نقد النص (text criticism  ) وهو له علاقة بمدى موثوقية النص ، أي كيف يمكن مقارنة النص الحالي مع الأصول وما مدى دقة نسخ المخطوطات القديمة إلى أن وصلت إلينا الآن(1)0

أما ” مدرسة النقد الأعلى “Higher Criticism   فكل إهتمامها ينصب علي نقض الكتاب المقدس ، فهي لا تعترف بالوحي الإلهي ، وتضع الكتاب تحت ميكروسكوب النقد ، وتحكم فيه كما تحكم في أي كتاب بشري ، فتنتقده بشدُّة وحدَّة ، وتحدد هذا صح وهذا خطأ ، وقد طوحت بالتقليد وكتابات الآباء ، وسيّدت العقل علي الإيمان ، فأخضعت كلمة الله للعقل البشري عوضاً عن إخضاع العقل لكلمة الله المقدسة 00إلخ0 و ” إيخهورن ” J. G. Eichern ( 1752 – 1827م ) أستاذ اللغات الألماني ، والذي كان والده قساً هو أول من إستخدم مصطلح ” النقد العالي ” حيث قال في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه ” مقدمة العهد القديم ” سنة 1787م ” لقد وجدت نفسي مضطراً لبذل هذا القدر الكبير من الجهد في مجال غير مسبوق حتى الآن ، وهو فحص التركيب الداخلي لكل سفر من أسفار العهد القديم بمساعدة النقد العالي (1) وهو يقصد بالتركيب الداخلي للسفر معرفة المصادر التي إستخدمها الكاتب لكتابة سفره ، وطريقة إستخدامه لهذه المصادر ، ومعرفة كاتب السفر ، وتاريخ كتابته عن طريق ربط الأحداث الواردة في السفر بالتاريخ المدني ، ولذلك دُعي إيخهورن أبو نقد العهد القديم0

وقال الدكتور جوزيف موريس فلتس أن لفظتي ” الأدنى ” و ” الأعلى ” مستعارتان من صورة النهر الذي تجري مياهه من النبع الأعلى للمصب الأدنى ، فالناقد الأدنى يضع نفسه في مستوى أدنى من الكتاب المقدس ، معترفاً بوحيِّه محاولاً الإرتواء منه والتمتع به ، ولسان حاله يقول ” فهمني يارب فأفهم ” . أما الناقد الأعلى فهو يسعى للتوغل في أعالي النهر أقرب ما يكون من المنبع ، مسلماً نفسه لسطوة العقل فحسب ، حاسباً نفسه أنه هو الحَكم في كلمة الله ، وإذ هو يترآى فوق ما ينبغي أن يترآى يتكبر ويسقط .

وقد أفرز لنا النقد الأعلى الهجوم الشرس علي الكتاب المقدَّس بعهديه ، فلا تكاد آية تفلت من أيديهم ، ولا سيما العهد القديم ، فدعوه بشريعة الغاب ، وقالوا أن إله العهد القديم إله جزار يأمر بذبح الأطفال وطمر الآبار وقطع الأشجار ( راجع كتابنا : مدارس النقد والتشكيك جـ 2 ص 165 – 276 )  ويعتبر الهجوم علي العهد القديم أقدم تاريخياً من الهجوم علي العهد الجديد ، فحتى القرن الثامن عشر لم يكن هناك من يجرؤ علي مهاجمة العهد الجديد وشخصية السيد المسيح علانية إلاّ في القليل النادر ، حتى جاء ” هيرمان صموئيل ريماروس ” ( 1694 – 1768 ) الذي إتهم كتَّاب العهد الجديد بانهم مزوّرون أتقياء ( ولا أدري كيف يتفق التزوير مع التقوي ؟! ) وأنكر الوحي الإلهي ، والميــلاد العـذراوي للسيد المسيح ، وقيامته ، ولكنه لم يجرؤ علي نشر آراءه هذه ، حتي جـاء ” ليسنج ” بعد موته ونشر القليل من آراء ريماروس ، فقوبل بمعارضة شديدة ، إلاَّ انه فتح الباب للنقد العالي للتطاول علي العهد الجديد أيضاً .

ويقول جوش مكدويلولسوء الحظ فإن مدرسة النقد العالي التي نمت في الأوساط الدراسية الألمانية في القرن قبل الماضي إستخدمت بعض المناهج الخاطئة التي إستندت على بعض الإفتراضات المسبقة المثيرة للجدل 00 هذه المدرسة التي سيطرت على دراسات العهد القديم منذ البداية معاً بالإضافة إلى المنهج الذي أنتج هذه النتائج المتطرفة ، أصبحت تُعرف في بعض الدوائر بأنها ” النقد العالي الهدام ” 00 (1)0

ونستطيع أن نقول أن ” النقد الأعلى ” وُلد من أبويين شرعيّين هما :

1 – الحركة العقلانية : التي بدأت تتضح منذ القرن السابع عشر ، وهدفت إلي تسيّيد وتأليه وعبادة العقل ، ورفع العقل علي النقل ( النصوص المقدسة ) وعارضوا كل ما هو يرتفع عـن مستوي العقل ، ولذلك أنكروا الوحي الإلهي، ورفضوا المعجزات الكتابية ، والأرواح ، والقيامة العامة 00 إلخ0

2 – الفلسفة المثالية : فقد أسَّسها  ” عمانوئيل كانط ” ( 1724 – 1804 م ) الذي أسَّس المذهب الأخلاقي إذ أعتبر أن الدين ما هو إلاَّ مجموعة أخلاق ومُثل ، والكتاب المقدَّس هو مجرد كتاب أخلاقي ، وكل ما يهمنا هو الأخلاق ، ولا حاجة لنا للعقيـدة ، وبما أن مبادئ الأخلاق واحدة في العالم كله ، فقـد نادي ” كانط ” بديانة طبيعية تقوم علي الأخلاق دون الحاجة إلى أية أمور عقائدية .

س 3 : ما المقصود بالأسفار القانونية ؟ وكيف قرَّرت الكنيسة قانونية الأسفار المقدَّسة ؟

ج : الأسفار القانونية Canon ، وكلمة Canon  مشتقة من الكلمة الإنجليزيةCane  أي قصبة ( في اللغة العبرية Ganeh وفي اليونانية Kanon  ) حيث أستخدمت القصبة كقضيب للقياس ، ثم أصبحت تعني معيار ، وأول من إستعمل كلمة ” قانون ” بالنسبة للأسفار المقدَّسة هو أوريجانوس ، فالأسفار القانونية هي الأسفار المقدَّسة المُوحى بها من الله والتي قبلتها الكنيسة .

وإذا تساءلنا : هل الكنيسة هي التي قرَّرت قانونية الأسفار ؟

نستطيع أن نقول : نعم الكنيسة هي التي قرَّرت قانونية الأسفار .. كيف ؟

الكنيسة هي التي إكتشفت الأسفار القانونية ، فالسفر يعد قانونياً ، أولاً لأنه كلمة الله ، ولهذا قبلته الكنيسة ، فأولاً : السفر هو كلمة الله ، وثانيـاً : لأنه كلمة الله لذلك قبلته الكنيسة .

وإذا تساءلنا : ماهو المعيار الذي إستخدمته الكنيسة للتمييز بين الأسفار القانونية والأسفار المزيفة ؟

نجد أن هناك خمسة معايير إستخدمتها الكنيسة للتمييز بين الأسفار القانونية والأسفار المزيفة، وهي :

1 – أن يكون كاتب السفر أحد رجال الله القديسين سواء من أنبياء العهد القديم ، أو أحد رسل العهد الجديد .

2 – أن يكون للكاتب حياته المقدَّسة ، وكثيرون منهم قد أيدهم الله بالمعجزات0

3 – أن يُعلّم السفر طريق الله بالحق والإستقامة ، وأن يكون خالياً تماماً من أي تناقض ، بعيداً عن روح الكذب ” لا يمكن أن الله يكذب ” ( عب 6 : 18 ) .

4 – أن يُظهر السفر قـوة الله ، ويكون لـه تأثيره علي النفس البشريـة ” لان كلمـة الله حيَّة وفعالة ” ( عب 4 : 12 ) . تعمل في الإنسان فتغير حياته ” لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح ” ( 2 تي 3 : 17 ) .

5 – قبول المعاصرين للسفر ، كما قبل أهل تسالونيكي رسالة معلمنا بولس الرسول لهم ” إذ تسلَّمتم منا كلمة خبر من الله قبلتموها لا ككلمة أناس بل كما هى بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل أيضاً فيكم أنتم المؤمنين ” ( 1 تس 2 : 13 ) ومثلما قبل معلمنا بطرس الرسول كتابات بولس الرسول كأسفار مقدّسة ( 2 بط 3 : 15 ، 16 ) وإتبع آباء الكنيسة المبدأ القائل ” إذا خامرك الشك في سفر فإلقه جانباً ” ( راجع جوش مكدويل – برهان جديد يتطلب قراراً طبعة 2004 ، ص 66، 67 ، وإيريل كيرنز – ترجمة عاطف سامي – المسيحية عبر العصور ص 134 ، 135 ) .

س4 : ماهو مفهوم الأسفار المقدَّسة في فكر الآباء ؟

ج : ما أجمل فهم وأقوال الآباء للأسفار المقدسة ، ودعنا ياصديقي نتذوق عينة بسيطة منها :

إنها لغة الله بعينها(1) ( الشهيد يوستين )0

  ” المسيح هو الكنز المخفي في الحقل ، والحقل هو الأسفار الإلهية(2) ( إيريناؤس ) 0

         ويقول القديس ” إيريناؤس ” أيضاً عن الكتاب المقدَّس أنه ” يؤالف الإنسان مع الله والله مع الإنسان(3)0

 ” تنفخ الكتب المقدَّسة روح الملء ، إذ ليس في الناموس أو الأنبياء ، في البشيريين أو في الرسل، ما لم ينزل من ملء الجلال الإلهي (4) ( أوريجانوس ) 0

 ” كلمات الأنبياء هـي كلمات الله(5)  ( ثاؤفيلس الأنطاكي )0

 “ في كلمات الكتاب الرب هناك (6)  ( اثناسيوس الرسولي )0

 ” لن يزول منها – أي الكتب المقدسة – نقطة واحدة حتى تكمل ، لأن فم الرب الروح القدس تكلم بها (1) ( اكليمنضس الاسكندري )0

 ” إنها صوت الروح القـدس(2) ( غريغوريوس النيزنزي )0

 ” إن الكتاب كله ينقسم إلى عهديـن 00 وقد إستعمل اليهود العهد القديم ، ونحن الجديد ، ومع ذلك فليس هناك تناقض ، إذ أن الجديـد هـو إتمـام للقديـم ، والشاهـد فـي كليهمــا هو المسيح (3) ( لاكتانتيوس )0

 ” من هو كفء يا الله لأن يدرك كل الثراء الذي في كلمة واحدة من كلماتك(4) ( مار افرام السرياني )0

 ” لقد رُبّيت على أن أجزل كل إحتراماتي وتقديري فقط للأسفار القانونية في الكتاب المقَّدس ، بهذا فقط أؤمن أن كاتبيها كانوا أحراراً من أي أخطاء(1) ( اوغسطينوس ) 0

 ” الكتاب المقدَّس هو رسالة موجهة من الله القدير إلي مخلوقاته العاقلة ، فيها نسمع صوت الله نفسه ، وفيها نعاين قلب أبينا السماوي (2) ( اوغسطينوس )0

 ” ولهذا فكل الكتاب نفخة من الله ونافع للتعليـم من كل وجه ، ولعل أفضل ما يفعله الإنسان ولخير نفسه أن يفتش الكتب المقدَّسة (3) ( يوحنا الدمشقي ) 0

 ” لا يجمُل بالإنسان أن يفصل العهد القديم عن الجديد ، وليس له أن يقول أن روحاً واحداً هنا وآخر هناك 00 فإننا نعلم أن الروح القدس هو الذي تكلم إلي الأنبياء ، وهو الذي حلَّ على الرسل يوم الخمسين (4) ( كيرلس الدمشقي )0

 ” الذي يجهـل الكتــاب يجهـل المسيح بكل تأكيد(5) ( إيرونيموس )0

عندما إلتقى الأب زوسيما مع القديسة مريم المصرية بعد إنقطاعها عن العالم 47 سنة ، صارت تتلو آيات من سفر المزامير ، وعندما سألها الأب زوسيما عما إذا كانت تمتلك سفر المزامير ؟ أجابته ” لم أقرأ المزامير في حياتي قط وإنما روح الكتاب نفسه هو فيَّ (1)0

         وقد رأي القديس إيرونيموس في القرن الرابع الميلادي حلماً تعرَّض فيه للتوبيخ لأنه يهمل دراسة الكتاب المقدَّس ، فأمضي سنوات طويلة ترجم فيها الكتاب إلي اللغة اللاتينية ، وهي ماعُرفت بترجمة ” الفولجاتا ” أي الشعبية ، والتي سادت نحو ألف عام ، وهي أول كتاب تم طباعته في العالم كله .

س5 : ما هو مفهوم الوحي الالهي في المسيحية ؟ وماهي الطرق التي يتكلم بها الوحي للانسان ؟

ج : جاء في قاموس وبستر عن الوحي أنه ” هـو تأثير روح الله الفائق للطبيعة علي الفكر البشري ، به تأهل الأنبياء والرسل والكتبة المقدَّسـون لان يقدموا الحق الإلهي بدون مزيج من الخطأ ” .

         وجاء في قاموس شامبرز عن الوحي أنه ” التأثير الإلهي الذي بواسطته أُرشـد كتبـة الكتاب المقدَّس القديسون “0

         فالوحي الإلهي هو مصطلح لاهوتي يشير إلي دور الروح القدس في إرشاد كتَّاب الأسفـار المقدَّسة لكل ما هو حق ، وعصمتهم من كل ما هو خطأ ، وهذا الوحي كان يتخذ في العهد القديم طرق مختلفة في حديثه مع الإنسان مثل :

أ – الحديث فماً لفم : كما حدث مع موسي النبي ” أما عبدي موسي .. فماً إلي فم وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز . وشبه الرب يعاين ” ( عد 12 : 7 ، 8 )0

ب – الكلام الصريح المباشر : مثلما كلم الأنبياء في العهد القديم ، وتحاور معهم ، وكلفهم بتوصيل رسائله للشعب ، فمثلاً قال الله لأرميـا ” خـذ لنفسك درج واكتب فيه كل الكلام الذي كلمتك به .. ” ( أر 36 : 2 )0

ج – الرؤى والأحلام : كما قال الله لهرون ومريم “ إن كان منكم نبي فبالرؤيا أُستعلن له في الحكـم أكلمه ” ( عد 12 : 6 ) .

