قال الرب لربي اجلس عن يميني – قراءة يهودية للنبوة – أمجد بشارة

قال الرب لربي اجلس عن يميني – قراءة يهودية للنبوة – أمجد بشارة

قال الرب لربي اجلس عن يميني – قراءة يهودية للنبوة – أمجد بشارة

“قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ».” (مز 110: 1).

לְדָוִ֗ד מִ֫זְמ֥וֹר נְאֻ֚ם יְהֹוָ֨ה | לַֽאדֹנִ֗י שֵׁ֥ב לִֽימִינִ֑י עַד־אָשִׁ֥ית אֹֽ֜יְבֶ֗יךָ הֲדֹ֣ם לְרַגְלֶֽיךָ.

 

كيف قرأه رسل العهد الجديد وطبقوه على المسيح؟

هذا المزمور لداود يتمتع بامتياز الاقتباس منه، أو الإشارة إليه، أكثر من غيره في العهد الجديد، عن أي فصل آخر في العهد القديم. وواضح بجلاء أنه مزمور عن المسيَّا. أولاً، كذاك المُمَجَّد على يمين الله، ثم كملك المجد الذي سيعود إلى الأرض ليمسك بصولجان المملكة العالمية، وأيضًا كالكاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق.

الآية الأولى من هذا المزمور واحدة من أكثر آيات العهد القديم اقتباسًا في العهد الجديد. اقتبسها يسوع في متى ٢٢: ٤٣-٤٥ وفي مرقس ١٢: ٣٦-٣٧، مبيّنًا كيف أنّ داود دعا المسيّا ربّه، مقرًّا بهذا أن المسيّا أعظم منه. اقتبسها بطرس في يوم الخمسين شارحًا أن داود تنبّأ بلاهوت يسوع وصعوده (أعمال الرسل ٢: ٣٤-٣٥). أشار بولس إليها في ١ كورنثوس ١٥: ٢٥، شارحًا حكم يسوع وهيمنته. اقتبسها صاحب الرسالة إلى العبرانيين في ١: ١٣ مشيرًا إلى تفوق يسوع على أي ملاك. أشار صاحب الرسالة إلى العبرانيين إليها في ١٠: ١٣ مبيّنًا حُكم يسوع وهيمنته.[1]

 

  • “قَائلًا: «مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟» قَالُوا لَهُ: «ابْنُ دَاوُدَ». قَالَ لَهُمْ: «فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟ قَائِلًا: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟»” (مت 22: 42-45).
  • ” ثُمَّ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ: «كَيْفَ يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ 36 لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي، حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. 37 فَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَدْعُوهُ رَبًّا. فَمِنْ أَيْنَ هُوَ ابْنُهُ؟» وَكَانَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ يَسْمَعُهُ بِسُرُورٍ.” (مر 12: 35- 37).
  • وَقَالَ لَهُمْ: «كَيْفَ يَقُولُونَ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ 42 وَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَقُولُ فِي كِتَابِ الْمَزَامِيرِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي 43 حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. 44 فَإِذًا دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا. فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟» (لو20: 41- 44)
  • “لأَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَصْعَدْ إِلَى السَّمَاوَاتِ. وَهُوَ نَفْسُهُ يَقُولُ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ.” (أع 2: 34-35).
  • “لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ حَتَّى يَضَعَ جَمِيعَ الأَعْدَاءِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ.” (1 كو 15: 25).
  • “ثُمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ»؟” (عب 1: 13).
  • وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ، 13 مُنْتَظِرًا بَعْدَ ذلِكَ حَتَّى تُوضَعَ أَعْدَاؤُهُ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْهِ. (عب10: 12، 13)

 

كيف قرأته الكنيسة الأولى؟

يقول يوحنا فم الذهب:

لقد نزع فكرهم الخاطئ. لهذا السبب أدخل داود في الحوار (مت 22: 41-46)، حتى تُعرَف شخصيته ولاهوته بأكثر وضوح. لقد ظنوا أنه إنسان مجرد، ومع ذلك قالوا إن المسيح هو “ابن داود”. لهذا قدَّم لهم شهادة نبوية عن بنوته ومساواته لأبيه في الكرامة.[2]

 

يفسرها القديس كيرلس الكبير:

كيف يمكن أن الذي يملك على الكل مع الآب، يصعد إليه لينال مُلكًا؟ أجيب إنَّ الآب يعطي الابن أيضًا هذا المُلك من جهة كونه صار إنسانًا، لأنه عندما صعد إلى السماوات جلس عن يمين العظمة في الأعالي، منتظرًا أن يُوضَع أعداؤه تحت قدميه، لأنه قيل له من الآب: “اجلس عن يمين حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك”.[3]

 

يقول جيروم:

يعلن المُخَلِّص معنى تلك الكلمات في الإنجيل عندما سأل: إن كان المسيح هو ابن داود، كيف إذن يدعوه داود بالروح ربه؟ (مت 22: 43)… بالنسبة لنا ذاك الذي هو ابن هو أيضًا ابن داود، أنه ليس ابن وابن آخر. إنه ليس شخصيْن، واحد بكونه الله وآخر بكونه إنسانًا. وإنما ذاك الذي هو ابن الله هو بنفسه أيضًا ابن داود… فالله لا يجلس، إنما ذاك الذي اتخذ جسدًا يجلس، ذاك الذي قيل له أن يجلس هو الكلمة المتجسد.[4]

 

كتب أغسطينوس:

المسيح هو ابن داود وربُّه. إنه رب داود على الدوام وابنه حسب الزمن… هو رب داود المولود من الآب، وابن داود المولود ابنًا للعذراء مريم الذي حُبل به منها بالروح القدس. فلنتمسَّك بكليهما بشدة… فلو لم يهبنا ربّنا يسوع المسيح أن يصير إنسانًا لهلك الإنسان. [5]

 

 

ويقول مار إفرام:

لأن بجلوس المسيح، بناسوته المأخوذ منا، عن يمين الآب، استحققنا الروح القدس الذي به نُحَطِّم أعداءنا الشياطين والخطايا والآلام والآثام، ونغلب الموت والجحيم، ونصعد إلى السماوات، إلى حيث المسيح رأسنا الذي قد جعلنا له جسدًا.[6]

 

تفسير مختصر للنص:

 

قَالَ ٱلرَّبُّ لِرَبِّي

 “يا لهذا التنازل العجيب من جانب يهوه ليسمح لأذن فانية بأن تسمع، ولقلم بشري بأن يدوّن حديثه السرّي مع ابنه المعادل له! كم ينبغي أن نقدّر حديثه الجليل هذا مع الابن، معلنًا إياه من أجل إنعاش شعبه. سبيرجن (Spurgeon)

في ع1 يقتبس داود قول الرب لربه: «اجلس عن يميني حتى (إلى أن) أضع أعداءك موطئًا لقدميك». والمفتاح لفهم هذا العدد هو في تحديد الشخصين المنفصلين اللذين يُشير إليهما بكلمة «رب». والاستخدام الأول للكلمة يشير، دون أي احتمال للخطأ إلى «يهوه». والكلمة الأخرى «ربي» هي كلمة “أدون” في العبرية، ومعناها “المعلِّم” أو “السيِّد“. وكانت تستخدم أحيانًا كاسم الله، وأحيانًا تستخدم “للمُعلِّم البشري“. ومع أن الكلمة نفسها لا تشير دائمًا إلى شخص إلهي، فالكلمات التي تليها تشير إلى أن كلمة «ربي» بالنسبة لداود “أدون” كانت تساوي الله.

ذات يوم، عندما كان يسوع يتكلَّم إلى الفريسيين في أورشليم سألهم: «ماذا تظنون في المسيح؟ ابن مَنْ هو؟» وكانت إجابتهم صحيحة «قالوا له: ابن داود». ولكن يسوع بيَّن لهم أنه طبقًا لمزمور 110 (الذي يعترفون أنه عن المسيح)، أن المسيَّا سيكون أيضًا رب داود. فكيف يكون ابن داود وربه في نفس الوقت؟ وكيف يكون لداود الملك، ربًّا على الأرض؟

والإجابة هي بالطبع أن المسيَّا سيكون إلهًا وإنسانًا. وكإله سيكون «رب داود». وكإنسان سيكون «ابن داود». ويسوع نفسه، الذي جمع في شخصه الأُلوهية والبشرية، كان ربًا لداود وابن داود. كانت لحظة إظهار للحقيقة بالنسبة للفريسيين، ولكن بالرغم من كل الدلائل، لم يكونوا مستعدين للاعتراف بيسوع كالمسيَّا المُنتظَر. ولذلك نقرأ «فلم يستطع أحد أن يجبه بكلمةٍ. ومن ذلك اليوم لم يجسر أحدٌ أن يسأله بتَّةً» (مت41:22- 46؛ انظر مر35:12- 37؛ لو41:20- 44).[7]

تُظهر حقيقة أن الرب (يهوه، إله عهد إسرائيل) يتكلم إلى شخص دعاه داود ربي (الرب – أدوناي) أن كُلًّا من يهوه وأدوناي في هذه الآية الله. · وعلى نحو خاص، يمكننا أن نقول إن يهوه هو الإله ثلاثي الأقانيم في ما يتعلق بأقانيم الآب والابن والروح القدس، حيث كل واحد منهم يهوه. وعادةً، عندما يُذكَر يهوه من دون صلة محددة بشخص الابن أو الروح القدس، فإننا نفترض أنه يشير إلى الله الآب. ولهذا، فإن الله الآب هنا يتكلم إلى المسيّا، الله الابن. · “يشير أدوناي إلى فرد أعظم من المتكلم. هنا حالة يقتبس فيها داود كلام الله الذي يطلب من شخص متميز آخر أعظم من داود أن يجلس عن يمين الله إلى أن يجعل أعداء هذا الشخص المتميز موطئًا لقدميه. ولا يمكن إلا أن يكون هذا الشخص المسيّا الإلهي، يسوع المسيح.” بويس (Boice)

 

 

 

ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ:

تَحَدَّث يهوه (الله الآب على نحو محدد) إلى المسيّا (الله الابن على نحو محدد)، طالبًا منه أن يجلس في مكانه متوَّجًا (أفسس ١: ٢٠؛ عبرانيين ٨: ١) إلى أن يقدم الآب النصر للابن. · ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي: “اكتمل عمله، ولهذا يمكنه أن يجلس. لقد أتقن عمله، ويمكنه أن يجلس عن يمينه. وستكون لهذا الأمر نتائج فخمة. ولهذا يمكنه أن ينتظر بهدوء ليرى النصر التام الأكيد الذي سيأتي.” سبيرجن (Spurgeon) · مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ: “سيوضع عبيدك وخدمك إلى أدنى خدمة وضيعة ممكنة، كما توحي العبارة (١ ملوك ٥: ٣؛ مزامير ١٨: ٣٩؛ ٩١: ١٣). وهذه الصورة مأخوذة من أسلوب الملوك الشرقيين الذين كانوا يدوسون رقاب أعدائهم المهزومين، كما في يشوع ١٠: ٢٤.” بوله (Poole).[8]

والجلوس عن اليمين هو للتكريم كما أن السيد الديان سيجلس عن يمين عرش الآب في الأعالي. والجلوس عن يمين الملك هو أعظم مظاهر التمجيد والتكريم (راجع 1ملوك 2: 19) والأعداء عند موطئ القدمين دليل الخضوع التام (1ملوك 5: 17). إن صهيون مركز صولجان هذا الملك (راجع إرميا 48: 17 وحزقيال 19: 11 – 14). فهو متسلط على الشعب وكذلك متسلط في وسط الأعداء (ميخا 5: 3 و4). (3) وشعب هذا الملك مندفع من نفسه في سبيل خدمته. أي حينما يدعوهم ليظهر قوته يتجندون حالاً يأتون مزينين كأنهم مولودون من الفجر ويشبهون الطل المتساقط أي الندى على وجه الأرض. يأتي الأحداث لهذه الخدمة لأنهم عز الملك بهم يتغلب على الأعداء لأنهم ذوو عزيمة وإقدام ولا يبخلون بأية تضحيات مهما عظمت.[9]

وكُتَّاب أسفار العهد الجديد، لا يدعون مجالاً للشك، أن الذي جلس عن يمين الله، ليس إلا يسوع المسيح الناصري (مت64:26؛ مر62:14؛ 19:16؛ لو69:22؛ أع 34:2، 35؛ 31:5؛ 55:7، 56؛ رو34:8؛ 1كو24:15؛ أف20:1؛ كو1:3؛ عب3:1، 13؛ 1:8؛ 12:10، 13؛ 2:12؛ 1بط22:3؛ رؤ21:3). ولذلك ع1 يُخبرنا بما قاله يهوه للرب يسوع في يوم صعوده، عندما جلس عن يمين الله ولكنه هناك فقط حتى (إلى أن) يوضع أعداءه موطئًا لقدميه.[10]

فهذا المزمور هو نبؤة عن انتصار المسيح النهائي على أعدائه حينما يجلس أخيراً عن يمين العرش في الأعالي (انظر أعمال 2: 34 وما بعده أيضاً 1كورنثوس 15: 25 وعبرانيين 1: 13 و10: 13) بل نجد كاتب الرسالة للعبرانيين يدعم نبؤته بذهاب الكهنوت اللاوي وقيام الكهنوت المسيحي على ما ورد بقوله على رتبة ملكي صادق (راجع عبرانيين 5: 6 و7: 17 و21).

 

 

يُرْسِلُ ٱلرَّبُّ قَضِيبَ عِزِّكَ مِنْ صِهْيَوْنَ:

لن تكون سلطة المسيّا مقصورة على إسرائيل. إذ ستمتد إلى العالم كله، فتهيمن على كل الملوك وشعوب الأرض، حيث يعطيه الله الحكم على الأعداء (تَسَلَّطْ فِي وَسَطِ أَعْدَائِكَ). آدم كلارك (Adam Clarke) هو بين الذين يعتقدون أن ’قَضِيبَ عِزِّكَ‘ يشير إلى رسالة الإنجيل: “رسالة الإنجيل هي عقيدة المسيح المصلوب. وهي صولجان الرب القوي الذي اشترانا. إنها رسالة سريعة وقوية وأمضى من كل سيف ذي حدّين. وهي قوة الله للخلاص لكل من يؤمن.”[11]

 

 

 

ما قاله المفسرون اليهود:

 

كتب يالكوت شموني Yalkut Shimoni:

“قال الحاخام يوسان للحاخام آها بار حننيا: في المستقبل سيجلس القدوس المبارك الملك المسيح عن يمينه وإبراهيم عن يساره، ويتجعد وجه إبراهيم ويقول: ابن ابني يجلس عن اليمين وأجلس على اليسار؟ لكن القدوس المبارك صالحه قائلاً: ابن ابنك يجلس عن يمينك وأنا أجلس عن يمينك…”[12]

 

ويكتب رابي شمعون:

والقدوس، المبارك، سيقاتل من أجل إسرائيل ويقول للمسيح: “اجلس عن يميني” [مزمور 110: 1]. فيقول المسيح لإسرائيل: اجتمعوا وقفوا وانظروا خلاص الرب».[13]

 

وجاء في تفسير يهودي اخر:

يقول سفورنو Sforno أن هذا المزمور مخصص للملك المستقبلي المسيح. فهو عن يمين الله، والملائكة الخادمون عن يساره. ستهاجم جيوش يأجوج ومأجوج، لكن الرب سيخضعهم حتى يزحفوا عند قدمي المسيح.[14]

 

وقد ترجمت في ترجوم يوناثان إلى:

“فقال الرب لكلمته”.[15]

 

وجاء في المدراش على المزامير:

… قال ر. يودان باسم ر.حما: في المستقبل عندما يجلس القدوس المبارك السيد المسيح عن يمينه كما قيل قال الرب لربي: “ اجلس عن يميني» (مز 110: 1).[16]

 

وأيضًا:

… فمن الذي خاض كل المعارك إذن؟ لقد كان القدوس المبارك: قال لإبراهيم اجلس عن يميني فأحارب عنك الحروب. ولم يتم توضيح أن الله فعل ذلك في السرد. من الذي جعل الأمر واضحا؟ داود الذي قال: قال الرب لربي: اجلس عن يميني. ويقال للمسيح أيضًا: وبالرحمة يثبت الكرسي، ويجلس له بالحق في خيمة داود يحكم (إش 16: 5).[17]

 

وتعليقًا على الآية الثانية من هذا المزمور، يقول المدراش:

… نفس هذه العصا أيضًا ستُمسك بيد المسيح الملك (فليكن ذلك سريعًا في أيامنا هذه!)؛ كما جاء في الكتاب: “يرسل الرب عصا عزك من صهيون، تسلط في وسط أعدائك” (مز 2: 1).[18]

… وعصاك تشير إلى المسيح الملك.[19]

 

[1] ديفيد كوزيك، تعليقات على المزمور 110.

[2] Homilies on Matt 71: 2.

[3] Commentary on Luke, homily 128.

[4] Homily 36 on Ps. 109 (110).

[5] Ser. on N. T. 42:3.

[6] تفسير خر 24: 12-18.  

