تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

بدأ وعي الكنيسة بالحاجة إلى قائمة متفق عليها من الكتب يتشكّل تدريجيًا؛ وربما كان لظهور قانون ماركيون (Marcion’s canon) دورٌ متفاوت في تحفيز هذا الوعي. وبحلول نهاية القرن الثاني، أصبحت مسألة قانونية الكتب محل نقاش محتدم. (ويُقدَّم قانون موراتوري (Muratorian Canon)، الذي يُرجّح أنه يعود إلى هذه الفترة⁴، كدليل على هذا النقاش.)

في ذلك الوقت، لم يعد هناك شك في الجزء الأكبر من أسفار العهد الجديد: الأناجيل الأربعة، سفر الأعمال، رسائل القديس بولس الرسول، وبعض الرسائل الجامعة (Catholic Epistles). أما الشكوك فظلّت قائمة حول الكتب السبعة “المُختلَف عليها”، (وهي: الرسالة إلى العبرانيين، رسالة يعقوب، رسالة بطرس الثانية، رسالتا يوحنا الثانية والثالثة، رسالة يهوذا، وسفر الرؤيا) حتى القرن الرابع، وحتى بعد ذلك في بعض المناطق.

ومن المهم التنبيه إلى أن هذا العرض لا يتعدى كونه إطارًا عامًا للفهم السائد بشأن تكوين قانون أسفار العهد الجديد، إذ تختلف تفاصيل الحجة من كاتب إلى آخر.”

 

لا يمكن لنا في مقال واحد أن نطمح إلى معالجة شاملة لكل ما يتعلّق بتاريخ قانون أسفار العهد الجديد، أو إلى مناقشة جميع الآراء والحجج التي طُرحت حول هذا الموضوع. ومع ذلك، من الممكن أن نطرح بعض التساؤلات حول الطريقة المعتادة التي يُتناوَل بها هذا الموضوع.

أدلة مبكرة على أن كتب العهد الجديد كان يُنظر إليها على أنها تتمتع بسلطة كتابية

ينبغي أن نلاحظ أولًا أن الأدلة المتوفرة لدينا من المسيحية الأولى لا تدعم دائمًا الافتراضات أو الاستنتاجات التي تم ذكرها أعلاه.

 

أما فيما يخص الادّعاء القائل بأن كتابات العهد الجديد لم تكن تُعتبَر ذات سلطان “كتابي” (scriptural authority) حتى أواخر القرن الثاني، فإن الأدلة، على أقل تقدير، مبهمة. وأي شخص يرغب في الأخذ بهذا الادّعاء عليه أن يُفسّر الحقائق التالية:

 

أ. في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس 5:18، نرى مقطعًا من العهد القديم واقتباسًا من الإنجيل يُوضَعون جنبًا إلى جنب، ويُقدَّمون بنفس العبارة: “يقول الكتاب”. وحتى لو لم يكن الرسول بولس يشير إلى إنجيل مكتوب، إلا أنه من الواضح أنه يُساوي بين قول الرب وبين ما جاء في الكتاب المقدس للعهد القديم.

 

ب. في رسالة بطرس الثانية 3:16، يُشار إلى رسائل بولس، ويذكر أن البعض “يحرّفونها كما يفعلون أيضًا مع الكتب المقدسة الأخرى”، مما يعني أن رسائل بولس كانت تُعتبَر في نظر الكاتب مساوية لأسفار العهد القديم (من حيث السلطان).

 

ج. ينبغي الحذر عند استخلاص استنتاجات حاسمة من الديداخي (Didache)، بسبب الغموض الكبير حول تاريخ كتابته (ما بين سنة 70 إلى 150م تقريبًا) وطريقة تكوين هذه الوثيقة. لكن من الواضح في هذا أن الديداخي:

  1. يعتبر وصايا الرب ذات أعلى سلطان.
  2. يستشهد بإنجيل مكتوب (قارن: الديداخي 8:2 و15:3،4).
  3. يوصي قارئيه بشأن وصايا الرب قائلاً: “لا تُضِف عليها شيئًا ولا تُنقِص منها” (الديداخي 4:13، مقتبسًا من سفر التثنية 4:2 و12:32)، واضعًا بذلك وصايا الرب في مرتبة مساوية لشريعة موسى.

 

د. نفس الاقتباس من سفر التثنية نجده أيضًا في رسالة برنابا (Epistle of Barnabas) التي تعود إلى الربع الأول من القرن الثاني (برنابا 19:11).5 وفي نفس الرسالة نقرأ: “فلنحذر لئلا يُقال عنا كما هو مكتوب: «كَثِيرِونَ يُدْعَونَ، وَلَكِنْ قَلِيلِينَ فَقَطْ يُختَارُونَ.»” (برنابا 4:14). ويبدو أن الكاتب هنا يشير إلى إنجيل متى كمصدر كتابي (قارن متى 20:16 و22:14).

 

هـ. القديس إغناطيوس الأنطاكي (استُشهد بين عامي 98 و117م) يذكر في سياق واحد الإنجيل والرسل والأنبياء، وهو أسلوب معتاد للإشارة إلى أسفار العهد القديم.

 

و. الغنوصي باسيليدس (Basilides) (125–150م) يُقدِّم اقتباسات من رسائل بولس بهذه العبارات: «كما كُتِب» (ويليها رومية 8:19، 22)، وأيضًا: «والكتاب يقول في هذا الصدد…» (ويليها 1 كورنثوس 2:13). (راجع: هيبوليتس، Refutation of All Heresies، الكتاب السابع، الفصول 13 و14 – ANF).

 

ز. بوليكاربوس أسقف سميرنا (الذي استُشهد غالبًا حوالي عام 155م) يحضّ أهل فيلبي قائلاً: «كما قيل في هذه الكتب: “اغضبوا ولا تخطئوا” و”لا تغرب الشمس على غيظكم”» (رسالة بوليكاربوس إلى أهل فيلبي 12:1). وفي نفس الرسالة (6:3)، يضع المسيح والرسل والأنبياء معًا.

 

ح. ما يُعرَف بـ الرسالة الثانية للقديس كليمندس الروماني (2 Clement)، والتي كُتِبت ربما حوالي سنة 150م، يقتبس في الإصحاح 2:4 أولًا من إشعياء 54:1، ثم يقول: «وكتاب آخر يقول أيضًا: “لم آتِ لأدعو أبرارًا بل خطاة”» (مرقس 2:17 وما يوازيه).

 

وبالنظر إلى هذا النوع من الأدلة التي قدمناها، فإن الباحث ر. ب. س. هانسون R. P. C. Hanson6 جادل بأن هذه الشواهد لا تُثبت الأمر بشكل قاطع. فقد زعم أن التعبير الوحيد الذي يُعَدّ مؤشّرًا موثوقًا على المكانة التي منحها كتّاب القرن الثاني لأسفار العهد الجديد هو عبارة “الكتب المقدسة” (the Holy Scriptures). ويقول إننا لا نجد هذا التعبير مستخدمًا للإشارة إلى العهد الجديد حتى ما بعد منتصف القرن الثاني بفترة وجيزة، في دفاع أرستيدس (Aristides’ Apology، فقرة 16).

 

لكن التركيز على هذا التعبير بعينه غير مبرَّر، خصوصًا وأنه لا يُستخدم في العهد الجديد كله إلا مرة واحدة فقط (رومية 1:2)، ثم لا يظهر مجددًا إلا عند القديس يوستينوس الشهيد (الذي كتب حوالي سنة 160م)، حيث استخدمه مرتين فقط في أكثر من 70 إشارة إلى العهد القديم كـ”الكتب المقدسة”.

 

ما دام هناك مقاطع من أسفار العهد الجديد تُقدَّم بنفس الصيغ التي تُستخدم مع أسفار العهد القديم، فستظل هناك حاجة لإعطاء مبررات كافية إن أردنا التمييز في السلطان المنسوب لكل منهما.

 

عدم اعتبار التقليد الشفهي منافسًا للتقليد المكتوب

قضية أخرى يكتنفها الغموض في الأدلة هي مسألة التقليد الشفهي. لا شك في وجود تقليد شفهي في الكنيسة الأولى، ولكن يبدو أن مجرد حقيقة وجوده يُفهم أحيانًا وكأنه يُقلِّل من سلطان التقليد المكتوب.

 

ومن المؤسف أن كامبنهاوزن7 لا يزال يرى أن بابياس Papias (الذي كتب ما بين سنة 110–130م تقريبًا) كان يؤمن بـ”تفوق التقليد الشفهي”، مستندًا إلى قول بابياس:

«ما يأتي من الكتب لا يبدو لي نافعًا بقدر ما يأتي من الكلام الحي ويبقى كذلك» (تاريخ الكنيسة ليوسابيوس، الكتاب الثالث، الفصل 39، الفقرة 4 – ترجمة كامبنهاوزن).

 

ولكن كما أظهر جي. بي. لايتفوت J. B. Lightfoot8 في وقت سابق، وأعاد تأكيده باحثون آخرون لاحقًا (ذكرهم كامبنهاوزن نفسه)، فليس هذا هو الفهم الأوضح أو الأرجح للنص الوارد في كتاب يوسابيوس.

 

يبدو بالأحرى أن بابياس كان حقيقةً يعتمد على التقليد الشفهي فقط في تفسير أقوال الرب، لا في نقل مضمون تلك الأقوال نفسها. وقد يكون تعليقه المسيء على الكتب موجهًا في الواقع إلى الكتابات الهرطوقية التي كانت كما نعلم، في ذلك الوقت، تحاول تفسير أقوال الرب من منظورها الخاص، تمامًا كما كان يحاول بابياس أن يفسرها.

 

من خلال ما يقوله يوسابيوس Eusebius عنه، فإن الصورة التي تتكون لدينا عن بابياس هي صورة “أصولي” من القرن الثاني، يتمسك بعقيدة المُلك الألفي الحرفي (Pre-millennialism)، ويؤمن بـعصمة الأناجيل، حيث يجادل بقوة أن غياب الترتيب الزمني في إنجيل مرقس لا يعني وجود خطأ في هذا الإنجيل من قِبل الكاتب. (وهذا أمر غريب أن يصدر عن شخص يُفترض أنه يفضل التقليد الشفهي على المكتوب.)

 

ورغم أن هناك أدلة على استمرار وجود التقليد الشفهي، إلا أنه لا توجد أية أدلة على أن هذا التقليد كان يتنافس من حيث السلطان مع التقليد المكتوب.⁹

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

السؤال الجوهري هو السلطان، وليس مسألة الإدراج الكنسي

الأمر الأهم من مجرد النقاط المتعلقة باستخدام الأدلة من قِبَل الكُتّاب الذين تناولوا موضوع قانونية أسفار الكتاب المقدس، هو مسألة المنهجية التي يتّبعونها: هل يطرحون الأسئلة الصحيحة أصلًا عند بحثهم في تاريخ قانون العهد الجديد؟

 

السؤال الذي يُطرح عادةً هو: “متى نجد أوّل دليل على وجود قائمة متفق عليها من الأسفار ذات سلطان مُلزِم للكنيسة؟” الاقتباس الذي ذكرناه سابقًا عن كامبنهاوزن (Campenhausen) يعبّر عن هذا بوضوح: لا يمكن الحديث عن “قانون” إلّا عندما تُمنَح وثيقة (أو مجموعة وثائق) عن قصدٍ مكانةً معيارية خاصّة، تضعها في مرتبة واحدة مع الكتب المقدسة الموجودة للعهد القديم.

(والجدير بالذكر أن الافتراض بأن قانون العهد القديم كان قد اكتمل بشكل راسخ في الحقبة المعنيّة، هو أمر لا يتفق عليه جميع الباحثين).

 

هذا يعني فعليًا أننا ننطلق من مفهومنا الحالي لكلمة “قانون” (Canon)، ثم نحاول أن نجد دليلاً على وجود هذا المفهوم في الكنيسة الأولى. وبناء على هذا، ينصبّ اهتمامنا على إيجاد – أو إثبات عدم وجود – قوائم طويلة أو قصيرة من الأسفار المقبولة في فترات محدّدة من تاريخ الكنيسة المبكرة، وهو ما سعى إليه كامبنهاوزن10 مثلًا.

 

لكن، هل مسألة القوائم الرسمية هي في الحقيقة السؤال الأهم؟

صحيح أن كلمة “قانون” (canon) تعني في الأصل “قائمة”، ومن ثم، فإن “تقنين” الأسفار بالمعنى الدقيق للكلمة قد يكون قد تم في وقت متأخر نسبيًا. ولكن من المضلِّل جدًا أن نُوحي بأن لحظة إعداد القوائم هي المرحلة الأولى التي بدأت فيها أسفار العهد الجديد تُعتَبَر ذات سلطان [إلهي].

 

حينما يخبرنا كامبنهاوزن قائلاً: «في الكنيسة الأولى، كان المقصود بـ”الكتاب المقدس المسيحي” هو… ببساطة العهد القديم، الذي أُخذ من المجمع اليهودي وأُعيد تفسيره مسيحيًا. ولم تكن هناك بعد أية إشارة إلى قانون للعهد الجديد، لأن هذا نفسه لم يكن موجودًا…»،¹¹ فقد يكون محقًا من الناحية الفنية. لكن في الوقت نفسه، يكشف هذا عن قصور منهجيته بالكامل.

 

القضية الجوهرية هنا هي قضية السلطان (السلطة) Authority. فلو افترض كامبنهاوزن، مثلاً، أن العهد القديم كان هو السلطان الوحيد، أو حتى الأعلى، في الكنيسة الأولى، لبدا هذا الافتراض عبثياً على الفور. فلم يكن هناك وقت – منذ يوم الخمسين (العنصرة) – كانت فيه الكنيسة تعتبر أن العهد القديم وحده يُشكّل السلطان الوحيد أو حتى الأعلى.

 

يصف لوقا في أعمال الرسل 2 الكنيسة الأولى بأنها جماعة من المؤمنين «كانوا يواظبون على تعليم الرسل». فقد كان لسلطان الرسل وتعاليم المسيح التي نقلوها، مكانة أسمى من سلطان العهد القديم، إذ صار العهد القديم يُفهَم فقط في ضوء تعليم المسيح والرسل.

 

ونجد هذا الأمر جليًا أيضًا خارج أسفار العهد الجديد، كما في السجال الذي يرويه لنا القديس إغناطيوس (في رسالته إلى أهل فيلادلفيا 8:2)، حيث قال له بعض الأشخاص (غالبًا من المتهوّدين): «إن لم أجد هذا الشيء في كتبنا القديمة (يقصدون العهد القديم؟)، فلن أؤمن به عندما يرد في الإنجيل.» وحينما أكد لهم إغناطيوس أن الأمر مذكور فعلًا في الكتب المقدسة القديمة، أجابوا: «هذا يحتاج إلى إثبات.» فردّ إغناطيوس قائلاً: «أما أنا، فسجلاتي هي يسوع المسيح، وسجلاتي المقدسة هي صليبه وموته وقيامته، والإيمان الذي يأتي من خلاله.»

 

لا يمكن تقريباً التشكيك في أن المسيحيين الأوائل اعتبروا سلطان الرسل هو الأعلى، حتى أعلى من العهد القديم. ولا يوجد سبب يدعونا للاعتقاد أن هذا السلطان كان يقتصر فقط على تعليمهم الشفهي؛ بل من المؤكَّد تقريبًا أنه امتد أيضًا إلى كتاباتهم، منذ بدايتها.

