رسالة الراعي لهرماس – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

رسالة الراعي لهرماس – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

رسالة الراعي لهرماس – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

رسالة الراعي لهرماس – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

رغم أن هذا الكتاب يحسب من ضمن كتابات الآباء الرسوليين، لكنه في الحقيقة ينتمي إلى فئة الكتب الرؤيوية المنحولة (Apocryphal apocalypses)، وهو عبارة عن كتاب يضم مجموعة من الرؤى أعطيت لهرماس في روما بواسطة اثنين من الكائنات السماوية: الأولى كانت امرأة مسنة، والثاني كان ملاكاً في صورة راعٍ، ومن هذا الأخير أخذ الكتاب اسمه. ولا يحوي الكتاب سوى عبارة واحدة فقط تلك التي يمكننا أن نستنتج منها زمن كتابته، فوفقاً للفقرة (4: 3) في الرؤيا الثانية، أمرة المرأة التي تمثل الكنيسة هرماس أن ينسخ نسختين من الرؤيا ويعطي إحداها لكليمندس الذي سيرسلها إلى المدن البعيدة، وكليمندس هذا بلا شك هو كليمندس الروماني الذي كتب رسالته إلى أهل كورنثوس عام 96م.

لكن، يبدو هذا متناقضاً مع ما ورد في الوثيقة الموراتورية[1](Muratorian fragment) التي تتكلم عن كاتب هذا العمل قائلة: “وحديثاً في وقتنا هذا في مدينة روما كتب هرماس كتاب الراعب عندما كان أخوه بيوس الأسقف يجلس على كرسي مدينة روما.” وتعطي شهادة الوثيقة الموراتورية – التي ترجع إلى نهاية القرن الثاني الميلادي – انطباعاً بموثوقية المعلومات المذكورة بها، لكن بما أن جبرية بيوس الأول تقع ما بين (140-150م)، نظر الباحثون إلى إشارة الكاتب إلى البابا كليمندس الواردة في الرؤيا الثانية على أنها خيال محض.

لكن، ليس هناك سبب معقول يدفعها لندعو هذه الإشارة خيالاً، فنحن يمكننا أن نفسر كلا التاريخين إذا أخذنا في الاعتبار الطريقة التي جُمعت بها أجزاء هذا الكتاب، فعلى أغلب الظن، تعود الأجزاء الأقدم من هذا الكتاب إلى عهد حبرية كليمندس، في حين تعود النسخة المنقحة الموجودة بين أيدينا إلى عهد حبرية بيوس. ويقود الفحص النقدي لمحتويات الكتاب إلى نفس هذا الاستنتاج، ويظهر هذا أن أجزاء الكتاب المختلفة تعود إلى فترات تاريخية مختلفة.

 ونجد أيضاً أن أوريجينوس كان يرى أن مؤلف هذا الكتاب هو هرماس الذي ذكره بولس في رسالته إلى أهل رومية، وهذا الرأي غير مقبول. ويذكر المؤلف أنه قد تم بيعه كعبد في شبابه المبكر وأرسل إلى روما، وهناك اشترته سيدته المدعوة رودا.

أما الأسلوب العبراني الذي للكاتب فيؤكد أنه إما من أصل يهودي أو تعلم على يد معلمين يهود، وهي يحكي – في صراحة ووِد – كل أنواع الأمور التي تتعلق به شخصاً أو بأقاربه، وهو يتكلم عن صفقاته التجارية، وفقدانه لكل ثروته التي جمعها كشخص حر، وزراعته لفدادين الأرض التي يملكها على طريق السفر الواصل بين مدينة روما ومدينة كومي (Cumae)، هذه الحقيقة الأخيرة تفسر سبب خروج هذا الكم الكبير من الصور الريفية التلقائية من قلم الكاتب.

ويخبرنا الكاتب أيضاً أن أولاده قد ارتدوا عن الإيمان أثناء فترة الاضطهاد، وكيف أنهم خانوا والديهم وعاشوا حياة منافية للأخلاق، كما أنه لا يجد شيئاً طيباً ليقوله عن زوجته التي تتحدث كثيراً ولا تلجم لسانها. وتدفعنا هذه المعلومات لنستنتج أن الكاتب كان رجلاً تقياً باراً له ضمير حي، رجلاً قد ثبت في مواجهة الاضطهاد.

ويتكون الكتاب من عظة عن التوبة ذات سمات رؤيوية وعلى وجه العموم فإن موضوعها كان غريباً من جهة الشكل والمضمون. والعمل ينقسم ظاهرياً إلى ثلاث أقسام: خمس رؤى، واثني عشر حكماً أو وصية، وعشرة أمثال. وبالرغم من أن هذا التقسيم من وضع الكاتب، إلا أن العمل لا يحتوي داخلياً على أساس منطقي يُبرر هذا التقسيم الثلاثي أو حتى العناوين الفرعية المختلفة داخله، وذلك لأنه حتى الوصايا والأمثال الواردة في العمل هي أيضاً ذات طبيعة رؤيوية أما منطقياً، فينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسين وخاتمة.

المحتويات

  1. في القسم الرئيس الأول، الذي يضم الرؤى من الأولى إلى الرابعة، يستقبل هرماس رؤى من المرأة التي تمثل الكنيسة والتي ظهرت له أولاً في شكل امرأة عجوز جليلة ولكنها بالتدريج تفقد علامات السن وتظهر في الرؤيا الرابعة كعروس تمثل مُختاري الله.

الرؤيا الأولى

تبدأ الرؤيا الأولى بكلام عن خطية فكر تؤرق ضمير هرماس، وتظهر الكنيسة فيها كسيدة عجوز تحثه على التوبة عن خطاياه وخطايا أسرته.

الرؤيا الثانية

تعطيه السيدة العجوز كتيباً لينسخه ويوزعه؛ ويحث محتوى الرؤيا أيضاً على التوبة ويحمل نبوة واضحة بأن الاضطهاد على الأبواب.

الرؤيا الثالثة

في هذه الرؤيا تستخدم السيدة العجوز رمز البرج الذي لم يكتمل بناؤه لتشرح لهرماس مصير المسيحية التي سوف تنمو في وقت قصير لتصبح الكنيسة المثالية. كل حجر لا يناسب باني البرج سيرفض، لذلك كل خاطئ لا يتوب عن خطيته سيخرج خارج الكنيسة. والتوبة السريعة مطلوبة لأن الوقت مقصر.

الرؤيا الرابعة

تكشف هذه الرؤيا للرائي عن نكبات خطيرة وشيكة الوقوع، واضطهاد تحت سلطان تنين بشع. لكن على قدر بشاعة هذا الوحش، إلا أنه لن يؤذي الرائي وكل من يتسلح بالإيمان. وخلف الوحش، يرى الرائي الكنيسة في ثياب عروس، رمزاً للبركة التي سينالها المطيعون تأكيداً لدخولهم إلى الحياة الأبدية.

الرؤيا الخامسة

في هذه الرؤيا، التي تمثل مرحلة الانتقال من القسم الأول إلى القسم الثاني، يظهر ملاك التوبة في شكل الراعي الذي سيرعى ويقود عملية التوبة. إنه هو من سيعيد إحياء المسيحية، وهو الآن يشرح لهرماس الوصايا والأمثال.

