شرب الخمر والمشروبات الكحولية من وجهه النظر المسيحية – نورمان جيلسر، ترجمة: كلارا (بتصرّف)
شرب الخمر والمشروبات الكحولية من وجهه النظر المسيحية – نورمان جيلسر، ترجمة: كلارا (بتصرّف)
يقول الكتاب المقدس عدة أمور عن استخدام الخمر.
هل الخمر اليوم هو كخمر العهد الجديد؟
العديد من شاربي الخمر المسيحيون اليوم يفترضون خطأً أن ما يعنيه العهد الجديد بالخمر هو الخمر (أو المشروبات المسكرة الكحولية) المستخدمة اليوم. هذا ومع ذلك خطأ. في الحقيقة الخمر المستخدم اليوم حسب التعابير الكتابية هو “مشروب مقطر” (أي مشروب روحي أو مشروب كحولي) أي هو ممنوع حسب الكتاب المقدس! ما يقصده الكتاب المقدس في الكثير من الأحيان بالخمر هو المياه النقية بشكل أساسي.
في بحث شتاين عن شرب الخمر في العالم القديم، في المصادر اليهودية وفي الكتاب المقدس، هو أشار إلى أن الخمر في أيام هوميروس (فيلسوف وشاعر إغريقي عاش في الفترة ما بين [القرن9 – القرن8 ق.م]) كان يحتوي على عشرون جزءًا من الماء لجزءًا واحدًا من الخمر (أوديسة 9-9.208).
وأشار بليني الأكبر (مؤرخ عاش في الفترة ما بين [23 – 79 م]) أن الخمر كان ثمانية أجزاء من الماء لجزءًا واحدًا من الخمر (التاريخ الطبيعي 14.6-54). وفقًا لأريستوفان (مؤلف مسرحي يوناني عاش في الفترة ما بين [446-386 ق.م])، أنه كان روحي (مسكرا أو اقوى) أكثر: ثلاثة أجزاء من الماء لجزئين من الخمر.
تحدث كتّاب يونانيون آخرون عن مخاليط أخرى (مقادير أخرى من الخمر):
يونيوس (فيلسوف وشاعر في القرن الخامس قبل الميلاد): ثلاثة أجزاء من الماء لجزء من الخمر.
هسيودوس (شاعر عاش بين 750 و650 قبل الميلاد): ثلاثة أجزاء من الماء لجزء من الخمر.
اليكسيس: أربعة أجزاء من الماء لجزء واحد من الخمر.
ديوكيلس (عالم عاش في الفترة ما بين [240- 180 ق.م]) وانكريون (شاعر غنائي [582 – 485 ق.م]) جزءان من الماء لجزء من الخمر.
ايون: ثلاثة أجزاء من الماء لجزء واحد من الخمر.
كان المعدل المتوسط هو حوالي ثلاثة أو أربعة أجزاء من الماء لجزء واحد من الخمر. أحيانا في العالم القديم يتم مزج جزء واحد من الماء لجزء واحد من الخمر وهذا يعتبر مشروبا روحيا مسكرا وقوي. واي شخص يشرب الخمر من دون خلطه بشيء كان يُنظر إليه على أنه سكوثي (السكوثيون هم شعب بدوي همجي من أصول إيرانية ويعتبرون من أشرس الشعوب على الإطلاق) وبربري (غير متحضر) هذا يعني أن اليونانيون سيودون القول اليوم “أنتم الأمريكيون برابره – تشربون الخمر”.
على سبيل المثال، يقتبس أثينايوس (خطيب إغريقي، عاش في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث للميلاد) عن منيسيثوس الاثيني في قوله ” لمن يشربه (أي الخمر) باعتدال في الممارسة الجنسية اليومية، أنه يعطي بهجة جيدة؛ لكن إذا تجاوزت الحد فأنه يجلب الأذى. امزجه نصف لنصف (أي نصف الكأس ماء ونصفه الآخر خمر) ستحظى بالجنون؛ وبدون أن تمزجه سيؤدي ذلك إلى انهيار جسدي.”
وهذا قول وثني ” خلط الخمر نصف لنصف يجلب الجنون والخمر غير المخلوط يجلب الموت.” شاتين أيضًا يلاحظ أنه “في عدة حالات في العهد القديم هناك تفريق بين الخمر والمسكر (على سبيل المثال، لاويين 10: 8-9)
فالمشروب المسكر هو شيء والخمر هو شيء آخر ونفس هذا التفريق موجود في (تثنية 14: 26؛ 29: 6)، (قضاة 13: 4) وفي أماكن أخرى. وفقًا للتلمود فإن الخمر المستخدم في وجبة الفصح فهو عبارة عن ثلاثة أجزاء من الماء لجزءًا واحدًا من الخمر (راجع 2مك. 15: 40)
قد يكون الخمر الذي قدمه المسيح بمعجزة في عرس قانا (يوحنا 2: 1-11) شرابا مشابها، أي أنه خمر مخلوط بالماء.
الكلمة (“οἶνος” اونوس) أي الخمر تشير أحيانا إلى عصير العنب المخمر (على سبيل المثال أفسس 5: 18) وأحيانا الى عصير عنب طازج [غير مخمر بالكامل] (على سبيل المثال رؤيا 19: 15).
بالإضافة إلى ذلك، في الحقب والعصور القديمة لم تكن الكثير من المشروبات امنه لشربها. يشير شاتين إلى أنه في العالم القديم يمكن صنع الماء الآمن للشرب بأحد الطرق التالية.
يمكن غلي الماء، ولكن كان هذا مضجرًا ومكلف.
يمكن تصفيته، ولكن هذه لم تكن طريقة امنه.
يمكن وضع بعض الخمر في الماء لقتل الجراثيم — جزء من الخمر لثلاثة أو أربعة أجزاء من الماء.
الخمر اليوم يحتوي على مستويات عالية من الكحول أكثر مما كان عليه في العهد الجديد.
وفي الحقيقة، في أوقات العهد الجديد يحتاج الشخص لشرب اثنان وعشرون كأسًا لاستهلاك كمية كبيرة من الكحول بالمقارنة مع اثنان من المارتيني (مشروب كحولي) اليوم. يلاحظ شاتين بحس الدعابة “بعبارات أخرى، من الممكن أن تسكر (تصبح ثملًا) من مزج الخمر بثلاثة أجزاء من الماء، لكن شرب الشخص من المحتمل أن يؤثر على المثانة قبل وقت طويل من تأثيره على العقل.
على الرغم من أن الخمر المخمر شُرِبَ في أوقات الكتاب المقدس وعلى الرغم من أنه تمت الموافقة على شرب الخمر من قبل الكتاب المقدس، يحتاج المرء ليتذكر أن محتوى الكحول اقل بشكل كبير من الخمر اليوم. ما يُستخدم اليوم هو ليس خمر العهد الجديد!
لذلك يجب على المسيحيين عدم شرب الخمر أو البيرة (الجعة) أو أي مشروب كحولي آخر لأنها في الواقع مشروبات مسكرة وممنوعة وفقا للنصوص المقدسة. حتى الوثنيون القدماء لم يشربوا ما يشربه [من يسمون] بالمسيحيين اليوم!
لذلك أنه من الخطأ القول انه بما أن الناس في زمن الكتاب المقدس كانوا يشربون الخمر، إذن يمكن للمسيحين اليوم عمل نفس الشيء. في المعنى الصحيح يشرب الناس بعد ذلك الماء النقي (والان سيوضح سبب ما قاله).
خمر العهد الجديد كان في الأساس طريقة لتنقية المياه. انه لم يكن سائل غير آمن (لقد كان سائل (أي الماء الممزوج بالخمر لتنقيته) آمن). لكن في أميركا لا ضرورة لتنقية المياه بواسطة الخمر. وهناك الكثير من المشروبات المتاحة وهي غير مسببة للإدمان.
السُكْر خطيئة
الخمر في الكتاب المقدس لا يستخدم بإفراط ولم يكن الشخص يشرب من ثمرة الكرمة. في العهد القديم كان السكير يقتل (تثنية 21: 20-21)
كان السكر يعتبر خطيئة لا يمكن أن تُصلح فتم استخدام عقوبة الموت لمن يرتكبها كما تستخدم هذه العقوبة للقتل والاغتصاب وعدم احترام الوالدين الخ….
وفقًا لـــ(1كو 5: 11) يجب أن يفصل المسيحيين انفسهم عن الأشخاص الذين يدّعون انهم مسيحيون ولكنهم يسكرون.
السكّيرون “لا يرثون ملكوت الله” (1كو 6: 9-10) ولا المثليين أو الأنواع الأخرى من الخاطئين. إن ممارسة المثلية أو السكر لا نرث من خلالها ملكوت السموات. من الواضح أن الله يكره السكر. بولس أيضًا كتب في أفسس 5: 18 (“وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ”). والسكر مذكور أيضًا في (غلاطية 5: 19-21) في “أفعال الجسد”.
المشروبات المسكرة مضللة وخاطئة
يقول الكتاب المقدس الكثير عن المشروبات المسكرة. على سبيل المثال، كان على الكهنة أن يتجنبوا شرب هذه المشروبات (لاويين 10: 8-9). وكتب سليمان ” اَلْخَمْرُ مُسْتَهْزِئَةٌ. الْمُسْكِرُ عَجَّاجٌ” (أمثال 20: 1).
الله يعارض استخدام الشخص للمشروبات المُسكِرة لأنه تجلب الخداع والاضطراب الى حياته.
لا ينبغي على الحكام (أو الملوك والرؤساء) أن يشربوا المشروبات الكحولية المُسكِرة، إنها تدمر قدرتهم على التفكير والحكم بنقاء.
المشروبات المُسكِرة ليست للملوك لكي لا يَحرِفوا العدل «أمثال 31: 4-5» [“لَيْسَ لِلْمُلُوكِ يَا لَمُوئِيلُ، لَيْسَ لِلْمُلُوكِ أَنْ يَشْرَبُوا خَمْرًا، وَلاَ لِلْعُظَمَاءِ الْمُسْكِرُ. لِئَلاَّ يَشْرَبُوا وَيَنْسَوْا الْمَفْرُوضَ، وَيُغَيِّرُوا حُجَّةَ كُلِّ بَنِي الْمَذَلَّةِ.”]. كتب أشعياء، “وَيْلٌ لِلْمُبَكِّرِينَ صَبَاحًا يَتْبَعُونَ الْمُسْكِرَ، لِلْمُتَآخرينَ فِي الْعَتَمَةِ تُلْهِبُهُمُ الْخَمْرُ.” (أشعياء 5: 11). كان لهذا الكاتب عم وكان يشرب كل يوم قبل وقت الظهيرة طوال حياته. في حوالي سن الأربعين مات بسبب مرض الكبد. لقد جرّب حقيقة ما قاله أشعياء 24: 9 “يَكُونُ الْمُسْكِرُ مُرًّا لِشَارِبِيهِ.”
قد يكون شرب الخمر جيدا ولطيفًا في البداية لكنه سيكون مرًّا في النهاية. هذا هو النبي الكاذب الذي قال “أَتَنَبَّأُ لَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمُسْكِرِ” (ميخا 2: 11). يعارض الله استخدام المسكرات كشراب. الكلمة العبرية للمشروب الكحولي المسكر هي (שֵׁכָר) شيكار واستخدمت 23 مرة لتشير الى شراب مُسكِر يصنع من الشعير، الرمان، البلح، التفاح أو العسل. الكلمة الشائعة الأخرى لمصطلح “الخمر” هي (יַיִן) ياين، استخدمت 141 مرة.
على الجانب الآخر، الكلمة (תִּירוֹשׁ) تيروش والتي تترجم أحيانا “الخمرة الجديدة” أي عصير العنب الطازج والذي لم يتخمر بالكامل. واستخدمت 38 مرة (على سبيل المثال تكوين27: 28، يوئيل 2: 24، ميخا 6: 5).
كيف يجب أن يقرر الشخص اليوم إذا كان يريد أن يشرب المشروبات الكحولية أم لا؟
يجب على المسيحيين النظر بعناية باتباع الأسئلة الأربعة الآتية:
السؤال الأول هو ما هي الحقائق عن المشروبات الكحولية؟
قبل أن يقرر الفرد لشرب أو متابعة شرب الخمر، عليه أن يكون على دراية تامة بحقائق المشروبات الكحولية وآثارها اليوم.
ما يقدر بــ10 ملايين مدمنون على مشكلة الشرب والكحول في أمريكا وهم من فئة البالغين.
من البالغين الذين يشربون، 36% منهم يصنفون على أنهم يعانون مشاكل شرب الكحول.
فضلًا عن ذلك، هناك ما يقدر بــ 3.3 مليون شخص غير بالغ تتراوح أعمارهم بين 14-17 يعانون أيضًا من مشكلة شرب المشروبات المسكرة.
نسبة الوفيات المرتبطة بشرب المشروبات الكحولية عالية وتقدر بــ (200000) شخص سنويًا. في خلال عامين كانت نسبة الوفيات المرتبطة بشرب المشروبات الكحولية مماثلة لنسبة الوفيات المرتبطة بحرب فيتنام!
تقدر تكاليف شرب الكحول في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي خمسون مليار دولار في عام 1975. وسجلت هذه القيمة ارتفاعا كبير منذ ذلك الحين الى الآن.
بين عامي 1966 – 1975 نسبة طلاب المدارس الثانوية الذين يشربون المشروبات الكحولية ارتفعت من 19% الى 45%.
شرب المشروبات الكحولية من أحد أسباب الإصابة بالسرطان.
متلازمة الجنين الكحولي هي ثالث أعظم سبب للعيوب الخلقية.
توجد أدلة تظهر أن شرب الخمر الاجتماعي يضعف القدرات الاجتماعية والفكرية للفرد. عوضًا من أن يصبح الناس أكثر حدة، يصبحون أكثر كسلًا وبهتانًا.
نصف وفيات حوادث السير وثلث إصابات هذه الحوادث المرورية سببها يرجع للمشروبات الكحولية. في حين أن الشخص له الحق القانوني في الشرب، فليس له الحق في تعريض حياة الآخرين على الطريق السريع للخطر من خلال شربه.
هناك نسبة مئوية عالية من الآباء الذين يسيئون معاملة أطفالهم بسبب مشاكل شرب الكحوليات.
يوجد ارتباط مرتفع نسبيًا بين استهلاك المشروبات الكحولية والسطو، الاغتصاب، الاعتداء والقتل وأكثر من ثلث حالات الانتحار ترتبط بشرب المشروبات الكحولية.
يدفع دافعو الضرائب 11 دولارًا لتعويض كل دولار واحد مدفوع في عائدات الخمور.
والسؤال الثاني هو هل شرب الخمر يوجه أي شخص للخطيئة؟
على المسيحيين أن لا يهتموا بحياتهم الشخصية فقط بل بحياة الآخرين. كتب بولس في الرسالة إلى فيلبي 2: 4 “لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخرينَ أَيْضًا.”
ويجب أن يمتلك المسيحيون تفكير جدي ومنطقي (“حَسَنٌ أَنْ لاَ تَأْكُلَ لَحْمًا وَلاَ تَشْرَبَ خَمْرًا وَلاَ شَيْئًا يَصْطَدِمُ بِهِ أَخُوكَ أو يَعْثُرُ أو يَضْعُفُ.” رومية 14: 21). يجب أن يسأل المؤمن نفسه “هل شربي للخمر يسبب لأي شخص آخر خطيئة؟ إذا لم يكن هذا مشكلة بالنسبة لي هل من الممكن أن يتسبب شربي بعثره لشخص آخر؟ “
والسؤال الثالث هو هل يمكن لشرب الخمر أن يتم لمجد الله؟
كتب بولس “فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ أو تَشْرَبُونَ أو تَفْعَلُونَ شَيْئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ.” (كورنثوس الأولى 10: 31).” إذا لم يستطع المسيحي أن يسبح الله ويمجده وهو يشرب، فهذا لا ينفعه ولا يمجد الله.
أسباب منطقية للتوقف عن إدمان شرب الكحول والمشروبات المسكرة
تم إدانة هذه المشروبات:
أ- الكتاب المقدس أدان شرب هذه المشروبات المسكرة.
ب- البيرة والنبيذ اليوم مشروبان مسكران.
ت- ج- إذن أدان الكتاب المقدس شرب البيرة والنبيذ بوصفهما مشروبات مسكره.
ث- د- لا ينبغي أن نفعل شيء يدينه الله فلذلك لا يجب أن نشرب هذه المشروبات المسكرة.
آباء الكنيسة يرفضون شرب الخمر وحده:
القديس كبريانوس: لذلك، إذا أخذنا بعين الاعتبار كأس الرب فلا يمكن تقديم الماء وحده ولا يمكن تقديم النبيذ وحده. (الرسالة 62.2.11)
القديس إكليمندس الإسكندري: من الأفضل خلط النبيذ مع أكبر كمية ممكنة من الماء. (المرشد 2.2)
إعتقال رجل يوزع كتيبات مجانية في موكب رئيس الوزراء الكندى تطالب المثليين بتقديم توبة للمسيح
إعتقال رجل يوزع كتيبات مجانية في موكب رئيس الوزراء الكندى تطالب المثليين بتقديم توبة للمسيح
إعتقال رجل يوزع كتيبات مجانية في موكب رئيس الوزراء الكندى تطالب المثليين بتقديم توبة للمسيح
ألقت الشرطة الكندية القبض علي سائق حافلة مسيحي يدعى “بيل واتكوت”، في تورنتو بعد إتهامه بـ”جريمة كراهية” بسبب توزيعه كتيبات في موكب رئيس الوزراء تقول إن المثلية الجنسية يمكن أن تؤدي إلى أمراض وأن يسوع يستطيع إنقاذ الأشخاص المثليين إذا توبوا.
وقالت شرطة تورونتو في بيان لها ان “واتكوت” وزع مواد مضادة للمثليين تشجع علي الكراهية تجاه المثليين جنسيا.
واتهم الرجل المسيحي البالغ من العمر 51 عاما “بالترويج المتعمد للكراهية ضد مجموعة محددة ، وهي جماعة المثليين”.
وجاء في الكتيبات الصغيرة التى كان يوزعها أن المثلية الجنسية تنشر أمراض منقولة جنسياً ، بما في ذلك فيروس الورم الحليمي ، وهو ما تقول المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض إنه صحيح.
كما ورد في الكتيبات أن من يدعم الأفعال المثلية والمثليين عليهم التوبة وإلا سيتعرضون إلى “خطر أبدي” بينما التوبة المجانية مصيرها الحياة الأبدية.
ومع ذلك ، تقول التقارير إن المنشورات لا تشجع الكراهية ضد المثليين جنسياً ، ولا تدعو إلى العنف.
الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد
الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد
من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان؟
“في المدرسة الثانوية علَّموني أن الضفدع الذي يتحول إلى أمير قصة خيالية.
وفي الجامعة علَّموني أن الضفدع الذي يتحول إلى أمير قصة حقيقية.”
“رون :كارلسون” Ron Carlson
في فيلم “اتصال” Contact، تلعب جودي فوستر Jodie Foster دور عالِمة ضمن فريق برنامج “البحث عن ذكاء من خارج الأرض” (“ستي”) Search for Extra-Terrestrial Intelligence (SETI). وبرنامج “ستي”، الذي هو عبارة عن منظمة حقيقية، يضم علماء يمكنهم مسح الفضاء للعثور على علامات صريحة تبين وجود حياة ذكية. فممَّ تتألف العلامة الصريحة على وجود حياة ذكية؟ من رسالة. هذا صحيح. شيء من قبيل “أَخْرِج القمامة-ماما”.
وفي الفيلم تشتعل جودي حماسةً عندما يلتقط الهوائي موجات راديو يبدو أنها تتسم بنمط ذكي، وتقول مندهشة: “واحد، اثنان، ثلاثة، خمسة، سبعة،11…أولية!” (تقصد أعدادًا أولية). “مستحيل أن تكون ظواهر طبيعية!”
فعلاً، موجات الراديو العشوائية يمكن إنتاجها طبيعيًا، ولكن الموجات التي تحوي رسالة دائمًا ما تأتي من مصدر ذكي. والأعداد الأولية، من واحد إلى 101 بالترتيب، تشكل رسالة لا تصدر إلا من كائن ذكي.
وجودي الآن واثقة أنها عثرت على شيء من خارج الأرض، فتعلن عن اكتشافها. ومن ثم يتجه مسؤولون من الحكومة والجيش إلى مكان عملها. ويسألها أحدهم بنبرة ساخرة: “لو كان هذا مصدرًا ذكيًا، فلماذا لا يتحدث الإنجليزية؟”
فتجيب جودي بحزم: “لأن الرياضيات هي اللغة العالمية الوحيدة!”
وهي بالطبع على صواب. ففي الحقيقة الأبجديات، وبالتالي اللغة نفسها، يمكن اختزالها نهائيًا إلى أعداد. ولذلك الأبجدية الإنجليزية متماثلة رياضيًا مع الأبجدية الوراثية للـDNA ، وتشبيه معلومات الخلية بالموسوعات يمثل علاقةٌ تامةُ التطابِق وليس مشابهة جزئية.
ورغم أن جودي وزملاءها يكتشفون فيما بعد رسالة أكثر تعقيدًا متضمَّنة في موجات الراديو، فهم على يقين تام أن الأعداد الأولية وحدها تبرهن على أن الرسالة صادرة من حياة ذكية. ولكن ما سِرُ يقينهم؟ السر هو أن الملاحظات المتكررة تخبرنا أن الكائنات الذكية فقط هي مَنْ تخلُق رسائل، وأن القوانين الطبيعية لا تفعل ذلك أبدًا. فعندما نرى سلسلة من العداد الأولية، ندرك أنها تتطلب مسببًا ذكيًا تمامًا مثل رسائلك “أَخْرج القملمة-ماما”،” ماري تحب سكوت”.
ومن المضحك أن فيلم “اتصال” مأخوذ عن رواية للراحل كارل ساجان Carl Sagan، وهو تَطَوُّري متشدد آمن بالتوليد التلقائي ولعب دورًا فعالاً في إطلاق برنامج “سيتي” في الواقع. والمضحك في الأمر أن ساجان كان مقتنعًا تمامًا أن سلسلة بسيطة من الأعداد الأولية تبرهن على وجود كائن ذكى، ولكن ما يعادل 1000 موسوعة في الحياة الأولى وحيدة الخلية لا يبرهن على ذلك. إن عدم الاعتقاد في الله يتطلب قدرًا كبيرًا من الإيمان. أكبر مما نملك!
المحتوى المعلوماتي للمخ البشري مُعبَّرًا عنه بوحدات البِت[1] غالبًا ما يعادل مجموع عدد الاتصالات فيما بين العصبونات (الخلايا العصبية أو النيورونات neurons)، حوالي مائة تريليون بِت. ولو كُتِبَت هذه المعلومات بالإنجليزية لملأت حوالي عشرين مليون مجلدًا، وهو ما يعادل ما تحويه أكبر مكتبات العالم. إن ما يعادل عشرين مليون كتابًا يسكن داخل رأس كلٍّ منا. فالمخ هو مكان كبير جدًا في مساحة صغيرة جدًا. … والكيمياء العصبية للمخ مشغولة على نحو يثير الإندهاش. إنها عبارة عن مجموعة دوائر كهربية لماكينة تفوق في روعتها كل ما هو من صُنْع البشر.
من المحتمل أن تقدير ساجان لمحتوى المخ المعلوماتي بعشرين مليون كتابًا هو تقدير أقل من الواقع. ومع ذلك حتى هذا الرقم مذهل. وحتى تُكوِّن عنه تصورًا، تخيل نفسك في الصالة الرئيسية لمُجَمَّع ماديسون سكوير جاردن Madison Square Garden قبل بدء مباراة كرة سلة بعد ساعات. وليس هناك أحد غيرك في الساحة، وأنت تنظر إلى ما يقرب من 20 ألف مقعد فارغ تحيط بك جميعًا. فكم عدد الكتب التي يجب أن تضعها فوق بعضها البعض على كل مقعد بحيث تضع عشرين مليون كتاب في تلك الساحة؟
يجب أن تضع 1000 كتاب فوق بعضها على كل مقعد على حدة حتى تستطيع أن تُدخل عشرين مليون كتاب في ماديسون سكوير جاردن. فكِّر فيها. فارتفاع السقف لا يكفي هذا العدد من الكتب. لذان ستضطر لتفجير السقف حتى تستمر في تكويم الكتب فوق بعضها! هذه هي كمية المعلومات المحددة والمعقدة الموجودة فيما بين أذنيك. وبالحقيقة أصاب ساجان في قوله إن المخ مكان كبير جدًا في مساحة صغيرة جدًا، وهو شيء أكثر تعقيدًا بما لا يقاس من كل ما هو من صُنع البشر.
فلنراجع الحقائق: أدرك ساجان أن المخ البشري يضم محتوى من المعلومات يبلغ عشرين مليون كتاب. وقد أدرك أيضًا أن هذا المحتوى أكثر تحديدًا وتعقيدًا بما لا يقاس من سلسلة أعداد أولية. إذَن لماذا اعتقد أن الرسالة الأبسط تتطلب كائنًا ذكيًا ولكن رسالة طولها عشرين مليون كتاب لا تتطلب ذلك؟ ويمكننا أيضًا أن نسأل ساجان وإخوانه الداروينيين سؤالاً آخر بنفس الأهمية تقريبًا: إن كان البشر الأذكياء لا يستطيعون أن يصنعوا أي شيء يقترب من المخ البشري، فلماذا نتوقع من القوانين الطبيعية غير الذكية أن تفعل ذلك؟
عادةً ما تشتمل إجابة الداروينيين على فكرة “الانتخاب الطبيعي”. فهل هذا يكفي لتفسير الشكال الجديدة من الحياة؟ فمهما كان، المسافة بين خلية واحدة والمخ البشري مسافة طويلة.
ماذا عن الأشكال الجديدة من الحياة؟
قبل أن نناقش أصل الأشكال الجديدة من الحياة، يجب أن نراجع مشكلة أصل أول حياة. مؤكد أن المسافة طويلة بين خلية واحدة والمخ البشري، ولكن المسافة بين المواد الكيميائية غير الحية وأول خلية قد تكون أطول بكثير. وهذه هي أصعب مشكلة تواجه الداروينيين. فمن أين أتت أول حياة؟
هل ترى ضخامة هذه المشكلة التي تواجه الداروينيين؟ فإن لم يكن عند الداروينيين تفسير لأول حياة، فما الفائدة من الحديث عن أشكال جديدة من الحياة؟ فعملية الماكرو تطور، إن كانت ممكنة أصلاً، لا يمكنها حتى أن تبدأ إلا إذا كانت هناك حياة سابقة الوجود.
ولكن كما رأينا في الفصل السابق، هذه المشكلة لا تثني الداروينيين. فهم يسيرون عكس كل الأدلة التجريبية والجنائية، ويختلقون قصة “بلا دليل” عن التولد التلقائي أو “البانسبرميا” تعطيهم، بشكل سحري، الحياة الأولى التي يحتاجونها. وهذا ليس علمًا، بل نكتة. وهو فعليًا يُذَكِّرنا بنكتة، فقد اعتاد ستيف مارتن Steve Martin أن يقول: “أَعْرِف كيف يمكنك أن تصبح مليونيرًا دون أن تدفع ضرائب أبدًا! أولاً، احصل على مليون دولار، والآن…”.
بل إن موقف الداروينيين ينطوي على إشكالية أكبر عندما تأخذ في اعتبارك أنهم لا يملكون حتى تفسيرًا لمصدر المواد الكيميائية غير الحية، فما بالك أن يجدوا تفسيًرا للحياة. وكما رأينا في الفصل الثالث، من أعمق الأسئلة التي يمكننا أن نطرحها: “إن لم يكن الله موجودًا، فلماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟” وقد رأينا أن الملحدين لا يملكون إجابة معقولة على هذا السؤال. فاقتراحهم لبعض الاحتماليات الممكنة ليس كافيًا، ولكن عليهم أن يقدِّموا دلائل إن أرادوا أن يكونوا علميين.
إلا أنه من الواضح أنهم لا يعلمون من أين أتى الكون. وسطح العلبة (المنظور الفلسفي للحياة) يجب أن يتمكن من تقديم تفسير معقول لكل البيانات. فإن لم يتمكن من الإجابة عن الأسئلة الأساسية المختصة بأصل العالم أو صل الحياة، فهو لا يصلح أن يكون سطح علبة. وعندئذٍ يجب البحث عن بديل.
ورغم أننا نرى أن سطح العلبة الدارويني معيب في أساسه، يجب أن ننظر في بضعة مزاعم يطلقها الداروينيين بخصوص أصل الأشكال الجديدة في الحياة. ونظريتهم هي الماكرو تطور.
الميكرو تطور مقابل الماكرو تطور
لعلك تتذكر الماكرو تطور: من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان. وهو يتلخَّص في الاعتقاد بأن كل أشكال الحياة انحدرت من سَلَف مشترك، هو الكائن الأول وحيد الخلية، وكل هذا حدث بعمليات طبيعية دون أي تدخل ذكي. فالله لا يدَّ له في هذا الموضوع. ولكنها عملية عمياء تمامًا.
ويقول الداروينيون إن هذا حدث بالانتخاب الطبيعي. ولكن مصطلح “الانتخاب الطبيعي” تسمية خاطئة. فبما أن عملية التطور تخلو من الذكاء بطبيعة الحال، فهي لا تنطوي على أي “انتخاب” على الأطلاق. إنها عملية عمياء. ولكن مصطلح “الانتخاب الطبيعي” يعني ببساطة أن أصلح الكائنات هي التي تبقى على قيد الحياة.
ما الجديد الذي أتت به هذه الفكرة؟ هذا صحيح بطبيعة الحال، فالأصلح هو الذي يبقى على قيد الحياة (وهذا ما نسميه تكرارًا مخلاً؛ حجة دائرية لا تُثبت أي شيء). فمنطقيًا، هذه الكائنات مجهَّزة جيدًا من الناحية الوراثية أو البنيوية للتعامل مع الظروف البيئية المتغيرة (ولذلك تبقى على قيد الحياة).
ومن أمثلة “الانتخاب الطبيعي” ما يحدث للبكتيريا التي تهاجمها المضادات الحيوية. عندما تنجو البكتيريا من إحدى هجمات المضادات الحيوية وتتكاثر، وهذه المجموعة الناجية من البكتيريا قد تكون مقاوِمة لذلك المضاد الحيوي. والبكتيريا الناجية مقاوِمة لذلك المضاد الحيوي لأن البكتيريا الأم كانت تمتلك القدرة الوراثية على المقاومة، أو طفرة بيوكيميائية نادرة ساعدتها بشكل ما على البقاء (نقول “نادرة” لأن الطفراتِ ضارة في كل الأحوال تقريبًا). وبما أن البكتيريا الضعيفة تموت، فالبكتيريا الناجية تتكاثر وتسود.
ويقول الداروينيون عن البكتيريا الناجية إنها تطورت. فبما أن البكتيريا الناجية تكيَّفت على البيئة، فهي تقدِّم لنا مثالاً للتطور. موافقون، ولكن أي نوع من التطور؟ الإجابة التي سنقدِّمها حرجة جدًا. فالحقيقة أنه بصرف النظر عن الافتراضات الفلسفية التي رفعنا عنها الستار، نجد أن تعريف “التطور” قد يمثل أكثر الأفكار إرباكًا في مجادلة الخلق والتطور.
وهنا تبدأ الأخطاء والمزاعم الداروينية الزائفة في التكاثر مثل البكتيريا لو لم يوقفها مَن يؤمنون بأهمية الملاحظة للعلم. وإليك ما تخبرنا به الملاحظة: البكتيريا الناجية تظل دائمًا بكتيريا. فهي لا تتطور إلى كائن من نوع آخر، وإلا أصبح هذا ماكرو تطور. ولكن الملاحظة لم تُثْبِت أبدًا أن الانتخاب الطبيعي خلق أشكالاً جديدة من الحياة.
ومع ذلك فالماكرو تطور هو بالضبط ما يزعمه الداروينيون من البيانات المتاحة. فهم يقولون إن هذه التغيرات الدقيقة micro القابلة للملاحظة يمكن تعميمها لإثبات حدوث الماكرو تطور غير القابل للملاحظة. فهم لا يميزون بين الميكرو تطور microevolution والماكرو تطور، ومن ثم يستخدمون أدلة الميكرو لإثبات الماكرو. وإذ يتجاهل الداروينيون هذا الفرق الحيوي، يمكنهم أن يخدعوا العامة للاعتقاد بأن أي تغير قابل للملاحظة في أي كائن حي يبرهن على أن كل الحياة تطورت من الكائن الأول وحيد الخلية.
ولذلك من الضروري أن نميز جيدًا بين الأمور وأن نكشف كل الافتراضات الخفية عند مناقشة الجدل بين الخلق والتطور. لذا إن سألك أحد: “ها تؤمن بالتطور؟” عليك أن تسأله: “ماذا تقصد بالتطور؟ هل تقصد الميكرو أم الماكرو تطور؟” الميكرو تطور ثَبَتَ بالملاحظة، ولكن لا يمكن استخدامه دليلاً على الماكرو تطور الذي لم يَثْبُت بالملاحظة أبدًا.
والداروينيون خبراء في تعريف مصطلح “التطور” تعريفًا عامًا يسمح باعتبار الأدلة في مجالٍ ما أدلة في مجال آخر. ولكن من سوء حظهم أن العامة بدؤوا يدركون هذه الخطة. ويرجع معظم الفضل في ذلك للأعمال الشهيرة لفيليب جونسون أستاذ القانون في بركلي Berkeley. فقد فضح جونسون أولاً هذا النوع من خفة اليد الداروينية بكتابه غير المسبوق “داروين أمام المحكمة” Darwin on Trial.
وهو يشير في هذا الكتاب إلى أنه: “ما من “برهان” واحد ]على الانتخاب الطبيعي[ يقدِّم أي سبب مقنع للاعتقاد بأن الأنتخاب الطبيعي قادر على إنتاج أنواع بيولوجية جديدة، أو أعضاء جديدة، أو غيرها من التغيرات الكبرى، أو حتى التغيرات الصغرى الدائمة”. ويتفق معه عالِم الأحياء جوناثان ولز Johnathan Wells عندما يكتب قائلاً: “الطفرات البيوكيميائية لا تستطيع أن تفسر التغيرات واسعة النطاق التي تحدث في الكائنات الحية التي نراها في تاريخ الحياة.
فلماذا لا يستطيع الانتخاب الطبيعي أن يقوم بهذه الوظيفة؟ إليك خمسة اسباب تمنعه من ذلك:
الحدود الوراثية Genetic Limits: يقول الداروينيون إن الميكرو تطور الذي يتم داخل شكل واحد من أشكال الحياة يُثْبِت حدوث الماكرو تطور. فإن كانت هذه التغيرات الصغيرة يمكن أن تحدث على مدار فترة قصيرة من الزمن، تَخيَّل ما يستطيع الانتخاب الطبيعي أن يفعله على مدار فترة طويلة من الزمن.
ولسوء حظ الداروينيين، يبدو أن الحدود الوراثية جزء أصيل في بنية الأشكال الأساسية للحياة. فمثلاً، المتخصصون في تربية الكلاب يصطدمون دائمًا بالحدود الوراثية عندما يستخدمون ذكاءهم لتخليق سلالات جديدة من الكلاب. فقد تتباين الكلاب في الحجم من التشيواوا إلى الكلب الدنماركي الكبير، ولكن بالرغم مما يقوم به المربون الأذكياء من محاولات مستميتة، تظل الكلاب دائمًا كلابًا.
وبالمثل، رغم أفضل ما يبذله العلماء الأذكياء من جهود للتحكم في ذبابة الفاكهة، فتجاربهم لم تسفر مطلقًا عن شيء سوى المزيد من ذباب الفاكهة (وعادةً ما تكون معوَّقة أيضًا). وهو أمر ذو أهمية خاصة لأن حياة ذبابة الفاكهة القصيرة تتيح للعلماء أن يختبروا سنوات كثيرة من التنوع الوراثي في فترة زمنية قصيرة.
الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد
والأهم من ذلك كله أن مقارنة الانتخاب الطبيعي بالانتخاب الصناعي الذي يقوم به المتخصصون في تربية الحيوانات مقارنة لا تصلح إطلاقًا، كما يتبين من الجدول 6-1. والفرق الأكبر هو أن الانتخاب الطبيعي يتم توجيهه بالذكاء، وهو ما لا ينطبق على الانتخاب الطبيعي.
الفروق الجوهرية
الانتخاب الصناعي
الانتخاب الطبيعي
الهدف
الهدف (الغاية) معروف
ليس هناك هدف (غاية) معروف
العملية
عملية موجَّهة بالذكاء
عملية عمياء
الاختيارات
اختيار ذكي لسلالات معينة
لا اختيارات ذكية للسلالات
الحماية
السلالات محمية
من العمليات المدمِّرة
السلالات ليست محمية
من العمليات المدمرة
الصفات الغريبة
يحتفظ بالصفات الغريبة المرغوبة
يقضي على معظم الصفات الغريبة
المقاطعات
مقاطعات مستمرة
لتحقيق الغاية المرجوة
ليس هناك مقاطعات مستمرة
لتحقيق أي غاية
البقاء
بقاء تفضيلي
بقاء غير تفضيلي
إن الخلط بين العمليات الذكية وغير الذكية خطأ شائع عند الداروينيين. وهو ما حدث عندما ناظرتُ (نورم) الفيلسوف الإنساني بول كرتس Paul Kurtz سنة 1986 في موضوع التطور. والمناظرة التي كان يديرها المدافع التليفزيوني جون آنكربرج John Ankerberg أسفرت عن هذا الحوار بخصوص الماكرو تطور:
جايسلر: قال ]تشاندرا[ ويكراماسينغ ]الملحد[: “الاعتقاد بأن الحياة أتت بالصدفة كالاعتقاد بأن طائرة بوينج 747 نتجت من إعصار هَبَّ على ساحة خردة”. إن تصديق هذا الأمر يتطلب المثير من الإيمان.
كرتس: حسنًا، طائرة البوينج 747 تطورت. يمكننا أن نعود إلى الأخوين رايت Wright brothers ونرى أول نوع خلقاه من الطائرات…
جايسلر: خلقاه؟
كرتس: نعم، لكن …
آنكربرج: بالذكاء أم بالصدفة؟ ]ضَحِكْ[
كرتس: كان هناك فترة من الزمن تغيرت فيها هذه الأشكال…
آنكربرج: ولكن ألم يخلقا تلك الطائرات باستخدام الذكاء؟
كرتس: كنتُ أستخدم المشابَهة التي استخدمها الدكتور جايسلر.
جايسلر: حسنًا، أنت تساعدني في حجتي! ] ضحك [عليك أن تجد لنفسك مشابَهة أخرى!
كرتس: لا، لا، أظن أن المعنى الذي أقصده مهم لأنه حدثت تغيرات في الطائرات من الأبسط إلى الأعقد.
جايسلر: نعم، ولكن تلك التغيرات تَمَّتْ بتدخل ذكي!
مؤكد أن التغيير الاتجاهي الذي يسير في اتجاه محدد directional change في الطائرات بواسطة الذكاء لا يُثبت أي شيء عن إمكانية حدوث تغيير اتجاهي في الكائنات الحية دون ذكاء. وكما سنرى في الجزء التالي، التغيير الاتجاهي في الكائنات الحية بواسطة الانتقاء الطبيعي لم يَثْبُت بالملاحظة. واستخدام الذكاء لإحداث تغيير اتجاهي في الكائنات الحية يصطدم بالحدود الوراثية. لذا، حتى إن كان التطور موجَّهًا بالذكاء، فهو يصطدم بحوائط.
أي أنه حتى عندما يتحكم العلماء بذكاء الكائنات لتحقيق غاية محددة، ألا وهي الأطروحة المضادة للعملية الداروينية العمياء، لا ينجح الماكرو تطور! فإن كان العلماء الأذكياء لا يستطيعون اختراق الحدود الوراثية، فكيف نتوقع الانتخاب الطبيعي غير الذكي أن يفعل ذلك؟
التغير التكراري Cyclical Change: لا يقتصر الأمر على وجود حدود وراثية للتغيير داخل النوع الواحد، بل التغيير داخل النوع الواحد يبدو تكراريًا. اي أن التغيرات لا تتجه نحو تكوين أشكال جديدة من الحياة، كما تتطلب نظرية الماكرو تطور، ولكنها تتحرُك جيئة وذهابًا في نطاق محدود. فمثلاً، عصافير داروين كانت تتفاوت في أحجام مناقيرها طبقًا لحالة الطقس. فالمناقير الكبيرة كانت تساعد على تكسير بذور أكبر حجمًا وأشد صلابًة أثناء مواسم الجفاف، والمناقير الصغيرة كانت مناسبة عندما كانت الأمطار تأتي بكمية وفيرة من البذور الصغيرة اللينة. فعند حلول موسم الجفاف، كانت نسبة العصافير ذات المناقير الكبيرة تنمو مقارنةً بالعصافير ذات المناقير الصغيرة. ولكن النسبة كانت تنعكس بعد حلول موسم ممطر طويل. لاحظ أنه لم تظهر للوجود أي أشكال جديدة من الحياة (العصافير ظلت عصافير)، كل ما تَغَيَّر هو نسبة العصافير كبيرة المناقير إلى العصافير صغيرة المناقير. لاحظ أيضًا أن الانتخاب الطبيعي لا يستطيع أن يفسِّر كيف أتت العصافير إلى الوجود أصلاً. أي أن الانتخاب الطبيعي قد يتمكن من تفسير بقاء النوع، ولكنه لا يستطيع أن يفسر مجيء النوع.
التعقيد غير القابل للاختزال Irreducible Complexity: سنة 1859 كتب تشارلز داروين “إن ثَبَت وجود أي عضو معقَّد لم يتكون بالعديد من التغيرات الطفيفة المتوالية، فنظريتي ستنهار لا محالة”. ونحن الآن نعرف أن هناك الكثير من الأعضاء، والأجهزة، والعمليات في الحياة تتناسب مع ذلك الوصف.