[7] وليم ماكدونالد، تعليقات على المزمور 110.

[8] ديفيد كوزيك، تعليقات على المزمور 110.

[9] تفسير وليم مارش، المزمور 110: 1- 3.

[10] وليم ماكدونالد، تعليقات على المزمور 110.

[11] ديفيد كوزيك، تفسير المزمور 110.

[12] How to Recognize the Messiah, Good News Society (Johannesburg, 2000), p.21; Yalqut Shimoni Ps. 110, Nedarim 32b and Sanhedrin 108b. The subject is also touched upon in: David M. Hay, Glory at the Right Hand Psalm 110 in Early Christianity, New York 1973

[13] T’fillat R. Shimon ben Yochai

[14] Artscroll Tenach Commentary Tehillim

[15] Targum of Jonathan

De Cathol. Arean. Ver. l. 3. c. 5. & l. 8. c. 24.

[16] Midrash on Psalms, Book One, Psalm 18, 29.

Tom Huckel, The Rabbinic Messiah (Philadelphia: Hananeel House, 1998). Ps 110:1.

[17] Midrash on Psalms, Book Five, Psalm 110, 4.

[18] Midrash Rabbah, Numbers XVIII, 23.

[19] Midrash Rabbah, Genesis LXXXV, 9.

 

قال الرب لربي اجلس عن يميني – قراءة يهودية للنبوة – أمجد بشارة

كتاب المرأة في نظر الكنيسة PDF – اسبيرو جبور

كتاب المرأة في نظر الكنيسة PDF – اسبيرو جبور

كتاب المرأة في نظر الكنيسة PDF – اسبيرو جبور

كتاب المرأة في نظر الكنيسة PDF – اسبيرو جبور

يتحدث اسبيرو جبور في هذا الكتاب عن المرأة المسيحية، وعن مكانتها التي احتلتها في الكتاب المقدس ووجهة نظر الكنيسة إليها. وذلك من خلال تقسيمه مادة بحثه على أربعة أبواب جاءت موضوعاتها كما يلي:

الباب الأول: المرأة في الكتاب المقدس في هذا الباب يتحدث المؤلف عن المرأة في العهد القديم وفي التلمود وفي الحضارة اليونانية القديمة وسواها. 

أما في الباب الثاني فيتحدث فيه عن النساء في العهد الجديد: الأناجيل الازائية، إنجيل يوحنا، أعمال الرسل، رسائل بولس. 

أما الباب الثالث والرابع فقد خصصهما للموضوعين التاليين: النساء النبيات، الرهبنة في المسيحية. 

في الباب الثاني استعرض المؤلف نظرة آباء الكنيسة (باسيليوس، غريغوريوس اللاّهوتي، يوحنا فم الذهب) للمرأة. أما الباب الثالث فيتناول فيه وضع المرأة في علم النفس الحديث.

تحميل الكتاب PDF

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

تحميل الكتاب PDF

مقدمة

هذه العظة تحمل عنوان ” يوم ميلاد المخلص ” وقد أُلقيت كما هو واضح يوم عيد الميلاد، وفيها يعلّم القديس يوحنا ذهبى الفم عن ميلاد المسيح من العذراء، أى لماذا أخذ شكل إنسانى، وبأى طريقة أخذه، ولماذا اختار هذه الطريقة.

وقد قدم فى هذه العظة تفسيرًا قيمًا مدعمًا هذا التفسير باقتباسات من العهدين القديم والجديد.

غير معروف على وجه التحديد زمن إلقاء هذه العظة، لكنه واضح أن ذهبى الفم كان يقاوم الهرطقة الآريوسية دون أن يشير إليها صراحةً، والتى شغلت المجمع المسكونى الأول والمجمع المسكونى الثانى (325، 381م) ويبدو للمرء أنه فى جزء من العظة صار تحليل لجزء من قانون الإيمان الذى يتحدث عن ألوهية المسيح، وهذا يدعونا إلى الاعتقاد أن تاريخ هذه العظة ليس بعيدًا عن سنة 381م. ويرجح أنه ألقاها بعد سيامته كاهنًا فى إنطاكية سنة 386م، وربما فى سنة 387م بإنطاكية.

تُرجمت هذه العظة من باترولوجيا Migne الجزء 56 من ص 385 ـ 394. ولإلهنا المحب الآب والابن والروح القدس الثالوث المساوى كل مجد وسجود وتسبيح الآن وإلى دهر الدهور . آمين .

أرى سرًا عجيبًا ومدهشًا، أسمع أصوات رعاة يصلوّن بتسبيح سماوي. ملائكة يرتلون، رؤساء ملائكة يمجدون، الشاروبيم يسبحون، والساروفيم يمجدون، الجميع يحتفلون برؤية الله على الأرض والإنسان في السماوات. وهذا الكائن أصلاً في السماء، يرونه بسبب تنازله ـ كائنًا على الأرض، وهذا الذي هو أصلاً على الأرض (أي الإنسان)، يرونه ـ بسبب محبة الله للبشر ـ موجودًا في السماء.

اليوم تشبهت بيت لحم بالسماء وبدلاً من النجوم استقبلت الملائكة الذين يمجدون، وبدلاً من الشمس، قبلت شمس البر بأسلوب لا يوصف. ولا نطلب أن نعرف كيف حدث هذا. لأنه عندما يريد الله فإن القوانين الطبيعية تنهزم. لذلك فهو قد تمم ما أراده، نزل إلى الأرض, وخلّص الإنسان.

اليوم وُلِدَ هذا الكائن منذ الدهور، والموجود منذ الأزل صار إنسانًا، دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. لأنه لم يصر إنسانًا متخليًا عن ألوهيته، ولا أيضًا صار إلهًا نتيجة تقدم أخلاقي، لكن بينما هو كلمةالله صار إنساناُ دون أن يعاني أي تغيير في طبيعته (الإلهية).

عندما وُلِدَ رفض اليهود ميلاده العجيب، والفريسيين أساءوا تفسير الكتب الإلهية، والكتبة تكلموا وقالوا عكس الناموس. هيرودس طلب أن يجد الطفل الذي وُلد لا لكي يُكرمه بل لكي يقتله (متى13:2). اليوم رأوا أمورًا مختلفة. لأنه كما يقول المزمور” لا تخفي عن بنيهم إلى الجيل الآخر مخبرين بتسابيح الرب وقوته وعجائبه التي صنع ” (مز4:78).

والملوك أتوا وهم مملوئين بالدهشة من الملك السماوي، كيف أتى إلى الأرض بدون ملائكة،بدون عروش، بدون قوات، بدون سلطات، لكن سار في طريق عجيب، لم يعبر فيه أحد ودون أن يترك ملائكته محرومين من حمايته ولا أخذ جسدًا إنسانيًا وهو تارك لألوهيته.

الملوك إذن سجدوا للملك السماوي، أتت الأجناد السماوية لكي تخدم رئيس القوات، أتت النساء لكي يسجدن للذي وُلِدَ من امرأة، لكي يحول فيما بعد حزن المرأة إلى فرح، وأتت العذارى لكي يسجدن لطفل العذراء، مندهشين كيف أن هذا الذي خلق الثدي واللبن وجعل الثدي يخرج لبن من نفسه، أخذ شكل طفل من أم عذراء. أتى الأطفال لكي يسجدوا لذاك الذي صار طفلاً، لكي يُنشد تسبيح المجد من أفواه الأطفال والرضعان.

أتى الرجال لكي يسجدوا لذاك الذي صار إنسانًا وخلص العبيد من الشرور التي أصابتهم. أتى الرعاة لكي يسجدوا للراعي الصالح الذي قدم حياته من أجل الخراف. أتى الكهنة لكي يسجدوا لذاك الذي أخذ شكل العبد لكي يمنح الحرية للمستعبدين. أتى الصيادون لكي يسجدوا لذاك الذي حّول الصيادين إلى صيادين للناس. أتى العشارون لكي يروا ويسجدوا لذاك الذي حولهم من عشارين إلى مبشرين. أتت الزانيات لكي يسجدن لذاك الذي ترك قدميه لدموع زانية.

كل الخطاة أتوا لكي يروا حمل الله الذي يحمل على كتفية خطية العالم، المجوس وضعوه نصب أعينهم، الرعاة باركوه، العشارون بشروا به، الزانيات قدمن طيبًا، السامرية عطشت لمصدر الحياة، الكنعانية أظهرت إيمانًا ثابتًا.

إذن فطالما أن الجميع ارتكضوا من الفرح، أريد أنا أيضًا أن ارتكض، أريد أن أحتفل، وأرقص لا عازفًا على قيثارة ولا محركًا لأوتار، ولا لاعبًا على مزمار ولا ماسكًا لشموع مضيئة ولكن ماسكًا أقماط المسيح بدلاً من الآلات الموسيقية. لأن هذه الأقماط هي رجائي، هي حياتي، هي خلاصي، هي قيثارتي. ولهذا أنا آتي ممسكًا بهذه الأقماط لكي آخذ منها قوة أن أتكلم وأقول مع الملائكة ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة ” (لو14:2).

ذاك الذي وُلِدَ من الآب بأسلوب لا يوصف، وُلِدَ اليوم من العذراء بأسلوب لا يُعبر عنه. فهو وُلِدَ من الآب قبل كل الدهور حسب قوانين الطبيعة الإلهية، تلك القوانين المعروفة من ذاك الذي وَلَدَه، بينما اليوم وُلِدَ أيضًا لا بحسب القوانين الطبيعية ولكن بنعمة الروح القدس.

وهنا الميلاد السماوي هو حقيقي والميلاد الأرضي أيضًا هو حقيقي ـ غير كاذب ـ بالحقيقة وُلِدَ إله من إله، وبالحقيقة هو نفسه وُلِدَ إنسانًا من العذراء. هو وحدة في السماء الابن الوحيد الجنس الذى وُلِدَ من الآب، بينما على الأرض هو وحده بذاته الابن الوحيد الجنس الذي وُلِدَ من العذراء. وبالضبط كما أنه في حالة ميلاده السماوي، يعتبر كفراُ أن نسأل عن وجود أم له، هكذا فإنه يعتبر تجديف أن نقول إن له أب في ميلاده الأرضي.

الآب وَلَدَ الابن بأسلوب يفوق الإدراك، بينما العذراء ولدته محتفظة بنقاوتها بغير فساد. الله ولده بدون زرع، لأنه ولده بأسلوب إلهي وليس كالبشر، والعذراء لم يصبها فساد لأنها ولدته بالروح القدس. وعليه فلا ميلاده السماوي يمكن أن يُشرح، ولا ظهوره في ملء الزمان كإنسان يقبل البحث لمزيد من الفهم.

إذن فمن حيث إن العذراء ولدته اليوم، فهذا أعرفه، ومن حيث إن الله ولده قبل الدهور، فهذا أؤمن به، لكن تعلمت أن أكرم بصمت أسلوب ميلاده، وألا أشرع في فهم كل هذا واضعًا إياه تحت الفحص. لأنه في حالة ولادة الابن من الآب، لا يجب أن يفكر المرء في كيفية هذه الولادة، ولكن فقط أن يؤمن بقوة ذاك الذي وُلد.

لأنه ناموس طبيعي أن تلد امرأة متزوجه من رجل، ولكن عندما ولدت العذراء والتي لم تعرف رجلاً وبقيت أيضًا عذراء، فإن هذا الحدث يظل فوق النواميس الطبيعية. هذا الذي يحدث وفقًا للقوانين الطبيعية يمكن أن نفحصه، بينما ما يحدث وفقًا لأسلوب يفوق الطبيعة فلنحترمه بصمت، لا كشيء يجب أن نتجنبه، ولكن كشيء لا يمكن شرحه، ولهذا يجب أن نحترمه بصمت.

ولكن سامحوني من فضلكم، لأنني أريد أن أوقف حديثي والذي لا يزال في بدايته. لأنني أشعر بخوف أمام بحث الأمور الإلهية، ولا أعرف كيف أو أين أُغير دفة الحديث.

لأنه ماذا أقول، أو عن أى شيء أتكلم ؟ أرى تلك التي ولدت وأرى ذاك الذي وُلد، لكن لا أستطيع أن أفهم أسلوب أو طريقه الميلاد. لأنه عندما يريد الله فإن الطبيعة تنهزم، ويُهزم ناموس النظام الطبيعي. إن هذا الحدث حقًا لم يصر وفقًا للنواميس الطبيعية، لكن هذه المعجزة هي أمر فوق الطبيعة، لأن الطبيعة لم تعمل، ولكن الإرادة الإلهية هي التي عملت. أقول أنها نعمه كبيرة غير موصوفة.

وحيد الجنس الذي هو قبل الدهور، الغير مقترب منه، المتفرد والغير جسدي، أتى إلى جسدي الفاسد والمرئي. لماذا ؟

لكي يعلمنا عندما ننظر إليه، وعندما يعلمنا يقودنا إلى ذاك الذي لا يُرى. لأن الناس يؤمنون أكثر مما ينظرون، أكثر مما يسمعونه. ويتشككون في تلك الأمور التي لا يرونها. ولهذا قَبِلَ أن يأخذ جسدًا إنسانيًا، وأن يعطي لعيوننا إمكانية أن نراه لكي يزيل هذا الشك.

وُلِدَ إذن من عذراء، ذاك (السر) الذي كان غير معروف لديها، فهى لم تصنع هذه المعجزة، لكنها كانت فقط أداة لهذه القوة غير الموصوفة. واضعة في اعتبارها فقط هذا الذي سمعته من جبرائيل الملاك بعد السؤال الذي سألته ” كيف يكون لي هذا وأنا لم أعرف رجلاً ” ـ فأجاب الملاك وقال ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظلك ” (لو34:1).

كيف وُجد داخل العذراء وبعد قليل كيف خرج منها ؟ تمامًا مثل فنان، وجد مادة مفيدة جدًا ويصنع منها إناءً جميلاً جدًا، هكذا فإن المسيح عندما وجد الجسد المقدس ونفس العذراء، صنع لنفسه هيكلاً عاقلاً داخل العذراء بالطريقة التي أرادها هو. واليوم يُستعلن للعالم، دون أن يشعر بخجل من ضعف الطبيعة الإنسانية التي لبسها. فإن لبس هيئة خليقته لا يُعتبر أهانه له.

لكن ماذا أقول وعن ماذا أتكلم ؟ لأن المعجزة تملأني بالدهشة. قديم الأيام صار طفلاً، ذاك الذي يجلس على العرش العالي بعظمة وجلال يوضع في مزود. الذي لا يُقترب منه، غير الجسدي، قُمط بأيدي إنسانية. ذاك الذي يفك رُبط الخطية، لُف في لفائف، لأن هذه هي إرادته. لأنه أراد للهوان أن يتحول إلى كرامة، وللعار أن يكتسي بالمجد، ولحالة الهوان أن تتحول إلى حالة الفضيلة. ولهذا أخذ جسدي لكي أسع الكلمة في داخلي. وما دام قد أخذ جسدي فقد أعطاني روحه حتى يقدم لي كنز الحياة الأبدية. يأخذ جسدي لكي يقدسني ويعطيني روحه لكي يخلصني.

ماذا أقول وعن ماذا أتكلم ؟ ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا ” (أش14:7). هذا لم يُكتب كشيء سيحدث، لكن أعجب له كشيء حدث. إنه تحقق لليهود الذى أُفرز من وسطهم ، لكن نحن آمنا به، رغم أنه لم يصر من عندنا كلام عنه(أى أن الأمم لم يتنبأوا عنه).

ها العذراء تحبل ” هذه النبوءة هي للمجمع، أما تحقيق النبوءة فقد صار ميراثًا للكنيسة. المجمع وجد المخطوط القديم، الذي فيه كان مكتوبًا، بينما الكنيسة اكتشفت اللؤلؤة الكثيرة الثمن التي كانت مختبئة فيه. المجمع لبس الصوف المطلي، بينما الكنيسة ارتدت الرداء الملوكي.

لأن اليهودية ولدت المسيح، بينما المسكونة قبلته. المجمع غذاه بالنبوات، والكنيسة أخذته وأثمرت فائدة منه. في المجمع نبت فرع الكرم، بينما نحن تمتعنا بالكرمة الحقيقية. المجمع قطف العنب، والأمم شربوا الشراب السري. المجمع بذر بذرة القمح في اليهودية، والأمم حصدوا السنابل بمنجل الأيمان. الأمم بالأيمان قطفوا الرمّان، أما اليهود فبقى لهم شوك عدم الإيمان، العصفور طار، بينما الأغبياء يجلسون ويحرسون العش. اليهود يمسكون بالحرف والأمم يحصدون ثمار الروح.

ها العذراء تحبل “. أخبرني أيها اليهودي وقل لي من وَلَدتْ ؟

أظهر شجاعة مثل شجاعتك التي أظهرتها أمام هيرودس. لكن ليست لديك شجاعة. وأنا أعرف لماذا. بسبب مكيدتك ودسيستك. لأنك تكلمت إلى هيرودس لكي تقتله (الطفل). لكنك لا تتكلم لي أنا وذلك لكي لا تسجد له.

