الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم

الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم

الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم

استخدم داود النبي والمرنم المستنير بالروح القدس طرقا شتى في تعليمنا. تارة يحكى لنا عن آلامه وشجاعته التي مكنته من تحمل مواقف كثيرة تاركًا لنا من خلال شخصه مثالاً يعلمنا الصبر، مثلما قال: ” يارب ما أكثر مضايقى. كثيرون قائمون على ” (مز1:3). وتارة أخرى يقدم لنا داود صلاح الله وسرعته في المعونة التي يمنحها لأولئك الذين يطلبونه حقًا، عندما يقول ” فاعلموا أن الرب قد ميز تقية. الرب يسمع عندما أدعوه ” (مز2:4).

وهذه الأقوال هي نفسها التي قالها النبي إشعياء: ” حينئذ تدعو فيجيب الرب تستغيث فيقول هاآنذا ” (إش9:58) أيضًا يصلى داود النبي الى الله بطلبات حارة يعلمنا بطريقة صحيحة كيف يجعل الخطاة الله عطوفا نحوهم بتوسلاتهم: ” يارب لا توبخنى بغضبك ولا تؤدبنى بغيظك ” (مز1:6) ويقول في المزمور الثالث عشر: ” إلى متى يارب تنسانى كل النسيان ” لكي يعبر عن عتابه الله في شكل استفهام ويعلمنا من هذا المزمور ألا نترك أنفسنا للحزن والضيق ونحن ننتظر صلاح الله نحونا، وعلينا أن نعرف أن الله يسلمنا إلى الضيقات والتجارب بحسب قياس ودرجة إيمان كل واحد منا.

 

خطورة نسبة الشرور الى الله:

وبعدما قال داود ” إلى متى يارب تنسانى كل النسيان “، ” حتى متى تحجب وجهك عنى ” (مز2:12) ينتقل مباشرة الى شرور الوثنيين، غير المؤمنين الذين عندما يواجهون صعوبة صغيرة في الحياة لا يستطيعون أن يتحملوا ظروف الأحداث الأكثر صعوبة ويبدأوا يشكوا بعقولهم ما إذا كان الله موجودًا ويعتنى بكل الأمور وأنه يجازى كل واحد بحسب أعماله. وعندما يرون أنفسهم مستمرين في هذه الظروف المؤلمة يثبتون داخلهم التعاليم الشريرة ويقتنعون في قلوبهم بالرأي القائل بأنه لا يوجد إله: ” قال الجاهل في قلبه ليس إله ” (مز1:14).

وطالما أن هذا الجاهل يضع في قلبه هذا الأمر فإنه يفعل أي خطية بدون تردد لأنه إن لم يوجد الله الذي يرى كل الأمور، إن لم يوجد الله الذي يجازى كل واحد حسب أعماله إذًا فما الذي يمنع أن نظلم الفقير ونتسلط عليه ونقتل الأيتام، ولا نتردد في إبادة الأرملة والغريب الذي أراد أن يعيش بيننا، ونتجرأ على فعل أي عمل سخيف ولا مانع أن نتلوث بالشهوات النجسة والقذرة وبكل الرغبات المتوحشة؟

لذلك وكنتيجة للإعتقاد بعدم وجود الله يقول المرنم: ” فسدوا ورجسوا بأفعالهم ” (مز1:14). لأنه ليس من الممكن أن ينحرفوا هكذا عن الطريق المستقيم إن لم تكن نفوسهم قد ضعفت بمرض نسيان الله.

إننى أتساءل: كيف سُلم الوثنيون ” إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق” (رو28:1). ألم يُسلموا أنفسهم لأنهم قالوا: “لا يوجد إله”؟ كيف وقعوا في ” أهواء الهوان لإن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذى على خلاف الطبيعة. وكذلك الذكور أيضًا تاركين استعمال الأنثي الطبيعى إشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور ” (رو26:1ـ27). ألم يُسلموا أنفسهم بسبب أنهم ” أبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات “؟ (رو23:1).

 

من ينسب الشر لله يتشبه بالوثنى:

حسنا من يقول ليس إله هو الذي لا يملك عقلا ولا حكمة كذلك من يقول إن الله مسبب للشرور هو شبيه به. إنى أعتقد أن خطية الإثنين واحدة، لأن الأول والثاني ينكران الله الصالح. فالأول يقول لا يوجد إله والآخر يقول أن الله ليس صالحا لأنه لو أن الله هو مسبب للشرور فهذا يعنى أن الله ليس صالحًا، إذًا هناك انكار لله من كلا الجانبين. يتسائلون من أين تأتى الأمراض؟ من أين هذه الميتات المبكرة؟

من أين الدمار العظيم الذي يلحق بالمدن؟ من أين العواصف؟ من أين الأوبئة؟ إن هذه الأمور تعتبر بالطبع شرورًا، وكلها من أعمال الله ويتمادوا في ذلك بقولهم من هو الآخر الذي يمكننا أن نتهمة بإرتكاب هذه الحوادث إلا الله؟.

تعال الآن، إذًا، لأننا قد أدخلنا أنفسنا في موضوع يتحدث عنه كثيرون وقيل فيه كلام كثير، وحيث أننا انشغلنا بهذه المسألة بالتفصيل دعنا نحاول أن نطرح شرحًا واضحًا ووافيًا لها.

 

هل الإنسان مسئول عن كل ما يصيبه من تجارب وضيقات؟

حسنًا ينبغي أن نضع في تصورنا هذا الأمر: إننا نحن خليقة الله الصالح وإننا محفوظون بواسطة الله الذي يدبر أمورنا الصغيرة والكبيرة في حياتنا، لذا لن نعانى شيئًا بدون أن يكون لله إرادة في ذلك. أيضًا ليس شيئًا مما نعانى منه يعتبر ضارًا لنا بل يكون أفضل لنا لأننا عندما نتأمل في ذلك نستطيع أن نقترب من الله خالقنا.

فالموت على سبيل المثال يأتى من قبل الله بالتأكيد، ولكنه ليس شر، بل يصبح شرًا فقط في حالة موت الخاطئ. والموت بالنسبة للخاطئ الذي يرحل عن هذا العالم يعتبر بداية الجحيم في الهاوية. وأيضًا ما يقابله الإنسان من آلام في الهاوية لا يكون الله المتسبب فيها بل الإنسان نفسه لأنه كان في مقدرته وسلطته أن يختار بين فعل الخطية أو رفضها وكان لدى الخطاة إمكانية الابتعاد عن فعل الشر وتجنب الإصابة بأية نكبات.

ولكنهم إنخدعوا بطعم اللذة وانقادوا الى الخطية. إذن فما صحة هذا الذي يُقال بأن هؤلاء أنفسهم ليسوا سببا في النكبات التي اصابتهم؟! هذه النكبات هي شرور كما نفهم نحن. وهناك شرور تتوقف علينا نحن مثل الظلم، الخلاعة، الإنحلال الخلقى، الجُبن، الحسد، القتل، الدسائس وكل ما يترتب عليها من أفعال تلوث النفس التي خُلقت بحسب صورة الله خالقنا. إن هذه الأفعال تشوه بالطبع جمال النفس.

أيضًا نحن ندعو كل أمر متعب ومحزن لنا شرًا مثل المرض الجسدى، الجروح، حرمان الجسدمن الأمور الضرورية، العار أو الفضيحة، الضرر المالى، فقدان أحد الأقارب. إن هذه الأمور تأتى إلينا من الرب الصالح والحكيم وذلك لفائدتنا. فمثلاً عندما يأخذ الله المال من الذين يستخدمونه بطريقة سيئة فإنه يريد أن يُدمر ـ بهذه الطريقة ـ الأداة التي بها يظلمون الناس.

وأحيانًا يتسبب الله في مرض للذين يكون في صالحهم أن تتقيد أعضائهم ويلازموا فراش المرض أفضل من أن يكونوا معافين وأحرارًا في إرتكاب الخطية. والموت يأتي إلى البشر في الوقت المناسب أي عندما يصلون الى نهاية حياتهم التي حددها حكم الله العادل منذ البداية الذي قد رأى مسبقًا ما يفيد كل واحد منا. فالمجاعات والسيول هي نكبات مشتركة تأتى على المدن والأمم لكي توقف وتحجم فعل الشر المتفاقم.

إذن مثلما نصف الطبيب دائمًا بأنه محسن وكريم حتى لو تسبب في إيلام الجسد أو النفس (لأنه يحارب المرض وليس المريض) هكذا الله هو صالح يدبر الخلاص من خلال محصلة بعض العقوبات. أيضا نحن لا نتهم الطبيب بأى إتهام عندما يقوم ببتر جزء من أعضاء الجسد أو يكوى آخر بل نعطيه أجرًا وندعوه مخلصًا لأنه يوقف المرض عندما يظهر في جزء صغير من الجسد قبل أن ينتشر في كل الجسد. ولكن عندما نرى مدينة تنهار على ساكينيها بسبب زلزال، أو سفينة تنكسر وتغرق في البحر مع كل ركابها لا نتردد في التجديف على الله الطبيب الحقيقي والمخلص.

أننا نعرف جيدًا أنه في حالة إصابة أحد بأى مرض فإنه يعطي له علاجا مفيدا ليُشفى، ولكن عندما يُصاب بمرض لا يقبل الشفاء تصير الحاجة الى قطع العضو غير القابل للشفاء حتى لا ينتشر المرض في كل أعضاءه الحية والنشطة. إذن كما أن الطبيب ليس هو السبب في إجراء الجراحة أو الكى بل المرض نفسه هكذا فالخطايا هي التي تسبب دمار المدن وليس الله المنزه عن أي تهمة.

 

شرح لبعض الآيات التي قد يفهم منها أن الله مصدر للشرور:

مصور النور وخالق للظلام

ربما يتسائل أحد: إن كان الله غير مسئول عن الشرور لماذا قال عن نفسه أنه ” مصور النور وخالق الظلمة ” (إش7:45).

إن من يفهم هذه الآية فهما صحيحا لا يمكن أن يتهم الله بأنه مسبب للشرور وهى تعني الآتي:

إن الله الذي قال إنه ” مصور النور وخالق الظلمة صانع السلام وخالق الشر أنا الرب صانع كل هذه ” يقدم ذاته من خلال هذه الكلمات ـ كخالق للخليقة كلها وليس لأى شر. ولكى لا تظن أن هناك آخر هو مسبب للنور وآخر أيضًا مسبب للظلمة، دعى نفسه خالق وصانع كل الأشياء حتى التي تبدو أنها ضد الطبيعة، وذلك حتي لا تطلب خالقا آخر للنور وخالقا آخر للمياه، وآخر للهواء وآخر للأرض. والحقيقة أن كثيرين آمنوا بتعدد الآلهه آنذاك إذ رأوا أشياءًا متضادة فيما بينهما (مثل الماء والنار، النور والظلمة،….) دعونا نفحص الجزء الثانى من الآية.

 

صانع السلام وخالق الشر “:

صانع السلام وخالق الشر “. ” صانع السلام ” تعنى أن الله يمنحك الهدوء بالتعليم المستقيم الذي يدخل الهدوء والسكينة الى عقلك ويُسكِّن الشهوات التي تثور ضد النفس. أما عبارة ” خالق الشر ” فتعنى أن الله يغير الشر ويشركة في طبيعة الصلاح. هيا نرى بعض الأمثلة على فعل يخلق: عندما يقول المرنم ” قلبا نقيا إخلق في يا الله ” (مز1:51) لا يعنى أنه يطلب من الله أن يخلق له قلبا آخر لكن تعنى أنه يطلب من الله أن يجدد قلبه الذي عتق من الشرور ليصير جديدًا.

وأيضًا بولس الرسول يقول ” ليخلق من الإثنين إنسانا جديدا ” (أف15:2) لا يعنى ان الله يخلق من العدم لكن تجديد الاثنين الموجودين بالفعل. كذلك عندما يقول: ” إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة ” (2كو17:5). وأيضًا عندما يقول موسى النبي: ” أليس هو أباك مقتنيك هو عملك. وأنشأك (أى خلقك) ” فإنه يعلمنا أنه الله خلقك أو أنشأك بعدما عملك أي أن هناك تحسين وتجديد للخليقة. هكذا يصنع الله السلام بتغيير الشر وتحويله الى ما حسن.

وحتى لو كان السلام في رأيك هو التحرر من الحروب وحتى لو كنت تعتبر الأمور التي تحدث أثناء الحروب شرورًا مثل حملات الإغارة والهجوم خارج حدود البلاد، والدوريات والسهر المستمر، والتدريبات والمشقات، الجرحى والقتلى وسقوط المدن، والأسر، والسلب والنهب، ومناظر القتلي، وكل الفوضى التي تصاحب الحروب، فإن هذه الأمور قد صارت بحكم الله العادل الذي يُعاقب كل الذين يستحقون العقوبة من خلال هذه الحروب. هل ترى إنه يجب الا تحترق سدوم بعد كل هذه الأفعال القبيحة التي إرتكبها سكانها؟

وربما كنت تتمنى ألا تخرب أورشليم ولا ينقض الهيكل بعد كل تلك الاتهامات الباطلة التي تفوه بها اليهود ضد الرب؟! هل هناك طريقة أخري عادلة غير أن تخرب أورشليم بيد الرومان؟ تذكَّر أن اليهود كانوا هم أنفسهم أعداء الحياة إذ سلموا الرب الحياة. هكذا كان ينبغي في بعض الأحيان أن تسقط شرور الحروب على هؤلاء الذين يستحقون العقاب.

 

أنا أُميت وأنا أحيي

أما بالنسبة لقوله ” أنا أُميت وأنا أحيي ” عليك أن تقبل هذه العبارة في معناها البسيط، لأن المخافة تبنى البسطاء. أما عبارة “سحقت وأنا أشقى” فإن السحق أو الجرح ينتج عنه مخافة والشفاء يقود الى المحبة. ويمكنك أن تتأمل هذه الآية تأملاً أسمى من هذا، فستجد الله كأنه يقول: أنا سوف أميت بالخطية وسوف أحيّ بالفضيلة. لأنه ” إن كان إنسانا الخارج يفنى بالداخل يتجدد يوما فيوما ” (2كو16:4).

إذن الله لا يميت أحدا ويحيي آخر، ولكن هو يحي بالأشياء التي تميت ويشفي بالأمور التي تجرح وينطبق ذلك على المثل الذي يقول: ” تضربه أنت بعصا فتنقذ نفسه من الهاوية ” (أم14:23) إذًا يجرح الجسد لكي يشفى النفس، يميت الخطية لتحيا الفضيلة.

وبالنسبة لقوله: ” لأن شرًا قد نزل من عند الرب الى باب أورشليم ” فالآية تشرح نفسها أي شر؟ إنه ضوضاء العربات والفرسان القادمين إليها.

 

” لا توجد بلية إلا والرب صانعها “

أما عندما تقرأ ” لا توجد بلية إلاّ والرب صانعها ” فإنه يقصد بهذا الكلام الإشارة الى فعل الألم الذي يحدث للخطاة بغرض إصلاح وتقويم إخطائهم، لأنه يقول بعد ذلك ” فأذلك وأجاعك وأطمعك المن الذي لم تكن تعرفه ولا عرفه آباؤك لكي يعلمك أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان” تث 8: 3، وذلك لكي يوقف الظلم قبلما ينتشر ويمتد إمتدادا فائقا مثل تيار النهر الذي يوقفونه بسد أو بجدار متين قوى.

 

الكوارث الطبيعية تحدث لفائدة الإنسان :

الأمراض التي تصيب المدن والأمم، والرياح الجافة والأرض الجرداء العقيمة التي لا تثمر وأيضًا الظروف الأكثر قسوة في حياة كل واحد توقف زيادة ونمو الشر. هكذا كل أنواع الشرور (الآلام) التي تأتى من الله تبعد الإنسان عن فعل الشرور الحقيقية. فالعذابات التي يتعرض لها الجسد وكذلك الأمور المؤسفة التي تأتى من خارج الجسد تحدث لكي يبتعد الإنسان عن فعل الخطية.

إذًا ـ في الحقيقة ـ الله يبعد الشر كما إن الشر لا يأتى من الله. لأن الطبيب يشفى المرض لكنه لا يتسبب في حدوث المرض نفسه. هكذا دمار المدن والزلازل والفيضانات وإبادة الجيوش وحوادث الغرق وكل أشكال الدمار التي تصيب الإنسان وتأتى سواء من الأرض أو البحر أو الهواء أو النار أو تأتى من أي مكان تحدث لأن الله يريد بهذه الضربات الجهارية تهذيب البشر.. أما الشر الحقيقى فهو الخطية، وإرتكابها يتوقف على إرادتنا وهى تدعى بالحق شرًا، وبإرادتنا نستطيع أن نبتعد عن الشر أو نفعل الشر.

 

التجارب تخلص الإنسان من الخطايا:

هناك شرور (آلام) تحيط بالإنسان لتظهر مدى شجاعته وإحتماله وصبره، مثلما حدث مع أيوب إذ حرم من أولاده ولحق الدمار بكل ما يملك في لحظة، وحلت قروح البرص بجسده. وهناك أيضا شرور أخري تحيط بالإنسان لشفائه من الخطايا التي فعلها، مثل داود الذي إستحق العقاب الذي لحق به نتيجة شهوته غير المشروعه.

هكذا تعلمنا كيف أن عدل الله ينزل نوعا آخر من العقوبات المخيفة لكي يجعل أولئك الذين ينزلقون بسهولة في فعل الخطية اكثر تهذيبًا. مثال على ذلك داثان وأبيرام اللذين بلعتهما الأرض عندما ” إنشقت الأرض التي تحتهم ” (خر31:16) بهذا العقاب طبعا لم يصيرا في حالة أفضل (لأنه كيف يحدث هذا طالما نزلا الى الهاوية؟ ولكن بهذه العقوبة القاسية صار الباقين أكثر تهذيبا. وبهذه الطريق أغرق فرعون مع كل جنودة (خر28:14).

لا تظن عندما قال بولس الرسول مرة ” آنية الغضب مهيأة للهلاك ” (رو23:9) إنه يقصد آنية شريرة (لأنه سوف ينسب بالصواب سبب الشر لعملية التصنيع)، إنما عندما تقرأ كلمة “آنية” فلنفهم أن كل واحد منا صار (خلق) لشئ مفيد ” ولكن في بيت كبير ليس آنية من ذهب وفضه فقط بل من خشب وخزف أيضًا وتلك للكرامة وهذه للهوان ” (2 تيمو20:2).

[ الإنسان بمقدوره أن يكون إناء ذهب أي طاهر القلب ونقي في طرقه، وإناء فضه أي يكون أقل قيمة من الأول، وإناء خزف أي أن له تصرفات أرضية ومعرض للكسر، أو أن يكون إناء من الخشب أي يتلوث بسهولة من فعل الخطية وجدير أن يلقى في الناء الأبدية ]، هكذا عبارة ” آنية غضب ” أي مثل وعاء فيه طاقة شيطانية تسبب رائحة فساد كريهه وهو غير قابل للاستخدام بل جدير بالفناء والضياع.

لذلك فإن فرعون كان ينبغي أن يهلكه الله الحكيم ومدبر النفوس لكي يعرف للجميع أنه بسبب شره كان غير قابل للشفاء لقد قسى الله قلبه بتأجيل العقاب فيزداد شرًا ويظهر هكذا حكم الله العادل.

تدرج الله معه بعقوبات صغيرة محاولاً دائمًا أن يلين تصرفه غير المطيع ولكنه إزداد في احتقار طول أناة الله وإعتاد على المتاعب التي كانت تحل عليه. إذن الله لم يسلمه إلى الموت. لقد أغرق فرعون نفسه بتكبر قلبه وتشامخه، إذ تجرأ في مقاومة شعب الله وظن أنه يستطيع أن يعبر البحر الأحمر مثلما عبر هذا الشعب.

 

الشر ليس له جوهر:

حسنًا حيث أنك عرفت أنواع الشرور (الآلام) التي تأتى من الله، وعرفت أن تميزها في داخلك. وحيث أنك تعرف جيدًا ما هو الشر الحقيقي؟ أي الخطية التي نهايتها الدمار والموت. كذلك تعرف الآن ما هو الأمر الذي يبدو شرًا إذ يؤلمك ولكنك تدرك أن له قوة الصلاح مثل كل الآلام التي تحيط بنا كى نتوقف عن فعل الخطية، وتعرف أن ثمار هذه الآلام هي خلاص نفوسنا الأبدى، عليك إذًا أن تتوقف عن الشعور بالإحباط تجاه خطة الله لك وعليك أيضًا أن تبتعد عن اعتبار الله مسبب للشر، كذلك لا تظن أن الشر له وجود خاص به. لأن الشر ليس شيئًا موجودًا، مثلما نقول ذلك عن حيوان ما (كائن حى ما).