ومنها الخلية. وقد كانت الخلية في أيام داروين “صندوقًا أسود”، جزءًا صغيرًا غامضًا في الحياة لم يتمكن أحد من رؤية ما فيه. ولكننا الآن بعد أن تمكنَّا من النظر في أعماق الخلية، نرى أن الحياة على المستوى الجزيئي أكثر تعقيدًا بما لا يقاس مما كان يحلم به داروين. فهي في الحقيقة معقّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال. والجهاز المعقد تعقيدًا لا يقبل الاختزال ” يتركب من عدة أجزاء متفاعلة ومتناسقة تساهم في الوظيفة الأساسية، بحيث إن نَزْعَ أي من هذه الأجزاء يوقف وظيفة الجهاز فعليًا”.
وهذه هي كلمات مايكل بيهي أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة ليهاي Lehigh University صاحب الكتاب الثوري “صندوق داروين الأسود: التحدي البيوكيميائي للتطور” Darwan’s Black Box: The Biochemical Challenge to Evolution. ويؤكد بحث بيهي أن الكائنات الحية مملوءة حَرْفيًا بماكينات جزيئية تؤدي العديد من وظائف الحياة. وهذه الماكينات الجزيئية معقّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، وهو ما يعني أن كل أجزاء كل ماكينة لا بد أن تتكون بالكامل، في الأماكن الصحيحة، وبالأحجام الصحيحة، وبنظام قابل للعمل، وفي وقت واحد حتى تعمل الماكينة.
ويُعَدّ محرك السيارة مثالاً لجهاز معقد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. فإن حدث تغيير في حجم المكبس، سيتطلب ذلك تغييرات موازية في عمود الكامات، والبلوك، والمبرد، وحجرة المحرك، وغيرها، وإلا لن يعمل المحرك الجديد.
ويبين بيهي أن الكائنات الحية معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال مثل محرك السيارة. فهو يبين بالتفصيل الممل أن وظائف عديدة في الجسم مثل تجلَط الدم، وأهداب الخلايا (الأجزاء المحرِّكة للخلية)، والبصر، كلها تتطلب أجهزة معقدة تعقيدًا غير قابل للاختزال، فلا يمكن أن تتكون بالطريقة الداروينية المتدرجة. لماذا؟ لأن المراحل المتوسطة intermediates لن تتمكن من أداء الوظيفة.
وكما هو الحال في محرك السيارة، يجب أن تكون كل الأجزاء الصحيحة في أماكنها، وبالأحجام الصحيحة، في وقت واحد، حتى تتمكن من القيام بوظيفة أصلاً. فيمكنك أن تُكَوِّن المحركَ جزءًا جزءًا (وهو أمر يتطلب ذكاء)، ولكن لا يمكنك أن تقود السيارة إلى مكان عملك بجزء من المحرك. ولا يمكنك أن تقود السيارة إلى مكان عملك إذا أجريت تعديلات على جزء أساسي من المحرك، ولم تُجْر هذه التعديلات على باقي الأجزاء. وهكذا الأجهزة الحية تتعطل فورًا عن أداء وظيفتها إن أُجْرِيَت عليها تعديلات قطعة قطعة.
إن درجة التعقيد غير القابل للاختزال في الكائنات الحية تُذهب العقل. تَذَكَّر أن أبجدية الـDNA الوراثية تتكون من أربعة حروف: أ، ث، س، ج. في كل خلية بشرية يوجد حوالي 3000 مليون زوج من تلك الحروف. فجسمك يحتوي على تريليونات الخلايا، وينتج ملايين الخلايا الجديدة كل ثانية، وعلاوة على ذلك كل خلية معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال وتحتوي على أجهزة فرعية معقدّة تعقيدًا لا يقبل الاختزال!
إن اكتشافات بيهي تسدِّدُ ضربة قاضية للداروينية. فالتعقيد غير القابل للاختزال يعني أنه لا يمكن أن تأتي حياة جديدة إلى الوجود بالطريقة الداروينية التي تتكون من تغيرات طفيفة متتالية على مدار فترة طويلة من الزمن. والداروينية تشبه القوى الطبيعية التي تُنتج دون أي ذكاء محرك سيارة يعمل (أي الأميبا) ثم تُعَدَّل ذلك المحرك المعقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال وتحوّله إلى محركات متوسطة متتالية حتى تُنتجُ تلك القوى الطبيعية أخيرًا المكوك الفضائي (أي الإنسان).
ولكن الداروينيون لا يستطيعون أن يفسروا مصدر المواد اللازمة لصنع المحرك، فما بالك بتفسير كيفية وجود أي محرك معقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. ولا يمكنهم كذلك أن يبينوا العملية غير الذكية التي تطوَّر بها أي محرك حتى وصل إلى مكوك الفضاء وهو يُنتجُ قوة دافعة في كل خطوة من الخطوات المتوسطة. وهذا واضح من الغياب التام للتفسيرات الداروينية لكيفية نشوء الأجهزة المعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال نشوءًا تدريجيًا. وقد كشف بيهي مزاعم الداروينيين الفارغة عندما كتب قائلاً:
فكرة التطور الجزيئي الدارويني لا تقوم على العلم. فليس هناك أي منشورات في الكتابات العلمية، كالصحف المتخصصة أو الكتب، تقدّم وصفًا مؤكَّدًا لكيفية حدوث تطور جزيئي لأي جهاز بيوكيميائي حقيقي معقَّد، أو حتى وصفًا احتماليًا غير مؤكد. إنهم يؤكدون حدوث هذا التطور، ولكن ولا واحد من كل تأكيداتهم مدعوم بتجارب أو حسابات. وبما أنه لا مرجعية لهذه المزاعم المعرفية، يمكننا أن نقول بحق إن تأكيد التطور الجزيئي الدارويني محض استعراض فارغ.
إن محاولات الداروينيين الواهنة للتعامل مع التعقيد غير القابل للاختزال تكشف ضخامة المشكلة التي تواجه نظريتهم. وقد قال الدارويني كِن ميلر Ken Miller بأن التعقيد غير القابل للاختزال غير صحيح لأنه يستطيع أن يُثْبِت أن مثال بيهي على التعقيد غير القابل للاختزال-ألا وهو مصيدة الفئران- ليس بالفعل معقَّدًا بما لا يقبل الاختزال. وفقًا لما يقوله بيهي جميع الأجزاء الخمسة لمصيدة الفئران التقليدية يجب أن تكون في مكانها وفي وقت واحد وبنظام قابل للعمل حتى تعمل. فلا يمكنك أن تصطاد الفئران بالقاعدة والزنبرك مثلاً. ولكن ميلر يعتقد أنه يستطيع أن يفند فكرة بيهي بصنع مصيدة مشابهة بأربعة أجزاء فقط. (طَرَحَ ميلر هذه الفكرة فعليًا أثناء مناظرة تليفزيونية على محطة بي.بي.إس PBS في أواخر التسعينيات).
ولكن نقد ميلر يخفق فعليًا في إصابة الهدف. فهو أولاً، مِثْل أي دارويني، يتجاهل أن صُنْع مصيدته يتطلب ذكاء. ثانيًا، بيهي لا يقول إنك تحتاج خمسة أجزاء لأي مصيدة فئران، ولكنه يتحدث عن المصيدة التقليدية. وهكذا يتضح أن مصيدة ميلر ليست مرحلة مادية سابقة تطورت منها مصيدة بيهي التقليدية. أي أن تحويل مصيدة ميلر إلى مصيدة بيهي يتطلب أكثر من خطوة عشوائية (أي داروينية)، فهو يتطلب إضافة جزء آخر محدَّد جدًا وعدة تعديلات محدّدة للأجزاء الموجودة (وهذا يتطلب ذكاء). ثالثًا، وحتى لو أمكن بشكل ما إجراء تلك التغييرات بعمليات عديمة العقل، فالمصيدة لن تعمل أثناء المرحلة الإنتقالية.
ولكن حتى تكون الدراوينية صحيحة، لا بد من الحفاظ على الأداء الوظيفي في كل المراحل لأن الكائنات الحية لا تستطيع أن تبقى على قيد الحياة لو، مثلاً، لم تؤدِ أعضاؤها الأساسية وظيفتها المعتادة أثناء المراحل الانتقالية الداروينية البطيئة التي تقوم على المحاولة والخطأ.[2] وفي النهاية مصيدة الفئران ليست سوى مثال توضيحي. ولكن الأنظمة الحية أعقد بما لا يقاس من مصيدة الفئران. لذا، واضح أن ميلر يفنِّد فكرة بيهي، ولم يفندها أي دارويني غيره.
وفي مؤتمر عن التصميم الذكي عُقِدَ في تموز/يوليو 2002 تحدَّثت فيه أنا (فرانك) وبيهي، كان أحد الداروينيين عنيفًا نوعًا ما في فقرة الأسئلة والأجوبة بعد المحاضرات. لذلك أردت أن أقلب الطاولة وأساله بضعة أسئلة، فحرصتُ أن أجلس بجواره على الغداء. فسألْتُه فيما بين شرائح البيتزا: “ماذا تفعل بحجة بيهي عن التعقيد غير القابل للاختزال؟” فدار بعينيه مستاءً وقال: “هذه ليست مشكلة كبيرة. هناك سقالات بيوكيميائية تُبنى حول الجهاز لتسمح له بالتطور التدريجي”.
وعندما رأيت بيهي بعدئذٍ في اليوم نفسه، أخبرته بتفسير الدراويني. فاوضح قائلاً، وكان محقًا: 1) ليس هناك دليل على هذه “السقالات”، 2) وهي فعليًا تُعَقِّد الأمور على الدراوينيين، بمعنى أنه إن وُجِدَت هذه ” السقالات” بحق، فمَن الذي يبنيها باستمرار في أماكنها الصحيحة؟ إنها عملية تتطلب ذكاء. لقد حاول آخرون أن يجدوا طرقًا داروينية للتهرب من التعقيد غير القابل للاختزال، ولكنهم فشلوا جميعًا. وهو ما يؤكده بيهي عندما يقول قطعيًا: “ليس لدينا حاليًا أي دليل تجريبي يبين أن الانتخاب الطبيعي يستطيع أن يتهرب من التعقيد غير القابل للاختزال”.
ويبيِّن بيهي الأهمية الجوهرية التي يتضمنها التعقيد غير القابل للاختزال وغيره من الاكتشافات بخصوص تعقيد الحياة. فهو يكتب قائلاً: “إن نتيجة هذه الجهود المتراكمة لفحص الخلية، أي لفحص الحياة على المستوى الجزيئي، هي صرخة عالية مدوية تعلن عن “التصميم”! إن النتيجة في غاية الوضوح وفي غاية الأهمية حتى إنه لا بد من احتسابها ضمن أعظم الإنجازات في تاريخ العلم. إنه اكتشاف ينافس اكتشافات نيوتن وأينشتاين”.
عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة Nonviability of Transitional Forms:
هناك مشكلة أخرى تهاجم معقولية الفكرة القائلة بأن الانتخاب الطبيعي يخلق أشكالاً جديدة من الحياة. وتتمثل هذه المشكلة في أن الأشكال الانتقالية لا تقدر أن تبقَ على قيد الحياة. فكِّر مثلاً في تأكيد الداروينيين أن الطيور تطوَّرت تدريجيًا من الزواحف على مدار فترات زمنية طويلة. وهو ما يتطلب مرحلة انتقالية من الحراشف إلى الريش.
فكيف يمكن لكائن أن يعيش بلا حراشف ولا ريش؟ إن الريش معقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. فكائن بأنصاف ريش لا يقدر أن يطير، مما يجعله فريسة سهلة على الأرض، وفي المياه، وفي الهواء. وفي منتصف الرحلة بين مرحلتي الزواحف والطيور، غالبًا لن يتمتع بالمهارة اللازمة للعثور على الغذاء أيضًا. إذَن يواجه الدراوينيون مشكلة مزدوجة: أولاً، ليس عندهم آلية صالحة للانتقال من الزواحف إلى الطيور. ثانيًا، حتى إن اكتُشِفَت آلية صالحة، فعلى أي حال لا يُحتَمَل للأشكال الانتقالية أن تعيش.
الانعزال الجزيئي Molecular Isolation: غالبًا ما يقول الدراوينيون إن دليل الانحدار من سلف مشترك يكمن في أن كل الكائنات الحية تحتوي على DNA . فمثلاً ريتشارد دوكينز يقول: “السبب الذي يجعلنا موقنين أن هناك صلة تجمع بيننا جميعًا، بما في ذلك البكتيريا، هو شمولية الشفرة الوراثية وغيرها من الأساسات البيوكيميائية”. يعتقد الدراوينيون أن نسبة تشابه الـDNA بين القردة العليا والبشر مثلاً، التي يُقَدِّر البعض أنها تتراوح بين 85 وأكثر من 95%، تشير بقوة إلى سلف مشترك.
ولكن هل هذا دليل على سلف مشترك أم على خالق مشترك؟ يمكن تفسيره بالطريقتين. فقد يكون الداروينيون محقّين، وقد يكون لنا شفرة وراثية genetic code مشتركة لأننا جميعًا انحدرنا من سلف مشترك. ولكن يمكن أن يكونوا أيضًا مخطئين بالقدر نفسه، فربما الشفرة الوراثية المشتركة بيننا جميًعا ترجع إلى خالق مشترك صمَّمَنا أن نعيش في نفس الغلاف الحيوي. فلو كان كل كائن حي مختلفًا عن غيره من الناحية البيوكيميائية، ربما لن توجد سلسلة غذائية. ومن المحتمل أنه لا يمكن وجود حياة بتكوين بيوكيميائي مختلف. حتى إن كان ذلك ممكنًا، فربما لا يمكنها أن تستمر في هذا الغلاف الحيوي.
فكِّر في الشكل 6-3. هل التشابه والتدرج يُثبِتان أن الغلاية تطورت من ملعقة الشاي؟ لا. إن التشابه والتدرج لا يعنيان أوتوما تيكيًا سلفًا مشتركًا. وفي هذه الحالة نعرف أنهما يعنيان خالقًا أو مصممًا مشتركًا. وهو ما ينطبق على الكائنات الحية الحقيقة.
كما ذكرنا آنفًا، قدرة أبجدية الـDNA الوراثية على احتواء رسالة تساوي قدرة الأبجدية الإنجليزية على احتواء رسالة (الفرق الوحيد هو أن أبجدية الـDNA لا تضم إلا أربعة حروف مقابل ستة وعشرين حرفًا في الأبجدية الإنجليزية). فبما أن كل الكائنات الحية تحوي DNA بقواعده الأربعة التي تحتوي على النيتروجين (الممثَّلة بالحروف أ، ث، س، ج)، من الطبيعي أن نتوقع درجة عالية من التشابه في المعلومات بين الكائنات سواء أكانت متصلة بسلف واحد أم لا.
ولنستخدم مثالاً من اللغة الإنجليزية لتوضيح ما نقصده. إليك جملتين مكونتين من الحروف نفسها:
Charles Darwin was a scientific god. كان تشارلز داروين إلهاً علميًا.
Charles Darwin was a scientific dog. كان تشارلز داروين كلبًا علميًا.
رغم أن حروف الجملتين متماثلة وترتيب الحروف يكاد يكون متماثلاً (بدرجة تزيد عن 90%)، فالفرق الضئيل في الترتيب يؤدي إلى معنيين متضادين. وهكذا أي فرق ضئيل في ترتيب الحروف (أ، ث، س، ج) في الكائنات الحية قد يؤدّي إلى كائنات بعيدة جدًا عن بعضها البعض على شجرة التطور الافتراضية. فمثلاً بينما تبين بعض الدراسات أن تشابه الـDNA بين البشر والقردة العليا الأقرب شبهًا بالإنسان قد يصل إلى حوالي 90% تبين دراسات أخرى أن تشابه الـDNA بين البشر والفئران يبلغ أيضًا حوالي 90%.
ولكن هذه التشابهات محل خلاف وليست مفهومة على نحو كامل. فيجب القيام بمزيد من البحث في هذا المجال. ولكن إن كان التشابه الوراثي بين الفئران والبشر يعادل التشابه بين القردة العليا والبشر، فإن هذا من شأنه أن يُعَقَّد أي تفسير دارويني تعقيدًا كبيرًا.
ولكن نفترض أن مزيدًا من الدراسات سيُظهر يومًا ما أن DNA القردة العليا أكثر شبهًا بالبشر من DNA سائر الكائنات. فهذا لن يُثبِت ما يخلص إليه الدراوينيون بخصوص السلف المشترك. فقد يرجع التشابه إلى خالق مشترك لا إلى سلف مشترك. لذا علينا أن نجد دليلاً آخر على المستوى الجزيئي يساعدنا في اكتشاف ما إذا كانت الشفرة الوراثية المشتركة دليلاً على سلف مشترك أم خالق مشترك.
وقد وُجِدَ ذلك الدليل الآخر بمقارنة سلاسل البروتين. البروتينات هي الوحدات الأساسية لبنية الحياة. وهي تتكون من سلاسل طويلة من الوحدات الكيميائية التي يُطلَق عليها الأحماض الأمينية. ومعظم البروتينات تحوي في بنيتها أكثر من 100 حمض أميني يجب أن يكون لها ترتيب محدد جدًا. والـDNA هو ما يحتوي على تعليمات الأحماض الأمينية في البروتينات، والترتيب مسألة حرجة لأن أي تغيير عادةً ما يؤدي إلى خلل في وظيفة البروتين.
وإليك أين تنشأ المشكلة أمام الدراوينيين. لو كانت كل الأنواع تشترك في سلف واحد، يجب أن نتوقع أن نجد سلاسل برويتينية في شكل انتقالي transitional form، أي مثلاً أثناء المرحلة الانتقالية من الأسماك إلى البرمائيات، أو من الزواحف إلى الثدييات. ولكن ليس هذا ما نجده على الأطلاق. بل نجد أن الأشكال الأساسية منعزلة جزيئيًا عن بعضها البعض، وهو ما ينفي أي نوع من الصلة بسلف واحد. ويقول مايكل دنتون:
ليس هناك أي أثر على المستوى الجزيئي للانتقال التطوري من الأسماك البرمائيات الزواحف الثدييات. فالبرمائيات، التي دائمًا ما تُعتبر تقليديًا شكلاً متوسطًا بين الأسماك وغيرها من الفقاريات البرية، تبعد جزيئيًا عن الأسماك بُعْد أي مجموعة من الزواحف أو الثدييات عن الأسماك! إن النتيجة مدهشة حقًا للعارفين جيدًا بالصورة التقليدية لتطور الفقاريات.
لذا، رغم أن كل الكائنات الحية تشترك في شفرة وراثية واحدة بدرجات متفاوتة من التشابه، فتلك الشفرة رتبت الأحماض الأمينية في البروتينات على نحو يجعل الأشكال الأساسية منعزلة جزيئيًا عن بعضها البعض. فليس هناك من مراحل انتقالية داروينية، كل ما هنالك فجوات جزيئية متمايزة. والدراوينيون يعجزون عن تفسير وجود هذه الفجوات الجزيئية باستخدام الانتخاب الطبيعي، تمامًا كما يعجزون عن تفسير وجود فجوات ضخمة في سجل الحفريات وهو ما سنتحدث عنه في الجزء التالي).
ماذا عن سجِلّ الحفريات؟
لنراجع سريعًا ما رأيناه حتى الآن. إليك الأدلة الخمسة التي تبين أن الانتخاب الطبيعي ما كان ليمكنه أن يُنتج أشكالاً جديدة من الحياة:
الحدود الوراثية
التغير التكراري
التعقيد غير القابل للاختزال
عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة
الانعزال الجزيئي
ولكن ألا يؤيد سجلُ الحفريات النظريةَ الدراوينية؟ لنلقِ نظرة.
نظرًا لعدم توافر التكنولوجيا الحديثة في عصر تشارلز داروين، لم يتمكَّن من إدراك المشكلات التي تواجه نظريته على مستوى الخلية. إلا أنه أدرك أن سجل الحفريات يمثل مشكلة كبيرة لنظريته لأنه لا يُظهِر تدرجًا. وهو ما دفعه أن يكتب: “فلماذا لا يزخر كل تكوين جيولوجي وكل طبقة جيولوجية بمثل هذه الحلقات المتوسطة؟ مؤكَّدٌ أن الجيولوجيا لا تكشف عن أي سلسلة عضوية متدرجة. ويبدو أن هذا هو أوضح وأخطر الاعتراضات التي يمكن أن تثار ضد نظريتي”.
إلا أن داروين اعتقد أن مزيدًا من الاكتشافات الأحفورية سيكشف عن صحة نظريته. ولكن الزمن أثبت أنه مخطئ. وعلى عكس ما تسمع في وسائل الإعلام العامة، سجل الحفريات اتضح أنه سبب إحراج هائل للداروينيين. فإن كانت الداروينية صحيحة، لوجدنا حتى الأن آلاف، إن لم يكن ملايين الحفريات الانتقالية. ولكن كما يقول الراحل ستيفن جاي جولد Stephen Jay Gouldعالم الحفريات في جامعة هارفارد (وهو تطوري):
يتميز تاريخ معظم الأنواع البيولوجية المتحجَرة بخاصيتين تتعارضان بشكل خاص مع فكرة التطور التدريجي لهذه الأنواع: 1) السكون Stasis: معظم الأنواع البيولوجية لا يحدث فيها تغير يسير في اتجاه معين اثناء وجودها على الأرض. ويظل شكلها كما هو تقريبًا منذ أن تظهر في سجل الحفريات وحتى تختفي، أي أن التغير التركيبي عادة ما يكون محدودًا ولا يسير في اتجاه محدد. 2) الظهور المفاجئ Sudden appearance: في أي منطقة لا ينشأ النوع البيولوجي تدريجيًا بحدوث تغير مطرد في أسلافه، ولكنه يظهر بغتةً ويكون “مكتمل التكوين”.
أي أن جولد يعترف أن الأشكال الأحفورية تظهر فجأة، مكتملة التكوين، وتظل كما هي حتى تنقرض دون أي تغير اتجاهي، وهو تمامًا ما يتوقع المرء أن يجده إن كان الخلق صحيحًا.
ولكن بدلاً من أن يتبنى جولد نظرية الخلق، رفض التطور التدريجي الدارويني وصاغ نظرية أطلق عليها “التوازن المتقطع” Punctuated Equilibria (PE). وترجّح نظرية التوازن المتقطع أن الأنواع البيولوجية تطورت أسرع على مدار فترة زمنية أقصر، وهو ما يفسّر الفجوات الأحفورية الكبيرة. ولكن جولد لم يبين أي ألية طبيعية لحدوث هذا الأمر، ولكن بما أنه كان ملحدًا كان عليه أن يفسر سجل الحفريات بأي شكل. وهو ما يمثل نموذجًا كلاسيكيًا على السماح للتحيزات بالتشويش على الملاحظات.
ولكن هذا يخرجنا عن موضوعنا. فنقطتنا الأساسية هنا هي أن سجل الحفريات أقرب للخلق فوق الطبيعي منه للماكرو تطور. فالحقيقة أن المفقود من السجل ليس حلقات، بل سلسلة كاملة!
ليس هناك سلسلة؛ لأن كل المجموعات الرئيسية من الحيوانات المعروفة تقريبًا تظهر في سجل الحفريات فجأة وكاملة التكوين في طبقات العصر الكامبري Cambrian period (الذي يُقَدِّر الكثير من العلماء أنه وُجِدَ منذ حوالي 600 إلى 500 مليون سنة). ويكتب جوناثان ولز قائلاً: “الدليل الأحفوري قوي جدًا، والحَدَث مفاجئ وضخم جدًا، حتى إنه عُرِفَ باسم “الانفجار الكامبري” the Cambrian explosion، أو “الانفجار البيولوجي الكبير” biology’s big bang”.
وهذا الدليل بالطبع يتعارض تمامًا مع الداروينية. فكل المجموعات الحيوانية تظهر منفصلة عن بعضها البعض، مكتملة التكوين، وفي وقت واحد. وهو ما لا يدل على تطور تدريجي بل على خلق لحظي. إذَن الشجرة الداروينية التي اعتدنا أن نراها كثيرًا لا تمثل سجل الحفريات الحقيقي تمثيلاٍ صحيحًا. والحقيقة أنه كما يشير ولز: “لو كانت هناك أي مشابَهة نباتية مناسبة، لكانت حوض نباتات، لا شجرة”. ولكان ذلك الحوض يحتوي على رُقَع من الحشائش أو النباتات المختلفة التي تفصلها عن بعضها البعض مساحات شاسعة لا شيء فيها سوى التراب.
والآن لعلك تفكِّر: “ولكن ماذا عن تدرج الجمجمة الذي اعتدنا دائمًا أن نراه؟ ألا يبدو أن الإنسان تطور من القردة العليا؟” منذ عدة سنوان ناظرتُ (أنا نورم) داروينيًا رصَّ جماجم بجوار بعضها على منضدة ليبين أن التطور حدث بالفعل. وصرح قائلاً: “السيدات والسادة، إليكم الدليل على التطور”. أمرك غريب، كيف تتجاهل الحفريات؟ الجماجم تبدو متدرجة. يبدو أنها متصلة بسلف واحد. هل هذا دليل جيد على الداروينية؟ لا، إنه ليس أفضل من الدليل على أن الغلاية الكبيرة تطورت من ملعقة الشاي.
مشكلة الداروينيين أن سجل الحفريات لا يستطيع أن يُثْبِت أي ارتباط بسلف واحد. لمَ لا؟ لأنه كما يقول مايكل دنتون: “99% من التكوين البيولوجي لأي كائن حي يكمن في تشريح أنسجته soft anatomy، وهو ما يستحيل عمله في الحفرية”. أي أنه من الصعب جدًا اكتشاف التكوين البيولوجي للكائن بالنظر إلى بقاياه الأحفورية. ويشير جوناثان ولز إلى أن “الدليل الأحفوري يقبل الكثير من التفسيرات لأن النوع البيولوجي الواحد يمكن أن يُعاد بناؤه بطرق متنوعة، ولأن سجل الحفريات لا يمكنه إثبات سلف مشترك يربط بين كل الكائنات”.
إلا أن هذا لا يردع الداروينيين. فبما أن الداروينية ينبغى أن تكون صحيحة نظرًا لولائهم الفلسفي المسبق، إذَن ينبغي أن يجدوا أدلة تؤيدها. فبدلاً من ان يعترفوا بأن الحفريات لا تستطيع أن تُثبت ارتباط الكائنات بسلف مشترك، يأخذون الواحد في المائة الذي تخبرهم به الحفريات ويستخدمون التسعة والتسعين في المائة من هامش الحرية المتبقي لهم لتصوير اكتشافاتهم الأحفورية على أنها تسد كل الثغرات كما يحلو لهم .
ومع هذا الهامش الفسيح وغياب الحقائق التي تقيّدهم، توفرت لهم الحرية في ابتداع “حلقات مفقودة” بأكملها من بقايا أحفورية في منتهى التفاهة. ولذلك، الكثير مما يسمى “حلقات مفقودة” انكشف فيما بعد أنه مزيف أو خاطئ. وقد كتب هنري جي Henry Gee أحد الكُتَّاب العلميين الرئيسيين في جريدة نيتشر Nature: “إن أخذ تسلسل معيَّن من الحفريات والزعم بأنه يمثِّل سلالة واحدة ليس فرضية علمية قابلة للاختبار، ولكنه تأكيد تتساوى صلاحيته مع قصص قبل النوم، مسلٍّ، وقد يقدّم معلومات مفيدة، ولكنه ليس علميًا”.
إن سجل الحفريات لا يكفي لإثبات العلاقة بسلف مشترك، وفي ضوء ما نعرفه حاليًا عن طبيعة الأنظمة البيولوجية المعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، يتضح أن سجل الحفريات لا يمت بصلة للقضية. وتَشابُه البنية أو التشريح بين الأشكال (يطلق عليه أحيانًا التماثل homology) لا يخبرنا أيضًا بأي شيء عن وجود سلف مشترك. فمايكل بيهي يكتب قائلاً:
التشريح ببساطة لا يمت بصلة لمسألة ما إذا كان حدوث التطور على المستوى الجزيئي ممكنًا أم لا. وهو ما ينطبق على سجل الحفريات أيضًا. فلم يُعد مهمًا ما إذا كان هناك فجوات كبيرة في سجل الحفريات أم أن السجل متصل مثل سجل رؤساء الولايات المتحدة. وإن كانت هناك فجوات، لا يهم ما إذا كان يمكن تفسيرها تفسيرًا معقولاً. فسجل الحفريات ليس عنده ما يخبرنا به عما إذا كانت التفاعلات بين الريتينال-سي تي إس-11 11- cts-retinalوالرودبسين rhodopsin والترانسدوسين transducin والفوسفودايسترس ]phosphodiesterase أنظمة معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال[ قد تكونت خطوة خطوة أم لا.
إذَن وفقًا لما يقوله بيهي، البيولوجيا تتفوق بامتياز على التشريح في تحديد معقولية الماكرو تطور. فكما أن محتويات الكتاب تقدِّم معلومات تتجاوز كثيرًا ما يقدمه غلاف الكتاب، هكذا التكوين البيولوجي للكائن يزودنا بكمية معلومات تزيد كثيرًا عن المعلومات التي يوفرها لنا تكوينه العظمي. ومع ذلك طالما حاجَّ الدارويبنيون بأن تشابه التكوين بين القردة العليا مثلاً والإنسان دليل على السلف المشترك (أو الانحدار من أصل واحد).
فهل يخطر على بالهم ابدًا أن تشابه البنية قد يدلل على مصمم مشترك لا سلف مشترك؟[3] فمهما كان، في عالم محكوم بقوانين فيزيائية وكيميائية معينة، ربما أن عدد البنى التشريحية التي ستسفر عن حيوانات مصمَّمة لتمشي على ساقين سيكون محدودًا جدًا، وبما أننا جميعًا يجب أن نعيش في نفس الغلاف الحيوي، ينبغي أن نتوقع تشابه بعض الكائنات في التصميم.
علاوة على ذلك، رغم أن بنية القردة العليا قد تتشابه مع بنية البشر، الحقيقة المهملة غالبًا هي أنه ليس هناك أي وجه شبه بين القردة العليا والبشر من ناحية والثعابين، والفطريات، والأشجار من ناحية أخرى. ولكن وفقًا للداروينية كل الكائنات الحية تطورت من سلف واحد. وإن قَبِلتَ الداروينية، يجب عليك أن تتمكن من تفسير الاختلاف الشاسع بين الكائنات الحية.
يجب عليك أن تفسّر مثلاً كيف أن النخلة، والطاووس، والأخطبوط، والجرادة، والخفاش، وفرس النهر، والقنفد، وفرس البحر، وخَنَّاق الذباب، والإنسان، وفطر العفَن؛ انحدرت جميعًا من أول حياة معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، دون تدخل ذكي. وعليك أيضًا أن تفسر كيف أتت أول حياة وكيف أتى الكون إلى الوجود. فبلا تفسيرات مقبولة منطقيًا، وهو ما يفشل الداروينيون في تقديمه، فإن الاعتقاد في الداروينية يتطلب إيمانًا مفرطًا. ولذلك لسنا نملك الإيمان الكافي للتحول إلى الداروينية.
هل التصميم الذكي بديل ذكي؟
يمكننا أن نقول المزيد والمزيد عن الماكرو تطور، ولكن المجال لا يسمح لنا أن نتوسع أكثر من ذلك. إلا أنه يمكننا استخلاص استنتاج معقول من البيانات التي بحثناها في هذا الفصل. ففي ضوء سجل الحفريات، والانعزال الجزيئي، واستحالة حدوث مراحل انتقالية، والتعقيد غير القابل للاختزال، والتغير التكراري، والحدود الوراثية (وعجز الداروينيين عن تفسير أصل الكون أو أول حياة)، قد تظن أن الداروينيين سيعترفون أخيرًا أن نظريتهم لا تتفق مع ما لوحظ من أدلة.
ولكن الداروينيون ما زالوا يقدمون قصصًا “بلا دليل” وبلا أساس، وتتناقض فعليًا مع الملاحظة العلمية. فهم ما زالوا يصرّون أن التطور حقيقة، حقيقة، حقيقة! إننا نتفق أن التطور حقيقة، ولكن ليس بالمعنى الذي يقصده الداروينيون. فإن كنت تُعَرِّف التطور بأنه “تغيُّر”، عندئذٍ من المؤكد أن الكائنات الحية قد تطوَّرت. ولكن هذا التطور حدث على المستوى الميكرو، لا الماكرو. وكما رأينا لا يوجد دليل على الماكرو تطور، بل إن عندنا أدلة تؤكد أنه لم يحدث.
فإن لم يكن الماكرو تطور صحيحًا، ما البديل؟ إن لم يكن هناك تفسير طبيعي لأصل الأشكال الجديدة من الحياة، إذَن لا بد من وجود تفسير ذكي. هذا هو الخيار الوحيد المتبقي. فليس هناك مرحلة انتقالية بين الذكاء واللاذكاء. إما ذكاءً تدخل في الأمر أو لا. ولكن الداروينيون لا يحبون هذا الخيار. فما إن تنفذ قدرتهم على الدفاع عن موقفهم بكفاءة باستخدام أدلة علمية محايدة (وهو ما يحدث بسرعة شديدة)، حتى يصوبوا عادةً أسلحتهم على أنصار التصميم الذكي، نحن المؤمنين بذكاء وراء الكون والحياة. وإليك اعتراضاتهم المعتادة وردودنا:
الاعتراض: التصميم الذكي ليس علمًا.
الرد: كما رأينا، العلم بحث عن المسببات، وليس هناك إلا نوعان من المسببات: الذكية وغير الذكية (الطبيعية). وزَعْم الداروينيين بأن التصميم الذكي ليس علمًا مبني على تعريفهم للعلم، وهو تعريف متحيز. ولكن هذه حجة دائرية![4] فإن كان تعريفك للعلم يستبعد المسببات الذكية مسبقًا، إذَن لن تعتبر أبدًا التصميم الذكي علمًا. إلا أن المضحك في أمر الداروينيين هو أنه: إن لم يكن التصميم الذكي علمًا، فالداروينية مثله. لماذا؟ لأن كلاً من الداروينيين وعلماء التصميم الذكي يحاولون اكتشاف ما حدث في الماضي.
والأسئلة المختصة بالأصل أسئلة أدلة جنائية، ومن ثم تتطلب استخدام مبادئ علم الأدلة الجنائية التي ناقشناها. والحقيقة أن استبعاد الداروينيين للتصميم الذكي من مجال العلم يعني أنهم يستبعدون أنفسهم ويستبعدون علم الآثار، وعلم الشفرة السرية، والأبحاث الجنائية المستخدمة في الجرائم والحوادث، والبحث عن ذكاء من خارج الأرض. كل هذه علوم أدلة جنائية مشروعة تفحص الماضي للتوصل إلى مسببات ذكية. إذَن لا بد أن التعريف الدارويني للعلم ينطوي على خطإً ما.
جدول 6-2 يبين الفرق بين العلم التجريبي وعلم الأدلة الجنائية:
العلم التجريبي
(الذي يدرس العملية الحالية Operation)
علم الأدلة الجنائية
(الذي يدرس الأصل Origin)
يدرس الحاضر
يدرس الماضي
يدرس الأحداث المنتظمة regularities
يدرس الأحداث الانفرادية singularities
يدرس المتكرِّر
يدرس غير المتكرِّر
يمكن إعادة الحدث
يستحيل إعادة الحدث
يدرس كيف تعمل الأشياء
يدرس كيف بدأت الأشياء
يُختبَر بتكرار التجريب
يُختبَر بالنمطية
يسأل: كيف يعمل الشيء؟
يسال: ما أصل الشيء؟
أمثلة:
كيف تسقط المياه؟
كيف تتآكل الصخور؟
كيف يعمل المحرك؟
كيف يلتصق الحبر بالورق؟
كيف تعمل الحياة؟
كيف يعمل الكون؟
أمثلة:
ما أصل المحطة الكهرومائية؟
ما أصل جبل رَشمور؟
ما أصل المحرك؟
ما اصل هذا الكتاب؟
ما أصل الحياة؟
ما أصل الكون؟
الجدول 6-2
الاعتراض: التصميم الذكي يرتكب مغالطة إله الفجوات.
الرد: تحدث مغالطة إله الفجوات عندما يعتقد المرء خطأً أن الله سبَّب الحدث رغم أنه في الواقع نتج بسبب ظاهرة طبيعية لم تُكتشَف. فمثلاً، كان الناس يعتقدون أن الله هو المسبب المباشر للبرق. فقد كانت هناك فجوة في معرفتنا بالطبيعة، فنَسَبْنا الأثر لله. ويؤكد الداروينيون أن المؤمنين بالله الخالق يفعلون الشيء نفسه عندما يزعمون أن الله خلق الكون والحياة. فهل هم على صواب؟ لا، لعدة اسباب.
أولاً، عندما نخلص إلى أن ذكاءً خلق أول خلية أو المخ البشري، لا نقول ذلك لمجرد إننا نفتقر لأدلة تشير إلى تفسير طبيعي؛ ولكن لأننا أيضًا نمتلك أدلة إيجابية يمكن رصدها تجريبيًا على وجود مسبب ذكي. فالرسالة (التعقيد المحدد) يمكن رصدها تجريبيًا. وعندما نرصد رسالة، مثل “أَخْرِج القمامة-ماما” أو 1000 موسوعة، نعرف أنه من المؤكد أنها أتت من كائن ذكي لأن كل خبراتنا القائمة على الملاحظة تخبرنا أن الرسائل لا تأتي إلا من كائنات ذكية.
فكلما نلاحظ رسالة، نجد أنها آتية من كائن ذكي. ونحن ندمج هذه البيانات مع حقيقة أننا لا نلاحظ أبدًا قوانين طبيعية تنشيء رسائل، ونعرف أنه لا بد أن يكون المسبب كائنًا ذكيًا. وهذا استنتاج علمي مقبول بناءً على الملاحظة والتكرار. فهي ليست محاجة تقوم على الجهل، ولا تقوم على أي “فجوة” في معرفتنا.
ثانيًا، علماء التصميم الذكي يقبلون كلاً من المسببات الطبيعية والذكية. فهم لا يعارضون البحث المستمر عن تفسير طبيعي لأول حياة. ولكن كل ما في الأمر أنهم يلاحظون أن كل التفسيرات الطبيعية المعروفة تبوء بالفشل، وكل الأدلة التي يمكن رصدها تجريبيًا تشير إلى مصمم ذكي.
والآن يمكننا أن نتساءل عن الحكمة وراء الاستمرار في البحث عن مسبب طبيعي للحياة. وسأل وليم دمبسكي الذي نشر أبحاثًا موسعة في التصميم الذكي قائلاً: “متى يتحول الإصرار ]على إيجاد مسبب طبيعي[ إلى صلابة دماغ حمقاء؟ … إلى متى يجب أن نستمر في البحث حتى يحق لنا أن نتوقف عن البحث ونعلن أنه لا جدوى من استمرار البحث، بل أيضًا أن موضوعَ البحثِ نفسَه لا وجود له؟”
فكِّر في مضامين سؤال دمبسكي. هل يجب أن نستمر في البحث عن مسبب طبيعي لظواهر مثل جبل رَشمور أو رسائل مثل “أَخْرِج القمامة-ماما”؟ متى يُغلَق هذا الملف؟
والتر برادلي Walter Bradley، المشارك في تأليف كتاب الأثر بعنوان “سر أصل الحياة” The Mystery of life’s Origin يعتقد أنه “لا يبدو أن هناك أي إمكانية للعثور على ]تفسير طبيعي[” لأصل الحياة. وهو يضيف قائلاً: “أظن أن مَن يعتقدون أن الحياة نشأت طبيعيًا يحتاجون إلى قدر من الإيمان يفوق بكثير إيمان من يستدلون منطقيًا على مصمم ذكي”.
بصرف النظر عما إذا كنت تعتقد أنه علينا أن نستمر في البحث عن تفسير طبيعي أم لا، فالنقطة الرئيسية هي أن علماء التصميم الذكي يقبلون كلاً من المسببات الطبيعية والذكية. ولكن اتضح أن المسبب الذكي هو أكثر ما يتفق مع الأدلة.
ثالثًا، استنتاج التصميم الذكي يمكن تخطيئه. أي أن التصميم الذكي يمكن إثبات خطئه إذا اكتُشِف يومًا ما أن القوانين الطبيعية خلقت التعقيد المحدد. إلا أن هذا لا يمكن أن ينطبق على الموقف الدارويني. فالداروينيون لا يسمحون بتخطيء “قصة الخلق” الخاصة بهم لأنهم، كما أشرنا، لا يسمحون بالتفكير في أي قصة خلق أخرى. وذلك لأن “عِلمهم” ليس مبدئيًا يقبل المراجعة أو التصحيح، ولكنه أضيق أفقًا من تعاليم الكنيسة المتصلبة التى يحلو للداروينيين انتقادها.
وأخيرًا، الحقيقة أن الداروينيين هم من يرتكبون مغالطة إله الفجوات. فداروين نفسه اتُّهِم ذات مرة بأنه يعتبر الانتخاب الطبيعي “قوة عاملة أو الله” (انظر الفصل الرابع من كتاب “أصل الأنواع” Origin of Species). ولكن يبدو ان الانتخاب الطبيعي هو فعلاً الله أو “إله الفجوات” عند الداروينيين اليوم. فعندما يفشلون تمامًا في معرفة كيف وًجِدَت الأنظمة البيولوجية الغنية بالمعلومات والمعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، يسدون فجوتهم المعرفية بأن يزعموا أن الانتخاب الطبيعي، والزمن، والصدفة فعلت ذلك.