د – إلهام داخلي يصعب وصفه : كما قال أرميا النبي ” قد أقنعتني يارب فاقتنعت وألححت عليّ فغلبت .. فقلت لا اذكره ولا انطق بعد باسمه . فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي فمللت من الإمساك ولم أستطع ” ( ار 20 : 7 ، 9 )0

         أما في العهد الجديد : فكان كمال الوحي الإلهي ” الله بعدما كلَّم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة . كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في إبنه ” ( عب 1 : 1، 2 ) ثم تكلم التلاميذ القديسون والرسل الأطهار بهذه البشارة المفرحة للبشرية جمعاء مسوقين من الروح القدس ، ويقول الأب جورج فلورفسكيإن الكتاب هو مُوحي به من الله، فهو كلمته .. لكن بحث ماهية الوحي بدقة فهو أمر مستحيل، لأنه مُحاط بسّرِ ، بسّرِ مواجهة الله للإنسان . إننا لا نستطيع أن نفهم الطريقة التي سمع بها قديسوا الله كلمة سيدهم ، ولا كيفية تعبيرهم اللغوي عما أوحي به الله إليهم . وحتى في عملية تعبيرهم الإنساني كان صوت الله معهم . هذه هي معجزة الكتاب وأسراريته . أنه ظهور كلمة الله مدوَّنة في لغة بشرية(1)0

ويدعو البعض الوحي الإلهي بالإعلان الإلهي ، ولكن يجب ملاحظة أن الوحي الإلهي يختص بتسجيل الحقيقة الإلهية المُعلنة ، فقد كانت هناك إعلانات إلهية لم يسمح الروح القدس بتسجيلها ، كما حدث مع يوحنا الرائي ” وبعدما تكلمت الرعود السبعة كنت مزمعاً أن اكتب فسمعت صوتاً من السماء قائلاً لي اختم علي ما تكلمت به الرعود السبعة ولا تكتبه ” ( رؤ 10 : 4 )0

س6 : ما معني ” موحى به من الله ” ؟

ج :  قـال الـروح القدس علي لسان معلمنا بولس الرسـول ” كـل الكتـاب هـو مُوحى به من الله ” ( عب 3 : 16 ) و ” مُوحـى به من الله ” فــي الأصل اليوناني ” ثيؤبينوستوس ”                    Theopneustos        و        أي الله ، و                    أي نُفخ ، ونلاحظ أن العبارة جاءت في صيغة المبني للمجهول ، فثيؤبينوستوس أي ” نُفخت من الله ” أي صيغت بروح الله ، فالله هو مصدرها وليس الإنسان ، صـدرت من الله وعبرت خلال الذهن البشري ، فالأسفار المقدسة هي نفخة من روح الله القدوس ، هي نسمة من الله ، وهذا ينسجم تماماً مع قول السيد المسيح له المجد ” ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله ” ( مت 4 : 4 )0

         و ” نُفخت من الله ” تنسجم تماماً مع تعبير الوحي الإلهي على لسان معلمنا بطرس الرسول ” تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ” ( 2 بط 1 : 21 ) وتعبير ” مسوقين ” أي محمولين بالروح القدس ، فالأسفار المقدسة مُعطاه لنا من الله من خلال أُناس الله القديسين ، ولأنهـا ” نُفخت من الله ” لذلك فهي ثابتة لا يمكن أن تتغير ولا تتبدل ولا تتحرف ، وهذا ينسجم تماماً مع قول السيد المسيح ” ولا يمكن أن ينقض المكتوب ” ( يو 10 : 35 ) .. ” وأما كلمه إلهنا فتثبت إلي الأبد ” ( أش 40 : 8 ) .

         و ” نُفخت من الله ” فهي معصومة تماماً وكلياً من الخطأ ، معصومة في مجملها كل سفرٍ علي حدة ، ومعصومة في تفصيلاتها كل آية علي حدة ، وقد أرتبطت كلمة ” مُوحى ” بكلمة  ” معصوم ” لأنهما يؤديان نفس المعني . وقد إحتج البعض قائلاً أن الكتاب قال عن نفسه أنه مُوحى به من الله ولم يقل أنه معصوم صراحة وهذا الإحتجاج يشبه الإحتجاج علي عقيدة التثليث بحجة أن الكتاب لم يذكر صراحة أن الله مثلث الأقانيم .. مع أن الحقيقة واضحة ، وهي أن الكتاب ذكر عن الآب أنه هو الله ، والأبن هو الله ، والروح القدس هو الله ، وأكد أن الله واحد ، وبهذا نخلص إلى أن الله الواحد وحدانيته ليست مصمدة لكنها جامعة ، ففيها الأبوة والبنوة والإنبثاق ، الآب والأبن والروح القدس . وبالمثل إن كان الكتاب لم يذكر صراحة ومباشرة انه ” معصوم ” لكنه ذكر أن كلام الله هو حق ” كلامك هو حق ” ( يو 17 : 17 ) والحق لابد أن يكون معصوم من أي خطأ ، فمن ينسب الخطأ للكتاب المقدس ، ففي الحقيقة هو ينسب إمكانية الخطأ لصاحب الكتاب ، الله نفسه .

و ” نُفخت من الله ” أي بكل تأكيد صدرت من الله ذاتـه ، ولذلك تكرَّرت عبارات “ قال الرب ” ، و ” هكذا يقول الرب ” ، و ” فكانت كلمة الرب إليَّ ” ومثل هذه المترادفات نحو 3800 مرة لتؤكد أن كلام الكتاب هو هو كلام الله ، ولذلك قال داود النبي ” روح الرب تكلم بي وكلمته علي لساني ” ( 2 صم 23 : 2 ) فالمتكلم هو الروح القدس من خلال فم أبينا داود ، وقـال ميخا إبن يمله ” حي هـو الـرب أن ما يقوله لـي الـرب به أتكلم ” ( 1 مل 22 : 14 ) وقال الرب لأرميا النبي ” وتتكلم بكل ما آمرك به ” ( أر 1 : 7 ) . وقال الرب لزكريا النبي ” الكلام الذي أرسله رب الجنود بروحه عن يد الأنبياء الأولين ” ( زك 7 : 12 ) وقال بولس الرسول ” حسناً كلم الـروح  آباءنا بأشعياء النبي ” ( أع 28 : 25 ) .. إلخ ( راجع كتابنا مدارس النقد والتشكيك جـ1 صــ107 – 110 ) .

كما أن تعبير ” ثيؤبينوستوس ” يعني أيضاً ” نَفَسْ الله ” أو ” تنفس الله ” أو ” الله تنفس ” فالكتاب هو نَفَسْ الله ، هو نسمة من الله نفخها عبر الكتَّاب ، ولذلك دُعي الكتاب المقدَّس بأنفاس الله    أنظر كيف قال المزمـور عـن خلـق الملائكة ” بكلمة الرب صُنعت السماوات وبنسمة فيه كـل جنودهـا ” ( مز 33 : 6 ) وقال عن خلق الإنسان ” نفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفساً حية ” ( تك 2 : 7 ) فالكتاب المقدس قد خـرج للوجود بذات القدرة التي خلق بها الله الملائكة والإنسان .

س 7 : هل هناك آراء خاطئة في فهم الوحي لا يجب أن نقبلها ؟

ج : نعم ، فهناك من نظر للوحي على أنه مجرد إلهام طبيعي وبصيرة داخلية للكاتب ، وهناك من ظن أن الوحي يُملئ الإنسان ما يكتبه ، وهناك من ظن أن الوحي يوحي للكاتب برأس الموضوع ويترك له كل التفصيلات ، وهناك من ظن أن هناك أجزاء في الكتاب مُوحى بها وليس كل الكتاب مُوحى به .. إلخ وفيما يلي نعرض بإختصار شديد لتلك التصورات الخاطئة التي يجب أن نرفضها :

1 – النظرية الطبيعية : تعتبر الوحي هو إلهام طبيعي بدون أي تدخل إلهي ، فهو إلهام يشبه إلهام الشاعر وهو ينظم قصيدته أو يقرض شعره ، ومثل إلهام الراوي وهو يكتب روايته ، فالكاتب يعتمد علي بصيرته الداخلية النفاذة اللمَّاحة لمعرفة الحق . نحن نرفض هذه النظرية تماماً .. لماذا ؟ لأنها تتجاهل عمل الروح القدس ، وتقتصر العمل على المجهود البشري وحده .

2 – النظرية الميكانيكية الإملائية ( التنزيل ) : وتعتبر الوحي هو إملأ الكاتب الرسالة كلمة كلمة وحرفاً حرفاً ، فيصير الكاتب مثل جهاز تسجيل أو آلة صماء تسجل ما يريده الوحي دون أن يكون له أدني حرية في إختيار الأسلوب ، أو الألفاظ التي يعبر بها ، ونحن لا نقبل هذه النظرية .. لماذا ؟ لأنها تلغي دور الجانب البشري فالكتاب المقدَّس هو كلمات الله التي عبرت بذهن الكاتب فاكتسبت أسلوبه وثقافته ، ولذلك من السهل أن تميز وتعرف الكاتب من النص ، فأسلوب سليمان عُرِف بالحكمة ، وأسلوب أرميا بالرثاء ، وأسلوب يوحنا بالحب ، وأسلوب بولس بالفلسفة ، وأسلوب لوقا تغلُب عليه النظرة الطبية .. إلخ .

3 – نظريـة الانخطاف الروحي : وتعتبر الوحي هو الإستيلاء التام علي الكاتب ، وقد إقترحها أفلاطون (Timaeus.71) وإستعارها فيلو الفيلسوف اليهودي السكندري ( de spec.Ley.1v.18 ) والمـؤرخ اليهـودي يوسيفـوس ( الآثار 4 : 4 ، 5 ) أما القديس أكليمنضس فقد أعتبرها سيطرة الروح الشرير على النبي الكاذب ( راجع د. أميل ماهر – الكتاب المقدس – أسلوب تفسيري السليم وفقاً لفكر الآباء القويم صــ47 ، 48 ) .

4 – النظرية الموضوعية : وهي أن الروح القدس يوحي للكاتب برأس الموضوع ، ويترك له الحبل علي الغارب يكتب ماشاء من التفصيلات التي تحتمل الصح والخطأ ، وهي نظرية قاصرة لأن الروح القدس كان يرافق الكاتب من أول حرف إلى آخر حرف في تسجيل الرسالة الإلهية ، وخلال هذه الرحلة يفتح ذهنه ويرشده ويساعده علي إنتقاء الألفاظ المناسبـة ، ولذلك تجد الكتاب المقدَّس يتناول أشد الأمور حساسية بأسلوب مهذّب وراقي جداً ، وأيضا الروح القدس يعصمه من أي خطأ أو شبه خطأ .

5 – النظرية الجزئية : وتعتبر أن هناك أجزاء مُوحى بها من الله مثل الوصايا العشر والشرائع وكلمات الله وهذه معصومة من الخطأ ، وهناك كلمات الكاتب في وصف الأحداث أو ما أدلي به من معلومات تاريخية أو جغرافية أو علمية ، وهذه غير موحى بها ، وبالتالي فهي تحتمل الصح أو الخطأ ونحن نرفض هذه النظرية لان ” كل الكتاب هو مُوحى به من الله ” ( 2 تي 3 : 16 ) وقيل عن اليهود الذين حفظوا العهد القديم أنهم  ” أُستومنوا علي أقوال الله ” ( رو 3 : 2 ) وما كتبه الكاتب ولم يصدر من فم الله مباشرة فأنه يخص العلاقة بين الله والإنسان ، وعمل الله من أجل الإنسان ، فلا يمكن أن يحتمل الخطأ . ونستطيع أن نقول أن الفرق بين كلام الله في الكتاب المقدَّس وكلام الكاتب هو فرق تشريفي ، ولا يعني على الإطلاق أن هذا معصوم وذاك غير معصوم .

         وقد يتساءل البعض قائلاً : هل أقوال الشياطين والأشرار التي وردت في الكتاب المقدس هي مُوحى بها ؟ .. الحقيقة أن دور الوحي هنا يقتصر على الأمر بتدوين تلك الأقوال من أجل فائدة الإنسان ليعرف مقاصد عدو الخير . أما الكلمات الخاطئة فإنها تُنسب لأصحابها .

س 8 : ما هو دور الجانب الإلهي ودور الجانب البشري في تدوين الأسفار المقدَّسة ؟

ج : 1 – الجانب الإلهي : إختار الله الرجال القديسين الذين سيسجلون الأسفار المقدسة ، وأعدهم لهذه المهمة ، فقد تهذب موسى بكل حكمة المصريين نحو أربعين عاماً ، وتعلم الهدوء والتأمل في البرية أربعين عاماً أخري فاستحق أن يدون لنا التوراة ، وأعدَّ السيد المسيح تلاميذه فخرج منهم من سجل أسفاراً في العهد الجديد مثل متى ويوحنا وبطرس ، وأعد الله بولس الرسول تحت رجلي غمالائيل ، ثم إنفرد معه في البرية لمدة ثلاث سنوات ، فاستطاع بولس أن يسجل لنا أربعة عشر رسالة ، وبعد أن إختار الله هؤلاء الرجال دفعهم للكتابة سواء بطريقة أو بأخرى كما رأينا من قبل ، دون أن يلغي شخصياتهم .

2 – الجانب البشري : دور الكاتب يشبه دور ” العَرَبة ” التي حملت لنا فكر الله، أو دور ” البوق ” الذي نفخ فيه الروح القدس ليُسمعنا صوته ، أو دور ” القيثارة ” التي عزف عليها الروح القدس أجمل الألحان ، وقد شبه نيافة الأنبا أثناسيوس المتنيح مطران بني سويف الوحي الإلهي بالطاقة الكهربائية غير المرئية ، والكتاب بالمصابيح المختلفة الأشكال والألوان ، فقد تتخذ اللمبة الشكل الكمثري أو الأنبوبة المستطيلة أو الملتوية ، وقد يصدر عنها ضوء أبيض أو مائل للصفرة ، ومع ذلك فإن التيار الكهربائي الذي يسري في جميع هذه المصابيح هو تيار واحد ( راجع كتابنا : أسئلة حول صحة الكتاب المقدس ص 17 )0

إذاً فالأسفار المقدسة تحمل طبيعة مزدوجة ، إلهيَّة وبشرية ، فالكتبة الملهمون هم قيثارة الروح القدس ، وروح الله القدوس هو العازف علي هذه القيثارات ، لذلك فالأسفار المقدَّسة هي كلمة الله كُتبت بيد البشر ، ونحن نصلي في قانون الإيمان ” نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيي .. الناطق في الأنبياء “0

يقول ” هنري نيس ” عن الأسفار المقدسة ” يجب أن نعترف بالطبيعة المزدوجة للأسفار ، فهى من جهة : كتاب مُوحي به من الله ، ومن الجهة الأخرى : لا تلغي شخصية الإنسان(1) .

ويقول ” د. جراهام سكروجي ” : ” مرت هذه الكتب من خلال أذهان البشر، وكُتبت بلغة البشر وبأقلامهم ، كما أنها تحمل صفات تتميز بأنها من أسلوب البشر(1) .

ويقول ” د. أميل ماهر ” أن  ” الوحي هو العمل الفائق الطبيعة الذي يقوم به الروح القدس ، فيؤثر في أذهان كتبة الأسفار المقدَّسة ، بحيث تكون الأسفار المقدَّسة ليست هي مجرد كتاباتهم الشخصية ، وإنما هي كلمة الله . فالكتاب المقدَّس ليس مجرد كتاب يحتوي علي كلمة الله ، ولكنه كلمة الله ، فالكلمة المكتوبة كاملة إلهياً ، وهي في نفس الوقت كاملة إنسانياً . لها سلطان معصوم لأنها كلمة الله ، وهي مفهومة لأنها بلغة البشر(2) 0

         ويقول ” الخوري بولس الفغالي ” أن  ” الروح القدس الذي يدفع النبي ويقوده ويحمله كما يحمل الهواء السفينة ويجرها ، بسلطانة المطُلق . أن هذه الكلمات هي من وحي الروح ، والوحي هو صوت الله ، وشفاه الأنبياء هي أداة يلجأ إليها الله ليُسمع صوته . ولهذا فالكلمات التي يتلفظ بها البشر هي بالحقيقة كلام الله  ( 1 تس 2 : 13 ) وتتمتع بسلطان مطلق علي العقول والقلوب ، وتحتوي علي ينابيع النور والحياة ( 2 تي 3 : 14 – 17 ) وهكذا يأتي الوحي إلينا عبر حروف وكلمات وجمل وفصول تكوّن الكتاب المقدس0 هذا الكتاب ، الله هو كاتبه ، ومسئوليته في وضعه مباشرة . وإن لجأ الله إلى إنسان .. فيصبح الإنسان أداة بين يديه وقيثارة تصل إلينا عبرها معرفة الأمور الالهيَّة(1) .

