أبوكريفا العهد الجديد: تقاليد وأساطير حول يسوع – يسوع التاريخي

أبوكريفا العهد الجديد: تقاليد وأساطير حول يسوع – يسوع التاريخي

أبوكريفا العهد الجديد: تقاليد وأساطير حول يسوع – يسوع التاريخي

تعتبر أبوغريفا العهد الجديد جزءاً كبيراً من الكتابات المسيحية الأولى من نهاية القرن الأول حتى القرن التاسع. وتدّعي هذه الكتابات أنا كتبت بيد الحواريين أو أولئك المقربين منهم، حيث تم استخدام القليل من تلك الكتابات على نطاق واسع في الكنيسة. وقد رفضت الكنيسة الكبرى قانونية تلك الكتابات على مر الزمن، ومن ثم أصبحت هذه الكتابات أبوغريفا أي “كتابات مشكوك في صحتها” أو “كتابات خفية”. فقد قام مؤرخو الكنيسة الأولى بترتيب أبوغريفا العهد الجديد بأساليب تحتوي على: أناجيل، وأصحاحات، ورسائل، وكتابات رؤيوية.

وما تزال الدراسة العلمية لأبوغريفا العهد الجديد في مرحلة متوسطة، إلا أن اكتشاف أدب نجع حمادي نفخ الحياة من جديد في تلك الدراسة. وعلى العكس من أبوغريفا العهد القديم، التي يقر معظم المسيحين بأنها كنسية وقانونية، يتم أبوغريفا العهد الجديد عالمياً ولا تعتبر جزءاً صحيحاً من العهد الكنسي الجديد. ومع ذلك، تشكل شاهداً رئيسياً لآراء مسيحية عن يسوع، تُقبل وترفض، في القرون الأولى للعقيدة. وبطبيعة الحال، ترج معظم آراء أبوغريفا العهد الجديد عن يسوع التاريخي في أناجيل مشكوك في صحتها.

أناجيل الطفولة

إن النوع الأول من الأناجيل المشكوك في صحتها والذي نتناوله هنا هو “إنجيل الطفولة”. وتدعى هذه الأناجيل بـ “أناجيل الطفولة” لأنها تحتوي على قصص يسوع، وإن كانت تلك القصص قصص سنواته الأولى فقط. ففي الأناجيل الكنسية، لا يورد مرقص أي شيء عن ولادة يسوع.

أما متّى ولوقا فيورد كل واحد منهما فصلين كمقدمة لمهمة يسوع التبشيرية، كما أن يوحنا لا يورد شيئاً عن ولادة يسوع، ولإصدار حكم بناءً على هذه الكتابات، وبناءً على كل كتابات المسيحية الأرثوذكسية والمسيحية الغنوصية خارج العهد الجديد، يبدو أن المسيحيين كانوا يهتمون في المقام الأول بأقوال وأفعال يسوع الراشد.

ومع مرور الوقت، ابتداءً من القرن الأول، زاد الكثير من المسيحيين اهتمامهم بولادة يسوع وبسنواته الأولى، حيث ظهرت التقاليد الشفهية لتكمل إنجيل متّى ولوقا، في أغلب الأوقات، بخيال مسيحي شعبي، وبأساطير يونانية رومانية وهندية حول ولادة الأطفال الخارقين.

لم يكن هدف أناجيل الطفولة ملء فجوات موجودة في الأناجيل. لقد كان لديها دافع عقائدي واعتذاري كبير، وهو: التعريف بنسب يسوع الذي يعود إلى داود عن طريق افتراض أن مريم من ذرية دواد، وصد الهجمات اليهودية المتزايدة التي تطعن في شرعية ولادة يسوع.

إن أناجيل الطفولة في مراحلها الشفهية والمكتوبة استمدت أفكارها من إنجيلي متّى ولوقا، إلا أنها ذهبت إلى أبعد من ذلك. وكما ذكر أوسكار كولمان: “يزداد إلى حد كبير الاتجاه نحو الاستفادة من الأساطير الغريبة التي تم ملاحظتها مسبقاً في القصص السردية عن الطفولة الواردة في إنجيلي متّى ولوقا”. كما سنقوم بمسح مختصر على إنجيلي الطفولة الرئيسيين اللذان يتم دراستهما من حين إلى آخر من أجل التقاليد الأولى ليسوع التاريخي، وهما إنجيل يعقوب التمهيدي وقصة الطفولة لتوما.

إن إنجيل يعقوب التمهيدي، المعروف في العالم القديم بالعنوان الأكثر دقة ألا وهو: “ولادة مريم”، وهو عمل يعوج للقرن الثاني لكاتب مسيحي غير يهودي. وبما أنه يحظى بشعبية واسعة في مسيحية العصور القديمة والوسطى نظراً لأنه عمل نابع من الورع ونظراً لجماله الأدبي، بقي على قيد الحياة في العديد من المخطوطات في الأصل اليوناني وفي النسخ اللاحقة في ثماني لغات مختلفة.

فهذا العمل يروي قصة مريم أم يسوع: والديها: يواخيم وأنا، حملها المعجز، لكن ليس الطاهر بعد، ولادتها، طفولتها ونشأتها في المعبد، خطوبتها من الكثيرين وصولاً إلى يوسف الشيخ الأرمل، وعذريتها الدائمة، وأخيراً حملها بيسوع.

يستخدم إنجيل يعقوب التمهيدي القصص السردية للطفولة الواردة في متّى ولوقا، ومن ثم يقوم بتوسيع هذه القصص وإكمالها لأغراض خاصة. إن الموضوع الرئيسي لهذا العمل هو الثناء على العذرية، الأمر الهام في حركات الزهد والرهبنة في المسيحية. ولأنه يركز على مريم العذراء، مستخدماً التنميق الأسطوري لسرد قصتها ومستمداً ما يقوله عن ولادة يسوع من الأناجيل الكنسية والأسطورة الشعبية، فإنه يتمتع بالقليل من الأهمية أو حتى لا يتمتع بأية أهمية بالنسبة لدراستنا ليسوع التاريخي.

نشأت قصة الطفولة لتوما في أواخر القرن الثاني، حيث تروي معجزات يسوع الغلام التي حصلت بين عامه الخامس وعامه الثاني عشر كما رواها تلميذ يسوع توما. كما توجد قصة الطفولة هذه اليوم في الأصل اليوناني، وفي خمس نسخ بلغات أخرى.

كما أنها ليست متطورة من الناحية الأدبية واللاهوتية كإنجيل يعقوب التمهيدي، إلا أن قصة الطفولة لتوما تتصف بالتأكيد الصريح على المعجزات، حيث يملك يسوع حتى عندما كان غلاماً قدرة كلية ومعرفية ونفوذاً غير محدود، الصفات التي لا تنسبها الأناجيل الكنسية ليسوع الراشد خلال مهمته التبشيرية.

ويقوم يسوع الغلام ببعض الأعمال الخيرة مستخدماً قوته الإعجازية، إلا أنه غالباً ما يستخدمها بقسوة، كما هو الحال مثلاً عندما قتل طفلاً آخر كان قد ضربه على كتفه (4: 12) ويُذهب ببصر أولئك الذين يتهمونه (5: 1)، حتى أنه وجه تهديداً خفياً ليوسف عندما كان يقوم بتأديبه (5: 2). وتتجه محتويات هذه الوثيقة إلى حد كبير نحو الورع الشعبي الذي جاء في وقت لاحق، حيث لا تشير إلى تقاليد القرن الأول حول يسوع.

إنجيل بطرس

في عام 1886، وجد فريق آثار فرنسي كان ينقب في مقبرة تعود لدير باتشوميان، الذي يبعد نحو 250 ميلاً جنوب القاهرة، كتاباً صغيراً في قبر راهب. فقد احتوت الصفحات من 2 إلى 10 من الكتاب، الذي يعود تاريخه إلى الفترة الواقعة ما بين القرن السابع والتاسع، وصفاً لموت يسوع وقيامته، حيث خلص العلماء بعد فترة قصيرة إلى أن هذا الكتاب هو جزء من إنجيل بطرس الذي ذكره آباء الكنيسة المبكرة من بداية القرن الثالث. ولم يتم العثور على أي أجزاء أخرى من إنجيل بطرس.

اهتم الباحثون في البداية اهتماماً كبيراً بإنجيل بطرس، لكن عندما تم التوصل بالإجماع إلى أن إنجيل بطرس كان عبارة عن تعميم وتعديل غنوصي للأناجيل الكنسية، لا سيما متّى، قاموا بتهميش هذا الأمر بعد فترة قصيرة. إلا أن العلماء في السنوات القليلة الماضية جددوا اهتمامهم بهذا الكتاب، فقام هيلموت كوستر وجون دومينيك كروسان بإثارة هذا الاهتمام من خلال ادعائهم بأن مصدر القصص السردية للآلام الواردة في إنجيل بطرس كان أيضاً مصدر القصص السردية للآلام الواردة في الأناجيل الكنسية.

وهذه ترجمة حرفية إلى حد ما للقصص السردية للآلام في إنجيل بطرس:

(1: 1) ولم يغسل أحد من اليهود يديه، ولا هيرودس ولا أحد من قضاته، وحيث أنهم لم يريدوا أن يغسلوا (2) قام بيلاطس. وبعد ذلك أمرهم هيرودس أن يأخذوا السيد في أيديهم، وقال لهم: ما أمرتكم أن تفعلوا به فافعل

(2: 3) في هذا الوقت كان يقف هناك يوسف صديق بيلاطس والرب، وهو كان يعلم أنهم على وشك أن يصلبوه، فذهب إلى بيلاطس وتوسل إليه أن يقبر جسد يسوع. (4) وأرسل بيلاطس إلى هيرودس يتوسل إليه في جسد المسيح. (5) وقال هيرودس: يا أخي بيلاطس حتى ولو لم يتوسل أحد له كنا سوف ندفنه، لأنه أيضاً السبت يبدأ، لأنه مكتوب في الناموس لا يجب أن تغرب الشمس على المقتول (في جريمة).

وسلمه للشعب قبل اليوم الأول للفطير، حتى في عيدهم. (3: 6) بعد أن أخذوا السيد دفعوه وهم يجرون، وقالوا: هلم نسوق ابن الله، فنحن الآن لدينا السلطة في شأنه. (7) ووضعوا عليه ثوباً أرجوانياً، وأجلسوه على كرسي الحكم قائلين: احكم بالعدل يا ملك إسرائيل. (8) وأحضر أحدهم إكليلاً من الشوك ووضعوه على رأسه. (9) وآخرون وقفوا وبصقوا في عينيه، وآخرون لطموه على خده، وآخرون وخزوه بقصبة، وآخرون جلدوه قائلين: بهذه الكرامة دعونا نكرم ابن الله.

