الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد

الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد

الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد

من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان؟

 

“في المدرسة الثانوية علَّموني أن الضفدع الذي يتحول إلى أمير قصة خيالية.

وفي الجامعة علَّموني أن الضفدع الذي يتحول إلى أمير قصة حقيقية.”

“رون :كارلسون” Ron Carlson

 

في فيلم “اتصال” Contact، تلعب جودي فوستر Jodie Foster دور عالِمة ضمن فريق برنامج “البحث عن ذكاء من خارج الأرض” (“ستي”) Search for Extra-Terrestrial Intelligence (SETI). وبرنامج “ستي”، الذي هو عبارة عن منظمة حقيقية، يضم علماء يمكنهم مسح الفضاء للعثور على علامات صريحة تبين وجود حياة ذكية. فممَّ تتألف العلامة الصريحة على وجود حياة ذكية؟ من رسالة. هذا صحيح. شيء من قبيل “أَخْرِج القمامة-ماما”.

وفي الفيلم تشتعل جودي حماسةً عندما يلتقط الهوائي موجات راديو يبدو أنها تتسم بنمط ذكي، وتقول مندهشة: “واحد، اثنان، ثلاثة، خمسة، سبعة،11…أولية!” (تقصد أعدادًا أولية). “مستحيل أن تكون ظواهر طبيعية!”

فعلاً، موجات الراديو العشوائية يمكن إنتاجها طبيعيًا، ولكن الموجات التي تحوي رسالة دائمًا ما تأتي من مصدر ذكي. والأعداد الأولية، من واحد إلى 101 بالترتيب، تشكل رسالة لا تصدر إلا من كائن ذكي.

وجودي الآن واثقة أنها عثرت على شيء من خارج الأرض، فتعلن عن اكتشافها. ومن ثم يتجه مسؤولون من الحكومة والجيش إلى مكان عملها. ويسألها أحدهم بنبرة ساخرة: “لو كان هذا مصدرًا ذكيًا، فلماذا لا يتحدث الإنجليزية؟”

فتجيب جودي بحزم: “لأن الرياضيات هي اللغة العالمية الوحيدة!”

وهي بالطبع على صواب. ففي الحقيقة الأبجديات، وبالتالي اللغة نفسها، يمكن اختزالها نهائيًا إلى أعداد. ولذلك الأبجدية الإنجليزية متماثلة رياضيًا مع الأبجدية الوراثية للـDNA ، وتشبيه معلومات الخلية بالموسوعات يمثل علاقةٌ تامةُ التطابِق وليس مشابهة جزئية.

ورغم أن جودي وزملاءها يكتشفون فيما بعد رسالة أكثر تعقيدًا متضمَّنة في موجات الراديو، فهم على يقين تام أن الأعداد الأولية وحدها تبرهن على أن الرسالة صادرة من حياة ذكية. ولكن ما سِرُ يقينهم؟ السر هو أن الملاحظات المتكررة تخبرنا أن الكائنات الذكية فقط هي مَنْ تخلُق رسائل، وأن القوانين الطبيعية لا تفعل ذلك أبدًا. فعندما نرى سلسلة من العداد الأولية، ندرك أنها تتطلب مسببًا ذكيًا تمامًا مثل رسائلك “أَخْرج القملمة-ماما”،” ماري تحب سكوت”.

ومن المضحك أن فيلم “اتصال” مأخوذ عن رواية للراحل كارل ساجان Carl Sagan، وهو تَطَوُّري متشدد آمن بالتوليد التلقائي ولعب دورًا فعالاً في إطلاق برنامج “سيتي” في الواقع. والمضحك في الأمر أن ساجان كان مقتنعًا تمامًا أن سلسلة بسيطة من الأعداد الأولية تبرهن على وجود كائن ذكى، ولكن ما يعادل 1000 موسوعة في الحياة الأولى وحيدة الخلية لا يبرهن على ذلك. إن عدم الاعتقاد في الله يتطلب قدرًا كبيرًا من الإيمان. أكبر مما نملك!

علاوة على ذلك، ساجان هو من كتب عن المخ البشري:

المحتوى المعلوماتي للمخ البشري مُعبَّرًا عنه بوحدات البِت[1] غالبًا ما يعادل مجموع عدد الاتصالات فيما بين العصبونات (الخلايا العصبية أو النيورونات neurons)، حوالي مائة تريليون بِت. ولو كُتِبَت هذه المعلومات بالإنجليزية لملأت حوالي عشرين مليون مجلدًا، وهو ما يعادل ما تحويه أكبر مكتبات العالم. إن ما يعادل عشرين مليون كتابًا يسكن داخل رأس كلٍّ منا. فالمخ هو مكان كبير جدًا في مساحة صغيرة جدًا. … والكيمياء العصبية للمخ مشغولة على نحو يثير الإندهاش. إنها عبارة عن مجموعة دوائر كهربية لماكينة تفوق في روعتها كل ما هو من صُنْع البشر.

من المحتمل أن تقدير ساجان لمحتوى المخ المعلوماتي بعشرين مليون كتابًا هو تقدير أقل من الواقع. ومع ذلك حتى هذا الرقم مذهل. وحتى تُكوِّن عنه تصورًا، تخيل نفسك في الصالة الرئيسية لمُجَمَّع ماديسون سكوير جاردن Madison Square Garden قبل بدء مباراة كرة سلة بعد ساعات. وليس هناك أحد غيرك في الساحة، وأنت تنظر إلى ما يقرب من 20 ألف مقعد فارغ تحيط بك جميعًا. فكم عدد الكتب التي يجب أن تضعها فوق بعضها البعض على كل مقعد بحيث تضع عشرين مليون كتاب في تلك الساحة؟

يجب أن تضع 1000 كتاب فوق بعضها على كل مقعد على حدة حتى تستطيع أن تُدخل عشرين مليون كتاب في ماديسون سكوير جاردن. فكِّر فيها. فارتفاع السقف لا يكفي هذا العدد من الكتب. لذان ستضطر لتفجير السقف حتى تستمر في تكويم الكتب فوق بعضها! هذه هي كمية المعلومات المحددة والمعقدة الموجودة فيما بين أذنيك. وبالحقيقة أصاب ساجان في قوله إن المخ مكان كبير جدًا في مساحة صغيرة جدًا، وهو شيء أكثر تعقيدًا بما لا يقاس من كل ما هو من صُنع البشر.

فلنراجع الحقائق: أدرك ساجان أن المخ البشري يضم محتوى من المعلومات يبلغ عشرين مليون كتاب. وقد أدرك أيضًا أن هذا المحتوى أكثر تحديدًا وتعقيدًا بما لا يقاس من سلسلة أعداد أولية. إذَن لماذا اعتقد أن الرسالة الأبسط تتطلب كائنًا ذكيًا ولكن رسالة طولها عشرين مليون كتاب لا تتطلب ذلك؟ ويمكننا أيضًا أن نسأل ساجان وإخوانه الداروينيين سؤالاً آخر بنفس الأهمية تقريبًا: إن كان البشر الأذكياء لا يستطيعون أن يصنعوا أي شيء يقترب من المخ البشري، فلماذا نتوقع من القوانين الطبيعية غير الذكية أن تفعل ذلك؟

عادةً ما تشتمل إجابة الداروينيين على فكرة “الانتخاب الطبيعي”. فهل هذا يكفي لتفسير الشكال الجديدة من الحياة؟ فمهما كان، المسافة بين خلية واحدة والمخ البشري مسافة طويلة.

ماذا عن الأشكال الجديدة من الحياة؟

قبل أن نناقش أصل الأشكال الجديدة من الحياة، يجب أن نراجع مشكلة أصل أول حياة. مؤكد أن المسافة طويلة بين خلية واحدة والمخ البشري، ولكن المسافة بين المواد الكيميائية غير الحية وأول خلية قد تكون أطول بكثير. وهذه هي أصعب مشكلة تواجه الداروينيين. فمن أين أتت أول حياة؟

هل ترى ضخامة هذه المشكلة التي تواجه الداروينيين؟ فإن لم يكن عند الداروينيين تفسير لأول حياة، فما الفائدة من الحديث عن أشكال جديدة من الحياة؟ فعملية الماكرو تطور، إن كانت ممكنة أصلاً، لا يمكنها حتى أن تبدأ إلا إذا كانت هناك حياة سابقة الوجود.

ولكن كما رأينا في الفصل السابق، هذه المشكلة لا تثني الداروينيين. فهم يسيرون عكس كل الأدلة التجريبية والجنائية، ويختلقون قصة “بلا دليل” عن التولد التلقائي أو “البانسبرميا” تعطيهم، بشكل سحري، الحياة الأولى التي يحتاجونها. وهذا ليس علمًا، بل نكتة. وهو فعليًا يُذَكِّرنا بنكتة، فقد اعتاد ستيف مارتن Steve Martin أن يقول: “أَعْرِف كيف يمكنك أن تصبح مليونيرًا دون أن تدفع ضرائب أبدًا! أولاً، احصل على مليون دولار، والآن…”.

بل إن موقف الداروينيين ينطوي على إشكالية أكبر عندما تأخذ في اعتبارك أنهم لا يملكون حتى تفسيرًا لمصدر المواد الكيميائية غير الحية، فما بالك أن يجدوا تفسيًرا للحياة. وكما رأينا في الفصل الثالث، من أعمق الأسئلة التي يمكننا أن نطرحها: “إن لم يكن الله موجودًا، فلماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟” وقد رأينا أن الملحدين لا يملكون إجابة معقولة على هذا السؤال. فاقتراحهم لبعض الاحتماليات الممكنة ليس كافيًا، ولكن عليهم أن يقدِّموا دلائل إن أرادوا أن يكونوا علميين.

إلا أنه من الواضح أنهم لا يعلمون من أين أتى الكون. وسطح العلبة (المنظور الفلسفي للحياة) يجب أن يتمكن من تقديم تفسير معقول لكل البيانات. فإن لم يتمكن من الإجابة عن الأسئلة الأساسية المختصة بأصل العالم أو صل الحياة، فهو لا يصلح أن يكون سطح علبة. وعندئذٍ يجب البحث عن بديل.

ورغم أننا نرى أن سطح العلبة الدارويني معيب في أساسه، يجب أن ننظر في بضعة مزاعم يطلقها الداروينيين بخصوص أصل الأشكال الجديدة في الحياة. ونظريتهم هي الماكرو تطور.

الميكرو تطور مقابل الماكرو تطور

لعلك تتذكر الماكرو تطور: من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان. وهو يتلخَّص في الاعتقاد بأن كل أشكال الحياة انحدرت من سَلَف مشترك، هو الكائن الأول وحيد الخلية، وكل هذا حدث بعمليات طبيعية دون أي تدخل ذكي. فالله لا يدَّ له في هذا الموضوع. ولكنها عملية عمياء تمامًا.

ويقول الداروينيون إن هذا حدث بالانتخاب الطبيعي. ولكن مصطلح “الانتخاب الطبيعي” تسمية خاطئة. فبما أن عملية التطور تخلو من الذكاء بطبيعة الحال، فهي لا تنطوي على أي “انتخاب” على الأطلاق. إنها عملية عمياء. ولكن مصطلح “الانتخاب الطبيعي” يعني ببساطة أن أصلح الكائنات هي التي تبقى على قيد الحياة.

ما الجديد الذي أتت به هذه الفكرة؟ هذا صحيح بطبيعة الحال، فالأصلح هو الذي يبقى على قيد الحياة (وهذا ما نسميه تكرارًا مخلاً؛ حجة دائرية لا تُثبت أي شيء). فمنطقيًا، هذه الكائنات مجهَّزة جيدًا من الناحية الوراثية أو البنيوية للتعامل مع الظروف البيئية المتغيرة (ولذلك تبقى على قيد الحياة).

ومن أمثلة “الانتخاب الطبيعي” ما يحدث للبكتيريا التي تهاجمها المضادات الحيوية. عندما تنجو البكتيريا من إحدى هجمات المضادات الحيوية وتتكاثر، وهذه المجموعة الناجية من البكتيريا قد تكون مقاوِمة لذلك المضاد الحيوي. والبكتيريا الناجية مقاوِمة لذلك المضاد الحيوي لأن البكتيريا الأم كانت تمتلك القدرة الوراثية على المقاومة، أو طفرة بيوكيميائية نادرة ساعدتها بشكل ما على البقاء (نقول “نادرة” لأن الطفراتِ ضارة في كل الأحوال تقريبًا). وبما أن البكتيريا الضعيفة تموت، فالبكتيريا الناجية تتكاثر وتسود.

ويقول الداروينيون عن البكتيريا الناجية إنها تطورت. فبما أن البكتيريا الناجية تكيَّفت على البيئة، فهي تقدِّم لنا مثالاً للتطور. موافقون، ولكن أي نوع من التطور؟ الإجابة التي سنقدِّمها حرجة جدًا. فالحقيقة أنه بصرف النظر عن الافتراضات الفلسفية التي رفعنا عنها الستار، نجد أن تعريف “التطور” قد يمثل أكثر الأفكار إرباكًا في مجادلة الخلق والتطور.

وهنا تبدأ الأخطاء والمزاعم الداروينية الزائفة في التكاثر مثل البكتيريا لو لم يوقفها مَن يؤمنون بأهمية الملاحظة للعلم. وإليك ما تخبرنا به الملاحظة: البكتيريا الناجية تظل دائمًا بكتيريا. فهي لا تتطور إلى كائن من نوع آخر، وإلا أصبح هذا ماكرو تطور. ولكن الملاحظة لم تُثْبِت أبدًا أن الانتخاب الطبيعي خلق أشكالاً جديدة من الحياة.

ومع ذلك فالماكرو تطور هو بالضبط ما يزعمه الداروينيون من البيانات المتاحة. فهم يقولون إن هذه التغيرات الدقيقة micro القابلة للملاحظة يمكن تعميمها لإثبات حدوث الماكرو تطور غير القابل للملاحظة. فهم لا يميزون بين الميكرو تطور microevolution والماكرو تطور، ومن ثم يستخدمون أدلة الميكرو لإثبات الماكرو. وإذ يتجاهل الداروينيون هذا الفرق الحيوي، يمكنهم أن يخدعوا العامة للاعتقاد بأن أي تغير قابل للملاحظة في أي كائن حي يبرهن على أن كل الحياة تطورت من الكائن الأول وحيد الخلية.

ولذلك من الضروري أن نميز جيدًا بين الأمور وأن نكشف كل الافتراضات الخفية عند مناقشة الجدل بين الخلق والتطور. لذا إن سألك أحد: “ها تؤمن بالتطور؟” عليك أن تسأله: “ماذا تقصد بالتطور؟ هل تقصد الميكرو أم الماكرو تطور؟” الميكرو تطور ثَبَتَ بالملاحظة، ولكن لا يمكن استخدامه دليلاً على الماكرو تطور الذي لم يَثْبُت بالملاحظة أبدًا.

والداروينيون خبراء في تعريف مصطلح “التطور” تعريفًا عامًا يسمح باعتبار الأدلة في مجالٍ ما أدلة في مجال آخر. ولكن من سوء حظهم أن العامة بدؤوا يدركون هذه الخطة. ويرجع معظم الفضل في ذلك للأعمال الشهيرة لفيليب جونسون أستاذ القانون في بركلي Berkeley. فقد فضح جونسون أولاً هذا النوع من خفة اليد الداروينية بكتابه غير المسبوق “داروين أمام المحكمة” Darwin on Trial.

وهو يشير في هذا الكتاب إلى أنه: “ما من “برهان” واحد ]على الانتخاب الطبيعي[ يقدِّم أي سبب مقنع للاعتقاد بأن الأنتخاب الطبيعي قادر على إنتاج أنواع بيولوجية جديدة، أو أعضاء جديدة، أو غيرها من التغيرات الكبرى، أو حتى التغيرات الصغرى الدائمة”. ويتفق معه عالِم الأحياء جوناثان ولز Johnathan Wells عندما يكتب قائلاً: “الطفرات البيوكيميائية لا تستطيع أن تفسر التغيرات واسعة النطاق التي تحدث في الكائنات الحية التي نراها في تاريخ الحياة.

فلماذا لا يستطيع الانتخاب الطبيعي أن يقوم بهذه الوظيفة؟ إليك خمسة اسباب تمنعه من ذلك:

  • الحدود الوراثية Genetic Limits: يقول الداروينيون إن الميكرو تطور الذي يتم داخل شكل واحد من أشكال الحياة يُثْبِت حدوث الماكرو تطور. فإن كانت هذه التغيرات الصغيرة يمكن أن تحدث على مدار فترة قصيرة من الزمن، تَخيَّل ما يستطيع الانتخاب الطبيعي أن يفعله على مدار فترة طويلة من الزمن.

ولسوء حظ الداروينيين، يبدو أن الحدود الوراثية جزء أصيل في بنية الأشكال الأساسية للحياة. فمثلاً، المتخصصون في تربية الكلاب يصطدمون دائمًا بالحدود الوراثية عندما يستخدمون ذكاءهم لتخليق سلالات جديدة من الكلاب. فقد تتباين الكلاب في الحجم من التشيواوا إلى الكلب الدنماركي الكبير، ولكن بالرغم مما يقوم به المربون الأذكياء من محاولات مستميتة، تظل الكلاب دائمًا كلابًا.

وبالمثل، رغم أفضل ما يبذله العلماء الأذكياء من جهود للتحكم في ذبابة الفاكهة، فتجاربهم لم تسفر مطلقًا عن شيء سوى المزيد من ذباب الفاكهة (وعادةً ما تكون معوَّقة أيضًا). وهو أمر ذو أهمية خاصة لأن حياة ذبابة الفاكهة القصيرة تتيح للعلماء أن يختبروا سنوات كثيرة من التنوع الوراثي في فترة زمنية قصيرة.

 

 

الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد

والأهم من ذلك كله أن مقارنة الانتخاب الطبيعي بالانتخاب الصناعي الذي يقوم به المتخصصون في تربية الحيوانات مقارنة لا تصلح إطلاقًا، كما يتبين من الجدول 6-1. والفرق الأكبر هو أن الانتخاب الطبيعي يتم توجيهه بالذكاء، وهو ما لا ينطبق على الانتخاب الطبيعي.

الفروق الجوهرية

الانتخاب الصناعي

الانتخاب الطبيعي

الهدف

الهدف (الغاية) معروف

ليس هناك هدف (غاية) معروف

العملية

عملية موجَّهة بالذكاء

عملية عمياء

الاختيارات

اختيار ذكي لسلالات معينة

لا اختيارات ذكية للسلالات

الحماية

السلالات محمية

من العمليات المدمِّرة

السلالات ليست محمية

من العمليات المدمرة

الصفات الغريبة

يحتفظ بالصفات الغريبة المرغوبة

يقضي على معظم الصفات الغريبة

المقاطعات

مقاطعات مستمرة

لتحقيق الغاية المرجوة

ليس هناك مقاطعات مستمرة

لتحقيق أي غاية

البقاء

بقاء تفضيلي

بقاء غير تفضيلي

 

إن الخلط بين العمليات الذكية وغير الذكية خطأ شائع عند الداروينيين. وهو ما حدث عندما ناظرتُ (نورم) الفيلسوف الإنساني بول كرتس Paul Kurtz سنة 1986 في موضوع التطور. والمناظرة التي كان يديرها المدافع التليفزيوني جون آنكربرج John Ankerberg أسفرت عن هذا الحوار بخصوص الماكرو تطور:

جايسلر: قال ]تشاندرا[ ويكراماسينغ ]الملحد[: “الاعتقاد بأن الحياة أتت بالصدفة كالاعتقاد بأن طائرة بوينج 747 نتجت من إعصار هَبَّ على ساحة خردة”. إن تصديق هذا الأمر يتطلب المثير من الإيمان.

كرتس: حسنًا، طائرة البوينج 747 تطورت. يمكننا أن نعود إلى الأخوين رايت Wright brothers ونرى أول نوع خلقاه من الطائرات…

جايسلر: خلقاه؟

كرتس: نعم، لكن …

آنكربرج: بالذكاء أم بالصدفة؟ ]ضَحِكْ[

كرتس: كان هناك فترة من الزمن تغيرت فيها هذه الأشكال…

آنكربرج: ولكن ألم يخلقا تلك الطائرات باستخدام الذكاء؟

كرتس: كنتُ أستخدم المشابَهة التي استخدمها الدكتور جايسلر.

جايسلر: حسنًا، أنت تساعدني في حجتي! ] ضحك [عليك أن تجد لنفسك مشابَهة أخرى!

كرتس: لا، لا، أظن أن المعنى الذي أقصده مهم لأنه حدثت تغيرات في الطائرات من الأبسط إلى الأعقد.

جايسلر: نعم، ولكن تلك التغيرات تَمَّتْ بتدخل ذكي!

مؤكد أن التغيير الاتجاهي الذي يسير في اتجاه محدد directional change في الطائرات بواسطة الذكاء لا يُثبت أي شيء عن إمكانية حدوث تغيير اتجاهي في الكائنات الحية دون ذكاء. وكما سنرى في الجزء التالي، التغيير الاتجاهي في الكائنات الحية بواسطة الانتقاء الطبيعي لم يَثْبُت بالملاحظة. واستخدام الذكاء لإحداث تغيير اتجاهي في الكائنات الحية يصطدم بالحدود الوراثية. لذا، حتى إن كان التطور موجَّهًا بالذكاء، فهو يصطدم بحوائط.

أي أنه حتى عندما يتحكم العلماء بذكاء الكائنات لتحقيق غاية محددة، ألا وهي الأطروحة المضادة للعملية الداروينية العمياء، لا ينجح الماكرو تطور! فإن كان العلماء الأذكياء لا يستطيعون اختراق الحدود الوراثية، فكيف نتوقع الانتخاب الطبيعي غير الذكي أن يفعل ذلك؟

  • التغير التكراري Cyclical Change: لا يقتصر الأمر على وجود حدود وراثية للتغيير داخل النوع الواحد، بل التغيير داخل النوع الواحد يبدو تكراريًا. اي أن التغيرات لا تتجه نحو تكوين أشكال جديدة من الحياة، كما تتطلب نظرية الماكرو تطور، ولكنها تتحرُك جيئة وذهابًا في نطاق محدود. فمثلاً، عصافير داروين كانت تتفاوت في أحجام مناقيرها طبقًا لحالة الطقس. فالمناقير الكبيرة كانت تساعد على تكسير بذور أكبر حجمًا وأشد صلابًة أثناء مواسم الجفاف، والمناقير الصغيرة كانت مناسبة عندما كانت الأمطار تأتي بكمية وفيرة من البذور الصغيرة اللينة. فعند حلول موسم الجفاف، كانت نسبة العصافير ذات المناقير الكبيرة تنمو مقارنةً بالعصافير ذات المناقير الصغيرة. ولكن النسبة كانت تنعكس بعد حلول موسم ممطر طويل. لاحظ أنه لم تظهر للوجود أي أشكال جديدة من الحياة (العصافير ظلت عصافير)، كل ما تَغَيَّر هو نسبة العصافير كبيرة المناقير إلى العصافير صغيرة المناقير. لاحظ أيضًا أن الانتخاب الطبيعي لا يستطيع أن يفسِّر كيف أتت العصافير إلى الوجود أصلاً. أي أن الانتخاب الطبيعي قد يتمكن من تفسير بقاء النوع، ولكنه لا يستطيع أن يفسر مجيء النوع.
  • التعقيد غير القابل للاختزال Irreducible Complexity: سنة 1859 كتب تشارلز داروين “إن ثَبَت وجود أي عضو معقَّد لم يتكون بالعديد من التغيرات الطفيفة المتوالية، فنظريتي ستنهار لا محالة”. ونحن الآن نعرف أن هناك الكثير من الأعضاء، والأجهزة، والعمليات في الحياة تتناسب مع ذلك الوصف.

ومنها الخلية. وقد كانت الخلية في أيام داروين “صندوقًا أسود”، جزءًا صغيرًا غامضًا في الحياة لم يتمكن أحد من رؤية ما فيه. ولكننا الآن بعد أن تمكنَّا من النظر في أعماق الخلية، نرى أن الحياة على المستوى الجزيئي أكثر تعقيدًا بما لا يقاس مما كان يحلم به داروين. فهي في الحقيقة معقّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال. والجهاز المعقد تعقيدًا لا يقبل الاختزال ” يتركب من عدة أجزاء متفاعلة ومتناسقة تساهم في الوظيفة الأساسية، بحيث إن نَزْعَ أي من هذه الأجزاء يوقف وظيفة الجهاز فعليًا”.

وهذه هي كلمات مايكل بيهي أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة ليهاي Lehigh University صاحب الكتاب الثوري “صندوق داروين الأسود: التحدي البيوكيميائي للتطور” Darwan’s Black Box: The Biochemical Challenge to Evolution. ويؤكد بحث بيهي أن الكائنات الحية مملوءة حَرْفيًا بماكينات جزيئية تؤدي العديد من وظائف الحياة. وهذه الماكينات الجزيئية معقّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، وهو ما يعني أن كل أجزاء كل ماكينة لا بد أن تتكون بالكامل، في الأماكن الصحيحة، وبالأحجام الصحيحة، وبنظام قابل للعمل، وفي وقت واحد حتى تعمل الماكينة.

ويُعَدّ محرك السيارة مثالاً لجهاز معقد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. فإن حدث تغيير في حجم المكبس، سيتطلب ذلك تغييرات موازية في عمود الكامات، والبلوك، والمبرد، وحجرة المحرك، وغيرها، وإلا لن يعمل المحرك الجديد.

ويبين بيهي أن الكائنات الحية معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال مثل محرك السيارة. فهو يبين بالتفصيل الممل أن وظائف عديدة في الجسم مثل تجلَط الدم، وأهداب الخلايا (الأجزاء المحرِّكة للخلية)، والبصر، كلها تتطلب أجهزة معقدة تعقيدًا غير قابل للاختزال، فلا يمكن أن تتكون بالطريقة الداروينية المتدرجة. لماذا؟ لأن المراحل المتوسطة intermediates لن تتمكن من أداء الوظيفة.