إذن من وَلَدتْ ؟ من ؟ سيد الطبيعة. لأنه حتى لو صمْتَ أنت، فالطبيعة تصرخ. ولدته إذن كما أراد هو أن يُولد. ففي الطبيعة، لا توجد مثل هذه الإمكانية للميلاد (العجيب)، ولكن كسيد الطبيعة أبتكر أسلوب ميلاد عجيب، لكي يظهر أن ذاك الذي وُلد لم يولد كما يولد الإنسان، بل وُلِدَ كما يليق بالله. اليوم وُلِدَ من عذراء، والتي هزمت الطبيعة وتجاوزت قانون الزواج.

لأنه كان يجب أن يأتي ملك البر بطريقة ميلاد طاهرة ومقدسة. لأنه هو الذي من البدء خلق آدم من أرض عذراء ومن آدم أيضًا خلق امرأة دون أن تكون هناك امرأة. تمامًا مثلما حصل آدم على زوجة دون أن تكون هناك زوجة، هكذا اليوم العذراء ولدت رجلاً بدون رجل. ولأن الجنس النسائي مدين بوجوده للرجال، فالمرأة خُلقت من آدم دون أن تتوسط امرأة، هكذا اليوم ولدت العذراء دون أن يتوسط رجل مسددة للرجال دين حواء.

ولكي لا يفتخر آدم الذي بدون امرأة صارت له امرأة، هكذا فإن العذراء ولدت رجلاً بدون رجل، حتى أنه بالمعجزة المشتركة تصير المساواة في الطبيعة. لأنه كما أخرج الله المرأة من جنب آدم دون أن يُقلل أبدًا من آدم، هكذا صنع الهيكل الحي داخل العذراء دون أن يفسد عذراويتها.

لقد بقى آدم صحيحًا بعد أن أخذ ضلعًا من جنبه، وبقيت العذراء طاهرة بعد أن ولدت الطفل. ولهذا لم يخلق لنفسه هيكلاً من مكان آخر ولا خلق جسدًا آخر ولبسه، حتى لا يبدوا أنه يحتقر الطينة التي صنع منها آدم. لأن الإنسان عندما أنخدع صار أداة للشيطان، وأهان هذا الهيكل الحي الذي دُمِرَ، والله لأجل علاقته الحميمة مع الإنسان الذي خلقه أراد أن يبعده عن معاشرة الشيطان.

والذي وُلد (من العذراء) لم يُولد مثل أي إنسان، لكن وُلد كإله. لأنه لو وُلد كما يولد الجميع، مثلما أُولد أنا بالضبط، سيعتبر من الكثيرين أكذوبة، ولهذا وُلد من العذراء. وبعد الميلاد بقيت الأم عذراء ونقية. حتى تصير طريقة الحمل العجيب سبب إيمان كبير. فلو سألني اليوناني أو اليهودي: هل المسيح الذي بحسب طبيعته إله يصير إنسانًا، بطريقة تفوق الطبيعة ؟. سأجيبه نعم، وأستدعي كشاهد على قولي هذا، الختم غير الدنس للعذراوية.

لأنه هكذا هزم الله نواميس النظام الطبيعي. هكذا خلق بطن المرأة وخلق العذراوية، وابتكر طريقة غير دنسه لميلاده، وبنى لنفسه هيكلاً بطريقة لا يُعبّر عنها كما أراد هو.

أخبرني أيها اليهودي إذن هل العذراء ولدت أم لا؟ لأنه إن كانت قد ولدت، اعترف بطريقة الميلاد العجيب، ولو أنها لم تلد، فلماذا تخدع هيرودس ؟ لأنة عندما أراد أن يعرف أين يولد المسيح، قلت له في بيت لحم اليهودية (متى4:2).

فهل أنا الذي عرفت المدينة أو الطريقة؟ وهل أنا علمت بقيمة ذاك الذي وُلد؟ ألم يتكلم إشعياء عنه أنه هو الله؟ لأنه يقول “وتلد ابنًا وتدعوا اسمه عمانوئيل” (أش14:7). هل تستطيعوا أيها الكتبة والفريسيين أن تعرفوا وأنتم حراس الناموس كل ما يتعلق به في الناموس ؟ وهل نحن نعرف لغة العبرانيين؟

ألم تفسروا أنتم الكتب؟ ألستم أنتم الذين ـ عندما ولدت العذراء وسألكم هيرودس ـ قدمتم شاهدًا من النبي ميخا لكي تؤكدوا كلامكم ؟ لأنه يقول ” أما أنت يا بيت لحم أفراته وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطًا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (ميخا2:5).

حسن جدًا قال النبي ” فمنك يخرج ..” فكما أنه أتى منكم، وقُدم فيما بعد للأمم، هكذا فإن الله موجود وهو قبل الوجود وهو موجود على الدوام كإله ضابط الكل، ولكنه أتى منكم كإنسان يحكم الشعب، وكإله يخلص المسكونة.

هؤلاء هم الذين أظهروا أن الذي وُلِدَ هو الله، هم الذين أظهروا ذاك الذي أختبئ في المزود كسيد،هم الذين دون أن يقصدوا أعلنوا عن ذاك الذي وُجد في المغارة، ودون أن يقصدوا صنعوا به خيرًا، من حيث أنهم أظهروه، بينما هم أرادوا ألا يعلنوا عنه. أرأيت أيها المعلم الجاهل. أولئك الذين يعلّمون لم يعرفوا، وبينما هم جوعي يقدمون غذاء للآخرين، وبينما هم عطشي يسقون الآخرين، وبينما هم فقراء يغنون الآخرين.

إذن تعالوا بنا نحتفل ونفرح. بالحقيقة هو أمر عجيب أسلوب هذا العيد لأنه عجيب سبب الميلاد هذا، لأن اليوم حُلت رُبط الأزمنة البعيدة، إبليس خجل، الشياطين هربت، الموت بطل، الفردوس فُتح، واللعنة اختفت، الخطية طُردت بعيدًا، الخداع ابتعد، والحقيقة عادت مرة أخرى، وكلمة التقوى انتشرت في كل مكان، أسلوب الحياة السماوي نبت في الأرض، الملائكة يلتقون بالناس، والناس بلا خوف يتحدثون مع الملائكة. لماذا ؟

لأن الله أتى إلى الأرض والإنسان صعد إلى السماء، والله بكليته يوجد على الأرض. وإذ هو الإله صار إنسانًا دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. إذ هو الكلمة غير المتحول، أخذ جسدًا، نعم أخذ جسدًا إنسانيًا لكي يسكن فينا. وبالتأكيد هو لم يصر إلهًا لأنه كان إلهًا ثم أخذ جسدًا إنسانيًا. حتى أن ذاك الذي لا تسعة السموات، يستقبله المزود. حتى أن ذاك الذي يعول الكون، يأخذ طعام الأطفال من الأم العذراء.

ولهذا فأب الدهور الأبدية قبل أن يُحِملَ في الأحضان العذراوية كطفل يرضع، لكي يستطيع المجوس الاقتراب منه. اليوم أتى المجوس إلى المسيح، وضعوا بداية لرفضهم للطاغية (هيرودس)، وتباهت السماء لأن نجمها أظهر سيدها، والسيد يأتى فى الجسد، كما فوق سحابة رقيقة تسير نحو مصر.

وواضح طبعًا أنه ذهب إلى هناك لكي يتجنب تسلط هيرودس، لكن في الحقيقة أكمل هذا الذي قيل من أشعياء ” في ذلك اليوم يكون إسرائيل ثلثًا لمصر ولأشور بركة في الأرض، بها يبارك رب الجنود قائلاُ مبارك شعبي مصر وعمل يدي أشور وميراثي إسرائيل ” (أش24:19).

ماذا تقول أيها اليهودي ؟ أنت الذي كنت أولاً صرت ثالثًا. المصريون والأشوريون وُضعوا في الأمام وإسرائيل البكر حُسِبَ بعد هؤلاء. نعم حقًا إن الأشوريين سيصيرون أولاً لأنهم سجدوا أولاً مع المجوس للمسيح، بينما المصريين سيوضعون بعد الأشوريين، لأنهم استقبلوه عندما لجأ إلى مصر هاربًا من طغيان هيرودس. وفي النهاية يوضع الشعب الإسرائيلي، لأنهم عرفوه بواسطة الرسل بعد عودته من الأردن.

أتى إلى مصر وأربك أوثان مصر لا مصادفة، ولكن لأنه أغلق أبواب مصر بفقدان الأبكار. ولهذا فهو اليوم أتى كبكر، لكي يمحو حزن ذلك الحدث القديم الشنيع. أما أن المسيح دُعي بكرًا، فهذا يؤكده اليوم لوقا الإنجيلي قائلاً “ فولدت أبنها البكر وقمطته وأضجعته في المزود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل ” (لو7:2). لجأ إذن إلى مصر لكي ينهي حزن ذلك الحدث القديم الشنيع، مانحًا بدلاً من الضربات، فرح، وبدلاً من الليل والظلام، نور الخلاص.

كانت مياه النهر ملوثة وقتها بسبب ذبح الرضعان. أتى لمصر إذن ذاك الذي جعل ماء النهر في العصر السابق أحمر بالدم، وحول مياه النهر وسيلة الخلاص، منقيًا بقوة الروح هذه المياه الملوثة غير النقية. تعذب المصريون وساد عليهم الهوس ورفضوا أن يؤمنوا بالله. أتى إذن إلى مصر وملأ النفوس المتقية لله من معرفة الله. وبمياه هذا النهر صار هناك شهود للربكسنابل القمح.

ولأن الوقت ضيق أريد أن أتوقف هنا عن الكلام، وأقول كيف وهو الكلمة غير المتألم، أخذ جسدًا، وبقيت طبيعته غير متغيرة. ماذا أقول أو كيف أتكلم ؟ أرى خالق، ومزود، وطفل، وأقمطة، وعذراء نفساء، دون أن يكون لديها ولا حتى الأمور الأكثر احتياجًا، كل شيء مليء بالعوز.

هل رأيت غنى وسط الاحتياج الشديد ؟ كيف وهو الغني، افتقر لأجلنا؟ كيف وُضع في مزود خشن ولا يوجد به سرير ولا فراش. أقول هو الفقر الذى هو ينبوع للغنى، وأقول الغنى الذى لا يحد، الذي يحمل غطاء الفقر. داخل المزود يرقد ويحرك الكون. داخل اللفائف قُمِطَ وهو الذي فك رُبط الخطية قبل أن ينطق بكلمة، علّم المجوس وحّركهم أن يعودوا إلى الله.

ماذا أقول وعن أي شيء أتحدث ؟ ها هو طفل ملفوف داخل أقمطة، موضوع في مزود، بالقرب منه توجد مريم التي هي عذراء وأم. وأيضًا بالقرب منه يوجد يوسف الذي يُدعى أبوه. يوسف يسمى رجل وهي تسمى امرأة، أسماء قانونية ولكن بدون رباط الزواج. فليذهب فكرك فقط حتى حدود الكلمات ولكن ليس إلى الحدث نفسه. قد خطبها فقط والروح القدس قد ظلّلها، ولهذا فإن يوسف مملوء بالدهشة ولم يعرف كيف يسمي الطفل.

لم يستطع أن يقول كلمة تجديف ضد العذراء، ولم يقبل أن يجعله ابنه، لأنه لم يعرف كيف ومن أين وُلِدَ الطفل، ولذلك وهو في هذه الحيرة من نحو هذا الحدث تلقى إجابة من السماء برسالة من الملاك الذي قال ” يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حبل فيها هو من الروح القدس ” (متى20:1) لأن الروح القدس ظلل العذراء.

لكن لماذا وُلِدَ من عذراء وترك عذراويتها بغير فساد ؟ لأن الشيطان قديمًا خدع حواء بينما كانت عذراء، ولهذا فإن جبرائيل حمل إلى مريم البشرى المفرحة بينما كانت عذراء.

حواء حينما خُدِعت خرجت منها كلمة صارت سببًا للموت، بينما العذراء مريم بعدما قبلت البشارة المفرحة، ولد منها كلمة الله بجسد إنساني، وهو الذي صار لنا سبب حياة أبدية.

الكلمة الذي أتي من العذراء أظهر الصليب، الذي به قاد اللص إلى الفردوس لخلاص أدم والبشرية. ولأن اليونانيون واليهود والهراطقة التابعين لهم لم يؤمنوا أن الله وَلَدَ ابنه بطريقة لا يُعبّر عنها وبدون أي تحول, لهذا وُلِدَ اليوم من جسد مُعرض للألم وحفظ الجسد الذي يعاني بلا تأثر لكي يظهر كيف وُلِدَ من عذراء ولم يفسد عذراويتها ، وهكذا بقى جوهر الله غير متغير و مقدس، وكإله ولد بطريقة إلهية.

ولأن البشر هجروا الله وصنعوا لأنفسهم أوثانا وعبدوها، محتقرين هكذا الخالق، لهذا فإن اليوم كلمة الله ـ بينما هو إله ـ ظهر على هيئة إنسان حتى يبطل الضلال ويعيد الإنسان إلى العبادة الحقيقية. فلنعطِ إذن المجد للمسيح الذي فتح الطريق الذي لم يكن أحد يستطيع العبور فيه من قبل. الذي له المجد مع أبيه الصالح، و الروح القدس الآن و كل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

 

القديس يوحنا ذهبي الفم هو بولس الثاني، أفصح خطباء الكنيسة المسيحية وواعظيها على مر العصور، بل ربما كان أخطب رجل في التاريخ، وهو أشهر شارح للكتاب المقدس، وهو رجل كنسي قدير، لمعت خصائصه وحنكته أيام الملمات والأزمات.

ولد يوحنا ذهبي الفم (347-407) من أب وثني وأم مؤمنه هي أنثوسا التي ترملت في العشرين من عمرها ونذرت نفسها لتربية ابنها، وكانت زينة الأمهات المسيحيات الأنطاكيات، وقد قال عنها ليبانيوس، المعلم الوثني المشهور آنئذ: «آه، أية نسوة رائعات بين المسيحيات».

تتلمذ يوحنا في الخطابة والفصاحة العلوم الوثنية على يد الفيلسوف الوثني ليبانيوس الذي اشتهى أن يخلفه يوحنا بعد مماته. وتتلمذ مسيحياً على يد الأسقف المشهور القديس ملاتيوس الأنطاكي لمدة ثلاث سنوات، فعمده.

لم يستطع يوحنا أن يترهبن في دير قبل رقاد أمه، إلا أنه عاش النذور الرهبانية في بيته الذي حوله إلى قلاية. بعد رقادها انعزل ست سنوات في أديرة قرب أنطاكية يدرس اللاهوت والصلاة والهذيذ تحت توجيه رئيس الدير ديودوروس (أسقف طرسوس لاحقاً).

صار يوحنا قارئاً ثم شماساً ثم كاهناً في أنطاكية. وفي العام 398 صار رئيس أساقفة القسطنطينية. كان خلاص النفوس همه الأول والأخير. تجنب الجدالات العقائدية واللاهوتية رغم أنه كان لاهوتياً عظيماً. كانت عظاته النارية تشع محبة مقدسة ونوراً إلهياً لمستمعيه.

لقب “ذهبي الفم”، لأنه كان أعظم واعظ وخطيب في تاريخ الكنيسة المسيحية حتى يومنا الحالي، بشهادة أحبائه وخصومه معاً. كان محنكاً بارعاً، اتخذ بولس الرسول مثالاً له.

إخلاصه للمسيحية وقيمها ومثلها جعله موضع حسد وغيرة الكثيرين، وعلى رأسهم الإمبراطورة أفدوكسيا وثيئوفيلوس رئيس أساقفة الإسكندرية آنذاك، الذين حاكوا ضده المؤامرات تلو المؤمرات التي انتهت بنفيه. رقد في يوم عيد الصليب المقدس 14 أيلول العام 407 في المنفى بعد أن تناول جسد الرب ودمه قائلاً جملته المشهورة:

«المجد لله على كل شيء». أعلنت قداسته بعد رقاده ونقل رفاته إلى القسطنطينية العام 438 في احتفال مهيب على يد تلميذه القديس بروكلوس رئيس الأساقفة.

ويعتبر أنه رقد شهيداً. تعيد الكنيسة المقدسة له في 13 تشرين الثاني، ولعيد نقل رفاته إلى القسطنطينية يوم 27 كانون الثاني.

اشتهر الذهب الفم بعظاته وخطاباته وفصاحة لسانه. أيضاً اشتهر بشروحاته للكتاب المقدس الذي حفظه عن ظهر قلب بسهولة. كانت لغته نارية، قوية، ومسيطرة، ويشرح الأسفار بحرية إلى درجة تشعر معها أنه الكاتب الأصلي لها. مع ذلك، لم يحاول يوحنا ذهبي الفم أبداً أن يسحر مستمعيه بفصاحته وبراعته اللغوية والكتابية. همه الوحيد كان وصول الكلمة الإلهية حية وقوة إلى قلوبهم.