         إن الله هو مؤلف الكتاب المقدَّس باستخدام الأداة البشرية ” كيف ( يكون ) الله هو مؤلف الكتاب ؟ الكتاب كتاب موسى ويشوع ومرقس وغيرهم ، ولكن مع ذلك فالله هو المؤلف ، هو الذي يوحي 00 الله حينما يتكلم في الكتاب يضع في ” أداته ” أفكاره هو وإرادته هو 00 الله ينحني نحو الإنسان ليكتب كتابه 00 إن الإنسان الذي يقتبل وحي الله يكتبه ، ولكن الإنسان ليس أداة مائتة كالقلم بل شخص حي0 الإنسان كائن مفكر حر ، وبالتالي فهو ينقل وحي الله بكلامه هو وطريقته وإستطاعته0 كلام الله هو وحي الله حقاً ، ولكنه يمر عبر الإنسان ويتحد بكلامه0 إذاً أنا أقرأ في الكتاب كلاماً كتبه إنسان ولكن عليَّ أن أدخل إلى حيث الله حاضر في كلام مختاره(1)0

وعندما نتحدث عن الجانب البشري في تسجيل كلمة الله ، فإننا لا نعني على الإطلاق أن الإنسان كتب أجزاءاً من عندياته ، ثم أضاف إليها أجزاءاً أخري مُوحى بها من الله ، فلا يمكن تقسيم الكتاب إلى قسمين ، قسم إلهي وقسم بشري ، فالكتاب وحدة واحدة كتبها أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ، وكل ما تكلم به الأنبياء هو هو ما أراد الله أن يعلمه للبشرية،  ويقول ” جوش مكدويل ” : ” أن الكتاب هو أنفاس الله0 لقد أستخدم هو رجالاً ليكتبوا بالضبط . ما أراد لهم أن يكتبوه وجنَّبهم الأخطاء ، لكن في نفس الوقت أستخدم شخصياتهم المنفردة وأساليبهم المتميزة لينقل لنا ما أراده بالضبط(1)0

         ويقول ” بول ليتل ” عن عصمة الكتاب المقدس ” يعد مبدأ عصمة الكتاب المقدس تعليماً آخر شديد الأهمية وهو أيضاً يحتاج إلى تعريف دقيق .. ويمكن تقديم التعريف العام التالي : في المخطوطات الأصلية ، فإن الأفكار التي أراد الله أن تُكتب قد كُتِبت، كذا فإن الكلمات التي إستخدمها الكتَّاب كانت خاضعة لحماية الله  ” (2) .

           وقد أعلن مجمع المعلمين اليهوديإن قال أحد أن التوراة هي من الله ما خلا آية واحدة ليست من الله بل من موسي .. فقد إحتقر كلام الله  ” (3) .

ولأن الكتاب المقدس نتاج مشترك بين الله والإنسان ، لذلك فإن الروح القدس لم يفارق الكاتب عند تسجيل الأسفار المقدَّسة ، بل كان يظلل عليه ويحفظه ويرشده ، فيكشف له كل ما هو خفي وغامض ، مثلمـا كشف لموسي عن أيام الخلق ، وأيضاً يعصم الكاتب من أي خطأ كان . كما كان الروح القدس يضع على أفواه الأنبياء نبوات ربما لا يدركون أغوارها مثلما نطق بلسان أشعياء النبي ” ها العذراء تحبل وتلد إبناً وتدعو إسمه عمانوئيل ” ( أش 7 : 14 ) ومن يصدق أن عذراء تحبل وتلد ؟! حتى سمعان الشيخ لم يقدر علي تصوُّر هذا الأمر ، حتى مرت الأيام والسنون وتحققت النبوة0 كما وضع الروح القدس نبؤات علي فم الأنبياء عن نينوى وبابل وصور والشعب اليهودي .. إلخ وكان يصعُب جداً تصوُّر حدوث هذه الأمور ، لكنها حدثت وتحقَّقت النبوات ( راجع كتابنا : أسئلة حول صحة الكتاب المقدس ص 77 – 101 ) .

س9 : هل يمكن أن تكون هناك أموراً معصومة في الكتاب المقدس مثل الأمور اللاهوتية ، وأخري غير معصومة مثل الأمور العلمية ؟

ج : هذا ما نادي به أصحاب النقد الأعلى ، فقالوا أن العصمة في الكتاب المقدَّس تخص الأمور اللاهوتية والعقائدية والروحية والأدبية ، أما الأمور التاريخية والجغرافية والعلمية فمشكوك فيها ، لأن الكاتـب إبن عصره ، فهو يكتب من معارف عصره البدائية ، بما ساد فيها من أساطير وخرافات ، وأين موسي الذي كتب قصيدة شعرية في أيام الخلق من علماء الفلك والطبيعة والجيولوجيا في العصر الحديث ، وقالوا أن الأخطاء المتوقعة في هذه المواضع ترجع لضعف الطبيعة البشرية ولا تمس سلامة ولا قدسية الوحي ، ومن ثمَّ يجب الإعتراف بها وشبهوا ذلك بالشعاع النقي الذي ينفذ من زجاج نافذة تعلق به ذرات التراب ، فإن الشعاع النافذ لن يكون في نقاوته الأولي وضيائه الأول ( راجع كتابنا : مدارس النقد والتشكيك والرد عليها جـ2 ص121 – 132 ) .

ونحن في الرد علي هذا الفكر المنحرف ، وفي عجالة ، نود أن نؤكد على الحقائق الآتية :

1 – وحي الكتاب المقدَّس وحُي مطلق : فكل ما جاء في الكتاب المقدَّس سواء أمور لاهوتية أو تاريخية ، روحية أو جغرافية ، أدبية أو علمية ، جميعها موُحى بها من الله  ( 2 تي 3 : 16 ، 2 بط 1 :21 ) وبالتالي فـإن جميعها معصومة من أي خطأ يظنه الإنسان ويقول ” جوش مكدويل ” : ” العصمة تعني أنه عندما تتكشف كل الحقائق وتُترجم الكتب من أصولها ، وتُفسَّر بشكل صحيح ، فإنها حينذاك ستكون كلية الصدق في كل ما يكتب به ، سواء كان الكلام عن المعتقدات ، أو الأخلاقيات ، أو العلوم والمبادئ الاجتماعية ، أو الطبيعية للحياة ”  (1)0

2 – من ينسب الخطأ لجزء من الكتاب فإنه في الحقيقة ينسب هذا الخطأ لصاحب الكتاب : فإن سلمنا بضعف الكاتب ومعارفه المحدودة ، فأين هنا دور الروح القدس المرافق للكاتب يعلمه ويرشده ويعصمه ؟!! هل عجز الله عن إنتاج كتاباً خالياً من الأخطاء ؟!! وهل عجز أن يحفظ للأداة البشرية نقاوتها حتى تنطق بكلماته دون أن توهنهـا أو تصيبها بالضعف ؟!!

         ويقـول ” د. ادوار ج . يونج ” : ” النص الأصلي لكلمة الله والذي صدر من فم الله ، معصوم ، وأن أي تهاون ، في قبول هذه النتيجة، لا يضع الكتاب نفسه في خطر ، بل أكثر من ذلك يضع الله ذاته في كرامته وصدقه ومجده في أدق المواضع .. إن تصوَّر أن النص الأصلي لكلمة الله خاطئ ، وغير معصوم يعني أن الكلمة التي خرجت من فم الله ليست كاملة ، وأن إله الحق نفسه مُدان بالذنب ، وإذا كانت كلمة الله باطلة ، وهو مُدان بالبعد عن الحق ، فإنه يُبتنيَ علي تلك النتيجة التي لا مهرب منها ، وهي أن الديانة المسيحية ديانة باطلة(1)0

ويقول ” جوش مكدويل ” : ” الكتاب المقدَّس هو كلمة الله .. والله لا يخطئ أبداً ( عب 6 : 19 ، تي 1 : 2 ) وأن ننكر عصمة الكتب المقدَّسة ، فإننا بذلك نطعن في كمال الله ، أو نشك في كون الكتاب المقدَّس هو كلمة الله .

تستلزم صفات الله العصمة ، وإذا كانت كل عبارة في الكتاب المقدَّس هي من الله ، والله هو الحق ، كما أعلن عنه الكتاب ، لذا يجب أن يكون الكتاب المقدَّس كله حقيقي وصحيـح ، وهو معصوم من الخطأ ، قال يسوع عن كلام الله ” كلامك هو حق ” ( يو 17 : 17 ) .. إذاً فالتحليل النهائي يخلص إلي أن أي هجوم علي الكتاب المقدَّس هو هجوم علي صفات الله(1)0

3 – الله قادر أن يحفظ كلمته نقية رغم الأداة البشرية الضعيفة : وقـد أكد الكتاب هذه الحقيقة ” كل كلمة من الله نقية ” ( أم 30 : 5 ) ويصحح ” وورفيلد ” تشبيه الشعاع والزجاج فيقول ” كما أن الضوء الذي يمر في الزجاج الملون لنافذة الكاتدرائية يتأثر بألوان الزجاج الذي يمر فيه ، هكذا كلام الله يمر بعقل ونفس الإنسان ، فيخرج وهو يحمل طابع الشخصية التي مرَّ بها ، وانه عند هذه الدرجة يكف عن أن يكون كلمة الله النقية الصافية – كقول النُقَّاد – ولكن ماذا لو أن هذه الشخصية قد شكلتها وصاغتها يد الله ، بحيث تصبح منسجمة تماماً مع كلمته ، وبحيث يخرج الضوء منها محتفظاً بخواصه الأصلية ، وبحيث يتحقق بذلك قصد الله في توصيل كلمته صافية للناس(1) .

ويؤكد ” الأب جورج فلورسكي ” علي أن الإنسان الذي جُبل علي صورة الله قادر علي أن ينطق بكلمات الله دون أن يصيبها الوهن فيقول ” إن الكتاب ينقل إلينا كلمة الله في لغة بشريَّة . فالله كلَّم الإنسان بالفعل ، وهذا يفترض وجود من يسمع الكلمة ويعيها .. لا مجال هنا للإنزلاق نحو الضعف البشري ، لأن اللسان البشري لا يفقد خصائصه الطبيعية عندما يصير عربة للإعلان الإلهي .. إن الإلهام الإلهي لا يمحو العنصر البشري .. ومادام الإنسان مخلوقاً علي صورة الله ومثاله فهو يقدر أن يعبّر عن كلمة الله بكلماته البشرية بشكل كاف وصحيح،  لان كلمة الله لا تخفت عندما ينطق بها لسان بشري 00 وعندما ينفخ الروح القدس في نظام اللغة البشرية يقدر الإنسان ، أن ينطق بكلام الله(1) .

4 – لو سلمنـا بضعف الطبيعة البشرية مما ترتب عليه بعض الأخطاء التاريخية والجغرافية والعلمية ، فمن الذي يضمن لنا أن الأمور اللاهوتية والعقائدية والأدبية لم يشبها الخطأ أيضاً ؟! .. أليس الكاتب واحد ؟! 00 وكيف يكون الكتاب الواحد معصوم وغير معصوم في آن واحد ؟! 00 وأي كتاب تشوبه الأخطاء هل يمكن الثقة فيه ؟! 00 أليس القضية التي تفقد مصداقيتها في جزئية منها هي قضية خاسرة أمام القضاء العادل ؟!

ويقول  ” د . اميل ماهر ” عن عصمة الكتاب الكاملة ” لا يكفي فقط أن نقرر أن الكتاب موحي به وله سلطان ، إنما لابد أن نعترف أيضاً بأنه مُنزَّه عن الخطأ  ( Inarrancy ) ومعصوم ( Infallibility  ) ونعني بذلك أنه بدون أخطاء في مخطوطاته الأصلية . فهو مُنزَّه عن الخطأ في كل ما يؤكده ، سواء كانت هذه أمور تاريخية أو علمية أو أخلاقية أو عقائدية والتنزَّه عن الخطأ يمتد إلى الكتاب كله ، ولا يقتصر علي تعاليم معينة في الكتاب “0

5 – لا يمكن فصل الأمور الإيمانية عن الأمور التاريخية  : من يستطيع أن يفصل الأمور الإيمانية عن الأمور التاريخية إن كان الإثنان ممتزجان معاً ؟! .. أليس التجسد وحياة السيد المسيح على الأرض وصلبـه وموته وقبره وقيامته وصعوده وكرازة الرسل ومجيئه الثاني ، كل هذه حقائق إيمانية ، وفي نفس الوقت هي حقائق تاريخية ؟! .. الإصحاح الأول في الكتاب المقدس الذي يتكلم عن الله الخالق وهذه حقيقة إيمانية ، ويتكلم عن أيام وترتيب الخلقة وهذه أمور زمنية ، من يقدر أن يفصل هذه عن تلك ؟! .. متي ينتهي الإيمان ويبدأ التاريخ ؟! ولو كان هذا الإصحاح غير معصوم فلماذا لم يأخذ موسي من معارف عصره من أساطير الخلق السومرية ، والمصرية ، والبابلية ( الاينوما إيليش ) وعندما كتب عن الطوفان وهو موضوع تاريخي ، وبالتالي فهـو في نظرهم غير معصـوم ، فلمـاذا لـم يأخذ موسي من أسطورة جلجاش؟! ( راجع كتابنا : هل اخذ سفر التكوين من الأساطير ؟ )0

حقاً إن محوتَ التاريخ فقد أزلتَ الإيمان ، والإيمان لم يصل إلينا إلاَّ علي أجنحة التاريخ ، والله هو العامل في التاريخ وجاء في معجم اللاهوت الكتابي عن الوحي ” يقوم الدين الذي يُقدّمه لنا الكتاب المقدَّس على أساس من الوحي التاريخي .. يبدو الوحي من الكتاب المقدَّس أنه حقيقة تاريخية يمكننا التحقق منها .. فالإيمان إذاً بالنسبة إلى المسيحي يعني قبول هذا الوحي الذي يصل إلى البشر محمولاً علي أجنحة التاريخ(1)0

ورداً علـى القائليـن بأن الكتاب المقدَّس يحوي أخطاء تاريخية يقول ” جوش مكدويل ” : ” أما روبرت ديك ويلسون المُلم بأكثر من خمس وأربعين لغـة ، فبعد أن أمضي حياته في دراسة العهد القديم خلص إلي ما يلي : يمكنني أكثر فأكثر إلى تعميق إيماني بأن لدينا مـن خلال العهـد القديم سجلاً تاريخياً صحيحاً لتاريخ الشعب الإسرائيلـي “ ( Wilson : WB.42  ) (1)0

س10 : هل أخطاء الأنبياء تسقط عنهم العصمة عند كتابة الأسفار ؟ وحتى لو كانت خطايا الأنبياء حقيقة فلماذا ذكرها الكتاب المقدَّس ؟ هل يقصد التشهير بهم ؟ وتساءل صموئيل ريمارس : كيف يعمل الوحي في رجل قاتل مثل موسى ، أو رجل زاني مثل داود ، أو  رجل مضطهد الكنيسة بإفراط مثل بولس ؟

ج : نود في سياق إجابتنا علي هذه التساؤلات ان نؤكد علي الحقائق الآتية :

1 – جميع الرجال الذين كتبوا الأسفار المقدَّسة هم بالحقيقة قديسون ، ليس بمعني إنهم كانوا معصومين في حياتهم الشخصية ولم يخطئوا قط ، لأنه ليس مولود إمرآه بلا خطية ، ولكن بمعني إنهم أحبوا الله من كل قلوبهم ، وقد قدموا توبة صادقة عن كل خطية أرتكبوها .. عجباً لإنسان يركز علي خطية داود ويغض البصر عن توبته ودموعه ( راجع مز 6 : 6 ، 51 : 3 – 11 )0

2 – لم يتساهل الله مع أنبيائه الذين أخطأوا ، ولم يعفهم من العقوبة ، إنما حملوا عقاب خطاياهم بالكامل ، فليس لدى الله محاباة قط ، حتى لو كان المخطئ هو ملاكاً ، أو هو الإنسان الوحيد علي الأرض ( آدم ) ، أو يعقوب المحبوب ، أو موسي رئيس الأنبياء ، أو داود قيثارة الروح .. الخ0

3 – نحن لا نعترف بعصمة إنسان ما علي الأرض ، فالجميع تحت الضعف ، والعصمة الوحيدة لكتَّاب الأسفار المقدسة هي أثناء تسجيلهم لكلمات الله في الأسفار المقدَّسة أما في حياتهم الشخصية فإنهم كانوا عرضة للسقوط ، فهم من نفس عجينة البشرية ، و ما أجمل صلوات الكنيسة في أوشية الراقدين ” لأنه ليس موت لعبيدك بل هو إنتقال، وإن كان لحقهم توان أو تفريط كبشر ، إذ لبسوا جسداً وسكنوا في هذا العالم فأنت كصالح ومحب البشر اللهم تفضل أغفر لهم . فإنه ليس أحد طاهراً من دنس ولو كانت حياته يوماً واحدً علي الأرض ” .