إن قدرة هذه الآلية على خلق أنظمة بيولوجية غنية بالمعلومات تناقض الأدلة التي ثبتت بالملاحظة. فالطفرات ضارة في كل الحالات تقريبًا، والزمن والصدفة ليسا في صالح الداروينيين كما شرحنا في الفصل الخامس. والانتخاب الطبيعي في أحسن الأحوال قد يكون مسؤولاً عن تغيرات طفيفة في الأنواع الحية، ولكنه لا يستطيع أن يفسر أصل الأشكال الأولى من الحياة.
فالانتخاب الطبيعي لكي يحدث أصلاً يحتاج إلى كائن حي يبدأ به عمله. ولكن، بالرغم مما يتضح من مشكلات في الآلية الداروينية، يصر الداروينيون على أنها تسد أي فجوة في معرفتهم. وإضافة إلى ذلك، يتجاهلون عمداً الأدلة الإيجابية المرصودة بالتجريب على وجود كائن ذكي. أن هذا ليس علمًا بل عقيدة جامدة لدين علماني. فالداروينيون مثل معارضي جاليليو يسمحون لديانتهم أن تتغلب على الملاحظات العلمية!
الاعتراض: التصميم الذكي مدفوع بالدين.
الرد: هذا الاعتراض له شقان. الأول هو أن بعض أنصار التصميم الذكي قد يكونون مدفوعين بالدين. وما العيب في ذلك؟ هل هذا يجعل التصميم الذكي خاطئًا؟ هل الدافع الديني عند بعض الداروينيين يجعل الداروينية خاطئة؟ لا، الحق لا يكمن في دوافع العلماء، بل في جودة الأدلة. فدافع العالِم أو تحيزه لا يعني بالضرورة أنه مخطئ. فمن الممكن أن يكون متحيزًا ومع ذلك صائبًا. التحيز أو الدافع ليس هو القضية الأساسية، ولكن الحق هو القضية.
واحيانًا ما يقال الأعتراض بهذه الطريقة: “لا يمكنك أن تصدق أي شيء يقوله عن الأصول لأنه خَلْقيّ”. على أي حال، إن كان السيف يقطع، فهو يقطع على الجانبين. أي أنه يمكننا أيضًا أن نقول: “لا يمكنك أن تصدق أي شيء يقوله عن الأصول لأنه دارويني”.
لماذا تُعتبَر الاستنتاجات الخَلْقية فورًا متحيزة وتُعتبَر الاستنتاجات الداروينية تلقائيًا موضوعية؟ لأن الأغلبية لا تدرك أن الملحدين لديهم منظور فلسفي للحياة مثلهم مثل الخَلْقيين. وكما نرى منظور الملحدين الفلسفي ليس محايدًا وهو يتطلب فعليًا قدرًا من الإيمان يزيد عن إيمان الخلقيين.
وكما ذكرنا آنفًا، إن التحيزات الفلسفية او الدينية تمنع المرء من تفسير الأدلة تفسيرًا صحيحًا، عندئذٍ يحق لنا أن نشك في استنتاجاته. وفي الموضوع الذي نحن بصدده، يبدو أن الداروينيين هم أكثر من يواجهون تلك المشكلة. إلا أن النقطة الرئيسية هي أنه حتى إن كان المرء مدفوعًا بالدين أو الفلسفة، يمكنه تصحيح استنتاجاته بنظرة مخلصة للأدلة. فالعلماء على الجانبين قد يصعب عليهم أن يكونوا محايدين، ولكنهم إن كانوا أمناء، يمكنهم أن يكونوا موضوعيين.
أما الشق الثاني في هذا الأعتراض هو الاتهام القائل بأن مؤيدي التصميم الذكي ليس لديهم أدلة على موقفهم، كل ما في الأمر أنه يرددون كلام الكتاب المقدس ترديدًا ببغائيًا. وهذا الشق من الاعتراض لا ينجح أيضًا.
فمعتقدات التصميم الذكي قد تتوافق مع الكتاب المقدس، ولكنها لا تقوم على الكتاب المقدس. ولكن كما رأينا، التصميم الذكي استنتاج يقوم على أدلة مرصودة تجريبيًا، لا على نصوص مقدسة. وكما أشار بيهي “الحياة على الأرض أساسها، وفي مكوناتها الجوهرية نتاج نشاط ذكي. واستنتاج التصميم الذكي ينبع تلقائيًا من البيانات نفسها، لا من كتب مقدسة أو معتقدات دينية”.
التصميم الذكي ليس “عِلمًا خَلْقيًا” أيضًا. علماء التصميم الذكي لا يزعمون مزاعم المدعوين “علماء الخلق”. فهم لا يقولون أن البيانات تؤيد بكل وضوح منظور سفر التكوين ذا الأيام الستة التي يتكون كل منها من أربع وعشرين ساعة، ولا طوفانًا غطى العالم كله. ولكنهم يعترفون أن البينات المؤيدة للتصميم الذكي لا تقوم على عمر أو تاريخ جيولوجي محدد للأرض.
وعلماء التصميم الذكي يدرسون في الطبيعة نفس الأشياء التي يدرسها الداروينيون، وهي الحياة والكون نفسه، ولكنهم يتوصّلون لاستنتاج أكثر منطقية بخصوص مسبِّب تلك الأشياء. باختصار، بصرف النظر عما يقوله الكتاب المقدس في هذا الموضوع، الداروينية مرفوضة لأنها لا تتوافق مع البيانات العلمية، والتصميم الذكي مقبول لأنه متوافق مع البيانات.
الاعتراض: التصميم الذكي خاطئ لأن المدعو تصميمًا لا يتسم بالكمال.
الرد: طالما حاجَّ الداروينيون أنه لو وُجِد مصمِّم، لصمَّم المخلوقات على نحو أفضل. وهو ما أشار إليه ستيفن جاي في كتابه “إبهام الباندا” The Panda’s Thumb حيث استشهد بالتصميم غير المثالي للبروز العظمي الذي يقوم مقام الإبهام عند حيوان الباندا.
إن مشكلة الداروينيين أن هذا ينقلب إلى حجة لمصلحة المصمم لا حجة ضده. أولاً، وصف جولد لشيءٍ ما بأنه تصميم غير مثالي يعني ضمنيًا أنه يعرف التصميم المثالي. لأنه لا يمكنك أن تعرف شيئًا ما غير مثالي إلا إذا كنت تعرف المثالي. إذَن ملاحظة جولد لتصميم غير مثالي تمثل اعترافًا ضمنيًا بأنه يمكن رصد تصميم في إبهام الباندا. (بالمناسبة، هذا سبب آخر يجعل الداروينيين مخطئين عندما يؤكدون أن التصميم الذكي ليس علمًا.
فعندما يزعمون أن شيئًا ما ليس مصممًا بشكل صحيح، يقصدون ضمنًا أنهم يستطيعون أن يحددوا التصميم الصحيح. وهو ما يثبت ما يقوله علماء التصميم الذكي منذ زمن بعيد، ألا وهو أن التصميم الذكي علمًا لأنه يمكن رصده تجريبيًا).
ثانيًا، التصميم غير المثالي لا يلغي وجود تصميم. وهو ما يعني أنه حتى إن حَكمْتَ أن شيئًا ما ليس مصممًا بالشكل المثالي، لا يعني هذا أنه ليس مصمَّمًا على الإطلاق. فسيارتك ليست مصممة بالشكل المثالي، ومع ذلك فهي مصممة، مؤكد أنها لم تتكون بالقوانين الطبيعية.
ثالثًا، حتى تقول إن شيئًا غير مثالي، لا بد أن تعرف أهداف المصمم أو أغراضه.فإن كان جولد لا يعرف ما كان يقصده المصمم، فلا يمكنه أن يقول إن التصميم يَقْصُر عن بلوغ تلك المقاصد. فكيف يعرف جولد أن إبهام الباندا ليس هو بالضبط ما كان في عقل المصمم؟
جولد يفترض أن إبهام الباندا يجب أن يكون مجاورًا للسبابة كما هو الحال في الإنسان. ولكن ربما أن المصمم أراد إبهام الباندا بالشكل الذي هو عليه. وبالرغم من كل شيء، فإبهام الباندا يؤدي غرضه بامتياز في مساعدة الباندا على تقشير نباتات البامبو حتى يصل إلى جزئه الداخلي الذي يمكن أكله. من المحتمل أن الباندا لا يحتاج إبهامًا مجاورًا للسبابة لأنه لا يحتاج أن يكتب كتابًا مثل جولد، ولكن كل ما يحتاجه هو تقشير البامبو. لذا، لا يمكن لجولد أن يخَطِّئ مصمم ذلك الإبهام إن كان الغرض منه لا يزيد عن تقشير البامبو.
أخيرًا، في عالم مقيَّد بالواقع الفيزيائي، يتطلب التصميم كله تحقيق نوع من التوازن. فحسابات اللاب توب لا بد أن تُوازِن بين الحجم، والوزن، والأداء. والسيارات الكبيرة قد توفر مزيدًا من الأمان والراحة، ولكن التحكم فيها أصعب وتستهلك كمية أكبر من الوقود. السقوف العالية تُزيد الغرف فخامةً، ولكنها تستهلك أيضًا مزيدًا من الطاقة. ونظرًا لاستحالة التخلص من التوازنات في هذا العالم، على المهندسين أن يبحثوا عن حلول وسطية تحقق الأغراض المرجوة بأفضل ما يمكن.
فمثلاً، لا يمكنك أن تعيب على تصميم سيارة صغيرة لأنها لا تكفي خمسة عشر راكبًا. فالهدف هو أن تحمل أربعة ركاب لا خمسة عشر راكبًا. وذلك لأن مصنع السيارات ضحى بالحجم في سبيل توفير الوقود وحَقَّقَ الغرض المرجو. وهكذا، ربما يُعَدّ تصميم إبهام الباندا حلاً وسطًا يحقق الأغراض المرجوة. فالإبهام مناسب جدًا لتقشير البامبو. ربما لو صُمِّمَ الإبهام بأي شكل آخر، لأعاق الباندا في مجال آخر. فنحن لا نعرف إلا إذا عرفنا أهداف المصمم. ولكن ما نعرفه بالتأكيد أن انتقادات جولد لا تنجح دون معرفة تلك الأهداف.
إذَن لماذا يوجد داروينيون حتى الآن؟
إن كانت أدلة التصميم الذكي بهذه القوة، إذَن لماذا يوجد داروينيون حتى الآن؟ فمهما كان، هؤلاء الأشخاص ليسوا سُذَّجًا، بل أسماؤهم عادةً ما تكون مسبوقة بلقب دكتور!
أول ما يجب ملاحظته أن المسألة ليست مجرد قضية فكرية حيث ينظر الداروينيون إلى الأدلة نظرة متجردة من المشاعر الشخصية ثم يتوصلون إلى استنتاج عقلاني. فقد كتب ريتشارد دوكينز هذه الكلمات المشهورة: “إن التقيتَ بشخص يزعم أنه لا يؤمن بالتطور، تستطيع أن تقول بكل إرتياح وثقة إنه جاهل، أو غبي، أو مجنون (أو شرير، وإن كنت لا أفضل أن آخذ هذا الوصف في الحسبان)”. وطبعًا تعليق دوكينز خاطئ بكل بساطة.
وذلك لأن هناك عباقرة حملة دكتوراه يؤمنون بالتصميم الذكي. ولكن السؤال الحقيقي هو: لماذا الإهانات؟ لماذا الانفعال؟ لماذا العداوة؟ كنت أظن أن الموضوع علمي. لا بد أن هناك شيئًا آخر. نعم. لنرجع إلى كلام ريتشارد ليونتِن الذي اقتبسناه في الفصل السابق. تَذَكَّر تأكيده أن الداروينيين يؤمنون بما يؤمنون به من عبث لأن “المادية مطلقة لأننا لا نستطيع أن نسمح بدخول قَدَم إلهية من الباب”. هذه هي القضية الحقيقية! إبقاءُ الله خارجًا. ولكن لماذا لا يريد الداروينيين “قدمًا إلهية في الباب”؟ نقترح أربعة أسباب رئيسية.
أولاً، اعتراف الداروينيين بالله يعني الاعتراف بأنهم ليسوا السلطة المرجعية العليا للحق. فحاليًا في هذا العالم المتقدِّم تكنولوجيًا، تنظر العامة إلى العلماء باعتبارهم السلطة المرجعية الموقَّرة، إنهم الكهنة الجدد الذين بِيَدِهم إمكانية تحسين الحياة والذين يشكلون المصدر الوحيد للحق الموضوعي. ولكن السماح بإمكانية وجودِ الله يعني التنازل عن زعمهم بأنهم أصحاب السلطة العليا.
ثانيًا، اعتراف الداروينيين بالله يعني الاعتراف أنهم ليسوا أصحاب السلطة المرجعية المطلقة في تفسير المسببات. بمعنى أنه إن كان الله موجودًا لا يمكنهم أن يفسروا كل حدث باعتباره نتيجة لقوانين طبيعية يمكن التنبؤ بها. وهو ما عَبَّرَ عنه ريتشارد ليونتن على هذا النحو: “الاحتكام إلى إله كلي القدرة يعني السماح بخرق منتظِمات الطبيعة في أي لحظة، والسماح بالمعجزات”. وكما أشار جاسترو أنه عندما يحدثُ ذلك “يفقد العالِم السيطرة” ويتركها لله بالتأكيد، وربما للاَّهوتي.
ثالثًا، اعتراف الداروينيين بالله يعني المخاطرة بأمانهم المادي وإعجاب الناس بهم على المستوى المهني. كيف؟ بسبب الضغط الشديد من المجتمع الأكاديمي لنشر مواد تؤيد التطور. هات موضوعًا مهمًا، وقد تجد نفسك على غلاف مجلة ناشونال جيوجرافك National Geographic أو موضوع حلقة خاصة على محطة بي. بي. إس PBS. وإن لم تجد شيئًا مهمًا، قد تجد نفسك خارج وظيفتك، أو قد تفقد الأموال الممنوحة لك، أو تفقد على الأقل رضا زملائك المؤمنين بالفلسفة المادية. إذَن المال، والأمان الوظيفي، والمركز الاجتماعي كلها دوافع لتأييد المنظور الدارويني.
أخيرًا، وربما الأهم، اعتراف الداروينيين بوجودِ الله يعني الاعتراف بأنهم لا يملكون سلطةَ تعريفِ الصواب والخطإ بأنفسهم. فاستبعاد الداروينيين لما هو فائق للطبيعة يُمَكِّنهم من تجنب إمكانية وجود ممنوعات أخلاقية. لأنه إن لم يكن هناك إله، يكون كل شيء مشروعًا، كما قالت إحدى الشخصيات في رواية للكاتب دوستويفسكي. (سنتناول الارتباط بين الله والأخلاق في الفصل القادم).
والحقيقة أن الراحل جوليان هَكسلي Julian Huxleyأحد قادة الداروينيين في إحدى الفترات، اعترف أن الحرية الجنسية دافع شائع وراء العقيدة التطورية. وعندما سأله مرف جريفن Merv Griffin مضيف البرامج الحوارية: “لماذا يؤمن الناس بالتطور؟” أجاب بصدق قائلاً: “سبب قبولنا للداروينية، حتى دون برهان، هو أننا لم نُرِدْ أن يتدخل الله في أعرافنا الجنسية”. لاحظ أنه لم يستشهد بأدلة على التولد التلقائي ولا من سجل الحفريات. والدافع الذي لاحظ انتشاره بين التطوريين يقوم على استحسانات أخلاقية، لا أدلة علمية.
ويكشف الملحد السابق لي ستروبِل Lee Strobel أن إيمانه بالداروينية يرجع إلى هذا الدافع. فهو يكتب: “كنتُ سعيدًا أن أتعلق بالداروينية كذريعة للتخلص من فكرِة الله حتى أتمكن من تحقيق أغراضي في الحياة بلا خجل دون أي محاذير أخلاقية”.
وقد اعترف بعض الداروينيين أيضًا بذلك للكاتب والمحاضر رون كارلسون. ففي إحدى المناسبات، بعد أن ألقى محاضرة في جامعة كبرى عن مشكلات الداروينية وأدلة التصميم الذكي، تناول العشاء مع أستاذ علم الأحياء حَضَرَ عَرْضَه.
فسأله كارلسون: “ما رأيك في محاضرتي؟”
فبدأ الأستاذ كلامه قائلاً: “رون، كلامك صحيح ومعقول جدًا. ولكني سأستمر في تدريس الداروينية على أي حال”.
فتحير كارلسون وسأله: “لماذا؟”
أجاب الأستاذ: “بصراحة يا رون لأن الداروينية مريحة أخلاقيًا”.
فسأل كارلسون بإلحاح: “مريحة أخلاقيًا؟ ماذا تقصد؟”
أجاب الأستاذ: “أقصد إن كانت الداروينية صحيحة، أي أن لم يكن الله موجودًا وكلنا تطورنا من طحالب خضراء لزجة، يمكنني أن أنام مع من أريد. في الداروينية لا مُساءلة أخلاقية”.
إنها لحظة صدق تام. طبعًا هذا لا يعني أن كل الداروينيين يفكرون بهذه الطريقة أوأن كل الداروينيين غير أخلاقيين، فلا شك أن البعض يعيشون حياة أخلاقية أفضل من الكثيرين ممن يُدْعَون مسيحيين. ولكنه يكشف ببساطة أن بعض الداروينيين مدفعون لا بالأدلة بل برغبة في أن يظلوا أحرارًا مما يضعه الله من محاذير أخلاقية معروفة.
وهذا الدافع قد يؤدي بهم إلى إخماد الأدلة على وجود خالق حتى يواصلوا حياتهم بالطريقة التي تحلو لهم. (وبهذا المعنى لا تختلف الداروينية عن الكثير من أديان العالم الأخرى من حيث إنها تقدم طريقة للتعامل مع الذنب الذي ينتج من السلوك غير الأخلاقي. الفرق هو أن بعض الداروينيين بدلاً من أن يُقِرَوا بالذنب ويقدموا طرقًا للتكفير عنه أو قواعد لتجنبه، يحاولون أن يتجنبوا أي إشارة للذنب بتأكيد أنه ليس هناك سلوك غير إخلاقي حتى نكون مذنبيين بارتكابه).
هذه الدوافع الأربعة التي اقترحناها يجب ألا تدهشنا. فالجنس والسلطة هما الدافعان اللذان يشكلان أساس الكثير من مناقشتنا الثقافية الأشَدّ حدةً، مثل تلك المختصة بالإجهاض والمثلية الجنسية. ففي أغلب الأحيان يتخذ الناس في تلك المجادلات المواقف التي تتماشى مع رغباتهم الشخصية فحسب بدلاً من أن يفكروا في الأدلة.
وكذلك الاعتقاد في الداروينية غالبًا ما يكون مسألة إرادية أكثر منه مسألة عقلية. وأحيانًا يرفض الناس ما يعرفون أنه حقيقي بسبب ما سيُحدثه من تأثير على حياتهم الشخصية. وهو ما يفسر اقتراح بعض الداروينيين لهذه التفسيرات العبثية “المناقضة لما هو واضح”، التفسيرات التي “تخالف الحس العام”. فالبرغم من الأدلة الصريحة على التصميم، هؤلاء الداروينيون يخشون تدخل الله في حياتهم الشخصية أكثر مما يخشون أن يكونوا مخطئين في استنتاجتهم العلمية.
وهو ما لا يعني أن كل الداروينيين لديهم هذه الدوافع وراء معتقداتهم. فالبعض قد يعتقدون فعلاً أن الأدلة تؤيد نظريتهم. ونظن أنهم يكَوِّنون هذا المفهوم الخاطئ لأن معظم الداروينيين نادرًا ما يدرسون أبحاثًا في مجالات أخرى. والنتيجة أن عددًا قليلاً جدًا هو من يرى الصورة كاملة.
وهو ما ينطبق بوجه خاص على علماء الأحياء. فعالِم الأحياء الخلوية والجزيئية جوناثان ولز يشير إلى أن “معظم علماء الأحياء أمناء ومجتهدون وحريصون على تقديم الأدلة بدقة، ولكنهم نادرًا ما يغامرون بالخروج من مجالاتهم”. وهو ما يعني أنه بالرغم من أنهم أمناء في عملهم، فهم لا يرون إلا قطعة اللغز التي تخصهم.
وبما أن معظم علماء الأحياء تعلموا أن سطحَ علبة اللغزِ الداروينيَّ صحيح بوجه عام (فقط تلك التفاصيل المزعجة هي التي لم يوجد لها حل حتى الآن)، إذَن هم يفسرون قطعة اللغز التي تخصهم بناءً على سطح العلبة الذي في عقولهم، مفترضين صدق المنظور الدارويني ومفترضين أن أقوى الأدلة على الداروينية موجودة في مجال آخر من مجالات علم الأحياء.
لذا، حتى إن كانوا لا يرون أدلة على التولد التلقائي أو الماكرو تطور في قطعة اللغز التي تخصهم، فمن المؤكد أن الدليل موجود في مجال آخر في علم الأحياء لأن سطح العلبة الدارويني يستلزم أن تكون الأمور صحيحة. وهذه الظروف تجعل علماء الأحياء لا يَشُكّون في النموذج التطوري.
ما اهمية عمر الكون؟
لا نستطيع أن نترك مناقشة التطور والخلق دون أن نذكر على الأقل عمر الكون. وبما أن الآراء تتعدد حول هذا الموضوع، وخاصةً في الدوائر المسيحية، فالمجال هنا لا يسمح بتناول كل هذه الآراء (ولكنها مشروحة بالتفصيل في “موسوعة بيكر للدفاعيات المسيحية واللاهوت النظامي، الجزء الثاني” Baker Encyclopedia of Christian Apologetics and Systematic Theology, Volume 2).
إلا أننا نريد أن نؤكّد أنه رغم أن عمر الكون مسألة لاهوتية مهمة، فالأهم ليس متى خُلِقَ الكون ولكن أنه خُلِقَ. وكما رأينا الكون انفجر إلى الوجود من العدم، وقد ضُبِطَ ضبطًا دقيقًا ليدعم الحياة على الأرض. وبما أن هذا الكون، بما فيه مُتَصَّل الزمكان time-space continuum كله، له بداية، إذَن يتطلب بادئًا بغضِّ النظر عن الوقت الذي حدثت فيه هذه البداية. وهكذا، بما أن هذا الكون مصمَّم، إذَن هو يتطلب مصمِّمًا بغض النظر عن الوقت الذي تم فيه هذا التصميم.
يمكننا أن نناقش مدة أيام سفر التكوين، أو ما إذا كانت الافتراضات التي تقوم عليها أساليب تحديد عمر الأرض افتراضات صحيحة. ولكننا عندما نفعل ذلك، لا بد أن نحترس من التشويش على الفكرة الأهم، ألا وهي أن هذه الخليقة تتطلب خالقًا.[5]
الملخص والخلاصة
والآن نصل إلى فصل القول. ليس هناك فعليًا إلا احتمالان: إما أن الله خَلَقَنا، أو أننا خَلَقْنا الله. إما أن الله موجود فعلاً، أو أنه من نسجِ عقولنا. وكما رأينا الداروينية حيث لا إله هي نتاج العقل البشري. ولا بد أن تتمتع بقدر كبير من الإيمان حتى تصبح داروينيًا. وعليك أن تؤمن أنه بدون تدخل ذكي:
1- شيء نشأ من لا شيء (أصل الكون).
2- النظام نشأ من الفوضى (تصميم الكون).
3- الحياة نشأت من اللاحياة (أي أن الذكاء نشأ من اللاذكاء، والشخصية من اللاشخصية).
4- الأشكال الجديدة من الحياة نشأت من أشكال حياة موجودة رغم الأدلة التي تُثْبت العكس مثل:
(1) الحدود الوراثية
(2) التغير التكراري
(3) التعقيد غير القابل للاختزال
(4) الانعزال الجزيئي
(5) عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة
(6) سجل الحفريات
أذَن الأدلة ليست في صالح الماكرو تطور. ولكن ماذا عن الماكرو تطور الخَلقي؟ ربما ما لا يمكن تفسيره طبيعيًا يصبح له معنى إن أدخلت الله في الصورة.
لماذا هذا الاقتراح؟ لأنه إن وُجِدَت أدلة على الله وعلى الماكرو تطور، إذَن قد نجد سببًا لدمج الاثنين معًا. ولكن كما رأينا، ليس هناك أدلة على الماكرو تطور. فالأمر ليس أن عندنا أدلة متضاربة: بعضها يشير إلى الماكرو تطور، وبعضها يدحضه.
فإن كان عندك مثلاً سجل حفريات يحوى ملايين الأشكال الانتقالية من ناحية، وعندك من ناحية أخرى مخلوقات معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، ربما يمكنك أن ترجح أن الله وَجَّهَ التطور أثناء تلك الفجوات التي لا يربط بينها ارتباط. ولكن بما أن الحال ليس هكذا، يبدو أنه لا حاجة أن يوجِّه الله الماكرو تطور لأنه ليس هناك دليل على حدوث الماكرو تطور أصلاً!
أخيرًا نلقي نظرة على الأدلة من منظور سؤال آخر: ما نوعية الأدلة المطلوبة لإثبات صحة الخلق (التصميم الذكي)؟ ماذا عن:
1- الكون انفجر إلى الوجود من العدم
2- الكون الذي يحوي أكثر من 100 ثابت مضبوطة ضبطًا دقيقًا وتُمَكِّن الحياة من الوجود على هذا الكوكب النائي شديد الصغر الذي يُطلَق عليه الأرض
3- الحياة التي:
لوحظ أنها لا تنشأ من حياة موجودة (لم يُلحَظ أبدًا أنها نشأت تلقائيًا)
تتكون من آلاف بل ملايين الموسوعات من التعقيد المحدد المرصود تجريبيًا (ومِن ثم فالحياة أعظم من المواد الكيميائية غير الحية التي تحويها)
تتغير تكراريًا وفي نطاق محدود
لا يمكن بناؤها أو تعديلها تدريجيًا (أي أنها معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال)
منعزلة جزيئيًا فيما بين الأشكال الأساسية (ليس هناك تدرج ينحدر من سلف واحد على المستوى الجزيئي)
تترك سجل حفريات يحوي كائنات مكتماة التكوين تظهر فجأة، ولا تتغير، ثم تختفي فجأة.
إن نظرة متجردة إلى الحقائق ترجِّح أن الخلق هو الصحيح، وليس الماكرو تطور. وكما رأينا الملحدون عليهم أن يبذلوا جهدًا كبيرًا حتى ينكروا الواضح. ولذلك فهم يحتاجون إلى إيمان أكبر بكثير مما نحتاج إليه.
أخيرًا، نقدم مقترحًا في حل الجدل الدائر في هذا البلد بشأن ما يجب تدريسه في المدارس الحكومية عن الخلق والتطور. ما الخطأ في تدريس ما تناولناه من الفصل الثالث إلى السادس؟ لاحظ أننا لم نقتبس آيات من الكتاب المقدس لإثبات أفكارنا. ولكننا استشهدنا بأدلة علمية. إذَن فهي ليست معركة بين العلم والدين، ولكنها معركة بين العلم السليم والعلم الركيك. وحاليًا معظم أبنائنا يدرسون علمًا ركيكًا لأنهم يدرسون إلا التطور. ولكن الأمور يجب ألا تسير هكذا.
فما هو ضد الدستور في تدريس أدلة SURGE، أو تعريف الأطفال بتعقيد أبسط أشكال الحياة، أو إظهار الفرق بين الميكرو والماكرو تطور وبين علم الأدلة الجنائية والعلم التجريبي، أو كشف المشكلات التي تشوب الماكرو تطور؟ لا شيء. فلماذا نستمر في حقن أبنائنا بنظرية معيبة متهرئة تقوم على افتراضات فلسفية مسبقة أكثر مما تقوم على الملاحظات العلمية؟ لماذا لا نطرح على أبنائنا كل الأدلة العلمية، المؤِّيدة والمضادة، ونترك لهم الاختيار؟
ألا يجب أن نعلِّمهم أن يفكِّروا بأنفسهم تفكيرًا نقديًا؟ بالطبع، علينا أن نفعل ذلك. ولكن الداروينيون سيفعلون كل ما بوسعهم للحيلولة دون هذا الأمر. فالداروينيون يفضلون إخماد الدليل على تقديمه بشكل منصف. لماذا؟ لأن هذا هو المجال الوحيد الذي يفتقر فيه الداروينيون للإيمان، فهم لا يملكون الإيمان بأن أبناءنا سيستمرون في تصديق نظريتهم إذا رأوا كل الأدلة.
[1] Bit اختصار binary digit وتستخدم كوحدة قياس للمعلومات الرقمية. (المترجمة)
[2] يتفق ميلر مع بيهي في أن الانتخاب الطبيعي لا يستطيع أن يفضّل تطور جهاز لا يعمل. ولكنه يفند الحجة باقتراحه أن المصيدة في المرحلة الإنتقالية، عندما لا تقدر على اصطياد الفئران، يمكن أن تعمل كمشبك ربطة عنق أو سلسلة مفاتيح (انظر !).
وهو ما يخطئ الهدف طبعًا. فالكائنات الحيّة المعقدة لا يمكنها أن تستبدل عشوائيًا وظيفة بوظيفة آخرى وتظل على قيد الحياة. ولكن الكائن الحي يموت لو فشلت أجزاؤه الأساسية في أداء وظيفتها الأولية، حتى إن كانت تؤدي وظيفة أخرى أثناء مرحلته الانتقالية الداروينية. أي أن المهم هو فقدان الوظيفة الأساسية، وليس أن الجهاز المتوسط قد يتمكن من فعل شيء آخر في المرحلة المتوسطة!
[3] كما رأينا، ينطبق ذلك على تشابه الـDNA الذي يمكن أن يكون أيضًا نتيجة لمصمم مشترك تمامًا كما يمكن أن يكون نتيجة لسلف مشترك.
[4] انظر الحاشية السفلية ص 144. (المترجمة)
[5] بعض المسحيين يخشون من أن التسليم بفترات زمنية طويلة يُزيد من معقولية الماكرو تطور. ولكن هذا ليس صحيحًا كما رأينا في الفصل الخامس.
الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد
الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟
الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟
“إننا نعتبر هذه الحقائق واضحة في ذاتها، ألا وهي أن كافة البشر مخلوقون سواسية، وأنهم منحوا من خالقهم حقوقاً راسخة معينة غير قابلة للتصرف، ومنها الحق في الحياة، والحرية، والسعي نحو السعادة”.
إعلان الاستقلال الأمريكي
هل من مقياس للأخلاق؟
بينما كنت أنا وصديقي ديف Dave ننتهي من تناول العشاء في مطعم يطل على المحيط في مدينة بورتلاند بولاية مين، تحول الحديث إلى موضوع الدين. فقد قال ديف: “لا أظن أنه من الممكن أن يكون دين واحد صحيحاً والباقي كله خطأ. ولكن يبدو أنك يا فرانك وجدت مركزاً لحياتك. وجدت شيئاً صحيحاً بالنسبة لك، وأظن أن هذا عظيم”.
فبدأت أساير فرضيته من أن شيئاً قد يكون صحيحاً لشخص وليس صحيحاً لشخص آخر، وسألته: «ديف ما الصحيح بالنسبة لك؟ ما الذي يعطي حياتك معنى؟»
فأجاب: «كسب المال ومساعدة الناس». ديف رجل أعمال ناجح جداً، فحاولت أن أستثيره لأعرف منه المزيد.
وقلت: «ديف، أعرف رؤساء تنفيذيين بلغوا قمة النجاح المهني، خططوا لأمور عظمية في حياتهم المهنية وحققوها، ولكنهم لم يخططوا لحياتهم الشخصية ولم يحققوا فيها إلا القليل. وهم الآن على وشك التقاعد، ويسألون أنفسهم: “ثم ماذا؟»
فوافق ديف وأضاف: «نعم، وأعرف أن معظم أولئك الرؤساء التنفيذيين مروا بخبرات طلاق بشعة، غالباٌ لأنهم أهملوا أسرهم سعياً وراء الدولار. ولكن لست كذلك. لن أضحي بأسرتي من أجل المال، وفي عملي أريد أن أساعد الناس أيضاً».
مدحته على التزامه بأسرته ورغبته في مساعدة الناس، ولكن الأسئلة لم تنته. فلماذا يجب أن نخلص لعائلاتنا؟ من قال إنه ينبغي أن “نساعد الناس”؟ هل “مساعدة الناس” واجب أخلاقي عام، أم أنه صحيح لك وليس صحيحاً لي؟ وما نوعية مساعدتك لهم: مالية؟ نفسية؟ مادية؟ روحية؟
فقلت: «ديف، إن لم يكن هناك مقياس موضوعي، فالحياة ليست إلا لعبة “بنك الحظ” Monopoly. يمكنك أن تحصل على الكثير من الأموال والكثير من الممتلكات، ولكن عندما تنتهي اللعبة، يرجع كل شيء إلى العلبة. هل هذه هي الحياة؟»
وإذ شعر ديف بعدم ارتياح لاتجاه الحوار، غير الموضوع بسرعة. ولكن إحساسه بأنه يجب أن “يساعد الناس” كان صحيحاً، ولكنه لم يجد له مبررات. لماذا يعتقد أنه يجب أن “يساعد الناس”؟ من أين أتى بهذه الفكرة؟ ولماذا أنا وأنت نتفق معه في أعماقنا؟
توقف وتعمق برهة في هذه الفكرة؟ ألست مثل ديف؟ ألا تشعر بهذا الإحساس العميق بواجبنا جميعاً نحو “مساعدة الناس”؟ كلنا نشعر بذلك لماذا؟ ولماذا يبدو أن معظم البشر لديهم ذلك الحس الحدسي بأنه ينبغي أن يفعلوا الخير وينبذوا الشر؟
ووراء إجابات تلك الأسئلة يكمن المزيد من الأدلة على وجود الله الخالق الحافظ. ولكن هذه الأدلة ليس علمية، فقد تناولنا الأدلة العلمية في الفصول السابقة، ولكنها أدلة ذات طبيعة أخلاقية، وهي مثل قوانين المنطق والرياضيات: غير مادية ولكن حقيقية. إن ما يجعلنا نعتقد أنه علينا أن نفعل الخير لا الشر، ما يجعلنا نعتقد مثل ديف أنه علينا أن “نساعد الناس” هو وجود قانون أخلاقي كُتب على قلوبنا. أي أن هناك “تشريعاً لعلم الخير أعطي للبشرية جمعاء.
والبعض يسمون هذا التشريع الأخلاقي “الضمير”، والبعض الآخر يسمونه “القانون الطبيعي”، ولكن آخرون (مثل الآباء المؤسسين للولايات المتحدة) يطلقون عليه “قانون الطبيعة”. ونحن نطلق عليه “القانون الأخلاقي”. ولكن أياً كان الاسم الذي تطلقه عليه، وجود مقياس أخلاقي منقوش في عقول البشر أجمعين يشير إلى مشرع لهذ القانون الأخلاقي. فكل قانون له مشرع. والقانون الأخلاقي كذلك. لا بد أن شخصاً كلفنا بهذه الواجبات الأخلاقية.
هذا القانون الأخلاقي هو حجتنا الثالثة لوجود إله خالق حافظ (بعد الحجة الكونية والحجة الغائية). وهي كالتالي:
لكل قانون مشرع.
هناك قانون أخلاقي.
إذن هناك مشرع للقانون الأخلاقي.
إن كانت المقدمتان الأولى والثانية صحيحتين، فالنتيجة تترتب عليهما بالضرورة. وطبعاً كل قانون له مشرع. لا يمكن أن يوجد تشريع إلا إذا وجدت سلطة تشريعية. بالإضافة إلى أنه إذا كان هناك التزامات أخلاقية، لا بد من وجود شخص نكون ملتزمين تجاهه.
ولكن هل حقاً يوجد قانون أخلاقي؟ هذا ما اعتقده الآباء المؤسسون للولايات المتحدة. فكما كتب توماس جفرسون Thomas Jefferson في إعلان الاستقلال «”قانون الطبيعة” واضح في ذاته». فأنت لا تستخدم العقل حتى تكتشفه، ولكنك تعرفه هكذا. وربما هذا ما جعل صديقي ديف يصطدم بحائط سد في تفكيره. فهو يعرف أن “مساعدة الناس” فعل صائب، ولكنه لم يستطع تعليل هذا الصواب دون الاحتكام إلى مقياس خارج نفسه. فبلا مقياس موضوعي من المعنى والأخلاق، تخلو الحياة من المعنى وينتفي الصواب المطلق والخطأ المطلق. ويصبح كل شيء مجرد رأي.
فعندما نقول إن القانون الأخلاقي موجود، نعني أن كل الناس مطبوعون بحس جوهري للصواب والخطأ. فالكل مثلاً يعلم أن الحب أسمى من الكره وأن الشجاعة أفضل من الجبن. ويكتب ج. بودجيشفسكي الأستاذ بجامعة تكساس في أوستن University of Texas at Austin: “الجميع يعرفون مبادئ معينة.
فما من بلد يعتبر القتل فضية والعرفان رذيلة”. وسي. إس. لويس الذي تناول هذا الموضوع بعمق في كتابه الكلاسيكي “المسيحية المجردة” Mere Christianity عبر عن الفكرة قائلاً: “تخيل بلداً حيث يحظى الناس بالإعجاب عندما يفرون من المعركة، أو حيث يشعر الرجل بالفخر عندما يخون كل من أحسن إليه. إن استطعت أن تتخيل ذلك يمكنك أن تتخيل أن اثنين زائد اثنين يساوي خمسة”.
وهو ما يعني أن الجميع يعرفون بوجود واجبات أخلاقية مطلقة. والواجب الأخلاقي المطلق هو شيء ملزم للجميع، في كل زمان، وفي كل مكان، والقانون الأخلاقي المطلق يتضمن مشرعاً مطلقاً للقانون الأخلاقي.
إلا أن هذا لا يعني أن كل قضية أخلاقية لها إجابات يسهل التعرف عليها. أو أنه لا أحد ينكر وجود أخلاق مطلقة. ولكن الأخلاق تضم مشكلات عسيرة، والناس ينكرون القانون الأخلاقي كل يوم. ولكنه يعني أن هناك مبادئ أساسية للصواب والخطأ يعرفها الجميع، سواء اعترفوا بها أم لا. ويطلق بودجيشفسكي على هذه المعرفة الأساسية بالصواب والخطأ “ما لا نستطيع أن نجهله” What We Can’t Not Know في كتاب له تحت ذلك العنوان.
فنحن مثلاً لا نستطيع ألا نعرف أن قتل الأبرياء بلا سبب خطأ. البعض قد ينكرون ذلك ويرتكبون جرائم قتل، ولكنهم في أعماق قلوبهم يعرفون أن القتل خطأ. وحتى السفاحون يعرفون أن القتل خطأ، ولكنهم قد لا يشعرون بالندم. والقتل خطأ عن الجميع، وفي كل مكان: في أمريكا، والهند، وزيمبابوي، وسائر البلدان جميعاً، الآن وكل أوان، مثل غيره من سائر القوانين الأخلاقية المطلقة. هذا هو ما يقوله القانون الأخلاقي لكل قلب بشري.
كيف نعرف أنه يوجد قانون أخلاقي؟
تتعدد أسباب معرفتنا بوجود قانون أخلاقي، وسنستعرض ونناقش ثمانية منها. وبعض هذه الأسباب متداخل، ولكننا سنناقشها بهذا الترتيب:
القانون الأخلاقي لا يمكن إنكاره.
نعرفه من ردود أفعالنا.
إنه أساس حقوق الإنسان.
إنه مقياس العدالة الثابت.
يفصل فصلاً حقيقياً بين المواقف الأخلاقية (مثل الأم تريزا مقابل هتلر).
بما أننا نعرف الخطأ المطلق، لا بد أن هناك مقياساً مطلقاً للصواب.
القانون الأخلاقي هو أساس الخلافات السياسية والاجتماعية.
لو لم يكن هناك قانون أخلاقي، لما كنا نبحث عن أعذار عندما نخرقه.
1 – القانون الأخلاقي لا يمكن إنكاره:
النسبيون عادة ما يزعمون زعمين بخصوص الحق:
ليس هناك حق مطلق.
ليس هناك قيم أخلاقية مطلقة.
وخطة “رودرنر” تساعدك على تفنيد زعمهم الأول: إن لم يكن هناك حق مطلق، إذن زعمهم المطلق بأنه “ليس هناك حق مطلق” لا يمكن أن يكون صحيحاً. وهكذا ترى أن عبارة النسبيين غير منطقية لأنها تؤكد ما يحاولون إنكاره.
حتى جوزيف فلتشر Joseph Fletcher أبو أخلاق الموقف الحديثة وقع في هذا الفخ. فقد أصر في كتابه “أخلاق الموقف” Situation Ethics أن «من يؤمن بأخلاق الموقف يتجنب كلمات من قبيل “أبداً”، “تام”، “دائماً”… كمن يتجنب شيئاً ضاراً، كما يتجنب كلمة “مطلقاً”». وهو ما يعني طبعاً أن «المرء يجب ألا يقول أبداً كلمة “أبداً”» أو «يجب أن نتجنب دائماً استخدام كلمة “دائماً”». إلا أن تلك العبارات عينها لا تتجنب ما تطلب منا تجنبه. فالنسبيون متأكدون بصفة مطلقة أنه ليس هناك مطلقات.
والقيم المطلقة كالحق المطلق، لا يمكن إنكارها. ففي حين أن الزعم الذي مفاده أنه “لا يوجد قيم مطلقة” لا يفند نفسه، لا يمكننا عملياً أن ننكر وجود قيم مطلقة. وذلك لأن من ينكر كل القيم، يعطي قيمة لحقه في إنكارها. وهو علاوة على ذلك يريد من الجميع أن يعطوه قيمة بصفته شخصاً، بينما ينكر أن هناك قيمة لجميع الأشخاص. وهو ما تم التعبير عنه بوضوح منذ عدة سنوات عندما كنت (أنا نورم) أتحدث إلى مجموعة من سكان ضواحي شيكاغو من ذوي الثروة والتعليم الراقي.