كان يشجع على قراءة الكتاب المقدس يومياً في المنازل، وعلى زيارات الأديرة والرهبنات، وعلى التصدق للفقراء بكل وسيلة ممكنة. ينسب إليه القداس الإلهي الحالي الذي ساهم على الأرجح بتنسيقه وتعديله وصياغته وإخراجه.

عبقرية يوحنا ذهبي الفم لم تسمح بتحجيمه ضمن إطار المدرسة الأنطاكية وطريقتها التاريخية – الحرفية في التفسير. لقد تجاوزها إلى درجة أعتقد معها، شخصياً، أنه صار مدرسة متكاملة أفضل من المدرسة الأنطاكية والإسكندرية على حد سواء[1]. (د. عدنان طرابلسي).

 

نشأته وتتلمذه:

ولد القدّيس يوحنّا الذهبي الفم في مدينة أنطاكية العظمى في تاريخ لا نعرفه بالتحديد، يتراوح بين العامين 344 و354 للميلاد ولعله 347. كان أبواه من عليّة القوم. والده سكوندوس كان قائداً للجيش الشرقي في الإمبراطورية وكان وثنياً، وقد رقد بعد ولادة يوحنا بقليل. والدته أنتوزا هي التي حضنته وربّته للمسيح. كانت، في تقدير المؤرخين، زينة الأمهات المسيحيات الأنطاكيات، وفي مصاف الكبيرات كنونا أم القدّيس غريغوريوس اللاهوتي ومونيكا أم أوغسطينوس المغبوط.

حتى الفيلسوف الوثني ليبانيوس اعترف بقدرها وعظمة الأمهات المسيحيات مثيلاتها. ترملت وهي في سن العشرين، وأبت أن تتزوج من جديد مؤثرة الانصراف إلى حياة الفضيلة ومكتفية بتربية ابنها. وإلى جانب يوحنا يبدو أنه كانت لأنتوزا ابنة تكبر الصبي ببضع سنوات.

تتلمذ يوحنا في أنطاكية، وهو في الرابعة عشرة من عمره، للفيلسوف الأفلاطوني الجديد ليبانيوس، إلى سن الثامنة عشرة. أخذ عنه فنون الخطابة والآداب الإغريقية. ويبدو أن معلمه كان معجباً به لدرجة أنه قبل وفاته بقليل، سئل بمن يوصي معلماً بعد موته فأجاب: “بيوحنا لو لم يكن المسيحيون قد سرقوه مني!”.

 

معموديته ورهبنته:

اقتبل يوحنا المعمودية في سن متقدمة قد تكون الثامنة عشرة أو الثالثة والعشرين. ولم يكن سبب ذلك والدته ولا لأنه كان غير مؤمن بل لأن النظرة إلى المعمودية اختلفت يومها عما هي عندنا. والحق أن ممارسة المعمودية في سن الرشد كانت أكثر شيوعاً من معمودية الأطفال. السبب كان التوقير الشديد الذي أحاط به المؤمنون السر من حيث هو سر إعادة الولادة. وثمّ اعتقاد شعبي شاع يومها أن المعمودية المبكرة يمكن أن تكون سبباً في خسران صاحبها النعمة في الكبر.

وهذا ما يفسّر أن كثيرين كانوا يرجئون معموديتهم إلى وقت متأخر من حياتهم، وبعضهم، كقسطنطين الكبير، لم يعتمد إلا على فراش الموت. على أن يوحنا نفسه انتقد، فيما بعد، عادة المعمودية المتأخرة هذه وحث على معمودية الأطفال. ويفيد بالاديوس، صديق الذهبي الفم، عن يوحنا أنه بعد معموديته “لم يعرف القسم ولا افترى على أحد ولا تكلم زوراً ولا لعن ولا حتى سمح لنفسه بالمزاح”.

معمّده كان ملاتيوس الأنطاكي القدّيس، أسقف أنطاكية العظمى، الذي رأى فيه نجماً ساطعاً للكنيسة فاتخذه قندلفتاً ثم قارئاً بضع سنوات. أما يوحنا فكانت رغبة قلبه أن يترهّب، لاسيما بعدما التقى ديودوروس الراهب وتأثّر به. ولكن، حالت أنتوزا من ناحيتها والقدّيس ملاتيوس من ناحيته دون تحقيق يوحنا رغبة قلبه، ولو مؤقتاً، فأقام راهباً في بيته إلى أن توفيت والدته.

أما العلم الدنيوي الذي كان قد تعاطاه بلهفة ونهم كما لو كان أرقى ما تتشوّف إليه النفس فقد تخلّى عنه وتحوّل ضده متبعاً قول الرسول بولس القائل: “ما كان لي من ربح اعتبرته خسارة من أجل المسيح.. وأني أعتبر كل شيء نفاية لكي أربح المسيح ويكون لي فيه مقام” (فيليبي 8:3-9). نظرة القدّيس يوحنا إلى الإقبال بشغف على مثل هذا العلم أضحت أنه كالإقبال على الفجور حتى أنه تحدث عما أسماه “فجور التعلم”.

وحوّل يوحنا بيته إلى دير. انقطع عن العالم والعالميات وصار ناسكاً صارماً، لا يأكل إلا قليلاً. يستغرق في الأسهار والصلوات وحفظ الصمت. كان حريصاً على قمع شهوة البطن والغضب. ويبدو أنه اقتنى الصلاة النقيّة وهدوء الذهن ووداعة لا تتزعزع. معارفه اعتبروه انطوائياً كئيباً. فقط اثنان من التلامذة أقرانه شاركاه نزعته النسكية: مكسيموس، أسقف سلفكيا العتيد وثيودوروس مصيصة، بالإضافة إلى باسيليوس الذي صار، فيما بعد أسقف رفانية القريبة من أنطاكية. وهذا كان صنو نفسه.

 

أربع سنوات راهباً:

وبعدما توفيت أنتوزا، والدة يوحنا، انصرف إلى الجبال، جنوبي أنطاكية، حيث أمضى ست سنوات، راهباً ثم ناسكاً، في عهدة شيخ اسمه هزيخيوس. وقد وصف هو طريقة عيش الرهبان هناك، فقال أنهم يسكنون في قلالي أو أكواخ ويسلكون بحسب قانون مشترك، ولهم شيخهم، وأن ثيابهم خشنة من شعر الإبل أو الماعز يلبسونها فوق أقمصتهم الكتانية، وأنهم ينهضون صباحاً قبل الفجر.

ويبدأون يومهم بالتسابيح والصلوات المشتركة، ثم يتفرقون كل إلى عمله، بعضهم ليقرأ وبعضهم ليكتب وبعضهم ليعمل عملاً يدوياً يساعد به الفقراء أربع ساعات في اليوم كانت للصلاة والترتيل.

كان طعامهم الخبز والماء إلا في حالات المرض وكانوا ينامون على بسط من القش. كل شيء كان بينهم مشتركاً، وعبارات كهذه: “هذه لي وهذا لك” لم يكن لها موضع في حياتهم ومتى رقد أحدهم في الرب فلا نحيب عليه بل شكر لله. كان الأخوة يحملونه إلى القبر وهم يرتلون ويسبحون لأنه لم يمت بل كمّل طريقه وأهّل لمعاينة وجه السيد. كيف لا والحياة بالنسبة إليهم هي المسيح والموت ربح؟!

ومرت أربع سنوات على يوحنا في الحياة الرهبانية المشتركة توحّد بعدها في احدى المغاور. هناك تسنّى له أن يخوض غمار حرب ضروس لروحنة جسده. الشهادات التاريخية تفيد انه لم يكن يستلقي أبداَ. وكان متى شاء أن يرياح قليلاَ يعلّق نفسه من الكتفين بحبل ثبّته في سقف المغارة. وقته كان يقضيه في الصلاة و التأمل في الكتاب المقدس.

وقد كان مفرطاَ في نسكه لدرجة أنه بثأثير البرد والأصوام والأسهار أصيب في كليتيه ومعدته واضطر إلى مغادرة مغارته و النزول إلى انطاكية للعلاج, على أمل العودة إلى نسكه بعد حين.لكنه بتدبير من الله بقي في المدينة, لأن العطل في صحته كان دائماَ.

 

شماساً فكاهناً واعظاً:

سامه البطريرك ملاتيوس شماساً في العام 380 أو 381 للميلاد. فتسنى له على امتداد خمس سنوات قضاها في الشموسية أن يطلع بصورة عملية تفصيلية على حاجات الناس، كما خاض في خدمة الفقراء والمرضى.

وفي العام 386 م وضع فلافيانوس، أسقف أنطاكية الجديد، يده على يوحنا وجعله كاهناً. يومها ألقى الذهبي الفم أولى مواعظه في حضور الأسقف. وكان هذا حدثاً فريداً لأنه لم يكن شائعاً في الكنيسة أن يتعاطى الكهنة الوعظ، فالواعظ كان الأسقف.

وتجلى يوحنا، تجلّى كواعظ، كأهم وأبلغ وأخصب واعظ عرفته الكنيسة الجامعة المقدّسة على مدى الأيام. وفي أنطاكية، بصورة خاصة، أغنى القدّيس يوحنا المسكونة بمواعظه على امتداد اثني عشر عاماً. ولكن، أي مدينة كانت أنطاكية؟ كلمة عنها تنفعنا.

 

أنطاكية؟

أنطاكية هي إحدى المدن الأربع العظمى في الإمبراطورية الرومانية غير روما والقسطنطينية والإسكندرية. فيها التحم الفن بالطبيعة فجعلاها مقاماً ولا أبدع رغم كونها عرضة للفيضانات والزلازل. سخي عليها نهر العاصي بمياه نقيّة دفاقة ومنّت عليها الطبيعة ببحيرة واسعة. أحاطت بها التلال من كل صوب وامتدت سهولها غنيّة خصبة. كانت لها تجارة البحر، وقامت فيها أبنية جلل، هذه آسيوية الطراز وتلك إغريقية ورومانية.

والحدائق غنّاء والحمامات فخمة تنتشر في كل مكان. الشوارع تزدان بالأعمدة. ومن الشرق إلى الغرب شارع طوله أربعة أميال أعمدته ضخمة من هنا ومن هنا، من الصوّان الأحمر. ثم التماثيل والقناديل كانت من الكثرة بحيث جعلت ليل المدينة نهاراً. هنا أيضاً في ضاحية أنطاكية على نهر العاصي كانت غيضة دفني، وكانت غابة الغار والأس والسرو والشجيرات العطرة.

وكثرت في أنطاكية المدارس الجيدة والكنائس. الكنيسة التي اعتاد الذهبي الفم أن يعظ فيها كانت أعظمهن. أما السكان فكانوا من السوريين والإغريق واليهود والرومانيين. العنصر الآسيوي غلب، والسكان ناهزوا المئتي الألف عدداً، نصفهم من المسيحيين. الوثنية كانت بعد قوية ورموزها تملأ المكان وتطغى على النفوس.

وفي عظات الذهبي الفم صورة عن أحوال أهل أنطاكية وخصالهم وواقع الكنيسة فيهم. أبرز العيوب والرذائل كانت البخل والترف والفجور والتعلق الشديد بالمسرح والمباريات. كان القدّيس يشكو من أن الفساد بلغ في أيامه حداً أنه “لو أراد إنسان غريب أن يقارن بين أحكام الإنجيل وما يمارسه المجتمع لانتهى إلى أن الناس ليسوا هنا تلامذة المسيح بل أعداؤه”. كيف لا وإتباع الموضة كان القاعدة، والمتعة ما يسعى الناس إليه.

يكرمون فنون الترف فيما الفضائل والرصانة موضع استهزاء، وكذا خفر النسوة والوقار. قسم كبير من دخل المدينة كان يذهب لتمويل المباريات العامة والمسارح. هذه كانت شهوة أنطاكية ومجدها. بلى، كانت المدينة فردوساً مزدهراً، ولكن، فردوساً للخطيئة والفساد والانحلال أولاً.

وكانت الكنيسة في أنطاكية، يومها، قد خرجت حديثاً من صراعات وانقسامات دامت أكثر من ستين سنة. الهرطقات، ولاسيما الآريوسية، كانت ما تزال بعد تلوث الأجواء وإن همد أكثرها.

 

الواعظ:

هذه هي المدينة التي ألقى فيها الذهبي الفم أهم عظاته مصلحاً ومؤدباً، مشدداً ومعزياً. ميزته الأولى أنه ركّز على كيفية السلوك بحسب الإنجيل في الحياة اليومية: كيف نترجم الإنجيل إلى واقع شخصي واجتماعي في مدينة صاخبة مضروبة بالشهوات والفساد وتعاني من التفاوت بين طبقات الناس كأنطاكية. وهو إلى جانب كونه سيداً في الفصاحة والبلاغة وله معرفة بالكتاب المقدس لا تدانى، كان سيداً في نقل الإنجيل إلى الناس بلغة يفهمونها.

كلماته كانت تتدفق كمياه النهر تدفقاً، تلج القلوب عميقاً وترفع النفوس عالياً وتحرك في الأفئدة حب الفضيلة. كان يسبر غور الأسرار الإلهية ويفسّر الإيمان ويربط الكل بحياة الفضيلة، إحساناً وبراً واتضاعاً وتوبة ونخس قلب وثقة بالله ورحمته التي لا تحد. تسمية “الذهبي الفم” أطلقها عليه المتأخرون في القرن السادس للميلاد.

كان يجتذب المدينة بأسرها إلى عظاته. وكان الحماس يدب في النفوس إلى درجة أنهم كثيراً ما كانوا، عن وعي أو عن غير وعي، يستسلمون لعواصف من التصفيق. حتى عندما كان يأبى عليهم ذلك يصفقون. كان يعظ كل يوم أحد وفي الصوم الكبير وخلال الأسبوع مرتين أو أكثر، وأحياناً خمس مرات متتالية. وما كان ليأسر القلوب بمواهبه الخطابية وحسب بل، أولاً، بسيرة لا عيب فيها وقلب كبير وجرأة لا تخبو وعزم لا يلين.

ولكن، غريباً كان أمر أهل أنطاكية يومها! كان يعزّ عليهم أن يفوّتوا واحدة من عظاته ويتهللون. يقرّعهم ويقسو بشأن تعلقهم بالمسارح والمباريات وسباق العربات فيسكرون بكلماته ويصفقون. وما أن تنتهي العظة حتى يهرول الكثيرون منهم إلى المسارح والمدارج كأنما الكلام لا يعنيهم.

 

ملامحه وخصاله:

ولعل المرء يظن أن الذهبي الفم كان عملاقاً في القامة، جهوري الصوت، ذا مظهر مهيب، وما كان كذلك. كان قصير القامة، أصلع الرأس، نحيلاً، غائر الخدّين والعينين، عريض الجبين، أجعده، رمادي اللحية. صوته كان عذباً لكنه ضئيل.

لذلك كثيراً ما كان يدعو الناس إلى أخذ الأماكن الأمامية القريبة من المنبر. حركاته كانت تنقصها الرشاقة وكان يقول عن نفسه أنه “عنكبوتي”. كما كانت له هزالة الناسك وخفة مشيته. كان يكره الضجيج وخشخشة السلاح وتجميل الوجوه عند النساء والابتسامات المتكلفة عند الكهنة. أما صوته، ذاك الصوت الرفيع، فكان ينفجر رعداً أحياناً. 
الوعظ أيضا وأيضاً:

الوعظ بالنسبة للقديس يوحنا كان حاجة لذلك كان يتحدث عن “الجوع إلى الوعظ”، وأنه لا طاقة له على ترك المؤمنين يوماً واحداً دون تعزية من كنوز الكتاب المقدس، وأن للوعظ عليه أثراً علاجياً. “الوعظ شفاء لي. حالما أفتح فمي يزول تعبي”.

لم يكن يسجل مواعظه سلفاً. الكتّاب كانوا يلتقطونها. ويبدو أنه كان يراجعها أحياناً قبل نشرها. كانت تطول أحياناً مدة ساعتين. تناول كافة موضوعات الوعظ: الوعظ التفسيري (تفسير أسفار الكتاب المقدس) والوعظ العقائدي والوعظ الجدلي والتعليم المسيحي لمن يستعدون للمعمودية والعظات الرعائية والأخلاقية والعظات الليتورجية والعظات الرثائية وعظات المناسبات.

أبرز مواعظه الأحدى والعشرون الموعظة بشأن التماثيل وهي التي ألقاها في أنطاكية خلال الصوم الكبير من العام 387 للميلاد على أثر المحنة التي عصفت بالمدينة يومها. تلك حقبة خطيرة في تاريخ عاصمة المشرق. وقد لعب القدّيس يوحنا دوراً في تخطيها.

 

ماذا جرى يومها؟

محنة أنطاكية:
صدر عن الإرادة الإمبراطورية مرسوم يقضي بفرض ضريبة جديدة لصالح الجيش وكان الشعب مثقلاً بالضرائب والنفوس مهيأة للتظاهر والاحتجاج. فدخل بين الناس بعض مثيري الشغب وهيّجوهم فاندفعوا يحطمون كل ما يجدونه في طريقهم، إلى أن حطموا، في قاعة اللقاءات الكبرى، تماثيل كل من الإمبراطور ثيودوسيوس وزوجته فلاسيلا ووالده وولديه أركاديوس وهونوريوس، وجرّوها عبر الشوارع الموحلة. وكانت هذه جريمة يعاقب عليها القياصرة بالموت.

