عدم معرفة الابن للساعة – نفى لألوهيته أم إعلاناً ببنوته المنفردة؟! – مينا كيرلس

عدم معرفة الابن للساعة – نفى لألوهيته أم إعلاناً ببنوته المنفردة؟! – مينا كيرلس

عدم معرفة الابن للساعة – نفى لألوهيته أم إعلاناً ببنوته المنفردة؟! – مينا كيرلس

 «وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ. إنجيل مرقس ١٣:٣٢

 

وحسب النص ان الابن لا يملك معرفه اليوم أو الساعة باعتراف الابن ف لو قلنا ان الابن يعرف يكون هذا كذب بشهادة الابن عن نفسه وإذا كان الابن لا يعرف فكيف يكون هو الله؟

 

وقد تكرر النص في انجيل متى البشير

 

 «وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ، إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ. إنجيل متى ٢٤:٣٦

 

يبدو أن هذه المسألة اللاهوتية التي تفاقمت كثيراً في عهد أريوس وأثناسيوس مازالت تُسبب إزعاج للكثير من المؤمنين وغير المؤمنين فيخبرنا المؤرخ هرنك:

“إن تعاليم أريوس انتشرت بسرعة في العصر القسطنطيني بين الوثنيين المتعلمين وأنصاف المتعلمين الذين انضموا إلى الكنيسة في ذلك الوقت، لأنها كانت تتفق إلى حد كبير مع بعض الافكار الوثنية التي تنادي بأن الله واحد سام ولا يمكن مقارنته بأحد، والذي منه خرجت عدة آلهة”.¹

 

أمر مُحزن أن نجد الكثيرون ينساقون وراء أفواه الهراطقة برغم إعلان الكلمة عن ذاته كما يقول البشير “كُون العالم به ولم يعرفه العالم” (يوحنا ١:١٠).

 

تقوم أغلب الهرطقات على سببين:

  • مقدمة مشوهة (Misrepresentation)
  • التفسير الخاطئ (Misinterpretation)

 

لذلك وجب علينا أن نقدم العرض والتفسير السليمين لبعض النقاط في هذه المسألة اللاهوتية العميقة بما لا يتعارض مع روح الكتاب والتقليد العامل في الكنيسة على مر العصور.

 

أولاً دراسة قصيرة في كلمة “معرفة”

 

لا يمكننا ابدا ان نستخدم النصوص وترجمتها بحرفيتها، يجب الاتيان بالمعنى من خلال السياق.

 

١-هل كلمه “يعرف” دائما تدل على اقتناء المعرفة في الكتاب المقدس؟

الإجابة هي لا فالكلمة عامه جدا وترجمتها غير دقيقه احيانا بسبب قصور اللغة العربية في الاتيان بالمعنى الصحيح بطريقة متداولة حالياً.

استشهد ببعض الآيات كدليل.

 

وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ قَايِينَ. وَقَالَتِ: «اقْتَنَيْتُ رَجُلاً مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ». سفر التكوين ٤:١

 

النص باللغة العبرية:

בראשית 4:1 Hebrew OT: Westminster Leningrad Codex

וְהָ֣אָדָ֔ם יָדַ֖ע אֶת־חַוָּ֣ה אִשְׁתֹּ֑ו וַתַּ֙הַר֙ וַתֵּ֣לֶד אֶת־קַ֔יִן וַתֹּ֕אמֶר קָנִ֥יתִי אִ֖ישׁ אֶת־יְהוָֽה׃

 

النص في الترجمة السبعينية (اليونانية):

Gen 4:1 – Αδαμ δὲ ἔγνω Ευαν τὴν γυναῗκα αὐτοῦ καὶ συλλαβοῦσα ἔτεκεν τὸν Καιν καὶ εἶπεν ἐκτησάμην ἄνθρωπον διὰ τοῦ θεοῦ

 

 النص بالإنجليزية:

¹And Adam knew Eve his wife, and she conceived and brought forth Cain and said, I have gained a man through God.

 

ἔγνω=Knew=عَرَفَ=יָדַ֖ע

هل كلمه عَرَفَ هنا تدل على اقتناء معرفه ادم بحواء؟

 

يشرح القمص انطونيوس فكرى في تفسيره لسفر التكوين

وعرف أدم امرأته:

هذا هو التعبير المهذب الإنجيلي للمعاشرة الزوجية.²

 

وقد شرح القديس يوحنا ذهبي الفم (347-407):

 

قول موسى “فعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين”، تأمل متى كان هذا الجماع؟ لقد حدث بعد الخروج من الجنة، لأنهما قبل المعصية كانت سيرتهما كالملائكة ولم يكن حد الجماع موجودا، وكيف يكون هذا، ولم يكونا موضوعين تحت الام الجسد.³

 

ويقول ابن عزرا اليهودي (١٠٨٩-١١٦٧) في تعليقه على سفر التكوين:

 

AND THE MAN. When Adam realized that he would not live Forever he saw the need of perpetuating the human race. Eve concurred And therefore exclaimed, upon giving birth to a child, / have gotten a Man with the help of the Lord.

 

الترجمة:

و الرجل (يقصد ادم) عندما ادرك انه لن يعيش للابد وجد الحاجه إلى ادامه الجنس البشرى، وافقت حواء وبالتالي صاحت بولادة طفل / بحصولها على رجل بمساعده الرب.⁴

 

إذا فكلمه عَرَفَ معناها العلاقة الجسدية وليس اقتناء المعرفة في هذا النص.

 

مثال اخر من العهد القديم

 

 فَقَالَ: «لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إلى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي». سفر التكوين ٢٢:١٢

 

في النص العبري:

 

בראשית 22:12 Hebrew OT: Westminster Leningrad Codex

וַיֹּ֗אמֶר אַל־תִּשְׁלַ֤ח יָֽדְךָ֙ אֶל־הַנַּ֔עַר וְאַל־תַּ֥עַשׂ לֹ֖ו מְא֑וּמָּה כִּ֣י ׀ עַתָּ֣ה יָדַ֗עְתִּי כִּֽי־יְרֵ֤א אֱלֹהִים֙ אַ֔תָּה וְלֹ֥א חָשַׂ֛כְתָּ אֶת־בִּנְךָ֥ אֶת־יְחִידְךָ֖ מִמֶּֽנִּי׃

 

النص في الترجمة السبعينية (اليونانية):

 

Gen 22:12 – καὶ εἶπεν μὴ ἐπιβάλῃς τὴν χεῗρά σου ἐπὶ τὸ παιδάριον μηδὲ ποιήσῃς αὐτῷ μηδέν νῦν γὰρ ἔγνων ὅτι φοβῇ τὸν θεὸν σὺ καὶ οὐκ ἐφείσω τοῦ υἱοῦ σου τοῦ ἀγαπητοῦ δι᾽ ἐμέ

 

ترجمه النص الإنجليزية

¹²And he said, Lay not thine hand upon the child, neither do anything to him, for now I know that thou fearest God, and for my sake thou hast not spared thy beloved son.

 

فنجد ان

عَلِمْتُ=יָדַ֗עְתִּי=ἔγνων=I know

 

فهل معرفه الله تزداد وتَنقُص؟

يرد على هذا السؤال القديس يوحنا ذهبي الفم (347-407) ويقول:

 

وقوله: لأني الآن علمت إنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني، قد يتجه السائل أن يسأل فيقول أترى أن الله كان قبل هذا الأمر غير عارف بفضيلة الصديق ثم عرف الآن؟! فأجيبه: لم يقل الله هذا القول على انه قد علم ذلك الآن، بل انه قد أطلع الكل على صریح خوفه منه.⁵

 

ويقول المفسر اليهودي ابن عزرا (١٠٨٩-١١٦٧):

 

The philosophers teach that There are two kinds of knowledge,

 knowledge of events prior to their Occurrence,

 and knowledge of what is presently in existence. The latter is the meaning of God did prove, and for now I know.

 

الترجمة:

 

الفلاسفة يُعلمون انه هناك نوعان من المعرفة، معرفه الاحداث قبل حدوثها ومعرفه ما هو موجودا في الوجود.

و النوع الاخير هو معنى ان الله اثبت، (و الان انا اعلم).⁶

 

وفي نفس الصفحة يضيف ابن عزرا من اقوال الحاخام سعيد الفيومي (٨٨٢-٩٤٢)

Saadiah Gaon says that did prove means that God tested Abraham in order to Demonstrate his piety to mankind; furthermore, he interprets for now I Know that thou art a God-fearing man (V. 12) to mean that now I have Made known to all that thou art a God-fearing man.

 

الترجمة:

سعيد الفيومي يقول اثبت ذلك تعنى ان الله اختبر ابراهيم ليُظهِر تقواه للبشرية، انه يفسر الان اعلم انك خائف الله تعنى انه جعله معلوما للجميع انه رجل خائف الله.⁷

 

نرى ان كلمه يعرف في العبرية والمستخدمة في العبارتين هي الكلمة الأصلية יָדַע “Yada” معناها يعلم “to know” ورقمها في قاموس سترونج هو H3045

 

اما في الترجمة السبعينية ف الكلمة الأصلية المستخدمة هي كلمه γινώσκω (ginōskō) ومعناها يعلم “to know” رقمها في قاموس سترونج G1097

 

فحيث ان المعنى المُستخدم هو عَرَفَ وعَلِمَ الا انه حسب السياق، المعنى مختلف تماما.

 

والان نأتي إلى العهد الجديد:

 

 فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ: «كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟» إنجيل لوقا ١:٣٤

 

والنص باليونانية:

 

ΚΑΤΑ ΛΟΥΚΑΝ 1:34 Greek NT: Greek Orthodox Church

Εἶπε δὲ Μαριὰμ πρὸς τὸν ἄγγελον· Πῶς ἔσται μοι τοῦτο, ἐπεὶ ἄνδρα οὐ γινώσκω;

 

 بالإنجليزية:

New King James Version

Then Mary said to the angel, “How can this be, since I do not know a man?”

 

وبعض التراجم التفسيرية تترجمها بهذا الشكل:

English Standard Version

And Mary said to the angel, “How will this be, since I am a virgin?”

