زاكر نايك والأخطاء العلمية في سفر التكوين – دعوة لمن يسمعوه

زاكر نايك والأخطاء العلمية في سفر التكوين – دعوة لمن يسمعوه

زاكر نايك والأخطاء العلمية في سفر التكوين – دعوة لمن يسمعوه

زاكر نايك والأخطاء العلمية في سفر التكوين – دعوة لمن يسمعوه

في فيديو قصير، قام الدكتور زاكر نايك، وهو طبيب، بعرض 6 أخطاء علمية في الكتاب المقدس، وبالأخص في الأصحاحات الأولى لسفر التكوين، وكان قد أرسل إلينا أحد المسيحين هذا الفيديو طالبا الرد على ما جاء فيه، فشاهدنا الفيديو وسط ذهول من الكم الكبير من الأخطاء التي سقط فيها الطبيب زاكر نايك في مدة هذا الفيديو الصغيرة، حيث قد تنوعت الأخطاء بين أخطاء متعمدة وغير متعمدة، وبين أخطاء إستشهادية وتفسيرية وكذب صريح، لذا، فقد رأينا أن نبين الأخطاء التي وقع فيها زاكر نايك في هذا الفيديو لكي لا يُعثر أحد -من غير المتخصصين- من كلامه ولكي نرى ماذا سيقول أحباء زاكر نايك عن مدى علمه وصدقه بعد مشاهدة ما قاله وما سنبينه، وسوف نستعرض أولا الخطأ كما إدعاه في سفر التكوين ثم نبين خطأوه هو.

  • الخطأ الأول في سفر التكوين

يقول زاكر نايك أنه في الأصحاح الأول في سفر التكوين يذكر السفر تعبير “المساء والصباح” وهذا يعني -بحسب رأيه- أن الكتاب المقدس يقول بأن هذا اليوم هو يوم مكون من 24 ساعة! والعلم الحديث يخبرنا أنه لا يمكن أن يتكون الكون في يوم مقداره 24 ساعة! وأن القرآن قد تحدث عن خلق الكون في 6 أيام، وأن تعبير “يوم” الذي ذكره القرآن يمكن أن يعني “فترة زمنية” وبهذا يكون القرآن متوافقًا مع العلم على عكس الكتاب المقدس المتناقض مع العلم، كما يرى زاكر!

  • الرد:

أولاً: لا يخبرنا زاكر نايك من أين جاء أن الكتاب المقدس قال أن اليوم في هذا السرد هو 24 ساعة!، هو فقط يدعي ذلك من عنده وينسبه للكتاب المقدس ثم يقول ان الكتاب المقدس هو من أخطأ! فالكتاب المقدس لم يقل أبدا أن اليوم المقصود هنا هو اليوم الشمسي (24 ساعة).

ثانيًا: في ذات الأصحاح يعطينا الكتاب المقدس أدلة حرفية واضحة لخطأ من يقول أن اليوم المقصود هنا هو اليوم الشمسي (24 ساعة) فمثلاً، نجد أن الكتاب المقدس يتحدث عن لفظ “يوم” منذ البداية قبل أن يخلق الشمس والقمر في اليوم الرابع، وكذلك بعد أن خُلقا لم يتغير هذا اللفظ، مما يعني أن الكتاب لا يربط هنا كلمة “اليوم” بوجود الشمس، فكيف إذن يفترض الشيخ زاكر نايك أن اليوم المقصود هنا هو اليوم الشمسي الحالي؟!

ليس هذا فحسب، بل أن الكتاب يعطينا دليل يقيني أنه يعرف أن اليوم الشمسي مرتبط بالشمس والأرض معًا، فنجده يقول في اليوم الرابع [14 وَقَالَ اللهُ: «لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَتَكُونَ لآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَيَّامٍ وَسِنِينٍ. 15 وَتَكُونَ أَنْوَارًا فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ». وَكَانَ كَذلِكَ. 16 فَعَمِلَ اللهُ النُّورَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ: النُّورَ الأَكْبَرَ لِحُكْمِ النَّهَارِ، وَالنُّورَ الأَصْغَرَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ، وَالنُّجُومَ. 17 وَجَعَلَهَا اللهُ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ، 18 وَلِتَحْكُمَ عَلَى النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَلِتَفْصِلَ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ.] (تكوين 1: 14-18)، فإن كان الكتاب المقدس يدرك ويوضح بجلاء أنه في اليوم الرابع قام الرب بخلق الشمس والقمر، لكي يحددا النهار والليل، ولكي يحددا الأيام والسنين، فواضح أنه فقط هنا يتكلم عن اليوم الشمسي لأنه ربطه بالنهار والليل وتكوين الأوقات في أيام وسنين، ونهار وليل، فكيف يكون يتكلم قبل ذلك عن اليوم الشمسي؟

ها هو الكتاب المقدس عندما أراد أن يتكلم عن اليوم الشمسي الحالي تكلم بوضوح وحرفية وذكر أن النورين العظيمين، أحدهما لحكم النهار والآخر لحم الليل، أي أحدهما في النهار والآخر في الليل، وهذا فقط في اليوم الرابع، فكيف يفهم زاكر ومن على شاكلته أن قبل ذلك كان يقصد اليوم الشمسي قبل خلق الشمس وقبل أن يوضح الكتاب المقدس هذا؟

إذن، هنا لدينا على أقل تقدير دليل أن الكتاب المقدس تكلم قبل وبعد خلقة الشمس والقمر والنجوم عن مصطلح “اليوم” مما يعني أنه لا يربط مفهوم “اليوم” هنا بوجود الشمس والقمر والنجوم، ولدينا دليل آخر حرفي مُفَصّل أن الكتاب ربط الليل والنهار والأوقات والسنين بوجود الشمس والقمر، فهل لا يعرف زاكر نايك هذا أم أنه يعرف ويكذب؟ فليختر أتباعه أيّ الأمريَنَ.

ولدينا دليل ثالث أيضًا، ربما لا يعرفه كثير من الناس، وبالطبع لا يعرفه زاكر، فإذا نظرنا إلى (تكوين 1: 5) في نصه العبري سنجده يقول [וַיִּקְרָ֨א אֱלֹהִ֤ים׀ לָאֹור֙ יֹ֔ום וְלַחֹ֖שֶׁךְ קָ֣רָא לָ֑יְלָה וַֽיְהִי־עֶ֥רֶב וַֽיְהִי־בֹ֖קֶר יֹ֥ום אֶחָֽד]، فها هو الرب بنفسه يدعو النهار (אֹור֙) يوم (יֹ֔ום) ويدعو الظلمة (חֹ֖שֶׁךְ) ليل (לָ֑יְלָה)، فمن هنا يتضح أن مفهوم النهار والليل لا يرتبط بوجود شمس أو ضوء شمس أو قمر، بل وهنا نجد ان تعبير “يوم” الذي ترجم في ترجمة فان دايك إلى “نهارًا” هو الذي يستخدمه الكتاب المقدس تعبيرا عن النهار، فكيف يأتي بعد هذا زاكر ويقول أن تعبير “يوم” مقصود به هنا هو “الـ 24 ساعة”؟ فعلى الأقل كان الأولى أن يقول إنه مقصودٌ به ضوء الشمس فقط، أي النهار الشمسي الذي هو أقل من 24 ساعة! لكن بالطبع زاكر لا يعرف هذا ولا يعرف العبرية ولا العربية ولا هو باحث بصدق لكي يفهم كل هذا.

ثالثًا: قال زاكر أن مسألة خلقة الكون في 24 ساعة يعارضها العلم، وكعادته دائما ومن على شاكلته، يستخدمون هذه المصطلحات كثيرا دون أدلة، فنجدهم يقولون دومًا: يقول العلم الحديث، قال العلم الحديث، وقد أثبت العلم الحديث، …إلخ، فأين أثبت زاكر نايك أن “العلم الحديث” يعارض أن يخلق الكون في 24 ساعة؟! وهل من المنطقي أن من يستطيع أن يخلق كل هذا الكون بكافة دقائقه وتعقيداته ونظامه شديد التعقيد، وحجمه المهول ألا يستطيع خلقته بمجرد كلمة! نقول هذا للمحاجّة المنطقية اللاهوتية فقط!، فهل زاكر نايك ليس بمسلم؟ هل لا يعرف أن الله في الإسلام يخلق بكلمة “كن”؟ هل لا يعرف أن الله يقول للشيء “كن” فيكون! دون حاجة لأربعٍ وعشرين ساعة أو للُحيظة حتى! فهل يقصد زاكر نايك أن العلم الحديث (الذي لا نعرف ماذا يقصده به) يعارض كون الله يقول للشيء “كُن فيكون”؟! أم أن العلم الحديث يعترض على أن الله يخلق في 24 ساعة ولا يعترض أن يخلق بـ”كُن”؟!

رابعاً: كلمة اليوم في الكتاب المقدس لها عدة معان، منها ما هو معروف الآن، ألا وهو اليوم الشمسي أو القمري (اليهودي) أو المعنى العام للكلمة أي الفترة بين النهار والليل، شروق وغروب الشمس، شروق وشروق الشمس التالي، فترة زمنية محددة أو غير محددة في الكتاب، وفي كل هذه المعاني نجد المعنى العام ألا وهو أن كلمة “يوم” تعني -في كل معانيها- أنها فترة من الزمن، ويختلف تقدير هذه الفترة من الزمن بحسب المقصود بهذه اللفظة (يوم).

فمثلا، كان اليوم اليهودي لا يبدأ بشروق الشمس كما الآن، بل يبدأ بالغروب لأنه كان يعتمد على القمر وليس الشمس، فكلمة יוֹם العبرية لها معاني عِدَّة، ومن ضمن هذه المعاني أنها “فترة” لم يحددها الكتاب مثلما جاء في (خروج 2: 23)، (مزمور 93: 5)، (أشعياء 38: 10)، (أيوب 17: 1)، (تكوين 8: 22)، (أيوب 1: 5)، (حزقيال 1: 28)، (أشعياء 65: 20) إلخ، حتى أن المعاجم العبرية تضع أكثر من 20 إستخدام لكلمة يوم العبرية יוֹם.

خامسًا: قال زاكر نايك أن معنى كلمة “يوم” في القرآن هو “فترة زمنية”، وفي الخلق تعني “فترة زمنية” ولا أعرف حقيقة من أين إستقى هذه المعلومة، ولا أعطانا مصدر أو دليل لكلامه، بل فقط كلامه وكفى! فذهبنا نحن لمعاجم اللغة العربية القديمة والتي هي أقرب عهدا بزمن القرآن لنعرف ماذا تعني الكلمة في هذه المعاجم، فوجدنا في معجم العين والذي هو أول معجم عربي يؤلف في اللغة العربية كما يقال (100 -175ه) يقول [يوم : اليوم : مقداره من طلوع الشمس إلى غروبها والأيام جَمعُة.] ووجدنا هذا المعنى بل وهذه الصياغة في معاجم كثيرة أخرى مثل معجم مقاييس اللغة، حيث جاء فيه [(يَوَمَ) الْيَاءُ وَالْوَاوُ وَالْمِيمُ: كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، هِيَ الْيَوْمُ: الْوَاحِدُ مِنَ الْأَيَّامِ، ثُمَّ يَسْتَعِيرُونَهُ فِي الْأَمْرِ الْعَظِيمِ وَيَقُولُونَ نِعْمَ فُلَانٌ فِي الْيَوْمِ إِذَا نَزَلَ. وَأَنْشَدَ: نِعْمَ أَخُو الْهَيْجَاءِ فِي الْيَوْمِ الْيَمِي وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مَقْلُوبٌ كَانَ فِي الْيَوِمِ. وَالْأَصْلُ فِي أَيَّامٍ أَيْوَامٌ، لَكِنَّهُ أُدْغِمَ.]، ومما قالته هذه المعاجم أيضا أن اليوم يجيء بمعنى “الدهر”، فهل كان يكذب زاكر نايك على الناس الذين لا يعرفون اللغة العربية مثله؟ أم أنه لا يعرف معنى كلمة “اليوم” في المعاجم العربية، وبالأخص القديمة؟

  • الخطأ الثاني في سفر التكوين

يقول زاكر نايك أنه في الأصحاح الأول والأعداد 3-5 أن النور قد خُلق في اليوم الأول، بينما في الأعداد 14-19 فقد خُلقت الشمس والنجوم والتي هي مصدر الضوء في اليوم الرابع، فكيف يمكن أن يُخلق مصدر النور في اليوم الرابع بعدما كان هناك نور في اليوم الأول! هذا مخالف للعلم!

  • الرد:

للأسف، هذا هو مستوى علم الشيخ زاكر نايك، فهو لا يعلم من الأنوار في الكون إلا نور الشمس والنجوم! فهل لا يعرف زاكر نايك أن هناك عدة أنوار مثل الأنوار السديمية Nebula وغيرها مما يكتشفه علماء علم الكونيات؟ فالكتاب المقدس عندما أراد التكلم عن الشمس زكرها باسم النور الأكبر، وذكر القمر باسم النور الأصغر، وذكر حرفيًا وظيفتهما، فكان على زاكر نايك أن يبحث ولو قليلا ليته يتعلم.

  • الخطأ الثالث في سفر التكوين

يقول زاكر نايك أنه في الأصحاح الأول والأعداد 9-13قد خُلقت الأرض، ويتساءل: كيف يمكن أن يكون هناك نهار وليل دون أن يكون هناك أرض؟! فالليل والنهار هما نتيجة لدوران الأرض بالنسبة للشمس، فلابد أن يكون هناك شمس وأرض، وبالتالي فهذا خطأ علمي.

  • الرد:

أولاً: هذا كذب صريح لا يضاهيه كذب، فالكتاب المقدس ذكر في أول آية فيه “في البدء خلق الله السموات والأرض“، وفي النص الثاني يقول “وكانت الارض خربة وخالية”، فكيف يقول زاكر نايك أن الأرض قد خلقت في الأعداد 9-13!؟ وهي مذكورة حرفيًا أكثر من مرة منذ النص الأول في الأصحاح الأول في السفر الأول في العهد الأول في الكتاب المقدس؟!

ثانيًا: في النص العاشر يقول “ودعا الله اليابسة ارضا” وفي النص التالي يقول الرب “لتنبت الارض عشبا وبقلا يبزر بزرا وشجرا ذا ثمر يعمل ثمرا كجنسه بزره فيه على الارض”، ففي هذه النصوص التي يشير الشيخ زاكر نايك إليها لا نجد الرب يخلق الأرض نفسها، بل فقط يدعو اليابسة “أرضًا” وفي النص الحادي عشر يأمر الرب الأرض الموجودة فعلاً أن تنبت العشب والبقل والأشجار والأثمار، ولا يخلق الأرض في هذا النص المذكورة نصا في أول أعداد الكتاب المقدس. فهل هذا مستوى تركيز الشيخ زاكر؟ أم أنه يدلس على الحاضرين المستمعين؟

  • الخطأ الرابع في سفر التكوين

يقول زاكر نايك أنه في الأصحاح الأول والأعداد 9-13 قد خُلقت الأرض في اليوم الثالث وفي الأعداد 14-19 أن الشمس والقمر قد خلقا في اليوم الرابع، لكن يخبرنا العلم الحديث اليوم أن الأرض هي جزء من الجسم الأولي (الشمس) فلا يمكن للأرض أن تتواجد قبل الشمس! فهذا خطأ علمي أيضًا.

  • الرد:

أولاً: كعادة زاكر نايك، يتكلم عن العلم الحديث ولا يخبرنا عن دليله من العلم الحديث الذي يقول ما يقوله هو! هو فقط يدعي! أين قال العلم الحديث أن الأرض كانت جزء من الشمس؟!

ثانيًا: ربما يقصد زاكر نايك نظرية الإنفجار الكبير (Big Bang Theory)، فإن كان يقصدها فهذا دليل صريح أنه لا ناقة له ولا جمل في علم الكونيات، فنظرية الإنفجار الكبير (أو العظيم) لا تقول بأن الأرض كانت جزء من الشمس، بل تقول بأن كل الكون كان في زمن ما بعيد عبارة عن نقطة متناهية الصغر وشديدة الكثافة ثم إنفجرت مكونة كل هذا الكون الذي لا نزال نتعرف عليه الآن يومًا بعد يوم، فلا الأرض سبقت الشمس ولا الشمس سبقت الأرض هنا، وتوجد نظريات عديدة حديثة في علم الكونيات توضح كيف نشأ الكون.

  • الخطأ الخامس في سفر التكوين

يقول زاكر نايك أنه في الأصحاح الأول والأعداد 11-13 أن النباتات قد خلقت في اليوم الثالث بينما قد خُلقت الشمس في اليوم الرابع كما أخبرنا، فكيف يمكن للنبات أن ينبت وينمو بدون شمس؟، فهذا خطأ علمي آخر!

  • الرد:

أولاً: كعادة زاكر نايك، إنه لا يفكر فيما يقوله، فكما رددنا من قبل، هل الذي يخلق النبات، من الصعب عليه أن يجعله حيَّا دون شمس إلى أن يخلق الشمس (جدلا)؟ هل يصعب على من خلقَ كل الكون كله أن يجعل النبات يستقي مصدر الضوء من مصدر آخر لحين خلقة الشمس؟! إن مشكلة زاكر نايك أنه يقيس الماضي بمقاييس الحاضر، هل سيكون صعبًا على الله الذي قال “لتنبت الأرض” فأنبتت الأرض دون بذار ودون شمس أن يجعل النبات حيٌ دون شمس؟! هل يعقل زاكر نايك كلامه؟

ثانيًا: تنزلاً مع زاكر نايك، وفقط للجدل نقول: أن الله يمكن أن يخلق النبات في آخر جزء من اليوم الثالث والشمس خلقت في أول جزء من اليوم الرابع، والنباتات اليوم تستطيع العيش دون شمس لفترة زمنية ما، فما المانع العقلي من أن يخلق الله النبات في آخر جزء من هذه الفترة غير المحددة التي نسميها “اليوم” ثم يخلق الشمس والنجوم والقمر في أول جزء من الفترة غير المحددة التي نسميها “اليوم” وبذلك يكون هناك فترة زمنية قصيرة جدًا بين خلق النبات وخلق الشمس مما لا تسمح للنبات أن يموت، هذا الكلام نقوله فقط جدلاً مع زاكر نايك، فحتى مع إعتبار “اليوم” المذكور هو فترة زمنية طويلة جداً فلا يمنع هذا بقاء النبات على قيد الحياة دون شمس.

  • الخطأ السادس في سفر التكوين

يقول زاكر نايك أنه في الأصحاح الأول والعدد 16 أن الله قد خلق النورين العظيمين، الشمس والقمر، النور الأكبر (الشمس) لحكم النهار، والنور الأصغر (القمر) لحكم الليل، ولكن إذا عدنا إلى النص العبري سنجد أن الكلمة العبرية تعني “مصابيح”، وهذا يعني أنها تضيء بذاتها، ولهذا يقول سفر التكوين أن الله جعلها لتنير على الأرض، وهذا مخالف للعلم حيث أن القمر يأخذ الضوء من الشمس ويعكسه للأرض، مما يعني أن هذا خطأ آخر!

  • الرد:

أولاً: لا أعرف الحقيقة مستوى الـ IQ عند الشيخ زاكر نايك!، فإن افترضنا صحة كلامه، وأن الكلمة العبرية تعني “مصابيح” فمن الذي قال له أن المصابيح تضيء من نفسها؟! هل رأى أحدكم مصباح ينير بمفرده؟ هل ينير المصباح دون أن يكون غير معطوب وبوجود تيار كهربائي؟ هل لا يعرف الشيخ زاكر نايك هذه المعلومة البدائية؟! هذا إن تغاضينا عن صحة كلامه من عدمها.

ثانيًا: جاءت اللفظة التي يتكلم عنها الشيخ زاكر نايك في اللغة العبرية הַמְּאֹרֹת، ومعناها هو النور أو الضوء أو اللهب (لأنه يصدر ضوء)، ولا علاقة بين الكلمة العبرية وبين أن هذا الضوء ينشأ من تلقاء نفسه، فمن أين أتى زاكر نايك بهذا الكلام؟ كالعادة من مخيلته فقط ليخدع من يسمعه.

من هو المسيح – كيف أرى يسوع المسيح ؟

من هو المسيح – كيف أرى يسوع المسيح ؟

من هو المسيح – كيف أرى يسوع المسيح ؟

قبل أن تقرأ هذا المقال

الكثيرون منا، وبالأخص الذين إذ يسمعون إسم يسوع أو يقرأون عنه، لا يسمعوا أو يقرأوا إلا ما يتوافق مع مورثاتهم العقائدية بلا تفكير أو تدبر، ما هو الحق؟!! وكأن ما ورثوه هو أصح الصحيح، ويرفضون أنيسمعوا ما يقوله الله عن يسوع المسيح. يل أنهم يؤولون ما يسمعونه على هواهم، لتصير كل الحقائق ملونة بلونهم الخاص. وبالطبع يكونون معطلين لأهم عطايا الله لهم، ألا وهو “العقل”.

والإنسان الذي لا يستخدم عقله هو طفل كبير، فهو لا يقرأ ولا يفكر ولا يعرف فن التأمل ولا يتذوق متعة الجلوس إلى النفس، فهو لا يستطيع أن يفجر طاقات فكره وعقله وله أعصاب تتوطر لأتفه الأسباب.

أما الإنسان الذي يفكر ويعطي لعقله الدور الذي رسمه له الخالق، فهو يحاول دائماً أن يعطي لحياته معنى إنسانياً، وذلك بأن يتفحص كل ما يقرأه بذهن الحياد، وكما كتب د/كمال قلته في كتابه “الانسان هو القضية الانسان هو الحل” جميع قضايا الإنسان، تتلخص في قضية واحدة: “الإنسان” وقضية الإنسان، تتلخص في قضية واحدة: هل يستخدم “عقله”؟

لذا فكل ما أأمله منك أيها القارئ أن تفحص ما أعلنه من خلال هذه السطور عن إيماني، فليس المطلوب أن تتفق معي في “إيماني” ولكن المكلوب أن تتفق معي في “منهج الحوار”، هذا المقال دعوة لك .. فهل تقبل!!

 

هذا السؤال الهام لهو خير ما نبتدئ به سطورنا تلك .. لأنه وكلما حاولنا الحديث عن المسيحية “كديانة” سنحد أنفسنا ملزمين بالحديث عن شخص “يسوع المسيح”. وهو أيضاً الشخص الوحيد الأكثر جدلاً حول طبيعته، بل وحتى طبيعة رسالته !!.

حتى أننا نجد أن كثرون يرونه “شخصية أسطورية” إبتدعها الخيال اليهودي (نقصد البعض منهم الذين أطلق عليهم فيما بعد المسيحيون) فيشككون في تاريخيته، وكأنه خرافة، فيقارنون بينه وبين أساطير الشرق الأقصى، أو الأساطير المصرية (إيزيس وأزوريس .. على سبيل المثال) …

والبعض لا يراه أكثر من نبي أو رسول، أرسل من قبل الله برسالة خاصة إنتهى جزء منها، والجزء الباقي مؤجل بقرب مجئ الساعة، حيث يظهر من جديد (ولا نعلم كيف؟) ليقضي على المسيح الدجال !!

والبعض يراه معلماً، مفوهاً وحكيماً، وهذا – كما يرون – ما خلد ذكراه، على مثال أرسطو وافلاطون، من فلاسفة الزمان الغابر، فيقارنون بينه وبين سقراط على وجه الخصوص..!!

والبعض يراه الله الظاهر في الجسد، متمماً مقاصد الله، بذاته، وفي ذاته !!

ولكن .. وقبل كل هذا من

أين تبدأ القصة لهذه

الشخصية الفريدة ؟!!

تبدأ القصة من حوالي ألفي سنة حيث دخل يسوع المسيح جنسنا البشري من خلال عائلة يهودية صغيرة كان عضواً في عائلة فقيرة تنتمي إلى إحدى الأقليات، سكنت في واحدة من أصغر بلاد العالم، عاش حوالي ثلاثة وثلاثين سنة تضمنت السنوات الثلاثة الأخيرة منها خدمته العامة، لتكتمل بحادثة صلبه، ثم قيامته، وصعوده.

كان هذا في هدوء .. وأيضاً رحل عن عالمنا في هدوء .. إلا أنه لا يوجد شخص ثار حوله كل هذا الخلاف مثل شخص المسيح. إلا أننا إذا تابعنا حياة يسوع المسيح وأثره، فإننا نلاحظ أنه حيثما إنتشرت رسالته حدث تغيير عظيم في حياة البشر والأمم.

غالباً ما يسمع المرء أن التاريخ هو قصته، قصة رجل واحد، فأنت إن رفعت أسم يسوع المسيح من التاريخ فإن التاريخ يصبح قصة مختلفة.

وصف كاتب تأثير يسوع المسيح قائلاً: “تسعة عشر قرناً جاءت ومضت، واليوم هو يحتل قلب البشرية ويقود قافلة التقدم، وأني لا أخطئ إن كل جيوش العالم التي اشتركت في المعارك، وكل الأساطيل البحرية، وكل المجالس النيابية التي أجتمعت، وكل الملوك الذين حكموا لم يؤثروا في حياة الإنسان كما فعل شخص واحد هو يسوع الناصري (نسبة إلى مكان ولادته”.

لقد إنقسم الناس عبر العصور حول هذا السؤال: ” من هو يسوع ” فلماذا كل هذا الخلاف حول شخص واحد؟

قبل الإجابة على هذا السؤال دعونا نطرح سؤال هان، ألا وهو:

لماذا ينفرد يسوع بلقب “السيد المسيح” حتى أنه صار ملازماً لإسمه؟!

يلزمنا أن نعرف معنى كلمة “المسيح”، حيث نعرف من الكتاب المقدس بلإن هذه الصفة تطلق، في العهد القديم، على الشخصيات التي تمسح بالزيت: الملك ( 1 صموئيل 7:24) وعظيم الكهنة (لاويين 4:2). وكانت تدل أيضاً، بالمعنى التوسعي على من اختاره الله للقيام بمهمة خاصة. وهذا اللقب كان ذا طابع خاص لدى اليهود، حتى أنهم اعتبروا يسوع المسيح “قد جدف” حين سألوه قائلين: “إن كنت أنت المسيح فقل لنا … أفأنت ابن الله؟” (لوقا 22: 67-70). لماذا؟

حين بدأ يسوع حياته العلنية كانت الأمة اليهودية تئن تحت النير الروماني، وكان الصولجان قد انتزع من يد سبط يهوذا، ولذا كانت الآمال بظهور المسيح تتفاعل في النفوس أكثر من أي وقت مضى، وفقاً للنبوات.

وكان هناك حزبان كبيران في صراع مرير على النفوذ: وهما الصدوقيون والفريسيون. فالصدوقيون كانوا متعاطفين مع السلطة الرومانية الإستعمارية، وأصحاب الوظائف الكهنوتية العليا التي منها رئاسة الكهنوت.

أما الفريسيون فلم تُدركهم حظوة الحكام وكانوا قبل كل شيء حزباً دينياً تميز بالتشدد في حفظ أحكام الناموس والنفور الجامح من كل اتصال بالأجنبي الوثني. وقد خرجت منهم فئة تدعى الغيورين، وهؤلاء عُرفوا بتقيدهم الصلب بالناموس وتفسيرهم الضيق له. وقد ناصبوا يسوع العداء وقاوموه وطاردوه بلا هوادة. وكثيراً ما اضطر يسوع ازاء تسميمهم روحية الشعب أن يفضح رياءهم وكبرياءهم.

فلا عجب اذن، ازاء مصالح هذه الأحزاب المتناقضة وتطلعاتها المتضاربة، اذا عثرنا على تقييم مختلف للرجاء بظهور المسيح. فإن الصدوقيين كانوا راضين بالوضع القائم وغير مستعجلين الخلاص المنتظر خوفاً من حدوث اضطرابات أو تغييرات وبالاً عليهم.

أما الفريسيون الذين كانوا يئنون تحت نير أجنبي ثقيل يذلهم ويتركهم بلا امتيازات فكانوا بالعكس ينتظرون بفارغ صبر مجئ ملكوت المسيح، هذا المجئ الذي يجعل العالم كله تحت سيطرة يهوه وشريعة موسى، ويقيم الأمة اليهودية في مكان الصدارة بين الأمم فيخفق علمها الظافر في أجواء الأرض كلها.

ولكن آراء اليهود كانت تنقسم حينما كان يثار الموضوع لمحاولة تحديد ميزة الملكوت الآتي. فبعضهم كان يشدد على ناحيته الأدبية والدينية ويعتبره انتصار الأبرار واليوم العظيم الذي يحصل فيه كلّ على ما يساوي استحقاقه.

وبعضهم – وكان السواد الأعظم – كان يعتبره مجداً زمنياً وازدهاراً دنيوياً ويرى في المسيح مفتتحاً جباراً وبطلاً حربياً عظيماً يظهر فجأة على سحاب السماء ويدخل ظافراً مدينة القدس، وهو على كل حال لم يكن في نظرهم على الأطلاق مسيحاً معذباً يحرر النفوس في الدرجة الأولى ويكّفر عن الخطية بذبيحة لها قيمة لا متناهية. ومن كل ما سبق، نعلم قيمة لقب “المسيح”، ونعلم لماذا اعتبر اليهود “يسوع المسيح” قد جدف حين أطلق على نفسه لقب “المسيح”.

وإن كان رفض اليهود لـ “يسوع” على أنه المسيح هكذا، ترى ما هي مواصفات المسيح في النبوات، كما ذكرت بالكتاب المقدس؟

سنستعرض هنا أهم النبوات عن المسيح الواردة في أسفار العهد القديم:

1- النبوات المتعلقة بأصل المسيح وصفاته الشخصية:

  • يكون من ذرية سام: “وقال (نوح): مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبداً لهم” (تكوين 26:9)
  • ومن نساء ابراهيم: “وقال الرب لإبرام: …. وأبارك مباركيك ولاعنك ألعنه، وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض” (تكوين 3:12)
  • ومن سبط يهوذا: “لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب” (تكوين 10:49)
  • وسيكون وارثاً لعرش داود: “ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله، ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم والمشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب …” (إشعياء 11: 1-5)
  • يكون أبن الله: “أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قُدسي. إني أخبر من جهة قضاء الرب، قال لي : أنت ابني، أنا اليوم ولدتك، اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً لك وأقاصي الأرض ملكاً لك” (مزمور 2: 6-8)
  • يكون كاهناً على رتبة ملكي صادق: “قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئاً لقدميك … أفسم الرب ولن يندم، أنت كاهن على رتبة ملكي صادق” (مزمور 110: 1-4)

2- النبوات المتعلقة بزمن مجيئه:

  • سيظهر بعد زوال القضيب من يهوذا: “لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب” (تكوين 10:49)
  • سبعون أسبوعاً من السنين تمضي بعد الجلاء من بابل، قبل مجيئه: قال الملاك جبرائيل لدانيال: “إني خرجت الآن لأعلمك الفهم في ابتداء تضرعاتك خرج الأمر وأنا جئت لأخبرك لأنك أنت محبوب، فتأمل الكلام وافهم الرؤيا. سبعون أسبوعاً قضيت على شعبي وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليؤتى بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القدوسين” (دانيال 9: 23-24)
  • سيظهر مشتهى كل الأمم قبل تدمير الهيكل: “قال رب الجنود: هي مرة بعد قليل فأزلزل السموات والأرض والبحر واليابسة. وأزلزل كل الأمم ويأتي مشتهى كل الأمم فأملأ هذا البيت مجداً، قال رب الجنود” (حجي 2: 7-10)

3- النبوات المتعلقة بميلاد المخلص وطفولته:

  • سيولد من عذراء: “يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل” (اشعياء 14:7)
  • يولد في بيت لحم: “أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل” (ميخا 2:5)
  • سيقتل الأطفال لدى ميلاده: “هكذا قال الرب: صوت سُمع في الرامة، نوح بكاء مرً، راحيل تبكي على أولادها وتأبى أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين” (إرميا 15:31)
  • سيهرب إلى مصر: “لما كان إسرائيل غلاماً أحببته ومن مصر دعوت ابني” (هوشع 1:11)

4- النبوات المتعلقة بحياته العلنية:

  • سيكون له سابق: “ها أنذا أرسل ملاكي فيهيء الطريق أمامي ويأتي إلى هيكله السيد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تُسرون به هوذا يأتي قال رب الجنود” (ملاخي 1:3)
  • سيبشر خاصة في الجليل: “ولكن لا يكون ظلام للتي عليها ضيق، كما أهان الزمان الأول أرض زبولون وأرض نفتالي يكرم الأخير طريق البحر عبر الأردن، جليل الأمم. الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً، الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور” (إشعياء 9: 1-2)
  • سيصنع المعجزات: “قولول لخائفي القلوب تشددوا، لا تخافوا، هوذا إلهكم، الإنتقام يأتي، جزاء الله، هو يأتي ويخلصكم، حينئذ تنفتح عيون العمي وأذان الصم تتفتح، حينئذ يقفز الأعرج كالأيل ويترنم لسان الأخرس لأنه قد انفجرت في البرية مياه وأنهار في القفر” (إشعياء 35: 4-6)

5- النبوات المتعلقة بآلامه وموته:

  • سيدخل المدينة المقدسة على أتان: “ابتهجي جداً يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم، هوذا ملكك يأتي إليك عادل منصور ووديع وراكب على حمار وعلى جدش ابن أتان” (زكريا 9:9)
  • سيحمل أحزاننا وأوجاعنا: “لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها، ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً، وهو مجروج لأجل معاصينا مسحوق لأجل أثامنا، تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا” (إشعياء 53: 4-5)
  • يخونه أحد أحبائه: “أيضاً رجل سلامتي الذي وثقت به أكل خبزي، رفع عليّ عقبه” (مزمور 9:41)
  • سيباع بثلاثين من الفضة: “فقلت لهم إن حسن في أعينكم فأعطوني أجرتي وإلا فامتنعوا، فوزنوا اجرتي ثلاثين من الفضة، فقال الرب: ألقها إلى الفخاري، الثمن الكريم، الذي ثمنوني به، فأخذت الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب” (زكريا 11: 12-13)
  • تلاميذه وأحبائه سيتركونه: “استيقظ يا سيف على راعيّ وعلى رجل رفقتي يقول رب الجنود، اضرب الراعي فيتشتت الغنم وأرد يدي على الصغار” (زكريا 7:13)
  • سيصلبوه وتثقب يداه ورجلاه: “فيقول له ما هذه الجروح في يديك، فيقول: هي التي جرحت بها في بيت أحبائي” (زكريا 6:13)

“أما أنا فدودة لا إنسان، عار عند البشر ومحتقر الشعب. كل الذين يرونني يستهزئون بي، يفغرون الشفاه وويتنغصون الرأس قائلين: اتكل على الرب فلينجه، لينقذه لأنه سر به….أحاطت بي كلاب، جماعة من الأشرار اكتنفتني، ثقبوا يديّ ورجليّ. أُحصى كل عظامي، وهم ينظرون ويتفرسون فيّ. يقتسمون ثيابي وعلى لباسي يقترعون..” (مزمور 22: 1-19)

  • سيطعن بالحربة: “وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمو والتضرعات فينظرون إلى الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له، ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره” (زكريا 10:12)

6- النبوات المتعلقة بقيامته وحياته المجيدة:

  • سيقوم من الموت: “من يد الهاوية أفديهم من الموت أخلصهم. اين أَوباؤك يا موت، اين شوكتك يا هاوية..” (هوشع 14:13)
  • سيصعد بمجد إلى السماء: “صعدت إلى العلاء، سبيت سبياً، قبلت عطايا بين الناس…” (مزمور 18:68)
  • سيجلس عن يمين الله: “قال الرب لربي اجلس عن يمين حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك” (مزمور 1:110)
  • سيرسل الروح القدس: “ويكون بعد ذلك أني أسكب روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويحلم شيوخكم أحلاماً ويرى شبابكم رؤى، وعلى العبيد أيضاً وعلى الإماء أسكب روحي في تلك الأيام” (يوئيل 28:2)

كانت هذه بعض النبوات المحفوظة لنا في العهد القديم، ولا عجب أن نراها وقد تحققت في العهد الجديد، ورغم كل هذا فقد رفض من قبل اليهود، وحتى الآن، مازال اسمه يسبب الضيق..

فلم لا يتضايق الناس عند ذكر أسماء أشخاص كبوذا وكنفوشيوس وغيرهما؟ يرجع السبب إلى أن أياً من هؤلاء الأشخاص لم يَدع أنه الله لكن يسوع زعم ذلك، وهذا ما يميزه عن غيره من القادة الدينيين.

يوجد أناس لا يؤمنون بأن يسوع هو أبن الله المخلص، بعضهم من كبار العلماء في العالم، ولكن أشد ما يثير دهشتي وعجبي عندما أقرأ وأتحدث إلى بعضهم عن المسيح وأكتشف أنهم في معظم الأحيان يجهلون الحقائق الأساسية للإنجيل، فهؤلاء الكُتَّاب كتبوا في موضوع لا يفهمونه فهماً كاملاً. لقد نصبِّبوا تماثيل من القش ثم راحوا يهدمون ما صنعوا.

ولم أقابل شخصاً بحث بجدية موضوع الأثباتات التي تتعلق بيسوع المسيح، ثم أستمر يقول أنه ليس أبن الله لقد إلتقيت بكثيرين لا يؤمنون، ولكن في أثناء الحديث وابحث معهم إعترفوا بإخلاص قائلين: “إننا لم نكرس وقتاً كافياً لقراءة الكتاب المقدس والبحث في الحقائق التاريخية المتعلقة بيسوع” رفضهم ليسوع مبني على ميراث فكري، عقائدي قد ورثوه، وبكل أسف فإن بعضهم يرفض المسيح بناء على تجارب أو صدمات من بعض المسيحيين الغير أمناء، إلا أنهم أيضاً، لم يبحثوا وبإخلاص في شخص يسوع المسيح وحقه في التملك على حياتهم.

وفي أحد الآيام صرخ في وجهي صديق لي سائلاً عدة أسئلة:

من هو يسوع ؟

كيف يمكن أن يكون إلهاً وإنساناً في نفس الوقت؟

وماذا يفعل الأن؟

إن أفضل الأجوبة على هذه الأسئلة موجودة في الكتاب المقدس، الذي هو كلمة الله، وفي هذا الدرس سنعالج هذه الأسئلة التي أراد صديقي معرفة إجابتها، وربما تشغلك أنت أيضاً.

يقول القديس إلياس مقار في كتابه الهام “إيماني” من السمات المسيحية الواضحة واعتدادها بعظمتها ويقينها وثباتها، أنها لا تفزع أو تضطرب يوما ما، مما يمكن أن يقال عن سيدها..كيف لا والمسيح نفسه يشجع الحرية الفكرية على الدوام في أقصى مداها، ولم يُعرف عنه يوماً أنه أرغم إنسان على الإيمان به..”ومن هنا كانت الآراء المختلفة حول شخصة”.