 

وعليه، يجب أن نعيد صياغة أسئلتنا بشأن تاريخ قانون العهد الجديد بطريقة مختلفة. ما ينبغي علينا تتبعه ليس مجرد وجود قوائم مبكرة للأسفار المقبولة، بل ما إذا كانت هذه الأسفار – التي أُدرِجت لاحقًا في القوائم – قد اعتُبرت في الأصل وقبل ذلك رسولية وذات سلطان. أي: هل تم قبولها كأسفار قانونية عمليًا، حتى إن لم تكن قد أُدرجت رسميًا بعد؟

هذا سؤال أصعب بطبيعته من مجرد تتبُّع القوائم، لكنه يقودنا إلى ملاحظات جديرة بالاهتمام.

  • السلطان الذي يتجلى في الاستخدام المبكر لكتابات العهد الجديد

لقد رأينا سابقًا بعض الأدلة المبكرة التي تشير إلى أن العهد الجديد كان يُعتبر ذا سلطان كتابي (انظر النقطة 1 أعلاه). ويمكننا هنا أن نضيف المزيد من الأدلة المتعلّقة بكيفية استخدام العهد الجديد في الكنيسة الأولى.

 

يُقرّ كامبنهاوزن بأن حقيقة تكرار أو استخدام أو الإشارة إلى كتابات العهد الجديد لا تعني “تقنينها”¹². وهذا صحيح إذا ما أخذنا مفهوم “التقنين” بحسب فهم كامبنهاوزن له. ولكن إن كان يقصد أن التكرارات أو  الإشارات أو الاقتباسات لا تعني شيئًا بخصوص سلطان الكتب المشار إليها، فتصريحه هذا يحتاج إلى تبرير، في ضوء بعض الاعتراضات الواضحة. لا يمكن أن يُعتبر هذا الادعاء سليمًا إلا إذا أمكن إثبات أن كتّاب المسيحية الأولى رددوا أو اقتبسوا أو أشاروا إلى نصوص نعلم يقينًا أنها لم تكن تُعتبر ذات سلطان بنفس الطريقة. أما الواقع، فإن استخدام كتابات العهد الجديد هذا يعكس تمامًا الطريقة التي بها يُستَشهَد بالعهد القديم داخل أسفار العهد الجديد نفسها، وفي كتابات الكنيسة الأولى عمومًا.

 

إن مثل هذه التلميحات والإشارات الضمنية تظهر بوتيرة أكبر بكثير من الاقتباسات الرسمية الصريحة. أفليس من المشروع أن ننظر إلى هذا الأسلوب في الإشارة إلى كتابات العهد الجديد بالطريقة التي نظر بها وستكوت Westcott، عندما قال عن آباء الكنيسة الرسوليين:

 

«إن كلمات الكتاب المقدس (ويقصد بها العهد الجديد) منسوجة في نسيج كتبهم، لا مجزأة كاقتباسات رسمية. فهي ليست منظّمة بغرض الجدل [أو الاستدلال]، بل تُستخدم كتعبير طبيعي عن الحقائق المسيحية. وهذا الاستخدام للأسفار المقدسة يُظهِر – على الأقل – أنها كانت معروفة على نطاق واسع في ذلك الوقت، وبالتالي محروسة بشهادة جمع غفير [من المؤمنين]؛ بحيث أن لغتهم قد انتقلت إلى لغة المؤمنين اليومية؛ وأنها كانت مألوفة لدى أولئك المسيحيين الأوائل بقدر ما هي مألوفة لنا اليوم، بحيث كانوا يستخدمونها بلا وعي في كتاباتهم وحديثهم»¹³.

 

حتى في محاولة التحقق من الأسفار التي كانت معروفة ومستخدمة من قِبل كتّاب الكنيسة بعد العصر الرسولي، لم يُجرَ بعدُ تحليل دقيق بالقدر الكافي للكشف عن هذه الاستشهادات والتلميحات والإشارات غير المباشرة التي قد تشير إلى تلك الأسفار. إذ انصبّ التركيز أثناء البحث غالبًا على الاقتباسات الصريحة والواضحة فحسب.

 

لدينا مجال هنا لمزيد من الفحص الأدبي العميق، ليس فقط لاكتشاف التشابه في اللغة والمفردات والتراكيب النحوية، بل أيضًا لدراسة التشابه في الفكر اللاهوتي والمضمون العقائدي. إن السلطان الظاهري الذي تحظى به كتابات العهد الجديد لدى الكتّاب المسيحيين الأوائل، يتأكد بصورة لافتة من خلال استخدامها أيضًا من قِبل الهراطقة في القرن الثاني الميلادي.

 

لقد أشرنا أعلاه إلى أن الغنوصي باسيليدس (في النصف الأول من القرن الثاني) اقتبس من رسائل بولس على أنها «الكتاب المقدس». أما ماركيون، فعندما وضع «قانونًا» خاصًا به في ذات الفترة تقريبًا، لم يكن غرضه منح بعض الأسفار سلطانًا أعلى، بل على العكس: كان هدفه استبعاد سلطان باقي الأسفار الرسولية.

 

أما الغنوصي فالنتينوس (منتصف القرن الثاني)، فيقول عنه ترتليان14 Tertullian إنه لم يخترع “كتابات مقدسة” جديدة، بل حرّف معنى الكتابات المقبولة من خلال شروحه الخاصة. وقد دافع فان أونيك15 W.C. van Unnik بأن «إنجيل الحق» المنسوب إلى المدرسة الفالنتينية والموجود في مخطوطة نجع حمادي (Jung Codex) يؤكد هذا الرأي الذي أورده ترتليان. وفي موضع آخر، يقول ترتليان: «(الهراطقة) يتعاملون فعليًا مع الكتب المقدسة ويدعمون (آراءهم) منها. وبالطبع يفعلون ذلك؛ فمن أين يمكنهم أن يأتوا بحجج حول أمور الإيمان سوى من سجلات الإيمان؟»¹⁶

 

ويقول إيريناوس Irenaeus عن الأناجيل الأربعة ما يلي: «إن أساس هذه الأناجيل متين جدًا لدرجة أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لها، وكل واحد منهم يحاول أن يُقيم عقيدته الخاصة انطلاقًا من هذه (الوثائق)»¹⁷.

 

  • الأسفار المختلف عليها: كانت أيضًا ذات سلطان منذ وقت مبكر

إن التركيز على مسألة السلطان والاستخدام العملي لكتابات العهد الجديد، بدلًا من حصر النظر في مسألة القوائم الرسمية للأسفار المعترف بها، قد يساعدنا أيضًا على إعادة النظر في مشكلة معينة تخص تاريخ تشكّل قانون العهد الجديد.

 

نعلم أن النقاشات التي دارت في القرنين الثالث والرابع بشأن حدود قانون العهد الجديد، انصبت على وضع سبعة أسفار تُعرف بـ الأسفار المختلف عليها (Antilegomena)، وهي: الرسالة إلى العبرانيين، يعقوب، ٢ بطرس، ٢ و٣ يوحنا، يهوذا، وسفر الرؤيا. وهذه الأسفار لم تكن مقبولة على نطاق كلي من الكنيسة.

غالبًا ما يُقال إن مكانة هذه الأسفار كانت محل شك حتى قررت الكنيسة في القرن الرابع إدراجها رسميًا ضمن أسفار العهد الجديد. غير أن الأدلة لا تدعم هذا الادعاء بالضرورة.

بل يبدو أن التلميحات والإشارات إلى هذه الأسفار موجودة حتى منتصف القرن الثاني، وأن التشكيك في سلطانها لم يظهر إلا مع نهاية القرن الثاني، وذلك عندما فرض سيل الكتابات الهرطوقية على الكنيسة أن تبدأ في تقييم الأسفار التي لها سلطان مقابل تلك التي لا سلطان لها.

تشير كل الأدلة إلى أن هذه الأسفار كانت مقبولة قبل نهاية القرن الثاني في المناطق التي كانت معروفة فيها (ومن المهم التأكيد على هذه النقطة، لأنها تفسّر الشكوك التي أثيرت لاحقًا بشأنها [في مناطق أخرى لم تصلها هذه الأسفار بالسرعة ذاتها]).

 

لا يسعنا هنا سوى الإشارة الموجزة إلى الحقائق التالية:

(أ) الرسالة إلى العبرانيين مقتبسة بشكل موسّع في رسالة أكليمندس الأولى Clement (بين عامي 90–110م)، كما استخدمها عدد من الكُتّاب الآخرين. ولم يظهر لنا أن كنيسة شمال إفريقيا لم تكن تتضمنها في قائمتها لأسفار العهد الجديد إلا في بداية القرن الثالث، بحسب ما نعلم من ترتليان.

(ب) رسالة يعقوب موثقة في رسالة كليمنت الأولى ورسالة هرنياس Hernias (منتصف القرن الثاني) وغيرهما.

(ج) أعتقد شخصيًا أن رسالة يهوذا 18 تقتبس من 2 بطرس 3:3، وهناك آثار من 2 بطرس يمكن تتبّعها في بعض آباء الكنيسة الرسوليين مثل (1 أكليمندس 9:3؛ 11:1؛ 23:3؛ رؤى هرماس IV 3:4؛ أمثال هرماس VIII 11:1). ومن المعروف عمومًا أن رسالة 2 بطرس هي الأقل توثيقًا بين الأسفار المُختلَف عليها Antilegomena.

(د) الرسالتان الثانية والثالثة من يوحنا تمثلان تحديًا خاصًا من نوعهما. فعلى الرغم من وجود بعض الآثار لهما في كتابات مسيحية مبكرة، يبدو من سجلات مجمع قرطاج السابع (سنة 256 م)، ومن موضعين في كتابات إيريناوس (ضد الهرطقات Adv. Haer I 16:3؛ III 16:8)¹⁸، أن رسالتي يوحنا الأولى والثانية على الأقل كانتا تُعرفان كرسالة واحدة، إذ نُقلت اقتباسات من 2 يوحنا تحت عنوان: “من رسالة يوحنا”. وطالما لا نعرف على وجه الدقة الشكل الذي كانت تُعرف به هذه الرسائل الثلاث في ذلك الوقت، ونظرًا لِغموض الأدلة، لا يمكننا إلا أن نقول إنه لم تظهر أية شكوك حول صحة هذه الرسائل حتى نهاية القرن الثاني.

(هـ) نجد آثارًا لرسالة يهوذا في كتابات آباء الكنيسة الرسوليين، والطريقة التي يقتبس بها ترتليان من الرسالة (في كتابه حول زينة النساء De Cult. Fem.، القسم الثالث) توحي بأنها كانت مقبولة ومعترف بها منذ وقت طويل في كنيسة شمال إفريقيا.

 

سفر الرؤيا يبدو أنه كان مقبولًا على نطاق واسع حتى أواسط القرن الثالث. أما حقيقة أن صحة وسلطان هذه الأسفار قد أُثيرت حولها الشكوك عندما بدأت النقاشات حول مدى قانونية أسفار العهد الجديد في نهاية القرن الثاني، فتُفسَّر غالبًا بكون هذه الأسفار كانت معروفة في بعض المناطق دون غيرها، وكانت شبه مجهولة في مناطق أخرى.

 

السبب الآخر المحتمل لهذه الشكوك يعود إلى محاولة بعضهم في ذلك الزمان تضييق مفهوم “رسولي” ليعني فقط “من تأليف رسول مباشرة”. وبما أن كُتّاب هذه الأسفار –باستثناء 2 بطرس– لم يكونوا معروفين على وجه الدقة أو كان هناك غموض بشأن هويتهم، فقد كان من الطبيعي أن تُثار تساؤلات بشأنها. أما أسفار مثل مرقس ولوقا وأعمال الرسل، فقد كانت مكانتها قد ترسخت بما يكفي لئلا تثير أية إشكالات من هذا النوع.

 

الخلاصة

من الواضح أن كل ما سبق يشكّل رسمًا مبدئيًا فقط لكيفية تناول موضوع تاريخ قانون أسفار العهد الجديد. فبعض النقاط التي ذكرناها تُظهر ضعف بعض العروض المعيارية التقليدية حول هذا الموضوع.

 

ومن الواضح أيضًا أن أي نقاش حول سلطان كتابات العهد الجديد في الكنيسة ما بعد الرسولية يجب أن يأخذ في الاعتبار السؤال الأوسع عن مفهوم السلطان داخل الكنيسة في تلك الفترة. كما لا ينبغي أن يقلل بحثنا عن قوائم قانونية رسمية من أهمية دراسة ظهور ‘قانون’ العهد الجديد تدريجيًا؛ بل إن هدفنا هو توسيع نطاق التحقيق ووضعه في إطاره الصحيح.

 

توحي رؤيتنا العامة – بنظرة شاملة – حول سلطان كتابات العهد الجديد في الكنيسة الأولى إلى أنه ليس من غير الممكن، ولا من المستبعد منطقيًّا، أن جميع الكتابات الرسولية التي تشكّل اليوم العهد الجديد قد قُبِلت منذ البداية ككتب رسولية وبالتالي ذات سلطة من قبل الكنيسة ما بعد الرسولية، وأن الصحة أو الأصالة لبعض هذه الكتب لم يُشكَّك فيها إلا في وقت لاحق، لأسباب تاريخية واضحة لا تُنقص من قبولها كرسولية من قِبَل الكنيسة ما بعد الرسولية.

 

لكن، هذه ما هي إلا فرضية أولية بحاجة إلى تحليل أعمق وشامل لكل الأدلة المتاحة، للتحقق مما إذا كانت الأدلة فعلاً تدعم هذا الطرح. في حين لا يبدو أن تحليلاً من هذا النوع متوفر حتى الآن.

 

المراجع:

  1. H. V. Campenhausen، The Formation of the Christian Bible (توبنغن 1968؛ الترجمة الإنكليزية لندن 1972)، ص 103.

كان كامبنهاوزن (Campenhausen) أكثر دقة من ر. م. غرانت (R. M. Grant) في The Formation of the New Testament (لندن 1965). (للاطّلاع على بيان موجز عن موقف غرانت، انظر مقاله “The New Testament Canon” في Cambridge History of the Bible، الجزء الأول، ص 284 وما يليها).

يشير كلا من د. إ. غروه (D. E. Groh) في Interpretation 28 (1974، ص 331–343) وأ. س. سوندبرغ (A. C. Sundberg) في Interpretation 29 (1975، ص 352–371) إلى أن كامبنهاوزن لم يكن صارمًا بما فيه الكفاية وأنه يُحدّد تكوّن القانون في وقت مبكر جدًا. انظر أيضًا د. ل. دنغان (D. L. Dungan) في “The New Testament Canon in recent study”، Interpretation 29 (1975، ص 339–351).

أما الباحثون المحافظون، فيبدو أنهم نادرًا ما يتناولون الموضوع. ومن الاستثناءات إ. لايرد هاريس (E. Laird Harris) في Inspiration and Canonicity of the Bible (غراند رابيدز 1969)، إلا أن الكتاب يترك الكثير مما يُرغب بتناوله.

يمكن العثور على معالجة مختصرة للموضوع في مقدمات الشروحات العامة للعهد الجديد. يقدم د. غذري (D. Guthrie) بيانًا مختصرًا مفيدًا في New International Dictionary of the Christian Church، لكنه للأسف لم يتناول الموضوع بشكل شامل في New Testament Introduction.

