الروح والحرف 6 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 6 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 6 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 6 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الفصل(25): العبارة في الرسالة إلى أهل رومية

          والآن تأمل بعناية هذه العبارة الكاملة وأنظر هل تتحدث عن شيء يتعلق بالختان أو يوم السبت, أو أي شيء آخر يخص رمز السر المقدس.

فهل لم يصل كل غرضه إلى هذا أن الحرف الذي يمنع الخطية يعجز عن إعطاء الحياة لإنسان بل بالأحرى “يقتله” بواسطة زيادة الشهوة وتهويل الإثم بواسطة التعدي إذا لم تحررنا بالفعل النعمة بناموس الإيمان الذي هو في المسيح يسوع عندما “محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا”؟ (رو5:5) وباستعمال الرسول هذه الكلمات: “حتى نعبده بجدة الروح لا بعتق الحرف” (رو6:7)” واستمر ليسأل: “فماذا نقول. هل الناموس خطية. حاشا. بل لم أعرف الخطية إلا بالناموس.

فإنني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته. ولكن الخطية وهي متخذه فرصة بالوصية أنشأت في كل شهوة. لأن بدون الناموس الخطية ميتة. أما أنا فكنت بدون الناموس عائشا قبلا ولكن لما جاءت الوصية عاشت الخطية فمت أنا. فوجدت الوصية التي للحيوة هي نفسها لي للموت. لأن الخطية وهي متخذه فرصة بالوصية خدعتني بها وقتلتني إذا الناموس مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحة. فهل صار لي الصالح موتا.

حاشا بل الخطية لكي تظهر خطية منشئة لي بالصالح موتا لكي تصير الخطية خاطئة جدا بالوصية. فإننا نعلم أن الناموس روحي وأما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية. لأني لست أعرف ما أنا أفعله إذ لست أفعل ما أريده بل ما أبغضه فإياه أفعل. فإن كنت أفعل ما لست أريده فإني أصادق الناموس أنه حسن فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة في. فإني أعلم أنه ليس ساكن فيّ أي في جسدي شيء صالح لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد.

لأني لست أفعل الصالح الذي أريده بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل. فإن كنت ما لست أريده إياه أفعل فلست بعد أفعله أنا بل الخطية الساكنة فيَّ. إذاً أجد الناموس لي حينما أريد أن أفعل الحسنى أن الشر حاضر عندي فإني أسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن ولكن أرى ناموسا آخر أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي.

ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت. أشكر الله بيسوع المسيح ربنا. إذا أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية”. (رو7:7-25).

الفصل (26):  “ليس ثمر صالح دون أن ينمو من جذر المحبة”

إنه واضحا جدا أن عتق الحرف في غياب جدة الروح بدل أن تحررنا من الخطية تجعلنا مذنبين بمعرفة الخطية. لذلك كتب من جزء آخر من الكتاب المقدس “الذي يزيد علما يزيد حزنا” (جا18:1)ة ليس أن الناموس نفسه شرا ولكن لأن الوصية لها صفتها. الصالحة في إظهار الحرف وليس في مساعدة الروح. وإذا حفظت هذه الوصية خوفا من العقاب وليس حبا في البر فيكون هذا بروح العبودية وليس بروح الحرية ولذلك لا تحفظ أبدا إذ إنه لا تكون ثمرة جيدة لم ينمو من جذر المحبة.

ومع ذلك لو وجد هذا الإيمان الذي يعمل بالمحبة (غلا6:5) فإن الإنسان يبدأ أن يسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن (رو22:7) وهذا السرور هو عطية الروح وليس الحرف, وحتى مع أنه يوجد ناموسا آخر في أعضائنا يحارب ناموس ذهنا تتغير الحالة القديمة وتمر في هذا التجديد الذي يزداد من يوم لآخر. في الإنسان الباطن طالما نعمة الله تحررنا من جسد هذا الموت بربنا يسوع المسيح.

الفصل (27): النعمة التي كانت مختفية في العهد القديم ظهرت في العهد الجديد

في العهد القديم أخفت النعمة نفسها تحت برقع ولكنها ظهرت في العهد الجديد بفضل تدبير الأزمنة المحكمة, وذلك لمعرفة الله لكيفية تدبير كل شيء.

وربما تكون جزءا من هذه النعمة المختفية إنه في الوصايا العشر التي أعطيت على جبل سينا الجزء الذي يتصل فقط بالسبت كان مختفيا في شكل وصية مرموز إليها. يعتبر يوم السبت يوما مقدسا وبدون تفسير إنه بين الأعمال التي أنجزها الله سمع أول صوت للتقديس في اليوم الذي استراح الله فيه من كل أعماله.

وفي الحقيقة لا يجب علينا الآن أن نكثر في الحديث ولكن في نفس الوقت أظن أن هذا كاف للنقطة التي نناقشها الآن إنه لم يكن هناك سببا في أن تجبر الأمة في ذلك اليوم على الكف عن كل الأعمال الذليلة التي بها تعني الخطية ولكن لأن عدم ارتكاب الخطية يتعلق بالتقديس الذي هو عطية الله بواسطة الروح القدس.

وقد وضعت هذه الوصية وحدها في الناموس الذي كتب على لوحين من الحجارة في شكل صورة مرموز إليها التي بها يحفظ اليهود يوم السبت حتى إنه في نفس الحالة يمكن أن تعني إنه كان حينذاك الوقت الملائم لاختفاء النعمة التي كان لابد أن تظهر في العهد الجديد بموت المسيح. كما حدث انشقاق الحجاب (مت20:27) ويقول الرسول: “ولكن عندما يرجع إلى الرب يرفع البرقع” (2كو16:3).

الفصل (28): لماذا يسمى الروح القدس إصبع الله

“وأما الرب فهو الروح وحيث روح الرب هناك حرية” (2كو17:3) والآن روح الله هذا الذي بعطيته نتبرر لذلك يحدث إننا نفرح عندما لا نخطئ حيث توجد الحرية, وأيضا عندما نفقد هذا الروح نفرح بالخطية حيث توجد العبودية – هذا الروح القدس الذي به يسكب الحب في قلوبنا الذي هو إتمام الناموس أشير له في الكتاب المقدس “بإصبع الله” (لو20:11).

أليس هذا لأن هذين اللوحين نفسهما كتبا بإصبع الله, وأن روح اله الذي يقدسنا هو أيضا إصبع الله لكي بإيماننا نستطيع أن نعمل أعمالا صالحة بواسطة المحبة؟ من لم يتأثر بهذا التطابق وبهذا الاختلاف في نفس الوقت؟ لأنه كما قدر خمسون يوما من احتفالات عيد الفصح (الذي أمر به موسى بأن يذبح الحمل الرمزي) (مز3:12)..

ليشير في الحقيقة إلى موت المسيح, إلى اليوم الذي تسلم منه موسى الناموس مكتوبا بإصبع الله على لوحي الحجارة (حز18:31) لذلك وبمثل هذه الطريقة, من موت الرب إلى قيامته الذي سيق للذبح كشاه (أش7:53) كانت خمسون يوما كاملة إلى الوقت عندما جمع إصبع الله – الذي هو الروح القدس هؤلاء الذين آمنوا في شركة واحدة.

الفصل (29) مقارنة بين شريعة موسى وشريعة العهد الجديد

        والآن وسط هذه المطابقة العجيبة يوجد على الأقل هذا الاختلاف العظيم في الحالات في ذلك أن الناس في العهد القديم بواسطة الرعب الفظيع منعوا من الاقتراب من المكان الذي أعطى فيه الناموس مع أن في الحالة الثانية حل الروح القدس عليهم الذين اجتمعوا معا في انتظار عطية الله التي وعد بها وهناك اشتغل إصبع الله على ألواح من الحجارة وأما هنا فكانت على قلوب الناس هناك أعطى الناموس ظاهريا حتى يرتعب الشرير (مز16,12:19) وأما هنا فأعطى سرا حتى يتبرروا (أع1:2-47)

لأن هذا: “لا تزن لا تقتل لا تسرق لا تشهد بالزور لا تشته وإن كانت وصية أخرى هي مجموعة في هذه الكلمة أن تحب قريبك كنفسك. المحبة لا تصنع شرا للقريب فالمحبة هي تكميل الناموس” (رو10,9:13) والآن هذا ليس مكتوبا على ألواح من الحجارة ولكن:

“انسكب في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا” (رو25:5) لذلك فإن المحبة هي ناموس الله “لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله إذ ليس هو خاضعا لناموس الله لأنه أيضا لا يستطيع” (رو7:8) ولكن عندما تكتب أعمال المحبة على ألواح التنزر اهتمام الجسد فينشأ ناموس الأعمال “والحرف الذي يقتل” المخطئ, ولكن عندما تنسكب المحبة نفسها في قلوب المؤمنين فحينئذ يكون لدينا ناموس الإيمان والروح الذي يعطيه الحياة لكي يحب.

الفصل (30) ناموس العهد الجديد مكتوبا في الداخل

          والآن لاحظ كيف يكون هذا الاختلاف مطابقا لتلك الكلمات التي قالها الرسول التي أشرت إليها في مناسبة أخرى ليست ببعيدة جدا والتي أرجأتها بعد ذلك إلى تأمل مجدِ: “ظاهرين إنكم رسالة المسيح مخدومه منا مكتوبة لا بجد بل بروح اله الحي لا في ألواح حجرية بل هفي ألواح قلب لحمية.” (2كو3:3) انظر كيف إنه أظهر أن الأول كتب بدون إنسان حتى تنذره من الخارج. الثاني من داخل الإنسان نفسه حتى تبرره من الداخل. إنه يتكلم عن ألواح “القلب اللحمية” وليس عن اهتمام الجسد ولكن عن نائب حي له إحساس.

ويعني التصريح الذي جاء فيما بعد. “وليس كما كان موسى يضع برقعا على وجهه لكي لا ينظر بنو إسرائيل إلى نهاية الزائل” (2كو13:3) إن حرف الناموس لا يبرر بل إنه بالأحرى قد وضع برقعا في قراءة العهد القديم إلى أن تتحول إلى المسيح ويزول البرقع وبمعنى آخر, حتى نتحول إلى النعمة ويفهم أن الله يهبنا التبرير الذي به نفعل ما يأمرنا به ولذلك فهو يأمرنا أن نلتجئ إلى معونته لأننا عاجزين من أنفسنا.

وبناءاً على ذلك وبعد حديث متحفظ, “لنا ثقة مثل هذه بالمسيح يسوع لدى الله” (2كو4:3) ويستمر الرسول فيضيف أن التقرير الذي يكون تحت موضوعنا لكي يمنعنا من أن ننسب ثقتنا لأي قوة لنا. يقول: “ليس إننا كفاه من أنفسنا أن نفتكر شيئا كأنه من أنفسنا بل كفايتنا من الله الذي جعلنا كفاه لأن نكون خدام عهد جديد لا الحرف بل الروح. لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحي” (2كو6,5:3).

الفصل (31) الناموس القديم يميت, الناموس الجديد يعطي البر

          والآن ولأنه كما يقول في عبارة أخرى: “الناموس قد زيد بسب التعديات” (غلا19:3) تعني الناموس الذي كتب في الخارج للإنسان لذلك فهو بها إلى كل من “خدمة الموت” (2كو7:3) “وخدمة الدينونة” (2كو9:3) ولكن الثانية التي هي ناموس العهد الجديد التي يسميها “خدمة الروح” (2كو8:3) “وخدمة البر” (2كو9:3) لأننا بواسطة الروح نعمل البر وننجو من الدينونة الناتجة عن التعدي. لذلك إحداهما تتلاشى والثانية تبقى لأننا سنستغنى عن المؤدب المرعب عندما تنجح المحبة في أن تخيف.

والآن: “حيث روح الرب هناك حرية” (2كو17:3) ولكن إن هذه الخدمة قد منحت لنا ليس لاستحقاقاتنا ولكن من نعمة الله. وهكذا يعلن الرسول: من أجل ذلك إذ لنا هذه الخدمة كما رحمنا لا نفشل بل قد رفضنا خفايا الخزي غير سالكين في مكر ولا غاشين كلمة الله” (2كو2,1:4).

          بهذا “المكر” وبهذا “الغش” يجب أن نفهم الرياء الذي به يظن المتعظم أنه أصبح باراً لذلك في المزمور الذي يذكره الرسول ليبرهن على نعمة الله قيل “طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطية ولا في فمه غش” (مز2:32) هذا هو اعتراف القديسين المتواضعين الذين لا يفتخرون أن يكونوا في حالة ليست لهمن.

وحينئذ يكتب الرسول هكذا في عبادة تالية: “فإننا لسنا نكرر بأنفسنا بل بالمسيح يسوع ربا ولكن بأنفسنا عبيدا لكم من أجل يسوع لأن الله الذي قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح” (2كو6,5:4) هذا هو معرفة مجد الله الذي به نعرف أن الله هو النور الذي يضيء ظلامنا.

أرجوك أن تلاحظ كيف يصر على استيعابنا نفس هذه النقطة ويقول: “لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية ليكون فضل القوة له لا منا” (2كو7:4) وعندما مضى أبعد من ذلك أوصي في شروط متأججة نفس هذه النعمة في الرب يسوع المسيح في هذه أيضا نئن مشتاقين إلى أن نلبس فوقها مسكننا الذي من السماء لكي يبتلع المائت من الحياة” (انظر 2كو1:5-4).

          لاحظ ما يقوله: “ولكن الذي صنعنا لهذا عينه هو الله الذي أعطانا أيضا عربون الروح” (2كو5:5) وبعد قليل استنتج خلاصة الأمر باختصار هكذا: “لنصير نحن بر الله فيه” (2كو21:5) ليس هذا هو البر الذي به الله نفسه باراً ولكن هذا الذي به يجعلنا أبراراً.

الروح والحرف 6 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 5 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 5 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 5 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 5 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الفصل السادس عشر: كيف أن الناموس لم يوضع لأجل البار

          لأن “الناموس لم يوضع للبار” (1تى1: 9) وأيضا “الناموس صالح إن كان أحد يستعمله ناموسياً” (1تى1: 8).

