هل أساء كليمندس الإسكندري إلى المرأة؟ قراءة نقدية في مواقفه اللاهوتية والأخلاقية – ترجمة ودراسة Patricia Michael

هل أساء كليمندس الإسكندري إلى المرأة؟ قراءة نقدية في مواقفه اللاهوتية والأخلاقية – ترجمة ودراسة Patricia Michael

هل أساء كليمندس الإسكندري إلى المرأة؟ قراءة نقدية في مواقفه اللاهوتية والأخلاقية – ترجمة ودراسة Patricia Michael

مقدمة

انتشر بين بعض النقّاد قول يُنسب إلى كليمندس الإسكندري، الفيلسوف واللاهوتي المسيحي من القرن الثاني الميلادي مفاده:

«كل امرأة يجب أن تشعر بالخزي لمجرّد كونها امرأة» ( “Every woman ought to be filled with shame at the thought that she is a woman.”)

تُعدّ هذه العبارة من أكثر الاقتباسات تداولًا في سياق الانتقادات الموجّهة إلى التراث المسيحي فيما يتعلق بالمرأة ومكانتها.

تهدف هذه الدراسة إلى فحص مدى صحة نسبة هذا القول إلى كليمندس الإسكندري، عبر مراجعة دقيقة لمؤلفاته الأصلية، وتحليل السياقات التي تناول فيها المرأة والجنس والجسد. كما تسعى إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة التي قد تكون نشأت نتيجة تداول هذا الاقتباس خارج سياقه أو بنقل مشوّه.

يتألف البحث من ثلاث اقسام رئيسية:

🔴القسم الأول: دراسة نقدية وتحليلية لنظرة كليمندس الاسكندري وكتاباته فيما يخص المرأة

🔴القسم الثاني: التحقيق في صحة القول المنسوب إلى كليمندس الإسكندري ومطابقته للنصوص الاصلية

🔴 القسم الثالث: تتبع تاريخي وتحليلي لأصل وانتشار هذا الاقتباس المنسوب إلى كليمندس الإسكندري

______________________________________

 

🔴القسم الأول: دراسة نقدية وتحليلية لنظرة كليمندس الاسكندري وكتاباته فيما يخص المرأة

اولا: نظرة كليمندس إلى المرأة في فكره اللاهوتي والأخلاقي

يُظهر فكر كليمندس الإسكندري (Clement of Alexandria) اتجاهًا لاهوتيًا وأخلاقيًا متزنًا، بل ومتحرّرًا نسبيًا من التصورات السائدة في عصره فيما يخص المرأة. فعلى خلاف النظرة الدونية التي تبنّتها العديد من المدارس الفلسفية والأنظمة الدينية الوثنية تجاه المرأة، والتي غالبًا ما اعتبرتها أدنى طبيعة من الرجل أو مصدرًا للنجاسة، يقدّم كليمندس تصورًا مسيحيًا أصيلًا يقرّ بالمساواة الروحية والأخلاقية بين الجنسين، ويؤكّد على أهلية المرأة الكاملة لممارسة الفضيلة وبلوغ الكمال والخلاص.

يرى كليمندس أن الحياة المسيحية، والتعليم الروحي، وممارسة الفضائل، والخلاص، جميعها متاحة للرجل والمرأة على حدٍ سواء. وهو بهذا يعبّر عن وعي مسيحي مبكّر بمبدأ المساواة الروحية بين الجنسين، في مقابل التقاليد الفلسفية الوثنية التي غالبًا ما قلّلت من شأن المرأة.

 

وفيما يلي أبرز كتاباته في هذا الشأن:

1- المساواة الكاملة في الفضيلة والخلاص

يرى كليمندس أن الفضيلة لا تُقسّم بحسب النوع الاجتماعي، بل هي واحدة للرجل والمرأة، وأن دعوة الله للخلاص تشمل كليهما بالتساوي. وهو يصرّح بذلك بوضوح في قوله:

🔹«فضيلة الرجل والمرأة هي واحدة ونفس الشيء. لأنه إن كان الله واحدًا، فالمسيح واحد أيضًا؛ كنيسة واحدة، حشمة واحدة، عفة واحدة؛ طعامهما مشترك، والزواج متساوٍ… فالحياة التي تُعاش بالبر ليست حكرًا على الرجال، بل هي للرجال والنساء على السواء.»

(Paedagogus, I.4)

“The virtue of man and woman is the same. For if the God of both is one, the master of both is also one; one church, one temperance, one modesty; their food is common, marriage an equal yoke… For the life that is lived in righteousness is not for men only, but for men and women alike.”

كما يشير إلى وجوب ممارسة المرأة للفضائل تمامًا كما الرجل:

🔹«على المرأة أن تمارس ضبط النفس والبرّ وسائر الفضائل، شأنها شأن الرجل…»

( Stromata, IV.8 )

“Accordingly woman is to practise self-restraint and righteousness, and every other virtue, as well as man…”

تُعد هذه التصريحات لاهوتية متقدّمة بالنسبة لسياقها التاريخي، إذ ترفض التمييز بين الجنسين في ممارسة الفضيلة، وتُرسّخ مبدأ شمولية البر والخلاص للجميع دون تمييز جنسي.

 

2- المساواة في الطبيعة الإنسانية والروح

يؤكّد كليمندس أن المرأة والرجل يشتركان في طبيعة بشرية واحدة، وبأنه لا يوجد اختلافاً جوهريًا بين الجنسين في ما يتعلق بالنعمة والفضيلة والخلاص:

🔹 «للمرأة نفس طبيعة الرجل، وكلاهما يشترك في نفس الفضيلة ونفس النعمة ونفس الخلاص.»

(Stromata, IV.19)

“For the woman has the same nature as the man, and they share in the same virtue, the same grace, and the same salvation.”

🔹«فيما يختصّ بالطبيعة البشرية، ليست للمرأة طبيعة تختلف عن الرجل، بل هما واحد؛ وكذلك الحال في الفضيلة…»

( Stromata, IV.8 )

“As far as human nature is concerned, woman does not possess one nature and man another … the same virtue is possible for both.”

🔹«لا يجب أن نخجل من أي من الجنسين… لأن اسم “الإنسان” (anthropos) مشترك بين الرجل والمرأة.»

( Stromata, IV.8 )

“We should not be ashamed of either sex… for the name ‘human being’ (anthropos) is common to both man and woman.”

ويذهب أبعد من ذلك في تأكيد وحدة الهدف النهائي بين الجنسين:

🔹«وقد تبيَّن أنّ للمرأة والرجل هدفًا واحدًا ونهاية واحدة من جهة الكمال…»

( Stromata, IV.8 )

“And one aim and one end, as far as regards perfection, being demonstrated to belong to the man and the woman…”

ويشدد على أن كمال الفضيلة متاح للرجل والمرأة على حد سواء، بل يضرب أمثلة من النساء اللواتي فُقنَ الرجال في الشجاعة والإيمان:

🔹«وفي هذا الكمال يستطيع الرجل والمرأة أن يشتركا بالتساوي.… فقد بلغت يهوديت كمالًا بين النساء… وأستير بلغت الكمال بالإيمان… وسوسنة فاقت الرجال في الشجاعة.»

( Stromata, IV.19 )

“In this perfection it is possible for man and woman equally to share. …But Judith too, who became perfect among women… Esther, perfect by faith… Susanna… surpassed men in valor.”

🔹«كثيراتٌ نلن قوّة بنعمة الله، وصنَعْنَ أعمالًا بطولية تُنسب عادةً للرجال.»

(Stromata, IV.19)

“Many women have received power through the grace of God and have performed many deeds of manly valor.”

كليمندس يستشهد بهذه النماذج النسائية البطولية من العهد القديم ليؤكّد أن الكرامة والكمال الخلقي ليسا حكرًا على الرجال، بل هما ممكنان لكلا الجنسين.

 

3- دعوة المرأة إلى الفلسفة والمعرفة

في سياق اجتماعي وثقافي كان يُقصي النساء عن مجالات التعليم والتفكير الفلسفي، برز كليمندس الإسكندري بموقف لافت، إذ دعا بوضوح إلى إشراك المرأة في الحياة العقلية والفكرية، وعارض الحصر التقليدي لدراسة الفلسفة في الرجال دون النساء.
في كتاب (Stromata)، يُقدّم كليمندس حجة منطقية مفادها أن المرأة، بما أنها قادرة على ممارسة فضائل مثل العفة وضبط النفس، وهي فضائل تتطلّب الحكمة، فلا مبرر لافتراض عجزها عن اكتساب الحكمة ذاتها. ومن هنا، يؤكد أن الفلسفة دعوة موجهة للنساء تمامًا كما هي موجهة للرجال:

🔹«هل يجب على المرأة أن تتفلسف؟ نعم… إذا كانت المرأة قادرة على الحشمة وضبط النفس، وهي فضائل تتطلب الحكمة، فهل لا تكون قادرة على الحكمة نفسها؟… يجب على النساء كما الرجال أن يسعوا إلى الفلسفة.»

(Stromata, IV. 8 )

“Ought the woman to philosophize? Yes… If, then, the woman is able to be temperate and self-restrained, which are virtues that require wisdom, will she not be able to be wise? …Women as well as men are to philosophize.”

يتّضح من هذا النص أن كليمندس لم يكتفِ بإقرار قدرة المرأة على التعقّل والتعلّم، بل طالب بمشاركتها الكاملة في المسيرة الفلسفية، معتبرًا السعي إلى الحكمة أمرًا مشتركًا بين الجنسين.

لم يكتفِ بالمساواة الروحية، بل طالب بالمساواة الفكرية. واستشهد بنساء شهيرات في التاريخ مثل “ثيانو” الفيثاغورية و”أسبازيا” كأمثلة على قدرة المرأة على التفوق الفكري.

 

4- دور المرأة وتعاليم العفّة عند كليمندس السكندري

تبرز في كتابات كليمندس السكندري، لاسيما في مؤلفه الستروماتا (Stromata), رؤية متّزنة تحترم مقام المرأة وتُعلّي من قيمة العفاف ضمن إطار الزواج المسيحي. فقد وقف كليمندس موقفًا نقديًا من بعض الاتجاهات الغنوصية التي حطّت من شأن الزواج، معتبرًا إياه تشريعًا إلهيًا يهدف إلى إنجاب نسل تقيّ، وليس مجرد انغماس في اللذة. يقول في هذا السياق:

🔹”الزواج طاهر، وإنجاب الأولاد هو عمل مقدس” (Stromata III, 6).

وفي معرض نقده لبعض الاتجاهات الغنوصية التي مجّدت التبتُّل على حساب الزواج، يؤكّد كليمندس أن البتولية ليست فضيلة مفروضة على الجميع، بل هي خيار يليق فقط بمن وُهِب عدم الشهوة، أما من لم يُمنح هذه العطيّة، فالأفضل له أن يتزوّج بحسب الشريعة:

🔹«البتولية لِمن لا يشتهي النساء، أما الباقي فليتزوج حسب الناموس.»

(Stromata III, 15).

كما يبرز احترام كليمندس للمرأة من خلال إشاراته إلى أدوار خدمية وروحية في حياة الكنيسة الأولى. ففي شهادة ينقلها المؤرخ أوسابيوس القيصري، يشير إلى أن كليمندس تحدّث عن نساء رافقن الرسل في مهامهم التبشيرية، ليس كزوجات، بل كأخوات وخادمات للكلمة وهو ما يعكس تأييده لانخراط النساء في بعض الوظائف الكنسية ضمن الحدود التي قررتها التقاليد الرسولية.

🔹«بعض النساء كنّ يرافقن الرسل في خدمتهن الإنجيلية، لا كزوجات بل كأخوات وخادمات للكلمة.»

(Historia Ecclesiastica VI, 14)

ولم يقف عند هذا الحد، بل عمد كليمندس إلى استحضار شخصيات نسائية بطولية كنماذج يُحتذى بها في الفضيلة والقدوة الاخلاقية. ففي موضع لافت من الستروماتا، يسرد قائمة من النساء اللواتي جسّدن الشجاعة والعفّة، من بينهن: يهوديت، وإستر، ودبّورة، وسارة، وكذلك شخصيات وثنية مثل تيموستراتا (زوجة بريكليس)، وكاميلا من الأساطير اللاتينية (Stromata IV, 19). ويعلّق قائلاً:

🔹”النساء قد برهنّ أنهن لا يَقِلَلْنَ شرفًا عن الرجال في مضمار الفضائل”.