 

لكن من النص اليوناني نجد الكلمة المستخدمة هي كلمه γινώσκω

 

Strong’s Concordance

Ginóskó: to come to know, recognize, perceive

Original Word: γινώσκω

Part of Speech: Verb

Transliteration: ginóskó

Phonetic Spelling: (ghin-oce’-ko)

Definition: to come to know, recognize, perceive

Usage: I am taking in knowledge, come to know, learn; aor: I ascertained, realized.

 

HELPS Word-studies

1097 ginṓskō – properly, to know, especially through personal experience (first-hand acquaintance). 1097 /ginṓskō (“experientially know”) is used for example in Lk 1:34, “And Mary [a virgin] said to the angel, ‘How will this be since I do not know (1097 /ginṓskō = sexual intimacy) a man?’”

 

ولتوضيح المعنى اكثر:

 

المعرفة هي معرفه تجريبيه شخصيه كما في النص السابق والنصوص الاخرى مثل متى ٧:٢٣ ويوحنا ١٧:٣….الخ

 

اما النص الذي يتحدث عن معرفه الابن للساعه فهو كالاتي:

 

 «وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ. إنجيل مرقس ١٣:٣٢

 

 النص اليوناني:

ΚΑΤΑ ΜΑΡΚΟΝ 13:32 Greek NT: Greek Orthodox Church

Περὶ δὲ τῆς ἡμέρας ἐκείνης ἢ τῆς ὥρας οὐδεὶς οἶδεν, οὐδὲ οἱ ἄγγελοι ἐν οὐρανῷ οὐδὲ ὁ υἱός, εἰ μὴ ὁ πατήρ.

 

وباللغة الإنجليزية:

New King James Version

“But of that day and hour no one knows, not even the angels in heaven, nor the Son, but only the Father.

 

الكلمة اليونانية المستخدمة هي οἶδεν من الاصل οἶδα (eidó) ورقمها G1492 وتأتى ايضا بمعنى يعرف “to know”

 

Eidó: be aware, behold, consider, perceive

Original Word: οἶδα

Part of Speech: Verb

Transliteration: eidó

Phonetic Spelling: (i’-do)

Definition: be aware, behold, consider, perceive

Usage: I know, remember, appreciate.

 

 

HELPS Word-studies

1492 eídō (oida) – properly, to see with physical eyes (cf. Ro 1:11), as it naturally bridges to the metaphorical sense: perceiving (“mentally seeing”). This is akin to the expressions: “I see what You mean”; “I see what you are saying.”

 

1492 /eídō (“seeing that becomes knowing”) then is a gateway to grasp spiritual truth (reality) from a physical plane. 1492 (eídō) then is physical seeing (sight) which should be the constant bridge to mental and spiritual seeing (comprehension).

 

ولتوضيح المعنى أكثر:

 

الكلمة المستخدمة هي معرفه برؤيه ماديه أو برؤيه عقليه مثل “انا ارى ماذا تقصد”; “انا ارى ماذا تقول”

 

والكلمة هي (رؤية تصبح معرفه) وهي بوابه لفهم الحق الروحي (الواقع) من مستوى مادي.

 

الكلمة ايضا هي رؤية جسديه حيث يجب ان تكون جسرا لرؤيه عقليه وروحيه (الإدراك).

 

واعطى مثال لهذه الفعل:

 

 قَائِلاً: «آهِ مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ: قُدُّوسُ اللهِ» إنجيل مرقس ١:٢٤

 

النص باليونانية:

ΚΑΤΑ ΜΑΡΚΟΝ 1:24 Greek NT: Greek Orthodox Church

Λέγων· Ἔα, τί ἡμῖν καὶ σοί, Ἰησοῦ Ναζαρηνέ; ἦλθες ἀπολέσαι ἡμᾶς; οἶδά σε τίς εἶ, ὁ ἅγιος τοῦ Θεοῦ.

 

الترجمة بالإنجليزية:

Mark 1:24

New King James Version

24 saying, “Let us alone! What have we to do with You, Jesus of Nazareth? Did You come to destroy us? I know who You are—the Holy One of God!”

 

المعرفة هنا هي معرفه عقليه وروحيه (إدراك) مصاحبه باعتراف من الشياطين ان المسيح هو قدوس الله.

 

مثال اخر:

 وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا». قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «لَكَ أَقُولُ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إلى بَيْتِكَ». إنجيل مرقس ٢: ١٠-١١

 

النص باليونانية:

 

ΚΑΤΑ ΜΑΡΚΟΝ 2:10 Greek NT: Greek Orthodox Church

¹⁰ ἵνα δὲ εἰδῆτε (eidēte) ὅτι ἐξουσίαν ἔχει ὁ υἱὸς τοῦ ἀνθρώπου ἀφιέναι ἐπὶ τῆς γῆς ἁμαρτίας – λέγει τῷ παραλυτικῷ·

 

¹¹ Σοὶ λέγω, ἔγειρε καὶ ἆρον τὸν κράβαττόν σου καὶ ὕπαγε εἰς τὸν οἶκόν σου.

 

النص بالإنجليزية:

Mark 2:10-11

New King James Version

10 But that you may know that the Son of Man has [a]power on earth to forgive sins”—He said to the paralytic, 11 “I say to you, arise, take up your bed, and go to your house.”

 

من الواضح ان المعرفة هنا هي إدراك عقلي وروحي مصحوب بدليل (رؤية ماديه لمعجزه) ليُصدق الناس ان المسيح له سلطان على مغفره الخطايا.

 

والمثال الاخير الذي اطرحه هو عباره تحتوي على الكلمتان.

 وَلَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. وَأَمَّا أَنَا فَأَعْرِفُهُ. وَإِنْ قُلْتُ إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُهُ أَكُونُ مِثْلَكُمْ كَاذِبًا، لكِنِّي أَعْرِفُهُ وَأَحْفَظُ قَوْلَهُ. إنجيل يوحنا ٨:٥٥

 

النص بالإنجليزية:

 

John 8:55 New King James Version

55 Yet you have not known Him(the first word), but I know(the second word) Him. And if I say, ‘I do not know(the secon” word) Him,’ I shall be a liar like”you; but I do know Him and keep His word.

 

النص باليونانية:

ΚΑΤΑ ΙΩΑΝΝΗΝ 8:55 Greek NT: Greek Orthodox Church

Καὶ οὐκ ἐγνώκατε “الكلمه الاولى” αὐτόν· ἐγὼ δὲ οἶδα “الكلمة الثانية” αὐτόν. Καὶ ἐάν εἴπω ὅτι οὐκ οἶδα “الكلمة الثانية” αὐτόν, ἔσομαι ὅμοιος ὑμῶν ψεύστης· ἀλλ’ οἶδα αὐτὸν καὶ τὸν λόγον αὐτοῦ τηρῶ.

 

في هذه العبارة المسيح قد استخدم الكلمتان

الاولى استخدمها مع اليهود والثانية استخدمها مع نفسه،

ليوضح ان اليهود ليس لديهم معرفه (عن تجربه شخصيه) بالأب بينما هو يعرف (معرفه عقليه وروحيه) الأب.

والأمر الذي أكد علاقته مع الأب عندما ذكر انه كائن قبل أن يكون إبراهيم “عدد ٥٨” مما جعل رد فعل اليهود عنيفاً ضده، فما كان منهم الا رفعهم للحجارة ليرجموه “عدد ٥٩”.

 

يقول القديس كيرلس عامود الدين:

“فنحن نؤمن بوجود الله، لكنه من غير اللائق أن نبحث في ماهية الله حسب طبيعته الإلهية، فليس من السهل أن ندرك هذا، إذ أن طبيعة الله، هي أبعد من حدود الفكر البشري. ثم إن كان الابن هو مخلوقا ومصنوعا، فكيف يمكنه وحده أن يعرف الأب، وأن يكون وحده أيضا معروفا من الآب؛ لأن معرفة طبيعة الله أمر مستحيل تماما بالنسبة للمخلوقات، بينما أن يعرف شيء عن تلك المخلوقات، وماهيتها، ليس أمر يفوق إدراك العقل حتى ولو كان هذا الأمر صعبا قليلا علينا، وبالتالي فطالما أن الابن وحده هو الذي يعرف الآب، وهو فقط الذي يعرف من الآب، إذا سيتلاشى الإدعاء بأنه قد خُلق، لأن الطبيعة الفائقة غير الموصوفة هي فقط التي تعرف نفسها، ولا يستطيع أولئك الذين خُلِقوا أن يقتربوا منها على الإطلاق”.⁸

عدم معرفة الابن للساعة – نفى لألوهيته أم إعلاناً ببنوته المنفردة؟! – مينا كيرلس

ثانياً فحص النص.

 

بما ان الكلمة تعنى معرفه تتطلب رؤية عقليه وروحيه كما موجود في نص مرقس ١٣:٣٢ انه لا يعلم بهما أحد (البشر على الارض) ولا الملائكة في السماء وذلك معناه ان الخليقة كلها ليس لديها الحق في هذه المعرفة الا الاب وكما قال السيد المسيح:

 لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ، سفر أعمال الرسل ١:٧

كل الخليقة ليس لها حق هذه المعرفة الا الاب ف الاب هو الله من حيث الطبيعة، الاب لم يتجسد وكذلك الروح القدس، الاقنوم الذي تجسد واتحد بالطبيعة البشرية هو اقنوم الكلمة.

 

إذا فذكر النص للابن والاب يدل على علاقة الاب بالخليقة (البشرية) من خلال الابن فالأب هو من أرسل الابن والابن هو النائب عن البشرية بتجسده، وكذلك يعلن عن الله من خلال هذا التجسد بما يليق مع تدبير الخلاص للعالم.

