قانون الإيمان النيقاوي – دليلك من العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين – فريق يسوع عبر التاريخ

قانون الإيمان النيقاوي – دليلك من العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين – فريق يسوع عبر التاريخ

قانون الإيمان النيقاوي – دليلك من العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين – فريق يسوع عبر التاريخ

قانون الإيمان النيقاوي – دليلك من العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين – فريق يسوع عبر التاريخ

تحميل الكتاب بصيغة PDF

من هم الآباء الرسوليون ولماذا دعوا بهذا الإسم؟

من هم الآباء الرسوليون ولماذا دعوا بهذا الإسم؟

الآباء الرسوليون تلاميذ الرسل وخلفاؤهم وإيمانهم بلاهوت المسيح

من هم الآباء الرسوليون ولماذا دعوا بهذا الإسم؟

ج 72 –

الآباء الرسوليون هم الآباء الذين خلفوا الرسل مباشرة وعاشوا في القرنين الأول والثاني. وقد لعبوا دوراً هاماً جداً في الدفاع عن الكنيسة والإيمان ضد الهرطقات والبدع والعقائد الغريبة عن الإيمان المسيحي والتي كانت منتشرة أو مزدهرة في هذين القرنين. من هذه العقائد الفلسفة الغنوصية (المعرفية أو العرفانية)، والأفلاطونية وسواهما.

وأهمية الآباء الرسوليين في أنهم خلفوا الرسل مباشرة فكانوا مرحلة مهمة في تاريخ الكنيسة المسيحية حيث تطور فيها اللاهوت والعقائد والحياة الروحية والليتورجية والإدارية. من هؤلاء الآباء القديسون: كلمندس أسقف روما، إغناطيوس الأنطاكي، هرماس، بوليكاريوس وبابياس، وإيريناوس أسقف ليون. كتابات هؤلاء الآباء تسلط الضوء على تطور حياة الكنيسة وإدارتها في الفترة التالية لفترة كتابة العهد الجديد[1]. (د. عدنان طرابلسي).

[1] راجع كتاب المثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع “الآباء الرسوليون”، منشورات النور 1970.

من هم الآباء الرسوليون ولماذا دعوا بهذا الإسم؟

إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

إغناطيوس هو الأسقف الثاني على إنطاكية، وهو رجل ذو شخصية فريدة حُكم عليه في عهد تراجان (98-117م) بأن يقدم للوحوش المفترسة، فتم ترحيله من سوريا إلى روما لكي يستشهد هناك. وفي طريقه إلى المدينة الخالدة، كتب القديس إغناطيوس سبع رسائل هي الذكرى الوحيدة الباقية لنا عن الآلام الشديدة التي جازها.

كُتبت خمس من هذه الرسائل إلى الجماعات المسيحية في مدن أفسس ومغنسيا وتراليا وفيلادليفيا وسميرنا (أزمير)، وهي المدن التي كانت قد أرسلت مندوبين عنها لتحيته عندما كان في طريقه إلى روما. وهناك أيضاً رسالة أخرى موجهة إلى الأسقف بوليكاريوس أسقف سميرنا، أما أهم تلك الرسائل جميعاً فيه تلك الموجهة إلى الجماعة المسيحية في المدينة التي كان يقصدها، مدينة روما.

والرسائل التي قُصد توجيهها إلى أفسس ومغنسيا وتراليا، تم تدوينها في مدينة سميرنا، وهو يشكر فيها الجماعات المسيحية في تلك المدن على ما أظهروه ببراهين كثيرة من شفقة عليه بسبب ما هو مزمع أن يواجهه، ثم يحثهم على طاعة الرؤساء الكنسيين ويحذرهم من التعاليم الغريبة التي للهراطقة.

ومن نفس المدينة، أرسل إغناطيوس تحياته الحارة إلى أعضاء كنيسة روما، راجياً إياهم ألا يتخذوا أي خطوة تحول دون تحقيق رغبته الشديدة، وهي أن يموت من أجل المسيح، لأن الموت بالنسبة له ما كان إلا بداية الحياة الحقيقية: “كم هو مجيد أن أكون شمساً تغرب عن العالم نحو الرب حتى أشرق في حضوره” (رومية 2: 2). “أخاف أن يضرني حبكم، لأني لن أجد فرصة أخرى لملاقاة الرب. فأنا حنطة الرب ويجب أن أطحن بأسنان الوحوش الضارية حتى أصير خبزاً نقياً للمسيح” (رومية 1: 2، 2: 1، 4: 1).

أما رسائل إغناطيوس إلى شركائه في الإيمان في كل من فيلادليفيا وسميرنا، بالإضافة إلى رسالته لبوليكاريوس، فأرسلت من تراوس، لأنه كان قد نما إلى علم إغناطيوس، عندما كان هناك، أن الاضطهاد قد توقف في إنطاكية، ومن ثم أرسل إلى المسيحيين في فيلادليفيا، وسميرنا، وأيضاً إلى أسقف سميرنا “بوليكاريوس” ليحثهم على أن يرسلوا رُسلاً إلى أنطاكية لتهنئة الإخوة هناك.

وتُشبه هذه الرسائل بشدة تلك التي كان إغناطيوس قد أرسلها من سميرنا، وذلك من حيص الموضوعات التي تتناولها، فهي تحمل رجاءً حاراً من أجل وحدة الإيمان ووحدة الذبيحة، وتحث قراءها على الارتباط الوثيق بالأسقف المعين لرعايتهم. أما الرسالة إلى بوليكاريوس فتتضمن، إضافة إلى ما سبق، تعليمات خاصة بخدمة الأسقف؛ فهو يسدي إليه بعض النصائح مثل: “قف ثابتاً مثل السنديان تحت المطرقة، الرياضي العظيم هو الذي يتلقى الضربات ولكنه يغلب” (بوليكاريوس 3: 1).

وتلقي هذه الرسائل بالضوء على الحالة الداخلية للجماعات المسيحية المبكرة، وهي أيضاً تعطينا لمحة عما يدور في قلب هذا الأسقف الشهيد العظيم، وترسل نحونا نسمة من الغيرة الروحية، تلك التي تمتلك كياننا وتُشعل في قلوبنا نارها. ولغة إغناطيوس روحية وشديدة الأصالة، تبعد عن الزخارف الكلامية والتكلف الأدبي وروحه تحمل غيرة لا تضاهى وحماسة تحلق في مستوى يعلو أساليب التعبير المعتادة وتتخطاه. وأخيراً، فإن تلك الرسائل ذات أهمية تفوق الوصف في تاريخ العقيدة.

التعاليم اللاهوتية عند القديس إغناطيوس

  1. إن عقيدة “التدبير الإلهي في الكون” هو محور التعاليم اللاهوتية عند إغناطيوس. فلقد أراد الله أن يخلص العالم والبشرية من طغيان رئيس هذا العالم، لذا أعد البشرية للخلاص في اليهودية، مستخدماً الأنبياء كأداة؛ الذين قد تحقق لهم كل ما كانوا ينتظرونه في المسيح: “يسوع المسيح هو معلمنا الوحيد. إنه هو الذي تتلمذ له الأنبياء في الروح، وهو الذي كانوا ينتظرونه كمعلم لهم. (مغنسيا 9: 1-2).
  2. التعاليم الخريستولوجية عند إغناطيوس واضحة جداً، سواء فيما يختص بلاهوت المسيح أو ناسوته: “هناك طبيب واحد، جسدي وروحي، مولود وغير مولود الله قد صار إنساناً، وحياة حقيقة في الموت نبعت من العذراء ومن الله تألم قبلاً، وهو الآن عصيّ عن الألم، يسوع المسيح ربنا” (أفسس 7: 2). ويقول أيضاً: “إنه بالحقيقة من نسل داود حسب الجسد وابن الله بمشيئة الله[1] وقوته؛ ولد حقاً من عذراء، واعتمد من يوحنا لكي يكمل كل بر” (سميرنا 1: 1).

والمسيح لا زمان له وغير منظور . “ترجى ذاك الذي لا زمان له، غير المنظور الذي لأجلنا صار منظوراً، غير المتألم الذي صار معرضاً للألم إكراماً لنا، الذي لأجلنا احتمل كل شيء” (بوليكاريوس 3: 2).

وفي الوقت نفسه هاجم إغناطيوس البدعة المعروفة باسم “الدوستية”[2] (الخيالية) التي أنكرت طبيعة المسيح البشرية، خاصة فيما يتعلق بآلامه: “لكن إن قال أحد، مثل بعض الملحدين غير المؤمنين، إن آلامه كانت خيالية (وهم الخياليون حقاً) فلماذا أنا إذاً في سلاسل؟ لماذا أصلي حتى أصارع الوحوش؟ سأموت إذاً عبثاً! ستكون شهادتي، في آخر الأمر، مجرد كذبة عن الرب! تجنبوا هذه الأغصان البرية التي لا تحمل سوى ثمر مميت، تلك التي إن ذاقها أحد يحكم عليه بالموت الكلي” (تراليا 1: 10، 11).

“إنهم يجتنبون الصلاة والاشتراك في الإفخارستيا، لأنهم لا يعترفون بأن الإفخارستيا هي جسد مخلصنا يسوع المسيح، الجسد الذي تألم من أجل خطايانا، والذي أقامه الآب من الأموات برأفات محبته. وهكذا يهلك هؤلاء الذين في مجادلاتهم يشككون في عطية الله. الأفضل لهم أن يقتنوا المحبة حتى يكون لهم نصيب في القيامة. إذاً، من الأفضل أن نتجنب مثل هؤلاء القوم ولا نتحدث عنهم سواء سراً أو علانية، ولندرس كتابات الأنبياء جيداً، خاصة الأناجيل تلك التي نرى فيها الآلام واضحة والقيامة ظاهرة بكمالها”. (سميرنا 7).

وبعد أخذ كل ما يلزم في الاعتبار، يمكننا أن نقول إن الأساس الذي قامت عليه التعاليم الخرستولوجية للقديس إغناطيوس هو التعاليم اللاهوتية عند القديس بولس، لكنها تأثرت أيضاً بتعاليم القديس يوحنا اللاهوتي الذي أثراها.

  1. سُميت الكنيسة في رسائل القديس إغناطيوس بـ “مكان الذبيحة” (أفسس 5: 2؛ تراليا 7: 2؛ فيلادلفيا 4) ويبدو أن مفهوم الإفخارستيا باعتبارها الذبيحة التي تقدمها الكنيسة هو سبب هذه التسمية، خاصة وأن الإفخارستيا قد سُميت في الديداخي “الذبيحة”. ولقد دعا إغناطيوس الإفخارستيا “دواء الخلود، وترياق عدم الموت، والحياة الأبدية في المسيح” (أفسس 20: 2)، وهو ينصح قائلاً: “إذاً، احرصوا على الاشتراك في إفخارستيا واحدة؛ لأن جسد ربنا يسوع المسيح واحد، وواحد هو الكأس الذي وحدنا بدمه، كما أن هناك أسقفاً يساعده القساوسة والشمامسة شركائي في الخدمة”. (فيلبي 4).

كما أن الاقتباس التالي واضح بما لا يدع مجلاً للخطأ في فهم المعنى المقصود: “الإفخارستيا هي جسد مخلصنا يسوع المسيح، الجسد الذي تألم لأجل خطايانا، والذي أقامه الآب من الأموات برأفات محبته”. (سميرنا 7: 1).

  1. كان إغناطيوس هو أول من استخدم مصطلح “الكنيسة الجامعة[3]” (سميرنا 8: 2) ويعني به المؤمنين كلهم بشكل جماعي: “حيث يظهر الأسقف هناك تجتمع الرعية، تماماً كما أنه حيث يكون يسوع المسيح هناك تكون الكنيسة الجامعة” (سميرنا 8: 2).
  2. وندرك من رسائل إغناطيوس الصورة الحية لكرامة الرئاسات الكهنوتية والمكانة الممنوحة للأسقف في وسط رعيته. ولا يذكر القديس إغناطيوس أي شيء عن الأنبياء الذين كانوا لا يزالون ينتقلون من كنيسة إلى أخرى مدفوعين من الروح القدس كما وصفوا في الديداخي، بل كان هناك أساقفة ذوو سلطة يرعون جماعات. ونحن لا نرى في الصورة سوى الأسقف الذي يحيط به كهنته وشمامسته. ويترأس الأسقف كممثل لله، ويشكل الكهنة مجمع الرسل، ويقوم الشمامسة بخدمات المسيح: “إني أنصحكم بأن تجتهدوا لتفعلوا كل شيء في اتفاق إلهي، برئاسة الأسقف القائم مقام الله، والكهنة يعملون كمجمع الرسل، أما الشمامسة – وهو الأقرب إلى قلبي – فمؤتمنون على خدمة يسوع المسيح” (مغنيسيا 6: 1).

إن الفكرة القائلة بأن الأسقف يمثل حضور المسيح تكسب وظيفته كرامة وسمواً غير عادي حتى أن سلطان الأسقف صغير السن يصبح أمرً لا يمكن التشكيك فيه: “ولكن بالنسبة لكم أيضاً، يجب ألا تستغلوا له كل احترام لكونه يمثل سلطة الله الآب، وقد عرفت أن قساوستكم يفعلون هذا عينه، إنهم لا يطلبون أن يربحوا شيئاً من وراء حداثة سنه؛ لا، بل إنهم حكماء في الله ولهذا يخضعون له، أو بالأحرى ليس له، بل لأبي ربنا يسوع المسيح، أسقف البشر جميعهم.” (مغنيسيا 3: 1).

  1. والأسقف – قبل كل شيء – هو معلم المؤمنين والمسؤول عنهم، ومعنى أن يكون المسيحي في شركة معه هو أن يكون محصناً ضد الخطأ والهرطقة (تراليا 6؛ فيلادلفيا 3)، وذلك لأن الأسقف دائماً ما يحض رعيته على السلام والوحدة اللذين لا يمكن الوصول إليهما إلا بالتضامن مع الرئاسة الدينية: “لذلك يجب أن تعملوا في اتفاق مع فكر الأسقف؛ وهذا هو ما تفعلونه. وبكل تأكيد ينطبق هذا الكلام على جماعة قساوستكم، هؤلاء الجديرون باسم القسوسية والجديرون بالله، لأنهم متناغمون مع الأسقف تماماً كتناغم الأوتار مع القيثارة، ولهذا السبب تنطبق من سيمفونية تناغمكم ومحبتكم ترانيم التسبيح ليسوع المسيح. لكن، ينبغي عليكم – أيها العلمانيون – أن تشكلوا أنتم أيضاً جوقة تسبيح، وذلك حتى إنه بانضمامكم إلى تلك السيمفونية بتناغمكم معاً، وحصولكم على مفتاح موسيقاكم من الله باتحادكم، يمكن لكم في صوت واحد من خلال يسوع المسيح أن ترنموا للآب، وهكذا سيسمعكم وسيميز فيكم ألحان ابنه بسبب صلاح حياتكم. لذلك، يجب عليكم أن تستمروا في وحدتكم التي لا عيب فيها، حتى يكون لكم في كل وقت نصيب في الله” (أفسس 4، ACW).
  2. والأسقف – بحسب إغناطيوس – هو أيضاً رئيس الكهنة المسؤول عن إقامة الليتورجيا وهو موزع أسرار الله، فلا يمكن أن يُحتفل بالمعمودية أو مائدة الأغابي أو الإفخارستيا بدونه: “ليس مسموحاً بدون إذن الأسقف أن تتم معمودية أو تقام مائدة أغابي؛ لكن الأمر الذي يقره الأسقف، مهما يكن، هو مقبول من الله، وهكذا يكون كل شيء تفعلونه محصناً من الأخطار وشرعياً”. (سميرنا 8: 2). “لا يصنع أحد شيئاً متعلقاً بالكنيسة بعيداً عن الأسقف. ولنعتبر الاحتفال الإفخارستي الذي يقيمه الأسقف أو من ينوب عنه هو وحده الشرعي”. (سميرنا 8: 1).