الشر ليس له جوهر، فالشر هو غياب الصلاح. كما أن العمى يحدث نتيجة تلف يصيب العينين، هكذا الشر ليس له وجود خاص لكنه يأتى بعدما تمرض النفس. والشر أيضًا ليس هو غير مولود كما ينادي الفجار (الغنوسيون وغيرهم) جاعلين هكذا طبيعة الصلاح وطبيعة الشر على نفس المستوى في التقدير. لو أن الكل أتى من الله عندئذ كيف يكون الممكن أن يأتي الشر من الصلاح؟

فلا السيئ يأتى من الصلاح ولا الشر من الفضيلة. إقرأ في سفر التكوين عن خلق العالم ستجد أن الكل صار “حسنا” وأيضا ” حسنا جدًا ” (تك31:1). إذًا، الشر لم يخلق مع الصلاح في آن واحد. ولم تكن الأرواح المخلوقة ممتزجة بالشرور عندما خلقها الله وأتى بها الى الوجود. لأنه إذا كانت الأجساد المادية لم تكن لها طبيعة شريرة بداخلها فكم بالأولى الأرواح التي تتميز جدًا بالنقاوة والقداسة لم تكن لها وجود مشترك مع الشر؟ لكننا نرى الشر موجود وفعله ظاهر ومنتشر في كل العالم.

 

كيف يوجد الشر إن كنا نقول أن ليس له بداية ولا أنه خلق؟

الإجابة تأتى من هؤلاء الذين يفحصون هذه الأمور. فإذا تساءل أحد: كيف تأتى الأمراض؟ من أين يأتى الشلل الجسدى؟ نقول إن المرض ليس هو غير مولود وليس هو خليقة الله، لكن الكائنات لها أعضاء تؤدى وظيفتها ولكن عندما يصيبها المرض تنحرف عن أداء مهمتها بحسب طبيعتها. إذ أن هذه الأعضاء تكون قد فقدت عافيتها سواء لقلة التغذية أو لأى سبب آخر. إذن الله خلق الجسد وليس المرض. لقد خلق الله النفس ولم يخلق الخطية.

إنما النفس يمكن أن تقبل الشر لأنها ابتعدت عن حالتها الطبيعية. وإذا تساءل أحد وقال ما هو الخير الذي كان للنفس؟ نقول: كان مكانها بجوار الله وكان الخير متمثلاً في الاتحاد به بواسطة المحبة. ثم سقطت من هذا المكان وعانت من أمراض كثيرة ومتنوعة لكن إذا تسائل أيضًا وقال: لماذا تقبل النفس فعل الشر؟ نقول: إن نفس الإنسان لها حرية تتناسب مع الكائنات العاقلة. إن نفس الإنسان الانسان متحررة من أي قيد وقد منحها الله أن تحيا بحرية إذ خلقت بحسب صورة الله.

لقد نالت بالتأكيد الصلاح وتعرف جيدا أن تستمتع بهذا الصلاح، ولديها المقدرة لأن تحفظ حياتها الطبيعية طالما أنها تظل تستمتع بالروحيات. لكن أيضًا لديها المقدرة أن ترفض الصلاح. وهذا يحدث للنفس عندما تنحاز للجسد بسبب حب اللذات والشهوات حيث أنها تشبع من مباهج العالم فتنفصل عن حب التمتع بالأمور السمائية.

 

الله لم يخلق الموت ولكن….

6ـ لقد كان أدم في السماء بالمفهوم الروحي وليس المكاني، وفور أن دبت فيه الحياة (النفس) ونظر نحو السماء إمتلأ فرحا إذ نظر هذه الأشياء التي رآها. لقد أحب كثيرا الله الكريم حبا قوى إذ هو الذي منحه حب التمتع بالحياة الأبدية من خلال مباهج الفردوس حيث أعطاه سلطة وسيادة تشبه سلطة وسيادة الملائكة. هذه السيادة جعلته يشترك في الحضور مع رؤساء الملائكة وأن يكون جديرًا بأن يسمع صوت الله.

لكن بينما كان في حماية الله متمتعا بخيراته، شعر بشبع (زائف) من هذه الخيرات السمائية وفضل ما يبهج عينيه الجسدية على الجمال الروحي، وبدلاً من أن يستمتع بالأمور الروحية فضل أن يملأ بطنه، وللتو وجد نفسه خارج الفردوس، خارج تلك البيئة الطوباوية التي كانت محيطة به. وصار شريرا ليس عن إجبار ولكن عن عدم استنارة. إذً فهو الذي وقع في الخطية عن طريق إختياره السيئ ومات بسبب الخطية ” لأن أجرة الخطية هي موت ” (رو23:6) أي كل من يبتعد عن الحياة يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة وغياب الحياة هو موت.

هكذا جلب آدم الموت على نفسه وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور ” لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون” (مز27:73). هكذا ليس الله هو الذي خلق الموت لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة. لكن الله لم يوقف الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظل المرض بدون نهاية، هذا الأمر مثل شخص لا يقبل أن يضع إناء مكسور من الخزف في النار لكي يأخذ الشكل النهائى قبلما يصلح الخطأ بإعادة تصنيعه من جديد.

 

لماذا لم يمنحنا الله طبيعة لا تميل للخطية:

7ـ قد يتسائل أحد أيضا لماذا لا تكون لنا طبيعة لا ترتكب الخطية حتى إذا أردنا أن نفعل الخطية، فلا نجد في طبيعتنا إمكانية لفعلها؟ إننى أقول لك: أنت لا تعتبر العبيد المجبرين على أداء خدماتك أحباءًا لك، بينما عندما تراهم باختيارهم وبإرادتهم ينفذون واجباتهم تعتبرهم أحباءًا لك. هكذا بالنسبة لله فهو لا يحب أن يُنفذ أمره عن إجبار بل يحب ذاك الذي بحرية يتوق الى فعل الخير وإكتساب الفضائل.

والفضيلة تتحقق بالإرادة الحرة وليس بالإجبار. والإرادة الحرة أيضًا تتوقف على مدى استعدادنا الداخلي. وهذا الاستعداد هو الحرية الداخلية. إذًا فإن من يشكو الى الله لأنه لم يمنحنا طبيعة غير قابلة لفعل الخطية، هو الذي لا يفضل لنفسه شيئا آخر إلاّ الطبيعة غير العاقلة محتقرًا بذلك طبيعته العاقلة.

فالطبيعة الأولي تأمر بألا تفعل شيئا، أما الثانية فلديها هذا الاستعداد الداخلي والحرية التي تتوقف دائما على الخبرة والفعل.

هذه الأمور بالرغم من أنها أبعدتنا عن الموضوع إلاّ أننا قد تحدثنا عنها للضرورة حتى لا تقع في هوّة الأفكار، وفى غمرة غياب القيّم تحرم نفسك من الله. إذن ليتنا نتوقف عن تقييم أعمال الله الحكيم. وإن غابت عنا مقاصد خططه فياليت توجد داخل نفوسنا عقيدة واحدة وهي أن الله الصالح لا يصدر عنه أي شرٍ.

 

الشيطان لم يصر مضادا للصلاح بطبيعته:

8ـ نتناول أيضًا موضوع يتعلق بهذه الأمور التي فحصناها وهو الشيطان. ربما يتساءل أحد: إن كانت الشرور لا تأتى من الله فمن أين أتى الشيطان إذًا؟ حسنًا، ماذا يقول عن هذا؟

يكفي أن نجيب عن ذلك بنفس الإجابة التي أعطيناها عن الشر البشري. بمعني، كيف صار الإنسان شريرًا؟ أقول من استعداده الشخصى. أيضا على نفس المنوال: كيف صار الشيطان شريرًا؟ نفس الإجابة، كان الشيطان لدية حرية، كان بمقدرته أن يظل بالقرب من الله أو يتغرب عن الله الصالح.

غبريال كان ملاكا يقف دائما بالقرب من الله والشيطان أيضًا كان ملاكًا لكنه سقط من رتبته. إرادة الملاك غبريال هي التي حفظته في السماء، أما بالنسبة للشيطان فإن اختياره الحر هو الذي ألقى به الى أسفل. وبكل تأكيد كان بمقدور الملاك غبريال أن ينشق عن الله وكذلك كان بمقدور الشيطان الا يسقط. لكن محبة غبريال الملاك لله هي التي حفظته، بينما ابتعاد الشيطان عن الله جعله مطرودًا.

إذًا الشر هو الاغتراب والابتعاد عن الله. بالتفاته صغيرة من العين تجعلنا نكون تجاه الشمس أو تجاه ظل جسدنا. فالاستنارة والنور هما نصيب من نظر الى فوق أما الظلام فهو مصير ذلك الذي يلتفت نحو الظلال. هكذا فإن الشيطان صار شريرًا بارادته، ولم يصر مضادا للصلاح بطبيعته.

 

ولكن لماذا يحاربنا نحن البشر؟

لأن أي وعاء يحتوي على الشر يقبل أي مرض مثل الحسد، فالشيطان هذا الوعاء المملوء بالشر قد حسدنا من أجل المكانة التي منحها الله لنا. لم يطق أن نحيا في الفردوس بدون حزن. لذا خدع الإنسان بالدسائس والمكائد وانتهز فرصة اشتياق الإنسان لأن يتشبه بالله فخدعه وأظهر له بهجة الشجرة ووعده بأنه إذا أكل من ثمرتها سوف يصير مثل الله ” يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر ” (تك5:3).

لم يُخلق هذا الملاك “الشيطان” لكي يكون عدوًا لنا ولكنه من جراء الحسد إنتهى إلى هذه الحالة صائرًا عدوا لنا. وإذ رأى نفسه قد سقط من مكانة الملائكة فلم يستطع أن يرى الإنسان الأرضى يرتفع مترقيا نحو رتبة الملائكة.

9ـ إذن، بسبب أن الشيطان صار عدوا لنا، وضع الله في داخلنا عداوة ضده، وهذا نفهمه من وعد الله للحية التي كانت تخدم الشيطان، إذ قال لها ” وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها ” (تك15:3) لأنه حقا المصالحة مع الشر مؤذية جدا. لأن هذا هو ناموس الصداقة:

يؤثر الواحد في الآخر ويصيران ذات طبيعة متشابهه. وهذا يعبر عنه بالصواب ما هو مكتوب: ” المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة ” (1كو33:15).

لأنه كما أن الهواء الموجود في الأماكن الملوثة بالأمراض ينقل الأمراض خفية لمن يتنفسه، هكذا اعتياد فعل الشرور ينشئ في النفس شرورا عظيمة حتى لو كان الضرر لا يحدث طريقة مباشرة. لذلك لا مصالحة بيننا وبين الحية بل عداوة دائمة وإن كانت الأداة (الحية التي استخدمها الشيطان) تستحق مثل هذه العداوة فكم وكم العداوة التي تتناسب مع ذاك الذي كان السبب (الشيطان)؟! وقد يتساءل البعض: هل كان لابد أن توجد الشجرة في الفردوس حيث انطلق منها الشيطان ليفعل فعلته ضدنا؟ وأنا أتساءل أيضا:

إن لم يكن لديه طعم الخداع كيف كان سيقودنا بالعصيان الى الموت؟ لقد وجدت الشجرة لأنه كان ينبغي أن توجد الوصية التي بها يتم اختبار طاعتنا لله. كان لابد أن توجد شجرة تحمل ثمارًا شهية، حتى إذا تجنبنا هذه الثمرة وأظهرنا انضباطنا نستحق أن نأخذ حقا إكليل الصبر والرجاء.

لم ينتج عن الأكل من الشجرة المحرمة عصيان الوصية فقط بل أيضًا معرفة العُرى الجسدى لأنه مكتوب: ” فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان ” (تك7:3). كان ينبغي للإنسان ألا يعرف العُرى الجسدي حتى لا ينشغل عقل الإنسان بتعويض جسده المكشوف عن طريق صنع الملابس، وأيضًا حتى لا يتلذذ الإنسان بمنظر العري، وعلى أية حال فان الاعتناء الزائد بالجسد يجعلنا ننفصل عن الله بدلاً من أن نتجه دائما نحوه.

ولكننى أتساءل: لماذا لم تصنع الملابس في نفس الوقت الذي خلق فيه الإنسان؟ أقول: لم تصنع الملابس لأنه لم يكن هناك داع لوجود ملابس طبيعية في الكائن الحي. لأن الملابس الطبيعية هي شيء يتميز به الحيوانات غير العاقلة مثل الأجنحة والشعر والجلود السميكة التي تساعد الحيوانات على تحمل برد الشتاء وقيظ الصيف. وبالنسبة للحيوانات لا يختلف الواحد عن الآخر في شيء لأن الجميع لهم طبيعة متساوية. أما بالنسبة للانسان فهو ينال عطايا مختلفة قياسا بالمحبة التي يتمتع بها تجاه الله.

إذً كان يجب على الإنسان تجنب الاهتمامات الجسدية إذ هي ضارة، لذلك فإن الرب عندما دعانا ثانية الى حياة الفردوس أوصانا أن نقتلع من نفوسنا هذه الاهتمامات قائلا لنا: ” لا تهتموا بحياتكم بما تأكلون وبما تشربون. ولا لأجسادكم بما تلبسون أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس ” (مت25:6).

إذًا لم يكن ينبغي للإنسان أن تكون له أغطية طبيعية ولا حتى صناعية، إذ كان معدًا له نوعا آخر من الأغطية إذا مارس الفضيلة. هذه الأغطية التي كانت لابد أن تغطى الإنسان بنعمة الله هي تلك التي يرتديها الملائكة، تلك الملابس المنيرة التي تفوق جمال الزهور، ولمعان وبهاء النجوم. لذا لم تعطى له الملابس مباشرة بعد خلقته، إذ كانت معدة له كمكافأة له إذا مارس الفضيلة، والحقيقة كان في يده أن يأخذها لكن للأسف بسبب تأثير الشيطان لم يستطع أن ينالها.

إذًا عدونا هو الشيطان الذي تسبب في سقوطنا لذا حدد لنا الله أن نجاهد ضد الشيطان حتى أننا بالطاعة نستطيع أن نتوج مرة ثانية بانتصارنا على الشيطان. ياليته لم يصر شيطانا وظل في مكانه الذي حدده له الله مدبر الكون.

وبسبب أن الشيطان صار عاصيا بالفعل وعدوا لله وعدوا للبشر الذين خلقوا بحسب صورة الله لذلك فهو يمقت الإنسان ويحارب الله إنه يكرهنا لأننا ملك الله وأيضا لاننا خلقنا بحسب صورة الله. استخدم الله ـ الذي يضبط كل الأشياء بحكمته ـ خداع الشيطان كوسيلة لكي تتدرب نفوسنا، مثل الطبيب الذي يستخدم سم الحية في صنع الدواء الشافى.

 

انحصار سيادة الشيطان بآلام مخلصنا الصالح:

حسنًا من هو الشيطان؟ وما هي مكانته ورتبته؟

أيضا لماذا سمى شيطان؟ يطلق عليه إسم شيطان لأنه مقاوم للصلاح. وهذه الكلمة العبرية شيطان” تعلمناها من سفر الملوك: ” وأقام الرب خصما لسليمان هدد الأدومى ” (1مل14:11). يطلق على الشيطان إسم “ديافلوس” لأنه صار هو نفسه معاون في فعل الخطية ثم يشتكى أيضا علينا، لأنه يفرح لهلاكنا ويقودنا لفعل الأعمال الشريرة.

طبيعة الشيطان غير جسدية كما قال بولس الرسول: ” فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات ” (أف12:6) وله رتبة ذات سيادة، لأنه يقول: ” مع الرؤساء مع السلاطين ولاة هذا العالم على ظلمة هذا الدهر “. ومكان سلطته هي المجال الهوائى كما يقول لنا بولس الرسول: ” حسب دهر هذا العالم حسب رئيس سلطان الهواء الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية ” (أف2:2) ويدعوه ” برئيس هذا العالم ” لأن سلطته هي حول الأرض.

والرب يقول هكذا: ” الآن دينونة هذا العالم الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجا ” (يو31:12) وأيضا يقول الرب: ” رئيس هذا العالم ياتى وليس له في شئ ” (يو30:14).

10ـ لكن بمناسبة أننا تكلمنا عن جنود الشيطان: ” أجناد الشر الروحية في السموات ” (أف12:6)، علينا أن نوضح تسمية السموات الواردة في هذه الآية. ينبغي علينا أن نعرف أن الكتاب المقدس يعتاد أن يسمى الهواء بالسماء، على سبيل المثال تعبير: ” طيور السماء ” (مت26:6)، و” يصعدون الى السموات ” (مز26:107). أي يرتفعون عاليا في الهواء. لذلك رأى الرب: ” الشيطان ساقطا مثل البرق من السماء. ها أنا أعطيكم سلطانا أن تدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ” (لو10: 18ـ19).

ولكن يسوع المسيح المخلص كرز لنا بملكوت السموات بعدما إنحصرت سيادة الشيطان الشريرة حول الأرض. هذا الانحصار للسيادة الشريرة هذه قد تم بفضل آلام المخلص الذي صالح الأرضيين مع السمائيين (كو20:20). لذا نرى يوحنا المعمدان يقول: ” إقترب ملكوت السموات ” (مت2:3)، والرب نفسه كرز في كل مكان بإنجيل الملكوت.

وقبل ذلك كرزت الملائكة قائلة: ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام ” (لو14:2)، وأيضًا الملائكة المملئون بالفرح بدخول ربنا الى أورشليم كرزوا قائلين: إن أصواتنا المنتصرة هي التي سوف تهتف بالانكسار الكامل للعدو الذي سيحدث في السماء حيث لاجهاد ولاصراع يتبقى لنا هناك. ولن يوجد أي أحد يقاومنا ويحاول إخراجنا من الحياة الطوباوية، لأننا سوف نستمتع بالميراث السمائى المُعَّد لنا مستمعين دائما بثمار شجرة الحياة التي لم نستطع أن نتمتع بها بسبب مكيدة الحية، إذ مكتوب: ” فطرد الإنسان وأقام شرقى جنه عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة ” (تك24:3) لكننا سنمر بدون عائق لندخل ونستمتع بالخيرات الأبدية بمعونة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة من الآن وإلى أبد الآبدين آمين.

الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم

كتاب نشأة العالم والبشرية PDF – قراءة معاصرة لسفر التكوين

كتاب نشأة العالم والبشرية PDF – قراءة معاصرة لسفر التكوين

كتاب نشأة العالم والبشرية PDF – قراءة معاصرة لسفر التكوين

كتاب نشأة العالم والبشرية PDF – قراءة معاصرة لسفر التكوين

تحميل كتاب

كتاب نشأة العالم والبشرية PDF – قراءة معاصرة لسفر التكوين

مبادرة البابا فرانسيس المسكونية من أجل مسيحيي الشرق الأوسط

مبادرة البابا فرانسيس المسكونية من أجل مسيحيي الشرق الأوسط

مبادرة البابا فرانسيس المسكونية من أجل مسيحيي الشرق الأوسط

مبادرة البابا فرانسيس المسكونية من أجل مسيحيي الشرق الأوسط

عُقد أمس الثلاثاء مؤتمر صحفي بالفاتيكان بمناسبة زيارة البابا فرنسيس إلى مدينة باري الإيطالية، في السابع من يوليو الحالي، حيث سينضم إليه لفيف من بطاركة وأساقفة الكنائس المسيحية، أو من يمثلهم، في لقاءٍ مسكوني، للصلاة من أجل المسيحيين في الشرق الأوسط.

وقال رئيس مجلس تعزيز الوحدة بين المسيحيين الكاردينال كورت كوخ، في المؤتمر، بحضور رئيس مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال ليوناردو ساندري: “تعتبر منطقة الشرق الأوسط واحدة من بين المناطق في العالم حيث وضع المسيحيين بمعظمه محفوف بالمخاطر فبسبب الاضطهاد، أجبرت العديد من العائلات إلى مغادرة أوطانها بحثًا عن الأمن وحياة أفضل”.

ولفت الكاردينال كوخ إلى أن نسبة المسيحيين في هذه المنطقة “قد تضاءلت بشكل كبير في غضون قرنٍ واحد، حيث كانت نسبتهم تبلغ 40 بالمئة قبل الحرب العالمية الأولى، أما اليوم فتبلغ 4 بالمئة فقط”. كما أشار إلى العلاقات المسكونية، والتي تجمع الكاثوليك والأرثوذكس بشكل خاص، حيث كانت قوية جدًا وواعدة منذ اللقاء الذي جمع البابا بولس السادس والبطريرك المسكوني أثيناغورس عام 1964 في القدس.

وتطرق الكاردينال كوخ إلى ثلاثة أنواع من المسكونية: مسكونية القداسة، مسكونية الحياة ومسكونية الدم، مستشهدًا بما أكد عليه المجمع الفاتيكاني الثاني بأن قداسة الحياة “هي أفضل ضمان للوحدة المسيحية”. وقال: “عندما تزيد الصعوبات والمعاناة، فإن مسكونية القداسة تصبح مسكونية الدم”، مؤكدًا بأن الوضع الحالي في الشرق الأوسط هو “حافز للمسكونية”، ليس بين المسيحين أنفسهم فحسب، إنما أيضًا للعالم بأسره.