وبعد أن قلت إن هناك قيماً أخلاقية موضوعية ملزمة لجميعنا، وقفت سيدة واعترضت بصوت مرتفع قائلة: «ليس هناك قيم حقيقية. المسألة كلها أذواق أو آراء!» فقاومت إغراء الرغبة في توصيل فكرتي بأن أصرخ فيها قائلاً: «اجلسي واخرسي، يا متعلمة يا صاحبة الشهادات، لا أحد يريد أن يسمع رأيك!» وطبعاً لو كنت بهذه الوقاحة والفظاظة، لكان من حقها أن تشكو من أني انتهكت حقها في أن يكون لها رأي وحقها في التعبير عنه. وهو ما كان يمكنني أن أرد عليه بالقول «ليس لك هذا الحق، فقد أخبرتني تواً أن هذه الحقوق لا وجد لها!»
فشكواها كانت ستثبت أنها تؤمن فعلياً بقيمة حقيقية مطلقة، فهي تعطي قيمة لحقها في أن تقول إنه ليس هناك قيم مطلقة. أي أن حتى من ينكرون كل القيم، يعطون قيمة لحقهم في ذلك الإنكار. وهنا يكمن التناقض. فمن المستحيل عملياً إنكار القيم الأخلاقية.
2 – رود أفعالنا تساعدنا على اكتشاف القانون الأخلاقي (الصواب من الخطأ):
في السيناريو المذكور أعلاه، كان رد فعل السيدة سيذكرها بوجود قيم أخلاقية موضوعية. وأحد الأساتذة في واحدة من كبرى الجامعات في ولاية إنديانا عرض أحد طلابه ممن يؤمنون بالنسبية للخبرة نفسها من وقت ليس ببعيد. وكان الأستاذ يُدَرِّس مادة في الأخلاق، وكلف طلابه بكتابة بحث للفصل الدراسي. وطلب من كل دارس أن يكتب في أي موضوع أخلاقي من اختياره، بشرط أن يدعم أطروحته جيداً بالأسباب والمراجع الموثقة.
وكتب طالب ملحد بحثاً بليغاً في موضوع النسبية الأخلاقية. وكانت حجته تقول إن «كل الأخلاق نسبية؛ ليس هناك مقياس مطلق للعدالة أو الصواب الأخلاقي؛ إنها مسألة رأي؛ “أنت تحب الشوكولاتة، أنا أحب الفانيليا”، وهكذا». وقد دعم بحثه بالأسباب والمراجع. وكان مستوفياً للشروط من حيث الحجم، وموعد التسليم، وقدمه في غلاف أزرق أنيق.
وبعد أن قرأ الأستاذ البحث كله كتب على الغلاف الأمامي «راسب، لا أحب الأغلفة الزرقاء». وعندما استلم الطالب بحثه استشاط غضباً واندفع على مكتب الأستاذ محتجاً: «”راسب، لا أحب الأغلفة الزرقاء” هذا ليس إنصافاً. ليس صواباً. ليس عدلاً. لم تقيم البحث بناء على ما يستحق».
فأجاب الأستاذ بهدوء وهو يرفع يده ليهدئ الطالب الفصيح: «تمهل لحظة. لقد قرأت أبحاثاً كثيرة. انتظر… أليس بحثك هو الذي يقول إنه ليس هناك شيء اسمه الإنصاف، والصواب الأخلاقي، والعدالة؟».
فأجاب الطالب: «نعم».
فسأله الأستاذ: «إذن ما هذا الذي تقوله عني إني لست منصفاً، لا صائباً، ولا عادلاً؟ ألم تكن حجة بحثل أن الأمر كله مسألة ذوق؟ “أنت تحب الشوكولاتة، أنا أحب الفانيليا؟”»
فأجاب الطالب: «نعم هذا رأيي».
فأجاب الأستاذ: «عظيم. إذن أنا لا أحب الأزرق. وأنت تحصل على تقدير راسب».
وفجأة أضاء المصباح في دماغ الطالب. لقد أدرك أنه يؤمن فعلياً بالمطلقات الأخلاقية. فهو على الأٌقل يؤمن بالعدالة. ومهما كان من أمر، فهو يتهم أستاذه بالظلم لأنه أعطاه تقدير راسب بسبب لون الغلاف. وهذه الحقيقة البسيطة دحضت كل القضية التي قدمها دفاعاً عن النسبية.
والدرس الذي يكمن في القصة هو أن هناك أخلاقيات مطلقة. وإن أردت حقاً أن تدفع النسبيين للاعتراف بها. كل ما يجب أن تفعله أن تعاملهم معاملة ظالمة. وردود أفعالهم ستكشف القانون الأخلاقي المكتوب على قلوبهم وعقولهم. ففي هذه القصة أدرك الطالب وجود مقياس موضوعي للصواب الأخلاقي من رد فعله لمعاملة الأستاذ له. وهكذا قد لا أظن أن السرقة خطأ عندما أسرق منك. ولكن لاحظ الغضب الذي سيشتعل بداخلي عندما تسرق مني.
وردود أفعالنا تبين أيضاً أن النسبية في النهاية لا تصلح للعيش. فقد يزعم الناس أنهم نسبيون، ولكنهم مثلاً لا يريدون زوجاتهم أن تخلصن لهم نسبياً. فكل الرجال النسبيين تقريباً يتوقعون من زوجاتهم أن تعشن على أساس أن الزنا خاطئ على نحو مطلق. وسيكون رد فعلهم سلبياً إن مارسن النسبية عملياً بارتكاب الزنا. وحتى إن كان هناك القليل من النسبيين لا يعترضون على الزنا، هل تظن أنهم لن كانوا مهددين بالقتل أو الاغتصاب سيعتبرون القتل أو الاغتصاب عملاً أخلاقياً؟ طبعاً لا. إن النسبية تتناقص مع ردود أفعالنا وحسنا العام.
وردود الأفعال تساعدنا كأمة في تحديد الصواب والخطأ. فعندما اخترق الإرهابيون مبانينا بطائراتنا التي كانت تحمل أحباءنا الأبرياء، كان رد فعلنا العاطفي مناسباً لبشاعة الجريمة. فرد فعلنا أكد أن الفعل خاطئ على نحو مطلق. وقد يقول البعض: «ولكن ابن لادن ورفاقه المجرمين رأوا أن الفعل صحيح أخلاقياً». إن هذا يرجع جزئياً إلى أن الجريمة لم تكن موجهة ضدهم. في رأيك ماذا يكون رد فعل ابن لادن لو اخترقنا مبانيه بطائراته التي تحمل أحباءه الأبرياء؟ كان سيعرف فوراً أن هذا الفعل خاطئ على نحو لا يمكن إنكاره.
لذا فالقانون الأخلاقي لا يظهر دائماً من أفعالنا، كما يتضح من الفظائع التي يرتكبها البشر تجاه بعضهم البعض. ولكنه ينكشف بجلاء في ردود أفعالنا، أي ما نفعله عندما نتعرض شخصياً للظلم. وهو ما يعني أن القانون الأخلاقي ليس هو دائماً المقياس الذي نعامل به الآخرين، ولكنه في كل الحالات تقريباً المقياس الذي نتوقع من الآخرين أن يعاملونا به. فهو لا يصف سلوكنا الفعلي، بل ينص على السلوك الواجب.
3 – دون القانون الأخلاقي تنتفي حقوق الإنسان:
تأسست الولايات المتحدة الأمريكية على الاعتقاد في القانون الأخلاقي وحقوق الإنسان الممنوحة من الله. فقد كتب توماس جفرسون في إعلان الاستقلال:
إننا نعتبر هذه الحقائق واضحة في ذاتها، ألا وهي أن كافة البشر مخلوقون سواسية، وأنهم منحوا من خالقهم حقوقاً راسخة معينة غير قابلة للتصرف، ومنها الحق في الحياة، والحرية، والسعي نحو السعادة. ولضمان هذه الحقوق، تتأسس الحكومات بين الناس، وتكتسب صلاحياتها العادة من موافقة المحكومية.
لاحظ عبارة «منحوا من خالقهم حقوقاً راسخة معينة غير قابلة للتصرف». أي أن الآباء المؤسسين آمنوا أن حقوق الإنسان ممنوحة من الله، ومن ثم فهي عامة ومطلقة، أي أنها حقوق تشمل كل البشر، في كل مكان، وفي كل زمان، بصرف النظر عن جنسيتهم أو دينهم.
لقد أدرك جفرسون وسائر الآباء المؤسسين أن هناك سلطة أعلى أي “الخالق” يمكنهم الاحتكام إليها لإرساء أسس أخلاقية موضوعية لاستقلالهم. فلو بدأوا إعلان الاستقلال بعبارة «إننا نعتبر أن هذه الآراء أراؤنا…» (بدلاً من «حقائق واضحة في ذاتها»)، ما قدم ذلك مبرراً أخلاقياً موضوعياً لإعلان استقلالهم. ولكنه كان فقط سيعبر عن رأيهم المضاد لرأي الملك جورج.
لذا احتكم المؤسسون إلى “الخالق” لأنهم آمنوا أن قانونه الأخلاقي هو المقياس المطلق للصواب والخطأ الذي يبرر قضيتهم. وكانت قضيتهم إنهاء حكم الملك جورج في المستعمرات الأمريكية. لقد اقتنعوا بضرورة إنهاء حكم جورج لأنه كان ينتهك حقوق الإنسان الأساسية لمستوطني المستعمرات.
ومن جهة ما، كان موقف الآباء المؤسسين مثل موقف دول الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية. فعندما مثل مجرمو الحرب النازيون أمام محكمة في نورمبرج Nuremburg، أدينوا بتهمة انتهاك حقوق الإنسان الأساسية كما يعرّفها القانون الأخلاقي (الذي ينعكس في القانون الدولي). إنه القانون الذي يفهمه كافة البشر بالفطرة والذي تخضع له كل الأمم.
ولو لم تكن هناك هذه الأخلاق الدولية التي تتجاوز حدود قوانين الحكومة الألمانية العلمانية، لما وجد الحلفاء أساساً لإدانة النازيين. وهو ما يعني أنه لما أمكننا أن نقول إن النازيين كانوا مخطئين على نحو مطلق ما لم نعرف الصواب المطلق. ولكننا موقنون أنهم مخطئون على نحو مطلق، إذن مؤكد أن القانون الأخلاقي موجود.
4 – دون القانون الأخلاقي لا نميز بين العدل والظلم:
ربما تعد أشهر حجة ضد وجود الله هي وجود الشر واستمراره في العالم. فإن كان هناك إله صالح وعادل، لماذا إذن يسمح بالسوء للأخيار؟ لطالما أكد الملحدون أن الإيمان بعدم وجود هذا الإله أكثر منطقية من محاولة تفسير وجود الشر والله معاً.
وكان سي. إس. لويس أحد هؤلاء الملحدين. فقد رأى أن كل ما في العالم من ظلم يؤكد إلحاده، حتى بدأ يفكر في الوسيلة التي مكنته من معرفة الظلم أصلاً، فقد كتب: «”بصفتي ملحداً” كانت حجتي ضد الله هي أن الكون يبدو في منتهى القسوة والظلم. ولكن من أين أتيت بفكرة العدل والظلم؟ فالمرء لا يسمي الخط منكسراً إلا إذا كان يعرف الخط المستقيم. فبم كنت أقارن هذا الكون عندما سميته ظالماً؟» وهذا الإدراك أخرج لويس من الإلحاد وأتى به أخيراً إلى المسيحية.
إن لويس مثلك مثلي، لا يمكنه أن يحدد الظلم إلا عن طريق وجود مقياس ثابت للعدل مكتوب على قلوبنا. فحقيقة، لا يمكنك أن تعرف الشر ما لم تعرف الخير. ولا يمكنك أن تعرف الخير لولا وجود مقياس ثابت للخير خارجك. ودون ذلك المقياس الموضوعي يعد أي اعتراض على الشر المحض رأي شخصي لك.
أنا (نورم) أحب مناظرة الملحدين اليهود. لماذا؟ لأني لم ألتق أبداً بيهودي يعتقد أن الهولوكوست كان مجرد مسألة رأي. ولكن جميعهم يؤمنون أنه كان خطأً حقيقياً، بصرف النظر عن رأي أي شخص آخر. وفي إحدى هذه المناظرات مع ملحد يهودي، سألته: «على أي أساس تقول إن الهولوكوست كان خطأ؟» فأجاب: «بإحساسي الأخلاقي الطيب».
وماذا عساه يقول غير ذلك؟ فدون أن يعترف بقانون أخلاقي موضوعي، وهو ما يعني الاعتراف بالله، يستحيل أن يجد أساساً موضوعياً للاعتراض على الهولوكوست. وبذلك اعتراضه لا يزيد عن كونه رأياً شخصياً.
ولكن جميعنا نعرف أن الوضع الأخلاقي للهولوكوست ليس مجرد مسألة رأي. ورد فعلك على أي تعليق يختص بالهولوكوست يجب أن يزودك بمؤشر على وجود شيء خطأ حقاً في قتل الأبرياء. فمهما كان رد فعلك على شخص يقول: «كانت الوجبة رائعة» سيختلف عن رد فعلك عندما يقول الشخص: «كان الهولوكوست رائعاً». فأنت تعرف حدسياً أن ذوق الشخص في الطعام شيء وذوقه في الشر شيء آخر. فهناك اختلاف أخلاقي حقيقي بين الوجبة والقتل، فأحدهما مجرد استحسان والآخر ظلم حقيقي. وردود أفعالك على تلك التعليقات تساعدك على إدراك ذلك.
وسنناقش المزيد عن وجود الشر والله معاً في الملحق الأول. ولكن الآن نقطتنا الأساسية هي: لو لم يوجد قانون أخلاقي، لما أمكننا التعرف على أي نوع من الشر أو الظلم. فبلا عدل، يصبح الظلم بلا معنى. وكذلك ما لم يكن هناك مقياس ثابت للخير، لما كان هناك شر موضوعي. ولكن بما أننا جميعاً نعرف أن الشر موجود، إذن القانون الأخلاقي موجود أيضاَ.
5 – دون القانون الأخلاقي، لما كان هناك طريقة لقياس الاختلافات الأخلاقية:
فكر في خريطتي اسكتلندا في الشكل. أيهما أفضل؟ كيف يمكنك أن تعرف الخريطة الأفضل؟ السبيل الوحيد لتحديد الأفضل أن ترى شكل اسكتلندا الحقيقية. أي أنك لا بد أن تقارن الخريطتين بمكان حقيقي ثابت اسمه اسكتلندا. فلو لم توجد اسكتلندا، تصبح الخريطتان بلا معنى. ولكن بما أن اسكتلندا موجودة، يمكننا أن نرى أن الخريطة (أ) هي الأفضل لأنها أقرب للمقياس الثابت، أي اسكتلندا الحقيقية.
الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟
وهذا ما نفعله بالضبط عندما نقيم سلوك الأم تريزا مقابل سلوك هتلر. إننا نحتكم إلى مقياس ثابت مطلق أعلى من كليهما. وذلك المقياس هو القانون الأخلاقي. وهو ما عبر عنه سي. إس. لويس قائلاً:
في اللحظة التي تقول فيها إن مجموعة معينة من الأفكار الأخلاقية أفضل من غيرها، فإنك في الواقع تقيس الاثنتين بمقياس وتقول إن إحداهما تتفق مع ذلك المقياس أكثر من الأخرى. إلا أن المقياس الذي يقيس شيئين يختلف عن أي منهما. فأنت في الواقع تقارنهما بأخلاق حقيقية، معترفاً بوجود صواب حقيقي بصرف النظر عن آراء الناس، وبأن أفكار بعض الناس تقترب من ذلك الصواب الحقيقي أكثر من غيرها.
أو يمكنك أن تعبر عن ذلك بطريقة أخرى: إن كانت أفكارك الأخلاقية أصح، وأفكار النازيين أقل صحة، فلا بد من وجود شيء، أي نوع من الأخلاق الحقيقية تحدد صحة هاتين المجموعتين من الأفكار.
لو لم يوجد قانون أخلاقي، إذن ليس هناك اختلافات أخلاقية بين سلوك الأمر تريزا وسلوك هتلر. وكذلك عبارات من قبيل “القتل شر”، أو “العنصرية خطأ”، أو “يجب ألا تسيء إلى الأطفال” تصبح بلا معنى موضوعي. ولكنها تعبر فقط عن آراء شخص، مثل “الشوكولاتة ألذ من الفانيليا”. فالواقع أنه ليس القانون الأخلاقي لأصبحت التعبيرات القيمية البسيطة مثل “جيد”، “سيء”، “أفضل”، “أسوأ” بلا معنى موضوعي عندما تستخدم في سياق أخلاقي.
ولكننا نعلم بالتأكيد أن لها معنى. فمثلاً عندما نقول إن “المجتمع يتحسن” أو “المجتمع يسوء” فنحن نقارن المجتمع بمقياس أخلاقي أعلى منا. وذلك المقياس هو القانون الأخلاقي المكتوب على قلوبنا.
وباختصار، الاعتقاد في النسبية الأخلاقية يعنى القول بعدم وجود اختلافات أخلاقية حقيقية بين الأم تريزا وهتلر، أو الحرية والعبودية، أو المساواة والعنصري، أو العناية والإساءة، أو الحب والكراهية، أو الحياة والقتل. ونحن جميعاً نعلم أن مثل هذه الاستنتاجات عبثية. إذن لا بد أن تكون النسبية الأخلاقية خاطئة. وإن كانت النسبية الأخلاقية خاطئة، إذن يوجد قانون أخلاقي موضوعي.
6 – دون القانون الأخلاقي لا يمكنك أن تعرف الصواب والخطأ:
عندما أجريت مناظرة في موضوع الدين في المجال العام بين آلن درشويتس Alan Dershowit الذي يصف نفسه بأنه ملحد وآلن كيز Alan Keyes الكاثوليكي في أيلول/سبتمبر 2000 سأل أحد الحضور درشويتس قائلاً: «ما الذي يجعل الشيء صواباً؟»
أثنى درشويتس على السؤال ثم قال: «نحن نعرف الشر. فقد رأيناه». واستشهد بأمثلة واضحة على الشر مثل الهولوكوست والحروب الصليبية. ثم رمق درشويتس الحضور، ورفع صوته، وأعلن بنبرة واثقة: «الصواب ما هو الصواب! ولكني أعرف ما هو الخطأ!»
ثم بدأ يتحدث إلى الجمهور وكأنه يوبخهم قائلاً: «ولكن عندي شيء آخر أخبركم به يا جماعة. أنتم لا تعرفون ما هو الصواب! ففي اللحظة التي تظنون فيها أنكم تعرفون الصواب، لحظة ما تظنون أن عندكم إجابة لسؤال ما هو الصواب، تفقدون بعداً ثميناً جداً للنمو والتطور. فأنا لا أتوقع أبداً أن أعرف على وجه الدقة ما هو الصواب، ولكني أتوقع أن أكرس بقية حياتي لمحاولة اكتشافه». وهنا صفق بعض الحاضرين.
ولكن لم تتح الفرصة لكيز ليرد على إجابة دوشويتس. ولو أتيحت له الفرصة، لأطلق خطة “رودرنر” ليفضح حجة درشويتس التي تفند نفسها، فكان سيسأل درشويتس: «كيف تعرف الخطأ إلا إذا عرفت الصواب؟» فبالفعل لا يمكنك أن تعرف أن 5 هي الإجابة الخاطئة لمسألة 2+2 إلا إذا كنت تعرف الإجابة الصحيحة! وهكذا لا يستطيع درشويتس أن يعرف الخطأ الأخلاقي إلا إذا كانت عنده فكرة عن الصواب الأخلاقي.
وأثناء المناظرة لم يجد درشويتس مشكلة في التعبير عن غضبه الشديد تجاه أشياء يرى أنها خطأ أخلاقياً (أي القوانين المضادة للمثلية الجنسية، والقوانين المضادة للإجهاض، والعنصرية، والعبودية، والميثاق الأخلاقي للكشافة، والخلط بين الكنيسة والدولة…. إلخ). ولكنه عندما يزعم أن أشياء معينة خاطئة، يثبت بطبيعة الحال أن أشياء معينة صحيحة. فكل نفي يتضمن إثباتاً. فعندما يقول درشويتس بأن حظر الإجهاض خطأ (نفي)، لا بد أنه يعرف أن النساء لهن حق أخلاقي في الإجهاض (إثبات). ولكن دون القانون الأخلاقي، لا يستطيع درشويتس أن يبرر ذلك الموقف الأخلاقي ولا أي موقف أخلاقي آخر. فهو لا يزيد عن كونه رأيه الشخصي.
وإنه لخطأ فادح وغرور سافر أن يزعم بأنه ما من أحد في الحاضرين يعرف الصواب. فالمسيحيون غالباً ما ينتقدون لأنهم يقولون إن “عندهم الحق” ولكن ها هو درشويتس يقول إن عنده الحق الذي يقول إن لا أحد عنده الحق. ولكن حتى يعرف درشويتس أنه لا أحد عنده الحق، لا بد أن يعرف هو نفسه الحق.
وبعض النسبيين مشهورون بهذا النوع من الغرور الذي يفند نفسه. فهم يزعمون أنه ليس هناك حق، ولكنهم بعدئذ يطلقون مزاعمهم الخاصة بشأن الحق. فهم يزعمون أنهم لا يعرفون الصواب، ولكنهم بعدئذ يزعمون أن قضاياهم السياسية صائبة. وهم ينكرون القانون الأخلاقي في جملة ثم يفترضونه في الجملة التالية.
7 – دون القانون الأخلاقي، تنتفي الأساسات الأخلاقية للاختلافات السياسية أو الاجتماعية:
إن الليبراليين السياسيين مثل آلن درشويتس والكثيرين في هوليوود مشهورون بمعارضتهم الأخلاقية للحرب، والقوانين المناهضة للإجهاض، والقوانين المناهضة للمثلية الجنسية، وخفض الضرائب، وتقريباً كل القضايا التي يؤيدها “اليمين الديني المحافظ”. ومشكلتهم أن الكثير منهم ملحدون، ومن ثم ليس عندهم أسس أخلاقية موضوعية للمواقف التي يؤيدونها بقوة. وذلك لأنه إن لم يوجد قانون أخلاقي، إذن ليس هناك موقف صائب أو خاطئ موضوعياً بخصوص أي قضية أخلاقية، بما في ذلك المواقف التي يتخذها الملحدون.
وبلا قانون أخلاقي، ليس هناك خطأ موضوعي في فرض أحدهم دينه بالقوة على الملحدين. ولا يكون هناك خطأ في اعتبار الإلحاد خروجاً على القانون، ومصادرة أملاك الملحدين وإعطائها لكل من بات روبرتسون[1] Pat Robertson وجري فولول[2] Jerry Falwell ولن يكون هناك خطأ في كراهية المثليين والاعتداء عليهم، أو العنصرية، أو الحروب الاستعمارية.
ولن يكون هناك خطأ في منع الإجهاض، وتنظيم النسل، والجنس بين الراشدين! أي أنه دون القانون الأخلاقي لا يكون عند الملحدين أسس أخلاقية يبنون عليها حججهم المؤيدة لقضاياهم السياسية المفضلة. فليس هناك حق في الإجهاض، ولا المثلية الجنسية.
ولا أي من مقدساتهم السياسية الأخرى لأنه في عالم لا يؤمن بالله ليس هناك حقوق. فما لم يعترف الملحدون بوجود الله وبأن قانونه الأخلاقي يبيح هذه الأنشطة أو يأمر بها. فمواقفهم لا تزيد عن استحسانات ذاتية. وليس هناك التزام أخلاقي على أي شخص ليتفق مع محض استحسانات، أو ليسمح للملحدين أن يفرضوها علينا تشريعياً[3].
فمما يثير السخرية أن الملحدين بتمردهم على القانون الأخلاقي يقوضون الأساس اللازم للتمرد على أي شيء. فالحقيقة أنه دون القانون الأخلاقي، لا يجد أي شخص أساساً موضوعياً لتأييد شيء أو مناهضته. ولكن بما أننا جميعاً نعرف أن القضايا التي تتضمن الحياة والحرية ليست مجرد استحسانات، أي أنها تتضمن حقوقاً أخلاقية فعلية، إذن القانون الأخلاقي موجود.
8 – لو لم يكن هناك قانون أخلاقي، لما كنا نبحث عن أعذار عندما نخرقه:
هل لاحظت أبداً أن الناس يوجدون أعذاراً للسلوك غير الأخلاقي؟ إن تقديم الأعذار هو اعتراف غير مباشر بوجود القانون الأخلاقي. فما الداعي لتقديم الأعذار إن لم يكن هناك سلوك غير أخلاقي؟
حتى قمة الفضائل في ثقافتنا اللاأخلاقية، ألا وهي قبول الآخر، تكشف عن القانون الأخلاقي لأن قبول الآخر نفسه مبدأ أخلاقي. فإن لم يكن هناك قانون أخلاقي، لماذا يجب على أي شخص أن يقبل الآخر؟ والحقيقة أن القانون الأخلاقي يدعونا أن نتجاوز قبول الآخر وصولاً إلى المحبة. فقبول الآخر ضعيف جداً، وذلك لأن قبول الآخر يقول سد مناخيرك واحتمله. ولكن المحبة تقول اذهب وساعده. فقبول الشر ليس من المحبة، إلا أن هذا ما يريدنا الكثير من أبناء ثقافتنا أن نفعله.
فضلاً عن ذلك، الدعوة للتقبل والاحتمال تمثل اعترافاً غير مباشر بأن السلوك الذي نحتمله هو سلوك خاطئ. لماذا؟ لأنك لا تحتاج أن تدعو الناس لتحمل السلوك الجيد، بل السيء فقط[4]. فأنت لا تحتاج أن تقنع أحداً بأن يتقبل سلوك الأم تريزا، ولكنك تحتاج أن تقنعه بتقبل سلوك بعض النسبيين. وكذلك، لا أحد يقدم أعذاراً عندما يتصرف مثل الأم تريزا، ولكننا لا نقدم الأعذار إلى عندما نتصرف عكس القانون الأخلاقي. ولو لم يوجد لما فعلنا ذلك.
المطلق مقابل النسبي: لماذا الخلط؟
إن كان هناك فعلاً قانون أخلاقي مطلق كما بينا بالحجة، فلماذا يؤمن العديد من الناس بنسبية الأخلاق؟ ولماذا يبدو أن العديد من الناس يتبنون قيماً مختلفة؟ منطقياً، يكمن السبب في العجز عن التمييز بين بعض الأمور المختلفة. فلنلق نظرة على تلك الاختلافات لإزالة الخلط:
الخلط 1: الأخلاق المطلقة مقابل السلوك المتغير
من الأخطاء الشائعة عن النسبيين أنهم يخلطون بين السلوك والقيمة. أي أنهم يخلطون بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. فما يفعله الناس عرضة للتغير، ولكن ما يجب أن يفعلون لا يتغير. وهذا هو الفرق بين علم الاجتماع والأخلاق. فعلم الاجتماع وصفي descriptive، في حين أن الأخلاق توجيهية Prescriptive.
وهو ما يعني أن النسبيين غالباً ما يخلطون بين الموقف السلوكي المتغير والواجب الأخلاقي الثابت. فمثلاً، عند مناقشة موضوع أخلاقي مثل الجنس قبل الزواج أو عيش رجل وامرأة معاً دون زواج، غالباً ما تسمع الناس المؤيدين له يقولون شيئاً من قبيل «لاحظوا أننا في القرن الحادي والعشرين»، وكأن السلوكيات الحالية تحدد الصواب والخطأ.
وحتى تبين عبثية التفكير النسبي، ليس عليك إلا أن تحول المناقشة إلى قضية أخلاقية أخطر مثل القتل، الذي ازدادت معدلاته أيضاً في أمريكا اليوم عنها منذ خمسين سنة. فكم عدد النسبيين الذين سيؤيدون القتل بأن يقولوا لنا «لاحظوا أننا في القرن الحادي والعشرين». إن هذا ما يوصلهم إليه تفكيرهم عندما يخلطون بين ما يفعله الناس وما يحب أن يفعلون.
ويتضح جانب آخر من مغالطة ما هو كائن وما يجب أن يكون عندما يقول الناس إنه ليس هناك قانون أخلاقي لأن الناس لا يطيعونه. طبعاً الجميع يعصون القانون الأخلاقي بنسبة ما، بدءًا من الكذب الأبيض وانتهاءً بالقتل. إلا أن هذا لا ينفي وجود قانون أخلاقي ثابت. ولكنه يعني ببساطة أننا جميعاً ننتهكه. فالجميع يرتكبون أخطاء في الرياضيات، إلا أن هذا لا ينفي وجود قواعد رياضية ثابتة.
الخلط 2: الأخلاق المطلقة مقابل الفهم المتغير للحقائق
هناك خطى آخر بين وجود قيمة أخلاقية مطلقة وفهم الحقائق المستخدمة في تطبيق تلك القيمة. فمثلاً أشار سي. إس. لويس إلى أنه في أواخر القرن الثامن عشر كان يحكم على الساحرات كالقتلة. ولكن هذا لا يحدث الآن. والنسبي ستكون حجته: «أرأيت؟ قيمنا الأخلاقية تغيرت لأننا لم نعد نقتل الساحرات. الأخلاق النسبية حسب الزمن والثقافة».
إلا أنه زعم خاطئ. فما تغير ليس المبدأ الأخلاقي الذي مفاده أن القتل خطأ بل إدراك أو فهم الحقائق بخصوص ما إذا كانت “الساحرات” تستطعن فعلاً أن تقتلن الناس بلعناتهن أم لا. فالناس لم يعودوا يعتقدون أن الساحرات قادرات على ذلك. ومن ثم فالناس لم يعودوا يتعبرونهن قتلة. أي أن إدراك الموقف الأخلاق نسبي (ما إذا كانت الساحرات قاتلات فعلاً أم لا)، ولكن القيم الأخلاقية المتضمنة في الموقف ليست نسبية (القتل كان دائماً خطأ وسيظل دائماً خطأ).
والعجز عن التفريق بين الإثنين يؤدي بالناس أيضاً إلى الاعتقاد بأن الاختلافات الثقافية تعكس اختلافات جوهرية في القيم الأخلاقية. فمثلاً، يعتقد البعض أنه بما أن الهندوس يقدسون البقر والأمريكيين يأكلونه. إذن هناك اختلاف جوهري بين القيم الأخلاقية عند الأمريكيين والهندوس. ولكن سبب تقديس الهندوس للبقرة لا يمت بصلة لقيمة أخلاقية جوهرية، ولكنه مرتبط باعتقادهم الديني المختص بتناسخ الأرواح. فالهنود يعتقدون أن البقر قد يحمل أرواح بشر موتى، لذلك لا يأكلونه.
ولكننا في الولايات المتحدة لا نؤمن أن أرواح موتانا قد تسكن في البقر. لذلك نأكل البقر بحرية. وفي التحليل النهائي، ما يظهر أنه اختلاف أخلاقي هو في الواقع اتفاق، فكلانا يؤمن أن أكل الجدة خطأ! فالقيمة الأخلاقية الجوهرية التي تقول إنه من الخطأ أن تأكل جدتك يعتبرها أبناء الثقافتين قيمة مطلقة. ولكنهم يختلفون فقط فيما إذا كانت روح الجدة في البقرة أم لا! فأهل الثقافتين يختلفون في إدراكهم للحقائق المتصلة بالقيمة الأخلاقية، ولكنهم يتفقون جوهرياً على ضرورة احترام القيمة الأخلاقية.
الخلط 3: الأخلاقيات المطلقة مقابل تطبيقها على مواقف بعينها
كما رأينا ردود أفعال الناس تعرفهم الصواب من الخطأ أكثر من أفعالهم. فعندما يقع الناس ضحايا سلوك سيء، لا يجدون صعوبة في فهم أن السلوك خاطئ على نحو مطلق. ولكن حتى إن انتهت ضحيتان إلى الاختلاف على أخلاقية فعل بعينه. هذا ما يعنى أن الأخلاق نسبية. لأنه يمكن أن يوجد قانون أخلاقي مطلق حتى إن عجز الناس عن معرفة الفعل الصائب الذي يجب عمله في موقف بعينه.
فكر في المعضلة الأخلاقية التي غالباً ما يستخدمها أساتذة الجامعات ليجعلوا طلابهم يؤمنون بالنسبية: هناك خمسة أشخاص على قارب نجاة لا يكفي إلا لأربعة. فإن لم يلق أحدهم في الماء، سيموت الجميع. ويبذل الطلاب قصارى جهدهم لحل المعضلة ويتوصلون لقرارات مختلفة، وأخيراً يستخلصون أن اختلافهم يثبت أن الأخلاق لا بد أن تكون نسبية.
إلا أن المعضلة في الواقع تثبت العكس، ألا وهو أن الأخلاق مطلقة. كيف؟ لأنه لو كانت الأخلاق نسبية لما كانت هناك معضلة أصلاً! لو كانت الأخلاق نسبية ولو لم يكن هناك حق مطلق في الحياة، لقلت: «ليكن ما يكون! ارموا الجميع من القارب! لا يهم». إن سبب صعوبة المعضلة هو أننا نعلم قيمة الحياة.
ورغم أن الناس يخطئون فهم المواقف المعقدة، فهم لا يخطئون في الأساسيات. فمثلاً، الجميع يعرفون أن القتل خطأ. هتلر كان يعرف ذلك. لذلك كان عليه أن ينزع صفة الإنسانية عن اليهود حتى يبرر قتله لهم. وحتى آكلو لحوم البشر يبدو أنهم يعرفون أن قتل البشر الأبرياء خطأ.
صحيح أنهم قد يعتقدون أن أفراد القبائل الأخرى ليسوا بشراً. ولكن الاحتمال الأكبر أنهم يعتبرونهم بشراً. وإلا، كما يشير ج. بودجنشفسكي. لماذا يؤدي “آكلو لحوم البشر” طقوساً تكفيرية معقدة قبل قتل الناس؟ فما كانوا ليؤدوا هذه الطقوس إلا إذا كانوا يعتقدون أن هناك خطأ ما فيما سيفعلون.
إذن الأساسيات واضحة، حتى وإن كانت بعض المشكلات الصعبة ليست بهذا الوضوح. علاوة على ذلك، وجود مشكلات صعبة في الأخلاق لا ينفي وجود قوانين أخلاقية موضوعية، تماماً كما أن المشكلات الصعبة في العلم لا تنفي وجود قوانين طبيعية موضوعية. فعندما يواجه العلماء مشكلة صعبة في العالم الطبيعي (أي عندما يصعب عليهم معرفة الإجابة) لا ينكرون وجود عالم موضوعي. ويجب ألا ننكر وجود الأخلاق لمجرد أننا نجد صعوبة في معرفة الحل في بضعة مواقف صعبة.
فكما أن العلم يحوي مشكلات سهلة وأخرى صعبة، كذلك الأخلاق. والإجابة عن سؤال علمي بسيط مثل “لماذا تسقط الأشياء إلى الأرض؟” تثبت وجود قانون طبيعي واحد أو قوة طبيعية واحدة على الأقل (أي الجاذبية).
وكذلك الإجابة الصادقة على سؤال أخلاقي بسيط مثل “هل القتل مبرر؟” تثبت وجود قانون أخلاقي واحد على الأقل (أي: لا تقتل). فإن وجد واجب أخلاقي واحد فقط (مثل لا تقتل، أو لا تغتصب، أو لا تعذب الرضع)، إذن القانون الأخلاقي موجود. وإن كان القانون الأخلاقي موجوداً، إذن مشرع القانون الأخلاقي موجود.
الخلط 4: أمر مطلق (ما) مقابل ثقافة نسبية (كيف)
هناك فارق آخر مهم، غالباً ما يتجاهله دعاة النسبية الأخلاقية بين الطبيعة المطلقة للأمر الأخلاقي والطريقة النسبية التي يتكشف بها ذلك الأمر في الثقافات المختلفة. فمثلاً، كل الثقافات عندها نوع من التحية، وهو تعبير عن المحبة والاحترام. إلا أن الثقافات تختلف اختلافاً كبيراً فيما بينها في شكل تلك التحية. ففي الثقافات تكون قبلة، وفي ثقافات أخرى حضن، وفي ثقافات أخرى مصافحة أو انحناءة. فما يجب فعله مشترك بين كل الثقافات، ولكن كيف يجب فعله يختلف بين الثقافات. والعجز عن إدراك هذا الفرق يضلل الكثيرين فيعتقدون أن اختلاف ممارسات الناس يعني اختلاف قيمهم. إلا أن القيمة الأخلاقية مطلقة، ولكن كيفية ممارستها نسبية.
الخلط 5: الأخلاق المطلقة مقابل الاختلافات الأخلاقية
غالباً ما يشير النسبيون إلى قضية الإجهاض، وهي قضية خلافية ليبينوا أن الأخلاق نسبية. فالبعض يرى أن الإجهاض مقبول، في حين أن البعض الآخر يعتبره قتلاً. إلا أن اختلاف الآراء حول الإجهاض لا يعني نسبية الأخلاق.
وفي الحقيقة أن الخلاف حول قضية الإجهاض برمته، لا يعتبر مثالاً على نسبية القيم الأخلاقية، بل إن الخلاف يرجع أساساً إلى أن كل جانب يدافع عما يرى أنه قيمة أخلاقية مطلقة: ألا وهو حماية الحياة والسماح بالحرية (أي السماح للمرأة أن “تتحكم في جسدها”). ولكن الجدل يدور حول أي القيمتين تمس (أو لها الأولوية في) قضية الإجهاض. فلو لم يكن الجنين كائناً بشرياً، إذن يجب أن يطبق التشريع القيمة المناصرة للحرية.
ولكن بما أن الجنين هو فعلاً كائن بشري، يجب أن يطبق التشريع القيمة المناصرة للحياة؛ لأن حق الشخص في الحياة يَجُبّ حق شخص آخر في الحرية الشخصية. (فالجنين ليس مجرد جزء من جسد المرأة، ولكن هو أيضاً له جسده بشفرته الوراثية الفريدة، وفصيلة دمه، ونوعه). حتى إن كنا في شك بشأن الوقت الذي فيه تبدأ الحياة، يجب أن هذا الشك يرجح كفة حماية الحياة، فالعقلاء لا يطلقون النيران إلا إذا كانوا متأكدين على نحو مطلق أنهم لا يقتلوا إنساناً بريئاً.
تذكر أن رد فعلنا لممارسة بعينها يكشف معتقداتنا الحقيقية عن أخلاقية الممارسة. قد ذكر رونالد ريجان Ronald Reagan ملاحظة ذكية قائلاً: «لقد لاحظت أن كل من يؤيدون الإجهاض هم من المولودين». فعلاً، كل مناصري الإجهاض سيتحولون فوراً إلى مناصرين للحياة لو عادوا إلى الرحم. فرد فعلهم لاحتمالية تعرضهم للقتل سيذكرهم أن الإجهاض خاطئ تماماً.
وبالطبع معظم الناس يعرفون في أعماق قلوبهم أن الطفل الذي لم يولد بعد هو إنسان، ومن ثم يعرفون أن الإجهاض خطأ. وحتى بعض النشطاء المؤيدين للإجهاض يعترفون أخيراً بذلك[5]. ولذا، في النهاية هذا الخلاف الأخلاقي لا يرجع إلى نسبية الأخلاق ولا إلى غموض القانون الأخلاقي.
ولكن هذا الخلاف الأخلاقي موجود لأن البعض يخمدون القانون الأخلاقي ليبرروا ما يريدون فعله. وهو ما يعني أن تأييد الإجهاض مسألة إرادية أكثر منه مسألة عقلية (للاطلاع على تناول أكثر تفصيلاً لهذا الموضوع وغيره من الموضوعات الأخلاقية، رادع كتابنا بعنوان “تشريع الأخلاق”).
الخلط 6: غايات مطلقة (قيم) مقابل وسائل نسبية
غالباً ما يخلط النسبيون الأخلاقيون بين الغاية (القيمة نفسها) ووسيلة بلوغ تلك الغاية والكثير من النزاعات السياسية تقع في هذه الفئة. ففي بعض القضايا (لا كلها طبعاً) الليبراليون والمحافظون يريدون أشياء واحدة، أي غايات واحدة، ولكنهم يختلفون في أفضا الوسائل لإدراك تلك الغايات.
فمثلاً، بخصوص الفقراء، يعتقد الليبراليون أن المعونات الحكومية أفضل وسيلة لمساعدتهم. ولكن بما أن المحافظين يعتقدون أن هذه المعونات تخلق نوعاً من الاعتمادية، فهم يفضلون خلق فرص اقتصادية حتى يساعد الفقراء أنفسهم. لاحظ أن الغاية واحدة (مساعدة الفقراء)، ولكن الوسيلة مختلفة.
وكذلك كل من مؤيدي الحرب ومؤيدي السلم يرغبون في السلام (الغاية)؛ ولكنهم ببساطة يختلفون حول ما إذا كان الجيش القوي هو أفضل وسيلة لتحقيق هذا السلام أم لا. فكلاهما يتفقان على الغاية المطلقة، ولكنهما يختلفان في الوسيلة النسبية لتحقيقها.
القانون الأخلاقي: ماذا يقول عنه الداروينيون؟
إذن الدليل على القانون الأخلاقي معقول، والاعتراضات عليه تخطئ الهدف. فكيف يتعامل الداروينيون إذن مع مسألة الأخلاق؟ في الواقع معظم الداروينيين يتجنبون الموضوع نهائياً. لماذا؟ لأنه ليس من السهل أن يفسروا وجود صواب وخطأ موضوعيين (وهو ما يعرفه حتى الداروينيين في قلوبهم) إلا إذا كان هناك مشرع للقانون الأخلاقي.