والآن إن الرسول بربطه هذين التقريرين المتناقضين ظاهريا يحذر ويحث قارئه على تفحص المسألة وحلها أيضا. إذا أنه كيف يمكن أن يكون ذلك أن “الناموس صالح إن كان أحد يستعمله ناموسيا” إذا لم يكن الآتي صادقا أيضا: “عالما هذا أن الناموس لم يوضع للبار” (1تى1: 8)؟ – إذا أنه من يستعمل الناموس ناموسيا غير الإنسان البار؟

مع أنه لم يوضع لأجله بل وضع لغير البار ينبغي إذاً على الإنسان الشرير لكي يقدر أن يتبرر حتى يصير إنسانا باراً أن يستعمل الناموس ناموسيا ليوصله كما بيد مؤدب (غلا3: 24) إلى تلك النعمة التي بها وحدها يستطيع أن يتمم ما يأمر به الناموس؟ فهو الآن قد تبرر بها مجانا ولا يكون ذلك على حساب استحقاقات سالفة لأعماله؛ “وإلا فليست النعمة بعد نعمة” (رو11: 6)، لأنها أعطيت لنا ليس لأعمال صالحه فعلناها ولكن لكي نكون قادرين على فعلها.

وبمعنى آخر- ليس لأننا أتممنا أعمال الناموس ولكن لكي نكون قادرين على إتمامها والآن قال الله “إني ما جئت لانقض بل لأكمل” (مت5: 17) للذي قيل عنه “رأينا مجده كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا” (يو1: 14) هذا هو المجد الذي نقصد به الكلمات: “الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” وهذه النعمة التي تكلم عنها في الآية التالية: “متبررين مجانا بنعمته” (رو3: 24)

وعلى ذلك فإن الإنسان الشرير يستعمل الناموس ناموسيا حتى يقدر أن يصير باراً ولكنه عندما يصير كذلك ينبغي عليه أن لا يستعمل الناموس كعربة لأنه قد وصل إلى نهاية رحلته (منتهى آماله) أو بالأحرى (على العكس من ذلك) (حتى أستطيع أن استعمل تشبيه الرسول الذي ذكر سابقا) كمؤدب لأنه يعتبر الآن متعلما تعليما كاملا.

كيف إذاً لم يوضع الناموس للبار، إذا اعتبر أنه ضروريا للبار أيضا ليس لكي يأتـي كإنسان شرير للنعمة حتى تبرره ولكن لكي يستعمله ناموسيا الذي هو بارا الآن؟ وربما لا تقف القضية هكذا، كلا لا “ربما” ولكن بالأحرى “بالتأكيد” إن الإنسان الذي صار باراً هكذا يستعمل الناموس ناموسيا، عندما يستعمله لإنذار الإنسان الشرير.

لكي كلما بدأ فيهم مرض لرغبه شاذة تزداد أيضا بدافع تحريم الناموس وبمقدار متزايد من التعدي- يقدرون أن يلتجئوا بإيمان إلى النعمة التي تبرر وبابتهاجهم بعذوبة بهجات القداسة يستطيعون الهروب من عقوبة حرف الناموس الذي يرهب بواسطة عطية الروح الهادئة؟

وعلى ذلك فإن التقريرين لا يكونان متناقضان ولا يستكرهان بعضهما: حتى الإنسان البار يستطيع أن يستعمل ناموسا صالحا وأيضا الناموس لم يوضع للإنسان البار لأنه ليس بالناموس أصبح بارا ولكن بناموس الإيمان الذي يجعله يؤمن أنه ليس هناك مصدر آخر كان ممكنا لضعفه أن يتم الوصايا التي يأمر بها “ناموس الأعمال” (رو3: 27) إلا إذا كان معضدا بنعمته الله.

الفصل السابع عشر: تحريم (إبعاد) الافتخار

          فيقول بناءاً على ذلك: “فأين الافتخار؟ قد انتفي. بأي ناموس؟ أبناموس الأعمال. كلا بل بناموس الإيمان” (رو3: 27). إما أنه يقصد الافتخار الحميد الذي يكون في الرب وقد “أبعد” ليس بمعنى أن يدفع بعيدا لكي يختفي ولكن أنه ظهر بوضوح لكي يرفض رفضا باتا. لذلك بعض الصناع الذين يشتغلون في الفضة يسمون “exclusores” [يتضح أن الإشارة هنا إلى عمال يشتغلون بإنتاج عمل مضغوط مطروق: أنظر Guhl and kover : حياة اليونانيون والرومانيون ص 449. 77]

وبهذا المعنى يأتي أيضا في تلك العبارة من المزامير: “المترامين بقطع الفضة” (مز68: 30) ويكون ذلك أن الذين جربوا بواسطة كلمة الله يقدرون أن يرفضوا رفضا باتا. لأنه قيل في عبارة أخرى: “كلام الرب كلام نقي كفضة مصفاة” (مز12: 6) أو إذا لم يكن هذا ما يقصده فإنه ينبغي عليه أن يذكر أن الافتخار الرديء الذي يأتي من الكبرياء.

الذي هو هؤلاء الذين يظهرون لأنفسهم أنهم يحيون حياة بارة ويفتخرون بعظمتهم كأنهم لم يأخذوها. وأيضا لكي يخبرونا أنه بناموس الإيمان وليس بناموس الأعمال قد حرم هذا التفاخر بمعنى أخر منع وإبعاد لأنه بواسطة ناموس الإيمان يعلم كل فرد أنه مهما تكن الحياة الصالحة التي يعيشها فهي من نعمة الله ولا يقدر أن يحصل على الوسائل التي بها يصبح كاملا في حبه للبر من مصدر آخر مهما كان.

الفصل الثامن: التقوى هي الحكمة؛ وهي ما تسمى بر الله، الذي يعطيه

إن هذا التأمل يخلق إنساناً تقياً،و وهذه التقوى هي حكمة حقيقية وأقصد بالتقوى ما يسميها اليونانيون ()eooebeia – إن كل فضليه يوصي بها الإنسان في عبارة لأيوب حيث قيل له: “هوذا مخافة الله هي الحكمة” (أي28:28)

والآن إذا ترجمت الكلمة ()eooebeia طبقاً لأصلها كان يمكن تسميتها “عبادة الله” والنقطة الأساسية في هذه العبادة هي أن لا تكون النفس ناكرة لإحسانات الله. لذلك فإنه في معظم ذبائحنا الحقيقية ننصح “بتقديم الشكر للرب إلهنا”

ومع ذلك فأن نفوسنا تكون غير شاكرة عندما تنسب لذاتها ما تأخذه من الله وخاصة البر بالأعمال التي بها
[ الملكية الصفة الخاصة كما كانت بنفسها وتصنعه النفس ذاتها لذاتها ] لا يكون الارتفاع في افتخار وضيع، كما يمكن أن يكون بالثراء أو بحمال الأطراف أو البلاغة أو تلك الإنجازات الأخرى. خارجية أو داخلية، جسدية أو معنوية، التي يعتادها الضعفاء ولكن إذا أمكننى قول ذلك، في سرور حكيم بالنسبة للأشياء التي تنظم بطريقة خاصة أعمال الخير الصالحة. أنه بسبب خطية هذا الافتخار الوضيع حتى بعض العظماء ينحدرون من المأمن الأكيد للطبيعة الإلهية ويسقطون في عار عبادة الأوثان.

وذلك عاد الرسول في نفس الرسالة حيث يصر على أهمية النعمة. بعد أن قال أنه كان مدينوناً لكل من اليونانيين والبرابرة. للحكماء والجهلاء ويقر بنفسه أنه مستعداً كما يختص بذلك أن يكرز بالإنجيل حتى لهؤلاء الذين في روميه ويضيف: ” لأني لست استحي بإنجيل المسيح لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي أولا ثم لليوناني لأنه فيه معلن بر الله بإيمان لإيمان كما هو مكتوب أما البار فبالإيمان يحيا” (رو1: 14-17) هذا هو بر الله الذي كان مختفياً في العهد القديم وظهر في العهد الجديد.

ويسمى “بر الله” لأنه يجعلنا أبراراً بمنحه إيانا البر كما نقرأ أن “للرب الخلاص” (مز8:3) لأن الله يجعلنا مطمئنين (في أمانٍ) وهذا هو الإيمان الذي أعلن “من الذي” “وإلى الذي” من إيمان الذين يكرزون به إلى إيمان هؤلاء الذين يطيعونه.

بهذا الإيمان بيسوع المسيح الإيمان الذي أعطاه لنا المسيح نحن نؤمن أننا نأخذ من الله. وسنأخذ أكثر وأكثر القدرة على الحياة البارة.

لذلك نشكر الله بتلك العبادة المطيعة التي بها لا نعبد سوى الله وحده.

الفصل التاسع عشر: معرفة الله خلال الكون

بطريقة مناسبة جدا انتقل الرسول من هذه النقطة ليصف بكراهية هؤلاء الذين استنيروا ويرتفعون بواسطة الخطية التي ذكرتها في الفصل السابق- ينتقلون بعيداً لغرورهم كما حدث وخلال فضاء خالٍ حيث لا يجدون موضع راحة يسقطون مرشحين إلى قطع بإصطدامهم بالخرافات الباطلة التي لأوثانهم كما يصطدمون بالأحجار لأنه بعد أن أوصى بطاعة الإيمان الذي به نتبرر نكون في أشد احتياجنا لإرضاء الله. ثم انتقل ليوجه انتباهنا إلى ما يجب علينا بغضه كمعارض.

“لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم الذين يحجزون الحق بالإثم إذ معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم وأظلم قلبهم الغبي وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفني والطيور والدواب والزحافات” (رو1: 18-23)

لاحظ أنه لم يقل أنهم كانوا يجهلون الحق ولكنهم أخفوا الحق في الإثم إذ أنه خطر له أن يستفسر من أين يحصل الذين لم يعطيهم الله الناموس على معرفة الحق وتكلم عن المصدر الذي يحصلون منه على المعرفة: لذلك يعلن أنهم وصلوا إلى معرفة صفات الخالق غير المنظورة خلال أعمال الخلق المنظورة.

وبنفس الفعل عندما استمروا في إحراز قدرات على البحث حتى استطاعوا أن يجدوا في أي شيء إذاً يكون إلحادهم؟ لأن “لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم” يعتبر الغرور مرض وخصوصا بالنسبة لهؤلاء الذين يخدعون أنفسهم “يظن أنه شيء وهو ليس شيئا” (غلا6: 3) وفي الحقيقة إن مثل هؤلاء يظلمون أنفسهم في هذا التفاخر المرتفع؛ لا تأتيه رجل الكبرياء ويد الأشرار لا تزحزحه” (مز36: 11)

بعد أن قال: “بنورك نرى نورا” (مز36: 9) وابتعدوا عن نفس نور الحقيقة الذي لا يتغير “وأظلم قلبهم الغبي” (رو1: 21) لان قلبهم لم يكن حكيما مع أنهم عرفوا الله. ولكن كان هذا بالأحرى حماقة لأنهم لم يمجدوا أو يشكروا الله كإله لأن “وقال للإنسان هوذا مخافة الرب هي الحكمة” (أى28: 28) وبهذا السلوك “بينما هم يزعمون أنهم حكماء (الذي لا يفهم منه سوى أنهم ينسبون ذلك لأنفسهم) صاروا جهلاء” (رو1: 22)

الفصل (20): الناموس بدون النعمة

          ما حاجتي الآن للحديث عن ما يأتي؟ ولماذا سقط هؤلاء بإلحادهم- أقصد هؤلاء الذين وصلوا إلى معرفة الخالق بواسطة الخليقة- “لأن الله يقاوم المسكتبرين” (يع4: 6) وحيث أنهم غرقوا- لا أفضل ذكر ذلك هنا وأفضل إظهاره في نهاية الرسالة إذا أنه في خطابي هذا لم نتعهد بتفسير هذه الرسالة ولكن غالبا مسئوليتها أن تبرهن بقدر استطاعتنا أننا معضدون بمساعدة إلهية من جهة إتمام عمل البر ليس فقط لأن الله أعطانا ناموسا مليئا بالوصايا الصالحة والمقدسة ولكن لأن إرادتنا الخاصة التي بدونها لا نستطيع أن نفعل شيئا صالحا..

وقد عضدت وسمت “بروح النعمة” التي بدون معونتها يعتبر التعليم مجرد “الحرف الذي يقتل” (2كو3: 6) نظرا إلى أنها على العكس من ذلك تضبطهم مذنبين بخطئيتهم ولا تبرر الشرير. والآن هؤلاء الذين يعرفون الخالق بواسطة الخليقة لا يأخذون أي فائدة للخلاص بمعرفتهم لأن “لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله كما يزعمون أنهم حكماء” (رو1: 21) وأيضا الذين يعرفون بالناموس كيف يجب أن يحيا الإنسان لا يصيرون أبراراً بمعرفتهم “لأنهم إذا كانوا يجهلون بر الله ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم لم يخضعوا لبر الله” (رو10: 3)

الفصل(21): ناموس الأعمال وناموس الإيمان

           ناموس الأفعال إذاً الذي هو ناموس الأعمال الذي لا يحرم هذا الافتخار، وناموس الإيمان الذي يحرمه يختلف كل منهما عن الآخر. وهذا الاختلاف هو ما يستحق اهتمامنا في التأمل إذا استطعنا أن نلاحظ وندركه.

وبالحقيقة يمكن لإنسان أن يقول دون تروٍ أن ناموس الأعمال هو في الديانة اليهودية وناموس الإيمان هو في الديانة المسيحية.

نظرا إلى أن الختان والأعمال الأخرى التي يأمر بها الناموس هي بالضبط تلك الأعمال التي لم تعد المسيحية محتفظة بها ولكن هناك مغالطة في هذا الاختلاف العظمة التي حاولت أحيانا كشفها لمثل الحاذقين في تقدير قيمة الاختلافات خاصة لك ولمن مثلك لعلي وفقت في جهدي لأنه مع ذلك فإن الموضوع من أهم الموضوعات من أهم الموضوعات- وسوف لا يكون غير مناسب لو بغرض توضيحه ترددنا أمام براهين عديدة تقابل فكرنا مرات كثيرة.

 والآن يقول الرسول أن هذا الناموس الذي “لا يتبرر أمامه أي إنسان” (رو 3: 20) “دخل لكي تكثر الخطية” (رو5: 20) ومع ذلك لكي ينقذه من طعنات الجاهل واتهامات الملحد دافع عن هذا الناموس عينه بكلمات كالآتية: “فماذا نقول هل الناموس خطية. حاشا بل لم أعرف الخطية إلا بالناموس فإنني لم أعرف الشهوة إن لم يقل الناموس لا تشته ولكن الخطية وهي متخذه فرصه بالوصية أنشأت في كل شهوة لأن بدون الناموس الخطية ميته” (رو7: 7، 8) ويقول أيضا: “إذاً الناموس مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحه فهل صار لي الصالح موتا.