ويقول ” د . ادوار ج . يونج ” : ” فإنه من الحماقة أن يتصوَّر ريماروس أن بعض الكُتَّاب كان لا يجوز أن يكونوا من حملة الوحي نسبة إلى الخطايا التي أرتكبوها في حياتهم إذ أن الله لم يعطِ كتابه للبشر عن طريق رجال معصومين من الخطية ( في جميع جوانب حياتهم ) .. كانت حياة داود ملطخة بالخطية ، ومع ذلك كتب ( بعد توبته ) أروع المزامير التي أعطاه الله إياها ، كان موسي قاتلاً .. وكان بولس مُضطهد الكنيسة ، ولكن الله إختارهم وصيَّرهم كُتَّاباً للوحي ، ولكن ليس معني ذلك أن الله كان لا يُبالي أو يقلّل من خطاياهم ، بل بالعكس كان ذنبهم أمامه قاسياً .. كانوا فقط معصومين عندمـا حملهـم الـروح ليكتبوا الكتاب المقدَّس !! ..(1)0

4 – عندما ذكر الكتاب المقدس أخطاء هؤلاء الأنبياء فلكي يعلمنا أن الجميع تحت الضعف ، وأن هؤلاء الأنبياء كانوا من نفس عجينة البشرية ولكيما يتعلم الإنسان أنه مهما بلغت قامته الروحية فإنه معرض للسقوط ، ولكيما يتعلم الإنسان أن السقوط ليس نهاية المطاف ، إنما التوبة تعيد الإنسان إلى مرتبته الأولي . إذاً لم يقصد الكتاب المقدَّس التشهير بهؤلاء الأنبياء القديسين ، ولم يذكر خطاياهم ليشجع الإنسان علي إرتكاب المعصية ، إنما ليحذر الإنسان ، ومن أجل تعليمنا سمح الوحي الإلهي بتسجيل خطايا هؤلاء العظماء0 إن الكتاب المقدَّس كتاب صادق وأمين ، يذكر الحقائق كما هي ، إن كانت خيراً أو شراً ، ولم يلتمس الأعذار لمن أخطأوا ..

(1)   ترجمة وجدي وهبه – لماذا أؤمن – إجابات منطقية عم الإيمان ص88

(1)   دائرة المعارف الكتابية جـ6 ص 319

(1)   برهان يتطلب قراراً ص364

(1)   دائرة المعارف الكتابية جـ6 ص 227

(2)   أنور يسى منصور – المتهم المعصوم ص165

(3)   رهبنة دير مارجرجس الحرف – مدخل إلى الكتاب المقدَّس ص 19

(4)   د0 إدوار ج0 يونج – أصالة الكتاب المقدَّس ص 180

(5)   المرجع السابق ص 97

(6)   المرجع السابق ص 180

(1)   د0 إدوار ج0 يونج – أصالة الكتاب المقدَّس ص 180

(2)   دائرة المعارف الكتابية جـ6 ص 324

(3)   ترجمة القس إلياس مقار – أصالة الكتاب المقدَّس ص 131

(4)   أنور يسى منصور – المتهم المعصوم ص 165

(1)   جوش مكدويل – برهان جديد يتطلب قراراً ص 318

(2)   أنور يسى منصور – المتهم المعصوم ص 166

(3)   أصالة الكتاب المقدَّس ص 131

(4)   المرجع السابق ص 131

(5)   أنور يسى منصور – المتهم المعصوم ص 165

(1)  رهبنة دير مارجرجس الحر – مدخل إلى الكتاب المقدَّس ص36

(1)   ترجمة الأب ميشال نجم – الكتاب المقدَّس والكنيسة والتقليد ص 31 ، 32

(1)   أنور يسى منصور – المتهم المعصوم ص 26

(1)   أنور يسى منصور – المتهم المعصوم ص 26

(2)    الكتاب المقدَّس – أسلوب تفسيره السليم وفقاً لفكر الآباء القويم ص 40

(1)   المدخل إلى الكتاب المقدَّس جـ 1 التوراة وعالم الشرق القديم ص 37

(1)   رهبنة دير مارجرجس الحرف – مدخل إلى الكتاب المقدَّس ص 18

(1)   برهان جديد يتطلب قراراً ص 313

(2)   ترجمة وجدي وهبه – لماذا أؤمن ؟ إجابات منطقية عن الإيمان ص 80

(3)   المدخل إلى الكتاب المقدَّس جـ 1 ص 37

(1)   برهان جديد يتطلب قراراً ص 313

(1)   أصالة الكتاب المقدَّس ص 101 – 103

(1)   برهان جديد يتطلب قراراً ص 312 ، 313

(1)   صموئيل كريج – ترجمة باقي صدقة جرجس – المسيحية الحقيقية ص 91

(1)   الكتاب المقدَّس والكنيسة والتقليد ص 32

(1)   معجم اللاهوت الكتابي ص 840

(1)   برهان جديد يتطلب قراراً ص 58

(1)   أصالة الكتاب المقدَّس س 94 ، 95

مفهوم الوحي والعصمة ج1

كتاب الوحي الإلهي وإستحالة تحريف الكتاب المقدس – القمص عبد المسيح بسيط PDF

كتاب الوحي الإلهي وإستحالة تحريف الكتاب المقدس – القمص عبد المسيح بسيط PDF

كتاب الوحي الإلهي وإستحالة تحريف الكتاب المقدس – القمص عبد المسيح بسيط PDF

كتاب الوحي الإلهي وإستحالة تحريف الكتاب المقدس – القمص عبد المسيح بسيط PDF

تحميل الكتاب PDF

استخدام الأساطير لا يلغى عمل الوحي الإلهي

استخدام الأساطير لا يلغى عمل الوحي الإلهي

استخدام الأساطير لا يلغى عمل الوحي الإلهي

 

 271- هل استخدام الكاتب ما في الأساطير من معانٍ لا يلغى عمل الوحي الإلهي؟ وهل امتد الوحي الإلهي إلى جميع الأمم أم إنه اقتصر على الأسفار المقدَّسة فقط؟

للأسف الشديد إن هذه الأفكار تغلغلت ليس لدى أصحاب لاهوت التحرر فقط، بل تغلغلت في بعض جوانب الكنيسة الكاثوليكية والكنائس البروستانتية، ونحن نخشى أن يقع فيها البسطاء من كنيستنا الأرثوذكسية، ولذلك يجب علينا عرضها ومناقشتها، فمثلًا يقرُّ الأب سهيل قاشا أن العهد القديم اقتبس من أساطير الشعوب الوثنية، فيقول “إن التراث الكتابي قد أخذ الكثير من تراث محيطه الثقافي الشرقي، إلاَّ أنه لم يقلده تقليدًا حرفيًا، بل غربل ما اقتبس”(1) 

كما يقول “وبالإجمال حاولنا أن نبين أن الكتاب المقدَّس (العهد القديم) قد اقتبس الكثير من الفكر والأدب الذي سبقه وبالذات من الفكر والأدب الرافدينى وبذلك لم يعد ذلك الكتاب الفريد والفوق طبيعي. كما لم يعد أقدم الكتب جميعًا الذي كُتب من قبل الله شخصيًا، أو بإملاء أو “إلهام” منه كما كنا نراه يومًا”(2).

ويرى الأب سهيل قاشا إنه بالرغم من أن الكاتب التوراتي قد استخدم أساطير الأمم إلاَّ إنه كتب بوحي إلهي، فيقول “خلاصة القول، ومهما يكن من تشابه واقتباسات وتأثيرات ومؤثرات، يبقى الكتاب المقدَّس، كتابًا مُلهمًا وعمل الروح القدس فيه واضح وبيَن حيث أن الكاتب المُلهم استطاع وبجدارة أن يستخدم ويوظف الملحمة أو أسطورة جلجاميش للبلوغ إلى الهدف والغاية المقدَّسة وهي أن الله هو المبدع والخالق والضابط الكل، وهو الإله الواحد ليس من غيره إله، وإليه ترجع كل الأمور وهو بداية كل الغايات وإليه تنتهي”(3).

ويقول الأب جورج سابا “تناول واضعوا الكتاب المقدَّس أحيانًا بعض عناصر عُرفت في حضارات جيرانهم ودياناتهم، وطهروها من كل شائبة.. ومن جملة ذلك: الخيال الذي يحيط بأسطورة الخلق البابلية، وتقليد ما بين النهرين المتعلق بالطوفان، ورمز العاصفة المنبثق من الميثولوجيا الكنعانية، والأقوال الفارسية في عالم الملائكة أو شرائع الشرع الحمورابي وغيره، وحكم ومزامير ظهرت في مصر وغيرها”(4).

كما يقول الأب جورج سابا أيضًا عن الإحدى عشر إصحاحًا الأول من سفر التكوين “تلك أجوبة توصَّل إليها مفكروا العهد القديم بعد عناء طويل.. من أين الكون؟ ومن أين الإنسان؟ لماذا الحياة ” لماذا الخطيئة والشر والعنف والألم والموت؟ لماذا هذا الميل إلى الشر والعنف والألم والموت؟ لماذا هذا الميل إلى الشر ولماذا صعوبة الخير؟ لكنها ليست أجوبة مجردة، بل أجوبة تُعرض بطريقة شعبية خيالية قصصية، قريبة إلى أذهان المستمعين والقراء، لها خلفيات من تراث الشعوب السامية عامة”(5).

أما الشق الثاني من السؤال الخاص بامتداد الوحي الإلهي للشعوب الوثنية، فيقول الأب سهيل قاشا “إن الوحي الإلهي كان لكل الشعوب والأمم، وكل منها عبَّر عنه بحسب البيئة والعقلية والزمان، فهناك تنويهات وإشارات كثيرة لدى الشعوب المجاورة، عمل حكماؤها ودوَّنوا بحسب الوحي الإلهي الذي عبَّروا عنه، وإن كان بصورة مشوَّهة.. إن شريعة حمورابي وتطابقها مع الشريعة التي تلتها بقرنين من الزمان (شريعة موسى) ألا يمكننا أن نقول أنها دوّنت بإلهام ووحي لما فيها من العدالة والحق والإنصاف؟”(6).

وأعاب الأب سهيل قاشا على اليهود لأنهم يقصرون عمل الوحي الإلهي على العهد القديم، فقال “إلاَّ أن اليهود كأنهم احتكروا هذا الوحي والمقدَّسات.. رغم ما في أسفار العهد القديم دون استثناء من اقتباسات وتطابقات للفكر الإنساني السابق لهم، وهذا ما تؤكده يومًا بعد يوم الدراسات العلمية الرصينة والآثار والألواح والكتابات، وكأني بهم يريدون حجب نور الشمس بالغربال، وهل يُخفى القمر..؟ لأن الإله الواحد الأحد خلق كل البشر وهم أبناءه بدون تمييز وأعطى لهم حق التفكير والتعبير”(7).

تعليق:

1- عندما يقول الأب سهيل قاشا ما معناه: أن الكتاب المقدَّس يبقى ملهمًا بعد اقتباسه من أساطير الشعوب الوثنية.. نسأله: هل مصدر الإلهام في الكتاب المقدَّس هو روح الله، أم أساطير الأمم، أم أن هناك أجزاءًا يرجع مصدر الإلهام فيها للروح القدس وأجزاءًا أخرى يرجع مصدر الإلهام فيها للأساطير؟ وكيف يتفق النور مع الظلمة؟!

وعندما يقول ما معناه: أن الكتاب المقدَّس لم يعد الكتاب الفريد والفوق طبيعي، لأنه لم يكتب بإلهام إلهي كما كنا نظن ذلك من قبل.. ألا ترى يا صديقي أن هذا طعن مباشر في كتابنا المقدَّس الوحيد الفريد الذي له طبيعة مزدوجة إلهية وبشرية، إذ كتب بأيدي البشر ولكن بإلهام من روح الله القدوس..؟!

لماذا ينفى الأب سهيل قاشا الصفة الإلهية عن الكتاب المقدَّس؟!، وعلام يستند في قوله هذا..؟ أليس هذا تحدى واضح وصريح لروح الكتاب، وإنكار فاضح لنصه “كل الكتاب هو مُوحى به من الله” (2تى 3: 16) ..؟ بأي روح يتكلم هذا الأب؟! هل بروح الإنجيل..؟!! ألا ترى يا صديقي أن هذا يعد تشكيك في أقوال الله، كما شككت الحيَّة القديمة أمنا حواء في أقوال الله؟!

وعندما يقول الأب جورج سابا أن الكتاب المقدَّس حوى الخيال الذي ارتبط بأسطورة الخلق البابلية، وإن مفكرو العهد القديم أجابوا بعد عناء عن تساؤلات الإنسان عن الكون والإنسان والحياة والموت والألم بطريقة شعبية قصصية مستمدة من تراث الشعوب الوثنية.. ألا يدرى أن كل ما جاء في كتابنا المقدَّس هو حقائق أقرَّها الله، ولا مجال فيها للخيال ولا للأساطير ولا للحكايات الشعبية..؟! ألا يدرى أن سفر التكوين لم يكن قط نتاج مفكروا العهد القديم بعد عناء طويل..؟

ألا يدرى أن موسى النبي كتب في سلاسة وبساطة بدون أي عناء، بل انسابت أقوال الله عليه على شفتيه في سهولة ويسر، ومثله بقية الأنبياء الأطهار..؟!! لماذا يضع الأب جورج سابا الكتاب المقدَّس وكأنه ثمرة تفكير بشرى لا غير، منكرًا طبيعته الإلهية، وإن أقواله هي أقوال الله..؟!! كما أننا لا نستطيع أن نوافق الأب جورج سابا في تعبيره الغير مسيحي (الإله الأحد) لأن القول بالإله الأحد يعنى أنه أحد الآلهة، وهذا طعن في وحدانية الله، فالله واحد وليس أحد، له الوحدانية المطلقة وليس له الأحدية.

