كتاب الراعي لهرماس – اعداد: lll athenagoras lll

كتاب الراعي لهرماس

كتاب الراعي لهرماس

لا توجد كتابة خارج قانون العهد الجديد قبل القرن الرابع الميلادي أكثر شهرة من كتاب الراعي لهرماس والذي لاحقا صار غير معروف في الشرق بينما استمر شائعا في الغرب في الترجمة اللاتينية خلال القرون الوسطى.

النص اليوناني لكتاب الراعي كان مجهولا في الأزمنة الحديثة حتى اكتشاف مجلد اثوس (Codex Athous) ونص كتاب الراعي محفوظ في أربع مخطوطات رئيسية وهي:

 

أولا مجلد اثوس ويعود للقرن الخامس عشر يتضمن كل النص تقريبا 95% اكتشفت أوراق هذا المجلد في عام 1855م. على جبل اثوس وصدرت له نسخة طبق الأصل نشرت عام 1907م. وكان يعتقد أن النص معاد ترجمته من اللغة اللاتينية إلا انه لاحقا وبعد اكتشاف النص اليوناني لكتاب الراعي بالمخطوطة السينائية والتي تعود للقرن الرابع الميلادي صار مجلد اثوس أحد نسخ النص الأصلي اليوناني.

 

ثانيا المخطوطة السينائية (Sinaiticus Codex) وتعود للقرن الرابع الميلادي وقد اكتشفها العالم تشيندورف في دير سانت كاترين في سيناء ويقع نص كتاب الراعي بعد رسالة برنابا عقب سفر الرؤيا أخر قانون العهد الجديد. ثالثا بردية ميتشجن 129 وتعود لمنتصف القرن الثالث الميلادي وقد نشرت في عام 1934م. وتتضمن أجزاء من كتاب الراعي مع بعض الفراغات. رابعا بردية بودمر 38 وتعود لأواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس والنص في البردية مرتبط بعمل سابق بعنوان رؤيا دوروثيوس وأيضا النص اليوناني في البردية أقرب للمخطوطة السينائية عنه من مجلد اثوس وقد نشرت البردية عام 1991م.

 

إضافة الى ما سبق فيوجد نص كتاب الراعي في واحد وعشرين قصاصة يونانية وترجمتين لاتينيتين تقترب أحداهما من مجلد اثوس وبعض قصاصات باللغة القبطية باللهجة الإخميمية والصعيدية تعود للقرن الرابع والخامس وقد اقتبس البابا اثناسيوس في عظته الفصحيّة الحادية عشر عام 339م. من كتاب الراعي (الفقرة الأولى من قسم الوصايا) “أول كل شيء لنؤمن أن الله واحد الذي خلق كل الأشياء ووضعها في نظام وجعل كل شئ من لا شيء الذي يحوي كل الأشياء لكنه نفسه غير محوى” هذا إضافة الى ترجمة أثيوبية تعود للقرن الرابع مما يشهد لانتشار شعبية كتاب الراعي في الكنيسة المبكرة.

 

ويتكون نص كتاب الراعي من ثلاثة أقسام وهي: خمسة رؤى واثنا عشر وصايا وعشرة تشبيهات والرؤية الخامسة من القسم الأول تمثل بالفعل مقدمة لقسم الوصايا الثاني. أقدم أب استخدم كتاب الراعي في الشرق هو كليمندس السكندري وأوريجانوس اقتباسا من الثلاثة أقسام وأقدم أب استخدم كتاب الراعي من الغرب هو ترتليان واقتبس من قسم الرؤى والوصايا وذلك حسب تقسيم المخطوطات اللاتينية مما يعني انه بنهاية القرن الثاني الميلادي كان نص كتاب الراعي منتشرا في مصر وشمال أفريقيا.