(4: 10) وأحضروا مجرمين اثنين وصلبوا السيد وسطهم. ولكنه ظل صامتاً كما لم يشعر بألم. (11) وعندما نصبوا الصليب كتبوا عليه “ملك إسرائيل”. (12) وطرحوا ملابسه عنه وقسموها بينهم، ووزعوا نصيبهم عليهم. (13) ولكن أحد المجرمين وبخهم قائلاً: هكذا نعاني من الآثام التي فعلناها، ولكن هذا الرجل الذي أصبح مخلص الرجال، أين ألحق بكم ضرراً؟ (14) وكانوا غاضبين جداً منه، وحكموا ألا تقطع رجلاه حتى يموت في عذابه.

(5: 15) في ذلك الوقت كان منتصف النهار، وساد الظلام كل مدن اليهود، وكانوا قلقين وفي جهاد عنيف خشية أن تغيب الشمس عليه وهو لا يزال حياً لأنه مكتوب يجب ألا تغيب الشمس على المقتول (في جريمة). (16) وقال أحدهم أعطوه ليشرب خلاً وخمراً: ومزجوه وأعطوه ليشرب. (17) وحققوا وأتموا خطاياهم على رؤوسهم.

(18) وأشعل العديد قناديل مفترضين قدوم الليل، وبعضهم سقط. (19) وصرخ السيد عالياً قائلاً: إلهي إلهي لماذا تركتني. وعندما قال ذلك كان قد قُبض. وفي نفس الساعة انشق حجاب الهيكل بأورشليم إلى نصفين.

(6: 21) وبعد ذلك قلعوا الأظافر من يد الرب، وطرحوه على الأرض، وارتجت كل الأرض وأتى على الجميع خوف عظيم. (22) وأشرقت الشمس، وكانت الساعة التاسعة. (23) وابتهج اليهود وأعطوا جسده ليوسف ليدفنه لأنه شاهد كل الأعمال الجيدة التي صنعها. (24) وأخذ الرب وغسله ولفه في كتان ووضعه في قبره الذي يدعى بستان يوسف.

(7: 25) وبعد ذلك أدرك اليهود والشيوخ والكهنة كم هو عظيم الشر الذي فعلوه بأنفسهم، وبدأوا يندبون ويقولون: لقد جلبنا البلاء بخطايانا، لقد اقتربت الدينونة ونهاية أورشليم. (26) ولكن كنت مع رفقائي في حزن، وكنا مصابين في عقولنا، فكنا مختبئين لأنهم كانوا يروننا مجرمين كما لو كنا نفكر في إشعال حريق بالهيكل. (27) بالإضافة إلى ذلك كنا صائمين، وظللنا في حزن وبكاء نهاراً وليلاً حتى السبت.

(8: 28) ولكن الكتبة والفريسيين والشيوخ اجتمعوا مع بعضهم لأنهم سمعوا أن الناس يدمدمون ويضربون على صدورهم قائلين: إذا كانت هناك آيات عظيمة حدثت عند موته انتبهوا كل كان هو صالحاً. (29) وكان الشيوخ خائفين، وذهبوا إلى بيلاطس وتوسلوا إليه قائلين: أعطنا جنوداً حتى نحرس القبر ثلاثة أيام خشية أن يسرق التلاميذ جثته فيظن الناس أنه قام من بين الأموات، ويلحقوا بنا الضرر. (31)

وأعطاهم بيلاطس بيترونيوس قائد المائة وجنوداً لمراقبة القبر، وذهب معهم الشيوخ والكتبة إلى المقبرة. (32) ودحرجوا هم وقائد المائة والجنود صخرة كبيرة لحبسه. (33) ووضعوا سبعة أختام عليه، ووضعوا خيمة وظلوا يحرسون.

على الرغم من أن الدراسات البحثية في البداية وصفت إنجيل بطس بالغنوصي، إلا أن الدراسات التي أجريت مؤخراً اعتبرته مساوياً لما جاءت به المسيحية الأرثوذكسية. فإنجيل بطرس يشترك حقاً في العديد من خصائص الأدب المسيحي الأرثوذكسي للقرن الثاني. فهو يعمم التقاليد التي يعمل بها. كما هو ملاحظ في كل من أسلوبه، الذي يفتقد إلى حروف عطف إلى حد ما، ومضمونه. كما أن يشدد على المعجزات أكثر من تشديد الأناجيل الكنسية على ذلك، حيث يجعل من المعجزات تبدو وكأنها براهين قاطعة على الإيمان.

كما يحتوي على بعض الروابط القوية، شفهية ومكتوبة، مع الأناجيل الكنسية. مثل أعمال بيلاطس، القصة السردية الرئيسية الأخرى عن الآلام في ذلك الوقت، ويحتوي إنجيل بطرس على جدلية قوية مناهضة لليهود. وقد يكون هذا ذا صلة مع أوساطه الشعبية، حيث كانت معاداة اليهودية لليهود.

وقد يكون هذا ذا صلة مع أوساطه الشعبية. حيث كانت معاداة اليهودية أقوى في الأوساط الشعبية من أوساطه الشعبية، حيث كانت معاداة اليهودية أقوى في الأوساط الشعبية من أوساط الدوائر الرسمية. أخيراً، يحتوي إنجيل بطرس على عنصر تعبدي واضح، لا سيما ذاك الملاحظ في استخدامه الدائم لكلمة “الرب” بدلاً من “يسوع”.

ومع ذلك، يمكن قراءة إنجيل بطرس على أنه على الأقل وبصورة أولية غنوصي ويروق للمسيحيين الغنوصيين. فالعبارة “ولكنه ظل صامتاً كما لم يشعر بألم.” (4: 10) تروق للمسيحيين الغنوصيين الذين يقللون أو ينكرون معاناة السيد المسيح.

كما ستروق صرخة الهجران ” إلهي إلهي لماذا تركتني” (5: 19) للغنوصيين الذين اعتبروا أن العنصر الإلهي ليسوع هجره قبل وقت قصير من صلبه. فإنجيل بطرس يروق للمسيحيين الأرثوذكس والغنوصيين اللذين يستخدمانه أيضاً، وهذا أمر لا ينبغي أن يفاجئنا. رغم كل ذلك، كلا الفريقين يستخدمان إنجيل يوحنا ورسائل بولس.

إن القضية الأكثر إثارة للجدل في الدراسات البحثية الحالية حول إنجيل بطرس تركز على ما إذا كان الشكل الأول لقصصه السردية عن الآلام كان أيضاً مصدر القصص السردية للآلام الواردة في الأناجيل الكنسية. فهيلموت كوستر وجون دومينيك كروسان يعتبران من أبرز المدافعين عن هذا الموقف، إلا أنهما أخفقا في إقناع جمهور العلماء بذلك. كما تفتقد الرواية الرئيسية لغرضية كروسان الواردة في كتابه “الصليب الذي نطق”، إلى هذا النوع من التحليل النقدي المفصل للمصدر، الأمر الذي طالب به الكثير من العلماء.

إلى أن يطابق أولئك الذين يدعمون مثل فرضية المصدر هذه الخاصة بإنجيل بطرس، مع حجج المصدر النقدية لأولئك الذين يعارضونها أمثال: جويل بي غرين، ريموند ي براون، آلان كيرك، وسوزان ب شيفر. وستبقى هذه الفرضية المثيرة تتمتع بدعم الأقلية. كما تتوافق القصص السردية للآلام الواردة في إنجيل بطرس مع القرن الثاني تماماً، والحجة التي تعارض احتواء هذه القصص على مصدر للآلام قبل الفترة الكنسية تبدو في الوقت الراهن أقوى بكثير من الحجة التي في صالح تلك القصص.

إنجيل مرقص السري

في عام 1958، عثر مورتون سميث في دير مار سابا الأرثوذكسي اليوناني الواقع بالقرب من القدس على نسخة مجتزأة لرسالة مجهولة من إكليمندس الإسكندري إلى تيودور. وقد كتبت نسخة مخطوطة رسالة إكليمندس باللغة اليونانية في القرن الثامن عشر على الأغلب، على ظهر نسخة لرسائل أغناطيوس النوراني التي تعود للقرن السابع عشر.

في هذه الرسالة، يعلم إكليمندس تيودور بإنجيل مرقص “السري”، قائلاً له إنه النسخة “الروحية” الثانية لإنجيل مرقص وإن نفس المبشر هو الذي كتبه. ويقول إكليمندس إن طائفة غنوصية معروفة باسم الكاربوكريتيين كانت قد أساءت تفسير واستخدام هذا الإنجيل، ولتوضيح وجهة نظره، قام إكليمندس باقتباس فقرة واحدة من إنجيل مرقص السري:

“ثم جاؤوا إلى بيت عنيا، فحضرت إليه امرأة هناك مات أخوها وسجدت أمامه قائلة: يا ابن داود ارحمني. فانتهرها التلاميذ. ولكن يسوع غضب ومضى معها إلى البستان حيث القبر الذي دُفن فيه. ولدى اقترابه نّدَت من داخل القبر صيحة عظيمة. فدنا يسوع ودحرج الحجر عن مدخل القبر ودخل لفوره إلى حيث الفتى فمدّ ذراعه إليه وأقامه ممسكاً بيده.

لما رآه الفتى أحبّه وتوسّل إليه البقاء معه. وبعد خروجهما من القبر توجهوا إلى بيت الفتى لأنه كن غنياً. وبعد ستة أيام لقّنه يسوع ما يتوجّب عليه فعله. وفي المساء جاء إليه الفتى وهو يرتدي ثوباً من الكتان على جسده العاري وبقس معه في تلك الليلة، لأن يسوع كان يعلمه أسرار ملكوت الله. وعندما قام عاد إلى الجهة الأخرى من الأردن.

(الجزء 2) وجاءوا إلى أريحا. وكانت أخت الفتى الذي أحبه يسوع وأمه وسالومة موجودات هناك، إلا أن يسوع لم يستقبلهن”.

على الرغم من أن العلماء المستقلين ليم يتمكنوا حتى الآن من دراسة هذه الوثيقة، قبلت الدراسات البحثية بالإجماع تقريباً بأصالة هذا الاكتشاف، وقبلت الأغلبية بأن هذه الفقرات هي حقاً من رسالة إكليمندس. ومع ذلك، فإن صحة إنجيل مرقص السري، الذي كُتب بيد المبشر نفسه الذي كتب إنجيل مرقص الكنسي، هي موضع جدل على نطاق واسع.

وقد قال مورتون سميث، ثم تلاه كروسان وكوستر وغيرهم، إن إنجيل مرقص السري كان مصدراً للقصص السردية الواردة في إنجيل مرقص الكنسي. ورغم ذلك، لا يمكن الدفاع عن هذا الموقف لعدة أسباب:

أولاً، على الرغم من الإجماع الحديث، إلا أنه لم يتم استبعاد إمكانية أن تكون الرسالة رسالة مزورة في القرن الثامن عشر.

ثانياً، لا يمكن في أغلب الأوقات التعويل على استخدام إكليمندس للمصادر، حتى لو كانت رسالته أصلية، هذا لا يعني أن كل ما يقوله عن إنجيل مرقص السري صحيحاً.

ثالثاً، ما نملكه من هذه الوثيقة مجرد رسالة مجتزأة.