2- هل عجز روح الله القدوس أن يوحى للكاتب ويرشده بعيدًا عن أساطير الأمم التي امتزجت بالخرافات..؟

لقد عاش آدم عمرًا مديدًا وحكى لأولاده وأحفاده قصة خلقته، وخلقة الكون من أجله، وقصة حياته الملوكية في الفردوس، ثم سقوطه بغواية الحيَّة وطرده من الفردوس لأرض الشقاء والعناء والفناء، وعاش نوح وأولاده يقصون على أولادهم وأحفادهم هذه القصص، ولكن ازداد عدد السكان، وتكوَّنت الشعوب، وقلت معرفتها بالله الواحد، وتغلغل في أحشائها روح المُضِل، فأخذت هذه القصص وأمثالها مثل قصة الطوفان وبرج بابل، وأضافت عليها الخرافات، فكانت الأساطير.

لقد امتزجت الخرافات بالنبع الصافي فصار ملوَّثًا، بينما احتفظ التقليد اليهودي بهذا النبع نقيًّا، فكيف يأخذ موسى النبي اليهودي من هذا النبع الملوث الفاسد محاولًا تنقيته، ويترك ما لديه من نبع نقى..؟! ويقول الأستاذ رشدي السيسي “وصفوة القول أن النبع الإلهي الأزلي الذي استقت منه شريعة الكمال عقائدها في كامل نقائها وصفائها، جعل منه إبليس معينًا مر المذاق استمد منه قدماء المصريين والهنود والفرس وغيرهم من الشعوب القديمة، أساطيرهم الدينية، المتضمنة حقائق الأسفار المقدَّسة بعد تحريفها وتشويهها”(8).

3- إن الوحي الإلهي اقتصر على الأسفار المقدَّسة، وخارج هذه الأسفار لا يوجد وحى على الإطلاق لدى الأمم ولا لدى اليهود أيضًا، فلم يكن الوحي متسعًا منتشرًا ثم تم اختيار بعض منه كأمثلة ووُضِع في الكتاب المقدَّس. كلاَّ، فخارج الأسفار المقدَّسة لا يوجد وحى قط، بل ما وُجد من أسفار أخرى فهي “أبو كريفا ” غير قانونية وتمثل عملًا بشريًا محضًا لا يد لروح الله فيه.

وكل ما نستطيع أن نقوله عن حكماء الشعوب الأخرى وفلاسفة الأمم أنهم استطاعوا أن يروا بصيصًا من الحق الإلهي، وهذا البصيص لا يرقى بأي حال من الأحوال إلى درجة الوحي الإلهي الذي عصم كتَّاب الأسفار المقدَّسة من أي خطأ أو نسبة خطأ، ولو كان الوحي الإلهي عمل مع هؤلاء الحكماء والفلاسفة فكيف يقر الأب سهيل قاشا بأنهم دوَّنوا هذه التنويهات والإشارات بصورة مشوشة..؟! كيف يكون هناك وحيًا ويكون الناتج نصوصًا مشوهة؟!!

4- لقد أعطى الله شريعته للبشرية كلها من خلال الشعب اليهودي، ولم يمنع أي إنسان من السلوك في هذه الشريعة، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وكان اختيار الله للشعب اليهودي وإيداعه النبوءة والكتاب اختيارًا مؤقتًا فهو اختيار للجزء ليقدس به الكل، ولاختيار للخميرة لتخمر العجين كله، ولهذا جاء الوعد الإلهي لإبراهيم أن بنسله تتبارك جميع الأمم (تك 12: 1 – 4، 22: 16 – 18).

لقد خلق الله كل البشر وجميعهم أبناءه بالخلقة بدون تميّيز، ولكن الإنسان هو الذي صنع هذا التميّيز، فهناك من أحب الله أكثر من حبه لنفسه، وأطاعه لدرجة تقديم ابنه ذبيحة حية له، وهناك من أحب الشيطان وأطاعه وقدم أبناءه ذبيحة نجسة له.. شتان بين النور والظلمة، فقد هرب أبناء الظلمة من النور الإلهي، فسقطوا في تعديات وخطايا لا حدود لها حتى الأرض لم تحتملهم بل لفظتهم وطوَّحت بهم من على ظهرها.

_____

(1) التوراة البابلية ص38.

(2) المرجع السابق ص427.

(3) أثر الكتابات البابلية في المدوَّنات التوراتية ص206، 207.

(4) على عتبة الكتاب المقدَّس ص49.

(5) المرجع السابق ص155.

(6) أثر الكتابات البابلية في المدوَّنات التوراتية ص207.

(7) أثر الكتابات البابلية في المدوَّنات التوراتية ص207.

(8) مجلة الكرازة في 15/ 8/ 1975م ص7.

 

استخدام الأساطير لا يلغى عمل الوحي الإلهي

ما هو مفهوم كل الكتاب هو موحى به من الله؟ (2 تي 3: 16)

ما هو مفهوم كل الكتاب هو موحى به من الله؟ (2 تي 3: 16)

ما هو مفهوم كل الكتاب هو موحى به من الله؟ (2 تي 3: 16)

 

86- ما هو مفهوم “كل الكتاب هو موحى به من الله” (2 تي 3: 16)؟

ج“موحى به من الله ” في أصل اللغة اليونانية التي دُوّن بها العهد الجديد ” ثيؤبينوستوس ” Theopneustas و” ثيؤ ” Theo أي الله، و” بينوستوس ” Pneustas أي نُفخ، ونلاحظ أن العبارة جاءت في صيغة المبني للمجهول ” نُفخت من الله “ أي صيغت بروح الله، وخرجت من فم الله.

الأسفار المقدسة ” نُفخت من الله”.. أي مصدرها الله وليس الإنسان، فالكتاب المقدَّس كله هو نفخة الروح القدس، هو نتاج نسمة الله، وهذا المعنى ينسجم تمامًا مع قول السيد المسيح ” ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله” (مت 4: 4) فتعبير ” تخرج من فم الله “ أي نُفخت من الله، فالكتاب المقدَّس هو نتاج النفخة الإلهيَّة.

كما تترجم ” ثيؤبينوستوس ” أيضًاَ إلى كلمة ” وحي ” وتعني ” تنفس الله ” ولذلك نستطيع أن نقول أن الكتاب المقدَّس هو أنفاس الله. و” يمكن تعريف الوحي بأنه تلك العملية الغامضة التي يتدخل بها الله عند الكُتَّاب وهم يكتبون، مستخدمًا شخصياتهم وأساليبهم التي تميز كل واحد منهم، لإظهار الأوامر الإلهيَّة والكتابات المعصومة من الخطأ”(1)(2).

و ” نُفخت من الله”.. تنسجم تمامًا مع تعبير الوحي الإلهي على لسان معلمنا بطرس الرسول ” لأنه لم تأتِ نبوءة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2بط 1: 21) وتعبير ” مسوقين “ أي محمولين بالروح القدس، فمعلمنا بطرس الرسول يؤكد أن مصدر الأسفار المقدَّسة هو الله، وتكلم بها إناس الله وهم محمولون بالروح القدس، فهي معطاة لنا من الله من خلال أناس الله القديسين، الذين لم يتكلموا قط من عندياتهم، بل من عند الله وهم محمولين بروحه القدوس الذي هيمن عليهم وحفظهم وعصمهم أثناء الكتابة.

” نُفخت من الله”.. لذلك فهي ثابتة لا تتغير، وتنسجم تمامًا مع قول السيد المسيح ” أليس مكتوبًا في ناموسكم أنا قلت أنكم آلهة.. ولا يمكن أن يُنقض المكتوب” (يو 10: 34، 35) مشيرًا بهذا إلى قول المزمور ” أنا قلت أنكم آلهة وبنو العلي كلكم” (مز 82: 6) فالأسفار المقدسة لها سلطان عظيم إلى الدرجة التي لا يمكن معها أن تُنقض، ولذلك قال رب المجد يسوع أن السماء والأرض تزولان ولكن حرف واحد أو نقطة واحدة من الكتاب لن تزول ” فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل” (مت 5: 18) وقال الوحي الإلهي في القديم ” وأما كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد” (أش 40: 8).

” نُفخت من الله”.. توضح هيمنة روح الله على الكاتب، وبالتالي فإن جميع ما كتبه هو صحيح تمامًا معصوم من الخطأ. بل هو بعيد تمامًا عن أي خطأ يتصوره الإنسان حتى لو كان هذا الخطأ بسيط جدًا، فالكتاب المقدَّس منزَّه كلية عن الخطأ، وكلمة الله نقية وصادقة تمامًا تمامًا ” كلام الرب كلام نقي كفضة مصفَّاة في بوطة في الأرض ممحوصة سبع مرَّات” (مز 12: 6).

وفي اللغة الإنجليزية جاءت عبارة ” كل الكتاب ” في ترجمة الملك جيمس ” All scripture ” بمعنى عصمة الكتاب بالمفهوم الكلي الإجمالي، وفي الترجمة المنقحة ” Every scripture ” بمعنى عصمة الكتاب بالمفهوم الجزئي، فكل جزء من الكتاب المقدَّس هو معصوم من الخطأ، وهكذا كل آية وكل كلمة وكل حرف.

وقد ارتبطت كلمتي ” مُوحى” و”معصوم ” معًا، لأنهما يؤديان نفس المعنى، فكل ما هو مُوحى به هو معصوم، ولا يوجد أمر معصوم إلاَّ الموحى به فقط. وقد يحتج البعض أن الكتاب المقدَّس لم يقل عن نفسه أنه معصوم من الخطأ، بل ذكر فقط أنه مُوحى به من الله..

فيرد على هذا الإدعاء جوش مكدويل قائلًا “هذا الإدعاء خاطئ، كأنك تقول مثلًا أن الكتاب المقدَّس لم يُعلّم موضوع الثالوث القدوس، في الحقيقة لا يوجد في الكتاب المقدَّس من يقول هذه الكلمات {هناك ثلاثة أقانيم في واحد..} لكن بالرغم من هذه الحقيقة، فإن عقيدة الثالوث واضحة تمامًا في الكتب المقدَّسة، لكن كيف توصلنا لذلك؟ بالطرح المنطقي لمبدأين نجدهما واضحين في الكتاب:

(1) هناك ثلاثة أقانيم تقول أنها الله، وهم الله: الآب والابن والروح القدس.

و(2) هناك إله واحد. بالمنطق البسيط يدعونا باستعراض هاتين الحقيقتين أن نتوصل إلى نتيجة وحيدة، هي أنه لا يوجد مسيحي حقيقي يصعب عليه أن يكتشف: هناك ثلاثة أقانيم في إله واحد.

والآن وبنفس المنطق، يُعلّم الكتاب المقدَّس موضوع عصمته. لم يُذكر في الكتاب المقدَّس مثلًا أن {الكتاب المقدَّس معصوم في كل ما ذُكر به..} ومع ذلك فإن الكتاب المقدَّس بكل وضوح وبتأكيد تام يعلّمنا حقيقتين، ومنهما نتوصل إلى النتيجة المطلوبة:

أولًا: نفس كلمات الكتاب كلها وحي من الله، وقد كتب بولس الرسول ” كل الكتاب هو مُوحى به من الله” (2تي 3: 16)..

ثانيًا: يعلمنا الكتاب بكل تأكيد أن كل ما يتعلق به الله هو الحق، وبلا أي نوع من الخطأ، قال يسوع مخاطبًا الآب ” كلامك هو حق” (يو 17: 17)..

وبالاختصار، إن صفات الله كصادق يتطلب منا أنه عندما يتكلم فأنه يقول الحق، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وفي نفس الوقت، فإن الأسفار المقدَّسة هي نطق الله، لذا وبناء على هاتين الحقيقتين الصحيحتين نتوصل إلى نتيجة وحيدة منطقية وهي كالآتي: كل ما يعلّمه الكتاب المقدَّس هو الحقيقة التي لا خطأ فيها لأنها من الله.

لذا فإن العصمة تتبع.. للوحي. إذا كان الكتاب المقدَّس هو كلمة الله لذلك هو بلا خطأ، والمسيحيون كثيرًا ما اختصروا معتقد العصمة بالشكل الآتي: {كل ما يقوله الكتاب المقدَّس يقوله الله}”(3)

” نُفخت من الله”.. أي أن الكلمات هي كلمات الله ذاته، وهذا الموضوع واضح وضوح الشمس، وهناك أدلة عديدة توضح أن كلام الكتاب المقدَّس هو كلام الله نذكر القليل منها:

أ – أستخدم كتبة الأسفار المقدَّسة بعض العبارات التي تؤكد أن الكلام الذي ينطقون به هو هو كلام الله، مثل عبارات ” هكذا يقول الرب”..، “قال الرب”..، “كانت كلمة الرب إليَّ.. ” وقد استخدمت مثل هذه المترادفات نحو 3800 مرة، وإن كانت الأسفار التاريخية والشعرية قد خلت من مثل هذه العبارات التي تظهر أن الله هو المتكلم، لكنها تعرض لنا معاملات الله مع شعبه، ولذلك نستطيع أن نقول أن التوراة (الشريعة) والأسفار النبوية تخبرنا بما قاله الرب ” هكذا قال الرب ” بينما تخبرنا الأسفار التاريخية بما فعله الله.

ب – قول الله لموسى ” أكتب هذه الكلمات لأنني بحسب هذه الكلمات قطعت عهدًا معك ومع إسرائيل” (خر 34: 27).. ” أُقيم لهم نبيًّا من وسط أخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيته به” (تث 18: 18) فقوله ” كلامي”، و” بكل ما أوصيته به “ يوضح أن الكلام هو كلام الله ذاته الذي يحمل وصاياه الإلهيَّة.

ج – قال داود النبي ” روح الرب تكلم بي وكلمته على لساني” (2صم 23: 2) فالمتكلم هو الروح القدس من خلال داود النبي، والكلام الذي ينطق به لسان داود في هذا الوقت بالذات هو كلام الروح القدس، وهذا ما شهد به السيد المسيح عندما سأل الفريسيين ” قائلًا ماذا تظنون في المسيح. ابن من هو. قالوا له ابن داود. قال لهم فكيف يدعوه داود بالروح ربًا قائلًا..” (مت 22: 41 – 45) وعندما صلى الرسل ” قالوا أيها السيد أنت هو الإله الصانع السماء والأرض والبحر وكل ما فيها. القائل بفم داود فتاك لماذا ارتجت الأمم وتفكَّر الشعوب بالباطل” (أع 4: 24، 25) فقولهم ” القائل بفم داود ” أي أن الكلام هو كلام الله، وفم داود هو الذي نقل لنا هذا الكلام.

د – قال ميخا بن يمله ” حي هو الرب إن ما يقوله لي الربُّ به أتكلم” (1مل 22: 14) فميخا لن يتكلم من عندياته، بل يتكلم بكلام الله.

هـ- يقول إشعياء النبي ” أسمعي أيتها السموات وأصغي أيتها الأرض لأن الرب يتكلم..” (أش 1: 2) كما أمر الرب إشعياء قائلًا ” خذ لنفسك لوحًا كبيرًا وأكتب عليه” (أش 8: 1) وأيضًا قال الرب لإشعياء النبي ” تعالَ الآن أكتب هذا عندهم على لوح وأرسمه في سفر ليكون لزمن آتٍ للأبد إلى الدهور” (أش 30: 18).