  1. يتكون الجزء الرئيس الثاني من اثنتي عشرة وصية بالإضافة إلى الأمثال من 1 إلى 9:

الوصايا الاثنتا عشرة

تُمثل الوصايا الاثنتا عشرة ملخصاً للأخلاق المسيحية؛ فهي تكشف عن المبادئ التي ينبغي أن يسلك بها التائب بحسب الطبيعة الجديدة، وهذه الوصايا هي:

1 – الإيمان، مخافة الله والسلوك باعتدال

2 – وحدانية القلب والبراءة

3 – الصدق

4 – الطهارة والسلوك المستقيم في كل من حالتي الزواج والترمل

5 – الصبر وكظم الغيظ

6 – ذاك الذي ينبغي الإيمان به، وذاك الذي ينبغي عدم الاعتداد به، وهما بالترتيب: ملاك العدل وملاك الشر

7 – ذاك الذي ينبغي أن تخافه وذاك الذي ينبغي ألا تخافه: الله والشيطان.

8 – ما ينبغي أن نتجنبه وما ينبغي أن نفعله: الشر والخير

9 – فيما يتعلق بالشكوك (##)

10– فيما يتعلق بالحزن والتشاؤم

11– في الأنبياء الكذبة

12– في وجوب اقتلاع المرء لكل رغبة شريرة من قلبه وملئه بالصلاح والفرح.

ثم يختم القسم – مثل كل وصية – من الوصايا الاثنتي عشرة. بنصيحة ووعد، فالملاك يؤكد لتلك النفس الضعيفة التي تشك في قدرتها على تتميم تلك الوصايا، أن الإنسان الذي واثقاً في الله يجاهد ليحفظها سوف يجد أن حفظها أمر سهل؛ وأن كل من يلتزم بها سينال الحياة الأبدية.

الأمثال العشر

تشتمل الأمثال الخمس الأولى على وصايا أخلاقية مثلها في ذلك مثل الوصايا الاثنتي عشرة. ويصور المثل الأول المسيحيين كغرباء عن الأرض: “أنتم تعرفون يا خدام الله أنكم تسكنون في أرض غريبة لأن مدينتكم بعيدة جداً عن هذه المدينة، فإن كنتم إذن تعرفون مدينتكم التي ستسكنون فيها، لماذا تشترون هنا أراضي، وتقومون بمثل هذه الاستعدادات المكلفة، وتكدسون البيوت والأبنية عديمة القيمة؟ إن الذي يقوم بمثل هذه الاستعدادات من أجل هذه المدينة لن يستطيع العودة إلى مدينته…. إذاً، بدلاً من الأراضي، اشتروا النفوس المتعبة حسب طاقة كل إنسان. افتقدوا الأرامل والأيتام ولا تتعالوا عليهم، وأنفقوا كل خيراتكم وأملاككم التي نلتموها من الله على مثل هذه الأراضي والبيوت… هذا تصرف نبيل ومقدس”.

والمثل الثاني يلزم الأغنياء بواجب مساعدة المحتاجين، وذلك تحت مثل الكرمة وشجرة الدردار التي تعتمد كل واحدة منهما على الأخرى. ففي مقابل المساعدة التي يسديها الأغنياء للفقراء، يجب على الفقراء أن يصلوا من أجل إخوتهم الأغنياء. أما بالنسبة للسؤال الذي يحير المسيحين، والذي يدور حول السبب الذي لأجله لا يمكن أبداً التمييز بين الخاطئ والبار على الأرض، فيجيب المثل الثالث عليه، وذلك بأن يشبههما بشجر الغابة في فصل الشتاء، فحينما تفقد الأشجار أوراقها في فصل الشتاء وتتغطى أغصانها بالثلوج لا يمكن أيضاً التمييز بينها.

ثم يضيف المثل الرابع بطريقة الجملة الاعتراضية أن العالم الآتي مثل الغابة في فصل الصيف، حيث يمكن التمييز بين كل من الأشجار الميتة والأشجار ذات الصحة الجيدة. ويتكلم المثل الخامس عن الأصوام الجماعية التي كانت الجماعة كلها تحفظها، تلك التي كانوا يسمونها بـ “المحطات” (Stations). وهو لا ينتقد النظام نفسه ولا الصوم بشكل عام، لكنه ينتقد الثقة الفارغة التي كان يضعها بعض الناس في تلك الممارسة، فالصوم يتطلب – أولاً وقبل كل شيء – تغييراً أخلاقياً، والتزاماً تاماً بناموس الله، ثم ممارسة لأعمال الخير. ويسمح المثل في أيام الصوم بتناول الخبز والماء فقط، ومن ثم تذهب النفقات التي كان ينفقها المرء يومياً إلى الفقراء.

أما الأمثلة الأربعة الأخيرة فتتحدث عن الخضوع لله من خلال التوبة، وهكذا يُظهر المثل السادس ملاك النهم والغش وملاك العقاب في صورة راعيين، ثم يتحدث عن فترة العقاب الآتية. وفي المثل السابع يتوسل هرماس إلى ملاك العقاب – الذي يعذبه – كي يخلص. ولكنه ينصحه بأن يصبر، ويعزيه قائلاً إنه يتألم لأجل خطايا العائلة. والمثل الثامن يشبه الكنيسة بشجرة صفصاف كبيرة لها أغصان قوية، تلك التي بالرغم من أنها قد انتزعت من جذع الشجرة وتبدو يابسة إلا أنها سوف تزهر في حيوية إذا زرعت في الأرض وبقيت رطبة؛ كل من فصلته الخطايا الأخلاقية عن الاتحاد المحيي بالكنيسة يمكنه أن يحيا مرة أخرى بالتوبة وأسرار النعمة التي تقدمها الكنيسة.

ويبدو أن المثل التاسع قد أضيف لاحقاً؛ فهو يبدو إلى حد ما استدراكاً لما سبق، حيث إن مثل البرج قد استخدم مرة أخرى وأصبحت الحجارة المختلفة فيه تمثل أنواعاً مختلفة من الخطاة. لكن الجديد في الأمر هو أن عملية بناء البرج قد تعطلت حتى تعطي فرصة لخطاة كثيرين ليتوبوا حتى يتم قبولهم كحجارة في البرج، ولكن إذا لم يسرعوا للتوبة سيرفضون. بمعنى آخر، امتد زمن التوبة الذي كان محدداً قبلاً متخطياً الوقت الذي كان قد أعلن أصلاً، ومن الممكن أن يكون هرماس نفسه هو من قام بمثل هذا التغيير، لأن المجيء الثاني الذي كان يتوقعه لم يحدث. ويشكل المثل العاشر خاتمة هذا العمل، حيث يحث ملاك التوبة هرماس مرة أخرى ليطهر عائلته من كل شر، كما أنه يكلفه مرة أخرى بمهمة دعوة الجميع للتوبة.

والحقيقة أنه أمر بالغ الصعوبة أن نجد عملاً من العصور المسيحية المبكرة تبدو فيه حياة المجتمع المسيحي بمثل هذا الوضوح مثلما الحال في كتاب راعي هرماس؛ فنحن هنا نتقابل مع كل أطياف المسيحيين، الطيب منهم والشرير أيضاً. وفيه نقرأ عن الأساقفة، والكهنة، والشمامسة الذين قاموا بخدمتهم أمام الرب بكل كفاءة، لكننا أيضاً نقرأ عن كهنة صاروا تحت العقاب بسبب كبريائهم أو إهمالهم أو طموحهم، وشمامسة استحلوا لأنفسهم أموال الأرامل واليتامى.