ترى ما هي الأكثر الآراء شيوعاً..؟

يلخصها لنا صاحب كتاب “إيماني” حيث يقول: “…من أقدم الآراء ذلك الرأي الذي نادى به الغنوسيون ممن أنكروا فكرة التجسد بالمعنى الشائع المعروف عند جمهور المسيحيين، وأقروا لاهوت المسيح دون ناسوته ومنهم “الدوسيتيون” والكلمة من أصل يوناني معناه “يتراءى أو يظهر”، وقد قالوا: أن المسيح ظهر فقط في هيئة إنسان دون أن يكون له حقيقة جسد اإنسان، وهو لم يولد بالحقيقة ولا تألم ولا مات، إذ كان جسمه طيفاً أو خيالاً منظوراً، وقد اعتنق هذا المذهب في القرن الخامس أحد أساقفة الإسكندرية المدعو “كيرل” ممن قال في معرض أحاديثه ذات ملاة:

“من أجل قائدة سامعيه تظاهر المسيح أنه لا يعرف”..ومن الغنوسيين من قال: أنه ملك سماوي، ولعل الذي شجع مثل هذه الآراء عند هؤلاء وأولئك هو الظهورات المتكررة في العهد القديم والتي يظهر فيها الله في شبه صورة إنسان، وإعتقادهم إلى جانب ذلك أن الجسد شر في أصله مناف لجلالته وعظمته ومجده.. وضعف هذه الآراء أنها آراء عاطفية تفتقر إلى الدليل، والمنادون بها على الأغلب ظنوا أنهم يمجدون المسيح، ينفي خضوعه لما يخضع له سائر الناس أجمعين، مع أن لغة الكتاب المقدس ضدها على خط مستقيم، كما أن الذين رأوا المسيح وعاشوا معه، وعاصروه ولمسوا حياته كإنسان ينفونها نفياً قاطعاً.

وقريب من هذه الآراء أيضاً مذهب “الأبوليناريين”، ومن ابتدعوا فكراً عن المسيح من غير سند، متأثرين بأراء أفلاطون في الانسان وقوله أنه (أي الإنسان) مكون من الجسد والنفس والروح الناطقة، ومرجع الضعف على هذا الرأي، أنه آمن بالرأي الأفلاطوني كحجة من غير جدال وفي الوقت عينه، قلبه جزئياً مبتوراً ناقصاً، إذ رفض وجود الروح الناطقة في المسيح كلإنسان ولم يبين كيف يتفق هذا مع قول المسيح على الصليب: “يا أبتاه في يديك أستودع روحي” (لو 46:23) ومن أجل هذا رفضت الكنيسة جميع هذه الآراء وعدتها ضلالات في مجمعي القسطنطنية عام 381م وخلقدونية عام 541 واعتبرت مبدعيها هراطقة لا يمكن أن يعبروا عن الوحي والعقيدة المسيحية.

وأيضاً، هناك أريوس صاحب البدعة القائلة أن المسيح إله، ولكنه من دون الله، إذ هو والروح القدس مخلوقان في البدء قبل أية خليقة أخرى وطبيعتهما تشبهان طبيعة الله، وأن المسيح بهذا المعنى ليس إلهاً بذاته، ولكنه صار بمنزلة إله نظراً إلى ارتقاء طبيعته، وأن الله أوكل إليه خلق العالم وهو كخالق وملك يستحق العبادة الإلهية، وقد وجدت هذه الآراء عند البعض الرأي المضاد، وهو الإيمان بناسوت المسيح دون لاهوته، إذ قالوا أن المسيح هو “الإنسان الكامل”، الإنسان الذي هو في عرف البعض: “قد يكرم كأعظم قائد وأروع بكل وأمجد شهيد ولكنهم لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يربطوا أنفسهم به أو يتأصلوا فيه أو يخضعوا حياتهم له بدون قيد أو شرط، وبالتالي لا يمكن أن يجعلوه مركز عقيدتهم وأساسها”.

ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى الرأي النسطوري، الذي حاول به “نسطور” وأتباعه التوفيق بين هذه الآراء المتعارضة، فأنتهى به التفكير إلى أن المسيح “بين بين” فلا هو بالإنسان الكامل أو الإله الكامل، إذ فصل “نسطور” بين الانسان في المسيح وبين اللاهوت، إذ لكل منهما شخصية مستقلة متميزة عن الأخرى، والمسيح هو ذلك الإنسان الذي يختلف عن جميع البشر، الذي حل فيه لاهوت الله حلولاً كاملاً، بينما يحل الله في غيره من الناس حلولاً جزئياً، ولعل الذي دفع “نسطور” إلى ذلك، أو في تعبير أدق “ورطة” فهو لم يكن يبحث أصلاً في العلاقة بين الناسةت واللاهوت، بل جاء بحثه وليد نزاع بينه وبين غيره حول “مركز العذراء من المسيح” فخرج رأيه ممسوخاً مشوهاً، لفظته الكنيسة مع غيره من الضلالات..وعيب عليه ما أغفل من أزلية المسيح السابقة على التجسد.

أما الرأي الذي عاش في الكنيسة من البدء وحتى يومنا هذا فهو، بأن للمسيح طبيعتين تامتين كاملتين، إذ هو إله وإنسان تام، إتحدا في شخصه الواحد.

فالمسيح يسوع هو إعلان الله المنظور عن نفسه للإنسان، فقد اختار الله أن يأخذ صورة إنسان لكي نستطيعأن نفهم الله بشكل أفضل، ونفهم خطته لخلاصنا، وباختباره أن يأخذ صورة إنسان أصبحت ليسوع طبيعتان في شخص واحد، وعما الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية.

نقرأ في (رومية 1: 3-4) الآتي:- “عن أبنه الذي صار من نسل داود من جهة الجسد وتعين أبن الله من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات”.

(1) الطبيعة الإنسانية:

ولد يسوع من عذراء تدعى مريم. “فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله وها أنت ستحبلين وتلدين أبناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً وأبن العلي يدهى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية” (لوقا 1: 30-33)

وهذا يعنى بأن المسيح الإنسان جاء إلى الأرض وعاش فيها وسار في بيدائها واختبر من أختبارات الحياة ما يمكن أن يختبره جميع الناس من ضيق وتعب بشدة وفقر وألم وحزن وما أشبه من التعاسات والعذابات التي يعانيها البشر في كل جيل وعصر، بل أنه وصل في الواقع إلى أعماق فيها هيهات أن يصل إليها مخلوق بشري، وذلك لأنه وهو الوحيد بين الناس الذي لم يعرف خطية، كان لابد أن يكون محرراً من البلادة التي تنشئها الخطية في حياة الناس.

كما أن صراعه ولا شك كان الصراع الأقسى والأكبر، إذ أن صراعنا في الأغلب صراع إجباري مفروض علينا، أما هو فقد كان صاحب الصراع الآختياري الدائم، وهل هناك ما هو أقسى من أن يحتمل القوي هوان الضعفاء وهو القادر على كل شيء؟

وأمام إنسانية المسيح يتعثر الكثيرون، كما يتعثرون أمام لاهوته. وقد عرضنا بعضاً من مواقفهم فيما سبق، ولكن تبقى حقيقة المسيح الإنسان الكامل. أجل هذا هو المسيح الإنسان بكل ما في الكلمة (إنسان) من معنى ومداول.

(ب) الطبيعة الالهية:-

فقد ولد من الله الآب..وحتى ما نقرب إلى فهمك هذا الحق تعالى نقرأ ما يقوله قانون الإيمان: أن المسيح هو أبن الله مولود غير مخلوق. ويضيف قائلاً: إنه مولود قبل كل الدهور.

فليكن واضحاً لديك أن لا علاقة بين هذا القول وولادة المسيح على الأرض كإنسان أبن عذراء، ولسنا هنا بصدد الولادة من عذراء بل نبحث في ما سبق خليقة الطبيعة قبل بدء الأزمنة. لقد ولد المسيح قبل كل العالمين ولم يُخَلق، فما معنى ذلك؟

عندما نقول “وُلِد” نعني “أصبح والداً” وكلمة “خُلَق” تعني “صُنِعَ” والفرق بينهما هو هذا: إن الذي يِلَدْ، إنما يَلِد من جنسه، فالإنسان يلد إنسان، والأرنب يلد أرنباً، والطير يلد طيراً، وأما الذي يصنَع، فَيَصنع ما يختلف عن نفسه، فالطير يصنع عشاً والأرنب يصنع جحراً والإنسان يصنع سيارة، أو قد يصنع شيئاً أشبه بنفسه..، ولا يتنفس ولا يفكر وليس حياً.

لذا يشدد قانون الإيمان على عبارة “مولود غير مخلوق”.

تمرين للتطبيق

1- لم لا يتضايق الناس عند ذكر أسماء كبوذا وكنفوشيوس وغيرعما، بينما يثرون عند ذكر أسم يسوع المسيح ويتجادلون حوله؟

2- أكاب وبإختصار بعضاً من الأقوال المختلفة حول شخص المسيح، ذاكراً رفض الكنيسة لهذه الآراء..!

3- لماذا يكون ألم يسوع المسيح كإنسان يفوق كل ألم عن كل البشرية؟

4- لماذا ينفرد “يسوع” وحده بلقب “المسيح”؟

5- أذكر بعض النبوات التي ذكرت في العهد القديم عن المسيح، مستعيناً بما درست.

6- لماذا اعتبر اليهود أن يسوع قد جدف حين قال عن نفسه أنه المسيح؟

1- إن أسم يسوع يشير إلى لاهوته، عندما قال الملاك أن اسم الطفل يسوع كان ذلك لسبب خاص جداً، فيسوع يعني “مُخَلِص” نقرأ في (متى 21:1)

“فستلد إبناً وتدعو اسمه يسوع، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم”

2- كذلك فلقب “المسيح” له معنى خاص لأنه “الممسوح” أو “المسيا” وفي الماضي يقع الاختيار على إنسان ليصبح ملكاً، كان الزيت يسكب على رأسه خلال الاحتفال بتنصيبه وانسكاب الزيت كان يسمى “مسحاً” وهكذا فإن لقب “المسيح” أو “الممسوح” يعني أنه ملك. فالمسيا هو اللقب الذي أطلقه اليهود على الملك والمخلص الذي كانوا ينتظرونه، وسمعان بطرس إعترف به كملك إذ قال “أنت المسيح أبن الله الحي” (متى 16:16)

3- وأول عبارة تقابلنا في بشارة مرقس هي: “بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله” (مرقس 1:1) وهذه العبارة تشد انتباهنا إلى أنه مثل الله، الذي رأه رأى الله (يوحنا 9:14) لقد قال المسيح إن الذين يصلّون لأجل الذين يسيئون إليهم هم أبناء الآب السماوي لانهم يتصرفون مثله، فهو يشرق شمسه على الأشرار والصالحين (متى 45:5)، وهو أيضاً قد قال عن نفسه (أكثر من مرة) أنه ابن الله..“أتؤمن بأبن الله؟” راجع في ذلك الشواهد التالية:

(يوحنا 9: 35-37، يوحنا 10: 31-36)، ومن الأكيد أن أعداء يسوع اتخذوا لقب “ابن الله بمعناه الحقيقي: “أجابه اليهود قائلين: لسنا نرجمك لآجل عمل حسن، بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً” (يوحنا 33:10) وحكام يسوع في المحكمة العليا، يصرخون كلهم بعد اعتراف يسوع الشخصي “لقد جدف” وأنه مستوجب الموت (متى 26: 65-66) ولم يكن من المعقول أن ينزاوا حكماً كهذا بمتهم يدعي البنوة بالتبني شأنه في هذا شأن رجال الله والأنبياء.

وبعد كل هذا ماذا نقول لمن يسأل معترضاً: “لو أراد يسوع أن يقدم ذاته للبشر كابن حقيقي لله، لأكد ذلك بعبارة واضحة.

وعلى هؤلاء نجيب:

1- ان الحقائق الدينية لا يُترك أمر البت فيها للذكاء وحده، فان الإرادة لها حصتها أيضاً. وهذا ضروري ليصبح الإيمان ذا أجر، فينتج إذ أن المرء بمقدوره رفض فعل الإيمان. إن يسوع يتصرف هنا كما يتصرف في باقي الأمور، أي أنه يظهر من الحقيقة الكافية لتفرض ذاتها على النية السليمة، ويخفي منها القدر الضروري ليصبح رفض الإيمان ممكناً للإرادة الشريرة.

2- ويسوع كشف بشكل تدريجي عن مسيحيته وألوهيته، فكان يختار بحكمة فائقة، لهذا الإظهار، الفرصة المناسبة. فلم يشأ أن يفجر ألوهيته دفعة واحدة لئلا يثير الهلع بدل المحبة. فدرب البشر على اعتبار الزمن الذي هم فيه خطوة بالغة وأن الله قد أرسل لهم المسيح المنتظر، وان هذا المسيح هو إله يلطف الالوهة بإنسانية جذابة.

3- وإعلان يسوع عن لاهوته كان واضحاً كل الوضوح حتى أن تقليد المجتمع اليهودي، حول هذا الموضوع، ثابت حتى الأن، وفحواه: أن يسوع قد حُكم عليه بالموت لأنه نيب نفسه إلى الألوهة. ويقول كاهين في هذا المعنى: “إن يسوع بإعلان نفسه ألهاً، مساوياً نفسه بالله، زعزع فجأة وبصورة غير منتظرة عقائد معاصريه، وصدم صدمة عنيفة معتقدات الشعب التقليدية”.

ومن كل هذا ألا يكون تصريح يسوع المسيح عن نفسه، بأنه ابن الله واضحاً وجالياً…؟!!!!

ولكن ألا يطرح هذا سؤالاً..؟!

ألا يدعو الكتاب المقدس المؤمنون “أبناء الله” (رومية 14:8)

فما هو الفرق بين المسيح ابن الله. وبين المؤمنين أولاد الله؟

يقول الدكتور القس/ منيس عبد النور في كتاب (ألقاب المسيح): “الفرق الأول أن المسيح لبن الله من الأصل بالطبيعة منذ الأزل. أما المؤمنون فهم أبناء بالتبني، إذ رضى الله في رحمته أن نكون أبناء له! والمسيح هو الابن الوحيد..الذي وحده يقدر أن يقول: “أنا والآب واحد” يوحنا 30:10) وهو وحده الذي يقدر أن يقول: “الذي رآني فقد رآى الآب” (يوحنا 9:14)

أما المؤمن فهو يرى الله في المسيح “الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر” (يوحنا 18:1)

تمرين للتطبيق

1- إن الجمل التي على اليسار هي أوصاف ليسوع، أقرأ الآيات التي على اليمين ثم ضع رقم الوصف المناسب أمام كل آية.

…أ) فيليبي 7:2 1) أبوه هو الله

…ب) يوحنا 7:10 2) ولد من أمرأة

…ج) فيليبي 6:2 3) هو المخلص

…د) غلاطية 4:4 4) صار مثلنا وأخذ صورتنا

…هـ) أعمال 12:4 5) إنه إله وله طبيعة الله

1- موته (خلاص الخطاة من الدينونة)

لقد جاء المسيح يسوع إلى العالم ليخلص الإنسان من الخطية، ورد في (لو 10:19) القول: “لأن أبن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك”، وكان أمامه طريق واحد لكي يخلصنا به، وهو بذله حياته لأجلنا “لأن أبن الإنسان لن يأت ليُخَدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين” (مرقس 45:10).

إن معنى “يفدي” هو ” يحرر” أو “ينقذ” أو “يخلص” أو “ينجي” وهذا وعد رائع للبشرية جمعاء.

لكن لماذا كان على يسوع أن يموت؟!

إذا رجعنا إلى قصة آدم وحواء، نتذكر أن الله قال لهما إن الخطية ستؤدي إلى الموت، والله لا يقدر أن يتراجع عن حكمه على الخطية، فطالما ارتكبت الخطية فلابد أن يتبعها الموت.

ولكن قبل أن نستمر دعنا ننتبه إلى حقائق يجب أن نعيها هنا جيداً، وهي دائماً مصدر رئيسي لسوء الفهم الذي يؤدي غالباً إلى تشويه صورة الله ورفض عمل المسيح لأجلنا.

“منذ الأزل صورة الإنسان الكامله عند الله هي “ابنه” – “يسوع المسيح” فمشروع الله الفريد لم يوجد أولاً في حالة “فشل” وذلك بسقوط “آدم” في الخطية، ثم “أستدراك” بمحاولة علاج الخطأ “بالمسيح” فالفداء “أصلي” قبل الخطية والعذاب، واندرج في الزمن بحياة يسوع وآلامه، أي أن الفداء متزامن مع الخلق، وهذا ما توضحه جلياً رسائل بولس الرسول، وخاصة (أفسس 1: 3-14، كولوسي 1: 15-20) إن يسوع المسيح “بكر كل خليقة…الكل به وله خلق الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل” (كولوسي 1: 15-16) يعمل عبر كافة الآزمنة في البشرية بروحه القدوس، قائداً إياها نحو الله، وهذه المسيرة – مسيرة الإنسانية جمعاء على مدار التاريخ – من الله وإلى الله في أبنه الوحيد.

“البعض يتصور أن الله هو “إله دموي” ثار غاضباً من الإنسان وطالب بعدالة القصاص- وكان الحل عنده هو الموت، وهذه الكلمة بالذات “الموت” جعلت الكثيرين يرسمون في أذهانهم صورة مشوهة عن الله، وأيضاً يصور البعض لنا على أن “يسوع المسيح” كباحث عن العذاب والموت.

فالموت قد يعني لهؤلاء “النهاية” كعقاب، هذا إذا كان مقروناً بالألم مثلما حدث للمسيح، لذا تتكاثر هنا علامات الإستفهام بل وتتعداها إلى الإستنكار، ولكن يسوع نفسه يقدم لنا تفسيراً للموت مخالفاً لهذا المعنى، بل وبرهاناً على أنه ما هو إلا عبور إلى الأبد (راجع يوحنا 12: 23-24، 32-33)

وموت المسيح قد أعلن حب الله اللامنتاه لكل البشر (يوحنا 16:3) فهو الذي كان جالساً على عرشه وحوله الملائكة جاهزة لتنفيذ أوامره، وهو الذي خلق السموات والأرض والإنسان، لكنه صار عبداً وسمح لخليقته أن تهينه وتختقره وتصلبه على صليب الجلجثة لكي يهبها الخلاص.

نقرأ في (1 بطرس 1: 18-19) الآتي:

“عالمين أنكم أفتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أة بذهب…بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح”.

هل جميع الناس خلصوا الآن بموت يسوع من أجلهم؟

كلا، فالله لم يسلبهم حرية الإختيار والله لا يفرض خلاصه عليهم، ولا يزال على الإنسان إتخاذ القرار بنفسه، وقبول يسوع كمخلص شخصي له، قال يسوع لأتباعه:

“إذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزُوا بالإنجيل للخليقة كلها. من آمن وأعتمد خلص ومن لم يُؤمِن يُدن” (مرقس 16: 15-16)

” لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل أبنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن بإسم الله الوحيد” (يوحنا 3: 16-18)

لقد مات يسوع عوضاً عنا، ومع ذلك فلم يكن هناك من رجاء لنا لو بقى يسوع داخل القبر.

لقد أقامت ديانات كثيرة المزارات والأضرحة عند قبور قادتها المكرمين، وبداخلها توجد عظامهم، لكن قبر يسوع فارغ نتيجة المعجزة التي حدثت بعد ثلاثة أيام من صلبه، إذ قام من الأموات وظهر عدة مرات بعد قيامته.

“وأنه دفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب، وأنه ظهر لصفا ثم للإثنى عشر وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمائة أخ أكثرهم باق إلى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا، وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين” (1 كورنثوس 15: 4-7)

إن قيامة المسيح هي أحد البراهين على كونه ابن الله، ورد في (رومية 4:1) “تعين أبن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات” وبعد أن أظهر نفسه للكثيرين ووجه إليهم كلمات التعزية والتشجيع، صعد إلى السماء ليس بصورة خفية، بل على مرأى من تلاميذه.

“وأخرجهم خارجاً إلى بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم، وفيما هو يباركهم أنفرد عنهم وأصعد إلى السماء” (لو 24: 50-51)

لقد قام يسوع من الأموات كما قال وظهر لمئات من المؤمنين به، ثم صعد إلى المجد وبصعوده أسترد المقام الذي كان له من البدء عن يمين الآب، وهو الآن يشفع فينا عند الآب، ولنلق على ثلاث آيات تخبرنا عن ذلك.

  • “وأما رأس الكلام فهو أن لنا رئيس كهنة مثل هذا قد جلس في يمين عرش العظمة في السموات” (عبرانين 1:8)
  • “وأن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار” (1 يوحنا 1:2)
  • “فمن ثم يقدر أن يخلص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم” (عبرانين 25:7)

كم هو عظيم أن ندرك أن ثمن فدائنا الباهظ قد دفع عنا، وأكثر من ذلك، فإن يسوع بعد موته على الصليب وقيامته من القبر وصعوده إلى الآب لم ينسنا، وهو مهتم بنا إلى اليوم ويريد أن يساعدنا على قدر ما تعطيه الفرصة لذلك.

تمرين للتطبيق

1- ضع دائرة حول الحرف المقابل لكل تكملة صحيحة للجملة التالية

مات المسيح على الصليب لكي

أ) يمنح الخلاص لكل من يقبله كمخلصز

ب) يعطينا حياة أبدية.

2- أقرأ (لو 24: 46-47)، يخبرنا العدد (46) عن صلب يسوع وقيامته، كما يخبرنا العدد (47) لماذل ينبغي أن يموت ويقوم من الأموات، فما هو السبب الذي يقدمه العدد (47)؟

3- ضع دائرة حول الحرف المقابل للإجابة الصحيحة للسؤال التالي

ما هو الدور الذي يقوم به يسوع الآن حسب كلمة الله؟

أ) يهتم بخلائق أخرى.

ب) يشفع فينا لدى الآب.

ج) يقرر الذين سيحصلون على الحياة الأبدية والذين لن يحصلوا عليها.

4- توجد أربعة براهين على أن يسوع المسيح قد قام حقاً من الأموات “أقرأ الشاهد (الآيات المشار اليها) وأكتب بأسلوبك صياغة للبرهان.

البرهان الأول: تنبأ يسوع المسيح “ابن الله” عن قيامته سلفاً

1- ماذا قال يسوع لتلاميذه في (لوقا 18: 31-33)؟

2- إذا قال يسوع بوضوح بأنه سيقوم من الأموات، ثم أخفق في ذلك، فماذا نستنتج إذاً عنه؟

البرهان الثاني: إن القيامة هي التفسير المعقول الوحيد لقبره الفارغ

1- ماذا فعل أصدقاء يسوع ليكونوا على ثقة بأن جسده لن يؤخذ. (مرقس 46:15)؟

2- ماذا فعل أعداء يسوع ليكونوا على ثقة بأن جسده لن يؤخذ. (متى 27: 62-66)؟

البرهان الثالث: إن القيامة هي التفسير الوحيد المعقول لظهور يسوع لتلاميذه.

1- اذكر الأفراد أو الجماعات الذين رأوا يسوع المقام حقاً بحسب ما كتبه بولس في (1 كورنثوس 15: 4-8)

2- إذا لم يقم يسوع من الأموات، فماذا يجب إذاً أن نستنتج عن كل هؤلاء الشهود؟ (1 كورنثوس 15: 14-15)؟

3- لماذا ترى أن الجواب السابق خطأ ولا معنى له؟

4- أي شيء آخر يمكن أن يكون صحيحاً إذا لم يقم المسيح من الآموات ( 1 كورنثوس 17:15)؟

5- عندما ظهر المسيح لأتباعه، ماذا فعل ليبرهن لهم بأنه ليس خيالاً ( لوقا 24: 36-43)؟

البرهان الرابع: إن القيامة هي التفسير الوحيد لبداية الكنيسة المسيحية

1- يشير بطرس في يوم الخمسين، بعد بضعة أسابيع من قيامة المسيح، وابتدأت الكنيسة المسيحية. ماذا كان موضوع العظة الرئيسي (أعمال 2: 29-32)؟

2- ولكن كيف تجاوبوا معه (أعمال 2: 37، 38، 41، 42)؟

هذا الذي حُوكِم كمذنب أمام منبر بيلاطس، وحُكِم عليه ظلماً وسُخِر به وصُلِب مع الأثمة سوف يأتي بقوة ومجد عظيمين وتجتمع أمامه كل شعوب البشر وأجيالهم ليسمعوا من فمه القضاء الأخير عليهم، فيرتفع لدى كل الخلائق العاقلة ويكون قاضيهم المطلق المنظور، فيدين الأحياء والأموات وستكون شريعة الدينونة بحسب ناموس (قانون) الله على كل ما كُتِب في القلب أو أُعِلنَ في الكتاب المقدس، فَيِدان الذين كان عندهم الكتاب بالإعلان المكتوب، وأما الذين لم يكن عندهم إعلان خارجي فَيَدانون حسب النور الذي كان لهم.

“والأن هل أنت مستعد لمجيئه أيها الأخ الحبيب؟ كان هذا الموضوع درسنا، ونحن نهنئك على إتمامه، وسننتظر أن ترسل إجاباتك على مسابقة الدراسة، على أن نعيدها إليك مرة ثانية بعد مراجعتها”

نحن في درسنا هذا لم نقدم كل شيء عن “المسيح” ولكن تعريف موجز بإيماني المسيحي، وأنني أرجو لك المزيد من الفائدة، أثبت هنا بعضاً من الكتب التي استعنت بها في تحرير هذا المقال، وهي هامة جداً:

1- بين العقل والإيمان (الجزء الثالث) تأليف: د. هيرمان بافينك ترجمة: سعيد باز.

2- إيماني تأليف: القس إلياس مقار.

3- ألقاب المسيح تأليف: د. القس منيس عبد النور.

4- قاموس الكتاب المقدس.

5- نجار وأعظم تأليف: جوش مكدويل ترجمة: سمير الشوملي.

6- ثقتي في السيد المسيح تأليف: جوش مكدويل ترجمة: د. القس منيس عبد النور.

7- يسوع الفريد (سلسلة النضج المسيحي) المقدمة تأليف: بل برايت.

ستمكنك أسئلة المسابقة من استرجاع ما درسته، وستعطيك قدرة على إمتحان ما تعلمته بهدوء وتروي…

من هو المسيح – كيف أرى يسوع المسيح؟

دليل الظهورات، هل شوهد يسوع حيا بعد موته على الصليب؟ – لي ستروبل

دليل الظهورات، هل شوهد يسوع حيا بعد موته على الصليب؟ – لي ستروبل

دليل الظهورات، هل شوهد يسوع حيا بعد موته على الصليب؟ – لي ستروبل

دليل الظهورات، هل شوهد يسوع حيا بعد موته على الصليب؟ – لي ستروبل

في سنة 1963 جثة فتاة عمرها 14 سنة وتدعى ادي ماي كولنز، وهي واحدة من اربع فتيات افريقيات- امريكيات اللاتي قتلن في حادث سيء السمعة تم فيه القاء القنابل على كنيسة بواسطة عنصرين بيض، دفنت جثتها في برمنجهام بولاية الاباما. ولمدة سنين ظل افراد اسرتها يعودون الى قبرها للصلاة ووضع الزهور. وفي سنة 1998 قرروا ان يخرجوا الجثة لاعادة الدفن في مقبرة اخرى.

وعندما بدأ العمال في الحفر، على اية حال، عادوا ليعلنوا اكتشاف فظيع: القبر كان فارغا.

بشكل مفهوم، كان افراد الاسرة مذهلون جدا. وبسبب السجلات التي لم تحفظ جيدا، اندفع موظفوا المقبرة ليكشفوا ما قد حدث، واثيرت احتمالات عديدة، كان اولها ان شاهد قبرها قد نصب في المكان الخطأ[1].

رغم ذلك وفي اثناء عملية تحديد ما قد حدث، كان هناك تفسير وحيد لم يفكر فيه احد: فلم يقترح احد ان الشابة آدي ماي قد اقيمت من الموت لتمشي وتعيش على الارض مرة اخرى. لماذا؟

لان القبر الخالي وحده لا يصنع القيامة.

ان محادثتي مع الدكتور وليم لين كريج قد سبق ان استنبطت ادلة قوية على ان قبر يسوع كان فارغا يوم الاحد التالي للصلب. وبينما عرفت بان هذا الدليل كان مهما وضروريا لقيامته، لكني كنت مدركا ايضا ان الجسد المفقود ليس برهانا قاطعا وحده. فالحاجة ماسة لحقائق اكثر لاثبات ان يسوع قد قام من الموت فعلا.

هذا هو الذي دفعني للقيام بالسفر بالطائرة الى فرجينيا. وفيما كانت طائرتي تحلق فوق التلال المشجرة تحتنا، كنت اقوم بقراءة الدقيقة الاخيرة في كتاب مايكل مارتن، الاستاذ بجامعة بوسطن الذي كان يسعى للتشكيك في المسيحية. وابتسمت لما قرات كلماته:

“ربما كان الدفاع الاكثر تطورا للقيامة قد قام به جاري هابيرماس”[2]

نظرت الى ساعتي، فوجدت اني بعد هبوط الطائرة سيكون لدي وقت كافي لاستئجار سيارة، والذهاب الى لنتشبيرغ، لالحق بموعدي الساعة الثانية للقاء هابيرماس نفسه.

 

المقابلة الثانية عشرة: جاري هابيرماس، دكتوراه فلسفة، دكتوراه في اللاهوت

على الحائط في مكتب هابيرماس الصارم، معلق صورتان عليهما توقيع لاثنين من لاعبي الهوكي، يتصارعان على الجليد. وكانت الصورة الاولى اللاعب الخالد بوبي هال من فاديي الصقور السوداء بشيكاغو، والثانية تصور ديف “المطرقة” شولتز، لاعب الهجوم القوي في نادي فيلادلفيا فلايرز.

واوضح لي هابيرماس  “هال لاعب الهوكي الذي افضله، وشولتز هو المقاتل الذي افضله” ثم اضاف بابتسامة عريضة “هناك فرق”.

كان هابيرماس ملتحي، يتحدث بصراحة، وهو ايضا ملاكم ضخم الجسم كالثور، وهو يشبه حارس ملهى ليلي اكثر من ان يشبه المفكر ذو البرج العاجي. وكان مسلحا بوسائل الجدال الحامية يؤيدها بادلة تاريخية، لذا فهو لا يخشى الخروج متمايلا.

انتوني فلو، احد الملاحدة الفلاسفة البارزين في العالم، اكتشف ذلك عندما اشتبك مع هابيرماس في مناضرة كبرى حول موضوع “هل قام يسوع من الموت؟” والنتيجة انها كانت احادية الجانب بالتاكيد. فمن خمس فلاسفة مستقلين من كليات وجامعات مختلفة الذين كانو حكام المناظرة، قرر اربعة منهم فوز هابيرماس والخامس اعتبر النتيجة  “التعادلية”، ولم يعط احد صوته لفلو وقد علق احد الحكام قائلا “لقد كنت مندهشا “صدمت هي اللفظة الادق” عندما رايت كم كانت وجهة نظر فلو ضعيفة وقد… خلصت لهذه النتيجة: لو كانت الاراء المعارضة للقيامة ليست اقوى من التي قالها فلو فاظن انه حان الوقت للبدء باخذ القيامة على محمل الجد”.[3]

كما ان واحدا من خمس حكام المناظرات المحترفين، الذي قيموا اساليب جدال المتناظرين  (مرة اخرى كان هابيرماس هو الفائز) اضطر ان يكتب هذا التعليق، “اني اقرر ان الادلة التاريخية، رغم ما بها من اخطاء، قوية قوية بما فيه الكفاية لقيادة عقول معتدلة للاستنتاج بان المسيح قام فعلا من بين الاموات”. ولقد اختتم هابيرماس مناظرته بتقديم ادلة محتملة جدا للمصداقية التاريخية للقيامة بدون ان يكون هناك ادلة طبيعية مقبولة ضدها، لذلك ففي رايي ان هابيرماس هو الفائز بهذه المناظرة”.[4]

بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة ولاية متشجان، حيث كتب اطروحته عن القيامة، حصل هابيرماس على درجة الدكتوراه في اللاهوت من كلية عمانوئيل في اكسفورد، بانجلترا. وقد الف سبعة كتب تبحث في قيامة يسوع من الاموات، من ضمنها،

“قيامة يسوع: سؤال منطقي the resurrection of Jesus: A rational Inquiry

“قيامة: اعتذار the resurrection of Jesus: An apologetic “

“يسوع التاريخي: the historical Jesus””

“هل قام يسوع من الاموات؟ مناظرة القيامة “Did jesus rise from the dead? The resurrection debate”

التي بنيت على مناظرته مع فلو. ومن بين كتبه الاخرى التي تتعامل مع الشك وبالاشتراك مع (جي بي مورلاند) “مابعد الموت: اكتشاف دليل الخلود beyond death: exploring the evidence for immortality.

وبالاضافة الى ذلك اشتراكه في تحرير “دفاعا عن المعجزات”  وساهم في “يسوع تحت النار” و “كيف تحيا بايمانك: سد الفجوة بين العقل والقلب” ومقالاته المائة ظهرت في المنشورات الشعبية  (مثل “بريد مساء السبت”)، والمجلات العملية (بما فيها “الايمان والفلسفة والدراسات الدينية”) ومراجع مثل “قاموس بيكر اللاهوتي”. كما انه ايضا الرئيس السابق للجمعية الفلسفية الانجيلية.

انا لا اقصد، بوصفي السابق، الايحاء بان هابيرماس مولع بالقتال، فهو ودود ومتواضع بالمحادثات العادية. ولا اريد ان اكون خصما له في لعبة هوكي الجليد، او في مناظرة. فلديه رادار فطري يساعده على التركيز على نقاط معارضه الضعيفة. كما ان لديه جانب رقيق ايضا، الذي اكتشفته- دون توقع- قبل نهاية مقابلتي معه.

وجدت هابيرماس في مكتبه الرسمي في جامعة ليبرتي، حيث يعمل حاليا كاستاذ ورئيس قسم الفلسفة والاهوت ومدير برنامج الماجستير في الاعتذاريات.والحجرة بها دواليب سوداء للملفات، ومكتب معدني له قرص خشبي، وسجادة قديمة بالية، وكراسي للضيوف قابلة للطي، فهي بالتاكيد ليست مكانا يقصده السياح. فالحجرة، مثل صاحبها، خالية من الغرور.

 

الموتى لا يفعلون ذلك

كان هبيرماس، جالسا خلف مكتبه، وقد شمر اكمام قميصه الازرق. فيما ادرت جهاز التسجيل وبدات مقابلتنا.

بطريقة محامي الدفاع الفظة قلت “هل صحيح انه لا يوجد شهود عيان لقيامة يسوع؟”

“هذا صحيح تمام، فلا توجد أي رواية وصفية للقيامة”، هكذا اجاب هابيرماس باعتراف وقبول الذي قد يفاجئ الناس الذين لديهم معلومات سطحية فقط عن الموضوع. ثم اضاف “عندما كنت شابا، قرات كتابا من تاليف سي. اس. لويس، الذي ذكر ان العهد الجديد لايذكر شيئا عن القيامة. فكتبت في الهامش “لا!” بخط كبير، ثم ادركت معنى كلامه انه لا احد كان داخل القبر ورأى الجسد يهتز، ثم يقف وينزع اللفافات الكتانية، ويطويها، ثم يدحرج الحجر، ثم يفاجئ الحراس، ويرحل”.

بدا لي، ان ذلك قد يثير بعض المشاكل “الا يضر هذا مجهوداتك لاثبات ان القيامة حدث تاريخي؟”

وهنا تراجع هابيرماس في كرسيه ليصبح اكثر راحة، ثم قال “كلا، ان هذا لن يضر قضيتنا ولا ذرة واحدة، لان العلم كله مبني على الاسباب والنتائج. فنحن لا نرى الديناصورات؛ لكننا ندرس الحفريات المتحجرة. وقد لا نعرف كيف ينشأ المرض، لكننا ندرس اعراضه. ربما توجد جريمة لم يشاهدها احد، لكن رجال الشرطة يجمعون الادلة للتوصل الى الحقيقة.

 

ثم استمر قائلا “لذا، اليك طريقتي في دراسة ادلة القيامة:

اولا، هل مات يسوع على الصليب؟

ثانيا، هل ظهر بعد ذلك للناس؟ لو استطعت اثبات هذين الشيئين فقد حققت هدفك لان الموتى لا يفعلون ذلك عادة”.

يتفق المؤرخون على على ان هناك ادلة كثيرة على ان يسوع قد صلب. والدكتور الكسندر ميثيريل اثبت بالادلة في فصل سابق ان يسوع لم يكن من الممكن ان يظل حيا بعد وحشية هذا الاعدام. وهنا يبقى الجزء الثاني من القضية: هل ظهر يسوع فعلا بعد ذلك؟

فسألت هابيرماس “ما الدليل الذي يثبت ان الناس شاهدوه؟” فاجاب هابيرماس بعد ان فتح الانجيل امامه ” سابدا بالدليل الذي يعترف به جميع العلماء. لا احد يشك ان بولس هو الذي كتب الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس، ونجده يؤكد في موضعين انه شخصيا قابل يسوع بعد القيامة، ويقول في رسالته الاولى الى اهل كورنثوس9: 1 “الست انا رسولا؟ الست انا حرا؟ اما رايت يسوع المسيح ربنا؟” ويقول في نفس الرسالة15: 8 “واخر الكل كانه للسقط ظهر لي انا”.

اعترفت بان الاقتباس الاخير كما هي مربوطة بعقيدة الكنيسة المبكرة، الذي سبق ان ناقشته مع كريج بلومبيرج. وكما اشار وليم لين كريج ان الجزء الاول لهذه العقيدة (الايات 3-4) تشير الى صلب يسوع، ودفنه، وقيامته.

والجزء الاخير للعقيدة (الايات 5-8) يتحدث عن مرات ظهوره بعد القيامة: “وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ.6 وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا.7 وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ.8 وَآخِرَ الْكُلِّ ­ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ­ ظَهَرَ لِي أَنَا”.

ومن الواضح ان هذه الشهادة المؤثرة جدا بظهورات يسوع حيا بعد موته. وقد ادرجت هنا اسماء الاشخاص والمجموعات المعينة من الناس الذين راوه، مكتوبة في وقت كان الناس لازالوا بامكانهم مراجعتها اذا ارادوا تاكيدها. ولاني كنت اعرف ان هذه العقيدة، والتي بمثابة قانون ايمان، ذات اهمية حيوية في اثبات القيامة، قررت اخضاعه لتدقيق اشد: لماذا المؤرخون مقتنعون بانه قانون؟ والى أي حد يعتبر جديرا بالثقة؟ والى أي عهد يرجع تاريخه؟

فسالت هابيرماس “هل لديك مانع ان استجوبك عن هذا القانون؟”

فمد هابيرماس يده كانه يدعوني ان اساله ثم قال “تفضل اسالني”

“إقنعني انه قانون”

مبدئيا، اردت تحديد لماذا هابيرماس، وكريج، وبلومبيرج، واخرون اقتنعوا بان هذا المقطع هو عقيدة الكنيسة الاولى وليست مجرد كلمات بولس الرسول، الذي كتب رسالته الى كنيسة اهل كرونثوس التي تحتوي على هذا المقطع.

وكان التحدي الذي وجهته الى هابيرماس بسيط ومباشر قلت له “إقنعني انه قانون”.

فأجاب “حسنا، بامكاني ان اعطيك عدة اسباب قوية

“اولا، ان بولس يبدا بكلمتين “سلمت اليكم في الاول” و “ماقبلته انا ايضا” وهي مصطلح رباني فني يدل على ان تمرير تقليد مقدس.

قال هابيرماس وهو يمسك اصبعا كل مرة ليؤكد كل نقطة يذكرها “ثانيا، ان تطابق النص ومحتوياته المكتوبة باسلوب معين تدل على انه عقيدة.

“ثالثا، النص الاصلي يستخدم سمعان لبطرس، وهو اسمه باللغة الارامية. وفي الواقع اللغة الارامية نفسها تدل على انه من اصل قديم جدا.

“رابعا، يستخدم القانون عبارات بدائية عديدة اخرى، التي لم يتعود بولس ان يستعملها مثل “الاثنا عشر”، “اليوم لثالث”، “رفع”، وغيرها.