 

اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ. إنجيل يوحنا ١:١٨

 

 كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ. إنجيل متى ١١:٢٧

 

الابن يقوم بمشيئة الآب أي تدبير الخلاص وليست مشيئة أي أحد أخر لذلك نجد نصوص مثل:

 

الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ. إنجيل يوحنا ٥:١٩

 

 أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي. إنجيل يوحنا ٥:٣٠

 

يعلق كريج كينر الحاصل على دكتوراه في العهد الجديد:

“يدعي يسوع هنا أن لا أحد يعرف اليوم ولا الساعة، ولا حتى هو نفسه، وهذا القول صحيح بالتأكيد خاصة لأن الكتاب المقدس شهد بالفعل أن الرب يعلم الوقت “زكريا ١٤:٧”، بالكاد كانت الكنيسة الأولى ستخلق قولًا يقصر العلم الإلهي بكل شيء على الآب؛ لم يكن بوسع أي دائرة مسيحية من القرن الأول معروفة لنا بشكل آمن أن تقدم مثل هذا الامتياز المسيحي. علاوة على ذلك، لو احتاج المسيحيون الأوائل إلى قول مأثور لمعالجة تأخير المجيء الثاني، لكان من الطبيعي أن يكونوا قد أوجدوا ادعاءً بأن يسوع أنكر اقتراب المجيء الثاني، وليس أنه كان يجهل توقيته. ومع ذلك، لأن القول أصيل، فإنه يؤكد بالمصادفة الرأي القائل بأن يسوع أطلق على نفسه اسم ابن الله بمعنى مميز، ويخصص لنفسه دورًا بين الملائكة أو فوقها، أي تشبه الحكمة الإلهية”.⁹

 

أي أن النص لا ينفي ألوهية المسيح بل يخبرنا اكتر عن صفاته الانسانية أثناء حياته على الأرض وانه ليس مثل باقي البشر بل هو متميز عنهم بل وأيضاً فوق الملائكة.

 

الابن هو نقطة تلاقي الطبيعة الإنسانية الضعيفة التي لا تقدر ان تفعل شيئا من نفسها مع الطبيعة الالهية، فالمسيح يقوم بهذه الاعمال بقوه اللاهوت (يوحنا ١٤:١٠)

الابن الذي هو بين البشر هو يعلن عن الاب للبشر لأنه هو الوحيد الذي يعرفStrong’s G1097 “γινώσκει””ginōskei”) ) الاب معرفه يفتقر اليها اليهود في المثال الذي شرحته، فكيف لا يعرفه وهو يسُرَهُ (إنجيل متى17:3)؟

 

وَالْتَفَتَ إلى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ:«كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ الابْنُ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ مَنْ هُوَ الآبُ إِلاَّ الابْنُ، وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ». إنجيل لوقا ١٠:٢٢

 

 الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ». إنجيل يوحنا ٣:٣٦

 

يجب الايمان بالابن لان الابن هو عمل الله المرئي والمُعلن للبشرية (التجسد-الفداء-القيامة…)

 

 فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ. إنجيل يوحنا ٥:١٩

 

 فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا. إنجيل يوحنا ٨:٣٦

 

وهنا يشير إلى الفداء الذي يقدمه الابن من خلال “موته بالجسد” على الصليب (رساله يوحنا الاولى ٤:١٤)، فالموت يُشير إلى الطبيعة البشرية للابن.

 

وليست مهمه الابن المتجسد ان يعلن ميعاد اليوم الذي جعله الاب في سلطانه:

 

 لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ». إنجيل يوحنا ٦:٤٠

 

الذي يؤمن بالابن تكون له حياه ابديه والمسيح يقيمه من موته في اليوم الاخير.

 

 لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ، إنجيل يوحنا ٥:٢٢

 

وايضا الابن هو من يدين.

 

لقب الابن يشير إلى لاهوت المسيح ايضا لان لاهوت الابن هو لاهوت الاب وهو ايضا لاهوت الروح القدس (يوحنا ١٦:١٥)

لذلك تدبير الخلاص يقوم عليه الثلاثة أقانيم وليس كل أقنوم منفرداً.

 

ثالثاً هل عدم معرفه الابن يدل على انه ليس الله بالطبيعة؟

 

يُعلق عالم اللاهوت چون چيل:

يجب أن يُفهم من المسيح كابن الإنسان، وليس كابن الله. لأنه على هذا النحو، كان مضطجعا في حضن الآب، وعرف كل مقاصده ومخططاته. لأن هذه كانت مقصودة فيه: عرف منذ البدء من سيخونه ومن سيؤمن به. كان يعرف ما الذي سيحدث لرافضيه، ومتى سيحدث ذلك. كما يجب أن يعرف أيضا يوم الدينونة الأخيرة، لأنه معين من قبل الله، وهو معين لتنفيذه: ولكن المعنى هو أنه، كإنسان ووسيط، لم يأت ليهلك بل يخلص. لذلك لم يكن أي جزء من عمله، على هذا النحو، أن يعرف، ولم يكن مكلفا بالإعلان عن وقت خراب أورشليم:

ولكن أبي فقط: لاستبعاد جميع المخلوقات والملائكة والبشر. ولكن ليس لاستبعاد المسيح كالله، الذي على هذا النحو، كلي المعرفة. ولا الروح القدس، الذي يعرف أمور الله العميقة، وأسرار قلبه، وهذا من بين أمور أخرى.¹⁰

 

يرد على هذا الادعاء الوحى المقدس أيضاً مستخدماً الرسول بولس في رسالته إلى اهل فيلبى:

 

 فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. الرسالة إلى فيلبى ٢: ٥-٨

 

الذي يتكلم عن المسيح بتواضع رغم انه صورة الله فإنه ارتضى بتنازله آخذاً صورة عبد أي صورة إنسان (تجسد) وأخلى ذاته. أي انه الازلي غير المخلوق فقد أخذ طبيعة مخلوقة ليتمم تدبير الخلاص.

 

ومن ضمن الشروحات حول هذا النص، كثيرون هم الشراح الذين يقبلون أن النص هو من انتاج ما قبل بولس، يقبلون أن الكنيسة كانت تستعمله قبل بولس إما في القداس الإلهي أو في المعمودية أو في مجال آخر. وكمكان أوّلي لتأليفه، يعتقدون أنه في الجماعة المسيحية الأولى في أورشليم، أو الجماعات اليهودية المسيحية في سوريا، أو جماعة يونانية ما.¹¹

 

و قد ذكر الأب بولس الغالي أن هذا النشيد “تفكير أصيل وعميق حول إيمان الكنيسة مع الاستعانة بتعابير وصور جاءت من العالم الذي يعيش فيه الرسول”.¹²

 

كما يُعلق العلامة اوريجانوس:

“أقول إن المسيح لم يجئ لهذه المهمة عن إجبار، لكنه تحرك بالشفقة فقط؛ لأنه كان “في صورة الله”، وعندما رأى أن الموت يمارس سيادته على البشر بسبب تعدي الإنسان الواحد، لم يكن غافلاً عن خليقته، و”لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله”، أي لم يعتبر هذا أمرا ذا أهمية عظمى له أنه مساو للآب بالفعل وواحد مع الآب، بقدر ما رأى الموت يبيد عمله وقد اتخذ مدخلاً بسبب تعدى الإنسان الواحد، لذلك أخلى نفسه. من المساواة وصورة الله واتخذ “صورة عبد” (في ٢: ٦-٧)، وصار إنسانا”.¹³

 

فألوهية المسيح ايماناً أساسياً في الكنيسة والجماعات المسيحية الأولى بل وفي الجماعات اليهودية قبل المسيحية أيضاً فيذكر الحاخام دانيال بويارين في تعليقه على خصائص ابن الانسان المذكورة في دانيال ٧:

 

“كل هذه هي خصائص يسوع المسيح كما سيظهر في الأناجيل، وهي تظهر في هذا النص قبل أكثر من قرن ونصف من ولادة يسوع. علاوة على ذلك، فقد تم تطويرها بشكل أكبر داخل التقاليد اليهودية بين سفر دانيال والأناجيل. في مرحلة معينة اندمجت هذه التقاليد في أذهان اليهود مع توقع عودة مُلك داوودي، وولدت فكرة المسيا الإلهي البشري. ثم سُمي هذا الشخص “ابن الإنسان”، في إشارة إلى أصوله في الشخصية الإلهية المسماة “واحد شبه ابن الإنسان / إنسان” في دانيال. وبعبارة أخرى، أصبح التشبيه، وهو إله يشبه الإنسان (حرفيا ابن الإنسان) اسما لذلك الإله، الذي يدعى الآن “ابن الإنسان”، في إشارة إلى ألوهيته التي تبدو بشرية”.¹⁴

 

ومما لا يجعل مجالاً للشك هنا هو ممارسة ابن الانسان لسلطانه، من يغفر الخطايا إلا الله وحده؟

 

«يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ». إنجيل مرقس ٢:٥

 

وان يطلب أن يتم تكريمه ليس كما يكرم الجميع أي مخلوق آخر بل كما يكرمون الآب لانهم يشتركون في طبيعة واحدة…

 

لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ. إنجيل يوحنا ٥:٢٣

 

ليس هناك مجالاً للشك، حتى ناقد العهد الجديد بارت ايرمان يتحدث عن الوهية المسيح الواضحة في انجيل يوحنا:

 

“وهو إنجيل يتميز عن غيره من الأسفار التي صنعت طريقها إلى العهد الجديد بأنه بالفعل قد قطع شوطا كبيرا تجاه تحديد هويّة يسوع لذاته باعتباره إلهياً”.¹⁵

 

في الحقيقة لا اجد وصفاً أفضل لتوضيح أن هذه ليست مشكلة بغاية الأهمية في المسيحية من وصف محررين The Expositor’s bible commentary:

 

إن جهل يسوع المعترف به حول هذه النقطة لم يولد القليل من الجدل. في الواقع، إنه جزء من نمط العهد الجديد لإذلاله وتجسده (على سبيل المثال، ٢٠:٢٣ لوقا ٢:٥٢; أعمال الرسل ١:٧: فيلبي ٢:٧). إنجيل يوحنا، وهو أحد الأناجيل الأربعة التي تصر بوضوح على ألوهية يسوع، يصر أيضا بنفس القدر من القوة على اعتماد يسوع على أبيه وطاعته له، وهو اعتماد يصل حتى إلى معرفته بالألوهة. كيف يجب الجمع بين إصرار العهد الجديد على ألوهية يسوع وإصرار العهد الجديد على جهله واعتماده هي مسألة ذات أهمية عميقة للكنيسة. ويجب تجنب محاولات التخلي عن حقيقة واحدة من أجل الحفاظ على الأخرى.¹⁶

 

تم الرد في بداية البحث على من يستخدم حرفيه النصوص وترجمتها وان الحرفية لا يمكن ان توضح المعنى، ثم تم ايضاح ما هي المعرفة من خلال اللغة الأصلية للنصوص، وتم ايضاح المعنى من خلال النص وبعض النصوص الاخرى المُستخدمة لتدعيم المعنى أو الشرح المُتعارف عليه والمُتوارث من خلال التقليد الكنسي.