ونقرأ عن شهداء لم يهتز قلبهم لحظة، لكننا نقرأ أيضاً عن مرتدين، وخونة، وجواسيس؛ هؤلاء الذين ارتدوا من أجل مطامع عالمية، أمثال هؤلاء الذين لم يخجلوا أن يلعنوا الله والمسيحيين أخوتهم علناً. كذلك يخبرنا راعي هرماس عن مهتدين إلى المسيحية لم تدنسهم الخطية، كما يخبرنا عن خطاة من كل نوع. ويخبرنا أيضاً عن أشخاص أغنياء يحتقرون الإخوة الأفقر منهم، كما يخبرنا عن مسيحيين مُحسنين صالحين.

ويخبرنا عن هراطقة، كما يخبرنا عن شكاكين يجاهدون ليجدوا طريق البر، ويخبرنا عن مسيحيين صالحين ذوي أخطاء صغيرة، كما يخبرنا عن مرائين ومنافقين. وهكذا يعتبر كتاب راعي هرماس بمثابة محاسبة قوية للنفس من جانب كنيسة روما[2]، لأنه من الواضح أن السلوك المتسم بالجبن عند عدد كبير من المسيحيين قد نجم عن فترة من السلام استقرت فيها حياة هؤلاء الأعضاء في راحة وكدسوا الأموال بل وحتى أصبحت لهم مكانة رفيعة بين جيرانهم الوثنين، ولم يلبثوا أن فوجئوا تماماً بويلات الاضطهاد المريع.

إن هذه الأحداث تميز فترة حكم الإمبراطور تراجان، ومن ثم تشير بقوة إلى النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، وهذا يتفق مع ما ذكرناه أعلاه. لكن يبدو أن هرماس يرى أن المسيحيين النموذجيين – لا الخطاة – هم الأغلبية. ولم يكن هدف الكاتب أن يجتذب الخطاة للتوبة فقط، بل أيضاً أن يشجع النفوس الضعيفة. ولهذا من الواضح أننا نجد في العمل بوجه عام نظرة متفائلة للحياة.

الاتجاهات التعليمية في كتاب الراعي

1 – التوبة

شكل التعليم عن التوبة، كما ذكر في كتاب راعي هرماس، موضوع جدل عنيف. وقد تمركز هذا الجدل حول الوصية (4: 3: 1-6) والتي تقدم حواراً يدور بين هرماس وملاك التوبة: “لقد سمعت، يا سيدي، من بعض المعلمين أنه ليست من توبة أخرى غير تلك التي كانت عندما نزلنا إلى الماء ونلنا مغفرة خطايانا السابقة. فقال لي: ما سمعته صحيح، لأن الأمر هو هكذا.

إن من نال مغفرة خطاياه ينبغي ألا يخطئ مرة أخرى بل إن يعيش في طهارة، لكن بما أنك تسأل باجتهاد عن كل شيء، سوف أشرح لك هذا أيضاً، لا كمن يعطي العذر لمن سوف يؤمنون في المستقبل أو من قد آمنوا فعلاً بالرب، لأن هؤلاء الذين قد آمنوا أو هؤلاء الذين على وشك أن يؤمنوا ليس لهم توبة عن الخطايا بل غفران لخطاياهم السابقة. لأن الرب قد وضع التوبة لهؤلاء الذين قد دعوا قبل هذه الأيام. لكن بما أن الرب يعلم القلب ويعرف كل الأشياء مسبقاً، ويعرف شر الإنسان والخبث الماكر الذي للشيطان، لذا يعلم أنه سوف يتسبب في بعض الشرور لخدام الله وسوف يتعامل معهم بخبث.

ولأن الرب مليء بالعطف، لذا رحم خليقته وأسس هذه التوبة وأعطاني سلطاناً عليها. ثم قال: لكني أقول لك، إنه بعد هذه الدعوة الجليلة، إن أخطأ إنسان وأغراه الشيطان بالخطية، سيكون له فرصة واحدة للتوبة، لكن إن أخطأ أكثر من مرة وتاب لن يكون له فرصة واحدة للتوبة، لكن إن أخطأ أكثر من مرة وتاب لن يكون هذا مجدياً له، لأنه بالكاد يحيا. فقلت له: لقد عادت لي روحي مرة أخرى عندما سمعت منك هذه الأمور بمثل هذه الدقة، لأن علمت أنه إن لم أضف المزيد إلى خطاياي سوف أحيا، فقال لي: لسوف تخلص أنت وكل من يفعل هذه الأمور.” وحسب هذه الفقرة يمكن أن يتلخص التعليم عن التوبة كما يقدمه كتاب راعي هرماس في النقاط التالي:

  1. هناك توبة مخلصة بعد المعمودية، وهذا ليس تعليماً جديداً يعلنه هرماس لأول مرة، كما افترض البعض كثيراً مخطئين، ولكنه تعليم قديم في الكنيسة. وقد اندفع هرماس ليكتب هذا العمل لأن بعض المعلمين أصروا على أنه لا توجد توبة إلا في المعمودية، وأن أي شخص يرتكب خطيئة مميتة لا يعود من ضمن أعضاء الكنيسة. ولم يكن في نية هرماس أن يعطي انطباعاً بأنه هو أول من أعلن للخاطئ المسيحي أن خطاياه يمكن أن تغفر أو أن هذا مجرد تنازل استثنائي، لكن في الحقيقة، رغب الكاتب في أن يوضح للمسيحيين أن رسالته هذه لا تقدم الفرصة الأولى لغفران ما ارتكبوه من خطايا بل الفرصة الأخيرة. وهذا هو ما يُشكل العنصر الجديد في رسالته.
  2. للتوبة صفة الشمول، لذا لا يوجد خاطئ مُستثنى منها حتى غير الطاهر أو المرتد. الشقي الذي لن يتوب هو فقط المستثنى منها.
  3. لا بد للتوبة أن تكون سريعة ولا بد أن ينتج عنها تغيير؛ ولا يجب أن يُستهان بالفرصة التي تقدمها التوبة بأن يسقط الإنسان مرة أخرى في الخطية. وهو يحاول أن يبرهن على ضرورة حدوث تغيير في حياة التائب بالتركيز على الجانب النفسي، والصعوبات التي سيواجهها من يرتد إلى حياة الخطية في طريقه نحو بلوغ الحياة الأبدية. والكاتب هنا يتكلم انطلاقاً من نظرة لاهوتية رعوية لا عقائدية. أما حث الكاتب على الإسراع في التوبة فيرتكز على أرضية اسخاتولوجية (أخروية)، فلا بد للتوبة من أن تتم قبل أن يصبح بناء البرج – الذي هو الكنيسة – حقيقة واقعة، لأن عملية البناء قد توقفت حتى تمنح الخاطئ فرصة للتوبة.
  4. الهدف الداخلي للتوبة هو “تغيير الفكر”. (##). إنه التغيير الكامل للخاطئ، والرغبة في التكفير عن الخطية بالتأديبات الطوعية والصوم، والصلاة من أجل مغفرة ما ارتكبه من خطايا[3].
  5. لا يكون التبرير الذي يناله الخاطئ بالتوبة مجرد تطهير من الأدناس، لكنه سيكون أيضاً تقديساً إيجابياً مثل ذلك التقديس الذي ينتج عن المعمودية بحلول الروح القدس. (Sim. 5: 7: 1-2).
  6. إن عقيدة التوبة عند هرماس كانت مشبعة بمفهوم ضرورة الكنيسة لخلاصنا، ولهذا يذكر هرماس الصلوات التي يقدمها شيوخ الكنيسة عن الخطاة. والمصالحة على هذا النحو لم تُذكر في النص، ولكنها ولأسباب قوبة ينبغي أن تقبل بشكل مؤكد.