(Stromata IV, 19)

كما يلجأ كليمندس أحيانًا إلى استخدام صور رمزية أنثوية في التعبير عن العناية الالهية. ففي احد المواضع التأملية في كتابه (المربّي) يُشبّه محبة المسيح وحنانه بـ”الحليب الذي يخرج من ثديي الآب”، في إشارة إلى الغذاء الروحي الذي يقدّمه الله لمؤمنيه (Paedagogus I, 6). وتُعدّ هذه الاستعارة تعبيرًا عن رقة وحنان العناية الإلهية، وليست تجسيدًا لأنوثة الله أو طابعًا حرفيًا، بل تُجسّد العناية الإلهية الشاملة، حيث تتم رعاية المؤمنين بالكلمة كما يُغذَّى الأطفال بالحليب.

 

5- شراكة المرأة الروحية والزوجية بوصفها شراكة مقدّسة

رأى كليمندس أن المرأة ليست مجرد معين منزلي، بل شريك روحي فعّال للرجل في درب القداسة والخلاص:

🔹«الزوجة، كما نقول، هي مُعين للرجل. ومن الواضح أنها مُعين في أمور الأسرة والأطفال، ولكن أيضًا وقبل كل شيء، هي شريك له في طريق الحياة إلى الله.»

هذا التصوّر بحسب اكليمندس يرفع من مقام المرأة من كونها مكمّلة اجتماعيًا فقط، إلى شريكة روحيّة في مشروع الخلاص

🔹خلاصة فكر القديس كليمندس السكندري
• مساواة جوهرية: رأى أن الرجال والنساء متساوون في الطبيعة، والروح، والفضيلة، والقدرة على نيل الخلاص.
• احترام فكري: شجع النساء على طلب العلم والفلسفة، معتبرًا إياهن قادرات على الحكمة تمامًا كالرجال.
• رفض العار: فكرته عن “العار” كانت مرتبطة بالسلوك غير المحتشم (للجنسين)، وليس بطبيعة المرأة.
• شراكة مقدسة: اعتبر المرأة شريكًا أساسيًا للرجل في الأسرة وفي الحياة الروحية.

بإيجاز، تكشف كتابات القديس كليمندس السكندري عن رؤية تكرّم المرأة وتمنحها مكانة لاهوتية متساوية مع الرجل في الإيمان المسيحي. فهو لم يكن صوتًا معاديًا للمرأة، بل مثّل في زمنه موقفًا منصفًا ومضادًا لاتجاهات التهميش السائدة.

______________________________________

هل أساء كليمندس الإسكندري إلى المرأة؟ قراءة نقدية في مواقفه اللاهوتية والأخلاقية – ترجمة ودراسة Patricia Michael

🔴 القسم الثاني: التحقيق في صحة القول المنسوب إلى كليمندس الإسكندري ومطابقته للنصوص الاصلية

يتضمن هذا القسم ما يلي:

• أولًا: البحث في مؤلفات كليمندس الإسكندري الأصلية
• ثانيًا: التوثيق من النصوص الأصلية وترجماتها
• ثالثا: تفنيد المزاعم الغنوصية ونسبة الأقوال المشوهة

 

أولًا: البحث في مؤلفات كليمندس الإسكندري الأصلية

بعد مراجعة دقيقة وشاملة لجميع مؤلفات كليمندس الإسكندري المتاحة، لم يتم العثور على أي عبارة تطابق القول المنسوب إليه حرفيًا: «كل امرأة يجب أن تخجل لأنها امرأة». أقرب ما وُجد هو مقطع وارد في كتاب المربّي (Paedagogus II.2.33.4)، حيث يتناول كليمندس موضوع آداب الشرب ويحثّ كلا من الرجال والنساء على اجتناب التصرفات المخزية، مع توصية خاصة للنساء بالتحلّي بالحشمة والحياء. يقول كليمندس في ذلك الموضع ما ترجمته:

🔹 «لا يليق برجلٍ عاقل أن يصدر عنه تصرف مشين أو صوت غير لائق، وبالأحرى لا يليق ذلك بامرأة، التي يكفيها إدراكها لطبيعتها ووعيها بذاتها لتستلهم الحياء والعفاف.»

وقد ورد النص اليوناني الأصلي كما يلي:

«…ᾗ καὶ τὸ συνειδέναι αὐτὴν ἑαυτῇ, ἥτις εἴη μόνον, αἰσχύνην φέρει.»

وترجمته الحرفية:

  • τὸ συνειδέναι αὐτὴν ἑαυτῇ = “وعيها لذاتها”.
  • ἥτις εἴη μόνον = “كونها هي فقط (ماهيتها/طبيعتها)”.
  • αἰσχύνην φέρει = “يُورِث خجلًا/حياءً

🔹”حتى إن وعيها بذاتها، أي بما هي عليه، يورثها خجلًا/حياءً.”

هذا المقطع لا يعني بأي حال أن المرأة يجب أن تشعر بالخزي أو العار لمجرد كونها امرأة، بل يشير إلى الحياء كفضيلة أخلاقية طبيعية ترتبط بأنوثة المرأة، لا سيما في سياقات السلوك العام مثل الشرب والسُّكر. وبالتالي، فإن السياق يدور حول ضرورة التحلّي بالاحتشام والانضباط، لا عن ازدراء طبيعة المرأة أو تحقير جنسها.

علاوة على ذلك، وبعد بحث دقيق في باقي مؤلفات كليمندس مثل (Stromata و Protrepticus) وغيرها، لم يُعثر على عبارة مشابهة أو صيغة تقترب في معناها من هذا القول المنسوب إليه، ما يؤكد غياب أي أساس نصي يدعم هذا الادعاء.

 

ثانيًا: التوثيق من النصوص الأصلية وترجماتها

عند الرجوع إلى نص المربّي (Paedagogus) للقديس كليمندس الإسكندري، بحسب طبعة Patrologia Graeca, vol. 8, col. 429، بتحقيق Monsignor Jacques-Paul Migne، يتبين أن المقطع المعني يقع في الكتاب الثاني، الفصل الثاني (Book II, Chapter II). وقد تُرجم هذا النص إلى الإنجليزية ضمن سلسلة Ante-Nicene Fathers، كما ظهرت له ترجمة فرنسية حديثة تعكس المعنى التالي:

🔹 «لا يليق برجلٍ عاقل أن يصدر عنه تصرف مشين أو صوت غير لائق، وبالأحرى لا يليق ذلك بامرأة، التي يكفيها إدراكها لطبيعتها ووعيها بذاتها لتستلهم الحياء والعفاف.»

يتّضح من ذلك أن كليمندس يحثّ على الحياء بوصفه فضيلة فطرية إيجابية واخلاقية، لا كإدانة لوجود المرأة أو احتقار لأنوثتها او انتقاص لوجودها. ولا يتضمن هذا النص، ولا غيره من كتاباته أي تعبير صريح أو ضمني يفيد بأن الى انّ “كون المرأة امرأة هو بحد ذاته أمر معيب أو يستوجب الخجل.

 

ثالثا: تفنيد المزاعم الغنوصية ونسبة الأقوال المشوهة

في كتابه الستروماتا (Stromata)، يورد كليمندس مقولة منسوبة إلى السيد المسيح في أحد الكتابات الابوكريفية وهو ما يعرف بـ «إنجيل المصريين» (Gospel of the Egyptians)، نصها: «قد أتيتُ لأُخرِب أعمال الأنثى.»

غير أن كليمندس لم يتبنّ هذا القول كتعليم مسيحي، بل أورده في سياق نقده الحاد لتطرف بعض الغنوصيين الذين رفضوا الزواج والنسل.
وقد شدّد على أن الخلاص لا يتحقق من خلال “المعرفة الباطنية” الغنوصية، بل من خلال الإيمان البسيط، مؤكّدًا فضائل الزواج والاعتدال بدل الزهد المطلق.
لذا، فإن استخدام هذه العبارة في هذا السياق هو تمثيل لنقده للغنوصية وليس قبولًا أو دعمًا لها، ولا يمكن اعتبار هذه الأقوال تعبيرًا عن فكر كليمندس، بل هي أمثلة على أقوال نقدها ورفضها.

🔹الخلاصة

  • لا يوجد في أي من مؤلفات كليمندس عبارة تُفيد أن المرأة يجب أن تشعر بالخزي لكونها امرأة.
  • أقواله المعتمدة تُظهر احترامًا واضحًا للمرأة، وتأكيدًا على مساواتها في الطبيعة والفضيلة والخلاص.
  • يُعدّ كليمندس من أوائل الكتّاب المسيحيين الذين قدّموا رؤية لاهوتية متوازنة تجاه المرأة، تتجاوز بوضوح الموروثات الفلسفية واليهودية التي انتقصت من شأنها.

______________________________________

هل أساء كليمندس الإسكندري إلى المرأة؟ قراءة نقدية في مواقفه اللاهوتية والأخلاقية – ترجمة ودراسة Patricia Michael

🔴القسم الثالث: تتبع تاريخي وتحليلي لأصل وانتشار الاقتباس المنسوب إلى كليمندس الإسكندري

يتضمن هذا القسم النقاط التالية:

  • أولا: أصل الاقتباس المزعوم وانتشاره في العصر الحديث
  • ثانيا: تأويلات هذا الاقتباس وآراء باحثين حول تحريف الاقتباس المنسوب إلى كليمندس الإسكندري
  • ثالثا: التتبّع المرجعي: من ووكر إلى بريفو (Briffault)
  • رابعا: ملخص تحليل الباحث البريطاني روجر بيرس (Roger Pearse) حول الاقتباس المنسوب إلى كليمندس الإسكندري
  • خامسا: كيف ساهم هذا التحريف في انتشار واسع للاقتباس المشوّه في التاريخ الثقافي المعاصر.
  • سادسا: هل النص المنسوب خطأ إلى كليمندس… أصله عند ترتليان

 

اولا: أصل الاقتباس المزعوم وانتشاره في العصر الحديث

يتناول هذا الجزء الجذر النصي للاقتباس المنسوب إلى كليمندس، وتتبع ظهوره في المصادر الثانوية الحديثة، وتحليل السياقات التي استُخدم فيها بغرض نقد موقف كليمندس من المرأة.

بالنظر إلى أن كليمندس الإسكندري لم يذكر حرفيًا عبارة “كل امرأة ينبغي أن تخجل لأنها امرأة”، يبرز التساؤل حول مصدر هذه الصيغة التي انتشرت في العصر الحديث.

أقدم الإشارات إلى هذه العبارة تعود إلى القرن العشرين، وتحديدًا إلى كتاب Joseph Lewis المعنون The Ten Commandments (1946)، حيث نُسب القول إلى كليمندس مع الاعتماد على مرجع ثانوي.

هذا المرجع الثانوي هو كتاب (Henry Charles Lea) بعنوان History of Sacerdotal Celibacy (طبعة 1907)، إلا أنه عند مراجعة الصفحة 320 من هذا الكتاب تُظهر أنه لا يذكر كليمندس أصلًا، مما يشير إلى وجود خطأ في الإسناد أو انتحال في النقل.

وهكذا، يبدو أن هذه العبارة نشأت عن طريق تحريف أو سوء فهم، وانتقلت عبر كتب ومقالات عديدة دون التحقق من النصوص الأصلية.

 

ثانيا: تأويلات هذا الاقتباس وآراء باحثين حول تحريف الاقتباس المنسوب إلى كليمندس الإسكندري

1- يرجّح الباحث البريطاني روجر بيرس (Roger Pearse)، وهو باحث معاصر في تاريخ المسيحية المبكرة والأدب الآبائي، وقد عُرف بجهوده الواسعة في نشر نصوص آباء الكنيسة بلغاتها الأصلية، أن العبارة المنسوبة إلى كليمندس الإسكندري “كل امرأة ينبغي أن تخجل لأنها امرأة” ناتجة عن سوء فهم أو ترجمة مشوّهة لمقطع من كتابه المربّي (Paedagogus). ويشير (Roger Pearse) إلى أن هذه الصيغة المحرّفة انتشرت عبر عدة كتب ومقالات دون التحقق من النص الأصلي.