 

رابعاً أقوال أباء الكنيسة.

 

القديس ايرينيؤس (+130 م):

“أنتم تدعون أنكم تعرفون أسرار الله التي لا ينطق بها، بينما حتى الرب نفسه، ابن الله ذاته، صرح إن الآب وحده اليوم والساعة الخاصة بالدينونة حينما يعلن بوضوح: ” أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الابن إلا الآب”. فإن كان الابن لم يخجل أن ينسب معرفة ذلك اليوم للآب وحده، بل أعلن ما هو صحيح من جهة هذا الأمر، فلا ينبغي أن نخجل أن نحتفظ لله بتلك الأمور الأعظم التي يمكن أن يجدر لنا”.¹⁷

 

العلامة أوريجانوس (+185م):

غير ذلك طالما أن الكنيسة التي هي جسد المسيح لا تعرف اليوم والساعة، وطالما أن الأبن نفسه قد قال لا يعلم اليوم والساعة، فأن كلمة يعلم استخدمت وفقاً لمعناها المعتاد المناسب في الكتاب المقدس، يتحدث الرسول عن المسيح أنه لم يعرف خطيئة أي لم يخطئ، معرفة اليوم والساعة يحتفظ بها الابن في المخزن لورثة الوعد والتي قد يعرفها الجميع مرة واحدة أي في اليوم عندما يأتي عليهم فيه ما أعده الإله لهم الذين يحبونه.¹⁸

 

القديس أغسطينوس (+354 م):

لأنه يجهل هذا، كما يجعل الآخرين يجهلون: أي أنه لم يعرف هكذا في ذلك الوقت ليُظهر لتلاميذه: كما قيل لإبراهيم، “الآن أعلم أنك تخاف الله”، أي الآن جعلتك تعرف ذلك، لأنه هو نفسه، يحاكم في تلك التجربة، أصبح معروفا لنفسه. لأنه بالتأكيد كان سيقول نفس الشيء لتلاميذه في الوقت المناسب. متحدثا عن المستقبل كما لو كان ماضيا، يقول: “من الآن فصاعدا لا أدعوكم عبيدا بل أصدقاء. لأن العبد لا يعلم ما يفعله ربه، بل دعوتكم أصدقاء. لأن كل ما سمعته عن أبي قد عرفتكم به:” الذي لم يفعله بعد، لكنه تكلم كما لو كان قد فعله بالفعل، لأنه بالتأكيد سيفعله. لأنه يقول للتلاميذ أنفسهم: “ليس لي بعد أشياء كثيرة أقولها لكم. ولكنكم لا تستطيعون أن تحتملوها الآن. من بينها أن يفهموا أيضا، “اليوم والساعة”.

لأن الرسول يقول أيضا: “عزمت أن لا أعرف فيكم شيئا إلا يسوع المسيح وهو مصلوب”. لأنه كان يتكلم إلى أولئك الذين لم يقدروا أن يحصلوا على أشياء أعلى فيما يتعلق بلاهوت المسيح.¹⁹

 

القديس أثاناسيوس الرسولي (+296 م):

“أظن أن هذا لا يجهله أي واحد من المؤمنين: إنه قال هذا مثلما قال الأقوال الأخرى، كإنسان بسبب الجسد فهذا ليس نقصا في الكلمة، بل هو بسبب تلك الطبيعة البشرية التي تتصف بعدم المعرفة.

وهذا أيضا يمكن أن يُرى جيداً إن كان أحد يفحص المناسبة بإخلاص: متى ولِمَنْ تكلم المخلّص هكذا؟ فهو لم يتكلّم هكذا حينما خلقت السموات بواسطته، ولا حينما كان مع الآب نفسه الكلمة الصانع كل الأشياء، وهو لم يقُل هذا أيضاً قبل ولادته كإنسان ولكن حينما صار الكلمة جسدا. ولهذا السبب فمن الصواب أن ننسب إلى ناسوته كل شيء تكلّم به إنسانيًا بعد أن تأنس لأنه من خاصية الكلمة أن يعرف مخلوقاته، وأن لا يجهل بدايتها ونهايتها، لأن هذه المخلوقات هي أعماله وهو يعرف كم عددها وحدود تكوينها. وإذ هو يعرف بداية كل شيء ونهايته، فإنه يعرف بالتأكيد النهاية العامة والمشتركة للكل. وبالتأكيد فحينما يتكلم في الإنجيل عن نفسه إنسانيًا قائلاً: «أَيُّهَا الآب، قد أتت الساعة مجد ابنك ليمجدك ابنك» فواضح انه بصفته الكلمة يعرف أيضا ساعة نهاية كل الأشياء رغم أنه كإنسان يجهلها، لأن الجهل هو من خصائص الإنسان، وخاصة في هذه الأمور.

وبالأكثر فإن هذا لائق بمحبة المخلّص للبشر، لأنه منذ أن صار إنسانا لم يخجل – بسبب الجسد الذي يجهل – أن يقول لا أعرف لكي يوضح أنه بينما هو يعرف لأنه هو الله، فهو يجهل جسديًا. ولذلك فهو لم يقل ولا ابن الله يعرف»، لئلا يبدو أن اللاهوت يجهل، بل قال ببساطة ولا الابن لكي تكون عدم المعرفة منسوبة لطبيعة الابن البشرية”.²⁰

 

القديس هيلاري أسقف بواتيه (+310 م):

“أينما يقول الله إنه لا يعرف فإنه بالتأكيد يُقر بعدم معرفته، لكنه ليس تحت عيب الجهل. إن عدم معرفته ليس بسبب عجز الجهل، بل إما بسبب أن الوقت غير مناسب للكلام، أو أن الخطة الإلهية في العمل تجعله يحجم عن الكلام. هكذا يقول لإبراهيم: “إن صُرَاحَ سَدُومَ وَعَمُورَهُ قَدْ كُثر، وَخَطيتهم قد عظمت جدا. إذا فَسَوفَ أنزل الآن وأرى هَل فَعَلُوا بِالتمام حَسَبَ صُرَاخِهَا الْآتِي إِلَيَّ، وَإِلا فَأَعْلَمُ”. هنا نفهم أن الله لا يعلم ما هو يعرفه رغم ذلك. إنه يعلم أن خطيتهم قد عظمت جدًا، لكنه ينزل ثانيةً لكي يرى إن كانوا قد فعلوا بالتمام، ولكي يعلم إن لم يكونوا قد فعلوا. إذا فسوف تلاحظ أنه ليس جاهلاً بالشيء، رغم أنه لا يعلمه، بل أنه يعلم حينما يحين وقت العمل بالتالي فإن علم الله ليس تحولاً من الجهل وإنما هو مجيء ملء الزمان، فهو لا يزال ينتظر أن يعلم، لكننا لا يمكن أن نفترض أنه لا يعلم؛ لذا فإن عدم علمه بما يعلمه وعلمه بما لا يعلمه، ليس إلا التدبير الإلهي للخلاص في القول والفعل”.²¹

 

القديس غريغوريوس النزينزى (+329م):

“وعاشرا لهم الجهل وأن لا أحد يعلم اليوم الأخير أو الساعة الأخيرة ولا الابنُ إِلَّا الآب (مرقس ١٣:٣٢). وكيف يجهل شيئًا من الكائنات من هو الحكمةُ (١ كو ١:٣٠) ومنشئ الدُّهور (عب ١:٢)، ومنهيها (مت ٢٨:٢٠) ومُجدّدها (رؤ ٢١:٥)، ومَن هو نهايةُ (رؤ ١:٨ ؛ ٢٢:١٣) الموجودات، ومَن يعرفُ ما في الله كما يعرف روحُ الإنسانِ ما فيه (١ كو ٢:١١). أي معرفة أكمل من هذه المعرفة؟ فكيف يعرف ما قبل الساعة معرفة دقيقة، وكيف تراه يعرف ما سيكون عند المُنْتهى ويجهل الساعة نفسها؟ إن ذلك أشبه بُلُغْزِ، كما لو قال أحد إنه يعرف ما أمام الحائط معرفةً جيدة، ولكنه يجهل الحائط نفسه، أو إنه يعرف آخر النهار معرفة جيدة، ولكنه لا يعرف أوّلَ الليل: ومن الثابت في هذين الحالين أن معرفة الواحد تقتضي معرفة الآخر. أليس من الواضح لجميع الناس أنه يعرف كإله، وأنّه بقوله لا يعرف يُشير فيه إلى الإنسان، هذا إذا فصلنا المرئي عن الروحي؟ وقوله «الابن» هنا قول مُطلق وخال من أي إشارة إلى من هو ابنه، وهذا ما يتيح لنا هذا التفسير، فننظر إلى الجهل نظرة استقامة، ونُرجعه إلى الطبيعة الإنسانية لا إلى الطبيعة الإلهية”.²²

 

 

القديس جيروم (+342م):