حاشا. بل الخطية لكي تظهر خطية منشئه لي بالصالح موتا لكي تصير الخطية خاطئة جدا بالوصية” (رو7: 12، 13) وبناءاً على ذلك فيكون نفس الحرف الذي يقتل يقول “لا تشته” وهذا هو ما تكلم عنه في عبارة أشرت إليها سابقا: لأن بالناموس معرفة الخطية. وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودا له من الناموس والأنبياء بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كلٍ وعلى كل الذين يؤمنون لأنه لا فرق.

إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله. لإظهار بره في الزمان الحاضر ليكون بارا ويبرر من هو من الإيمان بيسوع” (رو3: 20-26) ثم أضاف العبارة التي هي الآن موضع تأملنا: “فأين الافتخار قد انتفى. بأي ناموس أبناموس الأعمال كلا.

بل بناموس الإيمان” (رو3: 27) ولذلك فهو نفس نِاموس الأعمال ذاته الذي يقول: “لا تشته” لأنه بهذا تأتي معرفة الخطية والآن إنني أريد أن أعرف لو تجرأ أي إنسان أن يخبرني هل ناموس الإيمان لم يقل لنا “لا تشته”؟ لأنه لم يقل لنا كذلك فماذا يكون هناك السبب الذي يجعلنا نحن الذين نخضع له لا نخطيء في أمان وبسماح؟

وبالحقيقة هذا هو بالضبط ما فهمه هؤلاء الناس من قصد الرسول الذي كتب لذلك: “أما كما يفترض علينا وكما يزعم قوم أننا نفعل السيئات لكي تأتي الخيرات الذين دينونتهم عادلة” (رو3: 8) وبعكس ذلك لو قيل لنا “لا تشته” (كذلك مثل ما تبين وتحث عبارات عديدة في الأناجيل والرسائل) ثم لماذا لم يدع هذا الناموس أيضا ناموس الأعمال؟ إذ أنه بدون أي وسيلة تتبع ذلك لأنه لا يبق على “أعمال” الأسرار المقدسة الجليلة العظيمة كذلك الختان والشعائر الأخرى…

لذلك فهو ليس له أعمال في أسراره المقدسة التي تطبق على الوقت الحاضر إلا إذا كان بالفعل السؤال عن الأعمال المقدسة عند ذكر الناموس. بالضبط لأنه به معرفة الخطية ولذلك لا يتبرر به أحد لكي لا يكون ذلك التفاخر محرما بواسطته. ولكن بواسطة ناموس الإيمان الذي يحيا به الإنسان البار ولكن هل لا يكون به أيضا معرفة الخطية حتى عندما يقول “لا تشته”؟

الفصل (22): لا أحد يتبرر بالأعمال

          سأشرح بإيجاز وجه الاختلاف بينهما. ما يأمر به ناموس الأعمال بواسطة التهديد ذاك يحميه ناموس الإيمان بواسطة الإيمان أحد هما يقول “لا تشته” (خر20: 17) والآخر يقول: “ولما علمت بأني لا أكون عفيفا ما لم يهبني الله العفة وقد كان من الفطنة أن أعلم ممن هذه الموهبة توجهت إلى الرب وسألته” (الحكمه8: 21) هذه بالحقيقة نفس الحكمة التي تدعي “التقوى” الذي نعبد بها” أبي الأنوار الذي منه كل عطية صالحه وكل موهبة تامة” (يع1: 17)

ومع ذلك فإن هذه العبادة تتوقف على ذبيحة الحمد والشكر لكي لا يفتخر الذي يعبد الله بنفسه ولكن بالله (2كو10: 17) وبناءاً على ذلك فبناموس الأعمال يقول لنا الله أعملوا ما آمركم به ولكن بواسطة ناموس الإيمان نقول لله أعطينا ما أوصيت به وهذا هو السبب في إعطاء الناموس أمره لينبهنا إلى الإيمان الذي ينبغي علينا عمله ويكون الذي أعطى له  هذا الأمر إذا لم يكن كذلك غير قادر على إنجازه يقدر أن يعرف ما الذي يطلبه ولكن إذا كانت له المقدرة في الحال ويطيع الأمر ينبغي عليه أيضا أن يكون عارفا من هو صاحب الموهبة الذي يعطي هذه المقدرة.

“لأننا لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لتعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله” (1كو10: 17) مع ذلك ماذا يكون روح هذا العالم سوى روح الافتخار؟ التي بها أظلم قلبهم الغبي الذين مع أنهم يعرفون الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله (رو1: 21) فضلا عن ذلك فإنه بالحقيقة بنفس الروح خدعوا أيضا لأنهم إذ كانوا يجهلون بر الله ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم لم يخصوا لبر الله” (رو10: 3).

لذلك يبدو لي أنه أكثر من “طفل في الإيمان” الذي تعلم من أي مصدر ينظر ما لم يأخذه بعد… وليس كالذي ينسب كل ما عنده وبدون شك بالرغم من ذلك فإنه يفضل من كل هؤلاء الإنسان الذي عنده كلا الاثنين وفي نفس الوقت يعرف من الذي أعطاه إياها ولو أنه مع ذلك لا يصدق نفسه أن يكون في الوضع الذي لم يصل إليه بعد لا تدعه يسقط في خطأ الفريسي الذي بينما كان يشكر الله على ما أمتلكه مع ذلك فشل في أن يطلب أي عطية أخرى كما لو كان واقفا في غير حاجه إلي شيء لزيادة أو كمال بره (لو18: 11، 12).

والآن وقد تداولنا وتأملنا كما يجب كل هذه الظروف والبراهين نستنتج أن الإنسان لا يتبرر بوصايا الحياة المقدسة ولكن بالإيمان بيسوع المسيح وباختصار… ليس بناموس الأعمال ولكن بناموس الإيمان، ليس بالحرف ولكن بالروح، ليس باستحقاقات الأفعال ولكن بنعمة مجانية.

الفصل (23): كيف أن الوصايا العشر تقتل دون وجود النعمة

          مع أن الرسول ظن لذلك أنه يلوم ويقوم هؤلاء الذين استميلوا أن يختتنوا في مثل هذه العبارات كتسميتهم بكلمة “الناموس” الختان نفسه وأيضا الشعائر الشرعية المشابهة الأخرى…

والتي نبذها الآن المسيحيون لكونها إشارات ((a future Substance ومازالوا يصرون على ما تعهدت به هذه الإشارات مجازيا؛ ومع ذلك فإنه في نفس الوقت يود أن يجعله مفهوما فهما واضحا أن الناموس كما قال أن الإنسان لا يتبرر به لا يوجد فقط في تلك القوانين المقدسة التي احتوت على تشبيهات لوعود ولكن أيضا في تلك الأعمال التي كل من يفعلها يحيا حياة مقدسة والتي تقع بينها هذا التحريم: “لا تشته”. والآن ولكي نجعل تقريرنا أكثر وضوحا دعنا نتفرس في الوصايا العشر نفسها.

أنه من المؤكد إذاً أن موسى استلم الناموس على الجبل لكي يوصله للشعب كتب بأصابع الله على لوحين من الحجارة وجمعت في هذه العشر الوصايا التي لا يوجد بها أي أمر عن الختان ولا أي شيء يتعلق بتلك الذبائح الحيوانية التي كف المسيحيون عن تقديمها. والآن أحب أن أعرف ماذا تحوي هذه الوصايا العشر الإ حفظ السبت الذي لا ينبغي على مسيحي حفظه سواء كان يحرم صنع أو عبادة الأوثان وأي آلهة أخرى غير الله الإله الحقيقي.

أو النطق باسم الله باطلا أو فرض الإكرام للوالدين، أو تحريم الزنا والقتل والسرقة، الشهادة الزور-الفسق أو اشتهاء ملكيات الآخرين؟ فمن يقدر أن يقول أنه ينبغي على المسيحي ترك واحدة من هذه الوصايا؟ فهل من الممكن أن نقتنع بأنه ليس هو الناموس الذي كتب على هذين اللوحين الذين وصفها الرسول “بالحرف الذي يقتل” ولكن ناموس الختان والشعائر (الطقوس) الأخرى المقدسة التي أبطله الآن؟

ولكن كيف يمكننا أن نفتقد ذلك إذاً، عندما تأتي هذه الوصية في الناموس “لا تشته” بأي شيء كل وصية رغما من كونها مقدسة- عادلة وصالحة، يقول الرسول الخطية خدعتني بها وقتلتني؟ (أنظر رو7: 7-12).

ماذا يمكن أن يكون هذا سوى “الحرف الذي يقتل”؟

الفصل (24): العبارة في الرسالة إلى أهل كورنثوس

          في العبارة التي يتحدث فيها لأهل كورنثوس عن الحرف الذي يقتل والروح الذي يحيي شرح بوضوح كثير ما كتب في اللوحين ولكن لم يقصد حتى هناك أن يكون مفهوما من الحرف حرف آخر سوي الوصايا العشر نفسها إذ أن هذه كلمات الله: “ظاهرين أنكم رسالة المسيح مخدومة منا مكتوبة لا بجبر بل بروح الله الحي. لا في ألواح حجريه بل في ألواح قلب لحميه. ولكن لنا ثقة مثل هذه بالمسيح لدى الله. ليس أننا كفاه من أنفسنا أن نفتكر شيئا كأنه من أنفسنا بل كفايتنا من الله.

الذي جعلنا كفاه لأن نكون خدام عهد جديد لا الحرف بل الروح لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحيي ثم إن كانت خدمة الموت المنقوشة بأحرف في حجارة قد حصلت في مجد حتى وجهه الزائل فكيف لا تكون بالأولى خدمه الروح في مجد لأنه أن كانت خدمة الدينونه مجدا فبالأولى كثيرا تزيد خدمة البر في مجد” (2كو3: 3-9) هناك كلام كثير يجب أن نتحدث به عن هذه الكلمات ولكن ربما يكون لدينا فرصة أكثر ملاءمة في وقت قريب ومع ذلك أرجوك الآن أن تلاحظ كيف يتحدث عن الحرف الذي يقتل ويناقضه بالروح الذي يحيي.

وهذا بالتأكيد يجب أن يكون “خدمة الموت المنقوشة بأحرف في حجارة” وأيضا “خدمة الدينونه” وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية (رو5: 20) وتعتبر الوصايا العشر نفسها نافعه ومفيدة للعامل بها لدرجة أنه لا يستطيع أحد أن ينال الحياة ما لم يحفظها. إذاً هل بسبب الوصية الوحيدة التي أدرجت فيها عن “يوم السبت” تسمى الوصايا العشر “بالحرف الذي يقتل”؟ لأنه بالتأكيد كل إنسان يظل محافظا على ذلك اليوم بميعاد الحرفي يكون ذو تفكير جسداني وكونه ذو تفكير جسداني، لا يعتبر شيئا آخر غير الموت؟

كما يجب أن ينظر إلى التسع وصايا الأخرى التي حفظت تماما في شكلها الحرفي كأنها تخفي ناموس الأعمال الذي لا يتبرر به أحد ولكن تخص الإيمان الذي به يحيا الإنسان البار؟ من يستطيع أن يضيف رأيا سخيفا كهذا بأن يفترض أن “خدمة الموت المنقوشة بأحرف في حجارة” لم تشمل بالتساوي كل العشر الوصايا ولكن قيلت للوصية الخاصة بالسبت؟

في أي نوع نضع ما قيل على هذا النمط: “الناموس ينشيء غضبا إذ حيث ليس ناموس ليس أيضا تعدٍ؟ (رو4: 15) أيضا: “حتى الناموس كانت الخطية في العالم على أن الخطية لا تحسب أن لم يكن ناموس” (رو5: 13) وأيضا ما ذكرناه مرارا: “بالناموس معرفة الخطية” (رو3: 20).

وبالأخص العبارة التي فيها أوضح الرسول السؤال الذي نبحثه الآن: “لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته”؟ (رو7: 7).

الروح والحرف 5 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 4 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 4 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 4 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 4 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الفصل (20): الناموس بدون النعمة

          ما حاجتي الآن للحديث عن ما يأتي؟ ولماذا سقط هؤلاء بإلحادهم- أقصد هؤلاء الذين وصلوا إلى معرفة الخالق بواسطة الخليقة- “لأن الله يقاوم المسكتبرين” (يع4: 6) وحيث أنهم غرقوا- لا أفضل ذكر ذلك هنا وأفضل إظهاره في نهاية الرسالة إذا أنه في خطابي هذا لم نتعهد بتفسير هذه الرسالة

ولكن غالبا مسئوليتها أن تبرهن بقدر استطاعتنا أننا معضدون بمساعدة إلهية من جهة إتمام عمل البر ليس فقط لأن الله أعطانا ناموسا مليئا بالوصايا الصالحة والمقدسة ولكن لأن إرادتنا الخاصة التي بدونها لا نستطيع أن نفعل شيئا صالحا وقد عضدت وسمت “بروح النعمة” التي بدون معونتها يعتبر التعليم مجرد “الحرف الذي يقتل” (2كو3: 6) نظرا إلى أنها على العكس من ذلك تضبطهم مذنبين بخطئيتهم ولا تبرر الشرير.

والآن هؤلاء الذين يعرفون الخالق بواسطة الخليقة لا يأخذون أي فائدة للخلاص بمعرفتهم لأن “لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله كما يزعمون أنهم حكماء” (رو1: 21) وأيضا الذين يعرفون بالناموس كيف يجب أن يحيا الإنسان لا يصيرون أبراراً بمعرفتهم “لأنهم إذا كانوا يجهلون بر الله ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم لم يخضعوا لبر الله” (رو10: 3)

الفصل(21): ناموس الأعمال وناموس الإيمان

           ناموس الأفعال إذاً الذي هو ناموس الأعمال الذي لا يحرم هذا الافتخار، وناموس الإيمان الذي يحرمه يختلف كل منهما عن الآخر. وهذا الاختلاف هو ما يستحق اهتمامنا في التأمل إذا استطعنا أن نلاحظ وندركه.

وبالحقيقة يمكن لإنسان أن يقول دون تروٍ أن ناموس الأعمال هو في الديانة اليهودية وناموس الإيمان هو في الديانة المسيحية.

نظرا إلى أن الختان والأعمال الأخرى التي يأمر بها الناموس هي بالضبط تلك الأعمال التي لم تعد المسيحية محتفظة بها ولكن هناك مغالطة في هذا الاختلاف العظمة التي حاولت أحيانا كشفها لمثل الحاذقين في تقدير قيمة الاختلافات خاصة لك ولمن مثلك لعلي وفقت في جهدي لأنه مع ذلك فإن الموضوع من أهم الموضوعات من أهم الموضوعات- وسوف لا يكون غير مناسب لو بغرض توضيحه ترددنا أمام براهين عديدة تقابل فكرنا مرات كثيرة.