 

  1. انظر Nicene and Post-Nicene Fathers، السلسلة الثانية، مجلد IV، ص 551 وما بعدها.
  2. E. Hennecke، New Testament Apocrypha (توبنغن 1959؛ ترجمة إنكليزية لندن 1963)، ص 29.
  3. A. C. Sundberg، “Canon Muratori: a 4th Century List”، Harvard Theological Review 66 (1973)، ص 1–41، يشكّك في تأريخ هذا القانون [أنه يعود إلى القرن الرابع].
  4. W. C. van Unnik، “De la règle mēte prostheinai mēte aphelein dans l’histoire du canon”، Vigiliae Christianae 3 (1949)، ص 10 وما بعدها، لا ينفي أن الصيغة الواردة في الديداخي وبرنابا تشير إلى الوصايا المكتوبة، بل يلاحظ فقط الفرق بينها وبين استخدامها في الكتابات الأحدث.
  5. Tradition in the Early Church (لندن 1962)، ص 205 وما بعدها.
  6. كامبنهاوزن، المذكور أعلاه، ص 130 وما بعدها. قارن أيضًا ر. م. غرانت (R. M. Grant) في Cambridge History of the Bible، ص 291.
  7. Essays on the work entitled Supernatural Religion (لندن 1893)، ص 156 وما بعدها.
  8. عمل مفيد جدًا عن العلاقة بين التقليد والكتاب المقدس في الكنيسة الأولى هو كتاب بهذا العنوان لـ إ. فليسمان-فان لير (E. Flesseman-Van Leer) (آسن 1953).
  9. كامبنهاوزن، المرجع السابق، ص 103.
  10. نفس المرجع.
  11. نفس المرجع.
  12. B. F. Westcott، A general survey of the history of the canon of the New Testament (لندن 1896)، ص 49.
  13. De Praescr. Haer.، الفصل 38 (في Ante‑Nicene Fathers).
  14. W. C. van Unnik، “The ‘Gospel of Truth’ and the New Testament” في F. L. Cross (محرِّر)، The Jung Codex (لندن 1955)، ص 79 وما بعدها.
  15. De Praescr. Haer.، الفصل 14 (في Ante‑Nicene Fathers).
  16. Adv. Haer. II 11:7 (في Ante‑Nicene Fathers). كما يخصص Westcott في نفس الكتاب جلستي بحث لنظرته حول شهادة الهراطقة على الأسفار القانونية (ص 278–279، 404 وما بعدها). انظر أيضًا بليز باسكال (Blaise Pascal) في Pensées (نسخة Livre de Poche، ص 260): «Les hérétiques au commencement de l’Église servent à prouver les canoniques.»
  17. انظر Westcott، المرجع الثالث عشر، ص 372، 380، 390.

 

كاتب المقال: ثيو دونر Theo Donner

رابط المقال:

https://www.thegospelcoalition.org/themelios/article/some-thoughts-on-the-history-of-the-new-testament-canon/

ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

 

تحميل الكتاب PDF

 

لتحميل الجزء الأول إضغط هنا: علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

أيقونات الغلاف [1]

هي عبارة عن ثلاثة رسوم جدارية (فريسكات)؛ في الأعلى القديس ثيؤفيلوس السكندري وفي الأسفل القديسان باسيليوس الكبير وأثناسيوس الرسولي. وهذه الفريسكات هي ضمن المجموعة التي تزين الكنيسة الأثرية بالدير الأحمر بسوهاج والموزعة ما بين الحائط البحري والحائط القبلي.

وتتنوع الرسوم الجدارية بالدير في الموضوعات التي تصورها ما بين الملائكة والإنجيليين وشخصيات توراتية بالإضافة إلى آباء الجيل الرهباني الأول والأساقفة البارزين في الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية. وتغطي اللوحات حوالي ثمانين بالمئة من الجدران تقريبا.

أما عن كنيسة الدير الأحمر الأثرية، فهي بازليكا كانت تمثل قلب المجتمع الرهباني في مركز من أهم مراكز النسك والتي تتمثل في ثلاثة أديرة: ديران منها للرجال وآخر للنساء. وقد تأسس الدير الأحمر علي يد الأنبا بيشاي في منتصف القرن الرابع، وأصبح فيما بعد تابعا للدير الأبيض تحت قيادة الأنبا بيجول مؤسس الدير الأبيض، وفي الخطوة الأخيرة قاد الأنبا شنودة هذه الأديرة الثلاثة ما يقرب من ثمانين عاما.

ومن الجدير بالذكر أن تاريخ هذه الجداريات لاحق على بناء الكنيسة، ولم تتم في مرحلة زمنية واحدة بل استمر تصميمها من القرن السادس الميلادي إلى القرن الثامن الميلادي. وقد تم حجبها لقرون عديدة (من القرون الوسطى إلى نهاية القرن العشرين) حيث كانت مغطاة بطبقة متراكمة من الأدخنة والغبار.

 

مقدمة الأنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمین

لماذا الآباء؟ ألا يكفي الكتاب المقدس وحده؟ ماذا يمكن أن يقدم فكر آباء القرون الأولى لكنيسة القرن الحادي والعشرين؟ كيف تتلاقى الأفكار مع بعد المسافات الزمنية والبيئية؟

قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لا بد أن نقرر أن الكنيسة واحدة في كل زمان ومكان، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات لأنه هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، وأرسلنا لنحمل نور الإنجيل للخليقة كلها.

وهذه هي رسالة الكنيسة، أن تكون نورا للعالم تدعو الكل للخلاص باسم الفادي القدوس، تدعو الكل للتوبة وغفران الخطايا، تدعو الكل للمحبة التي هي رباط الكمال. وهذه هي مسئولية كل إنسان في كل مكان وزمان، بدأت منذ الرسل في سفر الأعمال، وهو السفر الذي لم ينته حتى الآن، بل هو مستمر مسجلا أعمال الكنيسة حتى المجيء الثاني. وهكذا تتلاحم الأجيال وتتلاقى الأفكار وتتشابه الآلام، فالكنيسة المتألمة في كل زمان تتمثل بعريسها الذي حمل الصليب، ولبس إكليل الشوك، وقام ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السماويات.

هنا نرى الآباء الذين ساروا خلف الرسل ككواكب مضيئة تنير لنا مسيرتنا في دروب هذا العالم ومشاكله. قد تختلف البيئات ولكن فكر الإنسان مازال يحمل عطشه الدائم إلى الله خالقه وهذا ما يقدمه لنا الآباء: حياتهم مع الله، خبرتهم ومعرفتهم وعشرتهم الحية التي هي أثمن من الذهب وكل كنوز الأرض. ويقدم لنا الآباء لنا ثلاثة أمور هامة: حياة ليتورجية، وتعاليم كتابية وسلوكيات مسيحية.

  1. الحياة الليتورجية

لقد ترك لنا الآباء تراثا ثمينا من صلوات للمعمودية والإفخارستيا كما كانت تمارس منذ الرسل، وكيف كانت توضع الأيادي للكهنوت وإرساليات الخدمة وعمل الروح في الكنيسة وتنظيماتها.

  1. التعاليم الكتابية

إن الآباء هم الذين فسروا الكتاب المقدس، كل كلمة وكل آية، وشرحوا لنا المسيحية وإيمانها الثمين الذي سلم مرة للقديسين، وعقيدتها الناصعة التي حفظوها بدمائهم.

  1. السلوكيات المسيحية

الآباء أيضا هم الذين شرحوا لنا كيف يكون سلوك الإنسان المسيحي نورا في وسط ظلمة هذا العالم، كيف عاشوا الإنجيل في زمانهم وكيف نعيشه الآن، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.

الرب يبارك هذا العمل ويكمل كل نقص فيه ويعوض كل من له تعب في إعداده وإخراجه بهذه الصورة المشرفة، بصلوات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الأسقف أنبا إيسيذوروس أسقف ورئيس دير البرموس، ولفادينا وربنا يسوع المسيح كل المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس أمين.

 

مقدمة الناشر

يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى إلى سيرابيون (۱: ۲۸): “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد: إذن الإيمان هو واحد، وهو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسلم للآباء.

وهذا الإيمان هو الأساس الذي قام الآباء بحفظه وصياغته وشرحه ليسلموه لمن بعدهم نقيا كما تسلموه. واعتمادا على نفس هذا الأساس الصحيح تم تفسير الكتاب المقدس ووضع الصلوات الليتورجية بل وكل خبرة الحياة الجديدة في المسيح، لأن سلامة الإيمان (الأساس) هي التي تؤدي إلى حياة تقوية صحيحة (البناء)، وصحة الحياة التقوية هي التي تحفظ سلامة الإيمان.

ونحن لا نحتاج إلى وضع أو تحديد أساس جديد في كل جيل، لأن الأساس واحد وهو المسلم مرة للقديسين. والله لا يتعامل مع الكنيسة كأفراد منفصلين فيبدأ مع كل واحد منهم من نقطة البداية من جديد، ولكنه يتعامل مع الكنيسة كجسد واحد متصل، ويحملنا مسئولية تسليم ما قد وهبه لنا من جيل إلى جيل.

وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا” (٢ تي ٢: ٢). ولهذا فإن أرثوذكسية الكنيسة تتجلي في التمسك الدائم بالتسليم الآبائي، لكي يكون للكنيسة إيمان واحد متواصل عبر العصور. فكتابات الآباء لها أهمية عظمى في تأصيل معرفتنا لشرح العقيدة وتفسير الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية، وخبرة الحياة الروحية كلها.

ولكن تمسكنا بالفكر الآبائي الأصيل، لا يعني أن نجنح نحو الجمود وعدم الإبداع، لأن التسليم هو كيان حي متنام ومتجدد، وهو مزيج من الأصالة والإبداع في آن واحد. أصالة مبدعة وإبداع أصيل. فنحن مطالبون بأن نكون أمناء نحو أساسنا الواحد الصحيح الذي حفظه وشرحه لنا الآباء، ولكننا وفي نفس الوقت مطالبون بأن نكون مبدعين في التطبيق ومجددين في تقديم ذلك الأساس نفسه للجيل المعاصر.

وهذا بالتحديد هو ما كان الآباء أنفسهم يقومون به، فهم لم يكونوا جامدين مكررين لما سبقوهم وحسب، ولكنهم كانوا بالفعل مواكبين لعصرهم رغم أمانتهم الثابتة للأساس الحي الذي استلموه ممن قبلهم. ويسمى العلم الذي يهتم بدراسة تاريخ الكتاب المسيحيين في العصور الأولى وكتاباتهم ب “علم الآبائيات” أو “علم آباء الكنيسة” (باترولوجي).

ونظرًا لأهمية هذا التخصص في مجال نشر الفكر الآبائي، حرص مركز باناريون للتراث الآبائي أن يقدم للقارئ سلسلته الثالثة وهي:

دراسات عن آباء الكنيسة في العصور الأولى

السلسلة التي تتناول سير الآباء والأحداث التاريخية والكنسية في عصرهم، كما تتناول أيضا كتاباتهم، وتعاليمهم اللاهوتية. والمجلد الذي بين يديك أيها القارئ الحبيب، هو المجلد الأول من مجموعة “علم الآبائيات باترولوجي” لمؤلفها جوهانس كواستن.

وتقع هذه المجموعة تحت تصنيف الكتب المسمى “ينبغي اقتناؤها”. فبرغم صدور كتب أخرى متنوعة ولاحقة عن “علم الآبائيات” إلا أن مجموعة كواستن تظل هي اللبنة الأولى والضرورية لكل باحث ومهتم بهذا الفرع من المعرفة.

وبينما تأتي الكتب الأخرى التي تعالج نفس الموضوع في شكل مجلد واحد بسبب منهجها الانتقائي في العرض، جاءت مجموعة كواستن في أربع مجلدات لما تميزت به من شرح واف لكتابات الآباء ومنهجهم اللاهوتي، حتى قيل عنها إنها “المرجع الأشمل لمن يريد البدء في دراسة الأدب المسيحي المبكر”.

وهكذا لن يتمكن فريقان من القراء على الأقل من أن يستغنيا عن مجموعة كواستن: الفريق الأول وهو الذي يريد أن يحصل على معرفة أساسية شاملة عن الآبائيات أكثر من مجرد المقدمات التي تعرضها الكتب الأخرى، والفريق الثاني هو الذي يريد أن ينال معرفة أولية عن الآبائيات تؤهله للدخول إلى دراسات أكثر تقدما.

وقد تفضل مشكورا نيافة أنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان بترجمة هذا المجلد الأول قبل سيامته أسقفا، وقد تمت مراجعة الترجمة على النسخة الإنجليزية، وإضافة الحواشي والفهرس الموضوعي في نهاية الكتاب لتعظم فائدة القارئ.

وسنوالي ترجمة ونشر بقية مجلدات مجموعة كواستن “علم الآبائيات. باترولوجي” في المستقبل القريب بمشيئة الرب.

نسأل الله أن يبارك في هذا العمل وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.

 

[1] شرح أيقونات الغلاف من إعداد الأستاذ مايكل حلمي راغب الباحث في القبطيات.

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

تحميل الكتاب PDF

لتحميل الجزء الثاني إضغط هنا: علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

 

أيقونات الغلاف [1]

هي عبارة عن ثلاثة رسوم جدارية (فريسكات)؛ في الأعلى القديس ثيؤفيلوس السكندري وفي الأسفل القديسان باسيليوس الكبير وأثناسيوس الرسولي. وهذه الفريسكات هي ضمن المجموعة التي تزين الكنيسة الأثرية بالدير الأحمر بسوهاج والموزعة ما بين الحائط البحري والحائط القبلي.

وتتنوع الرسوم الجدارية بالدير في الموضوعات التي تصورها ما بين الملائكة والإنجيليين وشخصيات توراتية بالإضافة إلى آباء الجيل الرهباني الأول والأساقفة البارزين في الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية. وتغطي اللوحات حوالي ثمانين بالمئة من الجدران تقريبا.

أما عن كنيسة الدير الأحمر الأثرية، فهي بازليكا كانت تمثل قلب المجتمع الرهباني في مركز من أهم مراكز النسك والتي تتمثل في ثلاثة أديرة: ديران منها للرجال وآخر للنساء. وقد تأسس الدير الأحمر علي يد الأنبا بيشاي في منتصف القرن الرابع، وأصبح فيما بعد تابعا للدير الأبيض تحت قيادة الأنبا بيجول مؤسس الدير الأبيض، وفي الخطوة الأخيرة قاد الأنبا شنودة هذه الأديرة الثلاثة ما يقرب من ثمانين عاما.

ومن الجدير بالذكر أن تاريخ هذه الجداريات لاحق على بناء الكنيسة، ولم تتم في مرحلة زمنية واحدة بل استمر تصميمها من القرن السادس الميلادي إلى القرن الثامن الميلادي. وقد تم حجبها لقرون عديدة (من القرون الوسطى إلى نهاية القرن العشرين) حيث كانت مغطاة بطبقة متراكمة من الأدخنة والغبار.

 

مقدمة الأنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمین

لماذا الآباء؟ ألا يكفي الكتاب المقدس وحده؟ ماذا يمكن أن يقدم فكر آباء القرون الأولى لكنيسة القرن الحادي والعشرين؟ كيف تتلاقى الأفكار مع بعد المسافات الزمنية والبيئية؟

قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لا بد أن نقرر أن الكنيسة واحدة في كل زمان ومكان، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات لأنه هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، وأرسلنا لنحمل نور الإنجيل للخليقة كلها.

وهذه هي رسالة الكنيسة، أن تكون نورا للعالم تدعو الكل للخلاص باسم الفادي القدوس، تدعو الكل للتوبة وغفران الخطايا، تدعو الكل للمحبة التي هي رباط الكمال. وهذه هي مسئولية كل إنسان في كل مكان وزمان، بدأت منذ الرسل في سفر الأعمال، وهو السفر الذي لم ينته حتى الآن، بل هو مستمر مسجلا أعمال الكنيسة حتى المجيء الثاني. وهكذا تتلاحم الأجيال وتتلاقى الأفكار وتتشابه الآلام، فالكنيسة المتألمة في كل زمان تتمثل بعريسها الذي حمل الصليب، ولبس إكليل الشوك، وقام ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السماويات.