وبالمثل، يجب أن تُبرم عقود الزواج أمامه: “بالنسبة لهؤلاء الذين من الجنسين ويفكرون في الزواج، سيكون من اللائق أن يدخلا في هذا الاتحاد بمباركة الأسقف؛ وهكذا يكون زواجهم مقبولاً أمام الرب وليس إشباعاً لشهوة ما”. (بوليكاريوس 5: 2).

  1. إن شرح القديس إغناطيوس للزواج والبتولية يُظهر تأثير القديس بولس عليه، فالزواج عنده يمثل الاتحاد بين المسيح وعروسه الكنيسة: “أخبر أخواتي أن يحببن الرب وأن يكتفين بأزواجهن جسدياً وروحياً. وبالمثل، أنصح إخوتي في اسم يسوع المسيح أن يحبوا زوجاتهم مثلما أحب الرب الكنيسة” (بوليكاريوس 5: 1).

ولكنه أيضاً ينصح بالبتولية: “إذا كان إنسان يستطيع أن يظل بتولاً لإكرام جسد الرب، فليهرب دائماً من التفاخر.” (بوليكاريوس 5: 2).

  1. حينما يقارن المرء افتتاحيات الرسائل الموجهة إلى الجماعات المسيحية في آسيا الصغرى مع التحيات التي وجهها إغناطيوس إلى كنيسة روما، لن يبادره أي شك في كون إغناطيوس يضع كنيسة روما في مكانة أعلى من الكنائس الأخرى، ولا يمكن أن نكون قد بالغنا في فهم دلالة هذه التحيات؛ فهي بمثابة أقدم اعتراف بأولوية كنيسة روما نملكه بقلم كاتب كنسي غير روماني[4]: “من إغناطيوس المدعو أيضاً حامل الله إلى الكنيسة التي وجدت رحمة في العظمة الفائقة التي لله الآب العلي، وفي يسوع المسيح ابنه الوحيد؛ الكنيسة التي بإرادته – ذاك الذي بإرادته صار كل شيء – صار محبوبة ومستنيرة بإيمان ومحبة يسوع المسيح إلهنا؛ المترئسة أيضاً في عاصمة بلاد الرومان، تلك اللائقة بالله، واللائق بها الفخر، واللائق بها الحبور، واللائق بها المديح، واللائق بها القداسة، والمترئسة في المحبة، والحافظة لشريعة المسيح، والحاملة لاسم الآب، أحييها باسم يسوع المسيح ابن الآب. وأتمنى الفرح الذي لا ينقطع في يسوع المسيح إلهنا لهؤلاء الذين هم متحدون في الجسد والروح بكل وصاياه الذين برباطة جأش يتمتعون بملء نعمة الله، هؤلاء الأنقياء من كل صبغة غريبة” (ACW) ومن ضمن ألقاب المديح التي أسبغها إغناطيوس الأنطاكي على كنيسة روما لقب محدد استرعى انتباه الدارسين، وهو “المترئسة في المحبة” ، لكنهم منقسمون جداً حول ما يعنيه هذا اللقب، فقد رأي أ. هارناك (A. Harnack) في هذه العبارة مجرد اعتراف يحمل عرفاناً بالجميل بسبب المحبة الفائقة التي كان المسيحيون الرومانيون يُظهرونها. فوفقاً لرأيه، لُقبت كنيسة روما بلقب “المترئسة في المحبة” لأنها كانت أكثر الكنائس إحساناً وكرماً واستعداداً لتقديم يد العون، ولهذا السبب صارت حامية وراعية المحبة. غير أنه لا يمكن للمرء أن يتجاهل حقيقة كون اللقب قد جاء ذكره في التحيات مرتين بدون أي تغير واضح في المعنى، وقد ذكره إغناطيوس في المرة الأولى على النحو التالي: “المترئسة أيضاً في عاصمة بلاد الرومان” ، وهنا تصبح فكرة الرئاسة الكنسية لا مفر منها[5]، ويصبح تفسير هارناك غير قابل للتطبيق. أما الدليل على هذا هو أن العبارة الاصطلاحية اليونانية نفسها المستخدمة هنا لم تستخدم في أي مكان آخر في رسائل إغناطيوس إلا في (مغنيسيا 6: 1، 2)، وهي تشير، بلا أدنى خطأ من جانبنا، إلى ممارسة الأسقف والقساوسة والشمامسة لوظيفة الإشراف. كما أن هناك مشكلة أصعب فيما يتعلق بالمعنى المقصود من كلمة “المحبة” ، فمن يقرأ رسائل إغناطيوس سرعان ما سيدرك أن كلمة مُستخدمة فيها بعدة معاني. ولقد قدم (F. X. Funk) حلاً اعتمد فيه على حقيقة كون إغناطيوس قد قام في أحيان عدة (مثلاً في: فيلادلفيا 11: 2؛ سميرنا 12: 1؛ تراليا 13: 1؛ رومية 9: 3) بجعل المصطلح “المحبة” مرادفاً للكنائس التي وجه إليها رسائله، ولكنه قام بتغير العبارة في الرسالة إلى كنيسة روما إلى: “مترئسة على رباط المحبة” بحيث تكون عبارة “رباط المحبة” مجرد طريقة أخرى لقول “الكنيسة الجامعة”. ولكن الأبحاث اللاحقة التي قام بها كل من (J. Thiele) و(A. Ehrhard) أثبتت أنه من المستبعد أن تكون هذه هي الترجمة الصحيحة وذلك مع أخذ سياق واتجاه فكر إغناطيوس في الاعتبار. أضف إلى ذلك أن الترجمات اللاتينية القديمة، والسريانية، والأرمنية لرسائل إغناطيوس لا تدعم مثل هذه الصياغة. أما الاقتراح الذي قدمه (J. Thiele) فهو الأكثر أقناعاً، وهو يقوم على إعطاء الكلمة المذكورة في هذه الفقرة معنى أوسع وأعمق، وفهم كلمة “المحبة” باعتبارها تعني كلية الحياة الخارقة للعادة التي يضرمها المسيح في قلوبنا بحبه، وهكذا يكون إغناطيوس قد عزا إلى كنيسة روما – بالعبارة القائلة: “المترئسة في المحبة” – السلطة ليكون لها دور الإرشاد والقيادة في هذا الأمر الذي يشكل جوهر المسيحية، وكذلك في النظام الجديد الذي أدخلته إلى العالم محبة المسيح الإلهية للبشر. لكن، وبعيداً عن تلك المشكلة الممثلة في هذا المُصطلح الصعب، تُظهر رسالة إغناطيوس إلى كنيسة روما في مُجملها – متخطية أي اعتراضات – أن إغناطيوس قد اعترف بالمكانة المُشرفة الممنوحة لكنيسة روما باعتباره أمراً تستحقه، وأن هذه المكانة المُشرفة ليس مؤسسة على مدى ما يتركه إحسانها من تأثير، بل على كونها حقاً أصيلاً أن تكون لها الأولية في الكنيسة الجامعة، وهذا ما تؤكده هذه العبارة الواردة في التحيات التي تقول: “المترئسة أيضاً في عاصمة بلاد الرومان”؛ وأيضاً عبارة “بل علمتم الآخرين” (روما 3: 1)؛ ومرة ثالثة بالطلب الذي قدمه إغناطيوس الأنطاكي لأعضاء كنيسة روما في رسالته إليهم بأن يقفوا إلى جانب كنيسة سوريا كما كان للمسيح أن يفعل وكما يجدر بالأسقف أن يعمل: “اذكروا في صلواتكم الكنيسة في سوريا تلك التي ليس لها إلا الله ليرعاها بدلاً مني. فلن يكون لها أسقف سوى يسوع المسيح ومحبتكم” (فصل 9: 1) وأيضاً من الأمور ذات المغزى، هو أن إغناطيوس بالرغم من أنه في كل رسائله يحض المؤمنين على الوحدة والتناغم إلا أنه لا يفعل ذلك في رسالته إلى كنيسة روما، وذلك لأن سلطانها ممنوح لها من مقدمي الرسولين بطرس وبولس: “إني لا آمركم كبطرس وبولس؛ إنهما رسولان أما أنا فمدان” (روما 4: 3). وهذه الشهادة أيضاً تجعل من إغناطيوس شاهداً مهماً على إقامة بطرس وبولس المؤقتة في روما.

المنهج السرائري (المستيكي) للقديس إغناطيوس

ومثلما تجمع التعاليم الخريستولوجية للقديس إغناطيوس بين التعليم اللاهوتي للقديس بولس والتعليم اللاهوتي للقديس يوحنا، هكذا أيضاً تأثر مذهبه المستيكي بكليهما، فهو يربط بين تعليم بولس عن الاتحاد بالمسيح وتعليم القديس يوحنا عن الحياة في المسيح. وهنا تظهر فكرة القديس إغناطيوس المحببة لديه وهي فكرة “الاقتداء بالمسيح”.

1 – الاقتداء بالمسيح

ربما لم يتحدث كاتب في العصور المسيحية المبكرة عن “الاقتداء بالمسيح” بمثل هذه الفصاحة التي تحدث بها القديس إغناطيوس. فإذا أردنا أن نحيا حياة في المسيح وفي الله لا بد أن نتبنى المبادئ والفضائل التي لله وللمسيح: “لا يستطيع الجسداني أن يحيا حياة روحية، ولا يستطيع الروحاني أن يحيا حياة جسدانية، فلا يمكن للإيمان أن يمارس أفعال الكفر، ولا يمكن للكفر أن يأتي بأفعال الإيمان. لكن، حتى الأشياء التي تفعلونها بالجسد هي روحي، لأننا نفعل كل شيء متحدين بيسوع المسيح”. (أفسس 8: 2).

ومثلما كان المسيح يعمل ما يعمله الآب، هكذا أيضاً يجب علينا أن نقتدي بالمسيح: “افعلوا ما فعله المسيح، لأنه هو أيضاً عمل ما يفعله الآب.” (فيلبي 7: 2).

ولكن هذا الاقتداء بالمسيح لا يقتصر فقط على حفظ الناموس الأخلاقي في حياة لا تختلف قيد أنملة عما علم به المسيح، ولكنه أيضاً يتضمن بشكل خاص أن يأخذ المرء إلى نفسه آلام المسيح وموته، وهكذا يستعطف إغناطيوس مؤمني روما قائلاً: “دعوني أتمثل بإلهي المتألم” (روما 6: 3).

2 – الاستشهاد

ينبع اشتياق إغناطيوس وحماسه للاستشهاد من إدراكه للاقتداء بربه، فهو يفهم الاستشهاد باعتباره قمة الاقتداء بالمسيح؛ ومن ثم يكون التلميذ الحقيقي للمسيح هو من لديه الاستعداد أن يبذل حياته من أجله: “إني لم أكتمل بعد في يسوع المسيح، ولكني بالفعل قد بدأت الآن أن أكون تلميذاً، وإني أخاطبكم الآن كشركائي في التلمذة.” (أفسس 3: 1) “أعذروني، أنا أعرف جيداً أين تكمن مصلحتي، فأخيراً أنا في طريقي لأكون تلميذاً. أتمنى ألا يشتت انتباهي أي شيء سواء كان منظوراً أو غير منظور حتى أكمل طريقي بسعادة إلى يسوع المسيح! النار، الصليب، الصراع مع الوحوش، سحق العظام، تشويه الأطراف، سحق الجسد بالكامل، العذابات الرهيبة التي يثيرها الشيطان، لتأت كلها عليّ بشرط أن أسير في طريقي إلى يسوع المسيح. فليس لأقاصي الكون أو ممالك العالم أية أهمية عندي، فأنا أفضل أن أموت وأمضي إلى يسوع المسيح على أن أصير ملكاً على الأرض كلها. إني أطلب ذاك الذي مات من أجلنا، إني أحب ذاك الذي قام بسببنا. لقد أتت آلام المخاض عليّ. سامحوني أيها الأخوة، لا تعطلوا وصولي إلى الحياة، ولا تكونوا راغبين في موتي؛ لا تقدموا إنساناً هدية إلى العالم وهو يريد أن يكون ملكاً لله، احذروا لئلا تغروني بالماديات، واسمحوا لي أن أنال النور النقي، فبمجرد أن أصل إلى هناك سأصير إنساناً”. (رومية 5: 3-6) “لماذا إذاً أسلم نفسي للموت، للنار، للسيف، للحيوانات المفترسة؟ حسناً أن اقترب من السيف يعني أني سأكون في يد الله، ليكن هذا فقط في اسم يسوع المسيح! إني أحتمل كل شيء لأتألم معه، يمنحني القوة، ذاك الذي قد صار إنساناً” (سميرنا 4: 2).

3 – سكنى المسيح

إن تعاليم بولس الرسول عن حلول الله في النفس البشرية تُشكل أحد الموضوعات المفضلة عند القديس إغناطيوس، فإن ألوهية المسيح تسكن في نفوس المسيحيين[6] كما في هيكل: “لنفعل كل شيء ونحن مقتنعون أنه يسكن فينا، وهكذا نكون هيكله وهو إلهنا الذي فينا. هذا حق وسيظهر أمام أعيننا، لذا دعونا نحبه كما يستحق”. (أفسس 15: 3).

وكان إدراك إغناطيوس لسكنى الله في الإنسان قد امتلكه تماماً وألهمه إلى درجة أنه قد صك مصطلحات جديدة دخلت إلى ثقافة عصره، فهو يدعو المسيحيين بالألقاب التالية: “حاملو الله” ، “حاملو المسيح” ، “حاملو الهيكل” : “هكذا أنتم كلكم رفقاء لنا في رحلة السفر، حاملو الإله، وحاملو الهيكل، وحاملو المسيح.” (أفسس 9: 2) وهو يدعو نفسه “حامل الله” وهكذا كان يبدأ رسائله بالعبارة التالية: “إغناطيوس المدعو أيضاً ثيؤفورس”.

4 – الكينونة في المسيح

إن المسيح ليس فقط فينا، ولكننا نحن أيضاً واحد معه، ومن ثم يرتبط المسيحيون بعضهم بالبعض الآخر في اتحاد إلهي. وهكذا يكرر إغناطيوس مرة بعد أخرى تعبير القديس بولس “في المسيح”، فهو يرغب في أن “يوجد في المسيح”. والاتحاد بالمسيح هو الرابطة التي تجمع كل المسيحيين معاً، لذلك هو يتوسل إلى أهل أفسس أن يتمثلوا بالرب: “حتى تكونوا كاملين في النقاوة والتعقل في يسوع المسيح جسدياً وروحياً”. (أفسس 10: 3).

وقد كتب إغناطيوس في رسالته إلى مؤمني مغنسيا يقول إنه يصلي لأجل الكنائس: “إني أصلي لكي يكون فيهم الوحدة القائمة على جسد وروح يسوع المسيح الذي هو حياتنا الأبدية، وحدة الإيمان والمحبة التي ليس هناك شيء آخر أفضل منها، لكنها اتحاد بنوع خاص مع يسوع والآب”. (مغنسيا 1: 2).

ومن الأمور المميزة لإغناطيوس هو أنه يؤكد مراراً وتكراراً على أن المسيحيين يصبحون متحدين في المسيح فقط حينما يكونون متحدين مع أسقفهم بالإيمان، وبالطاعة، وعلى وجه الخصوص بالشركة في العبادة الإلهية؛ فهو لا يعرف الاستقلالية الذاتية في الحياة الروحية أو في الاتحاد السري بالمسيح، لكنه يعترف فقط باتحاد إلهي واحد مع المخلص، هذا الذي يتم من خلال العبادة الليتورجية، فالمنهج الروحي للقديس إغناطيوس ينبع من العبادة الإلهية، أي أن مركزها ليس هو الفرد الواحد بل الجماعة المؤمنة التي تعمل كجسد واحد من خلال الليتورجيا. وهذا يفسر السبب في أن مصطلحاته السرائرية التي تخلل أسلوبه الأدبي تميل إلى الرموز والعبارات التي مصدرها العبادة والليتورجيا.