و – قال الرب لأرميا النبي ” وتتكلم بكل ما أمرك به” (أر 1: 7) وقال أرميا ” ومدَّ الرب يده ولمس فمي وقال الرب لي ها قد جعلت كلامي في فمك” (أر 1: 9).. ” ثم صارت كلمة الرب إليَّ قائلًا..” (أر 1: 11) فالكلام الذي نطق به أرميا في لحظات الوحي هو بالحقيقة كلام الله الذي وضعه في فمه، لذلك قال الله لأرميا ” قم وكلمهم بكل ما آمرك به” (أر 1: 17).. ” عُد فخذ لنفسك درجًا آخر وأكتب فيه كل الكلام الأول الذي كان في الدرج الأول” (أر 36: 28).

ز – قال حزقيال النبي ” صار كلام الرب إلى حزقيال الكاهن أبن بوزي في أرض الكلدانيين عند نهر خابور” (حز 1: 3) وأوصى الرب حزقيال النبي قائلًا ” وتتكلم بكل كلامي” (حز 2: 7).

ح – قال هوشع النبي ” قول الرب الذي صار إلى هوشع.. أول ما كلَّم الرب هوشع” (هو 1: 1، 2).

ط – قال يوئيل النبي ” قول الرب الذي صار إلى يوئيل بن فثوئيل” (يؤ 1: 1).

ى – قال حبقوق النبي ” فأجابني الرب وقال أكتب الرؤيا وأنقشها على الألواح لكي يركض قارئها. لأن الرؤية بعد إلى الميعاد وفي النهاية تتكلم ولا تكذب” (حب 2: 2، 3).

ك – قدم الأنبياء المتأخرون زمنيًا تقديرًا عظيمًا لكلمات الأنبياء الأولين لأنها هي كلمات الله التي حملها هؤلاء الأنبياء، فيقول دانيال النبي ” أنا دانيال فهمت من الكتب عدد السنين التي كانت عنها كلمة الرب إلى أرميا النبي لكماله سبعين سنة على خراب أورشليم” (دا 9: 2) وهذه المدة التي أشار إليها أرميا النبي (أر 25: 11، 12) ولنفس كلام أرميا هذا أشار عزرا الكاتب قائلًا ” وفي السنة الأولى لكورش ملك فارس عند تمام كلام الرب بفم أرميا” (عز 1: 1) وزكريا النبي تكلم عن ” الشريعة والكلام الذي أرسله رب الجنود بروحه عن يد الأنبياء الأولين” (زك 7: 12).

ل – قال بطرس الرسول ” كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود..” (أع 1: 16).. ” وأما الله فما سبق وأنبأ به بأفواه جميع أنبيائه أن يتألم المسيح قد تمَّمه هكذا” (أع 3: 18).

م – قال بولس الرسول ” حسنًا كلم الروح آباءنا بإشعياء النبي..” (أع 28: 25) فالكلام هو كلام الروح القدس الذي نطق به إشعياء، وقال بولس الرسول عن اليهود ” فلأنهم إستؤمنوا على كلام الله” (رو 3: 2) مع إن الذي نطق بهذا الكلام وهذه الأقوال هم الأنبياء القديسون. كما قال لأهل تسالونيكي ” نتكلم بها أيضًا لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح القدس” (1كو 2: 13).. ” إن كان أحد يحسب نفسه نبيًا أو روحيًا فليعلم ما أكتبه إليكم أنه وصايا الرب” (1كو 14: 37). وأيضًا قال لقسوس أفسس ” لأني لم أُوخّر أن أخبركم بكل مشورة الله” (أع 20: 27) كما قال للعبرانيين ” الله بعدما كلَّم الآباء بالأنبياء..” (عب 1: 1).

_____

(1) Geisler GIB , 39.

(2) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا طبعة 2004م ص 310.

(3) برهان يتطلب قرارًا طبعة 2004م ص 317، 318.

 

ما هو مفهوم كل الكتاب هو موحى به من الله؟ (2 تي 3: 16)

المفهوم الصحيح للوحي – ما هو دوره في كتابة الأسفار المقدسة؟

المفهوم الصحيح للوحي – ما هو دوره في كتابة الأسفار المقدسة؟

المفهوم الصحيح للوحي – ما هو دوره في كتابة الأسفار المقدسة؟

 

48- ما هو المفهوم الصحيح للوحي؟ ما هو دوره في كتابة الأسفار المقدسة؟

ثالثا: المفهوم الصحيح للوحي:

ج: يقول نيافة الأنبا أثناسيوس المتنيح مطران بنى سويف والبهنسا “الوحي طاقة وليس شكلا، ويمكننا أن نشبه بالتيار الكهربائي الذي يسرى في الأسلاك، وإن كانت العيون لا تراه إلا في ضوء المصباح. الوحي هو الطاقة الحية وليست المصباح المحدد الشكل، فقد نغير المصباح من شكل أنبوبة مستطيلة إلى كرة صغيرة، ومن اللون الأبيض إلى الأزرق أو الأحمر، والطاقة كما هي لا تفقد صفتها… إنها كلمة الله مهما تغيرت العبارة، فلو قلنا مثلًا “…. هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد…” (يو 3: 16) بتركيبات أخرى لظلت هذه الآية كما نقول “أحب الله العالم أي درجة أنه بذل ابنه.. ” أو “بهذا المقدار أحب الله العام حتى بذل ابنه الوحيد “.. أو غير ذلك الكثير في اللغة العربية أو مئات التعبيرات في اللغات الأخرى… الوحي قوة تملأ فكر وحس الرسول فينطق به بلغة البشر… الروح إذا يضبط الرسول في التعبير “مسوقين” (2بط 1: 21) ويحفظه من الخطأ ويعصمه من الذات، فتجئ التعبيرات في لغة البشر ولكن الروح هو القوة الفعالة فيها”(1).

ولهذا نجد الأسلوب يختلق من كاتب لآخر، ولكن بدون أي تناقض أو تضارب بل في انسجام كامل وتوافق تام، ونشكر الله أنه لا يوجد في كتابنا المقدس آيات تنسخ آيات أخرى فتصبح الآيات المنسوخة عاطلة بلا فائدة، ولا يأتي الله بتشريع ويلغيه بآخر ولكن الله يتدرج بالبشرية من مرحلة لأخرى في طريق الكمال والملكوت.

والوحي لا يتقيد بلغة معينة إنما يستخدم اللغة التي يستخدمها الشعب، فعندما كانت لغة شعب الله هي اللغة العبرية جاءت كتابات العهد القديم بهذه اللغة، وعندما بدأ الشعب يتكلم الآرامية ويصعب عليه فهم العبرية جاءت بعض الكتابات باللغو الآرامية. وكما كانت تقرأ الأسفار المقدسة باللغة العبرية وتترجم فورا للآرامية، ثم ظهرت ترجمات مكتوبة بالآرامية وهي ما دعيت بالترجوم، وكتب العهد الجديد باللغة اليونانية التي كانت سائدة في ذلك الزمان… إذا أوحى لا يتمسك بلغة معينة ولا يفضل لغة على أخرى، ولا ننسى أن تعدد اللغات وبلبلة الألسن جاءت نتيجة لخطية الإنسان وعدم إيمانه بوعد الله أنه لن يجلب طوفانا فيما بعد، ولا ننسى أيضًا أن قصد الله أولا وأخيرا أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون ولذلك أوصى تلاميذه أن يذهبوا ويكرزوا للعالم أجمع وأعطاهم أ يتكلموا بلغات مختلفة، ولم يضع الله ثقلا على الإنسان لا يستطيع القيام به، فمثلا لم يوصى أنبياءه بالكتابة باللغة العبرية فقط وحظر عليهم الترجمة، وفرض على كل من يريد أن يعرفه أن يتعلم العبرية أولا.

أما عن دور تازحى في كتابة الأسفار المقدسة فيمكن أن نلخصه في الآتي:

أ- يختار الله بعض القديسين ويحرك قلوبهم للكتابة، وقد يأمرهم مباشرة كما قال لموسى “فقال أكتب هذا التذكار…” (خر 17: 14) وكما قال لأرميا “خذ لنفسك درج واكتب فيه كل الكلام الذي كلمتك به…” (أر 36: 2).

ب- يترك روح اله للكاتب حرية اختيار الألفاظ والأسلوب والكلمات، فلذلك نرى داود النبي يكتب بلغة الراعي، وسليمان بلغة الحكيم، وبولس بلغة الفيلسوف وهكذا، وفي نفس الوقت لا يسمح له باستخدام ألفاظ خارجة، إنما يساعده على انتقاء واختيار الكلمات المناسبة، وفي كل هذا لا يلغى الروح القدس شخصية الكاتب ولا اجتهاده الشخصي، ولذلك يقول معلمنا لوقا الإنجيلي “رأيت أنا أيضًا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق” (لو 1: 3) وبلا شك إن تتبع كل شيء بتدقيق يحتاج إلى جهد كبير، وقال سفر المكابيين الثاني “تلك الأمور التي شرحها ياسون القيرواني في خمسة كتب قد أقبلنا نحن على اختصارها في درج واحد.. فلم يكن تكلفنا لهذا الاختصار أمرا سهلا وإنما تم بالعرق والسهر” (2 مك 2: 24، 27) كما يقول أيضًا “فإن كنت قد أحسنت التأليف وأصبت الغرض فذلك ما كنت أتمنى وإن كان قد لحقني الوهن والتقصير فإني قد بذلت وسعى” (2 مك 15: 39) فتعبيرات هذا الكاتب توضح تماما احتفاظ الكاتب بشخصيته وهويته ودراساته واقتباساته وتعبه وعناءه، وكل هذا لا يتعارض مع عمل روح الله معه في إرشاده للحق وعصمته من الخطأ.

ج- يكون الكاتب أثناء الكتاب تحت هيمنة وسيطرة روح الله الذي يحفظه ويعصمه من الخطأ أثناء الكتابة.

د- يكشف روح الله للكاتب ما خفي عنه مثلك اكشف لموسى عن أيام الخليقة، ويضع على فم النبي نبوءات قد لا يدرك أغوارها.

_____

(1) وحدة الكتاب المقدس ص 14- 16.

المفهوم الصحيح للوحي – ما هو دوره في كتابة الأسفار المقدسة؟

النقد الكتابي BIBLICAL CRITICISM

النقد الكتابي BIBLICAL CRITICISM

النقد الكتابي BIBLICAL CRITICISM

جاء هذا المصطلح في اللغة اليونانية ήKІTΙΡΚ، ويقصد به القدرة على التمييز، فالآباء هم أول مَن مارسوا هذا التمييز (النقد الكتابيّ) لإفراز النصوص القانونيّة التي قبلتها الكنيسة عن النصوص الأخرى المزيَّفة.

لهذا استخدمت الكنيسة الأولى النقد التاريخيَ والأدبيّ وقننتْه، وأفرزتْ بالروح القدس الكتب المقدسة القانونية، وحافظتْ عليها جيلاً بعد جيل، ورفضتِ الكتب المدسوسة، حيث اجتمع مجمع قرطاجنة سنة 397م، وقرَّر قانونية أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين، ورفضوا الأسفار الأخرى مثل إنجيل يعقوب وإنجيل نيقوديموس وإنجيل الأبيونيين وإنجيل المصريّين وإنجيل العبرانيين وإنجيل بطرس وإنجيل توما وإنجيل الطفولة[1].

النقد الذي مارسه الآباء هو نقد إيجابيّ بنَّاء؛ ليس كعمل بشريّ لكن بإرشاد الروح القدس، إذ كانت الكنيسة في حاجة إليه لفصل النصوص القانونية عن النصوص الأخرى المزيَّفة، أما النقد السلبيّ فهو مرفوض من الكنيسة وغير مقبول بالمرة؛ فنحن نؤمن بعصمة الكتاب المقدس وسلامته لأنه كلمة الله؛ والله قادر أن يحافظ عليه.

“كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحي بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ” (2تي 16:3).

“لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبَوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيِئَةِ إنسان، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللَّهِ الْقِدِّيسُونَ مَسَوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (2بط 21:1).

تُستخدَم كلمة ἄμѵϵѵπ والتي تعني “روح” في اللغة اليونانية لتدل على الوحي، كما أنها تأتي في اللغة اللاتينية بمعنى “نسمة منه”، وذلك لأن الروح القدس هو العامل المباشر في الوحي.

“موحى به من الله” تأتي في اللغة اليونانية الأصلية “οϛԏσѵϵѵποϵηθ”، وهي كلمة مركبة من “ϛοϵθ” بمعنى الله، “ϛοԏσѵϵѵπ” بمعنى نفخ، وتركيب الكلمة في الأصل اليونانيّ يأتي في المبنّي للمجهول، وعليه تكون ترجمة “موحي به من الله” أي “نُفِختْ من الله”، بمعنى أن الكمتب المقدسة صِيغتْ بروح الله.

فكلمة الله فوق النقد البشريّ وأيُّ نقد فيها قاتل للنفس ومُفسد للحياة الروحيّة

يقول القديس أُغسطينوس في إحدى عظاته “إذ كان قبلاً يبحث في الكتاب وينقده ويدرسه في كبرياء، ظن في نفسه أنه قادر على الطيران ولم يعد ينبت له ريشٌ؛ وإذ حاول الطيران خارجاً عن الإيمان سقط وكاد المارة في الطريق أن يطأوه بأقدامهم ويقتلوه، لولا يد النعمة الإلهيّة انتشلته وأعادته إلى العش ثانية”[2].

الوحي الإلهيّ ونقد الكتاب:

نحن نعلم أن الكتاب المقدس مُوحي به من الله؛ والوحي لم يكن حرفياً؛ فليس لله لغة كالبشر ولكن من أجل البشر نزلت كلمة الله في لغة البشر، كما يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم: “كما أنه بالتجسد صار الكلمة الأبديّ جسداً؛ هكذا في الإنجيل أحتجب مجد الله في ثوب الفكر البشري واللغة البشرية بطريقة مادية، أُنظر تنازل الكتاب الإلهيّ، أُنظر كلمات يستخدمها من أجل ضعفنا”[3]، فالوحي الإلهيّ بعمل الروح القدس في الكتاب يحثه على الكتابة، ويُلهمه الفكرة أو موضوع الكتابة، ويعصمه من الخطأ فيها.

إلاَّ أن النقد الذي مارسته الكنيسة الأولى بغرض تفنيد الكتب الموجودة ومعرفة مدى قانونيتها، والحفاظ عليها، فهذا كان بعمل الروح القدس، كما فصلتْ كتابات الآباء عن الكتب المقدسة المُوحَى بها من الروح القدس، فالكنيسة لم تمارس نقد الكتاب بهدف أو نتيجة الشك أو عدم الإيمان، إذ أن الهدف يختلف تماماً، بل مارسته الكنيسة ليس بعمل بشريّ بل بعمل الروح القدس، الذي قال عنه السيد المسيح “وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ” (يو 26:14).

سمات التفسير الآبائيّ للكتاب المقدس:

1- السيد المسيح:

دراسات الآباء وكل كتاباتهم تدور حول السيد المسيح، ولذا تُدعى CHRISTOCENTRIC، أيّ متمركزة حول السيد المسيح، فكل تفاسير الآباء ترتبط بمعيتنا مع السيد المسيح.