وتسارعت الأحداث. ففي غضون ساعات انتشر العسكر وتفرّق المتظاهرون وساد في المدينة صمت جنائزي. ألقى الجنود القبض على عدد من المشتبه بهم وبدأت الاستجوابات والمحاكمات، وأودع الكثيرون السجون. وبعث الحاكم برسول إلى القسطنطينية، على جناح السرعة، لتقديم تقرير عن الجريمة والعودة بقرار إمبراطوري في حق المدينة. ولحسن التدبير أن الثلوج أخّرت وصول الرسول بعضاً من الوقت.

في هذه الأثناء قام فلافيانوس، أسقف المدينة، وكان قد شاخ وبلغ الثمانين، إلى القسطنطينية مسترحماً.

وتمكن من الوصول إليها في الوقت المناسب، فيما نفّذ في أنطاكية حكم الإعدام بعدد ممن اعتبروا محرّضين على الفتنة واعتقل آخرون. وسيق عدد من وجهاء المدينة إلى غرف التعذيب بعدما صودرت ممتلكاتهم وشردت عائلاتهم وبات الناس في خوف ورعدة على أنفسهم وعلى أولادهم وممتلكاتهم، لا يعرفون من يشي بهم ولا متى تداهم منازلهم، فيما لجأ بعضهم إلى التلال المجاورة التي كثرت فيها قلالي الرهبان والمغاور، ونزل الرهبان بصورة عفوية إلى المدينة للدفاع عنها وعن الأبرياء فيها استعطافاً.

وجثمت خيمة الموت ثقيلة فوق أنطاكية أسابيع طويلة وكان الوقت وقت الصوم الكبير. الكل بانتظار خبر من القسطنطينية والقلوب بين مهابة ورجاء. قلة ظنّوا أن شفاعة أسقف المدينة ستثمر، فالرجل مسنّ والمسافة إلى القسطنطينية ثمانمئة كيلومتر، كيف يقطعها؟!.

ولزم يوحنا الصمت سبعة أيام فيما استمرت المداهمات والاعتقالات والاعدامات، ثم خرج إلى الناس بعظاته الإحدى والعشرين حول التماثيل. آخرها كان يوم الفصح بعدما وصل فلافيانوس إلى المدينة وقد نجح في مهمته.

لم يكن موضوع هذه العظات التماثيل بل رحمة الله وكيف أن هناك أموراً أصعب من الموت أو العبودية. شدّد يوحنا المؤمنين وثبتهم ونفخ فيهم روح القوة وعلّمهم كيف يقتبلون الموت، إذا كان لا بد منه، كما يقتبلون الحياة، وبالجرأة عينها. قال لهم أن الخوف علامة الخطيئة وأنهم لو لم يطلقوا العنان لرذائلهم لما حلّت بهم المصيبة. لو لم يتكالبوا على الغنى والترف ويتهالكوا على الشهوات ويستسلموا لكل عادة أثيمة لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه ولما استبد بهم الخوف من الإمبراطور. أوليس الإمبراطور إنساناً فلماذا نرتعد منه؟

ونزل النسّاك، كما ذكرنا، إلى شوارع المدينة وتدفقوا على الحاكمية يسالون الرأفة بالمدينة. وثمّ قصة عن ناسك مسن اسمه مقدونيوس لقب بآكل الشعير لأنه كان يكتفي من الطعام ببعض حبات الشعير كل يوم. هذا كان يسير في الشارع حافي القدمين، لا تغطي بدنه غير أثمال. فلما صادف المبعوثين الإمبراطوريين استوقفهما وقال لهما:” يا صديقيّ اذهبا إلى الإمبراطور وقولا له: “أنت قيصر لكنك إنسان أيضاً وتسود على كائنات من ذات طبيعتك!

الإنسان خلقه الله على صورته ومثاله فلا تأمر أنت بلا شفقة بتحطيم صورة الله لئلا تجلب غضب الله على نفسك. قولا له إنه سهل عليه أن يصنع تماثيل، لكنه كيف يصنع شعرة واحدة من إنسان حكم عليه بالموت؟!”.

وكان عبء هذه الأيام ثقيل جداً على يوحنا حتى بدا يومها وكأنه في الستين فيما لم يكن قد تجاوز الإحدى والأربعين. وما أن انتهت الأزمة حتى مرض مرضاً شديداً ولازم الفراش طويلاً. وبقي الذهبي الفم في أنطاكية بعد ذلك عشر سنوات مبشراً إلى أن انتقل أو نقلوه سراً إلى القسطنطينية.

 

إلى القسطنطينية:

ففي أواخر العام 397 للميلاد توفي القدّيس نكتاريوس (11 تشرين الأول) رئيس أساقفة القسطنطينية مخلفاً وراءه كرسياً يشتهي الكثيرون ملأه. أول هؤلاء كان رئيس أساقفة الاسكندرية، ثيوفيلوس، الذي طالما كان في صراع خفي وأسقف المدينة المتملكة.

هذا سارع إلى التحرك في كل اتجاه علّه ينجح في تنصيب أحد أعوانه، ايسيدوروس، فيتمكن من خلاله من وضع اليد على الكرسي القسطنطيني. ولكن حسابات اوتروبيوس الخصي، رئيس الوزراء القوي، كانت غير ذلك فأقنع الإمبراطور أركاديوس بإصدار مرسوم يقضي بتعيين يوحنا، كاهن أنطاكية، رئيس أساقفة على القسطنطينية.

طبعاً، صيت يوحنا قبل ذلك كان قد انتشر في كل أرجاء الإمبراطورية. ولكن، كانت هناك مشكلة صعبة: كيف يؤتى بيوحنا من أنطاكية؟ الأنطاكيون لن يرضوا بأن ينتزع منهم واعظهم الأول، وهو نفسه، يوحنا، راهب راهب، لا يحب السلطة فكيف يقنعونه بقبول المنصب الأول في الكنيسة في الشرق؟

لا بد من الحيلة! فبعث أوتربيوس برسالة إلى أستاريوس، حاكم سورية، أمره فيها باستدراج يوحنا سراً إلى خارج المدينة ثم نقله بمواكبة مشدّدة إلى القسطنطينية. وهكذا كان.

 

وارتسم سؤال: من يسم يوحنا؟

وأجاب أوتربيوس: ثيوفيلوس! فأحضر إليه فامتنع. فأخذ رئيس الوزراء ورقة وخط عليها بضعة أسطر ودفعها إلى أسقف الإسكندرية قائلاً: أما أن تسم يوحنا أو توجّه إليك الاتهامات المذكورة في هذه الورقة وتحال إلى المحاكمة. فشحب وجه ثيوفيلوس وسلّم بالأمر الواقع. وفي السادس والعشرين من شهر شباط من العام 398 للميلاد جلس يوحنا على عرش الكنيسة في القسطنطينية.

ذاك الذي كان يكره أن يكون في موقع السلطة بات الآن في سدة السلطة الأولى. ذاك الذي كان يكره الترف وجد نفسه محاطاً بمظاهر الفخامة وسكن في قصر بالقرب من القصر الملكي. ذاك الذي كان نصير الفقراء وراعيهم وجد نفسه محاطاً بالأغنياء وعلية القوم. فماذا كان يمكن أن تكون النتيجة؟ صراع مرير وسيرة استشهاد.

هذا ما كابده القدّيس يوحنا الذهبي الفم خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته كرئيس لأساقفة القسطنطينية.

 

بعض من أسقفيته:

طبعاً، الكل في المدينة كان، حال وصول الأسقف الجديد، في ترقّب، لاسيما المتنفذون من رجال الدولة والموظفين والأغنياء: أي نوع من الأساقفة يكون؟ أما هو فحالما تسلّم عصا الرعاية انطلق في مواعظه النارية فاستقطب جموعاً غفيرة أخذت تتقاطر عليه لتسمعه بغيرة وحماس.

ولم يطل به المقام حتى أخذ نهجه يتكّشف وبدأ الناس يتبيّنون أنه راهب جاء يلقي بظله الرهباني على القصر الأسقفي والمؤمنين أجمعين. المتنفذون والأغنياء، لاسيما جماعة القصر الملكي، كان عادياً في التعاطي معهم ولم يبد أية علامة من علامات التذلل والإكرام الزائد لهم.

ثم أنه ما لبث أن حمل على حياة البذخ والترف وتقوى الأغنياء المصطنعة المرائية. من جهته هو، التزم خط الفقر الإنجيلي وأخذ يزيل معالم الترف من المقر الأسقفي. يقال في هذا الشأن أنه أفرغ داره من الأثاث الثمين والأواني الفضية وباع الأعمدة المرمرية التي كان سلفه، نكتاريوس، قد اشتراها ليزيّن بها إحدى الكنائس المهمة في المدينة وحوّل الأموال المجتمعة لبناء المستشفيات ومضافات الغرباء والتوزيع على الفقراء.

شخصياً، لم يكن عنده شيء. أزال عادة إقامة المآدب الرسمية في مقره ولم يعد يقبل أية دعوة بهذا المعنى، كائناً من كان الداعي، للأجواء الموبوءة التي كانت تسود مثل هذه الموائد لجهة المسايرات واللياقات والأحاديث الدنيوية ومظاهر البذخ مما لم تكن مقاييسه للأمور لتسمح له به.

كان يتناول وجباته منفرداً ويكتفي من الطعام والشراب بالقليل يسند به جسده الضعيف المريض. في مقابل ذلك كان كريماً جوّاداً حيال الفقراء والمحتاجين، يهتم بالمرضى والمساجين ويعزّي قلوب المضنوكين والمسحوقين. ولكي يحوّل أنظار الشعب عن الألعاب والمباريات والمسارح وما إليها من تسليات مفسدة للنفس، اعتاد أن ينظم من وقت إلى آخر مسيرات صلوات وترتيل تجوب المدينة من الصباح إلى المساء، ويقيم السهرانات ويدعو الناس إلى حلاوات الصلاة في هدأة الليل.

إلى ذلك بدأ حملة لإصلاح ما اعوّج من أوضاع الكهنة. ويشير التاريخ بصورة خاصة، في هذا الشأن، إلى عادة يبدو أنها كانت مستشرية في أيام الذهبي الفم وكانت عثرة للكثيرين: مساكنة الكهنة العازيين للأرامل والعذارى المكرسات.

هذه الممارسة أزالها القديس يوحنا تماماً. كما أشار على الأغنياء أن يكّفوا عن الإغداق على الكهنة لأنه رأى البذخ الذي كانوا يعيشون فيه. ولم يوفر الأساقفة، خوفاً منهم، بل ألزمهم بتقديم تقارير مالية بنفقاتهم.

وكان طبيعياً أن تؤدي عظاته وإجراءاته إلى تباين المواقف بشأنه. والحق أن الناس انقسموا فريقين: واحداً تحمّس له وآخر تحمّس ضده. المتضرّرون من التدابير الجديدة والذين لم ترق لهم مواعظه المتشدّدة كانوا كثيرين: أساقفة وكهنة وكثيراً من أبناء المجتمع المخملي، والمتنفذين وسيدات القصر المتأنقات المتحذلقات.

كل هؤلاء أخذوا يلفقون ويشيعون أخباراً ضده، أنه غير سوي وشاذ ومتكبر وأن انكفاءه وعزلته، يوماً بعد يوم، إن هي سوى للعربدة والمجون وإشباع النهم إلى المآكل الفاخرة المميّزة.

 

القصر: علاقة صعبة

ويبدو أن علاقة قديسنا بالقصر الملكي، لاسيما بالإمبراطورة أفدوكسيا، كانت حسنة في أول الأمر، كما كان له بعض التأثير على الإمبراطور أركاديوس نفسه. ولكن، ما لبثت العلاقة أن فترت وساءت لأن أفدوكسيا كانت إنسان طموحات وشهوات، وقد تبيّن بعد حين أنها ترمي إلى أبعد من الحكم، إلى نوع من التأليه على طريقة الأباطرة الرومان، وطلب العبادة. وقد عبّر الذهبي الفم عن عدم ثبات علاقتها به بقوله: “تارة تعتبرني ثالث عشر الرسل وتارة تنعتني بيهوذا”.

ويبدو كذلك أنها كانت تخشى من تأثيره على زوجها وكانت حانقة عليه لتشدده في الكلام على الترف والفسق والرذيلة. كل ذلك ما لبث أن جعلها في صف أعداء يوحنا، وجعل المتضرّرين من تدابيره يسعون إلى إيغار صدرها عليه. ولكن، لم تكن الفرصة قد حانت للإيقاع به والتخلص منه.

 

حسّاد وأعداء:

وكان يتربص بيوحنا عدو لدود آخر هو أسقف الإسكندرية، ثيوفيلوس. هذا كان رجلاً من أبناء هذا الدهر، ذكياً لبقاً متآمراً خبيراً في شؤون التعاطي مع الكبار والمتنفذين.

ومع ذلك استمر يوحنا قوياً واستمر صوت الكلمة يرتفع عالياً وتدابيره الإصلاحية طالما لم يرتكب زلة يأخذها أعداؤه عليه. غير أن أموراً حدثت بين العامين 401 403 للميلاد رفعت درجة التوتر ضدّه. فخلال شهر كانون الثاني من العام 401 للميلاد وبعد دعوات متكّررة وجهها إليه اكليروس مدينة أفسس وأساقفة الجوار، خرج الذهبي الفم من كرسيه في جولة دامت ثلاثة أشهر إلى آسيا الصغرى. وقد كلّف صديقاً له، سويريانوس، أسقف جبلة السورية، بتصريف الأعمال في غيابه.

فأما جولته فتمخضت عن مجمع عقده في آسيا الصغرى اتخذ قراراً بعزل ستة أساقفة اتهموا بالسيمونية، أي بالوصول إلى سدّة الأسقفية بالرشوة. وثمة من يلقي بظلال الشك على حق يوحنا في عقد مجمع كهذا خارج حدود أبرشيته. هذه كانت ذريعة جعلت أعداءه يتحركون ضدّه بقوة أكبر. من جهة أخرى تبيّن أن سويريانوس، الأسقف وكيل يوحنا، استغل الفرصة وانقلب على صاحبه واتصل بأعدائه.

ولما عاد الذهبي الفم إلى كرسيّه كانت الأجواء مشحونة ضده.

 

الحملة ضده:

ثم إن قديسنا، في العام نفسه، 401 للميلاد، واجه مشكلة جديدة هي مشكلة “الأخوة الأربعة الطوال” الذين كانوا رهباناً مصريين على مذهب أوريجنوس طردهم ثيوفيلوس الإسكندري مع ثلاثمئة من أتباعهم. هؤلاء لجأوا إلى القسطنطينية واستجاروا بأسقفها.

وقد أحسّ القديس يوحنا بأن المسألة ظلماً فبعث برسالة إلى أسقف الإسكندرية يلتمس منه فيها، وبلهجة تكاد تقرب من التوسل، أن يحلًّ القضية بالحسنى قبل أن تصل إلى القصر. فاعتبر ثيوفيلوس أن هذا تدخل سافر من قبل يوحنا في شؤون لا تعنيه وأنه يأخذ جانب الهراطقة.

وحضر ثيوفيلوس إلى القسطنطينية خلال شهر آب من العام 403 للميلاد وتحرك بسرعة لدى الملكة أفدوكسيا والجماعات الموتورة من أعداء يوحنا. وقد تمكن من عقد مجمع في ضاحية من ضواحي مدينة خلقيدونيا، في قصر السنديانة، هو وستة وثلاثون أسقفاً، تسعة وعشرون منهم حملهم معه من مصر.

وقرار المجمع كان عزل يوحنا عن منصبه، كأسقف على القسطنطينية، بناء للائحة اتهامية تضمنت تسعة وعشرين تهمة، تراوحت بين التعرض للملكة بالقدح والذم والتدخل في شؤون أبرشيات أخرى والعادات الصحية المشبوهة التي كانت له كالأكل على انفراد واستعمال الملبّس المحشو بالعسل مباشرة بعد تناول القدسات الإلهية!

موقف يوحنا حيال هذا المجمع كان هادئاً. رفض قراراته وطالب بمجمع عام. ولكن لما رأى أن أركاديوس وقّع عليه وأمر بنفي يوحنا لزم الصمت وسلّم بالأمر الواقع.


يوم لك ويوم عليك:

ولكن، حدث ما لم يكن في الحسبان فإن زلزالاً هزّ المدينة في اليوم التالي جعل الإمبراطورة أفدوكسيا تشعر بأن الله غاضب عليها فأقنعت زوجها الإمبراطور، للحال، باستعادة يوحنا والتمست منه المغفرة.

وعاد يوحنا إلى كرسيه ولكن لفترة شهرين وحسب لأن الإمبراطورة أقامت لنفسها تمثالاً فضياً على عمود الرخام السمّاقي في مقابل كنيسة الحكمة المقدسة (آجيا صوفيا). وقد أثار الحدث حفيظة يوحنا لاسيما للاحتفالات والصخب الذي رافقه.