 

وتناول آباء الكنيسة كتاب الراعي بشكل إيجابي ماعدا ترتليان عارض بسبب اختلافه مع كتاب الراعي بخصوص تصالح الزوجين بعد ندم أحد الطرفين في حالة الزنا وقد دعاه ترتليان كتاب “محب الزناة” و “راعي الزناة” حيث يقول كتاب الراعي:

“فقلت له يا سيد اسمح لي ان أسألك بعض الأسئلة الأخرى فقال تكلم قلت إذا كان رجلا متزوجا امرأة مؤمنة في الرب ووجدها في مواضع زنا فهل يخطئ اذا استمر مقيما معها؟ فقال اذا كان بغير علم فلا يخطئ أما اذا كان الزوج يعرف خطيتها والزوجة غير تائبة لكن متمسكة بفجورها واستمر الزوج مقيما معها فقد صار مسئولا عن خطيتها وشريكا في زناها فقلت يا سيد ماذا يفعل الزوج اذا استمرت الزوجة في هذه الشهوة؟

قال ليطلقها وليبقى الزوج مقيما بمفرده ولكن بعد طلاق زوجته تزوج بأخرى فقد ارتكب الزنا هو أيضا فقلت اذا تابت الزوجة بعد طلاقها وأرادت أن تعود لزوجها ألا تعود؟ قال بالتأكيد فاذا لم يرجعها الزوج فقد اخطأ ويجلب خطية عظيمة على نفسه في الحقيقة الذي يخطئ ويتوب يجب أن يرد لكن بغير تكرار لانه يوجد توبة واحدة لعبيد الله ولأجل احتمالية توبتها فان الزوج لا يتزوج هذا النهج يخص الزوجة والزوج” وجدير بالذكر أن ترتليان رفض كتاب الراعي بعد صار تابعا للهرطقة المونتانية (Montanist).

 

هناك رفض آخر لكتاب الراعي يوجد في الكتاب الأبوكريفي القبطي رؤيا بطرس بمكتبة نجع حمادي الذي يدعو شخصا يسمى هرماس بانه “بكر الشرير” لكن سياق النص غامض ولا يهاجم كتاب الراعي مباشرة ولكن بسبب الأصل المصري لكتاب رؤيا بطرس والشعبية الهائلة لكتاب الراعي في مصر في القرون الأولى يجعل الارتباط وارد.

 

لا يوجد شك أن كتاب الراعي كانت له منزلة كبيرة في الكنيسة المبكرة فقد استخدم في الصلوات الكنسية الليتورجية في بعض الاماكن فنجد ان ايرينيئوس يقتبس من كتاب الراعي ويقدمه ككتاب مقدس (γραφη) إلا انه لم يكن الاقتباس الوحيد في سياق النص فالقديس ايرينيئوس يقتبس بهذا الترتيب من (الراعي وملاخي ثم من الرسول بولس ثم من كلام الرب يسوع في إنجيل متى) ونلاحظ انه لم يذكر اسم كتاب الراعي ولم يذكر اسمه صاحبه وغير واضح بالضبط كيفية تقدير قانونيته.

“Irenaeus’ quotation of Shepherd of Hermas in Adversus haereses introduces it as χραφή, ordinarily understood as scripture, but the order of references (Hermas, Malachi, Paul, Jesus) indicates a recognition of the text as authoritative, even if it is not clear exactly how he would value its authority.” – (Osiek, C., & Koester, H. Shepherd of Hermas)

 

أيضا كليمندس السكندري اقتبس بكثرة من نص الراعي وأشار إليه كإلهام إلهي إلا انه لم يذكر شيء عن مدي قانونيته وارتباطه بالأسفار القانونية.

Θείως τοίνυν ἡ δύναμις ἡ τῷ Ἑρμᾷ κατὰ ἀποκάλυψιν λαλοῦσα (“the power that spoke divinely to Hermas by revelation”)

أوريجانوس أيضا استخدم كتاب الراعي بحرية في سنواته المبكرة لكن قل ذلك بمرور الوقت ويرجع ذلك الى انتقاله من الإسكندرية الى قيصرية حيث لم يكن كتاب الراعي معروفا أو مقدرا كما أن أوريجانوس قد ربط بين هرماس صاحب كتاب الراعي وشخصية هرماس المذكور في رسالة رومية 16: 14.

 

توجد قائمة كتابية بالأسفار القانونية في المخطوطة الغربية كلارومنتانوس ثنائية اللغة (تعود للقرن السادس) تضع بين رسالة فليمون والعبرانيين قائمة لاتينية للاسفار الكتابية تنتهي برسالة برنابا والراعي لهرماس وأعمال بولس ورؤيا بطرس إلا انه يبدو أن هذه القائمة مستقلة تماما عن المخطوطة نفسها وربما تعود للقرن الثالث الميلادي.

