ثلاث عشرة حجة قوية لمصداقية العهد الجديد – غاري هابرمس وبنيامين شاو – ترجمة: عبدالمسيح

ثلاث عشرة حجة قوية لمصداقية العهد الجديد – غاري هابرمس وبنيامين شاو – ترجمة: عبدالمسيح

ثلاث عشرة حجة قوية لمصداقية العهد الجديد – غاري هابرمس وبنيامين شاو – ترجمة: عبدالمسيح

كتاب لمؤلفَيه: بنيامين شاو (Benjamin Shaw) وغاري هابرمس (Gary Habermas)

 

منذ سنوات، التقيت بـ”بنيامين شاو” في مؤتمر دفاعيات مسيحية، وكان وقتها مساعدًا بحثيًّا لـ”غاري هابرمس” – الذي يُعتَبَر أحد أعظم المتخصصين فيما يتعلق بقيامة يسوع. من الرائع أن نرى “شاو” ينشر كتابه الأول حول موثوقية العهد الجديد، في حين أن هناك كتبًا كثيرة عن تاريخية العهد الجديد (مثل كتاب كريغ بلومبرغ Craig Blomberg الضخم “الموثوقية التاريخية للعهد الجديد”) لطالما شعرت أننا بحاجة إلى المزيد من الموارد التي تكون موجزة وتتطرّق إلى النقاط الحقيقية والهامّة حول موثوقية العهد الجديد. يرجى ملاحظة أنني لا أقول أننا لم نعد بحاجة إلى كتاب بلومبرغ. إنه كتاب رائع. لكن كتاب شو يساعد في سد الفجوة هنا!

يقدم شاو عرضًا منهجيًا وتمهيديًا لموثوقية العهد الجديد من خلال استناده إلى 13 نقطة (انظر الصفحات 6-8).  سأقدم ملخصًا صغيرًا بالإضافة إلى بعض المداخلات أيضًا.

بنيامين شاو (Benjamin Shaw)

أدلة نصية للعهد الجديد

هل العهد الجديد الذي نقرأه اليوم هو نفسه الذي كُتب قديمًا؟ وكيف نعرف ذلك؟

يقول شاو:

“النقاد النصّيون هم علماء يقارنون مخطوطات مختلفة من كتابة قديمة مثل أفلاطون أو إنجيل متى. ولأنّنا لا نملك المخطوطات الأصلية (autographs)، فإنهم يقارنون النسخ المختلفة للتأكد إن كان النصّ الحالي، كما نقرأه، يعكس النصّ الأصلي على نحو وثيق. العهد الجديد يُعدّ أفضل نصّ موثّق في العالم القديم. هناك أكثر من 5000 مخطوطة باللغة اليونانية وحدها – بعضها يعود إلى قرن أو قرنين بعد وقت تأليف الأصل. ومع هذا الكمّ من النُّسَخ، من الطبيعي حدوث اختلافات بين المخطوطات (خصوصًا وأنها جميعها مكتوبة يدويًا). أغلب الاختلافات عرضي مثل أخطاء هجاء، ويقر النقّاد النصّيون، حتى المشكّكون منهم، بأنّ جوهر المسيحية لم يتأثر بأيّة اختلافات نصّية.” – صفحة 21.

من المفيد أيضًا أن نتذكر كلام “بارت إيرمان” (Bart Ehrman)، أحد أبرز نقّاد الكتاب المقدس الناقد لفكرة الثبات النصي، عندما يقول:

“لقد نجح علماء النصّ الكتابي إلى حدّ مقبول في إعادة بناء النصّ الأصلي للعهد الجديد. وباستثناء اكتشافات مستقبلية غير عادية أو تغييرات جذرية في الأسلوب، فمن غير المحتمل أن يتغيّر جوهر نص العهد الجديد اليوناني المطبوع بشكل كبير.” (من The Text of the New Testament in Contemporary Research, الطبعة الثانية، ص. 825)

غاري هابرمس (Gary Habermas)

أنواع نصوص العهد الجديد وتوقّعات الجمهور

كيف كان القراء القدامى يفهمون أسفار العهد الجديد؟

إذا كان القراء يتوقعون أن تكون الروايات تاريخية، فإن هذا من شأنه أن يضيف إلى مصداقية النص من حيث أنه كان من المتوقع أن يؤخذ على محمل الجد. ومن ناحية أخرى، إذا كان الجمهور يعرف أنها روايات خيالية، فإن ذلك سيشير إلى أن المؤلفين كانوا أحراراً في اختراع مادة خيالية.

يشرح شاو، باعتماد جزئي على دراسات “ريتشارد بورّيدج” (Richard Burridge):

الأناجيل تُصنّف ضمن السير اليونانية–الرومانية (Greco-Roman biographies)، وليس ضمن الروايات الخيالية، وهذا يعني أنّ كُتّاب الأناجيل لم يكونوا حرّين في تأليف أحداث خيالية، خلافًا لما يحدث في الروايات. وأما رسائل بولس، فكانت موجهة داخل الكنائس، وتُعدّ جزءًا من التواصل الداخلي، وليست موجهة لتشكيل رأي أو دعاية لغير المؤمنين. – صفحة 31.

يجدر بي أن أذكر أن هناك نقاشًا مستمرًا حول التصنيف الأدبي للأناجيل. أوصي بقراءة الفصل المعنون “تصنيف الأناجيل الأدبي” (The Genre of the Gospels) بقلم وِس أولمستيد (Wes Olmstead)، ضمن كتاب حالة دراسات العهد الجديد The State of New Testament Studies، وهو سلسلة من المقالات حررها سكوت مكنايت (Scot McKnight) ونيجاي ك. غوبتا (Nijay K. Gupta).

لكن عندما سمعت لأول مرة بالدعوة لتصنيف الأناجيل ضمن السير الذاتية اليونانية-الرومانية (Graeco-Roman Biography)، وجدت نفسي أتساءل:

هل من الممكن أن الأناجيل تندرج أكثر ضمن سيرة ذاتية يهودية؟

مع ذلك، مما أستخلصه، فرغم أن الأناجيل تحتوي على العديد من العناصر اليهودية، فإنّه باستثناء محتمل لكتاب “حياة موسى” لفيلو السكندري (Philo’s Life of Moses)—والذي لا يعتبره كثير من العلماء سيرةً بالمعنى الدقيق—فليست لدينا أمثلة واضحة على سير ذاتية مكتوبة لرجال دين يهود معاصرين للمسيح.

تأريخ أسفار العهد الجديد

متى كُتبت هذه الأسفار؟ إن الأحداث التي يتم توثيقها بشكلٍ مكتوب في وقت أقرب إلى وقت حدوثها هي المفضَّلة بشكل عام على تلك التي تُوثَّق في وقت لاحق. إذا كانت هذه الأعمال قد كُتبت خلال حياة الرسل، فهذه علامة جيدة.

يشير شاو إلى أن هناك بحثًا حديثًا لـ “جوناثان بيرنييه” (Jonathan Bernier) في كتابه Rethinking the Dates of the New Testament، يرى أنه من الممكن أن الأناجيل الأربعة جميعها كُتبت قبل رسائل بولس نفسها. لكن هذا الرأي لم يُعتمد إجماعيًا بعد، وَفقًا لكريج بلومبرغ الذي لا يقبله لتأريخ إنجيل يوحنا قبل 90م.

شاو يجد أن الأناجيل كلها كُتبت خلال حياة جيل شهود العيان على حياة يسوع وخدمته. من المقبول على نطاق واسع أن الأناجيل كُتبت خلال عقود من حياة يسوع. بينما تُعد رسائل بولس أقدم، إذ كُتبت بعد نحو 20 عامًا من موت يسوع. – صفحة 42.