“خامسا، استخدم كلمات معينة مشابهة للغة الارامية والمشنا (وهي الكلمات المستخدمة في التلمود) ومشا باللغة العبرية معناها “رواية”. وبعد ان استنفذ الاصابع، سالني “هل استمر؟”.

فقلت له “حسنا، حسنا، انك تقول ان هذه الحقائق تقنعك، كمسيحي انجيلي محافظ، ان هذا مذهب مبكر”.

وكان يبدو ان هابيرماس قد اغضبه هذا التعليق الشائك فقال “ليس المسيحيون المحافظون المقتنعين وحدهم”.

ثم اضاف بغضب واصرار “ان هذا تقييم يشارك فيه مجموعة واسعة من العلماء من فئات لاهوتية متعددة. فالعالم البارز يواكيم ارميا يشير الى هذا القانون كـ “اقدم تقليد على الاطلاق” و اولريك ويلكينس يقول “لا شك انه يعود الى المرحلة الاقدم في تاريخ المسيحية الاولى”.

وهذا يثير السؤال الى أي حد يعتبر هذا القانون قديم جدا فسالته “الى أي تاريخ قديم يمكنك ارجاعه؟”

فاجاب “نعرف بان بولس الرسول كتب الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس مابين سنة 55 وسنة 57م. وهو يشير في كورنثوس الاولى15: 1-4 بانه ارسل هذا القانون الى الكنيسة في كورنثوس، مما يعني انها تسبق زيارته الى كورنثوس سنة 51م. لذا فهذه العقيدة كانت مستعملة في غضون عشرون عاما من القيامة، الذي يعد مبكرا جدا.

“ومع ذلك، اتفق مع معظم العلماء الذين يرجعون تاريخه الى ابعد من ذلك، الى مابعد القيامة بسنتين الى ثمان سنوات، او من حوالي سنة 32 الى 38م. عندما تسلمه بولس إما في دمشق او في اورشليم. ولذلك فهذا القانون قديم جدا بدرجة كبيرة، فهو اصلي وقديم جدا، ويعتبر دليلا صافيا واضحا على ان يسوع ظهر حيا لمتشككين مثل بولس ويعقوب، وكذلك بطرس وباقي التلاميذ”.

فقلت له معترضا “لكنه، في الواقع، ليس نصا مأخوذا من المصدر الاصلي. الن يقلل هذا من قيمته كدليل؟”

فقال هابيرماس “تذكر ان بولس شخصيا يؤكد ان يسوع ظهر له ايضا، وهذا يعتبر دليلا من المصدر الاصلي. وبولس لم ياخذ هذه القائمة من غرباء في الشارع، فالراي الاساسي انه حصل عليها من شهود عيان مباشرة، من بطرس ويعقوب انفسهم، وعمل جاهدا ليؤكد انه قائمة صحيحة ودقيقة”.

لكن هذا كان ادعاء قوي فسالته “كيف تعرف ذلك؟”

فاجابني “انا متفق مع العلماء الذين يؤمنون بان بولس استلم هذا النص بعد اهتدائه للمسيحية بثلاث سنوات عندما قام برحلة الى اورشليم وقابل بطرس ويعقوب. وبولس يصف هذه الرحلة في رسالته الى اهل غلاطية 1: 18-19 حيث يستعمل كلمة يونانية مهمة جدا وهي “هستوريو historeo”.

ولما لم يكن معنا هذه الكلمة مالوفا عندي فسالته “لماذا هذه الكلمة مهمة جدا؟”

فاجاب “لان هذه الكلمة تشير بانه لم يكن يوجه الاسئلة مصادفة عندما قابلهما. وتدل على انها كانت اسئلة استفسارية كانها تحقيق. وكان بولس يقوم بدور المحقق الذي يفحص الاجابة بدقة وبعناية. لذلك فحقيقة ان بولس اكد الامور بنفسه مع اثنين من شهود العيان مذكورين بالتحديد في القانون- وهما بطرس ويعقوب- يعطيها اهمية اضافية. ويقول احد علماء العهد الجديد القلائل بنكاس لابيد، يقول ان الادلة التي تعزز القانون قوية لدرجة انها تعتبر كانها تصريح من شهود عيان”

وقبل ان اقفز لاعتراض اضاف هابيرماس. “وبعد ذلك في رسالة بولس الاولى الى اهل كرونثوس 11: 15 يؤكد بولس على ان الرسل الاخرين اتفقوا على التبشير بنفس الانجيل بهذه الرسالة نفسها عن القيامة. وهذا يعني ان ما يقوله شاهدا العيان، بطرس، ويعقوب”.

ساسلم بان هذا كله يبدو مقنعا. ومع ذلك فما زال لدي تحفظات على هذا القانون ولا اريد ان اسمح لتاكيدات هابيرماس ان تثنيني عن الاستمرار في التحقيق.

سر الخمسمائة

القانون المذكور في الرسالة الأولى لإبى أهل كورنثوس15 هي المكان الوحيد في الكتب القديمة الذي يذكر فيه أن يسوع ظهر لخمسمائة شخص في نفس الوقت. فالأناجيل لا تذكر دليلاً يؤسد ذلك ولم يذكرها أي مؤرخ دنيوي. وهي عندي ترفع الراية الصفراء بمعنى أني لست متأكداً من هذا العدد لذلك سألت هابيرماس “لو كان هذا قد حدث فعلاً، لماذا لا يذكره أي شخص آخر:. وسيكون بإمكانك أن تظن أن الرسل سيذكرون هذا كدليل حيثما ذهبوا. وكما يقول الملحد مايكل مارتن “إنني يجب أن أستنتج أنه ليس من المحتمل جداً أن هذا الحدث قد تم حدوثه فعلاً” ولذلك “فهذا بطريق غير مباشر يشكك في بولس الرسول كمصدر يعتمد عليه”[5].

ضايق هذا التعليق هابيرماس فقال “إنها مجرد سخافة صرف لقول بأن هذا يثير الشك حول بولس، ومع ذلك دعني أتوثق هنا قليلاً! أولاً، على الرغم من أنه مذكور في مصدر واحد فقط، إلا أنه تصادف أن يكون أفضل وأسبق مقطع مؤصّل للكل! وذلك يُحسب للموضوع.

“ثانياً، كان لدى بولس علاقة بها بعض القُرب من هؤلاء الأشخاص “ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحَدَةً لأَكْثَرَ مَنْ خَمْسَمَئَةَ أخ أَكْثَرُهُمْ بَاقٍ إلَى الآنَ. وَلَكَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا” فأما عرف بولس بعض هؤلاء الأشخاص أو أخبر من قبل شخص ما عرفهم وبأنهم ما زالوا أحياء حوله وراغبين في مقابلته.

“الآن، توقف وفكّر في الموضوع: إن هذه العبارة لم تُتضمّن ما لم يكن واثقاً جداً بأن الأشخاص يؤكدون بأنهم حقاً قد رأوا يسوع حي. أعني، كان بولس يدعو الناس عملياً ليتأكدوا مما يقوله لهم! وما كان سيقول ذلك إن لم يكن يعرف بأنهم يؤيدونه.

“ثالثاً، عندما يكون لديك مصدر واحد فقط، يمكنك السؤال: “لمَ ليس هناك أكثر؟” لكنك لا تستطيع القول “هذا المصدر تافه على أساس أن شخص آخر لم يصل إليه” لا يمكنك التقليل من قيمة هذا المصدر بتلك الطريقة. لذل هذا لا يقود لأي شك حول مصداقية بولس، ويجب أن يكون مارتن قادراً على فعل ذلك، لكنه لا يستطيع عمل ذلك بشكل مشروع.

“هذا مثال لما يريده بعض النقاد. بشكل عام، يُشوّهون سمعة روايات القيامة الإنجيلية لمصلحة بولس، لتخذونه ليكون السلطة الرئيسية. لكن عند هذه القضية، يستجوبون بولس من أجل النصوص التي يثقون بها وبنفس القدر! ما الذي يمكننا قوله حول منهجيتهم؟”

ما زالت لديَّ حول ظهور يسوع لمثل هذا الحشد الكبير. فسألت هابيرماس “أين تمَّ هذا اللقاء مع خمسمائة شخص؟”.

وهنا خَمّن هابيرماس قائلاً “في أرياف الجليل، لو كان يسوع قد استطاع أن يطعم خمسة آلاف، فبإمكانه أن يعظ خمسمائة. ومتى يقول أن يسوع ظهر على جانب التل؛ لريما كان هناك أكثر من مجرد الأحد عشر تلميذاً”.

فلما تخيلت هذا المشهد في ذهني، ما زلت لا أستطيع منع نفسي من التسائل لماذا لم يذكر أي شخص آخر هذا الحدث. “ألم يكن من المحتمل أن المؤرخ يوسيفوس يكون سيذكر شيئاً بهذا الحجم؟”

فأجاب هابيرماس “كلا، لا أعتقد بضرورة ذلك. فإن يوسيفوس كان يكتب بعد ذلك بستين عاماً. ما هي المدة التي تظل الحكايات المحلية متداولة قبل أن تطويها ستائر النسيان؟ لذا؛ إمّا أن يوسيفوس لم يعرف بهذا الخبر – وهذا ممكن – أو أنه إختار ألا يذكرها، وهذا معقول لأننا نعلم أن يوسيفوس لم يكن من أتباع يسوع. فلا يمكنك أن تتوقع من يوسيفوس تأييده”.

فلما لم أرد عليه للحظة، إستمر هابيرماس “أنظر، كنت أود أن أجد خمسة مصادر لهذا الخبر لكني لم أجد. لكن عندي فعلاً مصدر واحد ممتاز، إنه خبر جيد لدرجة أن المؤرخ الألماني هانز فون كامبنهاوزن يقول: “هذه الرواية تُلبي كل مطالب الموثوقية التاريخية اللازمة لمثل هذا النص”. بالإضافة إلى ذلك، فإنك لست محتاجاً أن تعتمد على الإشارة إلى ظهور يسوع للخمسمائة لتؤيد قضية القيامة وإني عادة لا أستعملها”.

حمل جواب هابيرماس بعض المنطق. ومع ذلك ما زال هناك شئ واحد في هذا القانون يقلقني. فإنه يقول أن يسوع ظهر أولاً لبطرس، بينما يوحنا يقول أنه ظهر أولاً لمريم المجدلية. وفي الحقيقة أن القانون لم يذكر أي إمرأة، مع أن النسوة مذكورين بوضوح في الروايات الإنجيلية.

وهنا سألت هابيرماس “ألن تؤدي هذه التناقضات إلى التأثير على مصداقيته؟”

فأجاب هابيرماس “كلا. أولاً، أنظر إلى الحكاية بدقة. إنها لا تقول أن يسوع ظهر لبطرس أولاً. كل ما تفعله هو أن تضع بطرس في أول القائمة. وحيث أن النساء لم يكن معترف بهن كشهود في الثقافة اليهودية في القرن الأول، فليس من المفاجئ أنهن لم يذكرن هنا. ففي نظام العمل في القرن الأول، فليس من المفاجئ أنهن لم يذكرن هنا. ففي نظام العمل في القرن الأول، لم يكن لشهادتهم أي وزن. لذا فوضع بطرس في أول القائمة يمكن أن يدل على الأولوية المنطقية وليست الأولوية الزمنية.

ثم إختتم كمه قائلاً “مرة أخرى، إن مصداقية العقيدة تبقى سليمة. فلقد أثرت بعض الأسئلة، إلا أنها لم تقوّض الدليل المقنع بأن هذه العقيدة تأتي من زمن مبكر. أي إنها خالية من أي تشويه أسطوري، وأنها واضحة ومحددة، وإنها في النهاية تأصيل لروايات شهود العيان”.

على كل حال، إضطررت للموافقة بانه كان على حق. فإن أهمية الدليل يؤيد هذه العقيدة بوضوح وبطريقة مقنعة كدليل قوي على ظهورات يسوع بعد القيامة.

دليل قوي جداً لدرجة أن وليم لين كريج، الخبير في مسألة القيامة، والذي قابلته في الفصل السابق، قال أن ولفهارت بانينبرج، ربما يعتبر أعظم عالم اللاهوت الألماني المتشكك بتأسيس نظامه اللاهوتي كله بدقة على الأدلة التاريخية على قيامة يسوع كما في قائمة بولس للظهورات”[6].

وبعدما إقتنعت بالمصداقية الأساسية للعقيدة التي في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس15، حان الوقت للبدء بالنظر إلى الأناجيل الأربعة، التي تُعيد رواية الظهورات العديدة ليسوع بعد قيامته بمزيد من التفاصيل.

شهادة الأناجيل

لقد بدأت هذه السلسلة من الأسئلة بسؤال هابيرماس لوصف ظهورات يسوع بعد القيامة كما ذكرت في أناجيل متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا.

فبدأ هابيرماس يقول “هناك العديد من ظهورات المختلفة لكثير من الأشخاص المختلفين في الأناجيل وفي أعمال الرسل، بعضها لأفراد معينين، وبعضها لمجموعات، أحياناً داخل المنازل، وأحياناً في العراء، وأحياناً للرحماء مثل يوحنا، وأحياناً للمتشككين مثل توما”.

“أحياناً لمسوا يسوع أو أكلوا معه، حيث تُشير النصوص إلى حضوره جسدياً. وحدثت الظهورات على مدى عدة أسابيع. وهناك أسباب وجيهة تجعلنا نثق في هذه الروايات، فمثلاً، نجدها خالية من الميول الأسطورية المعروفة”.

فسألته “هل يمكنك أن تُعدّد هذه الظهوراات لي؟”

من الذاكرة، وصفهم هابيرماس كل على حدة قائلاً “لقد ظهر يسوع لـ

  • مريم المجدلية، في أنجيل يوحنا20: 10-18.
  • النسوة الأخريات، في إنجيل متى28: 8-10.
  • كليوباس وتلميذ آخر في الطريق إلى عمواس، في لوقا24: 13-32.
  • الأحد عشر تلميذاً وآخرين، في إنجيل لوقا24: 33-49.
  • عشر رسل وآخرين، في إنجيل يوحنا20: 19-23، في غياب توما.
  • توما والتلاميذ الآخرين، في إنجيل يوحنا20: 26-30.
  • سبعة تلاميذ، في إنجيل يوحنا21: 1-14.
  • التلاميذ في إنجيل متى28: 16-20.
  • وكان مع الرسل عند جبل الزيتون قبل صعةده، إنجيل لوقا24: 50-52 وأعمال الرسل1: 4-9.

ثم أضاف هابيرماس “من المهم بنوع خاص، أن سي. إتش. دود، العالم بجامعة كامبردج، حلل هذه الظهورات بعناية واستنتج بأن العديد منها مستند على مصادر مبكّرة جداً، ومن بينها لقاء يسوع مع النسوة في إنجيل متى28: 8-10؛ ولقاؤه مع الأحد عشر تلميذاً، الذي أعطاهم فيه الإرسالية العظمى، في إنجيل متى28: 16-20؛ ولقاؤه مع التلاميذ، في يوحنا20: 19-23، الذي فيه أراهم يديه وجنبه”.

ومرة أخرى، نجد ثروة لمشاهدة يسوع. فلم تكن مجرد ملاحظة عابرة لطيف أو خيال من قبل شخص أو شخصين. فقد كانت هناك ظهورات متعددة لأشخاص عديدين، والعديد من الظهور تم تأكيدها في أكثر من إنجيل واحد، أو برسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس15″.

فسألته “هل هناك أي عزيز آخر؟”

“فقط إقرأ أعمال الرسل”، هكذا أجاب هابيرماس، مشيراً إلى كتاب العهد الجديد الذي يُسجّل إنطلاق الكنيسة. وليس فقط ظهورات يسوع المذكورة بانتظام، لكن التفاصيل أيضاً مذكورة، وموضوع وجود التلاميذ كشهود لهذه الأمور موجود في كل سياق تقريباً.

ثم قال هابيرماس “الفكرة الأساسية، هي أن عدداً من الروايات في سفر الأعمال 1-5، 13،10 تتضمن أيضاً بعض العقائد مثل تلك التي في كورنثوس الأولى 15، تذكر بعض المعلومات المبكرة جداً عن موت وقيامة يسوع”. وهنا أمسك هابيرماس كتاباً وقرأ إستنتاج العالم جون دران:

إن أقدم دليل عندنا عن القيامة يرجع تاريخه بالتأكيد تقريباً إلى موعد عقب القيامة مباشرة التي قيل أنها حدثت. وهذا الدليل موجود في محتةى العظات المبكرة في سفر أعمال الرسل… ولا يمكن أن يكون هناك مجالاً للشك أنه في الإصحاحات القليلة الأولى من سفر الأعمال إستمد كاتبه معلوماته من مصادر أقدم جداً”[7].

في الواقع، أن سفر أعمال الرسل ملئ بالإشارات لظهورات يسوع بعد القيامة. وكان بطرس الرسول مؤكداً بنوع خاص لها. فيقول في سفر الأعمال32:2 “فَيَسُوعُ هّذّا أقَامَهُ الله وَنَحْنُ جَمِيعاً شُهُودٌّ لَذّلكَ”. وفي سفر الأعمال15:3 يكرر “وَرَئِيسُ الْحَيَاةَ قَتَلْتِمُوهُ الَّذي أقَامَهُ الله مِنَ الأمَوَاتَ وَنحْنُ شُهُودٌ لِذَلِكَ” ويؤكد لكلورنيوس في سفر الأعمال10:41 أنه هو وآخرون “لَنَا نَحْنُ الَّذينَ أَكَلْنَا وَشَرَبْنَا مَعهُ بَعْدَ قِيَامَتَه مِنَ الأمْوَاتَ”.

لكنه لم يتوقف عند هذا، فبولس أيضاً قال في خطاب مُسجّل في سفر الأعمال31:13 “وَظَهَرَ أيَّاماً كَثِيرَةً لِلَّذِينَ صَعَدُوا مَعَهُ مِن الجَلِيلَ إلَى أورُشَلِيمَ الَّذِينَ هُمْ شُهُودُ عِنْدَ الشَّعْبَ”.

ثم أكد هابيرماس “القيامة كانت بلا شك افعلان الرئيسي للكنيسة الأولى منذ البداية. وكان المسيحيون الأوائل لا يُصادقون على تعاليم يسوع فقط، بل كانوا أيضاً مقتنعين أنهم رأوه حياً بعد صلبه. وهذا هو الذي غير حياتهم وبدأ الكنيسة. وبالتأكيد، لأن هذا كان هذا إعتقداهم الأكثر مركزية، فقد تأكدوا تماماً من أن كان حقيقي”.

تُثبت كل الأناجيل وسفر الأعمال، حدثاً بعد الآخر، وشاهد بعد شاهد، وتفصيل بعد تفصيل، وتدعيم بعد تدعيم، كلها كانت مؤثرة للغاية. ومع أني حاولت، فلم أستطع أن أفكر في أي حدث في التاريخ القديم له أدلة تؤكده تأكيداً شاملاً أكثر من ظهورات يسوع بعد القيامة.

ومع ذلك، كان هناك سؤال آخر يحتاج أن أسأله، وهو يتعلق بالإنجيل الذي يعتقد معظم العلماء أنه الرواية الأولى التي كًتبت عن يسوع.

خاتمة مرقس المفقودة

عندما بدأت لأول مرة البحث في مسألة القيامة، صادفني تعليق مزعج في هامش الكتاب المقدس: “معظم المخطوطات المبكّرة والشواهد القديمة الجديرة بالثقة ليس بها إنجيل مرقس16: 9-20″. وبعبارة أخرى، يعتقد معظم العلماء بأن إنجيل مرقس ينتهي عند 8:16، عندما تكتشف النسوة القبر الفارغ دون ذكر ظهور يسوع حياً لأي شخص على الإطلاق. وهو ما بدا مُحيراً.

فسألت هابيرماس “ألا يقلقك أن أقدم نجيل لا يذكر أي من ظهورات يسوع بعد القيامة؟”

وعلى عكس ما توقعت، لم يبدُ منزعجاً مُطلقاً “ليس لديَّ أي مشكلة مع هذا، بالتأكيد، سيكون لطيفاً لو كان إنجيل مرقس قد تضمن قائمة بظهورات يسوع، ولكن هناك بعض الأشياء أرجو أن تفكر فيها:

“حتى لو كان إنجيل مرقس ينتهي هناك، وهذا ما لا يعتقد به كل شخص، فمازلت تجده يذكر القبر الفارغ، وهناك شاب يعلن “أنه قام!”، ويُخبر النسوة أنه ستكون هناك ظهورات. لذا عندك أولاً، إعلان بأن القيامة قد حدثت. وثانياً، تنبؤ بأن الظهورات آتية.

“تستطيع أن تغلق روايتك المفضلة وتقول “أنا لا أصدق أن الكاتب لم يحكي لي الأحداث التالية”، ولكنك لا تستطيع غلق الكتاب وتقول “إن الكاتب لا يؤمن بالأحداث التالية”. أما مرقس فبالتأكيد يؤمن. فمن الواضح أنه يؤمن أن القيامة قد حدثت. وينتهي بأن يقال للنسوة أن يسوع سيظهر في الجليل، وبعد ذلك يؤكد آخرون فيما بعد بأنه فهل”.

طبقاً لتقليد الكنيسة، مرقس كان مرافقاً لشاهد العيان بطرس. فسألت هابيرماس “أليس من الغريب أن مرقس لم يذكر أن يسوع ظهر لبطرس، لو كان ظهر فعلاً؟:

فقال “لم يذكر مرقس أي من الظهورات، لذا فليس غريباً ألا يُذكر ظهور يسوع لبطرس. ومع ذلك لاحظ أن مرقس يذكر بطرس بصفة خاصة. فمرقس7:16 يقول “لَكَنَ اذْهَبْنَ وَقُلْنَ لِتَلَامِيذه وَلِبُطْرُسَ إِنَهُ يِسْبَقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلَ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ كَمَا قَالَ لَكُمْ”.

وهذا يتفق مع كورنثوس الأولى5:15 الذي يؤكد أن يسوع ظهر فعلاً لبطرس، ولوقا34:24 عقيدة أخرى تقول “وَهُمْ يَقُولُونَ: “إنَّ الرَّبَّ قَامَ بِالْحَقِيقَةِ وَظَهَرَ لِسَمْعَانَ!” أو بطرس.

“وهكذا فما تنبأ به مرقس عن بطرس ذُكر بأنه تحقق، في إثنين من تسجيلات الكنيسة الأولى التي يعتمد عليه، ولكن على لسان بطرس نفسه في سفر أعمال الرسل”.

هل هناك أي بدائل؟

لا جدال أن كمية الأدلة والتدعيمات التي تؤكد ظهورات يسوع بعد القيامة كمية مذهلة. ولكي ندرك أهميتها بوضوح دعنا نتأمل في هذا المثال: لو كان عليك أن تدعو كل شاهد من الشهود إلى قاعة المحكمة لتستجوبه لمدة خمس عشرة دقيقة لكل منهم، واستمرت الإستجوابات على مدار الساعة بلا توقف، فتستغرق هذه العملية من فطور يوم الإثنين حتى عشاء يوم الجمعة لكي تسمعهم جميعاً. وبعد الإستماع لـ 129 ساعة متواصلة من شهادات شهود العيان، من الذي من الممكن أن يخرج من المحكمة وهو غير مقتنع؟

وبما أني كنت صحفي في الشئون القانونية وغطيت عشرات من المحاكمات، سواء كانت جنائية أو مدنية، فقد اضطررت أن أوافق على تقييم السير إدوارد كلارك، قاضي المحكمة العليا البريطاني الذي أجرى تحليلاً قانونياً شاملاً لأول يوم قيامة فقال: “في رأيي أن الأدلة مذهلة، فإني مرة تلو أخرى في المحكمة العليا أصدرت الحكم بناء على أدلة ليست مقنعة إلى هذا الحد. وبصفتي محامي فإني أقبل أدلة الإنجيل بلا تحفظ على أنها شهادة رجال صادقين على حقائق إستطاعوا أن يجسدوها”[8].

ومع ذلك، فهل كان من الممكن وجود أي بدائل معقولة تستطيع أن تكذب هذه المقابلات مع يسوع بعد القيامة؟ هل يمكن أن تكون هذه الروايات أسطورية في طبيعتها؟ لقد قررت أن أثير هذه المسائل مع هابيرماس للحصول على إجابته.

الإحتمال الأول: إن الظهورات أسطورية

إذا كان فعلاً إنجيل مرقس إنتهى أصلاً قبل ذكر أي ظهورات، فقد يمكن أن يُجادل بالقول بحدوث تطوير في الأناجيل: فمرقس لا أي ظهور، ومتى يذكر بعضها، ولوقا يذكر بعضها، ويوحنا يذكر معظمها. فسألت هابيرماس ألا يثثبت هذا بأن الظهورات كانت مجرد أساطير كبرت بمرور الزمن؟”

فقال هابيرماس مؤكداً “لأسباب كثيرة أقول أن هذا لم يحدث. أولاً، لا يعتقد كل واحد بأن إنجيل مرقس هو أقدم إنجيل. هناك علماء، وهم في الحقيقة أقلية، يؤمنون أن إنجيل متى كُتب أولاً.

“ثانياُ، حتى لو سلمت بصحة رأيك، فإنه يثبت فقط أن الأساطير نشأت بمرور الزمن، ولا يمكن أن يُكذّب الإيمان الأصلي بأن يسوع أقيم من الأموات. هناك شئ قد حدث ودفع الرسل أن يجعلوا القيامة هي الإعلان الرئيسي للكنيسة الأولى. فالأساطير لا تستطيع تفسير روايات شهود العيان الأولى. وبعبارة أخرى، فالأساطير تستطيع أن تخبرك كيف تضخمت الحكاية، ولكنها لا تستطيع أن تخبرك كيف بدأت في الأصل، في حين أن المشاركين في القصة شهود عيان، وأبلغوا عن الأحداث في وقت مبكر.

“ثالثاً، إنك تنسى أن بيان كورنثوس الأولى  صدر في تاريخ سابق لأي إنجيل، وبها تصريحات ضخمة حول الظهورات. وفي الواقع، أن التصريح الذي يتضمن أكبر عدد – أن يسوع شوهد حياً من قبل خمسمائة شخص في وقت واحد – يرجع تاريخه إلى أقدم المصادر. وهذا يسبب مشاكل لنظرية تطور الأساطير. وأحسن سبب لرفض نظرية الأساطير ينبع من البيانات المُبكرة في كورنثوس الأولى 15، وسفر أعمال الرسل، وكلاهما يسبق الروايات الإنجيلية”.

“رابعاً، ماذا عن القبر الفارغ؟ إذا كانت القيامة مجرد أسطورة، لكان القبر مملوءاً. ومع ذلك، فقد كان خاوياً في صباح يوم القيامة وهذا سيتطلب فرضية إضافية”.

الإحتمال الثاني: كانت الظهورات هلوسة

لربما كان الشهود مخلصون وصادقون في إيمانهم رأوا يسوع. وربما سجلوا ما حدث بدقة. ولكن هل كان من الممكن بأن ما شاهدوه لم يكن سوى هلوسة أقنعتهم أنهم كانوا يقابلون يسوع في حين أنهم لم يقابلوه؟

إبتسم هابيرماس للسؤال ثن سألني “هل تعرف جاري كولينز؟”

فاجأني هذا السؤال ثم أجبته “إني أعرفه بالتأكيد، ولقد كنت في مكتبه من مدة قصيرة لأجري معه حديثاً من أجل هذا الكتاب نفسه”.

فسألني هابيرماس “هل تعتقد بأنه كفوء كعالم نفسي”؟

“نعم” قلتها بحذر لأني أحسست أنه يعدني لشئ ما “أنه حاصل على دكتوراه، ويعمل كأستاذ منذ عشرين عاماً، وهو رئيس الإتحاد القومي لعلماء النفس، نعم بالتأكيد أني أعتبره من ذوي المؤهلات”.

ناولني هابيرماس قطعة ورق ثم قال “لقد سألت جاري عن إحتمال أن تكون هذه الظهورات كانت هلوسة وهذا هو رأيه الرسمي كعالم نفساني. فبدأت أقرأ المستندك

الهلوسة هي أحداث فردية. وبطبيعتها فإن شخصاً واحداً فقط يستطيع أن يرى هلوسة معينة في وقت من الأوقات. فهي بالتأكيد ليست شيئاً يستطيع أن تشاهده مجموعة من الناس، وليس من الممكن لشخص أن يسبب هلوسة لشخص آخر، وبما أن الهلوسة تحدث فقط بهذا المعنى الشخصي الذاتي فمن الواضح أن الآخرين لا يمكنهم رؤيتها[9].

ثم قال هابيرماس “هذه مشكلة كبرى لنظرية الهلوسة، لأن هناك روايات متكررة عن ظهور يسوع لكثير من الناس أبلغوا عن نفس الشئ.

“وهناك العديد من الحجج الأخرى عن سبب عدم إستطاعة حالات الهلوسة أن تكذب الظهورات. فالتلاميذ كانوا خائفين ومتشككين، ويائسين بعد صلب يسوع، في حين أن الناس الذين يهلوسون يحتاجون لعقل مهيأ للترقب أو التوقع. فبطرس كان لا يخدع بسهولة، ويعقوب كان متشككاً، فهما بالتأكيد لم يكونا مرشحين جيدين للهلوسة.

“كما أن الهلوسات نادرة نسبياً، وعادة يكون سببها المخدرات أو الحرمان الجسماني. فمن ناحية إحتمالات حدوثها، نجد أنك لا تعرف أي شخص حدثت له هلوسة ولم يكنسببها أحد هذين السببين. ومع ذلك، فمن المفترض أن نصدق أنه على مدى أسابيع كثيرة نجد الناس من كل أنواع الثقافات، ومن كل أنواع الأمزجة، ومن أماكن مختلفة، كلهم حدثت لهم حالات الهلوسة، وهذا يؤثر على الإفتراض قليلاً. أليس كذلك؟

“وبالإضافة إلى ذلك، أننا لو أثبتنا أن روايات الأناجيل يعتمد عليها، فكيف تعلل كون التلاميذ أكلوا مع يسوع ولمسوه؟ وكيف يمشيمع اثنين منهم في الطريق إلى عمواس؟ وماهي حكاية القبر الفارغ؟ فلو أن الناس ظنوا فقط أنهم رأوا يسوع، لكانت جثته ما زالت موجودة في القبر”.

حسناً – لكني فكرت – إذا لم تكن هلوسة، فلربما كانت شئ غير ملحوظ أكثر.

فسألت هابيرماس “هل من الممكن أن يكون هذا النوع من التفكير الجماعي، الذي يجعل الناس يحدثوا بعضهم بعضاً عن رؤية شئ غير موجود أصلاً. كما لاحظ مايكل مارتن “إن الشخص الملئ بالحماسة الدينية قد يرى ما يريد أو تريد رؤيته، وليس الموجود فعلاً هناك”[10].

وهنا ضحك هابيرماس ثم قال “كما تعرف، ناظرت أحد الملحدين وهو أنتوني فلو، أخبرني أنه لا يحب أن يستخدم الملحدين الآخرين هذه المجادلة الأخيرة لأنها سلاح ذو حدين. وكما قال فلو “المسيحيون يؤمنون لأنهم يريدون، لكن الملحدين لا يؤمنون لأنهم لا يريدون!”.

“وفعلاً، هناك العديد من الأسباب تعلل لماذا لم يستطع التلاميذ أن يحدثوا بعضهم بعضاً في هذا الموضوع. ففي وسط إيمانهم كتمن هناك أشياء كثيرة معرضة للخطر، وكانوا يواجهون الموت دفاعاً عنها. ألم يكن بعضهم قدتكروا التفكير الجماعي في تاريخ لاحق ثم أنكروه أو تخلوا عنه بهدوء؟ ثم ما رأيك في يعقوب الذي لم يكن مؤناً بيسوع، وبولس الذي كان يضطهد المسيحيين، كيف حدثهم أحد عن رؤية شئ؟ وعلاوة على ذلك، ما هي حكاية القبر الفارغ؟

“وفوق كل ذلك، هذا الرأي لا يعلل الغة الصريحة عن الرؤية في بيان كورنثوس الأولى 15،وفقرات أخرى. وشهود العيان كانوا على الأقل مقتنعين أنهم رأوا يسوع حياً، والتفكير الجماعي لا يشرح هذه الظاهرة جيد جداً”.

ثم سكت هابيرماس فترة كافية ليُحضر كتاب، ويتوج مجادلته بفقرة مقتبسة من العالم اللاهوتي والمؤرخ البارز كارل براتين “حتى المؤرخين الأكثر تشككاً متفقون على أنه بالنسبة للمسيحية الأولى… كانت قيامة يسوع من الأموات حدثاً حقيقياً في التاريخ، وهي أساس الإيمان نفسه، وليست فكرة أسطورية نشأت من خيال المؤمنين الإبتكاري”[11].

ثم أضاف هابيرماس “أحياناً الناس يتعلقون بقشة حتى يحاولوا أن يعللوا الظهورات. ولكن لا شئ يناسب جميع الأدلة أحسن من تفسير أن يسوع كان حياً”.

لا يوجد شك معقول

لقد قتل يسوع على الصليب، وإن ألكسندر ميثيريل قد جعل ذلك واضحاً بطريقة تنبض بالحياة. فالقبر كان خالياً في صباح يوم القيامة، وإن وليم لين كريج لم يترك مجالاً للشك في هذا، وإن تلاميذه وآخرون شاهدوه، ولمسوه، وأكلوا معه بعد قيامته، وجاري هابيرماس دعم هذه القضية بأدلة كثيرة جداً. وكما قال العالم اللاهوتي البريطاني المشهور مايكل جرين “ظهورات يسوع جديرة بالثقة والتصديق مثل أي حدث في العصور القديمة… لا يمكن أن يكون هناك أي شك معقول أو منطقي بأن الظهورات هذه قد حدثت، وأن السبب الرئيسي الذي جعل المسيحيين أصبحوا متأكدين من قيامة يسوع ومنذ الأيام الأولى هو هذا فقط. لقد إستطاعوا أن يقولوا بكل تأكيد “لقد رأينا الرب” وكانوا يعرفون أنه هو”[12].

وكل هذا حتى لا يضعف الأدلة. ولقد قمت بحجز تذكرة طائرة للقيام برحلة إلى الجانب الآخر من البلاد لمقابلة خبير واحد آخر متخصص في نوع أخير من الأدلة التي تثبت أن قيامة المسيح هي حدث حقيقي في التاريخ.

ومع ذلك فقبل مغادرة مكتب هابيرماس، كان عندي سؤال واحد أخير. وبصراحة كنت متردداً في توجيه هذا السؤال لأنه كان متوقع جداً نوعاً ما وظننت إجابته ستكون في الوقت المناسب.

كان السؤال متعلق بالقيامة. وتخيلت أني لو سألت هابيرماس عنها فسيعطي الإجابة المعروفة عن كونها جوهر العقيدة المسيحية، وهي المحور الذي يدور حوله الإيمان المسيحي. ولقد كنت على حق فقد أعطاني إجابة مألوفة كهذه.

ولكن ما أدهشني كان هذا لم يكن ما قاله. هذا العالم الفذ، هذا المناظر الضخم الجسم، والمستعد للهجوم المباشر، هذا المدافع عن الإيمان مع الاستعداد لأي معركة، قد سمح لي أن أحدق في أعماق روحه عندما أعطاني إجابة إنبعثت من أعمق وادي من اليأس سبق له أن سار فيه.

إحياء ديبي

فرك هابيرماس لحيته المائلة للون الرمادى. النعمة النارية وصوت المناظرات العالي إختفى. لم يعد هناك إقتباس من العلماء أو قراءة من الإنجيل، ولم يعد هناك بناء قضية.

لقد سألته عن أهمية القيامة، ولكن هابيرماس قرر أن يجازف بالعودة إلى سنة 1995 عندما كانت زوجته ديبي قد ماتت ببطئ من سرطان المعدة. ولما كنت متأثراً بحساسية الموقف، فكل ما أمكنني أن أفعله هو أن أنصت لما سيقوله هابيرماس.

وهنا بدأ هابيرماس بقوله “كنت جالساً في الشرفة” ثم نظر بعيداً إلى شئ غير محدد وتنهد بعمق ثم استمر يقول “كانت زوجتي في الدور العلوي تموت. وفيما عدا أسابيع قليلة، كانت دائماً في المنزل طوال فترة المرض. لقد كانت وقتاً رهيباً، وكان هذا هو أسوأ شئ من الممكن أن يحدث”.

ثم التفت لينظر إليَّ مباشرة “ولكن هل تعرف ما الذي أذهلني؟” إتصل بي طلابي تليفونياً، ليس طالب واحد بل عدة طلبة، ثم قالوا “في وقت كهذا، ألست مسروراً بموضوع القيامة؟” بقدر ما كانت هذه الظروف جادة، إضطررت أن أبتسم لسببين:

أولاً، طلابي كانوا يحاولون أن يخففوا من حزني بنفس تعاليمي.

ثانياُ، أن هذه الكلمات نجحت في التخفيف عن حزني.

وفيما كنت جالس هناك تخيلت أيوب الذي كان يعاني من كل هذه الأمراض الرهيبة، ويسأل الله أسئلة، لكن الله قلب الموقف وبدأ يسأله بعض الأسئلة القليلة.

“وكنت أعرف أن الله لو جاء إليَّ، فسوف أسأله سؤالاً واحداً فقط “يارب لماذا ديبي راقدة في السرير؟ وأظن أن الله سيرد بأنه يسألني بلطف “ياجاري، هل أقمت إبني من الموت؟

“فسأقول له: “ياربي، لقد تبت سبعة كتب عن هذا الموضوع “إنه طبعاً أقيم من الموت. ولكني أريد أن أعرف عن ديبي”

“وأظن أنه سيعود ويكرر نفس السؤال “هل أنا أقمت إبني من الموت؟ هل أنا أقمت إبني من الموت؟ حتى فهمت هذه النقطة التي يقصدها: إن القيامة تقول أنه لوكان يسوع قد أقيم من الموت منذ ألفي عام، فهناك الإجابة على موت ديبي سنة 1995. فهل تعرف ما هي اإجابة؟ لقد نجحت معي بينما كنت جالساً في الشرفة وما زالت ناجحة اليوم.

“لقد كان وقتاًمثيراً للعواطف بشكل رهيب، ولكني لم أستطع أن أفهم حقيقة أن القيامةهي الإجابة على آلامها ومعااتها.

“وكنت ما زلت قلقاً. ومازلت أتساءل: ماذا سأفعل في تربية أطفالي الأربعة بمفردي؟ ولكن لم يحدث في أي وقت أن هذه الحقيقة لم تواسيني. لقد كان فقد زوجتى أفظع تجربة مؤلمة اضطررت أنأواجهها. ولكن لو كانت القيامة ستساعدني على إجتيازها فسوف يمكنها مساعدتي على إجتياز أي شئ آخر. لقد كانت القيامة ميدة سنة 30 م. وهي الآن مفيدة سنة 1995 وستكون مفيدة سنة 1998 وستكون مفيدة بعد ذلك دائماً.

وهنا وجه هابيرماس نظراته إلىًّ وقال بهدوء “هذه ليست عظة، فأنا أؤمن بذلك من كل قلبي. لو كانت هناك قيامة فستكون هناك سماء، وإذا كان يسوع قد أقيم فإن ديبي أقيمت وأنا أيضاً سأقام في يوم من الأيام.