 

القانون الموراتوري الشهير يأخذ اتجاه على النقيض ناحية صرف النظر عن القيمة القانونية للنص بينما يشير الى فائدة القراءة السرية الشخصية للكتاب وهنا يقترن رفض القانون الموراتوري لقراءة كتاب الراعي في الكنيسة مع استحسان قراءته سريا بصورة شخصية أما السبب المقرر لرفض القراءة العلنية أو الاستخدام الشعبي للنص هو انه كتب لاحقا بيد أخو الأسقف بيوس ويظهر للكتاب كونه جاء من حقبة أخرى وهكذا استمر الرفض القانوني واستمرت القراءة السرية للكتاب.

coming from another era(Osiek, C., & Koester, H. Shepherd of Hermas)

 

ويعترف كل من يوسابيوس القيصري والقديس جيروم والبابا أثناسيوس بفائدة قراءة كتاب الراعي حيث يقول البابا أثناسيوس أن كتاب الراعي الأكثر فائدة (ὠφελιμωτάτη) بينما يعلن يوسابيوس إن كتاب الراعي ضروري (ἀναγκαιότατον) للبعض بالرغم من رفض الاخرين له. وربما تأثر يوسابيوس بربط أوريجانوس بين كتاب الراعي وشخصية هرماس المذكور في (رومية 16: 14).

 

يقول كل من يوسابيوس وأثناسيوس وجيروم إن كتاب الراعي مازال مستخدما في الصلوات الدينية بينما يضع روفينوز كتاب الراعي بين كتب الكنسية ولكن ليس بين الكتب القانونية لكي يقرأ ولكن ليس للاستخدام في المجادلات اللاهوتية.

 

“In the New Testament the little book which is called the Book of the Pastor of Hermas, [and that] which is called The Two Ways, or the Judgment of Peter; all of which they would have read in the Churches, but not appealed to for the confirmation of doctrine” – (Schaff, P. The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. III.)

 

وقد استمرت نسخ من كتاب الراعي منتشرة في مصر حتى القرن السادس الميلادي ثم انحسر الانتشار الشرقي حتى اكتشاف مجلد اثوس في القرن الخامس عشر بينما يبدو أن كتاب الراعي لم يختفي تماما في الغرب. وكانت الكتب المقدسة تنتشر متضمنة الكتب الأبوكريفية (أو المعروفة بالقانونية الثانية) مع الكتابات القانونية فنجد أن كتاب الراعي كونه كتاب أبوكريفي موضوع بين سفر طوبيا والمكابيين وفي حالة ثانية بعد سفر حكمة سليمان وفي حالة ثالثة بين المزامير والأمثال.

Antonio Carlini, “Tradizione testuale e prescrizione canoniche: Erma, Sesto, Origene,”

 

إن الإشارة الى مدينة روما نفسها ونهر التيبر والطريق الى روما هي مواضع محلية ولا يمكن التفسير بوضوح لماذا استخدمت هذه الأماكن إذا كان كتاب الراعي نسخ أول مرة في مكان أخر غير روما هناك أيضا العديد من التلميحات الى زراعة الكروم التي تتناسب مع وسط إيطاليا. الموضع الجغرافي الوحيد الذي لا يناسب وسط إيطاليا هو “اركاديا” والتي يجب أن ينظر إليها كأسطورة. فقد نشأ الكتاب إذن في روما وضواحيها فالكاتب متآلف مع بعض المناطق القروية وليس الحضرية فقط.

 

إن تاريخ كتابة الراعي يعتبر مسألة معقدة حيث يدور البحث في عدة محاور يتعلق بها تاريخ الكتابة وهي كما يلي: الشاهد المذكور في (رومية 16: 14) والذي يتحدث عن شخصية تعرف باسم هرماس. من المستحيل أن يكون هرماس هذا الذي عاش في النصف الثاني من القرن الأول وذكره الرسول بولس هو نفسه هرماس أخو بيوس أسقف روما الذي عاش في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي.