رابعاً، لا يوجد إجماع بين أولئك الذين يرون في هذه الوثيقة مصدراً لمرقص.

لذلك، فمن المستبعد أن يكون إنجيل مرقص السري، إن وجد أصلاً، مصدراً لإنجيل مرقص الكنسي. إن جهود سميث لإعادة بناء تاريخ المسيحية المبكرة على هذا الأساس غير المؤكد، حيث يقول إن تقاليد الأناجيل الكنسية اللاحقة أعادت تفسير يسوع الساحر والفاجر جنسياً، تعتبرها الغالبية الساحقة من العلماء ضرباً من الخيال.

وتسهم مخطوطة إجرتون 2 المكتوبة على ورق البردي، التي تسمى أحياناً “إنجيل إجرتون” في دراسة يسوع التاريخي، حيث يعود تاريخها إلى نحو عام 200 م ونشرت لأول مرة في عام 1935، كما أنها غير كاملة وتالفة إلى حد بعيد. وتُبرز القصة السردية الأولى والمجتزأة الواردة في هذه المخطوطة نزاعاً بين يسوع وخصومه المحامين بشأن انتهاك يسوع لشريعة موسى. ويروي قسمها الثاني قصة شفاء الأبرص، وجدلاً حول دفع الضرائب. تُختتم بمعجزة ليسوع في نهر الأردن لا تؤكدها الأناجيل الأخرى.

إن قيمة مخطوطة إجرتون 2 المكتوبة على ورق البردي محل نزاع، لكن يخلص معظم الباحثين من طبيعتها المجتزأة ودمج قصصها السردية بين عناصر غنوصية وعناصر خاصة بيوحنا أنها عمل معاد صياغته في وقت لاحق لتقاليدهم. من ناحية أخرى، يقول هيلموت كوستر إن هذه المخطوطة تشهد على المرحلة المبكرة لتقاليد يسوع حيث لا ينفصل التيار الغنوصي والتيار الخاص بيوحنا عن بعضهما بعضاً.

صعود يعقوب

بين مسيحيي القرن الثاني والثالث الذين جمعوا ما بين المسيحية واليهودية فيما عُرف باسم “المسيحية اليهودية”[1]، كان أدب الأناجيل شائعاً في تلك الفترة. ونعرف ثلاثة أناجيل أساسية عنت طريق استشهاد كتّاب مسيحيين بها: إنجيل الناصريين، وإنجيل الإيبونيين، وإنجيل العبرانيين.

ولسوء الحظ لم تحفظ الكنيسة العظيمة هذه الأناجيل، وبقي منها النزر اليسير من خلال الاستشهاد بها في كتب أخرى، مما يجعل من معرفتنا بها أمراً صعباً غير مؤكد. وحسب “إ. ف. جيه. كلين” الذي يقول: رغم الإشارات العديدة للأناجيل المسيحية اليهودية في الأدب القديم وأدب العصور الوسطى، فقد بقي الكثير منها غامضاً وبالأخص فيما يتعلق بالأرقام والأسماء التي عرفت بها أصلاً، واللغة التي كتبت بها.

لقد كان إنجيل الناصريين ذا صلة وثيقة بإنجيل متّى، والذي ظنّ الكثير من المسيحيين القدامى خطأ أنه كتب أصلاً بالعبرية أو الآرامية. ويشهد على أشهر إنجيل مسيحي يهودي معروف لكتّاب الكنيسة العظيمة، ثلاثة وعشرون اقتباساً من العصور القديمة، وثلاثة عشر اقتباساً من العصور الوسطى مما يدل على أقدمية الاهتمام بهذا الإنجيل.

وسمي إنجيل الإبيونيين على اسم المجموعة المسيحية اليهودية. وقد بقيت سبع إشارات لهذا الإنجيل فقط، وكلها من مُلاحق المهرطقين إبيفانيوس الذي عاش في القرن الرابع. وقد بقيت سبع إشارات لإنجيل اليهود أيضاً.

وعند الحكم من خلال هذه العينة الصغيرة من الإثباتات، نجد أن هذا الإنجيل كان على الأرجح مستقلاً أدبياً عن الإنجيلين الآخرين، وعن الأناجيل الكنسية الأربعة، حيث تعود هذه الأناجيل الثلاثة بالزمن إلى منتصف القرن الثاني. وبحكم تاريخها المتأخر وتوجهاتها المسيحية اليهودية وطبيعتها المجتزأة، تترك لنا هذه الأناجيل القليل أو لا شيء مما من شأنه إفادتنا في دراسة شخصية يسوع التاريخي.

وبقيت وثيقة مسيحية يهودية واحدة فقط سلمت من التلف، وهي مذكورة في كتاب وثقه إبيفانيوس تحت اسم “صعود يعقوب” يعود إلى منتصف القرن الثاني. وتمّ دمج “صعود يعقوب” الآن بصورة مجتزأة بمجموعة كبيرة من المواد الأدبية تدعى الاعترافات الكليمنتية الكاذبة، ويُزعم أنها قصة إكليمندس وهو من أوائل أساقفة روما وشريك بطرس.

وكتبت هذه الوثيقة في الأصل باليونانية وبقي منها إلى هذا الحين النسخ اللاتينية والسريانية فقط. إن “صعود يعقوب” هو وثيقة مسيحية يهودية تخبرنا قصة أتباع الله من أيام إبراهيم إلى الكنيسة المبكرة. وتصور يسوع كنبي مثل موسى والمسيح المنتظر. ويشير العنوان اليوناني للوثيقة “أناباثموي لاكوبو” إلى رحلات “الصعود” إلى المعبد لعقد مناظرات مع الكاهن الأعلى حول يسوع، وهي مناظرات كان بإمكانها جذب كامل الأمة اليهودية إلى المسيحية، ما لم يتدخل “الأعداء” (بولس المتخفي).

يحوي “صعود يعقوب” سرداً قصيراً لآلام يسوع يمثل مجموع المحتويات ككل، والنسخة اللاتينية، التي يختلف عنوانها قليلاً عن النسخة السريانية، وهي كما يلي:

(1-41-2) هذا النبي مثل موسى والذي تنبأ بصعوده بنفسه، ورغم شفائه لكلّ مرض وعلّة أصابت الناس، واجتراحه لمعجزات لا تحصى، ونشره لتعاليم حول الحياة الأبدية، إلا أن الأشرار اقتادوه إلى الصليب. لكن هذا الصنيع تحول إلى شيء خيّر بفضل قوته. (3) وأخيراً عندما عانى، شاركه المعاناة كل العالم. حيث أظلمت الشمس، واضطربت النجوم، وهاج البحر، وتحركت الجبال، وانفتحت القبور، وانشق ستار المعبد، كما لو كان يبكي الدمار الحاصل في المكان. (4)

ورغم هذا وذاك، ومع أن العالم بأكمله اهتز، إلا أنهم أنفسهم لم يتأثروا بهذه الأحداث العظيمة…. (ويأتي بعد ذلك نقاش مختصر عن مهمة من مهام المسيحيين من أجل “تلبية الرقم” الذي ظهر لإبراهيم).

(43-3) وفي هذه الأثناء، وبعد معاناته وبعد أن لفّ الظلام العالم بأسره من الساعة السادسة إلى التاسعة، وعندما عادت الشمس إلى وضعها الطبيعي، عاد الأشرار مجدداً إلى طبيعتهم وعاداتهم القديمة، لأن خوفهم انتهى. (4) وبعضهم قام بعد حراسة المكان بعناية شديدة بوصفه بالساحر، الذي لم يتمكنوا من منعه من الصعود، وادّعى البعض أن جسده سُرق[2]. (الاعترافات الكليمنتية 1-41-2-4، 43-3-4).

إن سرد الآلام هذه أقصر بصورة ملحوظة من ذاك الوارد في الأناجيل الكنسية، لكنه رغم قصره يُظهر ثلاثة مجالات للاعتماد على مواد سردية للآلام يتصف بها إنجيل متى بصورة حصرية. ونظراً لعدم وجود النسخة اليونانية من “صعود يعقوب” فلن نستطيع التأكد من الكلمات الأصلية، لذا فمن المستحيل أن نحدّد بكامل الثقة كون هذا الاعتماد حرفياً أو شفهياّ.

أولاً، يأخذ نص “صعود يعقوب” كلمات متى “اهتزاز الأرض” (27: 51) ويضيف عليها “وهاج البحر” (اعترافات 1-41-3). حيث يضيف هذه الكلمات للدلالة على اشتراك كل العالم المحسوس في أعجوبة موت المسيح، كما يؤكد القسم (1-41-3) بذكره الجملة التالية: “عندما عانى، شاركه العالم بأكمله المعاناة”.

ثانياً، “صعود يعقوب” يربط ما بين اهتزاز الجبال (متى 27: 51 تزعزعت الصخور) وانفتاح القبور، وهو حدث ورد في إنجيل متّى على أنه حصل عند قيامة المسيح من موته.

ثالثاً، يحاكي نص “صعود يعقوب” التقليد المستخدم في إنجيل متّى حول حراس قبر المسيح (متّى 27: 62 إلى 66، 28: 11 إلى 15). وبصورة عامة، يتبع نص “صعود يعقوب” نظام إنجيل متّى في هذه الأعجوبة. ويطوّر النص لأغراض خاصة به مواد سردية للآلام الخاص بإنجيل متى، رغم عدم تماثلها بالشكل الذي يمكننا فيه اعتبارها مستمدة من المصدر “م”.

وهناك ميزة أخرى للقصص السردية للآلام في “صعود يعقوب” وهي النظرة غير الخلاصيّة أو الفدائية لهذه الآلام، فبالنسبة للجمهور الذي قرأ هذه الوثيقة، لم يجلب صلب يسوع لهم الخلاص، ولم يُصوّر موت يسوع كتضحية عن الخطيئة، إذ لم يكن هناك أي ذكر لكون يسوع حمل الرب ولا تأكيد على براءته، ولم يُذكر أن لموته سلطة تكفّر عن الذنوب والخطايا، وبالأحرى يأتي الخلاص عبر المعمودية باسم يسوع، وهي معمودية جاء بها يسوع ليستبدل بها الأضاحي في المعابد (اعترافات 1. 39. 1-2، 1. 55. 3-4، 1. 69. 8-1. 70. 1).

حيث يأتي الخلاص من خلال المعمودية التي علّمنا إياها يسوع وليس من خلال موته.

إن افتقار هذه الوثيقة إلى التأكيد على أهمية الخلاص في موت يسوع تتوافق مع كثير من كتابات المسيحية اليهودية المبكرة. وهذا يوضح لنا السبب وراء وجود اهتمام بالغ في “صعود يعقوب” انصبّ على الأعاجيب التي رافقت موت يسوع، إنها أعاجيب مثير للإعجاب طالما أنها تدوم، ولكنها تفقد هذه الخاصية حالما تنتهي. وهذا يعني أن الأعاجيب التي رافقت الصلب تشكّل الموضوع الحقيقي لهذا القسم، لا بل ويُمكن لنا أن ندعوه سرداً للأعاجيب بدلاً من سرد للآلام.

