اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

لمناقشة نقاط أخرى في القضية: هل الله ظالم فى قصة اليشع النبى وقتل الصبية؟

قال لامب مزحة يعلم كل أصلع منا ان هؤلاء الصبيان يستحقون ما حدث لهم. فأبنائي يستحقون ان تخرج عليهم الدببة؟

اضافات لامب كالاتي:

أولا: ان كلمة صبي في العبري يمكن ان تعني مراهق او مراهق كبير بحسب قاموس براون. واستخدمت الكلمة على بنيامين شقيق يوسف. وكان في العشرينات من عمره بحسب تكوين 44: 20. وهذا بالطبع ما يقوله السياق فكيف لأطفال ان يذهبوا للغابة بمفردهم. هل يخرج اطفال الحضانة دون اشراف من الاباء او المشرفين. لكن بالطبع هم مراهقين. ومراهقين في الغابة؟ يبدوا ان حياة اليشع كانت في خطر.

ثانياً: في الولايات المتحدة لا يهم السخرية لكن بقية العالم السخرية مؤذية وتؤخذ على محمل الجد خصوصاً عندما تكون من حاكم او قائد او ملك. تعتبر اهانة شرف ويمكن ان تكون معركة بسبب السخرية حتى الموت. فينبغي الا ننظر بمنظر القرن 21 للحدث لكن في السياق الثقافي نجد ان ما فعله اليشع من غضب هو مبرر.

ثالثاً: من يدرس سياق سفر الملوك بتوسع خصوصا الاصحاحات الاتية ” 2 , 6 , 8 , 13 “سيجد ان اليشع شفي نعمان الاممي السوري. وأطعم الجياع ونقي المياة. وصلي للمرأة وولدت. واقام موتي ومنع حروب. حتى لمس العظام يصنع المعجزات بحسب ملوك الثاني 13: 21. فتميزت اعماله بمعجزات. بنعمة الهية. فسلك سلوك رحيم مثل الام تريزة وغيرها. فينبغي ان لا ننظر لمقطع واحد دون ان نري الصورة بأكملها.

رابعاً: افترض الشخص المعترض ان الرب أرسل الدببة فقتل اثنين واربعين صبي. فالنص لا يذكر ان الصبيان ماتوا لكن تمزقوا بحسب ملوك الاول 13: 24 وملوك الاول 20: 36. وهناك تسجيل لحادثتين منفصلين عن هجوم أسد. وفيه نجد ان الضحية ماتت من قبل الحيوان، وهناك اراء تختص بالترجمة السبعينية ان هؤلاء العصابة من الفتية القوا الحجارة على اليشع مما يبرر غضبه.

الرب كان يحمي عشرات الارواح من خلال اليشع في فيلم توك كروز كان انقاذ أحد الشخصيات أنقذ مئات الارواح. وبالمثل في قصة اليشع فالرب يحمي الضعفاء ويحافظ على حياتهم.

وجهة النظر طبقاً للواقع الكتابي

ما قاله لامب هو ان بالفعل الكلمة تعني مراهق وهذا صحيح قال الرابي دانيال معلقاً على النص: الآية تقول na’arim ketanim أي صبيان صغار وهذا امر غريب لان كلمة na’ar هي التي تشير الي شباب. يمكن ان يكون السبب ما ذكره الرابي Shlom Yitschaki ان المقصود الاساسي من هذه النصوص ووصفهم بالأطفال الصغار ليس العمر لكن الواقع. فهؤلاء الرجال أخلوا بوصايا الرب.

وقال راي اخر الرابي Yitschaki ان وصفهم بالصبيان الصغار في افعالهم وليس توصيفاً للعمر او السن. وهذا اسلوب كتابي. لكن الإشارة الي ان الموضوع عقاب هذا مخالف. ولتوضيح هذا كان يوجد شخص يدعي ديفيد جنكنز كان كاهناً ابن التاسعة والخمسين وكان سيكرس اسقفاً على كاتدرائية يورك. لكن سرعان ما اعترض الشعب لعدم استقامة تعليمه.

وبعد اقل من ثلاثة ايام اصاب البرق السقف الخشبي للجناح الخشبي للكاتدرائية الاثرية. فأرتأى الناس ان هذا الامر هو استجابة السماء. وتدخل وعقاب إلهي. وتزكية لآرائهم. فيتساءل فليب يانسي لماذا لم يرسل الله البرق على الكنائس المنكرة للعقائد الاساسية او المعابد الوثنية لو ان الله بهذا الفكر لكانت الارض تلألئه كشجره عيد الميلاد.

نرجع للموضوع مرة اخرى لم يذكر النص ان الامر هو عقاب من الرب. بل ذكر ان دبتان خرجتان من الوعر. ولم يذكر ان الرب اخرجهما من الوعر. فالأمر هو مجرد كارثة طبيعية وليس عقاب إلهي. وذكر كاتب سفر الملوك الثاني تمزيقهم او افتراسهم هو لاعتقاده ان الامر هو تزكية من السماء لما فعلوه مع اليشع.

فالوحي لم يلغي ثقافة الكاتب وخلفيته. بخصوص العدد 42 وكيف تأكلهم دبتان؟ بالرجوع للنص النص لا يشير الي زمن محدد او دفعه واحده مثل القول ان هناك 15 شخص غرقوا في النيل. العبارة لم تحدد وقت هل الغرق تم خلال عام ام سنتان ام ثلاثة.

إقرأ أيضًا:

God Behaving Badly? David T. Lamb

اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

“إنسان كان له ابنان”

إقرأ أيضًا: مثل الابن الضال – مينا كرم

الأخ الأصغر

يمكن على النحو الأفضل أن تُعَنوَن هذه القصة التي حكاها السيد المسيح “مثل الابنين الضالين”. فهي مسرحية قصيرة في فصلين حيثُ الفصل الأول عنوان “الأخ الأصغر الضال”، والثاني عنوان “الأخ الأكبر الضال”.

يبدأ الفصل الأول بطلب قصير، لكن صاعق. فالابن الأصغر يأتي إلى الأب ويقول: “أعطني حصتي من الميراث”. ولا شك أن المستمعين الأصلين أذهلهم طلب مثل هذا. ليس أن ثمة خطأ ما كان في توقع الابن أن ينال حصة من ثروة العائلة. ففي تلك الأيام كان الابن، عند وفاة الأب، يحصل على نصيب مضاعف لما يرثه الأولاد الآخرون. فإذا كان لأب وارثان، يحصل أكبرهما على ثلثي الأملاك، فيما يحل الأصغر على ثلث واحد.

غير أن قسمة الملكية لم تكن تحصل إلا بعد وفاة الأب. أما هنا، فالابن الأصغر يُطالب بميراثه الآن، الأمر الذي كان علامة على عدم احترام شديد. فأن يطلب هذا، ولأب ما يزال حياً، هو أشبه ما يكون بتمني موت أبيه؛ إذ إن الابن الأصغر، جوهرياً، كان يقول إنه يريد ممتلكات أبيه، لا أباه. فطالما كانت علاقته بأبيه وسيلة لأجل غاية التمتع بثروة أبيه، وها هو الآن قد سئم تلك العلاقة. إنه يريد الخروج والابتعاد… الآن. ولذا يقول: “أعطني حصتي!”.

لكن ردّ الأب هو أكثر إذهالاً بعد من الطلب. فقد كان مجتمعاً أبوياً إلى أقصى حد، فيه كان احترام الشيوخ وتوقيرهم بكل التعبيرات السخية، ولا سيما من قبل المرء لأبويه، أمرين فائقي الأهمية. وكان من شأن الأب التقليدي في الشرق الأوسط أن يرد على طلب كهذا بطرد الابن من العائلة بلا شيء سوى الضرب الفعلي. غير أن هذا الأب لا يفعل أي شيء من هذا القبيل، بل “قسم لهما معيشته” فحسب.

ولكي نفهم أهمية هذا التصرف، ينبغي أن نلاحظ أن الكلمة اليونانية المترجمة “معيشة” هنا هي الكلمة “بيوس” (Bios)، وتعني “حياة”. وقد كان ممكناً أن تُستعمل كلمة محسـوسة أكثر للدلالة أكثر على رأس المال، ولكن لم تُستعمل أية كلمة أخرى. فلم لا؟

لا بد أن ثروة هذا الأب كانت بالدرجة الأولى بالعقارات أو الأملاك غير المنقولة؛ وللحصول على ثُلث ملكيته الصافي، كان عليه أن يبيع قسماً كبيراً من الأراضي التي يملكها. ونحن، في حضارتنا الحديثة المتحركة المدنية، ربما لا نفهم علاقة أهل الأجيال السالفة بأرضهم. تأمل البيت الشعري التالي في مغناة “أوكلاهوما” (Oklahoma) لرودحز وهمرشتاين (Rodgers and Hammerstein): “نحن نعلم أننا ننتمي إلى الأرض، والأرض التي ننتمي إليها عظمية!”

ولاحظ أن البيت لا يقول إن الأرض تنتمي إليهم، بل بالأحرى إنهم هم ينتمون إليها. فهذا يُلخص ببراعة كيف كانت هويات الناس في الماضي مرتبطة فعلاً ارتباطاً وثيقاً بمكانهم، أو بأرضهم. فأن تخسر جزءاً من أرضك كان يعني أن تخسر جزءاً من ذاتك وقسطاً كبيراً من مقامك في المجتمع. ونحن جميعاً قد سمعنا قصصاً عن أصحاب مناصب إدارية مهمة ناجحين، من الرجال والنساء على السواء، استقالوا من وظائفهم نهائياً كي يعكفوا على الاعتناء بولد ضعيف محتاج. فهذا هو ما يفعله الأب. وإن لم يكن موازياً دقيقاً له.

وهكذا، فإن هذا الابن الأصغر يطلب من أبيه أن يقسم حياته قسماً. ويفعل الأب ذلك، من أجل محبته لابنه. وما كان لمعظم مستمعي السيد المسيح قط أن يروا أباً من آباء الشرق الأوسط يستجيب على هذا النحو. فالأب يتحمل بصبر خسارة هائلة للكرامة، فضلاً عن ألم المحبة المرفوضة. وفي العادة، حين تُرفض محبتنا نفضي، وننتقم، ونفعل ما في وسعنا لتقليص مودتنا تجاه الشخص الرافض، حتى لا نتألم كثيراً. غير أن هذا الأب يُبقي على محبته لابنه ويتحمل الألم الشديد.

 

خطة الأخ الأصغر

ننتقل الآن إلى المشهد الثاني من الفصل الأول. إذ ينطلق الابن إلى “كورة بعيدة” ويُبذر كل ما له بنمط حياة جامح. وبعدما هوى فعلاً إلى الوحل مع الخنازير، “رجع إلى نفسه” ورسم خطة. فهو أولاً قال لنفسه إنه سيرجع إلى أبيه، ويعترف بأنه مخطئ، وبأنه قد حُرم حق أن يكون ابنه. ولكنه ثانياً نوى أن يطلب إلى أبيه أن “اجعلني كأحد أجراك”.

إن هذا طلب محدد جداً. فالخدام كانوا يشتغلون في الملكية ويُقيمون هناك. أما “الأجْرى” فكانوا أنواعاً شتى من أصحاب الحرف والمهن يُقيمون في القرى المحلية ويكسبون أجرتهم بالعمل. ويعتقد مُفسرون كثيرون أن استراتيجية الابن الأصغر كانت شيئاً من قبيل ما يلي: لقد أهان الابن الأصغر عائلته، وتالياً أهل بلده جميعاً. وكان “ميتاً” بالنسبة إليهم، كما يصف أبوه حالته.

وقد علم الحاخامون أن المرء الذي ينتهك معايير الجماعة لا يكفي أن يٌقدم اعتذاراً، بل عليه أيضاً أن يعوض عما أتاه. فالابن ينوي أن يقول: “يا أبي، أنا أعلم أني لا أملك حق العودة إلى العائلة. ولكن إذا جعلتني متدرباً عند واحدٍ من أجْراك حتى أتعلم مهنة وأكسب أجرة، فعندئذ على الأقل يمكنني أن أبدأ بوفاء ديني”. هذه كانت خطته. وهناك، في زريبة الخنازير، تمرن الابن الأصغر على خطابه. وعندما شعر بأنه مُستعد للمواجهة، نهض وباشر رحلة العودة إلى الديار.

والآن نصل إلى المشهد المسرحي الثالث والأخير من الفصل الأول. فها هو الابن الأصغر يصير ضمن نطاق الرؤية من البيت. ويراه أبوه فيركض…. يركض إليه! وكقاعدة عامة، فإن الآباء المميزين في الشرق الأوسط كانوا لا يركضون. كان للأولاد أن يركضوا؛ وللنساء أن يركضن؛ وللشبان أن يركضوا. أما رب الأسرة، ركن الجماعة المبجل ومالك الملكية الكبيرة، فما كان له أن يركض. ما كان أن يرفع أذيال ثوبه ويعري ساقيه مثل أحد الأولاد. غير أن هذه اب يركض فعلاً. إنه يركض إلى ابنه، ويُبدي عواطفه علناً إذ يقع على عنق ابنه ويُشبعه تقبيلاً.

لا شك – على الأرجح – أن هذا الاستقبال فاجأ الأخ الأصغر على نحو مدهش. وإذ حار وارتبك، حاول أن يبسط خطة العمل التي أعدها في سبيل التعويض. ولكن الأب قاطعه، لا متجاهلاً خطابه المحضر فحسب، بل مناقضا إياه مباشرة أيضاً. إذ يقول للخدام: “هيا! هاتوا الحلة الأولى وألبسوه!” فما هذا الذي قاله؟

إن الحلة الأولى في البيت لا بد أن تكون رداء الأب الخاص، العلامة الجلية على رد المقام في العائلة. فالأب يقول: “لن أنتظر حتى تكون قد وفيت دينك؛ لن أنتظر حتى تكون قد تذللت كفاية. إنك لن تكسب كسباً الرجوع إلى داخل العائلة، بل إني سأردك. سأكسو عريك وفقرك وثيابك الرثة بأثواب منصبي وكرامتي”.

ثم يأمر بأن يُعد الخدام وليمة احتفال، الطبق الرئيسي فيها هو “العجل المسمن”. وفي ذلك المجتمع، لم تكن معظم الوجبات تشتمل على اللحم. إذا كان طعاماً فاخراً غالياً. فقد كان اللحم أغلب الأحيان يُدخر للمناسبات والحفلات الخصوصية. ولكن ما من لحم كان أغلى من العجل المسمن. فأن تقام وليمة كهذه لا بد أنه كان أمراً لا يحدث إلا في المناسبات النادرة جداً، والأرجح أن القرية كلها دُعيت. وما إن ذاع الخبر سريعاً، حتى باتت وليمة كاملة الأوصاف جارية بمواكبة موسيقا ورقص، وكان هذا احتفالاً برد الابن الأصغر إلى الحياة والعائلة والمجتمع.

يا له من مشهد غاية في الروعة! لقد كان على الأب بعد أن يعالج حالة الابن الأكبر الروحية والأكثر تعقيداً وسميّة، في الفصل الثاني من المسرحية. ولكن الفصل الأول أصلاً تحدى عقلية الاخوة الكبار برسالة مُذهلة: إن محبة الله وغفرانه يستطيعان أن يصفحا عن أي نوع وكل نوع من الخطية أو الإثم، ويردّا المرتكب التائب إلى مقامه. فلا يهم من أنت، أو ماذا فعلت.

ولا يهم إذا كنت قد ظلمت الناس عمداً، أو حتى قتلتهم فعلاً، ولا كم تعسفت على نفسك. لقد علم الأخ الأصغر أن كثيراً من الطعام كان متوفراً وفائضاً في بيت أبيه، غير أنه اكتشف أيضاً أن هناك نعمة متفاضلة. فما من ذنب لا تستطيع محبة الأب أن تصفح عنه وتستره، وما من خطية تقوى على تحدي نعمته.

فالفصل الأول إذاً يبين “الإسراف السخي” لنعمة الله. إذ يصور السيد المسيح الأب هاجماً على ابنه في محبة ليس فقط قبل أن تتاح له فرصة كي ينظف حياته ويبرهن على تغير قلبه، بل أيضاً قبل أن يتمكن من تلاوة خطاب توبته. فلا شيء، ولا حتى الندم الذليل، يستحق رضى الله. إن محبة الآب وقبوله مجانيان تماماً.

ولكن الفصل الأول، على الرغم من كل جماله، لا يمكن أن يقوم وحده. وثمة مفسرون كثيرون، إذ يُركزون على الفصل الأول حصرياً، يستنتجون أن هذا المثل يناقض التعليم المسيحي التقليدي. فهم يقولون: “انظروا! لا ذكر هنا للتكفير عن الخطية. فلا حاجة إلى مخلص على صليب يؤدي عقاب الخطية ويفي دينها. إن الله هو إله محبة شاملة يقبل كل إنسان، مهما كان”.

لو كانت هذه هي الرسالة، لكان السيد المسيح ختم الحكاية هنا. ولكنه لم يفعل هذا؛ لأن الرسالة ليست هكذا. فبينما يُبين لنا الفصل الأول مجانية نعمة الله، سيُرينا الفصل الثاني كلفة النعمة وذروة القصة الصحيحة.

 

 

الأخ الأكبر الضال

عندما يسمع الأخ الأكبر من الخدام أن أخاه قد رجع، وأن أباه أرجعه إلى مقامه السابق، يستشيط غضباً. فالآن دوره في إهانة أبيه.

لقد رفض أن يدخل إلى ما يُرجح أنه كان أكبر وليمة وحدث عام أقامهما أبوه يوماً. فإنه بقي خارج الباب، مُدلياً علناُ بصوته حاجباً الثقة عن أفعال أبيه. واضطر ذلك الأب إلى الخروج لمحادثة ابنه الأكبر، الأمر الذي يحط من قدرك أن تفعله إذا كنت سيد الدار والحقول ومضيف وليمة عظيمة. ثم راح الأب يتوسل إلى ابنه الأكبر كي يدخل، غير أن هذا أصر على الرفض.

لماذا ثار غضب الابن الأكبر بشدة؟ لقد استاء كثيراً، ولا سيما من الإنفاق الذي كان جارياً؛ فهو يقول لأبيه: “إنك لم تعطني قط جدياً لإقامة حفلة، فكيف تجرؤ أن تعطيه العجل؟” غير أن العجل المسمن ليس سوى رمز؛ لأن الأب قد بذل نفقات تخطت العجل. فبإدخاله الأخر الأصغر من جديد إلى العائلة، جعله وارثاً من جديد، له حق في ثلث ثروة العائلة (وقد تضاءلت جداً الآن).

هذا أمر شائن لا يطاق في نظر الأخر الأكبر. وها هو يجمع الأمور بعضها مع بعض. “لقد اجهدت نفسي كثيراً بالعمل الشاق، وكسبت ما نلته. أما أخي فلم يفعل شيئاً قط كي يكسب أي شيء. وبالحقيقة كان يستحق الطرد فقط، غير أنك أنعمت عليه بالخيرات! فأين الإنصاف في هذا؟” لذلك يُشير الأخر الأكبر إلى سجله. “لم أعص لك أمراً قط! فإن لي حقوقاً! ومن حقي أن أستشار بشأن هذا الأمر! لا يحق لك أن تقرر هذه القرارات من جانب واحد”.

وهكذا، فإن حنق الأخ الأكبر جعله يتمادى في إهانة أبيه؛ فهو يرفض أن يخاطبه بالأدب والاحترام اللذين توجبهما تلك الحضارة على الصغار نحو الكبار، ولا سيما في العلن. إنه لا يقول “يا أبي الكريم”، بل يباشر كلامه متحدثاً عن نفسه: “ها أنا….” وفي حضارة تُضفي أهمية كلية على احترام الكبار وتوقيرهم، يُعد سلوك كهذا شائناً. وربما كان معادل عصري لهذا التصرف في كتابة أحد الأبناء سيرة حياة مُذلة تُدمر أبيه وحياته المهنية.

وأخيراً نصل إلى العقدة. كيف سيكون رد الأب على ثورة ابنه الأكبر السافرة؟ ماذا سيفعل؟ ربما كان من شأن رجل من أهل زمانه ومكانه أن ينكر في الحال. غير أنه يستجيب من جديد برقة مُذهلة، إذ يمضي قائلاً: “بني، على الرغم من أهانتك لي علناً، ما زلت أريد أن تحضر الوليمة. لن أقدم على إنكار أخيك، ولكني أيضاً لا أريد أن أنكرك أنت.

أدعوك إلى التراجع عن كبريائك، والدخول إلى الوليمة. الخيار بيدك. أتقبل أم لا؟” وهذه مناشدة دراماتيكية سخية على نحو غير متوقع.

وهنا تعتري المشاهدين دهشة بالغة. هل يلتئم شمل العائلة أخيراً بوحدة ومحبة؟ هل يتصالح الأخوان؟ هل يلين الأخ الأكبر بفضل هذه العرض الرائع ويتصالح مع أبيه؟

بينما تخطر في بالنا هذه الأفكار كلها، تُختم القصة! فماذا لم يُكمل السيد المسيح القصة ويخبرنا بما جرى؟ ذلك لأن جمهور هذه القصة الحقيقي كان الفريسيين، الأخوة الكبار. إن السيد المسيح يتوسل إلى أعدائه كي يستجيبوا لرسالته. وما تلك الرسالة؟

سيبرز الجواب عن هذا السؤال فيما نتمهل في الفصول التالية كي نفهم النقاط الرئيسية التي يبتغي السيد المسيح أن يجعلنا ندركها هنا. وبكلمة وجيزة، يُعيد السيد المسيح تعريف كل ما كنا نحسب أننا نعرفه بشأن التواصل مع الله. إنه يعيد تعريف الخطية، وما يعنيه كون المرء ضالاً، وما يعنيه كون الإنسان مخلصاً.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

 

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

إنتصار الشهداء – دراسة عن الإستشهاد في مصر في عصر دقلديانوس

إنتصار الشهداء – دراسة عن الإستشهاد في مصر في عصر دقلديانوس (2)

إنتصار الشهداء – دراسة عن الإستشهاد في مصر في عصر دقلديانوس (2)

إنتصار الشهداء – دراسة عن الإستشهاد في مصر في عصر دقلديانوس (2)

الباحث/ جورج ميشيل أندراوس

تحدثنا في العدد السابق[1] عن عنصرين في موضوع إنتصار الشهداء وهما: محبة الشهداء للمسيح والرجاء في القيامة والحياة الأبدية. وفي هذا العدد نستكمل هذا الموضوع بالعناصر الثلاثة الآتية: مصدر قوة الإنتصار، التمثل بالمسيح، وإنتصار الإيمان.

مصدر قوة الإنتصار:

من أين أتى الشهداء بهذه القوة، حتى أنهم بقوا ثابتين غير متزعزعين أمام مضطهديهم. فهل هذه الشجاعة والجرأة كانت تعكس محبة المجد والظهور أمام جموع المشاهدين سواء في ساحات المحاكمة أو أماكن التعذيب؟ لو كان الدافع هو مثل هذه الشجاعة الكاذبة، فكيف تحملت أجسادهم تلك التجارب والعذابات؟ ثم إن كانت هذه الجرأة أو الشجاعة كاذبة أو شكلية فكيف أثروا على الوثنيين حتى أنهم إستطاعوا جذب كثيرين منهم للإيمان المسيحى؟ بلا شك إن الشهداء قد رافقتهم قوة سماوية: قوة الروح القدس، قوة المسيح المصلوب القائم من بين الأموات. إن الإنسان وحده بقواه الطبيعية، لا يمكن أن يتحمل كل هذه الضغوط والعذابات النفسية والجسدية[2]. فمن خلال قراءة سيرهم ندرك كيف أنهم كانوا يستدعون قوة الله، حتى يتحملوا الآلام ويرتفعوا فوق ضعفاتهم ومخاوفهم ويواجهوا الموت بشجاعة، ويربحوا أكاليل النصرة المُعَّدة لهم. الله كان معهم يعضدهم باستمرار. وحضور الرب[3] والملائكة، وكلماتهم المشجعة لهم كانت بمثابة تعضيد وسند في آلامهم.

لقد كانت القديسة كاترينة من هؤلاء الذين تمتعوا بحضور المسيح مع جمع من الملائكة. وكلماته لها كانت خير مشجع ومعضد: [ لا تضعفى أمام الآلام التي تنتظرك لأنى معك، لذا فإن العذابات لن تمسك ][4]. لقد تأثرت الملكة زوجة الإمبراطور حينما زارت القديسة كاترينة في سجنها دون علم الإمبراطور (وقد تنبأت القديسة لها بأنها ستنال الشهادة). وحينما أعربت الملكة عن خوفها من العذابات، شجعتها القديسة قائلة: [ طالما أن المسيح سيسكن داخل قلبك، فلن تمسك العذابات، حتى ولو عانيت قليلاً، فإنك ستنعمين بالراحة الأبدية][5].

مما سبق يتضح لنا لماذا يصف الأسقف الشهيد فيلياس الشهداء بأنهم cristofÒroi أى حاملى المسيح[6]. إن الإضطهاد الموجه للشهداء هو موجه للمسيح ذاته. وكل مَن يحارب المسيح الساكن في الشهداء فلابد أن ينهزم بسهولة لأنه يحارب الله[7]. ولقد أدركت هذه الإمبراطورة ما لم يدركه زوجها الإمبراطور، فوجهت إليه كلامها، بينما كان يعذب القديسة كاترينة: [ لماذا لا تطلق عبدة الإله العظيم، التي لم تمسسها العذابات؟ لماذا تسلك بحماقة محاربًا الله الحى؟ ][8]. ولهذا فإن القديسة كاترينة في صلاتها الأخيرة كانت تشكر الله على أنه حماها بيمينه، ولم يترك نفسها لهؤلاء الذين طلبوا أن يسحقوها في هوة الجحيم، وإنما ثبَّت أقدامها فوق صخرة الإعتراف به[9].

حينما يصف المؤرخ يوسابيوس القيصرى العذابات الوحشية التي قاساها الشهداء المصريون، معلنًا إعجابه بتحملهم النفسى وثباتهم، يؤكد في الوقت نفسه على حضور قوة المخلّص يسوع المسيح، والتي أعلنت بوضوح في الشهداء[10]. هذه القوة والنعمة هى التي أنارت للشهداء، حتى يقدموا إعترافهم بالمسيح، حينما كانوا يُساقون للرؤساء والملوك[11]. بل إن هذه القوة كانت تُصاحبها أيضًا معجزات كثيرة. كان الروح القدس إذًا ضروريًا لقبول الشهادة. فإذا كانت إستنارة الروح القدس لازمة للإعتراف بالمسيح أنه رب فكم وكم يكون تقديم الذات وسفك الدم لأجل المسيح محتاجًا لهذه الإستنارة؟ أيضًا فإن الشهداء قد ظهروا كناقصى عقل ومقاومين للحياة في عيون مضطهديهم الذين لم يكونوا مستنيرين بالروح. ولكن لم يدرك المضطهدين أن هؤلاء القديسين مملوئين من الفرح، منتصرين، ولذلك غفروا وصلّوا لمن أساءوا إليهم وعذبوهم.

إن القوة الإلهية والنعمة التي صاحبت الشهداء لم تتركهم حتى بعد استشهادهم[12]، وهذا هو سر إهتمام الكنائس بإقتناء رفاتهم، أو جزء منها، وبناء المذابح عليها أو الإحتفاظ بها في أماكن خاصة مثل المقصورات. كما أن المعجزات التي جرت من رفات هؤلاء الأبطال، كما في حالة الشهيد العظيم مارمينا، أضافت سببًا آخر لتكريم المؤمنين لأجسادهم، والإحتفاظ بجزء من متعلقاتهم، أو حتى بزيت أو بحنوط، مما قد دهنت به رفاتهم، للتبرك بها.

إن تكريم الله والمؤمنين لهؤلاء الشهداء، والذي يستمر من يوم استشهادهم وحتى اليوم وإلى الأبد، هو بالتأكيد أكبر إنتصار لهم. يؤكد القديس يوحنا ذهبى الفم أن أجساد الشهداء تحمى المدن أكثر من الأسوار الحصينة. وتصد هجوم الأعداء الظاهرين وغير المرئيين أيضًا. كما أنهم يتشفعون عند الله، ليظهر صلاحه تجاه خطايانا[13]. وقد إمتدت هذه النعمة والغلبة لأيقونات هؤلاء القديسين، لذا يتبارك بها المؤمنون دائمًا.

التمثل بالمسيح:

كان السيد المسيح مثالاً حيًا للشهداء للإقتداء به، لأنه ” تألم لأجلنا تاركًا لنا مثالاً لكى نقتفى خطواته ” (1بط21:2). ومن يريد أن يتبع المسيح، ويكون تلميذًا له، عبده، فلا يجب أن يكون تابعًا له بالاسم فقط، وإنما عليه أن يشارك في آلام معلّمه[14].

إنه لمجد وتكريم من الله للإنسان أن يشارك في آلام المسيح، حتى يستحق إكليل الشهادة، وهكذا مُدح البطريرك القديس بطرس خاتم الشهداء[15]. كما يشير القديس يوحنا ذهبى الفم إلى أنه ليس هناك أسعد من النفس التي تُحسب أهلاً أن تتألم لأجل المسيح؛ هذه الآلام المرعبة وغير المحتملة لدى البشر[16].

كان الناسك بفنوتيوس يعزى نفسه، حينما كان موثقًا في الحبس مع بعض اللصوص والمجرمين، قائلاً: إن المسيح صلب مع لصين[17]. وقبل أن يتهموا الشهداء بالسحر والبلاهة وفقدان العقل إزاء موقفهم أمام الموت، سبق أن اتهموا المسيح نفسه بأنه مختل العقل، وقالوا إنه ببعلزبول يخرج الشياطين (انظر مر21:3ـ22. مت24:12. لو15:11).

إن التمثل بالمسيح هو تمثل بالمحبة الحقيقية كما يقول القديس بوليكاربوس[18]، وهذه المحبة لم تقدم فقط للتابعين للمسيح ورعيته المؤمنين به، ولكن أيضًا للأعداء، كصالبيه الذين سامحهم وطلب من الآب أن يغفر لهم. هكذا أيضًا فإن الشهداء أظهروا المحبة لمضطهديهم، وللذين قاموا بتعذيبهم، مظهرين أنهم تلاميذ حقيقيين لمعلّمهم. حينما كان الأسقف أمونيوس متجهًا إلى مكان الإستشهاد، طلب في صلاته من الله أن يغفر لجميع مضطهديه كما توسل إليه أن يقود أريانوس الوالى للخلاص[19]. وقد أُجيبت صلاته بتوبة هذا الوالى وتحوله إلى المسيحية[20].

لقد رفض الشهداء مجد هذا العالم تمثلاً بالمسيح، كما رفضوا أن يعبدوا إله آخر غيره، وبصفة عامة تصدوا بشجاعة لكل محاولة تبعدهم عن ملكوت الله. وفي إجابة الأنبا أمونيوس أسقف إسنا على أريانوس الوالى، الذي كان يستميله للسجود للآلهة، نجده يستخدم نفس رد السيد المسيح على الشيطان في التجربة على الجبل ” .. اذهب عنى يا شيطان لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد “[21]. لقد تبع الشهداء المسيح واشتركوا في آلامه، لكى ينالوا المجد والنصرة على قوى العداء والموت (راجع رو17:8).

مما سبق نلاحظ أن الشهداء حملوا الصليب وصبروا على آلامهم، واضعين إيمانهم في المسيح الذي أعانهم في تحمل هذه الآلام. فإن كان هناك صليب، ألا توجد قيامة؟! إذًا فكما تألم المسيح داخلهم، فإنه استُعلن فيهم أيضًا بقيامته وبمجده، لأنه حيثما يوجد مجد المسيح، فإنه يرفع الشهداء فوق آلامهم[22]. لم يمنع الله الشيطان من أن يجربهم، كما فعل في حالة أيوب. والشيطان كان يأمل في أن ينهزم الشهداء الأبطال بازدياد الآلام. سمح الله بهذه الآلام؛ أن يجربهم بجروحات شديدة في أجسادهم، لكى يُظهر بكل وضوح جنون هؤلاء الجاحدين، وفي الوقت نفسه تُنسج أكاليل ألمع وأكثر بهاءً لهؤلاء الشهداء. والماكر الشرير ذهب مهزومًا في نهاية عذاباتهم نتيجة صبرهم واحتمالهم وإيمانهم بإرادة الله[23].

إنتصار الإيمان:

إن إنتشار الإيمان المسيحى وتحول الإمبراطورية الرومانية للمسيحية في النهاية كان انتصارًا كبيرًا. كما أن انتصار الشهداء، هو انتصار بقوة إيمانهم. لقد ترجمت حياتهم عمق الإيمان الحقيقى المنقوش في قلوبهم، حتى قبل أن يتم تحديد نص قانون الإيمان في المجامع المسكونية. الشهداء كانوا يجاهدون من أجل أن يبقوا ثابتين في الإيمان، محققين قول الكتاب أن أولاد الله يمكنهم أن يهزموا العالم. وبالإيمان الحقيقى يغلبونه (راجع 1يو4:5). فلم يعطوا أهمية لمراكزهم المرموقة سواء في الجيش أو في أى موقع آخر، لم يكن يهمهم فقد أموالهم أو عائلاتهم؛ بل ما كان يشغلهم بالحقيقة هو اسم المسيح والإعتراف به بقولهم: ” أنا مسيحى e…mai cristianÒj”. فكل الأشياء الأخرى كانت ثانوية بالنسبة إلى الإيمان الحقيقى بالمسيح يسوع[24].