أصالة الرسائل

كانت أصالة هذه الرسائل محل شك لمدة طويلة من قبل البروتستانت، فقد كانوا يرون – من وجهة نظرهم – أنه من غير المحتمل أن يجد المرء في زمن الإمبراطور تراجان نظام الأسقفيات المونارخية أي ذات الأسقف الواحد، وهذا الترتيب الواضح القاطع في تقسيم الوظائف الكهنوتية إلى أساقفة، وقسوس وشمامسة. لقد شكوا في رسائل إغناطيوس باعتبارها رسائل ملفقة كتبت لهدف معين هو خلق المنظومة الكهنوتية. ومثل هذا الادعاء ليس صحيحاً. ولكن اليوم يتفق الجميع على أصالة تلك الرسائل، وذلك بعد الدفاع البارع الذي قدمه كل من لايت فوت (J. B. Lightfoot)، وهارناك (A. V. Harnack)، وزان (Th. Zahn)، وفانك (F. X. Funk) عن أصالتها. وتقف كل من الأدلة الخارجية والداخلية في صالحها، فلدينا شهادات ترجع إلى زمن كتاباتها؛ فقد كتب القديس بوليكاريوس أسقف سميرنا – وأحد من وجهت إليهم تلك الرسائل – في رسالته إلى أهل فيلبي والتي كتبت بعد استشهاد إغناطيوس بوقت قليل: “نرسل إليكم كما طلبتم رسائل إغناطيوس التي أرسلها إلينا ورسائل أخرى موجودة عندنا، ستستفيدون منها كثيراً لأنها ستقودكم إلى الإيمان والصبر وكل ما يبني في ربنا”. (13: 2) وهذا الوصف ينطبق تماماً على الرسائل. وقد أشار كل من أوريجانوس وإيرينيوس إلى هذه الرسائل، أما يوسابيوس فقد ذكر أسماءها في ترتيبها التقليدي واعتبرها مكملة لبعضها البعض في مجموعة واحدة (Hist Eccles: 3: 36: 4 ff).

كيف وصل النص إلينا

حفظت هذه الرسائل لنا في ثلاثة نصوص:

1 – النص القصير

وهو النص الأصلي الموجود فقط باللغة اليونانية والمحفوظ في المخطوطة (Codex Mediceus lauretianus 57)، ويرجع هذا النص إلى القرن الثاني الميلادي، غير أنه تنقصه الرسالة إلى أهل رومية، لكن نصها قد وجد في المخطوطة (Codex Paris grace. No. 1457) التي ترجع إلى القرن العاشر الميلادي.

2 – النص الطويل

تم التلاعب بالمجموعة الأصلية وتحريفها في القرن الرابع الميلادي، فخرج النص الطويل من قلم كاتب معاصر لمؤلف “المراسم الرسولية”، وهو شخص لها علاقة ما بأتباع الهرطقة الأبوليناريةن[7]. وقد أضاف هذا الشخص ست رسائل مزورة إلى جانب الرسائل السبع الأصلية. ويوجد هذا النص الطويل في عدة مخطوطات يونانية ولاتينية، وقد اشتهر النص الطويل أولاً، فقد طبع باللغة اللاتينية عام 1489م ثم باللغة اليونانية عام 1557م. أما النص القصير الأصلين الخاص بكل من الرسالة إلى أهل أفسس، والرسالة إلى أهل مغنسيا، والرسالة إلى أهل تراليا، والرسالة إلى أهل فيلادلفيا، والرسالة إلى أهل سميرنا، والرسالة إلى الأسقف بوليكاريوس، فقد طبع عام 1646م، ثم طبع نص الرسالة إلى أهل روما عام 1689م، ومنذ ذلك الحين صارت هناك قناعة بأن النص الطويل مزيف.

3 – المختصر السرياني

نشر W. Cureton عام 1845م نصاً سريانياً لمجموعة مكونة من الرسالة إلى أهل أفسس، والرسالة إلى أهل روما، والرسالة إلى بوليكاريوس. ولقد اعتبر المحرر هذا المختصر السرياني هو النص الأصلي، غير أن لايت فوت (Lightfoot) وآخرين أثبتوا أن هذا النص ما هو إلا مختصر سرياني للنص القصير.

[1] تم توضيح علاقة الآبن بالآب في القرون اللاحقة حيث أكد الآباء أن الابن مولود من الآب بالطبيعة وليس بالإرادة على خلاف الخليقة التي أوجدت بمشيئة الله. (المراجع)

[2] هي بدعة تعود إلى القرن الأول الميلادي وانتشرت بين الغنوسيين، ينادي أصحابها بأن جسد المسيح هو خيال، وأن آلامه وموته كانت مجرد آلام ظاهرية، وتكلم عنهم القديس يوحنا الرسول في (1يو 4: 2؛ 2يو 7)، وحاربهم القديس إغناطيوس الإنطاكي في رسائله كما يتضح في المتن. (المراجع)

[3] لم يكن مصطلح “الكنيسة الجامعة” عند إغناطيوس يعني “الكنيسة الكاثوليكية” بالمعنى الطائفي، لكنه يعني نعتاً “للكنسية الرسولية الجامعة” لكل الأجناس والشعوب والبلاد و”الكراسي” الرسولية المحلية. (المراجع).

[4] المؤلف من أبناء الكنيسة الكاثوليكية، وهو بالرغم من مكانته العالية إلا أنه يحاول في كل مناسبة أن يستخرج من النصوص ما لا تتضمنه لإثبات أولية كنيسة روما أو عقائدها المختلفة كما سنرى. وعلى سبيل المثال، كما يتضح من النص، الصفات التي أطلقها ق. إغناطيوس على كنيسة روما لا تشير إطلاقاً إلى أولية تلك الكنيسة ورئاستها على بقية الكنائس كما يدعي المؤلف: فعبارة “المترئسة في عاصمة بلاد الرومان” إنما تعني أن وضعها هو مثل وضع كنيسة الإسكندرية بالنسبة لمصر، وكذلك “المترئسة في المحبة” فتعني تميزها في أعمال المحبة والرحمة وأنها أكثر الكنائس إظهاراً للكرم والإحسان. (المراجع)

[5] ارجع إلى الحاشية السابقة. (المراجع)

[6] التأثر الكاثوليكي عن المؤلف يظهر هنا أيضاً في الفصل بين اللاهوت والناسوت في هذه العبارة، لأن المسيح الواحد كله يتحد بنا روحياً بروحه القدوس وجسدياً بسر الإفخارستيا كما يقول ق. كيرلس السكندري. ونحن لا نرى هذا الفصل في الاقتباس الذي يورده هنا المؤلف للقديس إغناطيوس. (المراجع).

[7] كان أبوليناريوس من أشد المقاومين للآريوسية، وقد صار أسقفاً للاذيقية عام (361م). ادعى أبوليناريوس أن لاهوت اللوغوس حل محل الروح البشرية في المسيح. وقد رد القديس غريغورويوس النزينزي عليه في الرسالة 101 قائلاً: “ما لم يؤخذ كله لا يشفى كله”، مؤكداً أنه لا بد أن يتخذ الكلمة الناسوت كاملاً حتى يشفى الناسوت كاملاً. (المراجع).

إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

الآباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

الآباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

الآباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

الآباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

الآباء الرسوليون هم الكُتاب المسيحيون الذين عاشوا في القرن الأول وبداية القرن الثاني الميلادي، والذين تُعتبر تعاليمهم بحق صدىً مباشراً لتعاليم الرسل. ولقد كان هؤلاء على اتصال شخصي بالرسل أو تعلموا من تلاميذهم. ولم يكن مصطلح “الآباء الرسوليون” معروفاً في الكنيسة الأولى، ولكن أدخله الدارسون في القرن السابع عشر. وقد أدرج (B. Cotelier) تحت هذا المسمى (Patres Aevi Apostolici, 2 vols 1672)، خمسة كُتاب كنسيين وهم: برنابا، وإكليمنضس الروماني، وإغناطيوس الأنطاكي، وبوليكاريوس أُسقف سميرنا (أزمير)، وهرماس.

لكن في وقت لاحق جرى العُرف على زيادة عدد الآباء الرسوليين إلى سبعة، وذلك بإضافة بابياس الذي من هيروبوليس (Hieropolis)، وكاتب الرسالة إلى ديوجنيتوس المجهول؛ وفي العصر الحديث أضيف إليهم الديداخي. ومن الواضح بالطبع أن هذا التقسيم لا يدل على مجموعة متجانسة من الكتابات؛ فراعي هرماس ورسالة برنابا ينتميان، من حيث الموضوع والشكل، إلى الأبوكريفا، في حين الرسالة إلى ديوجينتوس – بسبب الهدف الذي كتبت لأجله – يجب أن تُصنف ضمن كتابات المدافعين اليونانيين.

ولكتابات الآباء الرسوليين طابع رعوي، وهي تتشابه مع أسفار العهد الجديد – خاصة رسائل الرسل – من حيث المضمون والأسلوب، وبالتالي يمكن اعتبارها حلقة وصل بين عصر الوحي (الاستعلان) (Revelation) وعصر التقليد (Tradition)، كما أنها شاهد هام على الإيمان المسيحي. وينتمي الكُتاب لمناطق مختلفة تماماً من الإمبراطورية الرومانية: آسيا الصغرى، وسوريا، وروما، وقد كتبوا لظروف معينة، إلا أنهم يمثلون عالماً واحداً من الأفكار التي تعطينا صورة عن التعاليم المسيحية في نهاية القرن الأول.

والبعد الإسخاتولوجي هو الطابع المميز لكل هذا الكتابات، فمجيء المسيح كان يُعتبر وشيكاً. ومن ناحية أخرى، كانت الذكريات عن شخص المسيح لا تزال حية في الأذهان، وذلك لعلاقة الكُتاب المباشر بالرسل، لذلك تُظهر كتابات الآباء الرسوليين اشتياقاً شديداً للمسيح المخلص الذي عاد إلى السماء والمنتظر، وهو شوق يأخذ أحياناً كثيرة شكلاً سرائرياً (mystical) مثلما عند إغناطيوس الأنطاكي.

ولم يكن الآباء الرسوليون يهدفون إلى إعطاء شرح علمي للإيمان المسيحي، فكتابتهم تحتوي على تعبيرات عرضية أكثر منها تعريفات عقائدية. وبالرغم من هذا، فإنهم بشكل عام يؤكدون على نفس الإيمان الواحد بطبيعة المسيح، فالمسيح بالنسبة لهم هو ابن الله، والكائن منذ الأزل، والذي شارك في خلق العالم.

الآباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

كليمندس الروماني – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

كليمندس الروماني – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

كليمندس الروماني – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

كليمندس الروماني – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

وفقاً لأقدم قائمة بأسماء أساقفة روما، تلك التي تركها إيرينيوس للأجيال اللاحقة (Adr. Haer. 3: 3: 3)، كان كليمندس الخليفة الثالث للقديس بطرس على كرسي روما. ولم يذكر لنا إيرينيوس متى بدأ كلميندس عهده، ولا مدة رئاشته للكنيسة. وبالمثل ذكر يوسابيوس المؤرخ (Hist eccl. 3: 15: 34) أن كليمندس هو الخليفة الثالث بعد القديس بطرس، جاعلاً من السنة الثانية عشرة من حكم دومتيان بداية لعهده، والسنة الثالثة من حكم تراجان هي الأخيرة من فترة حبريته، وبالتالي يكون كليمندس هو بابا روما في الفترة من 92م وحتى 101م.

ويذكر ترتليانوس أن كليمندس قد رسمه القديس بطرس بنفسه، ويؤكد إبيفانيوس هذا ولكنه يضيف أن كليمندس من أجل سلام الكنيسة قد تخلى عن الأسقفية لـ لينوس (Linus) واستأنفها ثانية بعد موت أناكليتوس (Anacletus). ونحن لا نعرف عن حياة كليمندس الأولى في روما. ويشير إيرينيوس إلى أن كليمندس كان يعرف شخصياً كُلاً من القديس بطرس والقديس بولس، كما أن أوريجانوس (ْComm. In Joan 6: 36) ويوسابيوس (Hist. eccl. 6: 3: 15) يقولان إنه هو نفسه كليمندس الذي مدحه القديس بولس في الرسالة إلى أهل فيلبي كشريك له في الخدمة (فيلبي 4: 3)، ولكن هذا الرأي ينقصه التأييد. أما الإكليمنديات المنحولة (Pseudo – Clementines)، والتي تجعل من كليمندس عضواً في أسرة فلافي (Flavii)، الإمبراطورية، فليست محل ثقة.

كما أنه لا يمكن التعويل على رأي ديو كاسيوس (Dio. Cassius) (Hist. Rom. 67: 14) بأن كليمندس هذا ما هو إلا القنصل تيطس فلافيوس كليمندس (Titus Flavius Clemens)، أحد أعضاء الأسرة المالكة، والذي أعدم سنة (95م أو 96م) بسبب اعترافه بالمسيح. ولا نستطيع كذلك أن نثق في القصة التي تقول بأن هذا الأسقف الرابع على كرسي روما قد مات شهيداً، فالكتاب اليوناني “استشهاد القديس كليمندس” هو من مدونات القرن الرابع الميلادي، بل والأكثر من ذلك هو أن له طابعاً اسطورياً. وتعيد الليتورجيا الرومانية القديس كليمندس الروماني في 23 نوفمبر، كما يُذكر اسمه في مجمع القداس.

الرسالة إلى أهل كورنثوس

إن المكانة العالية التي كان يحظى بها كليمندس الروماني تظهر واضحة في المؤلف الوحيد الذي وصلنا بقلمه، وهي الرسالة إلى أهل كورنثوس.

ورسالة كليمندس الروماني لأهل كورنثوس هي واحدة من أهم كتابات العصر ما بعد الرسولي، حيث إنها أقدم قطعة من الأدب المسيحي خارج العهد الجديد توثّق تاريخياً اسم ومنصب وتاريخ مؤلفها. وقد كان اندلاع النزاعات في كنيسة كورنثوس في عهد دوميتيان هو الذي دفع الكاتب إلى التدخل؛ فالتحزبات التي قد وبخها القديس بولس بشدة قد ثارت من جديد. لقد تمرد بعض الأفراد المتكبرين المتهورين على السلطة الكنسية ومنعوا الكهنة من الخدمة، فقط أقلية صغيرة من الجماعة هي التي ظلت مخلصة للكهنة المخلوعين.

وكان قصد كليمندس هو أن يسوي تلك الخلافات، ويعالج تلك الفضيحة التي عابت المسيحيين أمام الوثنيين. ونحن لا نعرف كيف وصلت أخبار تلك الخلافات إلى روما، ولا يوجد أساس للرأي الذي كثيراً ما تردد في الماضي والقائل بأن الكورنثيين قد استغاثوا بأسقف روما لكي يتدخل ضد العناصر المتمردة، ولكن النظرية الأكثر قبولاً هي أن روما قد علمت بالظروف الراهنة عن طريق مسيحيين رومانيين كانوا مقيمين بصورة مؤقتة في كورنثوس وكانوا شهوداً على الخلافات والنزاعات التي قامت هناك.

أولاً: المحتويات

تتكون الرسالة من مقدمة (فصول 1-3)، وجزأين رئيسين (4-36، 37-61) وخلاصة (62-65).

وتلفت المقدمة الانتباه إلى الحالة المزدهرة التي كان عليها المجتمع المسيحي في كورنثوس قبل اندلاع النزاعات، والتوافق الذي ساد بين أعضائه وغيرتهم على الحق، ولكن الفصل الثالث – على النقيض – يشير إلى حالة المجتمع التي تغيرت بالكلية.

والجزء الرئيس الأول له صفة العمومية، فهو يستنكر الخلاف والحسد، ويستشهد في شأن هذه النقائص بأمثلة كثيرة من العهد القديم وتاريخ الكنيسة (فصل 4-6). كما أنه يحث على التوبة وإضافة الغرباء. والتقوى والاتضاع، ثم يدعم حجته بالكثير من الاستشهادات والأمثلة. وبعد ذلك يسهب الكاتب في الكلام عن صلاح الله، والتوافق الموجود في الخليقة، وقدرة الله الكلية، والقيامة والدينونة، والاتضاع، والاحتمال، والإيمان والأعمال الصالحة التي تقودنا نحو المكافأة، نحو المسيح.