وان ما قاله أوريجانوس بخصوص هرماس المذكور في (رومية 16: 14) ما هو إلا رأيه الخاص كمحاولة لوضع كتاب الراعي في مرحلة مبكرة قدر الإمكان كون أوريجانوس يعتبر الراعي مكتوب بإلهام إلهي. ولكن إذا كان يوسابيوس يعرف الهوية الموراتورية لكاتب الراعي وصلته بأخو بيوس كان سيدرك التضارب الزمني مع رأي أوريجانوس. هذا الصمت من جانب يوسابيوس يقوي فرضية تأخير القانون الموراتوري لما بعد يوسابيوس.

 

نقطة أخرى، القانون الموراتوري يؤرخ كتابة الراعي متأخرا في النصف الأول من القرن الثاني الى شخصية هرماس أخو بيوس والذي حسب يوسابيوس القيصري كان مشهورا في كنيسة روما في أربعينات القرن الثاني. وهنا تكمن المشكلة فالقانون الموراتوري يستخدم كنقطة انطلاق لتحديد تأريخ كتاب الراعي وشخصية هرماس تستخدم كنقطة انطلاق لتحديد تاريخ للقانون الموراتوري!!! أي أن البحث يدور في حلقة مفرغة فيما يعرف بالجدل الدائري.

 

ويفترض كرومبي (Crombie) إن هرماس واخوه بيوس كانا أحفاد هرماس المذكور في رسالة رومية وان الشعبية المبكرة لكتاب الراعي ترجع لهذه الهوية ولعدم وجود إجماع لي التأريخ فإن غالبية الدارسين يضعون زمن كتابة الراعي خلال النصف الأول من القرن الثاني.

وعليه فإن أفضل افتراض لتأريخ كتاب الراعي في الفترة الزمنية من نهاية القرن الأول حتى منتصف القرن الثاني الميلادي.

كتاب الراعي لهرماس

رسالة الراعي لهرماس – د. وهيب قزمان

رسالة الراعي لهرماس – د. وهيب قزمان

رسالة الراعي لهرماس – د. وهيب قزمان

رسالة الراعي لهرماس – د. وهيب قزمان

أولاً: المقدمة:

إن كتاب الراعي لهرماس هو أوسع ما وصل إلينا من آثار الآباء الرسوليين. إلاّ أننا لانستطيع أن نجزم من هو واضع هذا الكتاب بدقة، لأن الكتاب له طابع النبوة يصعب فيه التمييز بين الرمز والحقيقة.

هرماس: ” جاء بالوثيقة الموراتورية (القرن الثاني) أن ” هرماس كتب كتاب الراعي O Poimen في زمن حديث جدًا، حين أعتلى أخوه بيوس الأسقف كرسي مدينة روما “.

وقد أكد أوريجينوس على هذه الشهادة في تعريفه لهرماس بأنه هو نفسه الذي ذكره القديس بولس في الرسالة إلى رومية (14:16).

ولا يمكن الجزم بأنه عاش في زمن ” كليمندس الروماني “.

وهرماس كما يقول عن نفسه، ينحدر عن أسرة يونانية، جيء به إلى روما وهو بعد شاب صغير وبيع هناك عبدًا، واشترته سيدة مسيحية تدعى رودا Rhoda. فأعتقته وتزوج وحقق ثروة لا بأس بها في التجارة والزراعة. لكن يبدو أن أخلاقيات الأسرة لم تبلغ نفس رُقى تجارته وثروته: إذ كان رجلاً قد اشتهر بالكذب وكانت زوجته ثرثارة، وانحرف أولاده، حتى أنهم أنكروا الإيمان أثناء الاضطهاد! لكن بقىّ هرماس وحده يواجه بشجاعة تلك المحنة التي أحاطت به وبأسرته وهو الأمر الذي يُحسب له، وخسر كل ثروته ما عدا مزرعة واحدة صغيرة كانت بالكاد تكفي احتياجاته. وتسبب الاضطهاد في تحوله الكامل إلى إنسان مسيحي تقى.

كتاب الراعي:

يُقسم في ظاهره إلى ثلاثة أقسام: خمس رؤى واثنتي عشرة وصية وعشرة أمثال. ولكن المنطق السليم يقضى باعتبار الكتاب مؤلفًا من قسمين رئيسيين هما الرؤى والوصايا.