إن تجسد كلمة الله كان هو السبب الذي قاد المسيحية إلى النصرة. كما أن الإيمان بموت المسيح الخلاصى وقيامته من بين الأموات، وأيضًا الرجاء في القيامة التي وعد بها، كانت هى الأسباب الرئيسية للحماس لدى العالم المسيحى الأول، ولنجاح كرازة بولس الرسول، وأيضًا استعداد الشهداء بشجاعة وفرح أمام الإستشهاد[25].

وفي هذا يقول القديس أثناسيوس الرسولى: [ لأنه عندما يرى الإنسان أن البشر الضعفاء بطبيعتهم يسرعون إلى الموت ويتهافتون عليه ولا يخشون فساده ولا ينزعجون من موارتهم في القبر، بل يتحدّون الموت بحماس، ولا يجزعون من التعذيب، بل بالعكس فإنهم من أجل المسيح يندفعون نحو الموت بحماس مفضلينه على الحياة هنا، أو عندما يُشاهد الإنسان بنفسه الرجال والنساء والأطفال يندفعون ويقفزون إلى الموت لأجل الإيمان بالمسيح، فمَن يكون غبيًا بهذا القدر أو مَن يكون متشككًا أو عديم العقل حتى أنه لا يدرك ولا يفهم أن المسيح الذي يشهد له هؤلاء الناس هو نفسه الذي يَهِب ويُعطى كل واحد منهم النصرة على الموت؟ إذ أنه يجعل الموت ضعيفًا أمام كل مَن يتمسك بإيمان المسيح، ويحمل علامة الصليب ][26].

هكذا نجد أن كل العذابات، والحبس، والجراح التي قاساها الشهداء كانت من أجل إصرارهم وتمسكهم بالإيمان بالمسيح. وبينما كان الشهداء مؤمنين بوحدانية الله، وبتجسد الكلمة، وصلب المسيح وموته، وقيامته من بين الأموات، فإن الوثنيين كانوا يعتبرونهم ملحدين، طالما أنهم لم يؤمنوا بآلهة الإمبراطورية الرومانية الوثنية.

يمدح القديس يوحنا ذهبى الفم شهداء مصر، حيث يُقدم تشبيهًا رائعًا يشرح به قوة إيمانهم: البعض حاصروا مدينة عظيمة، مليئة بالغنى العظيم والكنوز، فهدموا أسوارها. ووصلوا إلى خزائن الأموال، فكسروا الأبواب وحطَّموا المتاريس، وحفروا في الأرض، وفحصوا كل الأشياء، دون أن يتمكنوا من أن يجدوا الكنز ليستولوا عليه ويهربوا، هكذا حدث مع الشهداء. فإن المضطهدين وصلوا إلى أحشاءهم الداخلية، داخل أجسادهم، لكن لم يجدوا ما يستولوا عليه من كنز الإيمان الذي كان مخبأ بداخلهم[27]. وقد كانت الصلاة عنصرًا هامًا في كل مراحل المحاكمة، لكى يبقى الشهداء ثابتين في إيمانهم. خاصةً الصلاة قبل تنفيذ الحكم وقطع الرأس. في كل العذابات نجد أن الصلاة كانت لازمة جدًا حتى لا تهزمهم التجربة (انظر لو40:22).

كما أننا نجد من الشهداء القديسين مَن يستعد للإفخارستيا لكى يشترك في جسد ودم المسيح قبل الإستشهاد، كما في حالة القديس الأسقف والشهيد بسادة، والذي طلب أن يعطيه المضطهدون مهلة ليلة واحدة قبل أن يُسلم للإستشهاد حتى يستطيع أن يشترك في القداس الإلهى مع رعيته[28].

[1] انظر العدد 13 (يناير 2004) من دورية دراسات آبائية ولاهوتية ص42 ـ 46.

[2] ديمترى تسامس، سير قديسى الكنيسة الأرثوذكسية، تسالونيكى 1999، ص115 (باليونانية).

[3] القديس يوحنا ذهبى الفم يشير إلى أنه إذا كان هناك اثنان أو ثلاثة مجتمعين باسم الرب، فإنه يكون في وسطهم، حينئذٍ بالأكثر جدًا يكون بين هؤلاء الذين لم يكونوا مجتمعين باسمه فقط، ولكن تعذبوا باستمرار لأجل اسمه أيضًا. مديح على شهداء مصر P.G. 50, 697.

[4] ديمترى تسامس، استشهاد القديسة كاترينة أ:18 في كتابه سجل شهداء سيناء، تسالونيكى 1989، ص66 (باليونانية).

[5] المرجع السابق ص64ـ67.

[6] انظر يوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة 3:10:8.

[7] القديس يوحنا ذهبى الفم، مديح على شهداء مصر PG 50,695 أيضًا أع4:9ـ5 حيث قول الرب لشاول (بولس) ” شاول شاول لماذا تضطهدنى “.

[8] إستشهاد القديسة كاترينة كما سبق ص70ـ71.

[9] المرجع السابق ص72ـ73.

[10] يوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة 1:7:8، 2.

[11] راجع مت18:10ـ20.

[12] ديمترى تسامس، سير قديسى الكنيسة الأرثوذكسية، ص150 … الخ.

[13] راجع مديح على شهداء مصر PG 50, 694-695

[14] راجع مت24:10، يو20:15 أيضًا أف1:5ـ2.

[15] J.Viteau, Passion des Saints Ecaterine et Pierre d’Alexandrie Barbara et Anysia, Paris 1897, pp.69-71.

[16] مديح على شهداء مصر PG 50, 697

[17] مخطوط يونانى رقم 1660، بمكتبة الفاتيكان، ورقة 349، نُشر في Analecta Bollandiana, Bruxelles, vol. 40 (1922) P. 330

[18] بوليكاربوس، رسالة للفليبيين PG 5, 1006A

[19] انظر مخطوط رقم 638 البطريركية القبطية، تاريخ 44، ورقة 102 ظهر ـ 103 وجه، المنشور في كتاب شهداء مدينة إسنا، للدكتور أنطون خاطر، القاهرة، أورشليم 1981.

[20] انظر سنكسار 8 برمهات.

[21] مت10:4. راجع مخطوط رقم 638 ورقة 102.

[22] قارن يوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة 23:1:5.

[23] ذهبى الفم، مديح على شهداء مصر PG 50, 696

[24] انظر يوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة 6:9:8.

[25] Karl Baus, from the Apostolic Community to Constantine, London 1965, P.428.

[26] كتاب تجسد الكلمة، ترجمة د. جوزيف موريس، نشر المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 2002، فصل 4:29. انظر أيضًا فصول 2:27، 3 و 2:28، 5. أيضًا رسالة القديس أغناطيوس إلى أزمير 3، الآباء الرسوليين، منشورات النور 1982م.

[27] PG 50, 695 ويشير أيضًا في مقالة على الشهداء المكابيين وأمهم: أن الأبطال ليسوا أقوياء بحسب الجسد ولكنهم أقوياء بحسب الإيمان. فإن طبيعتهم ضعيفة ولكنها قوية بالنعمة الممسوحين بها PG 50, 619

[28] R. Graffin, F.Nau, Patrologia Orientalis, vol 3, Paris 1903, P 531.

إنتصار الشهداء – دراسة عن الإستشهاد في مصر في عصر دقلديانوس (2)

اليهود والوثنيين والآريوسيين والرد عليهم في عظة للقديس اغسطينوس عن قانون الإيمان

اليهود والوثنيين والآريوسيين والرد عليهم في عظة للقديس اغسطينوس عن قانون الإيمان

اليهود والوثنيين والآريوسيين والرد عليهم في عظة للقديس اغسطينوس عن قانون الإيمان

اليهود والوثنيين والآريوسيين والرد عليهم في عظة للقديس اغسطينوس عن قانون الإيمان سامح فاروق حنين [1]

1 ـ توطئة

رغم أن الله قد رفض اليهود كشعبه المختار، ونزع عنهم مِزيّة أن يكونوا شعب ملكوته، وأعطى هذا الملكوت لأمة أخرى تصنع أثماره ” لذلك أقول لكم إن ملكوت الله يُنزع منكم ويُعطى لأمة تعمل أثماره“(مت21:43)، ورغم أنه قد حّول بشارة الإنجيل من ” خراف بيت إسرائيل الضالة” (مت10 :6) إلى “جميع الأمم” (مت28 :19)، إلا أننا نلحظ اتجاهًا عامًا واضحًا تبناه أولاً القديس بولس الرسول عمليًا وكتابيـًا فى رسالته إلى العبرانيين وتبعه فى هذا الاتجاه جميعُ آباء الكنيسة تقريبًا، وهذا الاتجاه هو: ” الاهتمام بخلاص اليهود”.

فمن خلال كتابتهم وعظاتهم ” الرد على اليهود” أو حتى “ضد اليهود”[2] عمل الآباءُ جميعًا على اقناع اليهود بأن المسيح يسوع هو “المسيا” الذى كانوا ينتظرونه. وكما كانت مسرة القديس بولس الرسول وطلبته إلى الله لأجل إسرائيل هي للخلاص (رو1:10) كذلك كانت أيضًا مسرّة وطلبة جميع آباء الكنيسة الذين اهتموا بخلاص اليهود.

فبكل المحبة والإخلاص والإحساس بالمسئولية نحو هذا الشعب الضال حاول الآباء بكل الوسائل وبكل الأدلة والحجج والبراهين العقلية والمنطقية وبالشواهد والنبوات الكتابية اقناع اليهود بأن يقبلوا المسيح مخلصًا. عمل الآباء كذلك على تفسير نبوات العهد القديم بطريقة صحيحة، تلك النبوات التى تشير إلى كل أحداث حياة المسيح على الأرض من ميلاده حتى صعوده إلى السموات وكذلك عن مجيئه الثانى، كل ذلك بهدف جذبهم إلى الإيمان ليكون لهم هم أيضا خلاص ويكونوا “ شركاء الدعوة السماوية” (عب3:1).

من الآباء الذين أظهروا غيرة واهتمامًا صالحًا نحو اليهود كان القديس أغسطينوس الذى عاش فى القرن الرابع الميلادى وعاصر بدعـًا وتياراتٍ عديدة ضد المسيحية.

فى هذه العظة Contra Judaeos, Paganos et Arianos: Sermo de Symbolo يعيد القديس أغسطينوس ما سبق ولخصه القديس بولس الرسول قبله بحوالى400 سنة تقريبًا فى رسالته إلى العبرانيين: أن ” المسيح يسوع هو كلمة الله المتجسد”.

هذه العظة كتبها القديس أغسطينوس باللغة اللاتينية فى وقتٍ كانت تسود فيه الأفكار الآريوسية الخاطئة التى كانت تجذب المسيحيين بعيدًا عن الإيمان الصحيح وذلك من خلال الوعود والمكافآت، أو بالعنف والتهديد، أو من خلال بريق الأفكار الخاطئة التى كان يعجز الكثيرون عن مقاومتها أو الرد عليها[3].

ولذا كان جلُ اهتمام القديس أغسطينوس هو التأكيد على ألوهية المسيح، الكلمة المتجسد، ومن جهة أخرى اقناع اليهود بأن المسيح يسوع الذى أتى إلى العالم وظهر فى الجسد هو نفسه المسيا الذى كانوا يتوقعون ظهوره، والذى تكلمت عنه النبوات التى نطق بها أنبياء اليهود أنفسهم.

إن الهدف من هذا البحث هو عرض عظة أغسطينوس هذه. أولاً: نظرًا لأهميتها اللاهوتية، ثانيًا: نظرًا لأنه، حسبما وجدت أثناء اعداد هذا البحث، ليس ثمة أى ترجمة أوروبية حديثة لهذه العظة.

 

2 ـ محتوى العظة:

هذه العظة توجد فى مجموعة “كتابات الآباء باللاتينية” Migne PL مجـلد 42 الأعمدة من 1127- 1130، وهى تعتبر من الأعمال الدفاعية للقديس أغسطينوس.

تحتوى العظة على 22 ُفصَيْلاً وتتناول موضوعاتٍ عديدة نذكر منها على سبيل المثال فُصيلاً بعنوان: “السهر المسيحى”، وآخر عن “طبيعة إبليس”، وثالثًا عن “الثالوث الواحد”، ورابعًا عن “ميلاد المسيح”، وفُصيْلاً بعنوان “الرد على الآريوسيين” ..إلخ. ولكن ما يهمنا فى هذا المقام هو الفصول الثمانية من 11ـ18 وهى التى يوجه فيها أغسطينوس حديثه إلى اليهود ويورد فيها كذلك شهادات ونبوات من كتب العهد القديم ومن كتب أخرى كلها تشير إلى ألوهية المسيح. هذه الفصول تحمل العناوين التالية:

  1. الفصل الحادى عشر: نبوات من إشعياء وإرميا.
  2. الفصل الثانى عشر: نبوات من دانيال.
  3. الفصل الثالث عشر: نبوات من الناموس والأنبياء.
  4. الفصل الرابع عشر: شهادة زكريا الكاهن وسمعان الشيخ.
  5. الفصل الخامس عشر: شهادات من ُكتب الأمم.
  6. الفصل السادس عشر: شهادات من ُكتب السيفيلا.(Sibyllae) العرّافات اليونانيات
  7. الفصل السابع عشر: شهادات من السماء، والبحر، والأرض، والهاوية.
  8. الفصل الثامن عشر: شهادات من الأحداث.

 

3 ـ مكانة هذه العظة:

يبدو أن هذه العظة، رغم صغر حجمها، كانت ذات أهمية كبيرة عند الكُتّاب سواء القدامى الذين عاشوا فى زمن قريب من زمن القديس أغسطينوس مثل الامبراطور جوستنيان (527ـ565) أو عند كُتّاب العصور الوسطى مثل توما الأكوينى (1225ـ1274).

أ ـ يشير الامبراطور جوستنيان إلى هذه العظة فى رسالته التى تحمل عنوان “الرد على الثلاثة فصول”[4] ” Epistula contra Tria Capitula”، حيث يستعير الإمبراطور جوستنيان مقتطفات من عظة أغسطينوس هذه مسميًا إياها “مقال أغسطينوس عن قانون الإيمان” هكذا:

« ‘All¦ kaˆ Ð ™n ¡g…oij AÙgoust‹noj ™p…skopoj ™k tÁj tîn”Afrwn cèraj ™n tÁi perˆ toà sumbÒlou ™kqšsei taàta lšgei »1.

“أما القديس أغسطينوس أسقف بلاد أفريقيا فى مقاله عن قانون الإيمان فيقول……”

ب ـ وفى موضع آخر من العمل نفسه يستعير الامبراطور جوستنيان من تعاليم القديس أغسطينوس اللاهوتية، أى من هذه العظة، ما يتعلق بإيماننا بالمسيح وميلاده من الروح القدس ومن العذراء مريم، وكذلك ما يشير إلى طبيعة المسيح من حيث كونه إلهًا كاملاً وإنسانًا كاملاً، الأمور التى ُتعد من أهم العقائد فى المسيحية. يقول جوستنيان:

«Kaˆ Ð ™n ¡g…oij δέ AÙgoust‹noj ™n tîi perˆ tÁj ™kqšsewj toà sumbÒlou lÒgwi oÛtwj lšgei PisteÚomen e„j tÕn uƒÕn aÙtoà ‘Ihsoàn tÕn CristÕn gennhqšnta ™k pneÚmatoj ¡g…ou kaˆ tÁj parqšnou Mar…aj»[5].

“والقديس أغسطينوس فى مقاله عن قانون الإيمان يقول: نؤمن بالابن يسوع المسيح، المولود من الروح القدس ومن العذراء مريم….”.

ج ـ فى كتابه الذى يحمل عنوان ” الخلاصة اللاهوتية”، “Summa Theologica”[6] يشير توما الأكوينى إلى عظة أغسطينوس هذه فى معرض حديثه عن حالة آدم الأولى فى الفردوس حيث يقول، مستعيرًا رأى أغسطينوس: ” إن ابليس قد قـَوى على آدم الذى جُبِل من تراب الأرض وخلقه الله على صورته، وزيّنه بالتواضع، وأيّده بالعفاف، وزانه بالفرح”[7].

 د ـ فى العصور الوسطى كانت ُتقام فى الدوائر الكنسيّة احتفالاتٌ للترفيه والمرح حيث كانت تشترك فيها الرتبُ الكنسية. وكان من أهم هذه الاحتفالات ما يُعرف باسم “Festum Asinorum” “حفل الحمير”!! هذا الاحتفال ُيؤرخ له بالقرن الحادى عشر الميلادى، رغم أن مصدره أقدم من ذلك بكثير، حيث كان هذا المصدر هو عظة القديس أغسطينوس التى نحن بصددها الآن[8].

فهذه العظة للقديس أغسطينوس ُتعد بالفعل عملاً دراميًا فريدًا من نوعه؛ حيث يخاطب أغسطينوس فيه اليهودَ واضعًا نبواتهم عن المسيا المنتظر فى شكل حوار درامى نثرى، مفندًا كذلك أفكارهم على أفواه أنبيائهم، موجهًا حديثه فى النهاية إلى الأمم قائلاً: ” الآن أذهب إلى الأمم” (أع 18: 6).

وطبقًا لمخطوط Rouen من القرن الثالث عشر، الذى وصفه Ducange[9]، كان يشترك فى هذا العمل المسرحى 28 نبيـًا أو “ممثلاً”، حيث يقف فى جهة من المسرح موسى النبى، وإشعياء، وهارون، وبلعام وحماره، وزكريا وأليصابات، ويوحنا المعمدان، وسمعان الشيخ. وفى الجهة المقابلة كان يقف الأنبياء الثلاثة الوثنيون : الشاعر اللاتينى فرجيليوس، والملك الوثنى نبوخذنصر، والعرّافة اليونانية التى كانت تعرف باسم ” السيفيلا “.

كان يقود هذا العمل ممثلٌ يقوم بدور أغسطينوس، حيث كان يدعو كل نبى بدوره ليدلى بشهادته عن المسيح قائلا هكذا: ” وقلْ أنت أيضا يا …. نبوةً عن المسيح”. وعندما يأتى دور السيفيلا لتلقى أنشودتها الشهيرة، التى سوف نشير اليها أدناه، يقف جميعُ الممثلين لينشدوا هم أيضا ترنيمة للمخلّص. أما الدور الذى كان يحظى بإعجاب المشاهدين بالأكثر كان هو دور بلعام وحماره، ولذا كان هذا الاحتفال يعرف باسم “حفل الحمير”.

ونذكر فيما يلى ما ورد من كتب المؤرخين عن ” حفل الحمير” هذا:

كان فى تذكار هروب العائلة المقدسة إلى مصر يحتفلون كل عام بالحمار الذى حمل هذه العائلة هربًا من بطش هيرودس. فى هذا العيد كانوا ُيدخلون الحمار وهم ينشدون ترنيمة باللغة اللاتينية من بضع مقطوعات، وفى ختام كل مقطوعة يردد الجمعُ كله باللغة الشعبية هذه الردود المكررة :

” هيا يا سيدنا الحمار، ارفع صوتك بالنشيد، ومد به شفتيك، يا ذا الفم الجميل النضيد، سنوفيك حقك من العلف، ولك من الشعير المزيد”.

ثم كان من اعتبارهم لهذا الاحتفال أن عَمَـدوا إلى احياء أمثاله فأخذوا عن العهد القديم قصة حمار بلعام، الذى أبى أن يسير براكبه إلى لعن اليهود، فإذا ملاك كريم يتجلى للحمار معترضًا طريقه، وهنا يبالغ المحتفلون فى تمثيل ما كان من ضرب بلعام للحمار، وما كان من ألاعيب الحمار الانتقامية من بلعام ثم ما انتهى إليه الأمر أخيرًا من نطق الحمار، وما دار بينه وبين راكبه من حوار فى شرح الموقف[10].

ولقد اجتمع لهم الكثير من هذه الاحتفالات بالحمير تنويهـًا لمواقفها حتى اشتهر بين أعياد العصور الوسطى باسم “عيد الحمير”[11]. حسب اعتقادى، هذه العظة ُتعد أول نص آبائى يتحول إلى عمل مسرحى[12].

بخلاف نسبة هذه العظة للقديس أغسطينوس، ينسبها البعض كذلك إلى كاتب لاتينى اسمه Quodvultdeus الذى أرسل إليه أغسطينوس رسالة بعنوان “De Haeresibus ad Quodvultdeum” ” عن الهرطقات: رسالة إلى كوودفولتديوس ” عام 428 أو 430م[13]. ولكن الاشارات العديدة الواردة عند جوستنيان وغيره، مما أوردناه أعلاه، تؤكد صحة نسب النص للقديس لأغسطينوس.

4 ـ الرد على اليهود

بداية من الفُصيل الحادى عشر يوجه أغسطينوس حديثه إلى اليهود قائلاً:

O Judaei, qui usque in hodiernum diem negatis Filium Dei[14]

” أنتم اليهود حتى اليوم تنكرون ابن الله “.

ويذكر القديس أغسطينوس أن سبب انكار اليهود للمسيح هو أنهم لم يكتفوا بشهادته عن نفسه، مشيرًا كذلك إلى حوارهم مع المسيح، ذلك الحوار الذى سجله القديس يوحنا الانجيلى هكذا : ” ثم كلمهم يسوع أيضا قائلاً أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة. فقال له الفريسيون أنت تشهد لنفسك، شهادتك ليست حقًا.

أجاب يسوع وقال لهم وإن كنتُ أشهد لنفسي فشهادتي حق لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب وأما أنتم فلا تعلمون من أين آتي ولا إلى أين أذهب. أنتم حسب الجسد تدينون أما أنا فلست أدين أحدًا. وإن كنت أنا أدين فدينونتي حق لأني لست وحدي بل أنا والآب الذي أرسلني. وأيضا في ناموسكم مكتوب إن شهادة رجلين حق. أنا هو الشاهد لنفسي ويشهد لي الآب الذي أرسلني” (يو12:8ـ14).

هذا الحوار بين المسيح واليهود يُعتبر المحور الأساسى الذى بنى عليه القديس أغسطينوس كلامه إلى اليهود، حيث يقول بعد ذلك إنهم لم يكتفوا بشهادة المسيح عن نفسه ولا بشهادة الآب له ولا بشهادة أعماله له بل ويطلبون شهادات أكثر عن المسيح. ولذا فإنه، أى أغسطينوس، سوف يسوق لهم ليس فقط شهادتين، كما يقول الناموس ” وأيضا في ناموسكم مكتوب أن شهادة رجلين حق” بل سيقدم لهم:

Non tantum duo, sed etiam plures testes Christi, et convincant auditores Legis, nec factores. [15]

“جملة شهادات عن المسيح ليظهر لهم أنهم سامعون فقط للناموس وليس عاملين به” :

من هنا ينطلق القديس أغسطينوس فى سرد وذكر نبوات من العهدين، ومن كتب أخرى، عن الرب وعن كل أحداث تجسده تقريبًا.

أول شهادة يوردها أغسطينوس هى نبوة أشعياء النبى عن المسيح وميلاده العذراوى: ” ولكن يعطيكم السيد نفسُه آية ًها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل” (إش7: 14). ويضيف أغسطينوس على هذه النبوة شهادة الملاك جبرائيل عند تبشيره العذراء قائلاً: إن اسم عمانوئيل تفسيره: ” الله معنا”[16].

الشهادة الثانية عن المسيح تأتى من أرميا النبى الذى يقول: ” هذا هو إلهنا ولا يعتبر حذاءه آخر. هو وجد طريق التأدب بكماله وجعله ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه. وبعد ذلك تراءى على الأرض وتردد بين البشر” (باروخ37:3)[17].

بعد الاشارة إلى نبوتى هذين النبيين العظيمين، إشعياء وإرميا، يوجه أغسطينوس اللوم لليهود لرفضهم المسيح رغم أنه ـ حتى الآن ـ قد قدَّم لهم شهادة رجلين من كتبهم الخاصة، ورغم ذلك ما زالوا غير مؤمنين.

الشاهد القادم عن المسيح هو النبى دانيال. وقبل أن يشير أغسطينوس إلى نبوة دانيال يشير أولاً إلى شخص دانيال حتى لا يتشكك اليهود فى كلامه قائلاً: ” يأتى الآن القديس دانيال، ذلك الشاب العظيم فى المعرفة، ليفند كل شهاداتكم الكاذبة، وليقوى عليكم أيها الكذبة الكبار، وبشهادته يدحضكم أنتم أعداء المسيح”[18].

نبؤة دانيال التى يشير إليها أغسطينوس هى: ” وبينما أنا أتكلم وأصلي وأعترف بخطيتي وخطية شعبي إسرائيل وأطرح تضرعي أمام الرب إلهي عن جبل قدس إلهي. وأنا متكلم بعد بالصلاة اذا بالرجل جبرائيل الذي رأيته في الرؤيا في الابتداء مطارًا واغفًا لمسني عند وقت تقدمة المساء. وهمني وتكلم معي وقال يا دانيال إني خرجت الآن لأعلمك الفهم. في ابتداء تضرعاتك خرج الأمر وأنا جئت لأخبرك لأنك أنت محبوب فتأمل الكلام وافهم الرؤيا.

سبعون أسبوعًا قُضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليؤتى بالبرالأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القدوسين. فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعا يعود ويبنى سوق وخليج في ضيق الأزمنة. وبعد اثنين وستين أسبوعًا يُقطع المسيح وليس له وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس وانتهاؤه بغمارة وإلى النهاية حرب وخراب قضي بها.

ويثبت عهدا مع كثيرين في أسبوع واحد وفي وسط الأسبوع يبطل الذبيحة والتقدمة وعلى جناح الأرجاس مخرب حتى يتم ويصب المقضي على المخرب” (دا20:9ـ27).

ويسأل أغسطينوس اليهود قائلاً: ” الآن قد بُطلت مسحتكم، أليس هذا لأنه قد أتى قدوس القدوسين؟”. فالهيكل، مكان اليهود المقدس قـد هُدم، والذبيحة قد توقفت، وكذلك الكهنوت والمسحة القديمة قد انتهيا، وهى نفس النبوة التى نطق بها قديمًا دانيال. ويلفت أغسطينوس انتباه اليهود إلى أنه فى هذه النبوة أُطلق على المخلّص القادم إلى العالم لقب “المسيح” مرتين[19]، لأنه مُسِحَ بالروح القدوس[20].

ويشير أغسطينوس إلى أن اليهود كانوا يعرفون تمام المعرفة هذه النبوة، ولذا كانوا ينتظرون مجيء قدوس القدوسين، وإلاّ لماذا سألوا المسيح قائلين: ” إن كنت أنت المسيح فقل لنا” (لو22: 67) ” فاحتاط به اليهود وقالوا له إلى متى تعلق أنفسنا إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهرًا” (يو10: 24).

وفى حديث أندراوس مع أخيه بطرس يتضح أن هذه النبوة كانت تحتل مكانة هامة فى عقول اليهود: ” فقال له قد وجدنا مسيا الذي تفسيره المسيح” (يو1 :41) و” فيليبس وجد نثنائيل وقال له وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة” (يو46:1)، وفى حديث الرب مع السامرية قالت له ” أنا أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح ياتي فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء” (يو4: 25).

وينتقل القديس أغسطينوس إلى نبوة أخرى؛ وهى رؤية الملك نبوخذنصر التى فسرها له دانيال: ” كنت تنظر إلى أن ُقطع حجرٌ بغير يدين فضرب التمثالَ على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما. فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معا وصارت كعصافة البيدر في الصيف فحملتها الريح فلم يوجد لها مكان. أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيرًا وملأ الأرض كلها” (دا34:2).

يشير أغسطينوس إلى الحجر الذى ُقطع بغير يد انسان مفسرًا إياه بأنه هو المسيح نفسه الذى وُلد من العذراء مريم بغير زرع بشر، وأن الجبل هو العذراء مريم. ثم يذكر أغسطينوس بعض الآيات من الكتاب المقدس التى تشير إلى الجبل وكيف أنه يرمز للعذراء مريم هكذا: ” وتسير شعوب كثيرة ويقولون هلم نصعد إلى جبل الرب إلى بيت إله يعقوب فيعلمنا من طرقه ونسلك في سبله لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب” (إش3:2)، و” جبل الله جبل باشان جبل أسنمة جبل باشان.

لماذا أيتها الجبال المسنمة ترصدن الجبل الذي اشتهاه الله لسكنه بل الرب يسكن فيه إلى الأبد” (مز 68:68-17). ويشير أيضا أغسطينوس إلى حوار الرب مع التلاميذ عندما سألهم قائلاً: ” من يقول الناس إني أنا ابن الانسان. فقالوا قوم يوحنا المعمدان وآخرون إيليا وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء فقال لهم وأنتم من تقولون إني أنا. فأجاب سمعان بطرس وقال أنت هو المسيح ابن الله الحي.

فأجاب يسوع وقال له طوبى لك يا سمعان بن يونا إن لحمًا ودمًا لم يعلن لك لكن أبي الذي في السماوات وأنا أقول لك أيضا أنت بطرس وعلى هذه الصخرة (الجبل) أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها” (مت 16: 14-17) ويفسر أغسطينوس الصخرة هنا بأنها المسيح قائلاً: “Supra petram fundatus est Petrus”[21]، أى وعلى هذه الصخرة، أى المسيح، أُسس أيضا بطرس، الذى سيقبل الموت حبًا فى المسيح الذى سبق وأنكره أمام جارية.

يخبرنا البشير لوقا فى سفر أعمال الرسل أن بولس فى محاجته لليهود أشار مرتين[22] لنبوة موسى النبى، أعظم أنبياء اليهود، التى يقول فيها بصريح العبارة ” يقيم لك الرب إلهك نبيـًا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون” (تث18: 15). وفى الُفصيل الثالث عشر يذكر أغسطينوس نفس النبوة مرة أخرى لليهود متسائلاً: “هل يستطيع أحد أن ينكر أن هذه النبوة تنطبق على المسيح؟”، ويجيب هو نفسه قائلاً: “لا، لأن المسيح دُعى أيضًا نبيًا”، هكذا: ” فكانوا يعثرون فيه وأما يسوع فقال لهم ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه و في بيته” (مت 13: 57).

يشير أغسطينوس بعد ذلك إلى نبوة داود النبى عن المسيح، الذى من نسله جاء المسيح. نص النبوة هو هكذا: ” ينزل مثل المطر على الجزاز ومثل الغيوث الذارفة على الأرض. يشرق في أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر. ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض. أمامه تجثو أهل البرية وأعداؤه يلحسون التراب. ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة ملوك شبا وسبا يقدمون هدية. ويسجد له كل الملوك كل الأمم تتعبد له” (مز72: 6-11). يعلق القديس أغسطينوس أن هذه النبوة تشير إلى ملكوت المسيح وانتشاره فى كل المسكونة.

وقد تنبأ عن المسيح أيضًا حبقوق النبى فى صلاته إذ كشف الله له أسراره، مجيبًا على تساؤلاته. يقدّم النبي مزمورًا هو تسبحة حمدٍ ومجدٍ لله قائلاً: ” يا رب قد سمعت خبرك فجزعت يارب عملك في وسط السنين احيه في وسط السنين عَـرّف، في الغضب اذكر الرحمة”[23] (حب2:3). فأعمال الرب التى تأمل فيها النبى فجزع، كما يفسر أغسطينوس، ليست هى خلق العالم، بل، والكلام لأغسطينوس، أن الله قد ظهر فى ملء الزمان[24].

وحسب نص السبعينية التى يستخدمها أغسطينوس ” فى وسط حيوانين عُرفتَ”. فالنبوة تشير بالأكثر إلى ميلاد المسيح ولعل أغسطينوس يشير إلى نبوة إشعياء النبى ” الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه أما إسرائيل فلا يعرف، شعبي لا يفهم” (إش3:1)، لأنه بعد ذلك يشير إلى الحيوانين على أنهما الثور والحمار[25]: bos & asinus.” إلا إذا كان يقصد بين عهدين أو بين رجلين اللذان كانا يتكلمان معه على الجبل وهما موسى وايليا”[26].

Nisi aut in medio duorum testamentorum, aut in medio duorum latrorum, aut in medio Moysi et Eliae cum eo in monte sermocinantuim.

يذكر أغسطينوس نبوة أخرى لحبقوق الذى ينسحب قلبه إلى جبل سيناء ليرى الله قادمًا خلال شريعته من تيمان والقدوس من جبل فاران قائلاً: ” الله جاء من تيمان[27] والقدوس من جبل فاران[28]، جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه[29]. وكان لمعان كالنور له من يده شعاع وهناك استتار قدرته” (حب3:3).