تأليف أسفار العهد الجديد

من كتب هذه الأسفار؟ وهل هم مشاركون مباشرون (أو كانوا يعرفون مشاركين مباشرين) في الأحداث؟

يقول شاو أنه من بين الرسائل الـ13 المنسوبة إلى بولس، فإن سبعًا منها يقبلها حتى المشككون من النقاد كأصيلة ومكتوبة من قبل بولس نفسه، بالنسبة لي، هناك حجج قوية تؤيد أصالة الرسائل كلّها.

ويقول أيضاً “رغم أن الأناجيل تُعتبَر من الناحية الفنية مجهولة الاسم (technically anonymous)، إلا أنه من غير المرجّح أنها كانت مجهولة عمليًا (functionally anonymous)، أو أنها كُتبت بنية إخفاء هوية كُتّابها.”

ويُضيف:

“هناك توافق مذهل على أسماء الكتّاب المرتبطة بكل إنجيل، وقد ظهر هذا التوافق في وقت مبكر. الأسماء الوحيدة المرتبطة بالأناجيل الأربعة هي: متى (Matthew)، ومرقس (Mark)، ولوقا (Luke)، ويوحنا (John).” – ص. 52

ما معنى “مجهولة عمليًا”؟

يقول شاو: “وفقًا لهذا، حتى ينجح الادّعاء القائل إن الأناجيل كانت مجهولة عمليًا، فسيكون علينا أن نُصدّق أن الأناجيل نُسِخت مرات عديدة، بواسطة أشخاص مختلفين وكنائس مختلفة، وعلى مدى مناطق جغرافية واسعة، ولفترة زمنية طويلة. وأثناء هذه العملية، قررت هذه الكنائس المختلفة في مناطق متفرقة من حوض البحر الأبيض المتوسط أن تبدأ فجأة بإعطاء أسماء مؤلفين لهذه الكتابات. وحدث أن جميعها اختارت نفس الاسم لكل إنجيل.

وليس مرة واحدة فقط، بل أربع مرات – لكل إنجيل من الأناجيل الأربعة. هذا السيناريو يبدو مستبعدًا جدًا، بل عشوائيًا وملفّقًا. الأرجح أن الأناجيل كانت تحمل هذه الأسماء منذ البداية، لأنها ببساطة لم تكن مجهولة.” – ص. 48-49.

تقاليد العقائد في العهد الجديد (New Testament creedal traditions)

أولاً: ما المقصود بـ “تقليد عقائدي” (creedal tradition)؟

وفقًا لشاو، التقليد العقائدي هو عبارة عن مقطع قصير محفوظ شفهيًا، كان يُتداول داخل الكنيسة الأولى قبل تدوين العهد الجديد.

ثانيًا: ما علاقتها بالمزاعم في العهد الجديد؟

هذه الصيغ ليست تلك التي ظهرت لاحقًا مثل قانون نيقية، بل هي صيغ داخلية داخل العهد الجديد نفسه وتستخدم كأدلة قوية.

يقول شاو:

“يوجد العديد من التقاليد العقائدية في العهد الجديد. هذه العقائد تعبّر عن تقاليد شفهية كانت موجودة قبل كتابة العهد الجديد نفسه. من المقبول على نطاق واسع بين العلماء أن التقاليد التي يذكرها بولس تعود إلى حوالي الثلاثينيات الميلادية. نعلم أن بولس التقى بشخصيتين كبيرتين في المسيحية: بطرس (Peter) ويعقوب (James) بحسب غلاطية 1، واحدة من أقدم العقائد في العهد الجديد تبدأ في 1 كورنثوس 15:3، وهذه العقيدة مرتبطة بشهود عيان مثل بطرس ويعقوب وبولس نفسه. وتعتبر أقدم دليل تاريخي على قيامة يسوع، لأنها سبقت الأناجيل ورسائل بولس.” (ص. 61–62)

عليَّ أن أذكر أن هذه الحُجَّة تدحض فكرة أن العقائد ظهرت كزخرفة أسطورية بعد زمن طويل؛ بل إن الأناجيل والشهادات بدأت تُشكّل بُعيد وقت قريب من موت وقيامة يسوع.

المعايير التاريخية (Historical criteria)

ما الذي يُقنع المؤرخين أن حدثًا ما قد وقع فعلاً؟

يستخدم المؤرخون معايير عدة تزيد من احتمال وقوع الحدث إذا ما تم استيفاؤها، وهي تساعدهم في البحث حتى في المصادر التي يعتبرونها غير موثوقة، مشكوكًا فيها أو منحازة.

يقدم شاو أربعة معايير تنطبق على تنبؤ يسوع بموته وقيامته:

  • التواتر أو الشهادات المتعددة (Multiple attestation):

تكررت هذه التنبؤات في مصادر متعددة: على سبيل المثال، يخبر يسوع تلاميذه عن موته الوشيك وقيامته، فيقوم بطرس بتوبيخه. فيرد عليه يسوع بكلمات قوية: “اذهب عني يا شيطان”.

هذا الحدث مذكور في:

  • مرقس 8:31–33
  • متى 16:21–23
  • أما في لوقا 9:22، فذُكرت النبوّة فقط، دون ردّ بطرس أو توبيخ الرب له.

ومع ذلك، حين يرد الحدث نفسه في مرقس ومتى ولوقا (وهي الأناجيل الإزائية أو “Synoptic Gospels”)، يُعتبر في البحث النقدي عادةً كمصدر واحد فقط، [لأن هذه الأناجيل تعتمد جزئيًا على نفس المصادر أو التقاليد الشفهية.]

  • تعدد الصيغ (Multiple forms):

مذكورة في الأناجيل، وفي عقائد كـ 1 كورنثوس 11:24–25، ومن خلال الأمثال التي ضربها يسوع كمثل الكرّامين الأشرار (مرقس 12: 1-12). وعلامة يونان (متّى 12: 38-40) مثال آخر. وهكذا نجد تقارير عن هذه النبوءات في صيغ متعددة (روايات، عقائد، أمثال… إلخ).

  • التوثيق المبكّر (Reported early):

الأحداث الموجودة في صيغ متعددة، مثل تلك التي ذكرناها، تعتبر مبكرة. بالإضافة إلى ذلك، نجد المادة العقائدية في بولس تشير إلى العشاء الأخير. وبالطبع، نجدها أيضًا في أقدم إنجيل، إنجيل مرقس.

  • الشهادة المحرجة (Embarrassing testimony):

على سبيل المثال، توبيخ بطرس (Peter) للرب يسوع يمكن أن يُعد أمرًا محرجًا بحد ذاته (مرقس 8:32)،

لكن ما هو أكثر إحراجًا هو أن يسوع نفسه ينادي بطرس: “اذهب عني يا شيطان” (مرقس 8:33)!

وهذه الحادثة أكثر حساسية لأنها تتعلق بـ”بطرس”، الذي أصبح لاحقًا من أعمدة الكنيسة الأولى كما يشهد بولس في غلاطية 2:9.

والأمر اللافت أن هذا الحدث مذكور في إنجيل مرقس، الذي بحسب التقليد الكنسي يُعتبر مترجم بطرس.

لذلك، من غير المنطقي أن يكون بطرس قد اخترع رواية تظهره في موقف كهذا، ما يؤكد مصداقيتها.

لا يقف الأمر هنا، بل هناك أمور أخرى محرجة في النص: طريقة موت يسوع محرجة للغاية (1 كو 1: 23)، والبعض يرى أن صلاة يسوع في بستان جثسيماني قبل الصلب مربكة للغاية (مرقس 14: 32-41). – الصفحات. 69-70.