ففي عيد استشهاد القديس يوحنا المعمدان، رفع صوته وقال:”ها هي هيروديا ترقص من جديد وتسخط من جديد، ومن جديد تطلب رأس يوحنا”. وطبعاً حمل جواسيس أقواله إلى الملكة فساءها الأمر جداً وعزمت على التخلص منه نهائياً.

ومن جديد، صدر مرسوم ملكي يقضي بتجريد الذهبي الفم من سلطاته، فرفض الانصياع. قال: “تلقيت سلطتي في الكنيسة من الله ولا أتركها…”. وفي يوم الفصح، السادس عشر من نيسان عام 404 للميلاد، هاجم أربعمئة من النشّابة جموع المؤمنين الملتفين حول القديس يوحنا فلّوثوا الكنائس ونهبوها وضربوا الكهنة وطردوا الموعوظين الذين كانوا ينتظرون دورهم في المعمودية، وفرّقوهم نصف عراة في الشوارع، رجالاً ونساء.

في تلك الفترة تعرّض الذهبي الفم لمحاولتي اغتيال نجا منهما بأعجوبة. ولما لم يرد قديسنا أن يعرّض الشعب المؤمن للمهانة وخطر الموت أكثر من ذلك قرّر تسليم نفسه. فودّع خاصته وخرج من الباب الشرقي للكاتدرائية فيما كانت الجموع تنتظره عند الباب الغربي وأسلم نفسه للعسكر. هذه المرة ودّعهم بلا رجعة. ودّعهم وارتحل إلى الشهادة فالموت.

وقد عبّر الذهبي الفم، فيما بعد، في رسالة وجهها إلى أسقف اسمه كيرياكوس، عن موقفه الداخلي العميق حيال نفيه الأول والثاني فقال: “عندما أخرجوني من المدينة لم أكن قلقاً بل قلت لنفسي: إذا كانت الإمبراطورة ترغب في نفيي فلتفعل، للرب الأرض بكمالها. إذا كنت ترغب في تقطيعي إرباً فحسبي أشعياء مثلاً. إذا كانت ترغب في رميي في المحيط فلي يونان. إذا ألقيت في النار فالفتية الثلاثة لاقوا المصير عينه.

ولو ألقيت للوحوش ذكرت دانيال في جب الأسد. إذا كانت ترغب في رجمي بالحجارة فاستفانوس، اول الشهداء ماثل أمام عيني. عرياناً خرجت من بطن أمي وعرياناً أترك هذا العالم. وبولس الرسول يذكرني: لو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبداً للمسيح”.

وخرج إلى المنفى:

بهذا الشعور خرج القديس يوحنا إلى المنفى. جرّوه جلادوه حتى الموت ثلاث سنوات وثلاثة أشهر باتجاه الحدود بين كيليكيا وأرمينيا، على قرية منعزلة اسمها كوكوزا ومن ثم نحو كومانا في بلاد البنطس. عانى من الحر وعانى من البرد. عانى من المرض وعانى من الإرهاق.

في خوف من اللصوص وخوف من الأعداء. كم من مرة بلغ حدّ القبر ثم عاد. مرات ومرات استبدت به آلام الرأس وكابد الحمى. وهذا كله حمله في جسد ضعيف معطوب. وما كان أطيب على قلوب الجنود، مواكبيه، من أن يسقط صريعاً على الطريق هنا أو هناك. هذا كان عجّل في إتمامهم المهمة الموكولة إليهم وحصولهم على المكافآت والترقيات.

ومع ذلك، ومن وسط المعاناة، ازداد قديسنا ثباتاً وتسليماً ورقة وإحساسا. أكثر الرسائل المئتين والاثنتين والأربعين المنسوبة إليه كتبها في تلك الفترة من حياته. وهذه وجهها إلى أساقفة في الشرق والغرب وإلى كهنة وشمامسة وشماسات ورهبان ومرسلين.

وقد ضمنها وصفاً لأتعابه، ونصحاً لأصحابها في موضوعات شتى، كما شدّد وعزّى خراف الحظيرة وأوعز بضرورة دكّ المعابد الوثنية في فينيقيا واستئصال الهرطقة من قبرص، وحث على إيفاد المبشرين إلى بلاد الفرس وسكيثيا. رسالتان وجههما إلى أسقف رومية، وسبع عشرة إلى أوليمبيا الشماسة التي كان يكنّ لها محبة وتقديراً كبيرين.

المجد لله على كل شيء:

وقد بدا لبعض الوقت أنه كان للذهبي الفم في المنفي دور وتأثير في أمور الكنيسة أكبر مما كان له وهو في كرسيه في القسطنطينية. فتنبّه المسؤلون في العاصمة المتملكة إلى خطورة الأمر، والحال هذه، فبعثوا بتوجيهاتهم إلى الجنود المرافقين ليوحنا أن يمنعوا عنه الرسائل ويزيدوا تضييقهم عليه. تلك كانت المرحلة الأخيرة من رحلة استشهاده. فقد أرهقه معذّبوه إلى درجة لم يعد بإمكانه تحملها.

وفي موضع قريب من كومانا في بلاد البنطس ظهر له في الحلم قديس شهيد اسمه باسيليكوس كان موارى هناك وقال له: “تشدّد يا أخي فغداً نلتقي!”. وفي صباح اليوم التالي طلب ثياباً بيضاء واشترك في سر الشكر ثم أسلم الروح. كلماته الأخيرة كانت: ” المجد لله على كل شيء!”. كان ذلك في الرابع عشر من شهر أيلول من العام 407 للميلاد، وكان قد أتم الستين من عمره والعاشرة من أسقفيته.

إكرام المؤمنين للذهبي الفم كقديس بدأ حتى في حياته. وقد جرى نقل رفاته إلى القسطنطينية بعد إحدى وثلاثين سنة من رقاده، في السابع والعشرين من شهر كانون الثاني من العام 438 للميلاد.

 

جمجمة القديس يوحنا الذهبي الفم ويده اليمنى

توجد في الجبل المقدس آثوس رفات من جسد القديس يوحنا الذهبي الفم، جمجمته التي تُحفظ في دير الفاتوبيذي Βατοπαίδι، ويده اليمنى في دير فيلوثيو Φιλοθέου، وهي تُحفظ وتُكرَّم ككنزٍ مفيضٍ نعماً وبركات.

في جمجمة القديس، لا تزال أذنه باقية غير منحلّة رغم مرور القرون الستة عشر على رقاده. يروى أنها الأذن التي بها سمع القديس الكلمات الإلهية، كما شهد تلميذه بروكلوس الذي رأى بولس الرسول يلقنه فيها تفسير تعاليمه ورسائله.

يد القديس اليمنى حُفظت بنعمة الله غير منحلّة، هذه اليد التي طالما بارك بها القديس رعيته وأغنامه الناطقة، ولكن أيضاً مضطهديه في طريقه إلى المنفى: “أيها الآب القدوس اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون”

في حياته كان القديس يعي قدسيّة يد الكاهن التي تتمم الأسرار الإلهية فيقول في مقالته “الكاهن والكهنوت“: “الآب والابن والروح القدس يتممّون تجميع الأسرار في الكنيسة، أما الكاهن فيعير يده الله لاتمام هذه الأسرار”.

 القديس بولس الرسول والقديس يوحنا الذهبي الفم

كان القديس يوحنا الذهبي الفهم معروفًا بقدرته على تفسير الكتاب المقدس. وكان مُعجبًا كلّ الإعجاب ببولس الرسول، ففسّر رسائله. ولكي يتأكّد من صحّة تفسير الرسائل سأل الربّ أن يعطيه علامة. في ذلك الزمن، تمرّد على الأمبراطور أركاديوس رجل من النبلاء. فاستولى الإمبراطور على ممتلكات الرجل، وهدّده بالإعدام. فشعر الرجل النبيل باليأس، وقرّر أن يستنجد بالقدّيس يوحنا.

فلمّا وصل إلى الصرح البطريكيّ، لم يستطع القدّيس بوحنا أن يقابله حالاً، وطلب منه أن يعود إليه في المساء. وقال القديس يوحنا لأحد الكهنة المعاونين، واسمه بروكلوس، وقد خلف القديس يوحنا لاحقًا كبطريرك القسطنطينيّة، أن يدلّ الرجل على مكان غرفته عند وصوله. فعاد الرجل النبيل وذهب بروكلوس إلى البطريرك ليعلن له قدوم الزائر. 

كان باب الغرفة مغلقًا، وسمع بروكلوس أصوات نقاش، فنظر من ثقب الباب. كان القديس يوحنا جالسًا يكتب، ورجلٌ أصلع محدودب قليلاً، واقف خلف كتفه ينظر ويكلّم القديس. فعاد بروكلوس إلى الرجل النبيل وقال له إنّ البطريرك في اجتماع. وتكرّر ذلك مراراً، فكان بروكلوس يعود في كلّ مرّة إلى غرفة البطريرك في تلك الليلة، وما زال الرجل يكلّم القديس يوحنا. فانتظر الرجل الشريف الليل بطوله من دون جدوى.

وفي الصباح، عاد الرجل النبيل إلى دار البطريركيّة، نظرًا لأهمّيّة الموضوع، ضرورة مقابلة البطريرك. فذهب بروكلوس لإعلام البطريرك وشاهد الرجل ذاته في الغرفة. بدا يوحنّا مأخوذًا بكلام الرجل. واستغرب بروكلوس كيف دخل ذلك الرجل من غير أن يعبر به. 

وعاد الرجل النبيل للمرّة الرابعة، فأكّد له بروكلوس أنّ البطريرك ليس عنده أحد، وأنّه لم يدع أحدًا يدخل عليه من دون علمه. فلما وصل إلى غرفة البطريرك، انصدم لرؤية الزائر الغريب. فعاد إلى الرجل النبيل وقال له أن يعود أدراجه لاستحالة مقابلة البطريرك.

في ذلك اليوم ، تذكر القديس يوحنا الرجل النبيل واستفسر عنه. فأخبره بروكلوس أن الرجل قد جاء ثلاث مرات، ولكن في كلّ مرة كان البطريرك مشغولا بالتحدث إلى الرجل نفسه. سأل القديس يوحنا بروكلوس عمّن رأى في الغرفة. أجاب بروكلوس أنه يشبه الرسول بولس، الذي إيقونته على مكتب القديس.  حينئذ أدرك القديس يوحنا بفرح أنّ هذه هي العلامة التي طلبها إلى الله فيما يتعلق بتفسيراته لرسائل بولس.

وبعد مقابلته الرجل النبيل، وافق البطيرك على التوسّط بينه وبين الإمبراطور، فتصالح الرجلان في وقت قصير، واستعاد الرجل أملاكه. إنّ جمجمة القدّيس يوحنا الذهبي الفم المباركة فيها أذُن غير بالية، بقيت كما هي، فيما انحلّت الأذن الأخرى تمامًا حسب الطبيعة.

 

[1] راجع قصة حياة القديس ذهبي الفم في الدراسة الكتابية الثانية (د. عدنان طرابلسي) في شرح إنجيل متى للذهبي الفم، الجزء الثاني، وفي كتاب السنسكار (الجزء الأول) لقدس الأب توما (ص 379)، وكتاب فيرجيل جورجيو (منشورات السائح)، وكتاب القديس يوحنا ذهبي للأب الياس كويتر.

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

الرؤية الرعوية واللاهوتية في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم (2) د. سعيد حكيم يعقوب

الرؤية الرعوية واللاهوتية في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم (2) د. سعيد حكيم يعقوب

الرؤية الرعوية واللاهوتية في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم (2) د. سعيد حكيم يعقوب

الرؤية الرعوية واللاهوتية في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم (2) د. سعيد حكيم يعقوب

إقرأ أيضاً: الرؤية الرعوية واللاهوتية في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم (1) د. سعيد حكيم يعقوب

تعاليمه اللاهوتية:

لقد اهتم بتقديم كتابات تتسم بالعمق والبساطة والوضوح. وفي هذا المجال قدم سلسلة عظات تحمل رؤيته اللاهوتية في بعض الموضوعات التي تمس الإيمان المسيحي. ورغم أنه قد انشغل بشكل أساسي بأعمال الرحمة في خدمة الفقراء والمعوزين، وكرّس جزءًا كبيرًا من حياته في خدمة كل من له احتياج، ورغم تأكيده على أن الحياة التعبدية لا يمكن ولا ينبغي أن تبقى في عزلة عن الحياة العملية، حيث إن التقوى عنده لم تكن بديلاً عن الخدمة والعمل من أجل المحتاجين، إلاّ أنه قد خصص وقتًا ليس بالقليل للرد على الهرطقات، وللرد على اليهود واليونانيين ثم قدم مجموعة عظات عن جوهر الله غير المدرك، مكونة من 12 عظة، وهى مقسمة إلى قسمين كما يتضح من محتواها:

1 ـ ضد الأنوميين[1] (من عظة 1ـ6).

          2 ـ عن وحدة الجوهر الإلهي (من عظة 7ـ12).

          وقد ألقاها في خريف سنة 386 ومطلع سنة 387 في مدينة أنطاكية، باستثناء العظتين الأخيرتين اللذين ألقاهما في مدينة القسطنطينية سنة 398[2]. ونظرًا لخطورة الأفكار التي نادى بها الأنوميين على نقاوة العقيدة وسلام الكنيسة، فقد قام ق. يوحنا ذهبي الفم بتخصيص مجموعة من العظات للرد عليهم وتفنيد آرائهم المنحرفة وكشف مدى زيف هذه الآراء وخطورتها. ولكي يخصص ق. يوحنا ذهبي الفم سلسلة طويلة من العظات للرد عليهم، فهذا يشير إلى أن المشكلة التي أثاروها، كانت مشكلة خطيرة. فبرغم مرور أكثر من نصف قرن على إدانة الآريوسيين ( من قِبل المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325) إلاّ أنها كانت موجودة بأشكال متنوعة، وتتسم بالغرابة والتناقض، ولأنه راعي أمين على رعيته، فلم يكن يرغب أن ينحصر في موقف الدفاع، بل شن هجومًا شديدًا على خصومه، وكان يهدف من وراء ذلك، ليس فقط دحض آراء خصومه المنحرفة، بل وأن يُقيم أولئك الذين سقطوا، كما عبّر هو نفسه عن ذلك، بأن هذا كان هدفه وفي ذلك كانت سعادته. هذه العظات تقدم لنا ق. ذهبي الفم كمعلّم لاهوتي مقتدر، صاحب رؤية متميزة تستند على تعاليم الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، وأيضًا على تقليد الآباء. أيضًا كمعلّم قادر على كشف زيف الهراطقة وإدعائاتهم الباطلة.

          ففي عظاته الخمس الأولى ينقض آراء الأنوميين الخاصة بإمكانية معرفة جوهر الله. لأنهم نادوا بأن الإنسان لديه الإمكانية لمعرفة جوهر الله، وهذا ما اعتبره ق. يوحنا ذهبي الفم تزييف وخداع. وقد استند في رؤيته على الأنبياء وعلى تعاليم القديس بولس. فيرى أن الأنبياء قد تحيروا في إدراك جوهر الحكمة الإلهية، وحكمة الله تأتي من جوهر الله، وطالما أن حكمة الله تظل غير مدركة، إذًا فالجوهر الإلهي، سيبقى على كل الأحوال أمر غير مُدرك. فإذا كنا نجهل طاقات الله (ενεργšιες του θεού) التي استُعلنت في الخليقة، والتي يدعوها ذهبي الفم (oikonom…a)، فهل يمكن أن ندرك جوهر الله؟ وقد ادعى الأنوميون أيضًا ” أن الإنسان يعرف الله معرفة جيدة، تمامًا كما يعرف الله ذاته ” يرفض ق. يوحنا ذهبي الفم هذا الإدعاء، ويستند في هذا على أن الإنسان في ذاته هو (تراب ورماد) (تك27:18). ولكنه كما يؤكد قد أخذ موهبة الحرية كتكريم له، وهذه الموهبة تُعطى له قيمة كبيرة. ومع هذا فلا ينبغي للإرادة الإنسانية أن تتباهى، بالإدعاء بأن لديها إمكانية لإدراك جوهر الله بالعقل. إن الإنسان ليس فقط لا يمكنه إدراك جوهر الله، بل ولا يمكنه إدراك جوهر ذاته، طالما أنه لا يعرف ماهية نفسه، ولا العلاقة بين النفس والجسد. ولذلك فعلى الإنسان أن يُسلّم ذاته لله بلا شروط وبلا نقاش، تمامًا مثل الإناء في يد الفخاري إذًا ما أراد أن يأتي في علاقة مع الله[3].

          والدليل على ضعف الإنسان عن إدراك جوهر الله، هو جهله بالعالم الطبيعي الفوقاني. لكن جهل الإنسان، غير مرتبط بوجود الله، بل بماهية جوهر الله. ثم يشير إلى الكثير من رسائل ق. بولس، ليؤكد على أن الرسول بولس نفسه قد أكد على أن معرفته بالله، هى معرفة محدودة، فإن كان بولس يُنكر على نفسه المعرفة التامة عن الله، كما جاء في رسالته إلى أهل فيلبي (في13:3)، فكيف يستقيم إدعاء الأنوميين حول إمكانية إدراك جوهر الله؟ إن الحقيقة لا يُعلّمها كلام بشري، بل سيُعلنها الله (في15:3).