2- الاهتمام بالجانب الروحيّ:

هدف الآباء في تفسيرهم للكتاب المقدس لا يقتصر على كونه يُقدِّم معلومة معينة أو دراسة أكاديمية؛ إنما بتفسيرهم للكتاب يدخلون بنا في شركة الأمجاد في المعرفة وفي الحكمة والحق والقداسة والوداعة، وفي ذلك يقول ذهبيّ الفم (تَعَرِّفَ آدم على الكتاب المقدس ليس ككتاب مسجل بورق وحبر، لكن كشركة مع الله وتلاقِ مباشر معه، فآدم كان يتكلّم مع الله وكذلك إبراهيم وموسى وصموئيل).

الآباء من فرط تكريس حياتهم للرّب أعطاهم الله بصيرة روحية، يتعمقون بها أكثر في الشركة معه، وإن كانوا لم يروا الله بالعيان مثل التلاميذ؛ ولكنهم بالإيمان صاروا شهوداً، فليس الكتاب المقدس هو معرفة فقط كما يقول القديس غريغوريوس النزينزيّ “لم يُطوِّب الرّب مَنْ يعرف شيئاً عن الله، بل مَن كان الله حاضراً فيه”.

3- الكتاب المقدس ليس كتاباً حرفياً ولا رمزياً، إنما هو كتاب لاهوتيّ يحمل الرمز كما يحمل التاريخ والحقائق، لذا جاءتْ تفاسير الآباء تحمل الاثنين معاً حرفاً ورمزاً، فالحيّة النحاسية كانت حقيقة كتفسير حرفيّ، كما أنها كانت رمزاً للصليب كتفسير “روحيّ رمزيّ” وهذا ما يسمى TYPOLOGY، بينما ALLEGORICAL  قد يحمل في معناه مجازية الحدث أو معنويته أو قد يكون غير حقيقيّ فلو قلنا عن الحيّة أنها رمزية فقط نكون تبعنا التفسير ALLEGORICAL بينما نتكلّم عنها كرمز مع كونها حقيقة TYPOLOGY.

الحَيَاة الليتورجية في الكنيسة تحمل هذا التفسير بعينه TYPOLOGY، فعندما تتكلّم الكنيسة عن ملكي صادق أو موسى أو يشوع أو يونان أو يوسف فهذا يعني أنهم إعلانات عن السيد المسيح ورموزاً روحية له، وفي الوقت نفسه لاتُنكر حقيقة هؤلاء الأشخاص ولا تنكر التاريخ.

4- الكتاب المقدس وَحْدَة واحدة لا تتجزأ بعهديه، لأن المصدر واحد وهو الروح القدس كما يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم (العهدانِ مترابطانِ معاً ويتضافرانِ كل منهما مع الآخر).

كما يقول القديس أكِلْمَنْضُس الرومانيّ عن الهراطقة الذين يَفْصِلِونَ (يبترون) آية أو جملة ويبنونَ عليها عقيدتهم “إن كان الهراطقة الذين يتجاسرون ويحتمون في الكتب النبوية، فأنه في المكان الأول لا يستخدمون الكتب المقدسة كلها، ولا يقتبسون العبارات الكاملة، إنما يختارون عبارات غامضة ويحرفونها لأجل خدمة آرائهم الخاصة، ويجمعونَ عبارات قليلة من هنا ومن هناك، غير مهتمين بالمعنى وأنه مجرد استخدام للكلمات، ففي أغلب اقتباستهم يهتمون بالألفاظ وحدها محرّفين المعاني فلا يستخدمون الاقتباسات التي يدللون بها في طبيعتها الحقيقية”[4].

أشهر الآباء المفسرين[5]:

أشهر الآباء في التفسير في الكنيسة الجامعة هم:

  1. القديس هيبوليتوس الروماني (170-235م):-

وضع تفاسيراً رمزية لكثير من أسفار الكتاب المقدس تفسير لسفر النشيد وسفر التكوين والعدد والتثنية والملوك الأول والمزامير واشعياء وحزقيال كما وضع تفسيراً دانيال الذي حُفظ بالكامل باللغة السلافية Slavonic، وهو أول تفسير أرثوذكسي له محفوظ حيث يذكر فيه أن سوسنة العفيفة رمز الكنيسة، وعروس المسيح المقدسة التي يضطهدها شعبان: اليهود والأمم، كما يقول أن الشيطان اختبأ قديماً في الفردوس في شكل حيّة، اختبأ في الشيخين لُيهلك حواء مرة ثانية[6].

  1. العلاَّمة أوريجانوس (185-254م):-

للعلاَّمة أوريجانوس ثلاث طرق كتابية، الطريقة الأولى scholia وهي عبارة عن توضيح قصير للعبارات عسرة الفهم، ويذكر جيروم[7] أنه فسرّ بهذه الطريقة سفر الخروج، اللاويين، إشعياء، المزامير من 15:1، الجامعة، إنجيل يوحنا. ويذكر روفينوس[8] أنه استخدم هذا الأسلوب التفسيري في سفر العدد.

الطريقة الثانية العظات Homilies، عظات علي فقرات مختارة من الكتاب المقدس كان يلقيها، حيث يذكر سقراط[9]، أنه كان يعظ عظتين أسبوعياً يومي الأربعاء والجمعة، على الرغم من أن Pamphilus يذكر أنه كان يعظ يومياً، بالتالي ترك أحاديث عن كل محتويات الكتاب المقدس…

ولكن 20 عظة عن إرمياء، عظة واحدة عن 1 صم28 :3-25، كذلك إنجيل متى (25 عظة)، وإنجيل لوقا (35 عظة)، كما ترجم روفينوس للاتينية العظات التالية لأوريجانوس: سفر التكوين (16 عظة)، سفر الخروج (13 عظة)، سفر اللاويين (16 عظة)، سفر العدد (28 عظة)، سفر يشوع (26 عظة)، سفر المزامير (9 عظات). كذلك ترجم القديس جيروم للاتينية أيضاً العظات التالية: على نشيد الأناشيد (عظتين)، سفر إشعياء (9 عظات)، سفر إرمياء (14 عظة)، سفر حزقيال (14 عظة)، إنجيل لوقا (39 عظة).

الطريقة الثالثة التعليق أو الشرح Commentary وهي عبارة عن تفاسير علمّية، وهي خليط بين الفلسفة والتاريخ واللاهوت…استخدم فيها الطريقة الرمزية، على الرغم من أنه سقط في أخطاء كثيرة، 25 كتاب عن إنجيل القديس متى، كتبوا في قيصرية سنة 244م، يتبقى منهم 8 كتب باليونانية، وفي إنجيل يوحنا كتب 32 كتاب يتبقى منهم 8 كتب باليونانية، رسالة رومية (15 كتاب) عثروا عليهم في مخطوطات طرة. وفي العهد القديم كتب على نشيد الأناشيد[10].

ومن أشهر أعمال أوريجانوس كتابه السداسيات (هكسابلا Hexapla)، وهو عبارة عن ستة أعمدة تشمل ست ترجمات للعهد القديم (النص العبريّ، النص العبريّ بحروف يونانية، الترجمة اليونانية (السبعينية)، الترجمة اليونانية لسيماخوس، الترجمة اليونانية لأكيلا بن بنطس، الترجمة اليونانية لثيؤدوتيون).

  1. القديس أثناسيوس الرسوليّ (328-373م)[11]:

كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ رسالة إلى مارسلينوس في تفسير المزامير، على أن شخصية مارسلينوس مازالتْ شخصية مجهولة لنا، ومن المحتمل أن يكون كاتباً ناسكاً، وكان مُهتماً بدرجة كبيرة بدراسة الكتاب المقدس، وعلى الأخص سفر المزامير، ويتكلّم القديس أثناسيوس على لسان شيخ مُحب للألم، ثم يوّجه رسالته إلى مارسلينوس كابن له، وهو يريد بهذا الأُسلوب أن يُوضِّح أن مكانة المزامير تتبين بالاستناد إلى التفسير التقليديّ للكنيسة..

ويؤكِّد القديس أثناسيوس بأنه على الرغم من أن كل الكتاب المقدس هو مُوحّى به ونافع، إلاَّ أن كتاب المزامير يتميز بأنه يتضمن كل ما جاء في الكتابات المقدسة الأخرى”، فأيُّ سفر من تلك الأسفار يُشبه بستاناً يُثمر ثمرته الخاصة، أما المزامير فبجانب ثمرتها الخاصة، تفيض بثمار الأسفار الأخرى”[12]، يركز القديس أثناسيوس الرسوليّ في تفسيره لسفر المزامير على شخصية السيد المسيح في سفر المزامير، وأيضاً استخدم المزامير في العبادة، كما يتناول الحديث عن الألحان التي تتلى بها المزامير كطقس يُتيح للمصلي فرصة أكبر للتأمل[13].

كما يذكر جيروم عملاً آخر لأثناسيوس وهو “عناوين المزامير”[14].

كما كَتَبَ تفسير لسفر الجامعة، وتفسير لنشيد الأناشيد، وقد ذكرهما فوتيوس وأثنى على أسلوبهما. على أن هذا العمل قد فَقد فيما عدا شذرات قليلة محفوظة في سلاسل، ويظهر أن فوتيوس يعتبر التفسير واحد للكتابين، لأنهما وردا في مخطوط واحد[15].

ويذكر مخطط Barber  (ص 569) أن لأثناسيوس أعمال تفسيرية أخرى هي: شذرات في سفر التكوين[16]– شذرة في سفر الخروج – شذرات من تفسيره لسفر أيوب، كذلك شذرات في تفسير نشيد الأناشيد[17]، سفر إشعياء، سفر باروخ، سفر دانيال.

وفي كتب العهد الجديد أجزاء تفسيرية لمواضع في إنجيلي لوقا ومتى، ورسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس. وهذه الأجزاء من متى وكورنثوس الأولى، ومن المحتمل أنها جاءت من عظات، بينما الأجزاء التي من لوقا قد جاءت من مذكرة له، وبالرغم من هذا لدينا مثالاً لتفسيره لآية لوقا (50:8) في عظته عن آلام السيد والصليب.

  1. مار أفرام السرياني (303-373م):-

يقول القديس جيروم (430): “أفرام شماس كنيسة الرها، ألّف كتباً مثيرة في اللغة السريانية، وقد بلغ من الشهرة والتوقير أن بعض الكنائس تتلو ما كتبه على الشعب، في الكنائس بعد تلاوة منتخبات من الأسفار المقدسة، وقد طالعت في اليونانية كتابه في الروح القدس مترجماً عن السريانية، ووجدت فيه قمة الذكاء السامي في الترجمة أيضاً (كتاب مشاهير الرجال115).

تُقسم مؤلفات أفرام إلى منثورة ومنظومة. المنثورة عبارة عن تفاسير لمختلف أسفار الكتاب المقدس: فله تفسير لسفر التكوين والخروج والأناجيل الموحدة (دياطسرون) وأعمال الرسل ورسائل بولس باستثناء الرسالة إلى فليمون، وقد قام بنشرها ريمون تونوولويس للوار واكينيان، فسر الكتاب المقدس كله تقريباً، أغنى المكتبة المسيحيّة بكتاباته المنظومة شعراً وأيضاً المنثورة، وهي لا تقل عن ثلاثة ملايين من الأسطر، ضمت شرحاً للأسفار المقدسة كلها، وموضوعات الجدل الديني، وبعض مقالات ورسائل مع ميامر وتسابيح، وقد فقد بعضها.

  1. القديس باسيليوس الكبير (329-379م):-

كتب القديس باسيليوس “الأيام الستة”، كما كتب “تفسير لسفر المزامير” وهي عظات على المزامير 1، 7، 14، 28، 29، 32، 33، 44، 45، 48، 59، 61، 114.

  1. القديس إغريغوريوس أسقف نيصص (330-395م):-

كتب كتاباً أيضاً عن أيام الخليقة الستة (Hexameron)، ووضع التفاسير لسفرَي المزامير والجامعة، كما كتب كتاباً عن التطوبيات (العظة على الجبل).

  1. القديس أمبروسيوس (339-397م):-

كتب كتاباً عن أيام الخليقة الستة (Hexameron)، وله تفاسير لبعض المزامير (12 عظة على المزمور الأول، 22 عظة على مزمور 118، تفاسير لمزامير 36، 40، 43، 45، 47)، كما كتب تفسيراً لسفر النشيد، وفي العهد الجديد فسر إنجيل لوقا.

  1. القديس ديديموس الضرير (313-398م):-

فسر القديس ديديموس الضرير العهدين القديم والجديد كلمة كلمة، فسر الثمانية أسفار الأولى من العهد القديم وأسفار الملوك فقد ذكر جيروم أنه وضع تعليقات على أسفار المزامير وأيوب وإشعياء وزكريا الخ. وأشار كاسيدوروس Casiodorus أن له تعليقات على سفر الأمثال.

وفي برديَّات طُرة بمصر التي اكتشفت عام 1941م وُجدت مقتطفات مُطولة لتفاسيره على التكوين وأيوب وزكريا، كذلك له تفاسير لأسفار العهد الجديد أجزاء من تفسير إنجيل يوحنا، وأجزاء من تفسير الرسالة إلى رومية، وأجزاء من تفسير سفر الأعمال، وأجزاء من الرسالتين الأولى والثانية إلى أهل كورنثوس، وأجزاء من تفسير الرسائل الجامعة، وأجزاء من تفسير سفر الرؤيا[18].

  1. القديس يوحنا ذهبيّ الفم (347-407م):-

فسَّر القديس يوحنا ذهبيّ الفم في العهد القديم، إذ له سبعون مقالة في سفر التكوين، وبعض المزامير (اختار 58 مزموراً من مزمور 12:4، 49:43، 117:108، 119، 150)، كذلك له عبارات غير منظمة لمزامير اخرى مثل بداية مزمور 41، ومزمور 115: 1-3. كذلك له عظات على الستة إصحاحات الأولى من سفر إشعياء النبيّ (142-97 :PG56).

للقديس يوحنا ذهبيّ الفم تفسير لإنجيل متى (90 عظة)، وتفسير إنجيل يوحنا (88 عظة)، كما فسَّر أيضاً أعمال الرسل (55 عظة)، ورسائل البولس الأربع عشرة، الرسالة إلى أهل رومية (32 عظة)، الرسالة إلى أهل كورنثوس الأولى (44 عظة)، والثانية (30 عظة)، شرح رسالة غلاطية آية آية، الرسالة إلى أهل أفسس (24 عظة)…

الرسالة إلى أهل فيلبي (15 عظة)، الرسالة إلى أهل كولوسي (12 عظة)، الرسالة إلى أهل تسالونيكي الأولى (11 عظة)، والرسالة الثانية (5 عظات)، الرسالة إلى تلميذه تيوثاوس الأولى (18 عظة)، والرسالة الثانية (10 عظة)، الرسالة إلى تلميذه تيطس (6 عظات)، والرسالة إلى العبرانيين (34 عظة)[19].

  1. القديس أوغسطينوس (354-430م):

كتب القديس أُوغسطينوس “في التعليم المسيحيّ” كتبه في 4 أجزاء وضح فيه الشروط الواجبة لدراسة الكتاب المقدس، وقانون التفسير، كما كتب تفاسير تفسير التكوين، وله تفسير كامل لسفر المزامير، وفي العهد الجديد فسر إنجيل متى وإنجيل يوحنا، وتفاسير لرسالة معلمنا بولس الرسول لأهل رومية، وتعليقات على الرسالة إلى أهل غلاطية، رسالة معلمنا يوحنا الرسول الأولى، كما قدم كتباً في “اتفاق الإنجيليّين”، كذلك له أيضاً عظات عن الميلاد والغطاس والبصخة والصعود وحلول الروح القدس. والموعظة على الجبل[20].