ويضيف شاو:

“المعايير التاريخية هنا شائعة الاستخدام اليوم للتقارير الحالية. وهي تزيد من احتمال وقوع الحدث، وتطبق على مصادر يُحتمل أن تكون موثوقة أو غير موثوقة على حد سواء.” (ص. 71)

المصادفات غير المقصودة (Undesigned coincidences)

لماذا تبدو نفس الرواية مختلفة عندما ترد في مصدرين مختلفين؟ ما الذي يجب أن نفكر فيه إذا كانت الروايتان تتفقان معًا مثل قطع الأحجية وتشكلان صورة أكبر؟ عندما يضيء توثيقان مستقلان بعضهما البعض بطرق تبدو غير مصمَّمة أو مقصودة، يمكن أن يزيد ذلك من احتمالية وقوع الحدث.

يرجع شاو إلى عمل “ليديا مكغرو” (Lydia McGrew):

“المصادفات غير المقصودة تحدث عندما تؤكّد نصوص مختلفة بعضها البعض دون قصد. من الصعب تصور وجود مثل هذا التطابق في مصدرين خياليين. هذه المطابقة تزيد من موثوقية الروايات لأنها تقدم تأكيدًا متبادلًا.” (ص. 80)

علم الآثار (Archaeology)

هل هناك أي دليل مادي يدعم الادعاءات الواردة في العهد الجديد؟ هل وصلتنا أية بقايا مادية تؤثر على فهمنا للعهد الجديد؟ هل هناك اكتشافات أثرية تتحدى العهد الجديد؟ يمكن للأدلة المادية التي نجت حتى الوقت الحاضر أن تلقي الضوء على جوانب مختلفة من الادعاءات الواردة في العهد الجديد، والتي يمكن أن تظهر إما أنها متسقة أو غير متسقة.

كما يقول شاو:

“علم الآثار يشكل بُعدًا خاصًا لدراسة الماضي، فهو يؤكّد البقايا المادية، ويضيف مصداقية للأحداث الموصوفة مثل قبر قيافا مقارنة بأدواره في النصّ. هناك اكتشافات أثرية تسهم في تعزيز موثوقية العهد الجديد، مثل تحذير الهيكل و’يوحنا’ Yohanan ضحية الصلب.” (ص. 89)

يجب أن أشير إلى أن هناك العديد من الاكتشافات الأثرية التي تؤيد شهادة العهد الجديد. انظر عمل تيتوس كينيدي Titus Kennedy في هذا الشأن.

المصادر غير المسيحية (Non-Christian sources)

ماذا تذكر المصادر غير المسيحية؟ هل هناك مصادر تؤكد تعاليم العهد الجديد أو تتفق معها؟ هل هناك مصادر تطعن في تقارير العهد الجديد؟ إذا كانت المصادر غير المسيحية تؤيد مزاعم العهد الجديد، فيبدو أن هذا سيضيف موثوقية لنصوص العهد الجديد.

يقول شاو:

“هناك مصادر غير مسيحية خارج العهد الجديد تشير إلى يسوع أو المسيحيين الأوائل: مثل نصوص موسّعة ليوسيفوس، وتاسيطوس، وبلينيوس الأصغر. رغم الطعون عليها، يُمكن استعادة نص يوسيفوس وتثبيته كمصدر غير مسيحي يدعم الرواية المسيحية. لا تذكر هذه المصادر مثلًا أن المسيح صُلب في مصر أو اليونان.” (ص.99)

وبينما أتفق مع هذا، عندما يطلب مني الناس كتابات خارج العهد الجديد، أسألهم دائمًا لماذا لا يمكنهم الوثوق بالعهد الجديد؟ يجيبون عمومًا بالقول إن المؤلفين متحيزون.

وعن التحيز المسيحي، يوضح شاو:

“أريد أن أؤكد أنه لمجرد أن المؤلف مسيحي، فإن هذا لا ينفي تلقائيًا ما يقوله ذلك المؤلف. ما يُطلب منا حينها فقط أن نكون على دراية بتحيز المؤلف (وكذلك تحيزنا). يرى المتشكك بارت إيرمان Bart Ehrman أنّ أياً من المؤرخين لن يرفض الروايات المبكرة من حرب الاستقلال الأمريكية فقط لأن مؤلفيها كانوا أمريكيين، بل ينبغي استخدامها كمصادر هامة. ويتضمن ذلك روايات جورج واشنطن وأنصاره. “إن رفض استخدامها كمصادر،” يكتب إيرمان، “يعني التضحية بأهم السبل المتاحة لنا للماضي، وعلى أسس أيديولوجية بحتة، وليس تاريخية.” ما هو تأثير ذلك على الأناجيل؟ يجيب: “وكذلك الأناجيل.”- ص. 92.

المصادر المسيحية غير القانونية (Noncanonical Christian sources)

ماذا تقول هذه المصادر؟

بمعنى آخر، ما الذي كانت الكنيسة الأولى تقوله عن يسوع والرسل؟ هل ترسم هذه المصادر صورة متسقة مع العهد الجديد؟ أم أنها تقدم تعاليم جديدة ومختلفة؟ إن كانت هذه المصادر تؤكد ما ورد في العهد الجديد، فهذا يعزز موثوقيته ويضيف طبقة أخرى من الاعتماد عليه.

يشير شاو:

“هذه المصادر ليست ضمن العهد الجديد، لكنها مبكرة وتقدم نظرة قيّمة على المسيحية الأولى، مثل:

  • كليمنضس الروماني (Clement of Rome)
  • إغناطيوس الأنطاكي (Ignatius of Antioch)
  • بوليكاربوس أسقف سميرنا (Polycarp of Smyrna)

(ص.107)

الأسفار القانونية ومصداقية العهد الجديد (New Testament Canon and Credibility)

كيف أصبح العهد الجديد مجموعة واحدة من الأسفار؟

وماذا عن الكتب التي لم تُدرج ضمن هذه المجموعة؟

هل هي أفضل من حيث الشهادة التاريخية؟

وإذا كانت الكنيسة قد جمعت العهد الجديد بناءً على معايير اعتمدت على النصوص الموثوقة، فهل هذا يدل على أن هذه الأسفار فعلاً يمكن الوثوق بها؟

يشرح شاو هذه المسألة قائلًا: “المعايير تساعد فعلاً على فهم تكوين القانون، لكن سيكون من الخطأ التاريخي (an anachronism) أن نقول إن الكنيسة الأولى كانت تبحث هنا وهناك عن كتابات موثوقة لتجميعها. بل بالحقيقة، كانت الكنيسة تملك بالفعل بعض الكتابات التي كانت تؤمن أنها موثوقة بدرجات متفاوتة.

بمعنى آخر، فإن المعايير التي استُخدمت لاحقًا لتحديد قانونية الأسفار، لم تكن عملية تقرير لما يجب أن يُضم، بل كانت محاولة من الكنيسة لـتفسير وتوضيح ما كان بين يديها أصلًا.

وهكذا، فإن هذه المعايير المعقولة تُقدّم زاوية واحدة فقط لفهم كيفية تكوُّن الأسفار القانونية للعهد الجديد.

ويقتبس شاو من العالِم الشهير بروس متزجر (Bruce Metzger) قوله:

“الكنيسة لم تُنشئ قانون العهد الجديد، بل جاءت لتعترف به، وتقبله، وتؤكده، وتُثبت الصفة الذاتية للتوثيق التي تميّزت بها بعض الأسفار، والتي فرضت نفسها على الكنيسة باعتبارها معتمدة وموحى بها. وإذا تم تجاهل هذه الحقيقة، فإن المرء لا يقع في صراع مع العقيدة فحسب، بل مع التاريخ ذاته.” (ص. 111)

التحوّل الروحي والحياتي (Spiritual and life transformation)

هل يوجد دليل على تغيُّر حقيقي في حياة الناس بما يتوافق مع تعاليم العهد الجديد؟

بمعنى آخر: إن كانت روايات العهد الجديد عن حياة يسوع وأعماله صحيحة، ومعها تعاليم الكنيسة الأولى، فينبغي أن نرى آثارًا واضحة لذلك من خلال التغيير في حياة الأفراد.