هنا نرى الآباء الذين ساروا خلف الرسل ككواكب مضيئة تنير لنا مسيرتنا في دروب هذا العالم ومشاكله. قد تختلف البيئات ولكن فكر الإنسان مازال يحمل عطشه الدائم إلى الله خالقه وهذا ما يقدمه لنا الآباء: حياتهم مع الله، خبرتهم ومعرفتهم وعشرتهم الحية التي هي أثمن من الذهب وكل كنوز الأرض. ويقدم لنا الآباء لنا ثلاثة أمور هامة: حياة ليتورجية، وتعاليم كتابية وسلوكيات مسيحية.

  1. الحياة الليتورجية

لقد ترك لنا الآباء تراثا ثمينا من صلوات للمعمودية والإفخارستيا كما كانت تمارس منذ الرسل، وكيف كانت توضع الأيادي للكهنوت وإرساليات الخدمة وعمل الروح في الكنيسة وتنظيماتها.

  1. التعاليم الكتابية

إن الآباء هم الذين فسروا الكتاب المقدس، كل كلمة وكل آية، وشرحوا لنا المسيحية وإيمانها الثمين الذي سلم مرة للقديسين، وعقيدتها الناصعة التي حفظوها بدمائهم.

  1. السلوكيات المسيحية

الآباء أيضا هم الذين شرحوا لنا كيف يكون سلوك الإنسان المسيحي نورا في وسط ظلمة هذا العالم، كيف عاشوا الإنجيل في زمانهم وكيف نعيشه الآن، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.

الرب يبارك هذا العمل ويكمل كل نقص فيه ويعوض كل من له تعب في إعداده وإخراجه بهذه الصورة المشرفة، بصلوات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الأسقف أنبا إيسيذوروس أسقف ورئيس دير البرموس، ولفادينا وربنا يسوع المسيح كل المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس أمين.

 

مقدمة الناشر

يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى إلى سيرابيون (۱: ۲۸): “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد: إذن الإيمان هو واحد، وهو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسلم للآباء.

وهذا الإيمان هو الأساس الذي قام الآباء بحفظه وصياغته وشرحه ليسلموه لمن بعدهم نقيا كما تسلموه. واعتمادا على نفس هذا الأساس الصحيح تم تفسير الكتاب المقدس ووضع الصلوات الليتورجية بل وكل خبرة الحياة الجديدة في المسيح، لأن سلامة الإيمان (الأساس) هي التي تؤدي إلى حياة تقوية صحيحة (البناء)، وصحة الحياة التقوية هي التي تحفظ سلامة الإيمان.

ونحن لا نحتاج إلى وضع أو تحديد أساس جديد في كل جيل، لأن الأساس واحد وهو المسلم مرة للقديسين. والله لا يتعامل مع الكنيسة كأفراد منفصلين فيبدأ مع كل واحد منهم من نقطة البداية من جديد، ولكنه يتعامل مع الكنيسة كجسد واحد متصل، ويحملنا مسئولية تسليم ما قد وهبه لنا من جيل إلى جيل.

وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا” (٢ تي ٢: ٢). ولهذا فإن أرثوذكسية الكنيسة تتجلي في التمسك الدائم بالتسليم الآبائي، لكي يكون للكنيسة إيمان واحد متواصل عبر العصور. فكتابات الآباء لها أهمية عظمى في تأصيل معرفتنا لشرح العقيدة وتفسير الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية، وخبرة الحياة الروحية كلها.

ولكن تمسكنا بالفكر الآبائي الأصيل، لا يعني أن نجنح نحو الجمود وعدم الإبداع، لأن التسليم هو كيان حي متنام ومتجدد، وهو مزيج من الأصالة والإبداع في آن واحد. أصالة مبدعة وإبداع أصيل. فنحن مطالبون بأن نكون أمناء نحو أساسنا الواحد الصحيح الذي حفظه وشرحه لنا الآباء، ولكننا وفي نفس الوقت مطالبون بأن نكون مبدعين في التطبيق ومجددين في تقديم ذلك الأساس نفسه للجيل المعاصر.

وهذا بالتحديد هو ما كان الآباء أنفسهم يقومون به، فهم لم يكونوا جامدين مكررين لما سبقوهم وحسب، ولكنهم كانوا بالفعل مواكبين لعصرهم رغم أمانتهم الثابتة للأساس الحي الذي استلموه ممن قبلهم. ويسمى العلم الذي يهتم بدراسة تاريخ الكتاب المسيحيين في العصور الأولى وكتاباتهم ب “علم الآبائيات” أو “علم آباء الكنيسة” (باترولوجي).

ونظرًا لأهمية هذا التخصص في مجال نشر الفكر الآبائي، حرص مركز باناريون للتراث الآبائي أن يقدم للقارئ سلسلته الثالثة وهي:

دراسات عن آباء الكنيسة في العصور الأولى

السلسلة التي تتناول سير الآباء والأحداث التاريخية والكنسية في عصرهم، كما تتناول أيضا كتاباتهم، وتعاليمهم اللاهوتية. والمجلد الذي بين يديك أيها القارئ الحبيب، هو المجلد الأول من مجموعة “علم الآبائيات باترولوجي” لمؤلفها جوهانس كواستن.

وتقع هذه المجموعة تحت تصنيف الكتب المسمى “ينبغي اقتناؤها”. فبرغم صدور كتب أخرى متنوعة ولاحقة عن “علم الآبائيات” إلا أن مجموعة كواستن تظل هي اللبنة الأولى والضرورية لكل باحث ومهتم بهذا الفرع من المعرفة.

وبينما تأتي الكتب الأخرى التي تعالج نفس الموضوع في شكل مجلد واحد بسبب منهجها الانتقائي في العرض، جاءت مجموعة كواستن في أربع مجلدات لما تميزت به من شرح واف لكتابات الآباء ومنهجهم اللاهوتي، حتى قيل عنها إنها “المرجع الأشمل لمن يريد البدء في دراسة الأدب المسيحي المبكر”.

وهكذا لن يتمكن فريقان من القراء على الأقل من أن يستغنيا عن مجموعة كواستن: الفريق الأول وهو الذي يريد أن يحصل على معرفة أساسية شاملة عن الآبائيات أكثر من مجرد المقدمات التي تعرضها الكتب الأخرى، والفريق الثاني هو الذي يريد أن ينال معرفة أولية عن الآبائيات تؤهله للدخول إلى دراسات أكثر تقدما.

وقد تفضل مشكورا نيافة أنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان بترجمة هذا المجلد الأول قبل سيامته أسقفا، وقد تمت مراجعة الترجمة على النسخة الإنجليزية، وإضافة الحواشي والفهرس الموضوعي في نهاية الكتاب لتعظم فائدة القارئ.

وسنوالي ترجمة ونشر بقية مجلدات مجموعة كواستن “علم الآبائيات. باترولوجي” في المستقبل القريب بمشيئة الرب.

نسأل الله أن يبارك في هذا العمل وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.

 

[1] شرح أيقونات الغلاف من إعداد الأستاذ مايكل حلمي راغب الباحث في القبطيات.

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

قانون إيمان الرسل

إن “قانون إيمان الرسل” (Symblum Apostolicum)، هو عبارة عن موجز مختصر للعقائد المسيحية الرئيسية، لذلك يمكن أن يُطلق عليه الخلاصة الوافية للتعاليم اللاهوتية في الكنيسة. ولكن الشكل الذي هو عليه الآن. المكون من اثني عشر بنداً، لم يظهر قبل القرون السادس الميلادي، ومنذ ذلك الوقت فصاعداً، استخدم في بلاد الغال، واسبانيا، وايرلندا، وألمانيا في مناهج تعليم الموعوظين.

وبالرغم من ذلك، فإن التسمية “قانون إيمان الرسل” تعود إلى ما قبل القرن السادس الميلادي، فقد كتب روفينوس في نهاية القرن الرابع تفسيراً بعنوان حول قانون إيمان الرسل”، يشرح فيه أصل هذا القانون.

وبحسب روفينوس، كان هناك تقليد يذكر أن الرسل بعد ما حل عليهم الروح القدس، وقبل أن يخرجوا للكرازة في مختلف الأمم والبلاد، اتفقوا على صيغة مختصرة للعقيدة المسيحية كأسـاس لتعاليمهم وكقاعـدة إيمان للمؤمنين (ML 21: 337)، ويبدو أن أمبروسيوس يشارك روفينيوس في رأيه، حيث يشير عن عمد في كتابه “شرح مثال الإيمان” (Explanatoin of the Symbol)، إلى الإثني عشر بنداً باعتبارها تمثل الإثني عشر رسولاً.

أما في القرن السادس الميلادي، فنقرأ لأول مرة التأكيد الجازم على أن كل رسول وضع بنداً من بنود قانون إيمان الرسل الاثني عشر، وذلك في عظة منسوبة إلى أوغسطينوس تعود لهذا القرن، وهي تشرح أصل القانون في الكلمات التالية: “قال بطرس: أنا أؤمن بالله الآب ضابط الكل، خالق السماوات والأرض…. وقال أندراوس: وأؤمن بيسوع المسيح، ابنه الوحيد، ربنا…” (ML, 39: 2189-2190) وهكذا ساهم كل رسول في وضع أحد البنود الاثني عشر.

وقد ظل هذا الشرح لقانون إيمان الرسل، والذي ظهر في القرن السادس الميلادي، هو الشرح السائد طوال القرون الوسطى. ولهذا كانت مفاجأة كبرى عندما أعلن ماركوس إفجينيكوس (Marcus Eugenicus)، رئيس أساقفة أفسس اليوناني، في مجمع فيريرا (Ferrara) 1438م، أن الكنائس الشرقية لا تعرف شيئاً لا عن قانون الإيمان المستخدم في الكنائس الغربية، ولا عن نسبته للرسل. وبعد بضعة سنين، أنكر عالم الإنسانيات الإيطالي “لورينزو فالا” (Lorenzo Valla) بشكل قاطع نسبة هذا القانون للرسل.

وقد أثبتت الأبحاث الحديثة حول هذا الموضوع، بشكل كاف، أن المحتوى الجوهري لقانون إيمان الرسل يعود إلى العصر الرسولي؛ ولكن صورته التي هو عليها الآن قد تطورت تدريجياً.

هذا ويرتبط بشدة التاريخ الطويل لقانون إيمان الرسل بالتطور المتطرد لليتورجية المعمودية وإعداد الموعوظين لنوالها، فلم يؤثر شيء آخر، في وضع “قانون الإيمان” هذا، أكثر مما أثرت الحاجة لصيغة اعتراف إيمانية يعلن بها المرشحون لنوال المعمودية إيمانهم، فمنذ عصر الرسل وإلى الآن، كانت الممارسة المسيحية تتطلب أن يعترف الموعوظ بوضوح بإيمانه بالعقائد الأساسية بخصوص يسوع المسيح، لذا كان على المرشحين للمعمودية أن يحفظوا كلمات معدة مسبقاً عن ظهر قلب، وأن يرددوها بوضوح أمام الشعب.

ومن هذه العادة ظهر طقس “التسليم” (Traditio) و”تلاوة قانون الإيمان من الذاكرة” (redditio symboli). وقد كان اعتراف الإيمان جزءً لا يتجزأ من الليتورجية، وعندما ندرك هذه الحقيقة إدراكاً كاملاً، عندئذ يمكننا أن نستوعب مدى أصالتها.

تكشف دراسة التاريخ المبكر لقانون الإيمان عن صيغتين محددتين له: الصيغة الخريستولوجية، والصيغة الثالوثية:

أولاً: الصيغة الخريستولوجية (The Christological Formula)

إن أبسط أشكال قانون الإيمان مسجل في سفر أعمال الرسل (أعمال 8: 37)، فقد عمد فيلبس الخصي الحبشي بعد أن اعترف الأخير بإيمانه هكذا: “أنا أؤمن أن يسوع المسيح هو ابن الله”. هذه العبارة تثبت لنا أن نقطة البداية في قانون الإيمان هي الاعتراف الإيماني بأن يسوع المسيح هو ابن الله. ولم تكن هناك حاجة لأن يطلب المزيد من المرشحين للمعمودية، فقد كان الاعتراف بأن يسوع هو المسيا كافياً، خاصة بالنسبة للمتحولين من اليهودية.

وبمرور الوقت، أضيف ألقاب أخرى لهذه الصيغة، فبعد ذلك بفترة وجيزة أضيف لقب “المخلص” إلى الصيغة، وظهر الشعار “إخثيس” (##)، وهو قانون الإيمان المتداول في العالم اليوناني، لأن كلمة (##) تعني سمكة – تحتوي على الأحرف الأولى من الكلمات اليونانية الخمس: (###) “يسوع المسيح ابن الله المخلص” ويشهد ترتليانوس، وكذلك نقوش” أبيركيوس” (Abercius)، عن انتشار هذه الصيغة (كقانون إيمان) في النصف الثاني من القرن الثاني، غير أنه قبل ذلك بكثير…

كانت توجد في الكتابات المسيحية المبكرة ما يعبر عن الإيمان بالمسيح بصورة رسمية أكثر وبنظرة أوسع، فبالفعل كان الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية (1: 3، 4) يصيغ “إنجيل الله” باعتباره رسالة “ابنه الذي صار من نسل داود من جهة الجسد. وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات يسوع المسيح ربنا”. هناك أيضاً صيغ مشابهة في كورنثوس الأولى (15: 3) وبطرس الأولى (3: 18-22).

وربما كانت هذه الصيغ تستخدم ليتورجياً، هذا الاستنتاج يفرض نفسه خاصة إذا كنا نتكلم عن مُلخص العمل الخلاصي الذي يذكره القديس بولس في فيلبي (2: 5-11) وفي حوالي 100م، أعلن أغناطيوس الأنطاكي (في الرسالة إلى تراليا: 9)..

إيمانه بيسوع المسيح بكلمات تذكرنا بالبند الثاني من قانون إيمان الرسل، فقال: “يسوع المسيح، الذي من نسل داود، ابن مريم، الذي ولد بالحقيقة، أكل وشرب، وتألم بالحقيقة على عهد بيلاطس البنطي، وصلب حقاً ومات، ونظرته الكائنات السماوية والأرضية وما تحت الأرض، والذي أقيم حقاً من الأموات؛ إذ أقامه أبوه، وهكذا سيقيمنا أيضاً في المسيح يسوع طالما نؤمن به، وبدونه ليست لنا حياة حقيقية”.

ثانياً: الصيغة الثالوثية (The Trinitarian Formula)

إلى جانب الصيغة الخرستولوجية، وجدت أيضاً منذ عصر الرسل صيغة ثالوثية للاعتراف بالإيمان خاصة بطقس المعمودية، تلك التي صارت الصيغة السائدة، فوصية الرب بتعميد كل الأمم “باسم الآب والابن والروح القدس” هي التي أوحت بقاعدة الإيمان هذه.

وقد ذكر يوستينوس الشهيد (Apol 1: 61)، حوالي سنة 150م، أن المتقدمين لنوال المعمودية كانوا “يتقبلون غسل الماء باسم الله الآب ورب الكون، ومخلصنا يسوع المسيح، والروح القدس” علاوة على ذلك، كان العمل المعروف باسم “رسالة الرسل” (Epistola Apostolorum)، والذي كتب في نفس الوقت تقريباً، وقد وسع بالفعل من اعتراف الإيمان هذا من ثلاثة بنود إلى خمسة.