  1. القديس كيرلس السكندريّ (375-444م):-

للقديس كيرلس تفاسير كثيرة في العهدين، فقد كَتَبَ قبل أسقفيته 17 كتاباً بعنوان “العبادة والسجود لله بالروح والحق”، كما كَتَبَ “الجلافيرا” وتني اللامع في 13 كتاب، منها 7 كتب على سفر التكوين، 3 على سفر الخروج، وواحد على سفر اللاويين، وواحد على سفر العدد.

كذلك له تفاسير لسفرَي الملوك الأول والثاني، وسفر المزامير، وسفر الأمثال، وسفر النشيد، وسفر إرميا، وسفر باروخ، وسفر حزقيال، وسفر دانيال، وله أيضاً دراسات في سفر إشعياء، وأسفار الأنبياء الصغار، وفي العهد الجديد له تفاسير لإنجيل القديس متى، وإنجيل القديس لوقا، كما فسَّر إنجيل القديس يوحنا تفسيراً كاملاً، واهتم في تفسيره بلاهوت السيد المسيح، والتعرض في كثير من الآيات للرد على تفسير الهراطقة الخاطيء لها، وتفسيرها التفسير الكنسيّ الصحيح.

  1. القديس جيروم (345-419م):-

للقديس جيروم تفاسير لسفر المزامير، وسفر الجامعة، وكذلك لأسفار الأنبياء الكبار (إشعياء وإرميا وحزقيال ودانيال)، والأنبياء الصغار، وفي العهد الجديد فسَّر إنجيل متى، وأربعة من رسائل البولس (غلاطية، أفسس، تيطس، فليمون)، كما فسر سفر الرؤيا.

[1]  – دياكون مجدي وهبة – آباء الكنيسة والكتاب المقدس – دورية مركز الدراسات الآبائية – العدد الأول يناير 1998 . ص 57.

[2]  – عظات منتخبة من العهد الجديد عن القمص تادرس يعقوب ملطي – مقدمات في علم الباترولوجي – 1984 – ص37.

[3]  – عن القمص تادرس يعقوب ملطي – مقدمات في علم الباترولوجي – 1984 – ص37.

[4] – Strom. 7:16 :96.

[5]  – راجع كتابات نيافة الأنبا شنودة أسقف التعليم (قداسة البابا شنودة الثالث) – مراجع أقوال الآباء مذكرات غير مطبوعة – 1963 – ص 2-4.

[6]  – المطران كيرلس سليم والأب يوحنا الفاخوريّ – تاريخ الفكر المسيحيّ عند آباء الكنيسة – منشورات المكتبة البوليسية – الطبعة الأولى 2001 – ص 354.

[7] – Epist. 33.

[8]  – Inter pr. Hom. Orig. in Num. Prol.

[9] – Hist. Eccl 5,22.

[10] – J. Quasten.Patrology. Nol. 2,p. 45-50.

[11]  – القديس أثناسيوس الرسوليّ والكتاب المقدس – د. موريس تاوضروس.

[12]  – راجع كتاب تفسير المزامير للقديس أوغسطينوس – رسالة في المزامير المقدسة أثناسيوس . بيت التكريس بحلوان 1961 ص 2.

[13] – J. Quasten.Patrology. Vol. 3. P.37.

[14] – De vir. IIlustribus-

[15] – Mupiobiblos

[16] – J. Quasten.Patrology. Vol. 3. P.39.

[17] – J. Quasten.Patrology. Vol. 3. P.38.

[18]  – فهرس كتابات آباء كنيسة الإسكندرية – الكتابات اليونانية – راهب من الكنيسة القبطية – الطبعة الأولى يناير 2003 – ص 309-310.

[19] – J. Quasten.Patrology. Vol. 3. P. 433-450.

[20]  – راجع نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 272-273.

النقد الكتابي BIBLICAL CRITICISM

طبيعة ومعنى الوحي – دكتور موريس تاوضروس

طبيعة ومعنى الوحي – دكتور موريس تاوضروس

طبيعة ومعنى الوحي – دكتور موريس تاوضروس

 

لا يتم الوحي بطريقة آلية كما يزعُم هؤلاء الذين يأخذون بما يُعرف بالنظرية الآلية mechanic theory والتي بحسبها، فإن من يكون واقعاً تحت تأثير الوحي الإلهي، يَتَحَوَّل إلى أداة سلبية لا فاعِلية لها، إلى الدرجة التي ننظُر فيها إلى الكُتَّاب المُقدسين كأن عملهم لا يتجاوز مُجرَّد التوقيع، وهم يكتبون ما يُملى عليهم أو يُلقَّن لهم من الروح القدس، ويمتد تأثير الروح القدس – حسب هذه النظرية – إلى الأسلوب والكلمات، بل بالنسبة للبعض، يمتد حتى إلى علامات الترقيم.

 

على أن هذه الصورة التي تقدمها هذه النظرية للوحي، لا تتفِق مع الصورة الحقيقية التي كان عليها رجال الوحي عندما كتبوا الكتاب المقدس، ومهما كان الأمر، فإنه يستحيل على كاتِب مهما كان، أن يكتُب بإملاء الروح القدس رسالة مثل الرسالة إلى رومية، أو إنجيلاً مثل الإنجيل للقديس يوحنا، كما كُتِب هذان الكتابان الأول بواسطة الرسول بولس، والثاني بواسطة الرسول يوحنا.

 

ويتبين لنا من قراءتنا للكتاب المقدس أن الوحي قد ترك للكتبة أن يستعملوا المعارف والثقافة التي اكتسبوها. ثم إن الوحي لا يعفي الكتبة من بذل الجُهد للتعَرُّف على بعض المعلومات والمعارف التي يتضمنها الكتاب المقدس في أجزاء أخرى منه. فمثلاً في (2مل12: 19)، أشير إلى مصادر لابد أن يكون الكاتِب على معرفة بها “وَبَقِيَّةُ أُمُورِ يُوآشَ وَكُلُّ مَا عَمِلَ، أَمَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ يَهُوذَا؟”. (2مل12: 19).

وبلا شك فقد استعان كل من القديسين متى ولوقا في سلسلتي النسب بجداول الأنساب التي كان يستعملها اليهود في ذلك الوقت. والقديس لوقا في افتتاحية انجيله، يُشير إلى الكتابات الأخرى التي كان يعرفها، فيقول:

“إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَيوُفِيلُسُ، لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ.” (لو1: 1ـ 4).

وفى بعض الأحيان، يبدو الكُتَّاب، كمن يكتبون من واقِع خِبراتهم الخاصة، فالقديس يوحنا مثلاً يقول:

وَكَانَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَالتِّلْمِيذُ الآخَرُ يَتْبَعَانِ يَسُوعَ، وَكَانَ ذلِكَ التِّلْمِيذُ مَعْرُوفًا عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَدَخَلَ مَعَ يَسُوعَ إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ. وَأَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ وَاقِفًا عِنْدَ الْبَابِ خَارِجًا. فَخَرَجَ التِّلْمِيذُ الآخَرُ الَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، وَكَلَّمَ الْبَوَّابَةَ فَأَدْخَلَ بُطْرُسَ. (يو18: 15ـ 16)

ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ:”هُوَذَا أُمُّكَ“. وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ.” (يو 19: 27)

وفي سفر الأعمال الذي كتبه القديس لوقا، يشير إلى أنه كان يصحُب الرسول في رحلاته، ويتكلم بضمير المُتكلم الجمع.

هذا بالإضافة إلى اختلاف الأسلوب واللغة من كتاب لآخر.

وفي القصص الواحدة في الإنجيل، للكُتَّاب الأربعة، يختلف العرض بين الإسهاب والإيجاز واستعمال كلمات خاصة لا تَرِد في المواضِع المُقابلة.

 

2ـ وهناك نظرية أخرى تُسمى بالنظرية الطبيعية natural theory، وبحسب هذه النظرية، يكفي كعنصر للوحي، شركة الرُسُل الشخصية مع المسيح، التي طَبَعَت بدرجة حية وعميقة فيهم أثر حياة الرب يسوع، حتى أنهم استطاعوا أن يدركوا شخص المسيح ومقاصِده أكثر من جميع الأشخاص الآخرين، ومن هنا فإن العقول الأكثر نمواً بين المسيحيين في تلك الأيام، أخذت كتاباتهم وضعاً خاصاً، وهناك أيضاً آخرون، عرفوا عملاً من أعمال الروح القدس، وهو ما يُسمَّى بالميلاد الثاني، وزعموا أن بين هؤلاء الذين وُلدوا هذا الميلاد الثاني وُجِدَ البعض الذين تَمَيَّزوا بعُمق أكثر من غيرهم بعمل الروح القدس هذا، مما مَكَّنهم لأن يكونوا أقدر من غيرهم على كتابة الكُتُب المقدسة.

على أن هذه النظرية، تسلب كُتَّاب الوحي من عمل الروح القدس الخاص بهم، الذي يُمكِّنهم من أن يصيروا أصواتاً للروح القدس يتكلم على لسانهم.

 وكذلك فإن هذه النظرية تصل إلى القول بأن سُلطة الكتاب المقدس لا تُستَمَد مُباشرةً من الله. بل من الكنيسة وكذلك فهي لا تُقدِّم الكتاب المقدس كقانون إلهي سام يجب على الكنيسة أن توجِّه تعاليمها وحياتها في ضوئه، بل كما لو كان انعكاساً ونتاجاً لحياة وروح الكنيسة.

وأكثر من ذلك، فإنها تنتهي إلى وضع الكُتُب المُقدسة على مستوى كتابات الكُتَّاب الكنسيين لا تتميز عنها إلا بالدرجة فقط. وهذه النظرية تُعارض التأكيد الكنسي العام الذي بحسبه تكون الكُتُب المقدسة قد كُتِبت بالروح القُدس الذي تكلَّم على لسان الأنبياء والرُسُل، وأن هؤلاء لم يتكلموا من أنفسهم أنظر:

  • 2 Tim. M. 82, 849.
  • Justin 1, Apol, 36.
  • Autol. II 10.
  • Clement of Rome, 1 cor ch. 45, 2 – 3…
  • Basil, Psal. 1, 1.
  • Origen, in Cantic. II
  • Gregory of Nyssa, anti Eunom. VII.
  • Chrysost, Psalm 145, 2 + Genes. Hom. 7, 4, M. 6, 386, 1065 + 29, 209 + 13, 121 – 122 + 45, 741 + 55, 520 + 53, 65.

3ـ وشبيه بهذه النظرية، النظرية الأخلاقية moral theory والتي بحسبها، فإنه بتجسُّد الكلمة، قد خُلِقَ نمط جديد من الحياة يُشارك فيه جميع المؤمنين، فتتغيَّر ضمائِرهم وتستنير وتتقدَّس. وهنا فإن عيونهم الروحية يحدُث لها جلاء بصري حتى أنها ترى من العالم الروحي ما لا تدركه عيون غير المؤمنين.. على أن قدرة هذه العيون تختلف بين المؤمنين من حيثُ الدرجة، فإن الذين يكونون على درجة أعلى من الجلاء يُمكنَهم أن يُدركوا الرَّوحِيَّات بصورة أكثر وُضوحاً وتَمَيُّزاً، وهؤلاء هم الرُسُل، وحسب هذه النظرية، فإن الوحي هو نصيب مُشترك يُقاسِم جميع المؤمنين، ولا يختلف المؤمنون عن الكتبة القديسين إلا من حيثُ الدرجة لله.

لكن هذه النظرية تفتقد الضمانات التي تهب هذه الكُتُب المُقدسة خصائص مُعيَّنة بين الكُتُب المسيحية تعطيها أن تكون وحدها هي كلمات وصوت الروح القُدُس.

 

4ـ أما النظرية الرابعة وهي أرجح النظريات وأصحَّها، لأنها النظرية الوحيدة التي تعرض عرضاً صحيحاً طبيعة الوحي والتي تُعَبِّر عن التعليم الأرثوذكسي، ويأخذ بها آباء الكنيسة، فهي التي تُعرف بالنظرية الديناميكية dynamic theory. وحسب هذه النظرية، فإن الوحي هو عمل خاص وخارِق للطبيعة، من قِبَل الروح القُدُس، وبموجبه ترتوي وتمتلئ إرادة الكاتِب وفِكره، وكل ملكات الإنسان الباطنة، ولكن مع ذلك، فإن الروح القُدُس لا يلغي شخصية الكاتِب ولا يفقدها حُريتها وعملها الخاص(1). وإنما يرفعها ويُنهِضها ويُشَكِّلها لكي تعمل مع الروح القُدُس هذا العمل الإلهي المُتمَثِّل في كتابة هذه الكُتُب الموحى بها من الله.

 

إن الوحي، هو هذا الدخول والتغَلغُل للروح القُدُس في كل الشخصية الإنسانية للكاتِب، وليس في هذا فُقدان لشخصيته أو ضياع لها، وكذلك ليس فيه أي إقلال أو إنقاص لها، بل يَتَقَدَّم بها ليكسب النفس لتكون أكثر تَبَصُّراً وفِطنة وحذقاً، وليجعل العقل أكثر إشراقاً وتلألؤاً ولمعاناً(2). وهنا، فإن كل كاتِب من هؤلاء الكُتَّاب يتكلَّم لُغته الخاصة ويُعبَّر وِفقاً لتعبيره وأسلوبه الخاص، ذلك لأن الروح القُدُس في وَحْيِهِ يستخدِم الكِتاب، ككائنات شاعِرة عاقِلة وليس كآلات سلبية. على أن ما يصدُر عنهم لا يكتبونه كأنه من أنفسهم، ولكن من خلال تَغَلغُل الروح القُدُس فيهم يكتبون حسبما يُوجَّهون ويُرشَدون، وكما تكتُب اليد بتوجيه الرأس الذي هو المسيح(3).

ومِما يدُل على أن الوحي لا يلغي شخصية الكاتِب، وأن الكاتِب يكتُب مُتأثِّراً بثقافته وبيئته، هو ما نُلاحِظه من اختلاف الأسلوب بين كُتُب الكتاب المُقَدَّس المُختلفة، وكذلك عدم التزام الكاتِب بالحرفية فيما يُكتَب، ففي قصة عِماد السيد المسيح لم يذكُر القديس متى أن صوتاً من السماء قال حسب رواية القديس لوقا: “أنت ابني الحبيب الذي به سُرِرت” (لو 3: 22). كذلك يختلف الأمر بين البشائر الأربع فيما ذكروه عن النص الذي كُتِب على صليب السيد المسيح. فهو بحسب القديس متى: “هذا هو يسوع ملك اليهود” (مت 27: 27) وهو بحسب القديس مرقس “ملك اليهود فقط” (أنظر مر 15: 26) وفي القديس لوقا: هذا هو ملك اليهود (لو23: 38)، وأما في بشارة القديس يوحنا فهو: يسوع الناصري ملك اليهود (يو19: 19).

 

  • Chrysost John hom. 1, 1-2, 1 + 1 Cor. Hom. 29,2 M. 59, 25- 26 + 61, 241.
  • Origen, anti Celsus VII 4, M. 11, 1425.
  • Psal. 142, 2, Agust. De Consensu evangelistraum, 1,35.

 

تعريف الذات مع ابن الإنسان

يسوع هو الله لفظاً

انجيل تومامختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل

المصدر: كتاب علم اللاهوت العقيدي لدكتور موريس تاوضروس مراجعة وتقديم نيافة الأنبا موسي، الجزء الأول ص 81 وما بعدها

طبيعة ومعنى الوحي – دكتور موريس تاوضروس

 
Exit mobile version