أعتقد أن هذه النقطة كثيرًا ما يُتغافل عنها، وأنا سعيد لأن شاو قد أشار إليها.

لقد قابلت عددًا كافيًا من المورمون والمسلمين الذين قالوا لي إن كتاب المورمون أو القرآن قد غيّر حياتهم.

ويقول شاو:

“لأكون واضحًا، أنا لا أقول إن مجرد تأثير كتاب ما يجعله موثوقًا، ولا أقول إن التحوُّل في حياة الإنسان يعني تلقائيًا أن مصدره موثوق.

ما أريد التأكيد عليه هو أن الحجّة هنا تتعلق بالاتساق (consistency).

من الواضح أن هناك كتبًا قد يكون لها تأثير كبير، ومع ذلك تكون خاطئة أو غير موثوقة.

فالأثر أو التغيير لا يُثبت الموثوقية، ولكنه يتّسق معها.

الفكرة هنا هي: إن كانت تعاليم العهد الجديد، على وجه التحديد، صحيحةً بالفعل، فمن الطبيعي أن يشعر الأفراد والمجتمعات بتأثيرها في حياتهم.” – ص. 119

ويتابع قائلاً:

“أنا لا أزعم أن تأثير المسيحية بحد ذاته يثبت موثوقيتها، بل أقول إن هذا التأثير ينسجم مع كونها موثوقة.

فإن كانت المسيحية حقًا، فنتوقّع أن يكون لها الآثار التي وصفها المؤرخ ليكي (Lecky).

وكما يشير المفكّر مانغالوادي (Mangalwadi)، فعندما نقرأ العهد الجديد ونفهمه بعمق، فإن تعاليمه تواجهنا وتتحدّانا.

ملايين الناس قرأوا هذه النصوص، اكتشفوا خطاياهم، وتابوا، وتركوا حياة الشر، وتبعوا يسوع.

هذه الخبرات المباشرة قادت إلى تغيّرات جذرية، لدرجة أن حتى من حولهم شهدوا على التغيير في حياتهم بشكل غير مباشر.” – ص. 127

المقاربة القائمة على “الوقائع الدنيا” (Minimal Facts approach)

هل يمكن تأكيد الوقائع الأساسية في رسالة الإنجيل، حتى لو كانت بعض جوانب العهد الجديد غير موثوقة بنظر البعض؟

هل هناك حقائق تاريخية عن موت يسوع وقيامته يتفق عليها العلماء من خلفيات لاهوتية مختلفة، لأنها مدعومة بأدلة قوية؟

إن كان الجواب نعم، فهذا يعطي قوة إضافية للحجج التي سبقت في النقاط الاثنتي عشرة أعلاه.

يعرض شاو هنا ما يُعرف بـ”المقاربة القائمة على الوقائع الدنيا” (Minimal Facts Approach). وتقوم هذه المقاربة على معيارين:

  • أن تكون هذه الوقائع مدعومة بأدلة تاريخية متعددة.
  • أن يكون هناك إجماع واسع بين العلماء من مختلف الخلفيات (من المشككين إلى المؤمنين) حول صحة هذه الوقائع.

وتعتمد هذه المقاربة على نهج من الأسفل إلى الأعلى يبدأ بالأحداث الأكثر موثوقية.

ويورد شاو أهم هذه الوقائع الدنيا:

  • أن يسوع مات مصلوبًا.
  • أن التلاميذ اختبروا ظهورات ليسوع القائم من الموت.
  • أن التلاميذ كانوا مستعدّين أن يتألّموا ويموتوا من أجل إيمانهم.
  • أن يعقوب، أخا يسوع الجسدي والذي كان مشكّكًا، تحوّل وآمن به بعد القيامة.
  • أن بولس، مضطهد الكنيسة، آمن بالمسيح وتحول جذريًا.

بشكلٍ عام، أنا معجب جدًا بالطريقة التي قدّم بها شاو هذا المحتوى.

أنا شخصيًا أفضل العرض المنهجي المبني على نقاط واضحة، وهذا الكتاب لم يخيب ظني.

أراه مصدرًا ممتازًا للتعليم للمدافعين والباحثين، بل وحتى الشخص العادي الباحث عن الحق.

كما أنه يمكن أن يكون كتابًا مناسبًا لإعطائه لشخص يتساءل عن موثوقية العهد الجديد. آمل أن تحصل على نسخة منه.

كاتب المقال: chab123

رابط المقال:  https://chab123.wordpress.com/2024/08/26/trustworthy-thirteen-arguments-for-the-reliability-of-the-new-testament-by-benjamin-shaw-and-gary-habermas/

ترجمة: عبدالمسيح

ثلاث عشرة حُجَّة جديرة بالثقة على مصداقية العهد الجديد – غاري هابرمس وبنيامين شاو – ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

بدأ وعي الكنيسة بالحاجة إلى قائمة متفق عليها من الكتب يتشكّل تدريجيًا؛ وربما كان لظهور قانون ماركيون (Marcion’s canon) دورٌ متفاوت في تحفيز هذا الوعي. وبحلول نهاية القرن الثاني، أصبحت مسألة قانونية الكتب محل نقاش محتدم. (ويُقدَّم قانون موراتوري (Muratorian Canon)، الذي يُرجّح أنه يعود إلى هذه الفترة⁴، كدليل على هذا النقاش.)

في ذلك الوقت، لم يعد هناك شك في الجزء الأكبر من أسفار العهد الجديد: الأناجيل الأربعة، سفر الأعمال، رسائل القديس بولس الرسول، وبعض الرسائل الجامعة (Catholic Epistles). أما الشكوك فظلّت قائمة حول الكتب السبعة “المُختلَف عليها”، (وهي: الرسالة إلى العبرانيين، رسالة يعقوب، رسالة بطرس الثانية، رسالتا يوحنا الثانية والثالثة، رسالة يهوذا، وسفر الرؤيا) حتى القرن الرابع، وحتى بعد ذلك في بعض المناطق.

ومن المهم التنبيه إلى أن هذا العرض لا يتعدى كونه إطارًا عامًا للفهم السائد بشأن تكوين قانون أسفار العهد الجديد، إذ تختلف تفاصيل الحجة من كاتب إلى آخر.”

 

لا يمكن لنا في مقال واحد أن نطمح إلى معالجة شاملة لكل ما يتعلّق بتاريخ قانون أسفار العهد الجديد، أو إلى مناقشة جميع الآراء والحجج التي طُرحت حول هذا الموضوع. ومع ذلك، من الممكن أن نطرح بعض التساؤلات حول الطريقة المعتادة التي يُتناوَل بها هذا الموضوع.

أدلة مبكرة على أن كتب العهد الجديد كان يُنظر إليها على أنها تتمتع بسلطة كتابية

ينبغي أن نلاحظ أولًا أن الأدلة المتوفرة لدينا من المسيحية الأولى لا تدعم دائمًا الافتراضات أو الاستنتاجات التي تم ذكرها أعلاه.

 

أما فيما يخص الادّعاء القائل بأن كتابات العهد الجديد لم تكن تُعتبَر ذات سلطان “كتابي” (scriptural authority) حتى أواخر القرن الثاني، فإن الأدلة، على أقل تقدير، مبهمة. وأي شخص يرغب في الأخذ بهذا الادّعاء عليه أن يُفسّر الحقائق التالية:

 

أ. في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس 5:18، نرى مقطعًا من العهد القديم واقتباسًا من الإنجيل يُوضَعون جنبًا إلى جنب، ويُقدَّمون بنفس العبارة: “يقول الكتاب”. وحتى لو لم يكن الرسول بولس يشير إلى إنجيل مكتوب، إلا أنه من الواضح أنه يُساوي بين قول الرب وبين ما جاء في الكتاب المقدس للعهد القديم.