حيث يفرح كثيراً أريوس ويونوميوس، لأنهم قالوا: من يعلم ومن يجهل لا يمكن أن يكونا متساويين. ضد هذه نرد باختصار: لأن يسوع [المسيح له المجد] الذي هو كلمة الإله، صانع كل الأزمنة [لأن به كل الأشياء قد خُلقت وبغيره لم يكن اي شيء مما كان يوحنا 3:1]، وان يوم الدينونة يجب أن يكون في كل وقت، بأي منطق يستطيع من يعرف الكل أن يكون جاهلاً بجزء، إلى أبعد من ذلك سوف نقول: أيهما أعظم معرفة الآب أم معرفة الدينونة؟ أن كان يعرف الأعظم فكيف يجهل الأقل؟ ²³

 

المراجع

  • القس حنا الخضري، تاريخ الفكر المسيحي، الجزء الرابع، الفصل الرابع عشر، ص ٦٣٧
  • تفسير سفر التكوين للقس انطونيوس فكري، ص١٧٨
  • تفسير التكوين للقديس يوحنا ذهبي الفم (القمص أغسطينوس البرموسي) ص ٥٦
  • IBN EZRA’S COMMENTARY ON THE PENTATEUCH GENESIS (BERESHIT) Translated and Annotated: by H. Norman Strickman & Arthur M. Silver p.80
  • تفسير التكوين للقديس يوحنا ذهبى الفم (القمص أغسطينوس البرموسي) ص١٦٦
  • IBN EZRA’S COMMENTARY ON THE PENTATEUCH GENESIS (BERESHIT) Translated and Annotated: by H. Norman Strickman & Arthur M. Silver p.222
  • كتاب حوار حول الثالوث، الحوار الرابع، ص١٦٥
  • Craig S. Keener ,A Commentary On The Gospel Of Matthew, Second, The day will catch most people unawares (24:36-44)
  • John Gill’s Exposition OF The Bible’s New Testament Commentary, Matthew, Chapter 24, P. 772.
  • تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي للدكتور يوحنا كرافيذوبولس، تعريب الأرشمندريت إسحق بركات، ص ٩٠
  • رسالة القديس بولس إلى أهل فيلبي للخوري بولس الفغالي، ص ٨٩
  • تفسير الرسالة إلى رومية للعلامة اوريجانوس، ترجمة د.عادل ذكري، الكتاب الخامس، ص ٣٥٢
  • Daniel Boyarin, The Jewish Gospels: The Story of the Jewish Christ, Chapter 1: from Son of God to Son of Man, P. 33.
  • Bart Ehrman, Misquoting Jesus, p. 161.
  • The Expositor’s Bible Commentary, Volume 8, P. 508.
  • القديس ايرينيؤس أسقف ليون، ضد الهرطقات، الكتاب الثاني، الفصل الثامن والعشرون فقرة رقم ٦، ص ٢٥٤
  • (Thomas Aquinas, Catena Aurea, commentary on the four Gospels; collected out of the works of the Fathers, translated by John Henry Parker, Vol. I, Part 3, Oxford: Parker, 1874, P. 833)
  • NPNF1-03. On the Holy Trinity; Doctrinal Treatises; Moral Treatises By Philip Schaff, P. 38.
  • ضد الأريوسيين، المقالة الثالثة، الفصل الثامن والعشرون، فقرة رقم ٤٣، ص ٣٥٠-٣٥١
  • عن الثالوث للقديس هيلاري أسقف بواتيه، الكتاب التاسع فقرة ٦٣، ص ٦٦٥-٦٦٦
  • غريغوريوس النزينزي، الخطب ٢٧-٣١ اللاهوتية، الخطاب اللاهوتي الرابع (في الابن الكلمة ٢) فقرة رقم ١٥، ص ١٢٣-١٢٤
  • (Thomas Aquinas, Catena Aurea, commentary on the four Gospels; collected out of the works of the Fathers, translated by John Henry Parker, Vol. I, Part 3, Oxford: Parker, 1874, P. 832)

عدم معرفة الابن للساعة – نفى لألوهيته أم إعلاناً ببنوته المنفردة؟! – مينا كيرلس

متى صلب المسيح؟ هل في الساعة الثالثة أم في التاسعة (الترجمة العربية المشتركة)؟

متى صلب المسيح؟ هل في الساعة الثالثة أم في التاسعة (الترجمة العربية المشتركة)؟

متى صلب المسيح؟ هل في الساعة الثالثة أم في التاسعة (الترجمة العربية المشتركة)؟

للأسف، قلة العلم، وربما تعمد الجهل، قاد بعض الأشخاص لطرح شبهة مفادها أنه جاء في إنجيل مرقس 15: 25 حسب ترجمة فانديك أن المسيح صُلب الساعة الثالثة، بينما جاء في نفس الشاهد، أي في إنجيل مرقس 15: 25 أيضاً، ولكن في ترجمة أخرى وهي الترجمة العربية المشتركة أنه صُلب الساعة التاسعة، مما سبب بعض التشوش لدى البعض، ورأينا أن نوضح هذا الإختلاف الظاهري بين الترجمتين.

في الحقيقة أن النص اليوناني المُعتَمد والمُعوَّل عليه لا يوجد به أي إختلاف في هذه النقطة، أي في ساعة صلب المسيح، فالنص اليوناني يقول ὥρα τρίτη أي “الساعة الثالثة”، بلا أي خلاف هنا، ولهذا قالت ترجمة الفانديك “الساعة الثالثة”، فقد ترجمت التوقيت هنا حرفياً، لكن، هل كانت ترجمة الفانديك (الأكثر إنتشارا لأنها الأقدم نسبياً) تقصد بـ”الساعة الثالثة” أي الثالثة فجراً بعد منتصف الليل حالياً؟ بالطبع لا، إذن كيف تقول ترجمة الفانديك “الساعة الثالثة” والمسيح لم يصلب في هذه الساعة؟

في عصر السيد المسيح له كل المجد، لم يكن لديهم الوقت مقسماً لأربع وعشرين ساعة كما هو الحال الآن، بل كان الوقت لديهم مقسما إلى “فترات”، حيث كانت الساعة الثالثة التي كتبها القديس مرقس تمثل الساعة التاسعة صباحاً في توقيتنا هذا الآن[1]، وهذا ما حاولت الترجمة العربية المشتركة إيصاله للقاريء العربي البسيط الذي لا يعرف هذه المعلومة، فإنه يوجد أنواع كثيرة للترجمات، ومنها ما يحاول إيصال المعنى مع عدم الإخلال بالحقائق الموجودة في النص اليوناني الأصلي مثل ما نقابله في حالتنا هذه.

فالقاريء في أيام المسيح كان يقرأ “الساعة الثالثة” ويفهم ما يفهمه القاريء اليوم عندما يقرأ “الساعة التاسعة صباحاً”، ومن هنا فيظهر للجميع أن ما سقط فيه الأخ طارح الشبهة هو مجرد جهل بطريقة اليهود في حساب أوقاتهم وساعات النهار والليل.

لذا، فلا يوجد إختلاف بين الترجمتين، فواحدة نقلت ما هو مكتوب في النص اليوناني حرفياً، والأخرى نقلته بما يفهمه القاريء اليوم لكي لا يختلط عليه الأمر فيظن أن المسيح له كل المجد قد صُلب في الثالثة فجراً أي الثالثة بعد منتصف الليل في توقيتنا الحالي.

[1]

راجع:

Ted Cabal, Chad Owen Brand, E. Ray Clendenen et al., The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger Faith (Nashville, TN: Holman Bible Publishers, 2007), 1501.

Tokunboh Adeyemo, Africa Bible Commentary (Nairobi, Kenya; Grand Rapids, MI.: WordAlive Publishers; Zondervan, 2006), 1225.

John G. Butler, Analytical Bible Expositor: Mark (Clinton, IA: LBC Publications, 2008), 271.

Robert H. Stein, Baker Exegetical Commentary on the New Testament: Mark (Grand Rapids, MI: Baker Academic, 2008), 712.

متى صلب المسيح؟ هل في الساعة الثالثة أم في التاسعة (الترجمة العربية المشتركة)؟

هل كان المسيح يجهل يوم وساعة نهاية العالم؟

” مستعدين دائما لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم بوداعة ”  

” أسئلة عن المسيح ” (11) هل كان المسيح يجهل يوم وساعة نهاية العالم؟

القس عبد المسيح بسيط أبو الخير كاهن كنيسة العذراء بمسطرد

المحتويات:

أولاً: الدليل علي أنه كان يعرف ذلك اليوم وتلك الساعة:

•  الابن هو الألف والياء….

•  هو كلمة الله الذي هو الله:

•  هو صورة الله الآب المساوي للآب في الجوهر:

•  هو شعاع مجد الله الآب وصورة جوهره:

•  هو كلي الحكمة والعلم:

•  هو حكمة الله وقوة الله:

•  هو الوحيد الذي يعـرف الآب وأنه الوحيد الذي يُعـلن عـنه:

•  هو له كل ما للآب من أسماء وصفات:

•  هو واحد مع الآب

(10) هو الذي سيأتي في نهاية العالم في مجد:

(11) سبق أن تعيّن يوم تجسذده ومجيئه في ملء الزمان:

(12) شرح لتلاميذه كل دقائق مجيئه الثاني:

ثانيًا: لماذا قال ” ولا الابن “؟

•  حتي لا يلح التلاميذ في طلب معرفة ذلك اليوم:

•  لأنه إتخذ صورة العبد وصار إنسانًا:

•  معرفة الله الآب والتدبير الإلهي للخليقة:

مراجع هذه الرسالة:  

– 7 –

هل كان المسيح يجهل يوم وساعة نهاية العالم

بعد أنْ تكلَّم الربّ يسوع المسيح عن حتميّة دمار الهيكل وأنَّه لن يبقي فيه حجرٌ علي حجرٍ إلاَّ ويُنقض ، يقول الكتاب ” وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلاَمِيذُ عَلَى انْفِرَادٍ قَائِلِينَ: قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هَذَا وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟ ” ( مت24/3 ) ؟ وكانت إجابته لهم هي كشفه وإعلانه لكلّ العلامات والأحداث التي ستسبق ذلك اليوم بكلِّ دقَّةٍ وتفصيلٍ ، وختم حديثه مؤكدًا حتميّة إتمام كلّ ما قاله قائلاً ” اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلَكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ. ” ( مت24/35 ) . ولكي لا يسأله التلاميذ عن موعد حدوث ذلك قال لهم ” وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ الاِبْنُ إلاَّ الآبُ . ” ( مر13/32 ).