 والآن يقول الرسول أن هذا الناموس الذي “لا يتبرر أمامه أي إنسان” (رو 3: 20) “دخل لكي تكثر الخطية” (رو5: 20) ومع ذلك لكي ينقذه من طعنات الجاهل واتهامات الملحد دافع عن هذا الناموس عينه بكلمات كالآتية: “فماذا نقول هل الناموس خطية. حاشا بل لم أعرف الخطية إلا بالناموس فإنني لم أعرف الشهوة إن لم يقل الناموس لا تشته ولكن الخطية وهي متخذه فرصه بالوصية أنشأت في كل شهوة لأن بدون الناموس الخطية ميته” (رو7: 7، 8) ويقول أيضا: “إذاً الناموس مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحه فهل صار لي الصالح موتا.

حاشا. بل الخطية لكي تظهر خطية منشئه لي بالصالح موتا لكي تصير الخطية خاطئة جدا بالوصية” (رو7: 12، 13) وبناءاً على ذلك فيكون نفس الحرف الذي يقتل يقول “لا تشته” وهذا هو ما تكلم عنه في عبارة أشرت إليها سابقا: لأن بالناموس معرفة الخطية. وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودا له من الناموس والأنبياء بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كلٍ وعلى كل الذين يؤمنون لأنه لا فرق.

إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله. لإظهار بره في الزمان الحاضر ليكون بارا ويبرر من هو من الإيمان بيسوع” (رو3: 20-26) ثم أضاف العبارة التي هي الآن موضع تأملنا: “فأين الافتخار قد انتفى. بأي ناموس أبناموس الأعمال كلا.

بل بناموس الإيمان” (رو3: 27) ولذلك فهو نفس نِاموس الأعمال ذاته الذي يقول: “لا تشته” لأنه بهذا تأتي معرفة الخطية والآن إنني أريد أن أعرف لو تجرأ أي إنسان أن يخبرني هل ناموس الإيمان لم يقل لنا “لا تشته”؟ لأنه لم يقل لنا كذلك فماذا يكون هناك السبب الذي يجعلنا نحن الذين نخضع له لا نخطيء في أمان وبسماح؟

وبالحقيقة هذا هو بالضبط ما فهمه هؤلاء الناس من قصد الرسول الذي كتب لذلك: “أما كما يفترض علينا وكما يزعم قوم أننا نفعل السيئات لكي تأتي الخيرات الذين دينونتهم عادلة” (رو3: 8) وبعكس ذلك لو قيل لنا “لا تشته” (كذلك مثل ما تبين وتحث عبارات عديدة في الأناجيل والرسائل) ثم لماذا لم يدع هذا الناموس أيضا ناموس الأعمال؟ إذ أنه بدون أي وسيلة تتبع ذلك لأنه لا يبق على “أعمال” الأسرار المقدسة الجليلة العظيمة كذلك الختان والشعائر الأخرى…

لذلك فهو ليس له أعمال في أسراره المقدسة التي تطبق على الوقت الحاضر إلا إذا كان بالفعل السؤال عن الأعمال المقدسة عند ذكر الناموس. بالضبط لأنه به معرفة الخطية ولذلك لا يتبرر به أحد لكي لا يكون ذلك التفاخر محرما بواسطته. ولكن بواسطة ناموس الإيمان الذي يحيا به الإنسان البار ولكن هل لا يكون به أيضا معرفة الخطية حتى عندما يقول “لا تشته”؟

الفصل (22): لا أحد يتبرر بالأعمال

          سأشرح بإيجاز وجه الاختلاف بينهما. ما يأمر به ناموس الأعمال بواسطة التهديد ذاك يحميه ناموس الإيمان بواسطة الإيمان أحد هما يقول “لا تشته” (خر20: 17) والآخر يقول: “ولما علمت بأني لا أكون عفيفا ما لم يهبني الله العفة وقد كان من الفطنة أن أعلم ممن هذه الموهبة توجهت إلى الرب وسألته” (الحكمه8: 21) هذه بالحقيقة نفس الحكمة التي تدعي “التقوى” الذي نعبد بها” أبي الأنوار الذي منه كل عطية صالحه وكل موهبة تامة” (يع1: 17)

ومع ذلك فإن هذه العبادة تتوقف على ذبيحة الحمد والشكر لكي لا يفتخر الذي يعبد الله بنفسه ولكن بالله (2كو10: 17) وبناءاً على ذلك فبناموس الأعمال يقول لنا الله أعملوا ما آمركم به ولكن بواسطة ناموس الإيمان نقول لله أعطينا ما أوصيت به وهذا هو السبب في إعطاء الناموس أمره لينبهنا إلى الإيمان الذي ينبغي علينا عمله ويكون الذي أعطى له  هذا الأمر إذا لم يكن كذلك غير قادر على إنجازه يقدر أن يعرف ما الذي يطلبه ولكن إذا كانت له المقدرة في الحال ويطيع الأمر ينبغي عليه أيضا أن يكون عارفا من هو صاحب الموهبة الذي يعطي هذه المقدرة.

“لأننا لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لتعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله” (1كو10: 17) مع ذلك ماذا يكون روح هذا العالم سوى روح الافتخار؟ التي بها أظلم قلبهم الغبي الذين مع أنهم يعرفون الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله (رو1: 21) فضلا عن ذلك فإنه بالحقيقة بنفس الروح خدعوا أيضا لأنهم إذ كانوا يجهلون بر الله ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم لم يخصوا لبر الله” (رو10: 3).

لذلك يبدو لي أنه أكثر من “طفل في الإيمان” الذي تعلم من أي مصدر ينظر ما لم يأخذه بعد… وليس كالذي ينسب كل ما عنده وبدون شك بالرغم من ذلك فإنه يفضل من كل هؤلاء الإنسان الذي عنده كلا الاثنين وفي نفس الوقت يعرف من الذي أعطاه إياها ولو أنه مع ذلك لا يصدق نفسه أن يكون في الوضع الذي لم يصل إليه بعد لا تدعه يسقط في خطأ الفريسي الذي بينما كان يشكر الله على ما أمتلكه مع ذلك فشل في أن يطلب أي عطية أخرى كما لو كان واقفا في غير حاجه إلي شيء لزيادة أو كمال بره (لو18: 11، 12).

والآن وقد تداولنا وتأملنا كما يجب كل هذه الظروف والبراهين نستنتج أن الإنسان لا يتبرر بوصايا الحياة المقدسة ولكن بالإيمان بيسوع المسيح وباختصار… ليس بناموس الأعمال ولكن بناموس الإيمان، ليس بالحرف ولكن بالروح، ليس باستحقاقات الأفعال ولكن بنعمة مجانية.

الفصل (23): كيف أن الوصايا العشر تقتل دون وجود النعمة

          مع أن الرسول ظن لذلك أنه يلوم ويقوم هؤلاء الذين استميلوا أن يختتنوا في مثل هذه العبارات كتسميتهم بكلمة “الناموس” الختان نفسه وأيضا الشعائر الشرعية المشابهة الأخرى…

والتي نبذها الآن المسيحيون لكونها إشارات ((a future Substance ومازالوا يصرون على ما تعهدت به هذه الإشارات مجازيا؛ ومع ذلك فإنه في نفس الوقت يود أن يجعله مفهوما فهما واضحا أن الناموس كما قال أن الإنسان لا يتبرر به لا يوجد فقط في تلك القوانين المقدسة التي احتوت على تشبيهات لوعود ولكن أيضا في تلك الأعمال التي كل من يفعلها يحيا حياة مقدسة والتي تقع بينها هذا التحريم: “لا تشته”.

والآن ولكي نجعل تقريرنا أكثر وضوحا دعنا نتفرس في الوصايا العشر نفسها. أنه من المؤكد إذاً أن موسى استلم الناموس على الجبل لكي يوصله للشعب كتب بأصابع الله على لوحين من الحجارة وجمعت في هذه العشر الوصايا التي لا يوجد بها أي أمر عن الختان ولا أي شيء يتعلق بتلك الذبائح الحيوانية التي كف المسيحيون عن تقديمها. والآن أحب أن أعرف ماذا تحوي هذه الوصايا العشر الإ حفظ السبت الذي لا ينبغي على مسيحي حفظه سواء كان يحرم صنع أو عبادة الأوثان وأي آلهة أخرى غير الله الإله الحقيقي.

أو النطق باسم الله باطلا أو فرض الإكرام للوالدين، أو تحريم الزنا والقتل والسرقة، الشهادة الزور-الفسق أو اشتهاء ملكيات الآخرين؟ فمن يقدر أن يقول أنه ينبغي على المسيحي ترك واحدة من هذه الوصايا؟ فهل من الممكن أن نقتنع بأنه ليس هو الناموس الذي كتب على هذين اللوحين الذين وصفها الرسول “بالحرف الذي يقتل” ولكن ناموس الختان والشعائر (الطقوس) الأخرى المقدسة التي أبطله الآن؟ ولكن كيف يمكننا أن نفتقد ذلك إذاً، عندما تأتي هذه الوصية في الناموس “لا تشته” بأي شيء كل وصية رغما من كونها مقدسة- عادلة وصالحة، يقول الرسول الخطية خدعتني بها وقتلتني؟ (أنظر رو7: 7-12).

ماذا يمكن أن يكون هذا سوى “الحرف الذي يقتل”؟

الفصل (24): العبارة في الرسالة إلى أهل كورنثوس

          في العبارة التي يتحدث فيها لأهل كورنثوس عن الحرف الذي يقتل والروح الذي يحيي شرح بوضوح كثير ما كتب في اللوحين ولكن لم يقصد حتى هناك أن يكون مفهوما من الحرف حرف آخر سوي الوصايا العشر نفسها إذ أن هذه كلمات الله: “ظاهرين أنكم رسالة المسيح مخدومة منا مكتوبة لا بجبر بل بروح الله الحي. لا في ألواح حجريه بل في ألواح قلب لحميه. ولكن لنا ثقة مثل هذه بالمسيح لدى الله. ليس أننا كفاه من أنفسنا أن نفتكر شيئا كأنه من أنفسنا بل كفايتنا من الله.

الذي جعلنا كفاه لأن نكون خدام عهد جديد لا الحرف بل الروح لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحيي ثم إن كانت خدمة الموت المنقوشة بأحرف في حجارة قد حصلت في مجد حتى وجهه الزائل فكيف لا تكون بالأولى خدمه الروح في مجد لأنه أن كانت خدمة الدينونه مجدا فبالأولى كثيرا تزيد خدمة البر في مجد” (2كو3: 3-9) هناك كلام كثير يجب أن نتحدث به عن هذه الكلمات ولكن ربما يكون لدينا فرصة أكثر ملاءمة في وقت قريب ومع ذلك أرجوك الآن أن تلاحظ كيف يتحدث عن الحرف الذي يقتل ويناقضه بالروح الذي يحيي.

وهذا بالتأكيد يجب أن يكون “خدمة الموت المنقوشة بأحرف في حجارة” وأيضا “خدمة الدينونه” وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية (رو5: 20) وتعتبر الوصايا العشر نفسها نافعه ومفيدة للعامل بها لدرجة أنه لا يستطيع أحد أن ينال الحياة ما لم يحفظها.

إذاً هل بسبب الوصية الوحيدة التي أدرجت فيها عن “يوم السبت” تسمى الوصايا العشر “بالحرف الذي يقتل”؟ لأنه بالتأكيد كل إنسان يظل محافظا على ذلك اليوم بميعاد الحرفي يكون ذو تفكير جسداني وكونه ذو تفكير جسداني، لا يعتبر شيئا آخر غير الموت؟ كما يجب أن ينظر إلى التسع وصايا الأخرى التي حفظت تماما في شكلها الحرفي كأنها تخفي ناموس الأعمال الذي لا يتبرر به أحد ولكن تخص الإيمان الذي به يحيا الإنسان البار؟ من يستطيع أن يضيف رأيا سخيفا كهذا بأن يفترض أن “خدمة الموت المنقوشة بأحرف في حجارة” لم تشمل بالتساوي كل العشر الوصايا ولكن قيلت للوصية الخاصة بالسبت؟

في أي نوع نضع ما قيل على هذا النمط: “الناموس ينشيء غضبا إذ حيث ليس ناموس ليس أيضا تعدٍ؟ (رو4: 15) أيضا: “حتى الناموس كانت الخطية في العالم على أن الخطية لا تحسب أن لم يكن ناموس” (رو5: 13) وأيضا ما ذكرناه مرارا: “بالناموس معرفة الخطية” (رو3: 20).

وبالأخص العبارة التي فيها أوضح الرسول السؤال الذي نبحثه الآن: “لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته”؟ (رو7: 7).

الروح والحرف 4 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية 1

الروح والحرف للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية (1)

الفصل الأول: سبب كتابه هذا العمل؛ شيء يمكن إتمامه (فعله) وللآن لم يتم إطلاقا (مطلقا).

أيها الابن المحبوب مارسيلينوس- أنني بعد قراءة الرسائل القصيرة التي أرسلتها لك أخيرا الخاصة بعماد الأطفال وبإتمام بر الإنسان، كيف يبدو أن لا أحد في هذه الحياة قد نال هذا البر أو كان يمكنه نواله ماعدا فقط الشفيع الذي تحمل الإنسانية في شبه جسد إنسان خاطىء دون أي خطيه مهما تكن،… وفي ردك عليَّ قد كتبت لي أنك ارتبكت (احترت) في النقطة التي أسلفتها في كتابي الثاني “جزاء الخطاه” إذ انه كان من الممكن للإنسان أن يكون بلا خطيه، إذا أراد عدم تنفيذ مشيئته وكان معضدا بمعونة الله؛ وأيضا ذلك لا يوجد سوى الذي فيه “سيحيا الجميع” (1كو15: 22) ولا أحد في وقت ما عاش أو يمكنه أن يعيش بهذا الكمال طالما يعيش في هذا العالم: وقد ظهر لك انه من غير المعقول أن نقول أن شيئا كان ممكنا دون ذكر أي مثال له،… مع أنني أظن (أفترض) أنك لن تتردد في قبول فكره أنه لم يحدث أبدا مرور جمل من ثقب إبره (مت19: 24، 26) ومع ذلك فقد قال الله أن حتى هذا كان مستطاعا عنده ويمكنك أيضا أن تقرأ أن اثنتا عشر ألف طغمة من الملائكة يمكنها أن تدافع عن المسيح وتنقذه من الآلام ولكن في الحقيقة لم تفعل ذلك وتستطيع أن تقرأ أنه كان من الممكن للأمم أن تباد في الحال خارج الأرض التي أعطيت لأولاد إسرائيل (تث31: 3) ومع ذلك فقد اختارها الله أن تفلح تدريجيا. ويمكن إنسان مقابله ألفا من الحوادث الأخرى، إمكانية الماضي أو المستقبل للذي يجب علينا أن نقبله في الحال، وأيضا لا نستطيع أن نتخذ أي براهين على ما حدث بالحقيقة في وقت ما.