وكما هو الحال في محرك السيارة، يجب أن تكون كل الأجزاء الصحيحة في أماكنها، وبالأحجام الصحيحة، في وقت واحد، حتى تتمكن من القيام بوظيفة أصلاً. فيمكنك أن تُكَوِّن المحركَ جزءًا جزءًا (وهو أمر يتطلب ذكاء)، ولكن لا يمكنك أن تقود السيارة إلى مكان عملك بجزء من المحرك. ولا يمكنك أن تقود السيارة إلى مكان عملك إذا أجريت تعديلات على جزء أساسي من المحرك، ولم تُجْر هذه التعديلات على باقي الأجزاء. وهكذا الأجهزة الحية تتعطل فورًا عن أداء وظيفتها إن أُجْرِيَت عليها تعديلات قطعة قطعة.

إن درجة التعقيد غير القابل للاختزال في الكائنات الحية تُذهب العقل. تَذَكَّر أن أبجدية الـDNA الوراثية تتكون من أربعة حروف: أ، ث، س، ج. في كل خلية بشرية يوجد حوالي 3000 مليون زوج من تلك الحروف. فجسمك يحتوي على تريليونات الخلايا، وينتج ملايين الخلايا الجديدة كل ثانية، وعلاوة على ذلك كل خلية معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال وتحتوي على أجهزة فرعية معقدّة تعقيدًا لا يقبل الاختزال!

إن اكتشافات بيهي تسدِّدُ ضربة قاضية للداروينية. فالتعقيد غير القابل للاختزال يعني أنه لا يمكن أن تأتي حياة جديدة إلى الوجود بالطريقة الداروينية التي تتكون من تغيرات طفيفة متتالية على مدار فترة طويلة من الزمن. والداروينية تشبه القوى الطبيعية التي تُنتج دون أي ذكاء محرك سيارة يعمل (أي الأميبا) ثم تُعَدَّل ذلك المحرك المعقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال وتحوّله إلى محركات متوسطة متتالية حتى تُنتجُ تلك القوى الطبيعية أخيرًا المكوك الفضائي (أي الإنسان).

ولكن الداروينيون لا يستطيعون أن يفسروا مصدر المواد اللازمة لصنع المحرك، فما بالك بتفسير كيفية وجود أي محرك معقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. ولا يمكنهم كذلك أن يبينوا العملية غير الذكية التي تطوَّر بها أي محرك حتى وصل إلى مكوك الفضاء وهو يُنتجُ قوة دافعة في كل خطوة من الخطوات المتوسطة. وهذا واضح من الغياب التام للتفسيرات الداروينية لكيفية نشوء الأجهزة المعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال نشوءًا تدريجيًا. وقد كشف بيهي مزاعم الداروينيين الفارغة عندما كتب قائلاً:

فكرة التطور الجزيئي الدارويني لا تقوم على العلم. فليس هناك أي منشورات في الكتابات العلمية، كالصحف المتخصصة أو الكتب، تقدّم وصفًا مؤكَّدًا لكيفية حدوث تطور جزيئي لأي جهاز بيوكيميائي حقيقي معقَّد، أو حتى وصفًا احتماليًا غير مؤكد. إنهم يؤكدون حدوث هذا التطور، ولكن ولا واحد من كل تأكيداتهم مدعوم بتجارب أو حسابات. وبما أنه لا مرجعية لهذه المزاعم المعرفية، يمكننا أن نقول بحق إن تأكيد التطور الجزيئي الدارويني محض استعراض فارغ.

إن محاولات الداروينيين الواهنة للتعامل مع التعقيد غير القابل للاختزال تكشف ضخامة المشكلة التي تواجه نظريتهم. وقد قال الدارويني كِن ميلر Ken Miller بأن التعقيد غير القابل للاختزال غير صحيح لأنه يستطيع أن يُثْبِت أن مثال بيهي على التعقيد غير القابل للاختزال-ألا وهو مصيدة الفئران- ليس بالفعل معقَّدًا بما لا يقبل الاختزال. وفقًا لما يقوله بيهي جميع الأجزاء الخمسة لمصيدة الفئران التقليدية يجب أن تكون في مكانها وفي وقت واحد وبنظام قابل للعمل حتى تعمل. فلا يمكنك أن تصطاد الفئران بالقاعدة والزنبرك مثلاً. ولكن ميلر يعتقد أنه يستطيع أن يفند فكرة بيهي بصنع مصيدة مشابهة بأربعة أجزاء فقط. (طَرَحَ ميلر هذه الفكرة فعليًا أثناء مناظرة تليفزيونية على محطة بي.بي.إس PBS في أواخر التسعينيات).

ولكن نقد ميلر يخفق فعليًا في إصابة الهدف. فهو أولاً، مِثْل أي دارويني، يتجاهل أن صُنْع مصيدته يتطلب ذكاء. ثانيًا، بيهي لا يقول إنك تحتاج خمسة أجزاء لأي مصيدة فئران، ولكنه يتحدث عن المصيدة التقليدية. وهكذا يتضح أن مصيدة ميلر ليست مرحلة مادية سابقة تطورت منها مصيدة بيهي التقليدية. أي أن تحويل مصيدة ميلر إلى مصيدة بيهي يتطلب أكثر من خطوة عشوائية (أي داروينية)، فهو يتطلب إضافة جزء آخر محدَّد جدًا وعدة تعديلات محدّدة للأجزاء الموجودة (وهذا يتطلب ذكاء). ثالثًا، وحتى لو أمكن بشكل ما إجراء تلك التغييرات بعمليات عديمة العقل، فالمصيدة لن تعمل أثناء المرحلة الإنتقالية.

ولكن حتى تكون الدراوينية صحيحة، لا بد من الحفاظ على الأداء الوظيفي في كل المراحل لأن الكائنات الحية لا تستطيع أن تبقى على قيد الحياة لو، مثلاً، لم تؤدِ أعضاؤها الأساسية وظيفتها المعتادة أثناء المراحل الانتقالية الداروينية البطيئة التي تقوم على المحاولة والخطأ.[2] وفي النهاية مصيدة الفئران ليست سوى مثال توضيحي. ولكن الأنظمة الحية أعقد بما لا يقاس من مصيدة الفئران. لذا، واضح أن ميلر يفنِّد فكرة بيهي، ولم يفندها أي دارويني غيره.

وفي مؤتمر عن التصميم الذكي عُقِدَ في تموز/يوليو 2002 تحدَّثت فيه أنا (فرانك) وبيهي، كان أحد الداروينيين عنيفًا نوعًا ما في فقرة الأسئلة والأجوبة بعد المحاضرات. لذلك أردت أن أقلب الطاولة وأساله بضعة أسئلة، فحرصتُ أن أجلس بجواره على الغداء. فسألْتُه فيما بين شرائح البيتزا: “ماذا تفعل بحجة بيهي عن التعقيد غير القابل للاختزال؟” فدار بعينيه مستاءً وقال: “هذه ليست مشكلة كبيرة. هناك سقالات بيوكيميائية تُبنى حول الجهاز لتسمح له بالتطور التدريجي”.

وعندما رأيت بيهي بعدئذٍ في اليوم نفسه، أخبرته بتفسير الدراويني. فاوضح قائلاً، وكان محقًا: 1) ليس هناك دليل على هذه “السقالات”، 2) وهي فعليًا تُعَقِّد الأمور على الدراوينيين، بمعنى أنه إن وُجِدَت هذه ” السقالات” بحق، فمَن الذي يبنيها باستمرار في أماكنها الصحيحة؟ إنها عملية تتطلب ذكاء. لقد حاول آخرون أن يجدوا طرقًا داروينية للتهرب من التعقيد غير القابل للاختزال، ولكنهم فشلوا جميعًا. وهو ما يؤكده بيهي عندما يقول قطعيًا: “ليس لدينا حاليًا أي دليل تجريبي يبين أن الانتخاب الطبيعي يستطيع أن يتهرب من التعقيد غير القابل للاختزال”.

ويبيِّن بيهي الأهمية الجوهرية التي يتضمنها التعقيد غير القابل للاختزال وغيره من الاكتشافات بخصوص تعقيد الحياة. فهو يكتب قائلاً: “إن نتيجة هذه الجهود المتراكمة لفحص الخلية، أي لفحص الحياة على المستوى الجزيئي، هي صرخة عالية مدوية تعلن عن “التصميم”! إن النتيجة في غاية الوضوح وفي غاية الأهمية حتى إنه لا بد من احتسابها ضمن أعظم الإنجازات في تاريخ العلم. إنه اكتشاف ينافس اكتشافات نيوتن وأينشتاين”.

  • عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة Nonviability of Transitional Forms:

هناك مشكلة أخرى تهاجم معقولية الفكرة القائلة بأن الانتخاب الطبيعي يخلق أشكالاً جديدة من الحياة. وتتمثل هذه المشكلة في أن الأشكال الانتقالية لا تقدر أن تبقَ على قيد الحياة. فكِّر مثلاً في تأكيد الداروينيين أن الطيور تطوَّرت تدريجيًا من الزواحف على مدار فترات زمنية طويلة. وهو ما يتطلب مرحلة انتقالية من الحراشف إلى الريش.

فكيف يمكن لكائن أن يعيش بلا حراشف ولا ريش؟ إن الريش معقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. فكائن بأنصاف ريش لا يقدر أن يطير، مما يجعله فريسة سهلة على الأرض، وفي المياه، وفي الهواء. وفي منتصف الرحلة بين مرحلتي الزواحف والطيور، غالبًا لن يتمتع بالمهارة اللازمة للعثور على الغذاء أيضًا. إذَن يواجه الدراوينيون مشكلة مزدوجة: أولاً، ليس عندهم آلية صالحة للانتقال من الزواحف إلى الطيور. ثانيًا، حتى إن اكتُشِفَت آلية صالحة، فعلى أي حال لا يُحتَمَل للأشكال الانتقالية أن تعيش.

 

 

  • الانعزال الجزيئي Molecular Isolation: غالبًا ما يقول الدراوينيون إن دليل الانحدار من سلف مشترك يكمن في أن كل الكائنات الحية تحتوي على DNA . فمثلاً ريتشارد دوكينز يقول: “السبب الذي يجعلنا موقنين أن هناك صلة تجمع بيننا جميعًا، بما في ذلك البكتيريا، هو شمولية الشفرة الوراثية وغيرها من الأساسات البيوكيميائية”. يعتقد الدراوينيون أن نسبة تشابه الـDNA بين القردة العليا والبشر مثلاً، التي يُقَدِّر البعض أنها تتراوح بين 85 وأكثر من 95%، تشير بقوة إلى سلف مشترك.

ولكن هل هذا دليل على سلف مشترك أم على خالق مشترك؟ يمكن تفسيره بالطريقتين. فقد يكون الداروينيون محقّين، وقد يكون لنا شفرة وراثية genetic code مشتركة لأننا جميعًا انحدرنا من سلف مشترك. ولكن يمكن أن يكونوا أيضًا مخطئين بالقدر نفسه، فربما الشفرة الوراثية المشتركة بيننا جميًعا ترجع إلى خالق مشترك صمَّمَنا أن نعيش في نفس الغلاف الحيوي. فلو كان كل كائن حي مختلفًا عن غيره من الناحية البيوكيميائية، ربما لن توجد سلسلة غذائية. ومن المحتمل أنه لا يمكن وجود حياة بتكوين بيوكيميائي مختلف. حتى إن كان ذلك ممكنًا، فربما لا يمكنها أن تستمر في هذا الغلاف الحيوي.

فكِّر في الشكل 6-3. هل التشابه والتدرج يُثبِتان أن الغلاية تطورت من ملعقة الشاي؟ لا. إن التشابه والتدرج لا يعنيان أوتوما تيكيًا سلفًا مشتركًا. وفي هذه الحالة نعرف أنهما يعنيان خالقًا أو مصممًا مشتركًا. وهو ما ينطبق على الكائنات الحية الحقيقة.

 

كما ذكرنا آنفًا، قدرة أبجدية الـDNA الوراثية على احتواء رسالة تساوي قدرة الأبجدية الإنجليزية على احتواء رسالة (الفرق الوحيد هو أن أبجدية الـDNA لا تضم إلا أربعة حروف مقابل ستة وعشرين حرفًا في الأبجدية الإنجليزية). فبما أن كل الكائنات الحية تحوي DNA بقواعده الأربعة التي تحتوي على النيتروجين (الممثَّلة بالحروف أ، ث، س، ج)، من الطبيعي أن نتوقع درجة عالية من التشابه في المعلومات بين الكائنات سواء أكانت متصلة بسلف واحد أم لا.

ولنستخدم مثالاً من اللغة الإنجليزية لتوضيح ما نقصده. إليك جملتين مكونتين من الحروف نفسها:

Charles Darwin was a scientific god. كان تشارلز داروين إلهاً علميًا.

Charles Darwin was a scientific dog. كان تشارلز داروين كلبًا علميًا.

رغم أن حروف الجملتين متماثلة وترتيب الحروف يكاد يكون متماثلاً (بدرجة تزيد عن 90%)، فالفرق الضئيل في الترتيب يؤدي إلى معنيين متضادين. وهكذا أي فرق ضئيل في ترتيب الحروف (أ، ث، س، ج) في الكائنات الحية قد يؤدّي إلى كائنات بعيدة جدًا عن بعضها البعض على شجرة التطور الافتراضية. فمثلاً بينما تبين بعض الدراسات أن تشابه الـDNA بين البشر والقردة العليا الأقرب شبهًا بالإنسان قد يصل إلى حوالي 90% تبين دراسات أخرى أن تشابه الـDNA بين البشر والفئران يبلغ أيضًا حوالي 90%.

ولكن هذه التشابهات محل خلاف وليست مفهومة على نحو كامل. فيجب القيام بمزيد من البحث في هذا المجال. ولكن إن كان التشابه الوراثي بين الفئران والبشر يعادل التشابه بين القردة العليا والبشر، فإن هذا من شأنه أن يُعَقَّد أي تفسير دارويني تعقيدًا كبيرًا.

ولكن نفترض أن مزيدًا من الدراسات سيُظهر يومًا ما أن DNA القردة العليا أكثر شبهًا بالبشر من DNA سائر الكائنات. فهذا لن يُثبِت ما يخلص إليه الدراوينيون بخصوص السلف المشترك. فقد يرجع التشابه إلى خالق مشترك لا إلى سلف مشترك. لذا علينا أن نجد دليلاً آخر على المستوى الجزيئي يساعدنا في اكتشاف ما إذا كانت الشفرة الوراثية المشتركة دليلاً على سلف مشترك أم خالق مشترك.

وقد وُجِدَ ذلك الدليل الآخر بمقارنة سلاسل البروتين. البروتينات هي الوحدات الأساسية لبنية الحياة. وهي تتكون من سلاسل طويلة من الوحدات الكيميائية التي يُطلَق عليها الأحماض الأمينية. ومعظم البروتينات تحوي في بنيتها أكثر من 100 حمض أميني يجب أن يكون لها ترتيب محدد جدًا. والـDNA هو ما يحتوي على تعليمات الأحماض الأمينية في البروتينات، والترتيب مسألة حرجة لأن أي تغيير عادةً ما يؤدي إلى خلل في وظيفة البروتين.

وإليك أين تنشأ المشكلة أمام الدراوينيين. لو كانت كل الأنواع تشترك في سلف واحد، يجب أن نتوقع أن نجد سلاسل برويتينية في شكل انتقالي transitional form، أي مثلاً أثناء المرحلة الانتقالية من الأسماك إلى البرمائيات، أو من الزواحف إلى الثدييات. ولكن ليس هذا ما نجده على الأطلاق. بل نجد أن الأشكال الأساسية منعزلة جزيئيًا عن بعضها البعض، وهو ما ينفي أي نوع من الصلة بسلف واحد. ويقول مايكل دنتون:

ليس هناك أي أثر على المستوى الجزيئي للانتقال التطوري من الأسماك البرمائيات الزواحف الثدييات. فالبرمائيات، التي دائمًا ما تُعتبر تقليديًا شكلاً متوسطًا بين الأسماك وغيرها من الفقاريات البرية، تبعد جزيئيًا عن الأسماك بُعْد أي مجموعة من الزواحف أو الثدييات عن الأسماك! إن النتيجة مدهشة حقًا للعارفين جيدًا بالصورة التقليدية لتطور الفقاريات.

لذا، رغم أن كل الكائنات الحية تشترك في شفرة وراثية واحدة بدرجات متفاوتة من التشابه، فتلك الشفرة رتبت الأحماض الأمينية في البروتينات على نحو يجعل الأشكال الأساسية منعزلة جزيئيًا عن بعضها البعض. فليس هناك من مراحل انتقالية داروينية، كل ما هنالك فجوات جزيئية متمايزة. والدراوينيون يعجزون عن تفسير وجود هذه الفجوات الجزيئية باستخدام الانتخاب الطبيعي، تمامًا كما يعجزون عن تفسير وجود فجوات ضخمة في سجل الحفريات وهو ما سنتحدث عنه في الجزء التالي).

ماذا عن سجِلّ الحفريات؟

لنراجع سريعًا ما رأيناه حتى الآن. إليك الأدلة الخمسة التي تبين أن الانتخاب الطبيعي ما كان ليمكنه أن يُنتج أشكالاً جديدة من الحياة:

  • الحدود الوراثية
  • التغير التكراري
  • التعقيد غير القابل للاختزال
  • عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة
  • الانعزال الجزيئي

ولكن ألا يؤيد سجلُ الحفريات النظريةَ الدراوينية؟ لنلقِ نظرة.

نظرًا لعدم توافر التكنولوجيا الحديثة في عصر تشارلز داروين، لم يتمكَّن من إدراك المشكلات التي تواجه نظريته على مستوى الخلية. إلا أنه أدرك أن سجل الحفريات يمثل مشكلة كبيرة لنظريته لأنه لا يُظهِر تدرجًا. وهو ما دفعه أن يكتب: “فلماذا لا يزخر كل تكوين جيولوجي وكل طبقة جيولوجية بمثل هذه الحلقات المتوسطة؟ مؤكَّدٌ أن الجيولوجيا لا تكشف عن أي سلسلة عضوية متدرجة. ويبدو أن هذا هو أوضح وأخطر الاعتراضات التي يمكن أن تثار ضد نظريتي”.

إلا أن داروين اعتقد أن مزيدًا من الاكتشافات الأحفورية سيكشف عن صحة نظريته. ولكن الزمن أثبت أنه مخطئ. وعلى عكس ما تسمع في وسائل الإعلام العامة، سجل الحفريات اتضح أنه سبب إحراج هائل للداروينيين. فإن كانت الداروينية صحيحة، لوجدنا حتى الأن آلاف، إن لم يكن ملايين الحفريات الانتقالية. ولكن كما يقول الراحل ستيفن جاي جولد Stephen Jay Gouldعالم الحفريات في جامعة هارفارد (وهو تطوري):

يتميز تاريخ معظم الأنواع البيولوجية المتحجَرة بخاصيتين تتعارضان بشكل خاص مع فكرة التطور التدريجي لهذه الأنواع: 1) السكون Stasis: معظم الأنواع البيولوجية لا يحدث فيها تغير يسير في اتجاه معين اثناء وجودها على الأرض. ويظل شكلها كما هو تقريبًا منذ أن تظهر في سجل الحفريات وحتى تختفي، أي أن التغير التركيبي عادة ما يكون محدودًا ولا يسير في اتجاه محدد. 2) الظهور المفاجئ Sudden appearance: في أي منطقة لا ينشأ النوع البيولوجي تدريجيًا بحدوث تغير مطرد في أسلافه، ولكنه يظهر بغتةً ويكون “مكتمل التكوين”.

أي أن جولد يعترف أن الأشكال الأحفورية تظهر فجأة، مكتملة التكوين، وتظل كما هي حتى تنقرض دون أي تغير اتجاهي، وهو تمامًا ما يتوقع المرء أن يجده إن كان الخلق صحيحًا.

ولكن بدلاً من أن يتبنى جولد نظرية الخلق، رفض التطور التدريجي الدارويني وصاغ نظرية أطلق عليها “التوازن المتقطع” Punctuated Equilibria (PE). وترجّح نظرية التوازن المتقطع أن الأنواع البيولوجية تطورت أسرع على مدار فترة زمنية أقصر، وهو ما يفسّر الفجوات الأحفورية الكبيرة. ولكن جولد لم يبين أي ألية طبيعية لحدوث هذا الأمر، ولكن بما أنه كان ملحدًا كان عليه أن يفسر سجل الحفريات بأي شكل. وهو ما يمثل نموذجًا كلاسيكيًا على السماح للتحيزات بالتشويش على الملاحظات.

ولكن هذا يخرجنا عن موضوعنا. فنقطتنا الأساسية هنا هي أن سجل الحفريات أقرب للخلق فوق الطبيعي منه للماكرو تطور. فالحقيقة أن المفقود من السجل ليس حلقات، بل سلسلة كاملة!

ليس هناك سلسلة؛ لأن كل المجموعات الرئيسية من الحيوانات المعروفة تقريبًا تظهر في سجل الحفريات فجأة وكاملة التكوين في طبقات العصر الكامبري Cambrian period (الذي يُقَدِّر الكثير من العلماء أنه وُجِدَ منذ حوالي 600 إلى 500 مليون سنة). ويكتب جوناثان ولز قائلاً: “الدليل الأحفوري قوي جدًا، والحَدَث مفاجئ وضخم جدًا، حتى إنه عُرِفَ باسم “الانفجار الكامبري” the Cambrian explosion، أو “الانفجار البيولوجي الكبير” biology’s big bang”.

وهذا الدليل بالطبع يتعارض تمامًا مع الداروينية. فكل المجموعات الحيوانية تظهر منفصلة عن بعضها البعض، مكتملة التكوين، وفي وقت واحد. وهو ما لا يدل على تطور تدريجي بل على خلق لحظي. إذَن الشجرة الداروينية التي اعتدنا أن نراها كثيرًا لا تمثل سجل الحفريات الحقيقي تمثيلاٍ صحيحًا. والحقيقة أنه كما يشير ولز: “لو كانت هناك أي مشابَهة نباتية مناسبة، لكانت حوض نباتات، لا شجرة”. ولكان ذلك الحوض يحتوي على رُقَع من الحشائش أو النباتات المختلفة التي تفصلها عن بعضها البعض مساحات شاسعة لا شيء فيها سوى التراب.

والآن لعلك تفكِّر: “ولكن ماذا عن تدرج الجمجمة الذي اعتدنا دائمًا أن نراه؟ ألا يبدو أن الإنسان تطور من القردة العليا؟” منذ عدة سنوان ناظرتُ (أنا نورم) داروينيًا رصَّ جماجم بجوار بعضها على منضدة ليبين أن التطور حدث بالفعل. وصرح قائلاً: “السيدات والسادة، إليكم الدليل على التطور”. أمرك غريب، كيف تتجاهل الحفريات؟ الجماجم تبدو متدرجة. يبدو أنها متصلة بسلف واحد. هل هذا دليل جيد على الداروينية؟ لا، إنه ليس أفضل من الدليل على أن الغلاية الكبيرة تطورت من ملعقة الشاي.

مشكلة الداروينيين أن سجل الحفريات لا يستطيع أن يُثْبِت أي ارتباط بسلف واحد. لمَ لا؟ لأنه كما يقول مايكل دنتون: “99% من التكوين البيولوجي لأي كائن حي يكمن في تشريح أنسجته soft anatomy، وهو ما يستحيل عمله في الحفرية”. أي أنه من الصعب جدًا اكتشاف التكوين البيولوجي للكائن بالنظر إلى بقاياه الأحفورية. ويشير جوناثان ولز إلى أن “الدليل الأحفوري يقبل الكثير من التفسيرات لأن النوع البيولوجي الواحد يمكن أن يُعاد بناؤه بطرق متنوعة، ولأن سجل الحفريات لا يمكنه إثبات سلف مشترك يربط بين كل الكائنات”.

إلا أن هذا لا يردع الداروينيين. فبما أن الداروينية ينبغى أن تكون صحيحة نظرًا لولائهم الفلسفي المسبق، إذَن ينبغي أن يجدوا أدلة تؤيدها. فبدلاً من ان يعترفوا بأن الحفريات لا تستطيع أن تُثبت ارتباط الكائنات بسلف مشترك، يأخذون الواحد في المائة الذي تخبرهم به الحفريات ويستخدمون التسعة والتسعين في المائة من هامش الحرية المتبقي لهم لتصوير اكتشافاتهم الأحفورية على أنها تسد كل الثغرات كما يحلو لهم .

ومع هذا الهامش الفسيح وغياب الحقائق التي تقيّدهم، توفرت لهم الحرية في ابتداع “حلقات مفقودة” بأكملها من بقايا أحفورية في منتهى التفاهة. ولذلك، الكثير مما يسمى “حلقات مفقودة” انكشف فيما بعد أنه مزيف أو خاطئ. وقد كتب هنري جي Henry Gee أحد الكُتَّاب العلميين الرئيسيين في جريدة نيتشر Nature: “إن أخذ تسلسل معيَّن من الحفريات والزعم بأنه يمثِّل سلالة واحدة ليس فرضية علمية قابلة للاختبار، ولكنه تأكيد تتساوى صلاحيته مع قصص قبل النوم، مسلٍّ، وقد يقدّم معلومات مفيدة، ولكنه ليس علميًا”.

إن سجل الحفريات لا يكفي لإثبات العلاقة بسلف مشترك، وفي ضوء ما نعرفه حاليًا عن طبيعة الأنظمة البيولوجية المعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، يتضح أن سجل الحفريات لا يمت بصلة للقضية. وتَشابُه البنية أو التشريح بين الأشكال (يطلق عليه أحيانًا التماثل homology) لا يخبرنا أيضًا بأي شيء عن وجود سلف مشترك. فمايكل بيهي يكتب قائلاً:

التشريح ببساطة لا يمت بصلة لمسألة ما إذا كان حدوث التطور على المستوى الجزيئي ممكنًا أم لا. وهو ما ينطبق على سجل الحفريات أيضًا. فلم يُعد مهمًا ما إذا كان هناك فجوات كبيرة في سجل الحفريات أم أن السجل متصل مثل سجل رؤساء الولايات المتحدة. وإن كانت هناك فجوات، لا يهم ما إذا كان يمكن تفسيرها تفسيرًا معقولاً. فسجل الحفريات ليس عنده ما يخبرنا به عما إذا كانت التفاعلات بين الريتينال-سي تي إس-11 11- cts-retinalوالرودبسين rhodopsin والترانسدوسين transducin والفوسفودايسترس ]phosphodiesterase أنظمة معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال[ قد تكونت خطوة خطوة أم لا.