أما الجزء الرئيس الثاني فيتناول مباشرة الخلاف الموجود بين مسيحيي كورنثوس؛ فالله، خالق النظام في الطبيعة، يطلب النظام والطاعة من خليقته. ثم يثبت الكاتب ضرورة الانضباط والخضوع بالإشارة إلى تدريبات الجيش الروماني الصارمة والنظام الكهنوتي في العهد القديم، وهكذا أيضاً بالمثل دعا المسيح رسلاً، وهم بدورهم أقاموا أساقفة وشمامسة. ولا بد من أن يحل الحب محل الخلاف، ولا بد للمحبة من أن تحث على الغفران. كما يجب وعظ المحرضين على الخلاف لكي يقدموا توبة ويخضعوا.

ثم تلخص الخاتمة النصح الذي قُدم سابقاً، وتعبر عن الآمال المتقدة في عودة المكلفين بتسليم الرسالة بسرعة إلى روما حاملين اخبارً سارة عن استعادة السلام في كورنثوس.

ولهذه الرسالة شأن هام في دراسة العصور الأولى للكنسية، وأيضاً في دراسة تاريخ العقيدة والليتورجيا.

  1. تاريخ الكنيسة

أ – الفصل الأول هام جداً، فهو يحمل شهادة موثقة على إقامة القديس بطرس في روما، ورحلة القديس بولس إلى إسبانيا، واستشهاد هامتي الرسل بطرس وبولس: “لنأخذ المثال النبيل الذي لجيلنا: فإنه بسبب الغيرة والحسد اضطهد العمودان المقدسان العظيمان، وحوربا حتى الموت. دعونا نسترجع ما حدث للرسولين الصالحين: لقد جاز بطرس – بسبب الغيرة الجائرة – لا في ضيقة واحدة أو ضيقتين بل في ضيقات كثيرة، وهكذا استُشهد ورحل إلى موضع المجد الذي يستحقه.

وأيضاً من خلال الغيرة والنزاع أظهر بولس كيف ربح جائزة صبر الاحتمال، فقد سُجن سبع مرات، وأُجبر على الهرب، ورُجم، وبشر في الشرق والغرب؛ وأخيراً نال المكافأة الجليلة التي استحقها إيمانه. لقد علّم العالم كله سبيل الحياة الصالحة، وسافر بعيداً حتى الحدود الغربية للإمبراطورية الرومانية، وعندما شهد أمام السلاطين، وانتهت سيرته الأرضية، ورُفع إلى الأقداس كمثال للصبر والاحتمال” (ACW).

ب – أيضاً يزودنا الفصل السادس بمعلومات عن اضطهاد نيرون للمسيحيين، ويتحدث عن جموع الشهداء، ويذكر أن كثيراً من النساء: “لحق بهؤلاء الرجال الذين عاشوا حياة مقدسة جموع كثيرة من المختارين الذين احتملوا كثيراً من الإهانات والعذابات بسبب الحسد، وهكذا صاروا أمثلة لامعة بيننا. بسبب الحسد، احتملت كل من دانايدس (Danaids)، وديرسي (Dircae)، عذابات مخيفة وكريهة، ثم وصلتا بأمان إلى الهدف المنشود في مضمار الإيمان، وحصلتا على الجائزة النبيلة بالرغم من ضعف جنسهما”. (ACW).

  1. تاريخ العقيدة

أ – إن هذا الوثيقة ثمينة جداً من وجهة النظر العقائدية، وبحق لنا أن نسميها “بيان القانون الكنسي” (Manifesto of Ecclesiastical Jurisdiction). ونحن هنا نرى لأول مرة اعترافاً واضحاً وصريحاً بعقيدة الخلافة الرسولية، كذلك التشديد على الحقيقة القائلة بأنه لا يمكن لأعضاء الجماعة عزل الكهنة، لأن هذا السلطان ليس ممنوحاً لهم، فحق القيادة مستمد من الرسل الذين مارسوا سلطانهم في طاعة المسيح، الذي بدوره كان مرسلاً من الله الآب: “لقد بشرنا الرسل بالإنجيل الذي تسلموه من يسوع المسيح، ويسوع المسيح هو سفير الله الآب، وبكلمات آخرى، أتى المسيح برسالة من الله، وأتى الرسل برسالة من المسيح.

إذاً ينبع هذان الترتبيان التنظيميان من إرادة الله. وهكذا بعدما استلموا التعليم، وتيقنوا بواسطة قيامة ربنا يسوع المسيح، وثبتوا في الإيمان بكلمة الله، خرجوا، متسلحين بملء الروح القدس، وليكرزوا بالبشارة بأن ملكوت الله قد اقترب. من أرض لأرض، ومن مدينة إلى مدينة بشروا، وعينوا من أوائل الذين آمنوا رجالاً اختبروهم بالروح، ليصيروا أساقفة وشمامسة لمؤمني المستقبل. هذا ليس ابتكاراً، لأن الكتاب قد تحدث منذ وقت طويل عن الأساقفة والشمامسة حيث يقول في موضع: “أقيم أساقفتهم في حفظ الناموس، وشمامستهم في الإيمان” (فصل 42)[1].

“ولقد أُعطي لرسلنا أيضاً أن يفهموا من ربنا يسوع المسيح أن خدمة الأسقف قد تثير المؤامرات، لذلك إذ قد تسلحوا بمعرفتهم المسبقة، عينوا الرجال المذكورين آنفاً لهذه الوظيفة، ووضعوا مرة وإلى الأبد قاعدة أنه عند موت هؤلاء الرجال فليخلفهم في هذه الخدمة المقدسة آخرون متفق عليهم، ولذا نرى أنه ليس من العدل أن يُطرد من هذه الخدمة المقدسة من عينهم الرسل، أو عينوا لاحقاً باتفاق الكنيسة كلها، وذلك بواسطة أناس ذوي سمعة طيبة” (فصل 44: 1-3) (ACW).

ب – ولرسالة القديس كليمندس أهمية قصوى بالنسبة لنقطة أخرى في العقيدة، ألا وهي أولية كنيسة روما، حيت تمدنا ببرهان لا لبس فيه على صحتها[2]. ولا يمكننا أن ننكر أن الرسالة لا تحتوي على تأكيد قاطع بشأن أولية الكرسي الروماني، فالكاتب لا يذكر صراحة في أي جزء من الرسالة أن تدخله يقيد أو يلزم قانوناً المجتمع المسيحي في كورنثوس، لكن على الرغم من ذلك، وجود الرسالة هو في حد ذاته شهادة في غاية الأهمية لسلطان أسقف روما، فكنيسة روما تتحدث إلى كنيسة كورنثوس كما يتحدث من هو أرفع مقاماً إلى من هو تابع.

ويعتذر الكتاب في الفصل الأول فوراً لأنه لم يستطع تخصيص جزء من انتباهه مبكراً إلى الخلافات الموجودة في كورنثوس البعيدة. وهذا يثبت بوضوح أن كتابة الرسالة لم تكن فقط بسبب اهتمام وقلق المسيحيين الأوائل في إحدى الجماعات على إخوتهم في جماعة أخرى، ولم كان الأمر هكذا لوجدنا اعتذاراً عن التدخل في الصراع، ولكن أسقف روما يعتبر أنه من واجبه أن يتولى الأمر، ويعتبرهم آثمين لو لم يقدموا له الطاعة[3]: “ولكن إن كان أناس غير طائعين للكلمات التي كلمناهم بها، فليفهموا أنهم سيوقعون بأنفسهم في المعصية، وهو خطر ليس بقليل، ولكننا سنكون أبرياء من هذا الخطية”. (فصل 59: 1-2).

مثل هذه اللهجة السلطوية (Authoritative tone) لا يمكن أن نفسرها على أساس العلاقات الثقافية الوثيقة بين كورنثوس وروما. والكاتب مقتنع بأن أفعاله مدفوعة بواسطة الروح القدس: “لأنكم ستعطونا فرحاً وبهجة إذا أطعتم ما كتبناه بواسطة الروح القدس” (فصل 63: 2).

ج – ويعالج كل من الفصلين 24 والفصل 25 موضوع قيامة الأموات ورمزية أسطورة طائر العنقاء (Phoenix) وهذه هي أقدم إشارة مسيحية إلى هذه القصة القديمة. وقد لعبت تلك الأسطورة دوراً هاماً في الأدب والفن المسيحيين المبكرين.

د – يكشف المقال الذي نجده في الفصل (20) والذي يدور حول الانسجام الموجود في نظام العالم، عن تأثير الفلسفة الرواقية:

“لنتحدث عن كيفية تعامله – أي الله – مع خليقته بهدوء، السماوات تدور بترتيبه، وتخضع له في سلام؛ النهار والليل يكملان دورتهما المرسومة، ولا يتداخل أحدهما مع الآخر؛ الشمس والقمر وجوقات النجوم تطيع ترتيبه، وتدور في توافق بدون أن تحيد عن مداراتها؛ الأرض تحمل ثمراً طبقاً لإرادته في مواسمها المواتية، وتعطي الطعام اللازم للإنسان والوحوش وكل الأحياء عليها وهي لا تتردد في تنفيذ أوامره و لا تبدلها؛ الأحكام غير المفحوصة التي تضبط الأعماق تحكمها نفس الأوامر؛ البحر الذي بلا حدود، والذي أنشأه الله بفعله الخلاق بجمعه للمياه، لا يتعدى الحدود المحيطة به، ويفعل تماماً ما أمر به، لأن الله يقول:

“إلى هنا تأتي، وأمواجك ستتحطم فيك”؛ المحيط الذي لا يستطيع البشر عبوره، والعوالم التي وراءه تحكمه نفس احكام السيد؛ الفصول الأربعة – الربيع والصيف والخريف والشتاء – تتعاقب، الواحد وراء الآخر، في تتابع سلمي؛ الرياح بحسب أدوارها تقدم خدمتها بدون اضطراب في الوقت المعين؛ الينابيع الدائمة الجريان، الخلوقة للبهجة والصحة، تقدم للبشر أثداءها التي لا تنضب التي تحفظ الحياة؛ أصغر الحيوانات تتواءم في سلام وتوافق؛ كل هذه الخليقة التي رتبها الخالق القدير والسيد لتعمل في سلام وتوافق لفائدة العالم، وبالأكثر جداً لنا، نحن الذين التجأنا تحت رحمته بربنا يسوع المسيح، الذي له المجد والعظمة إلى أبد الآبدين . آمين”. (ACW).

3 – الليتورجيا

(أ) الرسالة تشير إلى الفصل الواضح بين الرئاسات – الإكليروس – والعلمانيين، فبعد شرح الأقسام المختلفة لرئاسة الكهنوت في العهد القديم، يضيف الكاتب: “العلماني مرتبط بالقوانين التي وضعت للعلمانيين” (فصل 40: 5)، ثم يصل لهذه الخلاصة: “كل واحد منا أيها الأخوة لابد أن يسعى في موضعه لكي يرضي الله بضمير صالح، ويحترس بوقار ألا يحيد عن قاعدة الخدمة (##) المقررة”. (فصل 41: 1).

(ب) أعضاء رئاسة الكهنوت المسيحية يُدعون “أساقفة” ## و”شمامسة” ## وفي فقرات أخرى يُطلق عليهم جميعاً لقب “شيوخ” ## (قارن 44: 5، 57: 1). أما أهم وظائفهم فهي الاحتفال بالليتورجيا، أي رفع التقدمات (فصل 44: 4).

(ج) يحتوي الجزء الذي يسبق الخاتمة (فصل 59: 4 – 61: 3) على صلاة رائعة اقتبسها لكي يظهر أن كنيسة روما تحمل رخاء العالم المسيحي بأسره في قلبها. ولن نكون مخطئين لو قلنا إنها ليست بأقل من صلاة ليتورجية كانت مستخدمة في كنيسة روما، حيث إنه إن لم يُقتبس في هذا السياق، وبأمانة كاملة، صلاة من الصلوات المعتاد تلاوتها في الليتورجيا، سيكون الأمر بلا معنى.

أما من ناحية الصيغة واللغة، يمكننا أن نقول إن تلك الصلاة ليتورجية وشعرية من بدايتها إلى نهايتها. إنها تشهد لألوهية المسيح الذي تسميه بـ “فتى الله المحبوب” والذي من خلاله علمنا الرب وقدسنا ومجدنا”. والمسيح فيها هو “رئيس الكهنة”، و”حارس نفوسنا” (فصل 61: 3).

إضافة إلى ذلك، يترنم كليمندس فيها بعناية الله ورحمته. أما الخاتمة فهي عبارة عن صلاة توسلية من أجل السلطات المدنية؛ وهي ذات شأن كبير في مجال دراسة المفهوم المسيحي المبكر للدولة: “فأنت أيها السيد، الذي منحتهم أن يمارسوا السلطة والسيادة بقوتك العجيبة التي تفوق كل وصف، حتى إذا ما عرفنا أنهم منك استمدوا المجد والكرامة، نخضع لهم بدون أن نناقض إرادتك.

امنحهم، يا رب الصحة والسلام، والوئام والاستقرار حتى يزاولوا دون عائق السيادة التي سلمتها لهم، لأنك أنت، يا سيد وملك السماوات إلى الأبد، تمنح أبناء البشر المجد والكرامة والقدرة على كل ما في الأرض. فوجه مشورتهم وفقاً لما هو حسن ومرض في عينيك حتى إذا ما زاولوا في السلام والوداعة والتقوى والسلطة التي منحتها لهم، يفوزوا برضاك.” (فصل 61: 1-2).

ولننتقل من دراسة التفاصيل إلى دراسة الرسالة ككل، ويمكننا أن نذكر بعض الحقائق عن زمن كتابتها، وشخصية كاتبها، والسبب الذي دفعه إلى كتابتها.

ثانياً: زمن الكتابة

بالإضافة إلى ما ذكر عن اضطهاد نيرون (فصل 2: 4)، نلمح إشارة إلى اضطهاد آخر كان لا يزال دائراً، وذلك من الكلمات التالية: “نظراً للمصائب التي حلت بنا فجأة واحدة تلو الأخرى” (1: 1). كما أن كليمندس، عقب وصفه للاضطهاد الذي أثاره نيرون، يقول: “ونحن في نفس الحلبة نواجه نفس المعركة”. (فصل 7: 1). ولا شك أن كليمندس، في إشاراته الواضحة تلك إلى اضطهاد آخر، كان يقصد الاضطهاد الذي أثاره دوميتان عامي 95م و96م.

علاوة على ذلك، يفترض سياق الكلام أن الرسل قد ماتوا منذ فترة، بل وحتى القسوس الذين أقاموهم قد تركوا وظائفهم لآخرين ثم رقدوا هم أيضاً في الرب (فصل 42 – 44: 2). وتتفق هذه المعلومات التي حصلنا عليها من داخل الرسالة نفسها مع شهادة التقليد، خاصة ما أورده يوسابيوس عن هيجيسيبوس (Hegesippus) (180)، في أن الخلافات التي جعلت كليمندس يكتب هذه الرسالة قد حدثت في حكم دوميتيان. هذا بالإضافة إلى أن بوليكاريوس رجع إلى رسالة إكليمندس عندما كتب إلى أهل فيلبي.

ثالثاً: شخصية الكاتب

لم يشر كليمندس في رسالته إلى نفسه بالاسم، بل ذكر أن المرسل هو “كنيسة الله المتغربة في روما”. كما أن الكاتب يستخدم صيغة الجمع “نحن” عند حديثه عن نفسه، ذلك بالرغم من أننا متأكدون من أن الرسالة بقلم كاتب واحد، فالوحدة الأدبية والموضوعية في الرسالة تقطع بهذا. ويبدو أن كليمندس قد وضع في اعتباره أن هذه الرسالة ستُقرأ باعتبارها موجهة للجميع لا لشخص واحد؛ ولقد تصور أنها ستُقرأ على جماعة المسيحيين المجتمعين معاً للعبادة الإلهية، ومن ثم نجد أن الرسالة مُستفيضة جداً وزاخرة بالكثير من المحسنات البديعية. ويأخذ الجزء الأول من الرسالة شكل عظة موجهة إلى الجماعة بأسرها، وبه القليل من الإشارات إلى الوضع القائم في كورنثوس.