 

ب. في رسالة بطرس الثانية 3:16، يُشار إلى رسائل بولس، ويذكر أن البعض “يحرّفونها كما يفعلون أيضًا مع الكتب المقدسة الأخرى”، مما يعني أن رسائل بولس كانت تُعتبَر في نظر الكاتب مساوية لأسفار العهد القديم (من حيث السلطان).

 

ج. ينبغي الحذر عند استخلاص استنتاجات حاسمة من الديداخي (Didache)، بسبب الغموض الكبير حول تاريخ كتابته (ما بين سنة 70 إلى 150م تقريبًا) وطريقة تكوين هذه الوثيقة. لكن من الواضح في هذا أن الديداخي:

  1. يعتبر وصايا الرب ذات أعلى سلطان.
  2. يستشهد بإنجيل مكتوب (قارن: الديداخي 8:2 و15:3،4).
  3. يوصي قارئيه بشأن وصايا الرب قائلاً: “لا تُضِف عليها شيئًا ولا تُنقِص منها” (الديداخي 4:13، مقتبسًا من سفر التثنية 4:2 و12:32)، واضعًا بذلك وصايا الرب في مرتبة مساوية لشريعة موسى.

 

د. نفس الاقتباس من سفر التثنية نجده أيضًا في رسالة برنابا (Epistle of Barnabas) التي تعود إلى الربع الأول من القرن الثاني (برنابا 19:11).5 وفي نفس الرسالة نقرأ: “فلنحذر لئلا يُقال عنا كما هو مكتوب: «كَثِيرِونَ يُدْعَونَ، وَلَكِنْ قَلِيلِينَ فَقَطْ يُختَارُونَ.»” (برنابا 4:14). ويبدو أن الكاتب هنا يشير إلى إنجيل متى كمصدر كتابي (قارن متى 20:16 و22:14).

 

هـ. القديس إغناطيوس الأنطاكي (استُشهد بين عامي 98 و117م) يذكر في سياق واحد الإنجيل والرسل والأنبياء، وهو أسلوب معتاد للإشارة إلى أسفار العهد القديم.

 

و. الغنوصي باسيليدس (Basilides) (125–150م) يُقدِّم اقتباسات من رسائل بولس بهذه العبارات: «كما كُتِب» (ويليها رومية 8:19، 22)، وأيضًا: «والكتاب يقول في هذا الصدد…» (ويليها 1 كورنثوس 2:13). (راجع: هيبوليتس، Refutation of All Heresies، الكتاب السابع، الفصول 13 و14 – ANF).

 

ز. بوليكاربوس أسقف سميرنا (الذي استُشهد غالبًا حوالي عام 155م) يحضّ أهل فيلبي قائلاً: «كما قيل في هذه الكتب: “اغضبوا ولا تخطئوا” و”لا تغرب الشمس على غيظكم”» (رسالة بوليكاربوس إلى أهل فيلبي 12:1). وفي نفس الرسالة (6:3)، يضع المسيح والرسل والأنبياء معًا.

 

ح. ما يُعرَف بـ الرسالة الثانية للقديس كليمندس الروماني (2 Clement)، والتي كُتِبت ربما حوالي سنة 150م، يقتبس في الإصحاح 2:4 أولًا من إشعياء 54:1، ثم يقول: «وكتاب آخر يقول أيضًا: “لم آتِ لأدعو أبرارًا بل خطاة”» (مرقس 2:17 وما يوازيه).

 

وبالنظر إلى هذا النوع من الأدلة التي قدمناها، فإن الباحث ر. ب. س. هانسون R. P. C. Hanson6 جادل بأن هذه الشواهد لا تُثبت الأمر بشكل قاطع. فقد زعم أن التعبير الوحيد الذي يُعَدّ مؤشّرًا موثوقًا على المكانة التي منحها كتّاب القرن الثاني لأسفار العهد الجديد هو عبارة “الكتب المقدسة” (the Holy Scriptures). ويقول إننا لا نجد هذا التعبير مستخدمًا للإشارة إلى العهد الجديد حتى ما بعد منتصف القرن الثاني بفترة وجيزة، في دفاع أرستيدس (Aristides’ Apology، فقرة 16).

 

لكن التركيز على هذا التعبير بعينه غير مبرَّر، خصوصًا وأنه لا يُستخدم في العهد الجديد كله إلا مرة واحدة فقط (رومية 1:2)، ثم لا يظهر مجددًا إلا عند القديس يوستينوس الشهيد (الذي كتب حوالي سنة 160م)، حيث استخدمه مرتين فقط في أكثر من 70 إشارة إلى العهد القديم كـ”الكتب المقدسة”.

 

ما دام هناك مقاطع من أسفار العهد الجديد تُقدَّم بنفس الصيغ التي تُستخدم مع أسفار العهد القديم، فستظل هناك حاجة لإعطاء مبررات كافية إن أردنا التمييز في السلطان المنسوب لكل منهما.

 

عدم اعتبار التقليد الشفهي منافسًا للتقليد المكتوب

قضية أخرى يكتنفها الغموض في الأدلة هي مسألة التقليد الشفهي. لا شك في وجود تقليد شفهي في الكنيسة الأولى، ولكن يبدو أن مجرد حقيقة وجوده يُفهم أحيانًا وكأنه يُقلِّل من سلطان التقليد المكتوب.

 

ومن المؤسف أن كامبنهاوزن7 لا يزال يرى أن بابياس Papias (الذي كتب ما بين سنة 110–130م تقريبًا) كان يؤمن بـ”تفوق التقليد الشفهي”، مستندًا إلى قول بابياس:

«ما يأتي من الكتب لا يبدو لي نافعًا بقدر ما يأتي من الكلام الحي ويبقى كذلك» (تاريخ الكنيسة ليوسابيوس، الكتاب الثالث، الفصل 39، الفقرة 4 – ترجمة كامبنهاوزن).

 

ولكن كما أظهر جي. بي. لايتفوت J. B. Lightfoot8 في وقت سابق، وأعاد تأكيده باحثون آخرون لاحقًا (ذكرهم كامبنهاوزن نفسه)، فليس هذا هو الفهم الأوضح أو الأرجح للنص الوارد في كتاب يوسابيوس.

 

يبدو بالأحرى أن بابياس كان حقيقةً يعتمد على التقليد الشفهي فقط في تفسير أقوال الرب، لا في نقل مضمون تلك الأقوال نفسها. وقد يكون تعليقه المسيء على الكتب موجهًا في الواقع إلى الكتابات الهرطوقية التي كانت كما نعلم، في ذلك الوقت، تحاول تفسير أقوال الرب من منظورها الخاص، تمامًا كما كان يحاول بابياس أن يفسرها.

 

من خلال ما يقوله يوسابيوس Eusebius عنه، فإن الصورة التي تتكون لدينا عن بابياس هي صورة “أصولي” من القرن الثاني، يتمسك بعقيدة المُلك الألفي الحرفي (Pre-millennialism)، ويؤمن بـعصمة الأناجيل، حيث يجادل بقوة أن غياب الترتيب الزمني في إنجيل مرقس لا يعني وجود خطأ في هذا الإنجيل من قِبل الكاتب. (وهذا أمر غريب أن يصدر عن شخص يُفترض أنه يفضل التقليد الشفهي على المكتوب.)