2 – الخريستولوجي:

أثارت التعاليم الخريستولوجية الخاصة بهرماس شكوكاً قوية، فهو لم يستخدم أبداً مصطلح “لوغوس”، أو اسم “يسوع المسيح”، لكنه يستخدم دائماً لقب “المخلص”، أو “ابن الله”، أو “الرب”، لكن في المثل (1: 1: 9) نقرأ أن ملاك التوبة يقول لهرماس: “أريد أن أريك كل ما أراك إياه الروح القدس (##) الذي تكلم معك في صورة امرأة، لأن هذا هو ابن الله”. وهنا يعرف هرماس الروح القدس باعتباره ابن الله، وبمعنى آخر، لدينا هنا أقنومان إلهيان فقط: الله والروح القدس، هذان اللذان توصف العلاقة بينهما بعلاقة أب وابن.

أما ما هو أكثر أهمية فنقرأه في المثل (5: 5: 5-7): “إن الروح القدس الأزلي، ذاك الذي خلق كل شيء، قد جعله الله يسكن في جسد اختاره لنفسه. وهذا الجسد الذي سكن فيه الروح القدس قد خدم الروح بكل طهارة وقداسة بدون أي شائبة. وبعد أن سلك الجسد بصلاح وبطهارة، وبعد أن ساعد الروح وعمل معه في كل شيء، مُظهراً قوة وشجاعة، سمح الله له بأن يشارك الروح القدس؛ لأن سلوك هذا الجسد قد أسر الله لأنه لم يتنجس عندما كان يحمل الروح القدس على الأرض. لذلك، استشار ابنه وملائكته الممجدين.

حتى يتمكن هذا الجسد، الذي خدم الروح دون أن يسبب أي شيء يُلام عليه، من أن يحصل على مكان للسكن، ولا يفقد أجرة خدمته. فهناك مكافأة لكل جسد يتضح – من خلال سكنى الروح القدس – أنه لا يشوبه أي شائبة”. ويحسب تلك الفقرة، يبدو أن الثالوث عند هرماس يتكون من الله الآب، وأقنوم إلهي آخر هو الروح القدس الذي يدعوه ابن الله، ثم المُخلص الذي ارتفع ليصبح مرافقاً لهما كمكافأة استحقها. وبمعنى آخر، يعتبر هرماس أن المخلص هو ابن الله بالتبني، وذلك طالما كنا نتكلم عن طبيعته البشرية.

3 – الكنيسة:

يرى هرماس أن الكنيسة هي أول المخلوقات، ولهذا السبب ظهرت له على شكل امرأة عجوز جليلة. ولقد خلق العالم كله من أجلها: “أيها الأخوة، بينما أنا نائم تلقيت إعلاناً من شاب جميل جداً قال لي: من تظن المرأة العجوز التي أخذت منها الكتاب؟ قلت: العرافة، فأجابني قائلاً: أنت مخطئ، إنها ليست عرافة، فقلت: من هي إذن؟ فأجابني: الكنيسة، فقلت له: ولماذا إذن هي سيدة عجوز؟ فأجابني: لأنها أول من خُلق، ولهذا السبب هي عجوز، ولقد خلق العالم كله من أجلها.” (Vis. 2: 4: I).

لكن أشهر رمز ظهرت به الكنيسة عند هرماس كان هو “البرج السري” (Vis. 3: 3: 31; Simil. 8: 13: 1)، غير أن هذا الرمز كان يرمز إلى كنيسة المعينين والمختارين، الكنيسة المنتصرة، لا الكنيسة المجاهدة التي يعيش فيها كل من القديسين والخطاة جنباً إلى جنب. والكنيسة مؤسسة على صخرة هي ابن الله.

4 – المعمودية:

لا يقبل أحد في هذه الكنيسة إلا بنوال المعمودية: “اسمع إذن سبب كون البرج مبنياً على الماء: لأن حياتكم قد خلصت وستخلص بالماء، ولقد تأسس هذا البرج بكلمة القدير واسمه العظيم، وهو محفوظ بقدرة السيد غير المنظورة” (Vis. 3: 3: 5). ويسمي المثل (9: 16) المعمودية بـ “الختم”؛ ويذكر مفعولها. “قلت: يا سيدي، لماذا صعدت الحجارة من أعماق المياه ووضعت في مبنى البرج بعد أن حملت تلك الأرواح؟

فأجابني قائلاً: كان من الضروري لها أن تصعد من الماء حتى تنال الحياة، لأنه لا يمكنها بطريقة أخرى أن تدخل ملكوت الله إلا بأن تطرح عنها موات حياتها السابقة. وبالمثل، نال هؤلاء أيضاً الذين رقدوا ختم ابن الله (##) ودخلوا ملكوت الله. ثم استطرد قائلاً: لأنه قبل أن يحمل الإنسان اسم الله يكون ميتاً، ولكنه عندما يقبل الختم يطرح عنه الموت ويقبل الحياة، والختم هنا هو الماء. إنهم ينزلون إلى الماء أمواتاً ويصعدون أحياء. قد كُرز لهؤلاء أيضاً بهذا الختم ثم استخدموه ليدخلوا ملكوت السماوات.

ثم سألته قائلاً: يا سيدي، لما إذن صعدت الأربعون صخرة معهم من الماء بالرغم من أنها كانت قد نالت الختم بالفعل؟ فأجابني قائلاً: لأن هؤلاء الرسل والمعلمين الذين كرزوا باسم ابن الله، ثم ماتوا في قوة وإيمان ابن الله، كرزوا أيضاً لهؤلاء الذين قد ماتوا قبلهم ومنحوهم ختم الكرازة. لهذا السبب نزلوا معهم إلى الماء ثم صعدوا مرة أخرى. لكن، في حين نزل هؤلاء الآخرون أحياء وصعدوا أحياء، نزل الأولون – هؤلاء الذين قد رقدوا من قبلهم – أمواتاً وصعدوا أحياء، لذلك أصبح هؤلاء أحياء بواسطتهم وقبلوا اسم ابن الله، ولهذا السبب صعدوا معهم وأخذوا مكانهم في مبنى البرج، واستخدموا معهم في بناء البرج بدون أن يُصقلوا، لأنهم كانوا قد ماتوا أبراراً وفي طهارة عظيمة لكن فقط هذا الختم هو الذي لم يكونوا قد نالوه. هذا هو تفسير تلك الأمور”.

وهكذا يؤكد هرماس أن المعموجية ضرورية للخلاص، حتى أنه يُعلم بأن الرسل والمعلمين قد نزلوا إلى الجحيم بعد موتهم ليعمدوا الأبرار الذين رقدوا قبل ظهور المسيحية.