“عندئذٍ سأراهما كليهما”

 

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  1. لقد خفض هابيرماس موضوع القيامة إلى سؤالين: هل مات يسوع؟ وهل شوهد حياً بعد ذلك؟ بناء على الأدلة التي عرفتها حتى الآن. كيف ستجاوب على هذين السؤالين ولماذا؟
  2. إلى أي حد كان بيان كورنثوس الأولى 15 مؤثراً في تقييمك لمسألة: هل شوهد يسوع حياً؟ وما هي أسبابك لإستنتاجك أنها مهمة أو غير مهمة في بحثك؟
  3. فيدقائق قليلة إكشف عن الظهورات في الأناجيل التي ذكرها هابيرماس. هل جعلتك تشعر بأنها صادقة؟ وما تقييمك لها كأدلة على القيامة؟
  4. هابيرماس تحدث عن أن القيامة كان لها معني شخصي عنده، هل واجهت أنت خسارة في حياتك الشخصية؟ وكيف سيؤثر إيمانك على طريقة رؤيتك لها؟

 

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

Ankerberg, John, and John Weldson. Ready with an Answer. Eugene, Ore.: Harvest House, 1997.

Geivett, R. Dougla, and Gray R. Habermas, eds. In Defense of Miracles. Downers Grove, III.: InterVarsity Press, 1997.

Habermas, Gray, and Antony Flew. Did Jesus Rise from the Dead? The Resurrection Debate. San Francisco: Harper & Row, 1987.

Habermas, Gray, and J. P. Moreland. Beyond Death: Exploring the Evidence for Immortality. Westchester, III.: Crossway, 1998.

Morison, Frank. Who Moved the Stone? Grand Rapids: Zondervan, 1987.

Proctor, William. The Resurrection Report. Nashville: Broadman & Hoi-man, 1998.

دليل الظهورات، هل شوهد يسوع حيا بعد موته على الصليب؟ – لي ستروبل

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

 

تنبأ أنبياء العهد القديم ابتداء من إبراهيم إلى ملاخي بكل تفصيلات حياه المسيح وكانت قمة نبوّاتهم عن صلب المسيح وقيامته. وهذه النبوّات التي سجلوها بالروح القدس في أسفارهم كان علماء اليهودية يعرفون بعضاً منها ولكن عندما جاء الرب يسوع المسيح كشف عن كل هذه النبوات وشرحها وفسر مغزاها لتلاميذه ورسله، كما فسر بعضها أمام الجموع وبصفة خاصة أمام رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيون. وقال لهم في أكثر من مناسبة:

  • ” فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياه أبدية، وهى التي تشهد لي ” (يو39:5).
  • ” أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح ” (يو56:8).
  • ” لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوني لأنه كتب عنى” (يو46:5).
  •  وفي (متى42:22،45) اتفق المسيح ورؤساء اليهود على أن داود تنبأ عن المسيح ودعاه ” ربه ” ” قال الرب لربى “.

وأكد هذه الحقيقة أمام تلاميذه مرات كثيرة مثل قوله ” لأني أقول لكم انه ينبغي أن يتم فيّ أيضا هذا المكتوب وأحصي مع أثمة. لان ما هو من جهتي له انقضاء ” (لو37:22). وفي العشاء قال لهم مشيرا إلى يهوذا ” أنا اعلم الذين اخترتهم. لكن ليتم الكتاب. الذي يأكل معي الخبز رفع عليّ عقبه ” (يو18:13). وقال ليهوذا محذراً ” أن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه. ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان.

كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد ” (مت24:26ومر21:14). وفي الطريق إلى البستان صلى للآب قائلا ” حين كنت معهم في العالم كنت احفظهم في اسمك الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد الا ابن الهلاك ليتم الكتاب ” (يو12:17). ثم قال للتلاميذ ” حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكّون فيّ في هذه الليلة لأنه مكتوب أني اضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية ” (مت31:26).

ولما حاول القديس بطرس الدفاع عنه بالسيف قال له ” أتظن أني لا أستطيع الآن أن اطلب إلى أبي فيقدم لي اكثر من اثني عشر جيشا من الملائكة. فكيف تكمل الكتب انه هكذا ينبغي أن يكون ” (مت52:26-54).

وعندما قبضوا عليه قال لهم ” كل يوم كنت معكم في الهيكل اعلّم ولم تمسكوني. ولكن لكي تكمل الكتب ” (مر49:14). وأخيرا وعلى الصليب يقول الكتاب ” بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمل فلكي يتم الكتاب قال أنا عطشان ” (يو28:19).

وبعد قيامته من الموت وظهوره لتلاميذه ورسله، خاصته، فسر لهم كل ما سبق أن تنبأ به عنه أنبياء العهد القديم خاصة ما يتعلق بصلبه وموته وقيامته تفصيلياً، فقال لتلميذى عمواس ” أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء. أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده. ثم أبتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب ” (25:24-27).

وقال للأحد عشر ” هم والذين معهم ” (لو33:24): “هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم أنهُ لابُد أن يتم جميع ما هو مكتوب عنى في ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب. وقال لهم هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث ” (لو44:24-46).

وعندما حل الروح القدس على التلاميذ والرسل يوم الخمسين واجهوا اليهود في الهيكل والمجامع بهذه النبوات مؤكدين أن كل ما حدث للمسيح من محاكمه وصلب وموت وقيامه سبق وتنبأ به أنبياء العهد القديم:

  • ” وكان يحاجهم ” (أع2:17و3) … من الكتب موضحاً ومبيناً أنه كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات ” (أع18:3).
  • ” لأن الساكنين في أورشليم ورؤساءهم لم يعرفوا هذا وأقوال الأنبياء التي تقرأ كل سبت تمموها إذ حكموا عليه. ومع أنهم لم يجدوا عله واحدة للموت طلبوا من بيلاطس أن يُقتل ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبر ” (أع27:13-29).
  • ” تكلم الأنبياء وموسى أنه عتيد أن يكون أن يؤلم المسيح يكن هو أول قيامه الأموات ” (أع22:26و23).
  • ” الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء. الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم. باحثين إي وقت أو ما الوقت الذي يدل عليه روح المسيح الذي فيهم إذ سبق فشهد للآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها ” (1بط10:1-11).
  • المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنه دفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب ” (1كو3:15،4).

وهذه أهم النبوات التي جاءت في أسفار العهد القديم عن الصلب والقيامة وطبقها تلاميذ المسيح ورسله على أحداث القبض عليه ومحاكمته وصلبه وموته ودفنه وقيامته من الأموات في اليوم الثالث. ونحن هنا لا نختار مجرد آيات من العهد القديم تتشابه مع أحداث العهد الجديد ولكن نعتمد على ما طبقه كُتاب العهد الجديد الموحى إليهم والمسوقين من الروح القدس بحسب ما سبق الرب يسوع وفسره لهم وبحسب ما قادهم وأرشدهم إليه الروح القدس:

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

1 – خيانة أحد تلاميذه له:

النبوّة: ” رجل سلامتي الذي وثقت به آكل خبزي رفع على عقبه ” (مز9:41).

الإتمام: ” أنا أعلم الذين اخترتهم. لكن ليتم الكتاب. الذي يأكل معي الخبز رفع على عقبه … وشهد (المسيح) وقال الحق الحق أقول لكم أن واحداً منكم سيسلمني… الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه. فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الأسخريوطي ” (يو18:13-26).

” وفيما هو يتكلم إذا يهوذا واحد من الأثنى عشر قد جاء معه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلاً الذي أقبله هو هو. امسكوه. فللوقت تقدم إلى يسوع وقال السلام يا سيدي. وقبله ” (متى47:26-49).

وعند اختيار الرسل لبديل عن يهوذا قال القديس بطرس بالروح: ” أيها الرجال الاخوة كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود عن يهوذا الذي صار دليلا للذين قبضوا على يسوع ” (أع16:1).

2 – بيعه بثلاثين قطعة من الفضة:

النبوّة: ” فقلت لهم أن حسن في أعينكم فأعطوني أجرتي وإلا فامتنعوا. فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب ألقها في حقل الفخاري ” (زك12:11،13).

الإتمام: ” حينئذ ذهب واحد من الاثنى عشر الذي يدعى يهوذا الأسخريوطى إلى رؤساء الكهنة وقال ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم. فجعلوا له ثلاثين من الفضة ” (مت14:26و15).

” حينئذ لما رأى يهوذا الذي سلمه أنه (المسيح) قد دين ندم ورد الثلاثين من الفضة … فطرح الفضة في الهيكل وأنصرف. ثم مضى وخنق نفسه. فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم. فتشاورا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء … فتم ما قيل … وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بنى إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب ” (مت3:27-10).

3 – تركه من تلاميذه وأتباعه:

النبوّة: ” أستيقظ يا سيف على راعى ورجل رفقتي يقول رب الجنود. أضرب الراعي فتتشتت الغنم … ” (زك7:13).

الإتمام: ” وقال لهم يسوع كلكم تشكون في هذه الليلة. لأنه مكتوب إني أضرب الراعي فتتبدد الخراف ” (مر27:14)، ” أما هذا كله فقد كان لكي تكمل كتب الأنبياء. حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا ” (مت56:26).

4 – يقوم عليه شهود زور:

النبوّة: ” شهود زور يقومون على وعما لم أعلم يسألونني. يجازونني عن الخير شرا …” (مز11:35-12). 

الإتمام: ” وكان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه. فلم يجدوا. ومع أنه جاء شهود زور كثيرون لم يجدوا. ولكن أخيراً تقدم شاهداً زور، (مت 59:26و60).

5 – يُسخر منه ويُضرب:

النبوّة: ” يضربون قاضى إسرائيل بقضيب على خده ” (ميخا1:5). ” بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين. ووجهي لم أستر عن العار والبصق ” (أش6:5،7). ” محتقر ومخذول من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به ” (إش3:53)، ” كان منظره كذا مفسداً ” (إش14:52).

الإتمام: ” حينئذ بصقوا في وجهه ولكموه. وآخرون لطموه. قائلين تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك ” (مت67:26و68)، “وكانوا يجثون أمامه ويستهزئون به، وبصقوا عليه وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه ” (مت29:27و30).

6 – يصلب بتسمير يديه ورجليه:

النبوّة:

لأنه أحاطت بي كلاب. جماعه من الأشرار اكتنفتني. ثقبوا يدي ورجلي، (مز16:22)، والأمر المدهش حقاً في هذه النبوّة التي تنبأ بها داود النبي حوالي سنة سنه 1… ق م هو أن حكم الإعدام في إسرائيل كان يتم بالرجم، وثقب اليدين والرجلين لا يتم إلا بالصلب الذي لم يكن يعرف في ذلك الوقت ولم يعرفه بنو إسرائيل إلا بعد السبي البابلي سنه 4.. ق م والغريب حقاً والمدهش أن يتنبأ داود عن الصلب دون أن يراه أو يعرف عنه شيئاً.

الإتمام:

” ولما مضوا به إلى الموضع الذي يدعى جلجثة صلبوه هناك ” (لو33:23)، وبعد القيامة ” أراهم يديه ورجليه ” أي أثر المسامير في يديه ورجليه (لو 40:24). وفي يوحنا يقول ” ولما قال هذا أراهم يديه وجنبه. ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب ” (يو20:20). ولكن توما لم يكن حاضراً ولم يرى هذا الظهور ولما أبلغه التلاميذ بذلك قال لهم ” أن لم أبصر في يديه اثر المسامير واضع إصبعي في اثر المسامير واضع يدي في جنبه لا أؤمن وبعد ثمانية أيام كان تلاميذه أيضا داخلا وتوما معهم.

فجاء يسوع والأبواب مغلقة ووقف في الوسط وقال سلام لكم. ثم قال لتوما هات إصبعك إلى هنا وابصر يديّ وهات يدك وضعها في جنبي (ليرى أثر الحربة) ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا ” (يو25:20-27).

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

7 – يصلب بين لصين:

النبوّة:

” … وأحصى مع أثمه ” (إش12:53).

الإتمام:

” لأني أقول لكم أنه ينبغي أن يتم في أيضاً هذا المكتوب وأحصى مع أثمه، (لو37:22)، ” حينئذ صُلب معه لصان واحد عن اليمين وواحد عن اليسار ” (مت38:27).

8 – يصلى لأجل صالبيه:

النبوّة: ” وشفع في المذنبين ” (إش12:53).

الإتمام: ” فقال يسوع يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون ” (لو34:23).

9 – السخرية منه وهو على الصليب:

النبوّة: ” وأنا صرت عاراً عندهم. ينظرون إلى وينغضون رؤوسهم ” (مز1:9،25)، ” كل الذين يرونني يستهزئون بي. يفغرون الشفاه وينغضون الرأس ” (مز 7:22).

الإتمام: ” وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم ” (مت39:27).

10 – اقتسام ثيابه وإلقاء قرعه على لباسه:

النبوّة: ” يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون ” (مز18:22).

الإتمام: ” ثم أن العسكر لما كانوا قد صلبوا يسوع أخذوا ثيابه وجعلوها أربعه أقسام لكل عسكري قسماً. وأخذوا القميص أيضاً. وكان القميص بغير خياطة منسوجاً كله من فوق. فقالوا بعضهم لبعض لا نشقه بل نقترع عليه لمن يكون. ليتم الكتاب القائل اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي القوا قرعة ” (يو23:19و24). 

11 – يترك من الآب:

النبوّة: ” إلهي إلهي لماذا تركتني … ” (مز1:22).

الإتمام: ” ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً … إلهي إلهي لماذا تركتني ” (مت46:27).

12- يعطش على الصليب ويشرب الخل:

النبوّة: ” يبست مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي ” (مز15:22)، ويجعلون في طعامي علقماً وفي عطشى يسقونني خلاً ” (مز21:69).

الإتمام:بعد هذا رأى يسوع أن كل شئ قد كمل فلكي يتم الكتاب قال أنا عطشان … فملأوا أسفنجة من الخل ووضعوها على زوفا وقدموها إلى فمه. فلما أخذ يسوع الخل. قال قد أكمل ” (يو28:19-30).

13 – طعن جنبه بحربه وعدم كسر عظم من عظامه:

النبوّة: جاء عن خروف الفصح ” وعظماً لا تكسروا منه ” (خر46:22)، وخروف الفصح كان رمزاً للمسيح ” لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا ” (1كو7:5)، وجاء في مزمور (20:34) ” يحفظ جميع عظامه. واحد منها لا ينكسر” (مز20:34)، وعن طعنه بحربه جاء في زكريا (10:12) ” فينظرون إلى الذي طعنوه وينوحون عليه “.

الإتمام: ” فأتى العسكر وكسروا سأقي الأول والآخر المصلوب معه. وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه لأنهم رأوه قد مات. لكن واحداً من العكسر طعن جنبه بحربه وللوقت خرج دم وماء … هذا كان ليتم الكتاب القائل عظم لا يكسر منه. وأيضاً يقول كتاب آخر سينظرون إلى الذي طعنوه ” (يو33:19-37).

14 – دفنه في قبر غنى:

النبوّة: ” وجعل مع الأشرار قبره ومع غنى عند موته ” (أش9:53).

الإتمام: ” ولما كان المساء جاء رجل غنى من الرامة أسمه يوسف … فأخذ يوسف الجسد ولفه بكتان نقى. ووضعه في قبره الجديد ” (مت57:27 -60).

15- موته على الصليب بإرادته:

النبوّة: ” أنه سكب للموت نفسه ” (إش12:53). ” بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق ” (إش6:50).

الإتمام: ” أنا هو الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف … لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً. ليس أحد يأخذها منى بل أضعها أنا من ذاتي ” (يو11:10و18).

16 – موته نيابة عن البشرية:

النبوّة: ” وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحُبره (بجروحه) شفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه أثم جميعنا … وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها ” (إش5:53و6و11)، ” يُقطع المسيح وليس له ” (دا26:9).

الإتمام: ” الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الذي بجلدته شفيتم ” (1بط24:2).

17 – قيامته من الموت:

النبوّة: ” لأنك لم تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فساداً ” (مز10:16).

الإتمام: ” لأن داود يقول فيه كنت أرى الرب أمامي في كل حين أنه عن يميني لكي لا أتزعزع. لذلك سر قلبي وتهلل لساني حتى جسدي أيضاً سيسكن على رجاء. لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فساداً.

عرفتني سبل الحياة وستملأني سروراً مع وجهك. أيها الرجال الأخوة يسوغ أن يقال لكم جهاراً عن رئيس الأباء داود أنه مات ودفن وقبره عندنا حتى هذا اليوم، فإذا كان نبياً وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمره صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه سبق فرأى وتكلم عن قيامه المسيح أنه لم تترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فساداً.فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك” (أع 25:2-32 ).

مما سبق يتضح لنا أن أنبياء العهد القديم وبصفة خاصة داود النبي (سنه 1… ق. م) وإشعياء النبي (سنه 7..ق.م) وزكريا النبي (سنه 536ق.م) إلى جانب موسى النبي (سنه 15..ق.م) وميخا النبي (سنه 7..ق.م) وغيرهم تنبأوا عن أدق تفاصيل القبض على المسيح ومحاكمته وموته وصلبه وقيامته. وهذا بدوره يؤدى إلى استحالة إنكار صلب المسيح وقيامته. وهذا ما جعل اليهود ينضمون إلى المسيحية أفواجاً خاصة في عصورها الأولى.

18 – أناشيد المصلوب في المزامير وإشعياء:

ذكرنا أعلاه نبوّات الأنبياء بما فيها نبوّات داود النبي وإشعياء النبي بحسب العناوين الجانبية أعلاه ولكي تتضح الصورة كاملة وتظهر قيمه نبوّات هذين النبيين العظيمين نذكر هنا أيضاً، إجمالاً، نبوّات مزمور 22 كاملة ونبوّات إشعياء عن الصلب كاملة:

(أ) مزمور (22) مزمور المصلوب وتطابقه مع أحداث صلب المسيح:

1 – ” إلهي إلهي لماذا تركتني ” (1)، ” ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني ” (مت46:27).

2 – ” بعيداً عن خلاصي عن كلام زفيري. الهي في النهار أدعو فلا تستجيب في الليل أدعو فلا هدوء لي” (1و2). ” وإذ كان في جهاد كان يصلّي بأشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض ” (لو44:22).

3 – ” أما أنا فدوده لا إنسان. كل الذين يرونني يستهزئون بي: يفغرون الشفاه وينغضون الرأس قائلين. أتكل على الربّ فلينجه. لينقذه لأنه سر به ” (7و8)، ” وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم قائلين يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلّص نفسك. أن كنت ابن الله فانزل عن الصليب. وكذلك رؤساء الكهنة أيضا وهم يستهزئون مع الكتبة والشيوخ قالوا خلّص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلّصها. أن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به ” (مت39:27-43).

4 – ” أحاطت بي ثيران كثيرة. أقوياء باشان اكتنفتني. فغروا على أفواههم كأسد كاسرٍ مفترس مزمجر. كالماء أنسكبتُ. انفصلت كل عظامي. صار قلبي كالشمع. قد ذاب في وسط أمعائي. يبست مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي وإلى تراب الموت تضعني. لأنه أحاطت بي كلاب. جماعه من الأشرار اكتنفتني ” (12-16). ” والرجال الذين كانوا ضابطين يسوع كانوا يستهزئون به وهم يجلدونه. وغطوه وكانوا يضربون وجهه ويسألونه قائلين تنبأ.

من هو الذي ضربك. وأشياء أخر كثيرة كانوا يقولون عليه مجدفين “، (لو63:22-65)، ” فمضى به العسكر إلى داخل الدار التي هي دار الولاية وجمعوا كل الكتيبة. وألبسوه ارجوانا وضفروا إكليلا من شوك ووضعوه عليه. وابتدأوا يسلمون عليه قائلين السلام يا ملك اليهود. وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ويبصقون عليه ثم يسجدون له جاثين على ركبهم. وبعدما استهزأوا به نزعوا عنه الأرجوان والبسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه ” (مر16:15-20).

5 – ” ثقبوا يديّ ورجليّ (بتسميرهم). أحصى كل عظامي. وهم ينظرون ويتفرسون في. أحصى كل عظامي. وهم ينظرون ويتفرسون في. يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون ” (16-18)، ” فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجثة حيث صلبوه (سمروا يديه وقدميه) وصلبوا اثنين آخرين معه من هنا ومن هنا ويسوع في الوسط … ثم أن العسكر لما كانوا قد صلبوا يسوع اخذوا ثيابه وجعلوها أربعة أقسام لكل عسكري قسما.

واخذوا القميص أيضا. وكان القميص بغير خياطة منسوجا كله من فوق. فقال بعضهم لبعض لا نشقه بل نقترع عليه لمن يكون. ليتّم الكتاب القائل اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي ألقوا قرعة. هذا فعله العسكر ” (17و18و28و29).

(ب) العبد المتألم عن خطايا البشرية:

V جاء في نبوّة إشعياء النبي عنه قوله: ” هوذا عبدي يعقل يتعالى ويرتقي ويتسامى جدا. كما اندهش منك كثيرون. كان منظره كذا مفسدا اكثر من الرجل وصورته اكثر من بني آدم. هكذا ينضح أمما كثيرين. من اجله يسد ملوك أفواههم لأنهم قد ابصروا ما لم يخبروا به وما لم يسمعوه فهموه ” (إش13:52-15).

V ” من صدق خبرنا ولمن استلعنت ذراع الرب. نبت قدامه كفرخ (كنبتة) وكعرق من ارض يابسة (قاحلة) لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول (منبوذ) من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستر (محتجبة) عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به لكن أحزاننا (عاهاتنا) حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا. وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره (بجراحه) شفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه أثم جميعنا.

ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه. من الضغطة ومن الدينونة أخذ. وفي جيله من كان يظن انه قطع من ارض الأحياء انه ضرب من اجل ذنب شعبي. وجعل مع الأشرار قبره ومع غني عند موته. على انه لم يعمل ظلما ولم يكن في فمه غش أما الرب فسرّ بان يسحقه بالحزن (بالأوجاع). أن جعل نفسه ذبيحة أثم يرى نسلا تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح. من تعب نفسه يرى ويشبع. وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها. لذلك اقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة من اجل انه سكب للموت نفسه وأحصي مع أثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين ” (إش53).

والعبد المتألم هنا كما أجمع كل من علماء اليهود والمسيحيين هو شخص المسيح، المسيا الموعود والمنتظر الذي سيأتي من إسرائيل لخلاص البشرية. وقد دعي بالعبد لأنه بتجسده أتخذ شكل العبد وصورته ” الذي إذ كان في صوره الله لم يحسب خلسة أن يكون مساوياً لله لكنه أخلى نفسه أخذاً صوره عبد صائرا في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ” (في5:2-8).

فهي تقدم لنا صورة واضحة لا لبس فيها ولا غموض عن شخص آت بلقب ” عبد الرب “، هذا الشخص يرتفع ويتسامى جداً فوق البشر، فهو عبد بار لم يعمل خطية ولم يوجد في فمه غش ومع ذلك يقدم نفسه ويقدمه الله ذبيحة أثم، كحمل الله الذي يرفع خطية العالم. كما أنه سيتحمل آلام البشرية وأوجاعها وأحزانها، سواء الجسمانية أو العقلية، ويجرح لأجل معاصينا ويسحق بالأوجاع والآلام لأجل آثامنا ويشفينا بجروحه.

أنه المعين من الله ليضع عليه كل آثام البشرية الضالة ويضرب من أجل ذنب شعبه ويبذل نفسه للموت من أجل الخطايا، كما أنه سيتحمل الآلام في صمت ودون أن يفتح فاه، فهو العبد البار الذي بمعرفته يبرر كثيرين وخطاياهم هو يحملها على أساس تقديم نفسه ذبيحة أثم نيابة عن الخطاة، وهو سيشفع في المذنبين ويحمل خطية كثيرين بموته عن معاصي البشرية. ومع ذلك يحسب مع الأشرار عند موته ولكنه يفرح في النهاية مع المؤمنين به. وهذه الأمور لم تتم ولا يمكن أن تطبق على أي أحد غير الرب يسوع المسيح:

(1) فهو البار الذي أخلى ذاته أخذا صورة عبد وجاء في ملء الزمان مولودا من امرأة (غل4:4)، وقدم نفسه فدية عن خطايا العالم، يقول الكتاب ” يا أولادي اكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وان اخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا.ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضا ” (1يو1:2و2).

(2) ويؤكد العهد الجديد، أن هذه النبوّة بحذافيرها تمت حرفياً في الرب يسوع المسيح، ” حمل الله الذي يرفع خطية العالم ” (يو29:1)، فقد طبق الرب يسوع نص النبوّة كاملاً على نفسه قائلاً ” لأني أقول لكم انه ينبغي أن يتم فيّ أيضا هذا المكتوب وأحصي مع أثمة. لان ما هو من جهتي له انقضاء ” (لو37:22). وقول الكتاب ” لكي يتم ما قيل بإشعياء النبي القائل هو اخذ أسقامنا وحمل أمراضنا ” (مت17:8)، وأيضاً ” فتم الكتاب القائل وأحصي مع أثمة ” (مر28:15).

وقال القديس يوحنا بالروح ” ليتم قول إشعياء النبي الذي قاله يا رب من صدق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب. لهذا لم يقدروا أن يؤمنوا. لان إشعياء قال أيضا. قد أعمى عيونهم واغلظ قلوبهم لئلا يبصروا بعيونهم ويشعروا بقلوبهم ويرجعوا فاشفيهم. قال إشعياء هذا حين رأى مجده وتكلم عنه ” أي المسيح (يو38:12-41).

كما طبقها عليه تلاميذه في كرازتهم ” وأما فصل الكتاب الذي كان يقرأه (الخصي الحبشي) فكان هذا. مثل شاة سيق إلى الذبح ومثل خروف صامت أمام الذي يجزه هكذا لم يفتح فاه. في تواضعه انتزع قضاؤه وجيله من يخبر به لان حياته تنتزع من الأرض. فأجاب الخصي فيلبس وقال اطلب إليك. عن من يقول النبي هذا. عن نفسه أم عن واحد آخر. ففتح فيلبس فاه وابتدأ من هذا الكتاب فبشره بيسوع ” (أع32:8و33).

وكذلك القديس بولس بالروح ” لكن ليس الجميع قد أطاعوا الإنجيل لان إشعياء يقول يا رب من صدق خبرنا ” (رو16:10). وقال أيضا ” هكذا المسيح أيضا بعدما قدّم مرة لكي يحمل خطايا كثيرين سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه” (عب28:9)، وأيضاً ” الذي أسلم من اجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا ” (رو25:4)، ” فأنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا أن المسيح مات من اجل خطايانا حسب الكتب ” (1كو3:15)، ” لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه ” (2كو21:5). وقال القديس بطرس بالروح ” فان المسيح أيضا تألم مرة واحدة من اجل الخطايا البار من اجل الأثمة لكي يقربنا إلى الله ” (1بط18:3).

(3) أن قوله ” على انه لم يعمل ظلما ولم يكن في فمه غش أما الرب فسرّ بان يسحقه بالحزن (بالأوجاع). أن جعل نفسه ذبيحة أثم يرى نسلا تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح “، كما يؤكد القديس بطرس بالروح هو الرب يسوع المسيح ” الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر الذي إذ شتم لم يكن يشتم عوضا وإذ تألم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضي بعدل. الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الذي بجلدته شفيتم. لأنكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأسقفها ” (1بط22:2-25).

(4) ويؤكد بقوله ” بذلتُ ظهري للضاربين وخدي للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق ” (إش6:50). أما كون منظره ” مفسداً “، فهذا بسبب ما وقع عليه من جلد وضرب وبصق على وجهه وإكليل الشوك الذي وضع على رأسه، ومن ثم أصبح ” لا صوره له ولا جمال ” برغم أنه ” أبرع جمالاً من بنى البشر ” (مز2:45).

أما قوله ” كنعجة صامته أما جازيها فلم يفتح فاه ” فليس معناه أنه لم يتكلم نهائياً أثناء المحاكمة بل يعنى أنه لم يدافع عن نفسه أبداً ضد كل ما أُتهم به حتى تعجب الوالي الروماني بيلاطس ” وبينما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يشتكون عليه لم يجب بشيء فقال له بيلاطس أما تسمع كم يشهدون عليك. فلم يجبه ولا عن كلمه واحدة حتى تعجب الوالي جداً ” (مت12:27-14). ” وجعل مع الأشرار قبره ” صلب المسيح بين لصين ودفنه في قبر أناس لم يكونوا قد أعلنوا إيمانهم به (مت38:27؛57-60).

(5) كما أجمع علماء اليهود عبر تاريخهم السابق للمسيح واللاحق له أن هذا الإصحاح نبوة عن المسيا المنتظر، وقد لخص القمص روفائيل البرموسى في كتابه ” أما إسرائيل فلا يعرف ” (ص 119 – 128) خلاصة رأي علماء اليهود كالآتي ” كل الرابيين ما عدا راشي (الذي رأى أن العبد المتألم هو شعب إسرائيل ) – يرون أن هذه المقاطع من سفر إشعياء تصف آلام المسيا كشخص فردي “.

ويضيف أنه جاء في ترجوم يوناثان الذي يعود للقرن الأول ” هوذا عبدي المسيا يعقل ..”، كما أن الرابي دون أتسحاق (حوالي 15..م) يقر و ” يقول بدون تحفظ، أن غالبية الرابيين في ميدراشيهم يقرون أن النبوّة تشير إلى المسيا “. وقال الرابي سيمون ابن يوخّيا من القرن الثاني الميلادي [ في جنة عدن يوجد مكان يسمى ” مكان أبناء الأوجاع والآلام “. في هذا المكان سيدخل المسيا ويجمع كل الآلام والأوجاع والتأديبات التي لشعب إسرائيل، وكلها ستوضع عليه، وبالتالي يأخذها لنفسه عوضا عن شعب إسرائيل. لا يستطيع أحد أن يخلص إسرائيل من تأديباته لعصيانهم الناموس. إلا هو، المسيا.

وهذا هو الذي كتب عنه ” لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها ” ]. وينقل عن تلمود بابل، أن المتألم ” هو [ ” المسيا ” ما هو اسمه ؟ … أنه عبد يهوه المتألم “. كما قيل عنه ” لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها “] … أما مدراش كوهين حينما يشرح إشعياء 5:53، يضع الكلمات التالية على فم إيليا النبي، حيث يقول إيليا للمسيا [ أنت أبر من أن تتألم وتجرح. كيف كلي القدرة يعاقب هكذا من أجل خطايا إسرائيل، ويكتب عنك ” مجروح لأجل معاصينا. مسحوق لأجل أثامنا “.

إلى أن يحين الوقت حيث تأتي نهاية الأمم ]. ويقول رابي يافيث ابن عالي ” بالنسبة لرأي فأنا أنحاز إلى رأبي بنيامين النهاوندي في تفسيره لهذا الإصحاح كونه يشير إلى المسيا. فالنبي إشعياء يريد أن يفهمنا شيئين: في المرحلة الأولى إن المسيا هو الوحيد الذي سيصل إلى أعلى درجة من الكرامة والمجد، لكن بعد محن طويلة ومريرة،

ثانياً: هذه المحن ستوضع عليه كعلامة، لدرجة لو وجد نفسه تحت نير هذه المحن وظل مطيعا وتقيا في تصرفاته وأفعاله، يُعرف أنه هو المختار … والتعبير ” عبدي ” يعود إلى المسيا “. وفي كتاب ” Bereshith Rabbah ” يقول مؤلفه رابي موشى هادرشان، أن القدوس أعطى فرصة للمسيا أن يخلص النفوس، ولكن بضربات وتأديبات عديدة، يقول [… على الفور قبل المسيا تأديبات وضربات المحبة، كما هو مكتوب ” ظُلم أم هو فتذلل ولم يفتح فاه ” … عندما أخطأ شعب إسرائيل، طلب المسيا لهم الرحمة والمغفرة، كما هو مكتوب ” وبحبره شفينا ” وقوله ” وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين ” ].

وهكذا يؤكد لنا الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، من خلال نبوات أنبياء العهد القديم وتطبيق المسيح لها على نفسه وتأكيد تلاميذه ورسله بعد ذلك على أن اليهود عندما صلبوا المسيح فقد تمموا كل ما سبق وتنبأ به عنه جميع الأنبياء أنه لابد ” أن ابن الإنسان يتألم كثيرا ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم ” (لو22:9).

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

أصل فكرة الشبه في صلب المسيح – القمص عبد المسيح بسيط

أصل فكرة الشبه في صلب المسيح في الفكر الغنوصية

أصل فكرة الشبه في صلب المسيح في الفكر الغنوصية

1 – هل كان هناك مسيحيون عبر التاريخ القديم القريب من عهد المسيح من أنكر صلب المسيح أم لا ؟

والإجابة هي لا، ولكن كان هناك جماعة وثنية تسمى بالخيالية وبالغنوصية ويسمى أتباعها بالخياليين والغنوصيين ويسمى فكرها بالخيالية أو الشبحية، قالت أن المسيح كان إلها فقط ولم يكن له جسد وطبيعة الإنسان، بل كأن شبحاً وخيالاً، ظهر في هيئة وشبه ومنظر الإنسان ولم يكن له جسد فيزيائي من لحم ودم وعظام !! ولذا فقد كانت عملية صلبه مجرد مظهر وشبه، شُبّه للناظرين أنه يصلب، صلب مظهرياً، بدا وكأنه يصلب، علق على الصليب وبدا للناظرين أنه يصلب !! ودفن في القبر ولكنه خرج ككائن من نور لأنه هو نور وروح محض !!! وعندما خرج من القبر ككائن من نور كانت قدماه على الأرض ورأسه تخترق السماء !!!!

فما هي الغنوصية، أو الخيالية ؟ ومن هم هؤلاء الغنوصيون ؟

(1) الغنوصية هي حركة وثنية مسيحية ترجع جذورها إلى ما قبل المسيحية بعدة قرون. وكان أتباعها يخلطون بين الفكر الإغريقي – الهيلينتسي – والمصري القديم مع التقاليد الكلدانية والبابلية والفارسية (خاصة الزردشتية التي أسسها الحكيم الفارسي ذردشت (630-553 ق م) وكذلك اليهودية، خاصة فكر جماعة الأثينيين (الأتقياء) وما جاء في كتابهم ” الحرب بين أبناء النور وأبناء الظلام “، والفلسفات والأسرار والديانات الثيوصوفية(1). وذلك إلى جانب ما سمي بالأفلاطونية الحديثة، التي كانت منتشرة في دول حوض البحر المتوسط في القرن الأول. بل ويرى بعض العلماء أن كل أصول الغنوصية موجودة عند أفلاطون(2) لذا يقول العلامة ترتليان (نهاية القرن الثاني الميلادي) ” أنا أسف من كل قلبي لأن أفلاطون صار منطلق كل الهراطقة “(3)

وكانوا ينظرون للمادة على أنها شر ! وآمنوا بمجموعة كبيرة من الآلهة، فقالوا أنه في البدء كان الإله السامي غير المعروف وغير المدرك الذي هو روح مطلق، ولم تكن هناك المادة، هذا الإله الصالح أخرج، أنبثق منه، أخرج من ذاته، عدد من القوات الروحية ذات الأنظمة المختلفة التي أسموها بالأيونات (Aeons)، هذه القوات المنبثقة من الإله السامي كان لها أنظمة مختلفة وأسماء مختلفة وتصنيفات وأوصاف مختلفة(4). وتكوّن هذه الأيونات مع الإله السامي البليروما (Pleroma)، أو الملء الكامل، دائرة الملء الإلهي. وأن هذا الإله السامي الذي أخرج العالم الروحي من ذاته لم يخلق شيء.

ومن هذه الأيونات قام أحدهم ويدعى صوفيا (Sophia)، أي الحكمة الذي بثق، أخرج، من ذاته كائناً واعياً هو الذي خلق المادة والعوالم الفيزيقية، وخلق كل شيء على صورته، هذا الكائن لم يعرف شيء عن أصوله فتصور أنه الإله الوحيد والمطلق، ثم أتخذ الجوهر الإلهي الموجود وشكله في أشكال عديدة، لذا يدعى أيضا بالديمورجس (Demiurgos)، أي نصف الخالق. فالخليقة مكونة من نصف روحي لا يعرفه هذا الديمورجس، نصف الخالق ولا حكامه(5).

ومن هنا فقد آمنوا أن الإنسان مكون من عنصرين عنصر إلهي هو المنبثق من الجوهر الإلهي للإله السامي يشيرون إليه رمزيا بالشرارة الإلهية، وعنصر مادي طبيعي فاني. ويقولون أن البشرية بصفة عامة تجهل الشرارة الإلهية التي بداخلها بسبب الإله الخالق الشرير وارخوناته (حكامه). وعند الموت تتحرر الشرارة الإلهية بالمعرفة، ولكن أن لم يكن هناك عمل جوهري من المعرفة تندفع الروح، أو هذه الشرارة الإلهية، عائدة في أجساد أخرى داخل الآلام وعبودية العالم(6).

وأعتقد بعضهم بالثنائية (Dualism) الإلهية أي بوجود إلهين متساويين في القوة في الكون ؛ إله الخير، الذي خلق كل الكائنات الروحية السمائية، وإله الشر الذي خلق العالم وكل الأشياء المادية !! وربطوا بين إله الشر وإله العهد القديم !! وقالوا أن المعركة بين الخير والشر هي معركة بين مملكة النور ضد مملكة الظلمة !!

وأعتقد بعضهم أن إله الخير خلق الروح وقد وضعها إله الشر في مستوى أدني في سجن الجسد المادي الشرير. وهكذا فأن هدف البشرية هو الهروب من سجن الجسد المادي الشرير والعودة إلى اللاهوت أو التوحد مع إله الخير !!

ولذا فقد نادوا بوجود مجموعة من التعاليم السرية الخاصة جداً والتي زعموا أن المسيح قد كشفها وعلمها لتلاميذه ربما لسوء فهمهم لآيات مثل ” وبأمثال كثيرة مثل هذه كان يكلمهم حسبما كانوا يستطيعون أن يسمعوا. وبدون مثل لم يكن يكلمهم.

وأما على انفراد فكان يفسر لتلاميذه كل شيء ” (مر33:4-5) و” لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون. بل نتكلم بحكمة الله في سرّ. الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا ” (1كو6:6-8)(7).

هذه التعاليم السرية المزعومة كتبوها في كتب ونسبوها لرسل المسيح وتلاميذه وبعضهم نسب لقادتهم وذلك اعتمادا على ما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا ” وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب. أما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه ” (يو30:20و31) و ” وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع أن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة ” (يو25:21)(8).

يقول القديس اريناؤس أسقف ليون بالغال (فرنسا حاليا) ” أولئك الذين يتبعون فالتنتينوس (ق2م) يستخدمون الإنجيل للقديس يوحنا بوفرة لشرح أفكارهم التي سنبرهن أنها خاطئة كلية بواسطة نفس الإنجيل “(9).

(2) كما سميت هذه الهرطقة أيضا بالدوسيتية (Docetism)، والتي تعني في اليونانية ” Doketai “، من التعبير ” dokesis ” و ” dokeo ” والذي يعني ” يبدو “، ” يظهر “، ” يُرى “، وتعني الخيالية phantomism. فقد آمنوا أن المسيح كان مجرد خيال وشبح (phantom)، وأنه أحد الآلهة العلوية وقد نزل على الأرض في جسد خيالي وليس فيزيائي، مادي، حقيقي، أنه روح إلهي ليس له لحم ولا دم ولا عظام، لأنه لم يكن من الممكن، من وجهة نظرهم، أن يتخذ جسدا من المادة التي هي شر في نظرهم ! لذا قالوا أنه نزل في صورة وشبه إنسان وهيئة بشر دون أن يكون كذلك، جاء في شكل إنسان دون أن يكون له مكونات الإنسان من لحم ودم وعظام، جاء في ” شبه جسد ” و ” هيئة الإنسان “، وقالوا أنه لم يكن يجوع أو يعطش أو ينام، ولم يكن في حاجة للأكل أو الشرب .. الخ وأنه كان يأكل ويشرب وينام متظاهرا بذلك تحت هيئة بشرية غير حقيقية. وشبهوا جسده بالنور أو شعاع الشمس، فأن النور وشعاع الشمس يمكن لهما أن يخترقا لوحا من الزجاج دون أن يكسرا هذا اللوح “. كان مجرد خيال(10).