ويمتاز الكتاب بسلسلة من الإرشادات والنصائح حول ” ضرورة التوبة “. وفى الرؤى يظهر بعض الأشخاص يرسلهم الله إلى هرماس لمنفعته، أولهم سيدة مُسنة شريفة تمثل الكنيسة، ثم تتخلى هذه عن شيخوختها تدريجيًا لتظهر في النهاية عروسًا لائقةً بالمسيح، وقد ظهرت له أربع مرات متتالية ترشده نحو الصلاح، وفى الرؤيا الخامسة يظهر له الراعي الذي يبقى معه إلى النهاية، وهو ملاك التوبة. الذي يكلفه بواجب كرازة التوبة وغفران الخطايا لمن يريدون الخلاص. ويفرح هرماس بتوبة أولاده الذين يراهم وقد عادوا إلى حظيرة الإيمان قبل الانتهاء من كتابة العمل الذي أنجزه على عدة مراحل ويرجح Quasten أن التأليف بدأ في زمن رئاسة كليمندس وانتهى في عهد بيوس.

دوافع كتابة الراعي:

1 ـ الأخطاء التي وقع فيها بخياله الدنس، بالإضافة إلى خطايا أسرته.

2 ـ الظروف التي عانى منها بسبب الإكليروس والعلمانيين…، وهو الذي رأى الكنيسة مجتمعًا مقدسًا يضم كل القديسين والأطهار المتشبهين بالمسيح، (وهو الفكر الذي ساد الكنيسة آنذاك). لهذا نبذ كل ما يمكنه أن يمنع حركة التوبة، وهي الحركة التي يُوقظها الروح القدس في نفوس عبيده.

لكن هرماس لم يتطرف في فكره، ولم يُعلم بأن لا مغفرة لمن سقطوا بعد المعمودية، الأمر الذي قسى قلوب المؤمنين نحو هؤلاء المعلمين المتزمتين، وأعثرهم وكاد أن يقطع رجاءهم في قبول المسيح لهم بعد توبتهم عن خطاياهم. وكان هدف هرماس أن يكرز بإمكانية الغفران بعد التوبة.

كان هرماس بحق أول المدافعين كتابة لا عن عقيدة كنيسة، إنما عن التائبين، (تمامًا مثلما كان البابا كاليستوس بابا روما في القرن الثالث).

شخصية هرماس كراع:

لم يعتبر هرماس نفسه مُصلحًا لاهوتيًا، بل كاهنًا راعيًا يتحدث باسم الإكليروس الروماني في عصره. عاش أواخر أيامه حياة العفة وإماتة الذات والشهوات والبساطة في السلوك والحياة، مارس حياة الطهارة وهو كاهن ممتلئ بالإيمان الحي والغيرة على خلاص نفوس الآخرين والدفاع عن توبتهم وتأكيد غفران آثامهم كما لم يكن موهوبًا في الكتابة والتأليف، ولم يكن لاهوتيًا بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنه كان ” معلمًا أخلاقيًا ممتازًا مراقبًا وملاحظًا لممارسات عصره واعيًا لسلوكيات أبناء جيله، مرشدًا معتدلاً في إعطاء النصائح والإرشادات يفرق بشكل قاطع بين الوصايا الملزمة والمشورات التي تؤدى إلى طريق الكمال في الفضائل المسيحية.

وكتاب الراعي حسب تعريف البابا أثناسيوس له، عمل نافع من الأعمال شبه النبوية التي يظهر أثرها بشكل إيجابي في أخلاقيات المسيحي وحياته.

رأى الآباء في العمل:

لا يمكن اعتبار العمل من النصوص النبوية، التي قام بها نبي ومع ذلك فقد اعتبره القديس إيريناؤس وإكليمندس الإسكندري، وكذلك أوريجينوس عملاً إلهاميًا وصنفوه مع الكتاب المقدس! وكان لترتليان نفس الرأي ولكن سرعان ما عدل عن رأيه وقال عنه أنه: ” مؤلف عن الزناة “. أما الوثيقة الموراتورية ويوسابيوس القيصري، والقديس أثناسيوس الرسولي فقد اعتبروه كتابًا نافعًا للتعليم. ولكن بعد قوانين جلاسيوس صنفه البابوات في الغرب ضمن الأبوكريفا، وإن كان عملاً أدبيًا من التراث الرؤيوي الآبائي ذا نفع روحي جزيل لمن يقرأه.