إذَن وفقًا لما يقوله بيهي، البيولوجيا تتفوق بامتياز على التشريح في تحديد معقولية الماكرو تطور. فكما أن محتويات الكتاب تقدِّم معلومات تتجاوز كثيرًا ما يقدمه غلاف الكتاب، هكذا التكوين البيولوجي للكائن يزودنا بكمية معلومات تزيد كثيرًا عن المعلومات التي يوفرها لنا تكوينه العظمي. ومع ذلك طالما حاجَّ الدارويبنيون بأن تشابه التكوين بين القردة العليا مثلاً والإنسان دليل على السلف المشترك (أو الانحدار من أصل واحد).

فهل يخطر على بالهم ابدًا أن تشابه البنية قد يدلل على مصمم مشترك لا سلف مشترك؟[3] فمهما كان، في عالم محكوم بقوانين فيزيائية وكيميائية معينة، ربما أن عدد البنى التشريحية التي ستسفر عن حيوانات مصمَّمة لتمشي على ساقين سيكون محدودًا جدًا، وبما أننا جميعًا يجب أن نعيش في نفس الغلاف الحيوي، ينبغي أن نتوقع تشابه بعض الكائنات في التصميم.

علاوة على ذلك، رغم أن بنية القردة العليا قد تتشابه مع بنية البشر، الحقيقة المهملة غالبًا هي أنه ليس هناك أي وجه شبه بين القردة العليا والبشر من ناحية والثعابين، والفطريات، والأشجار من ناحية أخرى. ولكن وفقًا للداروينية كل الكائنات الحية تطورت من سلف واحد. وإن قَبِلتَ الداروينية، يجب عليك أن تتمكن من تفسير الاختلاف الشاسع بين الكائنات الحية.

يجب عليك أن تفسّر مثلاً كيف أن النخلة، والطاووس، والأخطبوط، والجرادة، والخفاش، وفرس النهر، والقنفد، وفرس البحر، وخَنَّاق الذباب، والإنسان، وفطر العفَن؛ انحدرت جميعًا من أول حياة معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، دون تدخل ذكي. وعليك أيضًا أن تفسر كيف أتت أول حياة وكيف أتى الكون إلى الوجود. فبلا تفسيرات مقبولة منطقيًا، وهو ما يفشل الداروينيون في تقديمه، فإن الاعتقاد في الداروينية يتطلب إيمانًا مفرطًا. ولذلك لسنا نملك الإيمان الكافي للتحول إلى الداروينية.

هل التصميم الذكي بديل ذكي؟

يمكننا أن نقول المزيد والمزيد عن الماكرو تطور، ولكن المجال لا يسمح لنا أن نتوسع أكثر من ذلك. إلا أنه يمكننا استخلاص استنتاج معقول من البيانات التي بحثناها في هذا الفصل. ففي ضوء سجل الحفريات، والانعزال الجزيئي، واستحالة حدوث مراحل انتقالية، والتعقيد غير القابل للاختزال، والتغير التكراري، والحدود الوراثية (وعجز الداروينيين عن تفسير أصل الكون أو أول حياة)، قد تظن أن الداروينيين سيعترفون أخيرًا أن نظريتهم لا تتفق مع ما لوحظ من أدلة.

ولكن الداروينيون ما زالوا يقدمون قصصًا “بلا دليل” وبلا أساس، وتتناقض فعليًا مع الملاحظة العلمية. فهم ما زالوا يصرّون أن التطور حقيقة، حقيقة، حقيقة! إننا نتفق أن التطور حقيقة، ولكن ليس بالمعنى الذي يقصده الداروينيون. فإن كنت تُعَرِّف التطور بأنه “تغيُّر”، عندئذٍ من المؤكد أن الكائنات الحية قد تطوَّرت. ولكن هذا التطور حدث على المستوى الميكرو، لا الماكرو. وكما رأينا لا يوجد دليل على الماكرو تطور، بل إن عندنا أدلة تؤكد أنه لم يحدث.

فإن لم يكن الماكرو تطور صحيحًا، ما البديل؟ إن لم يكن هناك تفسير طبيعي لأصل الأشكال الجديدة من الحياة، إذَن لا بد من وجود تفسير ذكي. هذا هو الخيار الوحيد المتبقي. فليس هناك مرحلة انتقالية بين الذكاء واللاذكاء. إما ذكاءً تدخل في الأمر أو لا. ولكن الداروينيون لا يحبون هذا الخيار. فما إن تنفذ قدرتهم على الدفاع عن موقفهم بكفاءة باستخدام أدلة علمية محايدة (وهو ما يحدث بسرعة شديدة)، حتى يصوبوا عادةً أسلحتهم على أنصار التصميم الذكي، نحن المؤمنين بذكاء وراء الكون والحياة. وإليك اعتراضاتهم المعتادة وردودنا:

الاعتراض: التصميم الذكي ليس علمًا.

الرد: كما رأينا، العلم بحث عن المسببات، وليس هناك إلا نوعان من المسببات: الذكية وغير الذكية (الطبيعية). وزَعْم الداروينيين بأن التصميم الذكي ليس علمًا مبني على تعريفهم للعلم، وهو تعريف متحيز. ولكن هذه حجة دائرية![4] فإن كان تعريفك للعلم يستبعد المسببات الذكية مسبقًا، إذَن لن تعتبر أبدًا التصميم الذكي علمًا. إلا أن المضحك في أمر الداروينيين هو أنه: إن لم يكن التصميم الذكي علمًا، فالداروينية مثله. لماذا؟ لأن كلاً من الداروينيين وعلماء التصميم الذكي يحاولون اكتشاف ما حدث في الماضي.

والأسئلة المختصة بالأصل أسئلة أدلة جنائية، ومن ثم تتطلب استخدام مبادئ علم الأدلة الجنائية التي ناقشناها. والحقيقة أن استبعاد الداروينيين للتصميم الذكي من مجال العلم يعني أنهم يستبعدون أنفسهم ويستبعدون علم الآثار، وعلم الشفرة السرية، والأبحاث الجنائية المستخدمة في الجرائم والحوادث، والبحث عن ذكاء من خارج الأرض. كل هذه علوم أدلة جنائية مشروعة تفحص الماضي للتوصل إلى مسببات ذكية. إذَن لا بد أن التعريف الدارويني للعلم ينطوي على خطإً ما.

جدول 6-2 يبين الفرق بين العلم التجريبي وعلم الأدلة الجنائية:

العلم التجريبي

(الذي يدرس العملية الحالية Operation)

علم الأدلة الجنائية

(الذي يدرس الأصل Origin)

يدرس الحاضر

يدرس الماضي

يدرس الأحداث المنتظمة regularities

يدرس الأحداث الانفرادية singularities

يدرس المتكرِّر

يدرس غير المتكرِّر

يمكن إعادة الحدث

يستحيل إعادة الحدث

يدرس كيف تعمل الأشياء

يدرس كيف بدأت الأشياء

يُختبَر بتكرار التجريب

يُختبَر بالنمطية

يسأل: كيف يعمل الشيء؟

يسال: ما أصل الشيء؟

أمثلة:

كيف تسقط المياه؟

كيف تتآكل الصخور؟

كيف يعمل المحرك؟

كيف يلتصق الحبر بالورق؟

كيف تعمل الحياة؟

كيف يعمل الكون؟

أمثلة:

ما أصل المحطة الكهرومائية؟

ما أصل جبل رَشمور؟

ما أصل المحرك؟

ما اصل هذا الكتاب؟

ما أصل الحياة؟

ما أصل الكون؟

 

الجدول 6-2

الاعتراض: التصميم الذكي يرتكب مغالطة إله الفجوات.

الرد: تحدث مغالطة إله الفجوات عندما يعتقد المرء خطأً أن الله سبَّب الحدث رغم أنه في الواقع نتج بسبب ظاهرة طبيعية لم تُكتشَف. فمثلاً، كان الناس يعتقدون أن الله هو المسبب المباشر للبرق. فقد كانت هناك فجوة في معرفتنا بالطبيعة، فنَسَبْنا الأثر لله. ويؤكد الداروينيون أن المؤمنين بالله الخالق يفعلون الشيء نفسه عندما يزعمون أن الله خلق الكون والحياة. فهل هم على صواب؟ لا، لعدة اسباب.

أولاً، عندما نخلص إلى أن ذكاءً خلق أول خلية أو المخ البشري، لا نقول ذلك لمجرد إننا نفتقر لأدلة تشير إلى تفسير طبيعي؛ ولكن لأننا أيضًا نمتلك أدلة إيجابية يمكن رصدها تجريبيًا على وجود مسبب ذكي. فالرسالة (التعقيد المحدد) يمكن رصدها تجريبيًا. وعندما نرصد رسالة، مثل “أَخْرِج القمامة-ماما” أو 1000 موسوعة، نعرف أنه من المؤكد أنها أتت من كائن ذكي لأن كل خبراتنا القائمة على الملاحظة تخبرنا أن الرسائل لا تأتي إلا من كائنات ذكية.

فكلما نلاحظ رسالة، نجد أنها آتية من كائن ذكي. ونحن ندمج هذه البيانات مع حقيقة أننا لا نلاحظ أبدًا قوانين طبيعية تنشيء رسائل، ونعرف أنه لا بد أن يكون المسبب كائنًا ذكيًا. وهذا استنتاج علمي مقبول بناءً على الملاحظة والتكرار. فهي ليست محاجة تقوم على الجهل، ولا تقوم على أي “فجوة” في معرفتنا.

ثانيًا، علماء التصميم الذكي يقبلون كلاً من المسببات الطبيعية والذكية. فهم لا يعارضون البحث المستمر عن تفسير طبيعي لأول حياة. ولكن كل ما في الأمر أنهم يلاحظون أن كل التفسيرات الطبيعية المعروفة تبوء بالفشل، وكل الأدلة التي يمكن رصدها تجريبيًا تشير إلى مصمم ذكي.

والآن يمكننا أن نتساءل عن الحكمة وراء الاستمرار في البحث عن مسبب طبيعي للحياة. وسأل وليم دمبسكي الذي نشر أبحاثًا موسعة في التصميم الذكي قائلاً: “متى يتحول الإصرار ]على إيجاد مسبب طبيعي[ إلى صلابة دماغ حمقاء؟ … إلى متى يجب أن نستمر في البحث حتى يحق لنا أن نتوقف عن البحث ونعلن أنه لا جدوى من استمرار البحث، بل أيضًا أن موضوعَ البحثِ نفسَه لا وجود له؟”

فكِّر في مضامين سؤال دمبسكي. هل يجب أن نستمر في البحث عن مسبب طبيعي لظواهر مثل جبل رَشمور أو رسائل مثل “أَخْرِج القمامة-ماما”؟ متى يُغلَق هذا الملف؟

والتر برادلي Walter Bradley، المشارك في تأليف كتاب الأثر بعنوان “سر أصل الحياة” The Mystery of life’s Origin يعتقد أنه “لا يبدو أن هناك أي إمكانية للعثور على ]تفسير طبيعي[” لأصل الحياة. وهو يضيف قائلاً: “أظن أن مَن يعتقدون أن الحياة نشأت طبيعيًا يحتاجون إلى قدر من الإيمان يفوق بكثير إيمان من يستدلون منطقيًا على مصمم ذكي”.

بصرف النظر عما إذا كنت تعتقد أنه علينا أن نستمر في البحث عن تفسير طبيعي أم لا، فالنقطة الرئيسية هي أن علماء التصميم الذكي يقبلون كلاً من المسببات الطبيعية والذكية. ولكن اتضح أن المسبب الذكي هو أكثر ما يتفق مع الأدلة.

ثالثًا، استنتاج التصميم الذكي يمكن تخطيئه. أي أن التصميم الذكي يمكن إثبات خطئه إذا اكتُشِف يومًا ما أن القوانين الطبيعية خلقت التعقيد المحدد. إلا أن هذا لا يمكن أن ينطبق على الموقف الدارويني. فالداروينيون لا يسمحون بتخطيء “قصة الخلق” الخاصة بهم لأنهم، كما أشرنا، لا يسمحون بالتفكير في أي قصة خلق أخرى. وذلك لأن “عِلمهم” ليس مبدئيًا يقبل المراجعة أو التصحيح، ولكنه أضيق أفقًا من تعاليم الكنيسة المتصلبة التى يحلو للداروينيين انتقادها.

وأخيرًا، الحقيقة أن الداروينيين هم من يرتكبون مغالطة إله الفجوات. فداروين نفسه اتُّهِم ذات مرة بأنه يعتبر الانتخاب الطبيعي “قوة عاملة أو الله” (انظر الفصل الرابع من كتاب “أصل الأنواع” Origin of Species). ولكن يبدو ان الانتخاب الطبيعي هو فعلاً الله أو “إله الفجوات” عند الداروينيين اليوم. فعندما يفشلون تمامًا في معرفة كيف وًجِدَت الأنظمة البيولوجية الغنية بالمعلومات والمعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، يسدون فجوتهم المعرفية بأن يزعموا أن الانتخاب الطبيعي، والزمن، والصدفة فعلت ذلك.

إن قدرة هذه الآلية على خلق أنظمة بيولوجية غنية بالمعلومات تناقض الأدلة التي ثبتت بالملاحظة. فالطفرات ضارة في كل الحالات تقريبًا، والزمن والصدفة ليسا في صالح الداروينيين كما شرحنا في الفصل الخامس. والانتخاب الطبيعي في أحسن الأحوال قد يكون مسؤولاً عن تغيرات طفيفة في الأنواع الحية، ولكنه لا يستطيع أن يفسر أصل الأشكال الأولى من الحياة.

فالانتخاب الطبيعي لكي يحدث أصلاً يحتاج إلى كائن حي يبدأ به عمله. ولكن، بالرغم مما يتضح من مشكلات في الآلية الداروينية، يصر الداروينيون على أنها تسد أي فجوة في معرفتهم. وإضافة إلى ذلك، يتجاهلون عمداً الأدلة الإيجابية المرصودة بالتجريب على وجود كائن ذكي. أن هذا ليس علمًا بل عقيدة جامدة لدين علماني. فالداروينيون مثل معارضي جاليليو يسمحون لديانتهم أن تتغلب على الملاحظات العلمية!

الاعتراض: التصميم الذكي مدفوع بالدين.

الرد: هذا الاعتراض له شقان. الأول هو أن بعض أنصار التصميم الذكي قد يكونون مدفوعين بالدين. وما العيب في ذلك؟ هل هذا يجعل التصميم الذكي خاطئًا؟ هل الدافع الديني عند بعض الداروينيين يجعل الداروينية خاطئة؟ لا، الحق لا يكمن في دوافع العلماء، بل في جودة الأدلة. فدافع العالِم أو تحيزه لا يعني بالضرورة أنه مخطئ. فمن الممكن أن يكون متحيزًا ومع ذلك صائبًا. التحيز أو الدافع ليس هو القضية الأساسية، ولكن الحق هو القضية.

واحيانًا ما يقال الأعتراض بهذه الطريقة: “لا يمكنك أن تصدق أي شيء يقوله عن الأصول لأنه خَلْقيّ”. على أي حال، إن كان السيف يقطع، فهو يقطع على الجانبين. أي أنه يمكننا أيضًا أن نقول: “لا يمكنك أن تصدق أي شيء يقوله عن الأصول لأنه دارويني”.

لماذا تُعتبَر الاستنتاجات الخَلْقية فورًا متحيزة وتُعتبَر الاستنتاجات الداروينية تلقائيًا موضوعية؟ لأن الأغلبية لا تدرك أن الملحدين لديهم منظور فلسفي للحياة مثلهم مثل الخَلْقيين. وكما نرى منظور الملحدين الفلسفي ليس محايدًا وهو يتطلب فعليًا قدرًا من الإيمان يزيد عن إيمان الخلقيين.

وكما ذكرنا آنفًا، إن التحيزات الفلسفية او الدينية تمنع المرء من تفسير الأدلة تفسيرًا صحيحًا، عندئذٍ يحق لنا أن نشك في استنتاجاته. وفي الموضوع الذي نحن بصدده، يبدو أن الداروينيين هم أكثر من يواجهون تلك المشكلة. إلا أن النقطة الرئيسية هي أنه حتى إن كان المرء مدفوعًا بالدين أو الفلسفة، يمكنه تصحيح استنتاجاته بنظرة مخلصة للأدلة. فالعلماء على الجانبين قد يصعب عليهم أن يكونوا محايدين، ولكنهم إن كانوا أمناء، يمكنهم أن يكونوا موضوعيين.

أما الشق الثاني في هذا الأعتراض هو الاتهام القائل بأن مؤيدي التصميم الذكي ليس لديهم أدلة على موقفهم، كل ما في الأمر أنه يرددون كلام الكتاب المقدس ترديدًا ببغائيًا. وهذا الشق من الاعتراض لا ينجح أيضًا.

فمعتقدات التصميم الذكي قد تتوافق مع الكتاب المقدس، ولكنها لا تقوم على الكتاب المقدس. ولكن كما رأينا، التصميم الذكي استنتاج يقوم على أدلة مرصودة تجريبيًا، لا على نصوص مقدسة. وكما أشار بيهي “الحياة على الأرض أساسها، وفي مكوناتها الجوهرية نتاج نشاط ذكي. واستنتاج التصميم الذكي ينبع تلقائيًا من البيانات نفسها، لا من كتب مقدسة أو معتقدات دينية”.

التصميم الذكي ليس “عِلمًا خَلْقيًا” أيضًا. علماء التصميم الذكي لا يزعمون مزاعم المدعوين “علماء الخلق”. فهم لا يقولون أن البيانات تؤيد بكل وضوح منظور سفر التكوين ذا الأيام الستة التي يتكون كل منها من أربع وعشرين ساعة، ولا طوفانًا غطى العالم كله. ولكنهم يعترفون أن البينات المؤيدة للتصميم الذكي لا تقوم على عمر أو تاريخ جيولوجي محدد للأرض.

وعلماء التصميم الذكي يدرسون في الطبيعة نفس الأشياء التي يدرسها الداروينيون، وهي الحياة والكون نفسه، ولكنهم يتوصّلون لاستنتاج أكثر منطقية بخصوص مسبِّب تلك الأشياء. باختصار، بصرف النظر عما يقوله الكتاب المقدس في هذا الموضوع، الداروينية مرفوضة لأنها لا تتوافق مع البيانات العلمية، والتصميم الذكي مقبول لأنه متوافق مع البيانات.

الاعتراض: التصميم الذكي خاطئ لأن المدعو تصميمًا لا يتسم بالكمال.

الرد: طالما حاجَّ الداروينيون أنه لو وُجِد مصمِّم، لصمَّم المخلوقات على نحو أفضل. وهو ما أشار إليه ستيفن جاي في كتابه “إبهام الباندا” The Panda’s Thumb حيث استشهد بالتصميم غير المثالي للبروز العظمي الذي يقوم مقام الإبهام عند حيوان الباندا.

إن مشكلة الداروينيين أن هذا ينقلب إلى حجة لمصلحة المصمم لا حجة ضده. أولاً، وصف جولد لشيءٍ ما بأنه تصميم غير مثالي يعني ضمنيًا أنه يعرف التصميم المثالي. لأنه لا يمكنك أن تعرف شيئًا ما غير مثالي إلا إذا كنت تعرف المثالي. إذَن ملاحظة جولد لتصميم غير مثالي تمثل اعترافًا ضمنيًا بأنه يمكن رصد تصميم في إبهام الباندا. (بالمناسبة، هذا سبب آخر يجعل الداروينيين مخطئين عندما يؤكدون أن التصميم الذكي ليس علمًا.

فعندما يزعمون أن شيئًا ما ليس مصممًا بشكل صحيح، يقصدون ضمنًا أنهم يستطيعون أن يحددوا التصميم الصحيح. وهو ما يثبت ما يقوله علماء التصميم الذكي منذ زمن بعيد، ألا وهو أن التصميم الذكي علمًا لأنه يمكن رصده تجريبيًا).

ثانيًا، التصميم غير المثالي لا يلغي وجود تصميم. وهو ما يعني أنه حتى إن حَكمْتَ أن شيئًا ما ليس مصممًا بالشكل المثالي، لا يعني هذا أنه ليس مصمَّمًا على الإطلاق. فسيارتك ليست مصممة بالشكل المثالي، ومع ذلك فهي مصممة، مؤكد أنها لم تتكون بالقوانين الطبيعية.

ثالثًا، حتى تقول إن شيئًا غير مثالي، لا بد أن تعرف أهداف المصمم أو أغراضه.فإن كان جولد لا يعرف ما كان يقصده المصمم، فلا يمكنه أن يقول إن التصميم يَقْصُر عن بلوغ تلك المقاصد. فكيف يعرف جولد أن إبهام الباندا ليس هو بالضبط ما كان في عقل المصمم؟

جولد يفترض أن إبهام الباندا يجب أن يكون مجاورًا للسبابة كما هو الحال في الإنسان. ولكن ربما أن المصمم أراد إبهام الباندا بالشكل الذي هو عليه. وبالرغم من كل شيء، فإبهام الباندا يؤدي غرضه بامتياز في مساعدة الباندا على تقشير نباتات البامبو حتى يصل إلى جزئه الداخلي الذي يمكن أكله. من المحتمل أن الباندا لا يحتاج إبهامًا مجاورًا للسبابة لأنه لا يحتاج أن يكتب كتابًا مثل جولد، ولكن كل ما يحتاجه هو تقشير البامبو. لذا، لا يمكن لجولد أن يخَطِّئ مصمم ذلك الإبهام إن كان الغرض منه لا يزيد عن تقشير البامبو.

أخيرًا، في عالم مقيَّد بالواقع الفيزيائي، يتطلب التصميم كله تحقيق نوع من التوازن. فحسابات اللاب توب لا بد أن تُوازِن بين الحجم، والوزن، والأداء. والسيارات الكبيرة قد توفر مزيدًا من الأمان والراحة، ولكن التحكم فيها أصعب وتستهلك كمية أكبر من الوقود. السقوف العالية تُزيد الغرف فخامةً، ولكنها تستهلك أيضًا مزيدًا من الطاقة. ونظرًا لاستحالة التخلص من التوازنات في هذا العالم، على المهندسين أن يبحثوا عن حلول وسطية تحقق الأغراض المرجوة بأفضل ما يمكن.

فمثلاً، لا يمكنك أن تعيب على تصميم سيارة صغيرة لأنها لا تكفي خمسة عشر راكبًا. فالهدف هو أن تحمل أربعة ركاب لا خمسة عشر راكبًا. وذلك لأن مصنع السيارات ضحى بالحجم في سبيل توفير الوقود وحَقَّقَ الغرض المرجو. وهكذا، ربما يُعَدّ تصميم إبهام الباندا حلاً وسطًا يحقق الأغراض المرجوة. فالإبهام مناسب جدًا لتقشير البامبو. ربما لو صُمِّمَ الإبهام بأي شكل آخر، لأعاق الباندا في مجال آخر. فنحن لا نعرف إلا إذا عرفنا أهداف المصمم. ولكن ما نعرفه بالتأكيد أن انتقادات جولد لا تنجح دون معرفة تلك الأهداف.

إذَن لماذا يوجد داروينيون حتى الآن؟

إن كانت أدلة التصميم الذكي بهذه القوة، إذَن لماذا يوجد داروينيون حتى الآن؟ فمهما كان، هؤلاء الأشخاص ليسوا سُذَّجًا، بل أسماؤهم عادةً ما تكون مسبوقة بلقب دكتور!

أول ما يجب ملاحظته أن المسألة ليست مجرد قضية فكرية حيث ينظر الداروينيون إلى الأدلة نظرة متجردة من المشاعر الشخصية ثم يتوصلون إلى استنتاج عقلاني. فقد كتب ريتشارد دوكينز هذه الكلمات المشهورة: “إن التقيتَ بشخص يزعم أنه لا يؤمن بالتطور، تستطيع أن تقول بكل إرتياح وثقة إنه جاهل، أو غبي، أو مجنون (أو شرير، وإن كنت لا أفضل أن آخذ هذا الوصف في الحسبان)”. وطبعًا تعليق دوكينز خاطئ بكل بساطة.

وذلك لأن هناك عباقرة حملة دكتوراه يؤمنون بالتصميم الذكي. ولكن السؤال الحقيقي هو: لماذا الإهانات؟ لماذا الانفعال؟ لماذا العداوة؟ كنت أظن أن الموضوع علمي. لا بد أن هناك شيئًا آخر. نعم. لنرجع إلى كلام ريتشارد ليونتِن الذي اقتبسناه في الفصل السابق. تَذَكَّر تأكيده أن الداروينيين يؤمنون بما يؤمنون به من عبث لأن “المادية مطلقة لأننا لا نستطيع أن نسمح بدخول قَدَم إلهية من الباب”. هذه هي القضية الحقيقية! إبقاءُ الله خارجًا. ولكن لماذا لا يريد الداروينيين “قدمًا إلهية في الباب”؟ نقترح أربعة أسباب رئيسية.

أولاً، اعتراف الداروينيين بالله يعني الاعتراف بأنهم ليسوا السلطة المرجعية العليا للحق. فحاليًا في هذا العالم المتقدِّم تكنولوجيًا، تنظر العامة إلى العلماء باعتبارهم السلطة المرجعية الموقَّرة، إنهم الكهنة الجدد الذين بِيَدِهم إمكانية تحسين الحياة والذين يشكلون المصدر الوحيد للحق الموضوعي. ولكن السماح بإمكانية وجودِ الله يعني التنازل عن زعمهم بأنهم أصحاب السلطة العليا.

ثانيًا، اعتراف الداروينيين بالله يعني الاعتراف أنهم ليسوا أصحاب السلطة المرجعية المطلقة في تفسير المسببات. بمعنى أنه إن كان الله موجودًا لا يمكنهم أن يفسروا كل حدث باعتباره نتيجة لقوانين طبيعية يمكن التنبؤ بها. وهو ما عَبَّرَ عنه ريتشارد ليونتن على هذا النحو: “الاحتكام إلى إله كلي القدرة يعني السماح بخرق منتظِمات الطبيعة في أي لحظة، والسماح بالمعجزات”. وكما أشار جاسترو أنه عندما يحدثُ ذلك “يفقد العالِم السيطرة” ويتركها لله بالتأكيد، وربما للاَّهوتي.