وبناءاً على ذلك فإنه ليس من الصواب لنا أن ننكر إمكانية حياة الإنسان على الأرض بدون خطيه حتى أنه لا أحد بين الناس يمكن أن يوجد ما عدا “هو” الذي في طبيعته ليس إنسانا فقط بل الله أيضا الذي فيه يمكننا إثبات مثل هذا الكمال ذو الصفة الباقية.

الفصل الثاني: الأمثلة المناسبة

هنا ربما تخبرني في إجابتك أن الأشياء التي ذكرتها وكأنها لم تتحقق بعد بالرغم من أن التحقيق هي أعمال “إلهيه” بينما وجود إنسان بدون خطية هو في مجال عمل الإنسان- ويعتبر هذا في الحقيقة أسمى عمل له حيث يحدث برا كاملا وصحيحا في كل جزء ولذلك إنه شيء لا يمكن تصديقه أن أحدا في وقت ما بقى أو يبقى أو سيبقى في هذه الحياة وأتم مثل هذا العمل إذا أعتبر إتمامه في إمكان البشر ولكن يجب عليك أن تتأمل في ذلك بالرغم من أن هذا العمل العظيم بلا شك لابد أن يقوم به البشر هو أيضا عطيه “إلهيه” ولذلك وبلا شك انه عمل “إلهي” “لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة” (فى2: 13).

الفصل الثالث: هناك بالقياس خطأ غير ضار يقول بأن الإنسان يعيش هنا دون خطيه.

إنهم لذلك ليسوا مجموعة خطيره جدا من أشخاص وهم مجبرين أن يظهروا إذا استطاعوا أنهم هم أنفسهم كذلك. الذين يؤيدون أن الإنسان يعيش أو قد عاش بدون خطيه مهما تكن.

وتوجد في الحقيقة عبارات بالكتاب المقدس فهمت منها أنه تقرر نهائيًا أنه ليس أحد يعيش على الأرض بلا خطية بالرغم من تمتعه بحرية الإرادة، مثل وعلى سبيل المثال. ما هو مكتوب: “ولا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدامك حي” (مز 143: 2) ومع ذلك إذا نجح أي إنسان في أن هذا النص والنصوص الأخرى المشابهة يجب أن تؤخذ بمغزى (بمعنى) مختلف عن مغزاهم (معناهم) الواضح، ويثبتون أن شخصا أو أشخاصا قضوا حياه طاهرة على الأرض،… وكل من لا يفعل ذلك لا يكف فقط عن معارضته كثيرا بل أيضا لا يكون في تمام اتفاقه معه لان هذا الاتفاق سوف يتأثر بمحرضات كثيره من الحسد. فضلا عن ذلك، فإما أن يحدث هذا أو أن يمنح الإنسان مثل هذا النقاء التام (وهو ما أميل إلى تصديقه) ويعتبر هذا حتى الآن بعيد المنال اكثر مما أقدر. وإذا حدث أن تحركت في إنسان ما مشاعر طيبه معينه بشرط أنه وهو يفكر في شخص آخر لا يفكر في كونه أيا كان إلا إذا تأكد بوضوح وبالفعل أنه ليس هكذا- كل هذا إذا حدث فلن يحدث خطأ جسيم أو خطير.

الفصل الرابع: هناك خطأ عظيم الخطورة يستلزم نقضا عنيفا جدا هو من ينكر ضرورة وجود نعمه الله.

ومع ذلك يجب بكل غيره وحماس معارضه من يقترح أن قوة الإرادة البشرية دون مساعدة الله تستطيع إما إتمام البر أو التقدم بثبات تجاهه وعندما بدأوا في تأكيد اقتراحهم بتأكيدهم أنه يمكن تحقيق هذه النتيجة دون مساعده إلهيه ضبطوا أنفسهم ولم يتجاسروا على إعلان مثل هذا الرأي لأنهم يرون أن هذا الرأي ملحد ولا يحتمل. ولكنهم احتجوا (صرحوا) أن مثل هذه النتائج لا تحدث بدون مساعده الله في هذا الشأن . لأن الله خلق الإنسان وأعطاه الاختيار الحر للإرادة وأيضا أعطاه الوصايا العشر وعلمه بنفسه كيف يجب أن يحيا وأيضا يساعده حتى يتخلص من جهله بإرشاده بمعرفة ما يجب عليه تجنبه وما يجب ابتغائه في أعماله وهكذا يسلك بواسطة الإرادة المطلقة المغروسة فيه طبيعيا في الطريق الذي يظهر له. وبمثابرته في السير في طريق الحياة باستقامة وتقوى يستحق نوال سعادة الحياة الأبدية.

الفصل الخامس: النعمة الحقيقية هي عطية الروح القدس الذي يضرم في النفس الفرح وحب الصلاح.

ومع ذلك فإننا من جانبنا نؤكد أن إرادة الإنسان تساعدها السماء في طلب البر حتى (بالإضافة إلى أن الإنسان قد خلق حر الإرادة وأيضا بالإضافة إلى العلم الذي عرف به كيف ينبغي عليه أن يعيش) يأخذ الروح القدس الذي يضيء كيانه (عقله) ويشعل بمحبه ذلك الصلاح العظيم الأبدي. الذي هو الله، وحتى الآن بينما ما يزال يسلك “بالإيمان لا بالعيان” (2كو5: 7) لكي بهذه العطية تتولد في داخله رغبه قويه لبذل نفسه من أجل خالقه وأن يحترق مشتركا في نيران المحبة وسوف يبارك الله في حياته التي هي منحة منه. وفي الحقيقة إن إرادة الإنسان المطلقة لا تنفع لشيء إلا للخطية إذا لم يعرف الطريق إلى الحق وحتى بعد معرفته لواجبه وهدفه الخاص إذا لم يفرح به ويحبه فإنه سوف لا يفعل ما يجب عليه ولا يسعى إليه وأيضا سوف لا يحيا حياه سليمة.

 والآن ولكي يشغل مثل هذا السبيل عواطفنا “محبة الله قد انسكبت في قلوبنا” ليس بإرادتنا المطلقة ولكن “بالروح القدس المعطى لنا” (رو5: 5).

الفصل السادس: دراسة الناموس بدون الروح الذي يحي هو “الحرف الذي يقتل”

إذا أن ذلك التعليم الذي يعطينا الوصيه لنحيا في عفه وبر هو الحرف الذي يقتل إذا لم يصحبه الروح الذي يحيي. لأن هذا ليس هو المعنى الوحيد لعبارة: “الحرف يقتل ولكن الروح يحيي” (2كو3: 6) التي تشرح فقط انه لا يجب علينا أن نأخذ أي جمله استعاريه بمعناها الحرفي التي سوف لا يكون لمعاني كلماتها مغزى ولكن يجب معرفه معناها الآخر مع تنبيه الإنسان الباطن بمفهومنا الروحي لأن “اهتمام الجسد هو موت ولكن أهتمام الروح هو حياه وسلام” (رو8: 6) وعلى سبيل المثال إذا أخذ إنسان ما هو مكتوب في نشيد الإنشاد بالمعنى الحرفي والجسدي فإنه سوف لا يصل إلى المحبة المضيئة بل سيصل إلى الشعور بالرغبة الشهوانية لذلك لم يقصد أخذ ما قد ذكر سابقا في حيز ضيق عندما قال “الحرف يقتل ولكن الروح يحيي” (2كو3: 6) ولكنه يساوي أيضا (وبالحقيقة كذلك) ما يقوله في موضع آخر في الكلمات الواضحة (الصريحة) “لم أعرف الخطية إلا بالناموس فإنني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته” (رو7: 7)

وبعد ذلك قال في الحال “لأن الخطية وهى متخذه فرصه بالوصية خدعتني بها وقتلتني” (رو7: 11) ومن هذا يمكننا الآن أن نفهم ما يقصد “بالحرف الذي يقتل” وليس هناك طبعا ما يقال مجازيا لا يمكن قبوله في معناه الصريح عندما قيل “لا تشته” ولكن تعتبر هذه الوصية بسيطة جدا ونافعة وأي إنسان يتممها سوف لا يرتكب أي خطيئة أبداً وفي الحقيقة قصد الرسول أن يختار هذه الوصية العامة التي جعلها تشمل كل شيء كما لو كان هذا هو صوت الناموس يمنعنا (ينهينا) عن كل خطية عندما يقول “لا تشته” إذا أنه ليست هناك خطية تتم إلا بالشهوة الشريرة لذلك يعتبر الناموس الذي يمنع ذلك ناموسا صالحا ويستحق المدح ولكن عندما يمنع الروح القدس معونته التي تمنحنا الرغبة الصالحة بدلا من تلك الرغبة الشريرة (وبمعنى آخر تنشر الحب في قلوبنا) هذا هو الناموس مع كونه صالحا في حد ذاته إلا أنه يزيد من الرغبة الشريرة حينما يحرمها بالضبط مثل اندفاع الماء الذي يجري على الدوام في اتجاه خاص تزداد قوته عندما يقابله أي حاجز وعندما يتخطى الحاجز يسقط بكميات أضخم (أعظم) ومع زيادة قوته يسرع في انحداره إلى اسفل. وبطريقة تختلف بعض الشيء يصبح نفس الشيء الذي نشتهيه محبوبا جدا عندما يحرم وتعتبر هذه هي الخطية التي تخدع وتقتل بواسطة الوصية “إذ حيث ليس ناموس ليس أيضا تعدٍ” (رو4: 15).

الفصل السابع: ما اقترح أن يعالج هنا (موضوع المناقشة).

ومع ذلك فإننا سوف نتأمل، إذا سمحت، في صحة هذه العبارة التي ذكرها الرسول ونعالجها تماما كما يعطينا الرب مقدرة. لأنني أريد إذا استطعت أن أثبت أن كلمات الرسول “الحرف يقتل ولكن الروح يحيي” لا تشير إلى عبارات مجازيه بالرغم من إمكاننا الأخذ من هذا المغزي تفسيرا مناسبا. ولكنه أوضح نوعا ما للناموس. الذي يمنع الشر في كل صوره وعندما أصل إلى إثبات ذلك فإنه سيظهر جليا أن التمتع بحياة مقدسة هو عطية من الله. ليس فقط لأن الله أعطى الإنسان الإرادة المطلقة التي بدونها لا يوجد إنسان مريض أو سليم وليس فقط لأن الله أعطاه الوصية لترشده كيف يجب أن يعيش ولكن لأن الله يسكب المحبة في قلوب من هم مدعوون حسب قصده لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكرا بين أخوة كثيرين والذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضا والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضا والذين بررهم فهؤلاء 

مجدهم أيضا (رو8: 29، 30) واعتقد أنك ستدرك عندما تتضح لك هذه النقطة أنه من العبث أن نقول أن تلك الأشياء فقط هي إمكانيات ليس لها مثال والتي هي أعمال الله مثل مرور جمل من ثقب ابره التي أشرنا إليها سابقا وحالات أخرى مشابهة وهذه تبدو لنا مستحيلة ولكنها لدى الله بسيطة جدا، وأن بر الإنسان لا يعد في قائمة هذه الأشياء على أساس كونه عمل الإنسان المناسب وليس عمل الله بالرغم من عدم وجود أي سبب للافتراض بدون ذكر مثال. أن كما له محقق حتى لو كان هذا ممكنا وسيكون واضحا جدا أن هذه التصريحات باطلة (غير معقوله) بعد أن يتضح جليا أنه حتى بر الإنسان هو من اختصاص عمل الله بالرغم من اشتراك إرادة الإنسان في العمل.

ولذلك لا نقدر أن ننكر أن كمال الإنسان يمكن الوصول إليه حتى في هذه الحياة لأن كل شيء مستطاع عند الله (مر10: 27) سواء الأشياء التي يتممها الله بإرادته الخاصة (الوحيدة) وتلك التي يرتب الله أن تتم بالتعاون مع إرادة خليقته وبناءاً على ذلك مهما تكن هذه الأشياء التي لا يتممها الله تعبر بدون أدنى شك من الحقائق التي تمت دون أي مثال مع أن الله يملك القدرة بقوته على تحقيق هذه الأشياء إلا أن حكمته تقتضي عدم تحقيقها. ويجب أن يكون ذلك مخفيا على الإنسان لتجعله لا ينس أنه إنسان فقط- وألا يحمل الله بكل حماقاته لأنه لا يفهم عمق حكمة الله.

الفصل الثامن: تفسيرات أهل روميه وأهل كورنثوس

حينئذ إذا أنصتنا جيدا للرسول في رسالته إلى أهل روميه حيث شرح وأظهر بما فيه الكفاية ما كتبه إلى أهل كورنثوس.

“الحرف يقتل ولكن الروح يحيي” (2كو3: 6) يجب أن يفهم بالمعنى الذي أوضحناه أنه حرف الناموس الذي يعلمنا عدم ارتكاب الخطية يقتل إذا غاب الروح الذي يعطيه الحياة لأنه يجعلنا نعرف الخطية بدل أن نتجنبها كما يجعلها تتزايد بدل أن تقل إذا أنه أضيف الآن إلى الشهوة الشريرة تعدٍ للناموس.

الفصل التاسع: بالناموس تزداد الخطية

حينئذ يريد الرسول أن يوضح النعمة التي جاءت إلى كل الأمم بالمسيح يسوع- لئلا يعظم اليهود أنفسهم على حساب الشعوب الأخرى بسبب استلامهم الناموس- فيقول أولا أن الخطية والموت أتيا إلى الجنس البشري بواحد ويقصد به آدم بوصفه الإنسان الأول وأيضا البر والحياة الأبدية جاءا بواحد ويقصد به المسيح بوصفه الأخير ثم يقول أن: “وآما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية ولكن حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدا حتى كما ملكت الخطية في الموت هكذا تملك النعمة بالبر للحياة الأبدية بيسوع المسيح ربنا” (رو5: 20-21) ثم باقتراحه سؤالا ليجيب عليه فيقول: “فماذا نقول أنبقى في الخطية لكي تكثر النعمة- حاشا” (رو6: 1، 2) أنه يرى في الحقيقة أن استعمالا مغايرا (مضادا) يجب أن يتم بواسطة أناس يعارضون ما قاله: “وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية.