ثانيًا: خلاصة كتاب الراعي:

رغم إن ” الراعي ” كعمل واحد لم يكتب كدفعة واحدة، بل تم إنجازه على مراحل متعددة إلاّ أنه يحتفظ بوحدة العمل. فله مؤلف واحد وفكرٌ واحد يتخلله. لكننا نميز ثلاثة أجزاء فيه:

1ـ الرؤى: وهي مقدمة العمل وتمهيد، في خمس رؤى.

2 ـ الوصايا: أو الإرشادات العملية في أثنى عشر وصية.

3 ـ الأمثال والاستعارات وعددها عشرة.

الكتاب الأول: الرؤى الخمسة

 

الرؤى الأربع الأولى، تعتبر القسم الأول من الكتاب التي أعلنتها الكنيسة لهرماس، ثم يبدأ القسم الثاني بالرؤية الخامسة التي يقدم فيها الراعي الوصايا والأمثال.

الرؤيا الأولى: تبدو الكنيسة كامرأة مُسنة ضعيفة جالسة على كرسي فضة على التوبة عن خطاياه وخطايا عائلته قائلة له [لأنك (يا هرماس) كنت عجوزًا بروحك وكنت بلا قوة بسبب فتورك وتشكّك… لأنكم أنتم المسترخون في الأمور الحياتية قد أسلمتم أنفسكم إلى اليأس بدلاً من أن تلقوا همومكم على المخلص].

الرؤيا الثانية: تستعيد الكنيسة قوتها وتظهر كامرأة تقف على قدميها بوجه أكثر قوة وإشراقًا، وذلك لأن هرماس كان كإنسان شيخ أقعدته خطايا أسرته وهمومه وأحزانه واستولى عليه اليأس… لكنه حينما سمع إعلان المخلص له، وتحننه عليه عادت إليه القوة في الإيمان، كإنسان سقطت عليه ثروة ما كان يحلم بها فجأة.

الرؤيا الثالثة: تظهر الكنيسة صبية جميلة فرحة [كما أن إعلان الخير يُنسى الرجل أحزانه الماضية، فلا يفكر إلاّ في البشارة الجديدة، فتعود إليه كل القوى التي تفعل الخير ويشعر أن روحه قد عادت شابة بالفرح الذي غمره (هكذا صار هرماس) … أما كون المرأة جالسة على كرسي، فلأنها أرادت أن توضح رسوخ مركزها وثباته].

الرؤيا الرابعة: يظهر تنين مرعب فوق رأسه، يرمز إلى الاضطهادات المحدقة، لكنه لا يؤذى المؤمن الثابت في إيمانه. وتظهر الكنيسة خلف التين في شكل عروس جميلة متوجة، رمز سعادة المؤمنين وقبولهم في الكنيسة الخالدة الآتية.

يقول هرماس [بعد أن اجتزت التنين… قابلت فتاة مزينة كأنها خارجة من عرس.. فغمرتني رؤيتها فرحًا فصافحتني.. وقالت: ” إذا كنت قد نجوت من التنين، فلأنك ألقيت همومك على الله، وفتحت له قلبك وآمنت أنه لا خلاص لأي إنسان إلاّ بواسطة اسمه العظيم.. اذهب وفسر لمختاري الله أعماله المجيدة، وعرفهم أن هذا الوحش صورة للأحزان المستقبلة العظيمة. استعدوا وتوبوا من أعماق قلوبكم.. آمنوا بالمخلص أيها المؤمنون المتأرجحون!!]

الرؤيا الخامسة: يظهر ملاك التوبة في ثوب راعي يدبر أمور التوبة، ويعلن الوصايا الواجب حفظها، وهي الوصايا الاثنتي عشر التي نناقشها في القسم الثاني.