بعد الاشارة إلى كل هذه النبوات يلوم أغسطينوس اليهود لرفضهم قبول المسيح والإيمان به حتى الآن رغم كل هذه النبوات الصريحة قائلاً لهم:

“ Ecce quomodo conveniunt sibi testes veritatis: ecce quomodo convincunt filios falsitatis. Quid si velim ex Lege et ex Prophetis omnia quae de Christo dicta sunt colligere, facilius me tempus quam copia deserit”.

” كيف لا تقبلون كل شهادات الحق هذه، تلك التى تظهر أنكم بالفعل أبناء كذبة[30]. لأنه يعوزنى الوقت إنْ أردت أن أجمع من الناموس والأنبياء كل ما قيل عن المسيح”[31].

 

 

[1] مدرس مساعد بقسم الدراسات اليونانية واللاتينية بآداب القاهرة.

[2] فى كتاباتهم التى يوجهونها إلى اليهود أو الوثنيين أو الهراطقة كان الآباء يستخدمون حرف الجر اليونانيΠρός بمعنى “إلى” وهو ما يقابله فى اللاتينيةAdversus بنفس معنى Πρός أو حرف الجر Κατά بمعنى ” الرد على، أو ضد “، وهو ما يقابله فى اللاتينيةContra بنفس معنى Κατά.

[3] Admonitio in subsequentem sermonem, Migne PL. 42, c. 1115.

[4] Epistula Contra Tria Capitula, ed. M. Amelotti, R. Albertella and L. Migliardi (post E. Schwartz), Drei dogmatische Schriften Iustinians, 2nd edn. [Legum Iustiniani imperatoris vocabularium. Subsidia 2. Milan: Giuffrè, 1973] section 6, line 1.

[5] كان الامبراطور جوستنيان يهدف إلى اشاعة الاتفاق بين المتخالفين فى العقيدة فى مجمع خلقيدونية عام 541، ولهذا رأى أنه من الواجب ادانة الكتابات النسطورية فى مجمع مسكونى. هذه الكتابات كانت خطاب لأحد المونوفيزيتيين المدعو إيباس من إديسا، وأعمال ثيودوروس من موبسوستيا، وكتابات ثيودوريتوس أسقف كيروس ضد القديس كيرلس الكبير.

هذه الأعمال الثلاثة ُعرفت فى النزاعات اللاهوتية باسم “الفصول الثلاثة” See NPNF, 2nd Ser. Vol. 3, P. 36. وقد قيل عن ذلك النزاع الشهير الذى نشب حول ” الفصول الثلاثة” إنه ملأ من المجلدات أكثر مما يستحق أن يملأ من سطور.

Gibbon, The History of the Decline and Fall of the Roman Empire, Vol.4, London1782, P.394.

[6] Epistula Contra Tria Capitula, 31, 3.

[7] St. Thomas Aquinas’ Summa Theologica, Vol. 1, 1st Pt. P(1)-Q(95)-A(3), P. 1170. 

[8] E. K. Chambers, The Medieval Stage, 2 Vols. II, London 1905, P. 53. see The Catholic Encyclopedia, Vol. I, Feast of Asses 1907, see also Edelestand du Meril, Les Origines Latines du Theatre Moderne, Pp. 179-187, Marius Sepet, Les Prophetes du Christ, Paris 1878.

[9] The Catholic Encyclopedia, Vol. 1, v. s. Feast of Asses 1907.

[10] انظر القصة كاملةً فى سفر العدد، إصحاح 22.

[11] عبد الرحمن صدقى، المسرح فى العصور الوسطى، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ب. ت. ص.ص. 160ـ162.

[12] يُنسب للقديس غريعوريوس النزينزى اللاهوتى عمل درامى بعنوان ” Χριστός πάσχων” أى ” المسيح المتألم” 

Grégoire de Nazianze, Christus Patiens [Dub.] (fort. auctore Constantino Manasse), ed. A. Tuilier, [Sources Chrétiennes 149. Paris: Cerf, 1969].

ولكن ليس لدينا معلومات كافية تشير إلى أن هذا العمل كان ُيمثل على خشبة المسرح كنص القديس أغسطينوس ونص القديس غريعوريوس النزينزى نفسه يدل على أنه ُأعد للقراءة، ولمزيد من التفاصيل انظر:

Ι. Βιβιλάκης, Θεατρική αναπαράσταση στο Βυζάντιο και στη Δύση, Ίδρυμα Γουλανδρή-Χόρν, Αθήνα 2003, σ. 32. 

[13] Nicene and Post Nicene Fathers, 1st. ser., Vol. 1, Letter 228, To His Holy Brother and Co-bishop Honoratus, P.1159. see Masami Okubo, La Licorne Et Les Prophètes: La Cathédrale De Laon Et La “Nativité Jhesu Crist” En Prose. See also: Opera Quodvuldeo Carthaginiensi Episcopo Tributa, ed. R. Braun, Corpus Christianorum, Series Latina, LX, 1976.

[14] Contra Judaeos …, PL. Vol.42, Cap. XI, C. 1123.

[15] Contra Judaeos……, PL. Vol.42, Cap. XI, C. 1123.

[16] ” هوذا العذراء تحبل وتلد ابنـًا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت 1 : 23).

[17] يشير القديس أغسطينوس إلى أن هذه النبوة لإرميا النبى رغم أنها لم ترد ضمن نبوات أرميا بل وردت فى سفر باروخ النبى الذى كان كاتب أرميا ” فدعا أرميا باروخ بي نيريا فكتب باروخ عن فم أرميا كل كلام الرب الذي كلمه به في درج السفر” (إر36 :4).

[18] نلاحظ فى هذه العظة أن أغسطينوس كثيرا ما يصف اليهود بلقب ” أعداء ” inimici ولعله يقصد أولئك الذين أشار إليهم القديس بولس الرسول كأعداء صليب المسيح : ” لأن كثيرين يسيرون ممن كنت أذكرهم لكم مرارا والآن أذكرهم أيضًا باكيًا وهم أعداء صليب المسيح” (فى 18:3).

[19] انظر كذلك مز 2:2.

[20] ” يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيرًا ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه” (أع10 : 38)، انظر أيضًا “هو أرسل ملاكه وأخذني من غنم أبي ومسحني بدهن مسحته” (مز151 :4) انظر أيضًا: “روح السيد الرب عليّ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأعصب منكسرى القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق” (إش61 : 1) و(لو4 : 18).

[21] Contra Judaeos……, PL. Vol.42, Cap. XI, C. 1123.

[22] ” فإن موسى قال للآباء إن نبيًا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون في كل ما يكلمكم به” (أع3: 22) انظر أيضًا:” هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل نبيـًا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون” (أع7 :37).

[23] يبدو أن القديس أغسطينوس يذكر نصوص هذه النبوات كما وردت فى الترجمة السبعينية، لأن تعليقه بعد ذلك على= =النبوة لا ينطبق على هذا النص. فالنبوة فى السبعينية هكذا :

“ KÚrie, e„sak»koa t¾n ¢ko»n sou kaˆ ™fob»qhn, katenÒhsa t¦ œrga sou kaˆ ™xšsthn. ™n mšsJ dÚo zówn gnwsq»sV, ™n tù ™gg…zein t¦ œth ™pignwsq»sV ”: Septuaginta: Habacuc, ed. A. Rahlfs, Vol. 2, 9th edn. Stuttgart: Württembergische Bibelanstalt, 1935.

سمعت صوتك يارب فخفت، تفهمت أعمالك فجزعت. فى وسط حيوانين ُعرفـت. فى وسط السنين ُأدركت“. وفى ترجمة الفولجاتا Biblia Vulgata قام القديس جيروم بترجمة هذا النص من العبرية إلى اللاتينية هكذا “In medio annorum” أى “فى وسط السنين”، أى أنه لم يلتزم بالنص العبرى مفضلا هذه الترجمة، من وجهة نظره اللغوية والتاريخية والروحية، على الترجمة السبعينية والترجمة اللاتينية القديمة، معتبرًا القراءة الأخرى “بين حيوانين” غير صحيحة.

ورغم هذا يقدم القديس جيروم تفسيرات لهذه القراءة الأخرى مفسرًا الحيوانين على النحو التالى: أ. كصورة للثالوث: حيث يظهر الابن بين الآب والروح القدس، ب. مشهد الشاروبيم والسيرافيم الوارد فى سفر إشعياء وهم يغطون وجوههم ويسترون أرجلهم من وجه الرب، ج. مشهد الصلبوت حيث كان الرب معلقًا بين لصين، د. العهدان القديم والجديد اللذان عُرف من خلالهما الرب.

Benedicta Ward, “ In medium duorum animalium “: Bede and Jerome on the Canticle of Habakkuk, Studia Patristica XXV (1993) Pp. 189-193.

نستنتج من هذا أن القديس أغسطينوس كان يقرأ من السبعينية اليونانية وليس من الفولجاتا اللاتينية.

[24] قارن ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة…..” (غل4:4).

[25] See Apocrypha of the New Testament, The Gospel of Pseudo-Matthew, The Ante-Nicene Fathers, Vol. 8, Edited by A. Roberts and J. Donaldson, USA 1997, Pp. 800, 801.

[26] Contra Judaeos……, PL. Vol.42, Cap. XI, C. 1123.

[27] تيمان: اسم عبرى معناه ” اليمينى أو الجنوبى” وهو إقليم يقع في الجزء الشمالى من أدوم.

[28] جبل فاران : يقع جنوب كنعان.

[29] قارن ” والكلمة صار جسدًا وحل بيننا” (يو1: 14).

[30] قارن إشعياء ” لأنه شعب متمرد، أولاد كذبة أولاد لم يشاءوا أن يسمعوا شريعة الرب” (إش30: 9)، ” أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا ذاك كان قتالا للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب” (يو8 : 44) ” من هو الكذاب إلا الذي ينكر أن يسوع هو المسيح هذا هو ضد المسيح الذي ينكر الآب والابن ” (1يو 2 : 22).

[31] Contra Judaeos……, PL. Vol. 42, Cap. XI, C. 1125.

اليهود والوثنيين والآريوسيين والرد عليهم في عظة للقديس اغسطينوس عن قانون الإيمان

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

ترى مَن هو ذلك الشاب – لو صحّ هذا التعليل الذي ذهبنا إليه – الذي سبق النسوة إلى القبر، وشاركهنّ اختباراتهن في ذلك الفجر المأثور في التاريخ لعلّنا لا نعرف. فإن إذا كان مرقص البشير قد أخفى اسمه، فلأسباب وجيهة. على أن في هذا الموقف فكرة أجرؤ على أن أبديها، وهي تحتمل كثيرً من الدرس والتمحيص.

ولو فكّر القارئ ملياً في الآيات الثماني الأخيرة من بشارة مرقص (فصل 16 آية 1: 8) ذاكراً أنها أقدم الروايات عن الحادث، يجد نفسه متأثراً بحقيقة بارزة – أعني بها خلّو القصة من أي تصريح أو تلميح إلى كيفية دحرجة الحجر من تلقاء ذاته. فإن ستاراً كثيفاً يُسدل فجأة على ختام الدفن في العصارى يوم الجمعة، ولا يُزاح إلاّ في فجر الأحد حين يُقال إن الحجر قد دُحرج. فلماذا هذا؟ ألم تعرف الكنيسة شيئاً حتى سنة 58 ب.م. عما حدث في تلك الفترة العصيبة، أم أن مرقص كتب روايته تحت ضغط كثير من التحفُّظ التمنُّع؟

هذه نقطة جديرة بالتفكير، لأن هذا التحفّظ نفسه في الإشارة إلى علّة دحرجة الحجر يبدو واضحاً في الروايات الأخرى التي رواها لوقا ويوحنا. فيقول لوقا:

“ثم في أول الأسبوع أتين (أي النسوة) إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه. فوجدن الحجر مدحرجاً عن القبر. فدخلنَ ولم يجدنَ جسد الرب يسوع”.

ورواية يوحنا لا تقل عن هذه غرابة وتحفظاً:

“وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر والظلام باق. فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر، فركضت….”.

وفي كلتا الحالتين يجيء النسوة إلى القبر، يجدن الحجر مدحرجاً، دون أن يشير البشيرون إلى كيفية حدوث ذلك. أما حين نقرأ رواية متى، نراه يقول إن ملاكاً نزل ورفع الحجر عن القبر.

والشيء المهم في الأمر حين نقرأ كتابات الأبوكريفا غير القانونية، لا نجد أي تلميح إلى أن السيد نفسه هو الذي رفع الحجر بيده، بل أجمعت كلها على أن الحجر دُحرج من تلقاء نفسه، أو أن كائنات علوية هي التي نزلت ودحرجته. ولسنا نجد في أية رواية إشارة إلى أن يسوع نفسه هو الذي دحرج الحجر.

فلماذا لم يقل أحد أن السيد نفسه، بقوته واقتداره، أزاح الحجر وأطلق نفسه من قيود القبر؟ ولماذا أجمعت كل الوثائق التي تصدّت إلى هذه القصة على أن الحجر قد دُحرج من الخارج، إما بيد ملاك أو بقوة غير منظورة؟

أراني هنا أمام حقيقة تاريخية بعيدة الغور عميقة المعنى – حقيقة ألحّت على كل كاتب وحملته أن يتخذ سياقاً آخر في حديثه. فإن دحرجة الحجر لم تُعْزَ إلى قوة الرب المقام، لأنه كان في أورشليم أناس وقفوا على بواطن الأمور التي حدثت في ساعات الظلمة التي سبقت بزوغ فجر يوم الأحد. وهذه الحقائق التي عرفها الناس حالت دون الافتراضات والمزاعم. وللتدليل على ذلك لا مندوحة من الرجوع مرة أخرى إلى قصة الحراس الغريبة المبتذلة.

بيّنتُ فيما سبق أن الكهنة ذهبوا إلى بيلاطس عصارى يوم السبت أو بعد الغسق ليلتمسوا منه أن يقيم على القبر حرّاساً – وهو تحّوط مرغوب فيه لأن رجال الشرطة خشوا أن يتطور موقف الجماهير بعد أن تزول موانع السبت وتعود إليهم حرّية العمل والقول – ولكن بيلاطس رفض هذا الطلب كما يشير إلى ذلك صراحة البشير متى. فلم يكن أمام الكهنة إلاّ مخرج واحد، وهو أن يعهدوا إلى حرس الهيكل بمهمّة الحراسة.

وهذه الحقيقة تبدو لنا بارزة في أسلوب الضمان الذي قيل إن الكهنة أتحفوا به الأفراد الذين كُلفوا بالحراسة، حيث قيل على لسان الكهنة حين علموا بخلو القبر: “وإذا سُمع ذلك عند الوالي فنحن نستعطفه ونجعلكم مطمئنين”. وإذا كان الحراس من الفرقة الرومانية، وممن أقامهم بيلاطس كما كان يُظن، فإن هذا الضمان يبدو سخيفاً بعيداً عن المنطق كل البعد، لأن عقوبة النوم في وقت أداء الواجب كانت الحكم بموت الجندي. ولم يكن في مقدور حنّان، ولا قيافا، ولا أي فرد آخر من زعماء اليهود، أن يحمي جندياً واحداً من غضب روما.

على أنه كان في سلطة قيافا بحكم وظيفته كنائب رئيس الكهنة، وصاحب الكلمة العليا في تقرير الشؤون المدنية في اليهودية، ان يحمي رجال جنده الذين رضخوا لأمره في حادث قيل أن الوالي الروماني نفض يده منه وفوض الأمر فيه إلى السلطات اليهودية. والعبارة القائلة “وإذا سُمع ذلك عند الوالي….” تبيّن عدم إمكان حدوث شيء مثل هذا.

على أن هناك دليلاً آخر أهم وأوقع يثبت صدق القصة التي دونتها الأسفار من ناحيتها التاريخية. وهذا نجده في كلمات الكهنة الأخيرة: “قولوا إن تلاميذه أتوا ليلاً وسرقوه ونحن نيام”.

تُرى ما ضرورة هاتين الكلمتين في وثيقة مناصرة للمسيحية ذاعت في طول فلسطين وعرضها، لو لم تكن تمثّل أمراً واقعاً وحقيقة فعلية في التهمة الأصلية؟ لنفرض جدلاً أنه كان لقصة إقامة الحراس عند القبر قيمة دفاعية في نظر المسيحيين الأولين، لأنها جعلت من العسير على النقّاد المنصفين أن يصدقوا خطف الجسد.

غير أن قوة هذا الدفاع إنما في بقاء الحراس ساهرين، ولم يكن للمسيحيين أدنى فائدة في حراس نعسوا إثناء الحراسة، بل إن هذه الدعوى تضرُّى بدفاعهم ضرراً بليغاً. فلماذا إذن ذكرت القصة هذه الإشارة الغريبة إلى نوم الحراس، لا في متن التهمة فقط، بل في القصة المسيحية التي روت الحادث؟

أعتقد أن حَرج الموقف ومنطق الحوادث، لم يتركا منفذاً للكهنة، لأنهم عجزوا عن الجهر بالحق كله. وقد يكون حقاً أن الحراس ناموا فعلاً من فرط الإعياء بعض الوقت في تلك الليلة المأثورة. وليس هذا بعيد الاحتمال حين نذكر أن الحراس جُردّوا على عجل من فرقة شرطة الهيكل الذين ظلوا يعملون دائبين بلا انقطاع منذ ساعة القبض على المتهم في يوم الخميس الفائت.

فضلاً عن أن السهر على حراسة بستان مهجور خارج أسوار المدينة في ساعات الظلمة، وفي ليلة من ليالي شهر أبريل، وبعد جهاد طويل لا راحة فيه، كان عملاً مملاً لا لذة فيه. وهم لم يروا أي أثر لطارق ليلي، فلا عجب أن يدركهم النعاس بعد مرور ساعات مضنية طوال.

ونحن لا نقد أن نستوثق من حقيقة الأمر، فليس بين أيدينا من الوثائق ما يحملنا على الجزم بقول. على أن هناك تلميحاً في وثيقة غامضة منسيّة، تلميحاً له عندي فيما أعتقد وزنه وقدره. جاء هذا التلميح في أثر قديم من الأسفار غير القانونية لم تبقَ منه إلاّ جُمل مبعثرة – وهو المسمى بإنجيل العبرانيين. وقد ورد بتلك الوثيقة نصّ يصف كيف ظهر يسوع بعد قيامته لأخيه يعقوب. وإليك هذا النص حرفياً:

“وبعد أن سلّم الرب ثياب الكتّان إلى خادم الكاهن، ذهب وظهر ليعقوب (لأن يعقوب هذا كان قد حلف ألاّ يذوق خبزاً من تلك الساعة التي شرب فيها من كأس الرب حتى يراه قائماً من بين الراقدين). ثم أخذ خبزاً وبارك وكسر وأعطى ليعقوب قائلاً: كُلْ خبزك يا أخي لأن ابن الإنسان قد قام من بين الراقدين”.

تُرى ما الذي يسترعي نظرنا وفكرنا في هذا العبارة الغريبة؟ أول كل شيء أن الواقعة التي تتحدث عنها يؤيدها دليلان تاريخيان، مستقلٌّ كل منهما عن الآخر. أولهما أن يعقوب هذا أخا يسوع، على الرغم من عدائه في أول الأمر، انضم إلى حظيرة الكنيسة، واستُشهد في سبيل نصرتها، على قول يوسيفوس المؤرخ الشهير.

والثاني ذلك الصوت الداوي الذي تردد صداه مدى الأجيال المنبعث من فم بولس الرسول قائلاً: “ظهر ليعقوب”. واتفاق هذه الدليلين يخلعان على العبارة التي أوردناها من إنجيل العبرانيين معنى خاصاً.

تُرى ما التعليل الصحيح لهذه العبارة المستغربة التي تقول إن يسوع سلّم “ثياب الكتّان إلى خادم الكاهن”. أهي محـض اختلاق، أم فلتة من فلتات الخيـال، أم نحـن أمام ذكرى من الذكـريات الغامضة لتفاصيل ما وقع في تلك الليلة؟ وهنا أرجو ألاّ يتسـرع القارئ في الإجابة قبل التفكير.

وإن كان هناك شيء في العهد الجديد لا يمكن لأية قوة أن تتحداه، فهو حقيقة ظهور المسيح مرات بعد موته، فلا يمكن أن تكون هذا الظاهرة الرائعة من نسج الخيال، بل أنها تعبّر عن قوة عظيمة خفيّة لم ندركها بعد، والتعليل الوحيد لها أن يسوع ظهر بشخصه فعلاً لتلاميذه أكثر من مرة.

ويدور في فكر، لا أستمده فقط من العبارة المفردة في إنجيل العبرانيين، يوعَز إليَّ أنه عند انبثاق الفـجر في ذلك البسـتان الهـادئ حـدث أمـر حمل أحد الحراس على أن يوقـظ زملاءه على عجل ليروا القبر وقد يكون ذلك الحـادث حفيفاً بين أوراق الشـجر، أو قرقعة باب حمل النسيم صوته، بل قد يكون شيئاً خارقاً أشبه بما حدث فيما بعد لبولس فأذلّه وألان روح عناده وعجرفته “ظهر لصفا…. ثم للاثني عشر…. وظهر ليعقوب…… وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا”.

فهل ظهر أيضاً أول ما ظهر إلى “خادم الكاهن” أي حارس الهيكل الذي أقامه اليهود على القبر؟

إن صحّت هذه الفكرة، فنكون قد عثرنا، ونحن لا ندري، على الجواب الصادق لسؤال من أعمق الأسئلة التي شغلت أفكار الكنيسة من عهد الآباء الأولين حتى اليوم – وهو لماذا وثق التلاميذ وثوقاً راسخاً من أن القيامة وقعت في الساعات الباكرة من صباح الأحد؟

“…… تألم على عهد بيلاطس البنطي، وصُلب، ومات، وقُبر، وقـام أيضاً في اليوم الثالث….”

هذه عبارة قانون الإيمان القديم، وما من شك أنها تستند إلى أساس تاريخي متين، تأصلت جذوره في أعماق الحق والتاريخ.

فصول كتاب من دحرج الحجر

 

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

سر القبر الفارغ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

سر القبر الفارغ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

سر القبر الفارغ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

سر القبر الفارغ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

والآن ما سرّ هذا القبر الفارغ المختوم؟ سـؤال يسـتحثُنا للإجـابة عليه، وهو ما سـأعالجه في هذا الفصـل.

في هذه القصة أشياء تؤثر فيَّ أعمق تأثير، وهي ليست من الأشياء الثانوية التافهة التي يمكن إغفالها او التغاضي عنها، ولكنها أشياء تمسُّ المشكلة في الصميم. ولست أؤمن، ولا يسعني أن أؤمن، أن جسد يسوع الناصري رقد في بستان يوسف الرامي في أية فترة من الزمن معاصرة لقومة المسيحية ونشأتها الأولى.

وإذا استطاع إنسان أن يدلّنا على وثيقة واحدة من وثائق العصر الأول التي عالجت صلب يسوع ودفنه، تُلمح ولو من بعيد، إلى أن الجسد كان ثاوياً في القبر، فأنا من جانبي لا أتورّع عن أن أقيم لهذا التلميح وزناً، فهو تكأة، وإن تكن هزيلة مرضوضة، يقوم عليها بعض الشك، على أن الوثائق كلها شديدة الصلابة قوية الإجماع على صدق هذا المظهر الخارق الذي تبدّى للعيان في فجر يوم القيامة.

وسواء رجعنا إلى بشارتي متى ولوقا من بشائر الإنجيل، أو إلى ما يسمونه بشارة بطرس غير القانونية خارج الإنجيل، أو إلى بشارة يوحنا أو وثيقة عمواس التي بقيت من آثار لوقا، أو بشارة مرقص أقدم أسفار الإنجيل – في هذه كلها نصطدم بشهادة قوية ثابتة تدلّ على اختفاء الجسد. ولو كان الأمر عكس ذلك، ولو أنه طُلب إلينا أن نؤمن بشيء أنكرته الوثائق كلها التي بقيت على الأجيال.

لما تردّدنا في التشبُّث بهذا الإنكار واتخاذه دليلاً قوياً لا سبيل إلى تفنيده. على أن بين أيدينا وثائق ومؤلفات من مصادر عدّة تناولناها من عصور بعيدة، وكتبها أشخاص تفاوتت أمزجتهم، ومن وجهات نظر مختلفة، عن سير الحوادث – وليس فيها مطلقاً أي تلميح أو تصريح يغاير الحقائق التي أثباتها مرقص في بشارته، وهو أول رواة هذه القصة وأسبقهم في التاريخ. ولست أشك أن هذا الإجماع الصارخ من جانب الكُتّاب والمؤلفين يلقى ما يستحقه من التقدير لدى كل باحث منصف.

على أن هناك آخر أبعد غوراً من هذه الشهادة التي أجمع عليها هذا الإجماع الرائع كل الكتّاب والمؤلفين. ولست أدري كيف يقدر أبرع النقاد المحدثين على مواجهته دون أن يعيروه شيء من الاضطراب والقلق الفكري، وأعني بذلك صمت الآثار صمتاً رهيباً عن الإشارة إلى قبر يسوع في التاريخ اللاحق لموته.

وإنه لغريب حقاً أن يصمت علم الآثار هذا الصمت الطويل الرهيب إزاء بقعة كان لها بلا شك قدسية وحرمة في نفوس ألوف من الناس خارج دائرة المؤمنين المسيحين أنفسهم. ألم يوجد وقتها من يرمق بعين التوقير والاحترام القبر الذي ضمّ بين جنباته جسد أعظم معلم عرفه شعب إسرائيل بعد عصر الأنبياء؟

ألم يكن لأمثال يوسف الرامي، ونيقوديموس الحبر اليهودي، نظائر واخوان بين الجماهير العاملة التي زحمت يوماً ما سفن الصيد في بحيرة الجليل، وعجّت بهم من قبل طرقات كفرناحوم وقانا والناصرة؟ لا شك أنه إلى جنب كل امرأة أو رجل وقع تحت تأثير التلاميذ، مائة غيره أو غيرها ممن لم تخطر بأذهانهم فكرة عن القبر، ولكن قلوبهم تثقّلت بالأسى والشجن والتفجع إزاء موت المسيح المكبر قبل الأوان.

ومع كل هذا فإنك تنقّب عبثاً عن إشارة أو تلميح أو همسة تستخلص منها أن سيلاً من الحجيج دلف إلى ذلك القبر الصامت في خلال السنوات الأربع التي نادى فيها المسيحيون بعقيدتهم الغريبة داخل أسوار مدينة أورشليم. ولسنا نسمع أي صدى خافت لجدل أو حوار بين الكثيرين الذين عرفوا الحقائق كما هي، ولا بين القليلين المضللين الذين نادوا بما لا يؤمنون به. فتُرى لماذا تبقى على الزمن ما نتخيله أغرب عقائد المسيحية وأبعدها عن التصديق، دون أن تترك وراءها أثراً لنظرية تباينها، كنا ننتظر بحكم المعقول أن تطغى عليها وتنتصر دونها؟

بل خذ المشكلة من وجه آخر ودُرْ حولها كيفما شئت: وهنا أطلب إلى القارئ الكريم ان يجلس في هدأة غرفته ويفكر تفكيراً رزيناً جدّياً في مسألة لها مع بساطتها قدرها العظيم: لماذا صادرت أورشليم ذاتها مركز القيادة لهذه الدعاية الغريبة عن القيامة، والي قُدّر لها فيما بعد أن تُذاع في أقصى أطرف الإمبراطورية الرومانية؟ لماذا فُضِّلت أورشليم على كفرناحوم أو الناصرة مثلاً؟ وهناك أسباب لا حصر لا تحملنا على الظن أن أسطورة واهية مثل قيامة يسوع بالجسد – هذا على فرض أنها أسطورة – كانت تلقى مرتعاً خصيباً في ربوع الجليل الطيبة اللينة، ولكنها تذبل في المنطقة التي كان بها القبر الحقيقي؟

وغير خافٍ أن أورشليم كانت دائماً معادية للمسيح، ناقمة عليه رافضة له، بينما كان الجليل موطنه الذي حَنا عليه ورحب به. والذين أحبوه أشد الحب، وبكوه أمرّ البكاء، هم الذين استوطنوا هذا الإقليم الضاحك الباسم، وما انقضت أربعة عشر يوماً على حادثة الصلب حتى كان بطرس وأندراوس وغيرهما من الصحابة الرسولية قد هرعوا إلى شطئان تلك البحيرة حنيناً إلى صناعتهم القديمة الشريفة.

ولنماشِ أصحاب المزاعم ونفترض جدلاً أن رؤيا سيدهم قد لاحت لواحد منهم او ربما لكلهم. فلماذا لم تنشأ جماعة المؤمنين هذه – التي كان أساس إيمانها الرؤى والأحلام! – في الجليل، وتضرب أصولها العميقة في تلك الأرض الطيبة اللينة، في ذل الإقليم الذي كان موطن يسوع الروحي، والذي دوت في ربوعه تعاليمه، وسرى فيها سحر شخصيته؟ لماذا ينجذب كل الذين سحرتهم هذه الفورة إلى أورشليم انجذاب الفولاذ إلى المغناطيس؟ ولماذا تزهر هذه العقيدة غير المعقولة في الوسط الذي أُنكرت فيه، وتتأصل وتتماسك أمام الذين افتروا عليها وجحدوها؟

ليس لهذه الأسئلة إلاّ جواب واحد، هو الذي يتماشى مع الإجماع الرائع في القصة ومع منطق الحوادث التاريخية ومطاليبها – هو أن قصة زيارة النسوة الحقيقية التي لا كذب فيها – قصة تروي الوقائع عارية، وتمثل حقائق التاريخ أصدق تمثيل في أبسط عبارة.

وحين نقبل قصة النسوة واقعة تاريخية صادقة، لا أسطورة مختلقة في عصر متأخر، نتميز بين ثنايا رواية مرقص مميزات خاصة تدمغها بطابع الصدق والحق:

انظر أولاً إلى شخصيات النسوة اللواتي زُرن القبر: كنا نحسبه غريباً حقاً ألاً يفكر أحد في أداء الواجب الأخير لصديق كريم ودود مثل المسيح. وكنا نحسبه أغرب من هذا لو أن الباكين عليه كانوا من غير النساء، أو غير اللواتي ذكرت القصة أسماءهن. والحق أن هؤلاء النسوة بالذات يناسبنَ الموقف أتمّ مناسبة، لأن يسوع كان سيدهنّ ومعلمهنّ، وكنّ له تابعات مخلصات.

فلو كان قيل لنا أن كلوديا بروشلا، أو لعازر، أو حتى نيقوديموس، هم الذين قاموا بهذه الزيارة الخفيّة للقبر، لكنا نرتاب في الأمر بعض الريبة، إذا انتفت الأدلة القوية التي تسند القصة. ولكن مَن كان أولى بهذه الخدمة الأليمة على النفس للزعيم المائت من أمهات صحابته، والمرأة التي انتشل حياتها من وهدة البؤس والشقاء؟

أجل، حين نقبل هذه القصة حقيقة تاريخية، نراها مؤسسة على دعائم صلدة، هي دعائم الإختبار البشري المحض.

ونظرة أدقّ إلى القصة نستبين منها صدقها إذا حسبناها واقعة تاريخية، وبطلانها إذا اعتبرناها أسطورة مختلقة. فإن البشير مرقص يقول إن النسوة هربنَ مهرولات بعد اللقاء الذي أفزعهنّ عند القبر، والأسلوب الذي يوصف به هذا الهرب يدل على ذعر وهلع: “خرجن سريعاً وهربن من القبر لأن الرعدة والحيرة أخذتاهنّ، ولم يقلن لأحد شيئاً لأنهن كنّ خائفات….

ولسنا نعرف الكلمات التي ختم بها الكاتب هذه العبارة، لأن هذا الأثر الشهير الخالد ينقطع فجأة عند هذا النقطة. على أنه مهما تكن الألفاظ الختامية فإن المعنى واضح من سياق الكلام. فالنسوة قد قررن فيما بينهنّ – بعد أن شهدنَ الدفن عصارى يوم الجمعة – أن يقمنَ بواجب التكريم والمحبة نحو يسوع في الصباح الباكر من يوم الأحد. وكانت زيارتهن خفية. ويرجع بعض هذا التستُّر إلى أن البستان كان ملكاً خاصاً كما هو المرجح. والأغلب أنهم كنّ خائفات من الكهنة وزعماء اليهود. وإنكار بطرس لسيده في فناء رئيس الكهنة أقرب دليل على الخطر الذي كان يتعرض له مَن تربطه صلة – ولو من بعيد – بصحابة ذلك الناصري، في تلك الساعات العنيفة الجامحة التي أُطلقت فيها الشهوات والنزوات عن عقالها.