وحول اختيار مدينة باري لإقامة الصلاة المسكونية والتفكير مع قادة الكنائس المسيحية، خلص رئيس مجلس تعزيز الوحدة بين المسيحيين الكاردينال كورت كوخ، بأن هذه المدينة الساحلية على البحر الأبيض المتوسط تشكل “نافذة على الشرق”، كما أنها تحتفظ بذخائر القديس نيقولاوس المبجّل من قبل الكاثوليك والأرثوذكس.

التصميم الإلهي للكون بين العرض والنقد ونقض النقد

التصميم الإلهي للكون بين العرض والنقد ونقض النقد

التصميم الإلهي للكون بين العرض والنقد ونقض النقد

التصميم الإلهي للكون بين العرض والنقد ونقض النقد

’’ الجاهل الذي لا يعرف شيئاً عن العلم هو فقط من يقول إن العلم يقلل من الإيمان. لأنك إن درست العلم بحق يقربك العلم من الله‘‘.

’’چيمز تور‘‘James Tour عالم نانو

لا بد أن الأدلة الفلكية على وجود الله قوية طالما أن الفيزيائيين الملحدين يعترفون أن’’الكون انفجر من العدم‘‘، وعلماء الفلك اللاأدريين يزعمون أن’’قوى فوق طبيعية‘‘ عملت في البداية، حتى إن العلماء يجدون أنفسهم يعودون إلى’’مجموعة من اللاهوتيين… وقد جلسوا هناك منذ قرون‘‘(انظر الفصل الثالث). إلا أن الأدلة العلمية على وجود الله لا تنتهي عند الحجة الكونية. فالكثيرون يرون أن الدقة التي انفجر بها الكون إلى الوجود تزودنا بدليل أكثر إقناعاً على وجود الله.

وهذا الدليل يعرف اصطلاحاً باسم الحجة الغائية Teleological Argument، اسمه مشتق من الكلمة اليونانية telos التي تعني ’’تصميم‘‘. وتقول الحجة الغائية:

  • لكل تصميم مصمِّم.
  • الكون له تصميم شديد التعقيد.
  • إذن الكون له مصمِّم.

وقد أكد’’إسحاق نيوتن‘‘(1642-1727) ضمناً صحة الحجة الغائية عندما عبر عن اندهاشه من تصميم مجموعتنا الشمسية، وكتب’’إن هذا النظام الأخاذ الذي يحكم الشمس، والكواكب، والنيازك لا يمكن أن ينبثق إلا من مشورة وسيادة كائن ذي ذكاء وقوة‘‘.1إلا أن ’’وليم پبلي‘‘ William Paley(1743-1805) هو من أعطى الحجة شهرة واسعة عندما صرح تصريحاً بديهاً مفاده أن كل ساعة تتطلب صانعاً.

تخيل أنك تسير في الغابة ووجدت في الأرض ساعة ماركة’’رولكس‘‘ مرصعة بالألماس. فما الذي تظن أنه مسبب تلك الساعة: الريح والمطر؟ عوامل التعرية؟ مزيج من القوى الطبيعية؟ بالطبع لا! لن تشك لحظة أن كائناً ذكياً صنع تلك الساعة، وأنها سقطت صدفة من شخص سيء الحظ في تلك الغابة.

والعلماء اليوم يكتشفون أن الكون الذي نعيش فيه يشبه تلك الساعة’’رولكس‘‘ المرصعة بفصوص الألماس، فيما عدا أن الكون مصمَّم بدقة تتجاوز دقة تصميم الساعة. والحقيقة أن الكون مصمم بدقة تسمح تحديداً بوجود الحياة على الأرض، وهي كوكب يحوي المئات من الظروف المتكافلة التي يعتبر وجودها أمراً غير محتمل الحدوث، وهذه الظروف تدعم الحياة وتجعل الأرض واحة شديدة الصغر وسط كون شاسع عدائي.

وهذه الظروف البيئية المتكافلة متناهية الدقة (التي يطلق عليها’’الثوابت الإنسانية‘‘ ’’anthropic constants‘‘) تشكل ما يعرف باسم’’المبدأ الأنساني‘‘’’Anthropic Principle‘‘. وكلمة’’Anthropic‘‘ مشتقة من كلمة يونانية تعني ’’إنساني‘‘أو’’إنسان‘‘. والمبدأ الإنساني هو مجرد تسمية جذابة للأدلة المتراكمة التي تجعل الكثير من العلماء يعتقدون أن الكون مضبوط ضبطاً في منتهى الدقة(مصمَّم) بحيث يدعم الحياة البشرية هنا على الأرض.

وفي هذا الكون الشاسع العدائي، نحن البشر سكان كوكب الأرض نشبه كثيراً رواد الفضاء الذين لا يمكنهم البقاء على قيد الحياة إلا بين جدران سفينتهم الفضائية الصغيرة. وأرضنا مثل سفينة الفضاء، تدعم الحياة بينما تنطلق وسط فضاء بلا حياة. ولكنها مثل سفينة الفضاء أيضاً من حيث أنه إذا حدث أي تغير طفيف أو خلل في أي من العوامل، سواء في الكون أو في الأرض نفسها، يمكنه أن يحدث تغييراً قاتلاً في الظروف البيئية المحسوبة حساباً دقيقاً اللازمة لبقائنا على قيد الحياة.

والمهمة ’’أپولو13‘‘ Apollo13 التي تعد من أصعب المهام في تاريخ ناسا وأشهرها سوف تساعد في كشف هذه النقطة بمزيد من الجلاء. وسوف نقضي بضع الصفحات القادمة على متن‏’’أپولو13‘‘‏. وأثناء رحلتنا سنشير إلى بعض الثوابت الإنسانية التى تجعل حياتنا ممكنة.

هيوستن عندنا مشكلة

اليوم هو 13 نيسان/أبريل 1970 بعد مرور أكثر من يومين على انطلاق رئيس المهمة’’چيم لڨل‘‘ Jim Lovell ورائدي فضاء آخرين خارج الغلاف الجوي للأرض على متن سفينة الفضاء ‏’’أپولو13‘‘‏. وهم الآن يطيرون عبر الفضاء بسرعة تزيد عن 3200 كيلومتر في الساعة، ويترقبون بشوق تمشية لم يقم بها إلا عدد قليل من الرجال، تمشيه على سطح القمر. وكل شيء يسير حسب الخطة على مركبتهم الفضائية ذات التصميم الرائع. وقد قال’’لڨل‘‘ بالحرف الواحد إنه وطاقمه’’منتفخون، مدهوشون، سعداء‘‘. ولكن هذه الحالة ستتغير سريعاً.

ففي الساعة الخامسة والخمسين والدقيقة الرابعة والخمسين من بدء المهمة بعد وقت قصير من إنهاء بث تليفزيوني للأرض، يعيد’’لڨل‘‘ الأسلاك إلى مكانها حينما يسمع صوتاً مدوياً، فيظن في البداية أنه الطيار’’چاك سويجرت‘‘ Jack Swigert يمزح بتشغيل صمام مرتفع الصوت خفيةً. ولكنه عندما يلمح علامات القلق على وجه’’سويجرت‘‘، وكأنه يريد أن يقول ’’لست أنا‘‘، سرعان ما يدرك’’ لڨل‘‘ أنها ليست مزحة.

والحوار الذي يدور بين رواد الفضاء’’لڨل‘‘ و’’سويجرت‘‘ و’’فرد هيز‘‘ Fred Haise و’’تشارلي دوك‘‘Charlie Duke (الذي كان على الأرض في مدينة هيوستن) يسير كالتالي:

’’سويجرت‘‘: هيوستن، عندنا مشكلة هنا.

’’دوك‘‘: هنا هيوستن. كرر من فضلك.

’’لڨل‘‘: هيوستنن عندنا مشكلة. انخفاض في فولت الموصل العمومي B.

’’دوك‘‘: ’’روچر‘‘. انخفاض في فولت العمومي B.

’’هيز‘‘: هيوستن الفولت الآن… يبدو جيداً. كان عندنا صوت عال جداً من الإنذار والتحذير. وعلى قدر ما أتذكر، العمومي B هو الذي حدث فيه من قبل ارتفاع مفاجئ في الأمبير.

’’دوك‘‘: ’’روچر‘‘، ’’فرد‘‘.

’’هيز‘‘: أكيد هذه الحركة العنيفة هزت جهاز إحساس كمية الأكسجين رقم 2، فهبط وأخذ يتذبذب من 20إلى60%. ولكنه الآن ارتفع إلى الحد الأقصى.

وعند هذه النقطة رواد الفضاء ليسوا متأكدين تماماً مما يحدث. فأجهزة إحساس أنبوبة الأكسجين متذبذبة. تارة تبين أن الأنابيب تحوي فقط 20% وتارة أكثر من 100% وهو شيء مستحيل. وفي الوقت نفسه رغم ملاحظة ’’هيز‘‘ الأولى أن ’’الفولت يبدو جيداً‘‘، فإن إشارة الإنذارات المتعددة على الأجهزة الكهربية في السفينة تحكي قصة عكسية.

وفي غصون بضع دقائق، تتضح حقيقة المشكلة الخطيرة. ‏’’أپولو13‘‘‏ ليس فيها مجرد مشكلة جهاز إحساس. ولكن فيها مشكلة فعلية. إن مركبتهم الفضائية التي تبعد حالياً قرابة 370 ألف كيلومتر عن الأرض وتتجه بعيداً عن موطنها، تفقد الأكسجين والطاقة بسرعة. لقد فرغت اثنتان من خلايا الوقود الثلاث، والثالثة تنضب سريعاً. ويخطر ’’هيز‘‘ هيوستن بحالة الطاقة:

’’هيز‘‘: قراءة AC 2 صفر… وعندنا الآن انخفاض في فولت الموصل العمومي A… قراءته حوالي 25 ونصف. وقراءة العمومي B الآن صفر.

ثم يبلغ’’لڨل‘‘ عن مشكلة الأكسجين:

’’لڨل‘‘: وأنبوبة رقم 2 لكمية الأكسجين قراءتها صفر. سمعت؟

هيوستن: كمية الأكسجين رقم 2 صفر.

وبيما ينظر’’لڨل‘‘ من زجاج إحدى النوافذ يرى شيئا كأنه تسريب غاز إلى الفضاء من جانب مركبتهم الفضائية.

’’لڨل‘‘: ويظهر لي وأنا أنظر من زجاج النافذة أن شيئاً ما يتسرب من عندنا.

هيوستن:’’روچر‘‘.

’’لڨل‘‘: نعم…نحن نسرب شيئاً إلى، إلى الفضاء.

هيوستن:’’روچر‘‘. نحن نسمعكم هنا، أنتم تسربون.

’’روچر‘‘: إنه غاز من نوع ما.

اتضح فيما بعد أن هذا الغاز هو الأكسجين. لقد انفجرت أنبوبة الأكسجين رقم 2 وأضرت أنبوبة الأكسجين رقم 1 بسبب انفجارها، وهو ما لم يكن يعلمه الطاقم حتى هذه اللحظة. فالقائد’’لڨل‘‘لايستطيع رؤية الضرر الذي حدث للأنبوبة ولكنه يرى الغاز المتسرب فقط.

الثابت الإنساني 1(مستوى الأكسجين): يشكل الأكسجين على الأرض 21% من الغلاف الجوي. وهذا الرقم هو ثابت إنساني يجعل الحياة على الأرض ممكنة. فلو كان الأكسجين 25%، لاندلعت الحرائق تلقائياً، ولو كان 15% لاختنق البشر. والآن يتعين على ’’لڨل‘‘ وطاقمه أن يجدوا طريقة للحفاظ على مستوى الأكسجين الصحيح في سفينتهم.

ولكن الأكسجين ليس مشكلتهم الوحيدة. فكما هو الحال في الغلاف الجوي للأرض، تغيير ثابت واحد على المركبة الفضائية يمكن أن يؤثر على عدة ثوابت أخرى لازمة للحياة أيضاً. وذلك لأن الانفجار يؤدي إلى نقص في الأكسجين، وفي الكهرباء والماء أيضاً. وعلى‏’’أپولو13‘‘‏ يتم إنتاج الماء والكهرباء بخلط الأكسجين مع الهيدروجين في خلايا الوقود. ودون الأكسجين يستحيل تصنيع الهواء، أو الماء، أو الطاقة. وبما أنهم في فرراغ الفضاء. ليس هناك مصدر خارجي للأكسجين.

إن المشكلة تفوق الخيال حتى إن’’چاك سويجرت‘‘ قال فيما بعد’’لو أن أحداً فعل ذلك معنا في المحاكي‘‘، يقصد افتعل إخفاقاً رباعياً في خليتي الوقود رقم 1 ورقم3. وأنبوبتي الأكسجين رقم 1 ورقم2، ’’لقلنا له:”هذا ليس واقعياً”.‘‘

ولكن للأسف هذا ليس المحاكي، بل حالة طوارئ حقيقة في مركبة فضاء قطعت ثلثي الطريق إلى القمر. فماذا يفعلون؟ من حسن الحظ معهم قارب نجاة اسمه المركبة القمرية Lunar Module(LM)، وتعرف أيضاً باسم’’اللم‘‘the lem. وهي مزودة بإمدادات يمكن استخدمها في حالات الطوارئ. والمركبة القمرية تكون متصلة بسطح مركبة القيادة Command Module(CM) ليهبط بها اثنان من رواد الفضاء على سطح القمر بينما يدور الثالث في فلكه عالياً. وبالطبع الهبوط على القمر سيلغى، لأن إنقاذ حياة رواد الفضاء أصبح الآن مهمة‏’’أپولو13‘‘‏ الجديدة.

وفي محاولة لتوفير الطاقة للعودة إلى الغلاف الجوي للأرض، يفصل رواد الفضاء الكهرباء بسرعة عن مركبة القيادة ويصعدون إلى المركبة القمرية. ولكنهم حتى داخل مركبة الفضاء ليسوا في مأمن من الخطر على الإطلاق، لأنهم يجب أن يستمروا في الدوران حول القمر حتى يعودوا إلى الأرض. وهو ما سيستغرق وقتاً، وقتاً ليس متوفراً لديهم. والمركبة القمرية مجهزة بطريقة تمكنها من الحفاظ على حياة رجلين لمدة حوالي أربعين ساعة، ولكنهم ينبغي أن يحافظوا على حياة ثلاثة رجال لمدة أربعة أيام!.

لذلك، فهم يبذلون كل جهدهم للحفاظ على الماء، والأكسجين، والكهرباء، كل الأجهزة غير الضرورية أغلقت بما فيها جهاز التدفئة، ورواد الفضاء يخفضون استهلاكهم للمياه إلى كوب واحد صغير في اليوم. ولكن ’’هيز‘‘ يشعر بالإعياء ويصاب بالحمى، ورواد الفضاء الثلاثة يصابون تدريجياً بالجفاف، فيصعب عليهم التركيز.

ولسوء الحظ، مع إيقاف معظم الأجهزة الأتوماتيكية يكون كل الأعتماد على تركيز أفراد الطاقم. فيجب عليهم، بالإضافة إلى الدوران حول القمر، أن يجروا يدوياً عدة تعديلات في المسار ليضموا أنهم يدخلون الغلاف الجوي للأرض من الزاوية الصحيحة، وليسرعوا من رحلة العودة.

وحتى يتمكنوا من ذلك، عليهم أن يوجهوا السفينة يدوياً بين النجوم. ولكن بما أن الحطام الناتج من الأنفجار ما زال يغلف السفينة في فراغ الفضاء، فهم لا يستطيعون تمييز النجوم من ضوء الشمس المنعكس من الحطام. ومن ثم، ليس أمامهم إلا أن يستخدموا الأرض والشمس نقاطاً مرجعية لتوجيه السفينة بمحاذاتهما معاً في إحدى نوافذ مركبة الفضاء.

وباستخدام هذه الوسيلة البدائية، يراجعون حساباتهم مرة ومرات ليتأكدوا أنهم على صواب، لأن مساحة الخطإ المسموحة ضئيلة جداً، لأنهم لا بد أن يبحروا بالسفينة للعودة إلى الأرض عند نقطة لا تقل عن 5,5 درجة ولا تزيد عن 3‎,‎7 درجة تحت أفق الأرض(من منظور مركبة الفضاء). وأي انحراف عن ذلك المدى سيؤدي بالسفينة إلى الخروج عن الغلاف الجوي للأرض أو السقوط بعمق كبير جداً يتسبب في احتراقها.

الثابت الإنساني 2(شفافية الغلاف الجوي): النافذة الصغيرة التي يجب على رواد الفضاء التوصل إليها تعكس المعايير بالغة الدقة التي صمم الكون على أساسها. فبينما يمثل الغلاف الجوي مشكلة لرواد الفضاء في عودتهم إلى الأرض، خواصه الحالية تمثل ضرورة مطلقة للحياة هنا على الأرض. إن درجة شفافية الغلاف الجوي هي أحد الثوابت الإنسانية. فلو كان الغلاف الجوي أقل شفافية، لما وصل سطح الأرض قدر كافٍ من الأشعاع الشمسي. ولو كان أكثر شفافية، لهبط علينا قدر هائل من الأشعاع الشمسي.(بالإضافة إلى شفافية الغلاف الجوي، فإن المستويات الدقيقة للعناصر المكونة للغلاف الجوي من النيتروجين، والأكسجين، وثاني أكسيد الكربون، والأوزون تعتبر في حد ذاتها ثوابت إنسانية).

الثابت الإنساني 3(تفاعل الجاذبية بين القمر والأرض): عندما يبدأ رواد الفضاء في الدوران حول القمر، يلتقون بثابت إنساني آخر*. وهذا الثابت يختص بتفاعل الجاذبية بين الأرض والقمر. فلو كان التفاعل أكبر من مقداره الحالي، لكان تأثير المد على المحيطات والغلاف الجوي وفترة الدوران حاداً للغاية. ولو كان أقل، لتسببت تغيرات المدارات الفلكية في اضطرابات مناخية. وفي أي من الحالتين تصبح الحياة على الأرض مستحيلة.

وبعد أن يواجه رواد الفضاء القمر عن قرب يتجهون أخيراً إلى موطنهم. ولكنهم يواجهون مشكلة أخرى، لأن ظروف الحياة الحساسة داخل مركبة الفضاء بدأت تتلوث. فمع استهلاك الأكسجين بدأ رواد الفضاء في خلق مشكلة أخرى بالزفير. أي أن ثاني اكسيد الكربون بدأ يصل إلى مستويات خطيرة داخل السفينة. وإن لم يتمكنوا من إيجاد وسيلة لتغيير مرشحات ثاني أكسيد الكربون في المركبة القمرية، سيتسمم رواد الفضاء الثلاثة من أنفاسهم!

وطاقم التحكم في المهمة يخبر رواد الفضاء أن يفتحوا المرشحات المصممة لمركبة القيادة (جزء السفينة الذي أخلاه رواد الفضاء وفصلوا عنه الكهرباء) ليجربوا استخدامها في المركبة القمرية. ولكن بدلاً من أن يتلقى رواد الفضاء أخبار سارة هم في أمس الحاجة إليها سرعان ما يكتشفون أن مرشحات مركبة القيادة لا تتناسب في حجمها ولا شكلها مع المركبة القمرية! يبدو أن المورد(أ) لم ينسق مع المورد(ب)! ومدير الرحلة المحبط’’چين كرانس‘‘Gene Krantz الذي اشتهر بمقولته ’’الفشل ليس خياراً‘‘ التي ألتهمت فريق التحكم في المهمة، يصيح غاضباً:’’قولوا لي إنه ليس مشروعاً حكومياً!‘‘

وفي محاولة للعثور على حل، يبدأ مهندسو ناسا على الأرض في ’’التحايل على المشكلة‘‘، فهم يعصرون أذهانهم للعثور على طريقة لتعديل مرشحات مركبة القيادة المربعة لتتناسب مع فتحة المركبة القمرية المستديرة باستخدام مواد يمكن العثور عليها على مركبة الفضاء، فيصممون حلاً يعتقدون أنه سيفي الغرض، ثم يشرحون للطاقم كيفية عمل التعديل خطوة خطوة. ويتضمن الحل العبقري الذي توصلوا إليه هو استخدام الورق المقوى، وخراطيم بدل الفضاء، وحقائب التخزين، والشريط اللاصق(نعم، يستخدم لإصلاح أي شيء حتى في الفضاء، لاتخرج من بيتك بدونه!).