ثالثًا، اعتراف الداروينيين بالله يعني المخاطرة بأمانهم المادي وإعجاب الناس بهم على المستوى المهني. كيف؟ بسبب الضغط الشديد من المجتمع الأكاديمي لنشر مواد تؤيد التطور. هات موضوعًا مهمًا، وقد تجد نفسك على غلاف مجلة ناشونال جيوجرافك National Geographic أو موضوع حلقة خاصة على محطة بي. بي. إس PBS. وإن لم تجد شيئًا مهمًا، قد تجد نفسك خارج وظيفتك، أو قد تفقد الأموال الممنوحة لك، أو تفقد على الأقل رضا زملائك المؤمنين بالفلسفة المادية. إذَن المال، والأمان الوظيفي، والمركز الاجتماعي كلها دوافع لتأييد المنظور الدارويني.

أخيرًا، وربما الأهم، اعتراف الداروينيين بوجودِ الله يعني الاعتراف بأنهم لا يملكون سلطةَ تعريفِ الصواب والخطإ بأنفسهم. فاستبعاد الداروينيين لما هو فائق للطبيعة يُمَكِّنهم من تجنب إمكانية وجود ممنوعات أخلاقية. لأنه إن لم يكن هناك إله، يكون كل شيء مشروعًا، كما قالت إحدى الشخصيات في رواية للكاتب دوستويفسكي. (سنتناول الارتباط بين الله والأخلاق في الفصل القادم).

والحقيقة أن الراحل جوليان هَكسلي Julian Huxleyأحد قادة الداروينيين في إحدى الفترات، اعترف أن الحرية الجنسية دافع شائع وراء العقيدة التطورية. وعندما سأله مرف جريفن Merv Griffin مضيف البرامج الحوارية: “لماذا يؤمن الناس بالتطور؟” أجاب بصدق قائلاً: “سبب قبولنا للداروينية، حتى دون برهان، هو أننا لم نُرِدْ أن يتدخل الله في أعرافنا الجنسية”. لاحظ أنه لم يستشهد بأدلة على التولد التلقائي ولا من سجل الحفريات. والدافع الذي لاحظ انتشاره بين التطوريين يقوم على استحسانات أخلاقية، لا أدلة علمية.

ويكشف الملحد السابق لي ستروبِل Lee Strobel أن إيمانه بالداروينية يرجع إلى هذا الدافع. فهو يكتب: “كنتُ سعيدًا أن أتعلق بالداروينية كذريعة للتخلص من فكرِة الله حتى أتمكن من تحقيق أغراضي في الحياة بلا خجل دون أي محاذير أخلاقية”.

وقد اعترف بعض الداروينيين أيضًا بذلك للكاتب والمحاضر رون كارلسون. ففي إحدى المناسبات، بعد أن ألقى محاضرة في جامعة كبرى عن مشكلات الداروينية وأدلة التصميم الذكي، تناول العشاء مع أستاذ علم الأحياء حَضَرَ عَرْضَه.

فسأله كارلسون: “ما رأيك في محاضرتي؟”

فبدأ الأستاذ كلامه قائلاً: “رون، كلامك صحيح ومعقول جدًا. ولكني سأستمر في تدريس الداروينية على أي حال”.

فتحير كارلسون وسأله: “لماذا؟”

أجاب الأستاذ: “بصراحة يا رون لأن الداروينية مريحة أخلاقيًا”.

فسأل كارلسون بإلحاح: “مريحة أخلاقيًا؟ ماذا تقصد؟”

أجاب الأستاذ: “أقصد إن كانت الداروينية صحيحة، أي أن لم يكن الله موجودًا وكلنا تطورنا من طحالب خضراء لزجة، يمكنني أن أنام مع من أريد. في الداروينية لا مُساءلة أخلاقية”.

إنها لحظة صدق تام. طبعًا هذا لا يعني أن كل الداروينيين يفكرون بهذه الطريقة أوأن كل الداروينيين غير أخلاقيين، فلا شك أن البعض يعيشون حياة أخلاقية أفضل من الكثيرين ممن يُدْعَون مسيحيين. ولكنه يكشف ببساطة أن بعض الداروينيين مدفعون لا بالأدلة بل برغبة في أن يظلوا أحرارًا مما يضعه الله من محاذير أخلاقية معروفة.

وهذا الدافع قد يؤدي بهم إلى إخماد الأدلة على وجود خالق حتى يواصلوا حياتهم بالطريقة التي تحلو لهم. (وبهذا المعنى لا تختلف الداروينية عن الكثير من أديان العالم الأخرى من حيث إنها تقدم طريقة للتعامل مع الذنب الذي ينتج من السلوك غير الأخلاقي. الفرق هو أن بعض الداروينيين بدلاً من أن يُقِرَوا بالذنب ويقدموا طرقًا للتكفير عنه أو قواعد لتجنبه، يحاولون أن يتجنبوا أي إشارة للذنب بتأكيد أنه ليس هناك سلوك غير إخلاقي حتى نكون مذنبيين بارتكابه).

هذه الدوافع الأربعة التي اقترحناها يجب ألا تدهشنا. فالجنس والسلطة هما الدافعان اللذان يشكلان أساس الكثير من مناقشتنا الثقافية الأشَدّ حدةً، مثل تلك المختصة بالإجهاض والمثلية الجنسية. ففي أغلب الأحيان يتخذ الناس في تلك المجادلات المواقف التي تتماشى مع رغباتهم الشخصية فحسب بدلاً من أن يفكروا في الأدلة.

وكذلك الاعتقاد في الداروينية غالبًا ما يكون مسألة إرادية أكثر منه مسألة عقلية. وأحيانًا يرفض الناس ما يعرفون أنه حقيقي بسبب ما سيُحدثه من تأثير على حياتهم الشخصية. وهو ما يفسر اقتراح بعض الداروينيين لهذه التفسيرات العبثية “المناقضة لما هو واضح”، التفسيرات التي “تخالف الحس العام”. فالبرغم من الأدلة الصريحة على التصميم، هؤلاء الداروينيون يخشون تدخل الله في حياتهم الشخصية أكثر مما يخشون أن يكونوا مخطئين في استنتاجتهم العلمية.

وهو ما لا يعني أن كل الداروينيين لديهم هذه الدوافع وراء معتقداتهم. فالبعض قد يعتقدون فعلاً أن الأدلة تؤيد نظريتهم. ونظن أنهم يكَوِّنون هذا المفهوم الخاطئ لأن معظم الداروينيين نادرًا ما يدرسون أبحاثًا في مجالات أخرى. والنتيجة أن عددًا قليلاً جدًا هو من يرى الصورة كاملة.

وهو ما ينطبق بوجه خاص على علماء الأحياء. فعالِم الأحياء الخلوية والجزيئية جوناثان ولز يشير إلى أن “معظم علماء الأحياء أمناء ومجتهدون وحريصون على تقديم الأدلة بدقة، ولكنهم نادرًا ما يغامرون بالخروج من مجالاتهم”. وهو ما يعني أنه بالرغم من أنهم أمناء في عملهم، فهم لا يرون إلا قطعة اللغز التي تخصهم.

وبما أن معظم علماء الأحياء تعلموا أن سطحَ علبة اللغزِ الداروينيَّ صحيح بوجه عام (فقط تلك التفاصيل المزعجة هي التي لم يوجد لها حل حتى الآن)، إذَن هم يفسرون قطعة اللغز التي تخصهم بناءً على سطح العلبة الذي في عقولهم، مفترضين صدق المنظور الدارويني ومفترضين أن أقوى الأدلة على الداروينية موجودة في مجال آخر من مجالات علم الأحياء.

لذا، حتى إن كانوا لا يرون أدلة على التولد التلقائي أو الماكرو تطور في قطعة اللغز التي تخصهم، فمن المؤكد أن الدليل موجود في مجال آخر في علم الأحياء لأن سطح العلبة الدارويني يستلزم أن تكون الأمور صحيحة. وهذه الظروف تجعل علماء الأحياء لا يَشُكّون في النموذج التطوري.

ما اهمية عمر الكون؟

لا نستطيع أن نترك مناقشة التطور والخلق دون أن نذكر على الأقل عمر الكون. وبما أن الآراء تتعدد حول هذا الموضوع، وخاصةً في الدوائر المسيحية، فالمجال هنا لا يسمح بتناول كل هذه الآراء (ولكنها مشروحة بالتفصيل في “موسوعة بيكر للدفاعيات المسيحية واللاهوت النظامي، الجزء الثاني” Baker Encyclopedia of Christian Apologetics and Systematic Theology, Volume 2).

إلا أننا نريد أن نؤكّد أنه رغم أن عمر الكون مسألة لاهوتية مهمة، فالأهم ليس متى خُلِقَ الكون ولكن أنه خُلِقَ. وكما رأينا الكون انفجر إلى الوجود من العدم، وقد ضُبِطَ ضبطًا دقيقًا ليدعم الحياة على الأرض. وبما أن هذا الكون، بما فيه مُتَصَّل الزمكان time-space continuum كله، له بداية، إذَن يتطلب بادئًا بغضِّ النظر عن الوقت الذي حدثت فيه هذه البداية. وهكذا، بما أن هذا الكون مصمَّم، إذَن هو يتطلب مصمِّمًا بغض النظر عن الوقت الذي تم فيه هذا التصميم.

يمكننا أن نناقش مدة أيام سفر التكوين، أو ما إذا كانت الافتراضات التي تقوم عليها أساليب تحديد عمر الأرض افتراضات صحيحة. ولكننا عندما نفعل ذلك، لا بد أن نحترس من التشويش على الفكرة الأهم، ألا وهي أن هذه الخليقة تتطلب خالقًا.[5]

 

الملخص والخلاصة

 

والآن نصل إلى فصل القول. ليس هناك فعليًا إلا احتمالان: إما أن الله خَلَقَنا، أو أننا خَلَقْنا الله. إما أن الله موجود فعلاً، أو أنه من نسجِ عقولنا. وكما رأينا الداروينية حيث لا إله هي نتاج العقل البشري. ولا بد أن تتمتع بقدر كبير من الإيمان حتى تصبح داروينيًا. وعليك أن تؤمن أنه بدون تدخل ذكي:

1- شيء نشأ من لا شيء (أصل الكون).

2- النظام نشأ من الفوضى (تصميم الكون).

3- الحياة نشأت من اللاحياة (أي أن الذكاء نشأ من اللاذكاء، والشخصية من اللاشخصية).

4- الأشكال الجديدة من الحياة نشأت من أشكال حياة موجودة رغم الأدلة التي تُثْبت العكس مثل:

(1) الحدود الوراثية

(2) التغير التكراري

(3) التعقيد غير القابل للاختزال

(4) الانعزال الجزيئي

(5) عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة

(6) سجل الحفريات

 

أذَن الأدلة ليست في صالح الماكرو تطور. ولكن ماذا عن الماكرو تطور الخَلقي؟ ربما ما لا يمكن تفسيره طبيعيًا يصبح له معنى إن أدخلت الله في الصورة.

لماذا هذا الاقتراح؟ لأنه إن وُجِدَت أدلة على الله وعلى الماكرو تطور، إذَن قد نجد سببًا لدمج الاثنين معًا. ولكن كما رأينا، ليس هناك أدلة على الماكرو تطور. فالأمر ليس أن عندنا أدلة متضاربة: بعضها يشير إلى الماكرو تطور، وبعضها يدحضه.

فإن كان عندك مثلاً سجل حفريات يحوى ملايين الأشكال الانتقالية من ناحية، وعندك من ناحية أخرى مخلوقات معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، ربما يمكنك أن ترجح أن الله وَجَّهَ التطور أثناء تلك الفجوات التي لا يربط بينها ارتباط. ولكن بما أن الحال ليس هكذا، يبدو أنه لا حاجة أن يوجِّه الله الماكرو تطور لأنه ليس هناك دليل على حدوث الماكرو تطور أصلاً!

أخيرًا نلقي نظرة على الأدلة من منظور سؤال آخر: ما نوعية الأدلة المطلوبة لإثبات صحة الخلق (التصميم الذكي)؟ ماذا عن:

1- الكون انفجر إلى الوجود من العدم

2- الكون الذي يحوي أكثر من 100 ثابت مضبوطة ضبطًا دقيقًا وتُمَكِّن الحياة من الوجود على هذا الكوكب النائي شديد الصغر الذي يُطلَق عليه الأرض

3- الحياة التي:

  • لوحظ أنها لا تنشأ من حياة موجودة (لم يُلحَظ أبدًا أنها نشأت تلقائيًا)
  • تتكون من آلاف بل ملايين الموسوعات من التعقيد المحدد المرصود تجريبيًا (ومِن ثم فالحياة أعظم من المواد الكيميائية غير الحية التي تحويها)
  • تتغير تكراريًا وفي نطاق محدود
  • لا يمكن بناؤها أو تعديلها تدريجيًا (أي أنها معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال)
  • منعزلة جزيئيًا فيما بين الأشكال الأساسية (ليس هناك تدرج ينحدر من سلف واحد على المستوى الجزيئي)
  • تترك سجل حفريات يحوي كائنات مكتماة التكوين تظهر فجأة، ولا تتغير، ثم تختفي فجأة.

إن نظرة متجردة إلى الحقائق ترجِّح أن الخلق هو الصحيح، وليس الماكرو تطور. وكما رأينا الملحدون عليهم أن يبذلوا جهدًا كبيرًا حتى ينكروا الواضح. ولذلك فهم يحتاجون إلى إيمان أكبر بكثير مما نحتاج إليه.

 

أخيرًا، نقدم مقترحًا في حل الجدل الدائر في هذا البلد بشأن ما يجب تدريسه في المدارس الحكومية عن الخلق والتطور. ما الخطأ في تدريس ما تناولناه من الفصل الثالث إلى السادس؟ لاحظ أننا لم نقتبس آيات من الكتاب المقدس لإثبات أفكارنا. ولكننا استشهدنا بأدلة علمية. إذَن فهي ليست معركة بين العلم والدين، ولكنها معركة بين العلم السليم والعلم الركيك. وحاليًا معظم أبنائنا يدرسون علمًا ركيكًا لأنهم يدرسون إلا التطور. ولكن الأمور يجب ألا تسير هكذا.

فما هو ضد الدستور في تدريس أدلة SURGE، أو تعريف الأطفال بتعقيد أبسط أشكال الحياة، أو إظهار الفرق بين الميكرو والماكرو تطور وبين علم الأدلة الجنائية والعلم التجريبي، أو كشف المشكلات التي تشوب الماكرو تطور؟ لا شيء. فلماذا نستمر في حقن أبنائنا بنظرية معيبة متهرئة تقوم على افتراضات فلسفية مسبقة أكثر مما تقوم على الملاحظات العلمية؟ لماذا لا نطرح على أبنائنا كل الأدلة العلمية، المؤِّيدة والمضادة، ونترك لهم الاختيار؟

ألا يجب أن نعلِّمهم أن يفكِّروا بأنفسهم تفكيرًا نقديًا؟ بالطبع، علينا أن نفعل ذلك. ولكن الداروينيون سيفعلون كل ما بوسعهم للحيلولة دون هذا الأمر. فالداروينيون يفضلون إخماد الدليل على تقديمه بشكل منصف. لماذا؟ لأن هذا هو المجال الوحيد الذي يفتقر فيه الداروينيون للإيمان، فهم لا يملكون الإيمان بأن أبناءنا سيستمرون في تصديق نظريتهم إذا رأوا كل الأدلة.

 

 

[1] Bit اختصار binary digit وتستخدم كوحدة قياس للمعلومات الرقمية. (المترجمة)

[2] يتفق ميلر مع بيهي في أن الانتخاب الطبيعي لا يستطيع أن يفضّل تطور جهاز لا يعمل. ولكنه يفند الحجة باقتراحه أن المصيدة في المرحلة الإنتقالية، عندما لا تقدر على اصطياد الفئران، يمكن أن تعمل كمشبك ربطة عنق أو سلسلة مفاتيح (انظر !).

وهو ما يخطئ الهدف طبعًا. فالكائنات الحيّة المعقدة لا يمكنها أن تستبدل عشوائيًا وظيفة بوظيفة آخرى وتظل على قيد الحياة. ولكن الكائن الحي يموت لو فشلت أجزاؤه الأساسية في أداء وظيفتها الأولية، حتى إن كانت تؤدي وظيفة أخرى أثناء مرحلته الانتقالية الداروينية. أي أن المهم هو فقدان الوظيفة الأساسية، وليس أن الجهاز المتوسط قد يتمكن من فعل شيء آخر في المرحلة المتوسطة!

[3] كما رأينا، ينطبق ذلك على تشابه الـDNA الذي يمكن أن يكون أيضًا نتيجة لمصمم مشترك تمامًا كما يمكن أن يكون نتيجة لسلف مشترك.

[4] انظر الحاشية السفلية ص 144. (المترجمة)

[5] بعض المسحيين يخشون من أن التسليم بفترات زمنية طويلة يُزيد من معقولية الماكرو تطور. ولكن هذا ليس صحيحًا كما رأينا في الفصل الخامس.

الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد

التصميم الإلهي للكون بين العرض والنقد ونقض النقد

التصميم الإلهي للكون بين العرض والنقد ونقض النقد

التصميم الإلهي للكون بين العرض والنقد ونقض النقد

التصميم الإلهي للكون بين العرض والنقد ونقض النقد

’’ الجاهل الذي لا يعرف شيئاً عن العلم هو فقط من يقول إن العلم يقلل من الإيمان. لأنك إن درست العلم بحق يقربك العلم من الله‘‘.

’’چيمز تور‘‘James Tour عالم نانو

لا بد أن الأدلة الفلكية على وجود الله قوية طالما أن الفيزيائيين الملحدين يعترفون أن’’الكون انفجر من العدم‘‘، وعلماء الفلك اللاأدريين يزعمون أن’’قوى فوق طبيعية‘‘ عملت في البداية، حتى إن العلماء يجدون أنفسهم يعودون إلى’’مجموعة من اللاهوتيين… وقد جلسوا هناك منذ قرون‘‘(انظر الفصل الثالث). إلا أن الأدلة العلمية على وجود الله لا تنتهي عند الحجة الكونية. فالكثيرون يرون أن الدقة التي انفجر بها الكون إلى الوجود تزودنا بدليل أكثر إقناعاً على وجود الله.

وهذا الدليل يعرف اصطلاحاً باسم الحجة الغائية Teleological Argument، اسمه مشتق من الكلمة اليونانية telos التي تعني ’’تصميم‘‘. وتقول الحجة الغائية:

  • لكل تصميم مصمِّم.
  • الكون له تصميم شديد التعقيد.
  • إذن الكون له مصمِّم.

وقد أكد’’إسحاق نيوتن‘‘(1642-1727) ضمناً صحة الحجة الغائية عندما عبر عن اندهاشه من تصميم مجموعتنا الشمسية، وكتب’’إن هذا النظام الأخاذ الذي يحكم الشمس، والكواكب، والنيازك لا يمكن أن ينبثق إلا من مشورة وسيادة كائن ذي ذكاء وقوة‘‘.1إلا أن ’’وليم پبلي‘‘ William Paley(1743-1805) هو من أعطى الحجة شهرة واسعة عندما صرح تصريحاً بديهاً مفاده أن كل ساعة تتطلب صانعاً.

تخيل أنك تسير في الغابة ووجدت في الأرض ساعة ماركة’’رولكس‘‘ مرصعة بالألماس. فما الذي تظن أنه مسبب تلك الساعة: الريح والمطر؟ عوامل التعرية؟ مزيج من القوى الطبيعية؟ بالطبع لا! لن تشك لحظة أن كائناً ذكياً صنع تلك الساعة، وأنها سقطت صدفة من شخص سيء الحظ في تلك الغابة.

والعلماء اليوم يكتشفون أن الكون الذي نعيش فيه يشبه تلك الساعة’’رولكس‘‘ المرصعة بفصوص الألماس، فيما عدا أن الكون مصمَّم بدقة تتجاوز دقة تصميم الساعة. والحقيقة أن الكون مصمم بدقة تسمح تحديداً بوجود الحياة على الأرض، وهي كوكب يحوي المئات من الظروف المتكافلة التي يعتبر وجودها أمراً غير محتمل الحدوث، وهذه الظروف تدعم الحياة وتجعل الأرض واحة شديدة الصغر وسط كون شاسع عدائي.

وهذه الظروف البيئية المتكافلة متناهية الدقة (التي يطلق عليها’’الثوابت الإنسانية‘‘ ’’anthropic constants‘‘) تشكل ما يعرف باسم’’المبدأ الأنساني‘‘’’Anthropic Principle‘‘. وكلمة’’Anthropic‘‘ مشتقة من كلمة يونانية تعني ’’إنساني‘‘أو’’إنسان‘‘. والمبدأ الإنساني هو مجرد تسمية جذابة للأدلة المتراكمة التي تجعل الكثير من العلماء يعتقدون أن الكون مضبوط ضبطاً في منتهى الدقة(مصمَّم) بحيث يدعم الحياة البشرية هنا على الأرض.

وفي هذا الكون الشاسع العدائي، نحن البشر سكان كوكب الأرض نشبه كثيراً رواد الفضاء الذين لا يمكنهم البقاء على قيد الحياة إلا بين جدران سفينتهم الفضائية الصغيرة. وأرضنا مثل سفينة الفضاء، تدعم الحياة بينما تنطلق وسط فضاء بلا حياة. ولكنها مثل سفينة الفضاء أيضاً من حيث أنه إذا حدث أي تغير طفيف أو خلل في أي من العوامل، سواء في الكون أو في الأرض نفسها، يمكنه أن يحدث تغييراً قاتلاً في الظروف البيئية المحسوبة حساباً دقيقاً اللازمة لبقائنا على قيد الحياة.

والمهمة ’’أپولو13‘‘ Apollo13 التي تعد من أصعب المهام في تاريخ ناسا وأشهرها سوف تساعد في كشف هذه النقطة بمزيد من الجلاء. وسوف نقضي بضع الصفحات القادمة على متن‏’’أپولو13‘‘‏. وأثناء رحلتنا سنشير إلى بعض الثوابت الإنسانية التى تجعل حياتنا ممكنة.

هيوستن عندنا مشكلة

اليوم هو 13 نيسان/أبريل 1970 بعد مرور أكثر من يومين على انطلاق رئيس المهمة’’چيم لڨل‘‘ Jim Lovell ورائدي فضاء آخرين خارج الغلاف الجوي للأرض على متن سفينة الفضاء ‏’’أپولو13‘‘‏. وهم الآن يطيرون عبر الفضاء بسرعة تزيد عن 3200 كيلومتر في الساعة، ويترقبون بشوق تمشية لم يقم بها إلا عدد قليل من الرجال، تمشيه على سطح القمر. وكل شيء يسير حسب الخطة على مركبتهم الفضائية ذات التصميم الرائع. وقد قال’’لڨل‘‘ بالحرف الواحد إنه وطاقمه’’منتفخون، مدهوشون، سعداء‘‘. ولكن هذه الحالة ستتغير سريعاً.

ففي الساعة الخامسة والخمسين والدقيقة الرابعة والخمسين من بدء المهمة بعد وقت قصير من إنهاء بث تليفزيوني للأرض، يعيد’’لڨل‘‘ الأسلاك إلى مكانها حينما يسمع صوتاً مدوياً، فيظن في البداية أنه الطيار’’چاك سويجرت‘‘ Jack Swigert يمزح بتشغيل صمام مرتفع الصوت خفيةً. ولكنه عندما يلمح علامات القلق على وجه’’سويجرت‘‘، وكأنه يريد أن يقول ’’لست أنا‘‘، سرعان ما يدرك’’ لڨل‘‘ أنها ليست مزحة.

والحوار الذي يدور بين رواد الفضاء’’لڨل‘‘ و’’سويجرت‘‘ و’’فرد هيز‘‘ Fred Haise و’’تشارلي دوك‘‘Charlie Duke (الذي كان على الأرض في مدينة هيوستن) يسير كالتالي:

’’سويجرت‘‘: هيوستن، عندنا مشكلة هنا.

’’دوك‘‘: هنا هيوستن. كرر من فضلك.

’’لڨل‘‘: هيوستنن عندنا مشكلة. انخفاض في فولت الموصل العمومي B.

’’دوك‘‘: ’’روچر‘‘. انخفاض في فولت العمومي B.

’’هيز‘‘: هيوستن الفولت الآن… يبدو جيداً. كان عندنا صوت عال جداً من الإنذار والتحذير. وعلى قدر ما أتذكر، العمومي B هو الذي حدث فيه من قبل ارتفاع مفاجئ في الأمبير.

’’دوك‘‘: ’’روچر‘‘، ’’فرد‘‘.

’’هيز‘‘: أكيد هذه الحركة العنيفة هزت جهاز إحساس كمية الأكسجين رقم 2، فهبط وأخذ يتذبذب من 20إلى60%. ولكنه الآن ارتفع إلى الحد الأقصى.

وعند هذه النقطة رواد الفضاء ليسوا متأكدين تماماً مما يحدث. فأجهزة إحساس أنبوبة الأكسجين متذبذبة. تارة تبين أن الأنابيب تحوي فقط 20% وتارة أكثر من 100% وهو شيء مستحيل. وفي الوقت نفسه رغم ملاحظة ’’هيز‘‘ الأولى أن ’’الفولت يبدو جيداً‘‘، فإن إشارة الإنذارات المتعددة على الأجهزة الكهربية في السفينة تحكي قصة عكسية.

وفي غصون بضع دقائق، تتضح حقيقة المشكلة الخطيرة. ‏’’أپولو13‘‘‏ ليس فيها مجرد مشكلة جهاز إحساس. ولكن فيها مشكلة فعلية. إن مركبتهم الفضائية التي تبعد حالياً قرابة 370 ألف كيلومتر عن الأرض وتتجه بعيداً عن موطنها، تفقد الأكسجين والطاقة بسرعة. لقد فرغت اثنتان من خلايا الوقود الثلاث، والثالثة تنضب سريعاً. ويخطر ’’هيز‘‘ هيوستن بحالة الطاقة:

’’هيز‘‘: قراءة AC 2 صفر… وعندنا الآن انخفاض في فولت الموصل العمومي A… قراءته حوالي 25 ونصف. وقراءة العمومي B الآن صفر.