          ثم يستطرد ق. يوحنا ذهبي الفم قائلاً إن الله غير مدرك من الملائكة أيضًا. ومن المعروف أن الفرق بين البشر والملائكة فرق كبير، بقدر الفرق بين الأعمى والمبصر. بل أن الإنسان لا يستطيع أن يدرك جوهر الملائكة، ثم يتساءل وهل معرفة الإنسان هى معرفة كافية؟ يقول إن المعرفة الحالية تختلف عن المعرفة المستقبلية على قدر اختلاف الإنسان الناضج الذي يعرف ماهية نفسه، عن المولود الذي يرضع (1كو13). فالمعرفة الحالية هى معرفة جزئية. على سبيل المثال أنني أُدرك أن الله حاضر في كل مكان، وهو بلا بداية وبلا نهاية. وأنه غير مولود، ويلد الابن، ومنه ينبثق الروح القدس، لكنني أجهل كيف يحدث كل هذا. فالله لا يُعبر عنه، لا يمكن إدراكه، وغير مرئي ويعلو على قدرات الإنسان الذهنية، لا يمكن فحصه حتى من الملائكة، ولا يُدركه الشاروبيم، ولا تستطيع الرئاسات والسلطات والقوات أن تفحصه، وأن الابن والروح القدس هما فقط مَن يعرفان الآب[4].

          في العظة السادسة والتي ألقاها سنة 386 قبل الاحتفال بعيد الميلاد بقليل، وهو العيد الذي يصفه بأنه (عيد الأعياد) لأن منه أخذت الاحتفالات الأخرى بدايتها (الظهور الإلهي ـ القيامة ـ الصعود ـ عيد الخمسين). يؤكد بأن تأنس المسيح هو سر يفوق الإدراك.

          وفي القسم الثاني من العظات (من 7ـ12) والذي يحمل عنوان “وحدة الجوهر الإلهي” نجد أن الموضوع يتغير في الفقرة الثانية من العظة السابعة ويبدأ بعبارة ” إن كان الابن له نفس القوة ونفس السلطان وهو من نفس جوهر الآب ” ويعلق بأن هذا الموضوع لا ينبغي أن يكون موضوع بحث خاصةً وأن الكنيسة قد أخذت موقف رسمي في مجمع نيقية سنة 325م. لكنه حين يُناقش هذا الموضوع، فلكي يُقنع المعارضين، بأن الابن هو واحد مع الآب في الجوهر، ويستند في ذلك أولاً، على أساس الكتاب المقدس، وثانيًا، على رؤية البشر المشتركة كيف أن ” ذلك الذي يلد هو واحد في الجوهر مع مَن ولده “، ثالثًا: يستند إلى الطبيعة المشتركة للأشياء.

          أما فيما يتعلق بالعظة الثامنة فهى من حيث المحتوى لا علاقة لها بهذا القسم من العظات، إذ يقول ذهبي الفم ” لقد سبق هذا جدل مع الهراطقة، الذين أشاروا إلى (مت23:20) لكي يؤكدوا على أن المسيح ليس له نفس سلطان الأب. لكنه ينصح بدراسة مُدققة ومتأنية للكتاب المقدس، لأنهم في حالات كثيرة يسيئون التفسير. ومرة أخرى ينقض إدعاء خصومه من خلال نصوص الكتاب المقدس، وفي بقية العظة يُقدم تفسيره الشخصي للجزء المشار إليه (مت21:20)، لكي يُزيل الشكوك التي ربما قد تكون طرأت على أذهان المستمعين.

          وفي العظة التاسعة يُشير إلى قيامة لعازر، ويرد على الهراطقة الذين قالوا بأن المسيح قبل أن يُقيم لعازر صلّى إلى الآب، إذ قالوا ” كيف يمكن لذاك الذي صلى أن يكون واحد في الجوهر مع مَن يصلي إليه ” إذًا فالمسيح ليس واحدًا في الجوهر مع الآب. يرد ق. يوحنا ذهبي الفم ناقضًا هذا الإدعاء، بأسلوبه المعتاد متسلحًا بنصوص الكتاب المقدس. إذ يقول إن الصلاة لم تكن لأجل القيامة، بل لأجل تعليم من كانوا حاضرين في تلك الساعة. فصلاة يسوع لا تمثل برهانًا على عدم وحدته في الجوهر مع الآب. لأنه كثيرًا ما كان يصلي، لكي يعلّم تلاميذه أن يصلوا. وهل هناك طريقة للتعليم أفضل من التعليم بالمثال؟ الصلاة بالنسبة للمسيح لا تعني نقصًا في القوة، والدليل على هذا أن المعجزات التي صنعها لم تكن يسبقها صلاة[5].

          وفي العظة العاشرة يقول إن تجسد الابن وليس الآب ليس دليلاً يُتخذ ضد ألوهية الابن. وحين صار أسقفًا للقسطنطينية في بدايات سنة 398، ألقى العظتين الأخيرتين هناك (عظة11ـ12)، وقد مرّت عشرة سنوات من تاريخ إلقائه للعظات (من 1ـ10) التي ألقاها في مدينة أنطاكية. إلاّ أنه قد واجه في القسطنطينية نفس المشاكل التي واجهها في مدينة أنطاكية، لأن الآريوسية كانت قد انتشرت. في عظة 11 أثناء تجليسه على الكرسي الأسقفي، تحدث عن أن العهد القديم والجديد يتفقان فيما بينهما بشكل مطلق، ويتحدثان عن ألوهية الابن. وفي العظة 12 وهى تعتبر امتدادًا للعظة 11، لأنها ألقيت في وقت قريب جدًا أى في الأحد اللاحق، يتحدث فيها عن شفاء المقعد، ويُدلل بها على ألوهية المسيح، ويدعم هذا من الطريقة التي تحدث بها مع اليهود (يو5ـ17). أما عن عظاته ضد اليهود، فإنه يُظهر فيها أبوة الراعي الذي يعتني بخلاص أبنائه ومصيرهم الأبدي. ثم يشرح موضوع الناموس وأن لا ضرورة له الآن، ولا معنى للتمسك بأحكامه مشيرًا إلى ما كتبه الرسول بولس في هذا الصدد، حيث إن البار أمام الله هو الذي يحيا بالإيمان وليس الذي يحيا بعمل الناموس. وأن ما دعاه لتقديم هذه السلسلة من العظات ضد اليهود هو ما كان يستشعره من خطر جراء تمسك بعض المسيحيين الضعفاء بأحكام الناموس.

لذلك قدم أيضًا سلسلة عظات ضد اليهود، مكونة من 8 عظات ألقيت سنة 386. إذ يذكر في عظته الثانية ضد الأنوميين أن صراعه ضدهم قد تراجع، وأن صراعًا آخرًا ضد اليهود قد بدأ، وهو مُثقل به، حتى يسند الاخوة الضعفاء الذين سقطوا في الخداع اليهودي. إذ كان هناك بعض المسيحيين الذين اعتادوا أن يصوموا وأن يختلطوا مع اليهود. ففي العظة الأولى بدأ يشرح ويوضح أن الناموس كان ضروريًا حتى مجيء المسيح، وبعد مجيئه صار أمرًا زائدًا، فلا معنى للتمسك بأحكام الناموس، مُشيرًا إلى ما كتبه الرسول بولس ” بأعمال الناموس كل ذي حسد لا يتبرر أمامه ” (رو20:3)، لا فرق في هذا بين اليهودي واليوناني ” لأنه لا فرق بين اليهودي واليوناني لأنه ربًا واحدًا للجميع غنيًا لجميع الذين يدعون به لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص ” (رو12:10). وأن في المسيح ” قد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودًا له من الناموس والأنبياء بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون ” (رو21:3ـ22). هذا هو كلام القديس بولس، وكلامه يكتسب أهمية خاصة، بسبب أصله اليهودي. فهو كيهودي يعرف أهمية الختان، وأهمية الناموس بشكل عام. إذًا فالناموس يكتسب قيمة عندما يقود للمسيح، وحيث إن المسيح قد أتى، فهو إذًا بلا نفع كما يقول في عظته الثانية. وفي العظة الثالثة يُشير إلى أولئك الذين يحتفلوا بالأصوام والبصخة على أساس اليوم الرابع عشر من شهر نيسان، سواء كان هذا اليوم هو يوم أحد أم لا. هذه المشكلة وجد لها المجمع المسكوني الأول سنة 325م حلاً وأن عدم قبول البعض لقرارات الكنيسة، قد أثار الضعف داخلها. وبحسب رؤية ق. يوحنا ذهبي الفم، ليست هناك أهمية لعدد هؤلاء حتى ولو كان الرافض لقبول هذه القرارات هو واحد فقط، طالما أن الضعف موجود ويثير خطرًا. ويشرح بأننا نصوم أربعين يومًا بالطبع وهذا من أجل خطايانا، دون أن يرتبط الصوم بسر الآلام والصليب، لأن هذه ليست أحداث حزن، بل هى أحداث فرح، لأن بها خَلُص الإنسان. ثم يستطرد قائلاً إن الشركة في الصوم اليهودي كان يُمثل خطوة أولى، تقود لسقوط المسيحي في شباك اليهودية. ويتساءل ق. يوحنا ذهبي الفم، كيف يحتفل اليهود بالبصخة ويصوموا في أرض غريبة ووطن غريب، الأمر الذي يمنعه الناموس، وكان قاطعًا في هذه الجزئية (تث5:16ـ6). والأمر الأكثر غرابة بينما هم يخالفون الناموس، يركض المسيحيون نحوهم ويحاكونهم[6].

          ويختم العظة الثالثة بدعوة المسيحيين (الإخوة الضعفاء) بأن يعودوا للمسيح، ويُصلي بأن يسود الوفاق والوئام بين الاخوة. ويُشير إلى أنه في عصور أخرى كانت خطايا اليهود كثيرة، منها قتل الأبناء، السقوط في عبادة الأوثان، الجحود، ومع هذا لم يفقدوا رضى الله وحنوه، إلاّ أنهم الآن، لا يمكنهم أن يتمتعوا بهذا العطف بعد. لأنه يقول: ” لقد قتلتم المسيح وسفكتم دمه، وصرتم غير قابلين للإصلاح “. هكذا فإن الكوارث التي حلّت بهم، جاءت نتيجة ترك الله لهم. وقد كان بين الذين يسمعون إليه، يهودًا، قد أراد أصدقاؤهم من المسيحيين أن يستمعوا إليه. ثم يوجه كلمته إلى المؤمنين أن ينتزعوا من المجمع، إخوتهم الضعفاء الذين ذهبوا مخدوعين إلى هناك. ويقول إن الناموس الذي اعتلى الشيب رأسه (أى الذي شاخ)، لا يمكنه أن يُصارع. ويعود إلى عبارة الناموس كيف أن العبادة هى في أورشليم فقط، وبالتحديد في الهيكل، وينتهي إلى نتيجة مفادها، أن هذه الأشياء غير موجودة الآن، لأنها دمرت، وبناء عليه فهذه العبادة لا يمكن أن تصير في المجمع الآن، لأنها ستكون عبادة خارجة على ما يُقره الناموس. ثم يتساءل عن مدى صحة الكهنوت اليهودي الآن، بعد مجيء المسيح، ويقول إن الكهنوت القديم قد انتهى، ونشأ كهنوت جديد على طقس ملكي صادق. لقد تراجع الكهنوت اليهودي، كما تراجع الناموس، لكي يُعطي مكانة للكهنوت المسيحي. إذًا لماذا هذا الاهتمام باليهود وبأعيادهم من قبل بعض المسيحيين؟ ويوجه لهم النصح بالابتعاد عن اليهود، أما بخصوص من سقط من الإخوة في الفخاخ اليهودية، فينصح بجذبهم مرة أخرى إلى حظيرة الإيمان. أما عن الأوصاف الثقيلة واللغة القاسية التي استخدمها ضد اليهود، فلأنه كان يرى الخطر الكبير المحدق بالمسيحيين والذي كان يُهدد سلام الكنيسة ووحدتها، ولأنه راعي حقيقي، فقد شعر بالتزام تجاه حماية رعيته من هذا الخطر اليهودي[7]. أما عن كتاباته ضد اليهود واليونانيين الذين أنكروا ألوهية المسيح، فقد أكد ق. يوحنا ذهبي الفم بحجج قاطعة على ألوهية المسيح له المجد، وهذه الحجج على عكس ما يتوقع المرء، لم تستقى من الكتاب المقدس، بل أنها تستند إلى أحداث تحمل حقائق لا يستطيع أحد أن يتشكك فيها وهى:

          1 ـ ما قام به المسيح له المجد من أعمال أثناء فترة حياته على الأرض، هى أعمال متفردة في التاريخ الإنساني، وتتجاوز كل القدرات الإنسانية، وهذا يبرهن على ألوهيته.

          2 ـ موت المسيح على الصليب، لم يُشكّل نهاية لعمله الخلاصي، بل هو محطة وبداية جديدة في حياة الكنيسة التي أسسها بدمه. هذا الحدث غير المعتاد في تاريخ الإنسانية يظهر قوة المسيح الفائقة.

          3 ـ لقد خرجت مدينة بيت لحم من دائرة عدم الاهتمام وصارت موضع للسجود والعبادة، وهذا حدث آخر لا تخطئه العين ويشهد على قوة المسيح الإلهية.

          4 ـ التحول الشامل الذي حدث في نفس ق. بطرس بعد القيامة، وأيضًا في نفوس التلاميذ الآخرين، والذي جعلهم مبشرين بالحقيقة وشهودًا لجراحات المسيح، يُشكّل أيضًا شهادة أخرى لألوهية المسيح.

          5 ـ تأسيس الكنيسة في مدة زمنية قصيرة، وفي مناخ مُحاط بالصعوبات والأخطار، في عذابات وميتات، من قبل 12 تلميذ مزدرى بهم، ثم اختيار الصليب الذي كان رمزًا للعنة ليكون أجمل ما في الكنيسة، وسندًا للمؤمنين، بما يشهد كل هذا، سوى بألوهية المسيح.

          6 ـ حدث آخر يفوق الفكر البشري بحسب ق. يوحنا ذهبي الفم، وهو أن التعاليم والعقيدة المسيحية، برغم الظروف الصعبة والمعقدة قد انتشرت في كل مكان، وليس هذا فقط بل وازدهرت بشكل فائق. ومن خلال التعاليم المسيحية انفتحت طرق حياة جديدة، وتغيرت العادات والتقاليد القديمة، وحلّت الفضائل محل الشهوات القديمة، وجذب الطريق الضيق والكرب الكثيرين إليه. هكذا تغير شكل العالم، وهكذا تجددت حياة الكنيسة، وهكذا شهد التاريخ أكبر وأعظم ثورة، ثورة النور ضد الظلام، ثورة الحياة ضد الموت، النعمة والبركة ضد لعنة الناموس[8].

بالإضافة إلى هذا كله، يعود ق. يوحنا ذهبي الفم، فيدلل على ألوهية المسيح من خلال النبوات أيضًا، والتي تمت جميعها بلا استثناء في شخصية المسيح. وبشكل خاص يذكر النبوات الخاصة بتأسيس الكنيسة، خراب أورشليم وهيكل سليمان والذي حدث كما هو معروف سنة 70م عندما احتل الإمبراطور الروماني تيطس المدينة. ولم يتجاهل ذكر محاولة الإمبراطور يوليانوس الجاحد، إعادة بناء الهيكل، والتدخل الإلهي لوقف هذا العمل. من ناحية أخرى فإن كتّاب الأسفار المقدسة يُشكّلون بحسب ذهبي الفم دليلاً قويًا جدًا، في مواجهة الرافضين لألوهية المسيح. فهم لا يسجلون فقط معجزات المسيح، بل أيضًا أصله المتواضع، وآلامه وصلبه، وهى أمور كان من الممكن جدًا، بسبب الامتنان والوقار الفائق لمعلّمهم، أن يعبروا عليها ولا يذكرونها.

       أخيرًا فيما يتعلق بنهجه اللاهوتي في مجال التعاليم الخريستولوجية فقد كان ق. يوحنا ذهبي الفم يؤكد دومًا على حقيقة المسيح الواحد. ورغم أنه أخذ جسدًا، إلاّ أنه لازال هو الله الكلمة، بلا انفصال أو اختلاط. فما حدث في التجسد هو إتحاد وليس امتزاج، فطبيعته لم تتحول إلى طبيعة أخرى، بل اتحدت بالأخرى.