وفي الحقيقة، يذكر الأسقف ديونيسيوس (Dionysius)، أسقف كورنثوس، أن رسالة القديس كليمندس كانت لا تزال تُقرأ على جماعة المؤمنين في إيبارشيته أثناء العبادة الإلهية (حوالي عام 170م)، فها هو يقول في رسالة إلى البابا سوتير (Eusebius Hist. Eccles 4: 23: 11): “اليوم نحن نحفظ يوم الرب المقدس ونقرأ رسالتك التي سنداوم على قراءتها من وقت لآخر للتذكر، كما نفعل بتلك التي أرسلها إلينا كليمندس من قبل”.

وقد ذكر يوسابيوس أيضاً في موضع آخر (Hist. Eccles, 3: 16) أن هذه العادة ليس مقتصرة على كنيسة كورنثوس، فقال: “هناك رسالة ذائعة الصيت لكليمندس، طويلة ورائعة، كتبها لكنيسة كورنثوس باسم كنيسة روما، حينما كانت هناك شقاقات في كورنثوس، وقد نما إلى علمنا أن هذه الرسالة تقرأ علانية في كنائس كثيرة أثناء العبادة العامة، في الماضي والحاضر.”

ومن الواضح أن قصد كليمندس كان أن يمنح هذه الوثيقة أهمية تتعدى المناسبة المباشرة لكتابتها، بالطبع بعد أن تكون قد حققت هدفها وضمنته، وهي أعطاؤها مكانة دائمة في الأدب الكنسي. وبقدر ما يمكننا أن نكون متأكدين، يبدو أن الكاتب كان من أصل يهودي، فالإشارة المتكررة للعهد القديم والاقتباسات القليلة نسبياً من العهد الجديد تصنع ثقلاً لهذا الافتراض.

رابعاً: كيف وصل النص إلينا

حفظ نص هذه الرسالة في المخطوطات التالي:

  1. المخطوطة السكندرية (Codex Alexandrium) من القرن الخامس في المتحف البريطاني، ولكن ينقصه الفصول (57: 6 – 64: 1).
  2. المخطوطة الأورشليمية أو مخطوطة القدس (Hierosolymitanus) وهي التي خطها سنة 1056م ليو كاتب العدل (Leo the Notary) وتحتوي تلك المخطوطة على نص الرسالة كاملاً.

وهناك ترجمة سريانية قديمة محفوظة في مخطوطة للعهد الجديد من القرن الثاني عشر (1170م) موجودة في متحف جامعة كامبريدج. وقد اكتشف (G. Morin) ترجمة لاتينية في مخطوطة من القرن الحادي عشر موجودة في (The Grande Seminaire) في نامور (Namur). وتكاد تلك الترجمة أن تكون حرفية وتعود غالباً إلى النصف الأول من القرن الثاني الميلادي (ef. P21).

وهناك أيضاً ترجمتان قبطيتان باللهجة الأخمينية، إحداهما قد حررت من البردية (MS orient fol 3075)، وهي من مقتنيات مكتبة برلين (Berlin Staatsbibliothek)، ولكن الفصول (34: 5 – 42) مفقودة نظراً لضياع خمس ورقات من المخطوطة. وتعود تلك البردية إلى القرن الرابع وقد كانت في حوزة الدير الأبيض الشهير الذي للأنبا شنودة (Shenute). أما الترجمة القبطية الثانية فقد وجدت في ستراسبورج (Strsbourg) في مخطوطة من القرن السابع، وهي عبارة عن أجزاء لم تتخط الفصل (26: 2).

الرسالة المعروفة باسم “الرسالة الثانية لكليمندس”

تسبب الصيت الذائع الذي حازه كليمندس في العصور القديمة في نسبة بعض الكتابات الأخرى إليه، فهناك “رسالة ثانية” زائدة في المخطوطتين اللتين تحتويان على النص اليوناني لرسالة كليمندس الأصلية، وهي موجودة كذلك في الترجمة السريانية، وهي موجهة أيضاً إلى أهل كورنثوس. ولكن هذه الوثيقة ليس رسالة، كما أنها ليست بقلم كليمندس، ويقدم كل من الأسلوب الأدبي والصيغة الأدبية اثباتاً دامغاً على هذا.

ومع ذلك، فإن لهذه الوثيقة أهمية كبرى بالنسبة لنا، لأنها تعد أقدم عظة مسيحية موجودة لدينا، فاللهجة والأسلوب الوعظي فيها لا يمكن أن تخطئه عين. وهناك فقرتان على وجه الخصوص تدعمان هذا الرأي، وهما “دعونا لا نبدو مصدقين ومنتبهين فقط الآن وقتما ينصحنا القسوس، بل أيضاً حينما نعود إلى منازلنا، دعونا حينها نتذكر وصايا الرب.” (فصل 17: 3).

أما الفقرة الثانية فتقول: “وهكذا أيها الأخوة والأخوات قد تكلم الآن رب الحق، لقد قرأت عليكم عظة لتحفظوا في قلوبكم ما هو مكتوب، وذلك لعلكم تخلصون أنفسكم، وذاك الذي يقرأ هذا في وسطكم.” (فصل 19: 1). ويبدو أن الكاتب هنا يشير إلى الفصل الكتابي الذي في الغالب كان قد قُرئ قبل أن يبدأ في إلقاء عظته. وأسلوب هذه الوثيقة غير أدبي، ومن ثم يختلف كلياً عن أسلوب رسالة كليمندس الأصيلة، بالإضافة إلى أن الواعظ يشير إلى نفسه بضمير المتكلم المفرد لا الجمع. ولا يقتبس الكاتب من الأسفار المقدسة فحسب، بل أيضاً من أناجيل أبوكريفية (مثلاً من إنجيل المصريين).

ولا تزال الآراء بشأن مكان كتابة هذه العظة مختلفة فيما بينها إلى حد كبير، وقد فشلت كل المحاولات التي بُذلت لتحديد زمن كتابتها أو هوية الكاتب لعدم وجود أية معلومات تاريخية فيها. أما الافتراض الذي قدمه هرناك (Harnack) بأن هذه الوثيقة هي رسالة أرسلها البابا سوتير (165-173م) إلى المسيحيين الكورنثيين فيواجه هذا الاعتراض الذي لا يُرد والقائل بأن هذه الوثيقة لا تحمل صفات الرسالة. ويعتقد كل من هاريس (Harris) وستريتر (Streeter) أنها عظة سكندرية، لأن الفكر اللاهوتي للكاتب ينم عن تأثره بالفكر اللاهوتي السكندري، بالإضافة إلى استخدام الكاتب لـ “إنجيل المصريين” كمصدر.

إذاً: كيف نُسب هذا العمل إلى كليمندس؟ قدم “لايت فوت” (Lightfoot) و”فانك” (Funk) و”كروجر” (Kruger)، أكثر الاقتراحات قبولاً، وهو ذاك الاقتراح القائل بأن هذا العمل قد كتب في كورنثوس، فربما تُفسر مسابقات الدوري الرياضية (Isthmian atheletic contests) – التي كانت تُقام بالقرب من كورنثوس – هذا التشبيه الذي أورده الكاتب في الفصل السابع.

حينئذ يمكن للمرء أن يفهم أيضاً سبب نسبة هذا العمل إلى كليمندس وإلحاقه برسالة كليمندس الأولى، فمن المحتمل جداً أن تكون هذه العظة قد حفظت مع رسالة كليمندس الأولى في أرشيف مدينة كورنثوس، ثم عثر عليهما معاً، أما عن زمن كتابة هذا العمل، فليس لدينا سوى دليل واحد يقودنا إليه، ألا هو تطور شرح التعليم العقائدي المسيحي كما تدل عليه هذه العظة، ومن ثم يصبح من المستحيل أن نحدد تاريخاً معيناً قد كتبت فيه. لكن الآراء المُتعلقة بالتوبة. كما تظهر في العظة.

تكشف أنها قد كُتبت ليس بعد كتاب “راعي هرماس” بفترة طويلة، أي حوالي عام 150م. وبالرغم من أن هذه الوثيقة قد ضُمت إلى الكتب المقدسة القانونية في الكنيسة السريانية، إلا أن كلاً من جيروم ويوسابيوس قد صرح بأنها غير أصيلة. فيوسابيوس – على سبيل المثال – يقول: “لا بد أن نعرف أن هناك رسالة ثانية منسوبة لكليمندس ولكننا لسنا متأكدين من أنها لاقت نفس درجة القبول الذي حظيت به الرسالة الأولى، لأننا لا نعرف أحداً من الكتاب القدامى قد استخدمها”. (Hist eccles 3: 38: 4). أما جيروم فقد رفض هذه الرسالة بالكامل قائلاً: “هناك رسالة ثانية يتداولها الناس تحت اسم كليمندس ولكن الأقدمين لم يسلموا بصحة هذا الأمر”. (De Viris Illustr. 15).

أولاً: المحتوى

يتصف محتوى هذه العظة بالشمول. وهي تؤكد على أن المفهوم المسيحي الخاص بشخص المسيح بكونه ديان الأحياء والأموات، لا بد أن يتفق مع (فهمنا عن) عظمة الله. لذا لابد لنا أن نمجده بحفظنا لوصاياه واحتقار الملذات العالمية، وبالتالي نقتني لأنفسنا الحياة الأبدية.

1– الخريستولوجي

إن ألوهة المسيح وبشريته تظهران بوضوح في هذه الفقرات التالية: “يا أخوة لا بد لنا من أن نفكر في يسوع المسيح كما نفكر في الله، كونه هو ديان الأحياء والأموات”. (فصل 1: 1)؛ “فإذا كان المسيح ربنا الذي خلصنا، بالرغم من أنه أصلاً روح، قد أخذ جسداً ومن ثم دعانا، لذا ينبغي لنا أيضاً أن ننال مُكافأتنا في هذا الجسد.” (فصل 9: 5)؛ “لقد احتمل المسيح الألم لأجلنا”. (فصل 1: 1)؛ “لأنه قد أشفق علينا وخلصنا برحمته، ونظر إلى خطئنا العظيم والهلاك المحدق بنا، ورأى أنه لا رجاء لنا في الخلاص إلا به” (فصل 1: 7).

وقد لُقب المسيح في هذه الرسالة بلقب “رئيس عدم الفساد” (##) الذي به “أظهر (الله) لنا الحق والحياة الأبدية”. (فصل 20: 5).

2 – مفهوم الكنيسة

إن مفهوم الكنيسة في هذه الرسالة مثير للاهتمام، فالكاتب يعتبر الكنيسة موجودة قبل خلق الشمس والقمر، ولكنها كانت غير منظورة، وروحية، وعاقراً. أما الآن فقد صارت جسداً. إنها هي جسد المسيح؛ إنها عروسه، ونحن قد أُعطينا لها كأولاد: “هكذا أيها الأخوة، إذا فعلنا مشيئة الله أبينا سنكون من الكنيسة الأولى الروحية التي خُلقت قبل الشمس والقمر؛ …. لذا، دعونا نختار أن ننتسب لكنيسة الحياة حتى نخلص.

ولكني لا أظنكم تجهلون أن الكنيسة الحية هي جسد المسحي، لأن الكتاب يقول: “ذكراً وأنثى خلقهما”. الذكر هو المسيح، والأنثى هي الكنيسة. من ناحية أخرى، تعلن الأسفار والرسل أيضاً أن الكنيسة ليست شيئاً مستحدثاً، ولكنها كانت من البدء، وذلك لأنها كانت روحية كما كان يسوعنا، ولكنه قد أُظهر في الأيام الأخيرة حتى يخلصنا.

والآن، بما أن الكنيسة روحة، لذا استعلنت في جسد المسيح، وبهذه الطريقة اتضح لنا أن أي إنسان منا يحفظها في الجسد ولا يدنسها سوف ينالها مرة أخرى في الروح القدس. لأن هذا الجسد نفسه هو النموذج النقيض (anti – type) للروح، لذا أي إنسان يدنس النموذج النقيض لن يكون له الحقيقي، وهذا هو ما يعنيه يا إخوة: “احفظوا الجسد لكي تشتركوا في الروح.

والآن إذا قلنا إن الجسد هو الكنيسة والروح هو المسيح؛ إذاً من لا يكرم الجسد لا يكرم الكنيسة. مثل هذا لن يشترك في الروح الذي هو المسيح.” (فصل 14: 1-4). والكاتب هنا يظهر تأثره الكبير بفكر القديس بولس، وخاصة فكره في رسالة أفسس (1: 4، 22؛ 5: 23، 32)، ذلك لأنه يسمي الكنيسة “جسد المسيح السري”، ويشبهها بعروسه.

ونجد كذلك أن لهذه العظة قيمة من ناحية أخرى، ففيها نتقابل لأول مرة مع الإشارة إلى الكنيسة باعتبارها “أم”، بالرغم من أن الكاتب لم يستخدم هذه الكلمة. وفي هذا يقول الكاتب: “ففي قوله: “افرحي أيتها العاقر التي لم تلد” يتكلم عنا، لأن كنيستنا كانت عاقراً قبل أن يعطى لها أولاد”. (فصل 2: 1).

3 – المعمودية

يطلق الكاتب على المعمودية اسم “الختم” (##)؛ هذا الذي يجب أن يبقى محفوظاً: “لأن الكتاب يقول عن هؤلاء الذين لم يحفظوا الختم: دودهم لا يموت، ونارهم لا تُطفأ، ويكونون منظراً لكل ذي جسد”. (فصل 7: 6)؛ “لأن هذا هو ما يقوله: احفظوا الجسد طاهراً والختم بلا دنس حتى ننال الحياة الأبدية”. (فصل 8: 6). وهنا تظهر التعاليم اللاهوتية للرسول بولس مرة أخرى بكل وضوح (انظر: أف 4؛ 2كور 1: 21-22).

4 – التوبة

يحتوي الجزء الأخير من العظة على شاهد صريح لما يُسمى بـ “التوبة الثانية”، ويقصد بها التوبة عن الخطايا التي يرتكبها الشخص بعد المعمودية ويحض الكاتب المسيحيين على التوبة حضاً يماثل في قدره ذاك الذي قد ورد في كتاب “راعي هرماس”: “لهاذا أيها الأخوة، دعونا نتوب عن خطايانا فوراً، دعونا ننتبه إلى ما هو في صالحنا، لأننا ممتلئون بقدر كبير من الجنون والشر. دعونا نزيح عن كاهلنا خطايانا السابقة، ودعونا نخلص بأن نتوب من كل قلوبنا.

دعونا ألا نسعى لإرضاء الناس أو أن نكون راغبين في إرضاء أنفسنا فقط، بل نرضي ببرنا من هم في الخارج، لئلا يُجدف على الاسم بسببنا”. (فصل 13: 1-2) “إذاً أيها الإخوة، بما أنكم قد حظيتم بفرصة كبيرة للتوبة، دعونا – بما أن الوقت متاح الآن – أن نتوجه إلى الله الذي يدعونا، في حين هو الوحيد الذي ينتظرنا”. (فصل 16: 1)؛ “دعونا – طالما كنا في هذا العالم – نتوب بكل قلوبنا عن أي شر قد ارتكبناه ونحن في الجسد، ليخلصنا الرب في حين لا يزال لدينا وقت للتوبة. لأنه بعد أن نرحل من هذا العالم، لن يكون في وسعنا أن نعترف بخطايانا أو أن نتوب عنها.” (فصل 8: 2-3).

5 – فاعلية الأعمال الصالحة في الخلاص:

العظة واضحة جداً في نصها على ضرورة الأعمال الصالحة، كما أن الصدقة هي الوسيلة الرئيسة التي من خلالها تُغفر الخطايا؛ فهي تفوق الصوم والصلاة في فضلها: “إذاً، الصدقة صالحة مثلما هي التوبة عن الخطية. والصوم أفضل من الصلاة، أما الصدقة فأفضل من كليهما. المحبة تستر كثرة من الخطايا، ولكن الصلاة بضمير صالح تخلص من الموت. مبارك كل إنسان مملوء من هذا الأشياء، لأن الصدقة ترفع ثقل الخطية”. (فصل 4: 16).

الرسالتان الموجهتان إلى البتوليين:

لقد وصلت إلينا تحت اسم كليمندس رسالتان عن البتولية موجهتان إلى غير المتزوجين من الجنسين، وهما في الحقيقة تنتميان إلى النصف الأول من القرن الثالث، وقد أُشير إليهما لأول مرة في كتابات إبيفانيوس (Haer 30: 15) وجيروم (Adv. Jovin 1: 12).