 

ورغم أن هناك أدلة على استمرار وجود التقليد الشفهي، إلا أنه لا توجد أية أدلة على أن هذا التقليد كان يتنافس من حيث السلطان مع التقليد المكتوب.⁹

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

السؤال الجوهري هو السلطان، وليس مسألة الإدراج الكنسي

الأمر الأهم من مجرد النقاط المتعلقة باستخدام الأدلة من قِبَل الكُتّاب الذين تناولوا موضوع قانونية أسفار الكتاب المقدس، هو مسألة المنهجية التي يتّبعونها: هل يطرحون الأسئلة الصحيحة أصلًا عند بحثهم في تاريخ قانون العهد الجديد؟

 

السؤال الذي يُطرح عادةً هو: “متى نجد أوّل دليل على وجود قائمة متفق عليها من الأسفار ذات سلطان مُلزِم للكنيسة؟” الاقتباس الذي ذكرناه سابقًا عن كامبنهاوزن (Campenhausen) يعبّر عن هذا بوضوح: لا يمكن الحديث عن “قانون” إلّا عندما تُمنَح وثيقة (أو مجموعة وثائق) عن قصدٍ مكانةً معيارية خاصّة، تضعها في مرتبة واحدة مع الكتب المقدسة الموجودة للعهد القديم.

(والجدير بالذكر أن الافتراض بأن قانون العهد القديم كان قد اكتمل بشكل راسخ في الحقبة المعنيّة، هو أمر لا يتفق عليه جميع الباحثين).

 

هذا يعني فعليًا أننا ننطلق من مفهومنا الحالي لكلمة “قانون” (Canon)، ثم نحاول أن نجد دليلاً على وجود هذا المفهوم في الكنيسة الأولى. وبناء على هذا، ينصبّ اهتمامنا على إيجاد – أو إثبات عدم وجود – قوائم طويلة أو قصيرة من الأسفار المقبولة في فترات محدّدة من تاريخ الكنيسة المبكرة، وهو ما سعى إليه كامبنهاوزن10 مثلًا.

 

لكن، هل مسألة القوائم الرسمية هي في الحقيقة السؤال الأهم؟

صحيح أن كلمة “قانون” (canon) تعني في الأصل “قائمة”، ومن ثم، فإن “تقنين” الأسفار بالمعنى الدقيق للكلمة قد يكون قد تم في وقت متأخر نسبيًا. ولكن من المضلِّل جدًا أن نُوحي بأن لحظة إعداد القوائم هي المرحلة الأولى التي بدأت فيها أسفار العهد الجديد تُعتَبَر ذات سلطان [إلهي].

 

حينما يخبرنا كامبنهاوزن قائلاً: «في الكنيسة الأولى، كان المقصود بـ”الكتاب المقدس المسيحي” هو… ببساطة العهد القديم، الذي أُخذ من المجمع اليهودي وأُعيد تفسيره مسيحيًا. ولم تكن هناك بعد أية إشارة إلى قانون للعهد الجديد، لأن هذا نفسه لم يكن موجودًا…»،¹¹ فقد يكون محقًا من الناحية الفنية. لكن في الوقت نفسه، يكشف هذا عن قصور منهجيته بالكامل.

 

القضية الجوهرية هنا هي قضية السلطان (السلطة) Authority. فلو افترض كامبنهاوزن، مثلاً، أن العهد القديم كان هو السلطان الوحيد، أو حتى الأعلى، في الكنيسة الأولى، لبدا هذا الافتراض عبثياً على الفور. فلم يكن هناك وقت – منذ يوم الخمسين (العنصرة) – كانت فيه الكنيسة تعتبر أن العهد القديم وحده يُشكّل السلطان الوحيد أو حتى الأعلى.

 

يصف لوقا في أعمال الرسل 2 الكنيسة الأولى بأنها جماعة من المؤمنين «كانوا يواظبون على تعليم الرسل». فقد كان لسلطان الرسل وتعاليم المسيح التي نقلوها، مكانة أسمى من سلطان العهد القديم، إذ صار العهد القديم يُفهَم فقط في ضوء تعليم المسيح والرسل.

 

ونجد هذا الأمر جليًا أيضًا خارج أسفار العهد الجديد، كما في السجال الذي يرويه لنا القديس إغناطيوس (في رسالته إلى أهل فيلادلفيا 8:2)، حيث قال له بعض الأشخاص (غالبًا من المتهوّدين): «إن لم أجد هذا الشيء في كتبنا القديمة (يقصدون العهد القديم؟)، فلن أؤمن به عندما يرد في الإنجيل.» وحينما أكد لهم إغناطيوس أن الأمر مذكور فعلًا في الكتب المقدسة القديمة، أجابوا: «هذا يحتاج إلى إثبات.» فردّ إغناطيوس قائلاً: «أما أنا، فسجلاتي هي يسوع المسيح، وسجلاتي المقدسة هي صليبه وموته وقيامته، والإيمان الذي يأتي من خلاله.»

 

لا يمكن تقريباً التشكيك في أن المسيحيين الأوائل اعتبروا سلطان الرسل هو الأعلى، حتى أعلى من العهد القديم. ولا يوجد سبب يدعونا للاعتقاد أن هذا السلطان كان يقتصر فقط على تعليمهم الشفهي؛ بل من المؤكَّد تقريبًا أنه امتد أيضًا إلى كتاباتهم، منذ بدايتها.

 

وعليه، يجب أن نعيد صياغة أسئلتنا بشأن تاريخ قانون العهد الجديد بطريقة مختلفة. ما ينبغي علينا تتبعه ليس مجرد وجود قوائم مبكرة للأسفار المقبولة، بل ما إذا كانت هذه الأسفار – التي أُدرِجت لاحقًا في القوائم – قد اعتُبرت في الأصل وقبل ذلك رسولية وذات سلطان. أي: هل تم قبولها كأسفار قانونية عمليًا، حتى إن لم تكن قد أُدرجت رسميًا بعد؟

هذا سؤال أصعب بطبيعته من مجرد تتبُّع القوائم، لكنه يقودنا إلى ملاحظات جديرة بالاهتمام.

  • السلطان الذي يتجلى في الاستخدام المبكر لكتابات العهد الجديد

لقد رأينا سابقًا بعض الأدلة المبكرة التي تشير إلى أن العهد الجديد كان يُعتبر ذا سلطان كتابي (انظر النقطة 1 أعلاه). ويمكننا هنا أن نضيف المزيد من الأدلة المتعلّقة بكيفية استخدام العهد الجديد في الكنيسة الأولى.

 

يُقرّ كامبنهاوزن بأن حقيقة تكرار أو استخدام أو الإشارة إلى كتابات العهد الجديد لا تعني “تقنينها”¹². وهذا صحيح إذا ما أخذنا مفهوم “التقنين” بحسب فهم كامبنهاوزن له. ولكن إن كان يقصد أن التكرارات أو  الإشارات أو الاقتباسات لا تعني شيئًا بخصوص سلطان الكتب المشار إليها، فتصريحه هذا يحتاج إلى تبرير، في ضوء بعض الاعتراضات الواضحة. لا يمكن أن يُعتبر هذا الادعاء سليمًا إلا إذا أمكن إثبات أن كتّاب المسيحية الأولى رددوا أو اقتبسوا أو أشاروا إلى نصوص نعلم يقينًا أنها لم تكن تُعتبر ذات سلطان بنفس الطريقة. أما الواقع، فإن استخدام كتابات العهد الجديد هذا يعكس تمامًا الطريقة التي بها يُستَشهَد بالعهد القديم داخل أسفار العهد الجديد نفسها، وفي كتابات الكنيسة الأولى عمومًا.