2- يؤكد (Roger Pearse) ان القوائم التي تهدف إلى تشويه السمعة من خلال الاقتباسات غالبًا ما تُهمِل السياق، وغالبًا ما تختلف في الصياغة ونسبتها إلى أصحابها. واقتباسنا هذا لا يختلف عن غيره في هذا الصدد. فبعضهم يقترح أنه مأخوذ من كتاب (Stromateis) أو المنوّعات (الكتاب الثالث) Miscellanies book 3 لكليمندس، لكنه في الواقع ليس كذلك ويُشير (Roger Pearse) إلى أنّ هذه الصيغة المشوّهة انتشرت في عدد من الكتب والمقالات المعاصرة دون الرجوع إلى النص الأصلي والتحقق من سياقه بدقة.

3- على سبيل المثال، يوضح (Roger Pearse) أن العبارة وردت ضمن مقال هجومي مليء بالكراهية بعنوان Twenty disgustingly misogynist quotes from religious leaders (عشرون اقتباسًا بغيضا من قادة دينيين) بقلم فاليري تاريكو (Valerie Tarico) نشر على موقع Salon عام 2014، مع إشارة إلى مقطع من كتابه (Paedagogus 2:33:2)، إلاّ أن (Roger Pearse) يؤكد أن الموقع لا يحتوي على النص المذكور بهذا المعنى أو الصياغة المتداولة.

4- كما يوضّح (Roger Pearse) ايضا إلى أن بعض الكتب الصادرة في الهند تستشهد بالفيلسوف برتراند راسل (Bertrand Russell) كمصدر للاقتباس، لكنه يشير إلى أن هذه الكتب تستند فقط إلى كتيّبه المؤيد للعلاقات غير الشرعية Marriage and Morality (1929)، والذي يخلو تمامًا من أي إشارة إلى كليمندس الإسكندري.

5- أما فيما يخص مصدرًا أكثر تحديدًا، فيُشير (Roger Pearse) إلى مقال بعنوان “الدين بوصفه جذر التمييز الجنسي” (Religion as the Root of Sexism) للكاتبة باربرا ج. ووكر (Barbara G. Walker)، نُشر في مجلة (Freethought Today) عام 2011. في هذا المقال، يُنسب إلى كليمندس الإسكندري قوله إن “على كل امرأة أن تشعر بالخزي لمجرد كونها امرأة”، كما يُربط هذا القول باقتباس منسوب إلى يسوع في إنجيل المصريين يقول فيه: «لقد أتيتُ لأدمّر أعمال الأُنثى».
ويضيف (Roger Pearse) أن باربارا ووكر (Barbara G. Walker) ، مؤلفة موسوعة The Woman’s Encyclopedia of Myths and Secrets (1983) وكتاب The Skeptical Feminist، نسبت هذه العبارة إلى كليمندس وربطتها بإنجيل المصريين، مما عزّز الانطباع الخاطئ بعدائها للمرأة.

 

ثالثا: التتبُّع المرجعي: من ووكر إلى بريفو (Briffault)

1- عند تتبّع مصدر الادعاء الذي اعتمدت عليه الكاتبة باربرا ج. ووكر (Barbara G. Walker)، يتبيّن أنها استندت إلى ما أورده المؤلف ر. بريفو (R. Briffault) في المجلد الثالث من كتابه The Mothers (Vol. 3, p. 373, New York: Macmillan, 1927). ويُلاحظ أن هذا النقل ليس مستندًا إلى أي من النصوص الأصلية لكليمندس الإسكندري، بل يأتي ضمن سلسلة من الاقتباسات غير المباشرة التي تفتقر إلى توثيق دقيق من المصادر الأولية، وهو ما يُضعف مصداقية الادعاء المنسوب إليه.

– في هذا الموضع، يورد بريفو الاقتباس التالي:

🔹«كل امرأة، كما يقول كليمندس الإسكندري، ينبغي أن تشعر بالخزي لمجرد كونها امرأة.»

2- يُحيل بريفو إلى المرجع التالي لتوثيق هذا الاقتباس المزعوم: كليمندس الإسكندري، كتاب “المربّي” (Paedagogus)، الجزء الثاني، الفصل الثاني، وذلك بحسب طبعة ميغن (Migne) ضمن سلسلة Patrologia Graeca، المجلد الثامن، العمود 429.

Clement of Alexandria, Paedagogus (The Instructor), Book II, Chapter II, in Patrologia Graeca, Vol. 8, col. 429 (ed. J.-P. Migne).

3- التحقق من المصدر الأصلي في Paedagogus II.2 (PG 8, col. 429):

أ- النص اليوناني:

«οὐδεὶς γὰρ ψόφος οἰκεῖος ἀνδρὶ λογικῷ, ἔτι δὲ μᾶλλον γυναικί, ᾗ καὶ τὸ συνειδέναι αὐτὴν ἑαυτῇ, ἥτις εἴη μόνον, αἰσχύνην φέρει.»

يعود فعل ψόφος إلى معنى “الصوت” أو “الجلبة”، وغالبًا ما يشير في السياق الأدبي الأخلاقي إلى الضجيج غير اللائق، كالأصوات أثناء الشرب أو تناول الطعام أو حتى حركة غير مهذبة، لذا يُنظر إليها كرمز للتصرف غير المحتشم.

  • οἰκεῖος = لائق، مناسب، ملائم
  • λογικῷ = العاقل أو صاحب العقل.
  • γυναικί = للمرأة.
  • συνειδέναι αὐτὴν ἑαυτῇ = وعي المرأة بطبيعتها أو إدراكها لذاتها.
  • αἰσχύνην φέρει = يجلب الحياء/ يثير الخجل.

 

ب- الترجمة في سلسلة Ante-Nicene Fathers (ANF):

“Nothing disgraceful is proper for a man endowed with reason; much less for a woman, to whom even the consciousness of her own nature brings a feeling of shame.”

ج- الترجمة الفرنسية في سلسلة Sources Chrétiennes (SC 108, p. 71):

“Il ne convient pas de faire du bruit (en buvant), ni à un homme raisonnable, ni encore moins à une femme, à qui le fait d’avoir conscience elle-même de ce qu’elle est, suffit à inspirer de la pudeur.”

ومن خلال مقارنة الترجمات المعتمدة (الإنجليزية والفرنسية) مع النص اليوناني الأصلي، نرى أنها تتّفق جميعًا على المعنى التالي:

🔹«لا يليق برجلٍ عاقل أن يصدر عنه صوت مزعج أو تصرف غير لائق، وبالأحرى لا يليق ذلك بامرأة، إذ يكفيها مجرد وعيها بذاتها وطبيعتها لتبعث في نفسها شعور الحياء والعفّة.»

4- الاقتباس الذي ينسبه بريفو إلى كليمندس الإسكندري لا يرد بصيغته تلك في نصه، بل هو تحوير واختزال مجتزأ لعبارة أطول ذات سياق أخلاقي وسلوكي محدد.

5- كليمندس يتحدّث هنا عن الحياء الطبيعي المرتبط بالسلوك بوصفه فضيلة طبيعية لدى المرأة، تنبع من وعيها الداخلي بذاتها، لا عن “الخزي” كموقف دوني من طبيعتها الأنثوية.

6- كما أنه يتناول الحياء الطبيعي المرتبط بالسلوك ضمن سياق الحديث عن اللياقة والاحتشام، لا عن “الخزي” بوصفه حكمًا وجوديًا على طبيعة المرأة.
وبناءً عليه، فإن النقل الذي يفرغ العبارة من سياقها ويحوّلها إلى تصريح عدائي ضد المرأة يُعد تشويهًا صريحًا للمعنى الأصلي.

 

رابعا: ملخص تحليل الباحث البريطاني والمختص بتاريخ المسيحية المبكرة والنصوص الآبائية، والشهير بنشر النصوص القديمة بلغاتها الأصلية وتحقيقها روجر بيرس (Roger Pearse) حول الاقتباس المنسوب إلى كليمندس الإسكندري

1. يرى الباحث روجر بيرس (Roger Pearse) أن الاقتباس الشهير المنسوب إلى كليمندس الإسكندري، والذي مفاده أن «كل امرأة يجب أن تشعر بالخجل لمجرد كونها امرأة»، لا يعكس مضمون النصوص الأصلية لكليمندس، بل هو نتاج سوء فهم وتحريف للنص الأصلي.

2. سياق النص الأصلي

يشير (Roger Pearse) إلى أن كليمندس، كما سائر آباء الكنيسة، كان يكتب ضمن معايير زمنه، الذي اعتُبر فيه شرب الخمر والسلوك الصاخب للنساء من الممارسات المرفوضة اجتماعيًا.
ويُبرز أن النص الأصلي في كتاب المربّي (Paedagogus) يتناول بالأساس موضوع السلوك غير اللائق في حالة السُّكر، مع تأكيد خاص على ضرورة شعور الإنسان العقلاني بالخجل والحياء من مثل هذا السلوك، وخصوصًا النساء.
بهذا المعنى، كان كليمندس يتحدث عن الحياء الطبيعي المرتبط بالسلوك، لا عن “الخزي” كموقف وجودي يُنقص من مكانة المرأة أو طبيعتها الأنثوية.

3. الهدف الأخلاقي والاجتماعي لكليمندس

يوضح (Roger Pearse) أن كليمندس والآباء الأوائل كانوا يهدفون إلى رفع مستوى كرامة النساء الأخلاقية والاجتماعية، مهاجمين الممارسات الفاسدة والسلوكيات التي تنال من هذه الكرامة، وليس التقليل من شأن المرأة نفسها.
وهذا يتوافق مع خطابهم العام الذي يسعى إلى تحسين مكانة المرأة في المجتمع عبر التوجيه الأخلاقي والروحي.

4. تحريف النص واستخدامه في أجندات فكرية معاصرة

يشير (Roger Pearse) إلى أن ر. بريفو (R. Briffault) أعاد صياغة النص الأصلي بأسلوب أكثر إثارة وصراحة، بهدف استخدامه كأداة في أجندته الخاصة التي تدعو إلى الترويج للانحلال الأخلاقي، مستغلاً الاقتباس ضمن قائمة صادمة من أقوال الآباء.
وهكذا، تحولت العبارة إلى “عبارة واحدة لافتة” تستخدم في نقد موجه للتراث الديني والآبائي، بعيدًا عن سياقها الحقيقي.

5. تحريفات لاحقة وتأثيرها

يشير (Roger Pearse) كذلك إلى أن التحريفات اللاحقة للنص الأصلي أدت إلى تداول صيغ أكثر حدة واستفزازًا، لا أساس لها في النصوص الأصلية لكليمندس.
وهذا يشير إلى وجود مشكلات في منهج تتبع المصادر، حيث كثيرًا ما تعتمد الدراسات الحديثة على مصادر ثانوية غير دقيقة أو اختزالات للنصوص الأصلية.

6. النقد النهائي

يخلص (Roger Pearse) إلى أن مثل هذه التحريفات لا تخدم الدراسة الأكاديمية الموضوعية، بل تندرج في إطار الاستقطاب السياسي أو الثقافي الذي يضر بفهم التراث الديني والآبائي بشكل صحيح.
كما يؤكد أن الخطأ لا يبدأ بالضرورة مع الباحثين المعاصرين، بل قد يكون ناتجًا عن اختزالات أو تحريفات أقدم في المصادر الثانوية.

 

وبالتالي نستنتج من كتاباته بأنّ:

  • الاقتباس المنسوب إلى كليمندس ليس دقيقًا نصيًا أو سياقيًا.
  • النص الأصلي يتحدث عن الحياء والسلوك اللائق لا عن خزي وجودي للمرأة.
  • التحريفات الحديثة استخدمت العبارة لأغراض فكرية وسياسية، مغايرة للسياق الأصلي.
  • ضرورة العودة إلى النصوص الأصلية وتوخي الدقة في تتبع المصادر لمنع سوء الفهم والتحريف.

خامسا: بعد أن أوردنا التدقيق النصي والتاريخي للنص المنسوب إلى كليمندس الإسكندري (Clement of Alexandria)، كما قدمه الباحث (Roger Pearse) ، نتابع كيف ساهم هذا التحريف في انتشار واسع للاقتباس المشوّه في التأريخ الثقافي المعاصر، إذ وجد طريقه إلى عدد من المؤلفات الحديثة دون مراجعة علمية للنص الأصلي.

فقد ورد الاقتباس الشهير «كل امرأة يجب أن تشعر بالخجل لمجرد كونها امرأة» في كتاب (Misogyny) للمؤلف ديفيد غيلمور (David Gilmore)، الذي استند بدوره إلى مصدر ثانوي أقدم، وهو كتاب (The Fear of Women) الصادر عام 1968 لعالم النفس ولفغانغ ليدرر (Wolfgang Lederer). يُعد عمل ليدرر تحليلًا نفسيًا ولا يمثل دراسة نقدية أكاديمية متخصصة في علم الآبائيات (Patristics).