بدأ النسوة السير حسب تدبيرهنّ السابق قبيل الفجر، في ساعة يقلُّ فيها المارة ويخلو البستان حسب تقديرهنّ. ولم يكنّ يتوقعن أي شيء خارق للعادة. انحصر كل همهنّ في الحجر الذي عرفن من قبل حجمه، وخشينّ ألا يقدرن على دحرجته. وبعد أن أدار النسوة أبصارهن ذات اليمن وذات الشمال لئلا يكشف أحد أمرهنّ، تقدمن بهدوء نحو القبر، ولكن بعد دقائق معدودات كنت تراهنّ هاربات مهرولات من مدخل البستان إلى الطرق العام.

هذه هي قصة مرقص في عبارتها الصريحة، تصّور واقعة من الحياة أصدق تصوير. وما يعتريها من نقص كأسطورة مختلقة. هو أقوى دليل على صدقها التاريخي. فذُعر النساء ورعبهنّ وعجزهنّ عن الوقوف واستقصاء جليّة الخبر، وتقهقرهنّ السريع وصمتهن الخائف. كل هذه تبدو عناصر غريبة في قصة اختلقها الراوي بعد ثلاثين سنة من وقوع الحادث لإثبات عقيدته. ولكن حين ننظر إليها كحقيقة تاريخية، نحسُّها كنسيم من الحق يهفهف ليناً وادعاً في جو البستان، في ذلك الصباح الرائع في تاريخ الإنسانية.

ونرى في هذه المسألة حقيقتين بارزتين من الحقائق التاريخية اليقينية: أولاهما أن طائفة من النسوة من صحابة يسوع ذهَبن إلى القبر في الساعات المبكرة من صباح الأحد. والثانية أنهن هربن من البستان في حالة من الذعر والهلع. ويخيُل إليّ أننا مضطرون إلى التسليم – بغض النظر عما روته بشارة مرقص – بأن النسوة لقينَ إنساناً عند القبر، وهو ما يعلل اضطراب أعصابهن وفرارهن السريع – فلو كان البستان خاوياً مهجوراً، ولو كنّ قد وجدن فقط القبر خالياً (أو حتى مختوماً ومغلقاً)، لوقفن حائرات مذهولات، ولما هربن خائفات مذعورات. ولكن ظهور إنسان في تلك الساعة المريبة هو الذي صدم أعصابهن فهرولن لا يلوين على شيء. وأرجو أن يقف القارئ عند هذه النقطة متأملاً مفكراً:

وإنه طبيعي أن يضطرب المرء ويجزع حين يلقى فجأة وعلى غير انتظار إنساناً آخر في داخل قبر وفي ساعة مريبة من ساعات الفجر الغابشة. فإن موقفاً كهذا يحفل بطبيعة الحال بشتى الاحتمالات المرعبة. وينشأ عنه ذلك الجزع العقلي والأدبي الذي أشار إليه مرقص في روايته. وغير خافٍ أن هذا الزيارة إلى القبر كانت مجازفة خطيرة حافلة بكل أنواع المخاطر، ولم يقع اختيار النسوة الأمينات المخلصات على ساعة الفجر صدفة واتفاقاً، ولم يكن ذكر الرواة لها تدبيراً مفتعلاً لحبك القصة، إنما كانت الفرصة الذهبية السانحة لهنّ، وكل دقيقة تمضي بعد شروق الشمس تجعلهن أكثر عُرضة للخطر. ومن بدء الأمر خاف النسوة لئلا يراهنّ أحد، وهذا هو المعنى الذي تحمله رواية البشير مرقص.

إذن نقف الآن وجهاً لوجه أمام حقيقة شائقة حقاً، ونرى القصة كيفما قلّبناها تشعّ بنور الحق والصدق. وأنت إذ تقرأها لا تحسها قصة مبتكرة كُتبت بعد سنوات طوال لتسند النظرية المسيحية عن القيامة، بل تتمثلها ذكريات صريحة أصلية عن حدث وقع فعلاً. الحق أن القصة كما دُونت في بشارة مرقص، ذلك الأثر القديم الخالد، ليست إلاّ من الحقائق التاريخية المحضة، ولن نفهم مشكلة القيامة فهماً صحيحاً حتى ندرك أن قصة مغامرة النسوة في الذهاب إلى القبر كما روتها تلك الوثيقة التاريخية القديمة تمثل أصدق تمثيل الوقائع التي جرت، لا من حيث ذهاب النسوة فقط وهربهن عند رؤية شخص آخر هناك، بل أيضاً من حيث أن المكان الذي ذهبنُ إليه هو القبر الأصلي الذي وُضع فيه جسد يسوع.

والذي أرجوه أن يخلو القارئ بنفسه إلى مكان هادئ ويفكّر في الأمر ويستخلص ما يجره إليه تفكيره من نتائج منطقية. وليذكر قبل لكل شيء أن كل الفروض والمزاعم التي أثارها ألدّ أعداء المسيحية وأصلب النقّاد عوداً، ممن حاولوا تعليل مظاهر القيامة من أقدم العصور – كلّهم قد افترضوا أساسياً، هو خلّو القبر الأصلي من جسد المسيح.

ومن الغريب أيضاً أنه لم يفكّر أحد في أن يواجه صحابة يسوع – وخصوصاً النسوة – بذلك الإنسان الذي عرف يقيناً ما حدث، لأنه كان هناك شاهد في البستان في صباح ذلك اليوم. فإن كان ذلك الشاب الذي تخيّله النسوة في البستان هو البستاني، فلماذا لم يُسأل، وعنده الخبر اليقين لأنه شاهد عيان؟ فإنه ليس معقولاً أن يذكر مواجهته لثلاث من النسوة المذعورات في ساعة كهذه غير منتظرة، وللغرض الذي جئن من أجله.

أجل، كان هناك الشاب الذي يمكن له أن يدلي بالقول القاطع. فهل يجوز لنا أن نتصور – مع وجود هذا الدليل – أن أعداء صحابة المسيح، وهم كثيرون، يغفلون عن مثل هذا التفكير، ويفلت من أيديهم دليل حاسم كهذا؟

لا نظن ذلك. وهذا الجواب وحده كافٍ لدحض النظرية القائلة إن النسوة أخطأن في التعرف

إلى القبر. وحسبُ القارئ أن يفكّر في السنوات الأربع التي نشطت فيها الدعاية فلقيت نجاحاً باهراً، وأن يفكّر في المناقشات الأسبوعية والمنازعات الجدلية في مجامع اليهود، وفي الحوار والنقاش بين الأفراد عن حقيقة المسيح أهو المسيا أو غيره، وأن يفكّر في الصدوقيين ذوي الكرامة والمقام الرفيع الذين لم يألوا جهداً في كبح جماح الدعوة وطمس معالم القضية، وفي قوة المقاومة التي ثارت فجأة يغذيها عقل منطقي جبار وعزيمة عنيدة صلبة. هو عقل شاول وعزيمته….

حَسْبُ القارئ أن يفكر في هذا الأشياء التاريخية البارزة، ثم يفكّر أن الدليل الذي كان في مقدوره أن يقضي على كل هذه الفقاقيع، لا يبعد أكثر من نصف ميل يقطعه الكهنة لاستنطاق البستاني!!!

وأنا مقتنع شخصياً أنه لم يكن مستطاعاً لأية جماعة من الرجال أو من النساء، تنادي في أورشليم بتعليم منطوٍ على خلّو القبر، ما لم يكن ذلك القبر خالياً حقيقة. فالحقائق كانت كلها قريبة إلى الأذهان، والقبر كان ملاصقاً للحياة التي عجّت بهذه الدعوة الغريبة. ولم يكن في مقدور أية وسيلة من وسائل الإقناع في العالم أن تشتري هذا الصمت الرهيب الذي التزمته الآثار والعاديات، ولا ذلك الإجماع الرائع المؤثر الذي نلمسه في الوثائق التاريخية. وليس يقدر على الظفر بهذا كله إلاّ الحق الأبلج في صراحته وبساطته.

وأريد هنا أن ينتبه القارئ أيضاً إلى نقطة غريبة مليئة بالمعاني في القصة، ما أظن أنها لقيت من الرعاية والتفكير ما تستحقه. تلك هي حادثة الشاب الذي قيل عنه في رواية البشير مرقص إنه أفزع النسوة إذ رأينه داخل القبر. ولم يترك البشير مرقص في روايته شكاً في موضع ذلك الشاب، فلا حاجة بنا إلى أن نسأل أكان الشاب واقفاً على مقربة من القبر أم كان يعمل على مسافة منه، لأن الراوي يقول في صريح اللفظ عن النسوة إنهن “لما دخلن رأين شاباً جالساً عن اليمين”. فكأنه كان محجوباً عن الأنظار، ولم يُكشف أمره إلا حين همّ النسوة بالدخول إلى القبر. ومن هنا كان فزعهنّ وهربهنّ.

ولو كان ذلك الشاب البستاني المعيّن هناك، ولو كان يعمل في تلك الساعة في العراء، لما أقبل النسوة نحو باب القبر، بل كنّ يترددن ويقفن على مسافة منه حتى لا يراهنّ، بل لفكرن في العودة متخفيات متسللات. على أن هذه ليست الصورة التي ترسمها رواية مرقص، فإنها تمثّل فزعاً طارئاً حلّ بهنّ، وذعراً أخذهنّ وهنّ غافلات عند باب القبر، ما لم يكنّ متأهبات له.

وإذا كان عنصر المفاجأة والذعر من مقّومات الصورة التي رسمها البشير مرقص، فماذا عسانا نقول عن مهمة ذلك الزائر، وماذا كان يفعل في ذلك المكان؟ إن داخل القبر المظلم المهجور، لا يصحُّ أن يكون مكاناً يستريح فيه عامل منهوك القوى في ساعة الفجر الباكر.

وإذا كان هو البستاني فماذا كان يفعل داخل القبر، وقد كان في وسعه أن يستريح خارجه في مكان ظليل يستروح نسمات الفجر العليلة؟ وما الحاجة إلى طلب الراحة في جّو القبر الخانق، بعد أن تكون قد بزغت أنوار الفجر من الشرق؟ ليس هناك سبب مفهوم يحمل إنساناً بشرياً عادياً على اللجوء إلى غرفة من غرف الموت الرطيبة وفي ساعة غير منتظرة، إلا إذا كان ذلك الإنسان قد جاء وفي نفسه غرض معين، مسوقاً إلى القبر بدافع قويّ واهتمام شديد.

وما من شك أن هذا الاهتمام الشديد بالقبر ومَن فيه هو الذي يعلل ذهاب الشاب إلى القبر في ساعة كهذه، ثم جلوسه في داخله. وما من شك أن فكرة عنيفة قد ألحّت عليه وهو في ذلك القبر الفارغ، لا سيما حين رأى الأكفان موضوعة في مكانها والجسد ليس ملفوفاً فيها. ونقدر أن نتصوره جالساً مستغرقاً في التفكير في هذه الظاهرة الغريبة، وإذا به يسمع وقع أقدام وهمسات أصوات. وبعد لحظة يقع على المشهد ظل امرأة تطلُّ من الخارج، فيظلم النور الضئيل الباهت المنبعث من الباب، ويخرج الشاب سريعاً ليرى من القادم، فإذا بثلاث نسوة مضطربات يجرين في خوف وحيرة.

وهناك سبب آخر أقوى من هذا يحملنا على اليقين أن المكان الذي زاره النسوة لا يمكن أن يكون إلا قبر المسيح الأصلي. ولا ريب أن مريم المجدلية وصاحباتها قد روين قصتهن عند سنوح أول فرصة حرصاً على سلامتهن وسلامة التلاميذ. ومن السخف والحماقة أن يزعم إنسان أن ثلاثاً من النسوة (بينهن اثنتان قد شارفتا على دور الكهولة) يجزْن اختباراً عنيفاً كهذا، وله أثره العميق في عقولهن، دون أن يقلنَ شيئاً عنه لأقرب الناس إليهنَّ، ولا ريب أن التلاميذ كانوا على علم بالقصة قبل يوم الخمسين المشهور.

وهنا نصطدم بحقيقة لها خطورتها التاريخية العظيمة، وهي أن التلاميذ لم يلجأوا إلى هذه القصة كدليل على قيامة المسيح. فأنت لا تجد كلمة واحدة عن اختبار النسوة في كل عظات يوم الخمسين، يوم بدأت الحركة المسيحية سيرها التاريخي الظافر.

كما أنك لا تجد أية إشارة إلى هذا الاختبار في كل الخطب التي سجلها سفر الأعمال، وكأنما قد تأيد صكُّ الكتمان هذا بذلك الصمت الغريب عن هذا الحادث في رسائل الإنجيل، ومنها رسالة بولس إلى كورنثوس، التي كنا ننتظر أن نجد فيها تلميحاً إلى حادث النسوة عند كلامه عن القيامة.

وإنه لمن الغريب حقاً أن نلحظ في كل هذه المؤلفات والرسائل إغفالاً لهذا الحادث يكاد يبلغ حد التعمد في الإخفاء والكتمان. ومع ذلك فإن لوقا البشير الذي لعب دوره في عمل الكنيسة الأولى، والذي كان رفيقاً لبولس في رحلاته شهوراً طوالاً، عرف القصة لأنه رواها في بشارته. كذلك عرفها مرقص الذي قضى أيضاً مع بولس زمناً.

فما علّة الكتمان الملحوظ لمظهر أخّاذ من مظاهر القيامة، قُدّر له أن يكون فيما بعد من أحب الذكريات المسيحية وأروعها؟ ولماذا نجد قصة النسوة على نقيض ذلك قد احتلت مكانتها الرفيعة عند ظهور كتب السيرة التي وضعها البشيرون وسجلوا فيها الحوادث والأحاديث التي استخلصوها من ذكريات الكنيسة مما نُقش بأحرف من نور على أذهان الأنصار والتابعين؟ أراني أمام تعليل واحد يحلُّ هذا الاشكال حلاً مرضياً مقنعاً:

لنعُد إلى الساعات الأولى من صباح القيامة. وهناك أسباب – لا تخفى عن كل من يقرأ بشائر الإنجيل الكريم بإمعان – تحملنا على الظن أن الرسالة التي حملتها مريم المجدلية إلى المدينة بُعيد الفجر، لم يكن مؤدّاها أن يسوع قام، بل أن الجسد قد نُقل لأسباب لا تعلمها. وهذا هو الذي تشهد به رواية الإنجيل على لسان إحدى النسوة بعد دقائق معدودات من وقوفهن أمام القبر الفارغ.

وهنا نتصور النسوة الثلاث يركضن مهرولات بأقصى سرعتهن، بعد ذلك الاختبار المخيف عند القبر، نحو الطريق العام. وهنَّ لم يكنَّ في سنّ واحدة. فالمجدلية كانت شابة قوية، بينما كانت الأخريات والدتين لرجلين ناضجين في السنّ. فبعد أن بلغنَ الطريق العام، رأينَ أن تتقدم إحداهن مسرعة لإخبار التلاميذ، ويكاد يكون محققاً أن المجدلية هي التي تطوعت لهذه الخدمة لخفة حركتها وصغر سنها، تاركة المرأتين الأخريين تسيران وراءها على مهل. وبعد دقائق من هذا المشهد نقراً عن امرأة لاهثة مضطربة تطرق على باب دار في أورشليم، لتلقي رسالتها التاريخية المأثورة: “أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه”.

تلك كانت الرسالة، التي جاءت بها المجدلية إلى التلميذين بطرس ويوحنا وهي إن دلت على شيء، فعلى يأس ولهفة. ثم أني أميل إلى الظن أن المرأتين الأخريين المتقدمتين في السنّ، بعد أن رجعتا إلى البيت، روتا لصديقاتهما قصة كاملة مما حدث وخاصة عن الزائر الغريب الذي سبقهنَّ إلى القبر. وليس من المستبعد أن يكون قد خطر ببالهن أن ذلك الشاب هو ملاك من السماء. هذا يعلل البيان الصريح في قصة عمواس التي رواها البشير لوقا في قوله:

“…بَلْ بَعْضُ النِّسَاءِ مِنَّا حَيَّرْنَنَا إِذْ كُنَّ بَاكِرًا عِنْدَ الْقَبْرِ، وَلَمَّا لَمْ يَجِدْنَ جَسَدَهُ أَتَيْنَ قَائِلاَتٍ: إِنَّهُنَّ رَأَيْنَ مَنْظَرَ مَلاَئِكَةٍ قَالُوا إِنَّهُ حَيٌّ” (لوقا 24: 22، 23).

وهكذا تقضّت الساعات الأولى من الصباح في غمرة من الحيرة والاضطراب والتساؤل حول معنى الحوادث التي جرت في البستان.

ولو أن الأمر انتهى عند هذا الحد، لأتخذ سير التاريخ طريقاً آخر. لأنه لم يكن شك في أن التلاميذ كانوا بطبيعة الحال يقبلون شهادة النسوة كبرهان قوي بعد أن يكونوا قد اقتنعوا أن الرب قام، وكانوا أيضاً يبحثون في هوّية الشاب الذي وُجد عند القبر، بل أن حادث اللقاء الغريب كله في البستان كان يُوضع على بساط الجدل والمناقشة….

على أن الحوادث، حسب قول رواة الإنجيل، قد اتخذت طريقاً غير هذا، فإنه قبل أن ترتفع شمس الضحى، ذاعت إشاعة في طرقات المدينة وأسواقها، من مصادر مسئولة بين حرس الهيكل، مؤداها أن التلاميذ سرقوا جسد الناصري (متى 28: 11-15).

وكانت ضربة ظالمة قاسية هوت فجأة على رؤوس نفر مضطرب من الناس لم يلمّوا شعثهم بعد الهرب في ليلة الخميس. وقد هدّدت هذه الإشاعة الكاذبة سلامة كل من يمتّ بصلة إلى الناصري من قريب أو بمن بعيد. فاضطر التلاميذ في مساء ذلك اليوم أن يجتمعوا خفية وراء أبواب مغلقة. وفي تلك الليلة كما تقول الأحاديث المسندة، بدأ المسيح يظهر لهم من عالم الخلود، في عالم الحسّ والشعور.

ومع الاضطراب الذي اعترى القوم الذين شهدوا هذه الحوادث وسمعوها، فإن حقيقة واحدة تبدو صافية صفاء البلّلور، هي خلو القبر من الجسد. وحين ندرك هذا، نفهم الأسباب التاريخية التي دعن إلى اخماد قصة النسوة والسكوت حيالها.

والذي أراه أن اختبار النسوة لم يُلجاً إليه كدليل في المناقشات التي دارت بين المسيحيين واليهود في ذلك العصر الأول لسببين:

أولهما أن قصة النسوة لا تبرهن في الواقع على شيء ينكره الجانب الآخر. فإنّ كل ما نخرج به من القصة هو أنه حوالي الساعة السادسة من صباح الأحد لم يكن جسد يسوع في القبر حيث وضعه يوسف الرامي، فما فائدة القصة في إثبات واقعة كانت شائعة بين الناس، وقد اتخذها الأعداء مادة لتهمة خطيرة ضد التلاميذ أنفسهم؟

والثاني أن القصة تحمل بين ثناياها نقطة ضعف لقضية التلاميذ، وذلك لأنها تعترف أن فريقاً من صحابة يسوع كانوا فعلاً على مقربة من القبر في ساعة مريبة وفي ظروف تدعو إلى إثارة الشبهات.

ولا يخفى أن في الاعتراف خطراً على التلاميذ في ظروفهم الخاصة. ومن أصول الدفاع السليم في تهمة خطيرة أن يُثبت الإنسان عدم وجوده في المكان والزمان اللذين وقعت فيهما الجريمة. فإذا أُتهم أحدهم مثلاً بجريمة قتل في مدينة القاهرة، واستطاع أن يثبت بالدليل أنه في ساعة ارتكاب الجريمة كان نائماً في بيته في الإسكندرية، أو غائباً في مدينة القدس مثلاً، فمن المرجح جداً أن يُطلق سراحه.

أما إذا اعترف في التحقيق بأنه كان يجول على مقربة من المكان الذي وقعت فيه الجريمة بُعيد وقوعها، وأنه كان يبحث فعلاً عن الشخص المقتول، فإن هذا الاعتراف يقّوي الشبهة ضده ويزيد مصاعب محامية الذي يتولى الدفاع عنه عشرة أضعاف.

هذا هو الموقف، كما أفهمه، الذي كان فيه أتباع يسوع. فلقد أُتهموا علانية بأنهم سرقوا الجسد. ولم يكن من الميسور دحض تهمة كهذه، حتى لو توفّرت لهم حرية القول والظهور بين الناس، فما قولك وقد كانوا مختفين وراء أبواب مغلّقة؟ وكيف يرون من أصالة الرأي، وهم على تلك الحال من الذعر والخوف أمام تهمة شنيعة، أن يعترفوا جهارً أن النسوة منهنّ كنّ عند القبر؟ أليس في هذا الاعتراف تسليم السلاح للخصوم الذين كانوا يذيعون بين الناس أن المسيحيين باعترافهم كانوا يحومون حول البستان في ساعة الفجر، وهذا دليل يثبت عليهم تهمة سرقة الجسد.

وكل باحث منصف في القضية يرى أن الظروف قضت على التلاميذ أن لا يكثروا من التحدث عن زيارة النسوة إلى القبر في ذلك الأسبوع الأول الذي كانت تترصّدهم فيه المخاطر وتبطن لهم الأيام ما كانوا يجهلون من حادثات. ومن الغريب أن تمنّع المسيحيين الأولين عن الإشارة بزيارة النسوة للقبر قد امتدّ زمناً في السنين الأولى من تاريخ المسيحية.

وأنت لا تقرأ الفصول الأولى من سفر الأعمال وبياناتها المفصلة عن الدعاية المسيحية البدائية، إلاّ ويأخذك العجب من اختفاء كل نزاع وجدل في موضوع القبر. ولو كان هناك شك في اختفاء الجسد، لاضطر المدافعون عن العقيدة المسيحية بقوة ضغط الحوادث إلى وضع قصة النسوة في مقدمة الأدلة، وكان عليهم، قبل السير في دعايتهم، القضاء على هذه الشكوك أولاً بكل ما ملكت أيديهم من أدلة الإثبات.

على أن التلاميذ لم تعوزهم الحالة إلى التورط في مثل هذا النزاع العقيم، فإن حقائق القبر الفارغة كانت معروفة بحيث أحسّوا أن حملتهم تلقى أوفر النجاح في أورشليم ذاتها حيث كان القبر الفارغ المهجور. وبهذا هان عليهم (كما يؤخذ من سفر الأعمال) أن يركّزوا جهودهم في الأمرين الجوهريين اللذين شطرا اليهودية شطرين وهما: أن يسوع هو المسيا الموعود به، وأنه قد أُقيم بيمين الله القادرة. ولم يكونوا يستطيعون أن يبلغوا هذا الطور في دعايتهم الأولى، لو لم تكن قد صارت قصة القبر الفارغ حقيقة مفروغاً منها، معلومة للقريب والبعيد.

وهكذا نرى كيف نُسيت قصة مغامرة النسوة إلى القبر إلى جانب الحقائق الجوهرية الأخرى التي قررتها الحوادث. ولم تبق ذكراها إلاّ في عقول النسوة أنفسهنّ، لأنهن هنّ اللائي دبّرنَ القيام بخدمة إنسانية كريمة لجسد سيدهن في ساعة تعرّضن فيها للخطر وسوء المصير. وكانت القصة معروفة أيضاً للتلاميذ أنفسهم، وما من شك أنهم كانوا يتناقلونها في الساعات الهادئة التي كانوا يلقّنون فيها التعليم الجديد للكنيسة الناهضة. وكان من آثار تلقين القصة في كنائس أوروبا وآسيا أن رواها الكُتّاب في بشائر الإنجيل، على أنها وراء إثباتها في السفر المقدس، الحقائق التاريخية الصريحة التي لا تُمارى.

وحين ندرك هذا كله، نستطيع أن نفهم بعض المعنى الذي تضمنته تلك الوثيقة العجيبة التي أطلقت عليها في بحثي اسم بشارة مرقص البدائية. فإنه بعد سنوات حينما أخذت تزول الآمال في مجيء المسيح السريع كما كانوا يتوقعون، وحينما أخذت الكنيسة تستقر في وضعها التاريخي، أحسّ القوم بحاجتهم إلى تدوين الحوادث البارزة في سيرة يسوع وموته. وكانت أولى تلك السير بشارة مرقص الشهيرة. وإن كان كتبها يوحنا مرقص، فهو بلا شك أَوْلَى الناس بكتابة هذه السيرة وخاصة فصولها الختامية. فقد كان من أهل أورشليم، وقضى سني شبابه في فترة من التاريخ عاصفة مضطربة.

ويبدو لنا من دقة سرده للحوادث، وإخلاصه في تسجيل التفاصيل الصغرى – أنه ثقة وحُجّة في حوادث الأسبوع الأخير. فلا يستطيع، إلاّ كاتب واقف على بواطن الأمور وخفايا الحوادث، أن يرسم تلك الصورة البديعة التي انعكست عليها أنوار القمر الفضية في بستان جثسيماني. وفي قصة مغامرة النسوة دقائق وصفية تدلُّ على أن كاتبها يكتب عن ثقة وصدق.

وقد آمن مرقص أن يسوع لم ينبئ مقدماً بموته فقط، بل بقيامته أيضاً. وآمن أيضاً أنه صرّح بهذا قبيل موته في طريقه إلى جثسيماني. وبهذه الأفكار التي اختلجت في عقله، وبالمعلومات التي استقاها من مصادر وثيقة، صاغ قطعة رائعة من الأدب الوصفي التاريخي، وهي تمتاز عن زميلاتها بإيجازها في الموضوع الجوهري، وبصفاء أسلوبها في السرد القصصي.

فهو يصف اليقظة في البستان، والقبض في منتصف الليل، بألفاظ مستندة إلى الحقائق الصريحة، ثم يسرد بيانات رائعة صافية عن المحاكمة أمام قيافا، وسقطة بطرس، والمحاكمة الرومانية، والطريق إلى الجلجثة، والصلب. كل هذا بأسلوب رائع في بساطته، أخاذ في عمق تأثيره، حتى أن القارئ يحسّ، على حد قول أحد كتّاب الإنكليز، أن الحجارة تتدحرج عليه.

ثم يصف كيف ذهب يوسف الرامي، في الساعة التي بلغت فيها المأساة ذروتها، إلى بيلاطس ملتمساً أن يُؤذن له بدفن جسد الميت، وكيف اقتفى النسوة الباكيات الحزينات خطى الرامي ليعرفن موضع الدفن، وكيف أُحكم الحجر الكبير على باب القبر في الساعة التي غًرُبت فيها الشمس. ويصف أيضاً كيف أعدّ النسوة الحنوط والأطياب في فجر الأحد وذهبن إلى القبر.

وفي بحث ما يعقب هذا، ينبغي ألاّ ننسى أن مرقص كان يسجل كتابةً اختبارات يوم القيامة ربما لأول مرة. ولأن قصة النسوة لم تلقَ العناية الأولى بين الدعايات التي نادى بها الرسل الأولون، فقد انفسح المجال لاختلاف كبير في الرأي والعقيدة إزاء ما حدث فعلاً عند القبر. لذلك كانت مهمّة شاقة دقيقة تلك التي تصدّى لها مرقص حين أراد أن يسجل كتابة حوادث تلك الأيام. وقد كان شاباً يافعاً في وقت الصلب، فكان أحد الأحياء الباقين القليلين في الكنيسة الأولى. وهو قد عاش في أورشليم أثناء ذلك الأسبوع الخطير المفعم بالحوادث – وعرف جوهر الحقيقة كما عرفها التلاميذ الأصليون.

إنّه كان من المستغرب ألاّ يعمد النسوة إلى إذاعة نبأ القيامة سريعاً، واستدعاء أورشليم كلها لرؤية القبر، ولكن مرقص عرف الحقائق. ولكي يشبع هذه الرغبة في المتسائلين كتب عبارة تبدو مقتضبة، قال:

“لم يقلن لأحد شيئاً لأنهن كن خائفات….”

وقد كُتب الشيء الكثير تعليقاً على هذا الآية، وأراد الكاتبون أن يثبتوا أن النسوة صمتن صمتاً مطبقاً وكفى. ولسنا ننكر أن هذا الموقف غريب من جانبهنّ، ولكن ها هي الكلمات تنطق بما حدث ولا تخفي تحتها معاني أخرى.

وليس حقاً ما يذهب إليه بعض النقاد حين يزعمون أن صمت النسوة كان بلا قيد ولا شرط. فإن البشير أضاف عبارة، كأنما أراد أن يجيب على ما قد يجول بفكر من يقرأ روايته من تساؤل. فقد يقول الناس: “إن النسوة قد كشفن القيامة في ساعة مبكرة من صباح الأحد، فلماذا لم يوقظن كل أورشليم لتشهد ما رأين؟” ومرقص يجيب على هذا التساؤل: “لم يَقلن شيئاً لأنهم كن خائفات….”

فإلى قائمة الشهود الذين كنا نفحص شهادتهم في هذه الفصول – بطرس الصياد الذي وقف في صدر المعركة في أورشليم، وكُتاب البشائر لوقا ومتى ويوحنا، ويعقوب العادل، وشاول الطرسوسي، ومؤلفي أسفار الأبوكريفا غير القانونية وبشارتي بطرس ونيقوديموس، بل شهادة الحجر الأصمّ ذاته – إلى هذه كلها نضيف أخيراً شهادة أخرى هي شهادة مرقص في بشارته التي نعتبرها أشهر وثيقة موجزة العبارة في عالم الأدب والتاريخ.

فصول كتاب من دحرج الحجر

سر القبر الفارغ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

بعد ست وثلاثين ساعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

بعد ست وثلاثين ساعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

بعد ست وثلاثين ساعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

بعد ست وثلاثين ساعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

كان مفروضاً، حسب التفكير البشري العادي، أن ينتهي السر الغامض الذي اكتنف حياة يسوع بموته ودفنه. أما كونه مات بالمعنى الجسماني الكامل فقد قلنا إنه من حقائق التاريخ التي لا يتسرب إليها شك، ورأينا كيف تتابعت الحوادث تتابعاً طبعياً حتى انتهت بتكفين الجسد ودفنه دفناً لائقاً بكرامته.

وأنا لا أجد في سياق حوادث قصة الصلب والدفن ما لا يتفق مع الأوضاع البشرية للأشياء. فالقصة كلها ترسم لنا صورة حقة من صور الحياة لا تعمّل فيها لا تكلُّف. ولكن حين نقلب الصفحة لقراءة حوادث الأيام التالية، نرانا في موقف لا يسلّم به الباحث الملّم بحوادث التاريخ والواقف على مجريات الفكر الحديث.

ولأني أعتقد أن وراء النصوص اللفظية للقصة، أشياء عميقة خفية لها تأثيرها في تعديل وضعها، أراني مضطراً لأن أبحث أولاً مع القارئ الكريم تسلسل الحوادث من الساعة السادسة بعد ظهر يوم الجمعة إلى ذهاب النسوة إلى القبر في فجر يوم الأحد.

وقد استطعنا أن نتعقب خطى سبعة من صحابة يسوع التسعة الأخصاء الذين شهدوا المأساة يوم الجمعة في أورشليم. فالرسول يوحنا كان مع مريم أم يسوع عند قدمي الصليب، وقد غادر المكان بعد النزع الأخير ليُعنى بالأم التي عُهد أمر رعايتها إليه، ويأخذها إلى مكان هادئ أمين بعد الذي أصابها من هول الكارثة وتحطيم الأعصاب. والنسوة الثلاث، مريم المجدلية ومريم زوجة كلوبا، وسالومة، كنّ أيضاً على مقربة من الصليب. كذلك رأينا يوسف الرامي، والحبر اليهودي نيقوديموس في ساعة متأخرة من بعد الظهر يقومان بتكفين الجسد ومراسم الدفن.

هؤلاء سبعة من الأصدقاء التسعة الذين بقوا في أورشليم. أما الاثنان الآخران الغائبان، فهما بطرس. ويمكن تعليل غيابه بما طغا عليه من موجة الحزن والندم والتحسر بعد إنكار سيده، واضطراره إلى الانزواء عن عزلة للتفكير الحزين النادم. وأما التاسع فهو المرأة يونّا التي تعود فيما بعد إلى الظهور في موكب النسوة الذاهبات إلى القبر في فجر الأحد. وقد قلنا إنها ربما كانت منهمكة في القيام بواجباتها كزوجة وكيل هيرودس في إعداد معدّات العيد.

وبرهة من التفكير الهادئ تبين لنا من كان الأفراد العاملون “المتحركون” من صحابة يسوع الذين بقوا داخل أسوار أورشليم – وهنَّ النسوة الثلاث مريم المجدلية ومريم زوجة كلوبا وسالومة، وتعاونهن على قدر ما تسمح به أعمالها الرسمية المرأة يونّا.