الثابت الإنساني 4(مستوى ثاني أكسيد الكربون): طبعاً هذا التعديل ليس مطلوباً هنا على الأرض؛ لأن ثاني أكسيد الكربون محفوظ في مستواه الصحيح طبيعياً في الغلاف الجوي للأرض. وهو ثابت آخر من الثوابت الإنسانية. فلو كان مستوى ثاني أكسيد الكربون أعلى من مستواه الحالي، لحدث أحتباس حراري شديد(واحترقنا جميعاً). ولو كان المستوى أقل مما هو عليه الآن، لما تمكنت النباتات من الاستمرار في عملية البناء الضوئي بكفاءة(ولاختنقنا جميعاً، وهو المصير الذي يحاول رواد الفضاء الهروب منه).

ولحسن الحظ تنجح عملية تعديل المرشحات وتكسب الطاقم وقتاً ثميناً(وهواءً صالحاً للتنفس). وسريعاً يحين الوقت للتخلص من وحدة الخدمة المعطلة. وعندما تنفصل وحدة الخدمة، يرى الطاقم لأول مرة حجم الدمار: انفجار أنبوبة الأكسجين أطاح بلوحة حجمها حوالي 5,3×2متر من جانب وحدة الخدمة، وأمال خلايا الوقود، وأفسد الهوائي. ولو حدث انفجار حجمه أقل من نصف ذلك الحجم بالقرب من الدرع الحراري لمركبة القيادة، لأدى إلى خلل كارثي في مركبة الفضاء وفقدان الطاقم.

وعندما يقترب أفراد الطاقم من الغلاف الجوي للأرض يصعدون مرة أخرى إلى مركبة القيادة ليحاولوا توصيلها بالكهرباء. فهذا هو أملهم الوحيد للعودة إلى موطنهم(لأن المركبة القمرية ليس فيها درع حراري). ولكن مع فراغ خلايا الوقود الثلاث ولم تبق إلا كهرباء البطارية،لا يمكن توصيل الكهرباء لمركبة القيادة بالإجراءات الطبيعية. فلا يمكن تشغيل كل الأجهزة لعدم توافر طاقة كافية في البطاريات. وبالتالي عليهم أن يعتمدوا على إجراء جديد للحصول على الكهرباء انتهى من تصميمه حالاً رواد فضاء ناسا ومهندسوها الموجودون على الأرض.

إلا أن ما زاد الأمر تعقيداً أن المياه المكثفة بدأت تقطر من لوحات تحكم مركبة القيادة حيث درجة الحرارة أقل من 5,3 درجة مئوية. فهل سيحدث ماس كهربائي في لوحات التحكم؟ هل ستعمل الأجهزة الضرورية؟ من الخطورة استخدام الكهرباء في هذه البيئة، ولكن ليس أمامهم خيار آخر.

ورغم الخطورة، ينجح إجراء توصيل الكهرباء الجديد، ويربط رواد الفضاء أحزمتهم للعودة إلى الأرض. وأثناء رحلة عودة الرجال الثلاثة إلى الأرض تتطلع أنظار العالم كله إلى مصيرهم. فنشرات الأخبار والمؤتمرات الصحفية تنقل الأخبار أولاً بأول. والكونجرس يصدر قراراً للشعب الأمريكي أن يصلي، والبابا يحث العالم على الصلاة بينما يتجه الأبطال الأمريكيون الثلاثة نحو الغلاف الجوي للأرض بسرعة هائلة في كبسولة فضاء معطوبة. وبعد وقت قصير ستسحبهم الجاذبية الأرضية بأقصى سرعة تصل إلى ما يقرب من 40 ألف كيلومتر في الساعة، أي ما يعدل 11 كيلومتر في الثانية!

الثابت الإنساني 5 (الجاذبية): الجاذبية التي تسحب رواد الفضاء إلى موطنهم الأرض هي أيضاً من الثوابت الإنسانية. وهي ذات قوة مريعة، ولكنها لا يمكن أن تكون غير ذلك لكي توجد حياة على الأرض. فإن تغيرت قوة الجاذبية بمقدار 0000000000000000000000000000000000000000000000000001, 0% لما وجدت شمسنا، وبالتالي لما وجدنا نحن2. تخيل مدى الدقة!

وعندما يهوي رواد الفضاء إلى الأرض بمركبتهم الفضائية المضارة، لا أحد يعرف يقيناً إن كانوا سينجون من هذه العودة العنيفة شديدة الحرارة. وتبقى أسئلة عديدة بلا إجابات: هل الدرع الحراري سليم تماماً؟ هل السفينة فعلاً على الزاوية الصحيحة لدخول الغلاف الجوي؟ هل بطاريات العودة على مركبة القيادة ستعمل؟ هل المظلات ستبسط على النحو الصحيح؟ ومما يزيد الطين بلة صدور تحذير من حدوث إعصار استوائي في منطقة دخول مركبة الفضاء إلى الغلاف الجوي recovery area.

وفي ضوء كل هذا المجهول يتواصل رواد الفضاء مع الطاقم الأرضي قبل انقطاع الاتصال الذي استمر ثلاث دقائق عند العودة إلى الغلاف الجوي للأرض:

’’سويجرت‘‘: مرحى! أريد أن أقول لكم إنكم تبلون بلاءً حسناً يا رجال.

هيوستن: وأنتم أيضاً يا’’چاك‘‘.

’’سويجرت‘‘: أعرف أن كلنا نريد أن نشكركم جميعاً على العمل الرائع الذي قمتم به.

’’لڨل‘‘: أكيد يا’’چو‘‘.

هيوستن: أؤكد لكم أننا استمتعنا بالعمل.

’’لڨل‘‘: أنتم كالطبيب الماهر الذي يعتني بالمريض.

هيوستن: هذا أجمل ما سمعت.

هيوستن: سنفقد الإشارة بعد دقيقة…أهلاً بكم في وطنكم.

’’سويجرت‘‘: شكراً.

وأثناء العودة إلى الأرض، تحلق طائرة C-135 في منطقة عودة مركبة الفضاء إلى الغلاف الجوي لإعادة الاتصال اللازم إلى وحدة التحكم في المهمة. ولكن بعد ثلاث دقائق ينقطع الاتصال مع رواد الفضاء. ويزداد التوتر.

هيوستن: يجب عودة الاتصال إلى’’أپولو13‘‘‏ هذه المرة. ونحن مستعدون لأي أخبار عن التقاط طائرة معدات مدى ‏أپولو13ARIA(Apollo Range Instrumentation Aircraft) لأى إشارة.

الرحلة: شبكة، ليس هناك اتصال مع ARIA بعد؟

الشبكة: الآن ليس عندنا اتصال يا رحلة.(فترة صمت طويلة)

انقضت أربع دقائق على عودة المركبة إلى الغلاف الجوي، وما زال الاتصال منقطعاً. لم يحدث ابداً أن العودة إلى الأرض استغرقت كل هذا الوقت.

هيوستن: مستعدون لأى أخبار عن التقاط إشارة.(صمت)

أخيراً، تتلقى الطائرة إشارة من الكبسولة:

هيوستن: وصلنا إخطار أن طائرة ARIA 4 التقطت إشارة.

ولكن لم يصلنا تأكيد بأن أياً منهم حي.

هيوستن: مركبة القيادة’’أوديسي‘‘، هنا هيوستن. مستعدون. حول. وأخيراً يلتقط الجميع أنفاسهم عند سماع صوت ’’سويجرت‘‘.

’’سويجرت‘‘: حسناً يا’’چو‘‘.

هيوستن: نسمعكم يا’’چاك‘‘!

رواد الفضاء أحياء، ولكن يبقى آخر عائق: مرحلتان من المظلات لا بد أن تعملا وإلا ضاع كل شيء، أولاً المظلة الابتدائية ثم المظلة الأساسية. فإن لم تبسط المظلات جيداً، يتلاشى رواد الفضاء عند ارتطام كبسولتهم بالمحيط بسرعة 480 كيلومتراً في الساعة.

هيوستن: باقي أقل من دقيقتين على بسط المظلات الابتدائية.

انتظار…

هيوستن: إخطار عن مظلتين ابتدائيتين نشرتا بنجاح. والآن يقترب وقت المظلات الرئيسية. (صمت) مستعدون لتأكيد خبر بسط المظلات الرئيسية.

تنبسط المظلات الرئيسية حسب الخطة، وتتمكن هيوستن من رؤيتهم.

هيوستن:’’أوديسي‘‘، هنا هيوستن. نحن نعرضكم وأنتم على المظلات الرئيسية. المنظر رائع!

أخيراً، بعد أربعة أيام من الترقب القلق، رواد الفضاء، وطاقم وحدة التحكم في المهمة، والعالم كله يتنفسون الصعداء:

هيوستن: تصفيق حاد جداً هنا في وحدة التحكم في المهمة!… تصفيق حاد بينما تظهر ‏’’أپولو13‘‘‏ في المظلات الرئيسية بكل وضوح على شاشات التليفزيون هنا.

تهبط مركبة الفضاء على المحيط الساعة 1:07 مساءً بالتوقيت الشرقي القياسي لأمريكا الشمالية ESt يوم 17 نيسان/أبريل 1970.

المبدأ الإنساني: التصميم في التفاصيل

عندما بدأ بعض أفراد وحدة التحكم في المهمة يعبرون عن شكوكهم في أن رواد الفضاء سيعودون أحياء، واجه مدير الرحلة’’چين كرانس‘‘ تشاؤمهم بقوله: يا سادة. أظن أن هذه ستكون أسعد لحظاتنا‘‘. وقد كانت هكذا بالحقيقة. وعرفت ‏’’أپولو13‘‘‏ باسم ’’الإخفاق الناجح‘‘. لقد فشل رواد الفضاء في السير على القمر، ولكنهم نجحوا في العودة إلى الأرض رغم الظروف التي كان يمكن أن تودي بحياتهم.

وكما نجا الطاقم رغم كل المصاعب من تلك الظروف المميتة، نحن أيضاً نبقى على قيد الحياة، رغم كل الظروف المعاكسة، على هذا الكوكب الصغير الذي يطلق عليه الأرض. فمركبات ’’أپولو‘‘ الفضائية صممت، مثل أرضنا، بحيث تحافظ على الحياة البشرية في بيئة الفضاء المعادية. وبما أن البشر لا يمكنهم أن يظلوا على قيد الحياة إلا في غلاف ضيق جداً من الظروف البيئية، لا بد من تصميم هذه السفن بدقة فائقة وبآلاف المكونات. وإن حدث خطأ واحد صغير، تعرضت الحياة البشرية للخطر.

والشيء الصغير الذي عرض حياة طاقم‏’’أپولو13‘‘‏ للخطر يبدو أمراً تافهاً: أنبوبة الأكسجين رقم 2 سقطت بالصدفة من ارتفاع 2 بوصة (5 سم) قبل تركبيها. وذلك السقوط من على ارتفاع بوصتين فقط فقد أفسد جدار الأنبوبة الرفيع وأطلق سلسلة من الأحداث التي أدت في النهاية إلى انفجارها.

ونظراً للعلاقة التكافلية بين المكونات، أدى الخلل في جهاز الأكسجين إلى خلل في سائر الأجهزة وكاد يقضي على مركبة الفضاء وطاقمها. تخيل! ذلك السقوط البسيط من على ارتفاع بوصتين فقط تسبب في كل المشكلات التي كان لا بد لرواد الفضاء أن يتغلبوا عليها حتى ينجوا. فقد أدى إلى تقليص كمية الأكسجين، والماء، والطاقة بشكل مفرط، وزيادة ثاني أكسيد الكربون زيادة مفرطة، وخلل في توجيه السفينة في الفضاء.

وكما هو الحال في حالة حدوث تغيير بسيط في سفينة الفضاء، هكذا أى تغيير بسيط في الكون يتسبب لنا أيضاً في مشاكل هائلة. وكما رأينا، اكتشف العلماء أن الكون، مثل مركبة الفضاء، مصمم بدقة بحيث ينشئ غلافاً ضيقاً جداً من الظروف الداعمة للحياة هنا على الأرض. وأي انحراف ضئيل في أي من العوامل البيئية والفيزيائية (التي أطلقنا عليها’’الثوابت‘‘) من شأنه أن يمنع وجودنا أصلاً. وهذه الثوابت تكافلية مثل المكونات الموجودة على’ ’أپولو13‘‘, أى أن تغييراً صغيراً في أحدها‏ يمكن أن يؤثر على الثوابت الأخرى ويمنع الظروف الازمة للحياة أو يدمرها.

إن مدى الضبط الدقيق في الكون قد يجعل المبدأ الإنساني أقوى حجة لوجود الله. فليس هناك مجرد بضعة ثوابت محددة بشكل عام قد تكون نشأت بالصدفة. لا، بل هناك أكثر من 100 ثابت محددة بمنتهى الدقة تشير بقوة إلى مصمم ذكي. وقد تعرفنا بالفعل على خمسة منها. وإليك عشرة أخر:

  • لو لم تكن قوة الطرد المركزي في حركة الكواكب متوازنة بدقة مع قوى الجذب لما بقي شيء في مداره حول الشمس.
  • لو انخفضت سرعة تمدد الكون بمقدار واحد على مليون من السرعة التي تمدد بها، لتوقف التمدد وانهار الكون على نفسه قبل تكون أي نجم من النجوم.
  • أي من قوانين الفيزياء يمكن تعريفه بأنه دالة في سرعة الضوء(تحدد حالياً بمقدار 299792458 متر في الثانية). وأقل تغير في سرعة الضوء من شأنه أن يغير سائر الثوابت ويمنع إمكانية الحياة على الأرض.
  • لو أرتفعت مستويات بخار الماء في الغلاف الجوي عن معادلاتها الحالية، لحدث احتباس حراري شديد يؤدي إلى ارتفاع كبير في درجة الحرارة لا تتحمله الحياة البشرية. ولو انخفضت مستويات بخار الماء، لانخفض الاحتباس الحراري على نحو يتسبب في برودة الأرض بشكل مفرط لا يلائم الحياة البشرية.
  • لو لم يكن المشترى في مداره الحالي، لانهالت المواد الفضائية على الأرض، وذلك لأن مجال جاذبية المشترى يعمل مثل مكنسة كهربائية كونية تجذب الكويكبات والنيازك فلا تضرب الأرض.
  • لو زاد سمك القشرة الأرضية، لانتقلت كمية ضخمة جداً من الأكسجين إلى القشرة لدعم الحياة. ولو كانت أقل سمكاً، لتسبب النشاط البركاني والتكتوني في استحالة الحياة على الأرض.
  • لو طالت دورة الأرض عن أربع وعشرين ساعة ،لاتسعت الفروق بين درجتي حرارة الليل والنهار اتساعاً مفرطاُ. ولو قصرت، لازدادت سرعة رياح الغلاف الجوي زيادة مفرطة.
  • الميل المحوري للأرض بمقدار 23 درجة هو الميل الصحيح الدقيق. فلو تغير تغيراُ طفيفاً، لارتفعت درجات حرارة سطح الأرض ارتفاعاً هائلاً.
  • لو ارتفع معدل تفريغ الغلاف الجوي(البرق)، لاندلعت الحرائق المدمرة بمعدلات عالية جداً. ولو انخفض، انخفضت معدلات تثبيت النتيروجين في التربة انخفاضاً حاداً.
  • لو ازداد النشاط الزلزالي، لارتفعت معدلات الوفيات الناتجة عن الزلازل. ولو انخفض، لما عادت العناصر الغذائية من قيعان البحار والمياه الجارية من الأنهار إلى القارات عن طريق الزيادة التكتونية.(نعم، حتـى الزلازل ضرورية للحفاظ على هذه الحياة في صورتها الحالية!)

وجدير بالذكر أن ’’هيو روس‘‘ Hugh Ross عالم الفيزياء الفلكية حسب احتمال وجود هذه الثوابت وغيرها (تبلغ جميعا 122 ثابت) اليوم على أي كوكب في الكون بالصدفة (أي بلا تصميم إلهي). فقد افترض أن هناك 2210 كوكب في الكون(رقم ضخم جداً 1 وأمامه 22 صفراً)، وبناء على هذا الافتراض جاءت النتيجة صادمة: الاحتمال هو واحد إلى 13810 ،أي احتمال واحد لواحد أمامه 138 صفر!!5 وليس في الكون كله سوى 7010 ذرة. وهو ما يعني أن احتمال أن يحوي أي كوكب في الكون الظروف الداعمة للحياة المتوافرة على كوكب الأرض هو احتمال مقدره صفر، إلا إذا وجد وراء كل هذا مصمم ذكي.

وهو ما عبر عنه’’آرنو پنزياس‘‘ الحائز على جائز نوبل لمشاركته في اكتشاف الإشعاع التابع للانفجار قائلاً:’’علم الفلك يقودنا إلى حدث فريد، ألا وهو كون خلق من عدم ووضع في حالة من التوازن الدقيق ليوفر الظروف اللازمة بالضبط لدعم الحياة. وفي غياب فكرة الصدفة الساذجة غير المحتملة، يبدو أن ملاحظات العلم الحديث ترجح وجود خطة فوق طبيعية، إن جاز التعبير، تكمن وراء كل شيء‘‘.6

ويستخدم عالم الكون’’إد هاريسون‘‘Ed Harrison كلمة’’برهان‘‘ عندما يتناول تداعيات المبدأ الإنساني على مسألة الله. فهو يكتب قائلاً:’’إليك البرهان الكوني على وجود الله، أي حجة التصميم التي وضعها’’پيلي‘‘ بعد التحديث والتجديد. إن الضبط الدقيق للكون يزودنا بأدلة صريحة على التصميم الإلهي‘‘.7

البرهان على وجود الله!ما هو رد الملحدين؟

كيف يرد الملحدون على هذا’’البرهان على وجود الله‘‘؟ يعترف بعض الملحدين بوجود مصمم ما في مكان ما. فقد اهتز إلحاد عالم الفلك ’’فرد هويل‘‘ بفعل المبدأ الإنساني وبما رآه في الحياة من تعقيد (وهو ما سنتناوله في الفصلين القادمين). وخلص ’’هويل‘‘ إلى أن’’تفسير الحقائق القائم على الحكم السليم يرجح أن’’عقلاً أعلى قد تدخل في الفيزياء، وفي الكيمياء، وفي الأحياء وأنه ليس هناك قوى عمياء في الطبيعية تستحق أن نتحدث عنها‘‘. 8ورغم أن’’هويل‘‘ لم يوضح من هو هذا’’العقل الأعلى‘‘، فقد اعترف أن الضبط الدقيق للكون يتطلب ذكاءً.

ولكن غيره من الملحدين يعترفون بالتصميم ولكنهم ينكرون وجود مصمم، ويرجعون كل هذا إلى الصدفة. ولكن كيف يمكنهم أن يقترحوا فكرة الصدفة فعلياً رغم أن احتمال بقاء الثوابت التي تزيد عن 100كما هي، هو احتمال مقداره صفر تقربياً لو لم يكن هناك ذكاء؟ الأمر ليس بهذه السهولة. لذا اضطر الملحدون للجوء إلى استنتاج غريب ليتيحوا للصدفة فرصة أكبر. ويطلق على استنتاجهم هذا نظرية الأكوان المتعددة.

وتقول نظرية الأكوان المتعددة بوجود عدد لا نهائي من الأكوان، وكل ما في الأمر أن حسن حظنا هو ما وضعنا في كون يحوي الظروف المناسبة. وبناءً على وجود عدد لانهائي من الأكوان يقول هؤلاء الملحدون إن كل مجموعة من الظروف سوف تحدث، بما فيها الظروف الداعمة للحياة الموجودة على كوكبنا.

ولكن تفسير الأكوان المتعددة هذا مليء بمشكلات متعددة. أولها وأهمها أنه لا دليل عليه! فالأدلة تبين أن كل الواقع المحدود النهائي أتى إلى الوجود في الانفجار الكبير. وهذا الواقع النهائي هو تحديداً ما نطلق عليه’’الكون‘‘. فإن وجود أي واقع نهائي آخر، فهو خارج نطاق ملاحظتنا. فلم يلحظ أحد أي أدلة على وجود هذه الأكوان. لذلك فكرة الأكوان المتعددة هذه ليست أكثر من فبركة ميتافيزيقية، قصة خيالية من قصص الجينات تقوم على إيمان أعمى، وهي منفصلة عن الواقع مثل’’الزمن التخيلي‘‘ عند’’ستيڤن هوكينج‘‘.

ثانياً، كما ذكرنا في الفصل السابق، عدد لانهائي من الأشياء”المحدودة” سواء أكانت أياماً، أم كتباً، أم انفجارات، أم أكواناً؛ يمثل استحالة فعلية. يستحيل أن يكون هناك عدد غير محدود من أكوان محدودة.

ثالثاً، حتى لو أمكن وجود أكوان أخرى، ستطلب ضبطاً دقيقاً لكي تبدأ مثلما بدأ كوننا(تذكر الدقة المتناهية للانفجار الكبير التي استعرضناها في الفصل السابق). لذلك افتراض وجود أكوان متعددة لا يلغي ضرورة وجود مصمم، بل يزيد من ضرورة وجود مصمم!