تتجلّى المشكلة المنهجية في هذه الدراسات الثانوية التي تعتمد على مصادر غير دقيقة، حيث لا يتعامل (Wolfgang Lederer) مع النصوص الآبائية الأصلية بمنهج نقدي صارم، بل يستخدم اقتباسات أو ملخصات منقولة غالباً ما تكون خارجة عن سياقها الاصلي. وقد أصبحت اقتباساته، رغم ضعف توثيقها، مرجعًا متداولًا في بعض الأعمال النقدية المهتمة برصد مواقف الكنيسة من المرأة دون العودة الدقيقة للمصادر الأصلية لكليمندس الإسكندري أو غيره من آباء الكنيسة.

 

سادسا: هل النص المنسوب خطأ إلى كليمندس… أصله عند ترتليان

1- أما المصدر الذي يُستشهد به خطأ لتبرير صورة سلبية للمرأة في التراث الآبائي، فلا يعود في الغالب إلى كليمندس الإسكندري كما يُشاع، بل يقال انه يعود إلى نص شهير للكاتب المسيحي ترتليان في مؤلفه De Cultu Feminarum (“عن زينة النساء”). وقد استند بعض النقّاد إلى هذا النص تحديدًا في اتهام ترتليان بالعداء للمرأة، لا سيما حين استحضر صورة حواء بوصفها “باب الشيطان”، حيث قال:

🔹«ألا تعلمين أنكِ حواء؟ لا يزال حكم الله معلقًا على جنسك. أنتِ بوابة الشيطان؛ أنتِ أول من خرق ناموس الله؛ أنتِ التي أغويت من لم يكن الشيطان شجاعًا ليهاجمه. لقد دمرتِ صورة الله، الإنسان؛ وجلبتِ الموت إلى العالم.»

Tertullian, De Cultu Feminarum, Chapter 1:

“Knowest thou not that thou art Eve? The judgment of God still hangs over thy sex. Thou art the gate of the devil; thou didst first break the law of God; thou didst seduce him whom the devil was not valiant to attack. Thou hast destroyed the image of God, man; and didst bring death into the world.”

لكن قراءة متأنية تكشف أن هذا الحكم العام غير منصف، لأن هذا الاقتباس غالبًا ما يُنتزع من سياقه الأخلاقي والروحي، ويُحمَّل بدلالات لم يقصدها ترتليان ضمن بنيته اللاهوتية والتربوية.

 

2- فهم السياق اللاهوتي والروحي

من بين أكثر مؤلفات ترتليان تعرضًا للانتقاد هو كتابه De Cultu Feminarum، إذ يُتهم فيه بأنه يعبّر عن موقف سلبي تجاه المرأة. غير أن هذا التفسير يتجاهل السياق الزمني والأدبي واللاهوتي الذي كُتب فيه هذا العمل، بل ويُخرجه من إطاره المقصود. ترتليان لم يكتب هذا الكتاب بقصد الإهانة أو الإدانة الأخلاقية للمرأة، بل كان دافعه الأساس هو دعوة النساء المسيحيات إلى التواضع والزهد في الزينة المفرطة، وتوجيه أنظارهن نحو ما هو أثمن وأبقى: الإيمان بقيم الملكوت السماوي (De Cultu Feminarum, I.1–2).

 

3- تحليل قول ترتليان:

  • الرابط المباشر بالخطيئة: يربط ترتليان كل امرأة بشكل مباشر بخطيئة حواء.
  • الشعور بالذنب والعار: على الرغم من أنه لا يستخدم عبارة “امتلئي بالعار”، إلا أن وصف المرأة بأنها “بوابة الشيطان” وأنها سبب موت المسيح هو دعوة صريحة للشعور بالذنب والعار الوجودي، لمجرد كونها امرأة تنتمي لـ “جنس حواء”.

لكن هذه الفكرة اللاهوتية، التي تُعدّ خلاصةً لموقف ترتليان، لا يمكن بحالٍ من الأحوال نسبتها إلى كليمندس الإسكندري. فعبارة «المرأة يجب أن تخجل من كونها امرأة» هي تحريفٌ لموقف ترتليان، لا كليمندس، بل وتمثل أيضًا اختزالًا غير دقيقٍ – بل ومشوّهًا أحيانًا – لفكر ترتليان نفسه، كما يظهر في بعض القراءات الحديثة التي عمدت إلى اقتطاع العبارة من سياقها الجدلي واللاهوتي، مما أدى إلى إساءة فهم موقفه الحقيقي.

فالفكرة المركزية التي يُدافع عنها ترتليان هنا هي أن حياة الإنسان، رجالاً ونساءً، ينبغي أن تنسجم مع جوهر الإيمان المسيحي القائم على ترك الأرضيات والتعلّق بالسماويات. صحيح أنه بدأ بأسلوب حاد، لكن الجزء اللاحق من الكتاب اتخذ طابعًا تربويًا، وأبرز صلة أخوية صادقة، خاصة حين خاطب النساء مرارًا بعبارة sorores dilectissimae (“الأخوات المحبوبات جدًا”)، مما يُظهر علاقته الودّية بهن، لا عداءه لهن.

لذا،فإن تقييم هذا العمل ينبغي أن يتم وفقًا لسياقه اللاهوتي والزمني، لا من خلال إسقاطات ثقافية حديثة قد تحرّف مقاصده التربوية. فالأسلوب التوبيخي، وإن بدا قاسيًا بمعايير اليوم، كان مألوفًا في العظات المسيحية المبكرة، ويُوجَّه أحيانًا للرجال والنساء على حد سواء بحسب موضع الضعف أو الخطر الروحي.

 

4- ترتليان: خطاب متوازن في مواضع أخرى

في المقابل، إننا نجد في كتابات ترتليان الأخرى ما يعكس احترامه للمرأة وتقديره لها، وأوضح الأمثلة على ذلك رسالته Ad Uxorem (“إلى زوجتي”)، التي كتبها بين عامي 197 و206، ويُعد العمل الوحيد الذي يناقش فيه أخلاقيات الزواج. وقد افتتحه بهذه الكلمات:

🔹”رأيتُ أنه من المناسب، يا شريكتي المحبوبة في الرب، أن أوجه إليك من الآن بعض النصائح حول المسار الذي ينبغي عليكِ أن تسلكيه بعد رحيلي عن هذا العالم، إن سبقْتُكِ إليه؛ وأن أستودعكِ أمانة الالتزام بهذه النصائح.”

 

تتكرر في هذا النص عبارات تعبّر عن مودّة صادقة مثل:

  • محبوبتي (dilectissime mihi)
  • الأخوات المحبوبات جدًا (sorores dilectissimae)
  • شريكة في الرب (in Domino conserva)

يدل على شركة روحية تقوم على المودّة والإيمان، كما يبرهن على أن رؤيته للمرأة لم تكن دونية جوهرًا، بل تربوية وسياقية، تحكمها ظروف التوجيه والتعليم الروحي.

في المجمل، تكشف القراءة النقدية لأعمال ترتليان مثل:

  • عن زينة النساء (De Cultu Feminarum)
  • تغطية العذارى (De Virginibus Velandis)
  • الزواج الأحادي (De Monogamia)

أن هدفه لم يكن الحطّ من كرامة المرأة، بل توجيهها نحو حياة الفضيلة والقداسة، ضمن معايير روحية صارمة تعبّر عن تصوّره النسكي للإيمان المسيحي.

وبهذا نستنتج ان القول المنسوب إلى كليمندس السكندري غير موثق إطلاقًا في أعماله، بل يُخالف توجهه العام الداعي إلى مساواة جوهرية بين الرجل والمرأة في الطبيعة والفضيلة والخلاص، والفقرات التي نسبها بعضهم إلى كليمندس الإسكندري — والتي تزعم أن “المرأة يجب أن تخجل من كونها امرأة” — لا أساس لها في نصوص كليمندس، بل تمثل إما تحريفًا أو إسقاطًا خاطئًا.

أما النصوص التي يتم الاستشهاد بها من ترتليان، فيجب أن تُفهم ضمن أطرها اللاهوتية والتربوية لا من خلال اجتزاءات حديثة. فترتليان، رغم لغته التوبيخية أحيانًا، لم يكن يكنّ عداءً للمرأة، بل كان يرشدها كأخت في الإيمان نحو حياة القداسة.

🔴 الخاتمة

يتضح من الدراسة والتحقيق النصي الدقيق أن القول المنسوب إلى القديس كليمندس الإسكندري «كل امرأة ينبغي أن تخجل لأنها امرأة» لا أساس له في كتاباته الأصلية، ولا يتوافق مع توجهه الفكري والروحي الذي يؤكد على المساواة الجوهرية بين الرجل والمرأة في الطبيعة والكرامة والفضيلة.

إن هذا الادعاء، الذي شاع نتيجة لسوء فهم وتحريف لمقاطع نصية، وانتقل عبر مصادر ثانوية غير دقيقة، يُعد مثالاً صارخًا على مخاطر اعتماد الاقتباسات المنزوعة عن سياقها أو المنسوبة خطأً إلى شخصيات تاريخية بارزة دون تحقق علمي. مصدر الخطأ ناتج من سوء فهم أو نقل غير دقيق في مؤلفات تحليلية وتبعه تداول غير نقدي من باحثين آخرين.

ويُظهر تحليل النصوص أن ما ورد في أعمال كليمندس هو دعوة للحياء والفضيلة والأخلاق، لا ازدراء لطبيعة المرأة أو تقليل من قيمتها، وهو موقف يعكس انفتاحًا وتقديرًا مميزًا لمكانة المرأة، لا سيما في ظل الظروف الثقافية والاجتماعية لتلك الحقبة.

لذلك، فإن تصحيح هذه المفاهيم الخاطئة واستعادة المعنى الحقيقي للنصوص الأصلية أمر ضروري لفهم دقيق للتراث الفكري والروحي، وللحد من انتشار تحريفات تُستغل لإثارة الفتن وتشويه سمعة شخصيات دينية وأدبية بارزة.

كليمندس يُعدّ، في سياق عصره، من أكثر آباء الكنيسة انفتاحًا وتقديرًا لمكانة المرأة على المستويين الروحي والفكري، فلا يجوز نسبة هذه العبارة إلى كليمندس السكندري دون دليل نصي، وهذا يعدّ مثالًا واضحًا على خطر تداول “الاقتباسات المنزوعة من سياقها” أو المنسوبة خطأ لكتّاب لم يقولوها مطلقًا.

——–

David D. Gilmore, Misogyny: The Male Malady, Harvard University Press, 2001, p. 173.

Wolfgang Lederer, The Fear of Women, Harcourt, Brace & World, 1968, pp. 162–163.

Clement of Alexandria, Paedagogus (The Instructor), in The Ante-Nicene Fathers, Vol. 2, translated by William Wilson, Hendrickson Publishers, 1994 (reprint), Book I, Chapter 4; Book II, Chapter 2.

Clement of Alexandria, Stromata (Miscellanies), in The Ante-Nicene Fathers, Vol. 2, translated by William Wilson, Book IV, Chapters 8 and 19.

Sirach 26:25 (Septuagint).

Tertullian, De Cultu Feminarum (On the Apparel of Women), in The Ante-Nicene Fathers, Vol. 4, translated by S. Thelwall, Book II, Chapter 1.

Roger Pearse, “Is the quote ‘Every woman ought to be filled with shame…’ really by Clement?”:

Patrologia Graeca (PG), Vol. 8, col. 429.

Cambridge University Press, Selected translations from Clement of Alexandria’s works.

Tertullian. Greek/Latin texts and translations.

Joseph Lewis, The Ten Commandments, 1946.

Henry Charles Lea, History of Sacerdotal Celibacy, 1907.

Barbara G. Walker, The Woman’s Encyclopedia of Myths and Secrets, 2011.

R. Briffault, The Mothers: A Study of the Origins of Sentiments and Institutions, 1927.

Catholic library

memraayhwh.wordpress.

assets.cambridge

.wikipedia (Clement of Alexandria)

Roger Pearse .. Did Clement of Alexandria say that “Every woman should be overwhelmed with shame at the thought that she is a woman”?