 

إن مثل هذه التلميحات والإشارات الضمنية تظهر بوتيرة أكبر بكثير من الاقتباسات الرسمية الصريحة. أفليس من المشروع أن ننظر إلى هذا الأسلوب في الإشارة إلى كتابات العهد الجديد بالطريقة التي نظر بها وستكوت Westcott، عندما قال عن آباء الكنيسة الرسوليين:

 

«إن كلمات الكتاب المقدس (ويقصد بها العهد الجديد) منسوجة في نسيج كتبهم، لا مجزأة كاقتباسات رسمية. فهي ليست منظّمة بغرض الجدل [أو الاستدلال]، بل تُستخدم كتعبير طبيعي عن الحقائق المسيحية. وهذا الاستخدام للأسفار المقدسة يُظهِر – على الأقل – أنها كانت معروفة على نطاق واسع في ذلك الوقت، وبالتالي محروسة بشهادة جمع غفير [من المؤمنين]؛ بحيث أن لغتهم قد انتقلت إلى لغة المؤمنين اليومية؛ وأنها كانت مألوفة لدى أولئك المسيحيين الأوائل بقدر ما هي مألوفة لنا اليوم، بحيث كانوا يستخدمونها بلا وعي في كتاباتهم وحديثهم»¹³.

 

حتى في محاولة التحقق من الأسفار التي كانت معروفة ومستخدمة من قِبل كتّاب الكنيسة بعد العصر الرسولي، لم يُجرَ بعدُ تحليل دقيق بالقدر الكافي للكشف عن هذه الاستشهادات والتلميحات والإشارات غير المباشرة التي قد تشير إلى تلك الأسفار. إذ انصبّ التركيز أثناء البحث غالبًا على الاقتباسات الصريحة والواضحة فحسب.

 

لدينا مجال هنا لمزيد من الفحص الأدبي العميق، ليس فقط لاكتشاف التشابه في اللغة والمفردات والتراكيب النحوية، بل أيضًا لدراسة التشابه في الفكر اللاهوتي والمضمون العقائدي. إن السلطان الظاهري الذي تحظى به كتابات العهد الجديد لدى الكتّاب المسيحيين الأوائل، يتأكد بصورة لافتة من خلال استخدامها أيضًا من قِبل الهراطقة في القرن الثاني الميلادي.

 

لقد أشرنا أعلاه إلى أن الغنوصي باسيليدس (في النصف الأول من القرن الثاني) اقتبس من رسائل بولس على أنها «الكتاب المقدس». أما ماركيون، فعندما وضع «قانونًا» خاصًا به في ذات الفترة تقريبًا، لم يكن غرضه منح بعض الأسفار سلطانًا أعلى، بل على العكس: كان هدفه استبعاد سلطان باقي الأسفار الرسولية.

 

أما الغنوصي فالنتينوس (منتصف القرن الثاني)، فيقول عنه ترتليان14 Tertullian إنه لم يخترع “كتابات مقدسة” جديدة، بل حرّف معنى الكتابات المقبولة من خلال شروحه الخاصة. وقد دافع فان أونيك15 W.C. van Unnik بأن «إنجيل الحق» المنسوب إلى المدرسة الفالنتينية والموجود في مخطوطة نجع حمادي (Jung Codex) يؤكد هذا الرأي الذي أورده ترتليان. وفي موضع آخر، يقول ترتليان: «(الهراطقة) يتعاملون فعليًا مع الكتب المقدسة ويدعمون (آراءهم) منها. وبالطبع يفعلون ذلك؛ فمن أين يمكنهم أن يأتوا بحجج حول أمور الإيمان سوى من سجلات الإيمان؟»¹⁶

 

ويقول إيريناوس Irenaeus عن الأناجيل الأربعة ما يلي: «إن أساس هذه الأناجيل متين جدًا لدرجة أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لها، وكل واحد منهم يحاول أن يُقيم عقيدته الخاصة انطلاقًا من هذه (الوثائق)»¹⁷.

 

  • الأسفار المختلف عليها: كانت أيضًا ذات سلطان منذ وقت مبكر

إن التركيز على مسألة السلطان والاستخدام العملي لكتابات العهد الجديد، بدلًا من حصر النظر في مسألة القوائم الرسمية للأسفار المعترف بها، قد يساعدنا أيضًا على إعادة النظر في مشكلة معينة تخص تاريخ تشكّل قانون العهد الجديد.

 

نعلم أن النقاشات التي دارت في القرنين الثالث والرابع بشأن حدود قانون العهد الجديد، انصبت على وضع سبعة أسفار تُعرف بـ الأسفار المختلف عليها (Antilegomena)، وهي: الرسالة إلى العبرانيين، يعقوب، ٢ بطرس، ٢ و٣ يوحنا، يهوذا، وسفر الرؤيا. وهذه الأسفار لم تكن مقبولة على نطاق كلي من الكنيسة.

غالبًا ما يُقال إن مكانة هذه الأسفار كانت محل شك حتى قررت الكنيسة في القرن الرابع إدراجها رسميًا ضمن أسفار العهد الجديد. غير أن الأدلة لا تدعم هذا الادعاء بالضرورة.

بل يبدو أن التلميحات والإشارات إلى هذه الأسفار موجودة حتى منتصف القرن الثاني، وأن التشكيك في سلطانها لم يظهر إلا مع نهاية القرن الثاني، وذلك عندما فرض سيل الكتابات الهرطوقية على الكنيسة أن تبدأ في تقييم الأسفار التي لها سلطان مقابل تلك التي لا سلطان لها.

تشير كل الأدلة إلى أن هذه الأسفار كانت مقبولة قبل نهاية القرن الثاني في المناطق التي كانت معروفة فيها (ومن المهم التأكيد على هذه النقطة، لأنها تفسّر الشكوك التي أثيرت لاحقًا بشأنها [في مناطق أخرى لم تصلها هذه الأسفار بالسرعة ذاتها]).

 

لا يسعنا هنا سوى الإشارة الموجزة إلى الحقائق التالية:

(أ) الرسالة إلى العبرانيين مقتبسة بشكل موسّع في رسالة أكليمندس الأولى Clement (بين عامي 90–110م)، كما استخدمها عدد من الكُتّاب الآخرين. ولم يظهر لنا أن كنيسة شمال إفريقيا لم تكن تتضمنها في قائمتها لأسفار العهد الجديد إلا في بداية القرن الثالث، بحسب ما نعلم من ترتليان.

(ب) رسالة يعقوب موثقة في رسالة كليمنت الأولى ورسالة هرنياس Hernias (منتصف القرن الثاني) وغيرهما.

(ج) أعتقد شخصيًا أن رسالة يهوذا 18 تقتبس من 2 بطرس 3:3، وهناك آثار من 2 بطرس يمكن تتبّعها في بعض آباء الكنيسة الرسوليين مثل (1 أكليمندس 9:3؛ 11:1؛ 23:3؛ رؤى هرماس IV 3:4؛ أمثال هرماس VIII 11:1). ومن المعروف عمومًا أن رسالة 2 بطرس هي الأقل توثيقًا بين الأسفار المُختلَف عليها Antilegomena.

(د) الرسالتان الثانية والثالثة من يوحنا تمثلان تحديًا خاصًا من نوعهما. فعلى الرغم من وجود بعض الآثار لهما في كتابات مسيحية مبكرة، يبدو من سجلات مجمع قرطاج السابع (سنة 256 م)، ومن موضعين في كتابات إيريناوس (ضد الهرطقات Adv. Haer I 16:3؛ III 16:8)¹⁸، أن رسالتي يوحنا الأولى والثانية على الأقل كانتا تُعرفان كرسالة واحدة، إذ نُقلت اقتباسات من 2 يوحنا تحت عنوان: “من رسالة يوحنا”. وطالما لا نعرف على وجه الدقة الشكل الذي كانت تُعرف به هذه الرسائل الثلاث في ذلك الوقت، ونظرًا لِغموض الأدلة، لا يمكننا إلا أن نقول إنه لم تظهر أية شكوك حول صحة هذه الرسائل حتى نهاية القرن الثاني.

(هـ) نجد آثارًا لرسالة يهوذا في كتابات آباء الكنيسة الرسوليين، والطريقة التي يقتبس بها ترتليان من الرسالة (في كتابه حول زينة النساء De Cult. Fem.، القسم الثالث) توحي بأنها كانت مقبولة ومعترف بها منذ وقت طويل في كنيسة شمال إفريقيا.