والنص اليوناني الأصلي الخاص بهاتين الرسالتين مفقود، ما عدا بعض الشذرات الصغيرة عثر عليها في: (##) للراهب أنطيوخوس (Antiochos) الذي من دير القديس سابا حوالي عام (620م). غير أن الرسالتين قد حفظتا لنا بالكامل في ترجمة سريانية اكتشفت عام 1470م في مخطوطة تحوي ترجمة العهد الجديد المعروفة باسم “البشيطة”. علاوة على ذلك، لدينا ترجمة قبطية للفصول الثمانية الأولى من الرسالة الأولى تذكر أن أثناسيوس هو المؤلف. وفي الحقيقة، كانت الرسالتان تشكلان معاً عملاً واحداً لكنه قد انقسم إلى جزئين بمرور الزمن.

تبدأ الرسالة الأولى بإرشادات عن طبيعة ومعنى البتولية. وينظر الكاتب إلى العفة باعتبارها شيئاً إلهياً، فهي بالنسبة له حياة فوق الطبيعة، إنها حياة الملائكة. لقد لبس الأبكار والبتوليون المسيح حقاً، إنهم متشبهون بالمسيح والرسل؛ إنهم ينتمون في الظاهر فقط إلى الأرض لا في الحقيقة، كما أنهم يستحقون أن يشغلوا في السماء مكانة تفوق تلك التي لبقية المسيحيين. غير أن الكاتب يشدد بقوة على أن البتولية وحدها بدون أن تصحبها أعمال محبة (مثل زيارة المرضى) لن تضمن للبتول الحياة الأبدية.

والكاتب يعرف جيداً السلوكيات الخاطئة المنتشرة بين من يوجه لهم الرسالة، ويشعر أنه مجبر على أن يشير إلى أن حياة البتولية تلقي على عاتق من يمارسها مسؤوليات كبيرة، وهو ينصح ويحذر ولا يتردد أن يوبخ بقسوة. وينهي الكاتب الرسالة (في الفصول 10-13) بتوجيهات ضد السكنى المشتركة للنساك الرجال والنساء معاً، وأيضاً بمرثاة بسبب الشرور الناتجة عن الكسل. غير أن الرسالة ليست لها خاتمة رسمية محددة المعالم.

أما الرسالة الثانية فتبدأ على نحو مفاجئ بلا أي مقدمة من أي نوع، ثم تسير في نفس اتجاه الرسالة الأولى، فالكاتب يستمر في إسداء نصائحه، ولا يمكننا ملاحظة أي انقطاع في حبل الأفكار الساري متصلاً بين الرسالتين. ثم ينتقل الكاتب إلى وصف العادات والقوانين المنتشرة بين النساك في بلده، ويستشهد بنماذج عديدة من الكتاب المقدس، مشيراً في الختام إلى نموذج المسيح.

وكما يتضح من الملخص أعلاه، يقاوم الكاتب بشدة مساوئ السكنى المشتركة بين النساك من الجنسين (##) فهو يندد بسكنى النساك من الجنسين تحت سقف واحد. وحيث أن أول مرة تُسجل في الكتابات الكنسية اعتراضات على مثل هذه الممارسة اللافتة للنظر كانت في حوالي منتصف القرن الثالث، لذا يمكننا أن نستنتج أن هاتين الرسالتين بالمثل قد كُتبتا أيضاً في نفس الفترة التاريخية.

ويبدو أن فلسطين هي مسقط رأس الكاتب، إلا أنه لم يكشف عن اسمه، لكن العمل يدفع المرء ليعتقد أن الكتاب كان ولابد ناسكاً شهيراً موقراً جداً. كما أن الرسالتين قيمتان كونهما من أقدم المصادر التي لدينا عن تاريخ النسك المسيحي المبكر.

كتابات منحولة عن كليمندس:

“الكليمنديات المنحولة” هو عنوان رواية شاملة ذات هدف تعليمي بطلها هو كليمندس الروماني. ومؤلف الرواية المجهول يقدم كليمندس باعتباره سليل العائلة الإمبراطورية الرومانية الذي – في رحلة بحثه عن الحق – يلتحق بلا فائدة بعدة مدارس فلسفية محاولاً أن يجد إجابة لشكوكه المتعلقة بخلود الروح وأصل العالم ومشاكل كثيرة من هذا القبيل. لكن أخيراً، تدفعه ما وصلته من أخبار عن ظهور ابن الله في اليهودية البعيدة إلى الارتحال نحو الشرق، وفي قيصرية تقابل كليمندس مع القديس بطرس الذي شرح له تعاليم الأنبياء الحقيقيين وأزال شكوكه ودعاه ليشترك معه في رحلاته التبشيرية.

ولقد خُصص الجزء الأكبر من هذا العمل لرواية خبرات كليمندس كمرافق للقديس بطرس في رحلته الرسولية وكذلك المواجهة التي حدثت بين القديس بطرس في رحلته الرسولية وكذلك المواجهة التي حدثت بين القديس بطرس وسيمون الساحر. والقصة في تحليلها الأخير تعتبر مجرد مقدمة لعظات القديس بطرس الكرازية، وتنتمي غالباً لفئة “أعمال الرسل الأبوكريفية المنحولة”، لكنها تختلف عن الأساطير الأخرى التي تدور حول الرسل في كون هدفها ليس هو القراءة المجردة بقدر ما هو توفير التعاليم والأسس اللاهوتية التي تساعد على الدفاع عن المسيحية بفاعلية.

أما الشذرات المتبقية لدينا من الكتابات المنحولة عن كليمندس فهي التالية:

أولاً: العظات العشرون

وتشتمل على:

  1. عظات القديس بطرس الكرازية، والتي يُقال أن كليمندس قد كتبها وأرسلها إلى يعقوب أسقف أورشليم.
  1. رسالتان موجهتان إلى يعقوب، أحدهما بقلم بطرس والأخرى بقلم كليمندس. وقد كتبتا بهدف أن تكونا بمثابة مرشد للأسلوب الأمثل لاستخدام تلك المجموعة الوعظية، وهما تسبقان العظات من حيث الترتيب.

ولقد أعطت هاتان الرسالتان لكنيسة أورشليم مكانة مميزة ولقب الرسول يعقوب فيهما بلقت “أسقف الأساقفة”. وتتميز هاتان الرسالتان بأنهما تُناصران تعاليم الأبيونيين[4] (Ebionites) والإلكاسيين[5] (Elkasaites) المتهودين، هؤلاء الذين لم تكن المسيحية في نظرهم سوى “يهودية جديدة”، فالله يعلن عن نفسه للإنسان بواسطة نبي حقيقي يظهر متخفياً في أشكال مختلفة، وقد ظهر أولاً في شخص آدم، ثم في شخص موسى، وأخيراً ظهر في شخص يسوع المسيح. غير أن لقب “ابن الله” لا يطلق إلا على المسيح فقط؛ لكنه، مع ذلك، لا يزال يُعتبر بمثابة نبي ومعلم فقط وليس مخلصاً.

ولقد كانت مهمة موسى هي أن يُعيد التعاليم التي عتّمتها الخطية إلى سابق رونقها. وبمرور الوقت، عندما تُصبح التعاليم التي أعلنها موسى مجهولة ومحرفة، يُصبح هناك ضرورة لإعلان آخر في شخص يسوع المسيح. وتُظهر تعاليم المسيح هنا – في هذه العظات – نظرة توحيدية مُغالية تخلو من أية إشارة إلى تمايز الأقانيم الإلهية. ولا يوجد هنا مفهوم محدد عن الله، فمن ناحية، يظهر الله بصورة الشخص الكائن، ويُصور باعتباره الخالق والديان (17: 7)، ومن ناحية أخرى، يُصور الله – بلغة تميل إلى وحدة الوجود[6] – باعتباره “قلب العالم” (17: 9)، ويُشرح التطور الحادث في العالم باعتباره تطوراً يحدث في الله نفسه.

ثانياً: كُتب التعارف العشرة

لم توجد هذه النصوص مُكتملة إلا في ترجمة روفينوس اللاتينية فقط، أما المادة القصصية فيها، والتي تتشابه جوهرياً مع تلك التي في العظات العشرين، فهي أيضاً عبارة عن سيرة ذاتية لكليمندس لكنها أكثر تفصيلاً.

وتحك هذه الوثيقة عن ظروف غريبة تسبب في تشتت شمل أسرة كليمندس؛ حيث تفرق الأب والأم والأبناء عن بعضهم البعض، وأخذ كل فرد من الأسرة يبحث عن مكان الآخرين. لكن، بتدخل من بطرس، التأم شمل الأسرة أخيراً بعد مغامرات كثيرة ومتنوعة.

ولقد أخذت تلك الوثيقة اسمها “كُتب التعارف” من مشاهد التعارف المتعددة التي فيها يتقابل مجدداً أعضاء الأسرة المشتتون منذ وقت طويل. أما الاختلاف الأكبر بين “كتب التعارف” و”العظات العشرين فيمكن في المحتوى التعليمي لكليهما، فوجود الفكر المتهود في كتب التعارف أقل حدة كما أنه ثانوي. كذلك، يُطلق على المسيح في تلك الوثيقة لقب “الروح الأمين والنبي الحق”.

وتظهر اليهودية في هذه الوثيقة باعتبارها ممهدة للمسيحية كما أن الوثيقة تبرز عقيدة الثالوث بكل وضوح كما يتضح في العبارة التالية:” نحن نقول عن ابن الله الوحيد في جنسه إنه مولود من ذاته (أي من ذات الله)، وليس من أصل آخر، بطريقة لا يعبر عنها، ويتشابه في هذا أيضاً ما نقله عن الباركليت”. ومن الممكن بالطبع أن يكون روفينوس المترجم هو من أدرج مثل هذه العبارة في النص الأصلي، لكن من الصعب أن نحدد ما إذا كان روفينوس بالفعل قد أضافها إلى النص الأصلي أما لا.

ثالثاً: اقتباسان من العظات

بالإضافة إلى العظات العشرين وكتب التعرف العشرة، لدينا أيضاً اقتباسان يونانيان (##) من العظات؛ وقد جرى توسيع هذين الإقتباسين بإضافات من رسالة كليمندس إلى يعقوب الواردة في عمل سيمون ميتافراستيس (Symeon Metaphrastes) المعروف بعنوان؛ (Matyrium Clementis)، كذلك من مقالة الأسقف إفرايم من تشيرسون (Ephraim of Cherson) والتي تتكلم عن معجزة صنعها كليمندس لطفل.

رابعاً: اقتباسان عربيان من “العظات العشرين” و”كتب التعارف”

إضافة إلى تلك النصوص اليونانية، لدينا أيضاً اقتباسان عربيان من “العظات العشرين” و”كتب التعارف”، وهما يقتصران على العناصر القصصية فقط ويجتنبان أية محاولات طويلة.

وسيكون من المفيد لنا جداً أن نحدد الوقت الذي كتبت فيه العظات العشرون” و”كتب التعارف”، ولكن تلك المسألة تتضمن مشكلات أدبية معقدة تحدث كل محاولة لحلها واختلفت بشأنها الآراء إلى أبعد حد. ولكن هناك قناعة عامة بأن “العظات العشرين” و”التعارف” تعتمدان بشكل مشترك على وثيقة أقدم، ولكن لا يوجد اتفاق بشأن المصادر التي استقت منها هذه الوثيقة الرئيسة المعلومات التي بها، تلك المصادر التي كانت في الغالب ذات حجم ضخم.

كما أنه لا بد أن نواة هذه الوثيقة كانت سيرة كليمندس الذي ينسب إليه العمل كله، الأمر الذي يفسر سبب تكرار العناصر القصصية في كل من “العظات العشرين” و”كتب التعارف” بصورة تصل إلى حد التطابق، هذا إذا استثنينا بعض الاختلافات البسيطة، وذلك على الرغم من أن المحاورات الملحقة بكل من تلك القصص تختلف اختلافاً بيناً. ويغلب الظن على أن كاتب هذه الوثيقة كانت له علاقة بالمسيحية المتهودة الهرطوقية، وربما كُتبت الوثيقة الرئيسة التي اعتمد عليها هذا العمل في العقود المبكرة من القرن الثالث الميلادي.

[1] أشعياء 60: 17 (حسب السبعينية) (المترجم).

[2] حسب عقيدتنا القبطية الأرثوذكسية نحن لا نوافق على هذا الرأي ولا يوجد في النص إشارة واضحة تدعم هذا الادعاء، ولكنها كلها استنتاجات من قبل المؤلف. (المترجم).

[3] هذا محض تأويل للنص الذي لم يحتو على تبعية أو طاعة بحسب الرتبة، بل طاعة للوصية الإنجيلية والتي إن لم يطيعوها فسيوقعون أنفسهم في المعصية وسيكون ق. كليمندس بريئاً منها لأنه قد نبههم إليها. (المراجع).

[4] هو اسم معناه الفقراء أو المساكين، وهم جماعة مسيحية يهودية رفضت رسولية بولس واعتبروه مجدفاً على الناموس ولم يقبلوا رسائله، وكانوا يستخدمون إنجيل العبرانيين (من كتب الأبوكريفا). واعتقدوا أن الحفاظ على الختان والناموس أمر ضروري للخلاص وكانوا يؤمنون أن المسيح هو إنسان حل عليه روح الله. (المراجع)

[5] جماعة نشأت في بداية القرن الثاني في منطقة ما بين النهرين وهي جماعة مسيحية يهودية. وكان أتباعها يرفضون رسائل القديس بولس، ويقولون إنهم استلموا كتاباً جديداً من السماء. (المراجع)

[6] وحدة الوجود هو المذهب القائل بأن الله والطبيعة شيء واحد وبأن الكون المادي والإنسان ليسا إلا مظاهر للذات الإلهية، فالشجرة هي الله، والصخرة هي الله، والحيوانات هي الله، والسماء هي الله، والشمس هي الله، وأنت الله…. إلخ. ومذهب وحدة الوجود هو النظرية التي تقوم عليها بدع وديانات خاطئة كثيرة. (المراجع)

كليمندس الروماني – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

يعرف ” هرماس ” عن نفسه بانه ولد عبدا وبيع في روما الي امرأة تدعي ” رودا ” Rhoda وكان لها الفضل في تحريره من العبودية ثم تزوج وأصبح أبا لعائلة كبيرة وعمل في التجارة وكانت حياته بعيدة كل البعد عن اتباع الحقيقة الامر الذي دفعه الي العيش في الخطيئة هو واولاده وامرأته التي كانت نمامة وشريرة في الوقت نفسه.

وبعد ان فرط بثروته الكبيرة عمل في حقل، في مدينة (كوماس) على طريق روما، لكي يعيل عائلته ويستمر العيش (الرؤيا الاولي، 1، 4، 2، 2، 4، 3، الرؤيا الثانية 2، 2، الرؤيا الثالثة، 1، 2، 6، 7، الرؤيا الرابعة 1، 2) وفي احد الايام، وهو في نزهة على ضفاف نهر ” التيبر ” راي ” رودا ” التي كان يعتبرها كأخت، وهي تستحم، فمد يده ليساعدها على الخروج من الماء وقال في قلبه ” لو كانت عندي امرأة لها هذا الجمال وهذا البهاء لكنت من المحظوظين جدا ” (الرؤيا الاولي 1، 2) لكنه تنبه الي افكاره الشريرة وهو رب عائلة وزوج لامرأة فعاد الي ذاته وابتدأ أعمال التوبة.

وبعد مدة وجيزة وهو في طريقه الي ” كوماس ” تراءى له روح الرب في مكان منعزل ثم راي ” رودا ” في السماء وهي تقول له: ” الله الذي يسكن السماء والذي خلق الكائنات من العدم وكثرها ونماها من اجل كنيسته غاضب منك لأنك أخطأت بحقي ” (الرؤيا الاولي 1، 6) فندم وراح يفكر بالوسيلة التي تهدئ غضب الرب وتؤمن خلاصه، وركع يصلي طالبا الغفران من الله على فعلته. واذ هو في هذه الحالة انتابه خوف شديد وألم عميق، وقال: ” كيف يمكنني ان اطلب مغفرة كل خطاياي من الله؟ بأية كلمات اطلب الرحمة منه؟ (الرؤيا الاولي 2، 1) ويزيد قائلا: ” وبينما كنت اسأل نفسي رأيت أمامي عرشا كبيرا من الصوف الابيض كالثلج وامرأة مسنة كانت ترتدي وشاحا براقا وتمسك في يدها كتابا وقد تقدمت وجلست وحيدة وحيتني قائلة، عم صباحا يا هرماس. فأجبتها والدمع يغمرني والحزن يملا قلبي: عمي صباحا يا سيدتي.