ولكن حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدا”.. كما لو كان قد قال أن الخطية كان لها فائدة بسبب زيادة النعمة وبرفضه ذلك أجاب سؤاله بقوله “حاشا” ويضيف في الحالة. “نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها؟” (رو6: 2)وأفضل القول أنه إذا أعطتنا النعمة أن نموت عن الخطية فيجب أن نموت عنها وإلا إذا ظللنا في المعيشة فيها فسوف نكون جاحدين لتلك النعمة. إن الإنسان الذي يعظم قيمة أي دواء لا يعارض في أن الأمراض والجروح التي يشفيها الدواء تعتبر ذات فائدة له- وعلى العكس من ذلك وبالنسبة للمدح المسرف في العلاج فهو اللوم والفزع الذي يشعر به الإنسان من الأمراض والجروح المبرأة (التي يبرئها) بالدواء المعظم وبطريقة مشابهة يعتبر مدح وشكر النعمة بمثابة توبيخ ولوم للخطية لذلك كانت هناك الحاجة لإثبات للإنسان كم كان ضعفه فاسدا لدرجة أنه في مقابل إثمه لم يقدم له الناموس المقدس أي مساعدة تجاه الفضيلة. بل أنه أزاد (أكثر) هذا الآثم بدل أن يقلله، علما بأن الناموس دخل لكي تكثر الخطية فوجوده هكذا مذنبا ومرتبكا يجعله محتاجا ليس فقط إلى طبيب بل أيضا إلى الله كمعين له حتى يوجه خطواته لكي لا تسيطر عليه الخطية- ويجب أن يشغر بأن يسلم نفسه لمعونة الرحمة الإلهية. وفي هذا السبيل، حيث تكثر الخطية يجب أن تزداد النعمة أكثر ليس باستحقاق الخاطيء ولكن بتدخل الله الذي يساعده.

الفصل العاشر: المسيح هو الطبيب الحقيقي

لذلك يظهر الرسول أن نفس الدواء كان مبينا بطريقة مبهمة في آلام المسيح وقيامته عندما قال: أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضا في جده الحياة. لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضا بقيامته. عالمين هذا أن انساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية كي لا نعود نستعبد أيضا للخطية لأن الذي مات قد تبرأ من الخطية. فإن كنا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضا معه. عالمين أن المسيح بعدما أقيم من الأموات لا يموت أيضا لا يسود عليه الموت بعد. لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة والحياة التي يحياها فيحياها لله. كذلك أنتم أيضا احسبوا أنفسكم أمواتا عن الخطية ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا.” (رو6: 3-11)

والآن يبدو واضحا جدا أنه يتمثل بسر موت المسيح وقيامته موت حياتنا القديمة الشريرة (الآثمة) وقيام الحياة الجديدة، ويظهر هنا أبطال الإثم وتجديد البر فمن أين إذاً تأتي هذه الفائدة العظيمة للإنسان بحرف الناموس إلا إذا كانت بالإيمان بيسوع المسيح؟

تعريف الذات مع ابن الإنسان

يسوع هو الله لفظاً

انجيل توما

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل

الروح والحرف للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية 1

قانون الإيمان – عظة للقديس أغسطينوس للرد على اليهود والوثنيين والاريوسيين

قانون الإيمان – عظة للقديس أغسطينوس للرد على اليهود والوثنيين والاريوسيين

قانون الإيمان – عظة للقديس أغسطينوس للرد على اليهود والوثنيين والاريوسيين

قانون الإيمان – عظة للقديس أغسطينوس للرد على اليهود والوثنيين والاريوسيين (2)

CONTRA JUDAEOS, PAGANOS ET ARIANOS

SERMO DE SYMBOLO

سامح فاروق حنين[1]

وسوف ُتكشف أعمالُ وأسرارُ كل إنسان[2]،

ويكشفُ اللهُ مكنونات القلوب[3]،

هناك يكونُ البكاءُ وصريرُ الأسنان[4]،

وتظلمُ الشمسُ، وتقفُ النجومُ فى مداراتها[5]،

ويغيبُ القمرُ[6]، وتنحلُ السمواتُ[7]،

ويمتلئ كلُ واد وكل جبل وأكمة ينخفض[8]،

وتزولُ من بين البشر كلُ فروق الرفعة والوضاعة[9]،

وتصيرُ الهضابُ أرضًا سهلة[10]، وتختلط ُالسمواتُ بالبحار،

يا لها من نهاية مريعة! حيث تتحولُ الأرضُ إلى حطام[11]،

ويجرى اللهبُ والينابيعُ معـًا إلى الأنهار،

عندما ُيبوق من السماء بصوتٍ مدوٍ[12]،

ويئنُ الأشرارُ على خطاياهم[13]، وعلى بليتهم،

وتنشقُ الأرضُ بدوى ويظهرُ الجحيمُ،

ويقفُ جميعُ ملوك الأرض فى حضرة الله للدينونة[14]،

ويهبط ُمن السماء أنهارُ نارٍ وكبريت[15].

 

 

ويعلّق القديس أغسطينوس على هذه النبوات العجيبة قائلاً إنها تشير إلى ميلاد المسيح وكذلك إلى المجئ الثاني والدينونة[16]. وقبل أن نشير إلى تعليق القديس أغسطينوس إلى أكروستيخيذا السيفيلا نشير أولاً إلى معنى الأكروستيخيذا.

الأكروستيخيذا Ακροστιχίδα هى كلمة يونانية مكونة من مقطعين άκρον بمعنى”طرف” وστίχος بمعنى “سطر”، وهى قصيدة اذا جُمعت أوائل أبياتها أو أواخرها شكلت كلمة أو عبارة. أي أن كل سطر من سطور القصيدة يكون مرتبًا على الحروف الهجائية اليونانية، حيث الكلمة الأولى من السطر الأول تبدأ بحرف الـ A، والكلمة الأولى من السطر الثاني تبدأ بحرف B، حتى ينتهي آخر سطر بحرف w.

وفي بعض الأحيان كان ناظمو القصائد يبدأون السطور بطريقة عكسية حيث تبدأ الكلمة الأولى من السطر الأول بحرف w والثاني بحرف y والثالث c وهكذا حتى يصلوا إلى السطر الأخير الذي يبدأ بحرف A. وثمة طريقة ثالثة لنظم القصائد وهي أن يبدأوا السطور بحروف أبجدية غير مرتبة بحيث إننا لو جمعنا كل الحروف الأولى من كل السطور ُتكَون عبارة مثل “هذه القصيدة لفلان المرنم الفقير المسكين”، أو يُكتب اسمُ المؤلف في هذه الأرباع كحرف في كل سطر من سطور القصيدة، أو الحرف الأول من كل مجموعة أرباع مرتبةً تدريجيًا.

وفي هذه الحالة يُقرن اسمُ الكاتب بصفة ما مثل “العبد المسكين” أو “الخاطيء الفقير”، طالباً الرحمة ومغفرة الخطايا، ويمكن أن يُضمن اسمه صراحة في سياق الكلام مثلما نرى في آخر ربع من أرباع إبصالية “أريبسالين” الشهيرة، حيث يقول المؤلف إنه سركيس: “كذلك عبدك المسكين سركيس، اجعله بغير دينونة..إلخ..”. والفائدة من هذه الأكروستيخيذا كان كمُذَكِّر للمنشدين بحيث ينشدون الترنيمة كاملة دونما حذف أو نسيان، أو كما يقول عالم البيزنطيات الشهير كارل كرومباخر، إنها كانت لحفظ النصوص الشعرية من التزوير والتزييف[17].

وإننا، والكلام لأغسطينوس، إذا جمعنا الحروف الأولى لهذه السطور، فســوف نجد خمس كلمات يونانية وهى عبارة “Ἰησοῦς Χριστὸς Θεοῦ Υἱὸς Σωτήρ”، والتى تعنى “يسوع المسيح ابن الله المخلص”. فى عمله الشهير “مدينة الله ” يشـرح القديس أغسطينوس معنى هذه العبارة هكذا :

“Si primas litteras iungas, erit Ἰχθύς, id est piscis, in quo nominee mystice intellegitur Christus, eo quod in huius mortalitatis abysso velut in aquarum profunditate vivus, hoc est sine peccato, esse potuerit .[18] “

“لأنك إذا جمعت الحروف الأولى فسوف تتكون كلمة Ἰχθύς أى “سمكة” والتي يُفهم منها أنها تشير إلى المسيح نفسه لأنه عاش بإنسانيته في العالم بدون خطية مثل سمكة في أعماق المياه”[19].

ولتوضيح هذه الجزئية نشير إلى الأسطر الستة الأولى من النص اليوناني لنبوة سبلة الحكيمة، وليلاحظ القارئ الأحرف الستة التي تبدأ بها الأسطر الستة والتي تكون معًا اسم ΙΗΣΟΥΣ = يسوع، وفى النص اللاتيني نجد اسم يسوع IESUS.

الأسطر الستة الأولى من النص اليوناني لنبوة سبلة الحكيمة

والنص الذي يورده القديس أغسطينوس في هذه العظة هو الترجمة اللاتينية لهذه النبوة، والتي يقال إن شيشرون، الخطيب الروماني المفوه(106-43 B. C.) ، هو الذي قام بترجمتها من اليونانية إلى اللاتينية[20].

I  Iudicii sigum, tellus sudore madescet,

E E caelo rex adveniet per saecla futurus,

S Scilicet in carne praesens ut iudicet orbem,

U Unde deum cernent, incredulus atque fidelis,

S Sic animae cum carne aderunt, quas iudicat ipse[21].

ويشير القديس أغسطينوس إلى أن ثمة نبوات سبلية أخرى عن المسيح وآلامه:

Alios versus Sibyllinos Christi passionem apertius demonstrantes[22].

والتي نصها يجرى على النحو التالي :

ثم يُسَلّم الله إلى أيدي الأشرار[23]،

فيضربونه بأيديهم الفانية[24]،

ويبصقون عليه بأفواههم القذرة[25]،

أما هو فبوداعة سوف يسلمُ ظهرَه للسياط[26]،

وديعـًا أثناء لطمه[27]،

حتى لا يعرفه أحد،[28]

وسوف ُيكللُ بإكليل من شوك[29]،

ويعطونه مرارة ًبدل الطعام، وفى عطشه يسقونه خلاً[30]،

هذه هى مائدة القساة،

وأنت كجاهل لا تعرف أن إلهك قد ضلّل عقول البشر،

حتى كللوه بالشوك ومزجوا له المر،

وسوف ينشقُ حجابُ الهيكل[31]،

وفى منتصف النهار تكون ظلمة ٌعلى الأرض لمدة ثلاث ساعات[32]،

وبنومه لمدة ثلاثة أيام سوف ُيبطلُ الموتَ[33]،

ويعود من الجحيم إلى النور[34]،

ويدعى باكورة الراقدين[35].

ملحوظة: نود أن ننبه ذهن القارئ إلى أننا في هذا المقام لا نؤكد صدق هذه النبوات أو عدمه، ولكننا عرضنا لها في سياق الأدلة التي ساقها القديس أغسطينوس إلى اليهود بهدف إثبات ألوهية المسيح ليس إلا. ونضيف كذلك أن صدق هذه النبوات أو تلفيقها لا يزيد أكثر ولا يقلل من إيماننا بالرب يسوع المسيح، لأن ما ورد فيها نعرفه من الكتاب المقدس.

بعد أن قدّم القديس أغسطينوس كل الأدلة والبراهين والشهادات من الكتب المقدسة بأن المسيح الذي جاء إلى العالم هو المسيا المنتظر الذي تنبأ عنه أنبياء اليهود، وكذلك شهادات من كتب الوثنيين والشعراء ونبوات سبلة الحكيمة، يشير أخيرًا إلى بعض الأدلة الأخرى من الطبيعة، والسماء، والبحر، والأرض، والجحيم.

يقدّم أغسطينوس testimonia شهادات من نوع آخر، هذه المرة ليست من أقوال البشر، بل من المخلوقات الطبيعية، لأن:

Suo Creatori universa creatura testimonium se dixisse proclamet, quod elementum servum Christi.[36]

” كل الخليقة تقدم شهادة عن خالقها، لأنها هى أيضا عنصر خادم للمسيح “[37].

يبدأ أغسطينوس براهينه من النجم الذي ظهر للمجوس في المشرق وقت ميلاد المسيح، الذين عندما رأوه أدركوا أن ميلاده فى بلاد اليهودية. هذا ُيظهر أن ليس الملائكة فقط بل وهذه الخليقة غير الحية بشرّت أيضًا بميلاد المسيح[38]. وهذا النجم هو الذي قاد المجوس إلى مكان المسيح المولود ” فلما سمعوا من الملك ذهبوا وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى جاء ووقف فوق حيث كان الصبي” (مت2 :9). ويتساءل أغسطينوس

None coelum testimonium dixit, quando novum sidus in nova hominis progenie, quo potuit, natum Deum hominem gentibus demonstravit?[39]

” ألم تنطق السماءُ بشهادة (عن المسيح) عندما أظهرت نجمـًا جديدًا علامة ًعلى نسلٍ جديد، وأعلنت للناس الإله المولود؟ “.

وكذلك البحر أيضًا، كخليقة الله، قدم هو الآخر نبوة عن المسيح، وذلك عندما تغيّرت طبيعته من الحالة السائلة إلى الحالة الصلبة، وحمل المسيح عندما مشى عليه ” ورآهم معذبين في الجذف لأن الريح كانت ضدهم ونحو الهزيع الرابع من الليل أتاهم ماشيًا على البحر وأراد أن يتجاوزهم، فلما رأوه ماشيـًا على البحر ظنوه خيالا فصرخوا” (مر6: 49). ويشير أغسطينوس إلى قول المزمور ” في البحر طريقك وسبلك في المياه الكثيرة وآثارك لم تعرف” (مز77: 19). هذه المعجزة، كما يشرحها أغسطينوس، توضح العلاقة بين الخالق وخليقته، لأن بطرس عندما أراد أن يسير على الماء، ” فأجاب بطرس وقال يا سيد إن كنت أنت هو فمرني أن آتي إليك على الماء” (مت14: 28)، ابتدأ يغرق. وهذه الحادثة تُظهر سلطان المسيح الفائق على الطبيعة.

والأرض أيضا قدّمت شهادة عن المسيح وذلك عندما تفل الرب عليها وصنع من التفل طينًا وطلى به عيني الأعمى: ” قال هذا وتفل على الأرض وصنع من التفل طينـًا وطلى بالطين عيني الأعمى” (يو9: 6)، وهكذا أعطى للأعمى نورًا جديدًا فأبصر. فالمسيح، كما يقول القديس أغسطينوس، من تراب الأرض أعد خلقة جديدة، فهو الذي خلق الإنسان من تراب، وهو السيد الرب الذي أبدع فردوس النعيم من البدء ووضع فيه الإنسان الذي خلقه.