جاء في أحد كتبهم والذي يسمى بـ ” أعمال يوحنا “(11)، أن المسيح عندما كان يسير على الأرض لم يكن يترك أثرا لأقدامه وعندما كان يوحنا يحاول الإمساك به كانت يده تخترق جسده بلا أي مقاومة حيث لم يكن له جسد حقيقي. وكانت طبيعة جسده متغيرة عند اللمس، فتارة يكون ليناً وأخرى جامداً ومرة يكون خالياً تماماً. كان بالنسبة لهم مجرد شبح وحياته على الأرض خيال. وكان يظهر بأشكال متعددة ويغير شكله كما يشاء وقتما يشاء !! أي كان روحاً إلهياً وليس إنساناً فيزيقياً (12).

+ وقال بعضهم أنه اتخذ جسدا نفسيا Psychic، عقليا، وليس ماديا.

+ وقال بعض آخر أنه اتخذ جسد نجمي Sidereal.

+ وقال آخرون أنه اتخذ جسدا ولكنه لم يولد حقيقة من امرأة(13).

وجميعهم لم يقبلوا فكرة أنه تألم ومات حقيقة، بل قالوا أنه بدا وكأنه يتألم وظهر في الجلجثة كمجرد رؤيا. وقد أشار إليهم القديس أغناطيوس الإنطاكي (35 – 107) تلميذ القديس بطرس الرسول وحذر المؤمنين من أفكارهم الوثنية قائلا : ” إذا كان يسوع المسيح – كما زعم الملحدون الذين بلا إله – لم يتألم إلا في الظاهر، وهم أنفسهم ليسو سوى خيالات (بلا وجود حقيقي) فلماذا أنا مكبل بالحديد “(14)، ” وهو إنما أحتمل الآلام لأجلنا لكي ننال الخلاص، تألم حقا وقام حقا، وآلامه لم تكن خيالا، كما أدعى بعض غير المؤمنيين، الذين ليسوا سوى خيالات “(15)، ” لو أن ربنا صنع ما صنعه في الخيال لا غير لكانت قيودي أيضا خيالا “(16).

(4) كما كان لهذه الجماعات، أيضا، اعتقادات أخرى في المسيح، فقالوا أن المسيح الإله نزل على يسوع الإنسان وقت العماد وفارقه على الصليب، وقالوا أيضا أن المسيح الإله والحكمة الإله نزلا على يسوع واتحدا به وفارقاه أيضا عند الصليب !! أي أن الذي صلب، من وجهة نظرهم هو المسيح الإنسان وليس المسيح الإله !!! وفيما يلي أفكار قادتهم :

1 – فالنتينوس (حوالي 137م) : وقوله أن المسيح لم يولد من العذراء ولكن جسده الهوائي مر من خلال جسدها العذراوي : وقد ظهر في النصف الأول من القرن الثاني ونادى بوجود ثلاثين إلها، وقال أن الإله فيتوس (أي العمق) ولد ثمانية أيونات، ومنهم وُلد عشرة، ومن العشرة وُلد أثنا عشر ذكرا وأنثى، وولد سيغا (أي الصمت)، من هذا الإله فيتوس، ومن سيغا ولد الكلمة، كما قال أن كمال الآلهة هو كائن ” أنثى – ذكر ” يُدعى الحكمة، وهو المسيح(18)!!

وقال أن المسيح لم يتخذ جسداً إنسانياً حقيقياً بل أتخذ هيئة الجسد، مظهر الجسد وهيئة الإنسان لأنه لا يمكن أن يأخذ جسد من المادة التي هي شر بحسب اعتقاده ! أتخذ جسدا سمائيا وأثيريا، وهو، حسب قوله لم يولد من العذراء ولكن جسده الهوائي مر من خلال جسدها العذراوي(19)!!

2 – كيرنثوس وقوله بصلب يسوع الإنسان دون المسيح الإله : وقال كيرنثوس الذي كان معاصرا للقديس يوحنا الإنجيلي، والذي يقول عنه القديس إريناؤس أنه كان متعلما بحكمة المصريين ” أن العالم لم يخلقه الإله السامي، ولكن خلقته قوة معينة منفصلة بعيدا عنه وعلى مسافة من هذا المبدأ الذي هو سامي على الكون ومجهول من الذي فوق الكل. وقال أن يسوع لم يولد من عذراء، وإنما ولد كابن طبيعي ليوسف ومريم بحسب ناموس الميلاد البشري وقال أنه كان أبر وأحكم وأسمى من البشر الآخرين، وعند معموديته نزل عليه المسيح (الإله) من فوق من الحاكم السامي ونادى بالآب غير المعروف وصنع معجزات. ثم رحل المسيح (الإله) أخيرا من يسوع وتألم وقام ثانية، بينما ظل المسيح (الإله) غير قابل للألم لأنه كان كائنا روحيا “(20).

أي من، وجهة نظره أن الذي تألم على الصليب هو يسوع المسيح، عيسى، أما المسيح الإله فلم يتألم لأنه غير قابل للألم كإله.

3- سترنيوس (Saturnius) وقوله أن المسيح كان بلا ميلاد وبلا جسد وبدون شكل وكان مرئيا افتراضا : وقال سترنيوس أن ” الآب غير المعروف من الكل ” خلق الملائكة ورؤساء الملائكة، الذين كانوا من سلالات شريرة وخيرة، وخلق الرياسات والقوات، ثم قام سبعة من رؤساء الملائكة بخلق الكون والبشرية أيضا. وقال أن إله اليهود هو أحد رؤساء الملائكة السبعة، هؤلاء الذين خلقوا الكون، وكان معاديا للآب، وقد جاء المسيح المخلص ليدمر إله اليهود هذا ويحارب الأرواح التي تؤيده مستشهدا بقول القديس يوحنا الرسول بالروح ” لأجل هذا اظهر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس “ (1يو8:3)، لأنه اعتقد أن الشيطان هو إله اليهود، وأن المسيح كان كائنا روحيا وقد بدا وكأنه إنسان(21).

وقال أن ” المخلص كان بلا ميلاد وبلا جسد وبدون شكل وكان مرئيا افتراضا، وأنه جاء ليدمر إله اليهود، الذي كان واحدا من الملائكة، ويخلص الذين يؤمنون

به “(22).

4 – جماعة السزيان أو فايتس وقولهم بصلب يسوع دون المسيح والحكمة : نادت هذه الجماعة في القرن الثاني الميلادي ” أن يسوع ولد من العذراء بعمل الإله يادابوس وكان احكم واطهر وابر من كل البشر الآخرين. ثم اتحد المسيح (الإله) مع الحكمة ونزلا عليه (على يسوع)، وهكذا تكون يسوع المسيح. ويؤكدون أن كثيرين من تلاميذه لم يعرفوا بنزول المسيح عليه. ولكن عندما نزل المسيح علي يسوع بدأ يعمل معجزات ويشفي ويعلن الآب غير المعروف ويعلن نفسه صراحة انه ابن الإنسان الأول (الإله)(23). فغضبت القوات و(الإله يادابوس) والد يسوع لهذه الأعمال وعملوا على تحطيمه، وعندما اقتيد لهذا الغرض (الصلب) يقولون أن المسيح نفسه مع الحكمة رحلا منه إلى حيث الأيون غير الفاسد بينما صلب يسوع. ولكن المسيح لم ينسى يسوعه فانزل عليه قوة من فوق فأقامته ثانية في الجسد الذي يدعونه حيواني أو روحاني ثم أرسل العناصر الدنيوية ثانية إلى العالم. وعندما رأي تلاميذه انه قام، لم يدركوا، ولا حتى يسوع نفسه، من الذي أقامه ثانية من الموت. والخطأ الذي وقع فيه التلاميذ انهم تصوروا انه قام في جسد مادي غير عالمين أن ” لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله ” (اكو5:15)(24).

5 – ماركيون وقوله أن المسيح لم يولد من العذراء ولم يعرف ميلادا ولا نموا ولا حتى مظهر هذه الأحداث إنما ظهر بطريقة فجائية وفي هيئة بشرية احتفظ بها بحسب الظاهر إلى موته على الصليب : وعلم ماركيون، المولود حوالي سنة 120م، بوجود إلهين، الإله العظيم السامي أو الإله المحب، وهذا الإله كان غير معروف من العالم ومخفيا عن عينيه لأنه لا صلة له بالعالم وليس هو الخالق له. أما الإله الثاني فأقل من الأول درجة وهو إله عادل ولكن سريع الغضب ومنتقم يحارب ويسفك دم أعدائه بلا رحمة ولا شفقة، وهو الذي خلق العالم واختار منه شعبا هو شعب إسرائيل ليكون شاهدا له وأعطى له الناموس. وعاقب بشدة وصرامة الذين تعدوا على هذا الناموس، وترك بقية الشعوب الأخرى فريسة للمادة والوثنية. وكان هذا الإله، إله اليهود يجهل تماما وجود الإله السامي المحب الذي ظل غير معروف حتى ظهر المسيح في بلاد اليهودية في هيئة بشرية، وبدأ يعلن للبشر السر العظيم عن الإله السامي المحب الذي يجهله البشر وإله اليهود(24)!!

وقال أن المسيح لم يولد من العذراء ولم يعرف ميلادا ولا نموا ولا حتى مظهر هذه الأحداث إنما ظهر بطريقة فجائية وفي هيئة بشرية احتفظ بها بحسب الظاهر إلى موته على الصليب(25)‍!!

ونتيجة لاعتقاد هؤلاء الهراطقة بأن المسيح كان مجرد شبح وخيال وأنه ظهر على الأرض في شكل وهيئة ومظهر الإنسان ولكنه في حقيقته هو روح وخيال، ظهر في مظهر الإنسان دون أن يكون إنسانا ! جاء في شبه جسد ولكنه لم يتخذ الجسد بل كان شبح وروح وخيال في شكل جسد !! فلما وُضع على الصليب ليصلب بدا لهم وكأنه يصلب ولكن لأنه شبح وروح وخيال فقد ظهر في مظهر وهيئة وشكل الذي يصلب ولكن في الحقيقة لم يصلب بل شبُّه لهم أنه يصلب !! بدا لهم معلقاً على الصليب ولكنه في الحقيقة غير ذلك !! بدا لهم يسفك الدم وينزف أمامهم ولكن لأنه شبح وروح وخيال وليس له لحم ولا دم ولا عظام، فقد كان يبدو هكذا لهم مظهريا فقط، شبُّه لهم !! ظهر وكأنه مات على الصليب وهو الإله الذي لا يموت !!

6- باسيليدس وقوله بإلقاء شبه يسوع على غيره لأنه قوة غير مادية وعقل الآب غير المولود فقد غير هيئته كما أراد وهكذا صعد إلى الذي أرسله :

وكان أول من قال بإلقاء شبه يسوع على غيره هو باسيليدس الذي تصور وجود صراع بين الإلهة العديدة والذين كان أحدهم يسوع المسيح. وقد نقل عنه القديس أريناؤس قوله : ” وصنع الملائكة الذين يحتلون السماء السفلى المرئية لنا كل شئ في العالم، وجعلوا لأنفسهم اختصاصات للأرض والأمم التي عليها، ولما أراد رئيس هؤلاء، إله اليهود كما يعتقدون، أن يخضع الأمم الأخرى لشعبه اليهود، واعترضه وقاومه كل الرؤساء الآخرين بسبب العدواة التي كانت بين أمته وكل الأمم، ولما أدرك الآب غير المولود والذي لا اسم له انهم سيدمرون أرسل بكره العقل (وهو الذي يدعى المسيح) ليخلص من يُؤمن به، من قوة هؤلاء الذين صنعوا العالم. فظهر على الأرض كإنسان لأمم هذه القوات وصنع معجزات. وهو لم يمت بل اجبر سمعان القيرواني على حمل صليبه والقي شبهه عليه واعتقدوا انه يسوع فصلب بخطأ وجهل. واتخذ هو شكل سمعان القيرواني ووقف جانباً يضحك عليهم. ولأنه قوة غير مادي وعقل الآب غير المولود فقد غير هيئته كما أراد وهكذا صعد إلى الذي أرسله“(26).

7 ـ سر الصليب في أعمال يوحنا : قالوا في الكتاب الذي أسموه ” أعمال يوحنا “(27) والذي يرجع إلى القرن الثاني الميلادي، في عبارات صوفية غامضة جداً أن المسيح تألم دون أن يتألم وصلب دون أن يصلب وطعن بالحربة دون أن يسيل منه دماً وماء، علق على صليب من خشب وصليب من نور في آن واحد، كان على الصليب بين الجموع المحتشدة وفي نفس الوقت مع يوحنا على الجبل : ” بعد أن رقص الرب معنا هكذا يا أحبائي خرج ونحن كمذهولين أو مستغرقين في النوم وهربنا هذه الطريق أو تلك ولم أتأخر بآلامه، بل هربت إلى جبل الزيتون بكيت لما حدث، وعندما علق (على الصليب) يوم الجمعة في الساعة السادسة من النهار حلت الظلمة على كل الأرض(مر23:15). ثم وقف ربي وسط الكهف وأناره وقال : يا يوحنا إني مصلوب ومطعُون بالحربة والقصبة (مر 19:15) ومُعطى الخل والمر لأشرب (متى 34:27) بالنسبة للناس اسفل في أورشليم، ولكني أتحدث إليك فأستمع لما أقوله : لقد وضعت في عقلك أن تصعد إلى هذا الجبل لكي تستمع إلى ما يجب أن يتعلمه تلميذ من معلمه وإنسان من إله. وعندما قال ذلك أراني صليب من نور مثبت جيداً، وحول الصليب جمع عظيم، ليس له شكل واحد … ورأيت السيد نفسه فوق الصليب، ليس له شكل بل نوع من الصوت هذا الصليب من نور يدعى أحياناً اللوجوس وأحياناً العقل وأحياناً يسوع وأحياناً المسيح … ” !! هذه الأقوال الصوفية الغامضة جداً يدعونها أقوالاً سرية لمن أعطي له أن يفهم فقط !! 

هذا الفكر الخيالي الوثني الغامض كان أصحابه أفراداً خارج حظيرة المسيحية وقد رفضتهم الكنيسة وحاربت أفكارهم حتى اندثروا وان كانت كتبهم أثارهم ما يزال الكثير منها بين أيدينا.

والعجيب بل والغريب أنه عند ترجمة قوله ” وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ” نجده في الترجمة يحمل نفس هذا الفكر الدوسيتي، فقد جاء في ترجمة معاني القرآن الكريم للدكتور أحمد زيدان والسيدة دينا زيدان والمعتمدة من مجمع البحوث الإسلامية :

And for their saying ” we killed the Massiah jesus the son of Mary. The Messenger of God ” Yet they did not kill him nor crucify him but it was only made to appear to them so

ولكن هكذا بدا لهم فقط “، ” ولكن هكذا ظهر لهم ” !!

ويقول السيد يوسف علي في تفسيره لهذه الآية القرآنية :

The Docetae held that Christ never had a real physical or natural body، but only an apparent or phantom body، and that his Crucifixion was only apparent، not real. The Marcionite Gospel (about A. D.138) denied that Jesus was born، and merely said that he appeared in human form

The Quranic teaching is that Christ was not crucified nor killed by the Jews، notwithstanding certain apparent circumstances which produced that illusion in the’ minds of some of his enemies: that disputations، doubts، and conjectures on such matters are vain; and that he was taken up to Allah.

وترجمته هكذا ” قال الدوسيتيون أن المسيح لم يكن له أبداً جسد فيزيائي حقيقي أو طبيعي، ولكن فقط جسد مظهري أو شبح، وأن صلبه كان مجرد صلب ظاهري، وليس حقيقي، وأنكر الإنجيل الماركيوني (حوالي 138م) أن يسوع ولد وقد قال أنه ظهر في مجرد شكل بشري. ويقول التعليم القرآني أن اليهود لم يصلبوا المسيح ولم يقتلوه ومع ذلك فقد أنتج ذلك الوهم في عقول بعض أعدائه ظروف ظاهرية معينة … ” !!!

أي أن الترجمة الإنجليزية وتفسير السيد يوسف علي يؤكدان على أن نص آية الشبه يعني نفس ما قاله الفكر الدوسيتي الغنوصي القائل بأن المسيح صلب ولم يصلب بدا لهم أنه يصلب ولكن لأنه روح وشبح وخيال، إله فقط وليس له جسد إنسان لذا بدا لهم (Appeared to them) أنه يصلب ” it was only made to appear to them so !!!

(†) وتعنى الغنوصية – Gnosticism” حب المعرفة ” ومنها ” Gnostic – غنوصي – محب المعرفة ” من كلمة ” gnosis ” اليونانية والتي تعني ” معرفة “. وهي عبارة عن مدارس وشيع عديدة تؤمن بمجموعات عديدة من الآلهة. وكانت أفكارهم ثيوصوفية سرية. ولما ظهرت المسيحية خلط قادة هذه الجماعات بين أفكارهم، وبين بعض الأفكار المسيحية التي تتفق معهم !!

 إقرأ أيضاً:

إيمان الفرق الدوسيتية بصلب المسيح – القمص عبد المسيح بسيط

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

(1) See Pre-Christian Gnosticism Edwin M. Yamac chi pp. 21-27 & The Secret Books of the Egy. Gmo. Jeam Doresse.

(2) A Comprehensive Study of Heretical Beliefs Spaning 2… Years History (From 33-2..AD.

(3) Tertullian A Treatise On The Soul.

(4) A Comprehensive Study of Heretical Beliefs Spaning 2… Years History (From 33-2..AD.

(5) The Gnostic World View، A Brief Summary of Gnosticism.

(6) The Gnostic World View، A Brief Summary of Gnosticism.

(7) Robert Jonse Heresies & Schisms In Early Church.

(8) Ibid.

(9) Irenaeus Against Heresies b 3 ch. 11

(10) Irenaseus Ag. Her. 1:24،2. وتاريخ الفكر المسيحي د القس حنا الخضري جـ 1 : 206

(11) See NT Apocrypha Vol. 2

(12) Robert Jonse Heresies & Schisms In Early Church.

(13) Catholic Enc. Docetism.

(14) رسالته إلى ترالس 10 : 1.

(15) رسالته إلى أزمير (سميرنا) 2.

(16) السابق 4 : 2.

(18) القديس كيرلس الأورشليمي ” العظات 6 : 17و18.

(19) تاريخ الفكر المسيحي د القس حنا الخضري جـ 1 : 207.

(20) Iren. Ag. Her. 1 : 26.

(21) ) Jesus After the Gospels Robert M. grant P. 45،46.

(22) Ibid.30.

(23) الإنسان الأول في عقيدتهم هو النور الأول في الأعماق، أبو الكل = إله.

(24) Iren. B.1 30:12،13 Robert M. Grant Gnosticism.

(24) Gnosticism a Sourcebook of Heretical writings from the early Christian Period p. 44،45.

(25) See Iren. Ag. Her.b. 1 وتاريخ الفكر 1 : 481 و482

(26) Ibid. b.1 24:3،4.

(27) Acts of John 97،98.

أصل فكرة الشبه في صلب المسيح في الفكر الغنوصية

علماء مسلمون قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك – القمص عبد المسيح بسيط

علماء مسلمون قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك – القمص عبد المسيح بسيط

علماء مسلمون قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك – القمص عبد المسيح بسيط

العلماء المسلمون الذين قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك

1 – عدم وضوح معنى الآية:

  كما سبق أن بينّا من عدم وضوح معنى قوله ” وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ” فقد وُجد هناك أربعة أراء لأربع مجموعات من العلماء المسلمين:

1 – الرأي الأول والذي يقول بإلقاء شبه المسيح على آخر، ولكن كيف ومتى ومن هو الشبيه فهذا غير معلوم، وهذا ما يتلخص في قول الإمام محمد أبو زهرة ( أن القرآن الكريم لم يبين لنا ماذا كان من عيسى بين صلب الشبيه ووفاة عيسى أو رفعه على الخلاف في ذلك، ولا إلى أين ذهب، وليس عندنا مصدر صحيح يعتمد عليه )، وهذا هو الرأي التقليدي ورأي الأغلبية.

  ومن ضمن أصحاب هذا الرأي الذين نقلوا روايات عن جهلاء أهل الكتاب العرب، كما يقول أبن خلدون، أو الذين راحوا يؤلفون روايات من وحي خيالهم هم !!

2 – الرأي الثاني والذي يرى أن المسيح صلب فعلا وإنما قول القرآن جاء من باب مجادلة اليهود والمقصود بها التنقيص من شأنهم، كقول د. عبد المجيد الشرفي ” هذا فليس من المستبعد أن يكون إنكار قتل اليهود عيسى وصلبه من باب المجادلة المقصود بها التنقيص من شأن المجادلين “.

3 – الرأي الثالث والذي يقول بصلب المسيح فعلا ولكن بعدم موته على الصليب، ومن هؤلاء الأستاذ الجوهري فضلا عما يناور ويقول به السيد أحمد ديدات !!

4 – الرأي الرابع والذي يقول بصلب المسيح كما جاء في الأناجيل، سواء عن طريق النقل من الإنجيل بأوجهه الأربعة دون تعليق، مثل المؤرخ الإسلامي اليعقوبي، والأستاذ خالد محمد خالد. وغيرهم. هذا فضلا عن البيضاوي الذي نقل قول النسطورية  ” وقيل صلب الناسوت ولم يصلب اللاهوت “.

  ولو كان نص الآية واضحاً تماما لما أختلف المسلمون عبر التاريخ في جزئية واحدة حول معنى الآية، ولكن اختلاف المفسرين، بهذه الصورة دليل على عدم وضوحها، وخاصة أنها الآية القرآنية الوحيدة التي تكلمت عن هذا الموضوع، باستثناء آيات الموت الوفاة، وهذا موضوع آخر.

2 – العلماء والمؤرخون المسلمون الذين قالوا بصلب المسيح:

  ظهر بعض الكتاب والعلماء والمؤرخين المسلمين الذين حاولوا التوفيق بين حقيقة وتاريخية صلب المسيح وتفسيرهم لقوله ” وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ” (النساء:157). ولذا فقد قالوا بصلب المسيح، وفيما يلي أهم من قالوا بذلك:  

(1) وقال الشيخ احمد بن أبي يعقوب، اليعقوبي، الذي يُعد من أقدم مؤرخي الإسلام والذي قال ” ولما طلب اليهود من بيلاطس أن يصلب المسيح. قال لهم خذوه أنتم واصلبوه أما أنا فلا أجد عليه علة. قالوا قد وجب عليه القتل من أجل أنه قال أنه ابن الله. ثم أخرجه وقال لهم خذوه أنتم واصلبوه فأخذوا المسيح وحملوه الخشبة التي صلب عليها “(1).

(2) وقال أخوان الصفا من القرن الخامس الهجري (457 – 459): ” فلما أراد الله تعالى أن يتوفاه (أي المسيح) ويرفعه إليه اجتمع معه حواريوه في بيت المقدس في غرفة واحدة، وقال أني ذاهب إلي أبي وأبيكم وأوصيكم بوصية 00 وأخذ عهدا وميثاقا فمن قبل وصيتي وأوفى بعهدي كان معي غدا 000 فقالوا له ما تصديق ما تأمرنا به. قال أنا أول من يفعل ذلك. وخرج في الغد وظهر للناس وجعل يدعوهم ويعظهم حتى اُخذ وحُمل إلى ملك إسرائيل فأمر بصلبه. فصلب ناسوته (جسده) وسمرت يداه على خشبتي الصليب وبقي مصلوبا من صحوة النهار إلى العصر. وطلب الماء فسقي الخل وطعن بالحربة ثم دفن في مكان الخشبة ووكل بالقبر أربعون نفرا. وهذا كله بحضرة أصحابه وحوارييه فلما رأوا ذلك منه أيقنوا وعلموا أنه لم يأمرهم بشيء يخالفهم فيه. ثم اجتمعوا بعد ذلك بثلاثة أيام في الموضع الذي وعدهم أن يتراءى لهم فيه. فرأوا تلك العلامة التي كانت بينه وبينهم وفشا الخبر في بني إسرائيل أن المسيح لم يقتل. فنبش القبر فلم يوجد فيه الناسوت “(2).

(3) ويقول د. عبد المجيد الشرفي (عميد كلية الآداب بتونس، وله كثير من المقالات التي تتعلق بالعلاقات المسيحية – الإسلامية ): ” وكما نفي القرآن ألوهية عيسى وعقيدة الثالوث، فإنه نفى في الآية 157 من سورة النساء أن يكون اليهود قتلوا عيسى أو صلبوه (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم 00 وما قتلوه يقيناً)، فهل تعني هذه الآية أنه قُتل وُصلب، لكن على غير أيدي اليهود أم أنه لم يُقتل ولم يُصلب البتة؟ لا شئ مبدئياً يمكّننا من ترجيح أحد الاحتمالين إن اقتصرنا على النص القرآني وحده، ولم نعتمد السنة التفسيرية التي بتت في اتجاه نفي الصليب جملة في أغلب الأحيان. على أن هذه الآيات لا يجوز أن تفصل عن الآية 33 من سورة مريم: (والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً)، وكذلك عن الآية 35 من آل عمران: (يا عيسى إني متوفيك)، وعن الآية 117 من المائدة: (وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم)، وهي صريحة في أن عيسى يموت ويتوفى.

  فليس من المستبعد أن يكون إنكار قتل اليهود عيسى وصلبه من باب المجادلة المقصود بها التنقيص من شأن المجادلين، لا سيما أن كل الأحداث المتعلقة بحياة المسيح لم تزل منذ القديم محل أخذ ورد واختلاف، ولا أحد يستطيع ادعاء اليقين فيها. يضاف إلى هذا أن إقرار القرآن برفع عيسى في الآية الموالية يتفق والعقيدة المسيحية في هذا الرفع، بل ويتماشى والعقلية الشائعة في الحضارات القديمة والمؤمنة بهذه الظاهرة. والأمثلة على ذلك كثيرة. فهل نحن في حاجة إلى التنقيب عن مصدر العقيدة القرآنية المتعلقة بنهاية حياة المسيح في آراء الفرق الظاهرانية (Docetiste )؟¨، ” أليس في منطق الدعوة ذاته ما يفسر هذا الموقف الواضح في سائر الأنبياء من جهة، والذي يترك الباب مفتوحاً للتأويل واعتماد المعطيات التاريخية في أمر من جهة أخرى “. ويقول المؤلف أيضاً تحت عنوان: الصلب:

  ” من اليسير أولاً أن نسجل أن هذا الفرض لم يكن محل عناية كبيرة من قبل المفكرين المسلمين، رغم أنه غرض محوري في المنظومة اللاهوتية المسيحية ويحق لنا أن نتساءل عن علة هذا الإعراض النسبي، وهل ينم عن نوع من الحرج في مواجهة الرواية ذات الصبغة التاريخية المتعلقة بالصليب والسائدة في أوساط النصارى 00 بمجرد آية قرآنية؟ أم هل اعتبر المسلمون أن نظرية الفداء تسقط بطبيعتها إن لم ترتكز على أساس متين بعد النقد الصارم الذي وجه إلى عقيدتي التثليث والتجسد؟ “(3).

(4) وقال عبد الرحمن سليم البغدادي الذي كان عراقياً ولد وعاش ومات في بغداد (1832 – 1911)، وكان رئيساً لمحكمتها التجارية وانتخب نائباً في المجلس العثماني ” (وما قتلوه وما صلبوه) لا يفهم منها أن المسيح لم يمت قط، بل هو نص صريح في أن القتل والصلب لم يقعا على ذاته من اليهود فقط “. ربما يقصد إنما صلب على أيدي الرومان(4).

(5) وقال الأستاذ نبيل الفضل ” إن عملية الصلب لا يهم أن تكون على عمود رأسي وآخر أفقي كما في الصليب، بل قد تكون على عمود رأسي فقط. وصلب المسيح ربما كان على صليب ذي عمودين رأسي وأفقي، أو ربما على عمود رأسي فقط، فإن كان المسيح قد ُصلب على عمود رأسي فقط، فإن تعبير(صلب المسيح) يكون تعبيراً غير كامل. فتعبير صلب يجوز في حالة وجود عمود رأسي وأفقي، فإن كان عمود واحد فالأدق أن يكون التعبير هو (تعليق المسيح) لا (صلب المسيح). ورغم أن الحالتين تؤديان إلى الوفاة بالاختناق، إلا أن هذا يذكرنا بقول القرآن (وما صلبوه) “(4).

(6) وقال المفكر والفيلسوف الدكتور فؤاد حسنين على أستاذ الفلسفة ” قتلوه وما قتلوه، صلبوه وما صلبوه ولكن شبه لهم. قتلوا الجسد وما قتلوا الكلمة، صلبوا الجسد وصعدت الروح إلى خالقها  00″. ثم تحدث عن محاكمات المسيح وكلماته على الصليب واستهزاء اليهود به ثم قال ” أسلم يسوع روحه فصعدت إلى ربها راضية مرضية ” وتحدث عن صلب المسيح وموته باستفاضة وكذلك عن دفنه حتى وصل إلى قيامته من الموت فقال ” وموت المسيح على الصليب ليس هو معجزة المسيحية. والعكس هو الصحيح أعني قيامة المسيح من بين الموتى ” إلى أن ختم مقاله بقوله ” إذ قال الله يا عيسى أني متوفيك ورافعك إلي 000ألخ “(5).

(7) وكذلك تبني السيد أحمد ديدات وناشر كتبه السيد على الجوهري لقول الفرقة القاديانية التي تعتقد أن المسيح صلب على الصليب ولكنه لم يمت عليه بل أغمى عليه وأنزل من على الصليب حّياً(6)!!

 (8) بل وقال الأمير شكيب أرسلان في كتابه ” حاضر العالم “: ” قال درنغم (أحد المستشرقين): فقول القرآن (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) يذكرنا بأقوال العهد الجديد 000 إننا لو فرضنا وجوب أخذ هذه الآية على ظاهرها فلا مانع من ذلك حسب عقيدة الكنيسة نفسها، لأن آباء الكنيسة ما زالوا يقولون، إنه ليس ابن الله هو الذي صلبه اليهود، وأماتوه على الصليب، وإنما الطبيعة البشرية في المسيح. وهكذا لا يكون اليهود قتلوا كلمة الله الأبدية، ولكن يكونون قتلوا الرجل الذي يشبهها، واللحم والدم المتجسدين في بطن مريم “.

  ” وقال (المستشرق): فلا يكون القرآن فيما قاله بشأن الصلب إلا مؤيداً عقيدة الكنيسة الكبرى، وهي أن في المسيح طبيعتين: إلهية وبشرية، وأن القتل وقع على الطبيعة البشرية فقط 00″. وقال الأمير أرسلان معلقاً ” ولا نريد أن نفرغ من هذه المسألة بدون أن نعلق على بعض الملاحظات على ما قاله درنغم فيها. فأما ذهابه أن مراد القرآن بالآية الكريمة: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) إنما هو وقوع القتل على الجسد فقط، وأن الله بعد ذلك رفعه إليه، (فأن له وجها وجيهاً) لا سيما وأن آية أخرى: ” إذ قال الله يا عيسى أني متوفيك ورافعك إليّّ، ومطهرك من الذي كفروا) تعزز هذا الرأي “(7).   

(9) وقال الإمام محسن فاني في كتابه الدابستاني في القرن التاسع للهجرة ” أنه عندما قبض اليهود على عيسى، بصقوا عل وجهه المبارك ولطموه ثم أن بيلاطس حاكم اليهود جلده حتى أن جسمه من رأسه إلى قدمه صار واحدا 000 ولما رأى بيلاطس من إصرار اليهود على صلب عيسى وقتله قال ” أني بريء من دم هذا الرجل وأغسل يدي من دمه “، ” فوضعوا الصليب على كتف عيسى وساقوه للصلب “(8).

(10) وقال الكاتب الإسلامي المعروف خالد محمد خالد، بعد أن تكلم في فصل كامل عن محاكمات المسيح: ” لقد كان الصليب الكبير الذي أعده المجرمون للمسيح يتراءى له دوما “. ” المسيح قد حمل الصليب من أجل السلام “.” الصليب الذي حمله المسيح سيف أراد اليهود أن يقضوا على ابن الإنسان ورائد الحق “.

ثم قال ” وأريد للمسيح أن تنتهي حياته الطاهرة على صورة تشبه الأحقاد الملتوية، الملتاثة. لخراف إسرائيل الضالة “(9).

(11) ونقل الكاتب محمود أبو ريه فقرات كاملة من الإنجيل بأوجهه الأربعة خاصة بكلام المسيح قبل صلبه مباشرة وكلام المسيح وهو معلق على الصليب وعند قيامته. وذلك كحقيقة تاريخية(10).

(12) ويرى د. محمد أحمد خلف الله (في كتابه الفن القصصي في القرآن الكريم) أن القصة القرآنية لم يُقصد بها التاريخ، ولكن العظة والاعتبار ولذلك يُهمل الزمان والمكان، وهي تمثل الصور الذهنية للعقلية العربية في ذلك الوقت ولا يلزم أن يكون هذا هو الحق والواقع ومن حقنا أن نبحث وندقق. وهذا هو ما كتبه بالنص:

+ ” يدلنا الاستقراء على أن ظواهر كثيرة من ظاهرات الحرية الفنية توجد في القرآن الكريم، ونستطيع أن نعرض عليك منها في هذا الموقف ما يلي:

1 – إهمال القرآن حين يقص لمقومات التاريخ من زمان ومكان 000 “.

2 – اختياره لبعض الأحداث دون البعض، فلم يعن القرآن بتصوير الأحداث الدائرة حول شخص أو الحاصلة في أمة تصويراً تاماً كاملاً، وإنما كان يكتفي باختيار ما يساعده على الوصول إلى أغراضه.

3 – كما لا يهتم بالترتيب الزمني أو الطبيعي في إيراد الأحداث وتصويرها وإنما كان يخالف هذا الترتيب ويتجاوزه. 

4 – إسناده بعض الأحداث لأناس بأعينهم في موطن ثم إسناده نفس الأحداث لغير الأشخاص في موطن آخر.

5 – إنطاقه الشخص الواحد في الموقف الواحد عبارات مختلفة حين يكرر القصة.

6 – وجود مواقف جديدة لم تحدث في سياق القصة التي تصور أحداثاً وقعت انتهت. ” القرآن يجري في فنه البياني على أساس ما كانت تعتقد العرب وتتخيل، لا على ما هو الحقيقة العقلية ولا على ما هو الواقع العملي “.

” إن المعاني التاريخية ليست مما بلغ على أنه دين يتبع، وليست من مقاصد القرآن في شئ، ومن هنا أهمل القرآن مقومات التاريخ من زمان ومكان وترتيب للأحداث 00 إن قصد القرآن من هذه المعاني إنما هو العظة والعبرة أي في الخروج بها من الدائرة التاريخية إلى الدائرة الدينية. ومعنى ذلك أن المعاني التاريخية من حيث هي معان تاريخية لا تعتبر جزءاً من الدين أو عنصراً من عناصره المكونة له. ومعنى هذا أيضاً أن قيمتها التاريخية ليست مما حماه القرآن الكريم ما دام لم يقصده.

” إن ما بالقصص القرآني من مسائل تاريخية ليست إلا الصور الذهبية لما يعرفه المعاصرون للنبي من التاريخ، وما يعرفه هؤلاء لا يلزم أن يكون الحق والواقع، كما لا يلزم القرآن أن يصحح هذه المسائل أو يردها إلى الحق والواقع، لأن القرآن الكريم، كان يجئ في بيانه المعجز على ما يعتقد العرب، وتعتقد البيئة ويعتقد المخاطبون. ويضيف الكاتب أيضاً:

  ” إن القرآن الكريم لا يطلب الإيمان برأي معين في هذه المسائل التاريخية. ومن هنا يصبح من حقنا أو من حق القرآن علينا أن نفسح المجال أمام العقل البشري ليبحث ويدقق، وليس عليه بأس في أن ينتهي من هذه البحوث إلى ما يخالف هذه المسائل، ولن تكون مخالفة لما أراده الله أو لما قصد إليه القرآن لأن الله لم يرد تعليمنا التاريخ، ولأن القصص القرآني لم يقصد إلا الموعظة والعبرة وما شابههما من مقاصد وأغراض. ونوجز ما سبق فيما يلي:

1 – القصة القرآنية، قصة لا تتوافر فيها مقومات التاريخ، ولم يكن هدفها التاريخ بل العظة والاعتبار. وهي ما يعرفه المعاصرون للنبي من تاريخ، ولا يلزم أن يكون هذا هو الحق والواقع.

2 – هناك أقوال جاءت على لسان بعض الأشخاص، لم ينطقوا بها بل القرآن أنطقها على لسانهم.

3 – القرآن لا يطلب منا الإيمان برأي معين في هذه المسائل التاريخية ومن حقنا أو من حق القرآن علينا أن نبحث ونفتش لمعرفة الحدث التاريخي كما وقع ومخالفتنا للقصة القرآنية لا يمس القرآن.

   وإذا طبقنا هذه المبادئ على حادثة صلب المسيح نرى:

+ إن اليهود لم يقولوا أن المسيح هو رسول الله، وإن القول ” ما قتلوه وما صلبوه ” هو ما يعرفه بعض المعاصرين.

+ إن القرآن لا يطلب منا الإيمان بعدم قتل وصلب المسيح. إذا رأينا من الكتب المقدسة أو من التاريخ ما يؤكد حقيقة صلب وموت المسيح، فالواجب علينا أو من حق القرآن علينا أن نؤمن بذلك، ولهذا فالمسيح قد صلب ومات على الصليب.

  ” إن القرآن لم يقصد إلى التاريخ من حيث هو تاريخ إلا في النادر الذي لا حكم له، وأنه على العكس من ذلك عمد إلى إبهام مقومات التاريخ من زمان ومكان “.

  ” إن وصف عيسى بأنه رسول الله في قول اليهود الذي حكاه عنهم القرآن في قوله تعالى: (وقولهم إن قتلنا المسيح عيس بن مريم رسول الله)، لا يمكن أن يفهم على أنه قد صدر حقاً من اليهود فهم لم ينطقوا بهذا الوصف وإنما القرآن هو الذي أنطقهم به، ذلك لأن وصفه بالرسالة ليس إلا التسليم بأنه رسول الله وهم لم يسلموا بهذا، ولو سلموا بهذا لأصبحوا مسيحيين، ولما كان بينهم وبينه أي لون من ألوان العداء، ولما كان قُتل وصُلب. إن اليهود إنما يتهمون عيسى بالكذب، وينكرون عليه أنه رسول الله، ويذكرونه بالشر، ويقولون إنه ابن زنا وأن أمه زانية. يقول اليهود كل هذا وأكثر منه، ومن هنا لم يستطع العقل الإسلامي أن يسلم بأن وصف عيسى بأنه رسول الله قد صدر حقاً من اليهود “.

  ” مصادر القصص القرآني في الغالب هي العقلية العربية، فالقرآن لم يبعد عنها إلا القليل النادر، ومن هنا جاءت فكرة الأقدمين القائلة: إن القرآن ليس إلا أساطير الأولين، وذلك لأنهم نظروا فوجدوا الشخصيات القصصية والأحداث القصصية مما يعرفون “(11).