ليكون للبركة

Patricia Michael

هل أساء كليمندس الإسكندري إلى المرأة؟ قراءة نقدية في مواقفه اللاهوتية والأخلاقية – ترجمة ودراسة Patricia Michael

ثلاث عشرة حجة قوية لمصداقية العهد الجديد – غاري هابرمس وبنيامين شاو – ترجمة: عبدالمسيح

ثلاث عشرة حجة قوية لمصداقية العهد الجديد – غاري هابرمس وبنيامين شاو – ترجمة: عبدالمسيح

ثلاث عشرة حجة قوية لمصداقية العهد الجديد – غاري هابرمس وبنيامين شاو – ترجمة: عبدالمسيح

كتاب لمؤلفَيه: بنيامين شاو (Benjamin Shaw) وغاري هابرمس (Gary Habermas)

 

منذ سنوات، التقيت بـ”بنيامين شاو” في مؤتمر دفاعيات مسيحية، وكان وقتها مساعدًا بحثيًّا لـ”غاري هابرمس” – الذي يُعتَبَر أحد أعظم المتخصصين فيما يتعلق بقيامة يسوع. من الرائع أن نرى “شاو” ينشر كتابه الأول حول موثوقية العهد الجديد، في حين أن هناك كتبًا كثيرة عن تاريخية العهد الجديد (مثل كتاب كريغ بلومبرغ Craig Blomberg الضخم “الموثوقية التاريخية للعهد الجديد”) لطالما شعرت أننا بحاجة إلى المزيد من الموارد التي تكون موجزة وتتطرّق إلى النقاط الحقيقية والهامّة حول موثوقية العهد الجديد. يرجى ملاحظة أنني لا أقول أننا لم نعد بحاجة إلى كتاب بلومبرغ. إنه كتاب رائع. لكن كتاب شو يساعد في سد الفجوة هنا!

يقدم شاو عرضًا منهجيًا وتمهيديًا لموثوقية العهد الجديد من خلال استناده إلى 13 نقطة (انظر الصفحات 6-8).  سأقدم ملخصًا صغيرًا بالإضافة إلى بعض المداخلات أيضًا.

بنيامين شاو (Benjamin Shaw)

أدلة نصية للعهد الجديد

هل العهد الجديد الذي نقرأه اليوم هو نفسه الذي كُتب قديمًا؟ وكيف نعرف ذلك؟

يقول شاو:

“النقاد النصّيون هم علماء يقارنون مخطوطات مختلفة من كتابة قديمة مثل أفلاطون أو إنجيل متى. ولأنّنا لا نملك المخطوطات الأصلية (autographs)، فإنهم يقارنون النسخ المختلفة للتأكد إن كان النصّ الحالي، كما نقرأه، يعكس النصّ الأصلي على نحو وثيق. العهد الجديد يُعدّ أفضل نصّ موثّق في العالم القديم. هناك أكثر من 5000 مخطوطة باللغة اليونانية وحدها – بعضها يعود إلى قرن أو قرنين بعد وقت تأليف الأصل. ومع هذا الكمّ من النُّسَخ، من الطبيعي حدوث اختلافات بين المخطوطات (خصوصًا وأنها جميعها مكتوبة يدويًا). أغلب الاختلافات عرضي مثل أخطاء هجاء، ويقر النقّاد النصّيون، حتى المشكّكون منهم، بأنّ جوهر المسيحية لم يتأثر بأيّة اختلافات نصّية.” – صفحة 21.

من المفيد أيضًا أن نتذكر كلام “بارت إيرمان” (Bart Ehrman)، أحد أبرز نقّاد الكتاب المقدس الناقد لفكرة الثبات النصي، عندما يقول:

“لقد نجح علماء النصّ الكتابي إلى حدّ مقبول في إعادة بناء النصّ الأصلي للعهد الجديد. وباستثناء اكتشافات مستقبلية غير عادية أو تغييرات جذرية في الأسلوب، فمن غير المحتمل أن يتغيّر جوهر نص العهد الجديد اليوناني المطبوع بشكل كبير.” (من The Text of the New Testament in Contemporary Research, الطبعة الثانية، ص. 825)

غاري هابرمس (Gary Habermas)

أنواع نصوص العهد الجديد وتوقّعات الجمهور

كيف كان القراء القدامى يفهمون أسفار العهد الجديد؟

إذا كان القراء يتوقعون أن تكون الروايات تاريخية، فإن هذا من شأنه أن يضيف إلى مصداقية النص من حيث أنه كان من المتوقع أن يؤخذ على محمل الجد. ومن ناحية أخرى، إذا كان الجمهور يعرف أنها روايات خيالية، فإن ذلك سيشير إلى أن المؤلفين كانوا أحراراً في اختراع مادة خيالية.

يشرح شاو، باعتماد جزئي على دراسات “ريتشارد بورّيدج” (Richard Burridge):

الأناجيل تُصنّف ضمن السير اليونانية–الرومانية (Greco-Roman biographies)، وليس ضمن الروايات الخيالية، وهذا يعني أنّ كُتّاب الأناجيل لم يكونوا حرّين في تأليف أحداث خيالية، خلافًا لما يحدث في الروايات. وأما رسائل بولس، فكانت موجهة داخل الكنائس، وتُعدّ جزءًا من التواصل الداخلي، وليست موجهة لتشكيل رأي أو دعاية لغير المؤمنين. – صفحة 31.

يجدر بي أن أذكر أن هناك نقاشًا مستمرًا حول التصنيف الأدبي للأناجيل. أوصي بقراءة الفصل المعنون “تصنيف الأناجيل الأدبي” (The Genre of the Gospels) بقلم وِس أولمستيد (Wes Olmstead)، ضمن كتاب حالة دراسات العهد الجديد The State of New Testament Studies، وهو سلسلة من المقالات حررها سكوت مكنايت (Scot McKnight) ونيجاي ك. غوبتا (Nijay K. Gupta).

لكن عندما سمعت لأول مرة بالدعوة لتصنيف الأناجيل ضمن السير الذاتية اليونانية-الرومانية (Graeco-Roman Biography)، وجدت نفسي أتساءل:

هل من الممكن أن الأناجيل تندرج أكثر ضمن سيرة ذاتية يهودية؟

مع ذلك، مما أستخلصه، فرغم أن الأناجيل تحتوي على العديد من العناصر اليهودية، فإنّه باستثناء محتمل لكتاب “حياة موسى” لفيلو السكندري (Philo’s Life of Moses)—والذي لا يعتبره كثير من العلماء سيرةً بالمعنى الدقيق—فليست لدينا أمثلة واضحة على سير ذاتية مكتوبة لرجال دين يهود معاصرين للمسيح.

تأريخ أسفار العهد الجديد

متى كُتبت هذه الأسفار؟ إن الأحداث التي يتم توثيقها بشكلٍ مكتوب في وقت أقرب إلى وقت حدوثها هي المفضَّلة بشكل عام على تلك التي تُوثَّق في وقت لاحق. إذا كانت هذه الأعمال قد كُتبت خلال حياة الرسل، فهذه علامة جيدة.

يشير شاو إلى أن هناك بحثًا حديثًا لـ “جوناثان بيرنييه” (Jonathan Bernier) في كتابه Rethinking the Dates of the New Testament، يرى أنه من الممكن أن الأناجيل الأربعة جميعها كُتبت قبل رسائل بولس نفسها. لكن هذا الرأي لم يُعتمد إجماعيًا بعد، وَفقًا لكريج بلومبرغ الذي لا يقبله لتأريخ إنجيل يوحنا قبل 90م.

شاو يجد أن الأناجيل كلها كُتبت خلال حياة جيل شهود العيان على حياة يسوع وخدمته. من المقبول على نطاق واسع أن الأناجيل كُتبت خلال عقود من حياة يسوع. بينما تُعد رسائل بولس أقدم، إذ كُتبت بعد نحو 20 عامًا من موت يسوع. – صفحة 42.

تأليف أسفار العهد الجديد

من كتب هذه الأسفار؟ وهل هم مشاركون مباشرون (أو كانوا يعرفون مشاركين مباشرين) في الأحداث؟

يقول شاو أنه من بين الرسائل الـ13 المنسوبة إلى بولس، فإن سبعًا منها يقبلها حتى المشككون من النقاد كأصيلة ومكتوبة من قبل بولس نفسه، بالنسبة لي، هناك حجج قوية تؤيد أصالة الرسائل كلّها.

ويقول أيضاً “رغم أن الأناجيل تُعتبَر من الناحية الفنية مجهولة الاسم (technically anonymous)، إلا أنه من غير المرجّح أنها كانت مجهولة عمليًا (functionally anonymous)، أو أنها كُتبت بنية إخفاء هوية كُتّابها.”

ويُضيف:

“هناك توافق مذهل على أسماء الكتّاب المرتبطة بكل إنجيل، وقد ظهر هذا التوافق في وقت مبكر. الأسماء الوحيدة المرتبطة بالأناجيل الأربعة هي: متى (Matthew)، ومرقس (Mark)، ولوقا (Luke)، ويوحنا (John).” – ص. 52

ما معنى “مجهولة عمليًا”؟

يقول شاو: “وفقًا لهذا، حتى ينجح الادّعاء القائل إن الأناجيل كانت مجهولة عمليًا، فسيكون علينا أن نُصدّق أن الأناجيل نُسِخت مرات عديدة، بواسطة أشخاص مختلفين وكنائس مختلفة، وعلى مدى مناطق جغرافية واسعة، ولفترة زمنية طويلة. وأثناء هذه العملية، قررت هذه الكنائس المختلفة في مناطق متفرقة من حوض البحر الأبيض المتوسط أن تبدأ فجأة بإعطاء أسماء مؤلفين لهذه الكتابات. وحدث أن جميعها اختارت نفس الاسم لكل إنجيل.

وليس مرة واحدة فقط، بل أربع مرات – لكل إنجيل من الأناجيل الأربعة. هذا السيناريو يبدو مستبعدًا جدًا، بل عشوائيًا وملفّقًا. الأرجح أن الأناجيل كانت تحمل هذه الأسماء منذ البداية، لأنها ببساطة لم تكن مجهولة.” – ص. 48-49.

تقاليد العقائد في العهد الجديد (New Testament creedal traditions)

أولاً: ما المقصود بـ “تقليد عقائدي” (creedal tradition)؟

وفقًا لشاو، التقليد العقائدي هو عبارة عن مقطع قصير محفوظ شفهيًا، كان يُتداول داخل الكنيسة الأولى قبل تدوين العهد الجديد.

ثانيًا: ما علاقتها بالمزاعم في العهد الجديد؟

هذه الصيغ ليست تلك التي ظهرت لاحقًا مثل قانون نيقية، بل هي صيغ داخلية داخل العهد الجديد نفسه وتستخدم كأدلة قوية.

يقول شاو:

“يوجد العديد من التقاليد العقائدية في العهد الجديد. هذه العقائد تعبّر عن تقاليد شفهية كانت موجودة قبل كتابة العهد الجديد نفسه. من المقبول على نطاق واسع بين العلماء أن التقاليد التي يذكرها بولس تعود إلى حوالي الثلاثينيات الميلادية. نعلم أن بولس التقى بشخصيتين كبيرتين في المسيحية: بطرس (Peter) ويعقوب (James) بحسب غلاطية 1، واحدة من أقدم العقائد في العهد الجديد تبدأ في 1 كورنثوس 15:3، وهذه العقيدة مرتبطة بشهود عيان مثل بطرس ويعقوب وبولس نفسه. وتعتبر أقدم دليل تاريخي على قيامة يسوع، لأنها سبقت الأناجيل ورسائل بولس.” (ص. 61–62)

عليَّ أن أذكر أن هذه الحُجَّة تدحض فكرة أن العقائد ظهرت كزخرفة أسطورية بعد زمن طويل؛ بل إن الأناجيل والشهادات بدأت تُشكّل بُعيد وقت قريب من موت وقيامة يسوع.

المعايير التاريخية (Historical criteria)

ما الذي يُقنع المؤرخين أن حدثًا ما قد وقع فعلاً؟

يستخدم المؤرخون معايير عدة تزيد من احتمال وقوع الحدث إذا ما تم استيفاؤها، وهي تساعدهم في البحث حتى في المصادر التي يعتبرونها غير موثوقة، مشكوكًا فيها أو منحازة.