ثم يبلغ’’لڨل‘‘ عن مشكلة الأكسجين:

’’لڨل‘‘: وأنبوبة رقم 2 لكمية الأكسجين قراءتها صفر. سمعت؟

هيوستن: كمية الأكسجين رقم 2 صفر.

وبيما ينظر’’لڨل‘‘ من زجاج إحدى النوافذ يرى شيئا كأنه تسريب غاز إلى الفضاء من جانب مركبتهم الفضائية.

’’لڨل‘‘: ويظهر لي وأنا أنظر من زجاج النافذة أن شيئاً ما يتسرب من عندنا.

هيوستن:’’روچر‘‘.

’’لڨل‘‘: نعم…نحن نسرب شيئاً إلى، إلى الفضاء.

هيوستن:’’روچر‘‘. نحن نسمعكم هنا، أنتم تسربون.

’’روچر‘‘: إنه غاز من نوع ما.

اتضح فيما بعد أن هذا الغاز هو الأكسجين. لقد انفجرت أنبوبة الأكسجين رقم 2 وأضرت أنبوبة الأكسجين رقم 1 بسبب انفجارها، وهو ما لم يكن يعلمه الطاقم حتى هذه اللحظة. فالقائد’’لڨل‘‘لايستطيع رؤية الضرر الذي حدث للأنبوبة ولكنه يرى الغاز المتسرب فقط.

الثابت الإنساني 1(مستوى الأكسجين): يشكل الأكسجين على الأرض 21% من الغلاف الجوي. وهذا الرقم هو ثابت إنساني يجعل الحياة على الأرض ممكنة. فلو كان الأكسجين 25%، لاندلعت الحرائق تلقائياً، ولو كان 15% لاختنق البشر. والآن يتعين على ’’لڨل‘‘ وطاقمه أن يجدوا طريقة للحفاظ على مستوى الأكسجين الصحيح في سفينتهم.

ولكن الأكسجين ليس مشكلتهم الوحيدة. فكما هو الحال في الغلاف الجوي للأرض، تغيير ثابت واحد على المركبة الفضائية يمكن أن يؤثر على عدة ثوابت أخرى لازمة للحياة أيضاً. وذلك لأن الانفجار يؤدي إلى نقص في الأكسجين، وفي الكهرباء والماء أيضاً. وعلى‏’’أپولو13‘‘‏ يتم إنتاج الماء والكهرباء بخلط الأكسجين مع الهيدروجين في خلايا الوقود. ودون الأكسجين يستحيل تصنيع الهواء، أو الماء، أو الطاقة. وبما أنهم في فرراغ الفضاء. ليس هناك مصدر خارجي للأكسجين.

إن المشكلة تفوق الخيال حتى إن’’چاك سويجرت‘‘ قال فيما بعد’’لو أن أحداً فعل ذلك معنا في المحاكي‘‘، يقصد افتعل إخفاقاً رباعياً في خليتي الوقود رقم 1 ورقم3. وأنبوبتي الأكسجين رقم 1 ورقم2، ’’لقلنا له:”هذا ليس واقعياً”.‘‘

ولكن للأسف هذا ليس المحاكي، بل حالة طوارئ حقيقة في مركبة فضاء قطعت ثلثي الطريق إلى القمر. فماذا يفعلون؟ من حسن الحظ معهم قارب نجاة اسمه المركبة القمرية Lunar Module(LM)، وتعرف أيضاً باسم’’اللم‘‘the lem. وهي مزودة بإمدادات يمكن استخدمها في حالات الطوارئ. والمركبة القمرية تكون متصلة بسطح مركبة القيادة Command Module(CM) ليهبط بها اثنان من رواد الفضاء على سطح القمر بينما يدور الثالث في فلكه عالياً. وبالطبع الهبوط على القمر سيلغى، لأن إنقاذ حياة رواد الفضاء أصبح الآن مهمة‏’’أپولو13‘‘‏ الجديدة.

وفي محاولة لتوفير الطاقة للعودة إلى الغلاف الجوي للأرض، يفصل رواد الفضاء الكهرباء بسرعة عن مركبة القيادة ويصعدون إلى المركبة القمرية. ولكنهم حتى داخل مركبة الفضاء ليسوا في مأمن من الخطر على الإطلاق، لأنهم يجب أن يستمروا في الدوران حول القمر حتى يعودوا إلى الأرض. وهو ما سيستغرق وقتاً، وقتاً ليس متوفراً لديهم. والمركبة القمرية مجهزة بطريقة تمكنها من الحفاظ على حياة رجلين لمدة حوالي أربعين ساعة، ولكنهم ينبغي أن يحافظوا على حياة ثلاثة رجال لمدة أربعة أيام!.

لذلك، فهم يبذلون كل جهدهم للحفاظ على الماء، والأكسجين، والكهرباء، كل الأجهزة غير الضرورية أغلقت بما فيها جهاز التدفئة، ورواد الفضاء يخفضون استهلاكهم للمياه إلى كوب واحد صغير في اليوم. ولكن ’’هيز‘‘ يشعر بالإعياء ويصاب بالحمى، ورواد الفضاء الثلاثة يصابون تدريجياً بالجفاف، فيصعب عليهم التركيز.

ولسوء الحظ، مع إيقاف معظم الأجهزة الأتوماتيكية يكون كل الأعتماد على تركيز أفراد الطاقم. فيجب عليهم، بالإضافة إلى الدوران حول القمر، أن يجروا يدوياً عدة تعديلات في المسار ليضموا أنهم يدخلون الغلاف الجوي للأرض من الزاوية الصحيحة، وليسرعوا من رحلة العودة.

وحتى يتمكنوا من ذلك، عليهم أن يوجهوا السفينة يدوياً بين النجوم. ولكن بما أن الحطام الناتج من الأنفجار ما زال يغلف السفينة في فراغ الفضاء، فهم لا يستطيعون تمييز النجوم من ضوء الشمس المنعكس من الحطام. ومن ثم، ليس أمامهم إلا أن يستخدموا الأرض والشمس نقاطاً مرجعية لتوجيه السفينة بمحاذاتهما معاً في إحدى نوافذ مركبة الفضاء.

وباستخدام هذه الوسيلة البدائية، يراجعون حساباتهم مرة ومرات ليتأكدوا أنهم على صواب، لأن مساحة الخطإ المسموحة ضئيلة جداً، لأنهم لا بد أن يبحروا بالسفينة للعودة إلى الأرض عند نقطة لا تقل عن 5,5 درجة ولا تزيد عن 3‎,‎7 درجة تحت أفق الأرض(من منظور مركبة الفضاء). وأي انحراف عن ذلك المدى سيؤدي بالسفينة إلى الخروج عن الغلاف الجوي للأرض أو السقوط بعمق كبير جداً يتسبب في احتراقها.

الثابت الإنساني 2(شفافية الغلاف الجوي): النافذة الصغيرة التي يجب على رواد الفضاء التوصل إليها تعكس المعايير بالغة الدقة التي صمم الكون على أساسها. فبينما يمثل الغلاف الجوي مشكلة لرواد الفضاء في عودتهم إلى الأرض، خواصه الحالية تمثل ضرورة مطلقة للحياة هنا على الأرض. إن درجة شفافية الغلاف الجوي هي أحد الثوابت الإنسانية. فلو كان الغلاف الجوي أقل شفافية، لما وصل سطح الأرض قدر كافٍ من الأشعاع الشمسي. ولو كان أكثر شفافية، لهبط علينا قدر هائل من الأشعاع الشمسي.(بالإضافة إلى شفافية الغلاف الجوي، فإن المستويات الدقيقة للعناصر المكونة للغلاف الجوي من النيتروجين، والأكسجين، وثاني أكسيد الكربون، والأوزون تعتبر في حد ذاتها ثوابت إنسانية).

الثابت الإنساني 3(تفاعل الجاذبية بين القمر والأرض): عندما يبدأ رواد الفضاء في الدوران حول القمر، يلتقون بثابت إنساني آخر*. وهذا الثابت يختص بتفاعل الجاذبية بين الأرض والقمر. فلو كان التفاعل أكبر من مقداره الحالي، لكان تأثير المد على المحيطات والغلاف الجوي وفترة الدوران حاداً للغاية. ولو كان أقل، لتسببت تغيرات المدارات الفلكية في اضطرابات مناخية. وفي أي من الحالتين تصبح الحياة على الأرض مستحيلة.

وبعد أن يواجه رواد الفضاء القمر عن قرب يتجهون أخيراً إلى موطنهم. ولكنهم يواجهون مشكلة أخرى، لأن ظروف الحياة الحساسة داخل مركبة الفضاء بدأت تتلوث. فمع استهلاك الأكسجين بدأ رواد الفضاء في خلق مشكلة أخرى بالزفير. أي أن ثاني اكسيد الكربون بدأ يصل إلى مستويات خطيرة داخل السفينة. وإن لم يتمكنوا من إيجاد وسيلة لتغيير مرشحات ثاني أكسيد الكربون في المركبة القمرية، سيتسمم رواد الفضاء الثلاثة من أنفاسهم!

وطاقم التحكم في المهمة يخبر رواد الفضاء أن يفتحوا المرشحات المصممة لمركبة القيادة (جزء السفينة الذي أخلاه رواد الفضاء وفصلوا عنه الكهرباء) ليجربوا استخدامها في المركبة القمرية. ولكن بدلاً من أن يتلقى رواد الفضاء أخبار سارة هم في أمس الحاجة إليها سرعان ما يكتشفون أن مرشحات مركبة القيادة لا تتناسب في حجمها ولا شكلها مع المركبة القمرية! يبدو أن المورد(أ) لم ينسق مع المورد(ب)! ومدير الرحلة المحبط’’چين كرانس‘‘Gene Krantz الذي اشتهر بمقولته ’’الفشل ليس خياراً‘‘ التي ألتهمت فريق التحكم في المهمة، يصيح غاضباً:’’قولوا لي إنه ليس مشروعاً حكومياً!‘‘

وفي محاولة للعثور على حل، يبدأ مهندسو ناسا على الأرض في ’’التحايل على المشكلة‘‘، فهم يعصرون أذهانهم للعثور على طريقة لتعديل مرشحات مركبة القيادة المربعة لتتناسب مع فتحة المركبة القمرية المستديرة باستخدام مواد يمكن العثور عليها على مركبة الفضاء، فيصممون حلاً يعتقدون أنه سيفي الغرض، ثم يشرحون للطاقم كيفية عمل التعديل خطوة خطوة. ويتضمن الحل العبقري الذي توصلوا إليه هو استخدام الورق المقوى، وخراطيم بدل الفضاء، وحقائب التخزين، والشريط اللاصق(نعم، يستخدم لإصلاح أي شيء حتى في الفضاء، لاتخرج من بيتك بدونه!).

الثابت الإنساني 4(مستوى ثاني أكسيد الكربون): طبعاً هذا التعديل ليس مطلوباً هنا على الأرض؛ لأن ثاني أكسيد الكربون محفوظ في مستواه الصحيح طبيعياً في الغلاف الجوي للأرض. وهو ثابت آخر من الثوابت الإنسانية. فلو كان مستوى ثاني أكسيد الكربون أعلى من مستواه الحالي، لحدث أحتباس حراري شديد(واحترقنا جميعاً). ولو كان المستوى أقل مما هو عليه الآن، لما تمكنت النباتات من الاستمرار في عملية البناء الضوئي بكفاءة(ولاختنقنا جميعاً، وهو المصير الذي يحاول رواد الفضاء الهروب منه).

ولحسن الحظ تنجح عملية تعديل المرشحات وتكسب الطاقم وقتاً ثميناً(وهواءً صالحاً للتنفس). وسريعاً يحين الوقت للتخلص من وحدة الخدمة المعطلة. وعندما تنفصل وحدة الخدمة، يرى الطاقم لأول مرة حجم الدمار: انفجار أنبوبة الأكسجين أطاح بلوحة حجمها حوالي 5,3×2متر من جانب وحدة الخدمة، وأمال خلايا الوقود، وأفسد الهوائي. ولو حدث انفجار حجمه أقل من نصف ذلك الحجم بالقرب من الدرع الحراري لمركبة القيادة، لأدى إلى خلل كارثي في مركبة الفضاء وفقدان الطاقم.

وعندما يقترب أفراد الطاقم من الغلاف الجوي للأرض يصعدون مرة أخرى إلى مركبة القيادة ليحاولوا توصيلها بالكهرباء. فهذا هو أملهم الوحيد للعودة إلى موطنهم(لأن المركبة القمرية ليس فيها درع حراري). ولكن مع فراغ خلايا الوقود الثلاث ولم تبق إلا كهرباء البطارية،لا يمكن توصيل الكهرباء لمركبة القيادة بالإجراءات الطبيعية. فلا يمكن تشغيل كل الأجهزة لعدم توافر طاقة كافية في البطاريات. وبالتالي عليهم أن يعتمدوا على إجراء جديد للحصول على الكهرباء انتهى من تصميمه حالاً رواد فضاء ناسا ومهندسوها الموجودون على الأرض.

إلا أن ما زاد الأمر تعقيداً أن المياه المكثفة بدأت تقطر من لوحات تحكم مركبة القيادة حيث درجة الحرارة أقل من 5,3 درجة مئوية. فهل سيحدث ماس كهربائي في لوحات التحكم؟ هل ستعمل الأجهزة الضرورية؟ من الخطورة استخدام الكهرباء في هذه البيئة، ولكن ليس أمامهم خيار آخر.

ورغم الخطورة، ينجح إجراء توصيل الكهرباء الجديد، ويربط رواد الفضاء أحزمتهم للعودة إلى الأرض. وأثناء رحلة عودة الرجال الثلاثة إلى الأرض تتطلع أنظار العالم كله إلى مصيرهم. فنشرات الأخبار والمؤتمرات الصحفية تنقل الأخبار أولاً بأول. والكونجرس يصدر قراراً للشعب الأمريكي أن يصلي، والبابا يحث العالم على الصلاة بينما يتجه الأبطال الأمريكيون الثلاثة نحو الغلاف الجوي للأرض بسرعة هائلة في كبسولة فضاء معطوبة. وبعد وقت قصير ستسحبهم الجاذبية الأرضية بأقصى سرعة تصل إلى ما يقرب من 40 ألف كيلومتر في الساعة، أي ما يعدل 11 كيلومتر في الثانية!

الثابت الإنساني 5 (الجاذبية): الجاذبية التي تسحب رواد الفضاء إلى موطنهم الأرض هي أيضاً من الثوابت الإنسانية. وهي ذات قوة مريعة، ولكنها لا يمكن أن تكون غير ذلك لكي توجد حياة على الأرض. فإن تغيرت قوة الجاذبية بمقدار 0000000000000000000000000000000000000000000000000001, 0% لما وجدت شمسنا، وبالتالي لما وجدنا نحن2. تخيل مدى الدقة!

وعندما يهوي رواد الفضاء إلى الأرض بمركبتهم الفضائية المضارة، لا أحد يعرف يقيناً إن كانوا سينجون من هذه العودة العنيفة شديدة الحرارة. وتبقى أسئلة عديدة بلا إجابات: هل الدرع الحراري سليم تماماً؟ هل السفينة فعلاً على الزاوية الصحيحة لدخول الغلاف الجوي؟ هل بطاريات العودة على مركبة القيادة ستعمل؟ هل المظلات ستبسط على النحو الصحيح؟ ومما يزيد الطين بلة صدور تحذير من حدوث إعصار استوائي في منطقة دخول مركبة الفضاء إلى الغلاف الجوي recovery area.

وفي ضوء كل هذا المجهول يتواصل رواد الفضاء مع الطاقم الأرضي قبل انقطاع الاتصال الذي استمر ثلاث دقائق عند العودة إلى الغلاف الجوي للأرض:

’’سويجرت‘‘: مرحى! أريد أن أقول لكم إنكم تبلون بلاءً حسناً يا رجال.

هيوستن: وأنتم أيضاً يا’’چاك‘‘.

’’سويجرت‘‘: أعرف أن كلنا نريد أن نشكركم جميعاً على العمل الرائع الذي قمتم به.

’’لڨل‘‘: أكيد يا’’چو‘‘.

هيوستن: أؤكد لكم أننا استمتعنا بالعمل.

’’لڨل‘‘: أنتم كالطبيب الماهر الذي يعتني بالمريض.

هيوستن: هذا أجمل ما سمعت.

هيوستن: سنفقد الإشارة بعد دقيقة…أهلاً بكم في وطنكم.

’’سويجرت‘‘: شكراً.

وأثناء العودة إلى الأرض، تحلق طائرة C-135 في منطقة عودة مركبة الفضاء إلى الغلاف الجوي لإعادة الاتصال اللازم إلى وحدة التحكم في المهمة. ولكن بعد ثلاث دقائق ينقطع الاتصال مع رواد الفضاء. ويزداد التوتر.

هيوستن: يجب عودة الاتصال إلى’’أپولو13‘‘‏ هذه المرة. ونحن مستعدون لأي أخبار عن التقاط طائرة معدات مدى ‏أپولو13ARIA(Apollo Range Instrumentation Aircraft) لأى إشارة.

الرحلة: شبكة، ليس هناك اتصال مع ARIA بعد؟

الشبكة: الآن ليس عندنا اتصال يا رحلة.(فترة صمت طويلة)

انقضت أربع دقائق على عودة المركبة إلى الغلاف الجوي، وما زال الاتصال منقطعاً. لم يحدث ابداً أن العودة إلى الأرض استغرقت كل هذا الوقت.

هيوستن: مستعدون لأى أخبار عن التقاط إشارة.(صمت)

أخيراً، تتلقى الطائرة إشارة من الكبسولة:

هيوستن: وصلنا إخطار أن طائرة ARIA 4 التقطت إشارة.

ولكن لم يصلنا تأكيد بأن أياً منهم حي.

هيوستن: مركبة القيادة’’أوديسي‘‘، هنا هيوستن. مستعدون. حول. وأخيراً يلتقط الجميع أنفاسهم عند سماع صوت ’’سويجرت‘‘.

’’سويجرت‘‘: حسناً يا’’چو‘‘.

هيوستن: نسمعكم يا’’چاك‘‘!

رواد الفضاء أحياء، ولكن يبقى آخر عائق: مرحلتان من المظلات لا بد أن تعملا وإلا ضاع كل شيء، أولاً المظلة الابتدائية ثم المظلة الأساسية. فإن لم تبسط المظلات جيداً، يتلاشى رواد الفضاء عند ارتطام كبسولتهم بالمحيط بسرعة 480 كيلومتراً في الساعة.

هيوستن: باقي أقل من دقيقتين على بسط المظلات الابتدائية.

انتظار…

هيوستن: إخطار عن مظلتين ابتدائيتين نشرتا بنجاح. والآن يقترب وقت المظلات الرئيسية. (صمت) مستعدون لتأكيد خبر بسط المظلات الرئيسية.

تنبسط المظلات الرئيسية حسب الخطة، وتتمكن هيوستن من رؤيتهم.

هيوستن:’’أوديسي‘‘، هنا هيوستن. نحن نعرضكم وأنتم على المظلات الرئيسية. المنظر رائع!

أخيراً، بعد أربعة أيام من الترقب القلق، رواد الفضاء، وطاقم وحدة التحكم في المهمة، والعالم كله يتنفسون الصعداء:

هيوستن: تصفيق حاد جداً هنا في وحدة التحكم في المهمة!… تصفيق حاد بينما تظهر ‏’’أپولو13‘‘‏ في المظلات الرئيسية بكل وضوح على شاشات التليفزيون هنا.

تهبط مركبة الفضاء على المحيط الساعة 1:07 مساءً بالتوقيت الشرقي القياسي لأمريكا الشمالية ESt يوم 17 نيسان/أبريل 1970.

المبدأ الإنساني: التصميم في التفاصيل

عندما بدأ بعض أفراد وحدة التحكم في المهمة يعبرون عن شكوكهم في أن رواد الفضاء سيعودون أحياء، واجه مدير الرحلة’’چين كرانس‘‘ تشاؤمهم بقوله: يا سادة. أظن أن هذه ستكون أسعد لحظاتنا‘‘. وقد كانت هكذا بالحقيقة. وعرفت ‏’’أپولو13‘‘‏ باسم ’’الإخفاق الناجح‘‘. لقد فشل رواد الفضاء في السير على القمر، ولكنهم نجحوا في العودة إلى الأرض رغم الظروف التي كان يمكن أن تودي بحياتهم.

وكما نجا الطاقم رغم كل المصاعب من تلك الظروف المميتة، نحن أيضاً نبقى على قيد الحياة، رغم كل الظروف المعاكسة، على هذا الكوكب الصغير الذي يطلق عليه الأرض. فمركبات ’’أپولو‘‘ الفضائية صممت، مثل أرضنا، بحيث تحافظ على الحياة البشرية في بيئة الفضاء المعادية. وبما أن البشر لا يمكنهم أن يظلوا على قيد الحياة إلا في غلاف ضيق جداً من الظروف البيئية، لا بد من تصميم هذه السفن بدقة فائقة وبآلاف المكونات. وإن حدث خطأ واحد صغير، تعرضت الحياة البشرية للخطر.

والشيء الصغير الذي عرض حياة طاقم‏’’أپولو13‘‘‏ للخطر يبدو أمراً تافهاً: أنبوبة الأكسجين رقم 2 سقطت بالصدفة من ارتفاع 2 بوصة (5 سم) قبل تركبيها. وذلك السقوط من على ارتفاع بوصتين فقط فقد أفسد جدار الأنبوبة الرفيع وأطلق سلسلة من الأحداث التي أدت في النهاية إلى انفجارها.

ونظراً للعلاقة التكافلية بين المكونات، أدى الخلل في جهاز الأكسجين إلى خلل في سائر الأجهزة وكاد يقضي على مركبة الفضاء وطاقمها. تخيل! ذلك السقوط البسيط من على ارتفاع بوصتين فقط تسبب في كل المشكلات التي كان لا بد لرواد الفضاء أن يتغلبوا عليها حتى ينجوا. فقد أدى إلى تقليص كمية الأكسجين، والماء، والطاقة بشكل مفرط، وزيادة ثاني أكسيد الكربون زيادة مفرطة، وخلل في توجيه السفينة في الفضاء.

وكما هو الحال في حالة حدوث تغيير بسيط في سفينة الفضاء، هكذا أى تغيير بسيط في الكون يتسبب لنا أيضاً في مشاكل هائلة. وكما رأينا، اكتشف العلماء أن الكون، مثل مركبة الفضاء، مصمم بدقة بحيث ينشئ غلافاً ضيقاً جداً من الظروف الداعمة للحياة هنا على الأرض. وأي انحراف ضئيل في أي من العوامل البيئية والفيزيائية (التي أطلقنا عليها’’الثوابت‘‘) من شأنه أن يمنع وجودنا أصلاً. وهذه الثوابت تكافلية مثل المكونات الموجودة على’ ’أپولو13‘‘, أى أن تغييراً صغيراً في أحدها‏ يمكن أن يؤثر على الثوابت الأخرى ويمنع الظروف الازمة للحياة أو يدمرها.

إن مدى الضبط الدقيق في الكون قد يجعل المبدأ الإنساني أقوى حجة لوجود الله. فليس هناك مجرد بضعة ثوابت محددة بشكل عام قد تكون نشأت بالصدفة. لا، بل هناك أكثر من 100 ثابت محددة بمنتهى الدقة تشير بقوة إلى مصمم ذكي. وقد تعرفنا بالفعل على خمسة منها. وإليك عشرة أخر:

  • لو لم تكن قوة الطرد المركزي في حركة الكواكب متوازنة بدقة مع قوى الجذب لما بقي شيء في مداره حول الشمس.
  • لو انخفضت سرعة تمدد الكون بمقدار واحد على مليون من السرعة التي تمدد بها، لتوقف التمدد وانهار الكون على نفسه قبل تكون أي نجم من النجوم.
  • أي من قوانين الفيزياء يمكن تعريفه بأنه دالة في سرعة الضوء(تحدد حالياً بمقدار 299792458 متر في الثانية). وأقل تغير في سرعة الضوء من شأنه أن يغير سائر الثوابت ويمنع إمكانية الحياة على الأرض.
  • لو أرتفعت مستويات بخار الماء في الغلاف الجوي عن معادلاتها الحالية، لحدث احتباس حراري شديد يؤدي إلى ارتفاع كبير في درجة الحرارة لا تتحمله الحياة البشرية. ولو انخفضت مستويات بخار الماء، لانخفض الاحتباس الحراري على نحو يتسبب في برودة الأرض بشكل مفرط لا يلائم الحياة البشرية.
  • لو لم يكن المشترى في مداره الحالي، لانهالت المواد الفضائية على الأرض، وذلك لأن مجال جاذبية المشترى يعمل مثل مكنسة كهربائية كونية تجذب الكويكبات والنيازك فلا تضرب الأرض.
  • لو زاد سمك القشرة الأرضية، لانتقلت كمية ضخمة جداً من الأكسجين إلى القشرة لدعم الحياة. ولو كانت أقل سمكاً، لتسبب النشاط البركاني والتكتوني في استحالة الحياة على الأرض.
  • لو طالت دورة الأرض عن أربع وعشرين ساعة ،لاتسعت الفروق بين درجتي حرارة الليل والنهار اتساعاً مفرطاُ. ولو قصرت، لازدادت سرعة رياح الغلاف الجوي زيادة مفرطة.
  • الميل المحوري للأرض بمقدار 23 درجة هو الميل الصحيح الدقيق. فلو تغير تغيراُ طفيفاً، لارتفعت درجات حرارة سطح الأرض ارتفاعاً هائلاً.
  • لو ارتفع معدل تفريغ الغلاف الجوي(البرق)، لاندلعت الحرائق المدمرة بمعدلات عالية جداً. ولو انخفض، انخفضت معدلات تثبيت النتيروجين في التربة انخفاضاً حاداً.
  • لو ازداد النشاط الزلزالي، لارتفعت معدلات الوفيات الناتجة عن الزلازل. ولو انخفض، لما عادت العناصر الغذائية من قيعان البحار والمياه الجارية من الأنهار إلى القارات عن طريق الزيادة التكتونية.(نعم، حتـى الزلازل ضرورية للحفاظ على هذه الحياة في صورتها الحالية!)