وبدلاً من تركيزهم علي اليوم والساعة والأوقات والأزمنة والسؤال عن متي يحدث هذا ومتي يكون ذلك ، طلب منهم أنْ يركِّزوا علي ضرورة السهر والصلاة لأنَّه سيأتي في يوم لا ينتظرونه وفي ساعة لا

– 8 –

يتوقَّعونها ؛ ” اِسْهَرُوا إِذاً لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ. ” ( مت24/42 ) . وعند صعوده إلي السماء أكَّد لهم جازمًا أنَّه ليس من حقِّهم معرفة الأزمنة أو الأوقات لأنَّها تخصّ الآب فقط ” فَقَالَ لَهُمْ: لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ ” ( أع1/7 ) .

ونظرًا لأنَّه ليس من حقِّ أحدٍ من البشر معرفة اليوم والساعة أو الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه ، لذا قال الابن ، بعد تجسُّده ، كإنسانِ ، تدبيريًا ، بحسب التدبير الإلهيّ والمشورة الإلهيّة لسرِّ التجسُّد ، في حديثه عن اليوم والساعة ” وَلاَ الاِبْنُ إلاَّ الآبُ ” ، لأنَّه لم يكنْ من ضِمْن أهداف تجسُّده وخدمته علي الأرض وتعليمه الإعلان عنهما . ولكن البعض ، مثل الأريوسيّين وشهود يهوه ، رأوا في عبارة ” وَلاَ الاِبْنُ ” ، دليلاً علي جهله وعدم معرفته باليوم والساعة ، وبالتالي دليل علي أنَّه ليس هو اللَّه ولا مساوٍ للَّه الآب في الجوهر ، بل وأقلّ من الآب !! ورأى بعضٌ آخرٌ ، من غير المسيحيّين ، في ذلك دليلاً علي جهله وعدم معرفته بكلِّ شيء ، وقالوا أنَّه لا يجهل اليوم والساعة فقط بل يجهل أمور ًا كثيرةً ، مثل المكان الذي دُفِنَ فيه لعازر وعدم معرفته بحقيقة شجرة التين إنْ كانت مُثْمِرَة أم لا ، وأنَّه مُجَرَّد نبيّ من البشر ، إنسان لا إله !!

– 9 –

والسؤال الآن هل كان المسيح يجهل يوم وساعة مجيئه الثاني ونهاية العالم ؟ وهل كان يجهل الأزمنة والأوقات ؟ وهل كان يجهل الأماكن وبعض الأمور الأخرى ؟

والإجابة هي ؛ كلا ، فهو ، كامل في لاهوته ، ولأنَّه كامل في لاهوته فهو يعرف كلّ شيء ، كلِّيّ المعرفة والعِلْم . كما أنَّه أيضًا كامل في ناسوته ، فقد ” أَخْلَى نَفْسَهُ ” ، كما يقول الكتاب بالروح ، ” آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ ” ( في2/7-8 ) ، ” وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً. ” ( يو1/14 ) ، ” عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ ” ( 1تي3/16 ) ، ” فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ. ” ( 2كو8/9 ) . ولأنَّه إتّخذ جسدًا وصورة العبد لذا فقد إتّخذ كل ما للإنسان من صفات وخواص ، ومن خواص الإنسان أنَّه يجهل ما لم يتعلَّمه ويكتسبه بالمعرفة . فكإنسانٍ كان من المفروض أنَّه لا يعرف إلاَّ ما يكتسبه بالتعليم والمعرفة ، ولكنَّه هو الابن ، كلمة اللَّه وصورة اللَّه وعقل اللَّه الناطق وقوَّة اللَّه وحكمة اللَّه المُذّخر لنا فيه جميع كنوز الحكمة والعلم ، هو الإله المتجسِّد ، الذي يضمّ في ذاته كلّ

– 10 –

ما للاهوت وكل ما للناسوت ، وهو شخص واحد وأقنوم واحد ، ” طبيعة واحدة متحدة لله الكلمة المتجسد ” ، بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ، أو كما يقول البعض ” طبيعتان متحدان بغير انفصال ولا افتراق ” . وكان لاهوته محتجب في ناسوته الذي ” فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيّاً. ” ( كو2/9 ) . ولذا فقد أشرق لاهوته المتَّحد بناسوته بنور معرفته وعلمه الكلّي علي ناسوته ، كالأقنوم الواحد والمسيح الواحد والربّ الواحد ، ومن ثمَّ فقد كان يعرف كلّ شيء ، كالإله المتجسِّد ، بما في ذلك معرفة اليوم والساعة . ولكن لأنَّه لم يكنْ من أهداف تجسُّده ولا من ضمن خدمته علي الأرض الإعلان عنهما فقد قال ” وَلاَ الاِبْنُ ” تدبيريًا ، بحسب التدبير الإلهيّ للتجسُّد ، كان يعرف المعرفة التي لا يجوز الإعلان عنها ، كان يعرف اليوم والساعة ولكن الإعلان عنهما في سلطان الآب وحده .

أولاً : الدليل على أنه كان يعرف ذلك اليوم وتلك الساعة :

(1) الابن هو الألف والياء البداية والنهاية الأول والآخر كقوله ” أَنَا الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ ” ( رؤ22/23 ) ، الكائن قبل البشر كما قال ” قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ (أكون) ” ( يو8/58 ) ، والكائن قبل الخليقة وقبل كل الدهور والأزمان ، كما قال في مناجاته

– 11 –

للآب ” وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ. ” ( يو17/5 ) . ولأنَّه البداية والنهاية والأوَّل والآخر ، الموجود قبل كلِّ الدهور والأزمنة والكائن والذي سيكون إلي الأبد ، فلا يمكن أنْ يَخْفَي عليه بداية الأزمان ولا نهايتها ، وبالتالي فهو يعرف اليوم والساعة .

(2) هو كلمة الله الذي هو الله ، عقل اللَّه الناطق ونطقه العاقل ، ” فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ. ” ( يو1/1-2 ) . كما أنَّه خالق كلِّ شيء ” كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ . فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ ” ( يو 1/3-4 ) . ولأنَّه كلمة اللَّه الذي هو عقله الناطق فلا يمكن أنْ يَخْفَي عليه ما هو نتاج فكره وعقله ، ولأنَّه الخالق فهو يعرف خليقته بكلِّ دقَّة متي تبدأ ومتي تنتهي . ومن ثمَّ فهو يعرف يوم وساعة مجيئه الثاني ونهاية العالم الذي خلقه .

(3) وهو صورة الله الآب المساوي للآب في الجوهر ” اَلَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، ” ( كو1/15 ) ، ” الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. ” ( في2/6 ) . وهو الذي خلق الكون وكلّ ما فيه ، الكلّ فيه وبه وله قد خُلق وفيه يقوم وهو مدبِّره ” فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى،

– 12 –

سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشاً امْ سِيَادَاتٍ امْ رِيَاسَاتٍ امْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. اَلَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ ” ( كو1/16-17 ) . فإذا كان الكلّ به وله وفيه قد خُلق ، كما أنَّه فيه يقوم كلّ شيء كالمدبِّر والمحرِّك والمُعْتَنِي بخليقته ، فهل يُعقل أنَّ خالق الخليقة ومدبِّرها والمُعْتَنِي بها يجهل ما خلقه بنفسه ؟!!

(4) وهو شعاع مجد الله الآب وصورة جوهره الذي خلق الدهور والأزمنة ، ومُدَبِّر خليقته ، مُدَبِّر الكون ومُدِيره ومُحَرِّكَه ” ابْنِهِ الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ . الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ ” ( عب1/2-3 ) . فإذا كان هو خالق الدهور والأزمنة ، الماضي والحاضر والمستقبل ، فهل يخفي عليه الزمن أو الوقت الذي سينتهي فيه العالم ؟ كيف يكون هو خالق الأزمنة بما فيها المستقبل وكل ما سيكون فيه ويجهل جزء من الزمن الذي خلقه ؟ يقول الكتاب ” الْغَارِسُ الأُذُنَِ أَلاَ يَسْمَعُ؟ الصَّانِعُ الْعَيْنَ أَلاَ يُبْصِرُ؟ ” ( مز94/9 ) ؟ خالق الدهور والأزمنة ألا يعرف يوم وساعة نهاية ما خلق ؟

(5) وهو كلي الحكمة والعلم الذي يحوي في ذاته كل الحكمة وكل العلم يقول عنه الكتاب ” الْمَسِيحِ الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ. “

– 13 –

( كو2/2-3 ). فالحكمةِ كائنةٌ فيه والعلمِ مخزونٌ في ذاته ، وقد خلق الكون ويدبِّره بحكمتِه ويُدْرِك بعِلمِهِ كلّ دقائق خليقته ، فهل يجهل اليوم والساعة ؟ وهل يحتاج إلي حكمة مكتسبة أو معرفة وعلم مكتسب مثل سائر المخلوقات ليعرف المستقبل وما فيه ؟

(6) وهو حكمةُ اللَّه وقوَّة اللَّه ” بِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ ” ( 1كو1/24 ) . وقد خلق اللَّه الآب العالم ويُدَبِّره بكلمتِه وقوِّتِه وحِكْمَتِه ، وإذا كان الآب قد خلق الكون وما فيه وحدَّد اليوم والساعة بكلمتِه وبقوَّتِه وحكمتِه والابن هو كلمتِه وقوَّتِه وحكمتِه فهو إذًا الحكمة الذي خلق الكون ويُدَبِّرَه وهو الذي عَيَّن هذا اليوم وتلك الساعة .