وحتى العالم السفلىInferna في رأى أغسطينوس يقدّم شهادة عن الرب؛ لأنه عندما نادى الربُ لعازرَ من القبر، بعد أربعة أيام من موته، سمع وأطاع. ” ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم لعازر هلم خارجـًا، فخرج الميت و يداه ورجلاه مربوطات بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل فقال لهم يسوع حلوه ودعوه يذهب” (يو11 :43).

بعد هذا الدليل الدامغ يوبخ أغسطينوس اليهود، لأن العالم السفلى سمع صوت الرب فأطاع، وهم أنفسهم رفضوا ابن الله! ” هؤلاء الذين هم إسرائيليون ولهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد” (رو 5:9).

ويذكّر أغسطينوس اليهود بما جرى وقت آلام المسيح وصلبه، عندما وقعت ظلمة على الأرض لمدة ثلاث ساعات، من الساعة السادسة حتى الساعة التاسعة، وكذلك انشقاق حجاب الهيكل إلى نصفين، وزلزلة الأرض، وانشقاق الصخور، وانفتاح القبور، الشئ الذي يبرهن على أن “كل الخليقة تقريبًا قد شاركت المسيح موته”:

Omnis pene creatura expavescit mortem Christi.[40]

أخيرًا يوجه القديس أغسطينوس حديثه إلى اليهود قائلا ” إن الشياطين الذين يملكون على قلوبكم قالوا للمسيح: ما لنا ولك يا يسوع ابن الله أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا“[41] (مت8: 29)، أما أنتم فقلتم له ” أنت تشهد لنفسك شهادتك ليست حقًا” (يو8 :13).

في الفصل الأخير من هذا المقال يقدم أغسطينوس لليهود الآن بعض الأدلة من أحداث صلب المسيح. ومع أن اليهود لم يدركوا فداحة أعمالهم، وساقوا أسبابهم الخاصة، إلاّ أن شرورُ اليهود قد ساهمت في خلاصَ البشر[42].

يشير أغسطينوس إلى أحداث عدة كلها تشهد للمسيح، ويسأل اليهودَ عما لاقوا من عناء حتى يتمموا فى المسيح كل ما أرادوه؛ فاليهود رفعوا أصواتهم قائلين أن يُصلب، ودفعوا مالا ليهوذا حتى يسلمه، وفعلوا كل ما استطاعوا ليجعلوا بيلاطس أن يغسل يديه من قضية المسيح حتى يتمموا مشيئتهم، وتعبوا كذلك حتى ُيقبض على المسيح ويُصلب، وُيكلّل بإكليل من شوك، وُيعلّق على الصليب، وُيطعن في جنبه.

فكل هذه الأحداث تمت بأصوات اليهود وعرقهم وعنائهم. ولكن كل هذا العناء من جانب اليهود صار لنا، نحن المسيحيين، سببَ فرح ٍوخلاص. فالمسيح هذا الذي أنكره اليهود وقتلوه قام لأجلنا، وذلك الذي علقوه على خشبة أعطانا مفتاح لملكوت السموات بصليبه، والتلاميذ الذين بسبب الخوف من اليهود غلقوا الأبواب ظهر لهم المسيح نفسه.

فكل هذه الأحداث وكل أفعال اليهود قد آلت إلى فرح للرسل خاصةً وللمسيحيين عامةً حتى أن المال الذي أعطاه اليهود للجنود ليقولوا إن تلاميذه أتوا ليلا وسرقوا الجسد صار دليلاً على قيامة الرب التي انتشر الإيمان بها في كل المسكونة. وذاك الذي أرادوا له الموت قام من بين الأموات في اليوم الثالث وصعد إلى السموات وجلس عن يمين أبيه الصالح. وهكذا تمت النبوات عن ميلاد المسيح وآلامه وقيامته وصعوده إلى السموات، وتمت كذلك نبوات تشتت اليهود في كل العالم. فداود النبي يقول عنهم: ” لا تقتلهم لئلا ينسى شعبي، تيههم بقوتك واهبطهم يا رب ترسنا” (مز11:58). وقد تحققت نبوة داود هذه وتشتت اليهود، وهذا يعنى أن كل النبوات التي قيلت عن المسيح هى حقيقية، وحتى هذا التشتت، في رأى أغسطينوس، يُعد شهادةً عن المسيح:

Dispersio ergo haec vestr testimonium perhibet Christo.[43]

يشير كذلك القديس أغسطينوس إلى تلك التهمة الباطلة التي اُتهم بها المسيح وهى أنه كان يجترح عجائبه بقوة السحر. ويجيب أغسطينوس متعجبا :

Proferte codices propheticos, o Judaei Christi inimici, ut ex ipsis alii Pagani convincantur inimici. Numquid si magicis artibus fecit ut colletur et mortuus, magnus erat antequam natus.[44]

“فلنفرض أن المسيح كان يجترح عجائبه بقوة السحر وأنه بهذه القوة كان يجذب الناس إلى عبادته، فكيف يمكن أن يستعمل السحر قبل تجسده وولادته ويضع في أفواه الأنبياء أن ينطقوا بنبوات عنه، تلك النبوات التي تمت بالفعل؟ وخصوصـًا أن في كتب اليهود والوثنيين، أعداء المسيح، توجد نبوات عن المسيح، وهو نفسه موضوع هذه النبوات؟”.

ويصف أغسطينوس اليهود بأنهم “حاملو مصباح الناموس”، يضيئون للآخرين ولكنهم هم أنفسهم لا ينتبهون لهذا النور، ولا زالوا يتوقعون مجيء ذاك الذي قد أتى. هذا يشبه قول القديس استفانوس أول الشهداء الذي وبَخَ هو أيضًا اليهود قائلاً: ” أنتم الذين أخذتم الناموس بترتيب ملائكة ولم تحفظوه” (أع7: 53).

وسوف يأتي المسيح، والكلام لأغسطينوس، ولكن ليس كما جاء أول مرة فى تجسده، بل سيظهر كإلهٍ وكقاضٍ عادل. ويتساءل أغسطينوس :

Qualis erit tunc vestra conscientia, cum vobis ille nullam jam exhibebit patientiam, quia vos invenit in anima mortuos, qui venturus est judicare vivos et mortuos? [45]

بأى ضمير سوف تلقون المسيح حينذاك فى مجيئه الثاني؟ لأنه سوف لا يُظهر لكم أى نوع ٍمن الرحمة، وسوف يدين الأحياء والأموات بالعدل.

ختام

كما رأينا بعاليه إن طبيعة هذه العظة ليست هجومية, بل قبل كل شئ ذات طبيعة إقناعية، ليس فقط لليهود بل لكل المسيحيين. ولهذا نستطيع أن نقول إن هذا العمل لم يوجهه القديس أغسطينوس إلى شخص ما بالتحديد مثلما فعل في بعض رسائله السابقة الموجهة إلى أشخاص بعينهم، بل كان موجهًا إلى جمهور شعب اليهود كله، وكذلك إلى جمهور من الشعب داخل الكنيسة أيضًا ولذا فهذا العمل يُعتبر مزدوج المنفعة، فهو من جهة يشهد ويؤكد لليهود أن المسيح هو الله، ومن جهة أخرى يقوى إيمان المسيحيين ضد الكثير من الهرطقات التي ظهرت في ذلك الوقت، وعلى الأخص الهرطقة الآريوسية. ولهذا اضطر القديس أغسطينوس أن يقدم ردًا حاسمًا في مواجهة أفكار اليهود, مستخدمـًا كل وسيلة وبرهان ليقنع قراءه وبذا يجذبهم إلى الإيمان كما كان دأبُ آباء الكنيسة في الكثير من أعمالهم الدفاعية.

وهكذا استطاع أغسطينوس أن يبرهن بُطل أفكار اليهود, مضيفًا براهين أخرى عن ألوهية المسيح وكذلك عن صحة أقواله، مجردًا بهذه الطريقة عدواً للمسيحية من كل أسلحته. ونلاحظ كذلك أن ترتيب الأدلة والبراهين التي قدمها القديس أغسطينوس يتفق مع المنطق العقلي، فأولاً يقدم أدلة وبراهين من العهد القديم، مثل نبوات أنبياء اليهود العظام مثل إشعياء، وإرميا، ودانيال وموسى وداود، ثم شهادات من أنبياء العهد الجديد مثل شهادة سمعان الشيخ، وزكريا الكاهن، وأليصابات ويوحنا المعمدان، ثم في النهاية أدلة من كتب الوثنيين، ومن أشعارهم، ونبواتهم، ثم أخيرًا شهادات من الطبيعة، والسماء، والبحر، والأحداث.

 

[1] مدرس مساعد بقسم الدراسات اليونانية واللاتينية بآداب القاهرة.

[2] قارن ” يكشف العمائق من الظلام ويخرج ظل الموت إلى النور” (أي12: 22). وقارن أيضا ” ويكشف الرب خفاياك  ويصرعك في المجمع” (سيراخ1: 39).

[3] قارن ” إذا لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب” (1كو4: 5).

[4] قارن ” هناك يكون البكاء وصرير الأسنان” (لو13: 28).

[5] قارن ” وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس ……..والنجوم تسقط من السماء ” (مت24: 29).

[6] قارن ” وأما في تلك الأيام بعد ذلك الضيق فالشمس تظلم والقمر لا يعطي ضوءه ” (مر13: 24).

[7] قارن ” لكن سيأتي كلص في الليل يومُ الرب الذي فيه تزول السماوات بضجيج وتنحل العناصر محترقة وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها ” (2بط3: 10).

[8] قارن ” كل واد يمتلئ وكل جبل و اكمة ينخفض” (لو3: 5).

[9] قارن ” ليكون الجميع واحدًا” (يو17: 21).

[10] قارن ” وتصير المعوجات مستقيمة والشعاب طرقا سهلة ” (لو3: 5).

[11] قارن ” وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها ” (2بط3: 10).

[12] قارن ” ثم بوق الملاك الثالث فسقط من السماء كوكب عظيم متقد كمصباح ووقع على ثلث الأنهار وعلى ينابيع المياه” (رؤ8: 10).

[13] قارن ” وكانوا يعضون على ألسنتهم من الوجع ” (رؤ16: 10).

[14] قارن ” ليصنع دينونة على الجميع ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا ” (يه1: 15).

[15] قارن ” وأما الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذي هو الموت الثاني ” (رؤ21: 8).

[16] J. Geffcken, Oracula Sibyllina [Die griechischen christlichen Schriftsteller 8. Leipzig: Hinrichs, 1902], Section 8, 217. Contra Judaeos……, PL.Vol. 42, Cap. XVI, C.1126.

[17] K. Krumbacher, Ἱστορία τῆς Βυζαντινῆς Λογοτεχνίας, Τομ. B΄, (Ἑλλην. Μετάφ), Ἀθήνα 1897, σ. 602.

[18] See Loeb Classical Library, Vol. V, Book XVIII, Chap.XXIII, De Sibylla Erythraea, P. 446.

[19] قارن قول المسيح لليهود “من منكم يبكتني على خطية” (يو8 :46)، وقارن أيضًا ” الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر” (1بط23:2).

[20] E. Gibbon, Τhe History Of The Decline And Fall Of The Roman Empire, Vol. 2, P. 198.

[21] Contra Judaeos……, PL.Vol. 42, Cap. XVI, C.1127.

[22] Contra Judaeos……, PL.Vol. 42, Cap. XVI, C.1127.

[23] قارن ” ثم جاء إلى تلاميذه وقال لهم ناموا الآن واستريحوا هوذا الساعة قد اقتربت وابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة ” (مت26: 45).

[24] قارن ” وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ” (مر 15 : 19).

[25] قارن ” ويبصقون عليه ثم يسجدون له جاثين على ركبهم ” (مر15: 19).

[26] قارن ” بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين وجهي لم استر عن العار والبصق ” (إش5:50).

[27] قارن ” ُظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه ” (إش7:53).

[28] قارن “نبت قدامه كفرخ وكعرق من أرض يابسة لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه” (إش53: 2).

[29] قارن ” وضفروا إكليلا من شوك ووضعوه على رأسه” (مت27: 29).

[30] قارن ” أعطوه خلاً ممزوجًا بمرارة ليشرب ولما ذاق لم يرد أن يشرب” (مت27: 34).

[31] قارن ” فانشق حجابُ الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل” (مر15: 38).

[32] قارن ” وكان نحو الساعة السادسة فكانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة” (لو23: 44).

[33] قارن ” وإنما أظهرت الآن بظهور مخلصنا يسوع المسيح الذي أبطل الموت ” (2تي1: 10).

[34] قارن ” فإن المسيح أيضا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا البار من أجل الأثمة لكي يقربنا إلى الله مماتـًا في الجسد ولكن محيىً في الروح الذي فيه أيضًا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن” (1بط3: 18ـ19).

[35] قارن ” ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين ” (1كو15 :20).

[36] Contra Judaeos……, PL.Vol. 42, Cap. XVI, C.1127.

[37] قارن ” السماوات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه ” (مز19: 1).

[38] Ἀπόστολος Μακράκης, Ἑρμηνεία του κατὰ Ματθαῖον κατὰ σύγκρισιν πρὸς τὰ λοιπά, σ. 61.

[39] Contra Judaeos……, PL.Vol. 42, Cap. XVI, C.1127.

[40] Idem.

[41] وفى حادثة أخرى اعترفت الشياطين للمسيح بأنه ” قدوس الله”: ” ما لنا ولك يا يسوع الناصري أتيت لتهلكنا أنا أعرفك من أنت قدوس الله (مر1: 24).

[42] يشير القديس بولس إلى نفع اليهود الذي قدموه إلى الأمم برفضهم المسيح قائلا ” فإن كانت زلتهم غنى للعالم ونقصانهم غنى للأمم فكم بالحري ملؤهم (رو11: 12).

[43] Contra Judaeos……, PL.Vol. 42, Cap. XVI, C.1128.

[44] Idem.

[45] Idem.

قانون الإيمان – عظة للقديس أغسطينوس للرد على اليهود والوثنيين والاريوسيين

لماذا تألم المسيح ومات؟ أ/ أمجد بشارة

لماذا تألم المسيح ومات؟ أ/ أمجد بشارة

لماذا تألم المسيح ومات؟ أ/ أمجد بشارة

بدون هذا الموت لصار سرّ التدبير بالجسد بلا منفعة لنا.