(13) الأستاذ على الجوهري: والذي ترجم عددا من كتب السيد أحمد ديدات والتعليق عليها، وكان رأيه في قضية موت المسيح، كما بينّا في الفصل السابق، هو كالآتي: ” إذا لم يكن معنى قوله سبحانه وتعالى: ولكن شبه لهم هو إلقاء شبه المسيح على شخص آخر غيره، فما هو معناها؟ هل لها معنى آخر، وما هو هذا المعنى الأخير؟ ثم يركز بعد ذلك على القول بعدم موت المسيح على الصليب وإنزاله من على الصليب حيا، مغمى عليه(12)!!!

  وقد تصور بذلك أنه حل مشكلتين الأولى عدم تاريخية ومعقولية ومنطقية إلقاء شبه المسيح على آخر، والثانية هي إبطال عقيدة الفداء بدم المسيح.

 إقرأ أيضاً:

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

هل صلب المسيح حقيقة أم شبه لهم؟ – القمص عبد المسيح بسيط

(1) تاريخ اليعقوبي حـ1:64.

(2) رسائل أخوان الصفا  جـ 4: 96و97.

(3) ” قبر المسيح في كشمير ” د. فريز صموءيل ص 139 و 140.

(4) المرجع السابق ص 141.

(4)  ” هل بشر المسيح بمحمد ” نبيل الفضل. رياض الريس للكتب والنشر. لندن. ص 72-73. مع قبر المسيح في كشمير ص 142.

(5) جريدة أخبار اليوم في 22/4/1970.

(6) أنظر كتاب ” صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء ” أحمد ديدات ترجمة على الجوهري.

(7) كتاب ” مقدمة في نشأة الكتابات الدفاعية بين الإسلام والمسيحية ” حسني يوسف الأطير، ص 25 – 28.

(8) عن كتاب ” إنجيل برنابا في ضوء العقل والدين ” لعوض سمعان ص 110.

(9) كتاب ” معا على الطريق محمد والمسيح ” ص 34و181.

(10) كتابه “محمد والمسيح أخوان ص 46.

(11) ” الفن القصصي للقرآن الكريم ”  محمد احمد خلف الله مع شرح وتعليق خليل عبد الكريم، وكتاب ” قبر المسيح في كشمير  ” د. صمويل فريز 151 – 155.

(12) أنظر تعليقه على كتاب ” أخطر مناظرات العصر، هل مات المسيح على الصليب؟ ” .

 

علماء مسلمون قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك – القمص عبد المسيح بسيط

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

 

نظرية إلقاء شبه المسيح على آخر تتعارض مع عدل الله وجلاله وعظمته ومع العقل والمنطق والتاريخ

1 – إشكالات روايات عدم صلب المسيح وإلقاء شبهه على آخر :

  لا يقدر أن يقول لنا أصحاب نظرية الشبه ، كما بينّا ، أن آية الشبه ذكرت كيفية إلقاء الشبه ومتى حدثت ومن هو الشبيه ومن هو المشبه به ، وكما يقول الشيخ أبو زهرة ” أن القرآن الكريم لم يبين لنا ماذا كان من عيسى بين صلب الشبيه ووفاة عيسى أو رفعه على الخلاف في ذلك ، ولا إلى أين ذهب ، وليس عندنا مصدر صحيح يعتمد عليه “.

وكما يقول الإمام الفخر الرازي في تعليقة على ما روي من روايات خيالية عن الشبه بقوله ” اختلفت مذاهب العلماء في هذا الوضع وذكروا وجوهاً 000 وهذه الوجوه متدافعة متعارضة والله أعلم بهذه الأمور “(1).

  وقال في تفسير الآية 175 من سورة النساء ، مكررا ما قاله الزمخشري في كشافه ” الأول : قوله شبّه مسند إلى ماذا ؟ أن جعلته إلى المسيح فهو مشبّه به وليس بمشبّه ، وأن أسندته إلى المقتول ، فالمقتول لم يجر له ذكر ؟ 00″ .

والثاني : أنه أن جاز أن الله تعالى يلقي شبهه (أي المسيح) على إنسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة فانا إذا رأينا زيدا فلعله ليس بزيد فأنه ألقي شبه زيد عليه .

وعند ذلك لا يبقى النكاح والطلاق والملك موثوق به ، وأيضا يفضي إلى القدح في التواتر 000 وذلك يوجب القدح في جميع الشرائع وليس مجيب أن يجيب عنه بأن ذلك مختص بزمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنا نقول لو صح ما ذكرتم فذاك إنما يعرف بالدليل والبرهان فمن لم يعلن ذلك الدليل والبرهان وجب أن يشي من المحسوسات ووجب أن لا يعتمد على شيء من الأخبار المتواترة 0000 وبالجملة ففتح هذا الباب يوجب الطعن في التواتر والطعن فيه يوجب الطعن في نبوة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ” .

  كما أن القول بعدم صلب المسيح وإلقاء شبهه على غيرة يوقع القائلين به في جملة مشاكل دينية يلخصها الأمام الفخر الرازي في تفسيره لسورة آل عمران 55 :

  ” من مباحث هذه الآية موضع مشكل وهو أن نص القرآن دال على أنه تعالى حين رفعه ألقى شبهه على غيره 000 والأخبار أيضا واردة بذلك إلا أن الروايات اختلفت في ذلك فتارة يروى أن الله تعالى ألقى شبهه على بعض الأعداء الذين دلوا اليهود على مكانه 000 وتارة يروى أن رغّب بعض خواص أصحابه في أن يلقي شبهه (عليه) حتى يقتل مكانه . وبالجملة فكيفما كان  ففي إلقاء شبهه على غيره إشكالات :

(1) الإشكال الأول : إنّا لو جوَّزنا إلقاء شبه إنسان على إنسان آخر لزم السفسطة، فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانية فحينئذ أجوّز أن يكون هذا الذي رأيته ثانياً ليس بولدي بل هو إنسان أُلقي شبَهه عليه ، وحينئذ يرتفع الأمان على المحسوسات . وأيضاً فالصحابة الذين رأوا محمداً يأمرهم وينهاهم وجب أن لا يعرفوا أنه محمد، لاحتمال أنه أُلقي شبهه على غيره ، وذلك يُفضي إلى سقوط الشرائع .

وأيضاً فمدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس ، فإذا جاز وقوع الغلط في المبصرات كان سقوط خبر المتواتر أولى . وبالجملة ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات بالكلية .

(2) الإشكال الثاني : وهو أن الله تعالى كان قد أمر جبريل عليه السلام بأن يكون معه (مع المسيح) في أكثر الأحوال ، هكذا قال المفسرون في تفسير قوله (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ).

ثم إن طرف جناح واحد من أجنحة جبريل عليه السلام كان يكفي العالم من البشر ، فكيف لم يكفِ في منع أولئك اليهود عنه ؟ وأيضاً أنه عليه السلام  لما كان قادراً على إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء وعلى إسقامهم وإلقاء الزمانة (العاهة) والفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين عن التعرض له ؟

(3) الإشكال الثالث : إنه تعالى كان قادراً على تخليصه من أولئك الأعداء بأن يرفعه إلى السماء ، فما الفائدة في إلقاء شبهه على غيره ، وهل فيه إلا إلقاء مسكين في القتل من غير فائدة إليه ؟

(4) الإشكال الرابع : إنه إذا ألقى شبهه على غيره ثم إنه رُفع بعد ذلك إلى السماء ، فالقوم اعتقدوا فيه أنه عيسى مع أنه ما كان عيسى ، فهذا كان إلقاءً لهم في الجهل والتلبيس . وهذا لا يليق بحكمة الله تعالى .

(5) الإشكال الخامس : إن النصارى على كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها وشدة محبتهم للمسيح عليه السلام ، وغلوّهم في أمره أخبروا أنهم شاهدوه مقتولاً ومصلوباً ، فلو أنكرنا ذلك كان طعناً فيما ثبت بالتواتر ، والطعن في التواتر يوجب الطعن في نبوة محمد، ونبوة عيسى ، بل في وجودهما ، ووجود سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وكل ذلك باطل .

(6) الإشكال السادس : أنه بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً ، فلو لم يكن ذلك عيسى بل كان غيره لأظهر الجزع، ولقال : إني لست بعيسى بل إنما أنا غيره ، ولبالغ في تعريف هذا المعنى ، ولو ذكر ذلك لاشتهر عند الخلق هذا المعنى ، فلما لم يوجد شيء من هذا علمنا أن ليس الأمر على ما ذكرتم . فهذا جملة ما في الموضع من السؤالات “(2).

  وبالرغم من أنه علق على هذه الإشكالات إلا أن تعليقة كان غير مقنع سواء له أو لغيره ، إذ يقول في رد مقتضب :

أ – ” الجواب عن الأول : إن كل من أثبت القادر المختار، سلَّم أنه تعالى قادر على

أن يخلق إنساناً آخر على صورة زيد مثلاً ، ثم إن هذا التصوير لا يوجب الشك المذكور ، فكذا القول فيما ذكرتم ” !!!

  ونقول هل حدث مثل ذلك في تاريخ البشرية والإجابة بالقطع كلا !!!

ب –  ” والجواب عن الثاني : إن جبريل عليه السلام لو دفع الأعداء عنه أو أقدر الله تعالى عيسى عليه السلام على دفع الأعداء عن نفسه لبلغت معجزته إلى حد الإلجاء (أي اضطرار الله إلى إجراء تلك المعجزة) ، وذلك غير جائز ” !!!

  ونقول على العكس لو كان الله قد أنقذه بواسطة ملاك لظهرت عظمته وآمن به اليهود ، ونسأل ونقول وهل إلقاء شبهه على آخر ليس فيه إلجاء واضطرار ؟؟!!

ج – ” والجواب عن الثالث : فإنه تعالى لو رفعه إلى السماء وما ألقى شبهه على الغير لبلغت تلك المعجزة إلى حد الإلجاء (أي اضطرار الله إلى إجراء تلك المعجزة) ” .

  والسؤال هنا أيهما أكرم وأليق بجلال الله وعظمته ؟ أن يرفعه أمام الجميع فتظهر قدرة الله أم يخدعهم ويلقي بشبهه على آخر ؟؟!!!

د – ” والجواب عن الرابع : إن تلامذة عيسى كانوا حاضرين ، وكانوا عالمين بكيفية الواقعة ، وهم كانوا يزيلون ذلك التلبيس ” .

  ونقول أنه ولا واحد من تلاميذ المسيح قال بغير صلب المسيح !!!!!!

ر – ” والجواب عن الخامس : إن الحاضرين في ذلك الوقت كانوا قليلين ودخول الشبهة على الجمع القليل جائز والتواتر إذا انتهى في آخر الأمر إلى الجمع القليل لم يكن مفيداً للعلم ” .

  ونقول هل تدخل الشبهة على أمه وأخت أمه وتلميذه يوحنا ومن كان معهم من التلاميذ غير المعلنين مثل يوسف الرامي ونيقوديموس ، أم على اليهود الذين كانوا حاضرين الصلب والذين جال يبشر بينهم يعلمهم ويصنع المعجزات وكانوا  يلتفون حوله بعشرات الألوف ، أم على الجنود الرومان الذين كانوا يقومون بعملية الصلب ، أم سمعان القيرواني الذي كان يشاركه في حمل الصليب ؟؟!!

س – ” والجواب عن السادس : إن بتقدير أن يكون الذي ألقي شبه عيسى عليه السلام عليه كان مسلماً وقبل ذلك عن عيسى ، جائز أن يسكت عن تعريف حقيقة الحال في تلك الواقعة ” .

  تقول كل تفاصيل المحاكمة والصلب أن المحاكم والمصلوب كان هو المسيح وهذا ما دلل عليه بأقواله وتصرفاته !!!!

  ثم يختم بقوله ” وبالجملة فالأسئلة التي ذكروها أمور تتطرق الاحتمالات إليها من بعض الوجوه . ولما ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد في كل ما أخبر عنه ، امتنع صيرورة هذه الأسئلة المحتملة معارضة للنص القاطع ، والله وليّ الهداية ” .

  هذا هو تعليق الرازي وتعليقنا عليه .

  ولأن هذه الردود غير مقنعة ، حتى له هو نفسه كما هو واضح . لذا فسر بعض العلماء المسلمين الآية باعتبار أنها لا تنفي الصلب .

2 – تعليق على هذه الإشكالات :

  ويعلق الأستاذ على الجوهري الذي بنى مفهومة في تفسيره لآية سورة النساء على حقيقة الصلب ولكنه قال بعدم موت المسيح على الصليب معتقداً أن عدم موته على الصليب ينفي القصد من صلبه ويحقق تفسير الآية بشكل يتفق مع المنطق

وحقائق التاريخ ، فيقول(4):

  ” أهم الأسئلة فيما يتعلق بمسألة صلب المسيح أو نهاية شأن المسيح مع قومه كما أفضل أن اسميها هي : ما هو معنى الصلب ؟ هل الصلب هو مجرد وضع شخص على الصليب سواء مات من جراء الصلب أو لم يمت لأي سبب من الأسباب ؟ أم أن الصلب لا يتم إلا إذا مات الشخص المحكوم عليه بالصلب على الصليب ؟ إن تحديد معنى الصلب بالإجابة على هذه الأسئلة الهامة يجعلنا نعرف على وجه الدقة  ما إذا كانوا قد قتلوه وصلبوه ، أو أنهم (ما قتلوه وما صلبوه) .

  ” جدير بنا أن ندقق في معنى الفعل المبني للمجهول (صُلب) . يقال عن شخص إنه صُلب إذا كان مات على الصليب ويقال عن شخص إنه (أُغرق) إذا كان قد مات إغراقاً تحت الماء ، أما إذا كان بعض الناس حاولوا إغراق شخص تحت سطح الماء بهدف قتله ولم يمت هذا الشخص تحت الماء لأي سبب فإنهم لم يغرقوه.

يجوز أن يكونوا قد شرعوا في قتله بإغراقه ، ولكنهم في حقيقة الأمر (ما قتلوه وما أغرقوه) ، حيث أنه لم يمت تحت سطح الماء من جراء إغراقهم له ، في محاولتهم قتله تحت سطح الماء . وهكذا لو وُضِع شخص على الصليب ولم يمت من جراء الصلب لا يجوز أن نقول عنه أنه صُلب . ربما كان هذا شروعاً في قتله صلباً ، ولكنهم (ما صلبوه) ” .

  ولكنا نقول لسيادته نتفق معك في الجزء الأول من حديثك أن اليهود دفعوا الرومان لصلب المسيح ليتخلصوا منه ومن رسالته ، أما الجزء الثاني فقد تحقق لا بعدم موته على الصليب بل بقيامته من الأموات في اليوم الثالث ، وفي هذه الحالة يكون قوله ” ما صلبوه وما قتلوه ” يعني أن قصدهم وخطتهم في القضاء عليه لم ينجحا لأنه قام من الأموات وظهر لتلاميذه وأرسلهم للكرازة به في كل العالم .

  ثم يوضح الأستاذ على الجوهري رأيه في نظرية إلقاء شبه المسيح على شخص آخر بقوله : ” لأن إلقاء شبه المسيح على شخص غير المسيح إنما هو نظرية قال بها المفسرون ، إنها رأي المفسرين ، ومن المعروف أن المفسرين يلزم كل منهم أن ينظر في تفسير من سبقه من المفسرين . هذا بطبيعة الحال من ضرورات التصدي لمحاولة تفسير آيات القرآن الكريم . ونظرية إلقاء الشبه غير مستساغة  وغير معقولة لأسباب هامة كثيرة :

أولاً : لا دليل عليها ، ولتكون نظرية مستساغة ومقبولة ومعقولة يلزم أن تتوافر لها أدلة على صحتها . ونظرية إلقاء شبه المسيح على شخص غيره لا ينهض  دليل على صحتها ، وتنهض أدلة على عدم صحتها

لقد اضطر المفسرون المسلمون إلى القول بنظرية إلقاء الشبه إجابة وحيدة لسؤال فرض نفسه هو : إذا كان المسيح ما قتلوه وما صلبوه ، فماذا حدث له ؟ وكيف نجا من القتل والصلب؟ ويجوز أن يوضع شخص على الصليب بقصد قتله صلباً ، ولا يكون هذا الشخص قد قُتل أو صُلب إذا لم يمت على الصليب .

ثانياً : لأن إنكار وضع المسيح على الصليب يتعارض مع شهادة شهود العيان

وشهادة شهود العيان في هذه الجزئية بالذات لا تشوبها شائبة تناقض أو خلاف بين الشهود . كل شهودهم مجمعون عليها في مسألة القبض على المسيح ووضعه على الصليب يستحيل بحق إهدار شهادة شهود العيان، وكذلك وقائع محاكمة المسيح أمام السنهدرين وأمام الحاكم الروماني بيلاطس. قبضوا عليه، وحاكموه ، ووضعوه على الصليب.

وشهد بذلك عشرات بل مئات من شهود العيان، ولا تناقض في شهادة شهود العيان بهذا الصدد يمكن التعويل عليه في رفض محتوى شهادتهم“.

  ” أليس المطلوب هو إثبات صدق القرآن الكريم فيما أخبر به من أن أعداء المسيح ما قتلوه وما صلبوه ؟ يتحقق المطلوب دون حاجة إلى الاعتماد في ذلك على التسليم بنظرية إلقاء الشبه ، ودون أن نصطدم بضرورة إهدار شهادة الشهود في مسألة يستحيل فيها إهدار شهادة الشهود . ومن المعلوم أنه في بعض الحالات يمكن التدليل على فساد شهادة الشهود ، وفي حالات أخرى لا يكون هنالك سبيل إلى إهدار شهادة الشهود .

والقبض على المسيح ووضعه على الصليب من المسائل التي لا يجوز إهدار شهادة الشهود بشأنها – والحق يقال – بأي حال من الأحوال . إنهم مجمعون عليها ، ولا تناقض داخلي بشأنها ، والحق يقال أيضاً ولا ينبغي كمسلمين  أن نجادل بالباطل أبداً . إن الله سبحانه وتعالى يأمرنا بذلك . أن الله يأمرنا أن جادل بالتي هي أحسن . والاعتراف بالحقائق ، وعدم الجدال بالباطل إنما هما من أهم ركائز الجدل بالتي هي أحسن . هل يجادل بالتي هي أحسن من ينكر الحقائق ولا يعترف بها ” .

 ويضيف ” لأن التمسك بالمعنى الأول من معاني انتفاء الصلب بإنكار وضع المسيح على الصليب يعرض مصداقية القرآن الكريم ذاتها للخطر 000 إن مَثَلَ مَن يعارضون أن يكون أعداء المسيح قد وضعوه فعلاً على الصليب كمثل شخص حضر حفل زفاف صديق ، وأثناء الحفل وقعت حادثة قتل أُتهم فيها هذا الشخص وعندما يتم سؤال هذا الشخص : هل حضرت حفل زفاف صديقك أم لا ؟ يقول لا ، أنا لم أحضر حفل زفاف صديقي.

وإذا شهد شاهدان على أنه كان يجلس بينهما في ذلك الحفل نجد أن إنكار ذلك الشخص حضوره الحفل يسئ إلى موقفه في التحقيق ولا يفيده ” .

ثالثاً : إن نظرية إلقاء الشبه وردت في إنجيل برنابا وهذا هو الدليل الثالث على فسادها وعدم صحتها : ” إن الاحتجاج بورود هذه النظرية في إنجيل برنابا يكشف قبل أي شئ على أن هذه النظرية ليست من بنات أفكار أي مفسر مسلم ، بل هي

فكرة مسيحية 000 وفضلا عن ذلك نجد أن النصارى لا يعترفون بصحة إنجيل برنابا كله ، ولن نجد مسيحيا واحداً يعترف بصحته . سيقول لك على الفور أنه إنجيل مزيف منتحل لا صحة ولا حجة لكل محتواه . إنه أبوكريفا .

  ولا يصح لنا كمسلمين أن نقيم عقائدنا على أساس من نصوص إنجيل برنابا الذي لا يعترف النصارى به ولا يجوز أن نثق بنص من نصوص إنجيل برنابا “.

رابعاً : ” يوجد رابعاً سبب هام وهو عدم قدرة أي مفسر من القائلين بهذه النظرية على تحديد الشخص الذي أُلقي الله عليه شبه المسيح عليه السلام . يقول بعضهم – وراجع ما شئت أي تفسير موجز أو مطول – إن الله ألقى شبه سيدنا عيسى على يهوذا . ويقول بعضهم : إن الله ألقى شبه سيدنا عيسى على شخص يدعى طيطانوس .

ويقول بعضهم : إن الله ألقى شبه سيدنا عيسى على واحد من أتباعه تطوع لتحمل هذا المصير بدلاً من المسيح بعد أن وعده المسيح أن تكون له الجنة دون تحديد لهذا الشخص بشيء سوى أنه واحد من أتباعه . ويقول بعضهم : إنه واحد من حراس المسيح .

  وأنت تعرف يا صاحبي أنه يلزم تحديد شخص واحد بعينه ألقى الله عليه شبه سيدنا عيسى . وعدم تحديد شخص واحد بعينه يفسد هذا الادعاء تماماً من الناحية الشكلية البحتة . ولو مات رجل قتيلاً إثر طعنة سكين ، ويريد أحد أن يدافع عن أحد المتهمين بأن شخصاً آخر غير المتهم هو الذي طعنه بالسكين، لوجب عليه أن يحدد من هو هذا الشخص تحديداً قاطعاً . ولو تعددت الاحتمالات لأفضى ذلك إلى عدم تحديد القاتل وكان ذلك من مصلحة المتهمين جميعاً مهما كان عددهم كبيراً .

  ولا ريب أن تضارب آراء المفسرين على هذا النحو بصدد رأيهم ونظريتهم القائلة بإلقاء شبه المسيح على شخص آخر غير المسيح يضعف من نظريتهم هذه إلى حد الانهيار ” .

خامساً : ” وخامس الأسباب الدالة على فساد نظرية إلقاء الشبه هذه هو إن أي مفسر لا يستطيع أن يقول أو يدّعي أنه شاهد شبه المسيح يلقيه الله سبحانه وتعالى على شخص آخر . ولو زعم أحدهم هذا الزعم لكان زعمه باطلاً بطبيعة الحال . ويزداد هذا الزعم ضعفاً وانهياراً لو لم يملك من يزعمه أي دليل على صحته ” .

سادساً : ” ضمائر الغائب الكثيرة الموجودة في الآية الكريمة 000 ما شأن ضمائر الغائب الكثيرة الموجودة بالآية الكريمة ؟ وكيف تدل على خطأ المفسرين في القول بنظرية إلقاء شبه المسيح على شخص آخر غير المسيح ؟

  نعرف جميعاً إن ضمائر الغائب المفرد لا بد من إرجاعها إلى شخص تعود عليه ضمائر الغائب.

والمعقولية شرط لصحة إرجاع ضمير الغائب إلى من يُفترض رجوع ضمير الغائب إليه 000 (وقد) اختلف المفسرون الإسلاميون بشأنه اختلافاً  كبيراً ولم يصب أحدهم الرأي الصواب في إرجاع هذه الضمائر إلى من تعود عليه بشكل قاطع حتى الآن، أنهم جميعاً يرجحون إرجاع ضمير الغائب إلى المسيح في قول الله سبحانه وتعالى: “وما قتلوه وما صلبوه صحيح تماماً ولكن الاستمرار في إرجاع ضمير الغائب إلى المسيح في بقية الآية الكريمة خطأ وغير مقبول ، ويربك المعنى الصحيح للآية الكريمة ” .

  ” فإذا وصلنا إلى قول الله سبحانه وتعالى: ” وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا إتباع الظن وما قتلوه يقيناً ” . أرجو منك يا صاحبي أن نحدد ضمائر الغائب المفردة في هذا الموضع من الآية الكريمة 000 إن ضمائر الغائب المفرد كثيرة في هذا الموضع من الآية الكريمة . قلت : وقد أرجعها المفسرون المسلمون كلها إلى المسيح إن ضمائر الغائب المفرد المتكررة في هذا الموضع تعود إلى اختلافهم ، أي اختلاف أهل الكتاب من اليهود والنصارى في مسألة أن المسيح قد مات على الصليب أم لم يمت على الصليب.

هذه المسألة اختلفوا فيها ، هذا الشأن ” اختلفوا فيه ” وبدءاً من ضمير الغائب المفرد الموجود بآخر حرف الجر هنا تعود الضمائر على الشأن الذي ” اختلفوا فيه ” ولا تعود إلى المسيح عليه السلام . هل اختلفوا في أن الشخص الذي حاكموه وقبضوا عليه هو المسيح أو هو شخص آخر ؟ هذا احتمال ضعيف جداً وبالغ الضعف وعديم المعقولية. ويلزم أن يكون الرأي السليم سليماً في نظر كل الناس وليس في نظر المسلمين وحدهم

إن أعداء المسيح لو كانوا قد اختلفوا بشأن شخص المسيح وهل هو الشخص الذي حاكموه وقبضوا عليه ووضعوه على الصليب لكان الأقرب إلى المعقولية أن يتحروا ويدققوا ويحققوا هذه المسألة كل التحري والتدقيق والتحقيق. وليس من المعقول طبعاً أن يكون هدف أعداء المسيح هو قتل المسيح صلباً ثم يقبلون بسهولة وبساطة وسذاجة أن يقتلوا ويصلبوا شخصاً آخر غيره.

لو اختلفوا في شخص المسيح لكان الأقرب إلى الصواب والمعقولية أن يوقفوا إجراءات تنفيذ الحكم ليتحققوا أن شخص الإنسان الذي يقومون بتنفيذ الحكم عليه  . وهذا التحقق سهل ميسور لهم . وليس هناك أسهل من أن يحاوروا ويناقشوا الشخص الموجود بين أيديهم ليكتشفوا حقيقته ، خصوصاً أن اليهود لم يعمدوا إلى قتل المسيح غيلة ، بل أنهم استصدروا حكماً بقتله صلباً من الحاكم الروماني بيلاطس ” .

  ” إن مصلحتهم تفرض عليهم ذلك ، إنهم يريدون قتل وصلب شخص معين وليس قتل وصلب أي شخص آخر غيره ” . ” يقول الله سبحانه وتعالى : (ما لهم به من علم) وضمير الغائب الملحق بحرف الجر (به) يجعل المعني – والله أعلم بمراده – هو : ” ما لهم بشأن موته أو عدم موته على الصليب من علم ” .

  ” قال المفسرون : إن ضمير المفرد الغائب هنا يعود على المسيح ، ما لهم به من علم. هل هذا معقول؟ كيف يكون شهود العيان الموجودين حول الصليب الذي ُصلب عليه المسيح ما لهم بالمسيح من علم ؟ هل يكون المفسرون المسلمون الذين لم تطأ قدم أحدهم في الغالب الأعم مكان الصليب ، أعلم بالمسيح ، وبما لو كان هو الشخص الموجود على الصليب من كانوا شهود عيان لهذا الحدث التاريخي العظيم ؟ لقد مضت قرون وقرون بين الزمان الذي ولد فيه أولئك المفسرون وبين وقت هذا الحدث العظيم .

أما عندما يعود ضمير المفرد الغائب في هذا الموضع على شأن من الشئون هو عدم معرفة أعداء المسيح ما إذا كان المسيح قد مات على الصليب أم أنه لم يمت على الصليب ، نجد أن المعنى يتضح ويستقيم ويصبح معنى معقولاً مقبولاً والله أعلم بمراده 000 ” .

  ويعلق الأستاذ الجوهري على إشكالات الرازي بقوله : ” هيا نقتبس سطورا مما كتبه الإمام الفخر الرازي في تفسيره لهذه الآية الكريمة بدءاً من صفحة (515) بالجزء الخامس من طبعة دار الغد العربي بالقاهرة في تفسيره مفاتيح الغيب ، يقول الإمام الفخر الرازي ما نصه : ” وفي الآية سؤالان: السؤال الأول : قوله تعالى : (شبه) ُمسند إلى ماذا ؟ إن جعلته مسنداً إلى المسيح ، فهو مشبّه به وليس بمشبّه ، وإن نسبته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر ” .

ويضيف ” إن الإمام الرازي قد  استهل تفسيره للآية الكريمة ببحث الإسناد في قوله تعالى : (شبه) وتساءل : ُمسند إلى ماذا ؟ ولتكون فكرة الإسناد واضحة يا صاحبي دعني أنشط ذاكرتك لتفهم بوضوح المقصود بالإسناد الذي يشير إليه الإمام الرازي .

لو قلت : (ضرب عمرو زيداً) فالضرب مسند وعمرو مسند إليه ، ولما كان فعل (شبه) في الآية في صيغة المبني للمجهول ، وحسب نظرية إلقاء الشبه التي سبق أن أشرنا إليها وإلى فسادها لا بد من وجود الحيرة وعدم القدرة على الفهم

والسؤال بصيغة أخرى يمكن أن يُصاغ هكذا : ” إذا كان أعداء المسيح حول الصليب ، قد شبه لهم ، فماذا شبه لهم بالضبط ؟ هل شبه لهم أنهم قتلوا شبيه المسيح على الصليب ، وبذلك يكون الأمر قد اختلط عليهم مرتين لا مرة واحدة ، اختلط عليهم الأمر في المرة الأولى إذ خُيِّل إليهم وظنوا أن الله قد ألقى شبه المسيح على غيره ، وخيل إليهم في المرة الثانية وظنوا واحتاروا ولم يستطيعوا أن يقطعوا برأي فيما كانوا قد قتلوا شبيه المسيح أم قتلوا المسيح ؟”.  

 ثم يقول ” والقول بنظرية إلقاء شبه المسيح على غيره لا يثبت لتمحيص بيننا كمسلمين ، ولا يثبت لجدل بيننا وبين خصوم الإسلام ” .

وبعد أن يفند على الجوهري نظرية إلقاء شبه المسيح على شخص آخر يذكر ما يؤمن به هو : ” إذا لم يكن معنى قوله سبحانه وتعالى : ولكن شبه لهم هو إلقاء شبه المسيح على شخص آخر غيره ، فما هو معناها ؟ هل لها معنى آخر ، وما هو هذا المعنى الأخير ؟ نعم معناها هو : ولكن اختلط الأمر عليه ، اختلط عليهم ما إذا كان المسيح قد مات على الصليب فينزلونه ويدفنونه أم أنه لم يمت على الصليب . لقد اختلفوا بهذا الشان فعلاً ” .

وهكذا يتضح لنا أن نص سورة النساء غير الواضح في مسألة صلب المسيح أوقع الجميع في حيرة مما جعل البعض يعتمد على الخرافات ، أو ما يسمى بالإسرائيليات ، والبعض الآخر يؤلف روايات من وحي خياله ، والبعض يصر على الإيمان بالنص كما هو ولكنه يفسره هو أيضا فيقول أنه ينفي الصلب عن  المسيح ، والبعض يحاول أن يوفق بين النص وبين المنطق والعقل والتواتر والحدث التاريخي لصلب المسيح والمسجل في كل كتب التاريخ والتي لا تقول شيء مطلقا بل ولا تعرف شيء مطلقا عن نظرية الشبه !!!!!

3 – إلقاء شبه المسيح على آخر يوقع البشرية في ضلالة كبرى :

أن القول بإلقاء شبه المسيح على آخر وصلبه بدلا عنه واعتقاد كل من اليهود والرومان وتلاميذ المسيح ورسله وأمه العذراء القديسة مريم بأن الذي صلب هو المسيح ثم كرزوا في العالم أجمع بأن الذي صلب هو المسيح وآمن الملايين ، بل المليارات ، عبر التاريخ أن المسيح هو الذي صلب ، في حين أن الذي صلب ، حسب نظرية الشبه ، هو آخر غير المسيح فماذا تكون النتيجة ؟؟!! والإجابة هي ضلالة كبرى لا مثيل لها في تاريخ الكون !!!!

فقد اعتقد اليهود أنهم قتلوا المسيح ، وهذا ما شهد به القرآن ” وقولهم أنا قتلنا المسيح

“وشاع ذلك بين الأمم ، وهذا ما حدث أيضا وسجله المؤرخون ، ولكن الأهم والأخطر هو أن تلاميذ المسيح ورسله الذين أعدهم للكرازة بإنجيله في العالم كله ، قد شاهدوا المصلوب وآمنوا أنه المسيح وبشروا في كل مكان أن الذي صلب هو المسيح !!! بل وجمعوا الإنجيل ، بالروح القدس ، ودونوا فيه حادثة الصلب تفصيليا لدرجة أنها تكون ثلث الإنجيل ، بل وهي محور كرازة الرسل ” نحن نكرز بالمسيح مصلوبا ” (1كو23:1) 

وبسبب كرازتهم وبشارتهم بالمسيح مصلوبا آمن الملايين ، بل والمليارات منذ القرن الأول وحتى الآن، بل وقد يصل الذين يؤمنون بذلك منذ القرن الأول وحتى نهاية العالم مليارات المليارات ، ولو افترضنا صحة نظرية إلقاء شبه المسيح على آخر تكون هذه المليارات من البشر قد آمنت بخدعة وضلالة كبرى !!!

والسؤال هنا هو من الذي أوقع هذه المليارات في هذه الخدعة وهذه الضلالة الكبرى ؟؟؟!!! وبمعنى آخر ؛ من هو الذي خدع البشرية وأوقعها في هذه الضلالة الكبرى ، المزعومة ؟؟!! ولو سرنا مع أصحاب نظرية الشبه فستكون النتيجة  مريعة وغير منطقية وغير معقولة ، فلو افترضنا ، معهم ، أن الذي ألقى شبه المسيح على آخر هو الله !! فستكون النتيجة ، بحسب هذه النظرية ، أن الله هو  الذي خدع البشرية وأوقعها في هذه الضلالة الكبرى ، فهل يقبل العقل ذلك ؟؟!!

وحاشا لله من ذلك وتعالى عنه علوا كبيراً!! فهذا يعني عدة أمور لا يقبلها عقل ولا منطق ؛ وهي أنها تنسب لله الجهل والعجز والخداع والغش وعدم تقدير الأمور ، بل والظلم 000 ألخ .

وحاشا لله من ذلك وتعالى عنه فلم يكن الله في حاجة إلى مثل هذه الوسيلة التي لا تعني إلا الغش والتضليل والخداع ، لأنه لو فرضنا صحة هذه النظرية فماذا كانت النتيجة ، نقول هي سقوط الملايين بل والمليارات عبر مئات وآلاف السنين من

الذين أمنوا بذلك في الضلال !!! ومن الذي أضل هذه الملايين بهذه الخدعة ، هل نقول أنه هو الله ، ونقول ؛ حاشا وكلا وتنزه الله عن ذلك ؟؟؟!!!!!!! وهل يجرؤ أحد أن يقول أن الله هو الذي ألقي شبه المسيح على غيره وترك الناس تسقط في هذه الضلالة الكبرى ؟؟؟ !!! ونقول حاشا لله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ً !!! فهذا لا يتفق مع العقل والمنطق ولا مع قداسة الله وعظمته وجلاله وقدرته الكلية !!!

كما أن هذه النظرية تصور لنا الله بالطريقة التي يتصور بها الذين يؤمنون بتعدد الآلهة آلهتهم التي الذين يتآمرون ويغشون ويخدعون ، فالله ، بحسب هذه النظرية يبدو وكأنه قد فوجئ باليهود وهم يقبضون على المسيح وقد عجزت حيلته وقدرته على إنقاذ مسيحه ولم يستطع أن ينقذه من أيديهم إلا بإلقاء شبهه على آخر ، لكي ينقذه من يديهم بهذه الوسيلة مهما كانت نتيجتها !!!!!!!!! ونتيجتها هي إنقاذ شخص واحد ، فرد مهما كانت مكانته على حساب المليارات من البشر ؟؟؟!! وأكرر حاشا لله من ذلك وتعالى عنه علوا كبيرا !!!!

  كما أن القرآن يقول ” وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ” ، فهل من الهدى والنور أن يقع كل من يؤمن به ، بحسب هذه النظرية في الضلالة ؟؟؟!!! هل يرسل الله المسيح لهداية البشر ثم ينقذه من اليهود بوسيلة تكون هي السبب في ضلال البشر  ؟؟؟!! وهل يتفق الهدى مع الضلال ؟؟؟!!! وهل يتفق هذا مع حب الله غير المحدود للبشرية ؟؟؟!!! ونكرر حاشا لله من ذلك وتعالى عنه علوا كبيرا !!!!

  يقول الكتاب المقدس ” معلومة عند الرب منذ الأزل جميع أعماله ” (18:15) ، ويؤكد لنا الإنجيل بأوجهه الأربعة أن المسيح لم يكن يعمل شيئاً بالمصادفة أو حسب الظروف ، إنما كان كل ما يعمله مرتباً ترتيبا سابقا قبل خليقة العالم ، بحسب ترتيب أزلي سابق ، فعندما كان يقوم بعمل معجزة ما أو يعلم تعليم ما لم يكن بدون ترتيب سابق ، لهذا لم يناقض نفسه أبدا ولم يغير كلامه مطلقاً ، وعلى سبيل المثال فعندما حضر عرس في قانا الجليل ونفذت الخمر من العرس ، وكانت

العذراء القديسة مريم قد عرفت بالروح القدس أنه سيصنع لهم معجزة ، ” قالت له ليس لهم خمر ” ، ولأنه كان يعمل كل شيء في وقته وبحسب ترتيب إلهي دقيق قال لها ” لم تأت ساعتي بعد ” ، أي لا يزال على صنع هذه المعجزة المطلوبة وقت حتى لو كان هذا الوقت مجرد لحظات ، فقالت هي بالروح القدس للخدام ” مهما قال لكم فافعلوه ” وفي الوقت المعين ، وبعد الحديث مع العذراء ليس بكثير قال للخدم ” املأوا الأجران ماء . فملأوها إلى فوق . ثم قال لهم استقوا الآن ” (يو1:2-8) .

وفي قصة إقامة لعازر من الموت ، يقول الكتاب ” وكان إنسان مريضا وهو لعارز 000 فأرسلت الأختان إليه قائلتين يا سيد هوذا الذي تحبه مريض فلما سمع يسوع قال هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله به 000 فلما سمع انه مريض مكث حينئذ في الموضع الذي كان فيه يومين 000 وبعد ذلك قال لهم .

لعازر حبيبنا قد نام . لكني اذهب لأوقظه . وكان يسوع يقول عن موته . وهم ظنوا انه يقول عن رقاد النوم ” (يو1:11-13) . وقد ترك المسيح لعازر حتى مات وظل في القبر أربعة أيام لكي يقيمه من الموت بعد أن تعفن جسده ويصبح رميما ، فيتمجد من خلال عمله هذا المسيح كابن الله ويتمجد الله في ذاته .

وهكذا لا يتم عمل الله بالمصادفة أو بحسب الظروف إنما بترتيب إلهي سابق . ولا يمكن بل ومن المستحيل أن يكون الله قد رتب لخديعة البشر وغشهم وإيقاع مليارات الناس في هذه الضلالة الكبرى !!! ونكرر حاشا لله من ذلك !!!

إقرأ أيضاً:

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

هل صلب المسيح حقيقة أم شبه لهم ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

(1) التفسير الكبير للرازي جـ 3 : 35 .

(2) التفسير الكبير جـ 2 : 466 .

(4) أخطر المناظرات ، هل مات المسيح على الصليب ؟ مناظرة بين داعية العصر أحمد ديدات والبروفيسور فلويد كلارك ، ص 82 – 110 .