وحين ندرك العبء الثقيل المضني الذي وقع على أولئك النسوة الثلاث أو الأربع، اللائي قمن بأوقر نصيب من التبعات التي اقتضاها الموقف الرهيب، نتبين مدى الحوادث الأليمة التي تتابعت في آخر ذلك الأسبوع، ونتميز معنى كثير من الأشياء التي لولا هذا التتابع لظلت خافيه غامضة. والحق أن القصة تكتب في إيضاح وجلاء ما عانته أولئك النسوة من شديد الألم وحسن القيام بالواجب في الظرف الدقيق، من تلقاء أنفسهن، وهنّ مقطوعات عن كل عون خارجي، ما خلا بعض المعونة التافهة يؤديها بطرس المضطرب المهموم، ويوحنا المشغول البال.
والآن لنحاول رسم صورة للمشهد كله. مستندين في ذلك إلى أقدم بشائر الإنجيل وهو بشارة مرقص. ومن دواعي الارتياح أن قصته من هذه الناحية صريحة واضحة. قد كتب في وصف المشهد الأخير للصلب:

“وكان أيضاً نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي وسالومة”.

ثم بعد أن يصف الدفن بعبارات موجزة يقول:

“وكانت مريم المجدلية ومريم أم يوسي تنظران أين وضع….”.

“وبعد ما مضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطاً ليأتين ويدهنّه. وباكراً جداً في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس”.

وفي القصة شيئان جديران بالنظر والعناية:

1 – الأسبقية التي تفوز بها مريم المجدلية كأنها زعيمة الجماعة والشخصية البارزة فيها.

2 – اختفاء اسم سالومة من قصة الدفن.

ويصح أن نتغاضى إلى حين عن النقطة الخاصة بريم المجدلية. أما الإشارات إلى سالومة فإنها تحمل في طياتها بعض المعاني وتُلقي نوراً على القصة. ومرقص يدقق كثيراً في ذكر الأسماء والأماكن، فيضع اسم سالومة بين الواقفات عند الصليب، ثم يذكرها أيضاً بين اللائي أتين إلى القبر في الصباح الباكر، ولكن لم يذكر إلا المريمتين اللتين وقفتا “تنظران من بعيد”.

وحذف اسم سالومة من مشهد الدفن لم يكن عرضاً، ولا بد أن الكاتب أراد أن يبين لقارئيه أن سالومة كانت قد مضت في مهمة عاجلة.

أما هذه المهمة فيمكن استنتاجها من طريق الاحتمال الذي يكان يبلغ حد اليقين. ونحن نعلم أن مريم أم يعقوب وسالومة كانتا بنات خؤولة. وكانتا تعملان في هذه المحنة باتفاق وتعاون مع مريم المجدلية. ثم أن الاثنتين تمتّان بصلة قرابة إلى مريم أم يسوع، وكانت سالومة نفسها أم الرسول يوحنا.

ولا شك أن هذه الجماعة الأمينة المتفانية قد شغلها في ساعات الصلب الأخيرة الرهيبة أمران خطيران – الأول: الجزع الممضّ على زعيمهن وهو يعاني سكرات الموت في عذاب أليم خانق. والثاني: القلق على قريبتهن أم يسوع. وما بقيت نبضات الحياة مترجرجة في الجسد المعلق على الصليب كان عواطفهن مغمورة بالهّم والشجن والحرقة من أجله. ولكن بعد أن أدركه الموت الرحوم بصرخة داوية من النفس المعذبة، غلب عليهن ذلك الهمّ الآخر من أجل القريبة التي تحطم قلبها المتوجّع.

ولسنا نعرف، ولا نقدر أن نعرف، مبلغ الجهود العقيمة التي بذلت في ذلك اليوم لإبعاد مريم أم يسوع عن مشهد الصلب. فهي لم تكن يومئذ شابة في عنفوان الحياة، ولم يكن هيناً على من كان في سنها أن تقف أمام هذا المشهد الدمويّ، مشهد صلبان ثلاثة، عُلّق على أحدها ولدها وفلذة كبدها. ولا شك أن جماعة الصحابة من رجال ونساء قد أنفقوا من النصح والإقناع لإبعادها عن هذه المشهد كل ما استطاعوا. ولكن غريزة الأمومة قوية جبّارة تغالب الضعف والوهن وتستعذب الألم والضّنى، فأصرّت على أن تكون إلى جانب ولدها حتى المنتهى، ومن ذا الذي ينكر على الأم هذا الحق إذا هي ألحّت وأصرت؟

وأظنّنا لا نجد، بين غير المشتغلين بمهنة الطب، من يقدّر مدى الأخطار الجسمانية التي تعرضت لها الأم في ذلك الموقف الرهيب، ولا مبلغ الانسحاق والتصدّع الذي عاناه قلب الأمومة أمام هذا المشهد الجلل. وما أخال الأم التي اقتادها يوحنا بعد أن أسلم المصلوب روحه إلاّ امرأة خائرة القوى، محطّمة القلب، فاقدة الوعي، لا تلبث طويلاً حتى تهوي وتنهار تحت هذا العبء الذي لا يقوى عليه قلب الأم.

وكانت النسوة الثلاث على مقربة من الصليب، فلما سمعنَ الصرخة الداوية عرفن أن النهاية قد جاءت، ورأينّ يوحنا يقود الأم المحطّمة القلب وسط الجموع الواقفة. ثم إلى داخل المدينة وهو يسندها بذراعه في بطء وألم. وعندئذ يتشاور ثلاثتهن، ويقررن أن تذهب إحداهن إلى جانب الأم الثكلى، وتبقى الأخريات على مقربة من جسد الميت. وتتطوع سالومة لهذه المهمة لأن ولدها يوحنا هو الذي تولى رعاية الأم الحزينة ومرافقتها إلى داره. 

هذا هو منطق الحوادث كما أفهمه. وهو منطق سليم نستنتجه حتى ولو لم يكن في الإنجيل إي إشارة إليه. على أن رواية مرقص تجعل هذا الاستنتاج حاسماً.

ومن ثمّ نجد في أقدم بشائر الإنجيل – التي أجمعت المصادر التاريخية على قربها من زمن الحوادث – صورة رائعة للبقية الباقية من صحابة يسوع، يستجمعون فيها على الرغم من هول فاجعة الصلب، قوامهم للعمل على قدر ما تسمح به الظروف في هذه الطوارئ المفزعة – فبطرس وقد غالبه وخز الضمير والخجل من نفسه يبقى في عزلته كئيباً مهموماً، ويوحنا يتولى مع سالومة رعاية الأم المنكوبة المتفجعة التي أُوكل إليهما أمرها. ومريم المجدلية ومريم الأخرى – تعاونهما على قدر ما تسمح به الطاقة يونّا وسالومة – يتّخذان الأهبة لإعداد ما يتطلبه الموقف لتكريم جسد الميت وأداء آخر خدمة تفرضها واجبات المحبة والصداقة.

هكذا كان الموقف كما أفهمه عند غروب الشمس يوم الجمعة، أي عند بداية يوم السبت الذي تقف فيه كل الأعمال. وفيه نرى صورة بشرية تصدق على الحياة كل الصدق، وصورة يفهمها تماماً كل إنسان، بل كل امرأة خبرت شيئاً من هذا.

واضح من تسلسل الوقائع أنها وقفت وقوفاً تماماً طوال يوم السبت، وإن النسوة خلدن إلى الراحة والهدوء على أن يبدأن في صباح اليوم التالي للذهاب إلى القبر.

ومما جرت به العادة، حين يحاول امرؤ سبك حوادث قصة ما، وحبك مشاهدها، بعد مضيّ قرون طوال كما في القصة الموجزة في بيانها، أن يلجأ إلى كثير من التفاصيل الدقيقة ليكتشف مفتاح الحقائق التي تشرح الموقف كله. أما في موقفنا الحالي فالروايات ذاتها صريحة حاسمة، فالكُتاب الأربعة يشهدون أن موعد الزيارة كان عند طلوع الفجر – أي قبل أن تحين الساعة التي يصحو فيها النائمون. فيقول البشير مرقص “باكراً جداً …. إذ طلعت الشمس”. ويقول متى “عند الفجر”، ويقول لوقا “أول الفجر”، بينما يقول كاتب البشارة الرابع (ولشهادته هنا قيمتها وقدرها) “باكراً والظلام باقٍ”.

ولست أجد على الرغم مما بين هذه الأقوال من اختلاف طفيف في اللفظ من حيث طلوع الشمس أو عدم طلوعها. ما يلقي ظلاً من الشك على الحقيقة البارزة في الموضوع كله، وينبغي ألاّ نغفل أن الشمس تطلع مبكراً في مناطق العرض الجنوبية، وأن النساء يتأخرن عادة لأسباب وطوارئ غير منظورة حين يعزمن على العمل جماعات. وهنّ بلا شك قد استيقظن والظلام باقٍ ولكنهن حين وصلن إلى القبر كانت الشمس قد طلعت من وراء الأفق في الشرق. وعلى أي حال فقد أجمع الرواة في الوثائق الأربع على أن الوقت كان باكراً جداً، وبعد انتهاء السبت اليهودي.

هذا فيما يتعلق بالزمن. ولنعُد الآن إلى الأشخاص الذين تألفّ منهم الموكب. ولو أننا نضع الروايات الأربع تجاه بعضها، نراها تُجمع على شيء واحد، هو أن مريم المجدلية نهضت قبيل طلوع الشمس ومضت من فورها نحو القبر.

وهذه الحقيقة قد أثبتها بعبارة صريحة كاتب البشارة الرابعة التي نالها من النقد والتمحيص أكثر مما نال أي سفر آخر من أسفار التاريخ: “وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر والظلام باقٍ. فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر. فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه، وقالت لهما: أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه!”.

وما الذي نستنتجه من هذه العبارة؟ هل مضت مريم المجدلية وحدها إلى القبر؟ أن هذا السؤال خطير، وخليق بنا أن نفكر طويلاً قبل الإجابة عليه. فلو أن كاتب البشارة الرابعة أدرك يومئذٍ أن ملايين القراء في العصور المتعاقبة ستشغلهم مسألة النسوة اللائي ذهبن إلى القبر، ويجعلونها موضعاً للبحث والاستقراء، لكان عدّل الصيغة اللفظية لهذه العبارة بحيث تتفق الأفعال التي وردت بصيغة المفرد في أولها مع صيغة الجمع “لسنا نعلم” التي جاءت في آخرها.

وليس من عادة كاتب البشارة الرابعة أن يلجأ عمداً إلى الغموض أو الإبهام عند وصف الحقائق، بل هو على نقيض ذلك يتوخّى في بشارته أسلوباً وصفياً صريحاً لا يقل في صفاء ألفاظه وجلاء معانيه عن أرقى المؤلفات التي عرفها عالم الأدب، ويمتاز بصياغة أدبية يعبّر بها عن أدق المعاني في عبارة صافية نيّرة.

ولكنه في هذه العبارة – إما لسهو غير مقصود، أو لأن ذكر صويحبات مريم لم يكن في نظره أمراً ذا بال، لا أدري أيهما – جنح إلى شيء من الغموض، فيبدأ بوصف ذهاب مريم إلى القبر في ساعة ينقطع فيها المارة إلاّ من صويحباتها اللائي استيقظن في الصباح لمرافقتها. ثم يصفها تركض مسرعة جزعة مضطربة لتنبئ بطرس ويوحنا بما رأت. وهنا يذكر عبارة من العبارات التي تفوهت بها لاهثة: “أخذوا السيد ولسنا نعلم أين وضعوه”.

وليت شعري لماذا يثبت الكاتب العبارة بصيغة الجمع فيقول “لسنا” لو لم يكن عالماً أن مريم لم تذهب وحدها، وأنها أنبأت بما رأته أو بما لم تره مع فريق من زميلاتها! وبين بقايا المؤلفات القديمة التي تعتزُ بها المتاحف، قطعة منثورة يُقال أنه جزء من بشارة منسوبة إلى بطرس، تضمّنت بياناً يلقي نوراً شاعّاً على هذه المسألة، وذلك لأن الكاتب يجعل مريم المجدلية في مقدمة الزائرات صاحبة الفضل الأكبر، ولكنه يضيف عبارة تزيل تماماً الغموض الذي وقع فيه يوحنا فيقول الكاتب:

“باكراً في صباح يوم الرب، مضت مريم المجدلية، إحدى تلاميذ السيد إلى القبر، آخذة معها نساء من صاحباتها، وذلك لأنها خافت اليهود لشدة غضبهم، فلم تتمكن من القيام وحدها بما تفرضه التقاليد على النساء نحو الذين يموتون من أحبائهن.

وهنا صورة تمثل المشهد أصدق تمثيل: مريم المجدلية هي المحرك الأول في زيارة القبر، ولكنها تصحب معها، على الأقل للاطمئنان في تلك الساعة الباكرة، وحرصاً على الكرامة واللياقة، صديقاتها المخلصات ممن يفضلنها في نضوج السنّ وحكمة الاختبار.

وحين نعود إلى روايات البشائر الثلاث الأخرى، يأخذنا إجماعها واتفاق أقوالها من هذه الناحية، فيقول ثلاثتهم، في يقين وفي جلاء، إن مريم زوجة كلوبا ذهبت مع مريم المجدلية إلى القبر. ويقول مرقص إن سالومة رافقتهما، بينما يقول لوقا إن يونّا كانت العضو الثالث في هذه الجماعة.

وكلما دقق الباحث في دراسة الأحوال الخاصة التي أحاطت بحياة هؤلاء القوم البسطاء في تلك الساعات الخطيرة، استطاع أن يصّور لنفسه ذلك المشهد، وأن يرى، حين يعود بخيالاته إلى أورشليم في ذلك الفجر الداكن من يوم الأحد الخالد في تاريخ العصور، مريم المجدلية ومريم الأخرى، تصاحبهما سالومة أو يونّا، يخطرن متثاقلات حزينات في طرقات المدينة القديمة المظلمة في طريقهن ليقمن بالواجب الأخير نحو زعيمهن المائت.

وأنه لعلى جانب من الأهمية أن نقتنع اقتناعاً لا تشوبه ريبة، ونعرف من زار القبر قبل أي إنسان آخر في صباح الأحد، وذلك لأن النسوة حينما وصلن هناك لم يجدن الجسد موضوعاً في مكانه.

وأول ما يسترعي النظر في هذا الصدد، أن الغرض الذي مضى من أجله النسوة إلى القبر كان أمراً طبيعياً مألوفاً تفرضه العادات والعرف. وأن الساعة التي مضين فيها تتفق تماماً وهذا الغرض. ومن المسلّم به إجماعاً في الشرق أن انحلال جسد الميت يبدأ حوالي اليوم الثالث من تاريخ الوفاة. ولذلك كان لزاماً أن يقوم النسوة بالطقوس والمراسم في أقرب ساعة بعد نهاية يوم السبت اليهودي. وكانت تلك الساعة عند إشراق الشمس في صباح الأحد. وطبيعي أن يختزن ساعة مبكرة اجتناباً للتشهير. ولم يستطعن الذهاب قبل إشراق الشمس خشية الظلام، وربما لأن أبواب المدينة لم تكن تُفتح قبل هذا الميعاد.

إذن نحن أقرب ما نكون إلى الاحتمالات التاريخية الطبيعية حين نتخيل صورة النسوة الثلاث أو الأربع، سائرات في طريقهن نحو القبر في غبشة ذلك الصباح.  على أن هذه ليست الحقيقة الوحيدة التي دوّنها الإنجيل والتي رسخت رسوخ الطود في أذهان العصور المتعاقبة، وأقصد بذلك تفكير النسوة ومشغوليتهن إزاء الصعاب التي كنّ يتوقعنها في إزاحة الحجر الكبير الذي وضع على باب القبر بإجماع كل والوثائق التاريخية.

ولا شك أن مسألة إزاحة الحجر من على باب القبر شغلت أذهان النسوة وأقلقت بالهنّ طول الطريق، فإن اثنتين منهنّ على الأقل شهدتا الدفن وعرفتا الأشياء كما وقعت، فكانت الصعوبة أمامهن إزاحة ذلك الحجر الذي كان كبيراً وثقيلاً. وحين نقرأ في بشارة مرقص – وهي أقدم بشائر الإنجيل هذه الكلمات: “وكن يقُلْنَ فيما بينهن: مَن يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟” لا يسعنا الشعور إلاّ أن قلق بال أولئك النسوة من هذه الناحية لم يكن فقط ضرورة نفسية في ذلك الموقف، بل عنصراً تاريخياً تحدثنا عنه فعلاً طول الطريق إلى ساعة وصولهن إلى القبر.

ويتبين لكل من تستحثّه رغبة للوقوف على الحق التاريخي، لا مجرد تفنيد الأدلة، أن الذكريات القليلة، التي تحدّرت إلينا مما حدث فعلاً في اللحظات اللاحقة لوصولهن إلى القبر، تصور لنا اختباراً غريباً فوق المألوف. وليس الأمر هنا أن الروايات اتفقت على قول معين. فلو كانت قد اتفقت لأقبلنا نحو المشكلة من وضع آخر. ولكن الروايات لم تحاول إيجاد هذا التوافق ولم تتظاهر به، وإنْ تكن أقدم الروايات جميعاً التي سطرها مرقص معروفة قبل أن يكتب كلُّ من متى ولوقا بشارته. كما أن البشائر الأولى الثلاث كانت ملكاً مشاعاً حين وضع يوحنا بشارته الرابعة. والشيء المؤكد في هذه كلها أن النسوة حين بلغن القبر، أصابتهن صدمة عنيفة لم يكنّ متأهبات لها.

والذي اكتشفنه أن القبر قد حدث به بعض الاضطراب، وأن جسد يسوع لم يكن هناك، على عكس ما كنّ يتوقعن. ويُجْمِل لوقا البشير شهادة كُتّاب البشائر الثلاث في عبارة موجزة بقوله: “لم يجدن الجسد”. وكأنما في سبيل تأييد هذا الحديث المتواتر واثباته، يذكر يوحنا البشير في بشارته عبارة صريحة تختلف عن روايات البشائر الأخرى، ويضعها في وضع يستأثر كل قارئ مهما تكن نزعته، فيقول: “فركضت (أي مريم المجدلية) وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه وقالت لهما: آخذوا السيد م القبر ولسنا نعلم أين وضعوه”.

ولست أريد هنا التأثير في غير ضرورة على مَن يؤثرون البشائر الثلاث القديمة الأولى على بشارة يوحنا عند البحث في حقيقة من الحقائق التاريخية. لست أريد شيئاً من هذا، ولكن لا مندوحة من القول إن هذه العبارة في المقام الذي وردت فيه، تترك عندي أبلغ أثر. وكأنني أراها سهماً من نور الشمس يشقُ طريقه في غبشة ذلك الفجر الداكن.

وما لم نعمد إلى إغفال كل ما لدينا من الوثائق والروايات الباقية على الزمن، وهو مسلك أربأ بكل قارئ منصف مدقق أن يتّخذه. فإننا مسوقون إلى أن نسلّم أن أولئك النسوة أيضاً حين بلغن القبر اصطدمن بما لم يكنّ له متأهبات، وهو أن الجسد لم يكن هناك. وأظنه أيضاً استنتاجاً معقولاً أن أقول أن هذا الكشف الذي وقف عليه النسوة قد بعث فيهن حالة من التوتر العصبي، وذلك لأنه وقع في ساعة مبكرة من الفجر، وفي ظروف مفزعة، ولعقول لم تكن متأهبة له. ويزداد فينا هذا اليقين حين نعلم أن اثنتين من النسوة قد جاوزتا سنّ الشباب.

وليس لدينا ما نستدل به على عمل يونّا، ولكن المفهوم أن مريم زوجة كلوبا وسالومة لا بد أن تكونا قد أشرفتا، إن لم يكن قد جاوزتا، العقد الخامس من العمر.

وقد يبدو لنا لأول وهلة أن هذه المسألة ليست ذات بال، ولكن لها معناها الخطير من الناحية النفسية. فأولئك النسوة قد أحسسن وفعلن ما تحسّ به وتفعله جماعة من النسوة في هذا العصر، لو أنهن فوجئن في ساعة مبكرة غير طبيعية مثل هذه، وفي مقبرة حديثة، بمظهر مثل هذا في غرابته وبُعده عن المنتظر.

وأول تأثير يبدو عليهن هو بلا شك شعور الذهول يعقبه سراعاً تفكير وتشاور عاجل فيما عسى أن يعملن. وأن كانت مريم المجدلية، كما هو المرجح، قد تبرعت وهي أصغرهن وأقواهنّ للذهاب مسرعة إلى المدينة وإخبار التلميذين بطرس ويوحنا تاركة النسوة الأخريات يسرن على مهل، إن كان هذا هو الذي حدث، وهو المرجح جداً كما قلنا، فإننا نشهد صورة تتفق تماماً والقصة التي روتها البشارة الرابعة، وفيها تعليل كافٍ لقول مريم بصيغة الجمع وبصوة لاهث متقطع: “لسنا….”

على أن هذا الاستنتاج سنوفيه حقه من البحث في فصل تالٍ، وحسبنا القول هنا أن الحقيقة الجوهرية في هذه القصة الغريبة لا تشوبها شبهة من الريب، فإن أولئك النسوة قد دبّرن القيام بخدمة لسيدهن المائت في أول ساعة من بكور النهار بعد انقضاء السبت اليهودي. وتنفيذاُ لهذا الغرض قمنَ مبكرات في صباح الأحد ومضين إلى القبر. أما الحقيقة التاريخية الهامة هنا فهي أن هذه الخدمة لم تؤدّ قط. ومهما يكن من أمر الحوادث التي وقعت في بستان القبر في صبيحة ذلك اليوم، فإن دليلاً حاسماً بين أيدينا يثبت لنا أنهن لم يجدن الجسد هناك.

فصول كتاب من دحرج الحجر

بعد ست وثلاثين ساعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

الموقف بعد ظهر يوم الجمعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

الموقف بعد ظهر يوم الجمعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

الموقف بعد ظهر يوم الجمعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

الموقف بعد ظهر يوم الجمعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

إذا أردنا الوقوف على سير الحوادث التي وقعت عقيب موت المسيح، تعيّن علينا أن نبحث بتدقيق الموقف كما كان حوالي الساعة الرابعة من عصارى يوم الجمعة.

وإلى هنا كان بحثنا في الموضوع دائرً كله أو جلّه من وجهة النظر الرسمية الكهنوتية، وقد كان لوجهة النظر هذه شأنها وخطورتها في الأدوار الأولى من هذه القضية. فالذين أقاموا الدعوى هم الكهنة، ولم يكن بدُّ من معرفة ما كان ورائها من العوامل.

ولكن بعد أن نالوا أربهم، يختفي مؤقتاً أولئك الممثلون الرسميون لليهودية، ويحلّ محلهم على مسرح الحوادث قوم آخرون هم صحابة يسوع وأصدقاؤه المخلصون الذين نُعنى بهم في الفصلين أو ربما الفصول الثلاثة التالية. ولنبدأ الآن ببحث مَن كان أولئك الصحابة، وما الذي تقوله عنهم الوثائق التي بين أيدينا:

وإذا استثنينا مريم ومرثا من بيت عنيا وأخاهما لعازر الذين لم يرد لهم ذكر في الحوادث الأخيرة من هذه المأساة لأسباب سنبحثها فيما بعد، فإنه يبقى بعد هؤلاء نفر قوامه ستة عشر شخصاً. كلهم من أصدقاء يسوع اصطفاهم أعواناً خلصاء:

الأحد عشر رسولاً.

مريم أم يسوع.

مريم زوجة كلوبا.

سالومة زوجة زبدي.

مريم المجدلية.

يونا امرأة خوزي وكيل هيروس.

وقد يصح أن نضيف إلى هؤلاء رجلين آخرين من طبقة اجتماعية رفيعة ذات شأن، لم يعترفا جهرة بتلمذتهما ليسوع، ولكنهما كانا يعطفان على قضيته كل العطف – وهما يوسف الرامي، والمشير اليهودي نيقوديموس، أحد أعضاء مجلس السنهدريم.

ويؤخذ من رواية الإنجيل أن كلاً من هؤلاء الثمانية عشر شخصاً كان حاضراً في أورشليم أو في ضواحيها في ذلك العيد. ولدينا في الوثائق ما نستطيع به أن نقفو خطى كل منهم، ولا سيما فيما يتعلق بالنساء. وسنرى أن لأدلتهن قيمة خاصة في الحوادث الطارئة فيما بعد.

والسؤال الذي يتعيّن علينا بحثه هو: كيف تلقّى أولئك الصحابة الصدمة العنيفة بعد إلقاء القبض على المسيح وصلبه؟ وما الظروف الدقيقة التي عرفوا فيها ما كان يجري من الحوادث، وكيف تلقوا هذه الحوادث كلها التي أدَّت، لا إلى موت زعيمهم فقط، بل إلى اضطراب عميق في حياتهم الخاصة؟

من الميسور أن نجيب على هذا السؤال في غير عناء عن التلاميذ أنفسهم. وما من شك أنهم لم يدركوا خطورة الأمر تماماً إلى في ساعة متأخرة من يوم الخميس. ونحن لا نذكر أن رنات أقوال يسوع الرزينة الخطيرة خلال تناول العشاء في العلية قد أعدّتهم لتوقّع فاجعة من نوع ما، ولكنهم لم يدركوا تماماً حقيقة الأمر الرهيب إلاّ حين أقبل يهوذا الخائن ومعه الجند للقبض على سيدهم، ولم يكن في وسع نفر ضعاف مقاومة القوة المسلحة التي جاءت للقبض عليه.

وبعد محاولة عقيمة غير مجدية من جانب بطرس، هرب الأكثرون منهم لا يلوون على شيء. وانقضى الليل كله ويسوع بين أيدي أعدائه وأتباعه المخلصون قد تبعثروا وارتاعوا من هول ما رأوا!

على أن اثنين من أتباعه، وهما بطرس ويوحنا، ظهرا ثانية في الهزيع الأخير من الليل في أفنية دار رئيس الكهنة، ويخيّل إلينا أنهما دخلا المدينة في أعقاب الشرذمة التي ألقت القبض على يسوع. وقد كان أولئك الذين كُلفوا بالقبض عليه، على قول رواية الإنجيل، خليطاً غير متجانس من الناس صحبوا جنود السنهدريم إلى بستان جثسيماني.

وأغلب الظن أنه قد وُضعت التدابير اللازمة للسماح لهذه الحملة بالعودة إلى المدينة من أحد أبوابها. ولم يكن متعذراً على بطرس ويوحنا أن يندسّا في الظلام وسط الهرج والمرج ويدخلا المدينة مع الداخلين دون أن يعرفهما أحد. وما أن دخلا باب المدينة حتى اقتفيا خُطى الحملة إلى دار رئيس الكهنة، حيث أفاد يوحنا بما كان بينه وبين البوابة من تعارف، وتمكّنا من الوقوف على بعض ما كان يجري.

أما التسعة التلاميذ الآخرون فإني أشك كثيراً في أنهم قضوا الليلة في أورشليم. والظاهر أنهم ارتاعوا وارتعبوا فولّوا الأدبار خوفاً من القبض عليهم. ومع تسليمنا بأن قوانين الدخول من أبواب المدينة بعد مغيب الشمس كان يصيبها شيء من التراخي والتساهل في ليالي الأعياد، حينما كان يبيت كثيرون من الحجاج في مظلات وأعشاش فوق أكتاف التلال، فإنه لم يكن محتملاً أن يجازف التلاميذ الذين عراهم الخوف والرعب بالدخول في ساعة مريبة معرّضين أنفسهم لافتضاح امرهم وسَوقهم موثقين مع زعيمهم. والأرجح كثيرً أنهم اتخذوا طريقاً آخر سنفصلّه في فصل تالٍ.

أما النساء، فأغلب الظن أنهن جهلن كل هذه الحوادث وخفيت عليهن الأمور حتى انتهت أدوار المحاكمة الليلية. ولا يفوتنا أن ذيوع الأخبار في أورشليم القديمة لم تكن على شيء من هذه السرعة التي نشهدها الآن بعد انتشار الصحف والأجهزة اللاسلكية. ولم يكن قد بُتّ في أمر القبض على يسوع إلاّ في ساعة متأخرة من اليوم السابق بعد أن هجع أغلب سكان المدينة في مخادعهم. وربما عادت الحملة بالمتهم من طريق لا يغشاها إلاّ قليل من المارة في تلك الساعة المتأخرة. وكأن الظروف كلها قد هيأت للكهنة فرصة ملائمة لتنفيذ فعلتهم بعيداً عن أعين الرقباء كما كانوا يرغبون.

فلما انفتحت الأبواب عند شروف الشمس، وبدأ الناس يغدون ويروحون، ذاعت بينهم شائعات عن حوادث الليلة، وانتقل النبأ إلى بعض أنحاء المدينة. ولكن يبدو لنا من تضاعيف القصة أن الكهنة حاولوا كتمان الحوادث ما استطاعوا، ولم يقف الناس على تفاصيل الرواية كلها إلا بعد أن بلغت المأساة دورها الأخير الحاسم.

وأخالنا لا نبعد عن الحق كثيراً إذا افترضنا أن النساء في جماعة الصحابة لم يبلغهن نبأ هذه الحوادث الرهيبة التي تعاقبت سراعاً قبل بكور يوم الجمعة، إلا عن طريق الشائعات التي ذاعت في المدينة، أو (وهو الأرجح) نقلاً عن بطرس أو يوحنا. وكان فرضاً على من أحبّوا يسوع أن يبلغوا الخبر لأمه مهما كان الأمر ثقيلاً عليهم.

وإن كان هذا الذي أسلفنا هو التقدير الصحيح لسير الحوادث، فتكون جماعة صحابة يسوع في أورشليم قد نقص عددها في صباح يوم الجمعة من ستة عشر شخصاً إلى سبعة، بينهم خمس من النساء. ولم أن أحداً من التسعة الآخرين أفلح في الانضمام إلى بطرس ويوحنا أو إلي النساء، لكنّا سمعنا عنه في القصة.

ومما يرجّح اختفاء التلاميذ التسعة، أن الأشخاص الذين ذًكروا في المشهد الأخير أمام الصليب كانوا من بين هؤلاء السبعة فقط. وكانوا كلهم هناك، ما عدا اثنين لهما أعذار تبرر غيابهما وهما بطرس وأظنه قد اختلى إلى مكان منعزل إنساناً كسير القلب موجعه، نادماً مستغفراً، ذليلاً متحسراً. ويونّا وأظنها كانت مشغولة بأداء واجباتها الرسمية لأن هيرودس كان مقيماً في أورشليم مؤقتاً في تلك الفترة.

ومهما برح الألم بقلب الأم، فما من شدة تستطيع أن تحول بينها وبن الوقوف في ساعة النزع الأخيرة، ومن ثّم نراها هناك واقفة عند قدمي الصليب. كذلك نرى هناك يوحنا على أهبة أن يتلقّى وصية البنوة للأم الثكلى، ومريم زوجة كلوبا، ومريم المجدلية، على مقربة من الصليب أيضاً.

كل هذا يتسق تماماً مع الذي نتوقعه. فحتى لو كان الأحد عشر تلميذاً شهوداً للحادث يشاطرون معاً تبعاته وآلامه وأحزانه في ذلك الصباح الرهيب، لكنّا ننتظر أيضاً أن يكون النسوة هناك، وذلك لأن أضعف النساء بنية وأهزلهنّ جسداً، ينجذبن بقوة غالبة إلى خدمة الموتى والعناية بهم، ولو كان ذلك في ظروف رهيبة مريعة تهدّ أعصاب أقوى الرجال هدّاً. وأن وقوف النسوة في هذا المشهد الرهيب، ووقوف التلميذ الحبيب يوحنا في ساعة الضيق والشدة، من الأمور البشرية الطبيعة. هنا صورة من صور الحياة الحقة. ولم كتب المؤرخون المدققون وصفاً لهذه المأساة، لما كتبوا غير هذا.

ثم انظر الآن إلى الحوادث التي تعاقبت سراعاً: وعندي أن موت المسيح على الصليب، بالمعنى الجسماني الكامل، حتى قبل أن يخرق الجندي الروماني جنبه بحربته، من الحقائق التاريخية التي لا يتناولها ريب أو شبه ريب. فإن الوثائق والروايات كلها تؤيدها. ويقول كاتب بشارة مرقص، وهي أقدم بشائر الإنجيل، إن بيلاطس نفسه أيقن هذا الأمر بسؤاله قائد الجند الذي عُهد إليه بالصلب، قبل أن يعطي الإذن بنقل الجسد من فوق الصليب. ولم يكن يخطر ببال أحد أن يرتاب في هذه الحقيقة أو يخامره شك في أمرها في العصر الذي عاش فيه شهود العيان.

ولم يجسر أحد في خلال أجيال التاريخ على إثارة شبهة، إلى أن قامت جماعة العقليين في أوائل القرن التاسع عشر، وأبرزت للناس ذلك الزعم الغريب السقيم بقولهم إن يسوع لم يمت ولكنه أُغمي عليه فقط، ثم استفاق من هذا الإغماء حين أحسّ ببرودة القبر المنحوت في الصخر. وقد فنّد العلامة “ستروس” هذه النظرية تفنيداً شاملاً، وسنعود إليها في فصل تالٍ من هذا الكتاب.

وقد أجمع كُتّاب البشائر الأربعة أن يوسف الرامي طلب إلى بيلاطس عقب موت يسوع أن يأذن له بدفن الجسد. وهنا نرى رجلاً في مكانة اجتماعية ممتازة، وفي وظيفة رسمية محترمة، يقطع نفسه من كل علاقة بحزب الكهنة، ويلتمس إذناً من الوالي الروماني لدفن المتهم المصلوب دفناً كريماً لائقاً.