رابعاً، نظرية الأكوان المتعددة واسعة جداً حتى إنه يمكن استخدامها للتهوين من أي حدث. فمثلاً، إن سألنا:’’لماذا صدمت الطائرات النتاجون ومركز التجارة العالمي؟‘‘ يجب ألا نلوم الإرهابيين، لأن النظرية تسمح لنا أن نقول إننا موجودون بالصدفة في هذا الكون حيث تلك الطائرات واقعياً تصدم المباني بالصدفة، ولكن يبدو ظاهرياً هو أن الطائرات صدمت المباني عمداً. ومع نظرية الأكوان المتعددة يمكننا أن نبرئ حتى هتلر.

فربما أننا موجودون بالصدفة في هذا الكون الذي فيه يبدو ظاهرياً أن الهولوكوست قتل، ولكن واقعياً اليهود تآمروا سراً مع الألمان وأرسلوا أنفسهم إلى الأفران. في الحقيقة نظرية الأكوان المتعددة واسعة جداً لدرجة أنها يمكن حتى أنها يمكن حتى أن تستخدم لالتماس العذر للملحدين الذين اخترعوها. لعلنا وجدنا بالصدفة في هذا الكون الذي فيه الناس يفتقرون للعقلانية لدرجة أنهم يرون أن هذا الكلام الفارغ هو الحق!

وفي النهاية نظرية الأكوان المتعددة هي مجرد محاولة يائسة لتجنب تداعيات التصميم. وهي لا تزيد الصدف، بل تزيد العبث. إنها تشبه رواد فضاء’’أپولو13‘‘ إذا أنكروا أن ناسا صممت مركبتها الفضائية وصنعتها، لصالح النظرية التي لا دليل عليها والتي تقول بوجود عدد لانهائي من مركبات الفضاء التي تحدث طبيعياً، ورواد الفضاء محظوظون أن يكونوا على المركبة التي تدعم الحياة بالصدفة. وهذه النظرية طبعاً كلام فارغ وعبثيتها الواضحة تكشف قوة الأدلة على التصميم. ولكن الأدلة غير العادية تتطلب نظريات غير عادية لتقلل من شأنها.

الله؟’’ارفعوا إلى العلاء عيونكم‘‘

في الأول من شباط/فبراير2003 نظر الرئيس چورچ و.بوش بعينين حزينتين في عدسة الكاميرا وخاطب الشعب الأمريكي عبر شاشات التليفزيون قائلاً:’’إخوتى الأمريكيين، هذا اليوم حمل لبلادنا خبراً مزعجاً وحزناً عميقاً. في التاسعة من صباح اليوم فقدت وحدة التحكم في هيوستن الاتصال مع مكوكنا الفضائي’’كولومبيا‘‘. وبعد وقت قصير شوهد الحطام ساقطاً من سماء مدينة تكساس. لقد فقد’’كولومبيا‘‘، ولم ينج أحد‘‘.9

لما كان ’’كولومبيا‘‘ يسير بسرعة 20 ألف كيلومتر في الساعة، تفكك عند محاولته للدخول إلى الغلاف الجوي للأرض. وهذه المأساة المكوكية الثانية الكبرى هزت الأمة ولكنها لم تثنها. فقد تعهد الرئيس قائلاً:’’القضية التي ماتوا فيها ستستمر. فالجنس البشري يخترق الظلام القابع خلف عالمنا بإلهام الاكتشاف والتوق إلى الفهم. ورحلتنا إلى الفضاء ستستمر‘‘.

ولكن أي رحلة بشرية إلى الفضاء لن تخترق إلا جزءاً يسيراً منه. فمجرتنا تحوي 100 مليار نجم، ومتوسط المسافة بين تلك النجوم يبلغ 30 تريليون ميل (48تريليون كم).( بالمناسبة، هذه المسافة هي ثابت إنساني آخر. فلو قصرت المسافة بين النجوم أو طالت، لتأثرت مدارات الكواكب).

ما مقدار الثلاثين تريليون ميل؟ لنشرحها بهذه الطريقة: عندما يكون المكوك الفضائي في المدار، يتحرك بسرعة حوالي17000 ميل في الساعة، أي ما يقرب من 5 أميال في الثانية. فلو تمكنت من الدخول إلى مكوك الفضاء وأبحرت في الفضاء بسرعة خمسة أميال في الساعة تقريباً، ستأخذ 201450 سنة لكي تقطع 30 تريليون ميل! أي أنك لو ركبت المكوك الفضائي في زمن المسيح وبدأت تتحرك من شمسنا تجاه نجم آخر يبعد عنها مسافة متوسطة، ستكون الآن قد قطعت واحد على مائة من الطريق. شيء مذهل.

لاحظ أن هذه المسافة تقع بين اثنين فقط من المائة مليار نجم الموجودة في مجرتنا. فكم عدد النجوم في الكون كله؟ عدد النجوم في الكون يعادل حوالي عدد حبات الرمال التي تغطي كل شواطئ الأرض بأسرها. فلو سافرت بسرعة 5 أميال في الساعة ستستغرق أكثر من 200 ألف سنة لتنتقل من حبة رمل إلى الأخرى! ما أبهى العلاء.

يوصينا الكتاب المقدس أننا إن أردنا أن نعرف شيئاً من صفات الله علينا أن نرفع إلى العلاء عيوننا. وفي مزمور 19 يعبر داود عن الحجة الغائية قبل ’’نيوتن‘‘وقبل’’پيلي‘‘ بآلاف السنين قائلاُ:”السموات تحدث بمجد الله. والفلك يخبر بعمل يديه”. وبعد بضعة قرون يطرح النبي إشعياء سؤالاً من الله:”فبمن تشبهونني فأساويه؟ يقول القدوس”(25:40). وتأتي الإجابة في العدد التالي:”ارفعوا إلى العلاء عيونكم وانظروا”(ع26). ويستطرد إشعياء قائلاً إن الله يعرف كل نجوم السماء بأسمائها!

لماذا يخبرنا الله أن نشبهه بالسماوات؟ لأن الله لا حدود له، وهكذا السماوات من منظورنا. الله هو اللامحدود الذي يضع حدوداً لكل شيء، هو اللامخلوق الذي يخلق كل شيء. إنه الكائن اللانهائي، ذاتي الوجود، الذي خلق هذا الكون الفسيح الجميل من عدم، والذي يحفظه معاً اليوم. وليس هناك إلا كيان واحد في خبرتنا يمكن أن يزودنا بمشابهة للامحدودية الله، فرسم صورة تعبر عن الله لن يجدي*، بل إنها تحد جلاله. ولكن السماوات فقط هي التي تصيح وتنادي بلا محدوديته.

إن اللامحدودية هي السمة المميزة لكل صفة من صفات الله بما فيها قوته، ومعرفته، وعدله، ومحبته. ولذلك يستخدم الكتاب المقدس السماوات ليساعدنا على إدراك ارتفاع محبة الله اللامحدود. فمزمور11:103 يقول:”لأنه مثل ارتفاع السماوات فوق الأرض قويت رحمته† على خائفيه”. فما ارتفاع السماوات فوق الأرض؟ عندما تفكر أن المسافة بين النجوم تصل إلى 30 تريليون ميل وأن هذه النجوم تساوي في كثرتها عدد حبات الرمال التي تغطي الشطئان، وأيضاً تقول:’’السماوات مرتفعة بلا حدود‘‘. صحيح، وهذا هو ارتفاع محبة الله.

ولعل محبة الله غير المحدودة هي ما دفعت الرئيس بوش ليقتبس من إشعياء في تكريمه لطاقم ’’كولومبيا‘‘:’’لقد رأينا في السماوات اليوم دماراً مأساوياً. ولكن خلف هذا المنظور الذي تراه عيوننا يوجد عزاء ورجاء، كما قال إشعياء النبي”ارفعوا إلى العلا عيونكم وانظروا من خلق هذه. من الذي يخرج بعدد جندها يدعو كلها بأسماء. لكثرة القوة وكونه شديد القدرة لا يفقد أحد”. إن الخالق نفسه الذي يدعو النجوم بأسماء يعرف أيضاً أسماء النفوس السبع التي ننوح عليها اليوم. إن طاقم المكوك’’كولومبيا‘‘ لم يعد إلى الأرض بسلام، ولكننا نستطيع أن نصلي أن يكونوا جميعاً قد وصلوا إلى الوطن الأبدي بسلام‘‘.10

الخلاصة

منذ ما يقرب من 2000 سنة كتب بولس في بداية رسالته إلى المؤمنين في رومية “لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر”. ومؤكد أن الدليل على وجود مصمم واضح في الخليقة، ولكننا دائماً ما نعتبره شيئاً عادياً.

ويقدم’’سي.إس.لويس‘‘ في كتابه الكلاسيكي’’رسائل خربر‘‘The screwtape letters فهماً ثاقباً لميلنا أن نرى العالم المبهر المحيط بنا وكأنه شيء عادي. فالشيطان الكبير’’خربر‘‘ يكتب نصيحة للشيطان الأصغر’’علقم‘‘Wormwood عن كيفية منع الناس من أن يصبحوا مسيحيين. فيكتب’’خربر‘‘ قائلاً:’’اطبع في داخله باستمرار أن الأشياء عادية. وأهم شيء ألا تحاول أن تستخدم العلم(أقصد العلوم الحقيقة) للهجوم على المسيحية.

لأنه سيشجعه على التفكير في الحقائق التي لا يمكنه أن يلمسها ويراها. وقد رأينا حالات مؤسفة بين علماء الفيزياء المحدثين‘‘11.’’الحالات المؤسفة‘‘ هي طبعاً علماء فيزياء كانوا أمناء للأدلة التي رأوها فأصبحوا مسيحيين.

لقد رصد’’لويس‘‘ ميلاً عند الكثير منا. ففي حياتنا السريعة نادراً ما نتوقف ونلاحظ العالم المحيط بنا، ومن ثم نميل أن نعتبر كل وجه مبهر لهذا الكون الجميل شيئاً عادياً. ولكن كما رأينا، هذا الكون أبعد من أن يكون عادياً. واليوم يبين لنا العلم، أكثر من أي وقت مضى في التاريخ، أن الكون يمتاز بتصميم وتعقيد مذهلين. فهو يزودنا بمنظور جديد للعالم الذي غالباً ما نعتبره نحن أيضاً شيئاً عادياً.

ورواد الفضاء يرون العالم من منظور جديد من سفنهم الفضائية يساعدهم أن يدركوا أن هذا الكون يمكن أن يكون أي شيء إلا أن يكون عادياً. فعندما سار رواد الفضاء الأوائل على سطح القمر ورأوا الأرض تشرق*، وهو منظر لم يشهده إنسان من قبل، قرؤوا في خشوع من سفر التكوين”في البدء خلق الله السماوات والأرض”. وهل من شيء آخر يناسب تلك اللحظة؟ فتلاوة نظرية الأكوان المتعددة ما كانت-طبعاً- لتعبر عما اجتاح رواد الفضاء من مشاعر المهابة.

لقد شهدوا تصميماً من زاوية لم يشهدها أحد قبلهم وبهتوا بفكرة أن الخليقة المبهرة تستلزم خالقاً مبهراً. وقد ردد’’چون جلن‘‘John Glenn هذه القناعة عينها عندما نظر من مكوك الفضاء’’ديسكڨري‘‘Discovery وهو في السابعة والسبعين من عمره وقال:’’أن تنظر إلى خليقة كهذه ولا تؤمن بالله أمر مستحيل في نظري‘‘.

إن تأثير خبراتهم العميق يكشف أن الحجة الغائية أمر بديهي يدركه الإنسان بالحدس. فأنت لا تحتاج لمن يخبرك أن الشيء المصمم تصميماً جميلاً يتطلب مصمماً. فهو أمر واضح في ذاته. ومع ذلك، لنطرح الحجة في شكلها المنطقي ثانية مع التركيز على ما اكتشفناه في هذا الفصل:

  • لكل تصميم مصمم.
  • بناءً على المبدأ الإنساني، نعرف بما لايدع مجالاً للشك المنطقي أن يكون الكون مصمم.
  • إذن الكون له مصمم.

ليس هناك تفسير مقبول منطقياً للمبدإ الإنساني إلا وجود مصمم كوني. وعلى الملحدين أن يشطحوا بمزاعهم لكي يتمكنوا من إنكار الواضح. فعندما يخترعون نظريات افتراضية بلا أدلة تساندها، بل بالفعل نظريات مستحيلة، يكونون قد خرجوا من عالم المنطق والعقلانية ودخلوا إلى عالم الإيمان الأعمى. فقد كتب عالم الفيزياء’’پول ديڨيز‘‘ Paul Davies:’’ربما يجد المرء أن الاعتقاد في مجموعة لا نهائية من الأكوان أسهل من الأعتقاد في إله لانهائي، ولكن هذا العتقاد لا بد أن يقوم على الإيمان وليس على الملاحظة‘‘.12

والاعتقاد في شيء دون ملاحظته هو عين الاتهام الذي يوجهه الملحدون للأشخاص ’’المتدينين‘‘. ولكن المضحك أن الملحدين هم من يرجون لدين يقوم على الإيمان الأعمى. ولكن المسيحين يستندون على أسباب وجيهة تقوم على الملاحظة (مثل الأنفجار الكبير والمبدأ الإنساني) تبرر ما يعتقدون فيه. إلا أن الملحدين ليس عندهم أسباب. ولذلك لسنا نملك الإيمان الكافي للإلحاد.

وهذا الإيمان الأعمى الذي يتسم به الملحد يكشف أن رفض المصمم لا يمثل مشكلة عقلية، فهو لا يرجع إلى قلة الأدلة أو المبررات العقلية التي تؤيد وجود مصمم. بل العكس هو صحيح، فالأدلة مبهرة. ولكن المشكلة التي نحن بصددها مشكلة إرادية، فكل ما في الأمر أن البعض لا يريدون أن يعترفوا بوجود مصمم رغم الأدلة. وقد اعترف أحد نقاد المبدأ الإنساني لمجلة’’نيويورك تايمز‘‘New York Times أن رفضه الحقيقي ’’عاطفي محض‘‘ لأنه’’ يشم رائحة الدين والتصميم الذكي‘‘. 13إذن وداعاً للموضوعية العلمية.

وسوف نتناول في الفصل السادس مزيداً من هذه الدوافع وراء إنكار الأدلة القوية على وجود الله. ولكننا سنبحث أولاً في الفصل الخامس مزيداً من الأدلة المقنعة على المصمم، وهي أدلة موجود في الحياة نفسها.

* كما هو الحال مع معظم الثوابت، هذا الثابت يعتمد على ثوابت أخرى. فمثلاً تفاعل الجاذبية هو أيضاً دالة function من حجم القمر الذي هو أكبر بالنسبة لكوكبه من معظم الأقمار الأخرى.

* ربما هو سبب منع الوصية الثانية صنع الصور. فالصور تحد جلال الله. ولكن الأوثان أوثان سواء أكانت معدنية أم عقلية.

† ترد في ترجمةNIV (التي يستخدمها الكاتبان)”محبته” his love.(المترجمة)

* المقصود ارتفاع الأرض فوق الأفق كما ترى من القمر(https://www.ahdictionary.com/word/search.html?q=earthrise)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 29/9/2016.(المترجمة)

التصميم الإلهي للكون بين العرض والنقد ونقض النقد

اعداد العالم للخلاص – كيف أعد الله العالم للخلاص؟ القس كيرلس عبد المسيح

اعداد العالم للخلاص – كيف أعد الله العالم للخلاص؟ القس كيرلس عبد المسيح

اعداد العالم للخلاص – كيف أعد الله العالم للخلاص؟ القس كيرلس عبد المسيح

اعداد العالم للخلاص – كيف أعد الله العالم للخلاص؟ القس كيرلس عبد المسيح

 

          (أف3:1ـ14): نشيد ليتورجى على الأرجح يرنمه بولس الرسول بفخر وفرح مجيد. نشيد المفديين بالخلاص الكامل والعتيد، المعد لهم من قبل تأسيس العالم، ونحن أيضًا بفرح مجيد مع بولس نرنمه، ونرجع إليه لنتأمل في تدبير الخلاص، لأن تاريخ العالم والإنسان مع الله ما هو إلاّ تاريخ خلاص. والقديس أثناسيوس يقول شرحًا لهذه الفقرة:” الإرادة والتخطيط (للخلاص) قد أُعِدَّا منذ الأزل، أما العمل فقد تحقق عندما استدعت الحاجة، وجاء المخلّص إلى العالم “[1].

          ونستطيع أن نُجمل مسيرة الخلاص من خلال هذه المراحل:

1 ـ ما قبل الخلق وخلق الإنسان.

2 ـ سقوط الإنسان وما ترتب عليه من تهيئة الخالق، العالم للخلاص.

3 ـ تجسد ابن الله ملء الخلاص.

          وهذه المراحل غير منقطعة فيما بينها، بل هى متصلة ومندمجة معًا. إذ إنها تدبير الله الخالق، إله العهد، الفادى والمخلّص ” أنا الرب، وليس غيرى مُخلّص ” (إش11:43)[2]، فعلى (خروج42:12) ” هى ليلة تحفظ للرب لإخراجه إياهم من أرض مصر. هذه الليلة هى للرب” يذكر ترجوم أورشليم أنه ” كانت هناك أربعة ليالى مميزة تحفظ من جميع بنى إسرائيل في أجيالهم: تلك التي للخليقة، والتي للعهد مع ابرآم، والتي تم فيها أول فصح، وتلك المنتظرة لفداء العالم “[3].

          إن تدبير الخلاص، هو تدبير مخفى مكتوم منذ الأزل[4]. لكن اليوم الذي وُلِد فيه ” في مدينة داود مخلّص هو المسيح الرب ” (لو11:2) هو ملء الأزمنة الأزلية والحاضر والدهور الآتية، وهو الوقت المعين من الله لإعلان وإظهار ” السر المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال ” (كو26:1)[5].

أولاً: ما قبل الخلق وخلق الإنسان

1 ـ الخلق على صورة الله كنعمة وخلاص:

          الله بما أنه ثالوث واحد قدوس، خلق الإنسان في أقنومه الثانى “الكلمة” الذي هو صورة الله غير المنظور و” الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره ” (كو15:1، عب3:1) و” الكل به وله قد خلق ” (كو16:1).

وكون أن يخلق كائن في الخليقة على صورة الله، يعنى أن الله يميز هذا الكائن عن بقية الخلائق، وأنه يرفعه إليه ويجعل ارتقائه وتطوره نحوه (أى نحو الله) وبهذا الارتقاء يجعله أيضًا مؤهلاً ليكون شريكًا للطبيعة الإلهية ” فإن الله خلق الإنسان لعدم الفساد، وجعله على صورة ذاته الإلهية” (الحكمة 23:2) ويقول القديس أثناسيوس أن “الخلق هو نعمة، والصورة الإلهية هى نعمة أخرى إضافية”، تجعل البشر “يحيون الحياة الحقيقية؛ حياة القديسين في الفردوس”.

هذا يعنى ضمنًا خلاص الإنسان من حدود العدم والفساد. ولأجل صلة القرابة والبنوة هذه، والتي مجّد بها الله الإنسان فإنه لن يكون هناك عائقًا أمام الخالق في مجيئه لخليقته متجسدًا[6].

ويقول الأب صفرونيوس:” عندما خُلقنا على صورة الله، كان الله الآب يرتب تدبير الخلاص بعطية الصورة الإلهية لنا .. وهكذا جاءت الحياة والوجود الإنسانى موازيًا ومثالاً للوجود الإلهى .. ورتب الله بذلك أن تحيا الخليقة، لكى تفهم ما سوف يعلن في آخر الدهور عن الحياة الإلهية[7].

 

2 ـ حفظ الخليقة كنعمة وخلاص[8]

” فإنك تحب جميع الكائنات، ولا تمقت شيئًا مما صنعت. فإنك لو أبغضت شيئًا لما كونته. كيف يبقى شيئًا لم ترده أم كيف يحفظ ما لم تدعه” هذه القراءة من (الحكمة24:11)، تعلن لنا بوضوح عن حفظ الله للخليقة التي دعاها الله للوجود.

ويشرح القديس أثناسيوس الرسولى هذا القول هكذا: “كلمة الآب القدوس الكلى القدرة، الكلى الكمال اتحد بالكون وكشف عن قوته في كل أرجاء الكون، إذ أنار الكل ما يُرى وما لا يُرى، وهو يمسك بكل الكائنات ويربطها به، وبذلك لم يترك شيئًا من المخلوقات محتاجة إلى قوته، بل بالعكس يحيى كل شئ في كل مكان”. الثالوث القدوس إذن، لم يترك الخليقة فارغة من قوته بعد تكوينها، وبذلك فهى تتلقى منه وجودًا وارتباطًا به وخلاصًا بقوته، لكى تبلغ المقاصد والمواعيد العتيدة المعدة لها في المسيح (أف10:1).