القديس كيرلس السكندري[1]

 

لم يمت المسيح لأنه كان مضطراً أن يموت. لقد فعل كل شيءباختياره طِوعاً. موت المسيح وقيامته أدَّيا إلي: 1 – غفران الخطايا والمصالحة مع الله؛ 2 – التحرر من سلطان الموت؛3 – الوعد بتجديد العالم كله؛ 4 – القيامة العامة؛ 5 – النُصرة علي الشيطان وكل أسلحته؛ 6 – سحق الجحيم.

د / عدنان طرابلسي[2]

لو لم يكن قد وُضع المسيح للموت، ما كان يُمكن للموت أن يموت. لقد انهزم الشيطان بذات نصرته، لأن الشيطان فرح عندما خدع الإنسان الأول فطرحه في الموت. بخداعة الإنسان الأول قتله. وبقتله الإنسان (آدم) الأخير فقد الأول الذي في شباكه.

القديس أغسطينوس[3]

طبيعتنا البشرية منذ السقوط دخل إليها الموت وانتشر في كل طبيعتنا كسلطان وسلاح الخطية، فيقول الكتاب (النفس التي تخطئ هي تموت.. حزقيال 18: 4) ويقول القديس باسيليوس: إن الطبيعة البشرية هي حائط وقد هزته صدمة الخطية، فمال إلي السقوط، ولا يمكن إعادة بنائه إلا بهدم ونقض بنيانه، لذلك سمح الله أن يكون الموت الحسي ناقضاً للحائط المُزعزع ليُعيد بناءه بالقيامة العامة إعادة وثيقه ومؤيده[4].

ولكي يرفع الله حكم الموت هذا عن البشرية -التي حكمت به علي نفسها– فبتجسده وكابن الله جمع البشرية في ذاته، كما سبق وقلنا، فقد ترك جسده هكذا بحيث يمكنه أن يعاني الآلام البريئة والموت، لأنه كما قلنا أراد أن يحسم أمر هزيمتنا بعدل، وكأول يبدأ بقيامته بالجسد الذي وحده بعدم التألم وعدم الموت وعدم القابلية للفساد، من أجل الجنس البشري كله هذا الذي صار هو باكورته،كما يقول ساويرس الانطاكي[5] .

ويُضيف أثناسيوس الرسولي: وهكذا إذ اتخذ جسداً مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل نفسه للموت عوضاً عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر، أولاً: لكى إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفد في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب). ثانياً: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد الذى جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم، كما تبيد النار القش[6].

ويقول إيريناؤس: ولأن الجميع اقتيدوا إلى الموت بسبب عصيان أبونا الأول، آدم، كان مناسباً وضرورياً أن يَبُطل نير الموت بواسطة طاعة ذاك، الذي صار إنساناً من أجلنا. وبسبب أن الموت ساد على الجسد، كان من الضروري أن يُهزم الموت بواسطة الجسد ويَخلُّص الإنسان من سطوته. وهكذا صار الكلمة جسداً لكى بواسطة الجسد الذى استعبدته الخطية، يُخلّصنا (المسيح) من الخطية كي لا نعود نُستعبد من الخطية. لذلك أخذ ربنا جسداً شبيهاًبجسد أبينا الأول، لكى بجهاده –عوضاً عن أبوينا الأولين – ينتصر على ذاك الذي في آدم جرحنا جرحاً مُميتاً[7]. [8]

فدخول الرب إلي جسد وموته بهذا الجسد أصبح فخاً للموت به هزم الرب الموت وسلب كل قوته، ويقول كيرلس الأورشليمي: الرب تألم من أجلنا، وما كان الشيطان ليتجرأ أن يظهر له لو كان قد عرفه انه ابن الله. لذلك فالجسد صار الصنارة التي اصطاد بها الموت، حتي أن الحيه التي كانت تُريد أن تبتلع هذا الجسد، تقيأت ما سبق أن ابتلعته (أي الناس الذين ماتوا قبل مجيء المخلص وانتهاء سلطان الموت )[9].

ويضيف أمبروسيوس: (إذ تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً في نفس الشيء لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت .. عبرانيين 2: 14)… وكيف يكون ذلك إلا بواسطة الجسد الذي به قد صار مشاركاً لنا؟، وبماذا شاركنا إلا بالموت الجسدي؟، إنه كسر سلاسل الموت لأنه باحتمال المسيح للموت حدث موت للموت[10].

وهذا أيضاً ما قاله أغسطينوس: لقد هُزم الشيطان بذات نصرته… بخداعة الإنسان الأول ذبحه، وبذبحه للإنسان الأخير فقد الإنسان الأول من شبكته![11].

ويُضيف القديس يوحنا فم الذهب: “جرد الرئاسات والقوات بنفسه”، معناه أنه جرد قوات الشيطان، لأن الطبيعة البشرية كانت قد خضعت لها، أو إن صح التعبير كان مفروضًا عليها دَين (صك)، فعندما صار إنساناً لم يكن مديناً بهذا الصك – لكن ما معنى “شَّهر بهم”؟ معناه أنه حقا قد شُهر بالشيطان الذي جعل من نفسه هُزءً وخزياً. لأنه إذ توقع أن يظفر بالرب، خسر حتى ما كان لديه، وحينما سُمِّر الجسد (المقدس) على الصليب، قام الموتى. هكذا تلقى الموت نفسه ضربة قاصمة من جسد ميت. وكبطلٍ مقدام، وحينما عرف أنه طرح عدوه أرضاً، وأمسك به بقبضة مميتة، (مات الموت) هكذا كان موت المسيح إنما هو خزي للشيطان.

لم يختبر الملائكة شيئا من هذا القبيل، فقد قام هو بكل شيء لأجل هذا القصد، مُظهِراً أن لموته إنجاز عظيم وقدير – وكان إن صح التعبير – ثمة صراع واحد: فقد جرحَ الموتُ المسيحَ – لكن المسيح المجروح أمات الموت[12].

ويقول القديس مارإفرام: لقد جعل نفسه خاضعًا للموت حسب الجسد، محتملاً إيَّاه بإرادته، حتى يكسر سلطان الموت بغير إرادته (أي إرادة الموت)! حمل صليبه وسلك هكذاكما يريد الموت، وعلى الصليب إذ صرخ أحضر الموت بغير إرادته من الجحيم! حمل النصرة على الموت، في نفس اللحظة التي فيها قتل الموت الرب، وبنفس الوسيلة (الصليب)![13]…

هذه هي الثمرة التي حطمت الموت، فإذ اِبتلعها مزقته، وقدمت حياة لمن أُرسلت إليهم!. وكما أنه متى اِضطربت معدة إنسان، تقيَّأ ما بها من حلو ومرّ، هكذا إذ اِضطربت معدة الموت، تقيأ “دواء الحياة” الذي اِشمئز الموت منه، كما خرج معه أولئك الذين تلذذ الجحيم بوجودهم فيه![14].

وبموت المُخَلِّص بالجسد أعطانا عربون القيامة في قيامته أيضاً من الموت وهي العلامة الصارخة علي موت الموت وانقضاء سلطانه علي البشرية،

ويقول أغسطينوس:نتمتع في آلام الرب وقيامته بالعبور من هذه الحياة القابلة للموت إلى الحياة الأخرى الخالدة، أي من الموت إلى الحياة[15].

ويضيف القديس كيرلس السكندري: إن موت المسيح قلب الأمور بصورة غير متوقعه. لأن آلامه قد أُعدت كفخ لاصطياد الموت، وموت الرب صار مصدر تجديد الجنس البشري إلي عدم الفساد وجدة الحياة[16].

ولأن الموت كان هو سلاح الخطية الفتاك، فبموته بطل سلطان الخطية – نعم نخطئ– لكن لم نعد نموت بخطايانا بل بمجرد العودة إلي الله المُعلن في وجه يسوع يُمحي كل أثر لخطايانا، كما يقول القديس كيرلس السكندري: ماذا كان الأمر المملوء بالحكمة بالنسبة لنا وماذا كانت مشيئة الآب المُخلصة؟ كان هذا الآمر وتلك المشيئةأن يموت الموت بموت المسيح عنا، وهكذا تبطل الخطية ويهلك كل من تسبب فيها منذ خلقة الإنسان، أي الشيطان، ويصير الخلاص الكل بواسطة دم المسيح الكريم. ولهذا نجد أن الرسول يضيف قائلاً عن الابن: (وَلأَجْلِ هَذَا هُوَ وَسِيطُ عَهْدٍ جَدِيدٍ، لِكَيْ يَكُونَ الْمَدْعُّوُونَ – إِذْ صَارَ مَوْتٌ لِفِدَاءِ التَّعَدِّيَاتِ الَّتِي فِي الْعَهْدِ الأَوَّلِ – يَنَالُونَ وَعْدَ الْمِيرَاثِ الأَبَدِيِّ. لأَنَّهُ حَيْثُ تُوجَدُ وَصِيَّةٌ يَلْزَمُ بَيَانُ مَوْتِ الْمُوصِي. لأَنَّ الْوَصِيَّةَ ثَابِتَةٌ عَلَى الْمَوْتَى، إِذْ لاَ قُوَّةَ لَهَا الْبَتَّةَ مَا دَامَ الْمُوصِي حَيّاً.)[17].

و يضيف القديس إكليمندس السكندري: الإنسان كان حراً ببساطته، أصبح مقيداً بالخطايا. لذلك أراد الرب أن يحرره من القيود (رباطات الظلم). وبالتحافه بالجسد… هزم الحيه وأسر الموت المستبد، و أروع شيء عمله هو فك أسر الإنسان وتحريره بعد أن كان أسيراً للفساد. ياللسرّالعظيم! لقد تنازل الرب وارتفع الإنسان، الذي سقط من الفردوس يربح مكافأة أعظم، إنها السماء عينها !! [18].

ويكتب القديس أثناسيوس: وحينما صارت مشيئة الآب السمائي أن تُدفع الفدية – الكفارة – عن الجميع، لكي تُمنح النعمة للجميع، لذلك أخذ الكلمة بالحق… جسداً ترابياً… لكي كرئيس كهنة يستطيع أن يقدِّم نفسه (بجسده) إلى الآب ويطهِّرنا من الخطايا جميعاً في دمه[19].

ويكمل قائلاً: فالعالم كان في ما سبق مُداناً، وكان تحت القضاء والدينونة من قِبَل الناموس، وأمَّا الآن فقد وضع “الكلمة” على نفسه عقاب الدينونة هذه، وإذ تألَّم في الجسد من أجل الجميع منح الخلاص للجميع[20].

وأخيراً فقد تساءل البعض قائلين: كيف يُمكن لجسد بشري أن يهب لنا كل هذه الخيرات أو يغلب الموت؟ ويجيب ق. كيرلس عمود الدين قائلاً: يا أحبائي لتعلموا أن لجسم المسيح تأثير في خلاص الإنسان، لأن جسد الكلمة، المسيح العظيم، هو جسم الحياة المتسربل بالقوّة والسلطان، وكما أن الحديد إذا ما لمس النار بدت فيه مظاهر الناروقام بوظائف النار، كذلك جسد الكلمة المسيح تجلَّت فيه الحياة، وكان له السلطان على محو الموت والفساد[21].

لقد صلب الموت بإعطاء الحياه، وجذب بذلك الإنسان بعيداً عن الدمار ورفعه إلي السموات.

القديس إكليمندس السكندري[22]

 

[1]sur la l aux cor ., xv , 12 , pg . 74 , 897 . دراسات في آباء الكنيسة للراهب باسيليوس المقاري . ص 611

[2]سألتني فأجبتك ج1 ص 547

[3]The Ascension, 263 الحب الإلهي. للأب تادرس يعقوب . ص 689

[4]M. A.Orphanos; creation and salvation according to st. basil of caesarea , Athens 1957

[5] مجمع خلقيدونيةإعادة فحص، مرجع سابق. ص 413 . lapolemique …. I , p. 70

[6] تجسد الكلمة 4:8 ترجمة د/ جوزيف موريس فلتس؛ إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. ص22

[7] في هذه الفقرة لخص إيريناؤس جوهر تعليمه عن المسيح والخلاص. فتجسد المسيح له المجد كان ضرورياً لكى ينقل عدم الفساد إلى البشر ولكى يَبطُل الشر الآتي من عصيان آدم. وهذا الأمر قد شرحه فيما بعد القديس أثناسيوس في كتابه “تجسد الكلمة”: [ لأن المخلّص تمّم بتأنسه عمليتي المحبة: (أولاً): أنه أباد الموت من داخلنا وجدّدنا ثانية. (ثانيًا): أنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن نفسه وعرّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومدّبر وملك الكون ] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 5:16. والقديس أمبروسيوس أسقف ميلان يصف لنا المسيح بأوصاف توضح نتائج التجسد بالنسبة لنا: [ المسيح هو لنا كل شيء… إذا أردت أن تبرئ جرحك، فهو الطبيب الشافي؛ إذا أردت أن تروى عطشك الشديد، فهو ينبوع الماء الحي؛ إذا كنت في حاجة إلى معونة، فهو القوة الحية الفعّالة؛ إذا كنت ترهب الموت، فهو الحياة القاهرة للموت؛ إذا كنت تخشى الظلام، فهو “النور الحقيقي”؛ إذا كنت جوعانًا، فهو قوت الحياة ] (PL16, 305).

[8]الكرازة الرسولية. ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد؛ د/ جورج عوض ابراهيم. فقره 31

[9] دراسات في آباء الكنيسة. للراهب باسيليوس المقاري . ص 313

[10] القديس أمبروسيوس أسقف ميلان شرح الإيمان المسيحي مترجم عن: N & PN Fathers 2 sertes vol. 10 p199. ج2 . 3 : 85 . ص 46

[11]Sermon 261:1.

[12]Homilies on Colossians, homily 6.

[13]الحب الالهي. للأب تادرس يعقوب مالطي ص 689

[14]المرجع السابق. ص 690

[15]Letters, 55

[16]شرح انجيل يوحنا ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد، د/ جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. ج2 ص 467

[17]حوار حول الثالوث. الجزء الرابع الحوار الخامس. ترجمة د/ جوزيف موريس فلتس. مترجم عن EIIE ., VOL .8 , P. 402 : 505 . إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ص 10، 11 

[18]grenstead , A short history of the doctrine of the atonement . p 28

[19]حقبه مضيئه في تاريخ الكنيسة، مرجع سابق، ص 656 .. Athanas., C. Ar., II, 7.

[20]المرجع السابقص 658 .. Athanas.,C. Ar., I, 60.

[21] عظه 36.

[22]grenstead , A short history of the doctrine of the atonement . p 27

 

لماذا تألم المسيح ومات؟ أ/ أمجد بشارة

Exit mobile version