إن هذا يُشكل تبايناً مثيراً للاهتمام مع إنجيل بطرس، والذي يروّج لفكرة القوة الواضحة والمقنعة للأعاجيب بصورة دائمة. وتطلّب إقناع الشعب اليهودي أن يسوع هو المسيح المنتظر قدرة يعقوب أخ يسوع في الإقناع. كما أن افتقار النص إلى خاصية الإقناع الدائم بالأعاجيب يشرح التناقض الكبير في سرد هذه الوثيقة لآلام يسوع.

فلم يعتنق الشعب اليهودي الدين الجديد عند معاينته لصلب يسوع، فتوجب عندها على المسيحيين أن يأخذوا على عاتقهم مهمة التعويض عن حالة النقص تلك. وربما كانت تلك أول حالات التفكير المنطقي للكنيسة المسيحية اليهودية المبكرة متمثّلة بمهمة المسيحيين تلك.

النتيجة

وجدنا أن الأغرافا لديها عدد محدود من الشهود على تعاليم يسوع التاريخي. ورغم أن النتائج شحيحة على نحو يثير الإحباط، تظهر لدينا بعض الأقوال المعزولة والمرشّحة للتمتع بالموثوقية. وقد قمنا بطرح المسألة المنهجية للتعميم، أي أن ما يعتبر صحيحاً وموثوقاً في “الأغرافا” معلّق بوجود تحديد مسبق لما يعتبر صحيحاً وموثوقاً في الأناجيل الكنسية، مع التوصل إلى نتيجة أن “الأغرافا” الموثوقة تميل لنسخ الأقوال المذكورة في النصوص الكنسية بحرفيتها.

ويجب على البحث المستفيض أن يوضّح فيما لو كان اتباع هذا المنهج سيؤدي إلى التوصّل إلى نتائج تكون محافظة زيادة عن اللزوم.

ثانياً، هل تأتي مصادر إنجيل بطرس وإنجيل مارك السري تباعاً بعد الأناجيل الكنسية؟ إن هذا، كما رأينا، أمرٌ غير مرجّح كثيراً. قد تُذكر فيها بعض الأفكار المتبصّرة والمتفرقّة والمساهمات البسيطة، ولكن كونها براهين صحيحة على شخصية يسوع التاريخي، هو برمتّه، أمرّ واهٍ يتعذّر الدفاع عنه.

ثالثاً، يمثّل إنجيل توما حالة متفردّة. فهو كوثيقة، يعود للقرن الثاني في أيام المسيحيين الغنوصييّن. كما أن العديد من الأقوال المفردة المذكورة فيه قد تمّ اعتبارها بدقّة أقوالاً مهمّة في البحث عن تعاليم يسوع. بيد أنه لا يمكن النظر إلى أسلوب توما على أنه يدعم بصورة مقنعة عمليات إعادة صياغة “ق” التي تجعل من يسوع رجلاً حكيماً فحسب.

إن المعلومات التي وردت عن يوحنا المعمدان في “ق”، ومراجعه الواضحة حول أعاجيب يسوع وسرده لأعجوبة واحدة ومراجعه القوية المصدر عن موت ومجيء يسوع، كلّ هذه الأمور، تميّز هذه “ق” عن إنجيل توما. ورغم اختلاف الأسلوب ووجود موقف متباين إزاء الأعاجيب في “ق” وفي إنجيل مرقص، إلا أن “ق” أقرب في وجهة نظره إلى إنجيل مرقص أكثر من إنجيل توما.

رابعاً، هل نجد في القرنين الثاني والثالث أية معلومات تاريخية قيّمة ومستقلّة عن يسوع تمكّننا بصورة ملحوظة من مراجعة وتعديل فهمنا لشخصيّته؟ أو بكلام آخر، هل تخبرنا الكتابات الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة أي معلومة تاريخية عن يسوع لم نكن نعرفها مسبقاً عنه مع وجود بعض الأمور التي تؤكد هذه المعلومة من الأناجيل الكنسيّة؟

إجمالاً، وعلى الأرجح هذه ليس بصحيح، يسوع لم يكن معادياً للساميّة، كما يلمح إلى ذلك إنجيل بطرس، ولم يكن “رجل أقوال وكلام تافه” كما صورّه إنجيل توما، ولم يكن بالتأكيد فاسقاً ماجناً كما صوره إنجيل مرقص السري. فلم تكن مصادر القصص السردية لآلام يسوع من القرنين الثاني والثالث على الأرجح المصادر الكنسيّة للقصص السردية لآلام يسوع.

وأخيراً وليس آخراً، إن القيمة التاريخية الأساسية لهذه الوثائق مترسّخة في زمانها ومكانها. وينطبق الأمر ذاته بالطبع على الأناجيل الكنسيّة، إلا أنها أقرب زمنياً من فترة كهنوت يسوع العام ومن المرجح أنها خضعت للنقد والتصحيح من جانب أتباع يسوع من الجيل الأول من المسيحيين. وبذلك، وباتباع القواعد المقبولة عموماً للإثبات التاريخي، تكون الأناجيل الكنسية ذات قيمة أكبر في فهم شخصية يسوع التاريخي. وإن الكتابات التي تأملنا فيها أعلاه تعطينا منظوراً غنياً عن تنوّع المسيحيّة بعد حقبة العهد الجديد.

كما تعكس تلك الوثائق الآراء المتنوعة ضمن المذهب الغنوصيّ، وعمق الميول الشعبيّة في الأرثوذكسية الناشئة والشاهد المميّز للمسيحية اليهودية. ففي بعض النقاط المحدّدة، تقدم لنا هذه الوثائق بعض المعلومات القيّمة عن يسوع والمسيحية المبكرة.

ورغم الاقتراحات الصارخة التي تدعو إلى إعادة صياغة يسوع والمسيحية المبكرة على أساس وثائق القرنين الثاني والثالث، الحقيقية منها والافتراضيّة، ترى الدراسات الحالية عموماً قيمة تلك الكتابات في أنها في المقام الأول شهود على العصور التي كتبت فيها، وعلاقتها مع العهد الجديد، رغم أن تلك مسألة مهمّة ودائمة، قد قلّ مستوى الاهتمام بها، في حين يتمّ إيلاء الجانب الأكبر من الاهتمام على دورها في إعادة تركيب التاريخ الديني والاجتماعي للمسيحيّة في القرنين الثاني والثالث.

ويمكن ملاحظة هذه النزعة في الدراسات والبحوث، على سبيل المثال، في مقدّمة وليم ستروكر عن “الأغرافا” وفي النسخة الإنكليزية المنقحّة للعمل المرجعي المؤثر لفيلهلم شنيميلتشر بعنوان “أسفار الأبوغريفا المنتحلة في العهد الجديد”.

ما هي الخطوط العريضة التي ستتكشّف أمامنا من خلال هذه الدراسة عن يسوع خارج إطار العهد الجديد؟ إن دليل الكتّاب غير المسيحيين يعامل وبنفس الشكل يسوع على أنه شخصيّة تاريخية، إذ لم يكن معظم المؤلفين والكتّاب غير المسيحييّن مهتميّن بتفاصيل حياته وتعاليمه، وراحوا ينظرون إلى شخصيتّه من خلال المسيحية التي عرفوها حينئذ…

فقدّموا برهاناً مؤكّداً لكن موجزاً لتقاليد تاريخية محدّدة في العهد الجديد تتعلّق بخلفية عائلة يسوع والفترة التي عاشها وكهنوته وموته، كما وقدّموا دليلاً على محتوى الوعظ والتبشير المسيحي المستقل عن العهد الجديد. ويبقى الإثبات الوثني ليسوع شيقاً وساحراً، رغم وصوله إلى استنتاجات ثابته نسبياً في البحث المعاصر. ويقدّم الإثبات اليهودي صورة أكمل ليسوع، أيضاً مع وصول البحث إلى استنتاجات ثابتة. وفيما يخصّ الإثبات المسيحي من خارج الأناجيل الكنسية، فإن البحث هو في وضع مغاير تماماً لما ذُكر سابقاً.

إذ يتمّ بذل جهود جبارة لإدراك مصادر الأناجيل، لا سيما “ق” لكن البحث المتواصل في “ل” ومصدر إشارات يوحنا سيساهم في وضع صورة أكمل وأكثر توازناً ليسوع. بالنسبة لعدد كبير من الباحثين، تحمل الكتابات الأدبية من القرن الثاني بين ثناياها الوعد في إعادة اكتشاف الأصول الحقيقية ليسوع وللكنيسة المبكرة، وقد رأينا أن بعض أهم المعلومات عن التقاليد الأولى المتعلّقة بيسوع قد نشأت عن دراسة هذا الأدب.

إلا أن الاقتراحات الأكثر تطرفاً تكون بعيدة الاحتمال، ويعتمد ذلك على تطبيقها على الافتراضات المتعدّدة وعلى النقد الجدلي للمصدر وعلى عمليات إعادة الصياغة التي تطلبت بذل جهد كبير لتاريخ التقليد المتعلق بيسوع. لذا لم يبق أمامنا إلا الخطّان الرئيسان لنتأمل فيهما والتفاصيل حول حياة يسوع وتعاليمه مع العهد الجديد. كما ستشير دراستنا ليسوع خارج نطاق العهد الجديد إلى نهاية وجود يسوع داخل نطاق العهد الجديد.

[1] لا يمكن الخوض بصورة كاملة في القضية الجدليّة المتعلقة بتعريف “المسيحية اليهودية”. ولكننا يمكن أن نفهمها على نحو غير رسمي على أنها: ذلك القسم من المسيحيّة المبكرة التي غلب على المنضميّن إليها اليهود بالولادة أو الاعتناق. وفي الممارسة، على الأخص التقيّد بشريعة موسى، وفي الاعتقاد والإيمان، كمحاولة التعبير عن المسيحية بمفاهيم يهودية. وكما اقترح عدد من الباحثين، فإن التسمية “اليهود المسيحيون” هي غالباً أدقّ من تسمية “المسيحيون اليهود”.

[2] فان فورست، صعود يعقوب، 56-58.

أبوكريفا العهد الجديد: تقاليد وأساطير حول يسوع – يسوع التاريخي

المسيح في أناجيل الأبوكريفا

المسيح في الأبوكريفا – أناجيل الأبوكريفا

المسيح في الأبوكريفا – أناجيل الأبوكريفا

فى الفصل السابق قمنا بمناقشة المعايير التى استخدمتها الكنيسة الأولى لتحديد ما إذا كان أحد الكتب جدير بأن يدرج ضمن الأسفار القانونية أم لا. وكان هناك في الأساس ثلاثة معايير: (1) الرسولية (أو القدم)؛ (2) الشمولية؛ (3) استقامة العقيدة. هل كان الكتاب قديما بما يكفي لأن يعتبر أصيلا؟ هل تقرأه الكنيسة على نطاق واسع في جميع أنحاء منطقة البحر المتوسط؟

وهل يتفق مع الكتب التى لها مصداقية وشهادات لا يعتريها الشك من ناحية المقياسين الأولين؟ إن السجلات الباقية من الكنيسة القديمة لا تظهر أى تهاون أو سمحاح بقبول كتب منحولة كتبها شخص بأسم شخص آخر. لكنهم حتى لو كانوا قد قاموا بذلك، فحيث أن الأناجيل نفسها كانت جميعها في الأصل مجهولة الكاتب، فقد كان هذا يستبعد دافع التزييف من جانب المؤلفين!