ومما يقوله بعضهم إن الباعث الذي دفع ذلك الرامي إلى هذا العمل، هو رغبته في احترام الشريعة اليهودية والقيام بشعائر الدفن التي أوجبتها. ولا يسعني أن أقبل تعليلاً كهذا وأمامي من الأدلة من ينقضه. فقد كان هناك على الصلبان ثلاثة أجساد يجب مواراتها قبل مغيب الشمس، لا جسد واحد. ولم يُذكر، لا تلميحاً ولا تصريحاً، أن يوسف الرامي التمس الإذن بدفن اللصين الآخرين، إنما كان غرضه الأوحد أن يؤدي واجب التكريم والاحترام لجسد يسوع. ورواية الإنجيل الكريم تؤيد هذا الرأي كل التأييد. فقد قيل إنه لم يكن راضياً في مجلس السنهدريم عن قتل يسوع.

ويقول البشير لوقا عنه إنه “كان ينتظر ملكوت الله”. ويفصح يوحنا بأسلوب غير هذا فيقول إنه “تلميذ يسوع ولكن خفية بسبب الخوف من اليهود”. ولكن الحوادث الجسام تفتق في أخلاق الرجال البسالة والإقدام. وبعد أن قضى يسوع ولم يعد لأعدائه أرب ضده، ارتفع يوسف الرامي إلى مستوى الآمال الخفية التي جاشت في نفسه، وتذرّع بالشجاعة فذهب إلى بيلاطس ليأذن له بدفن الجسد.

على أن البشير يوحنا يضيف إلى قصته معلومات أخرى ترجحها الحوادث كل الترجيح. فقد قال إنه بعد الحصول على إذن بيلاطس بدفن الجسد، أحضر الراميّ معه نيقوديموس – وهو الحبر اليهودي الذي جاء إلى المسيح ليلاً على قول هذا البشير نفسه. وقد كان لذينك الرجلين تفكير مشترك وآمال مشتركة. فكلاهما من الطبقة الحاكمة، وكلاهما أضمر ليسوع خفية كل معاني الاحترام والإخلاص.

فلم يكن من المستبعد أن ينضما معاً آجلاً أو عاجلاً. وهي هناك ساعة يحق لهما فيها أن يتواعدا ويتآلفا غير هذه الساعة التي خشيا أن يوارى فيها جسد من كان موضع احترامهما وتقديرهما في لحد لا يليق بكرامته؟ حقاً كانت تلك الفرصة الأخيرة والوحيدة التي يستطيعان فيها أن يؤديا للمسيح جهراً بعض معاني الإخلاص الذي أنكراه عليه في حياته.

وجدير بنا أن نذكر هنا أن شهود العيان المسيحيين الذين راقبوا ما حدث في ذلك الدور من المأساة، كانوا على الأرجح النسوة الثلاث فقط – وهنّ مريم زوجة كلوبا وسالومة ومريم المجدلية. ويكاد يكون مؤكداً أن أم يسوع قد تحطمت أعصابها تحت ضغط الحوادث. وفي رواية الإنجيل ما يُلمح إلى هذا.

وطبيعي ألا تقوى على الوقوف صاحبة ذلك القلب المعذب التي ذاقت مرارة الكأس الرهيبة وهي تشهد متوجعة متفجعة آلام ابنها وهو ينازع الموت على الصليب. ولا عجب أن تنهار قواها الجسمانية ويدركها الإعياء والكلال بعد أن تقف ساعات عند قدمي الصليب تشاهد ابنها المعذّب المائت، فيأخذها يوحنا التلميذ الذي أودعت إلى عنايته مسنداً إياها وسط الجموع الخشنة الفظّة إلى الدار التي اتخذها مقاماً مؤقتاً في أورشليم.

ولكن في رواية الإنجيل شهادة ثابته تؤيد أن اثنتين من النسوة على الأقل بقيتا إلى آخر مشاهد هذه المأساة، وقد ذكر أسماءهن كُتّاب البشائر الثلاث الأولى. وقد أجمعت الروايات الثلاث على شيء غريب، وهو بقاؤهن يشهدن مراسم الدفن من بعيد. وكأن الظروف قد قضت بألا يشتركن اشتراكاً فعلياً فيها.

وهذا وحده يعبّر أصدق تعبير عن احتمالات الموقف، فلو صحّ ما ذهب إليه كُتّاب البشائر الأربع – وهو صحيح – من أن يوسف الرامي الذي قام بالدفن، رجل من ذوي النعمة والثراء، وغريب عن أولئك النسوة، فإنه طبيعي أن يتمنّع النساء عن الاشتراك معه لأنه غريب عنهن، فضلاً عن مكانته الاجتماعية التي تجعل فارقاً بينه وبينهن.

وهناك اعتبار آخر نضعه في مرتبة الحقائق التاريخية، ذلك أنه لم يكن معقولاً أن يقوم يوسف الرامي وحده بكل إجراءات الدفن دون معونة آخرين. فإن لف الجسد في أقمطة من الكتان طولها ثمانية أقدام (حسب التقاليد اليهودية) يحتاج على الأقل إلى أربع أيد ثم أن نقل الجثة من تلّة الإعدام إلى بستان القبر – وإن تكن المسافة قريبة – لا بد يحتاج إلى رجلين قويين لحمل جسد لم يكن من الهين حمله بسبب الجروح التي أثقلته وأثخنته ونلاحظ أن البشائر الثلاث الأولى التي لم تشر إلى نيقوديموس في هذا المقام، قد صمتت أيضاً، فلم تذكر أحداً من المساعدين.

على أن وجودهم مع يوسف الرامي أمر مسلّم به، ولعلّ نيقوديموس كان واحداً منهم، وهو أيضاً كان غريباً عن النسوة اللاتي وقفن من بعيد يشهدن التكفين.

ومسألة المعونة في حدّ ذاتها تافهة القدر. ولا يعنينا كثيراً أن يكون يوسف الرامي قام بالتكفين وحده أم قام به مع آخرين، على أن للمسألة وجهاً آخر يتصل بالمشكلة اتصالاً مباشراً كما سنرى فيما بعد.

تلك كانت الأزمة التي أدركت صحابة يسوع في ذلك اليوم المأثور في التاريخ البشري، يوم الجمعة العظيمة. ونحن حين نلقي اليوم نظرة على هذه الاعتبارات كلها، نتأثر أيما تأثير بتلك الحادثة البعيدة في التاريخ القديم، التي لا تنسجم فقط مع نصوص الوثائق التي بأيدينا، بل تتمشى مع أحوال الحياة البشرية وأطوارها. ثم تعود هذه القطع المبعثرة المحطمة إلى التجمع والتساند في كلّ لا يقبل التجزئة. ولسنا نغلو حين نقول أن هذه القصة الهادئة في سردها، المقتصدة في لغظها، تمثل الحقائق كاملة في تلك المأساة الخطيرة التي لا مثيل لها في التاريخ من حيث نتائجها وثمارها.

ومن ثم نرى مصداقاً لقانون الإيمان المسيحي القديم، إن يسوع “تألم في عهد بيلاطس البنطي، وصُلب، ومات، وقبر…… ” وهنا وضعت نقطاً سوداء في هذا الفراغ بدل النص المشهور، وذلك لأني كنت أقف عنده متمنعاً في أيام شبابي عند تلاوة قانون الإيمان في الكنيسة، فلا لساني كان يطاوعني على النطق، ولا عقلي كان يتساهل في التسليم. والقارئ الذي يعرف نصّ قانون الإيمان يفهم علّة هذا الإحجام. أما الآن فإني أحسُّ إحساساً مغايراً. لقد تصارعت مع هذه فوجدتها أصلب عوداً مما كنت أظن. ومن الهيّن أن تقول إنك لن تؤمن بشيء لا يتّسق والفكر العقلي في الكون.

ولكن هب أن الحقائق لن يمكن صبّها في ذلك القالب العقلي، فماذا يكون موقفك؟ إن المنصف الأمين لا يسعه إلا بحث هذه الحقائق في صبر وهوادة، في إنصاف وغير تحيز، ليرى إلى أين يؤدي به البحث. وهذا ما سأفعله في الفصول التالية.

فصول كتاب من دحرج الحجر

الموقف بعد ظهر يوم الجمعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

التجلي على جبل ثابور (طابور)

التجلي على جبل ثابور (طابور)

التجلي على جبل ثابور (طابور)

التجلي على جبل ثابور

سأتناول في هذا الموضوع، حادثة التجلي الإلهي على طور ثابور، ومعاني هذا التجلي، وذلك من خلال نصوص العهد الجديد، من جهة، والليتورجيا الأرثوذكسية، من جهة ثانية.

ترد حادثة التجلي الإلهي على طور ثابور، في العهد الجديد، عند اكثر من انجيلي: (متى 17: 1-13)، (مرقس 9: 2- 11)، (لوقا 9: 28-36)، (2 بطرس 1: 16-18)[1]. أما القراءات الثلاث التي نسمعها في صلاة غروب العيد، فهي كالعادة من العهد القديم، وقد اعتمدتها الكنيسة لتدخلنا في سرّ التجلي، وتحضر عقولنا وقلوبنا للارتقاء نحو الله في كل منعطفات برّية حياتنا.

مكانة الجبال في الكتاب المقدس:

للجبال مكانة مرموقة في كل الحضارات والأديان. انها مهبط الوحي. وشموخها رمز للمهابة والكبر. في كل البلدان جبال ترتبط بتاريخ مقدس. الكون يبدأ من ذرى الجبال، من حيث تربض الآلهة. من الجبال يستمد المرء خلاصه وعونه: “إلى الجبال رفعت عيني من حيث يأتي عوني”. وفي عقل اليهود، الله يقيم في الجبال. جبل اليهود، صهيون. وجبل السامرة، جيرزيم.

ثم جاء الكتاب المقدس[2]، وأبقى على الصور والرموز، بيد انه روحن المفاهيم، ورفع الجمود، وشرّع الافاق. مع سفر الملوك نسمع عبارة “إله السهول” (1 مل 20: 23-28). وفي هذا صواب خالص، فالله لا يقيم في الجبال فقط، لأنه ليس حبيسها، ولا في السهول وحسب، لأنه لا يُرتهن لها. انه في كل مكان. ان اعز مكان يرتاح إليه الله ليقيم فيه، يبقى دائماً: القلب.

لقد أطلق يسوع مفاهيم جديدة وفجّر القديمة (يوحنا 4: 20-24). وكل ذلك لأن مهابة الله وجلاله تفوق شموخ الجبال. الله حاضر في كل مكان، لا على الجبال فقط. والجبال العظيمة مدعوة إلى عبادة الله (دانيال 3: 75)، (مزمور 148: 9). وهي تفرح عندما يفتقد الله شعبه (أشعياء 44: 23).

لقد خصّ الله بعض الجبال بأدوار مجيدة. عليها كان مهبط الوحي، وحضرة الله، فكانت بقعة مقدسة، وقدس اقداس (خروج 3: 1-5). على الجبال سلّم الله عبده موسى الوصايا. وإليها لاذ القديسون للاستجمام. ايليا وأليشع، على الكرمل (1 مل 18: 42)، (2 مل 1: 9) وبطرس ويعقوب ويوحنا على جبل ثابور (متى 17: 1-13)، (مرقس 9: 2-11)، (لوقا 9: 28-36)، (2 بطرس 1: 16-18).

ان ارتفاع الجبال وشموخها هي مساهمة في هدوئها، للتهجّد عليها، والوقوف في حضرة الرب للصلاة. لكن جبل سينا غرق في اعماق الماضي وطواه النسيان. اما جبل صهيون فما يزال يحتفظ بقيمة اسكاتولوجية (أشعياء 2: 2-3)، (أشعياء 24: 23)، (أشعياء 25: 6-10).

ويسوع له المجد، أحب الجبال، وكان لها في قلبه حظوة. عليها كان يعتزل كي ينقطع للصلاة (متى 14: 23). الجبال كانت له المكان المحبب، فقد حجبت الاضواء عنه في غير اوانها إلى أن غُمر الكل بأنوار ثابور. على جبل الزيتون صلى مراراً. على الجبل كسر جبروت ابليس وغلب التجربة. من الجبل انزل على القلوب لآلئ العظات في شكل تطويبات. من الجبل أعلن محوريته وربوبيته على الكون والخليقة. من الجبل استحضر الأنبياء للشهادة له بعد ان أُدرجوا في اعماق التاريخ (متى 17: 1-13).

ومع هذا تبقى رسالة المسيح فوق ان تنحصر بجبل او ان تحد بجغرافيا. ولكن شاءت الرهبنات عبر التاريخ، ان تقوم، اسوة بجبل التجلي على قمم الجبال، وذلك طمعاً في هدوء وسكينة، ورغبة في مزيد من انطلاق وانعتاق. وسواد الأديار يقوم فوق ذرى الجبال. لؤلؤة الديار الرهبانية الاثوسية تقوم على جبل وفي شبه جزيرة. طور سيناء الكاتريني[3] يربض بهدوء ليرقب الصحراء المترامية، من علو. اديارنا المشرقية سارت في الركب ذاته فشمخ السكن عليها لتعم بركاتها على القلوب سلاماً وهدوء وعبادة مع تقديس.

وفي العهد الجديد نجد لوقا رهبانياً في تطلعاته ودعواه. فهو يرى في الصعود إلى أورشليم، معراجاً إلى المجد عبر درب الصليب. ليس ارتقاء الجبل حجاً مبروراً في ذاته، إلا إذا كان اطاراً ليتورجياً منه يتكلم الرب عن نهاية العالم الوشيكة (متى 24: 3)، (مرقس 13: 3). والواقع بعد هذا ان الكتاب الإلهي لا يزوّد الجبال بامتيازات كحال العهد القديم. فعند بولس نجد طور سيناء بيتاً للعبودية (غلاطية 4: 24-26). واورشليم ذاتها، ما عادت تقوم على جبل (حزقيال 40: 2). فالجبل حسبنا به، مرصد، منه نرقب اورشليم النازلة من علو (رؤ 21: 10). ان كل قلب أصبح جبلاً عليه يهبط الإله ليرتاح.

التجلي:

ما من شك ان تجلي الرب نموذج تعزية وعربون للملكوت الآتي. لهذا السبب نجد بطرس الرسول يصف التجلي على انه “قوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه” (2 بطرس 1: 16). الأنوار الثابورية هي فيض دائم لأنوار الوهية الرب. انها علامة تعزية للمتعلقين به والمعلقين رجاءهم عليه. قبل التجلي كانت اطلالة الرب علينا بتواضع. اما في تجليه فإن بهاءه السني ينبلج، واشراقات ألوهيته تسطع لتفوق – كما هي حقيقة – ضياء الشمس. وكل ذلك كان تعزية لتلاميذه الذين سيشهدون بعد أيام، تسليمه وموته وصلبه في أورشليم.

لقد اختار الرب جبلاً عليه اماط اللثام عن الوهيته وربوبيته على العهدين القديم والجديد. اختار القمة ليعتلي، وهو القائل: من غير الممكن ان تخفى مدينة على جبل.

ان التجلي على الجبال جاء متناغماً مع التسليم والموت الوشيكين. وهكذا نأتي إلى قناعة من ان العزلة هي لغرض روحي، انها إطار حيوي لتجلي الرب فينا. إلا ان العزلة تقترن بالسمو والارتقاء: “لأنكم ان كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله” (كلوسي 3: 1). ان في الارتقاء نداء لنا ودعوة كي نرتقي ابداً. “بعد هذا نظرت وإذا باب مفتوح في السماء. . . الذي سمعته كبوق يتكلم معي قائلاً: اصعد إلى هنا فأريك ما لابدّ ان يصير بعد هذا” (رؤ 4: 1).

لقد اصطحب الرب معه، في التجلي ثلاثة من تلاميذه فقط: بطرس ويعقوب ويوحنا. لماذا هؤلاء فقط؟ لماذا لم يأخذ معه الاثني عشر؟ السبب العميق يقوم في حكمته الإلهية. هو وحده يحمل الجواب ويعرفه. ولكن اختيار الثلاثة فقط يأتي منسجماً مع الشريعة التي تنصّ على ان كل شهادة ينبغي ان تقوم على فم شاهدين او ثلاثة (تثنية 17: 6). ربما لنفس السبب اختار بطرس ويعقوب ويوحنا عندما اقام ابنة يايرس من الموت (مرقس 5: 73-40).

وهؤلاء ايضاً كانوا ايضاً معه في نزاعة على الجشمانية قبل التسليم. ومع هذا ليس عند الرب محاباة (رومية 2: 11) فهو لا يؤثر احداً على اخر، ويريد الكل ان يخلصوا وإلى معرفة الحق يقبلوا. لماذا كان تجلي الرب على الجبل؟ لقد تجلي الرب كي يظهر نفسه لتلاميذه. اضاء كالشمس. في التجلي يبدو يسوع نوراً، لا بل مصدر النور الحقيقي. ويوحنا يدعوه نوراً (يو 1: 5). ومن كان نوراً فمن البديهي ان يكون في النور (1 تي 6: 16)، ويلبس النور (مزمور 104: 2). ودستور إيماننا يؤكد ذلك ” . . . نور من نور، إله حق من إله حق . . .” كيف حصل التجلي؟ لقد حصل على مراحل:

  • تغيرّت هيئته.
  • اضاء وجهه كالشمس.
  • صارت ثيابه بيضاء كالنور (متى 17: 2).

لقد شهد لهذا التجلي السماويون والأرضيون. السماويون (موسى وايليا). والأرضيون بطرس ويعقوب ويوحنا. وهنا سؤال: ما علاقة موسى وايليا بما حصل؟

موسى وايليا ظهرا واحد عن اليمين وآخر عن اليسار. ايليا هو نبي الغيرة. اما موسى فهو نبي الشريعة وله تنسب الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم. كذلك فإن موسى هو الذي تسلم الوصايا من الله. ان ظهور هذين النبيين يأتي في التجلي منسجماً مع قول السيد: “. . . موسى والأنبياء عني تكلموا” (لوقا 24: 27). فاللذان ظهرا، سبق ايضاً ان تكلما عن الرب. كذلك فإن ايليا هو الذي رفع حياً وها هو يرجع بقوة المسيح كي يشهد لألوهته.

وبعد أن يعلنها يختفي من جديد حتى القيامة العامة. ايليا هو خادم المسيح على ما نتعلمه من مشهد التجلي. كيف ذلك؟ نسمع في (لوقا 9: 30): “وإذا رجلان يتكلمان معه وهما موسى وايليا”. وهذا ما يرد ايضاً عند (متى 17: 3). لكن ماذا كان هذان يقولان له؟ في (لوقا 9: 31) نجد الجواب واضحاً. ما هو؟ فلنسمع “اللذان ظهرا بمجد وتكلما عن خروجه الذي كان عتيداً ان يكمّله في أورشليم”. ما معنى هذا؟

وجود هذين النبيين يشير ببساطة إلى عميق الصلة بين العهدين، وايضاً يركًز على محورية يسوع وربوبيته على العهدين. يسوع قطب العهدين وهو الألف والياء. وجود موسى وايليا يشير إلى ان يسوع هو كمال الأنبياء والناموس، وانه مسيّا المنتظر.

والملفت للانتباه اننا نجد في لوقا ان موسى كان يكلّم الرب عن الآلام التي كان يوشك ان يقتبلها في اورشليم. وهذا يعني ان موسى ليس غريباً عن سرّ الفداء الذي تم بيسوع. (لوقا 9: 29-32).

وجود موسى يعني ان الشريعة هي حيث يوجد المسيح، وهي في الوقت نفسه مؤدب لنا إلى المسيح. أما ايليا فوجوده يعني انه يحضر ويصمت في حضرة مسيا. النبي ايليا ظلّ صامتاً ليسمع الكلمة. وهكذا فالشريعة والنبوة يتوقفان ويصمتان، وتبقى الشهادة المصاحبة لـ: “له اسمعوا”.

ما العبرة من وجود موسى وايليا؟

  • ناموس موسى ونبوة ايليا هي طريق إلى المسيح.
  • الناموس والخدمة والغيرة مع ايليا، هي من اجل الاعداد لمجيء المسيح.
  • وجود موسى وايليا أكد بأن يسوع متميز عنهما (متى 16: 14).
  • وجود موسى يعني بقاء الناموس، لا نقضه، بمجيء المسيح.
  • اعمال يسوع ليست لكسر الناموس والغائه. فكلام موسى مع يسوع يؤكد تتمة لا نقضاً، تسلسلاً لا إلغاء
  • يسوع سيد موسى وايليا.
  • يسوع سيد الأحياء والأموات.
  • يسوع فقط: له اسمعوا.
  • كلام النبيين يؤكد حتمية الصلب لإكمال الفداء. اي ان سر الصليب كان في العهد القديم.
  • يسوع ابن الله الذي اتى في ملء الزمان والأنبياء كانوا ليعدوا الطريق لمجيئه (عب 1: 1)،
  • مع يسوع، يكتمل دور موسى وايليا، وبدون يسوع يبقى دورهما ناقصاً وغامضاً.
  • بطرس قرأ الحدث على ضوء كتابات الأنبياء (2 بطرس 1: 1-19).
  • وجود موسى وايليا يؤكد ان المسيح هو غاية الأنبياء (عب 1: 1)،

وماذا بعد؟

في الخروج الله يعطي موسى الشريعة. اما في العهد الجديد، فالله يكشف الاقنوم الثاني القدوس، ابنه الوحيد. بعد هذا الكشف، ينبلج النور، وتظهر السحابة، سحابة الحضرة الإلهية. في القديم نزل مجد الله على الجبل وسط سحابة وهنا على ثابور ينزل الله في انواره محاطاً ايضاً بسحابة.

ويقول الله لموسى: “وجهي يسير امامك فأريحك. فيقول موسى: “فإن كنت قد نلت حظوة في عينيك، فأظهر لي ذاتك حتى اعرفك”. ويكون جواب الرب: “انت لا تقدر ان ترى وجهي، لأنه لا يبصر انسان وجهي ويحيا”. الله يخاطبنا كل حين على نحو ما كلّم موسى، ويخاطبنا كما يخاطب المرء صديقه. بيد أننا أكثر حظاً من موسى، لأننا قادرون ان نتأمل في وجه الله في شخص الأبن الحبيب يسوع المسيح.

وكما أن الرب دعا موسى إلى الجبل، هكذا ايضاً نجده يدعو ايليا للإرتقاء إلى الجبل: “اخرج وقف في الجبل امام الرب”. ثم اخذ ايليا ينتظر ورود الرب، فلم يكن الرب في ريح عابرة، ولا في زلزال او نار، بل كان وروده مقروناً بنسيم لطيف، وكان الرب في النسيم. لقد دعا يسوع موسى وايليا من سباتهما، من اعماق التاريخ، من مئات السنين، كي يقفا في حضرته وعلى مرأى من الرسل الضعفاء، وذلك ليؤكد لحمة النبوءات واصالتها. في جبل التجلي جماعة الله في العهدين ممثلة بالأنبياء والرسل، تقف في حضرة الرب. الكنيسة، البشر المتعطشون للمسيح في الماضي والحاضر والمستقبل ها هي تتحلّق حول سيدها. الرسل لا ينزعجون من وجود ايليا وموسى.

امام هذه المهابة والجلال يختفي موسى وايليا ليبقى الرب الحي امام تلاميذه.

لقد تجلي الرب بنور يفوق ضياء الشمس وذلك كي يراه التلاميذ الذين سيشاهدونه بعد أيام ماضياً إلى اورشليم الآلام. يسوع لا يموت، انما رضي الموت بالجسد كي يميت الموت ويهبنا الحياة والنعيم بسلطانه الإلهي له المجد إلى الأبد آمين.

 

هوامش الموضوع:

[1] ملاحظة: بطرس الرسول ليس إنجيلياً.

[2] العهد الجديد.

[3] نسبة للقديسة كاترينا التي يحمل دير سينا اسمها.

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

 

التجلي على جبل ثابور (طابور)

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

·         طبيعة النبوة

·         وظيفة النبوة

·         مهمة التفسير الاستنتاجي

·         بعض الاقتراحات التفسيرية

·         المنظور النبوي للأحداث المتعاقبة

إن أسفار الكتاب المقدس التي تندرج تحتَ هذا النوع من أنواع النصوص يزيد عددها عن أسفار أي نصوص أخرى. فهناك أربعة أنبياء كبار (أشعياء، إرميا، حزقيال، دانيال) واثنا عشر نبياً صغيراً (آخر اثنا عشر سفراً بالعهد القديم) وقد كُتِبَتْ جميعاً ما بين 760 – 430 تقريباً ق.م.، وتحتوي على عدد كبير من الرسائل الإلهية. أما الأنبياء الصغار فقد تم تسميتهم كذلك لأن أسفارَهم جاءت قصيرةً نسبياً بالمقارنة مع أسفار الأنبياء الكِبار الطويلة. وهنا نقول بأن هاتين التسميتين لا علاقةَ لهما إطلاقاً بأهمية تلك الأسفار.

طبيعة النبوة

قبل البدء بدراسة مسألة النبوة وطبيعتها، علينا التنبيه أولاً إلى أن الأسفار النبوية تُعَدُّ من أكثر أجزاء الكتاب المقدس صعوبةً من حيث التفسير أو الفهم. وأسباب ذلك تعود إلى إساءة فهم وظيفة تلك الأسفار وصياغتها. وهنا يجدرُ بنا الانتباه إلى بعض الملاحظات الأولية قبل الخوض في بحث هاتين النقطتين.

من أهم مفاتيح فهمِنا للأنبياء هو أن نرى أنَّ نبواتِهم قد تَحَقَّقَتْ فعلاً.

معنى النبوة

إن أول صعوبةٍ تواجهُ معظم القراء اليوم عند قراءتِهم لأسفار النبوة عادةً تنشأ من عدم الدقة في الفهم المُسَبَّق لكلمة “نبوة” إن أن معنى هذه الكلمة عند أغلب الناس هو ما تورده معظم القواميس أولاً عند تعريف هذه الكلمة، وهو (التنبؤ أو التَكَهُّن بأمورٍ قبلَ حدوثِها)، لذلك فالكثيرون يميلون للرجوع إلى الأنبياء فقط من أجل الحصول أو الاطِّلاعِ على النبوات التي أَخْبَرَتْ عن مجيء السيد المسيح أو عن سمات عصرِ العهدِ الجديد فقط – وكأن هَمَّ الأنبياءِ الرئيسي كان التَكَهُّن بأحداثٍ بعيدةٍ في زمنِها عن يومهِم هم.

لكن الحقيقة أن التعامل مع الأسفارِ النبوية بهذه الطريقةِ لَهُوَ نوعٌ من الانتقائيةِ الكبيرة. وحول هذا الأمر، تأَمَّلْ الأرقامَ التالية: إن نبواتِ العهدِ القديمِ عن المَسِيَّا تَقِلُّ عن 2% من مجموعِ النبوات. أما النبوات التي تصِفُ عصرَ العهد الجديد بشكلٍ خاص فتَقِلُّ عن 5% وما يتعلقُ بأحداثٍ مستقبلية فتَقِلُّ عن 1%.

لقد قامَ الأنبياءُ حقاً بإعلانِ المستقبل، لكنهُ كان مستقبلاً مباشراً لإسرائيل، ويهوذا، وللأمم الأخرى المحيطةِ بهما، ولم يكنْ المستقبل الخاص بنا نحنُ. لذلك، فإن واحداً من أهم مفاتيح فهمِنا للأنبياء هو أن نرى أن نبواتِهم قد تَحَقَّقَتْ فعلاً، بمعنىً آخر، علينا العودة والنظر إلى الأزمنةِ السابقةِ، التي مع كونِها ماضياً بالنسبةِ لنا فهي كانتْ مستقبلاً بالنسبةِ لهم.

الأنبياء كَمُتَحَدِّثينَ باسم الله

إن النظرَ إلى الأنبياءِ كَمُجَرَّد متنبئينَ عن المستقبل يجعلُنا نُغْفلُ عملَهم الأساسي، الذي يتمثلُ في التكلُّمِ إلى مُعاصرِيهم باسم الله. كما أنَّ ما يُسَبِّبُ الكثيرَ من الصعوباتِ لنا في فهم النبوات هو طبيعتها الكلامية أو الشفهية؛ إذ نحنُ نلاحظُ فقط تركيز هذه الأسفار على الرسائل الإلهية المكتوبة لنا من خلال الأنبياء في الوقت الذي لا يتمُّ فيه التركيز على سيرتِهم الذاتية.

في أسفارِ الأنبياء، نحنُ نسمعُ عن الله بواسطةِ الأنبياء، بينما لا نسمعُ إلا القليل عن سِيَرِ الأنبياءِ أنفسِهم.

مثلاً، إن من بين مئاتِ الأنبياء في إسرائيل، هناكَ ستَّةَ عشر نبياً فقط اختارهم الله ليتكلموا برسائل إلهية للناس تَمَّ فيما بعد جَمْعُها وكتابتٌها في أسفار. بالإضافةِ إلى أنبياء آخرين، مثل إيليا وأليشع، نعلم أنهم قد قاموا بدورٍ فَعَّالٍ في نقل كلمة الله إلى شعبِهِ وإلى أُمَمٍ أخرى غير بني إسرائيل. إلا أن ما نعرفٌه عن هؤلاء الأنبياء هو أكثر مِمَّا نعرفُهُ عن نَصِّ كلامِهِم. فما فعلوهُ وُصِفَ لنا بتفصيلٍ أكبرَ جداً مما قد قالوه، وما قالوه تَمَّ ورودُه بتحديدٍ وبوضوحٍ في قرينةِ عصرِهِم على يَدِّ كُتَّابِ قصص العهد القديم التي ظهرَ فيها هؤلاء الأنبياء.

لكن، وبالنسبةِ لأنبياءَ قليلين فقط مثل “جاد” (1 صم 22، 2 صم 24) و”ناثان” (2 صم 7، 12؛ 1 مل 1)، أو “خلدة” (2 مل 22: 14)، نجدُ جمعاً ما بين النبوة والسيرة الذاتية ونرى نظيراً لهذا الأمر في حالة يونان النبي وبدرجةٍ أقل في حالة دانيال النبي. لكن، وبصورةٍ عامةٍ، فنحنُ نسمع في قصص العهد القديم عن الأنبياء ونسمع عن الله بواسطتِهم، لكن ما نسمعُه منهم أقل مما نسمعه عنهم وعن سيرتهم.

أما في أسفارِ الأنبياء، فنحنُ نسمعُ عن الله بواسطةِ الأنبياء بينما لا نسمعُ إلى القليل عن سِيَرِ الأنبياء أنفسهم. ولَعَلَّ هذا الفرق الوحيد يُفَسِّرُ معظم المشكلات التي يواجهها الناسُ عادةً عند محاولتِهم فهمَ ما تقوله الأسفارُ النبوية في العهد القديم.

علاوةً على ذلك، فهل لاحظتَ قبلاً مدى صعوبةِ قراءةَ أحد الأسفارِ النبوية الطويلة في جلسةٍ واحدةٍ؟ ما السبب في رأيك؟  أولاً، نحنُ نعتقدُ أن هذه الأسفار على الأرجح لم يُقْصَدْ بها أن تُقْرَأَ بتلك الطريقة. فهي في معظمِها تجميع لرسائل إلهية شفهية، وهي كثيراً ما تخلو مما يحدد لها بداياتٍ أو نهايات. كما أننا كثيراً ما نقرأُها بدون معرفةِ خلفيتها التاريخية، إضافةً إلى أن معظم الرسائل الإلهية الشفهية قد قِيلَتْ شِعراً، ونحنُ سنسهبُ في الحديث عن هذا الأمرِ لاحقاً.

مشكلة التاريخ:

إن مسألةَ البعدِ التاريخي تُعَدُّ مشكلةً أخرى تزيدُ في تعقيدِ فهمِنا للأسفارِ النبوية. فنحنُ – كقُرَّاء معاصرين – نجدُ صعوبةً في فهم كلمة الله في وقتنا الحاضر، كما تَكَلَّمَ بها الأنبياء، أكثرَ بكثيرٍ مما وجدَهُ بنو إسرائيل الذين سمعوا النبواتِ مباشرةً. فالأمورُ الواضحةُ عندَهم، مبهمةٌ عندَنا.

لماذا؟ من ناحيةٍ، لأن للسامعينَ المباشرينَ لكلام النبي امتيازاً واضحاً على أولئكَ الذين يقرأونَ كلامَهُ منقولاً إليهم (انظرْ ما قُلناهُ عن الأمثالِ في الفصل الثامن). ومن ناحيةٍ أخرى فإن الصعوباتِ الحقيقية التي نواجهها ليستْ بسبب أننا لم نكن السامعين المباشرين لها فقط، ولكن لكونِنا بعيدين أيضاً عن الحياةِ الثقافيةِ والتاريخيةِ والدينيةِ لشعب إسرائيل القديم، الأمرُ الذي يسبب لنا صعوبةً كبيرةً جداً في وضع الكلماتِ التي نطقَ بها الأنبياءُ ضمن قرينتِها التاريخية؛ إذ كثيراً ما يصعُبُ علينا إدراكَ ما كانوا يشيرونَ إليه ولماذا.