إلا أن الدارويني إدوارد أو. ويلسون Edward O. Wilson يعد استثناء لافتاً للنظر. فهو يزعم أن حسنا الأخلاقي تطور كما تطورنا نحن، أي بالانتخاب الطبيعي. وبينما يعترف ويلسون أن «التقدم الذي تحقق لاستكشاف الحس الأخلاقي بطرق بيولوجية ضعيف جداً»، يؤكد أن العملية البيولوجية لانتقال الجينات من الآباء إلى الأبناء «عبر آلاف الأجيال أنشأت حتماً الأحكام الأخلاقية». أي أن الأخلاق تتحدد مادياً ووراثياً. وهي تقوم على مشاعر أو نزعات فطرية موروثة، لا على مقياس موضوعي للصواب والخطأ. ولكننا رأينا عجز الانتخاب الطبيعي عن تفسير الأشكال الجديدة من الحياة (الفصل السادس). وسنرى بعد قليل أن الانتخاب الطبيعية عاجز كذلك عن تفسير “الأحكام الأخلاقية” الكامنة في تلك الأشكال الجديدة من الحياة.
أولاً، الداروينية تؤكد أنه ليس هناك إلا المادة، ولكن المادة لا تحوي أخلاقاً. فما وزن الكراهية؟ وهل الحب له ذرة؟ وما التركيب الكيميائي لجزيء القتل؟ إنها أسئلة بلا معنى لأن الجسيمات الفيزيائية ليست مسؤولة عن الأخلاق. فإن كانت المواد هي المسؤول الوحيد عن الأخلاق، إذن هتلر لم تكن عليه أي مسؤولة أخلاقية عما فعل، كل المشكلة أن جزيئاته كانت رديئة. هذا كلام فارغ، والجميع يعلم ذلك.
فالأفكار البشرية والقوانين الأخلاقية التي تتجاوز حدود الزمان والمكان ليس أشياء مادية، مثلها مثل قوانين المنطق والرياضيات. فهي كيانات غير مادية لا يمكن أن توزن ولا أن تقاس فيزيائياً. ونتيجة لذلك، لا يمكن تفسيرها بلغة مادية عن طريق الانتخاب الطبيعي أو غيره من الوسائل الإلحادية.
ثانياً، لا يمكن أن تكون الأخلاق مجرد فطرة كما يرجح ويلسون لأن: 1) لدينا نزعات فطرية متصارعة، 2) غالباً ما يكون هناك شيء آخر يقول لنا أن نتجاهل الفطرة الأقوى حتى نفعل شيئاً أنبل. فمثلً، إن تعرض شخص لسرقة بالإكراه وسمعته يستغيث طالباً النجدة، قد تكون فطرتك الأقوى أن تظل في الأمان ولا “تورط نفسك”، وفطرتك الأضعف (إن جاز أن نسميها هكذا) تميل إلى المساعدة. وهو ما يعبر عنه سي. إس. لويس قائلاً:
ولكنك ستجد بداخلك، إضافة إلى هاتين النزعتين، شيئاً ثالثاً يخبرك بأنه ينبغي عليك أن تتبع النزعة إلى المساعدة، وأن تقمع النزعة إلى الهروب. هذا الشيء الذي يحكم بين النزعتين، الذي يقرر أي النزعتين يجب تعزيزها، لا يمكن أن يكون هو نفسه أياَ منهما. وإلا نقول أيضاً أن النوتة الموسيقية التي تخبرك في لحظة معينة أن تعزف نغمة معينة على البيانو دون غيرها، هي نفسها إحدى النغمات الموجودة على أصابع البيانو. إن القانون الأخلاقي يخبرنا بالنغمة التي يجب أن نعزفها، ونزعاتنا الفطرية هي مجرد أصابع البيانو.
ثالثاً، يقول ويلسون إن الأخلاق الاجتماعية تطورت لأن تلك الأخلاق “المتعاونة” ساعدت البشر على أن يبقوا على قيد الحياة معاً. إلا أن هذا يفترض غاية للتطور، ألا وهي البقاء، في حين أن الداروينية بطبيعتها لا غاية لها لأنها عملة غير ذكية.
وحتى إن قبلنا أن البقاء هو الغاية، لا يمكن للداروينيين أن يفسروا ما يقوم به الناس من سلوكيات تدمرهم رغم معرفتهم بذلك (مثل التدخين، وإدمان الخمور والمخدرات، والانتحار…. إلخ) ولا يمكن للداروينيين أيضاً أن يفسروا قمع الناس غالباً لنزعتهم الفطرية نحو البقاء في سبيل مساعدة الآخرين، حتى إن تطلب الأمر التضحية بحياتهم في بعض الأحيان[6]، وكلنا نعرف أن هناك أنبل من مجرد البقاء على قيد الحياة: الجنود يضحون بأنفسهم من أجل بلادهم، والآباء والأمهات من أجل أبنائهم، وإن كانت المسيحية صحيحة، فالله ضحى بابنه من أجلنا.
رابعاً، ويلسون وغيره من الداروينيين يفترضون أن البقاء شيء “خير”، ولكن ليس هناك خير حقيقي دون القانون الأخلاقي الموضوعي. وفي الواقع هذه هي مشكلة الأنظمة الأخلاقية البراجماتية والنفعية التي تقول “افعل ما ينفع” أو “افعل ما يجلب الخير الأعظم” افعل ما ينفع في تحقيق غاية مَنْ، غاية الأم تريزا أم غاية هتلر؟ افعل ما يجلب الخير الأعظم بناء على تعريف من للخير، الأم تريزا أم هتلر؟ إن هذه الأنظمة الأخلاقية لا بد أن تختلس لنفسها خفية القانون الأخلاقي لتعريف الغايات التي يجب أن نعمل على تحقيقها ولتعريف “الخير” الأعظم.
خامساً، الداروينيون يخلطون بين كيفية معرفة المرء للقانون الأخلاقي ووجود القانون الأخلاقي. حتى إن كنا نعرف بعض “أحكامنا الأخلاقية” نتيجة للعوامل الوراثية أو البيئية، هذا لا يعني عدم وجود قانون أخلاقي موضوعي خارجنا.
برز هذا الموضوع في المناظرة بين بيتر آتكينز ووليم لين كريج. فقد زعم آتكينز أن الأخلاق تطورت من الوراثة ومن “أمخاخنا الضخمة”. ولكن كريج أصاب في إجابته قائلاً: «إن هذا الكلام يبين، في أفضل الأحوال، كيف تكتشف القيم الأخلاقية، ولكنه لا يبين أن تلك القيم مخترعة». مؤكد أنه من الممكن أن أرث قدرات رياضية من أمي وأتعلم منها جدول الضرب، ولكن قوانين الرياضيات موجودة بغض النظر عن كيفية معرفتي بها. وكذلك، الأخلاق موجودة بصرف النظر عن الكيفية التي نعرفها بها.
وأخيراً، الداروينيون لا يستطيعون أن يفسروا لماذا يجب على أي شخص أن يطيع أي “حكم أخلاقي” يقوم على البيولوجيا. لماذا يجب على الناس ألا يقتلوا، أو يغتصبوا، أو يسرقوا ليحصلوا على ما يريدون إن لم يكن هناك أي شيء أبعد من هذا العالم؟ لماذا يجب على القوي أن “يتعاون” مع الضعيف رغم أن القوي يستطيع أن يبقى على قيد الحياة مدة أطول باستغلال الضعيف؟ وعلى أي حال، التاريخ زاخر بمجرمين ودكتاتوريين أطالوا حياتهم لأنهم تحديداً عصوا كل “الأحكام الأخلاقية” بقمع خصومهم القضاء عليهم.
الأفكار لها عواقب
إن كان الداروينيون على حق في أن الأخلاق تنبع من مصدر طبيعي، إذن الأخلاق ليست موضوعية ولا مطلقة، لأنه إن لم يكن هناك إله وإن كان البشر قد تطوروا من مادة لزجة، إذن وضعنا الأخلاقي لا يرقى عن المادة اللزجة؛ لأنه ليس هناك شيء أبعد منا يغرس فينا أخلاقاً موضوعية أو كرامة.
وقد أدرك الداروينيون وأتباعهم مضامين هذه الفكرة. وفي الواقع استخدم أدولف هتلر Adolf Hitler نظرية داورين كتبرير فلسفي للهولوكوست. وقد سطر في كتابه المنشور سنة 1924 بعنوان Mein Kampf “كفاحي” هذه الكلمات:
إن كانت الطبيعة لا ترغب في أن الضعفاء يخالطون الأقوياء، فهي ترفض أن جنساً أرقى يختلط بجنس أدنى. وذلك لأنه في هذه الحالة كان ما بذلته من جهود على مدى مئات الآلاف من السنين لتأسيس مرحلة تطورية أعلى في الكينونة سيذهب أدراج الرياح.
إلا أن هذه الحماية تسير جنباً إلى جنب مع القانون الجارف الذي يقضى بانتصار الأقوى والأفضل وبحقه في البقاء. فمن أراد العيش عليه أن يحارب. ومن لا يرغب في أن يحارب في هذا العالم، حيث الكفاح المستمر هو قانون الحياة، لا حق له في الوجود.
هتلر، مثل غيره من الداروينيين، يشخصن الطبيعة دون وجه حق بأنه ينسب لها الإرادة (أي “الطبيعة لا ترغب”). وفكرته الرئيسية هي أن هناك أجناساً أرقى وأجناساً أدنى. واليهود بما أنهم جنس أدنى، لا حق لهم في الوجود إن كانوا لا يرغبون في الحرب. أي أن العنصرية ثم الإبادة الجماعية هي التداعيات المنطقية للداروينية. ومن ناحية أخرى، المحبة ثم التضحية بالذات هي التداعيات المنطقية للمسيحية. الأفكار لها عواقب.
لقد انكشفت العنصرية المرتبطة بالتطور أثناء “محاكمة سكوبس في قضية القرد” الشهيرة سنة 1925. فكتاب الأحياء المقرر على المدرسة الثانوية الذي تسبب في المحاكمة كان يتكلم عن خمسة أجناس من البشر، وخَلُص إلى أن الجنس “القوقازي” هو “أرقى الأنواع جميعاً[7]”. وهو يتناقض طبعاً بشكل مباشر مع تعليم الكتاب المقدس (تك 1: 27؛ أع 17: 26، 29؛ غل 3: 28). وهو يتناقض أيضاً مع ما يؤكده إعلان الاستقلال (“كافة البشر مخلوقون سواسية”).
وفي زمن أقرب، استخدم بيتر سينجر Peter Singer الدارويني والأستاذ في جامعة برينستون Princeton الداروينية ليؤكد أن «حياة المولود الجديد أقل قيمة من حياة الخنزير، أو الكلب، أو الشمبانزي». نعم ما قرأته قيل بالفعل.
ما عواقب أفكار سينجر الداروينية الصادمة؟ إنه يعتقد أن الآباء والأمهات يجب أن يمكنهم قتل أطفالهم حديثي الولادة حتى سن 28 يوماً! وهذه المعتقدات تتفق اتفاقاً تاماً مع الداروينية. فإن كنا جميعاً نشأنا من مادة لزجة، فلا أساس للقول بأن البشر أفضل أخلاقياً من أي سلالة أخرى. ولكن السؤال الوحيد هو لماذا نُحد قتل الأطفال بسن 28 يوماً، أو 28 شهراً، أو 28 سنة؟ إن لم يكن هناك مشرع للقانون الأخلاقي، فليس هناك خطأ في القتل في أي عمر.
وطبعاً الداروينيون أمثال سينجر قد يرفضون هذه النتيجة، ولكنهم لا يملكون أساساً موضوعياً للرفض إلا إذا تمكنوا من الاحتكام إلى مقياس أعلى منهم، ألا وهو مشرع القانون الأخلاقي.
وجيمز ريتشلز James Rachels مؤلف كتاب “مخلوقون من الحيوانات: المضامين الأخلاقية للداروينية” Created from Animals: The Moral Implication of Darwinism يدافع عن الموقت الدارويني الذي مفاده أن النوع البشري ليس له قيمة في ذاته تفوق أي نوع آخر. وقد كتب ريتشلز عن ذوي الإعاقة الذهنية قائلاً:
ماذا نقول عنهم؟ الاستنتاج الطبيعي وفقاً للتعليم الذي نحن بصدده [الداروينية] يقول إن مركزهم يتساوى مع الحيوانات. وريما يجب أن نستخلص أيضاً أنه يمكن استخدامهم كما نستخدم الحيوانات غير البشرية. ربما كفئران تجارب، أو كغذاء؟
على قدر بشاعة هذا الكلام، أي استخدام ذوي الإعاقة الذهنية كفئران تجارب أو غذاء، إلا أن الداروينيين لا يستطيعون أن يقدموا سبباً أخلاقياً لعدم جواز استخدام أي كائن بشري على هذا النحو. فالداوينيون لا يستطيعون أن يدينوا التجارب التي تشبه التجارب النازية لأن العالم الدارويني لا يحوي مقياساً أخلاقياً موضوعياً.
ومؤخراً كتب داروينيان آخران، هما راندي ثورنهيل Randy Thornhill وكريج بالمر Craig Palmer كتاباً يؤكد أن الاغتصاب عاقبة طبيعية للتطور. فهما يعتقدان أن الاغتصاب “ظاهرة طبيعية بيولوجية ناتجة عن الإرث التطوري البشري” بالضبط مثل “رقط النمر وعنق الزرافة الطويل”.
ورغم أن هذه الاستنتاجات الداروينية عن القتل والاغتصاب صادمة بحق، يجب ألا تكون مفاجئة لأي شخص يفهم التداعيات الأخلاقية للداروينية، لماذا؟ لأنه طبقاً للداروينيين كل السلوكيات تحدد وراثياً. ورغم أن بعض الدارونيين قد يختلفون مع فكرة أن القتل والاغتصاب ليسا خطأ (تحديداً لأن القانون الأخلاقي يخاطبهم في ضمائرهم). فتلك الاستنتاجات هي النتيجة الحتمية لمنظورهم الفلسفي للحياة.
لأنه إن كان كل ما هنالك هو الأشياء المادية، إذن القتل والاغتصاب ليسا إلا نتائج التفاعلات الكيميائية في مخ الجاني التي تنشأ عن الانتخاب الطبيعي. علاوة على ذلك، القتل والاغتصاب لا يمكن أن يكونا خطأ موضوعياً (أي ضد القانون الأخلاقي) لأنه إن لم يكن هناك إلا المواد الكيميائية. فليس هناك قوانين. فالقوانين الأخلاقية الموضوعية تتطلب مشرعاً للقانون متجاوزاً لحدود الزمان والمكان، ولكن المنظور الدارويني للحياة استبعده مقدماً.
لذا، الداروينيون المتسقون مع هذا المنظور لا يمكنهم إلا أن يعتبروا أن استهجان القتل والاغتصاب مجرد رأي شخصي، وأنها لا يمثلان أخطاء أخلاقية حقيقية.
ولفهم ما يكمن وراء التفسير الدارويني للأخلاق، علينا أن نميز بين التأكيد assertion والحجة argument. التأكيد يقرر استنتاجاً، أما الحجة تقرر الاستنتاج ثم تؤيده بالدليل. والداروينيون يقدمون تأكيدات، لا حججاً. فليس هناك أدلة تجريبية ولا جنائية على أن الانتخاب الطبيعي يمكنه أن يفسر الأشكال الجديدة للحياة، فكم بالحري الأخلاق. والداروينيون يؤكدون ببساطة أن الأخلاق تطورت طبيعياً لأنهم يعتقدون أن الإنسان تطور طبيعياً.
وهم يعتقدون أن الإنسان تطور طبيعياً، لا لأن عندهم أدلة على هذا الاعتقاد. ولكن لأنهم استبعدوا المسببات الذكية مقدماً. لذلك، التفسير الدارويني للأخلاق يضاف إلى سلسلة القصص التي “بلا دليل” التي تقوم على القياس الدائري والافتراضات الفلسفية المسبقة الخاطئة.
الملخص والخلاصة
عندما نقدم حلقتنا النقاشية بعنوان “الاثنتا عشرة نقطة التي تثبت صحة المسيحية”، نجد أن العبارتين التاليتين عن الأخلاق تجذب انتباه الحاضرين فوراً:
إن لم يكن هناك إله، فما فعله هتلر كان مجرد مسألة رأي!
إن كان شيء واحد على الأٌقل خطأ حقيقياً من الناحية الأخلاقية، كأن نقول إن تعذيب الرضع خطأ، أو إن اختراق المباني عمداً بالطائرات التي تقل أبرياء خطأ، إذن الله موجود.
هاتان الجملتان تساعدان الناس على إدراك أنه بدون مصدر موضوعي للأخلاق، كل ما ندعوه قضايا أخلاقية ليس إلا استحسان شخصي. هتلر كان يحب أن يقتل الناس، والأم تريزا كانت تحب أن تساعدهم. فإن لم يكن هناك مقياس أعلى من هتلر والأم تريزا، إذن ليس هناك مصيب ولا مخطئ بحق، ولكنها آراء شخصية عكس بعضها البعض.
ولحسن الحظ أنه، كما رأينا، هناك مقياس أخلاقي حقيقي أعلى من البشر. وقد كتب سي. إس. لويس «البشر في جميع أنحاء البسيطة يعرفون هذه الفكرة الغريبة التي مفادها أنه يجب عليهم أن يسلكوا وفقاً لهذه الطريقة. فهم يعرفون قانون الطبيعة ولكنهم يكسرونه. هاتان الحقيقتان هما أساس كل تفكيرنا الواضح عن أنفسنا وعن الكون الذي نعيش فيه».
ونتمنى أن نكون قد قمنا بشيء من التفكير الواضح في هذا الفصل. وإليك ملخص ما تناولناه:
هناك مقياس مطلق للصواب والخطأ مكتوب على قلوب كافة البشر. الناس قد ينكرونه وقد يخمدونه، وأفعالهم قد تناقضه، ولكن ردود أفعالهم تكشف أنهم يعرفونه.
النسبية خاطئة. فالبشر لا يحددون الصواب والخطأ، ولكننا نكتشف الصواب والخطأ. فلو كان البشر يحددون الصواب والخطأ، لكان “على صواب” أي شخص يؤكد أن الاغتصاب والقتل والهولوكوست أو أي شر آخر ليس خطأ. ولكننا نعرف حدسياً أن تلك الأفعال خاطئة من خلال ضمائرنا التي تعكس القانون الأخلاقي.
هذا القانون الأخلاقي لا بد أن يكون له مصدر أعلى منا لأنه أمر توجيهي منقوش على قلوب جميع البشر. وبما أن الأوامر دائماً ما يكون لها آمر يصدرها، أي أنها لا تنشأ من الفراغ، فالآمر الذي أصدر القانون الأخلاقي (الله) لا بد أن يكون موجوداً.
هذا القانون الأخلاقي هو مقياس الله للصواب، وهو يساعدنا أن نحكم في الآراء الأخلاقية المختلفة التي يتبناها الناس. ودون مقياس الله، لا يبقى لنا إلا هذه الآراء البشرية. ولكن القانون الأخلاقي هو المقياس النهائي الذي يقاس به كل شيء. (في اللاهوت المسيحي القانون الأخلاقي هو طبيعة الله نفسها. وهو ما يعنى أن الأخلاق ليست اعتباطية، إنها ليست “افعل هذا ولا تفعل ذاك لأني أنا الله وأنا أقول ذلك”. لا، الله لا يخترع قواعد بقرارات فجائية. ولكن مقياس الصواب هو ذات طبيعة الله نفسه: عدالة بلا حدود ومحبة بلا حدود.
رغم أن الاعتقاد الشائع هو أن كل الأخلاق نسبية، فالقيم الأخلاقية الجوهرية مطلقة. وهي تتجاوز الثقافات. والتشوش حول هذا الأمر غالباً ما يقوم على سوء فهم أو سوء تطبيق المطلقات الأخلاقية، لا على رفض حقيقي لها. وهو ما يعني أن القيم الأخلاقية مطلقة حتى إن كان فهمنا لها أو للظروف التي يجب تطبيقها فيها ليس مطلقاً.
الملحدون لا يملكون أساساً حقيقياً للصواب والخطأ الموضوعيين. وهو ما لا يعني أن الملحدين ليس أخلاقيين أن أنهم لا يعرفون الصواب من الخطأ. بل على العكس، الملحدون يستطيعون أن يعرفوا الصواب من الخطأ، وهم يعرفونه بالفعل لأن القانون الأخلاقي منقوش على قلوبهم كما على قلوب سائر البشر أجمعين. ولكنهم بينما يعتقدون في الصواب والخطأ الموضوعيين، لا يجدون وسيلة لتبرير هذا المعتقد (إلا إذا اعترفوا بمشرع للقانون الأخلاقي، وعندئذ لا يكونون ملحدين).
وفي النهاية لا يمكن للإلحاد أن يبرر صواب أو خطأ أي شيء من الناحية الأخلاقية. فهو لا يستطيع أن يضمن حقوق الإنسان ولا العدالة النهائية في الكون. فلكي تكون ملحداً، ملحداً متسقاٌ مع مبادئه، عليك أن تؤمن أنه لا خطأ حقيقي في القتل، ولا الاغتصاب، ولا الإبادة الجماعية، ولا التعذيب، ولا غير ذلك من سائر الأفعال الوحشية. ولكنك بالإيمان عليك أن تصدق أنه لا فرق أخلاقي بين القاتل والمرسل.
ولا بين المدرس والإرهابي، ولا بين الأم تريزا وهتلر. أو بالإيمان عليك أن تصدق أن المبادئ الأخلاقية الحقيقية نشأت من لا شيء. وبما أنه واضح أن هذه المعتقدات غير منطقية، فلسنا نملك الإيمان الكافي للإلحاد.
[1] مؤسس إذاعة مسيحية باسم “الشبكة الإذاعية المسيحية” Christian Broadcasting Network وهو رجل أعمال وسياسي وكاتب وناشط في العمل الإنساني (http://www.patribertson.com/index.asp)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 23/10/2016 (المترجمة).
[2] مؤسس منظمة سياسية باسم “الأغلبية الأخلاقية” Moral Majority لدعم القيم الأخلاقية المحافظة، ومبشر تلفزيوني توفي 2007 (http://www.britannica.com/biography/Jerry-Falwell)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 23/10/2016 (المترجمة).
[3] خلافاً للفكرة الشائعة، فإن الملحدين كغيرهم من العاملين بالسياسة يحاولون تشريع الأخلاق. وكتابنا “تشريع الأخلاق” يتناول هذا الموضوع بالتفصيل Frank Turek and Norman Geisler, Legislating Morality [Eugene. Ore.: Wipf & Stock, 2003. صدر سابقاً عن دار نشر Bethany, 1998.
[4] الكلمة الإنجليزية التي ترجمناها في هذا الكتاب إلى “قبول الآخر” (وهي ترجمة شائعة لها) هي tolerance ومن معانيها اللغوية: القدرة على احتمال شيء غير مسر دون التضرر منه. لذلك فضلنا ترجمتها هنا إلى “تقبل واحتمال” لتناسب المعنى المقصود في هذا السياق. (المترجمة).
[5] تعد نعمي وولف Naomi Wolf الناشطة النسائية مثالاً بارزاً على هذه الحالة. فهي تعترف أن الجميع يعلمون أن الطفل قبل ولادته إنسان. وأن الإجهاض خطية حقيقية تستلزم كفارة. ولكن نعمي بداً من أن تقترح القضاء على الإجهاض، تقترح أن النساء اللاتي تجهضن تنظمن سهرة بالشموع في مراكز الإجهاض الطبية تعبيراً عن حزنهن! هو ما يشبه طقساً تكفيرياً مثل طقوس أكلي لحوم البشر – معذرة لهذا التشبيه.
[6] يقول جفري شلوس Jeffrey Schloss الحاصل على دكتوراه في علم البيئة وعلم أحياء التطور بأنه رغم من أن بعض السلوكيات التي تتسم بالغيرية والتضحية بالذات قد يمكن تفسيرها تفسيراً داروينياً، هناك سلوكيات أخرى لا يمكن تفسيرها بهذه الطريقة؛ ويركز شلوس بوجه خاص على السلوكيات التي ساعدت من كان يمكن أن يقعوا ضحية للهولوكوست وخبأتهم. انظر فصلاً بقلم جفري شلوس بعنوان Evolutionary Account of Altruism and the Problem of Goodness by Design, in William Dembski, ed,. Mere Creation Downers Grove, I11.: InterVarsity Press, 1998, 236-261.
[7] إليك النص كاملاً: «أجناس البشر – يوجد في الوقت الحالي خمسة أجناس أو تنوعات من البشر على وجه الأرض. وكل منها يختلف عن الآخر اختلافاً كبيراً في النزعات الفطرية. والعادات الاجتماعية، وإلى حد ما في البنية. فهناك النوع الإثيوبي أو الزنجي الذي نشأ في أفريقيا، وجنس الملايو أو البني وهو من جزر الهادي، والهنود الحمر. والجنس المنغولي أو الأصفر ومنهم السكان الأصليون للصين واليابان والأسكيمو، وأخيراً الجنس القوقازي أرقى الأنواع جميعاً الذي يمثله سكان أوروبا وأمريكا البيض المتحضرون» (جورج وليم هنتر George William Hunter، “أسس علم الأحياء: مقدمة في صورة مشكلات” Essentials of Biology: Presented in Problems [New York, Cincinnati, Chicago: American Book, 1911], 230.
الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟
خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 12 – الحكمة آنذاك والآن
خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 12 – الحكمة آنذاك والآن
· طبيعة الحكمة.
· الحكمة في سفر الأمثال.
· استخدامات سفر الأمثال السليمة والخاطئة
· بعض الإرشادات الحياتية
الحكمة: هي تطبيق الحق في حياة الإنسان في ضوء التجربة
تُعد الحكمة العبرية من أنواع النصوص التي لم يعتدها معظم المؤمنين المعاصرين. ومع أن جزءاً لا يُستهان به من الكتاب المقدس قد خُصص لتدوين أقوال الحكمة، إلا أننا نرى بعض المؤمنين وفي مرات كثيرة يُسيئون فهم هذه الأقوال أو يسيئون تطبيقها، وبذلك تفوتهم الفائدة التي أرادها الله لهم. ولكن، إذا ما أحسنت كدارس فهم الأمثال والحِكم وأحسنت استخدامها، فستكون لك مصدر عون على السلوك المسيحي. أما فيما لو أسأت استخدامها، فستؤدي بك إلى الأنانية والسلوك المادي قصير النظر، وهذا بالضبط عكس ما قصده الله منها.
هناك أسفار في الكتاب المقدس تُعرف بأسفار الحكمة مثل سفر الجامعة وسفر الأمثال وسفر أيوب. علاوة على ذلك وكما أشرنا في الفصل السابق، فهناك عدد من المزامير يندرج تحت باب الحكمة أيضاً.
طبيعة الحكمة
ماهي الحكمة بالضبط؟ إليك هذا التعريف الموجز عنها: الحكمة هي تطبيق الحق في حياة الإنسان في ضوء التجربة. هذا التعريف يحمل من المنطق ما يكفي لعدم إيقاع المؤمنين في الحيرة، لكن المشكلة هي أن أقوال الحكمة الموجودة في العهد القديم قد تبدو في كثير من الأحوال وكأنها تنتهي بنا إلى إساءة فهم. وهدف هذا الفصل هنا هو مساعدتك على تنقية مفهومك للحكمة وتطبيقك لها.
إساءة استخدام أدب الحكمة
للأسف الشديد لقد تمت وبشكل عام إساءة استخدام أسفار الحكمة عبر ثلاث طرق:
أولاً: اعتاد الكثير من الناس على قراءة تلك الأسفار قراءة جزئية؛ لذلك نراهم قد أخفقوا في رؤية الرسالة الشاملة التي قصدها الكاتب عندما أوحي إليه بالكتابة. صحيح أن مقتطفات وشذرات كثيرة من الحكمة تبدو عميقة وعملية وذلك عند أخذها بدون سياقها، لكن من السهل أيضاً إساءة تطبيقها.
خذ على سبيل المثال التعليم الوارد في سفر الجامعة بخصوص أنه “للولادة وقت وللموت وقت” (3: 2)، لقد كان القصد منه في قرينته تقديم إيضاح ساخر عن عبث الحياة كلها؛ إذ مهما بلغت درجة سعادة حياتك أو بؤسها، فستموت حتماً عندما يحين الوقت. وللأسف يطيب للكثير من الناس أن يفسروا هذا الجزء بمفهوم قدرية كل الأشياء في حياتنا إلا أن القرينة لا تشير أبداً إلى مثل هذا القصد.
ثانياً: كثيراً ما قد يسيء الناس فهم اصطلاحات الحكمة وأنواعها وأساليبها وقوالبها الأدبية. فنراهم وقد أعطوا الاصطلاحات المستخدمة في الكتاب المقدس في سياق أدب الحكمة تعريفات خاطئة. فعلى سبيل المثال تأمل في أمثال 14: 7 “اذهب من قدام رجل جاهل إذ لا تشعر بشفتي معرفة”.
فهل يعني هذا عدم وجوب اختلاط المؤمنين بالمتخلفين والأميين؟ كلا على الإطلاق، فكلمة جاهل في سفر الأمثال عنت في الأساس الإنسان غير العارف الرب، إذ هي تشير إلى غير المؤمن الذي يعيش بأنانيته وبحسب نزواته والذي لا يعترف بوجود أي سلطة فوقه إلا نفسه. أما جملة “اذهب من قدام…” فقد ارتبطت ارتباطاً كلياً بالسبب الذي من أجله علينا أن نذهب من قدام هذا الإنسان غير العارف الرب والسبب هو “إذ لا تشعر بشفتي معرفة”. وبكلمات أخرى يُعلّمنا هذا المثل أنه إن كنا نسعى إلى المعرفة فعلينا ألا نطلبها من الجاهل.
كان الحكيم آنذاك يتصف بالعملية بدرجة كبيرة إذ لم يكن هدفه مجرد اقتناء معرفة نظرية.
ثالثاً: كثيراً ما يُفق الناس في اتباع خط سير النقاش في أحاديث الحكمة؛ لذلك نراهم يحاولون الحياة وفق طريقة ما والقصد منها إظهار ما هو خطأ. تأمل في أيوب 15: 20 “الشرير هو يتلوى كل أيامه، وكل عدد السنين المعدودة للعاتي”. هل يمكنك أن تفهم من هذا الكلام أن الوحي يعُلّم بأن الشرير لا يمكن أن يكون سعيداً حقاً؟ من المؤكد طبعاً أن أيوب لم يكن يقصد ذلك أبداً بل لقد كان يلغي هذه الفكرة وبإصرار.
فالعدد السابق جاء على لسان أحد الذين عينوا أنفسهم مدين لأيوب وهو أليفاز الذي كان يحاول إقناعه بأن شقاءه ناجم عن كونه شريراً. وفي موقع لاحق من سفر أيوب يثبت الله صحة كلام أيوب ويدين أقوال أليفاز، إلا أنه ما لم تتابع الجدل بجملته فلن تعرف ذلك.
وهنا وفي هذا الفصل سنناقش الفرق بين أدب الحكمة وغيره من أنواع النصوص، ومن ثم سنذكر بعض الملاحظات المفيدة حول هذا الموضوع.
مَن الحكيم؟
سبق أن قلنا إن الحكمة هي تطبيق الحق في حياة الإنسان في ضوء التجربة والاختبار، ولكن هناك جانباً شخصياً للحكمة إذ ليست الحكمة أمراً نظرياً، أو أمراً تجريدياً، لكنها عادة ما تأتي إلى حيز الوجود فقط عندما يقوم الإنسان بالتفكير والعمل بحسب الحق الذي سبق وتعلمه بالتجربة؛ لذلك فنحن نرى العهد القديم وقد أكد على وجود بعض الناس الذين اتصفوا بالحكمة أكثر من غيرهم، وآخرين كانوا قد كرسوا أنفسهم لاقتناء الحكمة بحيث يكننا تسميتهم حكماء.
كان الحكيم آنذاك يتصف بالعملية بدرجة كبيرة إذ لم يكن هدفه مجرد اقتناء معرفة نظرية. فقد كان يهتم بالقدرة على إعداد الخطط التي ستساعده على تحقيق النتائج المرجوة في الحياة. فالهدف كان الوصول إلى حياة مسئولية وناجحة. كانت الحكمة تستخدم وتطبق أحياناً في النواحي الفنية مثل البناء (بصلئيل مهندس خيمة الاجتماع الذي سمي حكيماً في خروج 31: 3) أو الملاحة (حز 27: 8-9).
كانت الحكمة أيضاً هدف الذين طلب إليهم اتخاذ قرارات تتعلق بالصالح العام للآخرين. لقد تم وصف القادة السياسيين مثل يشوع (تث 34: 9)، وداود (2صم 14: 20) وسليمان (1مل 3: 9 إلى آخره) كي يكون حكمهم فاعلاً وناجحاً. وما يذكرنا بالجانب الشخصي للحكمة هو الحديث عن القلب الإنساني كنقطة ارتكاز الحكمة (انظر 1مل 3: 9، 12). إن القلب في العهد القديم يشير إلى القدرات الأدبية والإدارية وكذلك الذهنية.
إذاً لقد ركز أدب الحكمة على الناس ومسلكهم، وعلى مدى نجاحهم في تطبيق الحق، وعما إذا كانوا قادرين على التعلم من تجاربهم. وهنا نقول ليست القضية قضية سعينا لنتعلم كيف نكون حكماء، بقدر ما هي سعينا لأن نزداد حكمة. فكل مَن يسعى لتطبيق الحق الإلهي يومياً والتعلّم من تجاربه، يمكنه في نهاية الأمر أن يصير حكيماً أيضاً.
هناك خطر كبير قد نجده في الإنسان الذي يسعى إلى كسب الحكمة من أجل تحقيق مصلحته الشخصية، أو يسعى لكسبها بطريقة لا تُكرم الله قبل أي اعتبار أخر. والكتاب المقدس يقول: “ويل للحكماء في أعين أنفسهم” (إش 5: 21). علاوة على ذلك فإن حكمة الله دائماً تفوق حكمة البشر (إش 29: 13-14).
معلمو الحكمة:
كرّس بعض بني إسرائيل في القديم أنفسهم ليس فقط لاقتناء الحكمة، بل أيضاً لتعليم الآخرين كيفية اقتنائها. وقد سُمي هؤلاء المعلمون “حكماء” مع أنهم تبوأوا في نهاية الأمر مناصب في جماعة إسرائيل شبيهة بتلك التي للكاهن أو للنبي (إر 18: 18).
هذه الطبقة من الحكماء – من الرجال والنساء – ظهرت في بداية حقبة النظام الملكي في إسرائيل على أقل تقدير (حوالي عام 1000 ق.م انظر 1صم 14: 2)، وقد عمل هؤلاء الحكماء كمُعلّمين ومرشدين لأولئك الذين جاءوا إليهم في طلب حكمتهم. وقد أوحى الله إلى بعض أولئك بكتابة أجزاء من العهد القديم. ونلاحظ أن أولئك الحكماء قد قاموا بعملهم وكانوا بمثابة أولياء أمور أي في محل الوالد بالنسبة لكل إنسان ابتغى نيل الحكمة منهم.
لاحظ أن الله قد جعل يوسف (أباً) لفرعون حتى قبل الخروج (تك 45: 8)، وبعد ذلك سميت دبورة النبية (أماً) في إسرائيل (قض 5: 7). لذلك كثيراً ما كان يخاطب الحكيم في سفر الأمثال تلميذه بقوله يا ابني. لقد أرسل الآباء أولادهم ليتعلموا من أولئك المُعلّمين أساليب الحياة الحكيمة وتطبيقاتها، كما اعتاد المعلمون آنذاك على تعليم تلاميذهم كأولادهم.
الحكمة في البيت:
كانت الحكمة عادة ما تُعلّم في البيت أكثر من أي مكان آخر. ويقوم الأهل اليوم. من دون أن يدركوا ذلك، بتعليم أولادهم كل أنواع الحكمة.
فكلما خاطب أحد الأبوين ابنه أو ابنته بالقول: لا تلعب في الشارع، أو اختر اصدقاءك جيداً، أو احرص على ارتداء ثياب كافية للبرد وما إلى ذلك، فإن الأب أو الأم هنا يقومان في واقع الأمر بتعليم الحكمة للأولاد. لأن كل أب يريد ويهدف لولده أو لابنته بأن يكونا سعيدين، ومعتمدين على أنفسهما ونافعين للآخرين. وكل أب أو أم يصرفان الوقت الثمين في صقل مسلك الأبناء وتوجيههم والتحدث إليهم دائماً عن الكيفية التي يجب أن يتصرفوا بها.
يمكننا أن نرى هذا النوع من النصائح العملية وفي سفر الأمثال وبشكل خاص. إلا أنه يخضع نصائحه كلها لحكمة الله تماماً كما كان يتوجب على الآباء المؤمنين أن يفعلوا ذلك. نعم قد تكون النصيحة عملية جداً وخاصة بالأمور الاجتماعية، لكن لا ينبغي أبداً لهذه النصيحة أن تخفق في الإقرار بأن أفضل أمر يمكن للإنسان تحقيقه هو عمل مشيئة الله.
الحكمة بين الزملاء:
إن واحدة من الطرق التي يمكن أن يستخدمها الإنسان لصقل معرفته وبالتالي مسلكه هي النقاش والجدل. وأحياناً يستطيع التوصل إلى هذا النوع من الحكمة عن طريق حديث طويل سواء أكاناً خطاباً موجهاً للآخرين ليقرأه وليُعلقوا عليه (كسفر الجامعة) أم حواراً بين عدة أشخاص يودون معرفة آراء بعضهم البعض حول الحقيقة والحياة (كسفر أيوب).
وهنا نشير إلى أن نوع الحكمة، الذي يسيطر على سفر الأمثال يسمى عادة بالحكمة المثلية بينما يُطلق على الحكمة الواردة في كل من سفر الجامعة وسفر أيوب الحكمة التأملية التي هي في الواقع عملية وتجريبية أكثر منها مجرد حكمة نظرية.
الحكمة في قالب الشعر:
لقد قام كل من التلاميذ والمعلمين على حد سواء في أزمنة العهد القديم باستخدام أساليب أدبية متنوعة لتساعدهم على تذكر حكمتهم. وقد أوحى الله أيضاً بأجزاء الحكمة في الكتاب المقدس بحسب تلك الأساليب وذلك لجعلها سهلة التعلّم والحفظ. وكما أشرنا في الفصلين السابقين فإن الشعر يمتاز بدقة الكلمات وتنسيق الإيقاع، والصفات البلاغية اللازمة لجعله أكثر قرباً للذاكرة من النثر، وهكذا صار الشعر أيضاً وسيلة العهد القديم في إبراز الحكمة.
لذلك نرى أن أسفار الأمثال والجامعة وأيوب، وبعض مزامير الحكمة وغير ذلك من أجزاء أخرى من الحكمة في العهد القديم – في معظمها مؤلفة شعراً. ومن بين الأساليب الأدبية المستخدمة على وجه الخصوص، هناك التوازي سواء أكان ترادفياً (انظر أم 7: 4) أو تضادياً (أم 10: 1) أو صورياً (أم 21: 16) أو تطريزياً (أم 31: 10-31) أو جناساً (جا 3: 1-8) أو كان تعاقباً عددياً (أم 30: 15-31). إضافة إلى مقارنات أخرى لا حصر لها كالتشبيه والمجاز (انظر أي 32: 19) كما أننا قد نجد في كتابات الحكمة الأمثال والرموز والأحاجي الصورية وأساليب شعرية أخرى.
محدودية الحكمة:
من المهم أن نتذكر أن حكمة العالم القديم لم تكن كلها صالحة أو مستقيمة، فقد كان يوجد في جميع أرجاء الشرق الأدنى القديم طبقة من المعلمين والكتبة الحكماء الذين حظوا بتأييد من ملوكهم غالباً في سبيل القيام بجمع وتأليف وترتيب أمثال وأحاديث الحكمة. وقد شابه الكثير منها إلى حد كبير كتابات الحكمة في العهد القديم، إلا أنها افتقرت إلى التركيز على الرب كالمصدر الأول للحكمة (أم 2: 5، 6) وعلى الغرض من هذه الحكمة، ألا هو إرضاء الرب (أم 3: 7). علاوة على ذلك فإن حكمتهم لم تكن تغطي في مادتها جميع جوانب الحياة.
ولأن الحكمة عملية جداً فهي لا تميل إلى التركيز على الأمور اللاهوتية أو التاريخية الهامة جداً والموجودة في أماكن أخرى في الكتاب المقدس. والمهارة في الحكمة لا تضمن استخدامها بشكل سليم. فنصيحة يوناداب الحكيمة لأمنون كانت في الواقع ذات دوافع شريرة (2صم 13: 3) وحكمة سليمان العظيمة (1مل 3: 12؛ 4: 29-34) ساعدته في كسب الثروة والقوة لكنها لم تساعده في البقاء أميناً للرب في آخر سنيه (1مل 11: 4). فما لم نُخضع حكمتنا لطاعة الله فهي لن تحقق الغايات السليمة التي قصدها العهد القديم.
الحكمة في سفر الأمثال
يعتبر سفر الأمثال المكان الرئيسي السليم لاستقاء الحكمة التدبيرية أي الحكمة المختصة بالقواعد والأنظمة التي يمكن للناس استخدامها لإدارة حياتهم بنجاح ومسؤولية. وبالتباين مع سفر الجامعة الذي يستخدم الأسلوب التأملي الساخر كنقيض لإبراز الحكمة، وبالتباين مع سفر أيوب الذي يستخدم الحكمة التأملية حول عدم إنصاف الحياة في هذا العالم، ركزت حكمة سفر الأمثال في معظمها على المواقف العملية.