 

3 ـ الخلاص من خلال الشركة في حياة الله

          خلق الله في الفردوس ” أشجارًا ذا ثمر ” ” ورأى الله ذاك أنه حسن” (تك11:1،12) وقال الله ” إنى قد أعطيتكم .. كل شجر فيه ثمر .. لكى يكون لكم طعامًا” (تك29:1) ولكنه ميز شجرة في الفردوس عن كل الأشجار، وتلك هى “شجرة الحياة.” إذ يمد (الإنسان) يده ويأخذ من شجرة الحياة.. ويأكل.. يحيا إلى الأبد ” (تك22:3). لهذا وضع الرب هذه الشجرة في وسط الجنة (تك9:2) لتكون أمام عينى آدم حتى تشغل مركز عقله واهتمامه وتملأ قلبه “ جعل الكل حسنًا في وقته، وأيضًا جعل الأبدية في قلبهم التي بلاها لا يدرك الإنسان العمل الذي يعمله الله من البداية إلى النهاية” (جا11:3).

وبالطبع فإن هذه الشجرة لا تُحيى بمجرد الأكل، وإلاّ حُسبت على قدر المساواة بذاك الذي غرسها، فينسى الإنسان بذلك مصدر حياته وخالقه. كان الواجب أن يكون الأكل من الشجرة مصاحبًا التأمل في الله. وكانت هذه الشجرة تؤكد وتعبّر من جانب، عن المسافة بين الله والإنسان، ومن جانب آخر، عن عطية الله للإنسان، وذلك ليكتشف الإنسان حاجته لما يسد تلك الهوة بينه، كمخلوق وبين الله الحى بذاته، فيحيا المخلوق القابل للموت، بالحى بذاته. كما أن الشجرة كانت تهدف أيضًا إلى أن لا يحيا آدم في الخلود من ذاته الذي هو أصل السقوط وكل خطية.

          إذن لكى يحيا آدم حياة مغايرة، غير مائتة كان عليه، أن يقتنى التمييز بين حياة وحياة، أى أن لا يساوى نفسه بالمخلوقات الباقية من جانب، وأن يتجه نحو الحياة التي تأتى له من الله من جانب آخر.

يقول القديس أثناسيوس ” خلق مخلّصنا يسوع الجنس البشرى وجعل الإنسان قادرًا على رؤية وإدراك الحقائق بواسطة هذه المشابهة لشخصه.. عائشًا حياة الخلود كاملة ومباركة يقينًا.. إذ يتأمل في العناية الإلهية التي تمتد إلى الكون عن طريق “الكلمة”، مرتفعًا عن الأشياء الحسية والمظاهر الجسدية ومتصلاً بقوة عقله بالإلهيات والأشياء التي تدرك بالعقل في السموات.. وإذ يرى “الكلمة”، فإنه يرى فيه أيضًا أبا “الكلمة” متلذذًا بالتأمل فيه، ومكتسبًا التجديد من الانعطاف نحوه.

وذلك تمامًا كأول إنسان خُلق ـ الذي سُمى بالعبرية آدم ـ إذ وصف في الكتب المقدسة بأن عقله كان متجهًا نحو الله بحرية لا يعيقها الخجل. وبأنه كان يشارك القديسين في التأمل في الأمور التي يدركها العقل، والتي كان يتمتع بها في المكان الذي كان فيه الذي دعاه موسى رمزيًا بالجنة، لذلك فإن طهارة النفس كافية في حد ذاتها للتأمل في الله. كما يقول الرب أيضًا ” طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله“.

والقديس غريغوريوس العجائبى يعتبر أن غياب الاتجاه نحو الله، كان سبب الخضوع لغواية الحية: ” حواء التي استراحت في الفردوس كان عقلها عقيمًا بلا فكر ولا تأمل، ولذلك خضعت لغواية وكلام الحية أصل كل الشرور”. هذا يفسر ما جاء في (الحكمة10:9) فإن الجسد الفاسد يثقل النفس وللخيمة الترابية عبء للعقل الكثير الهموم.

 

خلاصة الأمر:

إن الحياة في الفردوس كانت تعنى لآدم أنه مدعو للبقاء إلى الأبد في نعمة الصورة الإلهية، وبذلك يكون بقاؤه ونجاته من الموت، وخلوده في الفردوس، هو في الشركة مع الله. فيدوم خلاصه وتحرره من الفساد والموت.

إن آدم قبل سقوطه كان حيًا ـ طالما كان هناك تأمل، وانعطاف فكر نحو الله، ومحبة، واتحاد بالله وتجديد حياة، فلم يملك عليه الموت وقتئذٍ. وكان ذلك له خلاصًا يحمل الوجهين المتلازمين كما لعملة واحدة: التجديد في الحياة والنجاة من الموت بآن واحد.

 

ثانيًا: سقوط الإنسان وما ترتب عليه من تهيئة الخالق العالم للخلاص:

تبدأ هذه المرحلة بالوعد الخلاصى بسحق الحية (تك15:3)، والممنوح لآدم وحواء أثناء خروجهما من الفردوس تحت سيطرة الموت والفساد. وبعد أن كساهما الله بالأقمصة الجلدية مفتتحًا بذلك أزمنة الذبائح. وطوال هذا التاريخ الذي يمتد من الوعد في جنة عدن (تك24:3) إلى ميلاد المسيح في قرية بيت لحم (مت1:2) كان الله يمهد كل الطرق لمجيء المخلص المسيّا الذي تدور حوله الأزمنة والمواعيد والعهود والعبادة.

وقد كان يوم مجيء المسيا هو النقطة التي تجمعت فيها كل خطوط الزمان، وما فوق الزمان، وما قبل الزمان، وهو النقطة التي جعلت لكل شئ معنى (أف10:1). منذ ذلك اليوم اعتبر  الماضى، على أنه لم يكن خرابًا أو فراغًا بل مخاضًا لميلاد ملك الدهور الحاضرة والآتية، يقول القديس ايريناؤس: ” عبر كل ظهورات الله في تاريخ إسرائيل، كانت كلمة الله تعتاد أن تعيش مع أبناء البشر وتُعَوِّدهم أن يعيشوا معها “. 

 

حقبة إسرائيل ورسالتها في إعداد العالم للخلاص:

“إن مفهوم العهد القديم عن الخلاص واسع ومتشعب.. وكلمة “الخلاص” تأتى دائمًا في تلك المقاطع التي ترجع إلى التحرير بالمعنى الحربي. وفي هذه المقاطع يمكن ترجمة الكلمة بـ “النصر” وفي الاستخدامات المماثلة تعتبر كلمة ” الخلاص ” مرادفة لأعمال التبرير أو دينونة الأمم المقاومة لإسرائيل. الخلاص يعنى أيضًا التحرير من أى تهديد لحياة أو سلامة الإنسان. في العالم القديم، الملك دائمًا هو المخلّص، إليه يتطلع الشعب للخلاص من أعدائهم من خلال الحرب أو من خلال الخلاص من الظلم الموجود في المجتمع؛ بعدله والتزامه بأحكام القانون[9].

عمليًا يبدأ تاريخ الشعب المقدس من ابراهيم (تك1:12). لكن العالم لم يكن بعيدًا عن تدبير الخلاص، إذ أن ابراهيم قد قبل المواعيد والبركة في نسله إلى الأبد ” لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح” (غل14:3)، فالاختيار الإلهي وقع على شعب إسرائيل، إلاّ أن تاريخ إسرائيل المقدس لم يكن دائرة مغلقة عليه، إذ أن العالم قد استُوعب داخل هذه الدائرة والتي كان مركزها المسيح الذي سيرسله الله في الوقت المناسب ” ليخلّص به الجميع ” (أنظر يو17:3).

 

حقبة تاريخ إسرائيل، عرض موجز[10]

  • توجه إبراهيم من أور إلى حاران قبل أن ينتقل إلى أرض كنعان.
  • نزح قسم من الإسرائيليين إلى مصر وبعد أن ذاقوا الأمرين فيها، خرجوا منها على يد موسى، فكان الخروج إيذانا بولادة شعب جديد وبداية التاريخ المقدس لهم.
  • دخل الشعب أرض كنعان بين سنة 1220، 1200 ق.م. وعاشوا في أيام القضاة الذين كان آخرهم صموئيل، ثم طلبوا ملكًا يوّحد كلمتهم وكان شاول البنيامينى.
  • خلف داود شاول وافتتح أورشليم وجعلها عاصمة مملكته، وخلفه سليمان ابنه الذي بنى الهيكل وكانت أيامه أيام سلام. لقد وصل الشعب إلى قمة انتظاره. وهكذا صار للشعب أرض وملك وهيكل.
  • لكن الملك الحكيم العظيم بانى الهيكل منعه الموت من البقاء. والمملكة انقسمت من بعده إلى قسمين، ثم سقطت السامرة أولاً سنة 721 ق.م على يد الأشوريين، ثم أورشليم سنة 587 ق.م على يد البابليين، فتبددت الآمال في الأرض والملك والهيكل.
  • في سنة 538 ق.م سمح الملك الفارسى كورش لليهود بالعودة إلى بلادهم، لقد تنقت الجماعة بالألم الذي احتملته في المنفى، وصارت تعيش في فقر يفتح قلبها على نداء الله.
  • في سنة 333 ق.م، احتل الاسكندر الأكبر الشرق الأوسط ونشر فيه الحضارة اليونانية.
  • في سنة 63 ق.م. سيطرت روما على الشرق وكان هيرودس ملكًا على فلسطين منذ سنة 40 ق.م إلى سنة 4 ق.م، وفي أيامه وُلِدَ المسيح.

 

من حقبة إسرائيل التاريخ إلى إسرائيل المعنى والغاية:

يحمل الرسول بولس في (رو4:9،5) الخلاصة اللاهوتية لتاريخ إسرائيل وغايته في هذه الكلمات: ” الذين هم إسرائيليون، ولهم التبنى والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد، الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين“.

والقديسة مريم التي تربت منذ طفولتها على كلمة الله في العهد القديم أثبتت في تسبحتها الخالدة أن الكلمة الإلهية لإسرائيل القديم هي صادقة وأمينة، ولم ترجع فارغة؛ إذ نجحت في إعدادها نجاحًا تامًا لقبول كلمة الله المتجسد منها، باستجابتها “ هوذا أنا أمة الرب. ليكن لى كقولك” (لو38:1).

وعلى خطى القديسة والدة الإله لم تجد كنيسة العهد الجديد أى ردة أو انتكاسة في الاستقاء والاستناد على العهد القديم في ليتورجيتها وعبادتها، حتى صارت بحق الوريثة الحقيقية والوحيدة لتقوى العهد القديم، وهذه خلاصة بعض الأفكار اللاهوتية، والتقوية المتعددة التي احتواها العهد القديم والتي أعدت الطريق للرب.

 

1 ـ الإعلان عن طبيعة الله

أ ـ قلب الإيمان، الله الواحد:

العقلية العبرية مبنية على عبادة الله الواحد الذي أحب شعبه حبًا مجانيًا. لهذا لا تكون الطقوس عند المؤمن عملاً سحريًا يسيطر به الإنسان على آلهته، بل جواب الإنسان على نداء الله.” اسمع يا إسرائيل” (تث4:6ـ7)، المؤمن يردد هذا النص كل يوم. هذه هى صلاته وقلب إيمانه، أنه يؤمن أن الله هو وحده خالق السماء والأرض وهو سيد تاريخ الكون.

ب ـ الله الكائن:

الله موجود وحى وعامل بذاته، وفي خليقته أيضًا بكلمته وروحه وفي قصة العليقة (خر1:3ـ14)، حين سأل موسى الله عن اسمه فقال له: ” أنا يهوة الذي يهوة ” أى (انا هو الكائن الذي يكون).

ج ـ الله القدوس والبار:

وهذا يتضح من خلال الناموس المسجل في أسفار الخروج واللاويين والعدد والتثنية.

د ـ الله الرحوم والرؤوف:

انظر مثلاً (خر19:33 ، 9:15).

هـ ـ الله المحب:

انظر (2أى9:8، إر3:31 ، إش63:9 ، 1يو8:4ـ12).

 

2 ـ الإعلان عن طبيعة علاقة الله بالعالم

إن علاقة الله مع العالم تعتمد أساسًا على إقامة العهد معه، وهناك ثلاثة عهود تضمنتها أسفار موسى الخمسة:

1 ـ العهد الذي أعطى لنوح (تك1:9ـ17) وهو ممتد لكل الخليقة.

2 ـ العهد الذي أُعطى لإبراهيم (تك1:12ـ3 ، 18:15)

3 ـ العهد الذي أُعطى لبنى إسرائيل (خر24:19)

وقد قطع المسيح على مائدة العشاء الأخير معنا، عهدًا جديدًا بدمه الخاص الذي استوعب وأكمل كل العهود والمواعيد السابقة من جهة الله، ومن جهتنا، إذ أنه رسول اعترافنا الذي كمل كل بر لم نفعله.

 

3 ـ الإعلان عن الحاجة المصيرية إلى الذبيحة الكاملة

الناموس وبوضوح في (لا1ـ16) يتضمن صراحة وضمنًا عدم القدرة على الوصول إلى القداسة الإلهية، وهكذا يدعونا أن ندرك الوضع الذي نحن فيه والوضع الذي يريدنا الله أن نكون عليه، وأن نفهم أننا لن ندخل ملكوت السموات إلاّ بنعمة ورحمة ربنا يسوع المسيح. وعليه فإن غاية ناموس العهد القديم كانت تتمثل في قيادة أرواحنا إلى قبول حتمية فداء الله لنا في ” حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو29:1) وعلينا ألاّ ننسى هنا أن حمل الفصح كان من جهة يذّكر المؤمنين كل سنة، بانتصار عظيم في الماضى، ومن جهة أخرى كان يذّكرهم بالمواعيد التي ستتم في المستقبل.

 

4 ـ الإعلان والتمهيد لحضور الله وسط شعبه

 

الله الموجود في العالم، موجود كذلك وجود خاص في مسكنه: خيمة الاجتماع، الهيكل، قدس الأقداس، تابوت العهد.. ولما أراد يوحنا في إنجيله (يو14:1) أن يعبر عن حضور الله في الجسد واتحاده به قال:

والكلمة صار جسدًا وحل بيننا“. وهو يعنى باليونانية “سكن في المظلة”، أى في “الشاكيناه” بلغة العهد القديم. وفي هذا المسكن المخصوص اعلان أيضًا عن ” الكنيسة التي هى جسده ملء الذي يملأ الكل في الكل” (أف22:1). وقد كانت السيدة العذراء هى مثال الكنيسة التي حلت عليها سحابة المجد، جسدًا وعقلاً: ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك..” (لو35:1).

 

5 ـ الإعلان عن المسيا والمخلّص الآتى

المصطلح” المسيا “، والصورة المحددة له، يصعب استقصائها، لأنه لا يوجد مفهوم واحد عن كيف سيكون المسيا.. الكلمة تعنى ” الممسوح وحده”، لكن في العهد القديم كان الكهنة وأحيانًا الأنبياء ومثلهم الملوك  ممسوحين أيضًا.. وجماعات قمران مثلاً كانت لها توقعات في كون المسيا كاهنًا مثل هارون، وملكًا لإسرائيل، بالإضافة إلى أنه النبى العتيد أن يأتى[11].

نحن هنا أمام انتظار شعبى عام. ولذا لما أعلنت كرازة يوحنا المعمدان عن قرب تدخل الله الحاسم، تحركت الجموع واعتمدوا، وصار عندهم يوحنا أعظم من نبى. هذا الرجاء سيلتقى به يسوع، وسيكشف عنه، ولكن خلوا من الشوائب، إذ أنه جمع في شخصه المبارك الكمال المطلق، الذي كانت ترمز إليه وظائف رجال العهد القديم: الملك، والكاهن، والنبى، والمحرر.. خلوا من هشاشة البشر الذين حملوا تلك الوظائف، واختبر الشعب قصورهم مثلما اختبر تمامًا هشاشة الحياة الأرضية الجسدية، فتطلع إلى الوطن السماوى الأفضل وتعّود أن ينظر إلى ما لا يرى “[12].

 

وانتهى زمان تربية الله لشعبه:

تحدث السيد المسيح إلى الفريسيين قائلاً: ” فتشوا الكتب.. وهى التي تشهد لى” (يو39:5)، وهكذا كان السيد المسيح نفسه يخبرنا أن العهد القديم ما هو إلاّ استعداد وظل لاعلان العهد الجديد. وقول بولس الرسول ” كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح” (غل24:3). يفهمنا أيضًا دور الشريعة الإيجابى، فقد قادتنا إلى المسيح وأهلتنا لسماع الإنجيل، وقد حررنا يسوع، ولن نعد بعد عائشين في حراسة المربى. بالإنجيل دخلنا نظام الحرية الذي يليق بأبناء الله. والتدبير الذي عرفه شعب العهد القديم سيدخل بالتجسد في تاريخ تدبير خلاص كل العالم، ويبلغ مرحلته الأخيرة وملئه من خلال يسوع المسيح.

 

تاريخ العالم العام تحت الاعداد للخلاص:

نميل هنا لننظر ونتتبع مسارات نعمة الخلاص في بقية فروع شجرة تاريخ العالم الملتهبة أيضًا بنار الإعداد الإلهى للخلاص.

 

1 ـ روما الدولة القوية

” كانت روما في القرن الأول قبل الميلاد هى القوة الوحيدة في عالم البحر المتوسط… وفي هذه الامبراطورية الشاسعة تجمع التراث الحضارى للعالم القديم، سواء كان اليونانى أو الشرقى أو السامى أو الغرب أوروبى، فاندمجت جميعها وانتشرت بين ربوع الامبراطورية. وقد أثر هدوء الحالة السياسية في انتشار دعائم السلام، واتجهت روما إلى مد الطرق الكثيرة التي كانت تربط أطراف العالم القديم … وفي ذلك الوقت سادت اللغة اللاتينية في الغرب واليونانية في الشرق. وهكذا بترتيب العناية الإلهية، تجمعت كل تلك الظروف لتكون أنسب الأوقات لميلاد المسيح وانتشار المسيحية في العالم[13].

 

2 ـ الفلسفات القديمة

في (أع16:17ـ34) نقرأ عن دخول بولس الرسول لآريوس باغوس ولم يكن قوله في (أع23:17) تفكيرًا توفيقيًا ما بين ثقافة اليونانيين والمسيحية. بل كان كشفًا لفكر البشر الباحث عن إله الحياة والحركة والوجود (أع28:17). فهناك حضور محتجب ومخفى للوغوس ينير كل العالم، لم يستعلن لنا بقوة إلاّ حينما صار الكلمة جسدًا. أدرج القديس بولس هذا الفكر الملهم في مسار الحق المتجه نحو (الأوميجا) أى ” الكلمة ” نهاية كل فلسفة ودين.

نتاج الفلسفة هو إشعاع من إلهام اللوغوس الذي طبع في الإنسان صورته عندما خلقه. ومع هذا فالمسيحية تتميز عن الفلسفة كتأمل موضوعى أو كفكر نظرى بكونها خبرة حياة المسيح فينا. الفلسفة تلتقى فقط مع المسيحية فيما أناره اللوغوس في بعض نواحيها. ولذلك فإن تحذير الرسول بولس من إغراء الفلسفة (كو6:2، 1يو19:1ـ25، 18:3ـ20) لا يدل على عدائه للفلسفة، بل على تمييز وإفراز لما هو باطل وملق في نتاجها أو في طرقها.

وآباء الكنيسة: كانت لهم بصفة عامة نفس الرؤيا اللاهوتية للعهد الجديد من نحو الفلسفة، إذ أن معظمهم تعلّم الفلسفات القديمة، ومنهم مَن كانوا فلاسفة وتحولوا إلى المسيحية، بل ومنهم مَن كان معلّمًا لفلاسفة. يوستينوس الشهيد مثلاً ينظر إلى الأفلاطونية كما لو كانت خير إعداد للعالم الوثنى لتقبل المسيحية. بل واعتبر أن نطق أفلاطون كان بقوة الكلمة (المسيح) … لكنه رأى أن الفلسفة الصحيحة هى في معرفة الله من خلال المسيح. أيضًا “يوسابيوس القيصرى” رأى أن التدبير الإلهى للخلاص شاء أن يجعل أفلاطون بمثابة نبى، تلقى الوحى فقط، ولكنه لم يدخل أرض الحق الموعودة[14].