فى هذا الفصل سنرى علام كانت كل هذه الضجة. ماذا كانت هذه الأناجيل الأخرى، وماذا كان فيها حقيقة، ولماذا لم تنجح في الاختبار. وعلى وجه الخصوص، كم كان عدد تلك الأناجيل الأخرى؟ ومتى تمت كتابتها؟ وماذا كانت تقول عن يسوع؟

غرض الأناجيل الأخرى

إن الأناجيل التى لم يتم قبولها داخل الأسفار القانونية يطلق عليها “أناجيل الأبوكريفا”. والكلمة اليونانية القديمة “أبوكريفا” تعنى “الأمور المخفاة”، وكانت تصف مختلف الكتب اليهودية والمسيحية، وبسبب معناها المطاطى المتسع، فقد كان في الإمكان استخدامها بمعنيين مختلفين بالكامل.

فمن كانوا يوافقون ويؤيدون هذه إلكان ينظر إليها على أنها تحوى أمورآ غامضة أو تقاليد متشابكة، والتى كانت شديدة العمق بحيث لا يمكن توضيحها ونقلها لأى إنسان إل لمن لديهم المعرفة والاطلاع فقط. “1 ولكن بعض الكتّاب القدامى قالوا إن هذه الكتب كانت أبوكريفا لأنها تستحق أن تختفي! أى أنها هرطقية في تعاليمها ويجب ألا تقرأ على الملأ.2 وسوف نشير إلى هذه الأناجيل على أنها “أناجيل الأبوكريفا” والتى لم تنجح في الدخول إلى العهد الجديد، وهى مختلفة عن الأناجيل القانونية.

إننا نعرف عن العديد من أناجيل الأبوكريفا التى كانت منتشرة في القرون الأولى للكنيسة. البعض منها نعرفه بالأسم فقط، حيث لم يتبق أى نسخ منها اليوم، بينما لدينا أجزاء متفرقة من البعض الآخر، والوثائق الكاملة لبقيتها. لكن على وجه العموم، فأن جميع أناجيل الأبوكريفا هذه كان المقصود منها أن تحقق أمرآ من اثنين: “إما تكميل (أو) … زعزعة الأناجيل الأربعة التى تلقتها الكنيسة العظيمة واستئصالها. “3 ويبدو أن البعض منها أراد أن يحقق كلا الآمرين معآ.

فقد ركزت أناجيل الأبوكريفا على جوتين في حياة يسوع كما هي مدونة في الأناجيل الأربعة: وهما طفولته والثلاثة أيام بين موته وقيامته.4 وفى هذا الفصل، سوف ننظر في بعض من أناجيل الأبوكريفا التى تتعامل مع هاتين الناحيتين من حياة يسوع.

من بين أولئك الذين كتبوا لتكميل الأناجيل القانونية الأربعة، كانت الرغبة في ذلك أحيانى هى فقط لأجل غمتاع الأعاد المتزايدة من المسيحيين، فعلى أى حال، كانت الكتب هى الوسط المتاح لتوصيل الأفكارالمبتكرة بين المتعلمين الذين كان يمكنهم استخدامها زمشاركة كلماتها مع الآخرين. فقد كان المسيحيون شغوفين بمعرفة المزيد من المعلومات، خاصة حول طفولة يسوع.

وهكذا كان يمكن أن يكون الدافع، في بعض الأحيان، ليس أكثر من مجرد المتعة غير الضارة في جذب انتباه وخيال القارئ. لم يكن يقصد من ذلك أذى؛ كما لم يدخل في الأمر تخطيط لاهوتى عميق. وكذلك، لم يأخذ أحد أناجيل الأبوكريفا هذه مأخذ الجد (أو على الأقلن أن يأخذها أحد كذلك!). لكن في بعض الحيان بالطبع، يكون حتى العملالمقصود به المتعة فإنه يهدف أيضآ إلى توصيل فكرة ما.

فمثلآ، بدءآ من بعض الأعمال الأدبية مثل “أولاد من البرازيل” وحتى “حديقة الديناصورات”، يكشف الاستنساخ، كموضوع من الخيال العلمى، عن جانبه المظلم. وسواء كان هذا هو الهدف الأساسى للمؤلفين وكتّاب السيناريوهات أم لا فهذا أمر يصعب تقييمه. وبالمثل، لا يكون من الممكن دائمآ تحديد على وجه اليقين جدول أعمال أو أهداف أناجيل الأبوكريفا.

على أنه كان هناك دافع آخر أكثر خبثآ لأناجيل الأبوكريفا، وهو أن تقدم صورة مختلفة عن يسوع. ومرة أخرى، كما أن هناك بعض الدوافع اليوم يقصد بها تغيير فهم الجمهور لشخصية فرد ما، هكذا قصدت الكثير من أناجيل الأبوكريفا أن تقدم صورة مغايرة ليسوع لا يشبه يسوع الأناجيل الأربعة.

فما نوع شخصية يسوع تلك التى أرادت معظم أناجيل الأبوكريفا أن تقدمها؟ لقد أرادت ان تقدم شخصى ليس أنسانآ حقيقيآ، كما كان يسوع يحلق فوق الأرض بارتفاع ثلاثة اقدام، فهو لا يحتاج أن يتعلم أى شئ كإنسان، ويتحدث بعبارات ذكية بينما هو ما يزال طفلآ صغيرآ، ويبدو أنه من عالم آخر تمآ. إن أكثر أنجيل هرطقى كان سائدآ كان يصوّر يسوع على أنه أكثر من مجرد أنسان، وعلى أنه كائن آخر غير الإنسان.

يتحدث دان براون عن أكثر من ثمانين إنجيل كان يتم التفكير في دمجها في العهد الجديد. ويقول “إن أى أنجيل كان يصف نواحى الحياة الأرضية ليسوع كان يجب أن يحذف من الكتاب المقدس”5 ولكن مثل هذه العبارات مضللة للغاية، وليست لها علاقة بالأدلة الواقعية. فمن ناحية، كانت معظم أناجيل الأبوكريفا المرفوضة تركز عن ألوهية يسوع أكثر مما على بشريته، على عكس ما يقول.6 فهذا لا يساند برهان براون على الإطلاق! ومن ناحية آخرى.

فقد جاءت أناجيل الأبوكريفا هذه بعد الأناجيل القانونية بقرون. فكيف كان يمكن إذآ أن يتم أعتبارها من الأسفار القانونية لو كانت حتى لو لم توجد في الزمن الذي تم فيه الاعتراف بأن الناجيل الأربعة جديرة بالثقة؟ وأخيرآ، إننا لا نعرف من أين جاء براون بالعدد “أكثر من ثمانين أنجيل”، فمن أى ناحية ننظر بها إلى البيانات التاريخية فإننا لا نجد أن عدد أناجيل الأبوكريفا يمكن أن يصل إلى هذا الحد.

لكن ما الذي نعرفه بالفعل عن أناجيل الأبوكريفا هذه؟ إننا في الحقيقة نعرف عنها كمّا لا بأس به، وسوف نقوم في الجزء التالي بمعاينة بعض من النماذج التى تمثل أناجيل الأبوكريفا لكي نرى ما تقوله حقآ عن يسوع.

أن العشرات من أناجيل الأبوكريفا لم تكن موجودة في وقت أو في آخر، والقليل منها معروف بالاسم فقط، والبعض منها توجد منه اجزاء متفرقة؛ بينما البعض الآخر قد بقيت نسخ كاملة منه.7

ومن الواضح ان البعض منها قد قصد به أن يكمّل الأناجيل القانونية، بينما البعض الآخر كان المقصود منه أن يحل محلها بصورة ليسوع تختلف عن يسوع المذكور في الأناجيل الأربعة. وسوف ننظر في أمثلة لذلك في نوعين من أناجيل الأبوكريفا، وهما أناجيل الطفولة، وما يطلق عليه أناجيل الغنوسية.

أناجيل الطفولة

بالرغم من أننا نفرّق بين أناجيل الطفولة والأناجيل “الغنوسية”، ففى كثير من الأحيان ينتمي النوع الأول إلى الثانى. ولكن الدوافع لكتابة أناجيل الطفولة كانت اوسع من الوافع التى كانت تسعى لتقديم نظرة طائفية عن يسوع. فالإثارة والمتعة كان يبدو أنها قوة دافعة. “كانت هذه النصوص هى الآعمال الشهورة للأتقياء على مدى عدة قرون قرون. “8 إن من تأثروابالفكر الغنوسى كانوا يرون يسوع على أنه ليس بشرآ حقيقيآ ولكن كشخص كامل النضج وهو لا يزال طفلآ. وحكمة هذا الطفل العميقة أثرت على جميع أعماله وأنشطته، فكان يمكنه أن يجرى المعجزات عندما يريد، حتى لو كانت هذه المعجزات ذات قيمة ضئيلة.9

إن أقدم أناجيل الطفولة هى “بروتيفانجيليوم” أو الأنجيل البدائى ليعقوب، وإنجيل الطفولة لتوما 0ليس هو نفس أنجيل توما الذي سوف نناقشه فيما بعد). ويؤرخ معظم العلماء هذه الكتب على أنها كتب في النصف الثانى من القرن الثانى. كما توجد بعض الأناجيل الاحقة التى تبنى على هذين الإنجيلين الأولين، بما فيها إنجيل متى المزيف، وإنجيل الطفولة العربى، وأرندل 404، وتاريخ يوسف النجار.10

يتحدث إنجيل “بروتيفانجيليوم” ليعقوب، عن مريم أم يسوع أكثر مما يتحدث عن يسوع. إنه بلا حرج، عمل كان يقصد به تمجيد مريم. وحيث أنه ربما كان أقدم أناجيل الطفولة، فإنه يظهر ضبطآ للنفس أكثر من بقية الأناجيل الاحقة. فلا تزال هناك أحداث مميزة في حياة مريم ويسوع تذهب إلى ما هو أبعد من الوصف المحافظ الموجود في الأناجيل القانونية.

فمثلآ، كانت مريم مكرسة في الهيكل منذ الطفولية؛ وكانت “تتغذى مثل الحمامة وتتلقى الطعام من يد ملاك” إلى أن اصبحت في الثانية عشرة من عمرها.11 ويتوسع البروتوفانجيليوم ليعقوب في الروايات الخاصة بالطفولة المذكورة في أناجيل متى ولوقا، مالئآ التفاصيل بالخيالات المثيرة. ومن الواضح أنه كان مبنيآ على اساس إنجيل متى ولوقا ولكنه يضيف الكثير من المواد الشيقة المثيرة.