فقانون الإيمان. المذكور في هذه الرسالة – يحتوي ليس فقط على الإيمان “بالآب، ضابط العالم كله، وبيسوع المسيح مخلصنا؛ وبالروح القدس المعزي؛ ولكنه يضيف أيضاً “وبالكنيسة المقدسة، وبمغفرة الخطايا”.

ثالثاً: الصيغة المركبة (The Combination Formula)

في حين وسعت “رسالة الرسل” الصيغة الثالوثية بإضافة عنصرين جديدين إليها، إلا أنه قد بقي هناك أسلوب آخر للنمو، وهو بإعطاء تفاصيل أكثر عن كل بند من بنود قانون الإيمان. وتتمثل هذه الطريقة في نمط يمكن لنا أن نسميه الصيغة المركبة، تلك التي تجمع بين الصيغتين الخريستولوجية والثالوثية.

وكان إدخال الاعتراف المسياني الذي كان في الأصل مستقلاً (والذي لا يزال محتفظاً بوجوده المستقل في مدخل الليتورجية الإفخارستية) وقد أخل بتناسق الصيغة الثالوثية البسيطة، وقد نتج عن هذا ثماني أو تسع عبارات بها قاعدة إيمان خريستولوجية موسعة، مثل تلك الصيغة التي كانت سارية في روما سنة 200م، فقد احتوى طقس المعمودية لكنيسة روما الذي يصفه هيبوليتس في التقليد الرسولي على قانون الإيمان التالي:

“أؤمن بالله الآب ضابط الكل، وبيسوع المسيح، ابن الله، الذي ولد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وصلب على عهد بيلاطس البنطي، مات ودفن، وقام من الأموات في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الآب، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، وبالروح القدس، وبالكنيسة المقدسة، وبقيامة الجسد”. وكان ترتليانوس في نهاية القرن الثاني على علم بقانون الإيمان الروماني هذا، وهناك أسباب كثيرة لنعتقد أن هذا القانون كان قد تمت صياغته قبل أن نسمع عنه لأول مرة بفترة طويلة.

هذا ولقد أثبت البحث العميق والواسع النطاق أنه ينبغي اعتبار هذه الصيغة الرومانية لقانون الإيمان بمثابة الأم لكل قوانين الإيمان الغربية بل وأيضاً “قانون إيمان الرسل” خاصتنا. هذا وقد انتقل (قانون الإيمان الروماني) خلال القرن الثالث من كنيسة إلى أخرى حتى ساد عالمياً، ولكننا لا نستطيع أن نثبت – كما حاول (Kattenbush) أن يفعل – أنه كان النموذج الأصلي لصيغ قوانين الإيمان في الشرق، فيبدو على أغلب الظن أن صيغ قوانين الإيمان الشرقية وقانون الإيمان الروماني كانا فرعين مستقلين من أصل مشترك له جذوره في الشرق.

غير أنه يمكننا أن نرى تطوراً في الشرق يشبه ذاك الذي تتبعناه في الغرب، فقد أضيفت إلى الاعتراف الثالوثي البسيط تصريحات خريستولوجية[1]، لكن في حين تم التركيز على الميلاد من العذراء مريم في الغرب، أدخل الشرق عبارات جديدة بخصوص ميلاد المسيح الأزلي قبل خلق العالم، وقد سميت هذه الإضافات بـ: “المادة المضادة للهرطقة”..

ولكننا لا نستطيع أن نكون متأكدين من أن هذه الإضافات كانت لمقاومة أي هرطقة إلا في حالات قليلة فردية، فمعظمها قد تمت إضافته بسبب ظهور حاجة في الكنيسة لشرح العقائد الأساسية في المسيحية أكثر وأكثر في قانون الإيمان بصورة مختصرة بهدف تعليم الموعوظين.

ومثلما تطور طقس المعمودية من طقس بسيط إلى احتفال مهيب، هكذا تطور قانون الإيمان الخاص بالمعمودية من اعتراف ثالوثي بسيط إلى ملخص لكل عقائد المسيحية. ومثلما كانت هناك ليتورجيات مختلفة للمعمودية، هكذا أيضاً وجدت عدة قوانين إيمان.

أما أشهر قوانين الإيمان في الشرق فهو القانون الأورشليمي المسجل في مقالات كيرلس الأورشليمي لطالبي العماد، والقانون القيصري الذي دونه لنا يوسابيوس المؤرخ. ولا يزال الدارسون مختلفين حول ما إذا كان قانون الإيمان النيقي هو صيغة معدلة من النموذج القيصري أم من النموذج الأورشليمي.ِ

من الواضح إذن أن نص قانون إيمان الرسل الحالي لم يظهر قبل القرن السادس، حيث كان قد ظهر أولاً في قيصرية آرل (Arles). كما أن قانون الإيمان الروماني الذي يعود إلى القرن الخامس الميلادي يختلف هو الآخر عن قانوننا؛ إذ تنقصه العبارات التالية: “خالق السماء والأرض – ولِد – تألم ومات ونزل إلى الجحيم – الجامعة – شركة القديسين – الحياة الأبدية.

وعلى كل الأحوال فإن العناصر العقائدية المحتواة في قانون إيمان الرسل كانت جميعها قد ظهرت نحو نهاية القرن الأول الميلادي في صيغ الإيمان المتعددة والمختلفة المسجلة في الكتابات المسيحية المبكرة.

الـديـداخـي

يُذكر الديداخي، في فهرس المخطوطة التي وجدت فيها، تحت اسم مختصر هو: “تعليم الإثني عشر رسولاً” (##)، ولكن عنوانها الكامل هو: “تعليم الرب للأمم بواسطة الإثني عشر رسولاً” يبدو أن هذا العنوان الأخير هو العنوان الذي كان معروفاً به في الأصل.

ولا يكشف الكاتب عن اسمه، إلا أنه سيكون من التسرع أن نفترض، مثلما فعل (Duchesne)، أن العنوان يشير إلى أصل رسولي لهذه الوثيقة، فالنص لا يدل على ذلك بأي شكل من الأشكال، فمن الواضح أن نية الكاتب كانت هي أن يعطي مختصراً لتعاليم المسيح كما علمها الرسل للأمم، وهذا ما قد يفسر العنوان.

ويعتبر الديداخي أهم وثيقة من العصر بعد الرسولي وهو أقدم مصدر قانوني كنسي نملكه هذا ولم يكن الديداخي معروفاً حتى عام 1883م، حينما نشره مطران نيكوميديا اليوناني فيلوثيئوس برينيوس (Philotheos Bryennios) من المخطوطة اليونانية رقم (1057) المملوكة لبطريركية أورشليم. ومنذ ذلك الحين، أغنى الديداخي معرفتنا عن بداية الكنيسة وعمقها بطريقة مدهشة. وقد جنى الدارسون، الذين طالما انجذبوا لمحتواه، الكثير من الإلهام والاستنارة من هذا الكتاب صغير الحجم.

وقد يتوقع المرء – بالاحتكام إلى العنوان فقط – أن الديداخي يُبرز عظات المسيح الكرازية، ولكننا نجده مهتماً بالأكثر أن يقدم خلاصة وافية للوصايا الأخلاقية، وإرشادات تنظيم الجماعات، والقوانين المتعلقة بالوظائف الليتورجية؛ فنحن نملك هنا ملخصاً لتوجيهات من شأنها أن تمنحنا صورة واضحة للحياة المسيحية في القرن الثاني. وفي الحقيقة نقول إنه لدينا هنا أقدم ترتيب كنسي، فهو النموذج الأولي ذو المكانة لكل مجموعات الدساتير والقوانين الرسولية اللاحقة، تلك التي بها بدأت القوانين الكنسية في الشرق والغرب.

المحتـويـات

  1. ينقسم نص الديداخي إلى ستة عشر فصلاً نستطيع أن نميز فيها قسمين كبيرين: القسم الأول (الفصول 1-10)، ويحتوي إرشادات ليتورجية، والقسم الثاني (الفصول 11-15)، ويتضمن قوانين تنظيمية. أما الفصل الأخير عن مجيء الرب الثاني (Parausia)، والواجبات المسيحية المترتبة على ذلك فهو بمثابة الخاتمة.
  2. يحتوي الجزء الأول من القسم الليتورجي (الفصول 1-6) على توجيهات لتعليم الموعوظين، وطريقة عرض هذه التوجيهات هي أكثر ما يثير الاهتمام، فقد قدمت القواعد الأخلاقية فيه في صورة طريقتين: طريق الخير وطريق الشر، وهكذا يبدأ النص قائلاً: “هناك طريقان، أحدهما للحياة والآخر للموت، وهناك فارق كبير بينهما. والآن طريق الحياة هو هذا: أولاً: أحب الله الذي خلقك، ثانياً: أحب قريبك كنفسك، لا تفعل بآخر ما لا تحب لنفسك” (فصل 1: 1-2).

    أما طريق الموت فموصوف في الفصل الخامس كما يلي: “ولكن هذا هو طريق الموت قبل كل شيء، إنه شرير وملعون بالكامل ومليء بكل أنواع القتل، والزنى، والشهوات، والعهر، والسرقة، وعبادة الأوثان، والسحر، والشعوذة، والخطف، وشهادة الزور، والنفاق، والرياء، والمجد الباطل، والخبث، والفظاظة، والطمع، والكلام الباطل، والغيرة، والطيش، والعجرفة، والادعاء الكاذب، وعدم مخافة الله”.
    وتحمل هذه الطريقة المزدوجة، والتي تعتبر هنا وسيلة رئيسية لتعليم الموعوظين، طابعاً يونانياً عقيقاً، فقد كانت هذه الطريقة تستخدم في المجامع الهلينية لتعليم الدخلاء.

  3. أما بالنسبة لدارس التاريخ الليتورجي، فإن الفصول (7-10) هي الأهم. وقد وردت إجراءات منح المعمودية أولاً هكذا: “المعمودية كالتالي: بعدما تشرحون كل هذه النقاط أولاً، عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس في ماء جارٍ، وإن لم يكن هناك ماء جاءٍ فعمدوا بماء آخر، وإن لم يمكنكم أن تعمدوا بماء بارد فعمدوا بماء ساخن، وإن لم يكن لديكم كلاهما، فاسكبوا ماء على الرأس ثلاث مرات باسم الآب والابن والروح القدس[2]”. (فصل 7: 1-3).

وبحسب النص، فإن المعمودية بالتغطيس في ماء جارٍ، أي في الأنهار والينابيع، كانت هي الطريقة المعتادة في ممارسة هذا السر، اما المعمودية بالسكب فقد أجيزت في حالات الضرورة، وهذا هو المصدر الوحيد من القرنين الأول والثاني بخصوص المعمودية بالسكب.

وفوق ذلك، يتضمن الديداخي تعليماً صريحاً عن ضرورة الصوم، فقد كان يجب على كل من المتقدم للمعمودية والمعمد أن يصوما قبل إتمام السر (فصل 7: 4). كذلك، حدد يوما الأربعاء والجمعة بأنهما يوما صوم ثابتان، وهي عادة موجعة ضد الممارسات اليهودية، حيث كانت الأخيرة تتضمن حفظ يومي الإثنين والخميس كيومي صوم تقليديين[3] (فصل 8: 1).

  1. الصلاة والليتورجيا: كان ترديد الصلاة الربانية ثلاث مرات في اليوم أمراً واجباً على كل مؤمن. كما أن للفصلين التاسع والعاشر أهمية خاصة في تاريخ الليتورجية، فهما يحتويان على أقدم صلاة إفخارستية مسجلة وهي كالآتي: “فيما يختص بالإفخارستيا، اشكروا هكذا: أولاً: بخصوص الكأس: “نشكرك يا أبانا، لأجل كرمة عبدك داود المقدسة، التي عرفتنا إياها بواسطة خادمك يسوع. لك المجد إلى الأبد.
    كما كان هذا الخبز المكسور منثوراً فوق التلال ثم جُمع فصار واحداً، هكذا فلتجتمع كنيستك من أقصاء الأرض إلى ملكوتك، لأن لك المجد والقدرة بيسوع المسيح إلى الأبد”. لا يأكل ولا يشرب أحد من إفخارستيتكم غير المعتمدين باسم الرب، لأن الرب قد قال بخصوص هذا: “لا تعطوا القدس للكلاب”. (فصل 9).

والحقيقة إن الرأي الذي قُدم أكثر من مرة والقائل بأن ما لدينا هنا ليست صلاة مخصصة للإفخارستيا بل مجرد صلاة مائدة، هو رأي لا سند له، فمناقشة موضوع الإفخارستيا هنا مرتبط بشكل وثيق بالمعمودية، وكلاهما مرتبطان ببعضهما البعض في إيمان الكاتب كما هو واضح، بل الأكثر من ذلك هو أن غير المعمدين ممنوعون صراحة من الاشتراك في (مائدة) الإفخارستيا.

ثم يورد الفصل العاشر صلاة تُقال بعد التناول: “بعد أن تمتلئوا من الطعام، اشكروا هكذا: “نشكرك أيها الآب القدوس من أجل اسمك القدوس الذي أسكنته في قلوبنا، ومن أجل المعرفة والإيمان والخلود الذي أعلنتهم لنا بواسطة يسوع خادمك. لك المجد إلى الأبد. أنت أيها السيد القدير خلقت كل الأشياء لأجل اسمك، ومنحت الناس طعاماً وشراباً ليتمتعوا بهما، لكي يشكروك؛ أما نحن فمنحتنا طعاماً وشراباً روحيين وحياة أبدية بواسطة خادمك (يسوع). نشكرك قبل كل شيء لأنك قدير، لك المجد إلى الأبد.” (10: 1-4).

وتسمى الإفخارستيا هنا. بكل صراحة – طعاماً وشراباً روحياً (##) ثم يضيف الكاتب: “كل من كان طاهراً فليتقدم، ومن ليس كذلك فليتب” (10: 6).

لا تشير التوجيهات الكثيرة فقط، ولكن أيضاً السياق بشكل خاص، إلى أن المقصود من هذا التوجيهات هو تنظيم التناول لأول مرة للمعمدين الجدد في عشية عيد القيامة، أما الإفخارستيا المعتادة كل يوم أحد فقد وُصفت في الفصل الرابع عشر: “في يوم الرب، اجتمعوا معاً لكسر الخبز والشكر، ولكن اعترفوا أولاً بخطاياكم لكي تكون ذبيحتكم طاهرة، لا يجتمع معكم كل من له منازعة مع أخيه حتى يتصالحا لئلا تتنجس ذبيحتكم، لأن الرب قال: “في كل مكان وزمان قربوا لي ذبيحة طاهرة؛ لأني ملك عظيم، يقول الرب، واسمي مرهوب بين الأمم”.

والإشارة الواضحة هنا إلى الإفخارستيا بكونها ذبيحة (##) كذلك التلميح إلى نبوة ملاخي (1: 10) هما أمران لا يخلوان من دلالة.

  1. الاعتراف: وليس أقل إثارة للاتهام، التأكيد على الاعتراف قبل الاشتراك في الإفخارستيا. ويبدو أن الاعتراف بالخطايا الوارد هنا هو على الأرجح اعتراف ليتورجي، وليس اعترافاً شخصياً. وبالمثل، في الفصل (4: 14)، يطلب الكاتب من المصلين الاعتراف بالخطايا قبل الصلاة في الكنيسة: “اعترفوا بخطاياكم في الكنيسة ولا تتقدموا لصلواتكم بضمير مذنب”.