ويقول كليمندس الأسكندرى في (المتفرقات 1ـ13) “إن الفلسفة في معناها هى عمل التدبير الإلهى” وفي (5:1) يقول أيضًا ” قبل مجيء المسيح كانت الفلسفة ضرورية.. لقد أُعطيت الفلسفة لليونانيين مباشرةً، وبطريقة بدائية، إلى أن يدعوهم الرب. وكما يقود الناموس العبرانيين للمسيح (غل24:3)، هكذا كانت الفلسفة إعدادًا، تهيئ الطريق للذين يتكلمون في المسيح” و “أن ما أنعم به على الأجيال وكان سببًا لحضارتها، أعطى في الوقت المناسب، وكان تمهيدًا وتدريبًا وتأهيلاً لسماع كلمة الرب في حينها “

 

3 ـ الترجمة السبعينية:

بدأت على يد بطليموس من القرن الثالث قبل الميلاد ترجمة كتب العهد القديم من العبرية إلى اليونانية وامتدت أربعة قرون، فقد قرأ العالم اليونانى القديم هذه الترجمة واستفاد منها ولاسيما أعظم فلاسفته، كما أكد لنا ذلك آباء الكنيسة. فقد ” توزع اليهود منذ السبى في القرن السادس ق.م، في منطقة الشرق الأوسط وفي شرقى البحر المتوسط، حتى ناهز عددهم في القرن الأول الميلادى المليون في مصر وحدها .. كما تواجد اليهود في معظم المدن الرئيسية، حيث كان لكل مدينة مجمعها الخاص”[15].

هذا ” جعل أبواب المجامع اليهودية مفتوحة منذ القرن الثالث ق.م أمام المتعاطفين مع اليهود، حتى يمكنهم فهم القراءات والعظات التي تلقى فيها باليونانية. وتؤكد الاكتشافات الأثرية صدق هذه الشهادات وهذا النجاح، ففي أكثر من 150 موضعًا في العالم القديم، ظهرت آثار لقيام مجامع يهودية “[16]. ورأى اليهود في هذا تدبيرًا إليها، لنقل الإيمان إلى الأمم ” ويلّخص الرابى لعازر هذه العقيدة بقوله الذي جاء في التلمود البابلى:” الله شتت اليهود ليسهل اهتداء الدخلاء”[17].

وهكذا دون قصد بشرى استعدت أمم العالم لاستقبال المخلّص مشتهى كل الأجيال.

 

ثالثا : تجسد ابن الكلمة ملء الخلاص

إن مفهوم الخلاص عند الآباء، لا يعنى مجرد التحرر من الذنب، بل هو مفهومًا أوسع وأكثر شمولا من تحديات الكنيسة الكاثوليكية الرومانية عن “الفداء”، أو الاسترضاء ومن المفهوم البروتستانتى عن التبرير. الكنيسة  الأرثوذكسية تستخدم كلمة “الخلاص” لوصف كل العمل الذى أكمل بواسطة يسوع المسيح. والقديس أثناسيوس كان ذو فكر عميق, فيما يتصل بضرورة التجسد، إذ انطلق من الصفتين الأساسيتين لله وهما صلاحه وأمانته”.[18]

كان لصوم المسيح وصلاته ومعموديته، دور في تدبير الخلاص من قبيل التعليم، أو القدوة والمثل الاعلى للفضيلة: يقول عنه القديس كيرلس الكبير: ” الطبيعة التى تعللت قديما بدنس الخطية، والمخالفة فى الإنسان الأول بسبب الشهوات الدنيئة، كانت تتشكل فيه من جديد بالنسك على شكل القداسة”.

وعن معمودية ربنا يسوع المسيح يقول القديس أثناسيوس: ” لم يكن اللوغوس نفسه هو المحتاج لانفتاح أبواب السماء .. بل نحن الذين كنا نحتاج إلى ذلك, نحن الذين كان يحملنا فى جسده الخاص”.

وعن خروجه للبرية يقول القديس كيرلس: ” وأما هو فقد جاء لكى يجعلنا به وفيه نربح الغلبة, من نفس الموضع الذى فيه قد غُلبنا فى القديم وسقطنا فى أدم”. وعن الصلاة يقول أيضا” قدم طلبات وتضرعات للآب، لكى يجعل أُذن الآب صاغيًا لصلواتك أنت أيضا”. ان الخلاص والتجديد يعتمد فى الأساس على اكتساب الصفات الالهية, كقول القديس كيرلس” كل ما للمسيح صار لنا”. ولذا فالمفاهيم المجردة أو المحدودة للاسترضاء أو التبرير أو غيرها، كتعبير عن الخلاص، لا تستوعب ملء الخلاص كما تعيشه الكنيسة فى أسرارها وليتورجيتها وتقواها وقوانينها وحياتها .

 

1ـ سر الإفخارستيا وتشكيل الإنسان فى المسيح :

فى صلاة بعد القسمة فى قداس القديس كيرلس يصلى الكاهن هذه الصلاة “… لكى نتناول من هذه الأسرار النقية, ونظهر كلنا كاملين فى أنفسنا وأجسادنا وأرواحنا, اذ نصير شركاء فى الجسد وشركاء فى الشكل، وشركاء فى خلافة مسيحك..” هذه الصلاة من ضمن صلوات أخرى كثيرة، تؤكد أن التغيير والتشكيل الجديد لنا فى المسيح يتم من خلال سر الإفخارستيا, ويؤكد هذا القديس كيرلس بقوله: لقد تغيرنا إلى شكل المسيح روحيا, لأن المسيح يحل فينا أيضا بالروح القدس وبسر الأولوجيا”.

الإفخارستيا هى النقطة أو الذروة التى تتركز فيها عطايا الرب للإنسان منذ الخلق وإلى مجيء الرب. فكما أنه لا يمكن تصور الفردوس بدون شجرة الحياة التى ما هى إلا رمزًا ومثالاً لعطية الدهور الكاملة المذخرة فى سر الشكر ـ هكذا لا يمكن تصور الكنيسة بدون الإفخارستيا, شجرة الحياة الحقيقية .

فحيثما يوجد سر الشكر، توجد الكنيسة، وحيثما توجد الكنيسة، يوجد سر الشكر.

2ـ سر الشكر وقراءة جديدة لتاريخ اسرائيل والعهد القديم:

أسس المسيح إلهنا سر الإفخارستيا فى عشاء ليلة الخميس الكبير وسلمه للكنيسة حتى نهاية الزمان، علامة وبرهانا على أن جماعة المسيا (شعب الله) سوف تجتمع حوله إلى أن يجئ .

كان كسر الخبز و الصلوات و الكلمة أساس ليتورجيا القداس منذ ممارسته الأولي (أع42:2)، معتمدة في ذلك علي الطقس اليهودي للاجتماعات الدينية، ومن ثم كان الاجتماع الرسولي الملتف حول المخلص الحاضر حضوراً سرياً، ليس قاصرًا على التناول من وجبة خبز مكسور، بل هو أيضًا شركة صلاة ترفع إلي الرب القائم، أي تَذكّر عمل الخلاص الذي تحقق بالمسيح، ويسود الفرح عندئذ قلوب الجميع، إذ يسمح إيمانهم باكتشافهم سر المسيح القائم في وسط الذين وحدّهم القلب الواحد و الفكر الواحد، الذين يحدوهم الرجاء الصادق أن يومًا ما، ربما حالاً و قريبًا أقرب مما يتصورون سيرجع الرب إليهم ثانية.” فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس ، تخبرون بموت الرب إلي أن يجئ ” (1كو11: 26).

 

3ـ الإفخارستيا والكاهن والشعب معاً نحو ازدهار العالم بالحياة الجديدة: 

” أصل هذه الكنيسة الحقيقي ـ أنها كنيسة كهنوتية ـ مولودة من المسيح الكاهن، الذي يقدم ذاته في الذبيحة، وقد عهد المسيح إلى الكاهن “ذكري” ذبيحته، ويأمر أن يقبلوا ما فعله حتى أواخر الدهور “[19]

 وإن كان لكلمة “كاهن” اشتقاقاتها فى اللغات القديمة ولم نحصل على أية نتائج من جراء البحث عن التسمية، فإن الفعل السريانى “كاهين” بمفهومه الشائع يعني “صنع ازدهار أو تسبب حالة من الانتعاش والازدهار”[20].

فإن هذا المعنى مفيد ومعبر بالفعل عن كاهن العهد الجديد، الذى به يصنع الرب ازدهاراً وانتعاشاً بواسطة فلاحته فى فردوسه الجديد. “الكهنوت جزء لا يتجزأ من نظام العبادة الليتورجية, فالكهنوت خدمة, هى خدمة المسيح… ولا يوجد إلا كهنوت واحد هو كهنوت المسيح، الذي توجد الكنيسة كلها لتؤديه وتخدمه وتجعله واقعياً هنا والآن…”[21].

الكنيسة هي ليتورجيا دائمة، وذلك علي صورة رئيسها ومؤسسها الذي هو في السماء في حالة ليتورجية دائمة… غاية الكهنوت هي أن ينفتح هذا العالم علي الأبدية وأن لا يقتصر وجود الإنسان علي الأرض علي ما في هذه الدنيا وحسب… الكاهن هو الإنسان الذي بنعمة المسيح يقف دوماً بين عالمين، هما واحد في المسيح الذي ” جمعهما ” في ذاته. فانظروا ما أعظم سر الكنيسة و سر حياتنا فيها.

نحن من هذا العالم وفي الوقت نفسه لسنا من هذا العالم . إننا نقرب إلي الرب هذا العالم الذى هو له، وذلك في حالة إفخارستيا دائما.  ولأننا نقرب هذا العالم، فهو يرسل إلينا عالمه، العالم الإلهي، نعمة الروح القدس”[22].

الكنيسة تعد الخليقة ليوم مجىء الرب يسوع، ولإدخالها الحياة الأبدية وتمتعها بها. والآن نحن لا نجتمع في الإفخارستيا علي مجرد تذكار يمضى ويطويه الزمن لأن:

1ـ الإفخارستيا أبدية تتجاوز الزمان المحسوب بالأيام والساعات، ولا تعود بنا إلى الماضى، بل تنطلق بنا وتعدنا إلى المجىء الثانى، إنها احتفالية الكنيسة باليوم الأول للخليقة الجديدة.

2ـ هناك إدراك قوى في ذهن المتناولين بإيمان للحضور السماوى وأن الأرض تتحول إلى سماء، كما يليق بجسد ذلك القائم في السماء والذي نمسكه بأيدينا، وأن الإفخارستيا هى ذبيحة المسيح المقدمة للأبد دون نقصان أو تأثير زمان.

وأخيرًا:

” يحتل التاريخ الدنيوى واجهة مسرح العالم. ولكن وراءه يسير تاريخ آخر هو تاريخ مخطط الخلاص الذي غايته فداؤنا الكامل في المسيح: اسمه التاريخ المقدس… ليس التاريخ المقدس والتاريخ الدنيوى واقعين منفصلين، فيسير الواحد بمحاذاة الآخر. بل هما متشابكان متداخلان. فليس هناك إلاّ تاريخ بشرى واحد يسير مساره على المستويين معًا.

فنعمة الفداء التي يشكل مسارها السرى التاريخ المقدس، تعمل في قلب التاريخ الدنيوى وتسعى لأن تنتزعه من الأخطار التي تتربص به… وبما أن مجيء الإنسان الجديد في المسيح هو الغاية الأخيرة التي يتجه إليها كل شئ، نستطيع القول أن التاريخ المقدس يستعيد التاريخ الدنيوى، ويعطيه غايته الأخيرة. كل أحداث الأرض ترتبط بالتاريخ المقدس والتاريخ الدنيوى معًا. ولكن من خلال التاريخ الدنيوى يبرز التاريخ المقدس من خلال أحداث رتبتها العناية الإلهية من أجل تحقيق الخلاص “[23].

إن تدبير الخلاص حى كامل في ضمير وتاريخ العالم كله، والدهر الآتى حاضرًا سريًا ومخفيًا فيه كخميرة صغيرة. ” تاريخ العالم هو تاريخ الكنيسة، التي هى الأساس السرى والفريد للعالم “[24].

ولا يزال الله يعد العالم ” لخلاص مستعد أن يعلَن في الزمان الأخير” (1بط5:1). آمين تعال أيها الرب يسوع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1  الرسالة الثانية إلى الآريوسيين فقرة: 77

2  راجع أيضًا (إش8:45 ، هو4:13)، (مز19:68 ، 20 ، 9:79 ، 4:85)، (مز14:118، 21 ، إش2:11)، (لو69:1، رو16:1)، (إش6:49، 1، 1تس8:5 ، لو17:4).

3  أنظر “شهادة يسوع هى روح النبوة” ـ كنيسة القديس أنبا مقار ـ امبابة ص47.

4  راجع رو11:9، أف3:1، 11، 11:5، 2تي9:1.

5  راجع أف10:1، 7:2، 9:3ـ11، 2تي9:1ـ12، تي2:1ـ3

6  راجع القديس أثناسيوس ـ تجسد الكلمة 1:8، 2، 4

7  أنظر “الثالوث فرح الخليقة الجديدة” ص51.

8  راجع مز29:104ـ30، كو17:1، عب3:1.

[9]  The New Jerome Biblical Commentary 77:140

10  تعرف إلى العهد القديم، دراسات بيبلية، رابطة الكتاب المقدس ـ بيروت ص37 (بتصرف).

[11]  The New Jerome Biblical Commentary 78:34

[12]  The New Jerome Biblical Commentary 77:134-9

13 أنظر المرشد الجغرافى التاريخى للعهد الجديد، كنيسة السيدة العذراء، محرم بك، الاسكندرية ص9.

14  أنظر المقدمة فى فلسفة الدين ـ دار النهار ـ بيروت، أديب صعب ص49ـ50.

15  انظر المرشد إلى الكتاب المقدس ـ دار الكتاب المقدس ص497.

16 انظر العهد القديم كما عرفته كنيسة الأسكندرية ـ دير القديس الأنبا مقار ص17ـ18.

17 المرجع السابق ص14.

[18]  Introduction to Orthodox Theology: Constantine N. Tsirpanlis, p:61

[19] The Study Of Liturgy SPCK.P21

[20]  The New Jerome Biblical Commentary 76:7 

[21] The Study Of Liturgy SPCK. P21 

22 في الكهنوت ـ الأب أندريه سكريما ـ رهبنة دير مارجرجس الحرف .

23 المدخل إلى الكتاب المقدس، الجزء الثالث ـ منشورات المكتبة البوليسية ـ الخورى بولس الفغالى ص 370ـ371.

24 الأب جورج فلورفسكى عن: الرؤيا الأرثوذكسية للإنسان ـ عدنان طرابلسى، منشورات النور ـ بيروت ص48.

اعداد العالم للخلاص – كيف أعد الله العالم للخلاص؟ القس كيرلس عبد المسيح

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

إقرأ أيضًا:

ما معنى 666 عدد سمة الوحش في سفر الرؤيا؟

هل كان المسيح يجهل يوم وساعة نهاية العالم؟

علامات يوم القيامة – ما هو التعليم الكتابي حول اليوم الأخير (يوم القيامة)؟

يسوع لم يحدّد متى تكون نهاية العالم عندما طرح عليه تلاميذه السؤال على الشكل التالي: “متى يكون هذا وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر” (مت 24: 3). “متى يكون هذا” أي متى يكون خراب هيكل أورشليم. بالنسبة لنهاية العالم أورد علامات. بالنسبة لهذه العلامات هناك ظواهر عامة لا تسمح بتحديد وقت معيّن.

مثلاً “في تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوّات السموات تتزعزع”. “حينئذ تظهر علامة ابن الإنسان”. على أنّ هناك ما يُسمَّى في العهد الجديد: “علامات الأزمنة” (مت 16: 3). هل تتضمّن هذه علامات نهاية العالم؟ لا نعرف تماماً.

ولكنْ كلام يسوع يدل على إمكان معرفة علامات الأزمنة هذه. إلاّ أنّ السيّد، في ردّه على سؤال التلاميذ له في شأن متى يردّ الملك إلى إسرائيل، قال لهم: “ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه” (أع 1: 7). كما قال لهم أن يسهروا لأنّهم لا يعلمون في أية ساعة يأتي ربّهم (مت 24: 42).

وفي إنجيل مرقس، في معرض الكلام على زوال آواخر الدهور هذا القول: “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلاّ الآب” (مر 13: 32)

إذا عبثاً نحاول أن نستطلع تاريخ نهاية الدهور، أو متى تكون نهاية العالم. الاهتمام ينبغي أن ينصبّ لا على معرفة متى يحدث ذلك بل على الاستعداد، في كل حين، لمجيء السيّد. “طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيّدهم يجدهم ساهرين” (لو 12: 37). (الأب توما بيطار)

“قال شيخٌ: صوت واحد يجب أن يطنّ على الدوام في أذني الإنسان: اليوم قد تم استدعائي”

“ها هو ذا الختن يأتي في نصف الليل، فطوبى للعبد الذي يجده مستيقظاً، أما الذي يجده غافلاً فهو غير مستحق” (صلاة الختن، الأسبوع العظيم)

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

ماذا كان الله يصنع قبل بدء العالم؟

ماذا كان الله يصنع قبل بدء العالم؟

ماذا كان الله يصنع قبل بدء العالم؟

ماذا كان الله يصنع قبل بدء العالم؟

ماذا كان الله يصنع قبل بدء العالم؟

ولكنّ ثمة من يحتجّ[1] علينا قائلاً: إن كان العالم قد بدأ في الزمن، فماذا كان الله يصنع قبل بدء العالم؟ إن القول بأن طبيعة الله متكاسلة لا حراك فيها[2] كفر وبهتان معاً؛ كذلك الأمر لدى التفكير بأنّه كان ثمّة حينٌ لم يأتِ فيه صلاحُ الله فعلَ الخير، وجبروتُه ممارسةَ سيادته. لقد طالما اعترض علينا أحدهم كلّما تفّوهنا بهذا، أنّ العالم أبتدأ في وقت، وحينما نعدّ سنوات أجله على وفق شهادة الكتاب[3]. ولست إخال أنّ في وسع منشقّ[4] الإجابة عن هذه الطروحات بيُسْر فيما يحفظ منطق معتقده[5]. أمّا نحن فنجيب بمنطقٍ فيما نثابر على الأمانة لقاعدة التقوى[6]: لم يباشر الله عمله حينما فطر هذا العالم الذي يُرى؛ ولكن، إذ سيكون ثمّة عالم آخر بعد انحلال هذا العالم، كذلك نعتقد بقيام عالمين آخرين[7] قبل قيام هذا الأخير. إنّ هاتين النقطتين يثّبتهما سلطان الكتاب الإلهيّ. ها هو إشعيا يعلّم[8] بعالم آخر يقوم بعد هذا العالم: سيكون عالم جديد، وأرض جديدة، وأجعلهما يدومان أمام وجهي، يقول الربّ[9]. ويُظهِر سفر الجامعة عالمين وُجدوا قبل هذا العالم: ماذا صُنع؟ الشئ عينه الذي سوف يُصنَع. وماذا جُبِل؟ إنما الذي سوف يُجبَل. ما من شئ جديد تحت الشمس. إذا قال أحد: أنظر، هذا جديد. إلاّ أنّ هذا كان في الأحقابب التي سبقتنا[10]. فإنّ الشهادات تقيم الذليل على كلا النقطتين، وجود أحقاب قبلنا، وأحقاب أخرى بعدنا. ولا ينبغي الاعتقاد بأنّ عالمين متعدّدين وجِدوا معاً[11]، بل يتبع ذاك هذا. ما من ضرورة، في هذا الخصوص، لاستعادة الفصيل في كلُ شئ، لأّننا سبقنا إلى هذا أعلاه[12].

[1]  سبق هذا السؤال فجرى طرحه في 1-2-10، ومناقشته في 1-4: 3-5. لم يُخْفِ أوريجانس في حينه صعوبته القصوى، بل قدّم كحلّ ما كان يراه أنّ فيه حفاظاً على مقتضيات الإيمان. أمّا هنا فإثارة المسألة عامّة وشاملة، وتتناول بالكلام موضوع عالمٍ تالٍ، لا عالم سابق وحسب.

[2]  جاء هذا القول على لسان بعض الوثن، وملخّصه أنّ الإله يخلد إلى السكون، ولا يأتي عملاً ما.

[3]  إنّ حساب الوقت على هذه الطريقة، أي تحديد عمر الكون بناء على معطيات الكتاب، قد وضعه معاصر أوريجانس يوليوس الأفريقيّ. ولنا في مجموعة الآباء اليونانيّين نتف من كتاباته (جزء 10، 63-94). وقد ذكره كل من أوسابيوس المؤرخ، وإيرونيمس، وفوتيوس. وممّا جاء به هذا الأخير أنّ يوليوس بدأ حسابه بخلق العالم كما جاء وصفه في كتب موسى، وأنهى سنيه بملك ماكرينس، خَلَف كراكلاً (217-218). وحسب فوتيوس نفسه، إنتهى يوليوس من وضع حسابه في هذا العام المذكور للتوّ، فيكون كتابه إذاً متقدّماً على كتاب المبادئ، ومعروفاً عن أوريجانس عندما ألّف كتابه المذكور. وفي هذا الحساب المزعوم استطاع يوليوس أن يحصي 5723 سنة منذ خلق العالم حتى ملك ماكرينس. وإذ إنّ أوريجانس يذكر في هذا الفصل حساب الزمن الذي وضعه الأفريقيّ، فإنّ كتاب المبادئ قد وضعه إذاً صاحبه بعد زمن ملك ماكرينس.