يقدم شاو أربعة معايير تنطبق على تنبؤ يسوع بموته وقيامته:

  • التواتر أو الشهادات المتعددة (Multiple attestation):

تكررت هذه التنبؤات في مصادر متعددة: على سبيل المثال، يخبر يسوع تلاميذه عن موته الوشيك وقيامته، فيقوم بطرس بتوبيخه. فيرد عليه يسوع بكلمات قوية: “اذهب عني يا شيطان”.

هذا الحدث مذكور في:

  • مرقس 8:31–33
  • متى 16:21–23
  • أما في لوقا 9:22، فذُكرت النبوّة فقط، دون ردّ بطرس أو توبيخ الرب له.

ومع ذلك، حين يرد الحدث نفسه في مرقس ومتى ولوقا (وهي الأناجيل الإزائية أو “Synoptic Gospels”)، يُعتبر في البحث النقدي عادةً كمصدر واحد فقط، [لأن هذه الأناجيل تعتمد جزئيًا على نفس المصادر أو التقاليد الشفهية.]

  • تعدد الصيغ (Multiple forms):

مذكورة في الأناجيل، وفي عقائد كـ 1 كورنثوس 11:24–25، ومن خلال الأمثال التي ضربها يسوع كمثل الكرّامين الأشرار (مرقس 12: 1-12). وعلامة يونان (متّى 12: 38-40) مثال آخر. وهكذا نجد تقارير عن هذه النبوءات في صيغ متعددة (روايات، عقائد، أمثال… إلخ).

  • التوثيق المبكّر (Reported early):

الأحداث الموجودة في صيغ متعددة، مثل تلك التي ذكرناها، تعتبر مبكرة. بالإضافة إلى ذلك، نجد المادة العقائدية في بولس تشير إلى العشاء الأخير. وبالطبع، نجدها أيضًا في أقدم إنجيل، إنجيل مرقس.

  • الشهادة المحرجة (Embarrassing testimony):

على سبيل المثال، توبيخ بطرس (Peter) للرب يسوع يمكن أن يُعد أمرًا محرجًا بحد ذاته (مرقس 8:32)،

لكن ما هو أكثر إحراجًا هو أن يسوع نفسه ينادي بطرس: “اذهب عني يا شيطان” (مرقس 8:33)!

وهذه الحادثة أكثر حساسية لأنها تتعلق بـ”بطرس”، الذي أصبح لاحقًا من أعمدة الكنيسة الأولى كما يشهد بولس في غلاطية 2:9.

والأمر اللافت أن هذا الحدث مذكور في إنجيل مرقس، الذي بحسب التقليد الكنسي يُعتبر مترجم بطرس.

لذلك، من غير المنطقي أن يكون بطرس قد اخترع رواية تظهره في موقف كهذا، ما يؤكد مصداقيتها.

لا يقف الأمر هنا، بل هناك أمور أخرى محرجة في النص: طريقة موت يسوع محرجة للغاية (1 كو 1: 23)، والبعض يرى أن صلاة يسوع في بستان جثسيماني قبل الصلب مربكة للغاية (مرقس 14: 32-41). – الصفحات. 69-70.

ويضيف شاو:

“المعايير التاريخية هنا شائعة الاستخدام اليوم للتقارير الحالية. وهي تزيد من احتمال وقوع الحدث، وتطبق على مصادر يُحتمل أن تكون موثوقة أو غير موثوقة على حد سواء.” (ص. 71)

المصادفات غير المقصودة (Undesigned coincidences)

لماذا تبدو نفس الرواية مختلفة عندما ترد في مصدرين مختلفين؟ ما الذي يجب أن نفكر فيه إذا كانت الروايتان تتفقان معًا مثل قطع الأحجية وتشكلان صورة أكبر؟ عندما يضيء توثيقان مستقلان بعضهما البعض بطرق تبدو غير مصمَّمة أو مقصودة، يمكن أن يزيد ذلك من احتمالية وقوع الحدث.

يرجع شاو إلى عمل “ليديا مكغرو” (Lydia McGrew):

“المصادفات غير المقصودة تحدث عندما تؤكّد نصوص مختلفة بعضها البعض دون قصد. من الصعب تصور وجود مثل هذا التطابق في مصدرين خياليين. هذه المطابقة تزيد من موثوقية الروايات لأنها تقدم تأكيدًا متبادلًا.” (ص. 80)

علم الآثار (Archaeology)

هل هناك أي دليل مادي يدعم الادعاءات الواردة في العهد الجديد؟ هل وصلتنا أية بقايا مادية تؤثر على فهمنا للعهد الجديد؟ هل هناك اكتشافات أثرية تتحدى العهد الجديد؟ يمكن للأدلة المادية التي نجت حتى الوقت الحاضر أن تلقي الضوء على جوانب مختلفة من الادعاءات الواردة في العهد الجديد، والتي يمكن أن تظهر إما أنها متسقة أو غير متسقة.

كما يقول شاو:

“علم الآثار يشكل بُعدًا خاصًا لدراسة الماضي، فهو يؤكّد البقايا المادية، ويضيف مصداقية للأحداث الموصوفة مثل قبر قيافا مقارنة بأدواره في النصّ. هناك اكتشافات أثرية تسهم في تعزيز موثوقية العهد الجديد، مثل تحذير الهيكل و’يوحنا’ Yohanan ضحية الصلب.” (ص. 89)

يجب أن أشير إلى أن هناك العديد من الاكتشافات الأثرية التي تؤيد شهادة العهد الجديد. انظر عمل تيتوس كينيدي Titus Kennedy في هذا الشأن.

المصادر غير المسيحية (Non-Christian sources)

ماذا تذكر المصادر غير المسيحية؟ هل هناك مصادر تؤكد تعاليم العهد الجديد أو تتفق معها؟ هل هناك مصادر تطعن في تقارير العهد الجديد؟ إذا كانت المصادر غير المسيحية تؤيد مزاعم العهد الجديد، فيبدو أن هذا سيضيف موثوقية لنصوص العهد الجديد.

يقول شاو:

“هناك مصادر غير مسيحية خارج العهد الجديد تشير إلى يسوع أو المسيحيين الأوائل: مثل نصوص موسّعة ليوسيفوس، وتاسيطوس، وبلينيوس الأصغر. رغم الطعون عليها، يُمكن استعادة نص يوسيفوس وتثبيته كمصدر غير مسيحي يدعم الرواية المسيحية. لا تذكر هذه المصادر مثلًا أن المسيح صُلب في مصر أو اليونان.” (ص.99)

وبينما أتفق مع هذا، عندما يطلب مني الناس كتابات خارج العهد الجديد، أسألهم دائمًا لماذا لا يمكنهم الوثوق بالعهد الجديد؟ يجيبون عمومًا بالقول إن المؤلفين متحيزون.

وعن التحيز المسيحي، يوضح شاو:

“أريد أن أؤكد أنه لمجرد أن المؤلف مسيحي، فإن هذا لا ينفي تلقائيًا ما يقوله ذلك المؤلف. ما يُطلب منا حينها فقط أن نكون على دراية بتحيز المؤلف (وكذلك تحيزنا). يرى المتشكك بارت إيرمان Bart Ehrman أنّ أياً من المؤرخين لن يرفض الروايات المبكرة من حرب الاستقلال الأمريكية فقط لأن مؤلفيها كانوا أمريكيين، بل ينبغي استخدامها كمصادر هامة. ويتضمن ذلك روايات جورج واشنطن وأنصاره. “إن رفض استخدامها كمصادر،” يكتب إيرمان، “يعني التضحية بأهم السبل المتاحة لنا للماضي، وعلى أسس أيديولوجية بحتة، وليس تاريخية.” ما هو تأثير ذلك على الأناجيل؟ يجيب: “وكذلك الأناجيل.”- ص. 92.

المصادر المسيحية غير القانونية (Noncanonical Christian sources)

ماذا تقول هذه المصادر؟

بمعنى آخر، ما الذي كانت الكنيسة الأولى تقوله عن يسوع والرسل؟ هل ترسم هذه المصادر صورة متسقة مع العهد الجديد؟ أم أنها تقدم تعاليم جديدة ومختلفة؟ إن كانت هذه المصادر تؤكد ما ورد في العهد الجديد، فهذا يعزز موثوقيته ويضيف طبقة أخرى من الاعتماد عليه.

يشير شاو:

“هذه المصادر ليست ضمن العهد الجديد، لكنها مبكرة وتقدم نظرة قيّمة على المسيحية الأولى، مثل:

  • كليمنضس الروماني (Clement of Rome)
  • إغناطيوس الأنطاكي (Ignatius of Antioch)
  • بوليكاربوس أسقف سميرنا (Polycarp of Smyrna)

(ص.107)

الأسفار القانونية ومصداقية العهد الجديد (New Testament Canon and Credibility)

كيف أصبح العهد الجديد مجموعة واحدة من الأسفار؟

وماذا عن الكتب التي لم تُدرج ضمن هذه المجموعة؟

هل هي أفضل من حيث الشهادة التاريخية؟

وإذا كانت الكنيسة قد جمعت العهد الجديد بناءً على معايير اعتمدت على النصوص الموثوقة، فهل هذا يدل على أن هذه الأسفار فعلاً يمكن الوثوق بها؟

يشرح شاو هذه المسألة قائلًا: “المعايير تساعد فعلاً على فهم تكوين القانون، لكن سيكون من الخطأ التاريخي (an anachronism) أن نقول إن الكنيسة الأولى كانت تبحث هنا وهناك عن كتابات موثوقة لتجميعها. بل بالحقيقة، كانت الكنيسة تملك بالفعل بعض الكتابات التي كانت تؤمن أنها موثوقة بدرجات متفاوتة.

بمعنى آخر، فإن المعايير التي استُخدمت لاحقًا لتحديد قانونية الأسفار، لم تكن عملية تقرير لما يجب أن يُضم، بل كانت محاولة من الكنيسة لـتفسير وتوضيح ما كان بين يديها أصلًا.

وهكذا، فإن هذه المعايير المعقولة تُقدّم زاوية واحدة فقط لفهم كيفية تكوُّن الأسفار القانونية للعهد الجديد.

ويقتبس شاو من العالِم الشهير بروس متزجر (Bruce Metzger) قوله:

“الكنيسة لم تُنشئ قانون العهد الجديد، بل جاءت لتعترف به، وتقبله، وتؤكده، وتُثبت الصفة الذاتية للتوثيق التي تميّزت بها بعض الأسفار، والتي فرضت نفسها على الكنيسة باعتبارها معتمدة وموحى بها. وإذا تم تجاهل هذه الحقيقة، فإن المرء لا يقع في صراع مع العقيدة فحسب، بل مع التاريخ ذاته.” (ص. 111)

التحوّل الروحي والحياتي (Spiritual and life transformation)

هل يوجد دليل على تغيُّر حقيقي في حياة الناس بما يتوافق مع تعاليم العهد الجديد؟

بمعنى آخر: إن كانت روايات العهد الجديد عن حياة يسوع وأعماله صحيحة، ومعها تعاليم الكنيسة الأولى، فينبغي أن نرى آثارًا واضحة لذلك من خلال التغيير في حياة الأفراد.

أعتقد أن هذه النقطة كثيرًا ما يُتغافل عنها، وأنا سعيد لأن شاو قد أشار إليها.

لقد قابلت عددًا كافيًا من المورمون والمسلمين الذين قالوا لي إن كتاب المورمون أو القرآن قد غيّر حياتهم.

ويقول شاو:

“لأكون واضحًا، أنا لا أقول إن مجرد تأثير كتاب ما يجعله موثوقًا، ولا أقول إن التحوُّل في حياة الإنسان يعني تلقائيًا أن مصدره موثوق.

ما أريد التأكيد عليه هو أن الحجّة هنا تتعلق بالاتساق (consistency).

من الواضح أن هناك كتبًا قد يكون لها تأثير كبير، ومع ذلك تكون خاطئة أو غير موثوقة.

فالأثر أو التغيير لا يُثبت الموثوقية، ولكنه يتّسق معها.

الفكرة هنا هي: إن كانت تعاليم العهد الجديد، على وجه التحديد، صحيحةً بالفعل، فمن الطبيعي أن يشعر الأفراد والمجتمعات بتأثيرها في حياتهم.” – ص. 119

ويتابع قائلاً:

“أنا لا أزعم أن تأثير المسيحية بحد ذاته يثبت موثوقيتها، بل أقول إن هذا التأثير ينسجم مع كونها موثوقة.

فإن كانت المسيحية حقًا، فنتوقّع أن يكون لها الآثار التي وصفها المؤرخ ليكي (Lecky).