وجدير بالذكر أن ’’هيو روس‘‘ Hugh Ross عالم الفيزياء الفلكية حسب احتمال وجود هذه الثوابت وغيرها (تبلغ جميعا 122 ثابت) اليوم على أي كوكب في الكون بالصدفة (أي بلا تصميم إلهي). فقد افترض أن هناك 2210 كوكب في الكون(رقم ضخم جداً 1 وأمامه 22 صفراً)، وبناء على هذا الافتراض جاءت النتيجة صادمة: الاحتمال هو واحد إلى 13810 ،أي احتمال واحد لواحد أمامه 138 صفر!!5 وليس في الكون كله سوى 7010 ذرة. وهو ما يعني أن احتمال أن يحوي أي كوكب في الكون الظروف الداعمة للحياة المتوافرة على كوكب الأرض هو احتمال مقدره صفر، إلا إذا وجد وراء كل هذا مصمم ذكي.

وهو ما عبر عنه’’آرنو پنزياس‘‘ الحائز على جائز نوبل لمشاركته في اكتشاف الإشعاع التابع للانفجار قائلاً:’’علم الفلك يقودنا إلى حدث فريد، ألا وهو كون خلق من عدم ووضع في حالة من التوازن الدقيق ليوفر الظروف اللازمة بالضبط لدعم الحياة. وفي غياب فكرة الصدفة الساذجة غير المحتملة، يبدو أن ملاحظات العلم الحديث ترجح وجود خطة فوق طبيعية، إن جاز التعبير، تكمن وراء كل شيء‘‘.6

ويستخدم عالم الكون’’إد هاريسون‘‘Ed Harrison كلمة’’برهان‘‘ عندما يتناول تداعيات المبدأ الإنساني على مسألة الله. فهو يكتب قائلاً:’’إليك البرهان الكوني على وجود الله، أي حجة التصميم التي وضعها’’پيلي‘‘ بعد التحديث والتجديد. إن الضبط الدقيق للكون يزودنا بأدلة صريحة على التصميم الإلهي‘‘.7

البرهان على وجود الله!ما هو رد الملحدين؟

كيف يرد الملحدون على هذا’’البرهان على وجود الله‘‘؟ يعترف بعض الملحدين بوجود مصمم ما في مكان ما. فقد اهتز إلحاد عالم الفلك ’’فرد هويل‘‘ بفعل المبدأ الإنساني وبما رآه في الحياة من تعقيد (وهو ما سنتناوله في الفصلين القادمين). وخلص ’’هويل‘‘ إلى أن’’تفسير الحقائق القائم على الحكم السليم يرجح أن’’عقلاً أعلى قد تدخل في الفيزياء، وفي الكيمياء، وفي الأحياء وأنه ليس هناك قوى عمياء في الطبيعية تستحق أن نتحدث عنها‘‘. 8ورغم أن’’هويل‘‘ لم يوضح من هو هذا’’العقل الأعلى‘‘، فقد اعترف أن الضبط الدقيق للكون يتطلب ذكاءً.

ولكن غيره من الملحدين يعترفون بالتصميم ولكنهم ينكرون وجود مصمم، ويرجعون كل هذا إلى الصدفة. ولكن كيف يمكنهم أن يقترحوا فكرة الصدفة فعلياً رغم أن احتمال بقاء الثوابت التي تزيد عن 100كما هي، هو احتمال مقداره صفر تقربياً لو لم يكن هناك ذكاء؟ الأمر ليس بهذه السهولة. لذا اضطر الملحدون للجوء إلى استنتاج غريب ليتيحوا للصدفة فرصة أكبر. ويطلق على استنتاجهم هذا نظرية الأكوان المتعددة.

وتقول نظرية الأكوان المتعددة بوجود عدد لا نهائي من الأكوان، وكل ما في الأمر أن حسن حظنا هو ما وضعنا في كون يحوي الظروف المناسبة. وبناءً على وجود عدد لانهائي من الأكوان يقول هؤلاء الملحدون إن كل مجموعة من الظروف سوف تحدث، بما فيها الظروف الداعمة للحياة الموجودة على كوكبنا.

ولكن تفسير الأكوان المتعددة هذا مليء بمشكلات متعددة. أولها وأهمها أنه لا دليل عليه! فالأدلة تبين أن كل الواقع المحدود النهائي أتى إلى الوجود في الانفجار الكبير. وهذا الواقع النهائي هو تحديداً ما نطلق عليه’’الكون‘‘. فإن وجود أي واقع نهائي آخر، فهو خارج نطاق ملاحظتنا. فلم يلحظ أحد أي أدلة على وجود هذه الأكوان. لذلك فكرة الأكوان المتعددة هذه ليست أكثر من فبركة ميتافيزيقية، قصة خيالية من قصص الجينات تقوم على إيمان أعمى، وهي منفصلة عن الواقع مثل’’الزمن التخيلي‘‘ عند’’ستيڤن هوكينج‘‘.

ثانياً، كما ذكرنا في الفصل السابق، عدد لانهائي من الأشياء”المحدودة” سواء أكانت أياماً، أم كتباً، أم انفجارات، أم أكواناً؛ يمثل استحالة فعلية. يستحيل أن يكون هناك عدد غير محدود من أكوان محدودة.

ثالثاً، حتى لو أمكن وجود أكوان أخرى، ستطلب ضبطاً دقيقاً لكي تبدأ مثلما بدأ كوننا(تذكر الدقة المتناهية للانفجار الكبير التي استعرضناها في الفصل السابق). لذلك افتراض وجود أكوان متعددة لا يلغي ضرورة وجود مصمم، بل يزيد من ضرورة وجود مصمم!

رابعاً، نظرية الأكوان المتعددة واسعة جداً حتى إنه يمكن استخدامها للتهوين من أي حدث. فمثلاً، إن سألنا:’’لماذا صدمت الطائرات النتاجون ومركز التجارة العالمي؟‘‘ يجب ألا نلوم الإرهابيين، لأن النظرية تسمح لنا أن نقول إننا موجودون بالصدفة في هذا الكون حيث تلك الطائرات واقعياً تصدم المباني بالصدفة، ولكن يبدو ظاهرياً هو أن الطائرات صدمت المباني عمداً. ومع نظرية الأكوان المتعددة يمكننا أن نبرئ حتى هتلر.

فربما أننا موجودون بالصدفة في هذا الكون الذي فيه يبدو ظاهرياً أن الهولوكوست قتل، ولكن واقعياً اليهود تآمروا سراً مع الألمان وأرسلوا أنفسهم إلى الأفران. في الحقيقة نظرية الأكوان المتعددة واسعة جداً لدرجة أنها يمكن حتى أنها يمكن حتى أن تستخدم لالتماس العذر للملحدين الذين اخترعوها. لعلنا وجدنا بالصدفة في هذا الكون الذي فيه الناس يفتقرون للعقلانية لدرجة أنهم يرون أن هذا الكلام الفارغ هو الحق!

وفي النهاية نظرية الأكوان المتعددة هي مجرد محاولة يائسة لتجنب تداعيات التصميم. وهي لا تزيد الصدف، بل تزيد العبث. إنها تشبه رواد فضاء’’أپولو13‘‘ إذا أنكروا أن ناسا صممت مركبتها الفضائية وصنعتها، لصالح النظرية التي لا دليل عليها والتي تقول بوجود عدد لانهائي من مركبات الفضاء التي تحدث طبيعياً، ورواد الفضاء محظوظون أن يكونوا على المركبة التي تدعم الحياة بالصدفة. وهذه النظرية طبعاً كلام فارغ وعبثيتها الواضحة تكشف قوة الأدلة على التصميم. ولكن الأدلة غير العادية تتطلب نظريات غير عادية لتقلل من شأنها.

الله؟’’ارفعوا إلى العلاء عيونكم‘‘

في الأول من شباط/فبراير2003 نظر الرئيس چورچ و.بوش بعينين حزينتين في عدسة الكاميرا وخاطب الشعب الأمريكي عبر شاشات التليفزيون قائلاً:’’إخوتى الأمريكيين، هذا اليوم حمل لبلادنا خبراً مزعجاً وحزناً عميقاً. في التاسعة من صباح اليوم فقدت وحدة التحكم في هيوستن الاتصال مع مكوكنا الفضائي’’كولومبيا‘‘. وبعد وقت قصير شوهد الحطام ساقطاً من سماء مدينة تكساس. لقد فقد’’كولومبيا‘‘، ولم ينج أحد‘‘.9

لما كان ’’كولومبيا‘‘ يسير بسرعة 20 ألف كيلومتر في الساعة، تفكك عند محاولته للدخول إلى الغلاف الجوي للأرض. وهذه المأساة المكوكية الثانية الكبرى هزت الأمة ولكنها لم تثنها. فقد تعهد الرئيس قائلاً:’’القضية التي ماتوا فيها ستستمر. فالجنس البشري يخترق الظلام القابع خلف عالمنا بإلهام الاكتشاف والتوق إلى الفهم. ورحلتنا إلى الفضاء ستستمر‘‘.

ولكن أي رحلة بشرية إلى الفضاء لن تخترق إلا جزءاً يسيراً منه. فمجرتنا تحوي 100 مليار نجم، ومتوسط المسافة بين تلك النجوم يبلغ 30 تريليون ميل (48تريليون كم).( بالمناسبة، هذه المسافة هي ثابت إنساني آخر. فلو قصرت المسافة بين النجوم أو طالت، لتأثرت مدارات الكواكب).

ما مقدار الثلاثين تريليون ميل؟ لنشرحها بهذه الطريقة: عندما يكون المكوك الفضائي في المدار، يتحرك بسرعة حوالي17000 ميل في الساعة، أي ما يقرب من 5 أميال في الثانية. فلو تمكنت من الدخول إلى مكوك الفضاء وأبحرت في الفضاء بسرعة خمسة أميال في الساعة تقريباً، ستأخذ 201450 سنة لكي تقطع 30 تريليون ميل! أي أنك لو ركبت المكوك الفضائي في زمن المسيح وبدأت تتحرك من شمسنا تجاه نجم آخر يبعد عنها مسافة متوسطة، ستكون الآن قد قطعت واحد على مائة من الطريق. شيء مذهل.

لاحظ أن هذه المسافة تقع بين اثنين فقط من المائة مليار نجم الموجودة في مجرتنا. فكم عدد النجوم في الكون كله؟ عدد النجوم في الكون يعادل حوالي عدد حبات الرمال التي تغطي كل شواطئ الأرض بأسرها. فلو سافرت بسرعة 5 أميال في الساعة ستستغرق أكثر من 200 ألف سنة لتنتقل من حبة رمل إلى الأخرى! ما أبهى العلاء.

يوصينا الكتاب المقدس أننا إن أردنا أن نعرف شيئاً من صفات الله علينا أن نرفع إلى العلاء عيوننا. وفي مزمور 19 يعبر داود عن الحجة الغائية قبل ’’نيوتن‘‘وقبل’’پيلي‘‘ بآلاف السنين قائلاُ:”السموات تحدث بمجد الله. والفلك يخبر بعمل يديه”. وبعد بضعة قرون يطرح النبي إشعياء سؤالاً من الله:”فبمن تشبهونني فأساويه؟ يقول القدوس”(25:40). وتأتي الإجابة في العدد التالي:”ارفعوا إلى العلاء عيونكم وانظروا”(ع26). ويستطرد إشعياء قائلاً إن الله يعرف كل نجوم السماء بأسمائها!

لماذا يخبرنا الله أن نشبهه بالسماوات؟ لأن الله لا حدود له، وهكذا السماوات من منظورنا. الله هو اللامحدود الذي يضع حدوداً لكل شيء، هو اللامخلوق الذي يخلق كل شيء. إنه الكائن اللانهائي، ذاتي الوجود، الذي خلق هذا الكون الفسيح الجميل من عدم، والذي يحفظه معاً اليوم. وليس هناك إلا كيان واحد في خبرتنا يمكن أن يزودنا بمشابهة للامحدودية الله، فرسم صورة تعبر عن الله لن يجدي*، بل إنها تحد جلاله. ولكن السماوات فقط هي التي تصيح وتنادي بلا محدوديته.

إن اللامحدودية هي السمة المميزة لكل صفة من صفات الله بما فيها قوته، ومعرفته، وعدله، ومحبته. ولذلك يستخدم الكتاب المقدس السماوات ليساعدنا على إدراك ارتفاع محبة الله اللامحدود. فمزمور11:103 يقول:”لأنه مثل ارتفاع السماوات فوق الأرض قويت رحمته† على خائفيه”. فما ارتفاع السماوات فوق الأرض؟ عندما تفكر أن المسافة بين النجوم تصل إلى 30 تريليون ميل وأن هذه النجوم تساوي في كثرتها عدد حبات الرمال التي تغطي الشطئان، وأيضاً تقول:’’السماوات مرتفعة بلا حدود‘‘. صحيح، وهذا هو ارتفاع محبة الله.

ولعل محبة الله غير المحدودة هي ما دفعت الرئيس بوش ليقتبس من إشعياء في تكريمه لطاقم ’’كولومبيا‘‘:’’لقد رأينا في السماوات اليوم دماراً مأساوياً. ولكن خلف هذا المنظور الذي تراه عيوننا يوجد عزاء ورجاء، كما قال إشعياء النبي”ارفعوا إلى العلا عيونكم وانظروا من خلق هذه. من الذي يخرج بعدد جندها يدعو كلها بأسماء. لكثرة القوة وكونه شديد القدرة لا يفقد أحد”. إن الخالق نفسه الذي يدعو النجوم بأسماء يعرف أيضاً أسماء النفوس السبع التي ننوح عليها اليوم. إن طاقم المكوك’’كولومبيا‘‘ لم يعد إلى الأرض بسلام، ولكننا نستطيع أن نصلي أن يكونوا جميعاً قد وصلوا إلى الوطن الأبدي بسلام‘‘.10

الخلاصة

منذ ما يقرب من 2000 سنة كتب بولس في بداية رسالته إلى المؤمنين في رومية “لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر”. ومؤكد أن الدليل على وجود مصمم واضح في الخليقة، ولكننا دائماً ما نعتبره شيئاً عادياً.

ويقدم’’سي.إس.لويس‘‘ في كتابه الكلاسيكي’’رسائل خربر‘‘The screwtape letters فهماً ثاقباً لميلنا أن نرى العالم المبهر المحيط بنا وكأنه شيء عادي. فالشيطان الكبير’’خربر‘‘ يكتب نصيحة للشيطان الأصغر’’علقم‘‘Wormwood عن كيفية منع الناس من أن يصبحوا مسيحيين. فيكتب’’خربر‘‘ قائلاً:’’اطبع في داخله باستمرار أن الأشياء عادية. وأهم شيء ألا تحاول أن تستخدم العلم(أقصد العلوم الحقيقة) للهجوم على المسيحية.

لأنه سيشجعه على التفكير في الحقائق التي لا يمكنه أن يلمسها ويراها. وقد رأينا حالات مؤسفة بين علماء الفيزياء المحدثين‘‘11.’’الحالات المؤسفة‘‘ هي طبعاً علماء فيزياء كانوا أمناء للأدلة التي رأوها فأصبحوا مسيحيين.

لقد رصد’’لويس‘‘ ميلاً عند الكثير منا. ففي حياتنا السريعة نادراً ما نتوقف ونلاحظ العالم المحيط بنا، ومن ثم نميل أن نعتبر كل وجه مبهر لهذا الكون الجميل شيئاً عادياً. ولكن كما رأينا، هذا الكون أبعد من أن يكون عادياً. واليوم يبين لنا العلم، أكثر من أي وقت مضى في التاريخ، أن الكون يمتاز بتصميم وتعقيد مذهلين. فهو يزودنا بمنظور جديد للعالم الذي غالباً ما نعتبره نحن أيضاً شيئاً عادياً.

ورواد الفضاء يرون العالم من منظور جديد من سفنهم الفضائية يساعدهم أن يدركوا أن هذا الكون يمكن أن يكون أي شيء إلا أن يكون عادياً. فعندما سار رواد الفضاء الأوائل على سطح القمر ورأوا الأرض تشرق*، وهو منظر لم يشهده إنسان من قبل، قرؤوا في خشوع من سفر التكوين”في البدء خلق الله السماوات والأرض”. وهل من شيء آخر يناسب تلك اللحظة؟ فتلاوة نظرية الأكوان المتعددة ما كانت-طبعاً- لتعبر عما اجتاح رواد الفضاء من مشاعر المهابة.

لقد شهدوا تصميماً من زاوية لم يشهدها أحد قبلهم وبهتوا بفكرة أن الخليقة المبهرة تستلزم خالقاً مبهراً. وقد ردد’’چون جلن‘‘John Glenn هذه القناعة عينها عندما نظر من مكوك الفضاء’’ديسكڨري‘‘Discovery وهو في السابعة والسبعين من عمره وقال:’’أن تنظر إلى خليقة كهذه ولا تؤمن بالله أمر مستحيل في نظري‘‘.

إن تأثير خبراتهم العميق يكشف أن الحجة الغائية أمر بديهي يدركه الإنسان بالحدس. فأنت لا تحتاج لمن يخبرك أن الشيء المصمم تصميماً جميلاً يتطلب مصمماً. فهو أمر واضح في ذاته. ومع ذلك، لنطرح الحجة في شكلها المنطقي ثانية مع التركيز على ما اكتشفناه في هذا الفصل:

  • لكل تصميم مصمم.
  • بناءً على المبدأ الإنساني، نعرف بما لايدع مجالاً للشك المنطقي أن يكون الكون مصمم.
  • إذن الكون له مصمم.

ليس هناك تفسير مقبول منطقياً للمبدإ الإنساني إلا وجود مصمم كوني. وعلى الملحدين أن يشطحوا بمزاعهم لكي يتمكنوا من إنكار الواضح. فعندما يخترعون نظريات افتراضية بلا أدلة تساندها، بل بالفعل نظريات مستحيلة، يكونون قد خرجوا من عالم المنطق والعقلانية ودخلوا إلى عالم الإيمان الأعمى. فقد كتب عالم الفيزياء’’پول ديڨيز‘‘ Paul Davies:’’ربما يجد المرء أن الاعتقاد في مجموعة لا نهائية من الأكوان أسهل من الأعتقاد في إله لانهائي، ولكن هذا العتقاد لا بد أن يقوم على الإيمان وليس على الملاحظة‘‘.12

والاعتقاد في شيء دون ملاحظته هو عين الاتهام الذي يوجهه الملحدون للأشخاص ’’المتدينين‘‘. ولكن المضحك أن الملحدين هم من يرجون لدين يقوم على الإيمان الأعمى. ولكن المسيحين يستندون على أسباب وجيهة تقوم على الملاحظة (مثل الأنفجار الكبير والمبدأ الإنساني) تبرر ما يعتقدون فيه. إلا أن الملحدين ليس عندهم أسباب. ولذلك لسنا نملك الإيمان الكافي للإلحاد.

وهذا الإيمان الأعمى الذي يتسم به الملحد يكشف أن رفض المصمم لا يمثل مشكلة عقلية، فهو لا يرجع إلى قلة الأدلة أو المبررات العقلية التي تؤيد وجود مصمم. بل العكس هو صحيح، فالأدلة مبهرة. ولكن المشكلة التي نحن بصددها مشكلة إرادية، فكل ما في الأمر أن البعض لا يريدون أن يعترفوا بوجود مصمم رغم الأدلة. وقد اعترف أحد نقاد المبدأ الإنساني لمجلة’’نيويورك تايمز‘‘New York Times أن رفضه الحقيقي ’’عاطفي محض‘‘ لأنه’’ يشم رائحة الدين والتصميم الذكي‘‘. 13إذن وداعاً للموضوعية العلمية.

وسوف نتناول في الفصل السادس مزيداً من هذه الدوافع وراء إنكار الأدلة القوية على وجود الله. ولكننا سنبحث أولاً في الفصل الخامس مزيداً من الأدلة المقنعة على المصمم، وهي أدلة موجود في الحياة نفسها.

* كما هو الحال مع معظم الثوابت، هذا الثابت يعتمد على ثوابت أخرى. فمثلاً تفاعل الجاذبية هو أيضاً دالة function من حجم القمر الذي هو أكبر بالنسبة لكوكبه من معظم الأقمار الأخرى.

* ربما هو سبب منع الوصية الثانية صنع الصور. فالصور تحد جلال الله. ولكن الأوثان أوثان سواء أكانت معدنية أم عقلية.

† ترد في ترجمةNIV (التي يستخدمها الكاتبان)”محبته” his love.(المترجمة)

* المقصود ارتفاع الأرض فوق الأفق كما ترى من القمر(https://www.ahdictionary.com/word/search.html?q=earthrise)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 29/9/2016.(المترجمة)

التصميم الإلهي للكون بين العرض والنقد ونقض النقد

هل يجب تدريس الخلق كعلم في المدارس العامة – نورمان ل. جسلر|ترجمة نرمين سليم

 

هل يجب تدريس الخلق كعلم في المدارس العامة

 دكتور الفلسفة/ نورمان ل. جسلر

.

نورمان ل.جسلر، أستاذ باللاهوتيات وعلوم الدفاع عن المسيحية بمعهد اللاهوت الجنوبي، شارلوت، كارولينا الشمالية

 

جال الجدل بين التطور والخلق في المحاكم لأكثر من ثمانون عاماً حتى الان، ولم تبدو أي علامات من السكون. في القرارات الحديثة، بما في ذلك قضية إدواردز عام 1987 أمام المحكمة العليا، خسر الخلق المعارك كافة. هناك سببين أساسين حكمت بهما المحكمة بحظر تدريس الخلق بجانب التطور في الفصول العلمية بالمدارس العامة: (1) الخلق ليس علماً، ولذلك، ولا توجد مساحة في الفصول العلمية لأكثر من علم التنجيم ورؤية الأرض مستوية. (2) الخلق والتصميم الذكي (المُشار إليه فيما بعد بـ ID) هي بالأساس أمور دينية، لذلك، وتخالف الحظر الموضوع من قبل التعديل الأول ضد تأسيس ديناً.

 

من الجدير بالملاحظة أن معظم اعتراضات الحكومة تم الرد عليها في الشهادة الخاصة بقضية سكوبس الثانية سنة 1981.  لكن رفضت محكمة أركنساس على نحواً غامضاً تدوين شهادتي لمدة خمس سنوات تالية، فقط بعد أن أصدرت المحكمة العليا حكماً في القضية. ومن ثم، لم يكن من المتاح للعدالة المراجعة قبيل إصدار القرار. الأن، ولأول مرة شهادتي بنصها مدونه بالكتاب الأخير لنا، الخلق في المحاكم (دار نشر كروس واي، 2007). لكن قبل توجيه اعتراضات المحكمة علي الخلق، يتوجب علينا تعريف بعض المصطلحات الأساسية في الجدال.

 

تعريفات

الخلق: لأجل تلك المناقشة “الخلق” أو ” ID”، كما يدعونه العديد من الناس في الوقت الحالي، المقصود به كما هو محدد في قضية ماكلين (1982): “علم الخلق” المقصود به الدلائل العلمية على الخلق والاستدلالات المستخلصة من تلك الدلائل العلمية” (القسم 4). وعلى عكس التطور الذي يسمح بتواجد الأسباب الطبيعية فقط، في حين أن نظرية الخلق تسمح بتواجد الأسباب الخارقة للطبيعة. وبالمثل، يؤكد الخلق علي وجود خالق للأشكال الأساسية كافة في الحياة، وعلى النقيض التطور الذي يؤكد الأصل المشترك للأشكال الأساسية كافة في الحياة.  بينما على نحو مغاير التطور الكبروي (تطور الأنواع)، يسمح الخلق للتطور الكبروي بعمليات طبيعية التي تفسر وجود بعض التنوع في الأنواع الأساسية بالحياة.

التطور: بواسطة أن “التطور” المقصود به التطور الكبروي أو رؤية السلف المشترك. يُقال إن كافة أشكال الحياة العظمي تطورت من خلال عمليات طبيعية تماماً بدون أي تدخل ذكي من قبل الأشكال الأدنى التي يؤمن داروين من إنها تفرعت من أصل واحد بسيط الذي أتي إلى الوجود من التولد العفوي من مادة غير حية.  لذا يتم التعريف، الخلق والتطور هما أراء تبادلية كلٍ علي مستواه.

 

 الرد على الأسباب المعطاة التي تمنع تدريس نظرية الخلق

السببين الأساسين التي حكمت بهما المحكمة بحظر تدريس الخلق هما أن الخلق ليس علماً وإنه يُعد ديناً. تم استخدام كلا السببين لعزل الخلق عن المناهج العلمية التي تُدرس بالمدارس العامة. استخدم ماكلين (1982) كلاهما، في حين أن إدواردز (1987) أستخدم السبب الأخير، لكن أستخدم دوفر كليهما (2005).

 

 

 

 

 

 

الرد على المجادلات العلمية ضد تدريس الخلق

ناقشت محكمة ماكلين أن الخلق ليس بعلماً، وكذلك محكمة دوفر، بالرغم من إنهم عرفوا “العلم” على نحو مختلف. الميول بأن الخلق ليس علماً أصبح له صدي شائع بالمجتمعات العلمية.

 

الخلق لا يتناسب مع معايير العلم

خطورة ذلك الاعتراض إنه ليس هناك تعريف مقبول في العموم لمفهوم العلم. حتى دوفر وماكلين لم يوافقا على مفهوم محدد للعلم، ومال إدوارد إلى تعريف العلم بالسيادة في تلك النقطة. يوافق كلا من دوفر وماكلين بأن العلم هو جدير بالملاحظة وقابل للتكرار ويشتمل على أسباب طبيعية فقط. وأضاف ماكلين أن يكون تجريبي وقابل للتنفيذ. ورغم ذلك، أفترضا كلا من دوفر وماكلين على نحو خاطئ أن العلم الخاص بأحداث النشأة لابد وأن يكون أيضاً جدير بالملاحظة وقابل للتكرار. حيث أن أحداث النشأة هي بالطبيعة أحداث ماضية لا يمكن ملاحظتها ولا تكرارها. ويمكن تطبيقهم فقط من خلال أسلوب علوم الطب الشرعي الذي يستخدم مبدئي السببية والتماثل لإعادة بناء الاحداث التي لم يتم ملاحظتها ولا يمكن تكرارها.