فى إنجيل الطفولة لتوما، يّرى يسوع على أنه طفل مدلل،غير متحكم فيه، متوحش، ولكن هناك أناجيل طفولة أخرى تصوّر يسوع أيضآ بطريقة سخيفة فكرّ مثلآ في العبارات التالية التى وردت عن يسوع في تلك الأناجيل:

-إنجيل الطفولة لتوما 3: 1-3، يدعو الطفل يسوع (عندما كان في الخامسة من عمره تقريبآ) أحد رفاقه في اللعب “وقحاً ومغفلً وغير تقي” عندما بعثر الطفل بعض الماء الذي كان يسوع بصورة ما قد “جمعه معا”. وعندما ارتعش الطفل ومات في مكانه عند أمر يسوع.12

-إنجيل الطفولة لتوما 4: 1-2، عندما اصطدم صبي بدون قصد بيسوع، أعلن يسوع قائلآ، لم تمضي في طريقك كما كنت، “وفى الحال سقط الصبي ومات. فشكا بعض القروبين ليوسف، طالبين منه أن يأخذ أسرته ويرحل قائلين، “حيث أن لديك طفل مثل هذا فلا يمكنك أن تعيش معنا في القرية، وإلا فعلّمه أن يبارك وألا يلعن، لأنه يقتل أطفالنا.”13

-إنجيل الطفولة لتوما 5: 1-3، عندما وبّخ يوسف يسوع على هذه الأمور، قام يسوع بإنزال العمى بمتهميه ووبخ يوسف قائلآ، “لا تغيظنى”.14

-إنجيل الطفولة لتوما 7:2، مرة أخرى، عندما كان يسوع في الخامسة من العمر، فإن زكا، معلمه اليونانى، ادّعى قائلآ، “إن هذا الطفل ليس من الأرض؛ فإنه يستطيع أن يروّض حتى النار. ربما كان موجودآ حتى قبل خلق العالم. “15 وكانت هذه العبارة التى قالها زكا هى رد فعله عندما فك يسوع غموض وأسرار الأبجدية اليونانية أمام عينيه. ويبدو إن إنجيل توما قد تناول ما قد أهمله إنجيل الطفولة لتوما في رؤيته ليسوع “كرجل غامض”.

-إنجيل الطفولة لتوما 14: 3، خاف الناس من الصبي يسوع، وفى أحد المرات أخبر يوسف مريم قائلآ، “لا تجعليه يخرج من الباب، لأن كل من يضايقه يموت.”

-في إنجيل الطفولة العربى، الذي كتب في القرن الخامس أو السادس، نقرأ عن الصبي المؤذى يسوع. ففى إحدى الأيام، ذهب يسوع إلى ورشة صباغة، ووضع كل الملابس في مرجل ملئ بالصبغة الزرقاء مما أدى إلى تلفها. عندما أكتشف صاحب المصبغة هذا الأمر، ذهل وقال ليسوع، “ما الذي فعلته بى يا ابن مريم؟ لقد أفسدت سمعتى في عيون كل المدينة، لأن كل واحد يطلب لونآ خاصآ به، ولكنك أتيت وأفسدت كل شئ. “ولكن الطفل يسوع يجيب، “سوف أغير لك أى لون للملابس ترغب في تغييره. ” وعندما قام يسوع بهذه المعجزة، دهشوا أهل القرية وسبحوا الله.16 وهكذا فأنه بخلاف أية معجزة ذكرت في الأناجيل الأربعة، قام كى م هو بصنعها.

-فى مكان آخر في نفس إنجيل الطفولة، حوّل يسوع رفاقه في اللعب إلى ماعز، ثم أعادهم أطفالآ مرة أخرى! ومن الواضح أن هؤلاء الأطفال لم يهمهم ما حدث في الحالتين، لأنهم بداوا “يقفزون حوله” عندما كانوا ماعزآ.17

– متى المزيف، وهو عمل تمت كتابته ما بين القرنين الثامن والتاسع، كان له تأثير هائل في تصوير فن العصور الوسطى ليسوع ومريم. فمثل البروتوفانجيليوم ليعقوب، كان إنجيل الطفولة هذا يعظّم مريم. كما كان يصوّر الطفل يسوع على أنه في تمام النضج في تفكيره، وقادر على صنع المعجزات، وعميق الأهتمام بوالدته. فالطفل يسوع، بينما كان يهرب إلى مصر مع يوسف ومريم، نجده يتحدث كبالغ يجرى العديد من المعجزات، حتى أثناء حمل والدته له عبر الصحراء.

فمثلآ، شكى يوسف ليسوع من الحرارة الشديدة التى لا تحتمل، فأجاب يسوع، “لا تخف يا يوسف؛ سوف أقصر رحلتك، فما كان من المفترض أن تعبره في ثلاثين يومآ، سوف تنجزه في يوم واحد. “18 وهكذا تحقق النبوة والمعجزة معآ.

إن مثل هذه القصص الغريبة والسخيفة، لا تحقق بالتأكيد العدل ليسوع التاريخى. فهل هذه حقآ من الأناجيل التى يمكنها أن تنافس الأناجيل القانونية لكى تدمج معها ضمن الأسفار القانونية، كما يدّعى براون؟ إن المشكلة في رؤية مثل هذه الأناجيل على أنها تنافس الأناجيل القانونية بأية صورة تكمن في ثلاثة أمور:

(1) أنها متأخرة، في بعض الأحيان بعدة قرون عن الأناجيل القانونية.

(2) بالرغم من أن البعض منها كان مشهورآ بين الناس، إلا أن الكتّاب الآباء أدانوها بوصفها كانت تقدم وصفآ خاطئآ ولا يليق بيسوع الحقيقى، فكان من الواضح جدآ أنها ساذجة وغير حقيقية بطريقة ملموسة.

(3) كانت في المعتاد تحوي أفكاري بأن المسيح يبدو فقط أنه إنسان، أو حتى أفكارآ غنوسية.19 وبهذه الطريقة فإنها لا ترى يسوع من أية ناحية على أنه إنسان حيقى تطور ونما بصورة طبيعية، ولكن ككائن فوق طبيعى ولدّ ولديه بالفعل قوى للفكر الناضج وقدرة على صنع المعجزات، حتى المعجزات المؤذية.20 وهكذا فقد كانت الأناجيل غير مستقيمة العقيدة لأنها قللت بصورة كبيرة من بشرية يسوع بينما رفعت من ألوهيته.

يجادل براون بأن شكل الأسفار القانونية قد أملاه قسطنطين، الذي “قام بالتكليف بعمل وتمويل كتاب مقدسالبش جديد، يحذف أناجيل الأبوكريفا التى تتحدث عن السماتية للمسيح، وأقام تلك الأناجيل التى جعلته إلهيآ.

ولذلك فقد تم تجميع أناجيل الأبوكريفا القديمة المحظورة وأحرقها. “21 إنه بالتأكيد لم يكن يتحدث عن أناجيل الطفولة التى نمّقت روايات الأناجيل القانونية، وجاءت بعد الأناجيل القانونية، وأكّدت عن ألوهية يسوع أكثر من بشريته. في الحقيقة، إن الأمر الملحوظ بشأن الأناجيل القانونية، عندما تقارن بأناجيل الأبوكريفا الطفولية، وهو الأنضباط العائل فيها.

لكن ربما توافق المجموعة الثانية من أناجيل الأبوكريفا وصف براون، لأن تلك الأناجيل الطفولية بالتأكيد لاتوافقه.

ما يطلق عليه الأناجيل الغنوسية

تعرف عدد من اناجيل الأبوكريفا باسم “الأناجيل الغنوسية”، أو أناجيل ملحق الغنوسية، أو الأناجيل التى بها على الأقل اتجاهات غنوسية.22 كان الغنوسيون عبارة عن مجموعة من المسيحيين الزائفين الذين يعرفون على أن لديهم (1) التزام بثنائية راديكالية مضادة للكون والتى فيها يكون كل ماهو مادة- سواء العالم أو الجسد – يرى على أنه شر.”(2) نظرة للروحانية ساوت بين المعرفة – خاصة المعرفة السري – والخلاص.24

ويبدو أن الغنوسية قد تأثرت بالهرطقة التى كانت تعلّم أن يسوع كان إلهآ ولكنه ليس إنسانآ. لكن أكبر مشكلة في تعريف الغنوسية تتعلق بتاريخ المادة: فكلما كانت المادة أقدم كلما قلّ فيها ما يطلق عليه “السمات المميزة.” ومع ذلك فإن الزهد (إنكار الذات إلى أقصى حد وأسلوب الحياة المتقشف)، وثنائية المادة والروح، والتركيز على المعرفة السرية على أنها الطريق للخلاص، كل هذه الأمور كانت جزءآ من الغنوسية منذ البداية.

وفى نفس الوقت، قد لا يكون هناك مبرر لتصنيف إنجيل معين على أنه غنوسى، ففيما يخص الهدف الذي نرمى إليهنلا يهم ما إذا كانت أناجيل الأبوكريفا هذه من الأعمال الغنوسية أم لا.

لكن بغض النظر عن الاسم الذي نطلقه عليها، فإن انحرافها عن التعليم المستقيم، وتاريخها المتأخرن وعدم قبولها في الكنيسة القديمة جعلتها جميعآ غير صالحة لكى تدمج ضمن الأسفار القانونية. ولا زال بعض العلماء اليوم يشيرون إلى هذه المجموعة من أناجيل الأبوكريفا على أنها غنوسية، بينما يعارض البعض هذا المصطلح من كل جهة. وهكذا فإننا سنشير إلى أناجيل الأبوكريفا، التى يشك في تعريفها، بمصطلح “الأناجيل الغنوسية” في استشهاداتنا.