+ وهنا لا يفوتنا أن نوضح أن ملاك التوبة لم يظهر لهرماس إلاّ بعد توبته واعترافه وفرحه الغامر، ولهذا تمتع برؤية الكنيسة الشابة الجميلة الغالبة للتنين، المتوجة بأكاليل النصرة… هذا المنظر غمره بالفرح وبعث فيه الرجاء الذي يشجعه على قبول الوصية والجهاد من أجلها لأنه يجب أن نكتشف الحياة الكنسية المجيدة المنتصرة على الشر والموشحة بقداسة مسيحها حتى نقبل الوصية بفرح، كطريق ملوكى ننعم فيه بشركة مسيحنا واهبًا الغلبة والقداسة في ثقة في وعده بالغلبة ” ثقوا أنا قد غلبت العالم ” وتصبح الوصية ليست صعبة لأنها طريق ملوكي ننعم فيه برفقة المسيح واهب النصرة.

الكتاب الثاني: الوصايا الأثنى عشر

تسلمها هرماس من ملاك التوبة (في شكل راع)، وهي تتضمن التعاليم المسيحية التي لا يمكن ممارستها إلاّ بقيادة الروح القدس. لذا يؤكد الملاك على الإيمان والصلاة، ويحذر من أحزان الروح القدس، ونوجزها فيما يلي:

1 ـ الإيمان بالله الخالق وخشيته: [آمن أن الله خالق ومدبر الكل… وأخشه، وإذا خشيته تتعفف].

2 ـ البساطة وعدم النميمة: [كن بسيطًا كالأطفال… اعط ببساطة ما تنتجه بأتعابك للمحتاجين لأن المعطى هو الله]

3 ـ الحق والصدقة: [أحبب الحق ولا ينطق فمك إلاّ به، ليرى الناس جميعًا حقيقة الروح الذي أسكنه الله فيك].

4 ـ طهارة المتزوجين والسلوك الحسن: [حافظ على النقاوة فلا يدخل فكر الزنا إلى قلبك].

5 ـ طول الأناة: [إن كنت طويل الأناة فالروح القدس الساكن فيك يبقى نقيًا… طول الأناة يفوق العسل حلاوة].

السلوك في طريق العدل: [إذا فكر الرجل والمرأة في أعمال ملاك العدل في قلبيهما، فإنهما يعملان أعمالاً صالحة، حتى لو كانا مجردين من كل صفات الخير… عندما تشعر بالتذمر والمرارة فاعلم أن الشيطان يسكن فيك.. فابتعد عنه].

7 ـ مخافة الله: [خف الرب واحفظ وصاياه التي تقويك في كل أمورك، فلا يكون مثيل لأعمالك، مخافتك لله تعطيك سلطانًا على الشيطان فلا تخشاه].

8 ـ صنع الخير (الصلاح): [إن فعلت الصلاح تحيا في الله، ويحيا أيضًا الذين يفعلون الخير مثلك].

9 ـ الثقة بالله: [إن الذين يطلبون واثقين ينالون ما يريدون، لأن صلاتهم تخلوا من التردد والشك… أما إذا تسلل الشك إلى قلبك فلن تنال شيء].

10ـ تجنب الكآبة: [نق قلبك من الحزن المميت فتحيا في الله أنت وكل الذين طرحوا اليأس والحزن ولبسوا لباس الفرح… واطرد عنك الحزن (الكآبة) فإنه شقيق الشك والغضب، لأن الروح القدس الساكن فيك لا يحتمل الكآبة].

11ـ الأنبياء الكذبة وتميزهم: [من حياة المرء نميز النبي الكاذب من الحقيقي… الذي فيه روح الله يكون متواضعًا].

12ـ الرغبة الصالحة والشريرة: [كرس نفسك للرغبة الصالحة، وهكذا تستطيع أن تسيطر على الشهوة الشريرة].

الكتاب الثالث: الأمثلة العشرة

أ ـ الأمثال الخمسة الأولى: وقد جاءت من نوع الوصايا، وهي تصف المسيحي كغريب موطنه في السماء، وممتلكاته الأرضية لها قيمة سرائرية، وشراء ” النفوس المبتلاة ” أهم بكثير من الأراضي والعمارات.