فقالت وهي تبتسم: ما هذه العبوسة التي تغمر محيال؟ لماذا أنتلا مقطب الجبين يا هرماس الصبور اللطيف الضاحك ابدا؟ لماذا حل التجهم محل البشر؟ فأجبتها: ان امرأة فائقة الصلاح قالت أنى اخطأت اليها. ان خدام الله لا يفعلون ذلك قط. قالت: لا شك أن فكرة ما مرت بخاطرك فأساءت اليها. سألتها: أمثل هذه النية خطيئة بالنسبة لخدام الله؟ نعم، انها خطيئة، أجابت. ان تفكيرا كهذا يمر بنفس صارمة مجربة هو تفكير شرير يبعث على الدهشة، خصوصا إذا اشتهي العمل الشرير انسان كهرماس العفيف، البعيد عن الشهوات، المليء بالبساطة المتناهية والبراءة العظيمة ” (الرؤيا الاولي 2، 2 _ 4)

ثم ينتقل بنا هرماس الي الرؤيا الثانية التي يري فيها المرأة المسنة من جديد وهي تتنزه وفي يدها كتاب صغير وهي تقرأه وقالت له: ” أستطيع ان تعلن هذا لمختاري الله؟ “. فقال ” أنى لا أستطيع ان اتذكر هذا القدر من الكلام، أعطني الكتيب لأنسخه. قالت خذه واعطتني اياه. فأخذت الكتيب وذهبت الي مكان ما في البرية ونسخته حرفيا لأني لم أكن أستطيع ان اميز بين المقاطع. وبعد ان انتهيت من نسخ الكتاب خطف يدي ” (الرؤيا الثانية 1، 3 _ 4) وفي النهاية تنكشف له حقيقة المرأة، وهي تمثل الكنيسة، وتأمره بأن يعطي الكتيب الي البابا ” إكليمنضوس ” والي ” غرابتا ” ( Grapta) وهي تقول: ” أكتب كتيبين، كتيب الي إكليمنضوس، وكتيب الي غرابتا. ويسمح لكليمنضوس ان يرسل ذلك الي المدن التي في الخارج، وعلي غرابتا ان تنصح الارامل والفقراء. اما أنت فعليك ان تقرأ ذلك في هذه المدينة على الشيوخ ومتقدمي الكنيسة ” الرؤيا الثانية 4، 3)

اما الرؤيا الثالثة والرؤيا الرابعة فهما شرح واف لكنيسة المسيح اذ تفسر له المرأة دور كل من اعضائها، من الرسل والاساقفة والمعلمين والشمامسة والرعاة، الي شعب الله والمؤمنين، الي كل الرموز التي تتميز بها الكنيسة المقدسة.

واما الرؤيا الخامسة فيقول فيها: ” بينما كنت أصلي في بيتي فوق سريري دخل رجل بهي الطلعة، له شكل راع، يلبس جلدا أبيض ويحمل فوق كتفه جرابا وفي يده عصي. فصافحني وصافحته. وجلس الي جانبي وقال لي: ارسلت من الملاك الكلي الكرامة لا سكن معك طوال ما تبقي لك من الحياة. اعتقدت اولا انه جاء ليسخر من فقلت له: من انت؟ قال لي: الا تعرفني؟ قلت: لا. قال: انا الراعي الذي أسلمت اليه. وبينما كان يتكلم تغيرت هيئته وعرفت انه الشخص الذي أوكل اليه أمري. فأضربت حالا وتملكني خوف وحطمني الالم لأني أجبته بخبث وبدون تروٍ.

فأدرك قلقي وقال فورا: لا تنزعجن بل تقو في وصاياي التي سأوصيك بها. وقال: ارسلت لأريك كل ما رأيته سابقا، اي ما هو مفيد لك. اكتب اولا وصاياي وكلماتي، اما ما تبقي فستكتبه كما اقول لك. لذلك اوصيك ان تكتب الوصايا والامثال لتكون في متناول يدك لتقرأها وتحفظها. لقد كتبت الوصايا والامثال كما أمرني. فاذا سمعتموها ولم تتوبوا بل تزدادون غيا فأنكم تنالون من الرب عكس ما وعدكم به. هذا ما أمرني ملاك الرحمة ان اكتبه ” (الرؤيا الخامسة 1 _ 8)

هذه الرؤي الخمس اذن هي التي تكشف لنا عن شخصية هرماس وعن تسميته كتابه ” الراعي ” اذ ان كل ما جاء في الكتاب من توصيات وامثال هي من الراعي الذ ظهر له في الرؤيا الخامسة. وهذا ايضا ما نعرفه عن شخصه منذ ولادته وحتى مماته. فهو معاصر للبابا ” إكليمنضوس “، ورغم ان بعض المؤرخين يعتبرونه من حقبة لاحقة، ولقد أراد ان يكون كتابه تعليميا وتوجيهيا في مرحلة من اهم مراحل الكنيسة حيث كان الايمان بحاجة الي شهادة معاشة والى حث لاعتناق المبادئ الاساسية للمسيحية.

اذن كتاب ” الراعي ” لمؤلفه هرماس، قد كان له التأثير الكبير في القرون الاولي للكنيسة. فالقديس ” ايريناوس ” يبدأ كلامه عنه بهذه الجملة ” حسنا تقول الكتب ” عندما يستشهد بأحد مقاطعه (ضد الهرطقات، 4، 20، 2) والقديس ” كليمنضس الاسكندري ” يعتبره لا كتابا موحي به (ستروماتيس 1، 17، 29، 2، 1، 9، 12، 13، 6، 15). ولكن القديسين لم يؤكدا على ان هرماس كان معاصرا للبابا ” إكليمنضوس ” وللرسل. بينما ” أوريجينوس ” الذي كان يؤكد على ان الكتاب موحي به، كان يعتبره من تأليف هرماس الذي يذكره القديس بولس في رسالته الي الرومانيين. ولكن جميع الاباء.

رغم كون البعض منهم رفض طابع الوحي في كتاب ” الراعي ” فان جميعهم أجمعوا على انه كتاب ضروري نظرا لتعاليمه وتوجيهاته وقيمته الاخلاقية. وفي برداية القرن الرابع نري المؤرخ ” أوسابيوس القيصري ” يؤكد على ان الكتاب كان يقرأ في جميع الكنائس، خصوصا ككتاب تعليمي للذين يهيئون نفوسهم للعماد. كذلك القديس ” أثناسيوس “الذي ينفي عنه طابع الوحي، يفرض قراءته على الموعظين ويقول: ” انني مجبر على التأكيد ان هناك كتبا لا يمكننا ان نصنفها كتب وحي، ولكن يجب ان تقرأ على الذين يريدون تعلم أسس الايمان ” (قانون مجمع نيقيا، 18). ثم يعدد هذا الكتب ومنها كتاب ” الراعي ” لهرما س، رغم أنه استند اليه ليدحض اراء الاريوسيين الذين استعملوه لماربهم الخاصة. وهكذا، جميع الاباء اليونان، على مثال من ذكرنا، فرضوا قراءته في كنائسهم نظر للإفادة الكبيرة التي كان الموعوظون يحصلون عليها من مجرد قراءته.

واما الاباء اللاتين فلم يكونوا على الحماس نفسه الذي كان عليه الاباء اليونان. فكاتب قانون ” موراتوري ” ( Muratori) سنة 200 م، يخبرنا ان كاتب ” الراعي ” هو هرماس أخ بابا رومية ” بيوس ” الذي بقي بابا من سنة 140 _ 155 م (Pastorem … Hermas conscripsit sedente in cathedra Urbis Ecclesiae pio episcopo frater ejus)

وينفي عنه صفة الوحي. كذلك ” ترتليانوس “، الذي اعطاه صفة الوحي يوم كان كاثوليكيا، نفاه عنه يوم أصبح ” مونتانيًا ” واعتبره كتابا محرفا لأنه كان يوافق على مغفرة الخطايا للزناة، خصوصا وان البابا ” زفيرينوس ” (Zephirin) قد استند عليه (على كتاب الراعي) ليقبل بعودة الزناة وتوبتهم. وكثيرون اعتقدوا ان اعلان الاحتفال بعيد الفصح نهار الاحد يعود الي ما ورد على لسان الملاك الذي ظهر لهرماس، وهذا ما نقرأه في ” كتاب السيامات والطقوس الرومانية “:

(Sub hujus episcopatum , Hermis librum scripsit , in quo mandatum continent quod ei praecepit angelus Domini , cum venit ad eum in habitu pastoris , et praecpit ut pascha die dominico celebraetur).

ولكن، في الواقع، فان كتاب ” الراعي ” لا يذكر شيئا عن الاحتفال بعيد الفصح، وان عادة هذا الاحتفال كانت متبعة قبل البابا ” بيوس ” كما يذكر ذلك القديس ” ايريناوس ” و ” أوسابيوس القيصري ” في ” التاريخ الكنسي “، 5، 24. والقديس ” إيرونيموس “، بعد ان يذكر بما قاله ” أوريجينوس ” و ” أوسابيوس القيصري ” يؤكد على ان كتاب ” الراعي ” كان، الي حد ما، غير معروف عند الاباء اللاتين (الرجال العظام 10)، ثم يتهم هرماس بالجنون عندما يتكلم عن الملاك. وباختصار فان الاباء اللاتين كانوا منقسمين حول الكتاب. فمنهم من اعتبره كتاب وحي، ومنهم من نفي عنه الصفة. ولكن، دون شك، بقي الكتاب مرجعا روحيا طوال القرون الاولي للكنيسة، وحتى لغاية اليوم يصنف بين الكتب التي يجب ان يعود اليها كل مؤمن نظرا لما فيه من تعاليم وتوجيهات روحية تساعد على العودة الي الذات والتعبد لله والامتناع عن المحرمات التي تعيق خلاص الانسان.

وابتداء من القرن السادس عشر ولغاية القرن الثامن عشر بقي المؤرخون والنقاد على موقفهم واعتبروا ان هرماس كان معاصرا للرسل، وان كتابه ” الراعي ” قد وضع قبل تدمير هيكل اورشليم من الرومان او حوالي سنة 92 م. ولكن، عند اكتشاف بعض مقاطع من قانون ” موراتوري ” سنة 1740 م، فلقد تم الراي على ان هرماس عاش في القرن الثاني. وهذا الراي هو السائد لغاية اليوم بالإجماع.

وبهذا المعني يقول اللاهوتي ” باردنهيفر ” (Bardenhewer): ” ان كتاب الراعي يتناول مشكلة غفران الخطايا الكبرى (الجسيمة) ويشدد على ذلك بطريقة توضح لنا ان هرماس كان على اطلاع على الخطر الذي بشرت به البدعة المونتانية. وفي الواقع، فان الغنوصيين كانوا اذن الاعداء في نظره، وهذا ما يؤكد على قوله في كتابه (باردنهيفر: الاباء الرسوليون، باريس 1899، الجزء الاول، ص 91).

اذن، هرماس عاش وكتب في زمن كانت فيه الكنيسة تعيش ايام هدوء وسكينة، وذلك يعني في فترة حكم الامبراطور ” انطونيوس بيوس ” (Antonin le pieux)، ما بين سنة 138 و 161 مسيحية. من هنا ابتداء الفتور الروحي عند كثيرين من المؤمنين، الامر الذي دفعه لكتابة ” الراعي ” حيث يذكر ذلك في الرؤيا الثانية، العدد 2، 3. وفي الواقع فان عاصفة قد هزت المؤمنين قبل فترة الهدوء، والكنيسة وجدت في حالة من الاضراب النفسي والتساهل الاخلاقي، الامر الذي دفع بالمسؤولين للتشديد على العودة الي روح الاصول والي تعليم المسيح والرسل.

واذ كان هرماس قد ذكر البابا ” إكليمنضوس ” في كتابه، فهل يعني ذلك ان النقاد والمؤرخين الذين اعتبروا ظهوره في النصف الثاني من القرن الثاني كانوا على خطا؟ بالطبع لا. فان التلميح الي ذلك ليس سوي من قبيل الحث والتذكير. وإذا سلمنا جدلا بهذا الخطأ التاريخي، فالمهم في الامر ما جاء في الكتاب، والذي كان للكنيسة مثالا حيا وارشادا في وقته. وحتى من الناحية الرمزية، فان هرماس وعائلته يمثلون جروح الكنيسة، وهم مدعون الي التوبة. اما الشكل الرؤيوي الذي يعطيه لكتابه فقد ميزه أكثر حيث انه أثر بالمؤمنين جدا واعاد الخطاة منهم الي حضن الكنيسة. وبهذا المعني يقول المونسنيور ” فريبل ” (freppel): ” انني اميل الي الاعتقاد باننا في حضرة كتاب تعليمي، او ثلاثية اخلاقية، بشكل رؤيوي، دون التأكيد على صورة الوحي حصرا، وهو كناية عن سلسلة تأملات تصل الارض بالسماء ” (فربيل: الاباء الرسوليون، الطبعة الرابعة، باريس 1885، ص 269).

من جهة ثانية، فإننا نري هرماس يلمح في كتابه الي محبة الغني ويرفضها، وهذا امر امر يؤكد ايضا على ان الكنيسة كانت في فترة ازدهار وفي فترة راحة من الاضهاد. والبعض من المسيحيين الذين نجوا من الاضهاد قد صودرت أملاكهم وبيوتهم. حتى هرماس نفسه قد شكاه أبناؤه، ونشعر أنه كان فقد كل شئ يوم كانت أول رؤيا، وهو في عمر سبعين سنة، أعني أيام البابا ” بيوس ” والامبراطور ” انطونيوس بيوس “.

اذن كان يكتب في زمن كانت الغنوصية قد ابتدأت تعمل في الكنيسة دون ان تشكل خطرا كبيرا عليها. فهو، وهمه الاساسي ان يحارب تراخي المسيحيين دون التلميح الي خطر الاخطاء العقائدية، لم يكن يشعر بان الغنوصية كانت تشكل انئذ خطرا كبيرا. همه اذن تشديد الايمان والعودة الي حضن الكنيسة بالالتزام الكامل بتعليم المسيح والرسل. والمقطع الوحيد الذي يلمح فيه الي هذا الخطر هو ما ورد في الرؤيا الخامسة.

العدد السابع: ” قلت: اريد ان اعرف يا سيدي نتائج الغضب حتى اتحاشي هذا الهوي. قال: اذا لم تحترس منه انت واهل بيتك فانك خاسر لا شك كل املك. احترس منه وانا معك ومع الذين تابوا توبة قلبية والملاك الشريف يبررهم جميعا “. وهذا يعني ان الغنوصية لم تكن قد استفحلت، وان معتنقيها لم يكونوا قد خرجوا على تعليم الكنيسة بعد. واما في المقطع الثاني من الرؤيا التاسعة فهو واضح جدا، حيث يقول: ” لا تفكر هكذا بل عد الي الله واطلب منه بقلبك وفكرك ولا تتردد فتري انه لن يتركك برحمته وستعرف مدي هذه الرحمة وبين الذي اخطأوا كثيرون عادوا عن خطئهم وتابوا والتزموا بتعليم الكنيسة. فالتوبة ، في نظره، هي الوسيلة الوحيدة للخلاص، وهذا ما دفع بالمونتانيين لرفضه لانهم رفضوا التوبة.