 

سفر الرؤيا يبدو أنه كان مقبولًا على نطاق واسع حتى أواسط القرن الثالث. أما حقيقة أن صحة وسلطان هذه الأسفار قد أُثيرت حولها الشكوك عندما بدأت النقاشات حول مدى قانونية أسفار العهد الجديد في نهاية القرن الثاني، فتُفسَّر غالبًا بكون هذه الأسفار كانت معروفة في بعض المناطق دون غيرها، وكانت شبه مجهولة في مناطق أخرى.

 

السبب الآخر المحتمل لهذه الشكوك يعود إلى محاولة بعضهم في ذلك الزمان تضييق مفهوم “رسولي” ليعني فقط “من تأليف رسول مباشرة”. وبما أن كُتّاب هذه الأسفار –باستثناء 2 بطرس– لم يكونوا معروفين على وجه الدقة أو كان هناك غموض بشأن هويتهم، فقد كان من الطبيعي أن تُثار تساؤلات بشأنها. أما أسفار مثل مرقس ولوقا وأعمال الرسل، فقد كانت مكانتها قد ترسخت بما يكفي لئلا تثير أية إشكالات من هذا النوع.

 

الخلاصة

من الواضح أن كل ما سبق يشكّل رسمًا مبدئيًا فقط لكيفية تناول موضوع تاريخ قانون أسفار العهد الجديد. فبعض النقاط التي ذكرناها تُظهر ضعف بعض العروض المعيارية التقليدية حول هذا الموضوع.

 

ومن الواضح أيضًا أن أي نقاش حول سلطان كتابات العهد الجديد في الكنيسة ما بعد الرسولية يجب أن يأخذ في الاعتبار السؤال الأوسع عن مفهوم السلطان داخل الكنيسة في تلك الفترة. كما لا ينبغي أن يقلل بحثنا عن قوائم قانونية رسمية من أهمية دراسة ظهور ‘قانون’ العهد الجديد تدريجيًا؛ بل إن هدفنا هو توسيع نطاق التحقيق ووضعه في إطاره الصحيح.

 

توحي رؤيتنا العامة – بنظرة شاملة – حول سلطان كتابات العهد الجديد في الكنيسة الأولى إلى أنه ليس من غير الممكن، ولا من المستبعد منطقيًّا، أن جميع الكتابات الرسولية التي تشكّل اليوم العهد الجديد قد قُبِلت منذ البداية ككتب رسولية وبالتالي ذات سلطة من قبل الكنيسة ما بعد الرسولية، وأن الصحة أو الأصالة لبعض هذه الكتب لم يُشكَّك فيها إلا في وقت لاحق، لأسباب تاريخية واضحة لا تُنقص من قبولها كرسولية من قِبَل الكنيسة ما بعد الرسولية.

 

لكن، هذه ما هي إلا فرضية أولية بحاجة إلى تحليل أعمق وشامل لكل الأدلة المتاحة، للتحقق مما إذا كانت الأدلة فعلاً تدعم هذا الطرح. في حين لا يبدو أن تحليلاً من هذا النوع متوفر حتى الآن.

 

المراجع:

  1. H. V. Campenhausen، The Formation of the Christian Bible (توبنغن 1968؛ الترجمة الإنكليزية لندن 1972)، ص 103.

كان كامبنهاوزن (Campenhausen) أكثر دقة من ر. م. غرانت (R. M. Grant) في The Formation of the New Testament (لندن 1965). (للاطّلاع على بيان موجز عن موقف غرانت، انظر مقاله “The New Testament Canon” في Cambridge History of the Bible، الجزء الأول، ص 284 وما يليها).

يشير كلا من د. إ. غروه (D. E. Groh) في Interpretation 28 (1974، ص 331–343) وأ. س. سوندبرغ (A. C. Sundberg) في Interpretation 29 (1975، ص 352–371) إلى أن كامبنهاوزن لم يكن صارمًا بما فيه الكفاية وأنه يُحدّد تكوّن القانون في وقت مبكر جدًا. انظر أيضًا د. ل. دنغان (D. L. Dungan) في “The New Testament Canon in recent study”، Interpretation 29 (1975، ص 339–351).

أما الباحثون المحافظون، فيبدو أنهم نادرًا ما يتناولون الموضوع. ومن الاستثناءات إ. لايرد هاريس (E. Laird Harris) في Inspiration and Canonicity of the Bible (غراند رابيدز 1969)، إلا أن الكتاب يترك الكثير مما يُرغب بتناوله.

يمكن العثور على معالجة مختصرة للموضوع في مقدمات الشروحات العامة للعهد الجديد. يقدم د. غذري (D. Guthrie) بيانًا مختصرًا مفيدًا في New International Dictionary of the Christian Church، لكنه للأسف لم يتناول الموضوع بشكل شامل في New Testament Introduction.

 

  1. انظر Nicene and Post-Nicene Fathers، السلسلة الثانية، مجلد IV، ص 551 وما بعدها.
  2. E. Hennecke، New Testament Apocrypha (توبنغن 1959؛ ترجمة إنكليزية لندن 1963)، ص 29.
  3. A. C. Sundberg، “Canon Muratori: a 4th Century List”، Harvard Theological Review 66 (1973)، ص 1–41، يشكّك في تأريخ هذا القانون [أنه يعود إلى القرن الرابع].
  4. W. C. van Unnik، “De la règle mēte prostheinai mēte aphelein dans l’histoire du canon”، Vigiliae Christianae 3 (1949)، ص 10 وما بعدها، لا ينفي أن الصيغة الواردة في الديداخي وبرنابا تشير إلى الوصايا المكتوبة، بل يلاحظ فقط الفرق بينها وبين استخدامها في الكتابات الأحدث.
  5. Tradition in the Early Church (لندن 1962)، ص 205 وما بعدها.
  6. كامبنهاوزن، المذكور أعلاه، ص 130 وما بعدها. قارن أيضًا ر. م. غرانت (R. M. Grant) في Cambridge History of the Bible، ص 291.
  7. Essays on the work entitled Supernatural Religion (لندن 1893)، ص 156 وما بعدها.
  8. عمل مفيد جدًا عن العلاقة بين التقليد والكتاب المقدس في الكنيسة الأولى هو كتاب بهذا العنوان لـ إ. فليسمان-فان لير (E. Flesseman-Van Leer) (آسن 1953).
  9. كامبنهاوزن، المرجع السابق، ص 103.
  10. نفس المرجع.
  11. نفس المرجع.
  12. B. F. Westcott، A general survey of the history of the canon of the New Testament (لندن 1896)، ص 49.
  13. De Praescr. Haer.، الفصل 38 (في Ante‑Nicene Fathers).
  14. W. C. van Unnik، “The ‘Gospel of Truth’ and the New Testament” في F. L. Cross (محرِّر)، The Jung Codex (لندن 1955)، ص 79 وما بعدها.
  15. De Praescr. Haer.، الفصل 14 (في Ante‑Nicene Fathers).
  16. Adv. Haer. II 11:7 (في Ante‑Nicene Fathers). كما يخصص Westcott في نفس الكتاب جلستي بحث لنظرته حول شهادة الهراطقة على الأسفار القانونية (ص 278–279، 404 وما بعدها). انظر أيضًا بليز باسكال (Blaise Pascal) في Pensées (نسخة Livre de Poche، ص 260): «Les hérétiques au commencement de l’Église servent à prouver les canoniques.»
  17. انظر Westcott، المرجع الثالث عشر، ص 372، 380، 390.

 

كاتب المقال: ثيو دونر Theo Donner

رابط المقال:

https://www.thegospelcoalition.org/themelios/article/some-thoughts-on-the-history-of-the-new-testament-canon/

ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

Exit mobile version