وظيفة النبوة

لمحاولةِ فهم كلام الله لنا من خلال هذه الاسفار ذات الوحي الإلهي، يجدُرُ بنا أولاً أن نفهمَ وبوضوح دورَ ووظيفةَ النبي في إسرائيل قديماً. والتركيز الشديد على أمورٍ ثلاثة:

كان الأنبياءُ كوسطاء تطبيق العهد: لقد قَدَمْنا شرحاً في الفصل السابق عن أن ناموس بني إسرائيل كان قد شُكِّلَ كعهدٍ بين الله وشعبِهِ. وهو كعهدٍ، لم يحتوِ على مجرد قواعد ينبغي الالتزامُ بها، بل نَصَّ أيضاً على أنواع عقوباتٍ كان الله يُنزلها حتماً على شعبِهِ إن لم يحفظوا الناموس، إضافةً إلى الفوائد التي كانوا يجنونها إن هم حفظوه.

وكثيراً ما سُمِّيَتْ هذه العقوبات “بلعنات” العهد والفوائد “ببركاتِه”. لكن هذه التسمية ليستْ بذات أهمية، فالذي يهم هو أن الله لم يقُمْ فقط بمجرد إعطاء الناموس، لكنه كان ينفذه. لقد كان موسى النبي وسيط شريعة الله عندما أعلن الله أولاً عن هذه الشريعة. وبالتالي فهو نموذج للأنبياء باعتبارهم وسطاء الله أو المتحدثين باسمِه فيما يتعلق بالعهد. فبواسطتِهم يُذَكِّرُ الله الأجيال من بعد موسى بأنه إذا ما تَمَّ حفظُ الشريعة، فالبركة قادمةٌ وإلا فالعقابُ سَيَحِلُّ.

وأنواعُ البركات التي سَتَحِلُّ على بني إسرائيل لحفظِهم العهد نجدُها في سفر اللاويين 26: 1 – 13، التثنية 4: 32 – 40، 28: 1 – 14، مع وجود تحذير يرافقُ تلك البركات أنَّه إن لم يُطِعْ بنو إسرائيل شريعة الله فستنتهي تلكَ البركات. أما أنواع اللعنات التي عادةً ما ستنزل ببني إسرائيل إذا قاموا بانتهاك الشريعة فنجدها في لاويين 26: 14 – 39 وتثنية 4: 15 – 28، تثنية 28: 15 – 32 : 42).

لذا عليكَ أن تتذكرَ دائماً بأن الأنبياء لم يخترعوا البركات أو اللعنات التي أعلنوها. نعم، ربما قاموا بصياغة تلك البركات واللعنات بأساليب روائية، كما أوحى لهم الروح القدس. لكنهم وبكامل الصدق قاموا بنقل ما جاءهم من كلمة الله ولم يقدموا كلامهم هم..

فقد قام الله من خلالهم بإعلان قصدِه في تطبيق عهده للبركة أو للعنَّة بناءً على أمانة بني إسرائيل ودائماً وِفقَ أُسُس شروط البركات واللعنات الواردة في لاويين 26 وتثنية 4 وتثنية 28 – 32. إن قراءتَك لتلك الأصحاحات من أسفار الشريعة ستقودُكَ لفهمٍ أكبر للسبب الذي دعا الأنبياء لأن يقولوا ما قالوه.

باختصار، هذا ما ستكتشفه: إذ يحتوي الناموس على أنواعٍ معينة من البركات الجماعية الناتجة عن الالتزام بالعهد: وهي الحياة، والصحة والازدهار والوفرة الزراعية، والكرامة، والأمان. وتندرج معظم البركات المذكورة تحت إحدى تلك الفئات السِتِّ العامة. أما وفيما يتعلق باللعنات، فالناموس يصف عقوبات جماعية تنحصر في الأمور التالية: الموت والوبأ والقحط والمجاعة والخطر والدمار والهزيمة والسبي والعَوَز والخِزْي. ومعظم اللعنات عادةً ما تندرج في إطار تلك القائمة.

تنطبق هذه الأنواع على ما يُعلنُه الله من خلال الأنبياء. فعلى سبيل المثال عندما يعلن الله عن وعده بالبركة للشعب (وليس لأحد الأفراد) بواسطة عاموس النبي، فهو يفعل ذلك من خلال تشبيهات تتعلق بالوفرة الزراعية والحياة والصحة والازدهار والإكرام والأمان (عا 9: 11 – 15). وعندما يعلِنُ عن جزائه بالهلاك للأمة العاصية في أيام هوشع النبي، فهو يفعل ذلك مستنداً إلى اللعنات العشر التي ذُكِرَتْ سابقاً (انظر هو 8: 14؛ 9: 3). إذ كثيراً ما تكون هذه اللعنات مَجَازيةً مع أنها يمكن أن تكون حرفيةً أيضاً.

لكنها دائماً جماعية أو مشتركة، أي تقع على الأمة ككل. فالبركات واللعنات لا تتضمن أي ازدهار أو مجاعة لأي فردٍ بالذات. وتاريخياً، فإن غالبية ما أعلَنَهُ الأنبياء في القرن الثامن والسابع ومطلع القرن السادس قبل الميلاد كان لعنةً، وذلك لأن الهزيمةَ الكُبرى والدمارَ اللذينِ لحقا بالمملكة الشمالية لم يحدُثا إلا عام 722 ق.م. وأما ما لحقَ بالمملكة الجنوبية (يهوذا) فقد حصلَ عام 587 ق.م. وهكذا كان العقابُ قريباً من بني إسرائيل شمالاً وجنوباً خلال تلك الحِقبة.

لذلك فقد كان من الطبيعي أن تسبقَ تلك الأحداث كلماتُ اللعنةِ لا البركة، لأن الله كان يريد لهم أن يتوبوا. أما في فترة ما بعد الدمار الذي لحق بالمملكتين الشمالية والجنوبية، أي بعد عام 587 ق.م.، فكثيراً ما أوحى الله إلى الأنبياء بالتنبؤ بالبركات بدل اللعنات. والسبب في ذلك هو أن الله بعد ما أتَمَّ عقابَه لتلك الأمة، عاد فواصل خُطَّتَه الأساسية وهي إظهار الرجمة (انظر تث 4: 25 – 31) لعمل وصف إجمالي لهذا التسلسل.

قم أثناء قراءتِك للأسفار النبوية بتأملِها مستخدماً هذا النمط البسيط:

  • التعريف بخطية بني إسرائيل أو بمحبة الله لهم.
  • التنبؤ باللعنة أو البركةِ اعتماداً على حالة الشعب.

هذا النمط هو ما قام الأنبياءُ بنقلِهِ عادةً وفي أغلب الأوقات بحسب ما أُوحِيَ لهم من قِبَل الله.

رسالة الأنبياء هذه لم تنبُعْ منهم، بل من الله وحده: فهو الذي أقامهم (انظر خر 3: 1؛ إش 6؛ إر: 1؛ حز 1 – 3؛ هو 1: 2؛ عا 7: 14 – 15؛ يون 1: 1 … إلخ.). وإذاً ما تَجَرَّأَ نبيٌ بانتحالِ هذه الوظيفةِ لنفسِهِ، فهذا سببٌ كافٍ لجعلِهِ نبياً كَذَّاباً (انظر إر 14: 14؛ 23: 21). فالأنبياء كانوا يستجيبون لدعوة الله. والكلمة العبرية “نبي”، كما في العربية، مشتقةٌ من فعلٍ في اللغةِ السامية معناهُ “دعا”، وستلاحظُ أثناء قراءتِكَ لأسفارِ الأنبياءِ أنهم يَسْتَهِلُّونَ رسائلَهم أو يختمونَها أو يذكرونَ في سياقِها التذكيرَ التالي: “هكذا يقولُ الرَّبُ” أو “يقولُ الرَّبُ”.

وفي غالبية الوقتِ كانت الرسائلُ النبويةُ تُنْقَلُ مباشرةً كما تَسَلَّمَها الأنبياءُ من الرَّبِ وبضميرِ المُتَكَلِّم كأن اللهُ يتحدث عن نفسِهِ باستخدام “أنا” أو “ياء المتكلم”.

في غالبيةِ الوقتِ، كانت الرسائلُ النبوية تُنْقَلُ مباشرةً كما تَسَلَّمَها الأنبياءُ من الرَّبِ بضميرِ المتكلم، كأن الله يتحدثُ عن نفسِهِ باستخدامِ “أنا” أو “ياء المتكلم”.

ولأخذ مثالٍ أوضح، اقرأ الأصحاحين 27 و28 من إرميا. تأمل في صعوبةِ مهمة إرميا المتعلقةِ بإيصال الرسالةِ إلى شعب يهوذا، تلك الرسالة التي تقتضي الخضوع لجيوش العدو البابلي، وذلك فيما إذا أراد الشعب إرضاء الرَّب. لقد اعْتَبَرَ معظم سامعي إرميا رسالتَهُ هذه بمثابةِ خيانةً لشعبِهِ. مع أن إرميا، وعند نقلِهِ الرسالةَ، أعلنَ لسامعيه وبكلِ وضوحٍ بأنهم لم يكونوا يستمعونَ إلى وجهةِ نظرِهِ هو في الأمر، بل إلى رسالةِ الله. بدأ إرميا بتذكيرهِم قائلاً: “هكذا قال الرَّبُ لي” (27: 2)، ثم اقتبسَ أمرَ الله له قائلاً: “أرسلْها” (27: 3) “وأوصِهُم …” (27: 4)، وعادَ فأكملَ قائلاً: “هكذا يقولُ الرَّبُ”، فكلمةُ إرميا إذاً كانت كلمةَ الله وقتد تم تسليمُها لهم بسلطان الله (28: 15، 16) وليس بسلطانِ إرميا.

وهنا جديرٌ بالذكرِ أن نقولَ بأن الأنبياءَ، وباعتبارِهِم وُسَطاءَ لنقلِ كلمةَ الله لبني إسرائيل ولأممٍ أخرى قد تَقَلَّدوا نوعاً من المنصبِ الاجتماعي، إذ كانوا بمثابةِ السفراءَ للبلاطِ السماوي، ناقلين المشيئةً الإلهية ذات السيادةِ العُليا إلى الشعب. ولم يكنْ الأنبياءُ بحدِّ ذاتِهم لا مُصْلِحينَ اجتماعيين، ولا مفكرين دينيين. فالإصلاحُ الاجتماعي والفكر الديني اللذانِ أرادَ الله أن ينقلَهُما إلى الشعب، كان قد تَمَّ إعلانُهما في ناموسِ العهد. وبصرفِ النظرِ عن الجماعةِ التي خالَفَتْ تلكَ الشرائعَ، كانت كلمةُ الله تحملُ العقابَ لها من خلالِ النبي.

فإذا كانَ المذنبُ بانتهاكِ العهدِ من الملوك (2 صم 12: 1 – 14؛ 24: 11 – 17؛ هو 1: 4) أو من رجالِ الدين (هو 4: 4 – 11؛ عا 7: 17؛ ملا 2: 1 – 9) أو من أيِّ طائفةٍ أخرى، كان النبي ينقلُ رسالةَ الله باللعنةِ على الأمةِ أو على الشعبِ نقلاً أميناً. وفي الواقعِ لقد قامَ الأنبياءُ بموجبِ كلمة الله بتنصيبِ الملوكِ وخلعِهِم (1 مل 19: 16؛ 21: 17 – 22) وبإعلانِ الحربِ (2 مل 3: 18 – 19؛ 2 أخ 20: 14 – 17؛ هو 5: 5 – 8) أو بمقاومتِها (إر 27: 8 – 22).

رسالةُ الأنبياءِ ليستْ جديدةً: فلقد أوحى الله إلى الأنبياءِ بتقديمِ المضمون الجوهري للتحذيراتِ والوعود (البركات واللعنات) التي يتضمنها العهد. لذلك فإننا عندما نقرأُ كلماتِ الأنبياءِ، فما نقرأُهُ ليسَ عبارةً عن أمرٍ جديد في جوهرِهِ، لكنهُ الرسالةَ نفسَها التي نقلَها الله في الأصلِ ومن البدءِ بواسطةِ موسى. إلا أن الهيئةَ أو الصيغةَ التي تُنْقَلُ بها الرسالةُ قد تتغيرُ فعلياً. لقد أقامَ اللهُ الأنبياءَ لجذبِ انتباهَ الشعبِ الذي أُرْسِلوا إليه.

وجذبُ هذا الانتباهِ قد يتطلبُ إعادةَ صياغةٍ، أو تركيبُ شيءٍ قد سبقَ للشعبِ وسمعوهُ مراتٍ كثيرةً حتى يتَّسِمَ هذا الشيءُ بنوعٍ من الجِدِّية. لكن هذا لا يُعني على الإطلاقِ أن اللهَ يبادرُ برسالةٍ جديدةٍ أو بإعلانِ تعاليمَ لم يسبقْ أن تضَمَّنَتْها أو أَعْلَنَتْها أسفارُ الشريعةِ الخمسة. ولأخذِ مثالٍ على هذا الحفظِ للرسالةِ الإلهيةِ الأصليةِ، تأمَّلْ في النصف الأول من هوشع 4: 2، لقد تَفَشَّى في الأرض “لعنٌ وكذبٌ وقتلٌ وسرقةٌ وفِسْقٌ”.

في هذا العددِ، الذي هو جزءٌ من وصفٍ مسهبٍ لخطيةِ بني إسرائيل أيامَ هوشع (750 – 722 ق.م.) نجدُ تلخيصاً لخمسٍ من الوصايا العشر، كلُّ واحدةٍ نجدُها في كلمةٍ من هذه الكلماتِ الأولى: “اللعنةُ”، وهي الوصيةُ الثالثةُ من الوصايا العشر “لا تنطقْ باسمِ الربِّ إلهِكَ باطلاً” (خر 20: 7؛ تث 5: 11). والثانية “الكذِب”، وهي الوصيةُ التاسعة “لا تشهد على قريبِكَ شهادةَ زورٍ” (خر 20: 16؛ تث 5: 20). الثالثة هي “القتل”، وهي الوصيةُ السادسة “لا تقتل” (خر 20: 13؛ تث 5: 17).

الرابعة “السرقة”، وهي الوصيةُ الثامنةُ “لا تسرقْ” (خر 20: 15؛ تث 5: 18). أما الخامسةُ والأخيرةُ فهي “الزنا”، وهي الوصيةُ السابعةُ من الوصايا العشر “لا تزنِ” (خر 20: 14؛ تث: 5: 18).

وما تجدرُ ملاحظتُه هنا أيضاً هو ما يفعلُهُ النبيُّ المُلْهَمُ وما لا يفعلُه. بمعنى أن هوشع لم يقتبسْ الوصايا العشر حرفياً. فهو يذكرُ خمساً منها فقط، وكلُّ واحدةٍ بكلمةٍ، بما يشبهُ إلى حَدٍّ كبيرٍ ما فعلَهُ السيدُ المسيح في لو 18: 20. لكنَّ مجردُ ذِكْر خمسٍ منها، حتى وإن لم تكُنْ حسَبَ ترتيبِ ورودِها في الأصلِ، يُعَدُّ طريقةً فعالةً جداً في إبلاغِ بني إسرائيل بأنَّهُم قد خالفوا الوصايا العشر. لأنَّهُ، وعند سماعِهِم للوصايا الخمس، سيتساءلون: وماذا عن بَقِيَّةِ الوصايا؟ ماذا عن ترتيبِها؟ فالوصايا كما جاءت في الأصل هي ….

وهكذا سيبدأُ السامعون بالتفكيرِ في الوصايا العشر مُذَكِّرينَ أنفسَهُم بما قد دعاهم ناموسُ العهدِ إليه بشأن البِرِّ الأساسي. وهنا نرى أن هوشع لم يقُمْ بتغيير شيءٍ من الناموس، بل كما فعلَ السيدُ المسيح، كَرَّرَ فقط خمساً من الوصايا من أجل إحداثِ التأثيرَ ذاتَهُ. ولكنه قامَ بطبعِ الناموسِ في أذهانِ سامعيه بطريقةٍ أحدَثَتْ أثراً ربما لم يَكُنْ ليحدُثَ فيما لو أنه أعادَ عليهم ذِكْرَ الوصايا كلمةً كلمةْ.

هناكَ أيضاً سؤالٌ ثانٍ يتعلقُ بالنبواتِ الخاصةِ بالمَسِيَّا: هل هذه النبواتُ جديدةٌ؟ لا، على الإطلاق. بالتأكيدِ، إن تفاصيلَ حياةِ ودور المَسِيَّا التي نجدها في قصائد العبد في إشعياء 42، 49، 50، 53 قدْ تُعَدُّ جديدةً. لكنْ لم تكُنْ هذه هي المَرَّةُ الأولى التي كشفَ اللهُ بها للناسِ عن فكرةِ المَسِيَّا من خلالِ الأنبياء. بل في الحقيقةِ كان هذا الكشفُ قد بدأَ أصلاً بالناموس.

وإلا فكيفَ كان يمكنُ ليسوعَ المسيحِ أن يَصِفَ حياتَهُ كإتمامٍ لما هو مكتوبٌ في ناموسِ موسى والأنبياءِ والمزامير (لو 24: 44)؟ إن من بين مقاطع ناموس موسى الأخرى التي تتكلمُ عن خدمةِ المَسِيَّا هناك مقطعٌ بارزٌ وشهيرٌ في تثنية 18: 18 “أقيمُ لهم نبياً من وسطِ إخوتِهمْ مثلك، وأجعلُ كلامي في فَمِهِ فيُكَلِّمُهم بكل ما أوصيهِ بهِ”.

وكما أن يوحنا 1: 54 أيضاً يُذَكِّرُنا أن الناموسَ قد سبقً وتكلَّمَ عن المسيح، فلمْ يكُنْ جديداً أن يتكلمَ الأنبياءُ عنهُ. ولم يكُنْ يلزمُ للشكلِ أو الأسلوبِ أو الخصوصيةِ التي صاغَ بها أولئكَ الأنبياءُ ما أَوْحَى اللهُ لهم من نبواتٍ – لم يكن يلزم أن يكونَ محصوراً بما قد احْتَوَتْهُ أسفارُ الشريعةِ الخمسة. لأن الحقيقةَ الجوهريةَ هي في أن سيكونُ هناكَ عهدٌ جديدٌ سيأتي به نَبِيٌّ جديدٌ (على حَدِّ تعبيرِ سفر التثنية). هذه الحقيقةُ كانتْ في الواقع أمراً ليس بالجديد.

مهمة التفسير الاستنتاجي

الحاجةُ إلى المساعدةِ الخارجية

سبقَ أن ذَكَرْنا في الفصلِ الأول بأن هناكَ اعتقاداً شائعاً مُفادُهُ أن كلَّ ما في الكتابِ المقدس لابدَ وأن يكونَ واضحاً لكلِّ من يقرأه، بدونَ دراسةٍ أو مساعدةٍ خارجيةٍ من أي نوع. وأساس هذا الاعتقاد هو: إن كان اللهُ قد كتبَ الكتابَ المقدسَ من أجلِنا، فالمُفْتَرَضُ بنا هو أن نفهَمَهُ بالتمامِ من أولِ قراءةٍ له، طالما أن الروحُ القُدُس فينا.

لكن مثل هذه الفكرةِ ليستْ صحيحةً. فبعْضُ الأجزاءِ من الكتابِ المقدس واضحةٌ ومباشرةٌ، وأجزاءٌ أخرى غيرُها ليستْ كذلك. وبموجبِ الحقيقةِ القائلةِ بأن أفكارَ اللهِ ليستْ كأفكارِنا نحنُ البشر (مز 92: 5؛ إش 55: 8)، فليسَ مستغرباً إن احتاجَتْ بعضُ مقاطعِ الكتابِ المقدسِ وقتاً ودراسةً متأنيةً لكي نفهمَها.

وهذا الوقتُ وهذا الجهدُ الدراسي هما ما تحتاجُهُ الأسفارُ النبويةُ. إذ كثيراً ما يقرأُ الناسُ هذه الأسفارَ قراءةً عابرةً وكأن القراءةَ السطحيةَ لكتاباتِ الأنبياءِ ستمنحَهُم مستوىً رفيعاً من الفهم. وطبعاً هذا الأسلوبُ لا ينفعُ مع الأسفارِ النبويةِ.

نحنُ نحتاجُ لأن نُكَرِّرَ هنا، وبصفةٍ خاصةٍ فيما يتعلقُ بتفسيرِ الأنبياءِ، أنواعَ المساعداتِ المتوفرةِ لك. مثل القواميسِ أو موسوعاتِ الكتابِ المقدس التي تُوْرُدُ مقالاتٍ على الخلفيةِ التاريخيةِ لكلِّ سِفرٍ وعن مواضيعِهِ الرئيسيةِ، أيضاً المعالمَ الخاصةَ التي يشتملُ عليها والنقاط التفسيرية التي يجب على القارئُ مراعاتُها. وهنا نوصيكَ بأن تَتَعَوَّدَ على القيامِ بهذا النوعِ من القراءةِ قبلَ أن تبدأَ دراستَكَ لأي سفرٍ نبوي. إذْ تحتاجُ لأن تعرفَ عن خلفيةِ الموضوعِ قبلَ أن تتمكنَ من فهمِ القصد من الكثيرِ مما قالَهُ النبي.

لقد جاءتْ كلمةُ الله من خلال الأنبياءِ إلى الناسِ في ظروفٍ معينةٍ، ولَعَلَّ مقدارُ قيمةِ هذه النبواتِ بالنسبةِ لنا يعتمدُ جزئياً على مدى مقدرتِنا على استيعابِ تلك الظروفِ بحيثُ نستطيعُ بدورِنا نحنُ أن نُطَبِّقَ النبواتِ على ظروفِنا.

المصدرُ الثاني للمساعدةِ هو كُتُبُ التفسير، التي تتميزُ بإعطاءِ مقدماتٍ وافية لكلِّ سفرٍ، وهي مُكَوَّنةٌ بعضُ الشيء على نمطِ قواميسِ الكتاب المقدس، وإن كانت مراتٍ كثيرةٍ أقلَّ فائدةٍ من حيثُ تنظيم المعلومات. لكن الأهم من هذا أنها تقدمُ تفسيراً لمعنى كل آيةٍ على حِدّة. وقد تزيدُ أهمية هذه التفسيراتِ إن كنتَ تدرسُ، وبعنايةٍ، مقطعاً صغيراً من أحد الأسفارِ النبويةِ، جزءاً يَقِلُّ عن أصحاح، وذلك في جلسةٍ منفصلة.

أما المصدرُ الثالثُ للمساعدةِ فهو مقدماتُ الأسفارِ، وهي عادةً تعطي للقارئ نظرةً عامةً على الكتابِ المقدس. وما يميز هذه الكتب هو أنها تجمعُ بين ما تقدمه القواميسُ وكتبُ التفسير. لكن، بدونَ الدخولِ في تفاصيلٍ كثيرةٍ، سواءً في الخلفياتِ المختلفةِ لِلْنَصِّ أو في شرحِ النصِّ آيةً آيةْ. فمقدماتُ الأسفارِ هدفُها تقديم مساعدةٍ إرشاديةٍ في وقتٍ قصير.

القرينةُ التاريخية

هل تذكرُ دراستَنا للقرينةِ التاريخيةِ ليسوعَ المسيحِ في الفصلِ السابع، والتي تناولَتْ كلاً من القرينةِ التاريخيةِ العامةِ التي أتى فيها السيدُ المسيحُ، والقرينةِ التاريخيةِ الخاصةِ لأيٍ من أقوالِهِ أو أفعالِهِ؟ هكذا الأمرُ أيضاً مع دراسةِ الأسفارِ النبوية. فالقرينةُ التاريخيةُ العامةُ تتناولُ المجالَ الأوسعَ والأشملَ (حقبتها الزمنية)، بينما القرينةُ الخاصةُ تتناولُ ما يتعلقُ بكل رسالةٍ إلهيةٍ فردية.

            ولكي تتمكنَ من عملِ التفسيرِ الاستنتاجي جيداً، عليكَ فهمُ نوعي القرينةِ التاريخية لكل الأسفارِ النبوية

  1. القرينةُ العامة: تجدرُ الملاحظةُ هنا إلى أن أسفارَ العهدِ القديم النبوية السبعةُ عشر جاءتْ ضِمنَ نطاقٍ ضيقٍ من المشهدِ الشاملِ لتاريخِ بن إسرائيل (حوالي 760 – 430 ق.م.). وهنا نسألُ: ما السببُ في عدم وجودِ أسفارٍ نبويةٍ في ايامِ إبراهيم؟ ألَمْ يتكلمُ اللهُ إلى شعبِهِ وعالمِهم قبل 760 ق.م.؟ الجوابُ هو: نعم، بالطبعِ تكلَّمَ اللهُ ولدينا في الكتابِ المقدس أمورٌ كثيرةُ عن تلكَ العصورِ، إضافةً إلى الأمورِ التي تتعلقُ بالأنبياء (1 مل 17؛ 2 مل 13).
  2. علاوةً على ذلك، تَذَكَّرْ أن اللهَ قد تَحَدَّثَ إلى إسرائيلَ خصيصاً بواسطة الناموس، ذلك الناموسُ الذي كان من شأنِهِ أن يسودَ على كل ما بَقِيَ من تاريخِ الأمةِ إلى الوقتِ الذي حَلَّ فيه العهدُ الجديدُ مَحَلَّهُ (إر 31: 31 – 34).

وهنا نجدُ سؤالاً أخرَ يدركنا، وهو: إذن، لماذا هذا التركيزُ في تدوينِ الكلمةِ النبويةِ خلالَ القرونِ الثلاثةِ ما بينَ عاموس (حوالي 760 ق.م.)، وهو أقدمُ الأنبياءُ الكُتَّابُ، وملاخي (حوالي 430 ق.م.) وهو آخرهم؟ والجوابُ هو: إن تلكَ الحِقْبَةَ من تاريخ إسرائيل دَعَتْ، وبشكلٍ خاص، إلى إيجادِ وسطاء من أجل تطبيقِ العهد، وكان هذا عينُهُ هو مهمةُ الأنبياء. هناكَ عاملٌ آخرٌ واضحٌ، وهو أن الله رغِبَ في أن تُدَوَّنَ كلُّ تحذيراتِ اللعنةِ ووعودُ البركةِ التي أعلَنَها بواسطة الأنبياء أثناء تلك الحقبة البالغة الأهمية، وذلك من أجلِ التاريخِ اللاحق.

تميزت تلك السنونُ بأمورٍ ثلاثة:

  • تغيراتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ عنيفةٍ لم يسبقْ لها مثيل.
  • مستوىً رهيبٍ من الخيانةِ الدينيةِ والاستخفافِ بالعهدِ الموسوي الأصلي.
  • تنقلاتٍ سكانيةٍ وتغييراتٍ في الحدودِ الإقليمية. وهنا نرى أن الناسَ كانوا في حاجةٍ إلى كلمتهِ من جديدٍ في ظِلِّ تلكِ الظروف. لذا أقامَ اللهُ الأنبياءَ وأعلنَ كلمتَه.

عندما تستخْدِمُ القواميسَ والتفاسيرَ والمقدماتِ الكتابيةَ، ستلاحظُ أن إسرائيلَ كانتْ بحلول عام 760 ق.م. أمةً دائمةَ الانقسام بسبب الحربِ الأهليةِ الطويلةِ الأمَدْ. فقد كانت الاسباطُ الشماليةُ – واسمها إسرائيل، وأحياناً أفرايم – منفصلةً عن السبطِ الجنوبي المُسَمَّى يهوذا. فالمملكةُ الشماليةُ، التي فاقتْ بكثيرٍ في ارتدادِها عن عهدِ الله مملكةَ يهوذا، كانت آيلةً إلى السقوطِ بسببِ خطيئتِها قدامَ الله. وفيها قامَ كلٌّ من عاموس بدايةً (بحوالي 760) وهوشع بدايةً (بحوالي 755) بإعلانِ السقوطِ الوشيك.

وفعلاً وقعَتْ المملكةُ الشماليةُ في براثنِ الدولةِ العُظْمى في الشرق الأوسطِ آنذاك وهي مملكة آشور في عام 722 ق.م.، بعدها ازدادَ إثمُ يهوذا بالتزامنِ مع قيامِ قوةٍ عُظمى أخرى، هي مملكةُ بابل. وشَكَّلَ هذانِ الأمرانِ المادةَ التي كتبَ عنها أنبياءٌ كثيرون بما فيهم إشعياء وإرميا ويوئيل وميخا وناحوم وحبقوق وصفنيا.

ولقد تَمَّ أيضاً تدمير مملكةِ يهوذا لعدم إطاعتِها لله. وكان ذلك عام 587 ق.م. ثم قام بعدها كلٌّ من حزقيال ودانيال وحجي وزكريا وملاخي بإعلانِ مشيئة الله الخاصةَ بِرَدِّ الشعب (بدءاً من عودتِهم من السبي عام 538 ق.م.) وإعادةِ ترسيخِ العقيدة. وكان كلُّ هذا ينسجمُ مع ما جاءَ في تثنية 4: 25 – 31.

لقد تكلمَ الأنبياءُ مباشرةً عن هذه الأحداث وبشكلٍ مُطَوَّل. إن لم تُلِمّْ بهذه الأحداث وغيرِها التي وَقَعَتْ ضمنَ تلك الحقبة، والتي يزيدُ عددُها عن أن يُذْكَرَ في هذا المقام، فرما لن تتمكنَ من أن تتابعَ بشكلٍ جيدٍ ما قالَهُ الأنبياء، فقد تكلَّمَ اللهُ من خلال التاريخِ وعن التاريخ. ولكي نتمكنَ من فهمِ كلمة الله، علينا أن نعرفَ شيئاً عن هذا التاريخ.

  1. القرينةُ الخاصة: كل رسالةٍ إلهية نبوية قد سُلِّمَتْ أصلاً ضمنَ خلفيةٍ تاريخيةٍ معينة. فلقد تكلم الله من خلال الأنبياء إلى الناسِ في وقتٍ وزمانٍ معينين، وفي ظل ظروفٍ معينةٍ. فإذا ما استطعتَ تحديدَ ومعرفةَ التاريخ وهُوِيَّةِ المستمعين، والحالةِ التي كانت سائدةً، فستسهمُ هذه المعرفةُ جوهرياً في استيعابِ الرسالةِ الإلهية.

اقرأ هوشع 5: 8 – 10، فهو عبارةٌ عن رسالةٍ إلهيةٍ موجزةٍ وقائمةٍ بذاتِها إلى جانب رسائل إلهية أخرى. وإذا عُدْتَ إلى كتابِ تفسيرٍ جيد، فستجدُه قد وصفَ لك تلك الرسالة الإلهية باعتبارِها رسالةً من رسائل الحرب. وهذا النوع من الرسائل الإلهية هدفُهُ إعلانُ دينونة الله وإنزالُها من خلالِ المعارك. إليكَ مثلاً العناصر المعتادة لمثل هذا الأسلوب: التحذير، وصف الهجوم، والتنبؤ بالهزيمة. وبالإضافةِ إلى معرفتِكَ للأسلوبِ، فمن المفيدِ أيضاً أن تعرفَ وتحددَ المعركةَ المقصودة.

كان التاريخ هو 724 ق.م. تقريباً ومن سمعوا الرسالةَ الإلهيةَ هم شعب المملكةِ الشمالية (المدعوون أفرايم هنا) الذين تكلم إليهم هوشع. ولقد كانتْ رسالةُ الله موجهةً بالتحديد إلى مدن معينة على الطريق من أورشليم عاصمة يهوذا إلى مركز عبادة بني إسرائيل الزائف، بيت إيل (بيت أون). والحالة كانت حالة حربٍ حيث قامت مملكة يهوذا بالرد على الهجوم الذي قامت به عليها كلٌ من مملكة إسرائيل وسورية واجتاحتا خلاله مملكة يهوذا (انظر 2 مل 16: 5).

وهنا نرى أنه قد تم صَدُّ المعتدين وردُّهم على أعقابِهم بمساعدة قوة أشور العُظمى (2 مل 16: 7 – 9). وقد قام الله بواسطة هوشع بإذاعة التحذير مجازياً في مدنٍ تقع ضمن أرضِ بنيامين (عدد 8)، هذه المدن كانت جزءاً من المملكة الشمالية. لقد كان الدمارُ أكيداً (عدد 9) لأن يهوذا كانت ستحِلُّ في الأراضي التي ستجتاحها (بإزاحةِ حجارة الحدود إذا جاز التعبير)، لكن يهوذا أيضاً ستنالُ ما تستحقه؛ لأن غضبَ الله سيقع عليهما معاً لأجل تلك الحرب ولأجل ممارستِها الوثنية (2 مل 16: 2 – 4).

لقد كانت مملكتا إسرائيل ويهوذا في عهدٍ مع الله يُحَرِّمُ عليهما مثل تلك الحرب المُهلِكة للطرفين. وكان الله مزمعاً أن يعاقبهما على انهاكِهما للعهدِ معه.