التعاليم الأخلاقية في كتاب الراعي

للتعاليم الأخلاقية في كتاب الراعي هرماس أهمية تفوق التعاليم العقائدية:

  1. من الأمور الجديرة بالذكر والمهمة أننا نجد هنا بالفعل تفريقاً بين الوصية والنصيحة، بين الضرورات والنوافل: “سأريك وصاياه، لكن إذا فعلت أمراً صالحاً يزيد على ما تطلبه وصايا الله، سوف تقتني لنفسك مجداً أعظم وسيرضى الله عنك أكثر مما كان مقدراً لك”. (Sim 5: 3: 3) ويذكر هرماس من ضمن هذه الأعمال النافلة كلا من: الصوم، والبتولية، والاستشهاد.
  2. مما هو جدير بالذكر أيضاً تلك الملاحظة الجلية التي تتكلم عن الأرواح التي تسيطر على قلب الإنسان: “يسكن في الإنسان ملاكان: واحد للخير والثاني للشر… وملاك الخير لطيف ومتواضع ووديع ورقيق، لذلك، عندما يأتي ليتكلم في قلبك يتكلم من فوره عن الخير، والطهارة، والقداسة، والتحكم في الذات، وكل عمل صالح وكل فضيلة مجيدة. فعندما تأتي كل هذه الأشياء في قلبك اعلم أن ملاك الخير معك، لذا آمن به وبأعماله. والآن انظر أيضاً إلى أعمال ملاك الشر، إنه – قبل كل شيء – مُر، وغضوب، أحمق، وكل أعماله شر، ويؤذي خدام الله. لذا عندما يأتي إلى قلبك اعرفه من أعماله”. (Mand. 6: 2: 1-4).

وفي فقرة أخرى يبذل الكاتب جهده ليوضح أنه من المستحيل أن يسكن ملاك الخير وملاك الشر في قلب الإنسان في وقت واحد: “لأن هذه الأرواح عندما تسكن في إناء واحد حيث يسكن الروح القدس أيضاً، لا يعود ثمة مكان في هذا الإناء بل سيصبح مزدحماً، لذلك يهجر الروح اللطيف، غير المعتاد على أن يساكن روحاً شريراً أو قساوة، مثل هذا الإنسان يطلب أن يسكن مع البساطة والهدوء. لذا عندما يهجر الروح اللطيف ذلك الإنسان الذي كان يسكن فيه، يصبح الأخير مفتقراً من روح البر، وتملأه الأرواح الشريرة، وتصبح كل تصرفاته مختلة حيث تجره الأرواح الشريرة هنا وهناك، ويعمى تماماً عن الأفكار الصالحة”. (Mand. 5: 2: 5-7).

  1. أما بشأن الزنى، فقد قال الكاتب أنه ينبغي على الزوج أن يطلق امرأته التي أدينت بهذه الخطية وترفض التوبة، غير أنه ينبغي عليه هو نفسه ألا يدخل في علاقة أخرى طالما بقيت زوجته حية. أما إذا تابت الزوجة الزانية وأصلحت من نفسها، يكون الزوج حينئذ مجبراً على أن يقبلها مجدداً: “إذا لم يقبلها زوجها فهو يخطئ ويجلب على نفسه خطيئة كبيرة. فلا بد لنا أن نقبل الخطاة التائبين، ولكن ليس إذا تكرر الأمر كثيراً؛ لأنه لا يوجد لخدام الله سوى فرصة واحدة للتوبة”. (Mand. 4: 1: 8)
  2. يسمح هرماس، بخلاف عدد من الكتاب المسيحيين القدامى، بالتزوج مرة أخرى بعد موت الزوج أو الزوجة: “قلت: يا سيدي، إذا ماتت الزوجة أو الزوج، فهل يخطئ الطرف الثاني إذا تزوج مرة أخرى؟ فأجابني قائلاً: إنه لا يخطئ، ولكن إذا بقي أعزب فإنه ينال كرامة أعظم أمام الرب، ولكن إذا تزوج لا يخطئ” (Mand. 4: 4: 1-2)
  3. ونتقابل في الرؤيا (3: 8: 1-7) مع قائمة مكونة من سبع فضائل هي: الإيمان، والعفاف، والبساطة، والمعرفة، والبراءة، والوقار، والمحبة. ولقد صورت هذه الفضائل السبع في صورة سبع نسوة، وهو تصور لعب دوراً كبيراً في تطور الفن المسيحي.

وقد نال كتاب الراعب مكانة رفيعة في القرون الأولى من خلال شهادة كُتاب كنسيين له، منهم: إيريناوس، وترتليانوس قل اعتناقه المونتانية[4]، وأوريجينوس. وقد اعتبروا هرماس بمثابة نبي وعدوا كتابه من ضمن الكتب المقدسة. ويبدو أن هذا الكتاب كانت له شعبية كبيرة في الشرق أكثر منها في الغرب، حيث إن القديس جيروم قد ذكر أنه في أيامه كان ذلك الكتاب يكاد يكون غير معروف بين الناطقين باللاتينية (de vir.ill.10). ونعرف من الوثيقة الموراتية أنه كان مسموحاً بقراءة هذا الكتاب في الجلسات الخاصة، ولكنه لم يكن يقرأ علناً في الكنيسة. ولكن أوريجانوس يشهد أنه كان يقرأ علناً في بعض الكنائس ولكن هذا الممارسة لم تكن عامة.

كيف وصل النص إلينا

 المصادر المعتمدة لنص راعي هرماس باللغة اليونانية هي:

  1. المخطوطة السينائية (Codex Sinaiticus): كتبت في القرن الرابع، وتحوي الربع الأول من العمل الكامل حتى: (Mand. 4: 3: 6).
  2. مخطوطة من جبل أثوس تعود إلى القرن الخامس الميلادي، وهي تضم العمل كاملاً ما عدا آخر جزء من الخاتمة، أي الأجراء التالية: (Siml. 9: 30: 3-10: 6).
  3. مجموعة جامعة ماتشيجان للبرديات وتضم شذرتين من راعي هرماس قام كامبل بونر (Campbell Bonner) بنشرهما، وهما تشكلان إضافة لمعلوماتنا عن النص. والشذرة الأطول ذات أهمية كبرى لأنها حفظت لنا معظم العبارت المفقودة من مخطوطة جبل أثوس، فهي تضم الجزء: (Simil. 2: 8-9: 5: 1)، كما أنها أقدم من معظم مخطوطات راعي هرماس التي نشرت حتى الآن، وقد كُتبت في نهاي القرن الثالث الميلادي. وتعود الشذرة الأقصر إلى نفس زمن كتابة الأطول، وتضم نهاية المثل الثاني والكلمات الافتتاحية من المثل الثالث.
  4. شذرة صغيرة من مخطوطة “فيلوم” (Vellum) – المحفوظة في مدينة هامبورج – وتحتوي على الأجزاء التالية: (Sim. 4: 6-7: 5: 1-5).
  5. وجدت أيضاً شذرات من نص راعي هرماس في البردية الأمهرية: (CXC, Oxyrh. Pap. رقم 404 و1172) و(Berlin Pap. رقم 5513 و6789).

والنص أيضاً محفوظ في ترجمتين لاتينيتين وف ترجمة إثيوبية، ولدينا أيضاً أجزاء من ترجمة قبطية صعيدية محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس وفي مكتبة اللوفر، ولدينا شذرة من العمل في ترجمة فارسية وسيطة[5].