  2. الرتب الكنسية: لا توجد إشارات في الديداخي تبرهن لنا على وجود ما يُعرف بنظام الإيبارشية ذات الأسقف الواحد (Monarchial episcopate)، فقادة الجماعات المسيحية يُدعون أساقفة (##) وشمامسة (##) لكن من غير الواضح إذا كان هؤلاء المُشار إليهم بكلمة (##) هم كهنة عاديون أم أساقفة، كما أننا لا نجد أي ذكر للقسوس (##) ومن ثم، انتخبوا لكم أساقفة وشمامسة، رجالاً جديرين بالرب، ودعاء، غير محبين للمال، أمناء، وقد اختبروا جيداً، لأنهم يسدون إليكم خدمة الأنبياء والمعلمين المقدسة.

    إذاً فلا تحتقروهم لأنهم هم المكرمون بينكم مع الأنبياء والمعلمين” (فصل 15: 1-2).

وهذا الجزء يدفعنا لنستنتج أنه إلى جانب الإكليروس المحلي، فإن من يُدعون بـ “الأنبياء” قد لعبوا دوراً هاماً. ونحن نقرأ بخصوصهم في الفصل (13: 3) (إنهم) “هم رؤساء كهنتكم” وقد سمح لهم بالاحتفال الإفخارستي: “اسمحوا للأنبياء أن يقدموا الإفخارستيا ## كما يشاؤون” (10: 7). كما أنه كان يحق لهم الحصور على العشور كلها: “لذلك، خذوا كل بكور الكرمة والمحصور، الماشية والأغنام، وأعطوها للأنبياء…

وبالمثل عندما تفتحوا وعاء خمر أو زيت جديداً خذ باكورته وأعطه للأنبياء. أما فيما يخص الأموال والملابس والممتلكات الأخرى، فافرزوا أولاً جزءً بحسب تقديركم وأعطوه حسب الوصية”. (فصل 13: 3-7). ومن الواضح أن المكانة التي كان الأنبياء يحتلونها كانت رفيعة حتى إنه قد قيل عنهم إنه لا يمكن لأحد أن يحكم عليهم: “أنه (النبي) غير خاضع لحكمكم لأنه يُحكم عليه من قبل الرب” (فصل 11: 11)، بل وإن انتقادهم كان خطيئة ضد الروح القدس: “كل نبي يتكلم بالروح لا تجربوه ولا تدينوه، فكل خطيئة تُغفر، أما هذه فلا يمكن أن تُغفر” (فصل 11: 7).

  1. أعمال البر والعمل الاجتماعي: إن مبادئ أعمال الصدقات والعمل الاجتماعي كما تظهر في الديداخي مثيرة جداً للاهتمام. فبالرغم من أن اعطاء الصدقات هو أمر مستحسن جداً، إلا أن وجوب العمل لأجل كسب العيش هو أيضاً أمر مُشدد عليه.

    فالتصديق على الآخرين مشروط بعدم قدرتهم على العمل: “إذا كان الآتي عابر سبيل فساعدوه بقدر ما تستطيعون، ولكن لا يبق عندكم أكثر من يومين أو ثلاثة إذا اقتضى الأمر، أما إذا نوى أن يسكن بينكم، إن كان صاحب حرفة فليعمل ليعول نفسه؛ وإذا لم تكن له تجارة أو حرفة فتبصروا كيف تعولونه كي لا يحيا تابع المسيح بينكم بلا عمل. فإذا لم يرض بهذا الترتيب فهو متاجر بالمسيح. احذروا مثل هؤلاء” (فصل 12: 2-5 ACW).

  2. الإكليسيولوجيا (الكنسيات): مفهوم “الكنيسة” في الديداخي يحمل معنى “الجامعية” (Universality) ففكرة الكنيسة التي تحتضن العالم كله تتصدر الوعي المسيحي، ذلك لأن كلمة (##) “كنيسة” لا تعني فقط جماعة المؤمنين المجتمعين للصلاة، بل أيضاً الشعب الجديد أو الجنس الجديد من المسيحيين الذين سيجتمعون معاً في ملكوت الله يوماً ما، كما أن السمتين “الواحدة” و”المقدسة” لهما أهمية خاصة.

    ورمز هذه الوحدة هو خبز الإفخارستيا حيث يُصبح العديد من الحبوب خبزاً واحداً، وذلك كما توضح إحدى الصلوات: ” كما كان هذا الخبز المكسور منثوراً فوق التلال وحين جُمع صار واحداً، هكذا فلتجتمع كنيستك من أقاصي الأرض إلى ملكوتك”. (فصل 9: 4) وفي فقرة أخرى نجد الصلاة الآتية: “اذكر يا رب كنيستك: نجها من كل شر، وكملها في محبتك، واجمع تلك المقدسة من الرياح الأربع إلى ملكوتك الذي أعددته لها.” (فصل 10: 5).

  3. الإسخاتولوجيا (الأخرويات): إن البعد الإسخاتولوجي (الأخروي) بارز في الديداخي، وهو يظهر من حين لآخر في الصلوات الإفخارستية: “لتأت النعمة، ولينته العالم”، كما أنه يظهر في الخاتمة الآرامية “ماران آثا” – والتي تعني – “يا رب تعال”. وهو يتخلل الفصل الأخير من العمل بشكل كامل. وقد كان المسيحيون جميعهم يجهلون متى تأتي الساعة، ولكن “الباروسيا” أي مجيء المسيح الثاني كانت بالنسبة لهم قد غدت وشيكة، لذلك يجب على المؤمنين أن يجتمعوا معاً كثيراً ليبحثوا عما هو نافع لنفوسهم.

    هذا ويشير الديداخي إلى العلامات التي سوف تسبق مجيء الرب وقيامة الأموا: سيكثر الأنبياء الكذبة والمنحرفون، ستتحول الحملان إلى ذئاب، وستتبدل المحبة إلى كراهية؛ عندئذ سيظهر مُضل العالم كابن لله وسيعمل آيات وعجائب، وستدفع الأرض ليديه، “وحينئذ، ستجتاز البشرية الامتحان الصعب”، وعلى الرغم من أن كثيرين سيتضايقون ويضلون، ولكن من يتمسكون بإيمانهم سيخلصون، عندئذ سيرى العالم الرب آتياً على السحاب وكل قديسيه معه.

    لذلك ينصح الديداخي المسيحيين قائلاً: “اسهروا على حياتكم؛ يجب ألا تنطفئ مصابيحكم، وألا تنكشف عوراتكم، بل بالعكس، كونوا مستعدين. أنتم لا تعرفون ساعة مجيء ربنا”. (فصل 16: 1).

زمن كتابة الديداخي:

إن السؤال ذا الأهمية القصوى الذي يمكن للمرء أن يطرحه بشأن الديداخي هو: متى كتب هذا العمل؟ ويكشف الفحص النقدي الحديث للنص أن الفصول (1-6) من الديداخي تتشابه إلى حد بعيد مع الفصول (18-20) من رسالة برنابا، ولكن كون هذا التشابه يعبر عن اعتماد حقيقي للديداخي على رسالة برنابا فهذا محل شك كبير. وعلى أية حال، لا يمكن لمثل هذه العلاقة أن تؤكد دون أن تثير الجدل.

وهناك تفسير آخر محتمل؛ بما أن الفقرات محل النقاش – في كل من الديداخي ورسالة برنابا – تتكلم عن “طريقين”، إذاً من الممكن أن يكون كلاهما مديناً لمصدر آخر مشترك. كما أن محاولات ربط الديداخي بكتاب “راعي هرماس” أو “دياتسرون” تاتيانوس لم بؤد إلى نتيجة مؤكدة. ولكن هناك شيء واحد مؤكد، وهو أن الجزء (من1: 3 إلى 2: 1) هو إضافة متأخرة على نص الديداخي، وقد يكون هذا هو الحال أيضاً بالنسبة للفصلين (6، 14).

والديداخي ككل ليس كتاباً متماسك الأجزاء، بل هو بالأحرى تجميع غير متناسق لنصوص كانت موجودة مسبقاً، فهو أكثر قليلاً من مجرد مجموعة من القوانين الكنسية التي كانت مستخدمة لبعض الوقت، ولهذا اكتسب. مع الزمن – قوة القانون الكنسي. وهذا سيفسر لنا أيضاً الكثير من التناقضات الموجودة في الديداخي، فقد فشل المصنف في محاولته للوصول إلى وحدة متماسكة من المادة التي أمامه.

وتساعدنا الأدلة الداخلية أكثر على تحديد الزمن الذي جُمع في الديداخي. ويكشف المحتوى بوضوح أن النص لا يعود للعصر الرسولي، وذلك لأن المشاعر المعادية لليهود تظهر فيه واضحة، كما كانت عملية التخلي عن عادات المجامع اليهودية لا تزال في طريقها. علاوة على ذلك، تفترض مثل هذه المجموعة من القوانين فترة ما من الاستقرار.

وكذلك تشير التفاصيل المتفرقة داخل النص إلى العصر الرسولي لم يكن زمن الكتابة بل كان قد انقضى، فقد أقر الديداخي المعمودية بالسكب (في حال عدم توفر الماء الجاري للتغطيس)، كذلك لما كان الاهتمام بالأنبياء في النظام الديني الجديد قد تراجع، لذا وجب أن يتم التنبيه عليه مرة أخرى.

لكن ومن ناحية أخرى، هناك الكثير من الخصائص تشير إلى أصله القريب من العصر الرسولي: فالليتورجية الموصوفة في الفصول (7-10) بسيطة إلى أبعد حد؛ ولا تزال المعمودية في الماء الجاري، أي في الأنهار، هي القاعدة السائدة..

أما المعمودية بالسكب فكان يُسمح بها على سبيل الاستثناء فقط، بل وأكثر من هذا، لا توجد أية آثار تشير إلى وجود صيغة موحدة لقانون الإيمان أو قانون العهد الجديد؛ ولا يزال الأنبياء يقيمون الإفخارستيا، كما أنه كان من الضروري التشديد على أن خدام الليتورجيا الفعليين، الأساقفة والشمامسة، لهم نفس الكرامة والاحترام من قبل المؤمنين.

كل هذه الحقائق تساعد في إثبات أن الديداخي كُتب بين (100م – 150م)، وأغلب الظن أنه كُتب في سوريا.

ولقد منح الديداخي اهتماماً وتوقيراً كبيراً في العصور المسيحية المبكرة حتى إن كثيرين كانوا يحسبونه مماثلاً في أهميته لأسفار العهد الجديد. ولهذا السبب كان يوسابيوس (Euseb. Hist. Eccles 3: 25: 4)، وأثناسيوس (Ep. Fest. 39)، وروفينوس (Comm in Symb. 38)، يرون أنه من الضروري التأكيد على أن الديداخي ليس له صفة قانونية، ولذا يجب أن  يُعد من ضمن الكتب الأبوكريفية[4].

ولقد عمل الديداخي كنموذج لكتابات ليتورجية وقوانين كنسية لاحقة، منها على سبيل المثال: الدسقولية السريانية والتقليد الرسولي لييبوليتس الروماني والمراسم الرسولية، وقد كانت تُستخدم لتعليم الموعوظين كما يخبرنا أثناسيوس.

كيف وصل نص الديداخي إلينا؟

فيما يلي النسخ المرجعية لنص الديداخي:

أولاً: النصوص اليونانية:

  1. المخطوطة الأورشليمية (The Codex Hierosolymitanus) المملوكة للبطريركية اليونانية في أورشليم، والتي كانت قبلاً محفوظة في مكتبة نزل كنيسة القبر المقدس في القسطنطينية. ولقد نُسخت تلك المخطوطة عام 1056م بواسطة “ليو” كاتب العدل (Notary)، ووضع فيها نص الديداخي بعد رسائل برنابا وكليمندس وقبل رسائل اغناطيوس.

  2. حُفظ النص اليوناني الخاص بالفصول (1: 3-4؛ 2: 7-3: 2) في مخطوطات أوكسيرينيخوس (Oxyrhynchos) التي تعود إلى القرن الرابع الميلادي.
  3. ضُمنت الفصول (1-6) من الديداخي في الفصول (18-20) من رسالة برنابا.

  4. تحتوي قوانين الرسل المجمعة في مصر في القرن الرابع الميلادي على الفصول (1: 1-3؛ و2: 2-4، 8). كما يحتوي الكتاب السابع من المراسم الرسولية المكتوبة في سوريا في القرن الرابع الميلادي، على النص اليوناني الكامل الخاص بالديداخي تقريباً.

ثانياً: النصوص اللاتينية:

حُفظت لدينا شذرتان من ترجمة لاتينية قديمة لا بد وأنها قد أُنجزت في القرن الثالث الميلادي، أقصرهما من مخطوطة جاءت من مدينة ميلك (Melk)، وتعود إلى القرن التاسع أو العاشر الميلادي، وهي تحتوي على الفصول (1: 1-3؛ 2: 2-6) من الديداخي. أما الشذرة الأخرى فقد وجدت في مخطوطة ميونخ (God. Monoac. Lat. 6264) وتعود إلى القرن الحادي عشر، وتتضمن الفصول (1: 1-2؛ 2: 2-6: 1).

ولقد اكتشفت حديثاً جزء كبير من الديداخي (الفصول 10: 3ب – 12: 2أ) في ترجمة قبطية تعود إلى القرن الخامس في البردية رقم (927) بالمتحف البريطاني. ووفقاً لهذه الشذرة القبطية كان هذا الجزء من الديداخي بمثابة صلاة تتلى على زيت المسحة (##) بعد صلاة الإفخارستية، وكان هذا الزيت غالباً هو الميرون المستخدم في تتميم سريّ المعمودية والتثبيت.

وبالإضافة للمخطوطات سابقة الذكر نملك شذرات من ترجمات سريانية وعربية وأثيوبية وجورجية.

 

[1] ويعطينا هذا الموضوع فكرة عن مدى قدم الصيغة الثالوثية المستخدمة في المعمودية حتى الآن في كنيستنا القبطية (قانون إيمان دير البلايزه”: “أؤمن بإله واحد، الله الآب ضابط الكل، وابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا، والروح القدس المحيي، وقيامة الجسد، والكنيسة الواحدة الوحيدة المقدسة الجامعة الرسولية، أمين” (المترجم)

[2] هنا السكب جاء كحالة استثنائية عندما لا يوجد ماء كاف للتغطيس، لأن المعمودية هي سر موت ودفن الطبيعة القديمة مع المسيح، والقيامة مع بالطبيعة الجديدة المؤهلة لسكنى الروح القدس. (المراجع)

[3] نستطيع أن نلمح بوضوح مدى تطابق هذه الطقوس والتقاليد السحيقة مع ما تمارسه كنيستنا القبطية حتى يومنا هذا. (المترجم)

[4] أي ليس من الأسفار المقدسة القانونية.