إن الإلمامَ بهذه الحقائق البسيطة سيؤثرُ كثيراً على قدرتِكَ على فهمِ وتقدير الرسالةِ الإلهية الواردةِ في هوشع 5: 8 – 10. عُدْ إلى كتبِ التفسيرِ أو مقدماتِ الكتاب المقدس التي بين يديكَ أثناء قراءتِكَ لأسفارِ الأنبياء، وكما ينبغي دائماً، حاول اثناءَ قراءتِك لها أن تلاحظَ التاريخَ وهُوِيَّةَ المستمعين والحالة التي أحاطتْ بالرسالةِ الإلهية.

عزل النبوات الفردية عن بعضها البعض

وعندما تصل كدارسٍ إلى الدراسةِ الفعلية أو القراءةٍ الاستنتاجية الدقيقة لأسفار النبوة، فإن أولَ أمرٍ عليكَ فعلُهُ هو اعتبار الرسالة الإلهية بمثابةِ وحداتِ فكرٍ (تماماً كما تعلمتَ أن تُفَكِّرَ بحسب الفقراتِ أثناءَ دراستِكَ للرسائل). وهذه ليست بالمهمة السهلة دائماً، إل أن إدراكَ صعوبَتِها والحاجة إلى القيامِ بها هما البدايةُ لاستكشافاتٍ مثيرة.

ففي معظم الأوقاتِ ستجدُ أن ما قالَهُ الأنبياءُ عادةً يأتي في اسفارِهِم في شكلٍ متواصل، بمعنى أن الكلامَ الذي قالوهُ في أوقاتٍ وأماكنَ مختلفةٍ على مَرِّ سِنِيِّ خدمتِهم قد تم جمعُهُ وتدوينُه كله بدون أي تقسيماتٍ تشيرُ إلى بداياتِ أو نهاياتِ تلك الرسائل الإلهية.

علاوةً على ذلك، فحتى عندما تتمكن من افتراض نقطة بداية وحدةٍ ما، وذلك من خلال التغيير الرئيسي للموضوع، يبقى هناك عدم وضوحٍ (من جهةِ عَنْوَنَةِ الأحداثِ ونقاط الانتقالِ مثلاً) مما قد يُحَيِّرُكَ فتتساءل: هل قيلتْ هذه النبوة إلى نفس المستمعين في اليومِ ذاته أم أنها قيلت بعد عدة سنوات – أو ربما قبل عدة سنوات – أو لجماعةٍ أخرى من المستمعين تحتَ ظروفٍ مختلفةٍ؟ إن الإجابةَ على مثل هذا السؤال ستؤثرُ على عملية فهمِكَ للنص.

أيضاً تتميز بعض أجزاء الكتب النبوية بالاستثناءات. ففي سفر حجي مثلا، وفي الأصحاحاتِ الأولى لسفر زكريا ستجدُ تاريخاً لكلِّ نبوة. وبمساعدةِ قاموس الكتاب المقدس أو كتب التفسير أو المقدمات ستتمكنُ من تتبع تَقَدُّم هذه النبوات بسهولةٍ وِفْقَ قرينتِها التاريخية. كما أن بعض النبوات التي قد تجدها في أسفارٍ أخرى وبشكلٍ خاص في سفرِ إرميا وسفر حزقيال قد تمَّ فعلاً تأريخها وترتيبها وِفْقَ خلفيةٍ معينة وضعَها النبي بوحيٍ من روح الله.

لكن، وللأسف، لا يكون الأمرُ كذلك في معظم الأوقات. فعلى سبيل المثال، اقرأ عاموس 5 واسأل نفسَكَ ما إذا كان هذا الأصحاح كلُّه نبوةً (رسالةً) أو وحدةً واحدة.

فإن كانت النبوةُ واحدةً، لماذا نرى فيها إذن كل تلك التغييرات في المواضيع: رثاء لدمار إسرائيل (الأعداد 1 – 3)، الدعوة لطلب وجه الله حتى لا يموتوا (الأعداد 5 – 6، 14)، هجومٌ على الظلم الاجتماعي (الأعداد 7 – 13)، التنبؤ بالألم والشقاء – وصف يوم الرب (الأعداد 18 – 20)، انتقاد للعبادةِ المنافقة (21 – 24)، ونظرةٌ موجزةٌ على تاريخ إثم إسرائيل الذي سيصلُ إلى قِمَّتِهِ بالتنبؤ بالسبي (25 – 27)؟ وإن لم تكنْ نبوةً واحدةً، كيف يمكن فهمُ أجزاءها؟ هل كل منها منفصلٌ عن الآخر؟

هل ينبغي ضمُّ بعضَها إلى بعضِه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فبأيةِ طريقةٍ؟ وما الوسيلة؟

في واقع الأمر، يحتوي الأصحاح 5 من عاموس على ما اتُّفِقَ في تقسيمه إلى نبواتٍ ثلاث. فالأعداد 1 – 3 تمثل نبوة أو رسالةَ رثاء، وحدة واحدة تعلن الدينونة، والأعداد 4 – 17 تُشَكِّلُ نبوةً (وحدةً) واحدة (مع كونِها معقدةً) للدعوةِ إلى البركةِ والتحذيرِ من العقاب. إذن التغيير الطفيف في الموضوعاتِ لا يُعني بدايةَ نبوةٍ جديدةٍ في كل حالة. ومن جهةٍ أخرى، فإن تقسيماتِ الأصحاح لا تناظرُ كلَّ نبوةٍ (وحدةٍ) على حِدَه، وهنا يمكننا فصل أو عزل النبوات (الوحدات) من خلال الانتباه إلى أشكالِها المعروفة والمختلفة (انظر أدناه).

إن النبوات الثلاث جميعها في عاموس 5 قد قِيْلَتْ في أواخرِ عهد يربعام ملك إسرائيل (793 – 753 ق.م.) وقيلت إلى شعبٍ ظَنَّ أنَّ أمر هلاكِ الأمة مستبعدٌ بسبب الازدهارِ النسبي الذي كانت تتمتعُ به، وأن مجرد التفكير في عملية انتهاء وجود تلكَ الأمة خلالَ جيلٍ واحدٍ كان أمراً لا يخطرُ على البال. سيفيدكَ أثناء القراءة العودةُ إلى القواميس والتفاسير والمقدمات للكتابِ المقدس؛ لذلك لا تحاول إعاقةَ نفسك عبثاً بتحليل الأمور دونَ الرجوع إلى تلك المراجع.

أشكال الأقوال النبوية

ما أن عزل وفصل النبوات (الوحدات) أو الرسائل الفردية هو أحد مفاتيح فهم الأسفار النبوية، فمن المهن أن تعرف شيئاً عن الأشكال المختلفة التي استخدمها الأنبياء لصياغة نبواتهم. إن معرفة هذه الأشكال أو الأساليب مطلبٌ مُسْبَقٌ كي تتمكنَ من تحديد النبوات (الوحدات) تحديداً سليماً. وكما أن الكتاب المقدس كله مؤلفٌ من أنواعٍ مختلفةٍ من النصوص، هكذا أيضاً قام الأنبياء بتوظيف أشكالٍ أدبيةٍ متنوعةٍ في خدمةِ الرسائل الإلهية التي أوحى الله بها إليهم. يمكن لكتب التفاسير أن تبين وتشرح هذه الأشكال. ولقد قمنا بانتقاء ثلاثة من أكثر الأشكالِ شيوعاً لنساعدَ في تنبيهِكَ إلى أهمية إدراكِ الأساليب الأدبية المستخدمة وتفسيرها على نحوٍ سليم.

  1. المحاكمة: هنا نقترحُ عليكَ أولاً قراءةَ إشعياء 3: 13 – 26، فهذه الأعداد تتضمن صيغةً أدبيةً مجازيةً تُدعى “محاكمةُ العهد”، فهنا كما في الأعداد التي لا حصرَ لها من مجازات أدب المحاكمات في أسفارِ الأنبياء (مثل هوشع 2: 2 – 7؛ 4: 1 – 19 … إلخ)، يمكن أن تتخيل الله كالمُدَّعي أو المُدَّعي العام أو القاضي في محاكمة ضد إسرائيل التي تقف في قفص الاتهام. والصيغة الكاملة للمحاكمة عادةً ما تحتوي على استدعاءاتٍ واتهام ودليل وقرار بالحكم، رغم أن هذه العناصر قد تكون ضمنيةً أحياناً وليستْ صريحةً. في إشعياء 3 تتحد هذه العناصرُ على الشكل التالي: تجتمعُ هيئةُ المحكمة وتُقامُ الدعوى على إسرائيل (13، 14).

    تُتْلى لائحةُ الاتهام (14 ب – 16). وبما أن الأدلةَ تُثبتُ جُرمَ إسرائيل بوضوحٍ، يتم إعلان حكم الإدانة (17 – 26). وحيث أن العهد قد انتُهِكَ فستنزلُ بإسرائيل رجالاً ونساءً بعضُ العقوباتِ الواردةِ في العهد: الوبأ والعَوَز والحرمان والموت. وهنا نرى أن الأسلوب الرمزي لذلك المجاز كان طريقةً مثيرةً وفاعلةً في إبلاغ بني إسرائيل بأنهم سوف ينالون جزاءَ عصيانهم، وأن عقابهم سيكونُ شديداً. إن هذا الشكل الأدبي الخاص يساعدُ كثيراً في إيصال الرسالة.

  2. الويل: هناك شكلٌ أدبيٌ شائعٌ آخر هو “نبوة الويلات”. “الويل” كلمةٌ كان يصرخُ بها بنو إسرائيل القدامى عند حدوث الكارثة أو الموت، أو في أثناء نوحهم في الجنازات. فبواسطة الأنبياء يقوم الله بالتنبؤ بالهلاك الوشيك مستخدماً كلمة ويل، وما كان يمكنُ لأي إسرائيلي أن تفوته دلالة استخدام تلك الكلمة.

إن نبوات الويلات تحتوي، ضمنياً أو تصريحياً، على عناصر ثلاثة تُشَكِّلُ في مجملِها سمة هذا الأسلوب:

  • إعلان عن ضيق (ككلمة ويل على سبيل المثال)
  • سبب ذلك الضيق
  • نبوة الهلاك

اقرأ حبقوق 2: 6 – 8 لترى إحدى المرات العديدة التي يذكر فيها هذا السفرُ النبوي رسالةَ ويلٍ ضد البابليين. لقد كانت مملكة بابل تلك الدولة الوحشية والقوة الاستعمارية العُظمى في الهلال الخصيب قديماً، وكانت تُعِدُّ الخططَ لمحاربةِ مملكة يهوذا وسحقها في أواخر القرن السابع قبل الميلاد، عندئذٍ تكلم حبقوق بكلام الله ضدهم.

وبعملية تصوير وتشخيص بابل كَلِصٍّ ومغتصِبٍ (السبب) تُعلنُ النبوةُ الويلَ، وتتنبأ بالكارثة (عندما يقوم على بابل كل الذين وقعوا في قبضتِها). هذه النبوة أيضاً مجازيةٌ (مع أنه ليست كل رسائل الويلات كذلك، انظر ميخا 2 – 1؛ صفنيا 2: 5 – 7).

  1. الوعد: على الرغم مما سبق، فهناكَ أيضاً أسلوبٌ أدبيٌ نبوي شائعٌ آخر هو رسالة الخلاص، أي الوعد. وستتمكن من تمييز هذا الأسلوب كلما صادفتك العناصر التالية:
  • إشارةٌ إلى المستقبل
  • ذِكرٌ لتغييرٍ جوهري
  • وذكرٌ للبركة

تُعَدُّ الفقرة من عاموس 9: 11 – 15 نموذجاً رائعاً لرسالة الوعد، إذ هي تتضمنُ العناصرُ التالية: ذِكرٌ للمستقبل كما في ذلك اليوم (عدد 11)، والتغيير الجوهري الموصوف بإعادة بناء مظلة داوود الساقطة (عدد 11)، وترقية إسرائيل إلى مركزٍ أعلى من ذلك الي لأدوم (عدد 12)، والعودة من السبي (العددان 14، 15). أما البركة فتأتي بواسطة عناصر العهد المذكورة: الحياة، الصحة، الازدهار، الوفرة الزراعية، الإكرام، الإيمان. إن جميع هذه العناصر مشمولةٌ في عاموس 9: 11 – 15 مع أن الصحة متَضمَّنةٌ وليس مُصَرَّحٌ بها.

إن التشديد الرئيسي كان على الوفرة الزراعية. فالمحصول، على سبيل المثال، سيكون وفيراً بحيث لن يستطيع الحصادون إنهاء عملهم عندما يحين موعد الزراعة من جديد (عدد 13). ولمزيدٍ من الأمثلة على رسائل الوعد، اقرأ هوشع 2: 16 – 20؛ 2: 21 – 23؛ إشعياء 45: 1 – 7؛ إرميا 31: 1 – 9.

نأملُ ومن خلال هذه الأمثلة الموجزة أن تتمكنَ من تكوين فكرةٍ عن الكيفية التي يمكنكَ بها إدراك أشكال الأقوال النبوية بما قد يساعدك في استيعاب رسالة الله بدقةٍ أكثر. ويمكنك التعلم أكثر عن هذه الأساليب بالاستعانةِ بكتب التفسير الجيدة (انظر الملحق آخر الكتاب).

النبوات كأشعار

أما الشعر عند بني إسرائيل قديماً فقد كان وسيلةَ تَعَلُّمٍ واسعةَ الانتشار. فكثيرٌ من الأمور التي كان من المهم حفظُها كانت تُصاغُ في قالبٍ شعري. لقد وجدَ الإسرائيليون أن هذه الأمور التي تُكتَبُ شعراً عادةً ما تكون أسهل للحفظ والتذكر في عصر كانت فيه مهارات القراءةِ والكتابةِ قليلة، ولم تكنْ فيه المكتبات أو الملكية الخاصة للكتب معروفةً، ولقد تكلم الله كثيراً من خلال أنبيائه بواسطة الشعر. فقد كان الشعبُ معتاداً على الشعر، وبالتالي كان يمكنُه تذَكُّرُ النبوات التي كانت ترسِلُ رنينَها في الآذان.

حتى القصائد النثرية التي يستخدمها الأنبياء أحياناً كانت تحتوي على أسلوبٍ رسمي خاص يحملُ تلكَ الصفاتِ نفسَها، وإنْ أقلَّ تماسكاً وتناغماً. ولكون تلك القصائد النثرية ذات طابع أدبي منتظم ومميز أكثر من لغة الكلام المعتاد، فهي أيضاً سهلة الحفظ والتذكر. وعلى سبيل التبسيط، دعنا نتكلم عن هذا النوع من الأدب بإدراجِهِ تحت مصطلح الشعر.

وهنا، فمن المفيد أن تقرأَ مقدمةً للشِعْرِ العبري قبل قيامك بقراءة الأسفارِ النبوية، مثلاً قاموس الكتاب المقدس. وإن أردتَ نموذجاً للفوائدِ التي يمكنُ أن تجنيها من معرفة وظيفة الشعر العبري، فهناك ثلاثة ملامح من الأسلوبِ المتكرر لشعر العهد القديم:

  • التوازي المترادف، يقوم الشطرُ الثاني بإعادةِ أو تعزيز ما جاء في الشطر الأول، كما في إشعياء 44: 22

“قد محوتُ كغيمٍ ذنوبَكَ وكسحابةٍ خطاياكَ”

  • التوازي العكسي (الطِبَاق). وهنا يناقض الشطرُ الثاني الفكرةَ الواردةَ في الشطر الأول، كما في هوشع 7: 14.

” لا يصرخونَ إليَّ بقلوبِهِم حينما يولولون على مضاجِعهِم”

  • أما التوازي التركيبي فيقومُ فيه الشطرُ الثاني بعمل زياداتٍ على ما جاء في الشطر الذي سبَقَهُ، بحيثُ يُضْفي على المعنى معلوماتٍ جديدةٍ، كما في عوبديا 21:

“ويصعدُ مخلَّصونَ على جبلِ صهيونَ

            ليدينوا جبلَ عيسو

            ويكونُ للرَّبِّ المُلكُ”

تحذير: النبي كمُتَنَبِئٍّ عن المستقبل

لقد أشرنا في مطلع هذا الفصل إلى أن المهمةَ الأساسيةَ للأنبياء لم تكنُ التنبؤ بالمستقبل البعيد. ومع أنهم قاموا حقاً بالتنبؤ بأحداثٍ مستقبلية، إلا أن ذلك المستقبل، وفي أغلبِ الأحوال، هو الآن في طي الماضي. أي أنهم قد تنبأوا بالدينونة القادمة أو الخلاصِ العتيد المتعَلِّق بمستقبل بني إسرائيل القريب نسبياً، وليس بمستقبلِنا نحنُ.

لذلك علينا الاحتراس لأنه إن كُنَّا نريدُ أن نرى نبواتِهم وقد تحقَّقتْ فعلاً، علينا العودة إلى الوراء، أي إلى الزمن الذي كان بالنسبةِ لهم مستقبلاً وقد صارَ الآن بالنسبةِ لنا ماضياً. غيرر أن هذا التفسير الحياتي يحتاجُ مِنَّا إلى توضيح.

وكمثالٍ على أن رسائل الأنبياء قد تَرَكَّزَتْ بالفعل على المستقبل القريب لا البعيد، نقترحُ عليكَ قراءةَ الأصحاحات 25 – 39 من سفر حزقيال. لاحظ بأن النبوات (الوحدات) المتنوعة المشمولة في هذا الجزء الكبير من السفر تتناول مصير الأمم الأخرى، مع أن أمة إسرائيل مشمولةٌ أيضاً فيها. وهنا تجدر ملاحظة أن الله يشير إلى مصير تلك الأمم، وأن تحقيق النبوات قد تم في خلال عقودٍ من وقتِ إعطائها، أي أن معظمها قد تحقق خلال القرن السادس قبل الميلاد. بالطبعِ هناك استثناءاتٌ خاصةٌ لذلك.

فلقد وصفَ حزقيال 37: 15 – 28 عصرَ العهدِ الجديد، والبركاتِ التي سيسكبها الله على الكنيسة بواسطة المَسِيَّا، مع أن معظم النبوات، بما فيها نبوات الأصحاحين 38 و39 كانت تتعلق بأزمنةِ وأحداثِ العهد القديم (راجع كتب تفاسير حول هذه الأصحاحات).

إن حماسَكَ الشديد لرؤية أحداث العهد الجديد في نبوات العهد القديم قد يؤدي بكَ إلى نتائج غريبة. فمثلاً، ما وردَ في إشعياء 49: 23 “بالوجوهِ إلى الأرضِ يسجدونَ لكَ” قد بدا فعلاً شبيهاً بما قد فعلَهُ المجوسُ الذين زاروا الطفلَ يسوع (مت 2: 1 – 11)، إلى حدٍّ جعلَ الكثيرين يفترضون أن كلماتِ إشعياء كانت عن المَسِيَّا.

لكن مثل هذا التفسير للأسفِ مخفقٌ لتجاهلِه القرينة (فقد تم ذِكرُ ملوكٍ وملكاتٍ، وموضوعُ هذا المقطع هو عودةُ إسرائيل بعد السبي البابلي)، ولتجاهلِه القصدَ (إن لغةّ هذه النبوةِ – الوحدة – تهدفُ لإظهارِ عظمة إسرائيل عندما يَرُدُّها الله)، وتجاهلِه الأسلوب (لأن الشعرَ يرمزُ إلى احترام الأمم من خلال تصوير حكامِه كحاضنين لإسرائيل، يلمسون غبارَ رِجْلَيّ الأُمَّة)، وتجاهلِه للألفاظ (فقد كان المجوسُ حكماءَ أو علماءَ فَلَك، وليسوا ملوكاً).

إذاً علينا الحذرُ من جعل النبوات، أو أي جزءٍ من أجزاءِ الكتابِ المقدس، تقول ما نريدُ نحنُ منها أن تقولُهُ. وعلينا بالأولى أن نُصغي لما يريد الله فعلاً قولَهُ.

وهنا نُنَوِّهُ إلى أن بعض النبوات المتعلقة بالمستقبل القريب قد صِيْغَتْ في إطارِ خلفيةِ المستقبل العظيمِ الذي يتعلق بالأيامِ الأخيرة، وأحياناً قد تبدو هذه النبوات ملائمةً لذلكَ المستقبل. بالطبعِ سنتحدثُ عن هذا الموضوع ثانيةً، لكن في الفصل 13 من هذا الكتاب. أما الآن، فدعنا ندركُ أن السببَ في ذلكَ يعودُ إلى تصوير الكتاب المقدس لله وهو يعملُ في التاريخِ الزمني في ضوءِ خُطَّتِهِ الشاملة لكامل التاريخ الإنساني.

وعليه، ينبغي أخذُ الوقت الزمني في ضوء الوقتِ الأبدي. وقد يبدو الأمرُ كَمَنْ ينظرُ إلى قِصَّتين، الأصغرُ منهما أمام الأكبر، فيعطي في البدايةِ نظرةً من الأمام، ثم، ومن منظورِ التاريخِ اللاحقِ، ينظرُ إليهما من أحدِ الجوانبِ فيرى المسافةَ الزمنيةَ التي تفصلُ بينهما.

المنظورُ النبوي للأحداثِ المتعاقبة

نطرةٌ مستقيمةٌ من الأمام – نظرةٌ جانبية

هناكَ إذن في أسفارِ الأنبياء بعضُ الأمورِ التي قد تَخُصُّ الأحداثَ الأخيرةَ للدهر (انظر يؤ 3: 1 – 3؛ صف 3: 8 – 9؛ زك 14: 9). غير أن العقوباتِ الزمنية التي كثيراً ما تَرِدُ عادةً مقترنةً مع تلكَ الأحداثِ الأخيرة لا ينبغي أن نَزُّجَ بها في المستقبل.

أيضاً يجدرُ بنا الإشارةُ إلى نقطةٍ أُخرى، وهي أن اللغةَ المتعلقة بالأُخْرَوِيَّات كثيراً ما تكونُ مجازيةً في طبيعتِها. وقد تُعَبِّرُ هذه المجازاتُ أحياناً عن لغةِ أحداثِ الأيامِ الأخيرة بواسطةِ الشِّعْر، لكنها لا تهدفُ بالضرورةِ إلى التنبؤ عن تلكَ الأحداثِ فِعْلياً. يمكنُكَ أن تجدَ مثالاً على ذلك في حزقيال 37: 1 – 14.

فمثلاً باستخدام كلمة “قيامةُ الموتى” يمكننا أن نعرفَ أن هذا سيحدثُ في نهايةِ الدهر. أما أن يستخدم الله حزقيال للتنبؤ بعودة الشعب من السبي في بابل في القرن السادس قبل الميلاد (الأعداد 12 – 14) فإن حادثةً مثل هذه تُعَدُّ ماضياً بالنسبةِ لنا (كما هي موصوفةٌ في عزرا 1 – 2) يتم التنبؤ بها مجازاً بلغةٍ أُخْرَوِيَّة – أي الكلمات التي نقصدُ بها أواخر الأيام – كما لو أنها كانت حادثةً من أحداثِ وقتِ النهاية.

تنبيه: مدلولاتُ النبوة ومدلولاتُها الثانية

ستجدُ في مواضعٍ كثيرةٍ في العهد الجديد إشاراتٍ إلى مقاطع العهد القديم قد لا تبدو بأنها تشيرُ إلى ما يقولُه العهد الجديد عنها، أي أن هذه المقاطع قد تبدو ذاتَ معنىً واضحٍ ووثيقٍ بمحيطِها الأصلي في العهد القديم، ومع ذلك فهي قد تُسْتَخْدَمُ مرتبطةً بمعنىً مختلفٍ من قِبَلِ أحد كُتَّابِ العهد الجديد.

كمثالٍ على ذلك، تَأّمَّلْ في قِصَّتَيّ إعطاء موسى وبني إسرائيل الماءَ مُعْجِزِيَّاً من صخورِ البرية، مَرَّةً في رفيديم (خر 17: 1 – 7) وأخرى في قادِش (عد 20: 1 – 13). تبدو هاتانِ القصتان في قرينتيهما الأصليتين بسيطتين وفي غايةِ الوضوح. لكنَّ بولس الرسول في 1 كورنثوس 10: 4 يُشَبِّهُ اختبارَ بني إسرائيل باعتبارِهِ لقاء مع المسيح، إذ يقول “لأنهم كانوا يشربون من صخرةٍ روحيةٍ تابَعَتْهُم، والصخرةُ كانت المسيح”.

لكن العهد القديم، وفي كِلْتا القصتين، لم يُشِرْ إلى الصخرةِ إلا لكونِها مجرد صخرةٍ عادية. لقد أعطى بولس الرسول الصخرةَ مدلولاً ثانياً مُعَرِّفَاً إياها بأنها السيد المسيح. إن مثل هذا المدلول الثاني يُسَمَّى بالمعنى الأكمل.

فلو فَكَّرْنا بعمقٍ لوجدنا أن بولس الرسول قد رسمَ لنا تشبيهاً، وكأنه يقول: في الواقع إن الصخرةَ بالنسبةِ لهم كان كالمسيحِ لنا – كما أنها مصدر عونٍ لهم كذلك وبالطريقةِ نفسِها الأمورُ الروحيةُ هي مصدرُ عونٍ لنا. وهنا نجد أن لغة المجاز قد طَغَتْ على ما يقوله بولس الرسول في الأعداد 2 – 4.. لقد أرادَ لقُرَّائه أن يفهموا أن اختبار الإسرائيليين في البرية هي بمثابةِ استعارةٍ يمكن أن يشبه بها اختبارَهم الخاص بالمسيح، وخاصةً حول عشاء الرب.

من المُرَجَّحِ أننا نحنُ كقُرَّاء معاصرين لن نتمكنَ بأنفسِنا من ملاحظة كل التشبيه الذي وصفه بولس.

فلو من يقُمْ بولس الرسول بكتابةِ تلك الكلمات، هل كان بمقدورِنا أن نُفَسِّرَ معنى السحابةِ والبحرِ بالمعمودية (عدد 2)؟ أو المسيح بالصخرة (عدد 4)؟ وبكلماتٍ أخرى، هل كان باستطاعتِنا وحدنا أن نحدد بيقين ذلك المعنى الأكمل أو المدلول الثاني؟ والجواب هو: كَلَّا، فلقد أَوْحَى الروحُ القدس إلى بولس بأن يقومَ بهذا الربطِ التشبيهي بين تجربة بني إسرائيل في البرية والحياة في المسيح دون اتِّبَاع القواعد العامة للقرينة والنِيَّة والأسلوب والألفاظ (راجع أعلاه عنوان: النبي كُمُتَنَبِّئٍ عن المستقبل).

لقد قاد الروح القدس بولسَ الرسول لوصف حقيقة نوال الإسرائيليين للماء من الصخر أكثر من مَرَّةٍ وذلك بلغةٍ رمزيةٍ غير معتادة، حيث قال أن صخرةً روحيةً تابعتهم. كذلك يوجد الكثير من التفاصيل الأخرى المتعلقة باللغة التي يصف بها بولس الرسول أموراً في 1 كورنثوس 10: 1 – 4، وهي تُعتبرُ غيرَ معتادةٍ إلى حَدٍّ كبير (مثلاً عندما قال: أباءنا جميعهم (عدد 11) أو طعاماً وشراباً روحيين (عدد 3، 4).

وهنا نقولُ: ولأننا بطبيعة الحال لسنا كُتَّاباً أُوْحِيَ لنا بكتابة الكتاب المقدس، فمن غير المسموحِ لنا بأن نعملَ ما قد عملَه بولس الرسول. فالروح القدس نفسه الذي أوحى لأحد كُتَّاب العهد القديم أن يكتبَ مجموعةً معينةً من الكلمات أو مقطعاً ما، قادرٌ على أن يوحي

لأننا بطبيعةِ الحال لسنا كُتَّاباً أُوْحِيَ لنا بكتابةِ الكتاب المقدس، فمن غير المسموح لنا أن نعمل ما قد عملَهُ بولس الرسول

لكاتبٍ من كُتَّابِ العهد الجديد أن يتجاوز الاعتبارات المعتادة للقرينة والقصد والأسلوب والألفاظ وأن يعلنَ وجود معنىً أكمل لمقطع العهد القديم. أما نحنُ فلسنا ممن أُوحي لهم. ما لم يُضِف العهد الجديد معنىً أشمل على مقطعٍ ما أو مجموعةٍ من الكلمات، فلا ينبغي لنا أن نفسرَ تلك المقاطع من العهد القديم هكذا وببساطةٍ بناءً على سُلْطَتِنا الخاصة.

أن وسائل دراسة الكتاب المقدس ككتب التفسير والموسوعات والقواميس الكتابية والكتب المقدسة ذات الشواهد الكتابية – كل هذه تميلُ إلى تحديد المقاطع النبوية في العهد القديم التي لها مدلولٌ ثانٍ في العهد الجديد. وإليكَ بعض المواضيع الشهيرة التي يُضفي عليها العهدُ الجديدُ مدلولاً ثانياً: متى 1: 22 – 23 (إش 7: 14)، متى 2: 15 (هو 11: 1)، متى 2: 17 – 18 (إر 31: 15)، يوحنا 12: 15 (زك 9: 9).

سنكتفي الآن بعرض أحد تلك المقاطع النبوية لتوضيح ظاهرة المدلول الثاني: متى 2: 15، نقرأ في هوشع 11: 1 ما يلي:

            ” لَمَّا كان إسرائيلُ غلاماً أحببتُهُ، ومن مِصرَ دعوتُ ابني”

إن القرينةَ في هوشع هي إنقاذ بني إسرائيل من مصر بواسطةِ الخروج. والقصد هو إظهار كيف أن محبة الله لشعب إسرائيل هي مثل محبة الابن. والأسلوبُ كان أسلوباً ترادُفي، كالشعر المتوازي، بحيثُ يكون “ابني” مرتبطاً مع أُمَّة إسرائيل. والألفاظ كانت مجازيةً، فقد صَوَّرَتْ إسرائيل بلا شكٍ كابنٍ. أما الأُقْنومُ الثاني في الثالوث، أي المسيح، فلا إشارةٌ له بالمعنى الواضح المباشر لهذه الآية. ولم تكن الآية 2: 15 في مَتّى البشير موجودةً في الكتاب المقدس، لما خطرُ في بالِنا على الإطلاق اعتبار آية هوشع نبوةً عن يسوع الناصري.

لكن كان لمَتَّى امتيازٌ لا نملكه نحن، فلقد حَظِيَ بوحيٍ ذي سُلْطان من الروحِ نفسه الذي أَوْحَى لهوشع بكتابة الآية 11: 1، ولقد قامَ الروحُ نفسه بقيادةِ مَتَّى إلى إعادة استخدام كلمات هوشع بقرينةٍ وقصدٍ وأسلوبٍ وألفاظٍ مختلفةٍ وإلى ربطِها مع كلماتٍ أخرى تختصُ بالمَسِيَّا. لقد قام الروح القدس بغرسِ تلك الكلمات في سفر هوشع استعداداً لإعادة استخدامِها بشأنِ الأحداثِ المختصة بحياة يسوع المسيح.

والبشير مَتَّى لم يقُمْ باستخدام تلك الكلمات عن يسوع قياسياً على أساس مبدأ أو عملية التفسير والتفسير الاستنتاجي، لكنه استعارَ تلك الكلمات من قرينتها الأصلية وأعطاها مدلولاً جديداً كاملاً وهو صاحبُ سُلْطَةٍ بعملِ ذلك. أما نحنُ فلا يَسَعْنا إلَّا قراءة وقبول ما قام به.

فائدة التشديد الثنائي على المُعْتَقَدِ القويم والتطبيق العملي القويم:

الأرثوذكسية تُعني: المُعتقد القويم. والأرثوبراكسية تُعني: التطبيق القويم. فلقد قامَ الله من خلال الأنبياء بدعوةِ شعب إسرائيل ويهوذا القديم للموازنةِ ما بين المعتقد القويم والتطبيق القويم. وهذا الأمرُ بالطبعِ ظلَّ المبدأ الذي يُطالِب به العهد الجديد أيضاً (انظر يع 1: 27؛ 2: 18؛ أف 2: 8 – 10).

والذي أرادَهُ الله من إسرائيل ويهوذا هو بصورةٍ عامةٍ ما كان يريدُه مِنَّا. لقد ظل الأنبياء بمثابةِ مُذَكِّرين دائمين لنا بعزم الله على تطبيقِ عهدِهِ. فلأولئكَ الذين يطيعون شَرْطَي العهد الجديد (محبة الله ومحبة القريب)، فإن النتيجة الأخيرة هي البركة على الرغم من عدم ضمان كون تلك النتائج في هذه الحياة مُشَجِّعَةً جداً. أما لمن لا يطيعون، فالنتيجةُ لن تكونَ سوى لعنة، بصرف النظر عن مدى تَنُعُّم الإنسان أثناء حياتِه على الأرض، وما زال تحذيرُ ملاخي سارياً (ملا 4: 6).

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

Exit mobile version