وهنا من باب التعميم، يفيدنا أن نلاحظ بأن سفر الأمثال يعلم عادة ما يمكن أن نسميه القيم الأساسية أو المحافظة. فليس هناك والدان يودان رؤية أولاهما تعساء أو فاشلين أو وحيدين أو مرفوضين اجتماعياً أو مخالفين للقوانين المرعية أو فاسدين أخلاقياً أو حمقى أو مفلسين. وليس من باب الأنانية أو عدم الواقعية أن يتمنى الأب لابنه أن ينعم بقسط معقول من النجاح والقبول الاجتماعي وسد الاحتياجات، والاستقامة الأخلاقية.
وسفر الأمثال مليء بمجموعة من النصائح البليغة لهذه الغاية بالتحديد. طبعاً ليس هناك مَنْ أو ما يضمن لشاب بأن حياته تسير دائماً على ما يرام. وما يفيدنا به سفر الأمثال فيما لو غضضنا النظر عن العوامل الخارجية، هو احتواؤه على مواقف وأنماط سلوكية أساسية تساعد الإنسان على النمو إلى مرحلة النضح المسؤول.
وقد عمل سفر الأمثال باستمرار على تقديم مفارقة شديدة بين حياة الحكمة وحياة الحماقة وإظهار ما الذي يميز حياة الأحمق؟ فحياة الأحمق تميزت بأمور مثل العنف والجريمة (أم 1: 10-19؛ 4: 14-19) والقيام بالتعهدات الطائشة (6: 1-5) والكسل (6: 6-11) واللؤم والغش (6: 12-15) والفساد والفجور الممقوت لدى الرب والضار بالحياة المستقيمة (2: 16-19؛ 5: 3-20؛ 6: 23-35؛ 7: 4-27؛ 9: 13-18؛ 23: 26-28).
علاوة على ذلك حث سفر الأمثال على أمور أخرى كالاهتمام بالفقراء (22: 22، 27) واحترام الحكام (23: 1-3؛ 24: 21-22) وأهمية تأديب البنين (23: 13، 14) واحترام الأبوين (23: 22-25).
أما اللغة الدينية الخصوصية فقلما نجدها مستخدمة في سفر الأمثال، وعلى الرغم من وجودها فيه (انظر 1: 7؛ 3: 5-12، 15: 3، 8-9، 11؛ 16: 1-9، 22: 9، 23؛ 24: 18، 21 …. إلخ) إلا أنها لا تضفي على السفر. ومعنى هذا أنه ليس من المفروض عمل كل شيء في حياتنا بصفة روحية كي تكون مقبولة وصحيحة على مثال أن يقوم الأب بتوجيه نصيحة لابنه بخصوص ارتداء ملابس ثقيلة في الشتاء.
استخدامات سفر الأمثال السليمة والخاطئة
يحسن بنا أن نتذكر بأن الأمثال التي تدعى بالعبرانية مشاليم تعني استعارات أو أمثال أو أقوال مستنبطة خصيصاً. فالمثل هو تعبير مختصر ومحدد عن الحق. ولكما كان القول مختصراً ضعف احتمال كونه كامل الدقة وشامل النطاق. وكلنا يعلم بأن البيانات المفصّلة والمسهبة والطويلة، والمعقدة الأوصاف ليست فقط عسيرة الفهم بل هي أيضاً عملياُ مستحيلة الحفظ على الناس. لذلك فقد تمت صياغة الأمثال بأسلوب أخّاذ كي يتم حفظها بسهولة.
في الحقيقة إن الكثير من الأمثال في اللغة العبرية تتميز بالإيقاع أو القافية أو غير ذلك من الصفات الأدبية التي جعلتها سهلة الحفظ. تأمل في هذين المثلين “اسأل عن الجار قبل الدار” أو “الرفيق قبل الطريق”. إن تشابه الكلمات وانتهاءها بالقافية الواحدة، واستخدام التناسق اللفظي باختلاف المعنى عناصر ساعدت في جعل مثل هذه الأمثال سهلة الحفظ والفهم.
فهي لن تُنسى بالسهولة التي يمكن أن ننسى بها الجمل التالية: “قبل أن تضع نفسك في وضع ما ادرس الإمكانيات والاختيارات المترتبة عليه”، أو “هناك أهمية كبيرة لانتقاء الصحبة السليمة لأنها تلعب دوراً كبيراً في بلوغ الهدف”.
نعم هذه الجمل تميزت بدقة أكبر، لكن ينقصها الواقع والفاعلية التي للأمثال المشهورة، ناهيك عن كونها صعبة من حيث التذكر. إن مَثَل “اسأل عن الجار قبل الدار” هو قول بليغ غير دقيق ومن السهل إساءة فهم محتواه، ومن الجائز أن يظن السامع بأنه ينطبق فقط على الباحثين عن دار للإيجار. وهو لا يخبرنا عن ماذا نسأل أو كيف نسأل أو مَنْ نسأل، ولم يقصد به حتى مجرد استخدامه في مسألة الإيجار والاستئجار.
هكذا كان الأمر مع الأمثال العبرية. إذ وجب فهمها باعتدال والأخذ بها بحسب القصد المراد منها. فهي لا تصرح بكل ما يتعلق بالحق لكنها تشير إليه، وهي إذا ما أُخذت حرفياً غالباً ما ستكون غير دقيقة في نواحيها الفنية، إلا أنها كإشارات سهلة الحفظ، لا يضاهيها شيء من حيث توجيه السلوك المعين. تأمل في أمثل 6: 27-29:
قد يعترض أحدهم بأن السطر الأخير ليس واضحاً ويتساءل: ما الذي سيحدث فيما لو أن موظف بنك لمس عن غير قصد يد امرأة رجل آخر أثناء تسليمه النقود لها؟ هل سيعاقب؟ ألا يوجد مَنْ ارتكب الزنى وهرب بلا عقاب؟ كل هذه التساؤلات صحيحة لكنها تحيد عن الهدف. فسفر الأمثال يميل إلى استخدام اللغة الرمزية والتعبير عن الأشياء بالإيحاء بدلاً من التفصيل.
والعبرة التي يتوجب علينا استخلاصها من هذا المثل هي أن مَنْ يرتكب الزنى يكون كمن يلعب بالنار. وأن الله، عاجلاً أم آجلاً، في الحياة الحاضرة أو العتيدة، سيحرص أن ينال الزاني عاقبة آثامه. أما كلمة “يمس” الواردة في السطر الأخير فيمكننا فهمها وكأنها ترد على سبيك لطف التعبير (انظر اكو 7: 1 راجع أيضاً الفصل الثاني من هذا الكتاب)، هذا إن أردنا لرسالة الروح القدس أن تبقى واضحة. وهكذا لا ينبغي أن نأخذ سفر الأمثال بأسلوب حرفي مبالغ فيه أو بشكل كلي إذا ما أردنا لرسالته أن تفيدنا. فعلى سبيل المثال تأمل أمثال 9: 13-18.
هذا المثل أيضاً بليغ، لأنه يتضمن قصة رمزية كاملة في أعداد قليلة. إن حياة الحمق هنا، هي بعكس حياة الحكمة ويُشار إليها بزانية تحاول إغواء عابري الطريق للدخول إلى بيتها. والجاهل شُبه بذلك المعجب الذي أغوته الملذات المحظورة (عدد 17)، أما النتيجة النهائية للحماقة فهي ليست بحياة طولية أو ناجحة أو سعيدة بل هي الموت.
إن رسالة هذه القصة الرمزية الموجزة هي: ابتعد عن الحماقة، لا يغويك أحد، أعرض عن الإغراءات التي تبدو جذابة للجُهال ثم ذكرها بعدة طرق في أمثال أخرى. والإنسان الحكيم التقي ذو الأخلاق الحميدة هو الإنسان الذي يسعى ليعيش حياة خالية من الأنانية والحماقة. إن أمثالاً كهذه قريبة من أمثال العهد الجديد، في كونها تعبر عن الحق بطريقة رمزية. إليك مثالاً آخر يساعد على تركيز بحثنا في سفر الأمثال.
لعل هذا النوع من الأمثال هو أكثر الأنواع التي يُساء فهمها. فإن لم تعرف بأن سفر الأمثال يميل عادة لأن يقدم أقوالاً تشير إلى الحق بأساليب رمزية، فسيفترض بأن أمثال 16: 3 هو وعد مباشر وقاطع من الله يمكن دائماً تطبيقه. ومفاده أنه إن ألقى الإنسان خططه على الله، فلا بد لهذه الخطط أن تنجح. وطبعاً هذا التفسير سيُخيب أمل الذين يفكرون بهذا الأسلوب؛ لأنه من الممكن لهؤلاء أن يقدموا لله خططاً أنانية حمقاء وفي حال نجاحها، ولو لفترة قصيرة قد يفترضون بأن الله باركها فعلاً.
فمثلاً يمكن أن نسلم لله زواجاً متهوراً أو قراراً طائشاً يتعلق بالعمل أو حتى قراراً مهنياً غير مدروس – ثم ينتهي بنا المطاف إلى الفشل. وقد يقوم إنسان ما بائتمان من الله على خطة معينة سرعان ما تبوء بالفشل فيعتقد أن الله قد تخلى عن وعده وتراجع عن كلمته الموحى بها.
وفي حالات كهذه للأسف نجد الناس وقد أخفقوا في إدراك أن سفر الأمثال ليس باتاً أو مطلقاً، ولا هو قابل للتطبيق في كل وقت، ولا هو وعد صارم بل هو بمثابة حق عام إذ هو يعلن بأن الذين يسلمون حياتهم لله ويحيون بحسب مشيئته سينجحون إنما بحسب مفهوم الله للنجاح. أما بحسب مفهوم العالم للنجاح فقد تأتي النتيجة عكسية. ولعل قصة أيوب خير مثل على ذلك.
فعندما نأخذ هذه الأمثال بحسب مقاصدها على أنها بند خاص يتعلق بالتنويه للحق، عندئذ فقط تصبح هذه الأمثال هامة ونافعة للحياة.
بعض الإرشادات الحياتية
نقدم الآن وفي غاية الإيجاز بعض الإرشادات لفهم حكمة الأمثال:
أولاً: لا يجب فهم الأمثال فهماً حرفياً
فالأمثال تقدم طريقاً حكيماً لبلوغ الأهداف العملية المرجوة، ولكنها تفعل ذلك بطرق لا يمكن اعتمادها كسند أكيد للنجاح. وعلى الأرجح فإن الإنسان سينال ما حُدد من بركات أو مكافأة أو فرص مذكورة في سفر الأمثال إذا ما اتبع السبل الحكيمة للتصرف والموجودة في اللغة الرمزية والشعرية للسفر. لكن سفر الأمثال لا يعلّم أبداً عن النجاح الآلي.
تذكر بأن من ضمن أهداف الله في وضعه لكل من سفري الجامعة وأيوب في الكتاب المقدس هو تذكرينا بأنه هناك القليل جداً من الآلية فيما يتعلق بأحداث حياتنا سواء الجيدة منها أو السيئة. تأمل في الأمثال التالية: أمثال 22: 26-27؛ 29: 12؛ 15: 25).
وهنا وإذا ما تطرفت في اعتبار المثلين الأولين (22: 26-27) وصية مطلقة مانعة من الله فقد تنتهي إلى عدم شراء بيت في حياتك، وذلك لتجنب الرهن لحين دفع ديونك. أو قد تفترض بأن الله سيجازيك بفقدان كل ممتلكاتك بما فيا فراشك إن لم تف بدينك.
إن قيامك بالتفسير الحرفي والمتطرف سيفقدك الهدف من المثل الذي يبين من خلال الشعر والرمز حقيقة وجوب التعامل مع الديون بحذر؛ لأن الحرمان من العقار المرهون أمر مؤسف جداً. والمثل يضع هذه الحقيقة في إطار تعابير ضيقة ومحددة: صفق الكف، فقدان الفراش…إلخ.
والمقصود منها ليس التعبير عن شيء حرفي عملي بل الإشارة إلى مبدأ أعم من ذلك. ففي أزمنة الكتاب المقدس كان الأتقياء يدينون ويستدينون دونما انتهاك لهذا المثل وذلك لأنهم سبق وأن فهموا المراد منه. فقد كانوا معتادين على الأمثال وبالتالي علموا بأن مثل هذا المثل يوضح كيفية إجراء الدين وليس تجنب كل أشكال الديون تجنباً تاماً.
أما المثل الثاني أعلاه (29: 12) فيجب أيضاً عدم الأخذ بحرفيته. فهو لا يضمن على سبيل المثال بأنك إن كنت موظفاً حكومياً فسوف تعتبر حتماً شريراً بحجة أن رئيسك يصغي لأكاذيب بعض المحيطين به.
إن هذا المثل يهدف إلى رسالة أخرى وهي: إن الحاكم المولع بسماع الأكاذيب بدلاً من الحق، سيقوم بالتدريج بإحاطة نفسه بزمرة من الناس تنقل له ما يريد سماعه، وعليه فستكون المحصلة النهائية فساداً إدارياً. أما الحاكم الذي يُصر على سماع الحقيقة بالرغم من إيلامها فسيساعده هذا على إبقاء حكومته طاهرة. وهذا المبدأ هو المقصود بكلمات المثل التي تستخدم طريقة مجازية لا حرفية دقيقة.
أما المثل الثالث (15: 25) فلعله أكثر الأمثال بُعداً عن الحرفية. فنحن نعلم من تجربتنا الخاصة كما من شهادة الكتاب المقدس أن هناك بيوتاً لأشخاص متكبرين ما زالت قائمة، وأن هناك الكثير من الأرامل ممن تم استغلالهن من قبل الدائنين الجشعين أو بالاحتيال (انظر مر 12: 40؛ أي 24: 2-3… إلخ).
إذن ما الذي يعنيه هذا المثل إن لم يكن يقصد نقل الانطباع بأن الله في الحقيقة هو مدمر للبيوت أو حارس للتخوم؟ إن هذا المثل يعني أن الله يقاوم المتكبرين ويقف إلى جانب المساكين (الأرامل والأيتام والغرباء: كل هذه التعابير تمثل شريحة الناس الذين لا نصير لهم، انظر تث 14: 29؛ 1.6: 11؛ 26: 12، 13… إلخ).
ولدى مقارنة هذا المثل بأمثال 23: 10-11 ولوقا 1: 52-53 يصبح معناه أوضح. إنه مثل مُصغر عن أمثال العهد الجديد، وهو يشير ليس إلى مجرد البيت والأرملة لكن إلى المبدأ العام القائل بأن الله في النهاية سيصحح المعوجات في العالم بإنزال المتكبرين عن كراسيهم وتعويض كل الأبرياء المتألمين (انظر مت 5: 3، 4).
ثانياً: يجب أن تقرأ الأمثال كمجموعة
ويجب فهم كل مثل من أمثال الوحي بالتوازن مع الأمثال الأخرى وبالمقارنة مع باقي الكتاب المقدس. وكما يوضح لنا المثال الثالث أعلاه (15: 25)، أنه كلما قرأ الفرد المثل بمعزل عن الأمثال الأخرى كلما كان تفسير ذلك المثل أقل وضوحاً. فإدا ما قمت بقراءة مثل ما على حدة، وأسأت فهمه، فقد يؤدي بك ذلك إلى مواقف أو تصرفات خاطئة مما لو قمت بقراءة سفر الأمثال ككل. علاوة على ذلك عليك الحذر من ألا تؤدي بك اهتمامات الأمثال العملية إلى التفكير بالأمور المادية والروح العالمية.
احذر أيضاً من أن تربط نفسك بنوع الحكمة التي اعتنقها رفقاء أيوب فجعلوا النجاح في الحياة العالمية أمراً معادلاً للتقوى في عيني الله. فمثل هذه الحكمة تعد بمثابة فهم غير متوازن لأمثال منتقاة. كذلك لا تحاول أن تجد لك في سفر الأمثال مبررات لتحيا حياة أنانية أو لتقوم بأعمال لا تتناسب وتعاليم الكتاب المقدس الأخرى.
وتذكر بأن الأمثال كثيراً ما قد تم جمعها معاً بطرق مختلفة مما قد يجعل القارئ يقفز من موضوع لآخر أثناء قراءتها، مع ضرورة أخذ الحذر والحيطة تجنباً لإساءة التفسير.
فإن كنت حكيماً فهل كنت ستخرج لقتال مدينة قوية التحصين وهكذا تقدم عملاً صالحاً لله؟ وإن كنت قد أحزنت الله فهل هناك خطر من أن تسقط داخل فم امرأة أجنبية؟
معظم الناس سيجيبون بالنفي على هذين السؤالين وسيضيفون قائلين بأنه مهما كان معنى هذا الكلام فلا يمكن له أن يعني المعنى السابق. لكن الكثير من الناس للأسف يصرون على أخذ أمثال 22: 26 بمعنى حرفي وذلك لمنع المؤمنين من الاستدانة. وكثيراً أيضاً ما يقول البعض بأن أمثال 6: 20 يعني وجوب طاعة المؤمن لأبويه مهما بلغ عمره وبصرف النظر عن الخطأ الماثل في تلك النصيحة.
وهنا نقول إذا ما أخفق الناس في خلق توازن بين الأمثال من جهة وبقية الكتاب المقدس من جهة أخرى ناهيك عن الفطرة السليمة فإنهم للأسف سيظلمون أنفسهم والآخرين.
في المثل الأول أعلاه (21: 22) يمكننا أن نستخلص أن الحكمة قادرة على أن تكون أقوى من القوة العسكرية. ربما جاء هذا التصريح بصيغة المبالغة؛ لكم من حيث الأسلوب فهو لا يختلف عن أن نقول في عصرنا بأن القلم أقوى من حد السيف.
إذ هذا المثل ليس بأمر بل هو تصوير رمزي مجازي لقوة الحكمة، وفقط عندما يربط الدارس هذا المثل بالأمثال الكثيرة التي تتغنى بفوائد الحكمة وفاعليتها. (انظر 1: 1-6؛ 2-3؛ 8؛ 22: 17-29 وغيرها)، عندها يتمكن من فهم رسالتها. وفي هذه الحالة تكون القرينة الكاملة أمراً جوهرياً للقيام بالتفسير.
أما المثل الثاني (22: 14) فهو يحتاج لأن يقارن أيضاً مع القرينة بكاملها؛ إذ أن هناك عدداً كبيراً من الأمثال يشدد على أهمية توخي الحرص في التفكير والكلام (انظر 15: 1؛ 16: 10، 21، 23-24؛ 18: 4 وغيرها) وبمعنى آخر إن الذي يورط الإنسان هو كلامه وذلك أكثر بكثير من إصغائه (انظر مت 15: 11، 15-20). إلا أنه بإمكانه دائماً السيطرة على ما يخرج من فمه.
هنا يمكننا إعادة صياغة هذا المثل على الشكل التالي: إن أنواع الأعمال والأقوال التي تقوم بها الأجنبية (العاهرة) تحمل عليك من الخطر ما يوازي سقوطك في حفرة عميقة. فإن أردت تجنب غضب الله، عليك أن تتجنب مثل هذه الأمور. إن استيعابك للقرينة العامة لكل الأمثال سيساعدك في عدم الوقوع في الخطأ عند تفسيرها.
ثالثاً: التركيب اللغوي للأمثال قصد به أن تكون سهلة الحفظ
كلما كان التعبير عن مبدأ ما مختصراً في كلماته كلما جاء بصيغة مبالغة، وكلما احتاج إلى مزيد من الفطرة السليمة والحكم الصائب كي يفسر بشكل سليم – وكان فاعلاً وسهلاً للحفظ، في الوقت ذاته لاستعادة المعرفة التي تحول الأمثال نقلها والتي يمكن تذكرها وليس الفلسفة القادرة على استقطاب إعجاب الناقد.
وهكذا تستخدم الأمثال كثيراً من العناصر الشعرية والتصوير المفعم بالحيوية. ولقد صممت أمثال كثيرة إما لطبع صورة ما في ذهنك (والعقل عادة ما يسترجع الصور بشكل أفضل من تذكر المعلومات النظرية) أو لتتضمن أصواتاً تُسر الآذان (التكرار، السجع، ترتيب الحروف الأولى لأبيات القصيدة…إلخ). تأمل في أمثال 15: 19 كمثال على استخدام اللغة المجازية:
“طَرِيقُ الْكَسْلاَنِ كَسِيَاجٍ مِنْ شَوْكٍ،
وَطَرِيقُ الْمُسْتَقِيمِينَ مَنْهَجٌ”
إن نوع الزرع الموجود في الطرق المحببة للكسالى ليس هو المقصود من هذه اللغة، بل الإشارة إلى أمور أبعد من ذلك، وهي مبدأ أن الكد والاجتهاد أفضل من الكسل.
إن تصور المرأة الفاضلة في أمثال 31: 10-31 هو نتيجة لترتيب الحروف الأولى لأبيات القصيدة. فكل عدد يبدأ بحرف موفق للترتيب الأبجدي لحروف اللغة العبرية، وهذا أمر سهل الحفظ وتستسيغه أذن الشخص العبري، لكنه يظهر للناقد الثاقب أو للذي يقرأ حرفياً بأن مجموعة هذه الأوصاف مستحيلة على أية امرأة من جنس البشر.
إلا أنه إن استطاع القارئ إدراك أن وصفاً كالوارد في 31: 22 مصمم عن عمد للتشديد، من خلال صيغة المبالغة، على البهجة التي تدخلها المرأة الفاضلة إلى قلوب أفراد عائلتها، عندها تكون حكمة هذه الأمثال قد حققت غرضها بكفاءة. وهكذا تعلق الكلمات (والصور) في ذهن قارئ النص، وتقدم له إرشادات نافعة عند الحاجة. هذا هو ما قصد الله عمله بواسطة الأمثال.
رابعاً: حاجة بعض الأمثال إلى “ترجمة” تعكس بيئتنا وثقافتنا
هناك عدد لا بأس به من الأمثال التي تُعبّر عن الحق بناء على ممارسة ومبادئ لم تعد معروفة، مع أنها كانت سائدة عند بني إسرائيل في العهد القديم. وإن لم نقم بالتفكير بهذه الأمثال في ضوء ما يناظرها في عصرنا الحديث (بمعنى أن نقوم بترجمتها بكل حرص لما يناظرها من ممارسات ومبادئ في يومنا هذا)، فقد يبدو معناها غير واضح لنا أو غير مختص بنا (انظر الفصل الرابع). تأمل في هذين المثلين (أم 22: 11؛ 25: 24)
وذلك لأن معظمنا يعيش في مجتمعات لا يحكمها ملوك. وأيضاً لم يعد السكن على سطح البيوت مألوفاً في زمننا كما كان في أزمنة الكتاب المقدس، (انظر يش 2: 6). فهل نقول إذاً إن قراءة هذه الأمثال مضيعة للوقت؟ لا طبعاً وعلى الإطلاق خاصة إن استطاع الدارس رؤية الأمور عبر المجتمعات وباللغة الحضارية الخاصة بكل منها.
إن الرسالة الجوهرية للمثل الأول (22: 11) سهلة الاستيعاب شريطة إدراك أن ما يناظر قول المثل “كون الملك صديقه” في أيامنا هذه يصبح شبيهاً بهذا القول “سيكون له تأثير إيجابي على الناس الذين يشغلون مراكز القيادة”.
وهذا المعنى الذي كان المثل يقصده. فكلمة “ملك” هنا مجاز مرسل يُعبر عن كل القادة. إن لغة هذا المثل الرمزية قد استخدمت خصيصاً للإشارة إلى أن القادرة والمسؤولين عادة يتأثرون بالصدق وبالحرص في الكلام.
أما معنى المثل الثاني المذكور أعلاه (25: 24) فهو صعب على الفهم وخاصة إذا قمنا بعمل الترجمة اللازمة له من ثقافة أو مجتمع ذلك العصر إلى ثقافتنا ومجتمعنا نحن.
إذاً يمكننا إعادة صياغته بالشكل التالي: “السكنى في حجرة ضيقة خير من العيش في بيت واسع مع زوجة ما كان ينبغي الزواج بها أبداً”.
تذكر بأن معظم النصائح في سفر الأمثال قد أعطيت لشبان في مقتبل حياتهم، وكانت بمثابة حكمة بالنسبة لهم. ولا يقصد المثل بالحرف أن يقترح عليك ما ينبغي أن تفعله، كرجل متزوج، إذا كانت امرأتك من النوع المخاصم. لكن ما يقصده هو أن تتوخى الحذر عند انتقاء شريك أو شريكة الحياة.
فالاختيار السليم هو ما يدعونا له هذا المثل عبر الحضارات المتوالية، وعندما يتم فهمه جيداً، نرى نصيحة جيدة وصالحة (انظر مت 19: 3-11؛ 1كو 7: 1-14، 25-40). على الجميع أن يدركوا أن الزواج المتسرع، المبني على الجاذبية المظهرية، قد يؤول إلى زواج غير سعيد.
إليك أدناه، لفائدتك، قائمة موجزة ببعض القواعد التي من شأنها أن تساعدك على الاستخدام السليم لسفر الأمثال وعلى بلوغ النية والغرض اللذين أوحى بهما الله في هذا السفر.
1-كثيراً ما تكون الأمثال رمزية أو مجازية بحيث تشير إلى أبعد من معناها الظاهري.
2-الأمثال مادة عملية إلى درجة كبيرة وليست عبارة عن نظريات لاهوتية.
3-لقد تمت صياغة الأمثال لتكون سهلة الحفظ.
4-لم يقصد منها أن تدعم السلوك الأناني بل العكس تماماً.
5-قد تحتاج الأمثال التي تعكس عادة حضارة قديمة إلى ترجمة تقود على ما يناظرها في ضوء ثقافتنا كي لا تفقد معناها.
6-ليست الأمثال صكوك ضمان، بل هي إرشادات شعرية للسلوك الحسن.
7-قد تستخدم الأمثال لإيصالها رسالتها، لغة خاصة للغاية، أو صيغ مبالغة، أو أي نوع آخر من الأساليب البلاغية.
8-عادة ما تقدم الأمثال النصيحة الجيدة لكيفية التعامل بحكمة مع جوانب معينة بحياتنا، لكنها ليست شمولية في نطاقها.
9-قد تؤدي سوء استخدام الأمثال إلى تأييد نوع من الحياة المادية المتطرفة. أما عند حسن استخدامها، فهي عادة ما تقدم نصائح عملية للحياة اليومية.
خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 12 – الحكمة آنذاك والآن
شاهد داعش يبتكر أبشع 4 طرق للإعدام في تاريخ الإنسانية
شاهد داعش يبتكر أبشع 4 طرق للإعدام في تاريخ الإنسانية
شاهد داعش يبتكر أبشع 4 طرق للإعدام في تاريخ الإنسانية
“حرق وذبح وإلقاء من أدوار شاهقة”، كانت أبرز وسائل تنظيم “داعش” لإعدام ضحاياه لإرهاب العالم، ووضع التنظيم في خانة “المرعب”، الذي لا يقهره أحد.
ومع مرور الوقت، تفنن التنظيم في ابتكار طرق إعدام جديدة، لن يكون مبالغ إن تم وصفها بأنها الأبشع في تاريخ البشرية، فالتنظيم يكتب اسمه من حروف من دم في التاريخ البشري، بابتكاره أبشع طرق الإعدام في العالم.
فبعد الذبح عن طريق فصل الرأس عن الجسد، والتي نفذها في الرهائن الأمريكان، عمد التنظيم إلى الحرق حيًا، والتي بدأها بالطيار الأردني معاذ الكساسبة، ثم الإلقاء من الأدوار الشاهقة عقوبة المثلية الجنسية، وأخيرًا وليس آخرًا الصلب وقطع الأطراف قبل الإعدام، حتى يتم تعذيب الضحية لأخر نفس بها.
وفي الأيام الأولى من شهر رمضان أبى التنظيم أن تمر هذه المناسبة مرور الكرام، حيث ابتكر وسائل إعدام أخرى في محافظة نينوي، بشمال العراق.
وتعد الطريقة الأبشع، والتي قام خلالها اتباع هذا التنظيم بربط عدد من العراقيين بحبل من رقابهم، وتم توصيله بديناميت، وتم تفجيره عن بعد؛ لتتناثر أشلاؤهم في الصحراء.
أما الطريقة الثانية: فكانت عن طريق وضع مجموعة أخرى من المواطنين متهمين بالجاسوسية في قفص حديدي، وبدلاً من حرقهم، قاموا بإغراقهم في المياه.
أما الطريقة الثالثة: فكانت من خلال “النسف”، حيث قام التنظيم بوضع عدد من العراقيين متهمين بالتجسس، في سيارة، وتم تقييدهم فيها، وقصفها بـ “آر بي جي”.
ويعتذر الموقع عن عرض الفيديوهات الخاصة بهذه المشاهد المسيئة؛ نظرًا لبشاعتها.
تفجير الرأس بكتل خرسانية وقطع الأيدي … أبشع طرق الإعدام في “داعش” (صور)
أعدم تنظيم “داعش” الإرهابي اثنين من محافظة نينوي في شمال العراق بتحطيم كتلة خرسانية فوق رأسهما؛ لاتهامهما بالسرقة وقتل 3 نساء، وذلك بحسب ما نشرت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية.
وقالت الصحيفة إن التنظيم الإرهابي المروع قتل مسنتين أيضا خلال هذا الأسبوع لاتهامهما بالسحر، وقتلوا شابين متهمين بالمثلية الجنسية.
أبشع طرق الإعدام في داعشأبشع طرق الإعدام في داعشأبشع طرق الإعدام في داعشأبشع طرق الإعدام في داعشأبشع طرق الإعدام في داعشأبشع طرق الإعدام في داعش
لاهوت الكتاب المقدس (الوحي – العصمة) – فادى أليكساندر
لاهوت الكتاب المقدس (الوحى – العصمة) – فادى أليكساندر
لا يُوجد شيء إسمه لاهوت الكتاب المقدس. لا يُوجد فرع من فروع اللاهوت المسيحي يُسمى بذلك الإسم. ولم يعرف آباء الكنيسة شيء إسمه لاهوت الكتاب المقدس. حينما أقول “لاهوت الكتاب المقدس”، فأعنى بذلك الاعتقاد في الكتاب المقدس. لم يكن هذا اللاهوت له وجود قبل عصر الإصلاح، حيث كانت إحدى المبادىء الرئيسية للفكر الإصلاحى هي “الكتاب المقدس فقط” Sola Scriptura. منذ ذلك العصر، أصبح للكتاب المقدس عقيدة ولاهوت حوله هو لذاته.
للأسف، ما قصده لوثر بحصر السلطة الإيمانية في الكتاب المقدس فقط، لم يكن هو المفهوم الذي استمر في التقليد الإنجيلي لمدة خمس قرون. حتى كالفن مؤسس الفكر المشيخي، وهو الفكر الإنجيلي الرئيسي في العالم ومصر، لم يُنادى بسلطة روحية للكتاب في حد ذاته، بل أكد أن السلطة تكمن في الروح والمجتمع الروحي. ومنذ الربع الأخير من القرن العشرين، بدأ اللاهوتيين الإنجيليين في العودة لفهم أصول هذا الفكر اللاهوتي بالتحديد من هذا الحصر.
حينما أقول إن الآباء لم يسلمونا لاهوت واضح للكتاب المقدس، فأعنى بذلك أنهم لم يسلمونا عقيدة واضحة في الكتاب المقدس. لاهوت الكتاب المقدس الذي تطور عبر مائتي عام، هو ثلاثة فروع: الوحي، العصمة، والسلطة. الكتاب المقدس علمنا أنه وحي من الله، والآباء علمونا أنه وحي من الله. لكن الآباء لم يقدموا لاهوتاً واضحاً لهذا الوحي، ولم يشرحوه، ولم يتعرضوا له إلا قليلاً.
أما عقيدة العصمة عند الآباء فلم يكن لها معالم واضحة، ولا نراها بوضوح عند أحد منهم، بل ولا تظهر عند الكثيرين من الآباء. وحتى هؤلاء الآباء الذين تكلموا عن العصمة، لم يذكروها اصطلاحاً وإنما بحسب مضمونها. وبشكل أو بآخر، لا نرى إجماعاً آبائياً على العصمة، ولا على محتواها، ولا مفهومها، ولا على دلالاتها ابداً. أول مناقشة صريحة تظهر عند الآباء حول العصمة بشكل مُفصل، نراها عند بيتر ابيلارد الذي عاش في نهايات القرن الحادي عشر وبدايات القرن الثاني عشر، وقد مارسها بلاهوت سكولاستى بحت. لكن كان كل تركيز الآباء على سلطة الكتاب المقدس، من الناحية العقيدية والروحية والأخلاقية.
هذا يعنى بوضوح: أن هناك من الآباء من اعتقد بان الكتاب المقدس لا يوجد به خطأ، وهناك من الآباء من اعتقد بأن الكتاب المقدس فيه خطأ، ولكن الإجماع العام للآباء هو انعدام وجود لاهوت الكتاب المقدس بشكل عام، أي عدم وجود اعتقاد معين في الكتاب المقدس.
فى هذه الدراسة، سأتناول بشكل منهجى، تطور نظريات الوحي والعصمة، ولن أتعرض لمفهوم السلطة، لأنه مفهوم روحي لا علاقة له بهذه الدراسة النظرية. ولأن مجتمعنا الشرقى كان بعيداً تمام البعد عن هذا اللاهوت، لاهوت الكتاب المقدس، الذي تطور في الغرب، فأغلب هذه الدراسة سيتمركز حول دراسات العلماء الإنجيليين في الغرب. إن أي نقد أوجهه للفكر الإنجيلي لا يعنى ابداً أننى أنطلق من خلفية مسبقة معادية للفكر الإنجيلى.
لقد نشأت في بيت إنجيلى وعشت طفولتى في الكنيسة الإنجيلية، وحتى اليوم مازلت مندمجاً مع الإنجيليين. أنا أقر منذ زمن بعيد، أن العلماء الإنجيليين هم الذين حموا الإيمان المسيحي في الغرب. أمس تصدوا للحداثة، واليوم يواجهون ما بعد الحداثة. في الوقت نفسه الذي لا تعرف فيه الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية شيئاً بالمرة عن هذا الصراع، وتقاعسوا غير عالمين بالأمر. بكل محبة، كما انتقدت الفكر الأرثوذكسى سابقاً، أقدم نقداً أميناً لذلك اللاهوت الإنجيلي الذي حمى إيماننا المسيحى. لذلك أنا ألتمس عفوك عن ضعفى، فسامحنى على جرأتى.
التيارات اللاهوتية
نستطيع تقسيم التيارات اللاهوتية في اللاهوت المسيحي بشكل عام، وحول الكتاب المقدس بشكل خاص اليوم إلى ثلاث أقسام: الأصولية Fundamentalism، المحافظة Conservatism، والليبرالية Liberalism. فالأصولية هي التشدد والتعصب لفرضيات إيمانية سابقة على البحث العلمى، وتفرض نتائج الإيمان على البحث. أما الليبرالية فهى التشدد والتعصب لفرضيات إيمانية سابقة على البحث العلمي أيضًا، ولكن في ناحية مُضادة للإيمان. العامل المشترك بين الأصولية والليبرالية هو أن كلاهما يُوجه البحث. توجيه البحث هو البداية في الدراسة العلمية من حيث يريد الباحث أن ينتهى.
كمثال مُتعلق بموضوع هذه الدراسة: يبدأ الباحث الذي يُوجه بحثه من فرضية إيمانية معينة (الأصولية: نص الكتاب محفوظ لكل حرف فيه – الليبرالية: نص الكتاب مفقود لكل حرف فيه) ويبنى البحث الخاص به على هذه الفرضية، فيوجه مسار البحث ناحية هذه الفرضية. بذلك ينتهى الباحث من حيث أراد أن ينتهى حينما بدأ.
بين هذا وذاك، تقع المحافظة. المحافظة هي تبنى الدليل العلمي بمنتهى الحيادية، وإتباع البرهان إلى حيثما يذهب بالباحث. ما يميز المحافظة عن الأصولية والليبرالية، أمرين هامين: انعدام الفرضية، وتحدى النزعة. أما انعدام الفرضية، فهو أن الباحث يضع العلم فوق اللاهوت، فلا يضع فرضية لاهوتية ثم يُوجه البحث تجاهها. أما النزعة فهى ما يميل له الباحث تلقائياً (وليس عمداً) وعفوياً والتى تتكون من خلال الوسط العلمي للباحث. وتحدى النزعة هو سمة المحافظة دون سواها، لأنه يعنى أن الباحث يختبر نتائج بحثه العلمي في ضوء نزعات أخرى غير نزعته الشخصية.
كمثال: عن طريق البحث العلمي توصل الباحث إلى أن التاريخ يؤكد موت المسيح على الصليب. لكي يتأكد الباحث أن نزعته لم تفرض رؤيتها على منهجية البحث وبالتالي نتائج البحث، عليه أن يختبر هذه المنهجية (وبالتالى النتائج)، في ضوء نزعات أخرى، أي في نتائج قطاعات كبيرة أخرى من الباحثين. إذا تثبتت النتائج في ضوء النزعات المختلفة الأخرى، تأكد للباحث أنه استطاع تحدى نزعته الخاصة، وأن نتائج بحثه هي نتائج علمية لم يتم توجيهها بأى فرضية، ولم تؤثر عليها أي نزعة خاصة.
هذه التيارات اللاهوتية ظهر تطبيقها قبل اسمها، شأنهم شأن أي ظاهرة أخرى. غير أن المحافظة لم ترفض الليبرالية لمعاداتها للإيمان، وإلا فلما رفضت الأصولية التي تحامى عن الإيمان؟ إنما الرفض جاء من المنهجية المتبعة، واتخاذ الفرضية السابقة على البحث، وتغزية النزعة بدلاً من تحديها. أسباب الرفض هذه ذاتها، هي نفس أسباب رفض الأصولية أيضًا.
أساس الإيمان
فى اللاهوت التاريخي بأكمله، لا نجد سوى أساس واحد فقط للإيمان. هذا الأساس هو الاختبار الروحي، وليس سواه. إن كل طريق آخر للإيمان، هو طريق متعرج وغير صالح للوصول الآمن إلى ملكوت الله. لذلك لا يصح القول بأن الإيمان يُبنى على الكتاب المقدس، ولا على أي وسيلة أخرى. هذا يعنى أن الإيمان في المسيح، وليس في النص. كل إيمان يُبنى على النص، ويُبنى على الفكر، هو إيمان نظرى لا يُفيد إنساناً.
لكن المقابلة الروحية مع المسيح، الإله الذي كان ميتاً لكنه حى منذ الأزل وإلى الأبد، هي الإيمان ذاته. الاختبار الروحي ليس عاطفة، ولا هو مشاعر سيكولوجية تسيطر على الإنسان في حالة هياج وجداني. لكن هذا الاختبار حقيقة، وواقع، يستطيع الإنسان أن يلمسه بمجرد أن يتخذ القرار.
مناهج الإيمان إثنين: المنهج النظري، والمنهج الواقعي. الأول هو الإيمان بسبب دوافع عقلية ومنطقية ونظرية بحتة، والثاني هو الإيمان بسبب دوافع حقيقية وواقعية وملموسة. لا يُوجد مانع من البداية بالمنهج النظري، ولكن إن لم يكمله المنهج الواقعي، فهو إيمان ميت لا حياة فيه. كمثال، المنهج النظري هو الإيمان أن يسوع قام من الأموات لأن التاريخ يؤكد فعلاً أنه قام، بينما المنهج العملي هو الإيمان أن يسوع قام من الأموات لأن الفرد تقابل معه ولمسه حياً في حياته، وذلك في اختباره الروحي.
لكن ليس معنى أن الاكتفاء بالمنهج النظري يُنتج إيماناً ميتاً، هو أن هذا المنهج لا نفع منه. منافع هذا المنهج كثيرة جداً، حتى أنها في غالبية الحالات تتوج هذا المنهج النظري بالبداية في المنهج العملي. هناك شعور دفين في أعماق الإنسان، يعرفه كل من فحص التاريخ وتأكد من بياناته، أن لحظة التأكد من النظريات، تنتج حالة من الرهبة والخوف. الخوف من الواقع، لأن الواقع يتطلب مسئولية.
الاختبار الروحي، أساس الإيمان، هو مسئولية كبيرة وشاقة، وليس بهذه السهولة. في هذا الاختبار يقرر الباحث أن يدخل من الباب الضيق، وكل باحث قبل أن يدخل يعرف جيداً كم أن هذا الطريق شاقاً وصعباً. بكلمات أخرى، الحياة مع المسيح مسئولية، وليست هينة. هذه المسئولية هي الدافع الأول لرفض عمل الله في التاريخ البشرى، لأن الإنسان بغريزته الطبيعية يرفض الله ويرفض التبرير والقداسة في المسيح.
لكن الله كان واضحاً مع الإنسان، أنه بدون القداسة لن يرى أحد الآب (عب 12: 14). هذا الحمل الثقيل، يرهبه ويخافه كل باحث جداً لحظة أن يتأكد من مصداقية التاريخ.
للأسف، دائماً ما يحاول الإنسان أن يغلف رفضه الروحي بعوامل وأسباب عقلية. تعدى البرهان وكسره، ليستطيع التملص من المسئولية التي عليه أن يتحملها إذا ما أتخذ القرار. لأن الأخلاقيات التي تفرضها العلاقة مع الله، يتخيلها كل باحث في البداية شبه مستحيلة، تصبح هي العائق الرئيسي بينه وبين تحدى النزعة، خاصةً في الاتجاه الليبرالي. لكن على مستوى العامة، يكون الوضع أصعب بكثير. إحدى المرات قالت لي صديقة أنها تعاني من مشكلة ضخمة مع خطيبها، إذ أنه ترك الإيمان وألحد.