“بالرغم من أن الغنوسيين أنفسهم دعوا معظم كتاباتهم “أناجيل” وألّفوها نوعآ ما على أنها مقابلة أو مناقضة للأناجيل القانونية لمعارضيهم في الكنيسة العظيمة، إلا أن أناجيل الأبوكريفا هذه غير سرية في أسلوبها بصورة ملحوظة. “25 إن السبب الأساسى في افتقار الأناجيل “الغنوسية” للسرد هو أن لديها اهتمام قليل ببشرية المسيح. فنظرتها للروح على أنها خير وللمادة على أنها شر تعنى أن ما يمكنهم أن يقتطفوه من حياة يسوعسالومى المكانة الأعلى هو كلماته أكثر منها أفعاله.26

وحتى الآن فإن أكثر الأناجيل “الغوسية” سوءآ للسمعة هو أنجيل توما. فبالرغم من الأشارة إليه في كتابات ىباء الكنيسة، إلا أنه لم يعرف بوجود نسخة من إنجيل توما في نجع حمادى هى باللغة القبطية، رغم أنها ربما كانت مبنية على نص يونانى أقدم. ويرجع معظم العلماء النسخة الأصلية من إنجيل توما إلى حوالى منتصف القرن الثانى، رغم أنه من الممكن أن تعود إلى زمن أسبق نوعآ ما.27

ربما يمكن وصف إنجيل توما بأفضل صورة على أنه “ملحق للغنوسية” أكثر منه غنوسية كامله في تعاليمه. “لكن على الرغم من أن الكثير من الأقوال بها اتجاه غنوسى، إلا أن الروحانية العملية التى يعلّمها ليست تلك التى لا يمكن الدفاع عنها في المسيحية عامة.”28

أما الأناجيل الأخرى مثل أناجيل فيلبس ومريم وبطرس والمصريين، فهى أيضآ غنوسية أو ملحقة بالغنوسية، أو تشبه الغنوسية، لكن لم يكتب أى منها قبل القرن الثانى. إلا أن اتجاه هذه الأناجيل نحو التقشّف والزهد قد أنتج اشمئزازآ من الزواج والعلاقة الجنسية الحميمة وإنجاب الأطفال. في مثل هذه الوثائق، تم رفع شأن مريم وسالومى ونساء أخريات كتلاميذ ليسوع. (لم تكن مريم فقط هى الأنثى الرائدة في التلاميذ في هذه الأناجيل.

ففى إنجيل المصريين، تنال سالومى المكانة الأعلى.29) فلماذا تم تصوير هؤلاء النسوة بتلك المكانة البارزة في هذه الأناجيل؟ لم يتم رفع شأنهن بسبب علاقتهم الحميمة بيسوع – خاصة العلاقة الجنسية – كما يزعم براون وآخرون – ولكنهن نلن تلك المكانة لأنهن كنساء كنّ نموذجآ للرجال في تمثيل معنى العزوبية والتقشف كتلاميذ. نفس تلك الأناجيل التى شجعت الأمتناع عن الزواج، كان من الصعب أن تعزز فكرة العلاقة الجنسية الحميمة بين يسوع واية امرأة.30

لفترة زمنية معينة، تم أعتبار عدد قليل من أناجيل الأبوكريفا هذه قانونية مؤقتآ في بعض أجزاء من الكنيسة.31 ولكن في الوقت المناسب عندما حل الضطهاد، تم رفضها.

فما الذي أدى إلى أن تقوم الكنيسة الأولى في النهاية بأستبعاد مثل هذه الكتابات؟ لقد كان المحفّز الأساسى لهذا الأمر هو اضطهاد المسيحيين على يد الأمبراطور دقلديانوس. يصف الكتّاب هجوم دقلديانوس لفترة ثمانية أعوام على الكنيسة (303-311) على أنه “آخر حرب أبادة شنتها الوثنية ضد المسيحية. “32 لقد كانت بالفعل حملات دامية وعم فيها الدمار الدمار الشامل للكتب المقدسة للكنيسة.23 ولقد كان لهذا الأمر بالتأكيد تأثير قوى على المسيحيين في تفكريهم بتحديد ما بنتمى للأسفار القانونية بالحق.

عندما كانت العسكر الأمبراطورى يطرق الأبواب ويطلب من المسيحيين أن يسلموا كتبهم المقدسة، أصبحت مسألة ضمير أن يقرر المسيحيون ما غذغ كان عليهم أن يسلموا إنجيل يوحنا كما يسلمون مثلآ إنجيل توما أم لا، بدون أن يتكبدوا ذنب تدنيس المقدسات. في مثل هذه اللحظات الحاسمة كان معظم المسيحيين بالطبع يعنون بتحدبد أى الكتب التى كان عليهم أن يتمسكوا بها ويكونون مستعدين للألم لأجلها على اسس قوية.

ربما يمكن أن نقول إن الإضطهاد الذي أوقعه دقلديانوس قد أعطى اللمسة التى بها أصبحت العناصر، التى لم تكن من قبل واضحة بشأن الأسفار القانونية، أكثر تبلورآ وثباتآ.34

وهكذا فبالرغم من أن بعض قطاعات الكنيسة قد انشغلت على نطاق لفترة مؤقتة ببعض كتابات الأبوكريفا، إلا أن النيران المطهّرة للاضطهاد قد فصلت في الأمر. الذي يرغب في أن يعاقب لامتلاكه كتابآ ليس بكتاب مقدس حقيقى؟ الجدير بالذكر أنه “خلال الاضطهاد الذي قام به دقلديانوس، قام مينسوريوز، أسقف قرطاج، بغخفاء نسخة م اكتب المقدسة في مكان آمن، وبدلآ منها قام بتسليم “الكتابات الهرطقية الجديدة” إلى الحكّام.35 وبلا شك أن أعملآ مشابهة في أنحاء الأمبراطورية.

فما الذي جعل مثل أناجيل الأبوكريفا هذه اقل شأنآ بصورة واضحة؟

أولآ: كما ذكرنا مرارآ من قبل، لقد كانت اعمالآ حديثة؛ وهكذا فإنها لم تكن تحمل بصمة القدم. “عامة، تظهر هذه الأناجيل معرفة أقل بتضاريس فلسطين وأعرافها، بخلاف الأناجيل القانونية – وهذا هو ما يتوقعه المرء من الظروف والتاريخ الذي تمت فيه كتابة مثل هذه الكتب. “36

ثانيًا: الكثير منها، لم يكن معظمها، كان بها اتجاهات غنوسية، والبعض قد يكون بها وثائق غنوسية كاملة، أى أنها كانت تركز على ألوهية المسيح على حساب بشريته. وأكثر من ذلك فقد انحرفت عما كان معروفآ عن يسوع في كثير من النواحى الأخرى. “إن الوثائق الغنوسية لا تمثل أقدم المصادر ولا أكثرها أصالة عن يسوع وأتباعه.بل في الحقيقة تمثل ابتعادآ عن المصادر الأولى بطرق متنوعة، بما فيها لاهوت الخلق والفداء. فلم تكن الغنوسية فقط منافية للتيار الأساسى للمسيحية، بل أنها كانت مخالفة لليهودية أيضآ.”37

ثالثاً: لقدكانت بوجه عام أناجيل غير سريةن مقدمة مقتطفات من تعاليم يسوع بدون سياق. وقد جعلها هذا الأمر أكثر صعوبة في التفسير- أو على الأكثر جعل من السهل على المرء أن يأخذ كلمات يسوع بأى مفهوم يغب فيه، مما فتح الباب واسعآ لكل أنواع التعاليم والأفكار غير القويمة عن يسوع.

رابعاً: إنها عندما كانت تقوم بوصف سردى، كانت في معظم الأحيان تزخرف وتجمّل وصف الناجيل القانونية، وفى بعض الأحيان كان وصفها غريبآ عنها تمامآ. لكن مثل هذه الزخرفة تظهر أن أناجيل الأبوكريفا كانت لاحقة، لأنها كانت معتمدة على الأناجيل الأربعة. كما أنها ببساطة لم يكن فيها الانضباط أو طاب احق، أو عدم الدفاع المتكلّف عن المسيحية الذي كانت الأناجيل القانونية تظهره.

خامساً: إنها كانت تميل غلى تعزيز قيمتها بالأدعاء الواعى بأن كتّابها هم من الرسل. وكما رأينا، أن الناجيل القانونية كانت جميعها مجهولة الكاتب في البداية، ولكن الكثير من أناجيل الأبوكريفا كانت تزعم التأليف الرسولى. إن هذا الأختلاف الواضح بين الثنين يفترض أنها كانت بهذه الوسيلة تحاول أن تحظى بالقبول السريع من الكنيسة.

لكن حيث أنها لم تكن وثائق من القرن الأول، كان يجب القيام بعمل ما لكى يجعلها تحظى بالقبول، والأدعاء بأنها كانت مكتوبة بواسطة أحدى الرسل كان ببساطة هو بطاقة العبور لتحقيق ذلك. ولكن في الوقت المناسب، استطاعت الكنيسة أن تلفظها وتعلن أنها كتابات هرطقية، أو على الأقل، غير قانونية.

فيما يلى بعض الأمثلة لما كانت تقوله أناجيل الأبوكريفا هذه، ويمكنك أن تحكم بنفسك ما إذا كانت تحمل طابع الأصالة أم لا.

– يتجه إنجيل توما عن وعى إلى مجال لا يمكن التحقق منه، وهذا لأنه يزعم أنه يتكون من اقوال سرية ليسوع أعطاها لتوما فقط. فتقول أفتتاحية هذا الأنجيل، ” هذه هى الكلمات السرية التى تكلم بها يسوع الحى ودوّنها ديديماس يهوذا توما. ” ويرى بوضوح أنها بدايات الغنوسية من الكلمات الأولى: “وقال (يسوع)، “أن من يجد تفسير هذه الأقوال لن يذوق الموت. “38 وفيما بعد، بعد أن قام التلاميذ مقارنة يسوع مع بالآخرين، يعلن توما، “أيها المعلم، إن فمى يعجز عن أن يقول من تشبه.”

وعندما قال توما هذا،” أخذه يسوع جانبآ وتكلم إليه بثلاث كلمات. وعندما عاد توما إلى رفقائه، سالوه،”ماذا قال لك يسوع؟ “فقال لهم توما،” إذا قلت لكم واحدة من الكلمات التى قالها لى، سوف تلتقطون احجارآ وتلقونها علىّ، وعندها ستخرج نار من الأحجار وتحرقكم.”39 هذه الكلمات لا تشبه كلمات الأناجيل القانونية، حيث كانت تعاليم يسوع موجّهة للكثير من التلاميذ.

 – في إنجيل توما 22، يتحدث يسوع ضد الزواج، فيقول: “عندما تجعلون الاثنين واحدآ، وعندما تجعلون الداخلى مثل الخارجى، والخارجى مثل الداخلى، والأعلى مثل الأدنى، وعندما تجعلون الذكر والنثى واحدآ، بحيث لا يصبح الكر ذكرآ، ولا الأنثى أنثىن عندما تجعلون العينين في مكان أى عين، واليد في مكان اليد، والقدم في مكان القدم، والصورة مكان الصورة، عندها ستدخلون ملكوت السموات.”

– يتضمن إنجيل توما، مثله مثل بقية الأناجيل غير السردية، العديد من أمثال يسوع المربكة، وهذا بالتحديد لأنها لم توضع في إطار أى سياق. فمثلآ، يقول المثل رقم 105:”قال يسوع،”أن من يعرف أبآ وأمآ يدعى ابن بغيّ.” ويقول المثل رقم 108: “قال يسوع،” إن من يشرب من فمى سيكون مثلى، وأنا سأكون ذلك الشخص، والأمور المخفية سوف تعلن له.” كما يقول المثل رقم 74، “يارب، هناك الكثيرون يقفون حول جرن الشرب، ولكن لا احد في البئر.” مثل هذه العبارات بدون سياق مكّنت القراء من تعويج معناها لأى شكل يريدونه.