وكما يشير المفكّر مانغالوادي (Mangalwadi)، فعندما نقرأ العهد الجديد ونفهمه بعمق، فإن تعاليمه تواجهنا وتتحدّانا.

ملايين الناس قرأوا هذه النصوص، اكتشفوا خطاياهم، وتابوا، وتركوا حياة الشر، وتبعوا يسوع.

هذه الخبرات المباشرة قادت إلى تغيّرات جذرية، لدرجة أن حتى من حولهم شهدوا على التغيير في حياتهم بشكل غير مباشر.” – ص. 127

المقاربة القائمة على “الوقائع الدنيا” (Minimal Facts approach)

هل يمكن تأكيد الوقائع الأساسية في رسالة الإنجيل، حتى لو كانت بعض جوانب العهد الجديد غير موثوقة بنظر البعض؟

هل هناك حقائق تاريخية عن موت يسوع وقيامته يتفق عليها العلماء من خلفيات لاهوتية مختلفة، لأنها مدعومة بأدلة قوية؟

إن كان الجواب نعم، فهذا يعطي قوة إضافية للحجج التي سبقت في النقاط الاثنتي عشرة أعلاه.

يعرض شاو هنا ما يُعرف بـ”المقاربة القائمة على الوقائع الدنيا” (Minimal Facts Approach). وتقوم هذه المقاربة على معيارين:

  • أن تكون هذه الوقائع مدعومة بأدلة تاريخية متعددة.
  • أن يكون هناك إجماع واسع بين العلماء من مختلف الخلفيات (من المشككين إلى المؤمنين) حول صحة هذه الوقائع.

وتعتمد هذه المقاربة على نهج من الأسفل إلى الأعلى يبدأ بالأحداث الأكثر موثوقية.

ويورد شاو أهم هذه الوقائع الدنيا:

  • أن يسوع مات مصلوبًا.
  • أن التلاميذ اختبروا ظهورات ليسوع القائم من الموت.
  • أن التلاميذ كانوا مستعدّين أن يتألّموا ويموتوا من أجل إيمانهم.
  • أن يعقوب، أخا يسوع الجسدي والذي كان مشكّكًا، تحوّل وآمن به بعد القيامة.
  • أن بولس، مضطهد الكنيسة، آمن بالمسيح وتحول جذريًا.

بشكلٍ عام، أنا معجب جدًا بالطريقة التي قدّم بها شاو هذا المحتوى.

أنا شخصيًا أفضل العرض المنهجي المبني على نقاط واضحة، وهذا الكتاب لم يخيب ظني.

أراه مصدرًا ممتازًا للتعليم للمدافعين والباحثين، بل وحتى الشخص العادي الباحث عن الحق.

كما أنه يمكن أن يكون كتابًا مناسبًا لإعطائه لشخص يتساءل عن موثوقية العهد الجديد. آمل أن تحصل على نسخة منه.

كاتب المقال: chab123

رابط المقال:  https://chab123.wordpress.com/2024/08/26/trustworthy-thirteen-arguments-for-the-reliability-of-the-new-testament-by-benjamin-shaw-and-gary-habermas/

ترجمة: عبدالمسيح

ثلاث عشرة حُجَّة جديرة بالثقة على مصداقية العهد الجديد – غاري هابرمس وبنيامين شاو – ترجمة: عبدالمسيح

كتاب لا أملك الإيمان الكافي للإلحاد – نرومان جيزلر PDF

كتاب لا أملك الإيمان الكافي للإلحاد – نرومان جيزلر PDF

 

كتاب لا أملك الإيمان الكافي للإلحاد – نرومان جيزلر PDF

كتاب لا أملك الإيمان الكافي للإلحاد – نرومان جيزلر PDF

محتويات الكتاب:

مقدمة الطبعة العربية 

المقدمة 

1-هل نستطيع التعامل مع الحق ؟

2-ما الذي يجعلنا  نصدق اي شيء على الاطلاق ؟

3-في البدء كان انفجار كبير

4-التصميم الالهي

5- الحياة الاولى :  قوانين طبيعية  ام عجائب الهية ؟

6-من الخلية  الي الانسان مرورا بالحيوان  ؟

7-الام تريزا مقابل هتلر 

8-المعجزات : علامات  تشير الي لله ام سذاجة ؟

9-هل  عندنا شهادات مبكرة عن يسوع ؟

10-هل لدينا  شهادة شهود عيان عن يسوع ؟

11-الاسباب العشرة  الرئيسية التي  تؤكد  لنا صحة اقوال كتاب العهد الجديد 

12-هل حقا  قام يسوع من الاموات ؟

13-من هو يسوع  : الله ؟  ام مجرد  معلم اخلاقي عظيم ؟

14-ماذا علم يسوع  عن الكتاب المقدس  ؟ 

15-الخلاصة : القاضي  و الملك العبد و سطح العلبة 

ملحق  1 :  ان كان الله موجودا  , فلماذا الشر ؟

ملحق  2 : أليس  ذلك تفسيرك انت  ؟

ملحق  3 :  لماذا لا يتحدث  سمينار يسوع عن يسوع ؟

المراجع

 

تحميل الكتاب PDF

 

كتاب دافع عن إيمانك – سلسلة مكونة من اثنتي عشرة درسا في الدفاعيات PDF

كتاب دافع عن إيمانك – سلسلة مكونة من اثنتي عشرة درسا في الدفاعيات PDF

 

كتاب دافع عن إيمانك – سلسلة مكونة من اثنتي عشرة درسا في الدفاعيات PDF

كتاب دافع عن إيمانك – سلسلة مكونة من اثنتي عشرة درسا في الدفاعيات PDF

 

محتويات الكتاب:

مقدمة في علم الدفاعيات 

اعتقادات خاطئة و شائعة 

هل يوجد اله ؟

دفاعيات عن عقيدة الخلق 

دفاعيات اكثر عن عقيدة الخلق 

الجدال العام عن المسيحية 

اثبات صحة العهد الجديد باستخدام الاختبار البيليوغرافي 

اثبات صحة العهد الجديد باستخدام الاختبارت الداخلية و الخارجية 

قيامة يسوع المسيح 

النبوات المتممة 

إلوهية المسيح 

حسم الجدال 

تحميل الكتاب PDF

كتاب الدفاعيات المجردة – اليستر ماجراث PDF

كتاب الدفاعيات المجردة – اليستر ماجراث PDF

 

كتاب الدفاعيات المجردة – اليستر ماجراث PDF

كتاب الدفاعيات المجردة – اليستر ماجراث PDF

محتويات الكتاب:

الفصل الاول : البداية : ما هي الدفاعيات ؟

تعريف الدفاعيات 

الموضوعات الاساسية في الدفاعيات المسيحية 

الدفاعيات و الكرازة 

حدود الدفاعيات 

خطوة للامام 

الفصل االثاني : الدفاعيات و الثقافة المعاصرة : من الحداثة الي ما بعد الحداثة 

الدفاعيات و الحداثة 

صعود تيار ما بعد الحداثة 

الدفاعيات وحركة ما بعد الحداثة 

المنهج المعتمد في هذا الكتاب 

خطوة للأمام 

الفصل الثالث : الاساس اللاهوتي للدفاعيات 

تكوين سياق 

الدفاعيات ورؤية لاهوتية للواقع 

مثال مناسب : تحليل لاهوتي للصليب

الفصل الرابع : الجمهور : الامكانات المتاحة و القضايا المطروحة 

الدفاعيات مع اليهود : عظة بطرس يوم الخمسين 

الدفاعيات مع اليونانيين : عظة بولس في اثينا 

الدفاعيات مع الرومان : خطب بولس القانونية 

الدفاعيات و الجمهور :مبادئ عامة 

الدفاعيات و الجمهور : قضايا معاصرة 

الفصل الخامس : منطقية الايمان المسيحي 

طبيعة الايمان 

ما اهمية منطقية الايمان المسيحي ؟

فلسفة العلوم باعتبارها احد الموارد التي تعتمد عليها الدفاعيات 

معنى الاشياء : دراسة حالة 

الفصل السادس: علامات على الطريق : اساليب العمل بالدفاعيات 

الدلائل و المؤشرات و البراهين 

المفتاح الاول: الخلق ( نشأة الكون )

المفتاح الثاني : الضبط الدقيق (كون مصمم للحياة )

المفتاح الثالث : النظام (بنية العالم المادي )

المفتاح الرابع : الاخلاق ( اشتياق للعدالة )

المفتاح الخامس :الرغبة ( فطرة داخلية تسعى الي الله )

المفتاح السادس :الجمال (بهاء العالم الطبيعي )

المفتاح السابع : العلاقاتية (الله بوصفه شخصا)

المفتاح الثامن :الابدية (رجاء حدسي )

المفاتيح في نسيج واحد :بحثا عن نسق 

الفصل السابع : المداخل المتاحة للدفاعيات : فتح باب الايمان 

المداخل و الدفاعيات : بعض الافكار 

المدخل الاول : الشرح 

المدخل الثاني : الحجة 

المدخل الثالث : القصص

المدخل الرابع : الصور 

كتاب الدفاعيات المجردة

الفصل الثامن : أسئلة عن الايمان : تصميم منهجيات 

الاسئلة و الشكوك : بعض النقاط الاساسية 

دراسة حالة  1 : لماذا يسمح الله بالالم ؟

دارسة حالة 2 : الله عكاز 

الاستخدام العملي : تطبيق دراستي الحالة 

كتاب الدفاعيات المجردة

الفصل التاسع : خاتمة : اسلوبك الخاص في الدفاعيات 

اعرف نفسك 

تعلم من الاخرين 

مارس 

و أخيرا 

حواشي

 

تحميل الكتاب PDF

 

كتاب الإيمان وموجباته المنطقية – روبرت ل رايموند PDF

كتاب الإيمان وموجباته المنطقية – روبرت ل رايموند PDF

 

كتاب الإيمان وموجباته المنطقية – روبرت ل رايموند PDF

كتاب الإيمان وموجباته المنطقية – روبرت ل رايموند PDF

محتويات الكتاب :

التمهيد 

الفصل الاول 

ما هو علم الدفاع المسيحي؟

الفصل الثاني : 

الايمان و موجباته المنطقية باللاهوت المسيحي كمادة تعليمية ذهنية 

الفصل الثالث:

الايمان و موجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو كلمه الله 

الفصل الرابع :

الايمان و موجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح  في الجسد و بصعوده الي السماء

الفصل الخامس :

الايمان وموجباته المنطقيه بولاده المسيح العذراوية 

الفصل السادس :

الايمان و موجباته المنطقية بمعجزات الكتاب المقدس عموما و بمعجزات يسوع خصوصا

الفصل السابع :

الايمان و موجباته المنطقية باهتداء بولس المعجزي على طريق دمشق

 الفصل الثامن :

الايمان و موجباته المنطقية لرفض الدفاع المبنى على الدلائل : 

دراسة حالة في المنهجية الدفاعية 

الفصل التاسع :

الايمان وموجباته المنطقية بالله , اله المسيحيين 

الفصل العاشر :

الايمان وموجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو نقطة الارتكاز الوحيدة حيث بإمكان الانسان ان يحظى بالمعرفة و بالقيمة الشخصية 

الفصل الحادي عشر :

الايمان وموجباته المنطقية بطبيعة الحق الكتابي

الفصل الثاني عشر :

الايمان وموجباته المنطقية بالقيمة الدفاعية للأخلاقيات المسيحية المبنية على الايمان بالله

الفصل الثالث  عشر :

الايمان وموجباته المنطقية بأسلوب بولس الدفاعي  للبلوغ الي جيل جديد ما بعد الحداثة هذا 

الخاتمة

 

تحميل الكتاب PDF

كلمة إلى المهتمين بالدفاعيات المسيحية – د. يوسف يعقوب

كلمة إلى المهتمين بالدفاعيات المسيحية – د. يوسف يعقوب

كلمة إلى المهتمين بالدفاعيات المسيحية – د. يوسف يعقوب
 

كلمة إلى المهتمين بالدفاعيات المسيحية – د. يوسف يعقوب 
لطالما اعتقدت أن كل من يعيشون في “العالم الأول” هم أذكى خلق الله، و بالذات طلاب الجامعات. فهؤلاء من يعيشون في “أوروپا و الدول المتقدمة” يملكون كل ما أحلم به من موارد ثقافية و فكرية التي تمكنهم من التفكير المنطقي المستنير لمعرفة الإجابات عن أسئلة الحياة الصعبة. هؤلاء مستقلّون! الموضوعية لغتهم، والحق غايتهم.