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

الديداخي – The Didache or Teaching of the Apostles

الديداخي – مقدمة

̀Αποστόλων ΙΒ̀ των Διδαχή

The Didache or Teaching of the Apostles

الديداخي :أي تعاليم الرب للأمم بواسطة الاثنى عشر رسولاً. اكتشفت هذه الوثيقة في مخطوط يوناني وحيد عام 1871 ميلادية . ويعود تاريخ تدوينها إلى نهاية القرن الأول الميلادي أو بداية الثاني .
محتوياتها :
تحتوي الديداخي على ستة عشر فصلاً هيَّ :
(أ) فصل (1-6) : السلوك المسيحي – تحت عنوان رئيسي : ( الطريقان )
(ب) فصل (7-10) : وهو القسم الليتورجي أو الطقسي وشمل الحديث عن المعمودية ( ف 7) ، والصوم والصلاة ( ف 8 ) ، وليمة الأغابي وكسر الخبز ( ف 9 ، 10 )
(ج) فصل (11-15) : الرتب الكنسية .
(د) فصل (16) انتظار مجيء الرب .
والديداكي مرجع كنسي هام لفهم أصول التقليد الكنسي وطقوس الكنيسة

المراجع /
1- سلسلة مصادر طقوس الكنيسة ( 1/1 ) الديداخي أي تعاليم الرسل
الكاتب : أثناسيوس ( راهب من الكنيسة القبطية )
2- سلسلة النصوص الليتورجية (1) أقدم النصوص المسيحية
تعريب الأبوين جورج نصور ويوحنا ثابت 1975
( رابطة الدراسات اللاهوتية في الشرق الأوسط A. T. E. N. E. )

__________________________

تعليم الرسل الاثنى عشر
تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثنى عشر
(1) الطريقان

1- يوجد طريقان ، واحد للحياة ، وواحد للموت ، والفرق بين الطريقين عظيم .
2- أما طريق الحياة فهو ، أولاً أن تحب الله خالقك ، وثانياً أن تحب قريبك مثلما تحب نفسك (1) ، وكل ما لا تريد أن يُفعل بك ، لا تفعله أنت أيضاً بآخر . (2)
3- إن تعليم هذه الأقوال هو : باركوا لاعنيكم وصلوا من أجل أعدائكم ، صوموا لأجل مضطهديكم ، لأنه أي فضل لكم إن أحببتم الذين يحبونكم ؟ أليس أن الأمم تعمل هكذا ؟ أما أنتم فأحبوا مبغضيكم فلا يكون لكم أعداء . (3)
4- امتنعوا عن الشهوات الجسدية واللحمية (4) . من لطمك على خدك اليمن فحول له الآخر (5) فتكون كاملاً (6) . ومن سخرك ميلاً واحداً فامشي معه اثنين (7) . إن أخذ واحد ثوبك فأعطه ردائك أيضاً (8) . وأن أخذ الذي لك فلا تطالبه به .
5- كل من سالك فأعطه ، ولا تطالبه (9) ، لأن الآب يريد أن يعطي الجميع من نعمه . طوبى لمن يعطي حسب الوصية ، فإنه يكون بلا لوم . والويل لمن يأخذ ، لأنه إن كان أحد يأخذ وله احتياج سيكون بريئاً ، أما الذي ليس له احتياج فسيعطي حساباً لأي سبب أخذ ولأي غرض ، وسيكون في ضيق ، ويؤلَّم بسبب ما عمله . ولن يخرج من هناك حتى يوفي الفلس الأخير .(10)
6- وبخصوص هذا فقد قيل : لتعرق صدقتك في يدك حتى تعرف لمن تعطيها .
_________
(1) مت 22: 37 – 39 + تثنية 6: 5
(2) مت 7: 12 + طوبيا 4: 17
(3) مت 5: 44 – 47 + لوقا 6: 27 – 32
(4) 1بط 2: 11
(5) مت 5: 39 + لو 6: 29
(6) مت 5: 48
(7) مت 5: 41
(8) مت 5: 40
(9) مت 5: 42 + لو 6: 30
(10) مت 5: 26

————————————————————————————-

تعليم الرسل الاثنى عشر
تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثنى عشر
(2) الوصية الثانية

1- الوصية الثانية في التعليم
2- لا تقتل، لا تزن (1)، لا تفسد ( تشكك ) الصبيان ( الغلمان )، لا ترتكب الفحشاء، لا تسرق (2)، لا تمارس السحر، لا تسمم أحد، لا تقتل جنيناً في البطن، ولا تقتل طفلاً مولوداً. لا تشته ما للقريب ( لا تشتهي مقتنى قريبك ) (3) .
3- لا تحنث ( بوعدك ) (4)، لا تشهد بالزور (5)، لا تنم ( لا تكن صاحب نميمة )، ولا تتذكر ما لحق بك من الإهانة ( لا تحفظ الضغينة لأحد ) .
4- لا تكن ذا رأيين ( لا تسلك طريقين متعارضين في وقت واحد ) ولا لسانين، لأن اللسان المزدوج هو فخ الموت. (6)
5- لا يكن كلامك كذباً ولا باطلاً، بل ممتلئاً عملاً ( بل ليكن كلاماً جاداً مستقيماً ) .
6- لا تكن طماعاً ولا خاطفاً ولا مرائياً ولا شريراً ولا متكبراً، ولا تنوي شراً ضد قريبك .
7- لا تبغض أحداً بل وبخ بعضاً وصلي للبعض الآخر ، وأحبب البعض أكثر من نفسك ( أكثر من حياتك الزمنية ) .

_____________

(1) خر20: 13 – 14+ تث5: 17 – 18 + مت19: 18
(2) خر20: 15 + تث5: 9 + مت19: 18
(3) خر20: 17
(4) مت5: 33
(5) مت19: 18 + خر20: 16
(6) أم2: 6

——————————————————————————-

تعليم الرسل الاثنى عشر
تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثنى عشر
(3) أهرب من كل شر

1- يا بُني، أهرب من كل شر ومن كل ما يشبهه ( وعن كافة أسبابه ) .
2- لا تكن غضوباً ( لا تندفع نحو الغضب )، فالغضب يقود إلى القتل، ولا تكن حسوداً ولا مخاصماً ولا شرساً ( ولا تمل إلى الشغب ولا تستعمل العنف )، لأن من كل هذه يتولد القتل.
3- يا بُني، لا تشته، لأن الشهوة تقود إلى الزنا، ولاتكن قبيح الكلام ولا متعالي العين ( أمتنع عن النظرات الوقحة )، لأنه من كل هذه تتولد أنواع الزنا .
4- يا بُني، لا تكن متفائلاً بالطير ( لا تستبشر بالطير )، لأن ذلك يقود لعبادة الأوثان، ولا تكن راقياً ولا منجماً ( لا تستند إلى التعاويذ ولا تعتمد على حساب الأفلاك )، ولا تمارس عادات التطهير ( السحرية ) الوثنية ولا ترغب ( أرفض ) أن تنظرها أو تسمعها، لأن من هذه كلها تتولد عبادة الأوثان .
5- يا بُني، لا تكذب، لأن الكذب يقود إلى السرقة، ولا تكن محباً للمال ( ولا تطمع في مال غيرك ) ولا للمجد الباطل، لأن من هذه جميعها تتولد السرقات.
6- يا بُني، لا تكن متذمراً، لأن التذمر يقود إلى التجديف، ولا تكن وقح الطبع، ولا سيء الظن ( القصد )، لأن من هذه جميعها تتولد التجاديف .
7- كن وديعاً، إذ لأن الودعاء يرثون الأرض. (1)
8- كن طويل الأناة ورحيماً، ومسالماً وهادئاً وصالحاً، واحترم التعليم الذي تتلقاه (2)
9- لا ترفع ذاتك ( لا تتعالى )، ولا تزهو بنفسك، لا تعاشر ( لا تخالط ) المتكبرين، بل ليكن ترددك على الأبرار والمتواضعين.
10- تقبل كل ما يحدث لك على أنه خيراً لك، عالماً أنه لا يحدث شيء بدون الله .

_______
(1) مز37: 11 + مت5: 5
(2) إش66: 2

————————————

تعليم الرسل الاثنى عشر
تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثنى عشر
(4) أذكر من يكلمك بكلام الله

1- يا بني ، أذكر ليلاً ونهاراً من يكلمك ( يعظك ) بكلام الله . أكرمه كما يليق به من إكرام ، لأن الرب قريب منه دائماً .
2- اجتهد كل يوم في طلب لقاء القديسين لترتاح بكلماتهم ( إنك تجد في أقوالهم تعزية وطمأنينة ) .
3- لا تسبب انشقاقا ( لا تنشر الفرقة بين الآخرين ) ، لكن وطد السلام بين المتخاصمين . أحكم بعدل ولا تحابي الوجوه ( بلا تمييز ) في التوبيخ على الزلات .
4- لا تكن مرتاباً هل يكون الأمر أم لا ؟ ( أعتمد على الله فيما سوف يحدث )
5- لا تبسط يدك عند الأخذ وتقبضها عند العطاء .
6- أعط مما تملك من تعب ( عمل ) يدك ، ذلك يعتقك من خطاياك .
7- لا تتردد في العطاء ، وإذا أعطيت لا تتذمر ( لا تندم ) ، لأنك ستعلم من هو المكافئ الصالح .
8- لا ترد ( لا تنتهر ) المحتاج ، وأشرك أخاك في كل ما هو لك (1) ، ولا تقل عن شيء أنه خاص بك ، أنه أن كنتم شركاء فيما هو أبدي ، فكم بالحري فيما هو فان. ( أنك قبلت المشاركة في الخيرات التي لا تفنى فكيف بك لا تشارك الغير في خيرات فانية ) ؟ (2)
9- لا ترفع يدك عن ( لا تهمل أمر ) ابنك أو ابنتك ، بل علّم منذ الحداثة ( الطفولة ) مخافة الله .
10- لا تنتهر بمرارة عبدك أو أمتك اللذين يترجيان نفس الإله ، لئلا يفقدا مخافة الله ، (3) لأنه لم يأت ليدعو بحسب الوجوه بل من هيأهم الروح .
11- أما أنتم أيها العبيد أطيعوا سادتكم كمثل الرب في توقير وخوف .(4)
12- أبغض كل رياء وكل ما لا يُرضي الرب .
13- لا تترك ( لا تستخف ) وصايا الرب ، بل احفظ ما تسلمته بدون زيادة ولا نقص . ( بل احفظها كما تلقيتها دون أن تضيف إليها أو تنقص منها ) (5)
14 اعترف بزلاتك في الكنيسة ، ولا تقرب صلاتك بضمير شرير ( مثقل الضمير ). (6)
هذا هو طريق الحياة .

_________
(1) أع4: 38
(2) رو15: 27
(3) أف6: 9
(4) أف6: 5
(5) تث4: 2 + تث12: 32
(6) مز32: 1-5 + مز 41: 5 + مز 51


——————————————————————————

تعليم الرسل الاثنى عشر
تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثنى عشر
(5) هذا هو طريق الموت ، طريق يجتمع فيه أهل الشرّ

1 – هذا هو طريق الموت ، قبل كل شيء إنه شرير ( طريق معوج تنبعث منه المساوئ ) ، مليء باللعنة (1) وأنواع القتل والزنا والشهوات (2) ، والفجور والسرقة ، وعبادة الأوثان والسَّحْر ، والتسميم ( تسميم الآخرين ) ، والخطف ، وشهادة الزور (3) ، والرياء ، والنفاق ، والغش ، والكبرياء ، والخبث ، ( الإساءة إلى الغير ) ، والعجرفة ، والطمع (4) ، والكلام البطَّال ، والحسد ، ( الجشع ) ، والوقاحة ( قبيح الكلام ) ، والتعالي (5) ، والمباهاة (6) ، ( الافتخار ) ، وعدم المخافة (7) .

2 – ( أنه طريق يجتمع فيه أهل الشرّ ) مضطهدو الصالحين ( مضطهدو فاعلي الخير ) ، كارهو الحق ( أعداء الحق ) ، محبُّو الكذب ، منكرون البرّ ( جاهلو مجازاة البرّ ) (8) ، غير الملتصقين بالصلاح ولا الحكم العادل ( المجانبون الحكم العادل المسارعون لإتيان الشرّ ) ، السَّاهرون ليس من أجل الخير بل الشَّر (9) ، المبتعدون عن الوداعة والصَّبر ، ( مبغضو الوداعة ) ، محبو الأباطيل (10) ، مضطهدو المجازاة ، الذين لا يرحمون الفقير ، ولا يتألمون مع المتألمين (11) ، غير العارفين خالقهم ، قاتلوا الأطفال ، مفسدو خليقة الله ، المعرضون عن المحتاج ( من لا ينفقوا على الفقير ) ، مقلقو المنكوب ، المحامون عن الأغنياء ، القاضون ظلماً على البائسين ( من يثقلون على المظلوم بما لا طاقة له عليه ) (12) ، المرتكبون كل أنواع الخطايا (13) ، ليتكم تنجون أيها الأبناء من هذه جميعها .

_______________
(1) أنظر رومية 1: 29
(2) التي بخلاف الناموس έπθυμίαι παράνομοι
(3) مت 15: 19 – غلاطية 5: 20
(4) أنواع الطمع والجشع والبُخل = πλεονεξία
(5) رومية 1: 29 – كولوسي 3: 8
(6) التباهي بالقوة .
(7) أي الجسارة – عدم مخافة الله .
(8) الكارهون عمل الخير (رومية 12: 9 )
(9) يسهرون لا بخوف الله بل يحيكون ( يدبرون ويخططون ) الشرّ لأجل الآخرين .
(10) مزمور 4: 3
(11) لا يهتمون بالأرامل والفقراء ، ويركضون وراء المكافئة .
(12) محتقرو البائسين .

(13) مملوءين إثماً full of sin – πανθαμάρτητοι – من كل جهة خاطئون


———————————————————————————————

تعليم الرسل الاثنى عشر
تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثنى عشر
(6) نهاية الطريقان – خاتمة للوصايا وخلاصة التعليم


1 – أحذر ألاَّ يضلّك أحد عن طريق هذا التعليم ( أو العقيدة ) (1) ، فإنه بذلك يُعلّمك فيما لا يَخُص الله ( يُعلمك ما هو مخالف لإرادة الله ) .
2 – إذا استطعت أن تحمل كل نير الرَّب (2) ، تكون كاملاً ، أما إذا لم تستطع فافعل ما تقدر عليه ( ما هو في قدرتك ) .
3 – (3) أما بخصوص الطعام ( خذ منه ما أنت بحاجة إليه ) ، فاحتمل ما تقدر عليه ( من صوم ) (4) ، وتجنَّب جداً ما ذُبِحَ للأوثان (5) ، لأنها عبادة آلهة مائتة (6) ( فلا يَحسُن أن تُشارك في عبادات الوثنيين ) .

_____________
(1) رسالة بطرس الثانية 2: 15 – متى 24: 4
(2) متى 11: 29 و 30
(3) هذا التعليم موجه على الأخص إلى الأممييين الذين تحولوا من الوثنية إلى المسيحية ( راجع ديداخي 2: 2 )
(4) هنا وفي المراسيم الرسولية ( التي سوف نكتبها فيما بعد ) ، كتبت هذا ضد بدعة قهر الجسد لخلاص النفس asceticism وهي تتفق مع تعاليم القديس بولس الرسول .
(5) أعمال الرسل 15: 20 و29 – كورنثوس الأولى 8: 4 + 10 : 18 – الخ … ( وقارن مع المراسيم الرسولية 7: 21
(6) توصف دائماً الآلهة الوثنيَّة في التقليد اليهودي والتقليد المسيحي بأنها آلهة مائتة

—————————————————————————–

تعليم الرسل الاثنى عشر
تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثنى عشر
(7) القسم الليتورجي ( الفصول من 7 – 10 )
الفصل 7 – المعمودية

1 – أمَّا بشأن العِماد ، فعمَّدوا هكذا : بعدما سبقنا فقلناه (1) ، عمَّدوا باسم الآب والابن والرُّوح القدس (2) ، بماءٍ جارٍ (حي) (3) .
2 – وإن لم يكن لك ماءٍ جارٍ ، فعمَّد بماء آخر ، وإن لم يُمكنك بماءٍ بارد فبماءٍ ساخن .
3 – وإن لم يكن لديك كِلاهما (4) ، فاسكب ماءً (5) على الرأس ثلاث مرات (6) باسم الآب والابن والروح القدس .
4 – قبل المعموديَّة ، ليصُم المُعمِّد (7) والذي يعتمد ومن يُمكنه ( ذلك ) من الآخرين . وأوصِ (8) الذي يعتمد ، أن يصوم يوماً أو يومين قبل المعمودية (9) .