(7) وقد أكد أنه الوحيد الذي يعرف الآب وأنه الوحيد الذي يعلن عنه ،

بل أنَّه هو ذاته ، الابن ، لا أحد يعرفه ، في جوهره ، المعرفة الحقيقيّة سوي الآب ” كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الاِبْنَ إِلاَّ الآبُ وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الاِبْنُ وَمَنْ أَرَادَ الاِبْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ . ” ( مت11/27 ) . لماذا ؟ لأنَّه من ذات الآب ، كما يقول هو عن ذاته ، ” أَنَا أَعْرِفُهُ (الآب) لأَنِّي مِنْهُ ” ( يو7/29 ) ، والكائن في حضن الآب ” اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ. ” ( يو1/18 ) . فالذي هو من ذات الآب وفي ذات الآب والوحيد الذي

– 14 –

يعرف الآب ويعلن عنه ألا يعرف خليقته ؟ وهل معرفة اليوم والساعة أعظم من معرفة الله الآب ؟

(8) كما أكد هو أن له كل ما للآب من أسماء وصفات وألقاب:

” كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي ” ( يو16/15 ) ، وكما قال مخاطبًا الآب ” وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي ” ( يو17/10 ) . كما أكَّد أنَّه يعمل كلّ أعمال الله الآب ” لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ (الآب) فَهَذَا يَعْمَلُهُ الاِبْنُ كَذَلِكَ ” ( يو5/19 ) . ولأنَّه له كلّ ما للآب فله معرفة الآب أيضًا ، ومن ثمَّ فهو يعرف كلّ ما يعرفه الآب ، وكما أنَّ الآب كلِّيّ المعرفة والحكمة والعلم فهو أيضًا كلِّيّ المعرفة والحكمة والعلم ، ومن ضمن هذا المعرفة والعلم معرفة اليوم والساعة .

(9) كما قال أيضًا: ” أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ ” ( يو10/30 ) و ” إِنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ000 أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ ” ( يو14/10-11 ) . ولأنَّه واحدٌ مع الآب في الجوهر ، كما أنَّه في الآب والآب فيه ، لذا فمن الطبيعي أنْ يكون فيه علم الآب وحكمته ومعرفته وتدبيره ، فهو كلمة اللَّه وعقله الناطق ، صورة اللَّه غير المنظور ، قوَّة اللَّه وحكمة اللَّه ، المُذّخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم ، ومن الطبيعي أنْ يعرف اليوم والساعة .

– 15 –

(10) وهو الذي سيأتي في نهاية العالم في مجد ، في مجيئه الثاني ،

والذي سيُقيم جميع الأموات من الموت ، ويأخذ المؤمنين علي السحاب ويجلس علي عرش الدينونة كالديَّان ليَدِين الأحياء والأموات ” لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ كَذَلِكَ أَعْطَى الاِبْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ وَأَعْطَاهُ سُلْطَاناً أَنْ يَدِينَ أَيْضاً لأَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَانِ. لاَ تَتَعَجَّبُوا مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ. ” ( يو5/26-29 ) ، ” الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْعَتِيدِ أَنْ يَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ، عِنْدَ ظُهُورِهِ وَمَلَكُوتِهِ ” ( 2تي4/1 ) . فهو الذي يُحيي الموتي يوم الدينونة وهو الديَّان يوم الدين وهو ملك الملكوت . وقد وَصَفَ، هو ، هذا اليوم بكلِّ دقَّةٍ وتفصيلٍ حيث قال ” وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ. ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. 000 ثُمَّ يَقُولُ أَيْضاً لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لِإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ ” ( مت25/31-34 و41 ) .

– 16 –

(11) سبق أن تعين يوم تجسده ومجيئه إلى العالم لفداء البشرية ،

في وقتٍ مُحَدَّدٍ أسماه الكتاب بملء الزمان ” وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ ” ( غل4/4 ) . وذلك قبل الخليقة والأزمنة والدهور . وهذا هو سرّ التجسُّد الإلهيّ الذي يقول عنه الكتاب المقدس ” السِّرِّ الَّذِي كَانَ مَكْتُوماً فِي الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ ” ( رو16/25 ) . ” عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفاً سَابِقاً قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلَكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ ” ( 1بط1/18-20 ) . وكان يؤكِّد كثيرًا علي هذا اليوم الذي يقدِّم فيه ذاته . يقول الكتاب بالروح ” مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَيُقْتَلَ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ .” ( مت16/21 ) ، ” لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ تَلاَمِيذَهُ وَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ فَيَقْتُلُونَهُ وَبَعْدَ أَنْ يُقْتَلَ يَقُومُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ . ” ( مر9/31 ) . فهل من المعقول أنْ يعرف الابن اليوم الذي سيُصلب فيه واليوم الذي سيقوم فيه من الأموات ، والمُعَيَّن من قَبْلِ الخليقة وتأسيس العالم ، ولا يعرف يوم مجيئه في مجد ؟

– 17 –

(12) وكما بيَّنا أعلاه كيف أن الابن يعرف كل شيء وأنه كلي الحكمة والعلم والمعرفة ،

وقد شرح لتلاميذه كلّ تفصيلات ودقائق علامات مجيئه الثاني في مجد ونهاية العالم والأحداث التي ستسبق ذلك اليوم وتلك الساعة وما سيحدث بعدها بالتفصيل ، بل وشرح ما سيحدث في يوم الدينونة بكلَّ دقَّة وتفصيل مؤكِّدًا أنَّه في نهاية هذا الجيل ، الذي ستحدث فيه هذه الأحداث ، ستأتي الساعة وينتهي العالم ” اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ. اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلَكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ. ” ( مت24/34-35 ) . وبالتالي يعرف متى سيكون اليوم وتأتي الساعة .

ثانيا : لماذا قال ” ولا الابن ” ؟

(1) قال هذا حتى لا يلح التلاميذ في طلب معرفة ذلك اليوم

وتلك الساعة ولأنَّه أرادهم أنْ لا يشغلوا أذهانهم بالتركيز علي حساب الأوقات والأزمنة ، كقول القديس بولس بالروح ” وَأَمَّا الأَزْمِنَةُ وَالأَوْقَاتُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا ” ( 1تس5/1 ) ، بل أرادهم أنْ يركِّزوا علي الاستعداد الدائم وضرورة السهر والصلاة لأنَّه سيأتي في يوم لا ينتظرونه وفي ساعة لا يتوقَّعُونَها ، وقد كرَّر لهم تأكيده علي ذلك ؛ ” اِسْهَرُوا إِذاً لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ. ” ( مت24/42 ) ،

– 18 –

” كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً مُسْتَعِدِّينَ لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ. ” ( مت24/44 ) ، ” اسْهَرُوا وَصَلُّوا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَكُونُ الْوَقْتُ. ” ( مر13/33 ) ، ” اسْهَرُوا إِذاً لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَأْتِي رَبُّ الْبَيْتِ أَمَسَاءً أَمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أَمْ صِيَاحَ الدِّيكِ أَمْ صَبَاحاً. ” ( مر13/35 ) ، ” وَمَا أَقُولُهُ لَكُمْ أَقُولُهُ لِلْجَمِيعِ: اسْهَرُوا “( مر13/37 ).

(2) لأنَّه إتخذ صورة العبد وصار إنساناً ،

وكإنسان ، تدبيريًا ، بناسوته ، وبسبب احتجاب لاهوته في ناسوته وظهوره في الجسد ووجوده في الهيئة كإنسان ، قال أنَّه لا يعرف اليوم والساعة ، يقول القديس أثناسيوس الرسولي :

” والآن فلماذا رغم أنَّه كان يعرف ، لم يُخبرْ تلاميذه بوضوح في ذلك الحين ، لا يستطيع أحد أنْ يفحص ما صَمَتَ الربّ عنه ، لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيراً؟ ” ( رو11/34 ) ، ولماذا رغم أنَّه يعرف ، قال ” وَلاَ الاِبْنُ ” يعرف . أظنّ أنَّ هذا لا يجهله أي واحد من المؤمنين : أنَّه قال هذا مثلما قال الأقوال الأخرى – كإنسانٍ بسبب الجسد فهذا ليس نقصًا في الكلمة ، بل هو من تلك الطبيعة البشريّة التي تتصف بالجهل .

وهذا أيضًا يمكن أن يُري جيدًا . إنْ كان أحد يفحص المناسبة

– 19 –

بإخلاص : متى ولمن تكلَّم المخلِّص هكذا ؟ فهو لم يتكلَّم هكذا حينما خُلقت السموات بواسطته ، ولا حينما كان مع الآب نفسه الكلمة الصانع كل الأشياء ( أنظر أم8/27-30 ) . وهو لم يقلْ هذا أيضًا قبل ولادته كإنسان ولكن حينما صار الكلمة جسدًا . ولهذا السبب فمن الصواب أنْ ننسب إلي ناسوته كلّ شيء يتكلَّم به إنسانيًا بعد أنْ تأنَّس . لأنَّه من خاصيَّة الكلمة أنْ يعرف مخلوقاته ، وأنْ لا يجهل بدايتها ونهايتها ، لأنَّ هذه المخلوقات هي أعماله . وهو يعرف كم عددها وحدود تكوينها . وإذ هو يعرف بداية كلّ شيء ونهايته ، فإنَّه يعرف بالتأكيد النهاية العامّة والمشتركة للكلِّ . وبالتأكيد فحينما يتكلَّم في الإنجيل قائلاً ” أَيُّهَا الآبُ قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ ” ( يو1/17 ) ، فواضح أنَّه بصفته الكلمة ، يعرف أيضًا ساعة نهاية كلّ الأشياء ورغم أنَّه كإنسانٍ يجهلها ، لأنَّ الجهل هو من خصائص الإنسان ، وخاصة هذه الأمور ” .

ويضيف ” لأنَّه منذ صار إنسانًا لم يخجل ـ بسبب الجسد الذي يجهل – أنْ يقول لا أعرف لكي يُوضِّح أنَّه بينما هو يعرف كإله ، فهو يجهل جسديًا 000 حينما تكلَّم إنسانيّا قائلا ” ولا الابن يعرف ” فأنَّه كإله يُظهر نفسه أنَّه يعرف كلّ الأشياء . لأنَّ ذلك الابن الذي يُقال أنَّه لا يعرف اليوم ، يقول هو عن نفسه أنَّه يعرف الآب لأنَّه يقول ” لاَ أَحَدٌ

– 20 –

يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الاِبْنُ ” ( مت11/27 ) . وكل الناس عدا الآريوسيِّين يعترفون أنَّ الذي يعرف الآب يعرف اليوم والساعة ” .  