تكلمت مع هذا الشاب لأعرف لما ألحد، فحاول بكل الطرق أن يُوحى لي بأنها أسباب عقلية هي التي دفعته للتخلي عن الإيمان. لكن للأسف، لم يكن يعرف شيئاً عن البحث العلمي في المسيحية، وكل أسبابه ظهرت أمامي كمن يريد حجة ويبحث عن سبب ليتخلى عن الله. فسألتها عن شكل حياته، وأدركت أنها المشكلة الأخلاقية. كم كنت حزيناً أن أرى إنساناً يرفض الله لأجل متع دنيوية زائفة، ولا يهتم لدموع إنسانة أحبته بكل كيانها!
النتيجة واحدة، سواء على مستوى الباحث أو على مستوى الإنسان العادي. فكلاهما يضع الفرضية ويغذى النزعة، فيصل إلى معانقة المشكلة الأخلاقية ويبتعد عن الله، مُغلفاً هذا الابتعاد بالأسباب العقلية التي يوهم نفسه بها.
كان هذا عن الليبرالية، ولكن نفس الأمر يحدث مع الأصوليين، ولكن مع تغييرات بسيطة. فالله يصبح كالشرطي، بحسب الأصوليين، يبحث عن ثغرات وسقطات في حياة الإنسان لكي ينزل به أشد أنواع العقاب وينكل به. هذه الصورة المرعبة تساهم بشكل رئيسي في تولد الخوف والرعب لدى الباحث، وينطلق منها مُوجِهاً بحثه، في محاولة لتلاشى هذا الإله المرعب. هذا التشويه يمتد لكل أساسيات اللاهوت المسيحي، ولكن أشهر مثال هو صورة الله بحسب الأصولية.
من ضمن التشويهات الرئيسية الأخرى التي قام بها الأصوليين، هو تشويش أساس الإيمان. مارتن لوثر لم يكن يهدف بحصر السلطة في الكتاب المقدس فقط أن يعزل الكتاب عن الوسط الذي نما فيه هذا الكتاب، وإنما عن السلطة البابوية في روما، وإخراج الكتاب للشعب المسيحي في الغرب.
ولكن الأصولية شوهت هذا المفهوم لزمن طويل، حتى بدأ اللاهوتيين مع بداية القرن العشرين – خاصةً علماء معهد برينستون بنجامين وارفيلد وتشارلز هودجز – في مراجعة المفاهيم الأصولية عن سلطة الكتاب المقدس. ومنذ السبعينات، عكف اللاهوتيين الإنجيليين، وخاصةً في كندا، على مراجعة لاهوت لوثر، ومقارنته بلاهوت الأصولية.
تأثير الأصولية على أساس الإيمان، لا يقل خطراً عن تأثير الليبرالية. ففي الأصولية تحول أساس الإيمان من المسيح إلى الكتاب المقدس. في الشرق، يظهر هذا التأثير في قمة قوته، بينما لا نرى أثراً لليبرالية إلا نادراً. يظهر هذا بوضوح مع مراجعة تاريخ الإرساليات الأميركية إلى الشرق العربي في القرن التاسع عشر بشكل خاص.
هذا العامل، والذي شعرت الكنائس التقليدية بخطره بشكل مباشر لم يتكرر مرة أخرى، بالإضافة إلى تأثير الثقافة الإسلامية المحيطة حول عقيدة المسلمين في تنزيل نص القرآن، ساهما بشكل متضخم جداً في ترسيخ المبادئ الأصولية وتشوش أساس الإيمان، بل وفي تشوش المفاهيم اللاهوتية التي نستطيع استقراءها من الكتاب المقدس، حول ماهية وحيه.
واليوم، نرى ثمار نمو هذا الفكر المُشوش، بإحلال مسيحيي الشرق للكتاب المقدس بدلاً من الاختبار الروحي والمقابلة مع المسيح القائم من الموت، كأساس للإيمان. نتج عن هذا تحولات كبيرة وكثيرة في الفكر اللاهوتي بشكل عام في الكنائس الشرقية.
إعادة بناء اللاهوت
إن أشد ما نحتاج إليه الآن في هذا الزمان، هو أن نعيد النظر فيما توارثناه من تقاليد خاصة، ومفاهيم غريبة، وتفاسير شخصية لنص الكتاب المقدس. ما تحتاج إليه الكنائس الشرقية، وخاصةً كنائسنا في مصر، هو مراجعة لاهوتها في ضوء الفكر الأصولي، وتنقيته من كل الشوائب التي لحقت به. حتى الكنيسة الإنجيلية في مصر، عليها أن تواكب الفكر الإنجيلي العالمي. للأسف، نحن المسيحيين في الشرق بحاجة إلى بناء لاهوتنا متكاملاً، وليس فيما يخص الكتاب المقدس فقط.
عقيدتنا في الثالوث، تاهت وأصبحت مشوشة، وأصبحنا لا نعرف عن الثالوث سوى شمس وضوء وحرارة! وعقيدتنا في فداء المسيح لنا، محت الهوية الأرثوذكسية وأحلت بدلاً منها النظرية الإنجيلية في الفداء القانوني. فلتؤمن كل كنيسة بعقيدتها التاريخية، وليكن الاختلاف قائماً ولكن لتلتزم كل كنيسة بهويتها. ما يملأنى حزناً وكآبة على الكنائس الشرقية كافةً، أنها نسيت قيامة الرب يسوع من الموت. نسينا قيامة الرب كشفاء البشرية، ونسينا قيامة الرب كتحرير للبشرية من الناموس، وبالأكثر نسينا قيامة الرب يسوع كتأكيد واضح ومباشر على حقيقة تصريحاته كابن الله.
لقد ظهر في هذا الجيل رجالاً من الله، أعادوا بناء اللاهوت بشكل مستقيم بما يتناسب مع الهوية المسيحية، وأظهروا التعليم الآبائي المستقيم. لم يكن ذلك في الكنائس التقليدية فقط، بل أرسل الله للكنيسة الإنجيلية رجالاً علماء أشداء. وللأسف الشديد، رفضنا هؤلاء الرجال القديسين، ورفضنا علمهم، ورفضنا لاهوتهم وتكبرنا عليهم. لقد نطق المسيح حقاً حينما قال: “لَيْسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَةٍ إِلاَّ فِي وَطَنِهِ” (مت 13: 57؛ مر 6: 4).
لست أدعى أننى أحد هؤلاء الأبرار المعاصرين، بل أعرف في داخل نفسي كم أن قلبي قاسى ورفض الرب وعمله كثيراً، وموقن أننى لست سوى خاطئ تمرر في الخطية كثيراً ورفض نعمة الرب زمان هذا قدره. لست أدعى أننى مصلح لاهوتي، ولست أدعى أننى عالم في أي مجال مسيحي. ولكن كل دراساتي بما فيهم هذه الدراسة، هي مجرد محاولات واجتهادات أشرح فيها بعض الأفكار التي أتوصل لها.
لست أدعى أن ما أقوله هو حق مطلق، لكننى مقتنع بكل حرف أكتبه. هذه رؤيتي، وهذا ما تعلمته من علماء المسيحية، وأنت لك عقل تستطيع به أن تميز. أنا لا أفرض رؤيتي عليك، ولا أقول لك أنك يجب أن تقبل ما كتبته وما سأكتبه. هذا مجرد طرح أؤمن به، وأنشره فقط، ولكن لا أقصد به سوى أنه رؤيتي التي تعلمتها من العلماء وكتاباتهم.
فليعيننا الله أن نستنير بإنجيل المسيح.
الوحي
بعد هذه المقدمة الطويلة، أعود وأكرر أن آباء الكنيسة لم يعرفوا عقيدة محددة في الكتاب المقدس، سوى أنه كلمة الله. هذه البساطة في الإيمان بالكتاب المقدس ككلمة الله، لم تحتاج إلى تعقيد بالغ ينتج عنه بناء لاهوت متكامل حول الكتاب المقدس. ولكننا أصبحنا في عصر يستلزم فيه أن نوضح ونفصل حول ماهية إيماننا وعقيدتنا في الكتاب المقدس. لكن هذا التفصيل لا يبدأ من الكتاب المقدس نفسه، بل يبدأ من المفهوم البدائي: الوحي.
مفهوم “الوحي” له دلالات كثيرة وأشكال كثيرة، ولكن رغم هذه الأشكال والصور الكثيرة، فجوهر معناه واحد: أن الوحي في المفهوم الديني، هو اتصال الله بالإنسان. هناك ثلاث مصطلحات تُترجم بالعربية إلى “الوحي”، لكن لها ثلاثة أشكال مختلفة:
المصطلح الأول: Revelation. هذا المصطلح يُشير إلى إظهار الله لنفسه وإعلانه عن نفسه للإنسان. قد يكون ذلك الإعلان في الرؤيا، في الحلم، أو عبر أي طريق آخر.
المصطلح الثاني: Inspiration. وهذا النوع هو وحي الكتاب المقدس، والذي نقصد به أن الكتاب المقدس هو كلمة الله التي أوحى بها لبعض الرجال القديسين، فدونوها في الكتاب المقدس، أي كانت الطريقة وبأى وسيلة وبأي شكل.
المصطلح الثالث: Illumination. وهو عمل الروح القدس بداخل كل إنسان، ليرشده ويقوده أثناء قراءة الكتاب المقدس، للوصول إلى المعنى الصحيح للنص.
هذه التصنيفات تختلف في أشكالها ووسائلها، ولكنهم جميعاً وحي من الله للإنسان. فالإعلان الإلهي (وهو يختلف عن الظهور الإلهي أو الثيؤفانيا ولا يجب الخلط بينهم)، هو اتصال بين الله والإنسان، وهو وحي، ولكنه يختلف عن الكتاب المقدس ككلمة الله، وهو وحي أيضًا، والإثنين يختلفان عن إرشاد الروح القدس، وهو وحي أيضًا. الثلاث أشكال يتفقون في جوهرهم على أنهم اتصال مباشر وحقيقي بين الله والإنسان، وهذا الاتصال في حد ذاته هو الوحي. ولكن الثلاثة يختلفون في طبيعتهم ووسائلهم. ما سأتحدث عنه هنا هو وحي الكتاب المقدس.
الإيمان المسيحي الراسخ في اللاهوت التاريخي، والثابت من جذوره، حول الوحي، هو أن الله تعامل مع الإنسان، وجعله شريكاً في عملية الوحي. نحن لا نعرف بالضبط كيف تمت عملية الوحي، لهذا فالوحي لا يُسمى “عقيدة كتابية”، لأن الكتاب لم يعلم عنه سوى وجوده، لكننا نستطيع استقراء بعض الملابسات والمعلومات من الكتاب المقدس حول ماهية الوحي، لهذا الوحي يُسمى “عقيدة لاهوتية”.
لقد شرحت سابقاً نصوص الوحي في العهد الجديد، فلا أريد أن أتعرض لها ثانيةً الآن. لكن سوف أقوم بالتركيز على كيفية فهم وحي الكتاب المقدس، والنظريات التي نشأت حوله. وحينما أتكلم عن النظريات هنا، فلا أتكلم عن نظريات الوحي العامة، بل على طرق وحي الكتاب المقدس. في الحقيقة، أسلوب وحي الكتاب المقدس ليس واحداً في كل أجزاؤه، وهناك نظريتين رئيسيتين عن شكل الوحي المُقدم في الكتاب المقدس.
نظريات الوحي الخاص
النظرية الأولى “الخبرة النبوية”: وهذه النظرية تعنى أن الكتاب المقدس يحتوي خبرات الأنبياء أثناء حديثهم مع الله سواء في رؤية، حلم، أو عبر ملاك، أو عن طريق الحديث المباشر مع الله. فبعدما اختبر الأنبياء الله، قاموا بتسجيل هذا الاختبار ودونوه في سجلاتهم، التي أصبحت كتباً مقدسة فيما بعد، لأنها تحوي مذكرات هؤلاء الأنبياء عن هذه الأحداث الفريدة التي تمت.
يصاحب هذه الخبرة دائماً، أقوال وتعليمات مباشرة من الله، وهي تلك الأقوال التي يكررها الأنبياء مرة أخرى على المستمعين، ومن ثم تتم كتابها ليتم تداولها ونشرها بشكل أوسع. نستطيع أن نرى بالمقارنة، أن الأنبياء لم يلتزموا دائماً بالرسالة التي تلقوها حرفياً، بل بعض الأحيان عبروا بأسلوبهم الخاص، فأضافوا أو حذفوا قليلاً، بحسب الحاجة.
وفي هذه النظرية يجب وضع عدة اعتبارات: أن هذه النظرية خاصة ببعض النصوص القليلة فقط، وغالباً ما تكون في العهد القديم والتي تحتوي على بعض التعبيرات مثل: “وقال الرب” أو “وكانت كلمة الرب” ومثل هذه التعبيرات فقط، وأن هذه النظرية قد يكون بها نوع من الإملاء ولكن لا يُوجد ضرورة للالتزام بالحرفية المطلقة، وأنها نادرة جداً في العهد الجديد خارج سفر الرؤيا.
النظرية الثانية “قيادة الروح”: وهذه النظرية تعنى أن في كافة نصوص الكتاب المقدس، كان عمل الروح القدس شاهداً، وموجوداً، ومتداخلاً مع الكاتب. هذا العمل يتمثل بالكامل في أسفار الكتاب المقدس كلها، وبكافة أنواعها. لكن بتغير النوع الأدبي Genre لكل سفر، يتغير شكل عمل الروح القدس.
فالأسفار التاريخية التي تسرد تاريخاً، يختلف عمل الروح فيها عن الأسفار الشعرية، وكذلك عن بقية الأنواع الأدبية الموجودة في الكتاب المقدس. قيادة وعمل الروح كعامل رئيسي في الوحي، امر يختلف عن التلقي المباشر من الله.
لأننا بذلك نعنى أن عملية التدوين (البحث في المصادر الشفوية والمصادر المكتوبة، عمليات التسجيل والتوثيق، إجراءات التنقيح في مراحل ما قبل النشر…إلخ) قد تمت بقيادة الروح القدس. هذا يعنى أن العامل الإنساني لم يكن عملاً حراً بحسب إرادة الإنسان، وإنما بحسب إرادة الروح وقيادته للكاتب.
هاتين النظريتين عامتين بشكل كبير وواضح، ونحتاج فيهما إلى بعض التفصيل، خاصةً النظرية الثانية. لكي يكون كلامي واضحاً ومفهوماً، سأضع تصور للنظريتين بحسب الواقع الكتابي، للأولى من العهد القديم، وللثانية من العهد الجديد:
· التصور الأول:
أن يختار الله أحد الرجال القديسين، والذي يُرفِعه الله لمنزلة النبوة. ثم يعطى رسالة مباشرة لهذا النبي، عن طريق عدة وسائل: الظهور، الرؤيا، الحلم، الملاك…إلخ. يكون النبي في حالة وعى تام وهو في عملية الوحي، لأنه يقوم بعد ذلك بنقل هذه الرسالة، مما يؤكد أنه يكون واعياً لما يراه ويسمعه. يبدأ النبي مهمته بنقل هذه الرسالة للشعب، وغالباً هو يقوم بتكرارها، أي بإعادتها مرة أخرى، مما يعنى وجود نسبة عالية من الحرفية مرة لدى النبي، لأن نقل الرسالة غالباً ما يكون بمجرد تلقيها.
في أثناء نقل الرسالة قد يستخدم النبي أسلوبه الخاص، فيُضيف أو يحذف بحسب ما يحتاج إليه الأمر، لتصل الرسالة بشكل واضح، ويفهمها جميع الشعب. ثم بعد ذلك يتم كتابة هذه الرسالة التي ألقاها النبي على المستمعين، ثم تُسجل في وثائق، ويتم نشرها بشكل أوسع وأشمل، فيحصل عليها كل أفراد الشعب.
· التصور الثاني:
من الصعب تحديد كيفية عمل الروح بالضبط، ولكن يُمكننا تصوره على أنه إرشاد وجداني داخلي، أو متابعة عقلية مستمرة طيلة أداء العنصر البشرى لدوره. فيقوم البشير بمحاولة جمع كافة المصادر التي يصل لها عن طريق جهده الذاتي، وبالبحث والتقصي حول المعلومات التي تصله، فيتيقن صحتها، ويتثبت من مصداقيتها، ثم يبدأ في عملية مراجعة هذه المصادر، وتنقيحها من أي شوائب إن وُجِدت.
بعد ذلك تأتى مرحلة التدوين والتسجيل، وفي هذه المرحلة يكون هناك عدة مستويات من التأليف والتنقيح والمراجعة. وأخيراً ينتهي الكاتب من صياغة الإنجيل الذي يكتبه. في كل هذه المراحل يُمكننا أن نلمس دور مستمر للروح القدس في المتابعة والمباشرة والإرشاد، فرغم أننا نلاحظ الدور البشرى بوضوح في الوحي، إلا أننا نؤمن يقيناً أن الروح كان مُظللاً لهذه العملية طيلة فترتها.
هذا لا يعنى أننا لا نجد تدخلاً مباشراً بين الروح والكاتب، بل نجد ذلك واضحاً في نصوص كثيرة، مثل أن يقوم الروح بإعلام الكاتب بما حدث خلف الأبواب دون أن يكون موجوداً.
أحد المشكلات الرئيسية للوحى هي أننا لا نعرف كيف تم بالضبط. كل ما قام به العلماء هو اجتهادات لتفسير ما يمكن أن نعلمه عن الوحي من خلال الكتاب الذي بين أيدينا. وبالتالي لا نستطيع أن نقول على وجه الدقة كيف تمت عملية الوحي. لكن هذا لا يعنى أننا لا نستطيع أن نقول شيئاً على الإطلاق؛ بل هناك بعض الأساسيات التي لا يمكن الشك فيها. أثناء عملية الاستقراء، يتبين لنا بعض الحقائق الثابتة في كافة النصوص المُختبرة في الوحي.
من هذا الاستقراء نستنبط التالي، حول عملية الوحي:
الوحي كان عملية مشاركة متبادلة بين الله والإنسان، تمت في مجموعة من الحدود والإطارات، دون طغيان الله على الإنسان ولا طغيان الإنسان على الله.
الوحي لم يكن عملية إملائية، وإنما كان إحلالاً لجوهر فكر الله في كلمات الإنسان. هذه الكلمات أصاغها الإنسان بأسلوبه، وبحسب ثقافته، وبحسب مصطلحات المجتمع الذي يعيش فيه.
الوحي لم يلغى البحث التاريخي، بل شجعه، وحفز الكتبة على البحث والتقصي حول المعلومات المُسجلة والتيقن منها.
الوحي كان صريحاً ومباشراً في بعض العبارات، مثل أن يقول نبي “وقال لي الرب…”، وقد يكون غير صريحاً كما في بقية الكتاب المقدس.
وحي الكتاب المقدس يهتم بالجوهر لا بالظاهر، وتم ذلك بعدة أشكال. كلمات يسوع في الأناجيل ليست هي كما نطقها يسوع بالحرف، وإنما هي جوهر ما قاله يسوع.
الوحي هو وحدة واحدة وغير قابل للتجزئة على نصوص كل كتاب من كتب الكتاب المقدس، فلا يُمكن أن يُضاف للوحى ولا يُمكن أن يُحذف من الوحي لأنه ليس نصياً.
هذه بعض الاستنباطات التي نصل لها عن طريق دراستنا لنصوص الكتاب المقدس، بهدف تعيين ماهية الوحي الإلهي. لكن هذه النتائج يترتب عليها بعض الأمور:
أن الكتاب المقدس فيه عنصرين: عنصر إلهي وعنصر بشرى.
أن الكتاب المقدس يضم بين دفتيه كلمة الله والحقائق التي أعلنها لنا من خلاله، عن نفسه وعن تاريخ تعامله مع البشر.
أن الكتاب المقدس هو إعلان الله بشكل طبيعي، دون إعجاز ودون أي أمر خارق للطبيعة، عدا في الرؤى.
نظريات الوحي العام
هذه النتائج وهذه العناصر التي نصل لها، لم يتم تفسيرها بشكل مُوحد من قبل العلماء المسيحيين في كل الأزمنة. هذا البحث المسيحي في وحي الكتاب المقدس، والذي يستمر مداه لأكثر من مائة وثلاثين عاماً، أوجد لدينا ثراءً من المواد، سواء العلمية أو التطبيقية. أدت طرق الوحي هذه إلى عدة نظريات أخرى في تشكيل عقيدة عامة للوحى الإلهي للكتاب المقدس. سأتناول فيما يلي أشهر أربع نظريات، ومن ثم تقديم المنافسة بين النظريتين الأكثر انتشاراً غير أولئك الأربعة.
الوحي التاريخي:
أي أن الله قد أوحى بالأحداث التاريخية للكاتب، وقام بإرشاده لها، ويدخل في ذلك عنصر الإملاء إلى حد ما. ذلك لأن الكاتب لم يكن معاصراً للأحداث التاريخية التي لم يسجلها. أما النص فهو من الكاتب، وليس من الله ولم يكن مُوحى به. من اللاهوتيين الكلاسيكيين الذين اعتقدوا في هذه النظرية: جون بالى، ديفيد كيسلى، وجيمس بار.
مشكلة هذه النظرية متعددة الأطراف؛ فهي تحصر الوحي فقط في التاريخ وليس في النص، بينما غالبية كتب الكتاب المقدس لا علاقة لها بالتاريخ، ومع ذلك هي وحي. من ناحية أخرى، هذه النظرية تقوم بإلغاء أحد الحقائق الثابتة عن الوحي الإلهي، وهو أن الإنسان عنصر فيه.
الوحي الداخلي:
هذه النظرية ترى وحي الكتاب المقدس على أنه مجرد خبرات ونظرات ثاقبة لرجال ذو ثقافة دينية عالية، ولديهم المقدرة على التعبير عن مشاعرهم والحقائق التي يرونها في أسلوب شعري أو أسلوب بلاغي فقط. هذه النظرية لا تقول فقط أن الكتاب مُوحَى به من الله، ولكن الكتاب أيضًا مُوِحى لبقية البشر. فكان ختام النظرية أنه لابد من الربط بين الوحي والإيحاء. هذه النظرية لها عدة مشكلات رئيسية.
بكل الأشكال، الكتب الشعرية والأسفار البلاغية هي جزء قليل من الكتاب المقدس، فما هو وضع بقية الكتب بالضبط؟ مشكلة أخرى، أننا نستطيع لمس حقيقة الوحي الإلهي في الكتب التي لا تُوحِى بشيء على الإطلاق. هذه النظرية عبر عنها الألماني المعروف شيلماخر.
الوحي العقيدي:
أي أن العقيدة فقط، وخاصةً النصوص العقيدية، هي التي أوحى بها الروح القدس فقط، وبقية النصوص من عمل العنصر البشرى. المشكلة مع هذه النظرية ضخمة جداً، لأنها لا تنطلق من أساس فلسفي، بل أساس إيماني بحت.
فكيف يُمكن فصل النص العقيدي عن سياقه؟ وكيف يُمكن أن نعتبر الكتاب المقدس كتاب عقيدي فقط، في الوقت الذي يظهر فيه الكتاب المقدس في المقام الأول كوثيقة تاريخية، تشتمل في أغلب أجزائها على تاريخ علاقة الله بالبشر! بل حتى أن هذه النظرية تلغى دور العنصر البشرى في عملية الوحي ذاتها، حتى وإن كانت لا تلغيه في عملية تسجيل وتوثيق هذا الوحي.
الوحي الجدلى:
هذه النظرية تقول بأن وحي الكتاب المقدس لا يكمن في داخله، وإنما في فاعليته أثناء عمل الروح القدس بداخل الإنسان. بمعنى أن الكتاب مُوحى به بالفعل في كافة أجزاؤه، لكن في حالة وضع الكتاب المقدس في اعتباره بجانب عمل الروح القدس، يظهر هذا الوحى. أما إذا قرأ الفرد الكتاب المقدس لأى هدف آخر غير المعرفة الوحية، يفقد وحيه بشكل فعلى وليس قيمى فقط.
المشكلة مع هذه النظرية واحدة ولكن رئيسية، وهى أنها تقول بأن الإنسان إذا أقترب من الكتاب المقدس بشكل غير روحي، فإن الكتاب لا يعود وحياً ثانية. هذا غير حقيقى، لأن الإنسان وحالته ليست هي المعيار، وانعدام الحالة الروحية لا يُوقِف الكتاب كونه وحياً من الله. هذه النظرية أيدها كارل بارث، أكبر لاهوتى في القرن العشرين.
هذه النظريات الأربعة، كلها نظريات ناقصة. لو دققنا أكثر، سنجد أن المؤيدين لتلك النظريات، أوجدوا فكرهم من خلال مجال تخصصهم في الكتاب المقدس. كل نظرية من هذه النظريات وحدها ناقصة، ولكن إذا وضعناهم معاً سنجد نطاق أكبر مقبول لما يمكن أن نستشفه عن وحي الكتاب المقدس. ومع ذلك، فترتيب هذه النظريات معاً احتاج إلى تنسيقهم في شكل أوسع ليشمل كل النواحى. مع ترتيب هذه النظريات معاً، خرج لدينا نظريتين رئيسيتين، هما اللتين نجدهما اليوم.
الوحي اللفظى التام
الوحي اللفظى التام Verbal Plenary Inspiration هي أشهر عقائد الوحى. بقولنا “اللفظى” نعنى أن كل كلمة في الكتاب المقدس، قد كتبها كتبة الأسفار بإرادتهم، ولكن الله هو الذي حددها وأختارها. في نفس الوقت، لا نقول أن الله أملى الكتبة هذه الكلمات. أي أن الله اختار هذه الكلمات، لكنه لم يمليها على الكتبة، بل تركهم هم يصلون لها ويكتبونها بإراداتهم الحرة. وبقولنا “التام”، نقصد أن كل الكتاب المقدس بهذا الشكل، شاملاً كل جزء فيه وكل كلمة فيه.
بهذا الشكل، يُمكننا أن نعيد تكوين عملية الوحي كالتالى: أن الله اختار رجال قديسين، جعلهم مؤتمنين على كتابة كلمته التي يريد إيصالها للبشر. في لحظة معينة لا نعرف تفاصيلها ولا دقائقها، أوحى الله بكلمته في جوهرها وموضوعها ومغزاها وهدفها، إلى الإنسان. ثم حدد الله الكلمات التي سيستخدمها الكاتب بحسب خلفيته وثقافته، وتركه يكتب بطريقته الخاصة. هنا يجب أن ننتبه إلى ملاحظة هامة وخطيرة جداً: أن الله لم يوحى بهذا الحرف ابداً، ولم يمليه على الكتبة، ولم يتدخل في شخصيات الكتبة، وإنما اختار الكلمات وترك الكتبة يصلون لها.
المشكلة التي يسقط فيها الكثيرين، حتى من الإنجيليين المؤمنين في الغرب، هو تخيل أن اختيار الله للكلمات يعنى أنه قام بتحديد ما الذي سيكتبه الكاتب. في نفس الوقت، لا يمكن تخيل وجود وحي لفظى دون اللجوء إلى نظرية الإملاء. هذا ليس ما لاحظته أنا فقط، بل ما لاحظه علماء كثيرين. رغم هذا، فهناك رفض قوى ومُستغرب لقضية الإملاء من قِبل المؤمنين بالوحي اللفظى التام. هناك قطاع كبير لا يرى فرق بين الوحي اللفظى والوحي الإملائى، ولكن بحسب دراستى، أستطيع أن أرى عدة فروق في العملية نفسها.
دعنى أعطيك مثالاً: أشهر تطبيقات نظرية الوحي اللفظى التام، هو أن إرادة الإنسان لم تخالف إرادة الله في اختيار الكلمات. في هذا النموذج سنجد إرادتين، وسنجد رغبتين للإرادتين، ولكن النتيجة واحدة، لأن الرغبتين في الحقيقة رغبة واحدة فقط. هكذا، لا يكون هناك تعارض بين انعدام الإملاء ووحى الكلمات ذاتها. لكن المشكلة الحقيقة تكمن في شكل المُنتج النهائى. لو نظرنا لهذه النظرية ببعض التأمل، سنجد أنه لا فرق بينها وبين الإملاء في النتائج.
المُنتج النهائى في نظرية الوحي اللفظى التام هو أن الكتاب المقدس مُوحى به حتى أدنى كلماته، والمُنتج النهائى في نظرية الوحي الإملائى هو أن الكتاب المقدس مُوحى به حتى أدنى كلماته.
المؤمنين بنظرية الوحي اللفظى التام، يُصِرون على أنه حتى لو كان لا فارق في النتيجة بينها وبين الإملاء، فإن العملية نفسها لم تكن إملائية. كيف هذا؟ لا نعرف بالضبط. كما سأشرح في نهاية هذه الدراسة تفصيلياً، فإن عملية الوحي نفسها تخرج عن حدود فهم العقل البشرى. كما أن يسوع المسيح هو إله وإنسان في نفس الوقت، كذلك الكتاب المقدس إلهى وبشرى في نفس الوقت.
نحن لا نستطيع أن نفهم كيف أن يسوع المسيح إله وإنسان معاً، رغم أننا نقر بهذه الحقيقة؛ كذلك الكتاب المقدس، لا يُمكننا فهم كيف أنه إلهى وبشرى في نفس الوقت، رغم أننا نقر بهذه الحقيقة.
الأسباب التي يُصِر لأجلها المؤمنين بهذه النظرية عليها، لا يُمكن ربطها بالإعلان الإلهى، لأننا أصبحنا نتحدث في مرحلة تتعدى البرهان الكتابى الصريح، وحتى البرهان الاستقراءى. لكن الأسباب الرئيسية للتمسك بوحى اللفظ، هما سببين: سبب لاهوتى وسبب فلسفى.
السبب اللاهوتى هو الخطية. وضعت الخطية حائلاً وحاجزاً بين الله والإنسان، لذلك كان لآثار الخطية رؤية معينة في المجتمع الإنجيلي في الغرب في العنصر الإنسانى في الكتاب المقدس. فبسبب أن للخطية تأثير جزرى على علاقة الإنسان بالله، وأدت إلى كسر هذه العلاقة، فقد استحال على الإنسان الوصول مرة أخرى لله بمجهوده الذاتى. لذلك كانت المبادرة من الله، لأنه هو القادر، وكان على الإنسان الاستلام والتلقى.
ولأن الكتاب المقدس هو رسالة الله لخلاص البشرية، ولأن خلاص البشرية بحسب خطة الله هو عمل يقينى، فلم يكن بمقدور الإنسان الساقط أن يُساهم فيه، وكان على الله أن يقوم باختيار الرسالة واللفظ معاً بدقة، حتى يكون هناك ضمان ليقين خلاص الإنسان.
السبب الفلسفى هو الخوف من مذهب الذاتية الفلسفى. بدون تعقيد، هذا المذهب ينادى باستقلالية الطاقة الإنسانية، وهو ما يتعارض مع المفهوم الأنثروبولجى المعروض في السبب الأول. فلأن استقلالية العنصر البشرى يُبعِد الخلاص الإلهى عن المركز، بالإضافة إلى إبعاده مفهوم اليقين في الخلاص عن مركزية خطة الله. هذه الأنثروبولجية تؤكد على أن الإنسان لا يد له في الخلاص، وبالتالي فهو لا يستطيع أن يقدم شيئاً لخلاص نفسه.
لا أريد أن أقدم نقداً لهذه النظرية، حتى وإن كنت لا أؤمن بها. لكن أريد أن أقدم نقداً للأسباب التي تقف وراء الإصرار على وحي اللفظ:
اولاً: الخطأ الرئيسى في هذه النظرية، هو اعتماد الكتاب المقدس، كهيئة خلاص الله المُقدم للبشرية. هذا الخطأ الشائع، كما أشرت في البداية، يجعل الخلاص في معرفة الخلاص، وليس في الخلاص في ذاته. التعليم بأن معرفة الخلاص (معرفة المسيح) هي التي تُخلِص، وليس الخلاص نفسه (المسيح)، يتناقض مع تعليم الكتاب المقدس، بل وحتى مع التعليم الأنثروبولجى الإنجيلى. بهذا نحن نجعل الإنسان هو سيد قرار الخلاص، بحسب معرفته، وليس في عمل المسيح الشامل. مثال على هذا الاحتجاج هو كل فرد عاش قبل إتمام عمل المسيح. كل فرد عاش على رجاء المسيح لم يعرف بخلاص المسيح، وإنما مات على الرجاء. وبالتالي فخلاصه في العمل وليس في معرفته الشخصية بهذا العمل.
ثانياً: هناك خلط بين الحقيقة ويقين الإنسان من الحقيقة. الكلمات التالية تُعبر عن واقع نظرى ولا علاقة لها بالواقع الروحي العملى. الكتاب المقدس يُعلم بأن الحقيقة مُطلقة، ولكن لا يُعلم بأن الحقيقة المُطلقة في متناول البشر. وبالتالي لا يُوجد شيء اسمه حقيقة مُطلقة فيما يتعدى الحواس الخمس، يُمكن أن يكون في متناول الإنسان. الأمر نفسه بالنسبة لخلاص الإنسان، والدور الذي يلعبه الكتاب المقدس في إتمام هذا الخلاص. لا يُمكن أن يكون هناك ثقة مطلقة حول معنى النص، لأن النص تأويلى وليس مُطلقاً. بدلاً من ذلك، فالمنهج العلمي يُحتم وضع كافة الاحتمالات معاً، ومن ثم عمل تقييم لهذه الاحتمالات، واختيار أفضل هذه الاحتمالات تفسيراً للمعطيات المتوفرة.
ثالثاً: يجب التفريق بين العنصر الإنسانى الحر والعنصر الإنسانى في يد الله. الخوف من الاستقلالية ليس له ما يبرره، لأن إعطاء دور أكبر للعنصر البشرى في عملية الوحي، لا يعنى استقلاله عن العنصر الإلهى. ولو أن هناك نظريات أخرى تسمح بحرية للعنصر البشرى، فهذا لا يعنى أن هذه الحرية خرجت عن رعاية وعناية الله.
رابعاً: الإقرار بأن تدخل النقص البشرى في الكتاب المقدس، يعنى وجود نقص في الكتاب المقدس، مما يؤدى إلى انعدام صفة الكمال الأساسية، يطعن في أحد أساسيات اللاهوت المسيحى، وهو مفهوم “الاستعادة” Restoration. هذا المفهوم ثابت في الكتاب نفسه، وهو يعنى ببساطة: أن الله قادر على استخدام الضعف، والفساد، والنقص، في إنتاج القوة والمجد والكمال. سأناقش هذا المفهوم لاحقاً في الحديث عن العصمة تفصيلاً.
خامساً: في عصور متفرقة، لم يكن لدى المسيحيين نفس الكلمات التي أوحى الله بها في نصوص معينة في الكتاب المقدس. لم يكن هذا تراثاً في الماضى، بل حتى الآن وفي كل زمان، هناك نسبة ستظل غير مُدركة وغير معروفة للإنسان بالضبط، حول نص الكتاب المقدس. أنا لا أقول أن عقيدة الوحي اللفظى تُحتِم عقيدة الحفظ، بل سأتناول هذا تفصيلاً لاحقاً، ولكن هل نستطيع أن نقول بأن كلمة الله “الدقيقة” لم تصل البشر في عصور كثيرة مختلفة، فقط لأن اللفظ لم يكن ثابتاً؟ بالتأكيد لا.
رغم ذلك، فأغلب الإنجيليين يعتنقون هذا الفكر، بعد التراث اللاهوتى الضخم الذي خلفه وارفيلد وهودجز. الوحي اللفظى التام ليست نظرية بها عيوب، بل نظرية تتكامل تماماً مع النقد الكتابى، ذلك العلم الذي أصبح معياراً (و ليس دافعاً) للتفتيش على مدى تكامل الإعلان الإلهى مع البحث الإنسانى الحديث. لكن الصراع المرير يظهر في حقيقته مع عقائد العصمة بكافة أشكالها، وهو ما سأتناوله في الشق الثانى من هذه الدراسة.
تتضمن نظرية الوحي اللفظى التام، معنيين يُقصد بهما لفظ “التام”:
المعنى الأول: أن كل أجزاء الكتاب المقدس هي وحي من الله؛ بمعنى أن الفرد إذا فتح أي جزء في الكتاب المقدس، سيقرأ كلمة الله وليس كلمات الإنسان فقط.
المعنى الثانى: أن الكتاب المقدس هو الوحي التام، فلا يوجد أي نصوص مُوحى بها خارج الكتاب المقدس، سواء في كتب دينية أخرى، أو في كتابات إلهامية.
من خلال الاستقراء الذي قدمناه بدايةً، يتأكد لنا صحة المعنى الأول. فوحى الكتاب المقدس وحدة واحدة، غير قابل للتجزئة على نصوص وأعداد. لكن المعنى الثانى يتناقض مع البرهان الذي يقدمه اللاهوت التاريخى، خاصةً اللاهوت الآبائى!
آمن آباء الكنيسة الأولى، بوجود وحي خارج الكتاب المقدس. ولدينا في كتابات الآباء، حوالى تسعين نص آبائى، يُشير إلى نصوص من خارج الكتاب المقدس، على أنها وحى. في غالبية هذه النصوص، الكلمة اليونانية المُستخدمة، هي نفسها المُستخدمة في 2 تى 3: 16. غالبية هذه النصوص تُشير إلى كتابات الآباء نفسهم، على أنها وحى. فمثلاً، نجد القديس غريغوريوس النزينزى، يصف تفسير القديس باسيليوس لأيام الخليقة، على أنه وحي تام، ولا يقل عن الوحي الذي تلقاه موسى نفسه. تغطى هذه النصوص فترة كبيرة جداً في عصور الآباء، فتبدأ من عصر الآباء الرسوليين وتصل إلى العصر المتأخر (ق. 7 – 8).
لذلك توصل العلماء إلى أنه هناك فرق بين القانون والوحي، وأصبحت قاعدة علمية اليوم: أن الوحي ليس هو معيار قانون الكتاب المقدس، وأن القانون لم يكن قصده تحديد الوحي، وإنما تحديد التعليم الرسولى.
و منذ الربع الأخير من القرن العشرين، دعا العلماء الإنجيليين إلى ضرورة وضع الكتاب المقدس في الوسط الذي نما فيه. فالكتاب المقدس هو كتاب الكنيسة، والكنيسة هي مجتمع الروح الذي نشأ فيه هذا الكتاب واستقر. منذ ذلك الوقت، بدأ الإنجيليين في مراجعة لاهوت لوثر، وشددوا على التفريق الدقيق في مصطلحات الكنيسة التي استخدمها لوثر. كانت هذه هي الشرارة التي دعت العلماء الإنجيليين والكاثوليك، ليعملوا معاً في مراجعة لاهوت لوثر بالكامل في كل الفروع، وليس في الكتاب المقدس فقط.
غير أنه من الأمانة أن أؤكد أن المعنى الأول هو المميز في نظرية الوحي الفعلى التام، والمعنى الثانى هو معنى ثانوى لا يشدد عليه الكثير من الإنجيليين.
على الجانب الآخر، هناك رؤية عامة أخرى للوحى، لكننا لا نستطيع أن نسميها نظرية، لأن تفاصيلها تختلف من شخص إلى آخر. هذه الرؤية يُمكن تسميتها بالرؤية الموضوعية، أو الرؤية التفاعلية. ذلك لأنها ترفع الشركة بين الله والإنسان في كتابة الكتاب المقدس إلى القمة، دون أن يطغى الله على الإنسان ولا أن يطغى الإنسان على الله.
الرؤية الديناميكية الموضوعية
هى تعبير عن التفاعل الحقيقى بين الله والإنسان، وكل تركيز هذه النظرية هو عن وجود معاملة ديناميكية أو معاملة فعالة بين الله والإنسان. في هذه الرؤية لا نرى الله مجرد مُلقِن والإنسان مجرد قلم يدون ما يقوله الله. بل نرى أن الله له دور والإنسان له دور أيضًا، ليس في عملية الكتابة فقط، بل حتى في عملية تكوين المادة التي سيتم وضعها في الكتاب أيضًا. لكن لأن هذه الرؤية بهذا الشكل مجالها واسع، لا يمكننا وضعها في شكل قالب نظرى ومن ثم تطبيقه. لذا سأضع الأساس العام للرؤية، ومن ثم وضع بعض الأمثلة على كيفية تطبيقها.
الأساس العام لهذه الرؤية هو أن الله أوحى بالمحتوى الفكرى فقط، وترك مهمة الصياغة بشكل كامل للإنسان. لكن يجب الانتباه إلى أن هذه رؤية عامة، مما يعنى أن تفسير هذه القاعدة العامة، ينتج عنه تفاسير مختلفة، ترى القاعدة من عدة زوايا. كى يكون الكلام واضحاً بأقصى ما يُمكن، سأضع بعض الأسئلة التي ستساعدنا على فهم حدود هذه القاعدة:
إلى أي مدى يُمكن أن نحدد الفكر الذي أوحى به الله؟
القاعدة العامة تحدد أن الصياغة هي مهمة بشرية بالكامل، ولكن هل يُمكن أن يستخدم الله الإنسان في عملية تجميع الفكر نفسه، بجانب مهمة الصياغة؟
إذا كان الإنسان قد أشترك في مهمة وضع الفكر، فما هي الدوافع والضوابط التي تشكل هذه العملية؟
ما هي حدود الطاقة البشرية، أو الإدراك البشرى وتأثيره على كون الكتاب المقدس وحى، بهذا المنطق؟
ما هي الآليات التي أستخدمها الله في إيصال الفكر، ليس للكاتب فقط، وإنما للبشر كافةً أيضًا، لضمان وصول الفكر بشكل سليم؟
ما هي الرسالة؟ وما هو الفرق بين الفكر والرسالة؟
هل يُمكن للإنسان أن يكون له دور في الرسالة؟
لا أريد أن أدخلك في متاهات كثيرة الآن، ولكن سأعرض بعض التفاسير الرئيسية. مع الأخذ في الاعتبار أن هذه التفاسير ليست شاملة، وحتى بداخل كل تفسير يُوجد خلافات كثيرة بين نظرة كل فرد وآخر.