 

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

شهادة المؤرخ المسلم المقريزي لظهور النور المقدس في كنيسة القيامة

شهادة المؤرخ المسلم المقريزي للنور المقدس في كنيسة القيامة

شهادة المؤرخ المسلم المقريزي للنور المقدس في كنيسة القيامة

يعترض الإخوة المسلمون بغير دليل على معجزة ظهور النور المقدس كل عام، لما تمثله هذه المعجزة من مواجهة فكرية صادقة مع بعض الأفكار القائلة بعدم صلب المسيح، وعلى الرغم من أن القرآن لم يقل أبداً أبدًا بعدم صلب المسيح، إلا أنه هناك إعتقاد سائد عند الكثيريين منهم أن المسيح لم يصلب (يمكنكم مراجعة الموضوع هنا)، فعندما يجد الإخوة المسلمين النور المقدس يظهر كل عام في ذات الموعد يطرح البعض إعتراض مفاده أن هذا النور المقدس ما هو إلا خدعة نقوم بها نحن المسيحيين لإضلال العوام.

ويقولون أن هذا النور المقدس ينتج من مادة تسمى بالفسفور الأبيض (يمكنكم مراجعة الرد على هذا الإدعاء تفصيلياً هنا وهنا)، لكن بعيدا عن الرد العلمي الخاص بالفسفور الأبيض، فهناك رد تاريخي، حيث أن الفسفور الأبيض ليس مادة طبيعية ولكن مادة مصنعة حيث يعود اكتشاف الفسفور الابيض لاول مرة في التاريخ إلى القرن السابع عشر وتحديدا سنة 1669م بواسطة هينيج براند بهامبورج (Henning Brand)، مما يعني أن هذه المادة لم تكن موجودة ومستخدمة قبل القرن الـ 17.

لكن الحقيقة أننا لدينا شهادات تاريخية لعلماء الإسلام أنفسهم يشهدون على حدوث النور المقدس قبل القرن الـ 17، أي قبل وجود ما يسمى “الفسفور الأبيض” مما يبطل إدعاء الإخوة المسلمين أننا نخدع العوام بالفسفور الأبيض، وفي هذا الموضوع سنتعرض لشهادة أحد أعلم أعلام شيوخ الإسلام ومؤرخيه، حيث يشهد بحدوث هذه المعجزة وهذا ما يعنينا، ولا يعنينا هنا من شهادة المقريزي إلا شهادته لحدوث هذا النور قبل إكتشاف تركيب الفسفور الأبيض، حيث أن المقريزي توفى في عام 1442م أي في القرن الخامس عشر.

والفسفور الأبيض مكتشف في القرن السابع عشر، مما يبطل حجة الأخوة المسلمين في الفسفور الأبيض، ويكون عليكم تكذيب المؤرخ المقريزي بل وأيضا شيخ الإسلام بن تيمية الذي شهد هو أيضا للنور المقدس وقد أفردنا موضوعا خاصا بشهادته تلك يمكنكم مراجعته هنا، بالطبع هذا كله بغض النظر عن الرد العلمي التاريخي الموسع الذي ناقشناه في الموضوعات التالية:

الرد علي موضوع خديعة النور المقدس بالأدلة

تاريخ ظهور النور المقدس والرد على الأسئلة والتشكيكات المُثارة ضده | بيشوي مجدي

 

شهادة المؤرخ المقريزي عن يوم سبت النور وعن ذكر النور المقدس الذي لا يعتقد انه عمل اعجازي لكنه يقول انه من مخازيق النصاري ويبدو انه يقصد انه عمل خارق يقوم به النصاري لا يجد له تفسير وهو ما يؤكد أصالة هذه المعجزة منذ مئات الاعوام. ويذكر انه اليوم الثالث بعد خميس العدس وهو الاسم الشائع لخميس العهد حيث كان المسيحيون يأكلون العدس فيه.
المصدر من كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي

( المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والاثار صفحة – ط: دار الكتب العلمية – بيروت – جزء 2 صـ 31)
سبت النور: وهو قبل الفصح بيوم، ويزعمون: أن النور يظهر على قبر المسيح بزعمهم في هذا اليوم بكنيسة القيامة من القدس، فتشعل مصابيح الكنيسة كلها، وقد وقف أهل الفصح، والتفتيش على أن هذا من جملة مخاريق النصارى، لصناعة يعملونها، وكان بمصر هذا اليوم من جملة المواسم، ويكون ثالث يوم من خميس العدس، ومن توابعه.

(إضغط على الصورة لتراها بالحجم الأكبر)

شهادة المؤرخ المسلم المقريزي لظهور النور المقدس

(إضغط على الصورة لتراها بالحجم الأكبر)

 

شهادة المؤرخ المسلم المقريزي للنور المقدس في كنيسة القيامة

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

فتاة مسيحية تتعرض لقص شعرها في مترو الأنفاق من إمراة منقبة

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

لطالما اعترف العلماء الأرثوذكسيون بأهميّة مسألة التأويل في أبعادها المختلفة: التفسيرية، اللاهوتيّة والمسكونيّة[1]. فيما سعى المفكّرون الأرثوذكس نحو شرح التأويل الأرثوذكسي، تعاطى نتاجهم الأدبي بصورة أولية مع مظاهر عامة المسالة. لقد كتبوا جميعاً، بصورة افتراضية، من ضمن الأمانة للتقليد. بالنسبة إليهم، ليس لمسألة التأويل الإلحاحيّة ذاتها كما عند الغربيّين، لأن الأرثوذكس لا يفترضون مسبقاً إشكاليات الإصلاح ولا إشكاليّات التنوير.

بالطبع، تأثّر المسيحيّون في كل مكان، بمن فيهم الأرثوذكس، بميزات التنوير عبر العلم والتربية والتكنولوجيا والعلمانية. لكن المفكرين الأرثوذكس يحسّون أنّ لديهم أدوات نظرية وتطبيقيّة للسيطرة على الحضارة المعاصرة طالما أنّهم لا يذعنون للافتراضات المسبقة والثنائيات المسبقة والثنائيات الخاطئة التي في الإشكاليات الغربيّة.

هم يدركون أن المسألة الملحّة في التأويل بالنسبة إليهم هي على مستوى الحياة وليست على مستوى المبادئ النظريّة التي تحتاج، مع ذلك، إلى إيضاح. شعارهم هو الممارسة القويمة التي تتضمّن رؤية واسعة من التجدد بحسب الأصول الكنسية واللاهوتية الأرثوذكسيّة، بما فيها إعطاء الصوت الكامل لشهادة الكتاب المقدّس عبر العلم السليم.

مع ذلك، لا تتمّ الشهادة الأرثوذكسية الحيّة بمعزل عن الجهود لصياغة علم تفسير واضح في العبارات العامّة والخاصة. بالنسبة إلى الأرثوذكس، أسس جورج فلوروفسكي الإطار الواسع للمناقشة بتحديد خُلُق ethos الكنيسة الأرثوذكسيّة مستعملاً تركيبة آبائية جديدة neopatristic… هي اليوم مهمّة اللاهوت الأرثوذكسي وهدفه[2]. بحسب فلوروفسكي، تضمّ التركيبة الآبائية الجديدة بعدين لا يمكن فصلهما: لاهوتيّ وروحيّ.

أحد البعدين هو عقائدي مؤسّس على الأسرار الخريستولوجيّة الثالوثية المفهومة والمحتَفَل بها على أنها حقيقة خلاصيّة. أما البعد الآخر فهو روحيّ مثبّت على استعادة “فكر الآباء”، الذي هو رؤية بصيرة خلاقة متأصّلة في الإيمان والخليقة الجديدة ضمن حياة الكنيسة جسد المسيح. هذان البعدان لا ينفصلان لأن الحقيقة المطلّقة ليست مبدأ مجراً بل هي شخص، أي المسيح. ممارسة اللاهوت يجب أن تتمّ، بحسب القديس غريغوريوس اللاهوتيّ، على طريقة الرسل، وليس على طريقة أرسطو[3].

كتب فلوروفسكي: “بمعزل عن الحياة في المسيح، لا يحمل اللاهوت أيّ قناعة، وإذا فُصل عن حياة الإيمان، ينحط اللاهوت بسهولة إلى جدليات فارغة، إلى حشو فارغ[4]. لقد جسد فلوروفسكي هذه الرؤية الآبائية الجديدة في إخلاصة للتقليد كما في اتباعه العلمي للحقيقة.

حول المواضيع الكتابية، قدم فلوروفسكي رؤى ديناميكية للكتاب والإعلان والوحي والتقليد والكنيسة بمفتاح آبائي[5]. على مستوى اللاهوت الكبير، مساهماته كلاسيكية. لقد شدد على سلطة الكتاب كإعلان فيما يشير إلى سلطة التقليد على أنه “أساس التأويل” بالنسبة إليه، لا “يضيف” التقليد شيئاً إلى الكتاب إنما يكشف معناه الحقيقي ويفعله. التقليد، كتقليد حي، يعمل كمبدأ في التأويل لا فقط عبر القانون المعياري للإيمان، أي حمل العقائد المتوارثة، بل أيضاً عبر تفعيل رسالة الكتاب الخلاصية في التعليم والوعظ ومجمل حياة الكنيسة العبادية، “حياة مستمرة من الحقيقة والحق”. إنه يستعير Ellen Flessman-van-Leen مؤكداّ:

“الكتاب بدون تفسير ليس كتاباً بالمطلق. إنه يصبح حياً لحظة استعماله وتفسيره. التفسير الحقيقي للكتاب هو الوعظ في الكنيسة، إنه التقليد”[6].

ومع ذلك، لا يتورط فلوروفسكي في المناقشة العصرية لمسألة التأويل ولا يظهر بنفسه كيف أن ممارسة اللاهوت بحسب فكر الآباء تقدر على معالجة المسائل الجديدة بشكل خلاق والوصول إلى أجوبة متجددة. لا يناقش نقدياً مسائل من نوع تأثير التنوير على اللاهوت المعاصر أو طبيعة الدراسات التاريخية[7]. كما أنه قليلاً ما يأخذ مسائل محدّدة مثل مقارنة أدوار ومقاربات الكتاب الأدبية – اللغوية، الرمزية والمجازية وصحّتها.

ما هو بالتحديد دور الكتاب وسلطته على التقليد وبأي وسائل تُطبّق؟ ما هي العلاقة بين التفسير الوعظيّ والتفسير النقدي للإنجيل؟ ماذا عن سوء التفسير وسوء التطبيق في التقليد الوعظيّ الشعبيّ؟ وكيف نستطيع أن نتعامل مع الأمور المعاصرة، مثل الجنس والجنسانيّة، بطريقة أرثوذكسيّة أصيلة؟ لقد ترك فلوروفسكي هذه التحديات للآخرين المتأصلين في المبدأ الآبائي القائل بالعلاقة الإيجابية بين التقليد والكتاب، والذين حاولوا أن يدفعوا إلى الأمام مناقشة التأويل مع مزيد من التفاصيل.

من المناسب أن نراجع على ضوء هذه الاعتبارات جهود عدد من علماء الأرثوذكس المعاصرين في اليونان والولايات المتحدة. هدفنا إيجابيّ وهو تطوير موقف منظّم للتأويل الأرثوذكسي عبر نقد بنّاء ومناقشة متفاعلة، كلاهما دليل على البحث العلميّ الناضج[8].

قبل حوالي عشرين عاماً، بانايوتيس أندريابولوس Panagiotis Andreapoulos، أستاذ في جامعة أثينا، قام بقفزة جريئة إلى فكر التأويل الحديث عبر عمله الضخم والمميّز مسألة “يسوع التاريخيّ ” في فكر علم تفسير العهد الجديد المعاصر على ضوء لاهوت كيرلّس الإسكندري[9]. مع الأخذ في اعتبار السمة التقليدية للدراسات اللاهوتيّة اليونانيّة، هذا كان غزواً نادراً للإشكاليات البولتمانيّة.

بعد مراجعة الفكر التأويليّ عند شلايرماخر، ديلثي، هايدجر وغادامر، تابع أندريابولوس التأويل عند بولتمان وتلاميذه المتعلق بمناقشتهم للبحث الجديد عن يسوع الناريخيّ. بموازاة ذلك، قدّم فكر كيرلّس الإسكندري الخريستولوجيّ. رغم وضوح المعالم في وصفه الاثنين، إلا أن عمله المقارن لم يكن وافياً لأنه لم يطلع بشكل كاف في مسألة أطرهما المتباينة وافتراضاتهما الإبيستيمولوجيّة المختلفة. لقد انتهى متحيّراً في كيفيّة توصّل البولتمانيّين إلى هذه الاستنتاجات المسيحانيّة غير المقبولة، مع الأخذ في الاعتبار مبدأ البروتستانت “الكتاب وحده”[10].

لا يبدو أنه استوعب أن الإشكاليات البولتمانيّة كانت محددة بشكل حاسم بالتراث التنويريّ والأزمنة الناتجة من سلطة الكتاب في البروتستانتية. بافتراضه أنّ الإنسان المعاصر بحاجة إلى شيء على شكل التأويل البولتماني لمجابهة مسائل العصرية الحقيقية، لم يميّز أندريابولوس أرضية الفكر البولتمانيّ الفلسفية ولا قيمته العابرة، كما فعل المفكرون الغربيّون.

رغم جهوده اللافتة للنظر والمستحقة الثناء والتي بذلها في مصارعة المفكرين التأويليين المعاصرين، فهو مثال عن الصعوبات التي تواجه محاولات الأرثوذكس للاطلاع على قضايا مهمّة في لاهوت الغرب التعددي بدون الانتباه المناسب للأمور الإبيستيمولوجيّة الأوسع.

سابا أغوريدس، أستاذ دراسات كتابية في تسالونيكي وفي أثينا لسنوات عديدة، ومفكر متحفز بين المفكرين اليونان المعاصرين، عالج مسألة التأويل من زوايا مختلفة في أعماله العديدة[11]. ما يحتل المرتبة الوسطى في فكره التفسيري هو عمل مطوّل عنوانه “تفسير النصوص المقدسة”[12] إنجازه كان طرح مسألة التأويل على ضوء الحياة المعاصرة.

ويقدم اكتشافات فيها تحد وبلاغة في مواضيع الكنيسة والمجتمع، الكتاب والتقليد، الإعلان والتاريخ، الدراسات الكتابية الآبائية والمعاصرة، اللاهوت والروحانية، الليتورجيا والبحث الكتابي، وكلها بأسلوب عميق ونبويّ.

ومع هذا، فإن إنجاز البروفسور أغوريدس التفسيري مبهم. رغم ملاحظاته العميقة، يحتاج عمله إلى وضوح أكثر تكامليّة وشمولاً في الفكر. هو يوافق على أنّ المشكلة التفسيرية “المعذِّبة سببها” المسافة بين الفكرين الكتابي والمعاصر، لكن يبدو أنّه لا يعرف مدى فاعلية أوجه التنوير السلبيّة على مفهوميّة هذه المشكلة مع أنه يرفض التنوير بشكل عابر في مكان آخر[13]. لكونه التزام البحث التاريخيّ، هو يميّز عن حق التفسير والشروحات، ويقدّر كثيراً حرية البحث.

علاوة على ذلك، يجد أن عالم العبادة يعبّر عن جوهر الكتاب المقدس من دون أن يظهر العلاقة الإبيستيمولوجيّة بين الليتورجيا والدراسات النقدية[14]. هو يؤكد أن التقليد يحمل الحقيقة المعلنة ويضمنها، لكنّه يهمل مناقشة علاقة التوافق التي بين التقليد والكتاب نظراً لسلطة الكتاب في التقليد والمؤيدة له[15].

هو يتمسك بأن الحقيقة اللاهوتية الأساسية تُكشف على المستويين الاختباري والجماعي أكثر منها على المستوى الفكري، لكنه لا يقيم وزناً لوظيفة قانون الإيمان وحسّ الكنيسة العقائدية ولا يبدو أنه استوعب أن مفهومه الخاص لمسألة التأويل يتغذى جزئياً بمنظار عقلاني[16].

بالجوهر، هو يقول، على عكس رأي الآخرين، إن الجواب الأرثوذكسي الحاسم على مسالة التأويل هو في تركيبة ملتبِسة من الرؤية الأخروية في الليتورجيا ومفهوم التاريخ العالميّ الذي حكى عنه Pannenverg، لكن من دون محاول ردم الهوة الإبيستيمولوجيّة بين شلكيّات فكرهما التسبيحيّ والفلسفي[17].

ما يبدو أنّه يميز جهود الأستاذ أغوريدس هو تركيبة متلازمة من العظمة والإحباط. فيما هو يضطلع بمواضيع واسعة وملائمة، لا يحدّد الأوجه المهمّة والنقاط الحاسمة في مسألة التأويل يجب السعي نحو صياغة أوضح للتأويل الأرثوذكسي عبر مناقشة أكثر دقّة في تمييز مستويات التأويل المختلفة وعناصر هذا العلم: الإيمان والعقل، الكتاب والتقليد، الكنيسة والحضارة المعاصرة، بتعابير محددة.

الأب جون براك (Breck)، باحث كتابيّ أميركي أرثوذكسي، كرس عددا من أعماله لمناقشة التأويل. نشر مقالتين في 1976 و1983 وكتابه The Power of the Word in the Worship ظهر في 1986[18]. وقد لخص فكره لاحقاً في محاضرة ألقاها أمام حضور مسيحيّ مختلط[19]. هدف الأب براك الأساس هو إيجاد طريقة أرثوذكسية بين المقاربتين الأصوليّة والتاريخيّة. هو أيضاً يميّز بشكل صحيح بين المستويّين التفسيري والشرحي ويستوعب أن مشكلة التأويل الأولى تقع على المستوى التفسيريّ.

بالنسبة إليه، المنهجي التاريخية – النقدية هي بحد ذاتها حيادية، وهكذا هو يمنح كل الوزن للدراسة العلمية الدقيقة بهدف اكتشاف رسالة الكتاب وجعلها معاصرة “الأرض الحقيقية للإيمان والحياة الأرثوذكسيين”[20]. مع هذا، لا الدارسات التاريخية النقدية ولا مقاربات التأويل الغربية أثبتت ملاءمتها مهمّة حمل قوة كلمة الله. جواب التأويل الحاسم، بحسب البروفسور براك، موجود في تعليم الآباء حول الثايوريا، أي فعل تقبّل، أو الرؤية الروحية، لوجود الله المخلص والعمل الذي تشهد له كلمة الكتاب ويتفعّل بأسمى شكل في عبادة الكنيسة[21].

كما في حالة الأستاذ أغوريدس، يمكن طرح الأسئلة المشابهة حول فكر الأب براك التفسيري. فهو أيضاً يأخذ على عاتقه فكرة غير كافية عن الهوة التي بين الفكرين الكتابيّ والمعاصر، وهكذا هو يتكلم على الحاجة إلى ترجمة رسالة الكتاب بشكل ذي معنى إلى “الفكر المعاصر وإلى عالم من الشك الفطري”[22]. لكنه ليس واضحاً بالكلية كيف أن الدراسة العلمية تستطيع بهذا الشكل أن تتخذ مهمة العصرنة، أي حمل معنى الكتاب وقوته بشكل قادر إلى القراء المعاصرين.

على أساس أي مقومات وبأي أشكال سوف نسعى إلى الملاءمة مع العصريّة. لا يأخذ الأب براك في الحسبان فشل المسيحية الليبرالية بسبب تكيّفها مع الحضارة المعاصرة ولا المشاكل الإبيستيمولوجية التي طرحها التنوير كما ناقشها على نحو واسع الباحثون الإنجيليون (Evangelical)، على سبيل المثال[23].

نموذجه المقارن لجسر التأويل بين الكتاب والإنسان المعاصر: العظة عند البروتستانت، وسلطة البابا عند الكاثوليك والروح القدس عند الأرثوذكس، هو نموذج عمومي جداً[24]. لا يتغاضى فقط عن التعددية التأويلية عند الكاثوليك والبروتستانت، بل أيضاً عن أن كل المسيحيين يقدرون الروح القدس والعظة وأشكال التفسير الصادرة عن سلطة[25].

يركز الأب براك بشكل رئيس على الثايوريا بحسب الآباء، التي هي بالفعل مرساة قيمة في التأويل لكنها أحادية الطرف. في فهمه الثايوريا، فيما يرفض المجاز، يبرر البروفسور براك دارسة الرموز بدون أي إشارة مهمة إلى تفاسير رمزية سطحية في التقليد. كما أنه يربط عن حق الثايوريا بالبعد الليتورجي الذي يناقشه مطولاً في كتابه. الصعوبة هي أن الثايوريا هي بشك أساس رؤية روحية، كما ينتهي هو نفسه مؤكداً، وليست طريقة تفسيرية.

وكفعل تلق وحي، تؤثر الثايوريا نوعياً على مقاربة كل شيء بما فيه الكتاب، لكنها لا تستطيع أن تبتلع المهمة الاستطرادية في التعاطي مع ما عبر عنها فلوروفسكي “المحيطات الفكرية” للحقيقة المسيحية. في قراءة آباء الكنيسة، لا يقدم براك فرقاً مهماُ بشكل كاف بين الثايوريا كطريقة تفسيرية والثايوريا كمفهوم موحى به، وهي تمييز مقارن في اللاهوت الاستطرادي والمستيكي أو بين التفكير اللاهوتي والتعبير التمجيدي.

بالطبع، أثناسيوس وياسيليوس وأخوه غريغوريوسن مع أنهم عملوا في رؤية روحية غامرة، فقد فسروا الكتاب بتعابير عقلانية قرينية ونحوية، بخاصة في مجادلاتهم المتجولة مع الهراطقة. رغم أن البعدين لا ينفصلان، فهما يتضمنان عمليات تفسيرية متمايزة لا يستطيع أحدهما أن يختزل الآخر.

كنتيجة، ينبغي ألا تعتم العبارة التقنية على حقيقة أن الثايوريا كرؤية روحية ليست سوى أفق الإيمان الحي، أي الالتزام والانفتاح الروحي، الذي يقبض على قوة الكلمة الكتابية التي تغيّر وتخلص والتي أطلقها الروح القدس، سواء عبر عظات أو قراءات شخصيّة أو الاحتفال الجماعي في العبادة[26].

كل المسيحيين، أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، يؤكدون هذه الحقيقة. رغم فقدان الغنى الليتورجي عند الكثير من البروتستانت، ليس صحيحاً أن التشديد على العظة، أي الإنجيل وعرضه، يحول الكلمة إلى “ظاهرة محض كلامية”[27]. كل المسيحيين التقليديين يتمسكون بالتعليم حول الاستنارة الداخلية بالروح. الكل يغذي البعدين الكلامي والتأملي ويسعى إلى توازن صحيح بينهما. من الجانب الأرثوذكسيّ، الملء الإفخارستي بدون شرح الحقيقة الكتابية ممكن أن يتمزق بممارسات طقسية.

الإيمان، الصلاة، الانتباه لكلمة الإنجيل، سواء مقروءة أو مسموعة أو موعوظة، كما العبادة الجماعية والعيش المسيحي الملتزم، هذه كلها تشكل روحياً العالم المتقبل الذي فيه يحول الروح القدس الكلمة الكتابية إلى كلمة حية لكل المسيحيين.

فلنسلم كلياً أن آباء الكنيسة، على مثال نظرية الإنجيليين، طوروا تفاسير رمزية ومجازية مختلفة من منظار رؤية موحى بها. ولكن من المنظار عينه، هم أيضً قدّموا كمّاً من التفاسير المباشرة مطبّقة على الإيمان والممارسة. أغلب هذه، كما في تعليقات الذهبي الفم الوعظيّة، أُعطيت بدون إشارة إلى الثايوريا أو الرؤيا الإفخارستية، التي قد تكون افترضت مسبقاً، لكنها لم تُستحضر علناً ولم تكن ضروريّة لفهم تعليم الكتاب وتطبيقه.

علاوة على هذا، في محيط التربية اليونانية العالية اللغوية والفلسفية، مال الآباء الكبادوكيون نحو التفسير النصي واللغوي المتأني، بخاصة فيما يتعلق بالمناظرات العقائدية التي تضع مسألة الدقة القياسية (syllogistic) والترابط المنطقي في الواجهة[28]. إذاً، منظار الثايوريا، سواء علناً أو ضمنياً، أدى إلى فيض من التفاسير الأدبية – اللغوية، الرمزية، والمجازية بين آباء الكنيسة.

إذا كانت الرمزيّة والمجازيّة تنطلقان من منظار نظري، لماذا نَبذُ الأولى واتخاذ العناء لتبرير الأخيرة؟ هل هما، كطريقتين، مختلقتان فعلاً إلى درجة تثبيت واحدة ورفض الأخرى؟ أيضاً، لماذا إعمال التفاسير المتعدّدة المباشرة والتعليمية التي هي لا مجازيّة ولا رمزيّة؟

لماذا، بهدف الوضوح، لا نميّز بين الأدبي، المجازي والرمزي من التفاسير ونسميها بأسمائها الحقيقية كممثلة لمقاربات منهجية مختلفة، ونترك الثايوريا في مهمتّها الروحيّة والمستيكيّة الخاصّة في ملاءمة قوة الله المتعالية، التي لها وزنها بحدّ ذاتها؟ إن حقيقة كون الثايوريا الأنطاكية قد مالت نحو أخذ النص الكتابيّ والتاريخ بشكل أكثر جديّة من الثايوريا الإسكندرية، هي حقيقة لا تحول وحدها التفسير الرمزي على تفسير تاريخي – نقدي، كما أنها لا تجعل التفاسير الرمزيّة بلا معنى.

كلا المجازيّة والرمزية تتخطيّان مستوى التفسير النصيّ – اللغوي ويجب تقديرهما على مستوى التأويل بسبب أهدافهما وعملهما. فيما الاثنتان قد تقودان إلى المبالغات، إلا أن لكل منهما جدارتها لكن ليس كتفسير تاريخيّ – نقديّ.

قد يمكن توضيح أحجية التأويل في أطروحة الأب براك بتمييز بُعدين إبيستيمولوجيين على المستوى التفسيريّ: الأول منطقيّ بالدرجة الأولى وحاسم، والثاني تأمليّ وحدسيّ. في دعمه للثايوريا كفهم للحقيقة الإلهية الموحى بها من الروح القدس، وفي تأييده التفسير النظري على أنه المثاليّ للمفسّرين اليوم، ينظر الأب براك إلى هدف الليتورجيا وعملها فيكتب: “كما يشترك اليهود بالخروج من كل فصح، كذلك يشترك المسيحيّون باللحظات الحاسمة من حياة المسيح وبشارته”[29]، أي في عبادة الكنيسة.

مع هذا، فالعبادة هي عالم خصوصي وليست تقويماً عقلياً للحقيقة التي في تقاليد الجماعة المقدسة. فالعبادة بطبيعتها الخاصّة هي مستوى من التأمل التفسيريّ تقوم عليه كل جماعة دينية بالاحتفال بنصوصها المقدّسة وبتخليدها مع ما تدّخر فيها من خبرة مع الله. وقد تنتج منها تفاسير “نظرية أرثوذكسية أو كاثوليكية أو بروتستانتية أو يهودية.

وهما كانت العبادة مهمّة بهدفها وعملها، إلا أنه لا تستطيع أن تحل محل اللاهوت النقدي، أي محل المقاربة المنطقة للحقيقة كفيض تمّ إثباته في المناظرات العقائدية التي كانت بالدرجة الأولى استئنافات قياسيّة أكثر منها نظرية في تفسير النصوص الكتابيّة من قِبَل الآباء والهراطقة. كما أن أحداً لا يستطيع أن يشير إلى احتكام الآباء إلى سلطة التقليد الليتورجي لشرح العقيدة لأنّ هذا الشرح تمّ على مستوى اللاهوت المنطقيّ.

إذاً، في اتّباع آباء الكنيسة، يجد المرء صعوبة في المصادقة على دراسة الكتاب النقديّة وفي إرساء تفسيره على إدراك روحي أحادي الجانب باستطاعة كل إنسان أن يدعيه. بالطبع، يجب عدم التقليل من أهميّة الإدراك الروحيّ كصيغة حاسمة من الخصوصيّة الشخصية والجماعيّة للحقيقة الخلاصيّة وقوة كلمة الله. لكنّ هذه الخصوصيّة، إن لم تكن زلّة إلى الذاتانيّة المرفوضة، يجب أن ترتبط بشدة وتؤسَّس على “الأطر الفكرية” للشهادة الكتابية لبعض المنهجيات التب تتضمن عملية قياسيّة مركزة استناداً إلى التوافق الآبائي بين الإيمان والعقل.

لا يمكن اعتبار أيّا من الطرائق، سواء أكانت الأدبية أم المجازيّة أم الرمزيّة أم غيرها من الطرائق المعاصرة، مطلقة، كما لا يمكن رفض أياّ منها، كونها جميعاً، من حيث المبدأ، تسعى إلى توصّل عمليّ إلى المعنى المفاهيميّ للنصوص الكتابية. ينبغي بالأحرى تقويم كلّ منها على أساس هدفها وجدارتها. السؤال الحاسم ليس التلقي الروحي فقط بل أيضاً الحقيقة اللاهوتية.

من هذا المنظار، العوامل الحاسمة في التأويل هي ما أدركه آباء الكنيسة منذ زمن طويل: ادّعاءات الكتاب الحقيقيّة التي، عند تفنيدها، يجب تفسيرها بشكل موثوق بحسب التوافق العقائدي في الكنيسة. الغريب هو أنّ لا الأستاذ أغوريدس ولا الأب الأستاذ برك اختار أن يناقش بشكل تقديّ ارتباط العقائد بالتأويل[30]. علاوة على ذلك، الإشارة الأرخميديّة في التأويل هي بالتحديد البحث عن الحقيقة، الحقيقة اللاهوتية المعيارية، التي تعمل في آن واحد كإطار توحيديّ ومعيار مطلق للطرائق كافّة ومختلف التفسيرات المتنوعة.

هذا السعي إلى الحقيقة المعيارية هو اضطلاع بأكثر أسئلة التأويل حدّة. وفيه نجد التأمّلي والمنطقي، النسكيّ والعقلي، الإيمان والعقل متلازمة نقدياً. على أي أساس يستطيع التقليد الحي والخلاق أن يواجه بشكل أصيل ظروفاً جديدة ومعرفة جديدة؟ هذا للقول بأيّ ميازين نستطيع كشف ما هو معياريّ في الإيمان والممارسة وتحديده، ليس فقط في الماضي البعيد، إنما أيضاً في الحاضر المليء بالتحديات والمفتوح على أمور جديدة تطرأ؟

موقف الأب يوحنا رومانيدس في التأويل، وهو الأخير في هذه المراجعة، يجيب جزئياً عن الأسئلة الأخيرة التي يمكن طرحها إذا استطاع المرء الإشارة إلى سلطة حيّة تجمع ذاتها النسكيّ والمنطقيّ، النظريّ والعمليّ، وبهذا تعمل كمقياس معياريّ وكشف لا يخطئ للحقيقة المسيحيّة في الحاضر الدائم التغير والمستقبل المجهول. هذا هو تماماً موفق الأب رومانيدس التفسيريّ وهو يبني علماً كاملاً لاهوتياً وكتابياً على أساس نموذج القديس المواهبيّ (charismatic)[31]. في المقاطع التالية تلخيص لموقفه هذا.

بالنسبة إلى البروفسور رومانيدس، القديسون بامتيازهم الأنبياء والرسل أي أولئك الذين كانت لهم خبرات مباشرة مع الله بحلة مستمرّة وديناميكيّة من التمجيد الذي يسميّه آباء الكنيسة ثايوريا أو تمجيداً بالنعمة. فخبرات الأنبياء والرسل الإلهية السامية كانت فوق المفاهيم التأملية والصور، وكانت تمنح أصحابها معرفة مباشرة عن الله وتؤهلهم لقيادة الآخرين نحو الله بشكل لا يخطئ عبر كلمات وصور تحمل المفاهيم التي تناسب مستوى فهم المستمعين.

هذا التقليد حول رؤية الله والمشاركة في المجد الإلهي هو تقليد حيّ في المسيحيّة الشرقية، ويُفترض أنه مستمر في عدد محدود من القديسين المعروفين أو المجهولين، أيّ أنه عنصره مستمرّة تشكل أعلى إعلان عن الله ومعرفة له. إحدى النقاط التي تأسر الاهتمام عند الأب رومانيدس هي أن المعنى الحقيقي لمبدأ “الكتاب وحده (sola scriptura)” هي لا شيء غير التمجيد بالنعمة جامعاً وحدة الخبرة المباشرة وهويتها ومعرفة الله عند الأنبياء والرسل والقديسين.

هذه الخبرة الموحدة هي “المفتاح لفكّ أسرار الكتاب… التي بدونها يبقى الكتاب سراً مخبئاً حتى لعلماء الكتاب[32]، من الأرثوذكسيين وغيرهم. بالنسبة إلى رومانيدس، وحده القديّس الحقيقي، أي ذاك الذي تخطى مرحلة التطهّر وبلغ مرحلتي الاستنارة والكمال، يستطيع تفسير الإعلان الكتابيّ بشكل لا يخطئ على مستوى الكلمات والمفاهيم بفعل تمتّعه “بالنوع ذاته من المعرفة” التي كانت للأنبياء والرسل أنفسهم.

اقتراح البروفسور رومانيدس يدعى بقوّة مفاهيم نظريّة وتطبيقات عمليّة تتكل على بعضها البعض[33]، أي أنه يدعو إلى وحدة بين النسكي والعمليّ. فعلى المستوى العملي، ممكن أن نجد قديسين غير معلنين بلغوا الثايوريا، وهم متحرّرون كليّاً من عبوديّة الخطيئة والشيطان ومحبّة الذات، وهم في مجد الله والمحبّة غير الأنانيّة شهود معصومون يعلّمون الطرائق التي تؤدي إلى الله.

إنهم لاهوتيّون بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، أي عارفون موثوقون لله ومتحدثون باسمه، لا بالعقل التأمليّ بل بالخبرة المباشرة معه على طريقة الأنبياء والرسل. هؤلاء الأشخاص، هم وحدهم، الذين تطهّروا من أهوائهم الفاسدة وبلغوا على الأقل الاستنارة وكشف الأرواح، أن لم يكن التمجيد الفعليّ، هم المرشدون الحقيقيون في التفسير الكتابيّ. كل الآخرين هم مجرد “لاهوتيين بالاسم”، ومحتَمَل أنهم دجالون ومنحرفون عن الحقيقة بدرجات مختلفة. بحسب هذا اللاهوت المؤسّس على الثايوريا، يترافق التعلّم مع التطبيق.

على الطالب أن يلازم معلماً قد اختبر الاستنارة. أمّا المعلّم، كأب روحيّ، يستطيع أن يقود الطالب لكنّه لا يستطيع أن يفعّل فيه الثايوريا، التي هي عطية من الروح القدس وحده. ورغم ذلك، كل هذا يعني أنّ:

اللاهوتيّ الأرثوذكسي والأب الروحي هما واحد. لا يستطيع الرجل أن يكون لاهوتياً بدون أن يكون أباّ روحياً ولا يستطيع أن يكون أباً روحياً إن لم يكن لاهوتياً[34].

من الجانب النظريّ، يقدم الأب رومانيدس ملاحظات على القدر ذاته من الأهمية. إنّه يطرح مسألة الافتراضات المسبقة التي في ممارسة اللاهوت. بحسب الأب يوحنا، المقاربة الأوغسطينية للكتاب المقدّس واللاهوت انحرفت عن النموذج الكتابيّ والآبائي القائم على الخبرة وفقدت الرؤية حتى في التمييز الحاسم بين الخالق والمخلوق.

لقد افترضت بطريقة أفلاطونية وجود نماذج أولى أو عوالم غير مخلوقة، وبهذا افترضت مسبقاً وجود تشابه حقيقي وتناظر وظيفي بين مراتب الكائنات المخلوقة وغير المخلوقة، وكأن الاثنين ينتميان إلى نظام واحد من الحقيقة، يمكن اختراقه بالعقل البشريّ. يذكر الأب رومانيدس أنه، بحسب تعليم أوغسطين، يبلغ الله ما يريد إلى الإنجيليين في لحظات محدّدة من الوحي وبشكل لا يخطئ وفي كلمات تحمل مفاهيم وصوراً لم يفهمها الكتّاب بالضرورة.

في هذا المنظار الأوغسطينيّ، تماهي الكتاب المقدس مع أشكال مخلوقة مع الإعلان الإلهي إذا اعتُبر، خطأ، أن كلمات الكتاب المقدس بحد ذاتها هي الاعلان. تالياً، الفكر البشري الذي طالما امتحن عالم الحقائق الإلهية الثابتة، يستطيع أن يكتسب تدريجياً معرفة أعلى للنماذج الأولى الأبدية، بما فيها سر الثالوث القدوس، وهي معرفة قد تكون أعلى من تلك التي بلغها الأنبياء والرسل أنفسهم.

هذه الإبيستيمولوجيا الأوغسطينية هي البنية الأساسية التي تهلك كل الفكر التأمليّ الغربي، الذي تصدع بالضرورة في العصور الحديثة، حيث الإسمانية الفلسفية والدارسة العلمية لتدفق كل الأمور “أضعفت فكرة الحقائق الثابتة غير المتغيرة العزيزة على الأنظمة الفلسفية واللاهوتية في الغرب. بتعابير أخرى، يستطيع المرء أن يشرح لماذا انهار الإيمان بالحقيقة المطلقة والقانون والقيم الأخلاقية كمعايير للفكر والتصرف في الحضارة الغربية بشكل شامل[35].

هنا تلخيص البروفسور رومانيدس لموقفه في التأويل:

لا يستطيع التأمل الجدلي مطلقاً أن يكون مصدراً للتعليم الموثوق كما لو أن الكنيسة، عبر بابا أو مجامع أو علماء كتاب بروتستانت، تستطيع أن تحول البحث إلى عقيدة.

سلطة الحقيقة المسيحية ليست كلمات الكتاب المقدس المكتوبة بحد ذاتها، التي لا تستطيع من ذاتها أن تعبر عن الله أو أن تنقل مفهوماً ملائماً عنه، بل بالأحرى هذه السلطة هي الرسول والنبي والقديس الذي تمجد بالمسيح واتحد في خبرة المجد هذه بكل أصدقاء الله من كل العصور.

إذاً، الكتاب المقدّس وكتابات الآباء وقرارات المجامع ليست وحياً بل حول الوحي. فالوحي ذاته هو فرق الكلمات والمفاهيم، مع أنه يلهم هؤلاء المشاركين في المجد الإلهي للتعبير بدقة وبدون خطأ عن ما لا يمكن وصفه بالكلمات والمفاهيم.

بالنسبة إلى الآباء، الموثوقية ليست الكتاب وحده، بل الكتاب يضاف إليه المتمجّدون. فالكتاب ككتاب ليس بحدّ ذاته ملهَماً ولا معصوماً. إنّه ملهّم ومعصوم ضمن شركة القديسين الذين اختبروا المجد الإلهي الموصوف ولكن غير المنقول فيه. بالنسبة إلى الذين خارج تقليد الثايوريا الحي، الكتاب المقدس هو كتاب لا تُحل أسراره[36].

فكر البروفسور رومانيدس التفسيري واضح المعالم في تركيزه الكتابي على خبرة الله المباشرة التي هي قلب الإعلان الكتابيّ، كما في حنكته الفلسفيّة التي هي تحرّرٌ في الفكر من الإبيستيمولوجيا الأفلاطونية. ما يخص الأخيرة، التأكيد على وجوب السعي إلى الحقيقة في عبارات شخصية وعلائقية أكثر منها في نماذج أولى مجردة وأزلية، هي في الوقت ذاته إراحة من القلق على طريق فلسفي مسدود وفتح آفاق جديدة في السعي إلى الحقيقة المُعاشة.