إضافة إلى ذلك، المحاكم التي تلجا إلى تعريف العلم، تقوم بذلك فقط في إطار قوانين الطبيعة، التي تلتمس السؤال فيما يتعلق بالتطور. وهذا ليس صحيحاً حيث تستخدم عديد من العلوم الأسباب الذكية، على سبيل المثال علم الشفرة أو علم الأثار أو برنامج البحث عن ذكاء خارج الأرض (SETI). لذا، لماذا يتوجب استثناء الأسباب الذكية من علم النشأة؟

إضافة إلى ذلك، المحاكم التي تسعي إلي تعريف العلم، تقوم بذلك فقط في إطار القوانين الطبيعية، التي تلتمس السؤال لصالح نظرية التطور. وهذا ليس بالصواب حيث أن العديد من العلوم تستخدم الأسباب الذكية، على سبيل المثال علم الشفرة أو علم الأثار أو برنامج(SETI) البحث عن ذكاء خارج الأرض. لذا، لماذا لابد من استثاء الأسباب الذكية من علم النشأة؟  فقط الالتزام المستعصي للواقعية (بمعني، ضد ما هو خارق للطبيعة) يمكنه أن يفسر سوء التعريف التعسفي هذا كتطبيق علمي للأصول.

 

رفض المجتمع العلمي للخلق

هناك سبب وراء عدم تدريس الخلق في التعليم المدرسي وهو أن أغلب المجتمع العلمي يرفض ذلك. ولكنه صحيح أيضاً أن الاغلبية في المجتمع العلمي رفضوا التطور أيضاً.  لو لم يتم السماح لوجهات النظر الخاصة بالأقلية بالسماع، لِما سمعوا التلاميذ عن التطور منذ البداية. في الواقع، وهذا حرفياً ما ناقشه التطوريون في محاكمة سكوبس 1925 حينما تم استبعاد وجهه نظر التطوريين، بمعني إنه لابد من تدريس وجه نظر الأقلية الخاصة بهم فيما يتعلق بالتطور.

إضافة إلى ذلك، استخدام الرأي الحالي للأغلبية لتعريف العلم هو معادل للقول “أن العلم هو حسب ما يراه العلماء الحاليون”. لكن هذا ببساطة لتحديد الصواب بأغلبية الأصوات، وهذا سيضيف فقط إلى التاريخ الأليم للنتائج غير المقبولة. لابد من تدريس العلم، في كافة المجالات، منذ ذلك الحين لتحمل وجهات نظر الأقلية. في الواقع، وجهات النظر العلمية كافة المقبولة حالياً من معظم العلماء كانت في السابق وجهات نظر للأقلية.

 وما يزيد علي ذلك، تقريباً كل مؤسسي العلم الحديث كانوا خلقيون (أي من يؤمنون بالخلق). من هؤلاء كيبلر، وبسكال، ونيوتين، وفاراداي، وأغاسيز، وماكسويل، وباستير، وكيلفين. وعليه، إذا كان غير مسموح بتدريس الخلق بمدارسنا، علينا بإهمال الأراء العلمية الخاصة بالأصول للمؤسسون الأولون للعلم الحديث. لكنه يُعد منطقاً غريباً أن لا نعتبر أراء المؤسسين الأولين للعلم أراء علمية.

 

الخلق لا يمكن ملاحظته ولا يمكن تكراره

في الغالب، يصر التطوريون علي أن الخلق ليس بعلماً حيث إنه لا يمكن ملاحظته ولا يمكن تكراره. ويؤمنون بأن السماح بتدريس الخلق بالتعليم المدرسي هو بالمثل كالسماح بتدريس الرأي الذي يؤمن بسطحية الأرض. ولكن هذا الجدل يعتمد علي سوء الفهم لنوعين مختلفين من العلم: العلم التجريبي وعلم الأصول. علي نحو لا يمكن إنكاره، الخلق أوالتصميم الذكي (ID) هو ليس بالعلم التجريبي الذي يُبني علي مبدأين وهما الملاحظة والتكرار، لكن من ناحية اخري للمرة الثانية لا يُعد التطور الكبروي علماً تجريبياً. مقياس العلم التجريبي هو أن النظريات للفرد يمكن قياسها في مقابل بعض الأحداث ذات نموذج يمكن ملاحظته وتكراره بشكل منتظم في نطاق العالم التجريبي. لكن حيث أن كلا من الخلق و التطور الكبروي هما أحداث غير قابلة للملاحظة وحدثت بالماضي ولن تتكرر في الوقت الحاضر، ويترتب علي ذلك أن كليهما لا يُعد علماً تجريبياً. وعليه، في حال إصرار التطوروين على المفهوم المحدود للعلم كافة كعلم تجريبي، فهم هكذا يقومون بحذف التطور الكبروي أيضاً من حقل العلم. ولكن إذا قاموا بتوسيع المفهوم ليشمل علم الطب الشرعي-مثل علم الأصول، ومن ثم يتم أعتبار الخلق علمياً. ليس من المعتاد التعامل مع الأحداث الماضية التي أسموها العلماء منذ زمن طويل “العلم”، كدليل من علوم التشفير وعلم الأثار وعلم الفيزياء الفلكية.

ليس هذا فقط، بل بعض العلماء يتعاملون مع الأسباب الذكية مثل علم الأثار وعلم التشفير ونظرية المعلومات وبرنامج البحث عن ذكاء خارج الأرض (SETI). ومن ثم في حال رغبة التطوريون الطبيعيون لحذف الأسباب الذكية كافة من العلم، يتوجب عليهم استبعاد الإدعاءات بأن تلك العلوم كافة لا تُعد علوم بالفعل أياً كان.

عدم السماح للمسبب الذكي الخاص بالأصول هو شئ مخطئ على نحو واضح بسبب أن الإصرار علي السبب الطبيعي في مقابل علامات دليل الذكاء هو شئ مستحيل تماماً مثل إصرار معلمة الجيولوجيا علي أن يقوم التلاميذ بالفصل لديها بشرح الوجوة الرئاسية المحفورة علي جبل راشمور بواسطة بعض عمليات التعرية الطبيعية!

 

الخلق هو رؤية “إلة الفراغات”

كثيراً ما يستخدمون علماء الطبيعة ما يسمونه “حجة إلة الفراغات” ذلك الفكر الخاطئ الثابت في تفكير الخلوقيين حيث يناقشون ذلك بإنهم  لم يستطيعوا تفسير أصل تركيب العين أو عملية تجلط الدم من خلال التطور بالإصطفاء الطبيعي، تدريجياً الاستحداث لا يعني أننا لابد أن نستثير الإلة لملي الثغرات بالمعجزات. 1  هم يشيرون إلي العديد من الأشياء التي لم يكن لها تفسير طبيعي في العلم بالماضي ولكن الأن يوجد لها تفسير، بما في ذلك من النيازك وكسوف الشمس والزلازل وطيران النحلة الكبيرة الطنانة. ومن ثم، يؤمنون بإنهم، مع إعطاء الوقت الكافي لذلك، سيتمكنون في النهاية من تفسير الثغرات بين إنعدام الحياة والحياة والعلاقة المفقودة بين النماذج الدنيا للحياة والنماذج العليا.   

لكن مجدداً هناك تدفق في تفكيرهم يرجع لعديد من الأسباب. أولاً، غياب الدليل ليس سبباً في استنتاج الخلقيون للمسبب الذكي للحياة الأولي. بالأحري، وجود دليل- دليل قوي جداً- يستلزم مسبب ذكي. وبطريقة مماثلة، غياب الدليل ليس المسبب الطبيعي لنصب لنكون التذكاري الذي يدفع الزوار الأجانب لتصديق إنه كان يوجد نحات لهذا. بالأحري، هناك دليل واضح يدلل علي إنه منحوت علي يد شخص ما (الذي يعتمد بدوره علي خبرة موحدة بأن الكائنات الذكية فقط هي القادرة علي إنتاج هذا النوع من المسببات).

ثانياً، بينما يقوم التطوريون الطبيعيون بانتقاد الخلوقيين علي نحو خاطئ بالفكر الخاطئ “إلة الفراغات”، هم بأنفسهم مذنبون في رؤية “طبيعة الفراغات”.  حتى عندما يتوافر أكثر من دليل كافي بأن هناك شيئاً يتم تصميمه من قبل كائن ذكي، هم يفترضون إنه لابد من وجود مسبب طبيعي (مثل “الساعاتي الأعمى”2) لإنتاج ذلك. أبعد ما يكون هو الافتراض الطبيعي الذي هو أكثر وضوحاً من رؤية هارفارد ريتشارد ليوونتين  حينما كتب: نحن نتخذ جانب العلم برغم سخافة براءة الإختراع لبعض من تركيباته بسبب إننا لدينا التزام سابق بمذهب المادية. ليس هناك طرقاً ومؤسسات خاصة بالعلم تجبرنا بطريقة ما علي قبول التفسير المادي لعالم الظواهر ولكن، علي النقيض”، ما نُجبر عليه هو التزامنا الأولي بالمسببات المادية. فضلاً عن ذلك هذا المذهب المادي هو حتمي حيث إننا لا نستطيع السماح للبصمة الإلهية بالتواجد في النطاق. 3

 

يتعامل العلم مع المسببات الطبيعية فقط

بينما إنه من الصحيح أن تُعد الأسباب الحالية كافة الخاصة بأحداث متكررة مسببات طبيعية في العلم التجريبي، لا يعد الخلق ولا التطور الكبروي علماً تجريبياً، حيث لا يتعاملا مع أحداث منظمة ومتكررة وجديرة بالملاحظة في الوقت الحالي. ولكن ليس من الصحيح الاعتماد على الأحداث الخاصة بالأصول حيث إنها أحداث ماضية غير ملحوظة وغير متكررة.  ومن ثم، يفتقر الادعاء بأن الفهم العلمي لأصول العلم لابد وأن يشتمل مسببات طبيعية فقط إلى القدرة على الإقناع لعديد من الأسباب.

أولاً: السؤال الذي يطرح نفسه فيما يتعلق بالتطور الطبيعي بواسطة افتراض أن كل حدث لابد وأن يشتمل على مسبب طبيعي. وهذا تماماً ما يتم تحديده ولا يمكن تصور مدي صحته مقدماً.

ثانياً: في حال أن المصطلح “الطبيعي” يستثني المسببات الذكية، وعليه يصبح ذلك متناقضاً مع التخصصات المقبولة للعلم. مسموح بالمسببات الذكية كافة كتفسير لعلوم الأثار وعلم التشفير وبرنامج البحث عن ذكاء خارج الأرض (SETI).

ثالثاً: في حال أن المقصود بـ “الطبيعي” استبعاد المسبب الخارق للطبيعة (الذي هو القراءة الطبيعية للمصطلح)، لذا فهو يُعد مناقضاً للتاريخ والمنطق والأدلة العلمية. فهو مناقض للتاريخ حيث أن ذلك ما فعله تماماً معظم مؤسسي العلم الحديث، بمعني، اعتقدوا بأن خالق الكون والحياة الأولي هي استنتاج معقول من دليل علمي.  إضافة إلى ذلك، هو مناقض للمنطق الصحيح، حيث أن هناك نوعين أساسين فقط من التفسيرات، الطبيعية وغير الطبيعية (أو الخارقة للطبيعة). لكن حذف أي احتمالية معقولة هو إجراء غير علمي بطبيعة الحال حيث يتوجب على العلماء أن يفتحوا أذهانهم لأي اتجاه يقود إليه الدليل. وهو مناقض أيضاً لدليل علم الفيزياء الفلكية الحديث الذي يؤكد على أن الكون له بداية (في نظرية الانفجار العظيم). وهذا يعتمد على العديد من الأدلة مثل قانون الثرموديناميك الثاني، الخاص بتمدد الكون، وصدي الإشعاع لنفس طول الموجة لذلك المرتقب من الانفجار العظيم، ونظرية أينشتاين العظيمة للنسبية العامة. كل هؤلاء يشيرون إلى التركيب الفيزيائي لزمان ومكان الكون في لحظة محددة بالماضي. في حال هذا، حينذاك لابد من تواجد مسبب خارق للطبيعة لوجود الكون حيث إنه بعيد عن الكون الطبيعي. كما حدده عالم الفلك الملحد، روبرت جاسترو:

 وجدوا علماء الفلك الأن إنهم وضوعوا أنفسهم في مأزق بسبب إنهم أثبتوا، بأساليبهم الخاصة، أن العالم ظهر فجأة بفعل الخلق حيث يمكنك تتبع أساس أي نجم وأي كوكب وأي شيء حي في هذا الكون وعلى سطح الكرة الأرضية. لقد وجدوا أن كل هذا حدث نتيجة لقوي لا يستطيعوا أن يأملوا في اكتشافها. 4

في واقع الأمر، مضي جاسترو يقول “هناك ما أدعيه أنا وأي فرد أخر بالقوي الخارقة العاملة، حسبما أعتقد، التي هي حقيقة مُثبتة علمياً الأن”5.  ومن ثم، ليس فقط يتوجب عدم حذف القوة الخارقة من العلم، ولكنها أيضاً انفجرت تبعاً للمشهد العلمي الذي يتبناه بينج بانج!”

 

يُعد التأمل بالمسببات الخارقة للطبيعة فلسفة، وليس علماً

يصر بعض العلماء على إنه يوجد شخص بالماضي استنتج السبب وراء العالم الطبيعي، حيث ترك النطاق العلمي ودخل إلى النطاق الفلسفي. وعليه، قد لاحظنا العديد من الأشياء. أولاً: لقد ترك بالفعل نطاق العلم التجريبي، ولكنه لم يترك علم الطب الشرعي.

ثانياً: ليس علمياً طرح سؤالاً سببياً حيثما يقود، مادام إنه تسبب في وجود العالم المادي والحياة المادية. تواجد مبدأ السببية في أساس العلم منذ البدء. رائد العلم الحديث، السير فرانسيس بيكون، أعلن أن المعرفة هي “المعرفة بالأسباب”. 6 تحدث بيير لابلاس عن “مبدأ الدليل بأن لا شيء يحدث بدون سبب وراء حدوثه”. 7 حتى الشكوكي البريطاني العظيم، ديفيد هيوم، أعلن “إنه من المستحيل أن أؤكد على الاقتراح المفضي بانه لا يمكن أن يحدث شيء من غير سبب”8. لذلك، لا يوجد شيئاً غير علمياً عن متابعة السؤال السببي حيثما يذهب. بالفعل كما لوحظ، شعر مؤسسي معظم مجالات العلم الحديث بانه لا يوجد تناقض مع التزامهم أن يفترضوا وجود خالق للعالم.

ثالثاً: في حال افتراض وجود سبباً خارقاً للطبيعة غير ملحوظاً لوجود الكون يذهب بعيداً عن نطاق العلم، سيتم افتراض سبب طبيعي غير مرئي لأصول التطور. في هذا الحيز، يُعدا كلا الرأيين خارقين حيث إنهما يقابلا الآراء المتواجدة بذات النطاق. بإيجاز، إذا كان التأكيد على المسبب الخارق للطبيعة ليس تابعاً للعلم بل للفلسفة، لا يعد كلاهما رفضاً للأخر. في تلك الحالة، يتم منع تدريس التطور الكبرى الطبيعي من فصول العلم ليرتحل إلى فصول الفلسفة، ويرافق الخلوقين التطوريين بسرور ليذهبا سوياً إلى فصول الفلسفة.

 

تدريس الخلق يستلزم أيضاً تدريس الآراء الأخرى العلمية الكاذبة

يشبه بعض التطوريون الخلق بنظرية الأرض المستوية وانتهوا إلى أن السماح بتدريس الخلق في فصول العلم سوف يستوجب السماح أيضاً بتدريس الآراء المهجورة والآراء العلمية الكاذبة مثل نظرية الأرض المستوية وعلم الكيمياء القديمة. رغم ذلك، ليس تلك هي القضية حيث أن تلك الآراء تمثل الموضوعات الموجودة بالعلم التجريبي حيث المبادئ السارية وهي القابلية للملاحظة والقابلية للتكرار. وليس هناك أسس قابلة للملاحظة وقابلة للتكرار في العالم أو في المعمل تؤيد تلك الآراء. وبالتالي، لا يُعدوا مجالاً مناسباً للعلم التجريبي. ومن ثم، لا يوجد لهم مكاناً في العلم بالمدارس العامة باستثناء التنويه لهم كآراء غير علمية لا تندرج تحت نطاق المنهجيات العلمية التجريبية. 9  ولا يسري هذا، رغم ذلك، علي التطور الكبرى أو علي الخلق الذين هما علميان بالحق في النطاق الجدلي، كما هو موضح أعلاه.

 

 

 

 

 

السماح بتدريس الخلق يستوجب السماح بتدريس الآراء الخاصة بالنشوء للأديان الأخرى

تماشياً مع ذلك الاعتراض، بمجرد السماح بتدريس المنظور اليهودي المسيحي، يستوجب على المدارس العامة إنشاء فصول للديانة البوذية والهندوسية والإسلامية وأيضاً العديد من المنظورات الدينية الأخرى. رغم ذلك، من الواضح إنها ليست الحالة لسببين أساسين.

 

أولاً، يتوجب على المدارس العامة ألا تسمح لأي من المنظورات الدينية بالدخول في تلك فصول العلمية. هناك فصول اخري، مثل التاريخ، وعلم الاجتماع، والادب حيث يتمكن الفرد بصفة شرعية من تدريس الدين دون الانخراط في تدريس الدين (انظر أدناه). لكن يتوجب على الفصول العلمية الالتزام بالدلائل العلمية والاستدلالات العاقلة المستنبطة من الدلائل.

ثانياً، هناك رأيين علميين فقط يتعلقا بالنقاط الأساسية كافة في النشوء. حيث يمكن تفسير نشأة الكون، والحياة، وشكل الحياة الجديدة فقط من خلال أسلوبين: إما أن كل منهم يعتبر نتيجة لمسببات طبيعية تماماً أو بتضمن وسيط ذكي اخر. لذا، فالسماح بتدريس الخلق لا يمهد السبيل إلي عدد سحيق من الآراء. هناك فقط نوعان مختلفان من المسببات لأحداث الأصول كافة. ومن ثم، لا يتوجب السماح للآراء الدينية المعتمدة اعتمادا صارماً على المصادر الدينية.  

 

الرد على المجادلات الدينية المثارة حول الخلق

حكمت محكمتين اتحاديين، ماكلين (1982) وإدواردز (1987) بأن تدريس الخلق هو انتهاكاً للتعديل الأول مع حظر تأسيس ديناً. لكن من الواضح وجود قرارات خاطئة لعديد من الأسباب. لنفكر بأن المجادلات اعتادت على ذكر الخلق كراَي ديني و، هكذا، حظرت تدريسه في فصول المدارس العامة.

 

 

 المسبب الأول أو الخالق هو في الأصل هدف ديني

اعترضت المحاكم بأنة منذ ان تضمنت نظرية الخلق وجود خالق وأن الخالق هو هدف الديانة، وعليه فإن تدريس الخلق هو تدريس للدين مما ينتهك التعديل الأول. ورغم ذلك، لم يتم التطبيق لأسباب عدة:

أولاً، ليس بالضرورة أن يكون المسبب الأول أو الخالق هو هدف الديانة. حيث إنني كنت شاهداً في قضية ماكلين بأركانساس، المسبب الأولي لأرسطو لم يكن هدف للدين، بل كان ببساطة نتيجة لعملية مسببة. لم يقم أبداً بعبادة ما أسماه “المحرك غير المتحرك”.  وكذلك الأمر مع الخالق الخاص بأفلاطون (Demiurgos) (الإله الخالق في فلسفة أفلاطون)، يعمل كمصمم للكون ولكن ليس لهدف الاستحقاق المطلق بكونه الجيد (the Agathos). هناك ديانات كالغنوسطية وعديد من ديانات الثقافات القديمة لم يقوموا بعبادة خالق الكون أياً كان، بالرغم من اعترافهم بأنه واحد. لذا، يجب ألا يتم العمل بمفهوم المسبب الأول أو الخالق في الحس الديني.

ثانياً، تقريباً أي شيء كان يُعد هدفاً للديانة في بعض الأوقات لبعض من الناس. فالبعض عبدوا الحجر وهناك مغزى ديني للبلورات في ديانات العصر الحديث. ألا يتوجب علينا حظر التلاميذ من دراسة ذلك في فصول الجيولوجيا لأنهم يحملون معني ديني للعديد منهم؟ وبالمثل، إذا كان رأي المحكمة يمثل الصواب، علينا ألا نقدم أي دليل تاريخي يثبت وجود أي من بوذا أو المسيح في الفصول التاريخية. حيث إنهما أهداف للديانة للملاين من الناس.  وقد يؤثر تقديم ذلك الدليل تأثيرا مشجعاً لإتباع ديانتهم.

ثالثاً، عملت محكمة تراسكو عام 1961 على تعريف الدين، أكد بأول تيليش أن خالق واحد وبعينه يمكن تطبيقه كطريقة علمية منفصلة كمسبب أولي لنشأة الكون. أو، اعتبار ذلك الخالق كهدف لأقصي التزام أو عبادة. 10ليس هناك ما هو ديني عن افتراض المسبب الأول لنشأة العالم كهدف موضوعي للإجابة علي استفهام علمي أو فلسفي منفصل. هناك شخص واحد فقط تخطي الحدود الأساسية له حينما سأل تلاميذه أن يدرسوا ذلك السبب الذي هو هدف أقصي التزام أو عبادة.

 رابعاً: الاَباء المؤسسين للولايات المتحدة لا يعتبرون هذا انتهاكا للتعديل الأول (الذي يحظر تأسيس ديناً) لافتراض وجود خالق. وبالفعل، تحدث المستند الرسمي للمؤسسين عن، إعلان الاستقلال الأمريكي، “الخالق” والكائن البشري “المخلوق” دون انتهاك التعديل الأول. 11وهكذا، بالإشارة إلي الخالق كمسبب أساسي لوجود الكون أو الحياة، أو حتي كمانح ” لقوانين الطبيعة”، لم يؤسس ديناً بذلك. وتلك ببساطة عملية مسببة تبدأ بدليل علمي وتتبع مبادئ علم النشأة (السببية والانتظامية) وصولاً إلى النهاية المنطقية لهم. حظر ذلك هو حظر للاستعلام العلمي في إطار المدلولات الجدلية والمنشأ في ذلك الشأن.

خامساً، حتى في حال استخدام المصطلح “الله”، ليس هناك احتياجاً ليكون هناك انتهاكاً دينياً للتعديل الأول. استخدم إعلان الاستقلال مصطلح “الله”، ولم تعلن المحاكم رسمياً عن عدم قانونية شهادات الميلاد القومية الخاصة بنا! وأيضاً بالنسبة للعبارة “برعاية الله” المتواجدة في النشيد الوطني، أو على العملات لدينا، أو على الحائط الأمامي لمجلس النواب الأمريكي. كما هو موضح أعلاه، لنفس الهدف يمكن استخدام مصطلح (الله) بطريقة موضوعية كسبب مطلق لوجود العالم والحياة دون دعوة التلاميذ للالتزام الديني أو ذاك المسبب الأول. 12

سادساً، في حال اعتبار أن مصطلح “الله” أو “الخالق” مصطلحاً دينياً، هذا لا يعني ألا يشير المعلمين بالمدارس العامة بأن تلك واحدة من نظريتين محتملتين يؤمنا بهما الناس. عندما يتم السماح بتدريس رأي الأصول أو الرأي الديني أو ليس أي منها، الذي يمثل واحداً فقط من رأيين محتلمين للموضوع، إلى جانب البديل الوحيد له، لا يُعد هذا تفضيلاً لذلك الرأي عن الاخر.  وعلى النقيض، السماح بتدريس راَي واحد فقط بدلاً من كلا الرأيين المحتملين هو إعطاء أفضلية لمعتقد واحد عن الاخر. بالتأكيد، هذا منطق معوج لإنهاء ذلك التدريس بموازنة بين كلا الرأيين بحيث لا يتم التفضيل أبداً لأحد الرأيين أو تأسيسه.

سابعاً، في حال أن الإشارة إلى الخالق تم اعتبارها دينية، لا يعني هذا بالضرورة انتهاكا لبند التأسيس. لابد من قيام أحدهم بادعاء أنه الرأي السديد من أجل انتهاك التعديل الأول. وذلك ينطبق على تدريس الدين فقط حيث يُعد انتهاكاً للتعديل الأول، وليس التدريس عن الدين (انظر أبينتجون، 1963). بهذا الأسلوب، يستطيع الفرد أن يقوم بالتدريس عن النظرية التي تفضي إلى وجود خالق للعالم وللحياة، دون الانخراط في تدريس الديانة نفسها.  حيث أن تدريس رأي واحد لا يُعد حقيقة الأمر ولكن ببساطة عرض تدريس الرأيين المتعلقين بالأصول. إضافة إلى ذلك، كم لوحظ سابقاً، إنه منطق ملتوي بالادعاء بأن حتى تدريس منظور ديني واحد بالتماشي مع المنظور الاخر يُعد تفضيلاً لمنظور عن الاخر.

 

الخلق بحسب الكتب الدينية (الإنجيل)

الجدال في جوهرة، الدائر حول قضية ماكلين، يفضي إلى إنه إذا كان مصدر النظرية ديني، فالنظرية تُعد دينية ولا يمكن تدريسها في المدارس العامة. ومع ذلك، لا يمكن إتباع ذلك المنطق لأسباب عدة.

أولاً، لقد وُجد التطور أيضاً في الكتب الدينية. 13 وبالفعل، هذا جزء من ديانة مُعترف بها ضمناً من جهة الإنسانية.هل نتيجة لذلك يتم  استبعاد التطور من إطار تدريسه كمنظور علمي في المدارس العامة؟ بالطبع لا.