التفسير الرئيسى لهذه القاعدة العامة، في ضوء الأسئلة المعروضة أعلاه، كالتالى: أن الله أوحى للكاتب أن يقوم بالكتابة في موضوع معين، بهدف إيصال رسالة معينة. هذا الموضوع له فكر رئيسى معين، ومن خلال هذا الفكر، يستطيع القارىء أن يصل لرسالة النص. وهنا يلزم التفريق بين فكر النص ورسالة النص، لأن الفكر هو المحتوى الجوهرى للنص، بينما رسالة النص هي النتيجة التي يخرج بها القارىء.
فكر النص ورسالة النص، ليسا معنى النص كما يفهم الكثيرين في الشرق. في أثناء تجهيز هذا الفكر، يشترك الإنسان مع الله في تجهيز مادته أيضًا، بالإضافة إلى دوره الطبيعى في صياغة النص. أما رسالة النص فهى الهدف الذي حدده الله من البداية، وهى النتيجة التي يصل لها القارىء في النهاية. هذه الرسالة لا دخل للإنسان في تكوينها، ولا يُمكن له بأى حال أن يساهم فيها.
ما هي حدود تدخل الإنسان في بناء الفكر الجوهرى للنص؟ هذا أمر مُختلف عليه، وعليك أن تحدد ما تراه بنفسك. بشكل عام، تنقسم الرؤى حول تدخل الإنسان في بناء الفكر إلى عدة اتجاهات:
أولاً: تدخل الإنسان في الفكر قد يمتد إلى إدخال نموذج من التراث البشرى، مع بعض التعديلات، لإيصال الرسالة من خلاله. كمثال، هناك تيار واسع يعتقد أن في أسفار العهد القديم عنصر أسطورى، مأخوذ من عدة كتابات من التراث البشرى، مع بعض التعديلات. لكن العلماء المؤمنين بهذا الاعتقاد في الغرب، واللاهوتيين المؤمنين به في الشرق، أكدوا كثيراً أن بعضاً من هذه التعديلات، لا يبدو وكأنه مجرد تغيير عابر، بل أنه هادف وله مغزى.
بهذا الشكل، يكون قد اشترك الله والإنسان معاً في تجهيز الفكر الجوهرى للنص، والذي عن طريقه تصل الرسالة التي عينها الله منذ البداية للقارىء. فاستخدم الله القطعة التراثية من خلال الإنسان، وفي نفس الوقت تمت بعض التغييرات لتصل الرسالة بوضوح.
ثانياً: دور العنصر البشرى في تجهيز الفكر، قد يحدث فيه خطأ. هذا الخطأ يكون في إعداد المادة التاريخية أو العلمية للفكر الجوهرى للنص، لكنه ليس في رسالة النص. هذا الفكر يرتكز بشكل مباشر ورئيسى على مبدأ الاستعادة اللاهوتى؛ أن الله قادراً على استخدام الضعف لينتج كمالاً. فلو أننا وجدنا خطأ تاريخي في الكتاب، فهذا لا يعنى أن هذا الكتاب ليس من الله، بل هناك احتمال آخر، وهو أن هناك دافع معين في أعماق الله وراء السماح بورود هذا الخطأ.
ثالثاً: من الممكن أن يستخدم الكاتب مواد غير حقيقية، لبناء فكر واضح، تصل الرسالة بأوضح شكل من خلاله. كمثال، خرج أحد العلماء (جندرى) الإنجيليين، على المجتمع الإنجيلي في بداية الثمانينات، بتفسير لإنجيل متى، آثار زوبعة شهيرة جداً في الجمعية الإنجيلية اللاهوتية. كان الشكل العام لتفسير هذا العالم، أن متى استخدم بعض المواد الغير حقيقية، بهدف إيصال رسالة معينة من وراءها.
مثال على ذلك، قصة ظهور النجم للمجوس، لم تكن حقيقية، لكن متى استخدمها كى يجعل القارىء ينتبه لرسالة معينة. جندرى له احتجاجاته الكثيرة والخاصة بطرحه هذا، متعلقة في أغلبها بالأدب الرابيني اليهودى. لكن منبع الفكر نفسه هو مفهوم الوحى.
هذه بعض التصورات الرئيسية لمدى تدخل العنصر البشرى في تجهيز مادة الفكر نفسه. لكن في كل التصورات وفي كل الأحوال، يؤكد اللاهوتيين على أن الرسالة الخاصة بالفكر، هي رسالة إلهية خالصة، خرجت بحسب حكمة وإرادة الله.
نقد الرؤية الديناميكية
نقد الرؤية الديناميكية هو نقد واسع، ويُمكن لأى فرد تخيل المخاطر التي قد تنتج عنها، ورغم أنها نظرية إنجيلية واقعية، غير أن تناولها يجب أن يكون في أشد الحذر، والإيمان بها يجب أن يكون عن قناعة تامة بعد دراسة علمية طويلة جداً. ومن أكثر المخاطر التي تنتج عن هذه النظرية، هو عدم القدرة على التمييز وتحديد دور العنصر البشرى بشكل عام. هذا وإن كان ميزة في تأكيد أن الوحي وحدة واحدة، فقد يفتح باباً كبيراً أمام الباحث حول المادة البشرية في الكتاب المقدس.
سر الوحى
تبدأ المشكلة من الإنسان لا من الله. أرى كثيرين يفرضون معايير معينة على الوحي، ثم يقومون بتطبيقها على الكتب التي تدعى أنها وحي من الله. المشكلة في هذا المنهج أنه يفرض على الله ما الذي يجب أن يقوم به، بدلاً من البحث عما هو حقيقى فعلاً. هناك منهج عام أراه في الشرق كثيراً، يختبىء وراء غلاف فلسفى، كالتالى: أن الله هو إله كامل لا يشوبه نقص، وبالتالي لابد أن يكون الكتاب المقدس كامل لا يشوبه نقص.
نعم هذا صحيح، ولكن كيف يُفهم النقص، وكيف يُفهم الأمر الناقص، هذا هو مكمن المشكلة. لو أن هناك خطأ تاريخي في الكتاب المقدس، فهل هذا يعنى أن الكتاب لا يحتوى على وحي الله؟ من الوارد أن يكون الله قد قصد استخدام هذا الخطأ لغرض ما، فهل في هذا الحال يكون استخدام هذا الخطأ أو وروده نقصاً؟ لكن المشكلة تقع في رفضنا السعى وراء الحقيقة، وراء حقيقة ما أعلنه الله.
الإنسان بطبيعته يميل للمادة، والظاهر، والملموس، لأن هذا هو ما يستطيع أن يعقله فيصدقه. لكن التفاعل مع الله يستلزم من الإنسان أن ينزع عنه كل فكر معين عن الله، وأن يزيد فرصته من التوقع أكثر، لأنه يتعامل مع عقلية تفوق حدود وإدراك العقلية البشرية.
خاصةً في الإيمان المسيحى، حيث تحتل العلاقة بين الله والإنسان الجوهر والمركز. ورغم أن الله أعلن الكثير عن نفسه للإنسان، إلا أن ماهية الوحي بالضبط وعلى وجه التحديد، يبقى سراً خفى عن الإنسان. العلماء دائماً ما يشبهون وحي الكتاب المقدس بطبيعة الرب يسوع. أننا نستطيع السجود أمام إعلان الكتاب المقدس عن طبيعة المسيح: الإله والإنسان في نفس الوقت، ولكننا لا نستطيع فهم كيف هذا.
حاول رجال الله في عصور كثيرة أن يتصارعوا مع هذا الفكر لكي يفهموه، ولكن مهما كانت اجتهادات الإنسان، فلا يمكن أن يصل للحقيقة الكاملة، أو فهم كامل، حول طبيعتى المسيح. كذلك الأمر بالنسبة للكتاب المقدس، في طبيعة وحيه. الكتاب المقدس يعلن أنه وحي الله، ولكننا لا نستطيع تحديد ماهية هذا الوحي بالضبط، ولا يمكننا أن نفهمه بشكل كامل.
حاول رجال الله كثيراً في عصور كثيرة، خاصةً في القرنين السابقين، أن يفهموا ماهية الوحي، وكيف يمكن أن يكون إلهى وبشرى في نفس الوقت، لكن لا يمكن ابداً للإنسان أن يفحص عقل الله. لكن كما أن عدم فهمنا لم يمنعنا من قبول إعلان المسيح أنه إله وإنسان، كذلك عدم فهمنا لا يجب أن يمنعنا عن قبول إعلان الكتاب المقدس أنه إلهى وبشرى.
ووجود العنصر البشرى في الكتاب المقدس، يعنى أن هناك صراع مستمر ودائم مع الله. بوجود هذا العنصر، أصبح لدينا مساحة معينة من البحث العلمى، الذي يجب أن يُوظَف لبحث طبيعة وماهية ما قدمه العنصر البشرى للكتاب المقدس.
الآن وقبل أن ننتقل لمناقشة العصمة، يجب أن ندرك أن نظريات الوحي كافةً تشتمل على ثلاثة عناصر نشيطة وليس واحداً فيهم صامتاً: العنصر المُلقى، العنصر المُتلقى، والوسيط بينهما. العنصر المُلقى هو الله، العنصر المتلقى هو الإنسان، والوسيط بينهما هو الروح القدس. هذه الثلاثة عناصر جميعهم فعالين ونشطين، ولا يوجد فيهم من هو مُصمَت. أما الاختلاف بين النظريات، فيكمن في دور وحدود كل عنصر فيهم.
العصمة
إذا كان التعليم بوحى الكتاب المقدس راسخ في الكتاب المقدس واللاهوت التاريخى، فإن مصطلح “العصمة” هو مصطلح لا وجود له قبل عصر التنوير. هذا الاصطلاح لا وجود له في الكتاب المقدس، ولم يعلم الكتاب المقدس بأنه معصوم. آباء الكنيسة لم يعرفوا شيئاً اسمه عصمة الكتاب المقدس. فما هي قصة العصمة إذن؟
قبل أن نفصل الحديث عن العصمة من منظور تاريخي والنظريات التي نشأت حولها، يجب أن نعرف أن هناك ثلاث مصطلحات تُترجم في العربية إلى “العصمة”، وهى:
المُصطلح الأول Inerrancy: ويعنى حرفياً “عدم الخطأ”. هذا المصطلح يُشير إلى أن الكتاب المقدس معصوم عن الخطأ التاريخى، الخطأ العلمى، والخطأ في أي معلومة دنيوية بشكل عام.
المصطلح الثانى Infallibility: ويعنى حرفياً “عدم السقوط”. ويُقصد بهذا المصطلح أن الكتاب المقدس معصوم فيما يقدمه من تعليم، فكل تعليم فيه حقيقى، مثل التعليم عن حقيقة الأرواح النجسة.
المصطلح الثالث Preservation: ويعنى حرفياً “الحفظ”. والمقصود من هذا المصطلح، أن نص الكتاب المقدس معصوم من الضياع، التغيير، التبديل…إلخ، وأن العناية الإلهية قد حفظت النص في كل العصور والأزمنة.
هذه الثلاث مصطلحات تُترجم في العربية إلى العصمة، لكن كل منهم عقيدة مختلفة عن الأخرى. ما يجب أن ننتبه له بشدة، أن ولا واحدة منهم مرتبطة بالأخرى، أو أن احدهم متعلقة بالأخرى أو تُبنى عليها. رغم أن الكتاب المقدس لم يعلم بعصمة محتواه ابداً ولا في أي نص، فإن العصمة باتت اليوم أحد ثوابت لاهوت الكتاب المقدس. السبب في ذلك هو أنها عقيدة تترتب على عقيدة الوحي اللفظى التام. سنأخذ الآن كل عقيدة منهم على حدة ونناقشها بنوع من التفصيل.
العصمة التاريخية Inerrancy
هذه العقيدة هي الأكثر جدالاً في الغرب، خاصةً بين المجتمع الإنجيلي والمجتمع الليبرالى. لكن هذا لا يعنى أن العصمة التاريخية شرط ضرورى لإنجيلية الفرد، بل هي شرط ثانوى يُمكن التنازل عنه. الفكرة الرئيسية تكمن في المنطق التالى: إذا كان لدينا نص ما في العهد الجديد أو القديم، وبحسب ظاهره يحتوى على خطأ واضح، ولكن بحسب باطنه قد لا يكون خطأ، فقد أصبح أمامنا احتمالين: خطأ النص، أو صحة النص. على أي أساس سنختار؟
لنأخذ مثال: حينما يقول يسوع أن حبة الخردل هي أصغر جميع البذور التي على الأرض (مر 4: 31)، فهذا النص بحسب ظاهره خطأ، لأن حبة الخردل ليست أصغر جميع البذور. ولكن هناك احتمال آخر أن النص يقصد أصغر البذور الموجودة على أرض اليهودية فقط. إذن فهذا النص بحسب باطنه صحيحاً. المشكلة حول العصمة التاريخية تكمن في أي تفسير هو الصحيح؟ هل التفسير الصحيح للنص أنه خطأ، أم أن التفسير الصحيح للنص أنه صحيح؟ الاحتمالين واردين، ولكن أيهما هو الحقيقى؟
هنا يكمن الصراع، بين علماء التفسير Exegesis، والعلماء الليبراليين. على أي أساس يمكن تحديد ما الذي كان يفكر فيه المؤلف؟ هذا هو السؤال الرئيسى في منهجيات التفسير، وهو علم كبير جداً من الصعب أن أقوم بعمل ولو مسح بسيط له هنا، فعلم التفسير يحتل الجزء الأكبر من علوم النقد الكتابى على الإطلاق. لكن هناك بعض الآليات التي تتحكم في علم التفسير، من بينها عقيدة العصمة التاريخية التي تترتب على الوحي اللفظى التام.
الوحي اللفظى التام يعنى أن المُنتج النهائى هو كلمة الله حتى أصغر ألفاظه، وسواء كان هذا بشكل إملائى أو لا، فالمنتج النهائى واحد. ولأن الله كامل، فلا يُمكن أن يصدر خطأ عنه، وبالتالي لا يُمكن أن يكون هناك خطأ في الكتاب المقدس من أي نوع. لهذا السبب، يختار المؤمن بوحى الكتاب المقدس لفظياً وتاماً، الخيار الذي ينفى الخطأ عن الكاتب، لأن عقيدة الوحي اللفظى التام يترتب عليها عقيدة العصمة عن الخطأ التاريخى.
هناك بعض الملاحظات التي يجب أن ندركها:
أن السبيل الوحيد لمعرفة قصد الكاتب الحقيقى هو إعلان الروح القدس للقارىء، أثناء قراءته للنص. غير هذا فإن علم التفسير لا يُقدم ضماناً مُطلقاً حول معنى النص، لأن كافة الاحتمالات واردة.
يجب تطبيق المنهج العلمي أثناء تفسير النصوص، وذلك بوضع كافة الاحتمالات الممكنة والتفاسير التي تحتمل الصحة، ومن ثم عمل تقييم شامل لها، ثم اختيار أفضل تفسير ممكن للنص. وفي هذا فإن منهجيات علم التفسير مفيدة جداً للقارىء.
الشرط العلمي الأول في التقييم بين الاحتمالات الممكنة، هو مراعاة البيئة التي خرج منها هذا النص. لذلك يشدد علماء التفسير، على أن النص يجب أن يُنظر له بمعايير عصره، لا بمعايير عصر آخر.
لا يجب النظر إلى ظاهر النص على أنه الاحتمال الأقوى إذا ما وُجِدت عدة احتمالات، لأن ظاهر النص لا يعنى أنه المقصود، خاصةً في كتاب مثل الكتاب المقدس، قدس أقداسه هو الرمزية والمثلية والتشبيه.
يجب النظر بإعتبار إلى مدى كون الخطأ خطأ حقاً. فماذا لو أن النص كان يقصد بالفعل أن حبة الخردل هي أصغر البذور تماماً؟ إذا كان هذا القول تم عن قصد، فلابد أن له دافع معين علينا البحث عنه، وفي هذه الحالة لا يمكن أن نعتبره خطأ، لأن التعمد في ذكره يعنى معرفة الكاتب بخطأه.
الملاحظة الأخيرة لا تستقيم مع نظرية الوحي اللفظى التام، إذ أن العصمة الناتجة عنها، لا تحتمل وجود أي خطأ بأى شكل وبأى هدف. ولكن الأمر مختلف تماماً مع الرؤية الموضوعية أو الرؤية الديناميكية. كما كان الوحي بحسب الرؤية الديناميكية مجاله واسع، فكذلك عصمة الكتاب المقدس بحسب هذه الرؤية، واسعة المجال. لكن الطرح الرئيسى للعصمة بحسب الرؤية الديناميكية، هو الملاحظة الأخيرة. من الممكن أن “يسمح” الله بورود الضعف البشرى في الكتاب المقدس، لهدف منه، علينا نحن أن نتصارع معه لنعرفه.
مثال شهير على ذلك الأمر، وهو ترتيب الأحداث بحسب الأناجيل. لو تكلمنا عن حدث واحد، مُكون من عدة أحداث، فلا يُمكننا أن نقول بأن هذه الأحداث حدثت في أكثر من تسلسل واحد. لابد أن يكون هناك تسلسل واحد للأحداث، وأى تغيير فيه لن يكون حقيقياً. لكن التغيير في تسلسل الأحداث هو سمة عامة في الأناجيل الأربعة، وخاصةً الأناجيل الإزائية. هناك تسلسل أحداث واحد فقط، وذلك يعنى أن أحد الأناجيل قد نقله صحيحاً، وإنجيل آخر قد غيَّر في تسلسل هذه الأحداث.
على أساس يُمكننا أن نقول أن التغيير في هذا التسلسل هو “خطأ” رغم أنه غير حقيقى بالفعل؟ كونه غير حقيقى لا يعنى أنه خطأ، لأننا أمام احتمالين: أن البشير يكون قد غيره عن حقيقته دون إدراك، وهو في هذه الحالة خطأ، ولكن من الممكن أيضًا أن يكون البشير قد غيره عن حقيقته عن قصد.
في هذه الحالة لا يُمكننا أن نقول أن البشير “أخطأ” لأن انعدام العفوية ينفى الخطأ، وبروز معالم التعمد في تغيير حقيقة التسلسل، تؤكد معرفة الكاتب أن ما يكتبه هو تسلسل غير حقيقى، وبذلك تنتفى صفة الخطأ ما كتبه الكاتب. بذلك يبقى على الإنسان أن يوظف البحث العلمى، متمثلاً في علم التفسير في هذه الحالة، ليعرف السبب في ذلك.
وفي هذا نلاحظ أن انعدام التسلسل الحقيقى هو خطأ في حد ذاته بمعايير عصرنا، ولكن حينما نوظف المنهج العلمى، يتبين لنا أن انعدام التسلسل الحقيقى ليس خطأ في حد ذاته بمعايير ذلك العصر. هناك نموذج رئيسى لهذا الطرح في توقيت لعن المسيح للتينة وتطهيره للهيكل، يمكن دراسته بشكل أوسع لفهم هذا المفهوم.
بشكل عام، العصمة التاريخية تكمن في مدى كون الخطأ خطأ حقاً.
على الجانب الآخر، هناك أحد الجوانب اللاهوتية الهامة التي تتمركز في أي مناقشة للعصمة: مبدأ الاستعادة Restoration. هذا مبدأ كتابى هام، ولعل المسيحية بأكملها تقوم على هذا المبدأ، في سقوط الإنسان الأول، وكيف استعاد الله شركته مع الإنسان من جديد. الأساس الذي يقوم عليه هذا المبدأ، هو أن الله يستطيع أن يخرج من الناقص كمالاً، ومن الفاسد صلاحاً. فمن الآكل يُمكِن أن يخرج أكلاً، ومن الجافى يُمكن أن تخرج حلاوة…و من الناصرة يُمكن أن يخرج شيئاً صالحاً.
نفس هذا المبدأ اللاهوتى يُمكن أن يُستخدم في قضية العصمة. من الممكن أن يستخدم الله النقص البشرى، في أن ينتج كمالاً. ومن الممكن أن يستخدم الفساد البشرى، في أن ينتج صلاحاً. هذا يعنى أن الله يُمكن أن يستخدم ورود خطأ حقيقى يُدخله الكاتب لنص الكتاب المقدس، في أن يُنتج كمالاً وصلاحاً منه. رغم أننى لا أعتقد بحدوث الخطأ الحقيقى في الكتاب، إلا أننى أؤمن بتفعيل هذا المبدأ في طبيعة انتقال النص الكتابى. كما سأناقش تفصيلاً في عقيدة الحفظ، فإننى أؤمن أن الله سمح بدخول نصوص ليست من الكتاب المقدس إليه، كى ينتج صلاحاً وكمالاً، من هذا النقص والفساد.
و عن العصمة التاريخية، اجتمع في نهاية السبعينات، حوالى 300 عالم في مؤتمر دُعى “المؤتمر العالمى للعصمة الكتابية”، في مدينة شيكاغو بالولايات المتحدة. خرج عن هذا المؤتمر بيان يشرح عصمة الكتاب المقدس عن الخطأ التاريخي والعلمى، سُمِى “بيان شيكاغو عن العصمة الكتابية”.
نُشِر هذا البيان لأول مرة في مجلة الجمعية الإنجيلية اللاهوتية، ثم نُشِر كتاب حرره نورمان جايزلر بعنوان “العصمة”، ضم مقالات العلماء الذين شاركوا في كلمات المؤتمر، وفي نهايته ملحق ببيان شيكاغو. هذا البيان في شكله العام، يوضح ماهية العصمة التاريخية، واليوم هو النص المعيارى للمجتمع الإنجيلي حول عقيدة العصمة.
غير أن هذا البيان ليس قانوناً للإيمان، وهناك علماء إنجيليين كثيرين لا يؤمنون ببنوده. وفي رؤيتى الشخصية، يُعتبر هذا البيان هو أفضل تحديد للعصمة الكتابية خرج في اللاهوت التاريخي بأكمله، وأستطاع بمهارة توضيح الفروقات الدقيقة.
العصمة التعليمية Infallibility
الغالبية العظمى من المسيحيين في كل مكان يؤمنون بالعصمة التعليمية، أي أن الكتاب المقدس معصوم فيما يعلم به من تعاليم تطبيقية وروحية. لذا لن يكون حديثى طويل في هذه النقطة، ولكن سأتناول نقطتين رئيسيتين: تأثير انعدام العصمة التاريخية على العصمة التعليمية، ونقطة الأرواح الشريرة في اللاهوت الإنجيلى.
اولاً، أنا لا أقول أن العصمة التاريخية غير موجودة في الكتاب المقدس، بل أؤمن بها بحسب الرؤية الديناميكية. ولكن ما أريد أن أعالجه هو كيف يُمكن للفرد أن يثق في التعليم التطبيقى، إذا كان لا يؤمن بالعصمة التاريخية. هذه النقطة في غاية الخطورة، لأنها تخلط بين النص وجوهر فكر النص ورسالة النص. لقد أكدت طوال هذه الدراسة أن رسالة النص إلهية خالصة، وهى هدف الله من البداية لكي يُوجد كتاب مقدس.
هذه الرسالة هي نفس الرسالة التي تصل للقارىء سواء كان فكر النص يحمل ما يُمكن أن يتصوره القارىء على أنه خطأ، حقيقةً كان أو غير حقيقةً، وهى نفس الرسالة التي تصل للقارىء إذا كان لا يعتقد أن هناك خطأ في النص. لنأخذ مثال تطبيقى على هذه النقطة، وهو نفس النص محل النزاع الذي تناولته، حول حبة الخردل.
فلنفترض أن هذا النص يحوى خطأ علمى، وهو أن حبة الخردل ليست هي أصغر البذور. لكن الحديث الخاص بالمثل، هو جوهر فكر النص، أما رسالة النص فهى طبيعة ملكوت الله. ملكوت الله الذي قد يكون مجرد شرارة بسيطة جداً تلتهب في قلب إنسان واحد، ولكن لأنها حركة إلهية منبعثة من الله، تستطيع احتواء الكل، حتى الأمم.
سواء كان النص يقصد أن البذرة أصغر بذور الأرض فعلاً (و هو الأمر الغير حقيقى علمياً)، أو كان للنص معنى آخر مثل أن الحبة تبدو متناهية الصغر في يدى الفلاح البسيط (و هو الأمر الحقيقى عملياً)، فإن كل هذه الأمور متعلقة بفكر النص، ولكن رسالة النص هي هى، سواء كان فكر النص يضم خطأ علمى أو لا يضم.
الفرع الثانى لهذه المشكلة، هو ضمان ما إذا كان الكتاب المقدس يضم رسالة إلهية حقاً أم لا. هذا الإعتراض له شكل أوسع، وهو ما إذا كان الكتاب المقدس هو وحي الله أم لا، وسأناقشه في نهاية هذه الدراسة، لكن في إيجاز أقول: مدى كون وحي الكتاب المقدس حقيقى أم لا، فهذه حقيقة غير خاضعة للاختبار البشرى. إذا ما جاء إلى شخص يسألنى ما هو دليلك على أن الكتاب المقدس هو وحي من الله حقاً، لا أقول له سوى كلمة واحدة: اقرأه. أما عن الأدلة النظرية على وحي الكتاب المقدس، فأنا لا أملكها.
سواء كان هناك تناقضات في الكتاب المقدس أم لا، وسواء كان هناك أخطاء تاريخية وعلمية في الكتاب المقدس أم لا، فهذا لا علاقة له بخطة الله لخلاص الإنسان. الرسالة الإلهية التي أرسلها الله للبشر واحدة، سواء قرأنا الكتاب المقدس على أنه معصوم عن الخطأ التاريخي والعلمى، أو كان به أخطاء تاريخية وعلمية. وفي ذلك، فرسالة النص لم تُمَس.
هنا يجب أن ننتبه إلى أن العصمة عن الخطأ التعليمى لا تمتد إلى العقيدة، ولكن التعليم. بمعنى أن العقيدة هي حقيقة، غير قابلة لتطبيق العصمة عليها أو لا. ولكن ما يُقصد بالتعليم هو الصوم، الصلاة، المواهب…إلخ، أي التعليم التطبيقى فقط، وليس العقيدة.
النقطة الثانية التي أريد مناقشتها هي مفهوم الأرواح النجسة في ضوء العصمة التعليمية. هناك قطاع كبير بين الإنجيليين اليوم، يرفض فكرة أن الأرواح النجسة التي يتكلم عنها الكتاب المقدس، هي في حقيقتها أرواح نجسة أو شياطين حقاً، وإنما يمكن تفسيرها على أنها ظاهرة طبية، أستطاع الطب الحديث تحديدها، وهو مرض الصرع. هذه النقطة ليست في الغرب فقط، بل إمتدت للكنيسة الإنجيلية في الشرق، وأصبحت قاعدة معروفة في الكنيسة الإنجيلية في مصر. منذ وقت قريب كنت في أحد الكنائس الإنجيلية وكنت في نقاش مع القس الراعى لها، ووجدته مؤمناً بنفس الفكرة.
لست بصدد تفنيد هذا الفكر، ولكن بيان أن حتى عدم إيمان الفرد بالعصمة عن الخطأ التعليمى، لا يعنى سقوط وحي الكتاب المقدس. دعونى أفترض أنها لم تكن أرواح نجسة حقاً، فيكون لدينا احتمالين: أن كتبة الأسفار لم يدركوا هذا ومع ذلك كتبوا، أو أن كتبة الأسفار أدركوا هذا ومع ذلك كتبوا. عادةً لا يُفهم هذا على أنه سقوط للعصمة التاريخية أو العصمة التعليمية، لأن المنادين بهذا الرأى، يؤكدون أن الله استخدم هذا الخطأ لينتج صلاحاً، مشددين على أن علامات التعمد بارزة، مما ينفى عن الكتبة خطأهم العفوى، فتنتفى صفة الخطأ.
الحفظ Preservation
تحدثت كثيراً سابقاً عن عقيدة الحفظ في كتابات كثيرة، لذا فسيكون كلامى هنا مُختصراً وحول نقاط بسيطة جديدة فقط. هذه العقيدة لا يؤمن بها إلا الأصوليين فقط، وحتى الإنجيليين المؤمنين بعقيدة الوحي اللفظى التام، لا يعتقدون بوجوب ترتب عقيدة الحفظ عليها. عقيدة الحفظ بشكل عام، هي الاعتقاد بضرورة وجود النص كما هو محفوظاً للمسيحيين في كل العصور. وهذه العقيدة لها تأثير سلبى جداً، خاصةً إذا كانت الفرضية التي ينطلق منها الباحث في النقد النصى.
لم يعلم الكتاب المقدس بضرورة حفظ نصه ابداً، ولكن هذه العقيدة تخرج من رؤية لاهوتية لا من رؤية كتابية. هذه الرؤية اللاهوتية تقول بأنه إذا كان الله قد قام بوحى هذا الكتاب، وأن المنتج النهائى يُعَد وحياً حتى أصغر كلماته، فلابد على الله أن يحفظ هذا الوحي لكل المسيحيين في كل العصور، وإلا فلما قام بالوحي من البداية؟ المشكلة الرئيسية هي أن هذه الرؤية لا تحاول البحث عما أعلنه الله، بل تفرض على الله ما يجب عليه. وهنا يجب التفريق بين ضرورة العصمة التاريخية، وضرورة الحفظ.
بحسب نظرية الوحي النظري التام، فإن كل كلمة في الكتاب المقدس هي وحي من الله، حتى وإن كان هذا بشكل يختلف عن الإملاء، ولأن الله كامل فلا يُمكن أن يخرج منه نقص. لذلك يستحيل علينا أن نجد في الكتاب المقدس خطأ تاريخي أو علمى، ولهذا فعقيدة العصمة التاريخية والعلمية واجبة الترتب على نظرية الوحي اللفظى التام. لكن على العكس من ذلك، فنظرية الحفظ لا علاقة لها بكمال الله، لأن عدم حفظ النص لا يؤثر في كمال الله ولا يؤدى إلى الاعتقاد بنقص فيه.
فإذا انعدم السبب النقلى للعقيدة، وانعدم السبب العقلى للعقيدة، لا يعود هناك أي سبب للاعتقاد بضرورة حفظ نص الكتاب المقدس. بالإضافة إلى ذلك، فالدليل يُشير إلى أن هذه العقيدة لا وجود تاريخي حقيقى لها. يوجد آلاف الاختلافات بين مخطوطات الكتاب المقدس، مما يعنى أن عقيدة الحفظ لها وجود عملى لها، مما ينفى وجودها النظري أيضًا. حتى الآباء الذين آمنوا بعدم احتواء الكتاب المقدس على أية أخطاء، لا نرى في كتاباتهم أي أثر لوجود شيء اسمه عقيدة حفظ نص الكتاب المقدس.
فى الحقيقة، أحد التفاسير الخاصة بالرؤية الديناميكية، تؤكد أن النصوص التي دخلت للكتاب المقدس عبر تاريخ انتقاله، سمح الله بها لأجل هدف معين. الأساس لهذا التفسير، هو أن كل حدث يتم بسماح من الله، وهذا السماح يكون لهدف معين. لذلك يشدد هذا التفسير على أن هذه النصوص التي دخلت للكتاب المقدس وهى ليست منه في أصله، استخدمها الله لينتج براً وكمالاً وصلاحاً. هذا الفساد النصى، استخدمه الله ليكون سبباً في معرفة الإنسان له. أنا أؤمن بهذه الحقيقة تماماً، ولمستها بيدى ورأيتها بعينى.
إجمالاً، الكتاب المقدس لا يقول أن هناك شيء اسمه عقيدة الحفظ، والمنطق لا يُجبر الفرد على الإيمان بعقيدة الحفظ كنتيجة للوحى الفعلى التام، وبالطبع لا حاجة لها مُطلقاً في الرؤية الديناميكية، وايضاً الدليل يُشير إلى أن هذه العقيدة ليست حقيقية واقعياً. لهذه الأسباب لا يؤمن أحد بعقيدة الحفظ إلا الأصوليين فقط.
العقيدة
إن العقيدة المسيحية هي الحقيقة في حياة المؤمن المسيحى، وليست قابلة إطلاقاً أن تكون محل نقاش حول عصمتها من عدمها، لأنها حقيقة فعلية. هذا يعنى أننا لا نستطيع أن نقول أن لاهوت المسيح عقيدة معصومة. هذه جملة ليس لها معنى، لأن العقيدة هي أساس الإيمان، ولا مجال للتشكيك بها، وإلا فلو ثبت بطلانها فهذا يعنى لا وجود للإيمان.
أنا لا أقول أننا لا يجب أن نفحص الدليل الكتابى حول كل عقيدة، ولكن أتحدث بشكل نظرى حول إمكانية عصمة العقيدة أم لا. لذلك لا يوجد أي نظرية تُعلِم بأن العقيدة نفسها معصومة عن الخطأ، لأنه لا مجال للاختلاف على حقيقة العقيدة.
إيمانى الشخصى في الكتاب المقدس
هذه الدراسة كانت في أغلبها عرض لما توصل له العلماء الإنجيليين في الغرب عن ماهية الوحي الكتابى وعصمته، ولم أتطرق إلى إيمانى الشخصى فيها إلا نادراً، بهدف تحديد النظريات كاملة لك، حتى تستطيع تكوين رؤيتك الشخصية عن الوحي الكتابى. أما إيمانى الشخصى في الكتاب المقدس، فهو كالتالى:
أنا أؤمن أن الكتاب المقدس هو وحي الله للإنسان، ودونه رجال الله القديسين، وأصبح يُعرف بالكتاب المقدس. هذا الوحي وحدة واحدة متكاملة، غير قابلة للتجزئة على نصوص الكتاب المقدس، سواء أسفاره أو إصحاحاته أو أعداده، بل هو شحنة واحدة تسير وتجرى في كافة نصوص الكتاب المقدس. أؤمن بالرؤية الديناميكية بشكل عام، حول كيفية إتمام الوحي، لأنى أراها الأكثر تجاوباً مع نتائج الاستقراء، لكن هذا لا يعنى قبول كل النظريات والتفسيرات التي تقدمها هذه الرؤية.
وأؤمن أن الكتاب المقدس معصوم عن الخطأ التاريخي والعلمى، ومعصوم عن الخطأ التعليمى. لا أؤمن أن نص الكتاب المقدس معصوم من ناحية حفظه، رغم أن النص محفوظ بالفعل في الشواهد المتوفرة، وذلك في العهد الجديد مجال اختصاصى. أؤمن أن الكتاب المقدس هو السلطة الأولى في حياة المؤمن المسيحى، رغم أننى أؤمن بسلطة التقليد الرسولى الذي يجرى في الكنيسة.
خاتمة: البرهان والإيمان
إيمانى الشخصى نابع من دراسة البرهان الكتابى، والبرهان المنطقى، والبرهان التاريخى. قضية الكتاب المقدس في نظر أي مؤمن حقيقى، يجب أن تكون قضية ثانوية، ولا علاقة لها بالإيمان. كما شرحت في بداية هذه الدراسة، أساس الإيمان هو الاختبار الروحي. إذا كنت لم أعرف شيئاً عن المسيح بعد، ولم أختبره، ولم أتقابل معه، ولم يصير بعد شخص حقيقى موجود في حياتى مثل كل فرد حقيقى في حياتى، فلا داعى لأن أهتم بوحى الكتاب وعصمة الكتاب والنقد الكتابى والعقيدة وكل هذه الأمور.
لا فرق بينى وبين المسلم واليهودى والملحد والبوذى وعابد الوثن في نظر الله. لأن وحي الكتاب المقدس وعصمته ليس هو ما سيخلص الإنسان. إذا أردت أن أضمن مكانى في ملكوت السماوات، فالطريق الوحيد هو الإيمان الحى، ليس الإيمان النظرى.
الشفاء الحقيقى لداء البشرية في قيامة الرب يسوع المسيح من الموت، لأن هذه القيامة هي بداية خلاصنا وحريتنا. لن ينفعنى وحي ولا عصمة ولا نص، وكل هذه الأمور النظرية لا قيمة لها ابداً، إن لم أنل الميلاد الثانى الحقيقى. في لحظة بدأت بحثى العلمي في الكتاب المقدس، وبعد سنوات إنتهى بحثى. كنت أبحث عن المسيح في هذه النظريات كثيراً، وفي لحظة أخرى وثقت أن إيمانى في المسيح صحيح.
سألت نفسى: وماذا بعد؟ لم أشعر بأن كل هذا البحث له أي قيمة! كان صوت والدى يرن في أذنى دائماً: لن تجد المسيح هنا. بعد صراع روحي مرير مع الله، قبلته في حياتى في رأس السنة منذ ثمانية شهور. أدركت في ذلك الوقت أن العلم لن يخلص الإنسان. لو أننى تيقنت مئة في المئة أن الكتاب المقدس هو كتاب الله، ولم أتخذ أي خطوة إيجابية من جانبى، فهذا كله لن يفيد ابداً.
سأكون أمام الله مثل أي شخص غير مسيحى، لأن المسيحي هو المؤمن الحى، وليس المؤمن النظرى. هذه سمة المسيحية بين كل العقائد والأنظمة الدينية: الحياة لا النظرية. لأن النظرية هي الموت، والإيمان هو الحياة. الإنسان المسيحي ليس مُطالب أن يكون لديه رؤية تفصيلية للوحى لكي يؤمن، ولا أن يفهمه بأكمله لكي يؤمن. الإيمان هو خطوة إيجابية نحو المسيح، وهو حرية من كل قيود الموت.
لست تحتاج إلى أن تتيقن من أن هذا الكتاب ليس به خطأ حتى تؤمن، وحتى لو كان به خطأ، فهذا ليس عائقاً أمام الإيمان. رسالة الله للإنسان واضحة جداً، مهما كانت النظريات ومهما كانت الفرضيات ومهما كان شكل الاعتقاد في الكتاب المقدس. حتى لو كنت تؤمن أن هذا الكتاب على حاله الآن محرف، ستجد نفس الرسالة التي يقدمها الله، مهما أدعيت كافة أشكال وأنواع التحريف. سواء كان خطأ نسخى، خطأ تاريخى، خطأ علمى، أو لا خطأ إطلاقاً، ستجد نفس الرسالة التي يقدمها فكر النص واحدة.
هذه الدراسة كانت ملخص دراساتى وابحاثى في عقيدتى الوحي والعصمة، بحث استمر لأكثر من ثلاث سنوات. عقيدتى في الوحي والعصمة جاءت نتيجة دراسة متفحصة شاملة لأغلب الأدب الإنجيلي في هذا المجال. عليك أنت أيضًا أن تبحث وتجتهد قبل أن تتخذ قراراً بشأن اعتقادك في الكتاب المقدس، وعليك أن تتعب كى تنال. هذه هي ضريبة الحقيقة التي عليك أن تدفعها لتنالها.
لندع البرهان هو الذي يشكل عقائدنا. لنترك البرهان الكتابى يتحدث عن نفسه، ومن ثم نتصارع مع الله حتى ننتصر عليه. الله هو الذي يدعونا أن ننتصر عليه في هذا الصراع، ونقول له كما قال يعقوب أب الآباء:”لا اطْلِقُكَ انْ لَمْ تُبَارِكْنِي” (تك 32: 26). وبالفعل، باركه الله، وغير اسمه من يعقوب إلى إسرائيل:”لا يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ اسْرَائِيلَ لانَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدِرْتَ” (ع 28). لقد “قدر” يعقوب، ونحن أيضًا مدعوون لأن نقدر.
الإيمان المسيحي لا يسير عكس البرهان، والشك ليس خطيئة. حينما شك توما أن يسوع قد ظهر للتلاميذ، ظهر له مرة أخرى وأعطاه يديه ليتحسس مكان المسامير، وجنبه لينظر طعنة الحربة. لم ينتهره يسوع ولم يغضب، بل دعاه بكل رفق أن يأتى وينظر البرهان بنفسه، ويفحصه، وإلا يكون غير مؤمناً..بل مؤمناً.
لا داعى أن نكون متعصبين لما نعتنقه ونجهض الآخر حقه. في نهاية عام 1983، تم فصل العالم ستانلى جوندرى من الجمعية الإنجيلية اللاهوتية، بعد أن قام أعضاء الجمعية بالتصويت حول ما إذا كان جندرى يستحق أن يكون عضواً في الجمعية. واليوم، ستانلى جوندرى هو من أكبر علماء العهد الجديد الإنجيليين المؤمنين بعصمة الكتاب المقدس. لا أتمنى أن يكون بيننا جندرى آخر، بل أصلى للرب أن يحفظ الكنيسة ويرعاها ويفتح أعيننا وعقولنا لنستوعب الآخر.
المراجع الرئيسية
Ben Witherington III, The Living Word of God: Rethinking The Theology of The Bible, Baylor University Press 2007
Craig D. Allert, A High View of Scripture? The Authority of The Bible & The Formation of The new Testament Canon, Baker Academic: Baker Publishing Co. 2007
Donald Guthrie, New Testament Theology, Chapter ten ‘Scripture’, InterVarsity Press 1981, Pp. 953 – 982
Donald G. Bloesch, Essentials of Evangelical Theology, Vol. one (God, Authority & Salvation), Cahpter four ‘The Primacy of Scripture’, Fitzhenry & Whiteside: Canada 1978, Pp. 51 – 87
K. Beale, The Erosion of Inerrancy In Evangelicalism: Responding To New Challenges To Biblical Authority, CrossWay Books 2008
Harriet A. Harris, Fundamentalism and Evangelicals, Oxford University Press 2008
Howard Marshall, Biblical Inspiration, Hodder and Stoughton 1982
Kern Robert Trembath, Evangelical Theories of Biblical Inspiration: A Review & Proposal, Oxford University Press 1987
Norman L. Geisler (ed.), Biblical Errancy: An Analysis of Its Philosophical Roots, Zondervan Publishing House 1981
Normal L. Geisler (ed.), Inerrancy, Zondervan Publishing House 1980
Trevor A. Hart (ed.), The Dictionary of Historical Theology, Eerdmans: USA 2000.
لاهوت الكتاب المقدس (الوحى – العصمة) – فادى أليكساندر