– ربما أسوأ قول في أنجيل توما هو القول الأخير، في المثل رقم 114، والذى  يقول:” قال لهم سمعان بطرس، “دعوا مريم تتركنا، لأن النساء غير مستحقات للحياة.” فقال يسوع،”نظروا، إنى سأقودها بحيث أجعلها ذكرآ لكى تصبح هى أيضآ روحآ حية، تشبهكم أنتم الرجال. لأن كل أمرأة تجعل نفسها ذكرآ سوف تدخل ملكوت السموات.” نجد هنا بوضوح الاتجاه نحو الزهد والتقشّف والذى وجد موطنه في الدوائر الغنوسية، كما نجد اتجاهآ نحو المرأة يتفق مع الإطلاق مع الصورة الكتابية عنها.

– أما في إنجيل بطرس، الذي ربما يكون قد كتب في منتصف القرن الثانىن40 فيزخرف رواية القيامة كالآتى: “عندما رأى الجنود ذلك (أن الحجر قد تدحرج عن مدخل قبر المسيح)، أيقظوا قائد المائة والشيوخ، لأن هم كانوا هناك أيضآ للحراسة. وبينما كانوا يحكون ما قد رأوه، رأوا ثلاثة رجال يخرجون من القبر، أثنان منهم كانا يسندان الآخر، وصليب يتبعهم، ورأس هاذين الاثنين كان يصل إلى السماء، ولكن ذلك الذي كانوا يقودونه كان يتعدى السموات.41 إن هذا النوع من الزخرفة الغريبة لا يحدث أبدآ في مكان من الأناجيل القانونية.

– وفى “إنجيل” آخر من القرن الثانى، إنجيل مريم، يرى يسوع بوضوح على أنه أكثر من مجرد إنسان. وفى هذا الكتاب، يقول يسوع إن “ابن الإنسان هو فيكم.”42 وهذا يذكّرنا بتعليم بولس بأن المسيح المقام سوف يسكن في المؤمنين، ولكن هذا ليس شيئآ يمكن أن يوجد في الخدمة الأرضية ليسوع كما هى مذكورة في الأناجيل القانونية.

– إن ما يثير التساؤل، أننا ربما يمكننا أن نرى نظرة أكثر استقامة لمريم في هذا الإنجيل: “ولكن أندراوس أجاب وقال للأخوة (والأخوات)، “أخبرونى، ماذا تقولون بشأن ما قالته؟ إننى عن نفسى لا أؤمن أن المخلص قال ذلك، لأن هذه التعاليم يبدو أنها تتبع مسارآ آخر في التفكير.”

فأجاب بطرس وتحدث عن نفس هذه الأمور، وفكّر في المخلص قائلآ: “على أية حال فإنه لم يتحدث مع امرأة بعيدآ عنا وليس على الملأ. فهل علينا أن نتجه جميعآ ونستمع إليها؟ وهل قد اختارها هى لتكون أعلى منا؟” (17: 10-22). 43 بالطبع، عند هذه النقطة، يتم توبيخ بطرس بواسطة كل من مريم ولاوى، حيث أنه هو وأندراوس هما الخصمان المستقيما العقيدة اللذان يجب أن يجاب على اسئلتهما! وهكذا فإن المعرفة السرية التى أودعها يسوع لعدد قليل فقط من تلاميذه تتفق مع الأتجاهات الغنوسية.

– أن الأناجيل الغنوسية ليست هى الكتب الوحيدة التى توجد بها المتعة على حساب الحق. ففى كتاب أعمال بولس، يواجه بولس فك أسد كبير في مدرج في أفسس. فيقترب بولس غلى الأسد بشجاعة، ويقوم ببساطة بتذكير الأسد بأنه قد عمّده في وقت سابق (بالطبع بعد أن نطق الأسد باعتراف الأيمان)! وعندما قام الأسد بمساعدة بولس على الهرب.

– وفى كتاب أعمال يوحنان يبدو يسوع وكأنه خارج هذا العالم. فيقول يوحنا، “أحيانآ عندما كنت أقصد أن ألمسه (أى يسوع) كنت أجد مادة وجسمآ صلبآ؛ ولكننى في أوقات أخرى عندما كنت ألمسه، كان غير ملموس وغير مادى، كما لو أنه لم يوجد على الأطلاق…وكنت كثيرآ ما أتمنى، بينما كنت أسير معه،أن أرى أثار خطواته، ما إذا كانت تظهر على الأرض (لأنى كنت أراه وكأنه مرتفعآ على الأرض)، ولكنى لم أراها ابدآ.“44

وهكذا يتضح أنه يتحدث هنا عن يسوع إلهى – وليس عن يسوع بشرى. وفى مكان آخر، كان يسوع “يقوم باستمرار بتغيير صورته، فيظهر أحيانآ على أنه صبى صغير، وفى بعض الأحيان على أنه رجل جميل الشكل؛ وفى أحيان أخرى على أنه أصلع الرأس بلحية طويلة، وفى أحيان آخرى كان يظهر على أنه شاب ذو لحية على وشك الظهور. (87-9).”45

إن مثل هذه الأوصاف الخيالية ليست لها علاقة بالمسيحية الكتابية أو المسيحية التاريخية. بل أنها مجرد قصص تم تأليفها، في أفضل الظروف، كعلكة أو كتسلية للنفس، وفى أسوأ الظروف، كأدوات للدعاية لإقناع الكنيسة بترك أصولها القويمة.

ومن الواضح أن الجماعات المسيحية الهامشية لها خططها الخاصة، والتى لم تكن لها علاقة بالرواية الكتابية.

فماذا يمكن أن نقول عن هذه الحشود من أعمال الأبوكريفيا؟ إنها أعمال مثيرة وغريبة وسرية وغير مستقيمة. كما ان الكثير منها مزورة بمعنى أن مؤلفها يتظاهر بأنه شخص آخر لكى يتم سماعه ولكى ينال المصداقية لأفكاره. وهكذا فقد تم رفضها على نطاق عام بواسطة الكنيسة القديمة، في وقت أو في آخر، على أنها أعمال غير قانونية. وفى الحقيقة فإننا كلما نظرنا عن كثبلهذه الأناجيل، كلما بدت لنا أسوأ، وكلما بدت لنا الأناجيل القانونية هى الأفضلللغاية. يلخّص لنا بروس ميتزجر الموقف بصورة جيدة فيقول:

يمكن للمرء أن يقدّر الاختلاف بين سمات الأناجيل القانونية وبين تفاهة معظم أناجيل الأبوكريفيا التى يرجع تاريخها إلى القرنين الثانى والثالث. فقد أدعت بعض أناجيل الأبوكريفا هذه تأليفها الرسولى،بينما هناك اثنان من الأناجيل القانونية الأربعة لم يكتبهما في الحقيقة أحد الرسل إلا أن هؤلاء الأربعة، وهم وحدهم، هم الذين أثبتوا أنفسهم.

والسبب الواضح بالطبع، هو أن هذه الأناجيل الأربعة تم أدراك أصالتها – الأصالة من ناحية أن الرواية التى قصوها ثبتت صحتها من الأساس بواسطة إجماع الأتفاق عليها بصورة ملحوظة، وأيضآ من ناحية أن تفسير معانيها تم الأعتراف به على نطاق واسع، بالمثل، على أنه يتفق مع إيمان الرسل وتعليمهم.

وحتى إنجيل بطرس وإنجيل توما، اللذان قد يحتفظان ببعض أجزاء مناثرة من التعليم المستقبل، يتضح تمامآ ضآلة شأنهما لاهوتيآ وتاريخيآ بالنسبة للروايات الأربعة التى أعتبرت في النهاية هى الأناجيل القانونية الوحيدة.46

معايير القانونية وأناجيل الأبوكريفا

لقد رأينا في هذا الفصل أن برهان الأصالة داخل هذه الكتب الأبوكريفية مخيب للآمال في أفضل صورة. فمادته سرية، ويسوع التى تظهره يطفو فوق سطح الأرض، ويرفض الزواج كأسلوب حياة مناسب للتلميذ، إن علاقته بالنساء زاهدة إلى أقصى حد، إلى الحد الذي تحتاج فيه النساء أن تتحول إلى رجال لكى يصبحن تلاميذه. كما أنه لا يوجد واحد من كتب الأبوكريفا له ما يشهد بأنه من أنتاج القرن الأول، بل أنها جميعآ في الحقيقة، أعمال تم تأليفها منذ القرن الثانى فيما بعده.

وهكذان فغنها عندما تزعم أنها قد كتبت بواسطة أحد الرسل، فإنها تكون بالفعل على أرض هشه بسبب نظرة الكنيسة للتزييف أو أنتحال اسم المؤلف. بل وأكثر من ذلك، لقد كان قبولها دائمآ لفترة قصيرة للغاية – هذا إذا تم قبولها على الإطلاق. كما أن الكنيسة العامة لم تثن عليها أبدآ. وأخيرآ، فأن هذه الأناجيل بها بعض سمات عدمالاستقامة والتى عرفت بأنها تسير ضد الحق الذي قد أعلن في الكتب المقدسة.

وهكذا فإنها رفضت عن حق، على الأقل على أنها غير قانونية، وفى بعض الأحيان على أنها هرطقية. إن زعم براون بأن مثل هذه الكتب تركز على بشرية المسيح ولذلك فإنها اخفيت تحت البساط، لا يتفق مع الحقائق. فالأغلبية العظمى من أعمال الأبوكريفا التى تم رفضها لم ترفض لأنها كانت تنظر نظرة متدينة ليسوع – يسوع شديد البشرية والأرضية – ولكن لأن يسوع الذي صورته لا يمكن أن يطلق عليه أنه بشر من أى ناحية.

فإن ألوهيته تم تعظيمها بشدة حتى أن آثار أقدامه لم يكن لها علامات على الرمال! إن مثل هذا التجميل الزائد للمسيح لا يمكن أن يتم تصديقه بصورة منطقية على أنه يمثّل يسوع الحقيقى التاريخى كما تعرضه الأناجيل القانونية.

وعلى النقيض من ذلك، فإن الأناجيل القانونية التى تم قبولها منذ الحقب الأولى لم تستسلم للتجميل الزائف الغريب، وأعلنت يسوع الناصرى على أنه إنسان وأكثر من مجرد إنسان في نفس الوقت.

فلو كان قسطنطين قد أختار حقآ ان يدرج الأناجيل الأربعة في العهد الجديد، راغبآ فقط في أضافة تلك الأناجيل التى رفعت يسوع إلى السماء فلابد أنه كان غير كفؤ في هذا الأمر بعينه لأنه ترك كل القصص الممتعة في أناجيل الأبوكريفا لكن الأناجيل الأربعة، من ناحية أخرى، لها علامة وطابع الأصالة بسبب قدم عهدها، واستخدامها في الكنائس، واتفاقها مع حق الإنجيل كما عرف في كل من التعليم الشفهى وفى رسائل العهد الجديد التى كانت تظهر للعيان عندما تم البدء البدء في تدوين الأناجيل الأربعة.

المسيح في الأبوكريفا – أناجيل الأبوكريفا

Exit mobile version