[1] الوثيقة الموراتورية (أو القانون الموراتوري) اكتشفها موراتوري (1672-1750م) في مكتبة القديس أمبروسيوس بمدينة ميلانو الإيطالية، فعرفت باسمه. وهي عبارة عن وريقة صغيرة ترجع إلى حوالي 170م. وتعتبر هذه الوثيقة أقدم لائحة بأسفار العهد الجديد المعترف بها في الكنيسة، ويعود المخطوط الحالي لها إلى القرن السادس الميلادي، وهو نسخة عن وثيقة قديمة دونت في النصف الثاني من القرن الميلادي الثاني في روما أو في جوارها على يد هيبوليتس الروماني. وتتضمن 85 سطراً، وهي مكتوبة بلغة لاتينية معقدة يصعب فهمها. (المراجع).

[2] لا يعدو ما كتبه المؤلف هنا غير مجرد رأي لا تسانده الأدلة. (المراجع)

[3] المفهوم الذي قدمه المؤلف هنا للتوبة يختلف عن مفهوم التوبة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. (المراجع)

[4] سميت بذلك نسبة إلى مؤسسها مونتانوس، وكان كاهناً وثنياً اهتدى إلى المسيحية، ثم أعلن نفسه نبياً في فريجيا (155-160م)، مدعياً أنه قد تلقى إعلاناً مباشرة من الروح القدس، واعتبر نفسه أنه هو النبي الأخير مؤسس المدينة السماوية، وأن الروح القدس الموعود به في (يو 14: 6، 16: 7) قد تجسد فيه، وسعت هذه الجماعة إلى تطهير الكنيسة من وجهة نظرها وتنشئة مسيحية روحانية، وقد قاومت السلطة الكنسية، ومنعت الزواج لأنهم ظنوا أنهم يعيشون قرب المجيء الثاني للمسيح. وقد حرمت هذه البدعة في مجمع محلي عقد في روما عام 177م، وبعض المجامع التي عقدت في آسيا الصغرى. (المراجع).

[5] وهي لغة بين الفصحى والفارسية الحديثة (المراجع).

رسالة الراعي لهرماس – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

يعرف ” هرماس ” عن نفسه بانه ولد عبدا وبيع في روما الي امرأة تدعي ” رودا ” Rhoda وكان لها الفضل في تحريره من العبودية ثم تزوج وأصبح أبا لعائلة كبيرة وعمل في التجارة وكانت حياته بعيدة كل البعد عن اتباع الحقيقة الامر الذي دفعه الي العيش في الخطيئة هو واولاده وامرأته التي كانت نمامة وشريرة في الوقت نفسه.

وبعد ان فرط بثروته الكبيرة عمل في حقل، في مدينة (كوماس) على طريق روما، لكي يعيل عائلته ويستمر العيش (الرؤيا الاولي، 1، 4، 2، 2، 4، 3، الرؤيا الثانية 2، 2، الرؤيا الثالثة، 1، 2، 6، 7، الرؤيا الرابعة 1، 2) وفي احد الايام، وهو في نزهة على ضفاف نهر ” التيبر ” راي ” رودا ” التي كان يعتبرها كأخت، وهي تستحم، فمد يده ليساعدها على الخروج من الماء وقال في قلبه ” لو كانت عندي امرأة لها هذا الجمال وهذا البهاء لكنت من المحظوظين جدا ” (الرؤيا الاولي 1، 2) لكنه تنبه الي افكاره الشريرة وهو رب عائلة وزوج لامرأة فعاد الي ذاته وابتدأ أعمال التوبة.

وبعد مدة وجيزة وهو في طريقه الي ” كوماس ” تراءى له روح الرب في مكان منعزل ثم راي ” رودا ” في السماء وهي تقول له: ” الله الذي يسكن السماء والذي خلق الكائنات من العدم وكثرها ونماها من اجل كنيسته غاضب منك لأنك أخطأت بحقي ” (الرؤيا الاولي 1، 6) فندم وراح يفكر بالوسيلة التي تهدئ غضب الرب وتؤمن خلاصه، وركع يصلي طالبا الغفران من الله على فعلته. واذ هو في هذه الحالة انتابه خوف شديد وألم عميق، وقال: ” كيف يمكنني ان اطلب مغفرة كل خطاياي من الله؟ بأية كلمات اطلب الرحمة منه؟ (الرؤيا الاولي 2، 1) ويزيد قائلا: ” وبينما كنت اسأل نفسي رأيت أمامي عرشا كبيرا من الصوف الابيض كالثلج وامرأة مسنة كانت ترتدي وشاحا براقا وتمسك في يدها كتابا وقد تقدمت وجلست وحيدة وحيتني قائلة، عم صباحا يا هرماس. فأجبتها والدمع يغمرني والحزن يملا قلبي: عمي صباحا يا سيدتي.

فقالت وهي تبتسم: ما هذه العبوسة التي تغمر محيال؟ لماذا أنتلا مقطب الجبين يا هرماس الصبور اللطيف الضاحك ابدا؟ لماذا حل التجهم محل البشر؟ فأجبتها: ان امرأة فائقة الصلاح قالت أنى اخطأت اليها. ان خدام الله لا يفعلون ذلك قط. قالت: لا شك أن فكرة ما مرت بخاطرك فأساءت اليها. سألتها: أمثل هذه النية خطيئة بالنسبة لخدام الله؟ نعم، انها خطيئة، أجابت. ان تفكيرا كهذا يمر بنفس صارمة مجربة هو تفكير شرير يبعث على الدهشة، خصوصا إذا اشتهي العمل الشرير انسان كهرماس العفيف، البعيد عن الشهوات، المليء بالبساطة المتناهية والبراءة العظيمة ” (الرؤيا الاولي 2، 2 _ 4)

ثم ينتقل بنا هرماس الي الرؤيا الثانية التي يري فيها المرأة المسنة من جديد وهي تتنزه وفي يدها كتاب صغير وهي تقرأه وقالت له: ” أستطيع ان تعلن هذا لمختاري الله؟ “. فقال ” أنى لا أستطيع ان اتذكر هذا القدر من الكلام، أعطني الكتيب لأنسخه. قالت خذه واعطتني اياه. فأخذت الكتيب وذهبت الي مكان ما في البرية ونسخته حرفيا لأني لم أكن أستطيع ان اميز بين المقاطع. وبعد ان انتهيت من نسخ الكتاب خطف يدي ” (الرؤيا الثانية 1، 3 _ 4) وفي النهاية تنكشف له حقيقة المرأة، وهي تمثل الكنيسة، وتأمره بأن يعطي الكتيب الي البابا ” إكليمنضوس ” والي ” غرابتا ” ( Grapta) وهي تقول: ” أكتب كتيبين، كتيب الي إكليمنضوس، وكتيب الي غرابتا. ويسمح لكليمنضوس ان يرسل ذلك الي المدن التي في الخارج، وعلي غرابتا ان تنصح الارامل والفقراء. اما أنت فعليك ان تقرأ ذلك في هذه المدينة على الشيوخ ومتقدمي الكنيسة ” الرؤيا الثانية 4، 3)

اما الرؤيا الثالثة والرؤيا الرابعة فهما شرح واف لكنيسة المسيح اذ تفسر له المرأة دور كل من اعضائها، من الرسل والاساقفة والمعلمين والشمامسة والرعاة، الي شعب الله والمؤمنين، الي كل الرموز التي تتميز بها الكنيسة المقدسة.