ثانياً، كان الإنجيل هو المصدر الذي حث على العثور على العديد من المكتشفات في الأرض المقدسة. ذلك لا يجعل تلك المكتشفات غير علمية أو دينية، وبالتالي يتم استبعادهم لكونهم جزء من علم الأثار.    

ثالثاً، تعتمد العديد من المهن العلمية والفلسفية على مصدر ديني. أستوحي سقراط في مساعيه الفلسفية من كاهنة دلفي. بدأ منشئ الفلسفة العقلانية الحديثة، رينيه ديكارت، مساعيه الفلسفية حينما أستوحي ذلك من بعض الأحلام التي راودته. علينا أيضاً برفض نموذج كيكولي لجزيء البنزين حيث أستقي ذلك من رؤية الأفعى تلتصق رأسها بمؤخرتها! 14ويتوجب علينا أيضاً اعتبار المحرك العامل بالتيار المتناوب غير علمي حيث أن نيكولا تسلا استقي الفكرة من خلال قراءته لما كتبه شاعر الوجود. 15هل لابد من رفض الآراء العلمية والفلسفية كافة مادام ان المصدر المُستقي منه ديني؟  وبالفعل، قام هربرت سبنسر، من اسماه تشارلز داروين “الفيلسوف العظيم”، بابتكار فكرة تطور الكون حينما كان يتأمل في الموجات بالبركة في صباح يوم الأحد. أخيراً، من المُسلم به أن الإيمان بوجود مسبب خالق للطبيعة يلعب دوراً فعالاً في كافة أصول العلم الحديث. 16وبالفعل، في خلال القرنين ونصف الأولين من العلم الحديث (1620- 1860)، تعتقد معظم الإرشادات بالعلم أن الكون والحياة يعطيان دليلاً علي وجود خالق خارق للطبيعة. في الواقع، إنه من المُسلم به أن المذهب الإنجيلي في الخلق يلعب دوراً بارزاً في أصول العلم الحديث. في مقال مرجعي حول تلك النقطة في جريدة “ميند” الفلسفية رفيعة المستوي (1934)، شهد م.ب.فوستر بأن المذهب المسيحي هو مصدر العلم الحديث. 17من الغريب، بالفعل، أن نسمع أن التطوريين والمحاكم يتجادلون حول أن أساس العلم يعتمد علي مسبب خارق للطبيعة، ولكن سمح العلم حالياً فقط بالسماح بإدراج مسببات طبيعية للأحداث الأصولية.

 

تدريس الخلق في المدارس مستوحى من الدوافع الدينية

توضح المناقشة أعلاه على نحو متكرر أن قوانين الخلق وتدريسه مستوحيان من دافع ديني. اعتماداً على ذلك تم الحكم بعد القانونية.  لقد تم توضيح المغالطة بشكل واضح.

أولاً، كما هو ملاحظ، أن عدد من الآراء العلمية مستوحاة من دوافع دينية، بما في ذلك المعتقدات التطورية نفسها. ولكن لن يقوم أحد التطوريون بحذفها بسبب إنها ترجع لدوافع دينية.

ثانياً، هذا دافع وهدف مشوش. من المُسلم به في المحاكم انه لا بد أن يحوي القانون أهداف علمانية. حدد الخلوقين تكراراً للأهداف العلمانية وراء تدريس كلا المنظورين. تتضمن تلك الأهداف: تعزيز اختيار التلميذ، والتشجيع على التفكير الناقد، وتوفير تعليم متوازن، الدفع بالفهم العلمي، وإثارة الاكتشاف العلمي، وغير ذلك. تلك الأهداف العلمانية كافية لتفسير القوانين المقترحة. لذلك، حينما تشير المحكمة لذلك وتحكم بعدم شرعية تلك القوانين لإن المقترحين و/أو المصوتين لها كانوا مسوقين من قبل دوافع دينية، فهي تشير إلى الطريقة المناسبة لتشريع القوانين. معظم القوانين قائمة بشكل جزئي وذلك يرجع إلى أن هناك من هم من خلفيات دينية متنوعة كانوا مساقين بدافع ديني لرؤية تلك القوانين مشرعة. بالتأكيد أن القوانين كافة تتعامل مع الأفعال الأخلاقية، ومعظمها مسوقاً أو كان مسوقاً بدوافع دينية. لكن هل يتوجب علينا التخلص من القوانين كافة-بما في ذلك القوانين المناهضة للتزوير والسرقة وسوء معاملة الأزواج وسوء معاملة الأطفال والتحرش الجنسي بالأطفال والقتل حيث أنهم نتيجة، جزئياً أو كلياً، لدوافع دينية.

من الممكن أن يكون نفس القانون-بما في ذلك قانون الخلق/ التطور-مساق بدافع ديني ولازال يحوي هدف-غير طائفي-علماني جيد. تلك القوانين التي تحث على أهداف علمانية غير طائفية هي أفضل من القوانين الخاصة بالخلق حيث إنها أتبعت منذ قصية ماكلين (1982) أن تفتح كلا الرأيين المتعارضين وتعادل بينهما وتوازنهما.

أخيراً، المحاكم العليا التي أشارت إلى القوانين المُساقة بدافع ديني إنها تعد غير شرعية في بعض الأحيان، هي نفسها تلك المحاكم التي جادلت بأنه شيئاً جيداً. على سبيل المثال، يثني قرار ماك كولوم (1984) على دوافع هوراس مان، المؤسس الأول للتعليم الحالي للمدارس العامة العلمانية التي أصبح جزء أساسي منها هو إنكار الخلق. لاحظ ماك كولوم بفخر أن “هوراس مان كان مسيحي متدين، وقد انطبعت المشاعر الدينية العميقة لجيمس ماديسون على الاعتراض. لا تتضمن المدارس العامة العلمانية عدم اكتراث بالدور الأساسي للدين في حياة الشعوب، ولا تتضمن رفضاً للتدريس الديني كوسيلة لدعمه“.18 في ظاهر الأمر، للعلمانيين والتطوريين الحق بأكمله ليُساقوا بدوافع دينية دون أن كونها غير شرعية ولكن ليس الأمر هكذا بالنسبة للخلوقين الذين يتبنون أراء تم التعبير عنها في إعلان الاستقلال!  

 

الخلق هو جزء من الديانات اليهودية-المسيحية

لدي المحاكم إعجاباً بفكرة توثيق المعتقدات والدوافع المزعومة لهؤلاء اللذين يريدون تدريس نظرية الخلق في المدارس العامة (انظر الفصل رقم3). ومع ذلك، تلك خاتمة غير سليمة منطقياً ودستورياً.

أولاً، في حال أن المحكمة تصدر الحكم لصالح المنظور الديني لأنه متفق مع بعض الأديان، تُعد معظم المعتقدات الكوزمولوجية (الكونية) والأخلاقية التي تُعتنق من قبل البشر، بما في ذلك التطور، دينية وبهذا غير شرعية. حيث تمثل معظم تلك المعتقدات والقوانين المستوحاة منهم جزءاً من بعض الأديان. وبالطبع، نحن لا نسعى لحظر تدريس أطفال المدارس أن عدم التحمل والاغتصاب والقتل والقسوة هي أفعال خاطئة بسبب أن العديد من الأديان أيضاً تحظر ارتكاب تلك الأفعال. ومن ثم، لماذا يتوجب على الفرد أن يدعي بأن الخلق هو ديناً ببساطة لإن بعض الأديان تؤمن به؟ لا يُعد تدريس ما هو متوافق مع معتقدات أو دوافع دينية معينة ضروري لتدريس تلك الديانة، بصرف النظر عن إثبات تفردها على غيرها من الديانات.

   إضافة إلى ذلك، يتوافق التطور الكبروي مع معتقدات الإنسانين الدينين والملحدين. لكن حينما يتم تدريس الدليل العلمي للتطور الكبروي البويولوجي في علم الأصول لا يستلزم ذلك بالضرورة تدريس ديانة الإنسانية العلمانية أو ما شابة. وبالمثل، ببساطة لإن الخلق يتوافق مع نماذج أخري معينة من الديانات المسيحية وغير المسيحية لا تعني أن تدريس الدلائل العلمية للخلق في علم الأصول هو تدريس لتلك الديانات.

إضافة إلى ذلك، كما تمت ملاحظته، ليس هذا إشارة لأن الشيء الذي يعبده بعض الناس هو الذي يصنع منه شيئاً دينياً سواء تم إبراز ذلك كما يُعبد أو كالتزام أساسي. نحن لا نحظر دراسة القوي الطبيعية في الفصول العلمية (كالمطر، والرياح، والشمس) بسبب أن هناك البعض من السكان يدينون بعبادة تلك القوي. فنحن ببساطة لدينا إصرار على دراسة تلك القوي بشكل موضوعي، دون السعي إلى إثارة الاستجابة أو الالتزام الديني لتلك القوي في التلاميذ. بالفعل، كما لوحظ أعلاه، نحن لا نحظر تدريس الدلائل العلمية على التطور الكبروي ببساطة لإن البعض يتخذ التطور ديناً أو كمادة دينية19 ولأن بعض الديانات تتخذ التطور كجزء من معتقداتها. ومن ثم، طالما إنه تم افتراض الخالق كحسن تعليل للأصول، وكما يُعبد، يجب ألا يكون هناك اعتراض ديني على تقديم أراء الخلوقين في الفصول العلمية بالمدارس العامة. بالفعل، كما لوحظ، لم تحكم المحاكم ابداً بأن الدراسات الخاصة بالدين أو دراسة الأفكار الدينية تعد غير شرعية. تدريس الدين يُعد غير شرعياً، لكن ليس التدريس عن الدين أو الأشياء الدينية (انظر أبينتجون، 1963). خلافاً لذلك، لا يُعد دراسة الفنون الدينية شرعية مثل فن مايكل أنجلو، واحدة من أشهر لوحاته هي خلق الله لاَدم.

ذكر الدكتور/ لانجدون جيلكي (الذي شهد بتدريس نظرية النشوء فقط في قضية ماكلين) أن ذلك يشبه متسابقان يتدرجان الجبل من جوانب مختلفة. إنهما لا يسعيان لقمتين مختلفتين. هناك قمة واحدة. لكن هناك أكثر من طريقة للوصول إلي نفس النهاية. 20 

 وباعتبار ذلك الاختلاف، سوف نخلص إلى إنه إذا اقترب شخص من الخالق من خلال الموضوعية، نقطة أفضلية منفصلة في الاستدلال العلمي، لا يُعد بذلك يدرس ديناً. لكن هذا ما أفترضه تماماً الخلوقين بضرورة فعله بخصوص فرض الخالق كتفسير علمي محتمل للأصول. لكن تلك الصلاحية المناسبة للخالق موجودة في علم الأصول. لا تُعد الفكرة الخاصة بمسبب أو مصمم الكون فكرة ضارة دينياً حينما يتم إبرازها كتفسير للأصول في علم الأصول. وهذا بالأحرى حينما يتوجب تقديم نظرية الخلق فقط كواحدة من طريقين محتملين لتفسير الحقائق. كيف يمكن للتدريس المتوازن عن تفسيرين محتملين في علم الأصول أن يصبح تفضيلاً أو تأسيساً لواحداً فقط؟ بالفعل، يمكن ان تجري المجادلة حول أن السماح بتدريس التطور فقط هو نشر لديانة التطور الطبيعي. وبسبب أن التطور هو جزء أساسي في عديد من الديانات الطبيعية (الإلحادية)، ولعدم السماح من قبل الحكومة بتدريس أراء معاضة، بذلك تنشر الحكومة ذلك المنظور الديني.

 

الخلاصة والخاتمة

هناك جدالين رئيسيين موجهان ضد السماح بتدريس أراء الخلوقين تجاه الأصول في الفصول العلمية بالمدارس العامة. من المتجادل عليه (1) إنه ليس بعلماً، و(2) في الواقع هو تدريس للدين. يستند الإعتراض الأول في تدريس الخلق علي القصور في التمييز بين علم العمليات وعلم الأصول. حيث يمثل الأول العلم التجريبي، لكن الأخير يشبه بالأكثر العلم الجدلي. يتعامل علم العمليات مع الأنتظامات التي يمكن ملاحظتها في الوقت الحاضر. وبكل ما تحمله الكلمة من معاني، لا يُعد أي من الخلق الخاص ولا التطور الكبروي علماً. يتعامل علم الأصول، الذي يتضمن كلا من الخلق الخاص والتطور الكبروي،تفردات في الماضي لا يمكن ملاحظتها. لذا فقط حينما يُسمح للمسببات الطبيعية (الثانوية) في علم العمليات، تُتاح المسببات الخارقة للطبيعة في علم الأصول.

ثانياً، مع الإصرار بفرض المسبب المبدئي للخلق هو ديني لأن ذلك الرأي يتناسب ويتماشي مع معتقدات دينية بعينها تؤمن بالقوي الخارقة (كما هو موجود باليهودية التقليدية والإسلام والمسيحية)، ليس لأكثر إنصافاً من الإدعاء بأن التطور الكبروي هو ديناً لإنه يتناسب ويتماشي مع مسبب طبيعي بعينه بالأديان (مثل الهندوسية والبوذية والإنسانية العلمية). مع الإصرار علي وجوب رفض فكرة الخلق بسبب أنها تنبع من مصدر ديني (مثال ذلك، الإنجيل)، يتوجب علينا، عملاً بمبدأ الثبات، أن نرفض أيضاً فكرة نموذج كيكولي لجزيء البنزين أو المحرك العامل بالتيار المتناوب لإنهما ينبعان أيضاً من مصادر دينية. إذا تم تقديم المسبب المبدئي لأصل الحياة علي نحو بسيط كتفسير مُحتمل (أو منطقي) لأصل الأشياء الحية، لم يحتوي ذلك علي مغزي ديني أكثر من كونها قوي الطبيعة أو حتي “التطور” الذي يضفون عليه بعض الناس المغزي الديني.  

 

ملخص أسباب الإصرار علي تدريس الخلق بالمدارس العامة

تم تحديد معظم تلك الأسباب أو تضمنها في المناقشة السابقة. سيتم توضيحهم هنا لمزيد من التبسيط.

  1. يتم تعريف الخلق في قضايا المحاكم لماكلين (1982)، وإدواردز (1987)، ودوفر (2005) كعلم علي نحو ملائم في كلا من الإتجاة التاريخي والمعاصر. لقد تم تعريفه في قضية ماكلين “الدلائل العلمية للخلق والاستدلالات من تلك الدلائل العلمية”، لكن مؤسسي العلم الحديث والعلماء المعاصرون أنشغلوا بالعلم، خاصة العلوم من النوع الجدلي، بنفس ذلك الأسلوب.
  2. أضحي العلم عاماً ويجب أن يظل فاتحاً أبوابه للأقلية من الأراء. في الواقع، في حال أن أغلق العلم أبوابه أمام الأقلية من الأراء بين العلماء، لم تحصل نظرية التطور علي مركز وطيد حيث إنها تُعد رأي الأقلية. بالفعل، الأقلية في الأراء هي ما تجعل هناك إحتمالية للتقدم في العلم حيث أن الأراء الجديدة كافة توجد بالأقلية عندما يتم تقديمها لأول مرة.
  3. يُعد حظر أراء الخلق في المدارس، التي تم تبنيه من قبل أكثر من الأغلبية الكاسحة من الأمريكيين (ما يصل إلي 90%)21، هو إنتهاكاً لحقوق التعديل الأول الخاص بحرية التعبير لمعظم المواطنين. بالفعل، في أقوال توماس جفرسون، “يُعد فرض الضرائب دون إعتراض تعسفاً”. وفقاً لذلك النطاق، يُعد حظر تدريس نظرية الخلق تعسفاً!  
  1. حتي المحامي الخاص بالاتحاد الأمريكي للحريات المدنية في محاكمة سكوبس عام 1925 أدعي بأنه لابد من تدريس كلا الرأيين. وهنا أقوالة التي أدلي بها في مخطوط المحاكمة: ” باللة عليكم، دعوا الأطفال منفتحي الذهن- لا تغلقوا المعرفة عنهم، لا تغلقوا باباً منها. فرقوا بين التكنولوجيا والعلم. دعوهم يدرسون الأثنين”22

وينشأ عن ذلك سؤالاً هاماً: إذا أرادت النقابة الأمريكية لحريات المواطن تدريس كلا من الخلق والتطور في قضية سكوبس1 في عام 1925 حينما كان يتم تدريس الخلق فقط، لماذا ناقشت النقابة الأمريكية لحريات المواطن في “قضية سكوبس2” بأنه يجب تدريس رأي واحد فقط وذلك حينما كان يُدرس التطور فقط؟  إذا كان ذلك يُعد تعصباً (تلك الكلمة التي استخدمتها النقابة الأمريكية لحريات المواطن لوصف الخلوقين في محاكمة سكوب) في عام 1925 حينما كان يتم تدريس الخلق فقط، لماذا لم يُعد ذلك تعصباً في عام 1981 (واليوم) في حال تدريس التطور فقط؟        

  1. أعلن جون سكوبس، عن المدرس الذي وجد أن ذلك ذنباً في تدريس الخلق حيث أنه مخالف للقوانين المعمةل بها في تنسي، قائلاً: “إذا حاصرت المدرس ليقوم بتدريس جانب واحد فقط من أي شئ، ستتلقي الدولة بأكملها فوراً جهة واحدة فقط من التعليم، لتصبح فرداً واحداً”. لكن هل هذا ما يحدث تماماُ عند استبعاد تدريس الخلق من الفصول؟ بالمثل، حتي عندما أكد عرض معتقدات الإنساسنة العلمانية (1981) أن “التعديدية، تفتح مجتمع ديموقراطي يسمح بسماع وجهات النظر كافة”. لماذا لم يسمع أطفالنا عن الخلق في فصولهم؟
  2. في حال، حتي كما يقر العديد من التطوريون، وجود إحتمالية لصحة الخلق، نحن باستبعاد الخلق ذلك لا نعلن، بالفعل، بإننا لا نرغب في تعرض أطفالنا لما يمكن أن يكون صحيحاً والأغلبية الساحقة من أبائهم دافعي الضرائب يؤمنون بأن ذلك صحيحاً. باستثناء بعض الأصوات المتحمسة للتطور،23 يعترف معظم العلماء الجادين في التفكير بأنه علي الأقل هناك إحتمالية بصحة الخلق وبخطأ التطور. في حال حدوث ذلك، يكون لدي أي قرار محكمة، الذي يحظر تدريس الخلق، عاقبة تشريع إستحالة تدريس ما قد يكون صحيحاً علي نحو لا يمكن إنكاره. من الصعب تصديق أن العلماء غير متحيزي الفكر يرغبون بالفعل في قول: “من الجائز أن يكون الخلق صحيحاً، لكننا لن نسمح بتدريسه علي أي حال!” بالتأكيد، لا نريد تشريع إحتمالية الحقيقة خارج الفصول العلمية. 
  3. الإصرار بأن المسببات الطبيعية فقط تُعد تفسيراً علمياً (التي أدعها التطوريون الطبيعيون) مطابقاً لمطالبة عدم سماح مدرسي العلوم بأي تفسيرات ما خلا التعرية المادية للأوجة الموجودة علي جبل راشمور. أو ذلك مثل برنامج البحث عن ذكاء خارج الأرض لإعلان أن هناك رسالة واضحة من الفضاء الخارجي لا يمكن أن تكون شيئاً سوي النتيجة النابعة من القوانين الطبيعية. أو، وأنه لابد من شرح الكتابة المُكتشفة حديثاً للمخطوطات القديمة بواسطة العمليات الطبيعية وليس بواسطة المسببات الذكية.
  4. علي المستوي القانوني، إن الأصرار علي أنه يمكن مناقشة المسببات الطبيعية وحدها في الفصول العلمية التي تتعامل مع الأصول هو وجود أفضلية غير دستورية لوجهة نظر دينية- تلك التي تتضمن مسببات طبيعية أكثر من الديانات الأخري التي تفضل المسببات الخارقة للطبيعة للخلق. ويمكن القول بأنه بواسطة أنكارالمسببات الطبيعية (مثلما تؤمن اليهودية والمسيحية والإسلام)، فضلت المحاكم (وبذلك نشرت الأديان التي تؤمن بالمبادئ الإلحادية مثل الهندوسية والبوذية والإنساسنية العلمانية). لذلك، علي نقيض الإعتقاد الخاطئ، بواسطة عدم السماح بتدريس الخلق، لم تنشر المحاكم المعتقدات المسيحية اليهودية بل المعتقدات غير المسيحية اليهودية. علي سبيل المثال، في عام 1933، أعلنت الإنسانية العلمانية نفسها كديناً وأشارت المحكمة إليه كديناً محمي من قبل التعديل الأول (تاركايو 1961). لكن هناك ثلاث معتقدات جوهرية لديانة الإنسانية العلمانية وهي: (1) لا يوجد خالق، (2) لا يوجد خلق، (3) لا توجد أحداث وقعت بشكل خارق. 24ولذلك، الإصرار علي تدريس وجهات النظر تلك فقط هو “نشر” (هو، تفضيل) تلك المعتقدات الأساسية لديانة الإنسانسة العلمانية في المدارس العامة.  
  5. قام مؤسس ثورة التطور في العلم الحديث بتسمية التطور فقط “نظرية” بجانب “نظرية الخلق”. 25 لكن السماح برأي واحد فقط ليتم تدريسه هو معاملته كحقيقة، ليس نظرية واحدة فحسب. بالفعل، كتب داروين كلمات تستحق التأمل في “المقدمة” الخاصة بكتابه أصل الأنواع وهي:

أعي أن هناك نقطة وحيدة بالكاد تُناقش في الكتاب التي لا يمكن أن تستند عليها الحقائق، التي عادة ما تقود ظاهرياً لنهايات مباشرة علي عكس النهايات التي توصلت إليها. يمكن الحصول علي نتيجة معتدلة فقط بواسطة التصريح بالحقائق والجدالات والموازنة بينهم علي كلا الجانبين لكل سؤال، وليس هناك إحتمالية للقيام بذلك هنا.

 

ما هذا إلا ما عبر عنه الخلوقيون تماماً في سعيهم لتقديم الخلق أو التصميم الذكي في الفصول العلمية بمدارسنا العامة.

في استعراض شامل، المجادلات الطبيعية القائمة ضد السماح بأراء الخلوقين لتدريسها في الفصول العلمية ليس لها أساس. في الواقع تنتمي أصولها إلي افتراضات طبيعية ميتافيزيقية و/ أو منهجية. وهكذا، يطرحون سؤالاً لصالح التفسيرات الطبيعية. مثل ذلك، هم مخالفون لتاريخ العلم، طبيعة العلم كتحقيق علني، وفشلوا في المفارقة بين العلم التجريبي والعلم الجدلي، وهم مخالفون للدلائل العلمية القوية بما يفيد العكس. وعليه، لا يوجد أساس في التاريخ أو طبيعة العلم الحديث لإستبعاد تفسيرات الخلوقيين أو التصميم الذكي للأصول.  

 

 

1 . See Michael Behe, Darwin’s Black Box (New York: Free Press, 1996).

2 . A case in point is Richard Dawkins, The Blind Watchmaker (New York: Norton, 1987).

3 . Richard Lewontin, “Billions and Billions of Demons,” New York Review of Books (January 9, 1996), [emphasis added].

4 . Robert Jastrow, “A Scientist Caught Between Two Faiths,” Christianity Today (August 6, 1982): 15, [emphasis added].

5 . Ibid.

6 . See Francis Bacon, Novum Organum (New York: Colonial Press, 1899).

7 . Pierre Laplace, A Philosophical Essay on Probabilities, trans. A. I. Dale (New York: Springer–Verlage, 1995), 4.

8 . David Hume, The Letters of David Hume, ed. J. Y. T. Greig (New York: Garland, 1983), 1:187.

9 . Of course, science as such cannot deny the possibility of the supernormal since by its very nature empirical science is limited to observable and repeatable events. Making statements about the impossibility of such events is not science but scientism.

10 . See Paul Tillich, Ultimate Concern, 7–8, 12.

11 . Furthermore, as Supreme Court Justice Antony Scalia has pointed out, the simple belief that there is a God—which is common to almost all religions before modern times—does not thereby violate the First Amendment by establishing one religion over others.

12 . See Anthony Kenny, The Five Ways: St. Thomas Aquinas’ Proofs of God’s Existence (New York: Schocken, 1969).

13 . Julian Huxley called it the religion of “Evolutionary Humanism” in his book, Religion Without Revelation (New York: Harper, 1957), chap. 9.

14 . Ian Barbour, Issues in Science and Religion (New York: Harper and Row, 1965), 158.

15 . See O’Neill, John Jacob, Prodigal Genius: The Life of Nikola Tesla(1944; repr., Blue Ridge Summit, PA: Brotherhood of Life, 1994).

16 . Langden Gilkey, Maker of Heaven and Earth (1965; repr., Lanham, MD: University Press of America, 1985), 35.

17 . See M. B. Foster, “The Christian Doctrine of Creation and the Rise of Modern Natural Science,” Mind 42/172 (1934): 448. In this British journal he stated that the Christian doctrine of creation is the source of modern science.

18 . See McCollum v. Board of Education (1948).

19 . Henri Bergson, in his Creative Evolution, trans. Arthur Mitchell (New York: Macmillan, 1911), sees evolution as a divine Life Force within nature.

20 . See Gilkey, Maker of Heaven and Earth, 35.

21 . Multiple surveys and polls reveal that around 90% of Americans believe in some form of creation (see Jerry Bergman, “Teaching Creation and Evolution in Public Schools” (www.answersingenesis.og/docs/4178). Also, some 70% of attorneys believe that both views should be taught in schools.

22 . See, Million Hilleary, The World’s Most Famous Trial, 187. It matters not that He called creation “theology.” Whatever the name, he still wanted it taught in the public schools alongside evolution.

23 . See Isaac Asimov, “Asimov on Science Fiction,” Science Digest (Oct. 1981): 85.

24 . Paul Kurtz, ed. Humanist Manifestos I (Buffalo, NY: Prometheus, 1973), 8.

25 . See Charles Darwin, On the Origin of Species, 6th ed. (1872; repr., New York: University Press, 1988), chap. 15.

[1]Christian Apologetics Journal Volume 6. 2007 (vnp.6.1.127-6.2.20). Matthews, NC: Southern Evangelical Seminary.

 
Exit mobile version