ما يتعلّق بالأول، إعلاء شأن خبرة الله المباشرة هو تضمين جوهر شهادة الكتاب المقدس كما هو جوهر التجوال البشري المشترك. لا يوجد شيء أكثر عمقاً وإلحاحاً بالنسبة إلى كل كائن بشري من اكتساب خصوصيات مع الله الحي.

بالواقع، يتداخل المنظاران، الشخصي – الاختباري والإسمانيّ – الفلسفي، بطريق تأسر الاهتمام عند الأب رومانيدس، طريقة تدويّ صحيحة وتعطي فكرة وحدة قويّة جذابة. إنها بالتأكيد شهادة قيّمة لآباء الكنيسة العظماء، الذين كانوا أصحاب حنكة فلسفية في عصورهم، وتدريجياً أداروا ظهرهم لأفلاطون وبتأن تبعوا طريقة الكتاب في معرفة الله. ليس أقل فضائل الأب رومانيدس تذكير العلماء المعاصرين باستمرارية اللاهوت الكتابي والآبائي الأساسية وبوحدته.

في جهوده لطرد الشبح الأفلاطوني الذي يوجّه دائماً الأشخاص إلى الاتكال على الحقائق المجردة أكثر من الاتكال على الله الحي نفسه، لقد بيّن ما هو لبّ الفكر الآبائي أي المحتوى والرؤية الروحيين. طريقة الآباء هي طريقة الكتاب المقدس. بإمكاننا أن نضيف أن الإخلاص للكتاب كان تماماً القوة التي تحركت ودفعت آفاق الأفلاطونية إلى الخلف في فكر المفكرين المسيحيين القدامى، وهي طريقة تفكير مثيرة للاهتمام حول كيف أن “موسى تخطى أفلاطون”، أي كيف فتح علم الوجود (ontology) الأفلاطوني الطريق للشخصانية الكتابية[37].

في أي حال، طرح رومانيدس في التأويل مثقل بالأحادية من جهة طريقته الخاصة، بسبب بعض الادعاءات الصارمة أكثر من اللازم والتي تؤثر على قيمة فكره وقدرته على الإقناع. على المستوى الفلسفي، مع ترك مسألة التفسير الأوغسطيني للخبراء في هذا المجال، إن نوعاً من الاسمانية يجب تلطيفه باعتبار أن “الكلمات والصور الحاملة المفاهيم” تحمل نوعاً من استقرار المعنى.

في رفض فكرة النماذج الأولى والكونيات الخالدة، يجب الأخذ في الاعتبار النظرة الكتابية والآبائية بأن في الكتاب المقدس تعاليم واضحة وملزمة حول الله وطرائقه المتاحة للجميع. ليس بالضرورة أن يتبنى المرء ما ورائيات أفلاطون حول الحقيقة الثابتة ليؤكد أن الكتاب، على مستوى تبادل الكلمات والصور، يحتوي على نظرات ثابته وأسس وحقائق تتعلق بأمور كالله والأوثان، النعمة والإرادية الحرة، المحبة والكراهية، الصدق والكذب، الغفران والثأر، العدالة والاستغلال، العطاء والأنانية، والرجاء واليأس.

ليس ضرورياً أن يمضي المرء بعيداً في قراءته كتابات آباء الكنيسة اللاهوتية والعملية، كباسيليوس والذهبي الفم، حتى يرى الموثوقية الكبيرة الي يعزونها إلى الحرف والمعنى الجلي للكتاب المقدس كمصدر للتعليم عن الله وإرادته، مؤمن للجميع. لقد اتكل هؤلاء الآباء بشدة على وضوح المعنى وثباته في النص الكتابي واستخرجوه بالتفسير الحرفي واعتبروا أن أي قارئ قادر على المتابعة بدون أي تقنيات باطنية.

إن الادعاء بأن “الكتاب غير ملهم” هو وقوف في وجه كل التقليد الآبائي واقتطاع من قاعدة شهادة الكتاب لتعاطي الله مع كل الشعوب. الظهور بمظهر الادعاء بأن المعنى الثابت والأكيد على مستوى الكلمات والصور لا يمكن بلوغه بالفهم البشري العادي هو اجتثاث للتواصل البشري والبحث العلمي كما والرجاء بحوار ذي معنى ومصالحة ممكنة بين المتنازعين، الأرثوذكسيين والهراطقة على السواء. نحن لا نقول إن معنى الكلمات والصور الكامل المتاح للجميع هو كل شيء، لكنه جزء أساس من الحقيقة التي عن الله ومنه، والتي جميعنا مدعون للسعي إليها.

الصعوبة المركزيّة في طرح رومانيدس هي التركيز المفرط على القديس المواهبي الذي يبدو فوق الكتاب والمجامع وحتى فوق الكنيسة. نحن لا نتساءل حول تقليد الآباء الروحيين الغني والقيم في المسيحيّة الشرقيّة[38].

كما أننا لا نتساءل حول الدور الأساس للصور الكتابية الرئيسة وللقديسين العظماء في مجمل حياة شعب الله. نحن نتساءل حول اقتصاريّة النموذج المواهبي الذي يبدو أنه يرفع القديس إلى رمز لاهوتي مُغالى فيه. قد يُجرب المرء بمقارنة التباس القديس المثالي المطالب بالكثير بغموض تشديد البروتستانت على كلمة الله التي ينسبون إليها رفعة مماثلة.

ولكن من هم هؤلاء القديسون المتمتعون بالخبرة الإلهية ذاتها والقادرون على الاتصال بدون خطأ بينهم ومع الآخرين، وغير المباركين بالثايوريا؟ بعد خبرة تجلي يسوع، يوحنا ويعقوب لم يترفعا عن التطلع إلى كرامات خاصة في المجيء الثاني الذي كانا ينتظرانه ولكن بشك أرضي (مرقص 10: 35). بغض النظر عن مكانتهما غير القابلة للمناقشة، كان بين الرسولين بطرس وبولس اختلاف لافت للنظر حول أمر مهم في حياة الكنيسة، ما أدى ببولس إلى مواجهة بطرس علناً (غلاطية 2: 11-14)[39].

كما أن كتاب الأعمال يشير إلى مشاجرة بين بولس وبرنابا حول عدم استقرار يوحنا مرقص ما سبب افتراقهما في العمل البشاري (أعمال 15: 36-41). إذا كانت هذه النزاعات جرت بين الرسل، فلن يحس المرء بالحرج إذا سرد عدداً من الأمثلة بين آباء الكنيسة. بالواقع، أغلب الهراطقة ممكن وصفهم بالرموز المواهبية.

ما هو الدليل الذي يقدمه رومانيدس لهذا النموذج المشار إليه أعلاه في التأويل؟ يتمثّل في ثلاثة اسنادات من القديس غريغوريوس اللاهوتيّ حول استحالة فهم الله وضرورة التطهر الروحي في السعي إلى معرفة سر الله[40]. إنه يشير إلى الفعل (يلاحظ، يفهم، أو يمتلك…) المستَعمل في إنجيل يوحنا للكلام على رؤية المسيح أو معرفته. أخذ الأب رومانيدس حرية ترجمة هذا الفعل كاسم: “لينظروا مجدي” (يوحنا 17: 24). تالياً هو يبث فيه المعنى الآبائي التقني.

لكن استعمال الاسم ليس محصوراً في انجيل يوحنا بل في مرة أخرى في العهد الجديد وبفارق دقيق مختلف (لوقا 23: 49)، بشكل يصعب اعتباره دليلاً على فهم تقني عميق للثايوريا. بالواقع، يقدم الإنجيل الرابع فيضاً من العبارات المعرفية وكلها مطبقة بدون تمييز على علاقات المسيح بالجميع، مؤمنين وغير مؤمنين على السواء.

فيما يتعلق بخطبتي غريغوريوس، فالهدف منهما هو: إذا تطهرنا كما ينبغي، “فلنتفلسف ضمن حدودنا”[41] لأن “الطبيعة الإليه لا تُفهم بالعقل البشري”[42]. يتكلم غريغوريوس على الاستعمال الحسن للعقل مكملاً بالإيمان[43]. إن احتكامه إلى المعرفة المستيكية هو ضد المذهب العقلي الأريوسي والأقنومي. وليس ضد الاستعمال العادي للعقل في اكتساب معرفة كتابية عن الله مُتاحة للجميع.

غريغوريوس نفسه يستعمل كثيراً العقل والبلاغة المكتسبين من تربيته الإغريقية الكلاسيكية، على الأقل في استعماله الإغريقي للتمجيد الذي يملؤه بشكل أكيد من المعنى الكتاب. كل هذا ليس بأي طريقة للقول إن البعد الاختباري والمستيكي غير مهم في الإنجيل الرابع أو في غريغوريوس. على العكس، نحن نؤكد الأهمية في كليهما.

في أي حال، إنه للإشارة إلى أنه لا الإنجيل الرابع ولا غريغوريوس، في مجمل شهادتهما، يرفعان المؤمن المواهبي أو القديس كمعيار معصوم لمعرفة الله والمعرفة عن الله فوق الكتاب وفوق الكنيسة. إن كامل شهادة الكتاب والآباء لا تدعم هذا النموذج المطلق كمعيار في التأويل.

في التأويل الكتابي واللاهوتي، لا يمكننا الاكتفاء بطرح يفترض ظاهرياً أن الشخص المواهبي الموثوق هو فوق النقد، ما يشكل موقفاً معرضاً للاتهام بالاعتباطية والذاتانية. الشخص المواهبي مهم في التقليد اليهودي – المسيحي لكن لا يمكن فصله عن شعب الله أي عالم الجماعة المؤمنة التي تشكل شخصيتها المشتركة نقطة السلطة المسيطرة. التوجيه الرسولي هو: “لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم” (1يوحنا 4: 1).

من بين آباء الكنيسة، القديس سمعان اللاهوتي الحديث يدعو، كما لم يفعل أي قديس أرثوذكسي آخر، الحكمة المعصومة وحتى الطهارة من الخطيئة، عند الذي يحمل مجد الله، وهو اعتبر نفسه واحداً منهم. مع هذا، رغم حدة عباراته عن عمى الآخرين جميعاً، يدعو مستمعيه الذين لم يمسكون بعد بمجد المسيح القائم، ليحكموا بأنفسهم على صحة كلماته. أحد الأمثلة على ما يكتب: “هذه هي برأيي حقيقة الأمر، وهذا هو تدبير الله لنا… أنتم، من جهتكم، يجب أن تمتحنوا ما نقول”[44].

تقليد الجماعة وحياة الكنيسة هما المعيار النهائي لامتحان الادعاءات المواهبية. خبرة الله ملك الكنيسة جمعاء وليست فقط لمجموعة نخبوية، ما قد يذكرنا بالغنوصية. للمعرفة المستيكية الشخصية قيمتها لكنها لا تستطيع وحدها أن تطغى على معرفة الله المتاحة للجميع أو تمتصها.

وإلا لا يتجرد المؤمنون فقط من دورهم كحُماة للإيمان، بل الكنيسة أيضاً سوف تُقطع من التواصل مع العالم الذي هي مسؤولة عن تعليمه الإنجيل بشكل هادف. في الواقع، في التأويل، الحاجة هي إلى نموذج يأخذ باعتباره توازناً أكبر بين الإيمان والعقل، المعرفة المستيكية والبحث العلمي، إيمان الفرد وإيمان الجماعة، الكنيسة والثقافة، وهذا كله بحسب شهادة آباء الكنيسة.

 

[1] See the diverse bibliography in Chapter Two, notes 51 through 54. From an Ecumenical perspective, largely centered on the work of the World Council of Churches, sample contributions include Metropolitan Chrysostomos Konstantinidis, “The Significanse of the Eastern and Western Traditions within Christendom,” Orthodoxy: A Faith ans Order Dialogue, (Geneva: WCC, 1960), pp. 62-72; Nikos A. Missions, “The Unity of Scripture and Tradition:

An Eastern Orthodox Contribution to the prolegomena of Hermeneutlcs,’ GOTR 11 (2, 1965-1966), pp. 183-208; and Ion Bria, The Sense of Ecumenical Tiwition (Geneva: WCC Publications, 1991). A Standard for the ecumenical discussion is The Bible: Its Authority and Interpretation in the Ecumenical Movement, ed. Ellen Flesseman-van Leer (Geneva: World Council of Churches, 1980).

[2] G. Florovsky, “The Ethos of the Orthodox Church, “in Orthodoxy: A Faith and Order Dialogue, pp. 45ff.

[3] Cited by Florovsky, ibid, p.41.

[4] Ibid.

[5] The relevant articles on these subjects have been conveniently collected in his book Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox view.

[6] G. Florovsky, “The Function of Tradition in the Ancient Church, “GOTK9 (Winter, 1963-1964), pp. 187-188, and reprinted in Bible, Church, Tradition.

[7] Even Florovky’s articles “The Predicament of the Church Historian,” in Religion and Culture, ed. W. Leibrecht (New York: Harper & Row, 1959), pp. 140-166, and “The Patterns of Historical Interpretation, “ATR 50 (2, 1968), pp. 144-145, are written in a grand theological perspective rather than a truly critical one, as for example by Van A Harvey, The Historian & the Believer (New York: MacMillan, 1966).

[8] Orthodox theological scholars have tacitly shown ectreme sensitivity about constructive mutual criticism. Although they quote one another in oblique or supportive ways, each usually presents his or her own ideas of other Orthodox authors. But advancement in Orthodox scholarship cannot occur without honest, interactive discussion on the basis of mutual respect and the putting aside of personal attacks and recriminations.

[9] (Athens: Maurogeorges, 1975). A fervent believer and inspiring teacher, Andriopoulos died at a young age, a great loss to Orthodox biblical studies.

[10] Ibid., pp. 405-408.

[11] FornBibliographical entry into his works, see Chapter Two, notes 52 through 54.

[12] ## (Athens, 1979). See also his forthright and stimulating article on biblical studies in modern Greece mentioned and commented on in Chapter Two, note 53.

[13] Ibid., pp. 8-9, 16, 57-58,328.

[14] Ibid., pp. 45,61ff., 71-72,339,342,349,360.

[15] Ibid., pp. 318ff. and 326ff.

[16] Ibid., pp. 8-9, 57-58, 67, 323-327. In his passionate concern for the hermeneutical question and pastoral care, he expects that scholars, students, and Lay people alike must bear the same hermeneutical burden without qualification, pp. 14-15, 315-316, as if all must experience the gap or distance between Bible and modern thought before they can derive any value from Scripture.

[17] Ibid., pp. 16,71-72, 302,310-315.

[18] The two articles are “Theoria and Orthodox Henneneurics,” SVTQ^IO (4, 1976), pp. 95-219 and “Exegesis and Interpretation: Orthodox Reflections on the ‘Hermeneutic Problem,'” SVTQ 27(2, 1983), pp. 75-92. These are essentially reproduced in his book, published bu St. Vladimir’s Seminary Press in Crestwood, New York, which includes Substantive additions on patristic exegesis and rich sections on Scripture as “Living Word” in liturgical Celebration, creedal confessions, and iconography.

[19] John Breck, “Orthodoxy and the Bible Today,” in The Legacy of St. Vladimir, ed. John Breck and others, pp. 141-157.

[20] John Breck, “Theoria and Orthodox Hermeneutics,” pp. 195-196; “Exegesis and Interpretation, “pp. 75-76; The Power of the Word, pp. 25-28.

[21] John Breck, “Theoria and Orthodox Hermeneutics,” pp. 196, 211, 217-219″ Exegesis and interpretation,”pp. 78-84; 90-92; The Power of the Word, pp. 9-10, 28-36,44-47, 109-113.

[22] John Breck, “Ecegesis and Interpretation,” p. 76; The power of the Word, p.28.

[23] For example C. H. Pinnock, The Scripture principle; D. G. Blocsch, Holy Scripture: Revelation; Inspiration & Interpretation; M. A. Noll, Between Faith and Criticism; and many others in Scripture and Truth, ed. D. A. Carson and J. D. Woodbridge.

[24] John Breck, “Exegesis and Interpretation,” pp. 80-84; The Power of the Word, pp. 31-36.

[25] For Example, M. A. Noll, Between Faith and Criticism, pp. 151 and 205, finds forms of a Protestant magisterium among Evangelicals based on the priesthood of all believers and in the pronouncements of exalted Evangelical leaders.

[26] In a differenc chapter of his book, pp. 117-122, Father Breck himself includes an inspiring section on faith but apparently does not see its affinity to the patristic ##

[27] John Breck, The Power of the Word, pp. 32 and 35. Fathe Breck himself, p. 31, defines the classic Protestant position as “charismatic,” that is, anchored on the principle of the personal illumination by the Holy Spirit, Which is to be applied o he ongregation s well as the preacher during the sermon.

[28] For Example, Gregory of Nyssa, prior to the controversy with Eunomios and his followers, practiced mostly allegorical exegesis. But the controversy led him to a much more precise and contextual approach to the biblical text on the basis of a more sophisticated understanding of epistemology and the philosophy of language.

So Mariette Canevet, Gregore de Nysse et l’hermeneutique biblique: Etude des rapports entre le langage et la conaissance de Dieu (Paris: Etudes Augustiniennes, 1983). I owe this reference to my colleague Nicholas Constas.

[29] The emphasis is Father Breck’s in The Power of the Word, p. 104. CF. pp. 110-113.

[30] In Part II of his Power of the Word, Father Breck includes lengthy chapters on creedal formulations on the New Testament and the liturgical tradition but oddly does not raise the question of the hermeneutical role of doctrine, that is, the quest for normative truth. Thus, Part I on “Interpreting the Word” and Part II “Living the Word” seem essentially unconnected> Father Breck’s connection of course is ## as the only hermeneutical key.

The erroneous impression remains that the “living word” occurs only in worship and not other areas of ministry, for example, biblical teaching, which is part of theology’s burden for the world. In his later article “Orthodoxy and the Bible Today,” pp. 149-150, Father Breck does include and incipient discussion of how doctrinal formulations should “determine hermeneutic presuppositions,” an issue that needs far greater attention.

[31] A Comprehensive statement of his position may be found in his lengthy article Critical Examination of the Applications of Theology,” in Proces Verbaux du deuxieme congress de Theologie Orthodoxe, ed.  Savas Ahouridis (Athens, 1978), pp. 413-441. Father Romanides many years ago was my first theology professor at Holy Gross Greek Orthodox School of Theology, and he opened my eyes to exciting heological nsights and to the necessity of paying close attention to “presuppositions.

To him I owe my foundational theological thinking, albeit qualified by critical historical scholarship of the Bible and the Church fathers. Father Romanides is now retired but still active in Greece and abroad.

[32] Ibid., p. 423 and more broadly pp. 421-426.

[33] Father Romanides time and again confidently parallels his theological and hermeneutical approach to the ecpermental method of the hard and soft sciences, involving both interdependent theorizing and actual testing by observable and measurable standards, pp. 413, 423, 432, and 436-437.

[34] Ibid., p. 433. See also pp. 432-433.

[35] Ibid., p. 413, 416, 418-421.

[36] Ibid., p. 427 and 432.

[37] J. Pelikan, The Christian Tradition 2: The Spirit of Eastern Christendom (600-1700) (Chicago: University of Chicago Press, 1974), p. 33, Writes that, according to the Eastern fathers, “Theology was ont a Science of divine ontology but of divine revelation.

“The patristic emphasis on faith and Scripture, rather than on reason and philosophical speculation – while viewing the two perspectives as complementary and mutually supportive, not antithetical – is more fully laid out by Pelican in his Christianity and Classical Culture.

In contemporary Orthodox theology, biblical and partristic personalism as contrasted to Greek philosophica; ontology is the touchstone of the work of John D. Zizioulas, Being as Communion (Crestwood: St. Vladimir’s Seminary Press, 1985) and Christos Yannarars, The Freedom of Morality, trans. Elizabeth Briere (Crestwood: St. Vladimir’s Seminary Press, 1984).

[38] See Kallistos Ware, “The Spiritual Father in Orthodox Christianity, “CC Summer/Fall, 1974), pp. 296-312, and Irenee Hausherr, S. J., Spirtual Direction in the Early Christian East (Kalamazoo: Cistercian Publication, 1990), with a foreword by Kallistos Ware.

Douglas Burton-Chrisrie, The Word in the Desert, ends his study on the ancient monastic use of Scripture by underscoring the significance of persons who lived Scripture and were “Christ-bearers” and “mediators of God to Humanity.” His ending sentence reads: “The ultimate expression of the desert hermeneutic was a person [his emphasis], one who embodied the sacred texts and who drew others out of themselves into a world of infinite possibilities,” p.300.

[39] One can understand but not accept the interpretation of some Church fathers, going back to Origen, that peter and paul simulated the conflict in order to teach a lesson to Jewish and Gentiles Christians. But, on the premise of the dignity and unfailing agreement between apostles, would not thes Christians also be offended even by a simulated conflict, just as later Christians were apparently offended who took the disagreement as real?

[40] Theological Orations, 1.2; 2.3, and 2.14.

[41] Theological Oration, 1.5.

[42] 7W., 211.

[43] See Fullness to reasoning: The Five Theological Orations of Gregor of Nazianzen by Frederick W. Norris who lifts up the following Gregorian citation, p.v: “When we abandon faith to take the power of reason as our shield when we use philosophical enquiry to destroy the credibility of the Spirit, the reason gives way in the face of the vastness of realities… Give way it must… [being] the frail organ of human understanding.

What happens then? The frailty of our reasoning looks like a frailty in our creed. Thus it is that as Paul too Judges smartness of argument is revealed as a nullifying if die Cross. Faith, in fact, is what gives fullness to our reasoning” (Oration 29.21).

[44] C. J. deCatanzaro, trans., Symeon the New Theologian: Discourses, p. 354.

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

أزمة التأويل في المسيحية الغربية

أزمة التأويل في المسيحية الغربية 

أزمة التأويل في المسيحية الغربية

في القرون الأخيرة، انكسرت رؤية التأويل الآبائية بعاملين: الإصلاح والتنوير. الإصلاح، كحركة احتجاج على الانتهاكات والتمزقات المُلاحظة في تقليد المسيحيّة الغربيّة، وضع المبدأ الأساس للـ “الكتاب وحده (sola scriptura)، وتالياً رفض بشكل مبدئي التوافق (interdependence) بين الكتاب المقدس والتقليد. نحن الآن نعرف، بالطبع، أنّ المبدأ الكتابيّ البروتستانتيّ هو دفاعي وتصحيح للمغالاة في التقليد ولا موقع له بذاته.

فلا الكتاب ولا الإيمان ولا النعمة ولا المسيح له موقع كل بذاته. الأولية نعم أم التفرد فلا. السبب بسيط وهو ضرورة وجود الإنسان المتلقّي وضرورة التفسير اللتين تقودان المفسّر بشكل حتميّ إلى اكتساب تقليده في التفسير بجهد متواصل، عن وعي أو من دونه.

المصلحون برفضهم سلطة الكنيسة من جهة، وبتشديدهم بشكل مزدوج من جهة أخرى على sola scriptura وحق الأفراد بالتفسير، خلقوا تقليداً جديداً بالواقع تقاليد تفسيرية كثيرة كما تطورت التجزئة في التيار البروتستانتيّ.

بالطبع، الكنيسة الغربية في العصور الوسطى كانت أصلاً قد خرقت التوافق بين الكتاب المقدس والتقليد في ترجيحها كفة التقليد ما خنق صوت الكتاب. يصبح هذا التوافق غير مقنع وبلا معنى في الممارسات عندما تنأى معتقدات الكنيسة، سواء الشرقيّة أو الغربية، وممارساتها عن شهادة الكتاب وتفقد التوافق معه.

لقد تفكّر اللاهوتيون الأرثوذكس فيما إذا كان ممكناً لحركة الإصلاح أن تتمّ في المسيحية الشرقية. من منظار أرثوذكسي، موقف الإصلاح في التأويل جذّاب ولكنه غير متوازن. من جهة أخرى، واضح أن لوثر وكالفن سجلا عودة إلى التأويل الآبائي الكلاسيكي[1].

واستعادا سلطة الكتاب ومركزيته في حياة الكنيسة وثبّتا الهدف المركزي ككتاب ووحدته التي حدّداها في المسيح. لقد شدّدا على أوليّة قراءة الكتاب في إطاره على ضوء الكتاب نفسه. وكشفا عن تفاعل بي الروح والحرف، بين النظرية المجردة والحكمة الروحية، على أساس ضرورة مقاربة سر الله بإيمان وصلاة من دون إمكانية تحويله إلى نظام فكريّ. لقد اعترفا بمبدأ التكيّف وطوراه، أيّ أن الكتاب، إلى جانب وجهه الموحى به، يعكس أيضاً المحدوديات البشريّة.

من جهة أخرى، أدّى رفض سلطة الكنيسة في أمور الإيمان إلى أزمة في التأويل، هذه السلطة لا يُعبر عنها بحكم بابويّ بل بالمجامع التمثيلية التي تعلن التمييز العقائدي لكلّ الكنيسة. مبدأ “الكتاب وحده” وحق التفسير الشخصي الملازم له، يدقّان إسفيناً بين سلطة الكتاب والتقليد اللاهوتيّ الموحد للكنيسة، وبهذا يخلقان مأزقاً في التأويل. مشكلة التأويل، التي يُعبر عنها بتعابير بروتستانتية بشكل مميّز، نشأت كمشكلة لاهوتية وكنسيّة عسير المعالجة.

يُظهر تاريخ البروتستانتية بشكل واضح أن التقاليد البروتستانتية المخلفة أسّست رؤاها التي عبرها قرأت الكتاب من دون أن تجد طريقة للحفاظ على الوحدة في التنوع. إعادة اكتشاف الإصلاح للكتاب مرحب بها، لكن الموقف العقائدي على أساس “الكتاب وحده” يثير كثيراً من المشكلات. المبدأ الكتابيّ بدون توازن مع مبدأ كنسي ينقلب على نفسه ويصبح غالباً للكنيسة. إنه يدمر كل إمكانيّات وجود علم تفسير شامل، إذ في غياب سلطة تفسيريّة عليا يصبح التفسير الشخصي الحاكم الأعلى.

يظهر التنوع التفسيري والتشوش في البروتستانتية عبر التطورات التاريخية فيها، بما فيها التقليدية، الطهريّون، الروحيّون، الألفيّون، التقويّون كما الفرق المعاصرة والجماعات المتعصبة.

لقد انكسرت الرؤية التفسيريّة الآبائية بطريقة أخرى وأكثر جذريّة مع التنوير، عبر تأثيره على الدراسات اللاهوتية والكتابيّة البروتستانتية[2]. يستند كل من العقلانيّة التنويرية الناشئة والنقد الكتابي إلى مبدأ التناظر العلميّ. وبوجه خاصّ، أثار تلاقيهما مسألة التأويل بشكل مختلف وأكثر جذريّة. بالسابق، تركّزت هذه المسألة على موضوع الكشف الكنسي أو الفردي كحكم نهائي. الآن، تحولت مسألة التأويل إلى موضوع الوحي أو العقل كمقياس نهائي في هذا العلم.

في تراث التنوير، وبخاصة المنطق غير الملجوم الذي حذّر منه لوثر بشكل لافت للنظر، أدت عملياً إلى رفض سلطة الكتاب المقدس الموحى بها بالكامل. “فضح” لاسنغ (Lessing) الزيف الذي في الحقائق الرئيسية في الكتاب لأنه كان “رجلاً متنوراً من القرن الثامن عشر” وقد رأى صورة بشعة وخندقاً بين ادعاءات الوحي في الكتاب والتفكير الجديد عند أمثاله.

مع تقدم العلوم ونشوء النقد التاريخي مقلداً الطريقة العلمية وعلمنة الحضارة الغربيّة، أدى التكيف التدريجي مع فكر التنوير إلى تقويض سلطة الكتاب المقدس بشكل تدريجي وافتتح “أزمة مبدأ الكتاب بين البروتستانت”[3].

لتأثير التنوير التفسيري على البروتستانتية نتائج محطمّة. فقد ظهرت تشقّقات عميقة بين البروتستانت المحافظين والليبراليّين، وتالياً برزت الفروقات تبعاً لدرجة قبول التفكير الجديد أو رفضه. من جهة، التقليد الديني الغربي، عبر نظراته الصلبة وتحكمه السلطوي في المجتمع، غذّى التساؤل الجديد حول السلطة والرغبة في التحرير. من جهة أخرى، تشكّلت المجادلة الكتابية بين المحافظين والليبراليين، بحسب[4] Walter Brueggnam، في فئات الدقّة العلميّة أو التاريخية التنويريّة، التي كانت غريبة عن الكتاب وعن التقليد الآبائي الكلاسيكيّ.

فيما يشترك الطرفان ضمنياّ بالافتراضات ذاتها، استفاض أحدهما بالاستنساب في سلطة الكتاب بينما استفاض الطرف الآخر بجعلها مطلقة. لقد برز التنوع الضمنيّ أو الظاهريّ فيما تحوّلت البروتستانتيّة بشكل مخيف إلى مجموعات أصولية، محافظة أو إنجيلية، وليبراليّة مع فروقات بينها[5]. يصعب جداً تقويم النتائج بدقّة، منها الاتهامات التي وجّهها كارل بارث وغيره إلى الليبراليين بالهرطقة[6]. كما أن منها أسئلة حول قدرة البروتستانتية على الحياة ومستقبلها في العالم الحديث وما بعد الحديث[7].

قد يظن البعض أنه كان بإمكان البروتستانت الليبراليّين أن يقدموا علم تفسير متكامل على أساس الفكر النقديّ، لكن هذا لم يتم. على العكس، هناك تحلّل افتراضيّ في التأويل عند تقليد البروتستانت الليبراليّين حيث تحوّلت فردية الإصلاح إلى شكل أكثر وحشيّة من الفردية التي في تشديد التنوير على العقل المستقلّ (العقل وحده)[8]. في السابق مزّقت كنيسة القرون الوسطة التكافل المتبادل بين الكتاب والكنيسة، إلا أنّ الإصلاح قام بالأمر ذاته بطريقة معاكسة. لاحقاً، توصّل طغيان الكنيسة إلى طغيان الأكاديميا على صوت الإنجيل[9].

من الواضح أنه إذا تم وضع خندق ليسنغ البشع بين الفكرين الكتابي والمعاصر بتعابير واقعيّة، فلن تكون هناك أي طريقة منطقيّة لردم الهوة بسبب وجود رفض مسبق لما قد يتم برهانه. لقد جعل الإصلاح مسألة التأويل عسيرة المعالجة برفضه الأساس الكنسيّ لمصلحة الأساس الكتابيّ. وجعل التنوير هذه المسألة أكثر عسراً في المعالجة برفض الأساس الكتابيّ ذاته، أي الوحي والإيمان كطريقتين أمينتين للمعرفة، لمصلحة العقل المستقل على أنه المقياس لكي حقيقة.

يجب أن نشير إلى أن التنوير في تأثيره على التأويل، يوجه ليس فقط العلماء البروتستانت بل أيضاً الكاثوليك بقدر ما يقعون تحت تأثير افتراضاته المسبقة عن وعي أو عن غيره.

عمل بعض كبار علماء التفسير في التقليد الليبراليّ أمثال F. Schleiermacher، R. Bultmann، على ردم الهوّة المفتَرَضة بين الكتاب والفكر الحديث، غير راضين بأن يقوم المتطرفون من العقلانيّين برمي الإنجيل بين ركام الميثولوجيا القديمة. هذه الجهود الاستثنائيّة، المثيرة للإعجاب فكرياً والمشجعة بحد ذاتها، لم تؤدِّ إلى نتائج ملزمة ولا دائمة لأن هؤلاء وهبوا الكثير من الأرضية الفلسفّية للتنوير.

فبعد أن تنازلوا عن النظرة المسيحيّة الكلاسيكيّة التي تقول أنّ الإنجيل يقدّم معرفة كافية وحقيقيّة عن الله وأهدافه، عجزوا عن إظهار الفرق بنظريات لاحقة في التأويل. انقاد هذه النظريات والاقتراحات الجديدة على يد H. Gadamer، P. Ricoau، D. Tracy يعوض التعادل من طريق التأكيد على أهميّة حوار بين التأويل وموضوع الكتاب اللاهوتيّ[10].

على أيّ حال، في التقليد الليبراليّ عينه، تبدو هذه الاقتراحات الإصلاحية وكأنها تمنح وزناً زائداً لما سمّي “المسافة”، لا الثقافيّة فقط إنّما اللاهوتية أيضاً، بين الكتاب المقدّس والفكر الحديث، وهذا ما يفترض أنّه المسألة الأولى في التأويل. وما يزال هناك إبهام غير مقبول حول حقيقة الكتاب ومقاربة التأويل المعياريّة له. هذه الاقتراحات المحسّنة مقنعة كنظريّات ابيستيمولوجيّة، لأنها تشرّع ديناميكيّات تحوّل المعنى بعبارات بشريّة عقلانيّة.

مع ذلك، لا تعطي انتباهاً كافياً لسلطة الكتاب الإعلانية في علاقته مع الكنيسة، كما لدور الإيمان والروح القدس كعنصرين أساسيّين في تلقّي رسالة الكتاب المقدس الخلاصيّة وتفعيلها.

لقد تابع الليبراليّون أنفسهم التساؤل حول مجمل مشروع النقد الكتابيّ والتأويل الظاهر والمخبّأ فيه[11].

في السنوات الأخيرة، تتابعت دراسة نظرات مختلفة في هذا العلم، بعضها مترابط والبعض الآخر لا. تتمثّل إحدى مجموعات الجهود المختلفة في “النقد الأدبيّ الحديث”، كالبنيويّة والقصصيّة وتلك الموجّهة نحو القارئ، على مثال السابقين في دراسة الأدب[12]. هدفهم هو منح نوع من استقلال النص عن الكتاب واستعادة معنى الكتاب كأدب دينيّ في محيد القرّاء المعاصرين. مجموعة أخرى من الجهود يمثّلها الفكر الأنثويّ والفكر التحرريّ تدعى “التأويل التأييدي” بسبب تأصّله الإيديولوجيّ في الصراعات المعاصرة السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية[13].

تسعى كلّ هذه المقاربات بطرائقها الخاصّة إلى تقريب المسافة المفترضة بين الكتاب والقارئ المعاصر، ولكن بمعزل عن اهتمام التنوير بالتحقيق العلميّ للحقيقة. مع هذا، ما زالوا يعملون على، إما أوليّة العقل وإما اهتمامات أيدولوجيّة معاصرة، بهدف تحصيل أيّ معنى مناسب قد يجدونه في الإنجيل، معتبرين أنّ سلطته الثقافية ثابتة كأحد الروائع الكلاسيكية أو كمصدر تاريخيّ لقيم متعددة.

لقد أُضيفت الآن هذه الاتجاهات الجديدة إلى التعدديّة في التأويل. قيمتها هي في أنّها تصحيحيّة أكثر منها تصويريّة. فيما يبقى تأثيرها الدائم متوقّعاً، لم تقدّم أي نظرة متكاملة في التأويل. كالجهود الليبراليّة السيزيفوسيّة السابقة، تبدو هذه الاتجاهات وكأنها تدفع إلى أعلى الجبل بنسخة معدّلة من إبيستيمولوجيا التنوير، إلى أن تعود صخرة التأويل لتتدحرج مجدّداً إلى أسفل.

 

[1] D. H. Kelsey, “Protestant Attitudes Regarding Methods of Biblical Interprctation, “in Scripture, ed, by F. E. Greenspahn, pp. 134-141: D. G. Bloesh, Holy Scripture, pp. 192-195, and Donald K. Mckim, “Biblical Authority and the Protestant eformation, “ABD, Vol. 5, PP. 1032-1035.

[2] See the relevant remarks and bibliography on the academic use of Scripture and biblical scholarship in Chapters Two and Five.

[3] The expression is W Pannenbcrg’s, a chapter title in his Basic Questions in Theology, Vol. 1, trans. G. H. Kehm (Philadelphia: Westminster, 1970), p. 1. For a sketch of the complex story of how Scripture’s authority was both overemphasized and then undermined by developments chiefly among Protestants, see H. G. Revendow, “Biblical Authority in the Wake of the Enlightenment,” ABD, Vol 5 pp. 1035-1049.

[4] Walter Brueggemann, “Biblical Authority in the Post- Critical Periok, “ABD, Vol. 5, p. 1050.

[5] For a typology of current Protestant approaches to Scripture, see D. H. Kelsey, “Protestant Attitudes Regarding Methods of Biblical Interpretation, “in Scripture, ed. F. E. Greenspahn, pp. 151-161. For the commonalities, diversity, and dynamics among Evangelicals, see Mark A. Noll, Between Faith and Criticism, pp 142-185

[6] Cited with approval by Carl E. Braatcn, a mainline Lutheran, in his “Response to Manfred K. Bahmann, “LF2S (3, 1994), p. 11. Of course. Fundamentalists and Evangelicals consistently view liberal Protestantism as heresy. Gordon D. Fee, Gospel and Spirit, takes into view heresies by conservatives as well and writes the following: “To put it baldly, where there is no appreciation for tradition… [that is, “historic orthodoxy,” p.25], Protestantism has spawned a mass of individual heresies, all vying for center stage as the single truth of God, ” p.80.

[7] For a recent discussion from an Evangelical perspective, see Alister McGrath’s, Evangelicalism dr the future of Christianity (Downers Grove: InterVarsiry Press, 1995), who perceives that the future belongs to Evangelicalism by its stand on enduring scriptural values, whereas liberal Protestantism has enfeebled itself by its very accommodation to rapidly changing culture.

[8] As Reflected in the accounts afHans W. Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1974) and David H. Kelsey, The Uses of Scripture in Recent The Ology (Philadephia: Fortress, 1975).

Dennis Nineham, The Use and Abuse of the Bible (New York: Harper & Row, 1977) seems to debunk all hermeneudcal attempts by conservative and liberal Protestants alike as futile and useless in demonstrating any authoritative relevance of the Bible for the present. He Opts for a view of the Bible as a document of the ancient past whose world view canot be genuinely recovered in modern society.

[9] W. Brueggemann, “Scriptural Authority in the Post-Critical Period, “ABD, Vol. 5, p. 1053.

[10] For a concise presentation of these new proposals, see David Tracy’s contribution in part 2 of the revised and enlarged edition of A Short History of the Interpretation of the Bible by R. M Grant and D. Tracy, pp. 153-187.

[11] For Example, P. Stuhlmacher in his Historical Criticism and Theological Interpretation of Scripture, M. Hengel in his reflection on the same topic in Acts and the History of Early Christianity, pp. 127-136, and B. S. Childs in his several books.

See also the manifesto by P. C. Mcglasson, Another Gospel with a supportive foreword by B. S. Childs. Of course, the critiques from conservative Protestants continue unabated as reflected in the works of C. H. Pinnock, D. G. Blocsch, D. A- Carson, J. D. Woodbridge, J. I. Pacher, and others.

From the Roman Catholic Side, Raymond Brown in his many works has strongly supported historical biblical criticism as the primary took for biblical study; however, he has also on the one hand rejected its Enlightenment rationalistic freight and on the other hand supported, while qualifying, the interpretive authority of the magisterium.

See especially R. Brown, Biblical Exegesis and Church Doctrine, where he both answers traditionalists and critiques radicals, as he carves out a “centrist position” in line with and officially supported by the Church.

[12] See T. J. Keegan, Interpreting the Bible and E. V. McKnight, Post-Modern Use of the Bible.

[13] A strong challenge is presented by Elisabeth Schiissler Fiorenza, “Toward a Feminist Biblical Hermeneutics: Biblical Interpretation and Liberation Theology, “in A Guide to Contemporary Hermeneutics, ed. D. K. Mckim (Grand Rapids: Eerdmans, 1986), pp. 358-381. See also her books bread Not Stone and Searching the Scriptures: A Feminist Introduction.

أزمة التأويل في المسيحية الغربية

Exit mobile version