(3) عادة ما يذكر الكتاب المقدس أمورا يبدو فيها الله الآب وكأنه لا يعرف ، يجهل ، وفي نفس الوقت هو يعرف ، فهو كلَّيّ العلم والمعرفة ، لماذا؟ لأنَّ هذا ما يقتضيه التدبير الإلهيّ للخليقة ، فهو غير المحدود ولكنه يتعامل مع البشريّة المحدودة ، ولذا فهو يتعامل مع الإنسان بحسب فهمه المحدود ، وأحيانًا لأنَّ الوقت المُعيَّن لكشف هذه المعرفة لم يأتِ بعد . وعلي سبيل المثال يقول الكتاب عندما شرع بعض الناس في بناء برج بابل ” فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُرَ الْمَدِينَةَ وَالْبُرْجَ اللَّذَيْنِ كَانَ بَنُو ادَمَ يَبْنُونَهُمَا. ” ( تك11/5 )، فهل كان الله يجهل ما يحدث ، كلا فقد كان يعرف ما يفعلونه بدليل قوله ” فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُرَ ” ، وإنما كان يبدو ويتصرَّف وكأنَّه لا يعرف، تدبيريًا ، فهو يتعامل مع الإنسان بالمفهوم الذي يقدر علي فهمه .

وهذا نفس ما قاله عن سدوم وعمورة ” إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدّا. انْزِلُ وَارَى هَلْ فَعَلُوا بِالتَّمَامِ حَسَبَ صُرَاخِهَا الْاتِي الَيَّ وَالَّا فَاعْلَمُ ” ( تك18/20-21 ) . يقول الكتاب أنَّه نزل ليري ما يعرفه، فهو يتكلَّم وكأنَّه لا يعرف، يجهل ،

– 21 –

وهو يعرف . فهو يعرف ما يحدث في سدوم وعمورة وأنَّ خطاياهم قد عظُمَت ولا يجهل ما يفعلونه ، إنَّه يعرف ما قد حدث وما سيفعله هو ، ولكن الكتاب يقول أنَّه نزل ليري ، تدبيريًا ، بحسب المفهوم البشريّ .

وعندما طلب الله من إبراهيم أنْ يُقَدِّم اِبنه إسحاق محرقة وبعد أنْ وضع إبراهيم اِبنه علي المذبح وهَمَّ ليذبحه قال له ” لا تَمُدَّ يَدَكَ الَى الْغُلامِ وَلا تَفْعَلْ بِهِ شَيْئا لانِّي الْانَ عَلِمْتُ انَّكَ خَائِفٌ اللهَ فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي ” ( تك22/12 ) . فهل كان اللَّه يجهل ذلك ؟ كلا ، إنما يتكلَّم اللَّه هكذا تدبيريًا ، فقد كان لا بدّ أنْ يُبَرْهِن إبراهيم عن طاعته للَّه عمليًا .

كما يقول في المزمور ” الَّلهُ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ كُلُّهُمْ قَدِ ارْتَدُّوا مَعاً فَسَدُوا لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ. ” ( مز53/2-3 ) . إنَّه يعرف كلّ شيء ولا يُخْفَي عليه شيء ولكن المزمور يقول ذلك تدبيريًا ، بالأسلوب الذي يوصِّل للبشر ما يريد أنْ يُعْلِنَه لهم .

وبنفس الطريقة يتحدَّث الكتاب عن معاملة الابن لشجرة التين ، يقول الكتاب ” فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ عَلَى الطَّرِيقِ وَجَاءَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئاً إِلاَّ وَرَقاً فَقَطْ. فَقَالَ لَهَا: «لاَ يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ». فَيَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ.

– 22 –

فَلَمَّا رَأَى التَّلاَمِيذُ ذَلِكَ تَعَجَّبُوا قَائِلِينَ: «كَيْفَ يَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ؟» ” ( مت21/19-20 ) . وهنا يبدو وكأنَّه لم يكنْ يعرف حقيقة الشجرة ، والعكس صحيح ، ولكنه فعل ذلك ليقدِّم للتلاميذ مثالا ” وَقَالَ هَذَا الْمَثَلَ: «كَانَتْ لِوَاحِدٍ شَجَرَةُ تِينٍ مَغْرُوسَةٌ فِي كَرْمِهِ فَأَتَى يَطْلُبُ فِيهَا ثَمَراً وَلَمْ يَجِدْ. قَالَ لِلْكَرَّامِ: هُوَذَا ثَلاَثُ سِنِينَ آتِي أَطْلُبُ ثَمَراً فِي هَذِهِ التِّينَةِ وَلَمْ أَجِدْ. اِقْطَعْهَا. لِمَاذَا تُبَطِّلُ الأَرْضَ أَيْضاً؟ ” ( لو13/6-7 ) . هذا ما قصده الابن ، فقد بدا وكأنَّه يجهل ، تدبيريًا ، إنْ كانت الشجرة مثمرة أم لا ، ليقدِّم لتلاميذه مثالاً . إنَّه يتصرَّف ويتكلَّم بأسلوب تصويريّ رمزيّ يصل إلي مستوي الفهم البشريّ . تصرَّف وكأنَّه يجهل وهو المُذّخر فيه جميع كنوز الحكمة والمعرفة .

كما سأل عن القبر الذي دُفن فيه لعازر قائلاً ” أَيْنَ وَضَعْتِمُوه ” ( يو11/34 )، في نفس الوقت الذي كان يعلم فيه بموت لعازر قبل أنْ يموت ، فقد كان يعرف ، حسب التدبير الإلهيّ ، أنَّ لعازر سيموت ويظلّ في القبر لمدَّة أربعة أيام وأنَّه سيُقيمه من الموت في اليوم الرابع من موته ليُظْهِرَ مجده ” فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ: «هَذَا الْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ بَلْ لأَجْلِ مَجْدِ اللَّهِ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ اللَّهِ بِهِ ». ” ( يو11/4 ) . كان يعرف أنَّ لعازر سيموت وأنَّه سيُقيمه من الموت ، وكان يعرف المكان الذي ذهبت إليه

– 23 –

روح لعازر وقد أقامه من الأموات . فهل يُعقل أنْ يعرف كلَّ ذلك ولا يعرف مكان القبر المدفون فيه ؟ لقد سأل الابن وكأنَّه لا يعرف ، يجهل المكان ، تدبيريًا ، وهو كلِّىّ المعرفة والعلم .

وفي تعامله مع المرأة السامريّة قال لها ” اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ إِلَى هَهُنَا» ” وكأنه يجهل حقيقتها . ” أَجَابَتِ الْمَرْأَةُ: «لَيْسَ لِي زَوْجٌ .” ، وهنا يكشف لها ما لا يعلمه إلا هو ككلي العلم والمعرفة ” قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «حَسَناً قُلْتِ لَيْسَ لِي زَوْجٌ . هَذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ» . وهنا سمعت المرأة ما جعلها تقول له ” يَا سَيِّدُ أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ! ” ، بل وذهبت تقول للناس ” هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَاناً قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟ ” ( يو4/16-19و29 ) . سألها وهو يبدو أنَّه يجهل من هي ثمَّ كشف لها كلّ أسرارها مما جعلها تعتقد أنَّه نبيّ والمسيح المنتظر .

كما سأل تلاميذه قائلا :” مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟ ” وهو يعلم تمامًا ما يقوله الناس عنه ولكنَّه تكلَّم وكأنَّه يجهل ليوصِّل تلاميذه إلي حقيقة ذاته بالروح القدس وليس بحسب ما يعتقده البشر ، ” فَقَالُوا: «قَوْمٌ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ وَآخَرُونَ إِيلِيَّا وَآخَرُونَ إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ». قَالَ لَهُمْ: «وَأَنْتُمْ مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ:

– 24 –

فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: « طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا إِنَّ لَحْماً وَدَماً لَمْ يُعْلِنْ لَكَ لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ .” ( مت16/13-17 ) . وهذا ما أراد أنْ يُعلنه لهم من خلال سؤاله هذا ، أنَّه المسيح ابن اللَّه الحيّ . وبنفس الطريقة يقول الكتاب في معجزة إشباع الجموع ” فَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ أَنَّ جَمْعاً كَثِيراً مُقْبِلٌ إِلَيْهِ فَقَالَ لِفِيلُبُّسَ: «مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزاً لِيَأْكُلَ هَؤُلاَءِ؟» وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِيَمْتَحِنَهُ لأَنَّهُ هُوَ عَلِمَ مَا هُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَفْعَلَ. ” ( يو6/5-6 ) . سأل فيلبس وكأنَّه يُريد أنْ يعرف في نفس الوقت الذي كان يعرف فيه ما سيعمله .

والخلاصة هي أنَّ الابن يعرف اليوم والساعة ولكن لم يكنْ من ضمن التدبير الإلهيّ للتجسُّد والفداء الإعلان عنهما ، كما كان يسأل الأسئلة وكأنَّه يجهل ما يسأل عنه وذلك بأسلوب تعليميّ وتصويريّ ، تدبيريًا ، ليُوَصِّل الحقائق التي يريد توصيلها .

ـــــــــــــــــــــ

مراجع هذه الدراسة

1 – محاضرات قداسة البابا شنودة الثالث في الأريوسية .

2 المقالة الثالثة في الأريوسية للقديس أثناسيوس الرسولي .

3 – Historical and Evangelical Responses to Jesus Eschatological Ignorance in Mark 13:32.

4 – St Hilary of Poitiers , On the Trinity 9.

5 – St Gregory of Nazianzus, Orations,4 and 7.

6 – St Ambrose, Exposition of Christian Faith 10:16.

7 – Augustine on Psalms 6 and 37.

Exit mobile version