واما الرؤيا الخامسة فيقول فيها: ” بينما كنت أصلي في بيتي فوق سريري دخل رجل بهي الطلعة، له شكل راع، يلبس جلدا أبيض ويحمل فوق كتفه جرابا وفي يده عصي. فصافحني وصافحته. وجلس الي جانبي وقال لي: ارسلت من الملاك الكلي الكرامة لا سكن معك طوال ما تبقي لك من الحياة. اعتقدت اولا انه جاء ليسخر من فقلت له: من انت؟ قال لي: الا تعرفني؟ قلت: لا. قال: انا الراعي الذي أسلمت اليه. وبينما كان يتكلم تغيرت هيئته وعرفت انه الشخص الذي أوكل اليه أمري. فأضربت حالا وتملكني خوف وحطمني الالم لأني أجبته بخبث وبدون تروٍ.

فأدرك قلقي وقال فورا: لا تنزعجن بل تقو في وصاياي التي سأوصيك بها. وقال: ارسلت لأريك كل ما رأيته سابقا، اي ما هو مفيد لك. اكتب اولا وصاياي وكلماتي، اما ما تبقي فستكتبه كما اقول لك. لذلك اوصيك ان تكتب الوصايا والامثال لتكون في متناول يدك لتقرأها وتحفظها. لقد كتبت الوصايا والامثال كما أمرني. فاذا سمعتموها ولم تتوبوا بل تزدادون غيا فأنكم تنالون من الرب عكس ما وعدكم به. هذا ما أمرني ملاك الرحمة ان اكتبه ” (الرؤيا الخامسة 1 _ 8)

هذه الرؤي الخمس اذن هي التي تكشف لنا عن شخصية هرماس وعن تسميته كتابه ” الراعي ” اذ ان كل ما جاء في الكتاب من توصيات وامثال هي من الراعي الذ ظهر له في الرؤيا الخامسة. وهذا ايضا ما نعرفه عن شخصه منذ ولادته وحتى مماته. فهو معاصر للبابا ” إكليمنضوس “، ورغم ان بعض المؤرخين يعتبرونه من حقبة لاحقة، ولقد أراد ان يكون كتابه تعليميا وتوجيهيا في مرحلة من اهم مراحل الكنيسة حيث كان الايمان بحاجة الي شهادة معاشة والى حث لاعتناق المبادئ الاساسية للمسيحية.

اذن كتاب ” الراعي ” لمؤلفه هرماس، قد كان له التأثير الكبير في القرون الاولي للكنيسة. فالقديس ” ايريناوس ” يبدأ كلامه عنه بهذه الجملة ” حسنا تقول الكتب ” عندما يستشهد بأحد مقاطعه (ضد الهرطقات، 4، 20، 2) والقديس ” كليمنضس الاسكندري ” يعتبره لا كتابا موحي به (ستروماتيس 1، 17، 29، 2، 1، 9، 12، 13، 6، 15). ولكن القديسين لم يؤكدا على ان هرماس كان معاصرا للبابا ” إكليمنضوس ” وللرسل. بينما ” أوريجينوس ” الذي كان يؤكد على ان الكتاب موحي به، كان يعتبره من تأليف هرماس الذي يذكره القديس بولس في رسالته الي الرومانيين. ولكن جميع الاباء.

رغم كون البعض منهم رفض طابع الوحي في كتاب ” الراعي ” فان جميعهم أجمعوا على انه كتاب ضروري نظرا لتعاليمه وتوجيهاته وقيمته الاخلاقية. وفي برداية القرن الرابع نري المؤرخ ” أوسابيوس القيصري ” يؤكد على ان الكتاب كان يقرأ في جميع الكنائس، خصوصا ككتاب تعليمي للذين يهيئون نفوسهم للعماد. كذلك القديس ” أثناسيوس “الذي ينفي عنه طابع الوحي، يفرض قراءته على الموعظين ويقول: ” انني مجبر على التأكيد ان هناك كتبا لا يمكننا ان نصنفها كتب وحي، ولكن يجب ان تقرأ على الذين يريدون تعلم أسس الايمان ” (قانون مجمع نيقيا، 18). ثم يعدد هذا الكتب ومنها كتاب ” الراعي ” لهرما س، رغم أنه استند اليه ليدحض اراء الاريوسيين الذين استعملوه لماربهم الخاصة. وهكذا، جميع الاباء اليونان، على مثال من ذكرنا، فرضوا قراءته في كنائسهم نظر للإفادة الكبيرة التي كان الموعوظون يحصلون عليها من مجرد قراءته.

واما الاباء اللاتين فلم يكونوا على الحماس نفسه الذي كان عليه الاباء اليونان. فكاتب قانون ” موراتوري ” ( Muratori) سنة 200 م، يخبرنا ان كاتب ” الراعي ” هو هرماس أخ بابا رومية ” بيوس ” الذي بقي بابا من سنة 140 _ 155 م (Pastorem … Hermas conscripsit sedente in cathedra Urbis Ecclesiae pio episcopo frater ejus)

وينفي عنه صفة الوحي. كذلك ” ترتليانوس “، الذي اعطاه صفة الوحي يوم كان كاثوليكيا، نفاه عنه يوم أصبح ” مونتانيًا ” واعتبره كتابا محرفا لأنه كان يوافق على مغفرة الخطايا للزناة، خصوصا وان البابا ” زفيرينوس ” (Zephirin) قد استند عليه (على كتاب الراعي) ليقبل بعودة الزناة وتوبتهم. وكثيرون اعتقدوا ان اعلان الاحتفال بعيد الفصح نهار الاحد يعود الي ما ورد على لسان الملاك الذي ظهر لهرماس، وهذا ما نقرأه في ” كتاب السيامات والطقوس الرومانية “:

(Sub hujus episcopatum , Hermis librum scripsit , in quo mandatum continent quod ei praecepit angelus Domini , cum venit ad eum in habitu pastoris , et praecpit ut pascha die dominico celebraetur).

ولكن، في الواقع، فان كتاب ” الراعي ” لا يذكر شيئا عن الاحتفال بعيد الفصح، وان عادة هذا الاحتفال كانت متبعة قبل البابا ” بيوس ” كما يذكر ذلك القديس ” ايريناوس ” و ” أوسابيوس القيصري ” في ” التاريخ الكنسي “، 5، 24. والقديس ” إيرونيموس “، بعد ان يذكر بما قاله ” أوريجينوس ” و ” أوسابيوس القيصري ” يؤكد على ان كتاب ” الراعي ” كان، الي حد ما، غير معروف عند الاباء اللاتين (الرجال العظام 10)، ثم يتهم هرماس بالجنون عندما يتكلم عن الملاك. وباختصار فان الاباء اللاتين كانوا منقسمين حول الكتاب. فمنهم من اعتبره كتاب وحي، ومنهم من نفي عنه الصفة. ولكن، دون شك، بقي الكتاب مرجعا روحيا طوال القرون الاولي للكنيسة، وحتى لغاية اليوم يصنف بين الكتب التي يجب ان يعود اليها كل مؤمن نظرا لما فيه من تعاليم وتوجيهات روحية تساعد على العودة الي الذات والتعبد لله والامتناع عن المحرمات التي تعيق خلاص الانسان.