[4]  يقول الزنادقة أيضاً ببدء العالم ونهايته، فيما الوثن لا يؤمنون بشئ من هذا القبيل؛ وعليه فهم المعارضون. ـمّا دعاة الأفلاطونّية الجديدة فكانوا منقسمين فيما بينهم حول أزلية العالم؛ فإن أفلاطون قال بخلق العالم على يد وسيط إلهيّ. بينما تحدو بهم نظريّتهم الخاصة إلى القول بأنّ العالم انبثاق لا بدّ منه من صلاح الله. وهناك أخرون قالوا ببدء العالم، ورفضوا أن يقولوا بنهاينه.

[5]  يدفع إيرونيمس بمقطع يزعم أنّه من قول أوريجانس ويحلّه محلّ المقطع الآتي: ” أمّا نحن فنجيب… وأحقاب أخرى بعدنا”، الذي ترجمه لنا روفينس. دونك مقطع أيرونيمس: “يقول: إنّنا نسلّم بوجود عالم قبل هذا، وبوجود أخر بعده. أتريد أن تعرف بأنّ عالماً آخر سوف يوجد بعد أن يتلاشى هذا العالم؟ ألا فاستَمِع إلى إشعيا: ستكون سماء جديدة، وأرض جديدة، أقيمها دوماً أمام وجهي. أو تريد أن تعرف بأن عالمين آخرين وجدوا في الماضي قبل إنشاء هذا العالم؟ إستمع إلى الجامعة: ما كان؟ فهو الذي سيكون. وما صُنِع فهو الذي سيصُنَع. فليس تحت الشمس شئ جديد يمكنه الكلام والقول: أنظر، هذا جديد، بل قد كان في الدهور التي قبلنا. ويعلّق إيرونيمس قائلاً “بهذا يدلّ على أنّ هذه الشهادة ليست الوحيدة، وأنّ عالمين سوف يوجدون في المستقبل، لا كلّهم معاً في آنٍ واحد، وإنّما الواحد تلو الآخر”.

والحقّ يقال إن الحديث عن عالمين سوف يوجدون في المستقبل تأويل جاء به إيرونيمس. فإنّ أوريجانوس كروفينس، ناقله، يتكلّم على عالمين سابقين، في الجمع، وعلى عالم واحد في المستقبل، وهو الأمر الذي يدعمه الاستشهاد بإشعيا. فحسب أوريجانس، وجد عالمان في الماضي، قبل هذا العالم الحاضر: عالم الأفكار والمدارك والأسرار، وهو عالم عقليّ محنون بأسره في الابن، الحكمة، خلقه الله بولادة الابن لأزلّية؛ فهو مساوٍ لله، إذاً في أزلّيته (1-3: 4-5). وعالم الإدراكات السابقة في وجودها، الذي بدأ في الزمن وانتهى الأمر به إلى السقطة، التى تلاها خلق الله لهذا العالم الحاضر. بعد هذا العالم الأخير، سيكون هناك عالم القيامة. والسؤال الذي يُطَرح في هذا الخصوص هو الآتي: كم يكون لنا سويّاً أن نأخد بتأويل إيرونيموس، الذي يبدو علية العودة بهذا المقطع إلى الافتراض المذكور في 3: 1-3 أي وجود عدّة عالمين يلي أحدهما الآخر، وتدفه إليه سقطاتٌ جديدة تهوي فيها حريّة القرار الذي تحوزه الخليقة؟ بيد أنّنا حريّ بنا أن ننتبه إلى أنّ أريجانس يطرح أفتراضه المذكور هذا على سبيل البديل، ضمن مجادلة يقودها بمثابة البحث النظريّ.

[6]  لما كان مقطع إيرونيمس المذكور في الحاشية السابقة لا يتكلّم على “قاعدة التقوى” فإنّه محتمل أن يكون روفينس قد عمد إلى إضافة العبارة من تلقاء ذاته؛ أنظر 3-1-7.

[7]  راجع الحاشية 20. على القارئ أن يجيد فهم المقصود الذي يرمي إليه أوريجانس؛ إنّه يولي عمل الله أهميّة خطابه، فلا ينبغي بالتالي التشديد على عبارات الحديث عن عالمين.

[8]  يزوّدنا أوريجانس هنا بشروح تفوق ما قدّمه في 1-4: 3-5، لأّنه لم يتطرّق ثمّة إلاّ إلى عمل الله قبل أن يخلق هذا العالم، فيما يتناول الآن عمله تعالى بعد هذا العالم عينه: ذلك أنّ جا 1: 9 هو المناسبة لأن يقوم بالتوسّع في شرحه. ففي 1-4-5، إستخدم نصّ سفر الجامعة المذكور للدلالة على وجود عالم سابق. وفي 1-6-2، استخدم نصّ إشعيا 66: 22 للتأكيد على وجود عالم في المستقبل، ذي علاقة مع معتقد سقطة الخلائق العاقلة.

[9]  إش 66: 22.

[10]  جا 1: 9ي.

[11]  رفض أوريجانس في 2-3-6 وجود عالم آخر يتزامن وعالمنا، ويكون أسمى منه وأشدّ كمالاً: فإنّ عالم الأفكار قابع في الابن، ومسكن المغّطين الذي يتّخذ مكانه في الدائرة التاسعة جزء من عالمنا. لذا، يؤكّد أنّه لا عالم آخر غير عالمنا ونيته أم يجابه أهل العرفان، حتى يجتنب ثُنائية الملء الإلهي والعالم الأرضي.

[12]  بخصوص عمل الله منذ الأزل وإلى الأبد، راجع 1-4: 3-5؛ وفيما يتعلّق بوحدة العالم، أنظر 2-3-6.

من صنع الله : ماذا كان يصنع الله قبل خلق العالم ؟

 من صنع الله : ماذا كان يصنع الله قبل خلق العالم ؟

من صنع الله : ماذا كان يصنع الله قبل خلق العالم ؟

ماذا كان يصنع الله قبل خلقة العالم

 

ثمة سؤال اخر عاص غالبا ما يطرح عن الله ومفادة:كيف كان الله يملأ وقتة قبل تتميمة الخلق؟ كان لأوغسطينس المعلم المسيحى الشهير من القرن الخامس الميلادى ,اجابة لهذا السؤال وهى ان الله لم يكن لدية اى وقت, ذلك لأن الزمن لم يكن موجودا قبل ان يخلق الزمان, كان الزمان قد بدأ مع الخلق. وقبل الخلق, لم يكن هناك اى وجود للزمن. اْذا, لم يكن هناك زمن لدى الله فالعالم لم يبدأ بخلق الزمن , بل بالحرى بخلق الزمن. لكن, قد يتبادر الى ذهنك,ان لم يكن هناك اى زمن قبل ان يبدأ الزمان فماذا كان هناك ؟ والجواب عن هذا هو الازل . الله ازلى والشىء الوحيد الذى كان موجودا قبل الزمن هو الازل نفسة.
اضافة الى ذلك, يفترض السؤال ضمنا ان كائنا ازليا كاملا مثل الله, قد يسأم ويضجر.غير ان ظاهرة الضجر هى علامة عدم الكمال وعدم الرضى, لكن الله ينعم بحالة من الرضى الكامل. لذا ما كان بأمكان الله ان يصاب بالملل, حتى ولو كان عندة فترات زمنية طويلة. ان العقل المبدع والخلاق بشكل لا متناه, يبقى باستطاعتة باستمرار ايجاد امور مشوقة للقيام بها. العقول المحدودة هى وحدها التى تنضب من الامور المشوقة لذا يتملكها الضجر والملل.
اخيرا الله فى المسيحية, لة ثلاث اقانيم ينعمون فى حالة من الشركة الكاملة. ولا يمكن لكائن كهذا ان يعانى من الضجر او الوحدة فانة لا يوجد دائما وباستمرار شخص من اجل التكلم معة بل هناك ايضا شخص كامل فى تفهمة كما فى محبته ورفقتة لذا فالضجر يبقى محالا عن كائن كهذا.

ماذا كان يفعل الله قبل الخلق للعالم ؟ ماذا ماذا قبل الله ؟

ماذا كان يفعل الله قبل الخلق للعالم ؟ ماذا ماذا قبل الله ؟

ماذا كان يفعل الله قبل الخلق للعالم ؟ ماذا ماذا قبل الله ؟

ماذا كان يفعل الله قبل الخلق

ربما نشك ان هذا السؤال عبثيا لكنه يطرح بقوة من الملحدين ويكون اتجاه السؤال لإثبات ان الله خلق الكون من الضجر والوحدة وهو بالتالي غير كامل وبالتالي لا يوجد الله لان الله لابد ان يكون كامل
كيف كان الله يملأ وقت فراغه قبل خلق العالم ؟

أولا : كان لأوغسطينوس في القرن الخامس إجابتان لهذا السؤال الأولى فكاهية والثانية جدية , الإجابة الأولى هي ان الله كان يقضي وقته في اعداد جهنم وتجهيزها للاناس الذين يطرحون أسئلة كهذه !
أما الإجابة الجدية , فهي ان الله لم يكن لديه اي وقت , ذلك لان الزمن لم يكن موجودا قبل ان يُخلق الزمن .

كان الزمن قد بدأ مع الخلق وقبل الخلق لم يكن هناك اي وجود للزمن اذا لم يكن هناك زمن لدى الله فالعالم لم يبدأ بالخلق في الزمن بل الزمان والمكان امران ملتصقان فعدم وجود عالم (مكان ) يعني لا يوجد زمان
ولكن قد يتبادر إلى ذهنك ان لم يكن هناك اي زمن قبل ان بدأ الزمن ماذا كان هناك ؟ والجواب عن هذا هو الأزل . الله أزلي والشيء الوحيد الذي كان موجودا قبل الزمن هو الأزل نفسه

ثانيا : إضافة إلى ذلك بفرض السؤال ضمنا ان كائنا أزليا كاملا مثل الله , قد يسأم ويضجر , غير ان ظاهرة الضجر هي علامة عدم الكمال وعدم الرضى لكن الله ينعم بحالة من الرضى الكامل لذا ما كان بإمكان الله ان يصاب بالملل حتى ولو كان عنده فترات زمنية طويلة , ان العقل المبدع والخلاق بشكل لا متناه يبقى باستطاعته باستمرار إيجاد أمور مشوقة للقيام بها , العقول المحدودة هي وحدها التي تنضب من الأمور المشوقة.

لذا يتملكها الضجر والملل , أخيرا الله في المسيحية ثلاث اقانيم ينعمون في حالة من الشركة الكاملة ولا يمكن لكائن كهذا ان يعاني من الضجر او الوحدة فانه لا يوجد دائما وباستمرار شخص يتكلم معه فحسب , بل هناك ايضا شخص كامل في تفهمه , كما في محبته ورفقته ,لذا فالضجر يبقى محالا على كائن كهذا .

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

ماذا كان يفعل الله قبل الخلق للعالم ؟ ماذا ماذا قبل الله ؟

للرب الخلاص ولا يعوز الإنسان أي آخر سواه – انتبهوا وآمنوا بحمل الله رافع خطية العالم.

منذ البداية خلق الله الإنسان على صورته كشبهه وأعطاه حق المثول في حضرته ويمين الشركة معه، ولكن حينما انفصل عن الله بطاعة آخر غيره، انفصل عنه وعاش وحيداً يفتش عن ما ينجيه من الموت ولم يجد آخر، فظهر الله في الجسد بسرّ تواضع فائق أذهل الإنسان جداً، لأن الغير المحوي احتواه جسد، مع أن في الحقيقة هو الذي احتوى كل جنس البشر ونسبهم إليه وضمهم لنفسه ووحدهم به بسر فائق عظيم، لا يُشرح إنما يُذاق حينما يؤمن الإنسان ويقترب من الواحد الذي اتى ليجعل الكل فيه واحد لينالوا قوته الخاصة ويلبسوا مجده الفائق، فتتجدد حياتهم وتتغير…

فالله ظهر في الجسد بكونه هو وحده فقط الماحي الذنوب فعلاً كما قيل في إشعياء النبي [ أنا ἐγώ εἰμι أنا ἐγώ εἰμι هو الماحي ذنوبك لأجل نفسي وخطاياك لا أذكرها ] (أشعياء 34: 25)
ولنلاحظ يا إخوتي التكرار الموجود في الآية (أنا أنا) ἐγώ εἰμι، إذ يؤكد أن هذا هو اسمه الشخصي الذي تظهر في كلمة الرب الذي يقولها وينطق بها كاستعلان خاص وشخصي عن ذاته والتي أظهرها في إنجيل يوحنا قائلاً [ الحق، الحق أقول لكم ] والحق هنا مطلق، لأنه حق نطق الله.
فيا إخوتي الرب الظاهر في الجسد هو بشخصه وذاته يهوه الذي أكد أنه هو الماحي الخطايا لأجل اسمه، واسمه هو الضامن لعمله فينا كلنا، فهو يُعلن قائلاً: [ إني أنا هو الماحي ذنوبك لأجل اسمي أنا، وخطاياك لا أذكرها ]
لذلك اتعجب كل العجب من أي واحد خاطي يرى نفسه غير نافع أنه يعيش ويحيا مع الله، حينما يُركز على خطيئته، ويرى مدى بشاعتها ويحاول أن يكفر عنها بصوم أو بتقدمة ما، فهذا لن ينفع قط بل وعلى الإطلاق، لأن للأسف كثيرين لا يعوا بعد، بل ولا يدركوا أن الله ضمن الغفران باسمه الخاص…
فهل وعيتم الآن يا إخوتي ما الذي أُعلن وصار لنا !! 
انتبهوا جداً وللغاية لِما هو مكتوب، لأن الأمر عن جد خطير، بل وعظيم ومفرح ومعزي وفيه كنز فائق عميق متسع لنا كلنا، فانتبهوا جداً ولا تشردوا بأذهانكم وتدعوا هذا الأمر الفائق يفوتكم، واصغوا واعلموا المكتوب بتدقيق: [ أما إسرائيل فيخلص بالرب (يهوه) خلاصاً أبدياً، لا تخزون ولا تخجلون إلى دهور الأبد ] (أشعياء 45: 17)

فيا إخوتي للرب الخلاص، وشهادة الروح لنا وإعلانه في القلب، أن الرب الكائن القدير هو خلاص النفس وكما مكتوب في المزمور [ قُل لنفسي خلاصك أنا ] (مزمور 35: 3)، وفي اليونانية تأتي σωτηρία σου ἐγώ εἰμι أنا هو الرب الكائن القدير الذي هو خلاصك.

لا تجزعوا من شيء ولا تخافوا أن تأتوا لحمل الله لأنه هو وحده فقط رافع خطية العالم، لأن من لا يأتي إليه لن تُرفع عنه خطيئته، فلا يظن أحد أنه سيخلص من ذاته ولا عن أي طريق آخر، لا صوم ولا عطية ولا محبة فقراء ولا اي عمل من الأعمال، ولا حتى عن طريق أي شخصية ما، لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا خادم ولا نبي ولا كاهن ولا رئيس كهنة، ولا اي أحد يستطيع أن يُخلِّص غير شخص المسيح الله الظاهر في الجسد رافع خطية العالم…

  • [ إني أنا الرب (يهوه) شافيك אֲנִי יְהוָה רֹפְאֶךָ׃(إني أنا هو الرب الشافي الخاص بك أو المُعالج المعتني بك) ] (خروج 15: 26)
  • [ أنا، أنا هو مُعزيكم (أنا وحدي معزيكم أو مريحكم) ] (أشعياء 51: 12)

[ أنا أرعى غنمي وأربضها يقول السيد الرب، وسيعلمون أني أنا هو الرب ] (حزقيال 34: 15)، بمعنى أنه لن يعلم أحد أنه هو الرب إلا لو ظهر بعمله كراعٍ يرعى قطيعه [ الرب راعي فلا يعوزني شيء، في مراعٍ خضر يربضني، إلى مياه الراحة يوردني ] (مزمور 23: 2):

  • [ وأنتِ يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا، لأن منك يخرج مدبر Who shall be shepherd of my people Israel يرعى keeper شعبي إسرائيل ] (متى 2: 6)
  • [ فلما خرج يسوع رأى جمعاً كثيراً فتحنن عليهم إذ كانوا كخراف لا راعي لها فابتدأ يُعلمهم كثيراً ] (مرقس 6: 34)
  • [ أنا هو الراعي (المدبر) الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف ] (يوحنا 10: 11)
  • [ لأنكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأسقفها ] (1بطرس 2: 25)
  • [ هكذا يقول الرب فاديك، قدوس إسرائيل: أنا الرب (يهوه) إلهك مُعلمك لتنتفع، وأُمشيك في طريق تسلك فيه أو (أنا هو يهوه إلهك علمتك كيف تجد الطريق الذي تسلك فيه) ] (أشعياء 48: 17)

وهذا هو عمل الله الحقيقي الذي يظهر فيه عمل قدرته ووعد أمانته لنا كلنا: [ أُعلمك وأرشدك الطريق التي تسلكها أنصحك عيني عليك ] (مزمور 32: 8)، وهذا ظاهر في تجسد الكلمة: [ قال له يسوع: أنا هو الطريق والحق والحياة، ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي ] (يوحنا 14: 6)

  • فيا إخوتي اعرفوا يقيناً أن الرب صادق وأمين: [ أنا، أنا الرب متكلم بالصدق (الحق) ومُخبِّر بالاستقامة אני יהוה דבר צדק מגיד מישׁרים ] (إشعياء 45: 19)، [ اُنْظُرُوا الآنَ! أَنَا، أَنَا (بنفسي وبشخصي) هُوَ وَليْسَ إِلهٌ (آخر) مَعِي. أَنَا أُمِيتُ وَأُحْيِي. سَحَقْتُ وَإِنِّي أَشْفِي وَليْسَ مِنْ يَدِي مُخَلِّصٌ – ראו עתה כי אני אני הוא ואין אלהים עמדי אני אמית ואחיה מחצתי ואני ארפא ואין מידי מציל ] (تثنية 32: 39)

فبعد ما عرفنا الرب الآمين الصادق، الذي يحقق مقاصده، والذي أتى إلينا ليجدد طبعنا البالي، ويجعلنا خليقة جديدة فيه، فكيف لنا اليوم أن لا نُصدق غفرانه ولا نؤمن ونأتي إليه بقلوبنا لنحيا معه !!!
فأعلم يا من تقول أنك خاطي وتصمت، وتحاول أن تتضع اتضاع التقوى الغاشة وتقول أنك غير مستحق، فأن الرب لم يأتي ويعطي غفراناً لمن هو مستحق، بل الكل غير مستحق على الإطلاق، فلم ولن يوجد إنسان مستحق محبة الله في الوجود كله، لأنها مجانية مقدمه منه للغير المستحقين، ونعمة الله غنية وأقوى من خطايا العالم كله مجتمعة معاً، لأن الرب يستطيع ان يغفر ليس خطايا العالم فقط بل لو كان هُناك أكثر من مليون عالم يستطيع أن يغفرها في لحظة بل في طرفة عين، فلا تخضع لفكر الشرير لو ملأ عقلك وجعلك تظن أن دم المسيح غير قادر على أن يمحو خطيتك أنت، لأن هذا تجديف على دم المسيح الرب البار القادر على كل شيء…

  • [ فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب، يُطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي ] (عبرانيين 9: 14)

فأن كنت لم تؤمن بقوة دم حمل الله رافع خطية العالم، آمن الآن فتربح المغفرة وفرح الله يملأ قلبك ونوره يشع في وجهك فتعرفه وتدخل في سرّ الشركة معه [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6)
لا تسكثر خطيتك على دم المسيح الساتر الخطايا مهما ما كانت صعبة، فأن كنت ترى خطاياك بشعه فاهرب منها الآن لحضن المسيح الرب، وان كنت تراها كثيرة جداً فاعلم انه مكتوب: [ حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً ] (رومية 5: 20)
فمهما ما كنت مجرم في نظر نفسك وخطاياك بشعة ورهيبة للغاية، وترى أنك بسببها مرفوض أمام الله، فتب الآن فوراً واهرب لحياتك [ أهرب لحياتك لا تنظر إلى ورائك ولا تقف في كل الدائرة، أهرب الى الجبل لئلا تهلك ] (تكوين 19: 17)، فتعالى لصخر الدهور، شخص ربنا يسوع واحتمي فيه لتزول عنك خطيئتك وتبرأ من دائها المميت للنفس، فالرب هو الحياة الذي يقول لكل نفس في كل جيل: 

  • [ ألم أقل لك أن آمنتِ ترين مجد الله ] (يوحنا 11: 40)
Exit mobile version