_______________
(1) هنا إشارة إلى ارتباط هذا القسم الليتورجي بما سبق من تعليم في الجزء المُسمى ” الطريقان ” ، والذي يحوي تعليماً للموعوظين المقبلين على المعمودية .
(2) صيغة المعمودية كانت تُستخدم باسم الثالوث القدوس ( مت28: 19) ، وكانت تُستخدم في تعميد المنحدرين من أصل وثني ، أما أولئك الذين من أصل يهودي فقد كانت تتم المعمودية لهم باسم يسوع فقط وهذا ما نجده عند القديس يوستينوس الشهيد Apol. 1,61 , 3 :10 :3 , Dial. 39:2 – وكما سنرى في ديداخي الفصل التاسع
(3) المعمودية كانت تتم قديماً بماءٍ جارٍ كما يقول كليمنت ( ps. Clement, Diamart.1 ) : [ قائداً إياه ( أي الذي سيعتمد ) إلى نهر أو نبع حيث ماءٍ حي ، هناك يكون الميلاد الثاني ( الجديد ) للأبرار ] ، والماء الحي Living water هو الماء الجاري running water في النصوص الليتورجية

(4) وإن لم يكن لديك ما يكفي من كليهما – فالمعمودية كما هي معروفة منذ القرون الأولى هي بالتغطيس في الماء ، ويتكلم هنا عن إن لم يكن هناك ماء كاف للمعمودية بالتغطيس .
(5) هنا المعمودية بالسكب على الرأس في حالة عدم توفر الماء
(6) السكب ثلاثة مرات على الرأس كما كانت المعمودية بالتغطيس في الماء ثلاثة مرات باسم الثالوث القدوس
(7) كان في الأصل الأسقف هو الذي يُعمد ولم تذكر الديداخي من هو الذي يُعمَّد ، ولكن نجد أول إشارة لذلك عند القديس إغناطيوس الشهيد قائلاً :
[ حيث يكون الأسقف هناك يجب أن تكون الرَّعية كما أنه حيث يكون المسيح ، هناك تكون الكنيسة الجامعة . بدون الأسقف لا يجوز العماد ولا ولائم المحبة ] ( الرسالة إلى سميرنا 8: 2 )
(8) الأمر أوصِ = κελεύεις ، هو فعل أمر للمخاطب المفرد غير محدد ، بمعنى أنه مقدم كأمر لشخص ما ( الذي يعتمد )
(9) هذا من طقس الاستعداد للمعمودية

———————————————————————-

تعليم الرسل الاثنى عشر
تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثنى عشر
(8) القسم الليتورجي ( الفصول من 7 – 10 )
الفصل 8 – الصَّلاة والصوَّم


1 – لا تقيموا أصوامكم مع (أو ك) المرائين (1) ، فإنهم يصومون في اليوم الثاني والخامس من الأسبوع (2) ، أما أنتم فصوموا اليوم الرَّابع ويوم الاستعداد (3) .
2 – ولا تصلُّوا كالمرائين ، بل كما أمر الرَّب ( كما علمنا الرب ) في إنجيله ( الإنجيل ) (4) ، فصلوا هكذا :
أبانا الذي في السَّماء ، ليتقدس أسمك . ليأتِ ملكوتك . لتكن مشيئتك . كما في السماء ، كذلك على الأرض . خبزنا الذي للغَد (5) ، أعطنا اليوم . واترك لنا ما علينا ( خطايانا ) ، كما نترك نحن أيضاً لمن لنا عليهم . ولا تدخلنا في تجربة ، لكن نجنا من الشَّرير (6) . لأن لك القوَّة والمجد إلى الآباد .
3 – هكذا تصلُّون ثلاثة مرَّات في اليوم (7) .

____________
(1) أنظر مت 6: 16
(2) أي يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع كما يفعل اليهود .
(3) يوم الاستعداد παρασκευήν – يوم الجمعة – أي اليوم السابق للسَّبت اليهودي كما ورد في مت27: 62 – الخ ، ولقد استمر هذا التَّعبير لبعض الوقت في الكتابات المسيحية المبكرة ، ليُشير ليوم الجمعة ، وقد ذكرت المراسيم الرسولية سبب صوم يومي الأربعاء والجمعة ، أنهما يومي الخيانة والدَّفن للرَّب ( وطبعاً هذا المصطلح قد ذُكر في الإنجيل حينما كان الرب معلَّق على عود الصليب ، وهنا تتضح الإشارة لصلب ربنا يسوع يوم الجمعة ، منافياً للدراسات العجيبة والملفقة على أن ربنا يسوع لم يُصلب يوم الجمعة كما هو معروف منذ القرن الأول إلى اليوم ) .
(4) مت 6: 5 ، 9 – 13
(5) الذي للغد – τόν έπιούσιον – الضروري – الكافي – الجوهري
(6) مت 6: 9 – 13 ، لوقا 11: 2 – 4
(7) أنظر : دانيال 6: 10 + مزمور 55: 17 + وقارن مع أعمال 3: 1 ، أعمال 10: 9 – وهذا ما يُطابق التَّقليد اليهودي .

————————————————————————————-

تعليم الرسل الأثنى عشر
تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الأثنى عشر
(9) القسم الليتورجي ( الفصول من 7 – 10 )
الفصل 9 – ما يختص بالإفخارستيا


1 – فيما يختص بالإفخارستيا (1) ، أشكروا هكذا :
2 – أولاً على (بخصوص) الكأس (2) ؛ نشكرك يا أبانا لأجل ( من أجل الكرمة المقدسة ) كرمة داود فتاك المقدَّسة (3) ، التي عرَّفتنا (4) إيَّاها بواسطة يسوع فتاك (5) ، لك المجد إلى الآباد .
3 – أما بخصوص كسر (6) الخبز ؛ نشكرك يا أبانا من أجل الحياة والمعرفة التي أظهرتها لنا بواسطة يسوع فتاك ، لك المجد إلى الآباد .
4 – كما كان هذا الخبز المكسور ، منثوراً فوق الجبال ، ثم جُمع فصار واحداً ( خبزاً واحداً ) ، هكذا أجمع كنيستك من أقاصي الأرض إلى ملكوتك (7) ، لأن لك المجد والقدرة بيسوع المسيح إلى الآباد .
5 – لا يأكل أحد ولا يشرب من إفخارستيَّتكم غير المعتمدين (فقط ) باسم الرب ، لأن الرب قال بخصوص هذا : لا تعطوا القُدس للكلاب (8) .


____________

(1) الشكر = εύχαριστας ، ويظهر هنا الملامح الأولية للطقس في الإفخارستيا ، مع أن الصلوات التي ذكرت في هذا الفصل والفصل الذي يليه من الديداخي ، لم يُذكر سوى جزء منها في المراسيم الرسولية ، وربما يكون السبب في الترتيب المختلف للسرّ عندما ذُكر الكأس قبل الخبز ، وهو ما لا يتوافق مع نص الأناجيل وجميع الليتورجيَّات الأخرى (( أنظر التعليق رقم (2) ))
(2) البداية بالبركة على الكأس تتوافق في ذلك مع التقليد اليهودي ( أنظر التلمود البابلي ) . فبعد صلوات البركة التي تُقال على الكأس وعلى الخمر ، فالإنسان يأكل أولاً ثم يشرب من الخمر ثانياً ( أنظر ديداخي 9: 5 ، 10: 3 )
(3) أنظر مت26: 29 ، مرقس 14: 25 ، يوحنا 15: 1 ، ولقد كانت هذه الصيغة التقليدية التي تُقال في وليمة الفصح .
(4) وهنا يظهر التفسير المسيحي الأصيل الذي عرَّفنا بما كانت تُشير إليه الأسفار المقدسة .
(5) فتى – غلام – حبيب = του παιδός σου
(6) كسر – κατέκλαεν – الخبز أو الخبز المكسور هو تعبير يُقال دائماً على خبز الإفخارستيا ، وهو تعبير يتكرر كثيراً في كل النصوص التي تصف مباركة الخبز ، وهو تعبير غير موجود في المراسيم الرسولية ، أنظر : مرقس 6: 43 ؛ 8: 8 ؛ 19: 20 ؛ متى 14: 20 ؛ 15: 37 ؛ لوقا 9: 17 ؛ يوحنا 12: 13
(7) هو ربط قائم على أساس الوحدة ، فكما أن الخبزة الواحدة تجمعت من قمح كثير ، هكذا اجتماع المؤمنين في الوحدة في المسيح له المجد ، ككنيسة واحدة غير منقسمة ، ويقول القديس إغناطيوس ( من الآباء الرسوليون ) في رسالته إلى أفسس (20: 2) : [ فإذا كنتم جميعكم تجتمعون كواحد ، متشددين بنعمته ، وبالإيمان الواحد بيسوع المسيح ابن داود حسب الجسد ، ابن الإنسان وابن الله ، فإنكم متَّحدون قلبياً بطاعة غير متزعزعة للأسقف وللكهنة ، تكسرون الخبزة الواحدة التي هي دواء الخلود ، تقدمة مُعَدَّة ليحفظنا من الموت وتؤمَّن لنا الحياة الدَّائمة في المسيح ]
(8) مت7: 6 ( وطبعاً كلمة الكلاب ما هي إلأ صف لرجاسات وعادات الذين يعبدون الأوثان ويقدمون أقبح الممارسات مع تقديم الذبائح البشرية وغيرها من فظائع الأمم الوثنية والتي يرفضها الله تماماً وكل من يؤمن به ويتقيه ، بل والإنسانية السوية ترفضها وبشدة )

——————————————————————————

تعليم الرسل الأثنى عشر
تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الأثنى عشر
(10) القسم الليتورجي ( الفصول من 7 – 10 )
الفصل 10 – صلوات شكر بعد الأكل

1 – بعد أن تمتلئوا (1) أشكروا هكذا
2 – نشكرك أيها الآب القدوس ، من أجل اسمك القدوس الذي أسكنته (2) في قلوبنا (3) . ومن أجل المعرفة والإيمان والخلود التي عرّفتنا بها ( منحتنا إياها ) بواسطة يسوع فتاك . لك المجد إلى أبد الدهور ( إلى الآباد ) .
3 – أيها السيد الكلي القدرة (4) ، خلقت كل الأشياء لأجل اسمك ، ومنحت الناس ( بني البشر ) طعاماً وشراباً ليتمتعوا بهما لكي يشكروك . أما نحن فمنحتنا ( أعطيتنا ) طعاماً وشراباً روحيَّين (5) ، وحياة أبدية بواسطة ( يسوع ) فتاك .
4 – نشكرك من أجل كل شيء ، لأنك قدير . لك المجد إلى الأبد آمين .
5 – أذكر يا رب كنيستك ( المقدسة هذه ) لكي تنجيها من كل شر وتُكملها ( أجعلها كاملة ) في محبتك . اجمعها ( أجمع كنيستك المقدسة ) من الرياح الأربع إلى ملكوتك (6) الذي أعددته لها . لأن لك المجد إلى الآباد .
6 – ليأتِ الرب ، وليمضي هذا العالم . أوصنَّا ( = هوشعنا = خلصنا ) لابن داود (7) . من كان طاهراً فليتقدم (8) ومن لم يكن كذلك فليتب . ( ماران آثا ) (9) الرب يأتي آمين .
7 – أما الأنبياء فدعوهم يشكرون بقدر ما يريدون (10)

____________________

(1) تُشير إلى وليمة الأغابي . والأكل حتى الشبع يظهر كصيغة كتابية في أسفار العهد القديم لكي يصف لنا مقدار السعادة بثمار أرض الموعد ، أما في المراسيم الرسولية – كما سنراها فيما بعد – فتوازيها كلمة ( بعد أن تتناولوا = τήν μετάληψην ) مما يُشير إلى خدمة إفخارستيا أعقبت الأغابي ( أي وليمة المحبة ) أنظر ( 1كو 11: 20 – 22 و 2 ) ، وهذا ما كان سائداً في العصور الأولى .
(2) عن الفعل اليوناني σκηνόω = يسكن ، ففي أسفار العهد القديم نعرف أنه حيث يسكن اسم الله القدوس يسكن هناك الله ( إرميا 7: 12 ، نحميا 1: 9 )
(3) صيغة هذا الشكر تذكرنا بالبركة اليهودية التي يُذكر فيها هيكل أورشليم التي تقول : ” اسمك الذي دُعيَّ على هذا البيت المقدس ” ، والديداخي هنا تجعل من قلب الإنسان المسيحي الهيكل الروحي الذي يسكن اسم الله فيه ( دانيال 9: 24 ) ، وهذا بالطبع مستمد من أنجيل يوحنا [ والكلمة صار جسداً وحلَّ ( بيننا ) فينا ] وكلام القديس بولس الرسول ” أما تعلمون إنكم هيكل الله و روح الله يسكن فيكم ” (1كو 3 : 16) – ” فإنكم انتم هيكل الله الحي كما قال الله إني ساسكن فيهم و أسير بينهم و أكون لهم إلهاً و هم يكونون لي شعبا ” (2كو 6 : 16)
(4) ضابط الكل = παντοκράτωρ ؛ وهكذا تُرجمت في كل نصوص الصلوات الكنسية ، وهو اصطلاح يتكرر كثيراً في الترجمة السبعينية .
(5) الإشارة هنا بكل وضوح ، هي عن سرّ الإفخارستيا وهو نفس ما نقرأه في قوانين الرسل ( 1: 10 )
(6) تأتي هذه الصلاة اعتماداً على الصلاة الربانية = ليأتِ ملكوتك ، وأيضاً الرياح الأربع تأتي في ( مت 24: 31 )
(7) أنظر متى 21 : 9 و 15
(8) من كان قديساً أو من كان مقدساً ؛ ولكن ترجمت هذه العبارة إلى من كان طاهراً على نفس نهج الليتورجية القبطية ، عندما تستخدم كلمة ” الطهارة ” مقابلاً لكلمة ” القداسة ” ومترادفاتها ، مثلما نقول في القداس الإلهي : [ أجعلنا مستحقين … أن نتناول … طهارة لنفوسنا وأجسادنا وأرواحنا ] في مقابل التعبير [ تقديساً لنفوسنا وأجسادنا وأرواحنا ] ويقابلها النص اليوناني [ صيرنا قديسين بروحك القدوس ] . وظلت الليتورجية تردد حتى اليوم ” القدسات للقديسين ” إذ ظل النطق يونانياً رغم تدوينه بحروف قبطية .
(9) أنظر ( 1كو 16: 22 ) μαραναθά وهو تعبير آرامي يعني ” تعالى يا ربنا ” أما هنا استخدم التعبير μαράν άθά ( ماران آثا ) أي ” الرب يأتي ”
(10) في الكنيسة الأولى تمتع الأنبياء ( أي المؤمنين الذين لهم موهبة النبوة من الله ) بميزة الصلوات الليتورجية الحرة كما يشاءون ، وهي الميزة التي تمتع بها الأساقفة بعد ذلك لبعض الوقت ، وهناك نص مقابل في المراسيم الرسولية ( 7: 26 : 6 ) حل فيه القسوس محل الأنبياء في تكميل الصلوات الليتورجية ، ولكن لم يكن لهم الحق في التصرف في الليتورجية كما يريدون على سجيتهم ، فتقول المراسيم الرسولية [ أسمحوا أيضاً لكهنتكم أن يشكروا ] دون أن يقولوا كيفما شاءوا .

 

Exit mobile version