وابتداء من القرن السادس عشر ولغاية القرن الثامن عشر بقي المؤرخون والنقاد على موقفهم واعتبروا ان هرماس كان معاصرا للرسل، وان كتابه ” الراعي ” قد وضع قبل تدمير هيكل اورشليم من الرومان او حوالي سنة 92 م. ولكن، عند اكتشاف بعض مقاطع من قانون ” موراتوري ” سنة 1740 م، فلقد تم الراي على ان هرماس عاش في القرن الثاني. وهذا الراي هو السائد لغاية اليوم بالإجماع.

وبهذا المعني يقول اللاهوتي ” باردنهيفر ” (Bardenhewer): ” ان كتاب الراعي يتناول مشكلة غفران الخطايا الكبرى (الجسيمة) ويشدد على ذلك بطريقة توضح لنا ان هرماس كان على اطلاع على الخطر الذي بشرت به البدعة المونتانية. وفي الواقع، فان الغنوصيين كانوا اذن الاعداء في نظره، وهذا ما يؤكد على قوله في كتابه (باردنهيفر: الاباء الرسوليون، باريس 1899، الجزء الاول، ص 91).

اذن، هرماس عاش وكتب في زمن كانت فيه الكنيسة تعيش ايام هدوء وسكينة، وذلك يعني في فترة حكم الامبراطور ” انطونيوس بيوس ” (Antonin le pieux)، ما بين سنة 138 و 161 مسيحية. من هنا ابتداء الفتور الروحي عند كثيرين من المؤمنين، الامر الذي دفعه لكتابة ” الراعي ” حيث يذكر ذلك في الرؤيا الثانية، العدد 2، 3. وفي الواقع فان عاصفة قد هزت المؤمنين قبل فترة الهدوء، والكنيسة وجدت في حالة من الاضراب النفسي والتساهل الاخلاقي، الامر الذي دفع بالمسؤولين للتشديد على العودة الي روح الاصول والي تعليم المسيح والرسل.

واذ كان هرماس قد ذكر البابا ” إكليمنضوس ” في كتابه، فهل يعني ذلك ان النقاد والمؤرخين الذين اعتبروا ظهوره في النصف الثاني من القرن الثاني كانوا على خطا؟ بالطبع لا. فان التلميح الي ذلك ليس سوي من قبيل الحث والتذكير. وإذا سلمنا جدلا بهذا الخطأ التاريخي، فالمهم في الامر ما جاء في الكتاب، والذي كان للكنيسة مثالا حيا وارشادا في وقته. وحتى من الناحية الرمزية، فان هرماس وعائلته يمثلون جروح الكنيسة، وهم مدعون الي التوبة. اما الشكل الرؤيوي الذي يعطيه لكتابه فقد ميزه أكثر حيث انه أثر بالمؤمنين جدا واعاد الخطاة منهم الي حضن الكنيسة. وبهذا المعني يقول المونسنيور ” فريبل ” (freppel): ” انني اميل الي الاعتقاد باننا في حضرة كتاب تعليمي، او ثلاثية اخلاقية، بشكل رؤيوي، دون التأكيد على صورة الوحي حصرا، وهو كناية عن سلسلة تأملات تصل الارض بالسماء ” (فربيل: الاباء الرسوليون، الطبعة الرابعة، باريس 1885، ص 269).

من جهة ثانية، فإننا نري هرماس يلمح في كتابه الي محبة الغني ويرفضها، وهذا امر امر يؤكد ايضا على ان الكنيسة كانت في فترة ازدهار وفي فترة راحة من الاضهاد. والبعض من المسيحيين الذين نجوا من الاضهاد قد صودرت أملاكهم وبيوتهم. حتى هرماس نفسه قد شكاه أبناؤه، ونشعر أنه كان فقد كل شئ يوم كانت أول رؤيا، وهو في عمر سبعين سنة، أعني أيام البابا ” بيوس ” والامبراطور ” انطونيوس بيوس “.

اذن كان يكتب في زمن كانت الغنوصية قد ابتدأت تعمل في الكنيسة دون ان تشكل خطرا كبيرا عليها. فهو، وهمه الاساسي ان يحارب تراخي المسيحيين دون التلميح الي خطر الاخطاء العقائدية، لم يكن يشعر بان الغنوصية كانت تشكل انئذ خطرا كبيرا. همه اذن تشديد الايمان والعودة الي حضن الكنيسة بالالتزام الكامل بتعليم المسيح والرسل. والمقطع الوحيد الذي يلمح فيه الي هذا الخطر هو ما ورد في الرؤيا الخامسة.

العدد السابع: ” قلت: اريد ان اعرف يا سيدي نتائج الغضب حتى اتحاشي هذا الهوي. قال: اذا لم تحترس منه انت واهل بيتك فانك خاسر لا شك كل املك. احترس منه وانا معك ومع الذين تابوا توبة قلبية والملاك الشريف يبررهم جميعا “. وهذا يعني ان الغنوصية لم تكن قد استفحلت، وان معتنقيها لم يكونوا قد خرجوا على تعليم الكنيسة بعد. واما في المقطع الثاني من الرؤيا التاسعة فهو واضح جدا، حيث يقول: ” لا تفكر هكذا بل عد الي الله واطلب منه بقلبك وفكرك ولا تتردد فتري انه لن يتركك برحمته وستعرف مدي هذه الرحمة وبين الذي اخطأوا كثيرون عادوا عن خطئهم وتابوا والتزموا بتعليم الكنيسة. فالتوبة ، في نظره، هي الوسيلة الوحيدة للخلاص، وهذا ما دفع بالمونتانيين لرفضه لانهم رفضوا التوبة.

تبقي نقطة اخيرة في هذا السياق وهي ان البعض اعتبر هرماس مونتانيين. فهل هذا صحيح؟ بالطبع لا، رغم ان بعض نقاط من تعاليمه تتلاقي والتعليم المونتاني. فالكنيسة، في نظره، هي كنيسة القديسين فيها الابرار والصدقين، وفيها الخطاة ايضا. وبينما المونتانيون يرفضون غفران الخطايا الجسيمة، فان هرماس يؤكد على هذا الغفران ولو لمرة واحدة بعد العماد. من هنا دحض اراء الذين اعتبروه مونتانين لان المونتانيين يرفضون غفران هذه الخطايا الجسيمة. كذلك بالنسبة الي الزواج، فهرماس يمتدح الزوج الذي يغفر لأمرأته الزانية إذا تابت وغفر لها. وكذلك يوافق على الزواج الثاني بعد موت أحد الزوجيين، الامر الذي يرفضه المونتانيون.

وباختصار، فإننا نجد ان التزمت المونتاني ليس موجود عند هرماس، بل تعليم الكنيسة الصافية والرحوم الذي يساعد على خلاص النفس دون الوقوع في مزايدات لا مبرر. لها وكل ما في الامر هو ان مؤلف ” الراعي ” كان من المسيحيين الذين التزموا شريعة المسيح وكنيسته وجهروا بها في زمن كانت المسيحية فيه تنعم بقليل من الراحة، وكان الفتور الروحي ابتدأ يؤثر على ضعاف النفوس الذين لم يتقيدوا كليا بالبشارة الجديدة. الي ذلك يبقي ايضا هرماس وجها نبويا في مرحلة من اهم مراحل تطور المسيحية في العالم وانتشارها في الامبراطورية الرومانية المترامية الاطراف.

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

Exit mobile version