تبقي نقطة اخيرة في هذا السياق وهي ان البعض اعتبر هرماس مونتانيين. فهل هذا صحيح؟ بالطبع لا، رغم ان بعض نقاط من تعاليمه تتلاقي والتعليم المونتاني. فالكنيسة، في نظره، هي كنيسة القديسين فيها الابرار والصدقين، وفيها الخطاة ايضا. وبينما المونتانيون يرفضون غفران الخطايا الجسيمة، فان هرماس يؤكد على هذا الغفران ولو لمرة واحدة بعد العماد. من هنا دحض اراء الذين اعتبروه مونتانين لان المونتانيين يرفضون غفران هذه الخطايا الجسيمة. كذلك بالنسبة الي الزواج، فهرماس يمتدح الزوج الذي يغفر لأمرأته الزانية إذا تابت وغفر لها. وكذلك يوافق على الزواج الثاني بعد موت أحد الزوجيين، الامر الذي يرفضه المونتانيون.

وباختصار، فإننا نجد ان التزمت المونتاني ليس موجود عند هرماس، بل تعليم الكنيسة الصافية والرحوم الذي يساعد على خلاص النفس دون الوقوع في مزايدات لا مبرر. لها وكل ما في الامر هو ان مؤلف ” الراعي ” كان من المسيحيين الذين التزموا شريعة المسيح وكنيسته وجهروا بها في زمن كانت المسيحية فيه تنعم بقليل من الراحة، وكان الفتور الروحي ابتدأ يؤثر على ضعاف النفوس الذين لم يتقيدوا كليا بالبشارة الجديدة. الي ذلك يبقي ايضا هرماس وجها نبويا في مرحلة من اهم مراحل تطور المسيحية في العالم وانتشارها في الامبراطورية الرومانية المترامية الاطراف.

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

الآباء الرسوليون تلاميذ الرسل وخلفاؤهم وإيمانهم بلاهوت المسيح

الآباء الرسوليون تلاميذ الرسل وخلفاؤهم وإيمانهم بلاهوت المسيح

الآباء الرسوليون تلاميذ الرسل وخلفاؤهم وإيمانهم بلاهوت المسيح

الآباء الرسوليون تلاميذ الرسل وخلفاؤهم وإيمانهم بلاهوت المسيح

قدم هؤلاء الآباء الذين كتبوا في الفترة من 70 إلى 110م عقيدتهم في شخص المسيح من جهة لاهوته وناسوته كالإله المتجسد بنفس أسلوب وبساطة الرسل الذين تتلمذوا على أيديهم وشرحوا لنا حقيقة إيمانهم، بنفس بساطة الوحي الإلهي المكتوب في العهد الجديد، ولم يكونوا في حاجة لاستخدام مصطلحات لاهوتية أو فلسفية بسبب ظروف العصر وطبيعته حيث كان المؤمنون يعيشون حياة الإيمان وما رأوه وما شاهدوه بعيونهم مما جرى علي أيدي الرسل من معجزات ” وجرت على أيدي الرسل آيات وعجائب كثيرة في الشعب ” (أع5 :12)، ” فأقاما زمانا طويلا يجاهران بالرب الذي كان يشهد لكلمة نعمته ويعطي أن تجرى آيات وعجائب على أيديهما ” (أع14 :3). ويقول القديس بولس عن كرازته: ” بقوّة آيات وعجائب بقوة روح الله. حتى أني من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح ” (رو15 :19). كما كانوا قد تعلموا على أيدي الرسل الذين كانوا يؤمنون ويثقون أنهم يتكلمون بالروح القدس.

(1) فقد جاء في كتاب الدياديكية أو تعاليم الرسل الاثني عشر (كتب حوالي سنة 100م)؛ أن المسيح هو ابن الله وهو الرب الذي سيأتي على السحاب ومعه الملائكة القديسون (7:16)، وكانوا يعمدون المؤمنين الجدد على اسم الثالوث القدوس ” وبعد أن تعلّموا كل ما سبق عمدوا كما يأتي ” باسم الآب والابن والروح القدس بماء جار ” (1:7).

(2) وجاء في رسالة برنابا (من 90 – 100م تقريبا)؛ قوله ” يا أخوتي إذا كان السيد قد احتمل أن يتألم من أجل نفوسنا وهو رب المسكونة وله قال الرب ” لنصنعن الإنسان على صورتنا ومثالنا “ فكيف قبل أن يتألم على أيدي الناس، فتعلموا أن الأنبياء بالنعمة التي أعطوها من عنده تنبئوا عنه. ولكي يبطل الموت ويبرهن القيامة من الأموات ظهر بالجسد وأحتمل الآلام ” (5:4،6)، ثم يضيف الكاتب لو لم يأت بالجسد لما استطاع البشر أن ينظروا خلاصهم. إذا كانوا لا يستطيعون أن ينظروا إلى الشمس التي هي من أعمال يديه فهل يمكنهم أن يحدقوا إليه لو كان قد جاءهم بغير الجسد. إذا كان ابن الله قد أتى بالجسد فلأنه أراد أن يضع حدا لخطيئة أولئك الذين اضطهدوا أنبياءه ” (10:4،11).

  ثم يشرح التجسد بأكثر دقة وتفصيل فيقول ” للمرة الثانية يظهر يسوع لا كابن للبشر بل كابن لله ظهر بشكل جسدي وبما أنه سيقال أن المسيح هو ابن داود فأن داود يسرع ويتنبأ قائلا ” قال الرب لربي أجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئا لقدميك “. خوفا من أن يسيء الخطاة فهم بنوة يسوع 000 فهل رأيتم كيف يعطيه داود اسم الرب لا اسم الابن؟ ” (10:12،11)(2).

(3) وقال القديس أكليمندس الروماني، والذي كان أسقفا لروما (من سنة92 إلى 100م)؛(3)، وكان أحد مساعدي القديس بولس الرسول والذي قال عنه أنه جاهد معه في نشر الإنجيل (في3:4)، كما تعرف على الكثيرين من رسل المسيح واستمع إليهم، ويقول عنه القديس إيريناؤس واحد تلاميذ الآباء الرسوليين وحلقة الوصل بينهم وبين من جاء بعده من آباء الكنيسة، أنه ” رأى الرسل الطوباويين، وتحدث معهم وكانت كرازتهم لا تزال تدوي في أذنيه وتقليدهم ماثل أمامه “(4)، في رسالته إلى كورنثوس حوالي سنة 96م، عن لاهوت المسيح بنفس أسلوب وطريقة القديس بولس:

U فيتكلم عن المسيح الذي أخفى عظمته الإلهية وجاء متضعا ” أن صولجان جلال الله، الرب يسوع المسيح، لم يأت متسربلا بجلال عظمته – كما كان في استطاعته – بل جاء متواضعا كما تنبأ عنه الروح القدس ” (ف 16).

U وأيضا يكتب نفس ما جاء في بداية الرسالة إلى العبرانيين ” الذي هو بهاء مجده، صار أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث أفضل منهم. فقد كتب ” الصانع ملائكته أرواحا وخدامه لهيب نار. ويقول الرب عن ابنه ” أنت ابني أنا اليوم ولدتك 000 ويقول له أيضا ” اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك تحت قدميك ” (ف36).

U كما يشير إلى ملكوته السماوي فيقول ” كل الأجيال من آدم إلى يومنا هذا قد عبرت، أما المتكلمون في الحب بالنعمة الإلهية فيجلسون في مجالس القديسين ويظهرون عند إعلان (مجيء) ملكوت المسيح ” (ف50).

U وأشار إلى عقيدة الثالوث، الآب والابن والروح القدس بأسلوب الرسل دون أن يقصد أي شرح، لأن هذا الموضوع لم يكن قد أثير بعد، فيقول ” أليس لنا إله واحد، ومسيح واحد، وروح نعمة واحد سُكب علينا ” (ف46)، ” حيّ هو الله، حيّ هو يسوع المسيح ربنا،، وحيّ هو الروح القدس ” (ف58).

U ويصف المسيح بابن الله الحبيب والوحيد ” ابنه الحبيب يسوع المسيح 000 بيسوع المسيح ابنك الوحيد 000 أنك أنت هو الله ويسوع المسيح هو ابنك ” (ف59).

U ويختم رسالته بنفس أسلوب الرسل ” نعمة ربنا يسوع المسيح تكون معكم ومع جميع الذين دعاهم لله في كل موضع بالمسيح الذي له ومعه المجد والكرامة والسلطان والعظمة والعرش الأبدي من جبل إلى جيل، آمين “.

(4) ويشرح القديس أغناطيوس (35 – 107م)؛ الذي كان أسقفاً لإنطاكية وتلميذاً للقديس بطرس الرسول، وقال عنه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري ” أغناطيوس الذي اختير أسقفاً خلفاً لبطرس، والذي لا تزال شهرته ذائعة بين الكثيرين “(5)، إيمان الكنيسة في عصره، فيوضح كيف أن الرب يسوع المسيح هو الله ولكنه، ظهر في الجسد، تجسد وصار إنسانا حقيقيا، هو الإله المتجسد ” أنه المسيح المصلوب هو الإله المتجسد “، بل ويذكر تعبير إله والله عن المسيح حوالي 35 مرة:

U فيقول في مقدمة رسالته إلى الرومان ” حسب محبة يسوع المسيح إلهنا 000 سلام باسم يسوع المسيح ابن الآب 000 تحية لا شائبة فيها في يسوع المسيح إلهنا “. ويقول في نفس الرسالة أيضا ” وإلهنا يسوع المسيح عاد إلى حضن أبيه وبذلك صار يتجلى لنا بمزيد من الوضوح ” (ف 30: 3). ويقول في رسالته إلى أفسس ” حسب مشيئة الآب ويسوع المسيح إلهنا ” (مقدمة)، وأيضاً ” أنه حال فينا ونحن هياكله وهو إلهنا الساكن فينا ” (أفسس 15: 3)، كما يقول عنه أيضاً ” دعوني أقتدي بالآم إلهي “.

U وفي رسالته إلى روما ” وإلهنا كلنا يسوع المسيح ” (روما53:3)، وفي رسالته إلى أزمير يقول ” أشكر يسوع المسيح الإله الذي وهبكم مزيدا من الحكمة ” (أزمير1)، وفي رسالته إلى سميرنا ” المسيح إلهنا ” (سميرنا 1:107). ويختم رسالته إلى بوليكاربوس بقوله ” وداعا في إلهنا يسوع المسيح ” (بوليكاربوس1:1).

U ويقول أيضا أنه الله الذي تجسد وصار إنسانا ” لقد صار الله إنسانا لتجديد الحياة الأبدية ” (أفسس3:19). ووصفه بالإله المتجسد فيقول ” لأن إلهنا يسوع المسيح قد حبلت به مريم حسب تدبير الله ” (أفسس2:18). ويصفه بابن الله وابن الإنسان ” في إيمان واحد بيسوع المسيح الذي من نسل داود حسب الجسد؛ ابن الإنسان وابن الله ” (أف19:3)، كما يصف الدم الذي سفكه المسيح بأنه دم الله فيقول ” وقد أكملت عمل الأخوة حتى النهاية بدم الله ” (أفسس1:1). وأن آلامه هي الآم الله ” دعوني أقتدي بآلام إلهي ” (روما 6: 3).

U ويصف وحدة الآب والابن بقوله: ” يسوع المسيح الوحيد، الذي خرج من آب واحد وكان معه واحداً وعاد إليه واجدا ” (مغيسيا7:3).

U ويؤكد على حقيقة تجسده وكمال ناسوته حيث أتخذ جسدا حقيقيا ” فيقول ” المسيح يسوع الذي من نسل داود والمولود من مريم، الذي وُلد حقا وأكل حقا وشرب حقا، وصلب حقا على عهد بيلاطس البنطي، ومات حقا أمام السمائيين والأرضيين ” (ترالس 9)، ” أشكر يسوع المسيح الإله 000 الذي ولد حقا من نسل داود حسب الجسد ” (ازمير1)، ويقول في رسالته إلى بوليكاربوس ” وليكن نظرك على من لا يتغير أي ذاك الذي يعلو الزمان ولا يرى ولكن قد صار مرئيا لأجلنا، لا يلمس ولا يتألم ولكنه صار  ملموسا ومتألماً وأحتمل كل شيء لأجلنا ” (بوليكاربوس 3:2).

U ويؤكد على حقيقة كونه إلهاً وإنساناً في آن واحد ” يوجد طبيب واحد هو في الوقت نفسه جسد وروح (إنسان وإله)، مولود وغير مولود، الله صار جسدا، حياة حقيقية في الموت، من مريم ومن الله، في البدء كان قابلا للألم وأصبح الآن غير قابل للألم، هو يسوع المسيح ربنا ” (أفسس8: 2)، وأيضا ” إيمان واحد بيسوع المسيح الذي من نسل داود حسب الجسد؛ ابن الإنسان وابن الله ” (أفسس20: 2)، وأيضا ” يسوع المسيح الكائن قبل الدهور مع الآب وقد ظهر في ملء الزمان ” (مغنيسيا 6: 1).

U كما قدم لنا عقيدة الثالوث كما أمنوا بها في بساطتها: ” أليس إله واحد قد ظهر في يسوع المسيح ابنه وكلمته الخارجة من الصمت: (مغنيسيا 8: 22).

  ” انتم حجارة هيكل الله، معدون للبناء الذي يبنيه الآب، مرفوعون حتى القمة بآله يسوع المسيح التي هي صليبه، مع الروح القدس الذي هو الحَبْل (أف 9: 1).

  ” اعتنوا أن تقيموا في الإيمان في المحبة مع الابن والآب والروح القدس 000 وكونوا خاضعين للأسقف كما خضع الرسل للمسيح وللآب وللروح ” ( مغنيسيا 13: 1- 2).

  وهكذا قدم لنا يسوع المسيح في لاهوته وناسوته بصورة دقيقة ومتطابقة مع الإعلان الإلهي في الكتاب المقدس تماما. كما قدم لنا الثالوث في بساطته، وكان في أقواله هذه الرد الكافي والحاسم على كل من الأبيونيين والغنوسيين.  

(5) وقال القديس بوليكاربوس أسقف أزمير (65 – 155م)؛ والذي كان تلميذاً للقديس يوحنا الرسول وبعض الرسل الذين أقاموه أسقفاً على أزمير بآسيا الصغرى، كما يقول إيريناؤس أسقف ليون والمؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري(6) وجيروم سكرتير بابا روما(7)، والذي استلم التقليد الرسولي من الرسل. في رسالته القصيرة التي كتبها (فيما بين 108-110م)، ” من لا يعترف بأن يسوع قد جاء في الجسد فهو ضد المسيح ” (ف 7: 7). وهذا نفس ما قاله القديس يوحنا ” والذي رد به، بالروح، على الأبيونية والغنوسية معا. 

  وكان هذا هو نفس إيمان رسل المسيح وتلاميذه والذي كان معروفا عنهم في القرن الأول الميلادي سواء من الوثنيين أو اليهود. فقد كتب بليني في رسالة له للإمبراطور تراجان ” أن المسيحيين يعبدون المسيح كالله أو ابن الله “(8). وأيضا ” عادة يجتمع المسيحيون قبيل الفجر في يوم محدد لإكرام المسيح إلههم بالترانيم “(9).

(2) أما كتاب الرعي لرهرماس والذي كتب في نهاية القرن الأول أو بداية القرن الثاني فيصف المسيح بابن الله وسيد كل البشر ” أنه سيد كل البشر وقد أعطاه أبوه كل سلطان ” (مثل 6:5) ، وأنه الموجود مع الآب قبل الخليقة ” أن ابن الله هو قبل كل الخليقة وكان مستشار أبيه في عمل الخليقة لذلك هو أزلي 000 لأن ابن الله ظهر في الأيام الأخيرة من انتهاء العالم وقد عمل ليدخل معه إلى الملكوت السماوي الذين يخلصون 000 يسوع المسيح ابن الله الحبيب ” (مثل 2:9،5).     

(3) يوسابيوس ك 3 ف15. 

(4) Adv. Haer. b. 3:31.

(5) يوسابيوس ك 3 ف 2:36.

(6) يوسابيوس ك3 ف 1:26، ك4 ف 3:14.

(7) مشاهير الرجال ف 17.

(8) Theological Dic. NT vol. 3 p. 106.

(9) تاريخ الفكر جـ 1 : 155.

الآباء الرسوليون تلاميذ الرسل وخلفاؤهم وإيمانهم بلاهوت المسيح

Exit mobile version