هم ليسوا “مثلنا”، يؤمنون عمياناً، يصدقون تسليماً، يخافون الأسئلة الصعبة، يخشون و يشوهون الآخر (فقط لأنه آخَر)، و يكفّرون المتحيرين. 
في العام الماضي حظيت بالفرصة التي دمت أحلم بها، لقد ذهبت هناك لأدرس. قضيت سنة في دراسة اللاهوت و فلسفة الأديان في واحدة من أشهر الجامعات العالمية. بكل المقاييس، قد كانت سنة فاصلة في حياتي. أشعر بامتنان وقشعريرة كلما تأملت في روعة تلك السنة. ولكن مع هذا اكتشفت أن تخيلي عن جنة الفكر تلك كان ساذجاً. 

لقد كانت الأحاديث والمناقشات جزء أساسي من دراستي، فقد تعمدت أن أتحدث مع من يختلفون معي متوقعاً أن أتحدى فكري و فكرهم. ها قد كنت، بكل ما تعلمته من حُجج و أدلة “تُثبت” وجود الله وحقيقة الإيمان المسيحي أحاول إقناع المشككين. لكن على رغم ما توقعت، تحطمت تلك الصورة التي كانت في مخيلتي. فقد ذُهلت من موقف الكثيرين من وجود الله و من أسئلة الحياة الصعبة. لم أجد ثقة بل تشويش، لا استنارة بل جهل، لا تشكيك (skepticism) بل لامبالاة. 

ومع ذلك استمريت في استخدام ما يسميه اللاهوتيين بالدفاعيات الكلاسيكية (classical apologetics)، وهي تستخدم حُجج فلسفية مُحكمة ومجردة (أي بدون الإستعانة بأي آيات أو معتقدات من الكتاب المقدس والمسلمات المسيحية) “لإثبات” وجود الله. لكن في كثير من أحاديثي، وجدت نفسي تحت ضغط أن أسأل بعض الأشخاص (بعضهم ممن ادّعى الانتماء بشكل أو بآخر للمسيحية) عما يعنون عندما يستخدمون لفظ الله. فاجأتني الإجابات وفي مراتٍ أضحكتني. وصفه البعض كرجل كهل بلحية بيضاء يراقبنا من فوق، أو كحمامة ترفرف فوق السحاب، أو كقوة غير مرئية كالجاذبية، أو كساحر دهي يمِنّ علينا بالمعجزات كل حين أو آخر وصور أُخرى كثيرة.

وجدت صورًا مشوهة عن الله، هجين من مفاهيم مسيحية وفلسفات و أديان أخرى. وكالمتوقع، يُعلِق الكثيرون بعد وصفهم لصورة الإله تلك قائلين: “لكني لا أؤمن بوجود الله من الأساس”. بالتأكيد! إن كانت مخيلتي عن الإله هي التي تصورها قصص الأطفال والأساطير، فالتشكيك رد فعل جائز. لكن حقيقةً، رد الفعل المتوقع هو اللامبالاة. لأي سببٍ نهتم بشخصية الحواديت تلك؟

دفعني ذلك لأستنتج أن موقف الناس تجاه وجود الله لم يتغير عبر الأزمنة أو الحضارات. لقد نشأت في جو من الوعظ الكنسي الذي طالما ولايزال يخاطب عدم الإخلاص واللامبالاة تجاه الله. يستخدم هذا النوع من الوعظ الضغط علي الضمائر والإحساس بالذنب كي يُلين قلوب الناس تجاه الله. أما الآن في عصر الإنترنت و العلم، قرر أبناء جيلي، خاصةً اللامباليين منهم، عدم الإنصياع لهذا “التلاعب العاطفي”. اليوم، العلم في صفهم ضد الله (أو ذاك يظنون). الآن هم ليسوا فقط لامباليين، بل لامباليين عن اقتناع. تبين هذا لي في أحاديثي مع طلاب جامعة أوكسفورد في انجلترا.

بعدما تنفذ أسلئتهم و حُججهم ضد وجود الله وتُجاوَب بردود مقنعة (أو هذا ما رأيت)، لم أرى أى نية أو استعداد لتغيير المواقف أو القناعات. جائتني ردود الفعل بما يمكن تلخيصه في تعبير ترنيمة قديمة: “ماذا يعنيني؟!”. رأيت أن رفض الناس لله لم يتلاشى بأي كمية من الأدلة أو الحجج الفلسفية المُحكمة لوجوده.

حاولت أن أغير طريقتي بأن أحوّل موضوع المناقشات من وجود الله إلى الحديث عن الله نفسه. بدا لي واضحاً أن رد فعل الأشخاص تجاه “إثباتات” وجود الله تُملى في المقام الأول بتصور الشخص المسبق عن طبيعة الله وليس الإثباتات على وجوده. إن كان الله ذلك العجوز ذو اللحية البيضاء الجالس على السحاب، فوجوده، حتى و إن كان جلياً، غير جدير بالاهتمام، تماماً كوجود “أُمّنا الغولة” و “أبو رجل مسلوخة”. إن كان الله “بلطجياً”، شخص كريه مهووس بالتحكم والعقاب ويُسجل تصرفاتنا وغلطاتنا التافهة ليحدد مصيرنا، فوجوده، حتى وإن كان مُثبتاً، خبرٌ كارثي.

إن كان الله متعالٍ فوق أي وكل إدراك ووصف لغوي، لدرجة أن مفهوم معرفة الله يشكل تناقضاً في حد ذاته، ورغم أن هذا الإله لا يُعرف فإنه يقتضي منّا الطاعة والطاعة فقط؛ فوجود ذلك الإله، حتى وإن ادعاه الملايين، عبء ثقيل. لذلك ما أعرضه هنا هو إنه إن أراد المسيحيون أن يقنعوا الآخرين بوجود الله، يجب عليهم أولاً أن يوضحوا لماذا يعتبرون وجود الله، حسبما يتصورونه، خبر سعيد وجدير بالاهتمام. ما الذي يجعل حقيقة وجود كائن غير مرئي حقيقة تتطلب منّي رد فعل وقرار جاد؟

لقد أدرك الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي بلايز پاسكال تلك الفرضية منذ عدة قرون. لقد لاحظ أن “الناس يكرهون الدين” وأنه لا توجد كمية ممكنة من الأدلة تكفي لإقناع من ثبّت قلبه على رفض الله. ولذلك، ما اختبرته في رحلتي ومُناقشاتى هو أن جمال المسيحية هو العامل المحرك الأساسي للعقول المتشككة. لا أقصد أن الجمال وحده يقنع العقول، فقد تكون المسيحية مجرد كذبة جميلة أخرى، لكني أقصد أن الإدراك الواعي والحسي لجمال المسيحية قد يدفع الباحث أن يأخذها بعين الإعتبار. ينصح پاسكال المدافع عن المسيحية أن يحاول أن يوصّل السائل لمرحلة يتمنى فيها أن تكون المسيحية حقيقية.

وعند هذه المرحلة يأتي دور الأدلة التي تُرجح أن المسيحية (أو وجود الإله الذي تصفه المسيحية) هي أكثر من مجرد قصة جميلة، هي أيضاً حقيقة. باختصار، قبل أن يقدم المسيحيون الدلائل على صحة إيمانهم، يجب عليهم أولا أن يقدموا أسباباً تقنع المشكك أن المسيحية تستحق اهتمامه من الأساس.

في رأيي، هذه المنهجية في الدفاع عن المسيحية، والتي سأسميها بالدفاعيات الروائية (Narrative Apologetics)، هي ما يفترضه الرسول بطرس حينما دعا المسيحيين للدفاع عن إيمانهم. “كونوا مستعدين دائماً لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم، بوداعة وخوف. “ (بطرس الأولى ١٥:٣). لاحظ أن هناك افتراض أن هناك من يسأل عن سبب (أو”دفاع عن”، كما تقول اللغة الأصلية) الرجاء الذي فينا. ما هو هذا الرجاء؟ وما الذي يدفع أحداً أن يسأل عن سبب هذا الرجاء؟ أتعتقد أن ما تؤمن به هو بالفعل سبب رجاء يستحق أن تحيا بل وأن تموت لأجله؟

هل يستحق ما تؤمن به أن يغير الآخرون فكرهم وطريقة حياتهم ليقبلوه؟ أم أن هدف المناقشات والجدالات هو فقط أن تثبت لنفسك أنك على حق بغض النظر عن مضمون ما تحاول جاهداً أن تقنع الناس به؟ أعتقد أن مفهوم الدفاعيات الروائية يقدم لنا خيط خلاق ومفيد للإجابة على تلك الأسئلة (وأيضآ قدران كبيران من التواضع و مسائلة النفس الجادّان).

أسميها دفاعيات روائية لأنها تعتمد في الأساس على مهارة الحكاية. لقد فقدنا تقديرنا لأداة الحكاية. فنحن أناس متعقلون، نقيّم الحُجج والنظريات المجردة؛ لا مجال لقصص الأطفال في يومنا هذا. لكن دعني ألفت النظر أن آداة الحكاية كانت ولازالت تُستخدم كواحدة من أساليب الفكر والفلسفة في أغلب العصور والحضارات.

فالفلاسفة الروسيون، مثل فيودور دوستويفسكي، على عكس أقرانهم الغربيون، لا يكتبون فلسفاتهم في نظريات بل في روايات. أدعوك لقراءة رواية ”الأخوان كرامازوڤ“ التي تتحدث عن مشكلة الألم والشر وسترى عزيزي القارئ أن الحكاية لم تفقد قوتها أو تأثيرها. المسيح نفسه لم يغير نصف العالم القديم وثلث العالم الحديث بنظرياته بل بحكاياته.

تدفعنا الدفاعيات الروائية أيضاً ألي إعادة التفكير فيما نؤمن به كمسيحيون. يدخل الكثيرون في عالم الدفاعيات في محاولة للدفاع عن المعتقدات المسيحية التي تربوا عليها. ومع أن دراسة الدفاعيات شئ جيد جداً، ولكنه قد يتحول بسهولة لندّية ومواجهة متكبرة مع الآخر فقط لغاية الارتياح الداخلي دون التوقف للتأمل فيما نؤمن به. ينتهي الكثيرون إلى الدفاع عن معتقدات تبدو وكأنها مسيحية ولكنها ساذجة، كالتي تعلمناها كأطفال في مدارس الأحد. ولكن إن أردت أن تدافع عن المسيحية بحق، حاول أن تحكي قصتها لشخص يختلف عنك في الرأي دون أن تحاول أن تثبت صحتها له.

حاول أن تحكيها دون أن تستخدم ألفاظ لاهوتية معقدة أو كلمات لا يفهمها إلا من تربى داخل المجتمع الكنسي. حاول أن تضع نفسك في مكان شخص لا يعنيه الله في شئ (أو حتى يكرهه)، وحاول أن ترسم له صورة عن الله التي قد تدفع ذلك الشخص لوضع حياته بالكامل في أيدي الله دون أن تخفي شيئآ مما وصفه الكتاب المقدس عنه.

كُن مستعداً أن تغير رأيك في كثير مما تؤمن به، كُن مستعداً أن تستمع وأن تصغي إلى أسئلة وإعتراضات الآخرين دون أن تسرع لتفنيدها بدون التفكير في الأسباب التي أنشأت بداخلهم أسئلتهم واعتراضاتهم. كن مستعداً أن تشك! وهنا ستسنح لك الفرصة، بعد وقت ومجهود كثيريّن، أن تكتشف كنوز لم تعرفها من قبل عن من هو الله، وماذا فعل، وماذا يريد أن يفعل وماذا يعنينا في كل ذلك، ولماذا في كل هذا لنا رجاء.

“Men despise religion…. Make it attractive, make good men wish it were true and then show them that it is.” – Blaise Pascal, Pensées 1670: Pensée 187

“The Best defence of Christianity is a good explanation of it.” – Alister McGrath, Mere Apologetics

“I have come to the conviction that if you cannot translate your thoughts into uneducated language, then your thoughts were confused”- C.S. Lewis, God in the Dock, Christian Apologetics

* ملاحظة: جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبها. وصوت أونلاين ترحب باختلاف الآراء.

كلمة إلى المهتمين بالدفاعيات المسيحية – د. يوسف يعقوب

Exit mobile version