            ويُميز بين تعبير جوهر (ous…a) وطبيعة (fÚsh) ويقول إنها كلمات تعبر عن الطبيعة، وبين تعبير أقنوم (upÒstash) وشخص (prÒswpo) وهى كلمات تعبر عن الشخص. ويقول إن المسيح هو من نفس جوهر الآب[9]. أما من جهة علاقة الابن بالآب، فهو يستخدم صيغة مجمع نيقية سنة 325م، في تفسيره للجزء الخاص بصلاة المسيح في بستان جثسيماني (مت39:26). وقد واجه هرطقات كثيرة ظهرت في ذلك الحين ونادت بأن الابن لم يتجسد، بل كان هذا مجرد اعتقاد وخيال (ماركيون ـ ماني ـ وهرطقات أخرى). قال ” إن هؤلاء شرعوا في هدم التعليم عن التدبير الإلهي. على الرغم من أن الآلام والموت والقبر الفارغ، أمور قد حدثت بالفعل.

 

[1] الأنوميين: مجموعة من الهراطقة خرجت من رحم الآريوسية، وكانت تتسم بالتطرف الشديد في أفكارها. وهى تنتسب إلى أفنوميوس وهو هرطوقي ظهر في القرن الرابع وقد نادى بأن الابن هو من جوهر مختلف أقل من جوهر الآب، وإن كان قد أخذ وجوده من جوهر الآب وبطريقة مماثلة قالوا إن جوهر الروح مختلف عن جوهر الآب وعن جوهر الابن. إلاّ أنه أتى من طاقة الابن، كأول وأعظم مخلوقاته.   (κατά Ευνομίου PG. 30, 861 Δ)

[2] ιωὰννου χρυσοστόμου, Εργα Δογματικά, Αθήνα 1975, σε 13.

[3]  ο.π, σελ. 14.

[4]  κατα Ευνομίου, Λογος 5,1.

[5] ιωὰννου χρυσοστόμου, Εργα Δογματικά, σελ.15.

[6] ο.π, σελ. 16.

[7] Ο.π, σελ. 174-176.

[8] Χριστου. κρικώνη ” Η προσωπικότητα Ενὸς πολυπὰθους Αγὶου ” θεσσαλονίκη 1996, σελ 235-240.

9 انظر مذكرة علم الآباء للكورسات المتخصصة (القديس يوحنا ذهبي الفم) د. نصحي عبد الشهيد.

الرؤية الرعوية واللاهوتية في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم (2) د. سعيد حكيم يعقوب

لماذا تألم المسيح ومات؟ أ/ أمجد بشارة

لماذا تألم المسيح ومات؟ أ/ أمجد بشارة

لماذا تألم المسيح ومات؟ أ/ أمجد بشارة

بدون هذا الموت لصار سرّ التدبير بالجسد بلا منفعة لنا.

القديس كيرلس السكندري[1]

 

لم يمت المسيح لأنه كان مضطراً أن يموت. لقد فعل كل شيءباختياره طِوعاً. موت المسيح وقيامته أدَّيا إلي: 1 – غفران الخطايا والمصالحة مع الله؛ 2 – التحرر من سلطان الموت؛3 – الوعد بتجديد العالم كله؛ 4 – القيامة العامة؛ 5 – النُصرة علي الشيطان وكل أسلحته؛ 6 – سحق الجحيم.

د / عدنان طرابلسي[2]

لو لم يكن قد وُضع المسيح للموت، ما كان يُمكن للموت أن يموت. لقد انهزم الشيطان بذات نصرته، لأن الشيطان فرح عندما خدع الإنسان الأول فطرحه في الموت. بخداعة الإنسان الأول قتله. وبقتله الإنسان (آدم) الأخير فقد الأول الذي في شباكه.

القديس أغسطينوس[3]

طبيعتنا البشرية منذ السقوط دخل إليها الموت وانتشر في كل طبيعتنا كسلطان وسلاح الخطية، فيقول الكتاب (النفس التي تخطئ هي تموت.. حزقيال 18: 4) ويقول القديس باسيليوس: إن الطبيعة البشرية هي حائط وقد هزته صدمة الخطية، فمال إلي السقوط، ولا يمكن إعادة بنائه إلا بهدم ونقض بنيانه، لذلك سمح الله أن يكون الموت الحسي ناقضاً للحائط المُزعزع ليُعيد بناءه بالقيامة العامة إعادة وثيقه ومؤيده[4].

ولكي يرفع الله حكم الموت هذا عن البشرية -التي حكمت به علي نفسها– فبتجسده وكابن الله جمع البشرية في ذاته، كما سبق وقلنا، فقد ترك جسده هكذا بحيث يمكنه أن يعاني الآلام البريئة والموت، لأنه كما قلنا أراد أن يحسم أمر هزيمتنا بعدل، وكأول يبدأ بقيامته بالجسد الذي وحده بعدم التألم وعدم الموت وعدم القابلية للفساد، من أجل الجنس البشري كله هذا الذي صار هو باكورته،كما يقول ساويرس الانطاكي[5] .

ويُضيف أثناسيوس الرسولي: وهكذا إذ اتخذ جسداً مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل نفسه للموت عوضاً عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر، أولاً: لكى إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفد في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب). ثانياً: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد الذى جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم، كما تبيد النار القش[6].

ويقول إيريناؤس: ولأن الجميع اقتيدوا إلى الموت بسبب عصيان أبونا الأول، آدم، كان مناسباً وضرورياً أن يَبُطل نير الموت بواسطة طاعة ذاك، الذي صار إنساناً من أجلنا. وبسبب أن الموت ساد على الجسد، كان من الضروري أن يُهزم الموت بواسطة الجسد ويَخلُّص الإنسان من سطوته. وهكذا صار الكلمة جسداً لكى بواسطة الجسد الذى استعبدته الخطية، يُخلّصنا (المسيح) من الخطية كي لا نعود نُستعبد من الخطية. لذلك أخذ ربنا جسداً شبيهاًبجسد أبينا الأول، لكى بجهاده –عوضاً عن أبوينا الأولين – ينتصر على ذاك الذي في آدم جرحنا جرحاً مُميتاً[7]. [8]

فدخول الرب إلي جسد وموته بهذا الجسد أصبح فخاً للموت به هزم الرب الموت وسلب كل قوته، ويقول كيرلس الأورشليمي: الرب تألم من أجلنا، وما كان الشيطان ليتجرأ أن يظهر له لو كان قد عرفه انه ابن الله. لذلك فالجسد صار الصنارة التي اصطاد بها الموت، حتي أن الحيه التي كانت تُريد أن تبتلع هذا الجسد، تقيأت ما سبق أن ابتلعته (أي الناس الذين ماتوا قبل مجيء المخلص وانتهاء سلطان الموت )[9].

ويضيف أمبروسيوس: (إذ تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً في نفس الشيء لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت .. عبرانيين 2: 14)… وكيف يكون ذلك إلا بواسطة الجسد الذي به قد صار مشاركاً لنا؟، وبماذا شاركنا إلا بالموت الجسدي؟، إنه كسر سلاسل الموت لأنه باحتمال المسيح للموت حدث موت للموت[10].

وهذا أيضاً ما قاله أغسطينوس: لقد هُزم الشيطان بذات نصرته… بخداعة الإنسان الأول ذبحه، وبذبحه للإنسان الأخير فقد الإنسان الأول من شبكته![11].

ويُضيف القديس يوحنا فم الذهب: “جرد الرئاسات والقوات بنفسه”، معناه أنه جرد قوات الشيطان، لأن الطبيعة البشرية كانت قد خضعت لها، أو إن صح التعبير كان مفروضًا عليها دَين (صك)، فعندما صار إنساناً لم يكن مديناً بهذا الصك – لكن ما معنى “شَّهر بهم”؟ معناه أنه حقا قد شُهر بالشيطان الذي جعل من نفسه هُزءً وخزياً. لأنه إذ توقع أن يظفر بالرب، خسر حتى ما كان لديه، وحينما سُمِّر الجسد (المقدس) على الصليب، قام الموتى. هكذا تلقى الموت نفسه ضربة قاصمة من جسد ميت. وكبطلٍ مقدام، وحينما عرف أنه طرح عدوه أرضاً، وأمسك به بقبضة مميتة، (مات الموت) هكذا كان موت المسيح إنما هو خزي للشيطان.

لم يختبر الملائكة شيئا من هذا القبيل، فقد قام هو بكل شيء لأجل هذا القصد، مُظهِراً أن لموته إنجاز عظيم وقدير – وكان إن صح التعبير – ثمة صراع واحد: فقد جرحَ الموتُ المسيحَ – لكن المسيح المجروح أمات الموت[12].

ويقول القديس مارإفرام: لقد جعل نفسه خاضعًا للموت حسب الجسد، محتملاً إيَّاه بإرادته، حتى يكسر سلطان الموت بغير إرادته (أي إرادة الموت)! حمل صليبه وسلك هكذاكما يريد الموت، وعلى الصليب إذ صرخ أحضر الموت بغير إرادته من الجحيم! حمل النصرة على الموت، في نفس اللحظة التي فيها قتل الموت الرب، وبنفس الوسيلة (الصليب)![13]…

هذه هي الثمرة التي حطمت الموت، فإذ اِبتلعها مزقته، وقدمت حياة لمن أُرسلت إليهم!. وكما أنه متى اِضطربت معدة إنسان، تقيَّأ ما بها من حلو ومرّ، هكذا إذ اِضطربت معدة الموت، تقيأ “دواء الحياة” الذي اِشمئز الموت منه، كما خرج معه أولئك الذين تلذذ الجحيم بوجودهم فيه![14].

وبموت المُخَلِّص بالجسد أعطانا عربون القيامة في قيامته أيضاً من الموت وهي العلامة الصارخة علي موت الموت وانقضاء سلطانه علي البشرية،

ويقول أغسطينوس:نتمتع في آلام الرب وقيامته بالعبور من هذه الحياة القابلة للموت إلى الحياة الأخرى الخالدة، أي من الموت إلى الحياة[15].

ويضيف القديس كيرلس السكندري: إن موت المسيح قلب الأمور بصورة غير متوقعه. لأن آلامه قد أُعدت كفخ لاصطياد الموت، وموت الرب صار مصدر تجديد الجنس البشري إلي عدم الفساد وجدة الحياة[16].

ولأن الموت كان هو سلاح الخطية الفتاك، فبموته بطل سلطان الخطية – نعم نخطئ– لكن لم نعد نموت بخطايانا بل بمجرد العودة إلي الله المُعلن في وجه يسوع يُمحي كل أثر لخطايانا، كما يقول القديس كيرلس السكندري: ماذا كان الأمر المملوء بالحكمة بالنسبة لنا وماذا كانت مشيئة الآب المُخلصة؟ كان هذا الآمر وتلك المشيئةأن يموت الموت بموت المسيح عنا، وهكذا تبطل الخطية ويهلك كل من تسبب فيها منذ خلقة الإنسان، أي الشيطان، ويصير الخلاص الكل بواسطة دم المسيح الكريم. ولهذا نجد أن الرسول يضيف قائلاً عن الابن: (وَلأَجْلِ هَذَا هُوَ وَسِيطُ عَهْدٍ جَدِيدٍ، لِكَيْ يَكُونَ الْمَدْعُّوُونَ – إِذْ صَارَ مَوْتٌ لِفِدَاءِ التَّعَدِّيَاتِ الَّتِي فِي الْعَهْدِ الأَوَّلِ – يَنَالُونَ وَعْدَ الْمِيرَاثِ الأَبَدِيِّ. لأَنَّهُ حَيْثُ تُوجَدُ وَصِيَّةٌ يَلْزَمُ بَيَانُ مَوْتِ الْمُوصِي. لأَنَّ الْوَصِيَّةَ ثَابِتَةٌ عَلَى الْمَوْتَى، إِذْ لاَ قُوَّةَ لَهَا الْبَتَّةَ مَا دَامَ الْمُوصِي حَيّاً.)[17].

و يضيف القديس إكليمندس السكندري: الإنسان كان حراً ببساطته، أصبح مقيداً بالخطايا. لذلك أراد الرب أن يحرره من القيود (رباطات الظلم). وبالتحافه بالجسد… هزم الحيه وأسر الموت المستبد، و أروع شيء عمله هو فك أسر الإنسان وتحريره بعد أن كان أسيراً للفساد. ياللسرّالعظيم! لقد تنازل الرب وارتفع الإنسان، الذي سقط من الفردوس يربح مكافأة أعظم، إنها السماء عينها !! [18].

ويكتب القديس أثناسيوس: وحينما صارت مشيئة الآب السمائي أن تُدفع الفدية – الكفارة – عن الجميع، لكي تُمنح النعمة للجميع، لذلك أخذ الكلمة بالحق… جسداً ترابياً… لكي كرئيس كهنة يستطيع أن يقدِّم نفسه (بجسده) إلى الآب ويطهِّرنا من الخطايا جميعاً في دمه[19].

ويكمل قائلاً: فالعالم كان في ما سبق مُداناً، وكان تحت القضاء والدينونة من قِبَل الناموس، وأمَّا الآن فقد وضع “الكلمة” على نفسه عقاب الدينونة هذه، وإذ تألَّم في الجسد من أجل الجميع منح الخلاص للجميع[20].

وأخيراً فقد تساءل البعض قائلين: كيف يُمكن لجسد بشري أن يهب لنا كل هذه الخيرات أو يغلب الموت؟ ويجيب ق. كيرلس عمود الدين قائلاً: يا أحبائي لتعلموا أن لجسم المسيح تأثير في خلاص الإنسان، لأن جسد الكلمة، المسيح العظيم، هو جسم الحياة المتسربل بالقوّة والسلطان، وكما أن الحديد إذا ما لمس النار بدت فيه مظاهر الناروقام بوظائف النار، كذلك جسد الكلمة المسيح تجلَّت فيه الحياة، وكان له السلطان على محو الموت والفساد[21].

لقد صلب الموت بإعطاء الحياه، وجذب بذلك الإنسان بعيداً عن الدمار ورفعه إلي السموات.

القديس إكليمندس السكندري[22]

 

[1]sur la l aux cor ., xv , 12 , pg . 74 , 897 . دراسات في آباء الكنيسة للراهب باسيليوس المقاري . ص 611

[2]سألتني فأجبتك ج1 ص 547

[3]The Ascension, 263 الحب الإلهي. للأب تادرس يعقوب . ص 689

[4]M. A.Orphanos; creation and salvation according to st. basil of caesarea , Athens 1957

[5] مجمع خلقيدونيةإعادة فحص، مرجع سابق. ص 413 . lapolemique …. I , p. 70

[6] تجسد الكلمة 4:8 ترجمة د/ جوزيف موريس فلتس؛ إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. ص22

[7] في هذه الفقرة لخص إيريناؤس جوهر تعليمه عن المسيح والخلاص. فتجسد المسيح له المجد كان ضرورياً لكى ينقل عدم الفساد إلى البشر ولكى يَبطُل الشر الآتي من عصيان آدم. وهذا الأمر قد شرحه فيما بعد القديس أثناسيوس في كتابه “تجسد الكلمة”: [ لأن المخلّص تمّم بتأنسه عمليتي المحبة: (أولاً): أنه أباد الموت من داخلنا وجدّدنا ثانية. (ثانيًا): أنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن نفسه وعرّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومدّبر وملك الكون ] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 5:16. والقديس أمبروسيوس أسقف ميلان يصف لنا المسيح بأوصاف توضح نتائج التجسد بالنسبة لنا: [ المسيح هو لنا كل شيء… إذا أردت أن تبرئ جرحك، فهو الطبيب الشافي؛ إذا أردت أن تروى عطشك الشديد، فهو ينبوع الماء الحي؛ إذا كنت في حاجة إلى معونة، فهو القوة الحية الفعّالة؛ إذا كنت ترهب الموت، فهو الحياة القاهرة للموت؛ إذا كنت تخشى الظلام، فهو “النور الحقيقي”؛ إذا كنت جوعانًا، فهو قوت الحياة ] (PL16, 305).

[8]الكرازة الرسولية. ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد؛ د/ جورج عوض ابراهيم. فقره 31

[9] دراسات في آباء الكنيسة. للراهب باسيليوس المقاري . ص 313

[10] القديس أمبروسيوس أسقف ميلان شرح الإيمان المسيحي مترجم عن: N & PN Fathers 2 sertes vol. 10 p199. ج2 . 3 : 85 . ص 46

[11]Sermon 261:1.

[12]Homilies on Colossians, homily 6.

[13]الحب الالهي. للأب تادرس يعقوب مالطي ص 689

[14]المرجع السابق. ص 690

[15]Letters, 55

[16]شرح انجيل يوحنا ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد، د/ جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. ج2 ص 467

[17]حوار حول الثالوث. الجزء الرابع الحوار الخامس. ترجمة د/ جوزيف موريس فلتس. مترجم عن EIIE ., VOL .8 , P. 402 : 505 . إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ص 10، 11 

[18]grenstead , A short history of the doctrine of the atonement . p 28

[19]حقبه مضيئه في تاريخ الكنيسة، مرجع سابق، ص 656 .. Athanas., C. Ar., II, 7.

[20]المرجع السابقص 658 .. Athanas.,C. Ar., I, 60.

[21] عظه 36.

[22]grenstead , A short history of the doctrine of the atonement . p 27

 

لماذا تألم المسيح ومات؟ أ/ أمجد بشارة

Exit mobile version