1 ـ الوطن السماوي والغربة:

[يا خدام (عبيد) الله: إنكم تعرفون أنكم تقيمون في الغربة وأن وطنكم بعيدًا جدًا... فلماذا تقتنون الحقول والمساكن والقصور؟!… من يهيئ نفسه لهذه الحياة يصعب عليه أن يعود إلى مدينته الحقيقية.].

2 ـ الكرمة وشجرة الدردار: ” كمثل للتعاون بين الغنى والفقير “

[لأن الكرمة التي تعلو فروعها شجرة الدردار تعطى ثمرًا جيدًا وكثيرًا، أما إذا تُركت فوق الأرض فإنها تعطى ثمرًا قليلاً ومتهرئًا… الغنى يملك ثروة كبيرة إلاّ أنه فقير في خدمة الله… أما صلاة الفقير فهى غنية ومقبولة عند الله… الغنى والفقير يتمان عملاً واحدًا يرضى الله، هذا بالصلاة، وذاك بماله الذي أعطاه الرب].

3 ـ الأشجار العالية في العالم ” الشتاء “:

[لأن الصديقين والخطاة لا يتميزون في هذا العالم بل يتشابهون… ففي الشتاء تفقد جميع الأشجار أوراقها… ويصعب التميز بين الأشجار الميتة والأشجار الحية].

4 ـ تمايز الأشجار في الدهر الآتي: ” الصيف ”

[كما أن ثمار الأشجار تظهر في الصيف وكل شجرة تُعرف من ثمارها، هكذا سيُعرف الصديقون المثقلون بالأوراق من ثمارهم، أما الوثنيون والخطاة الذين ترمز لهم الأشجار اليابسة فإنهم سيظهرون حاقدين في الدهر الآتي ويُلقى بهم في النار لأعمالهم الشريرة].

5 ـ الصوم كتضحية مقبولة:

[صُمْ للرب هكذا: لا تصنع الشر، واعمل بقلب نقى، واحفظ وصايا الله… اجمع المال الذي وفرته بسبب صيامك واعطه إلى محتاجيه… وبهذا تصبح تضحيتك مقبولة عند الله].

ب ـ الأمثلة الأربعة من (6 ـ 9): تعالج موضوع التوبة بالتفصيل،

ج ـ أما المثل الأخير (10): فيظهر البرج (الكنيسة) ويعلم الملاك هرماس أن ينقى عائلته وينصح الجميع بالتوبة:

6 ـ رؤية ملاك الشهوة وملاك العقاب في ثوبي راعيين: يمثل القطيع الغبي حشدًا عظيمًا من النفوس الذين يحيط بهم خطر الهلاك وإذا يقودهم ملاك الشهوة إلى الشر فإن الله يسلم الخطاة الذين يلهون دون فرح إلى ملاك العقاب ليعاملهم بقسوة، ليردهم عن ضلالهم وغيهم إلى الطريق الثواب ” المستقيم “. وهذه العقوبة عادلة بسبب خطايا الناس.

7 ـ هرماس وعائلته بين ملاك العقاب وملاك التوبة: بينما عانى هرماس من شدة العقاب لجأ إلى التوبة مفضلاً أن يتحمل آلامها الشافية… يقول ملاك التوبة: [يجب على التائب أن يفرض الألم على نفسه، وأن يكون متواضعًا وأن يتحمل آلامًا متعددة… فيتراءف خالق الكون عليه ويشفيه من كل شروره، لأنه عارف مكنونات القلوب] (قطع4،5).

8 ـ عمل النعمة وشجرة الصفصاف: هناك شجرة صفصاف ضخمة، تمثل ناموس الله المعطى لكل العالم والنعمة المعطاة في الابن، وهي شجرة تظلل على كل المسيحيين في العالم (تشبيه8،3) ويقطع الملاك ميخائيل فروعها وأغصانها ويعطى لكل واحد، ثم يجمعها بعد حين، وتكشف حالة الأغصان العائدة عن ضمائر الذين حملوها معهم… ومن بين ثلاثة عشر صنفًا من المسيحيين، فإن ثلاثة فقط هم الذين يدخلون إلى الكنيسة (البرج) في مجدٍ عظيم، وهم: ” الشهداء والمعترفون والأبرار، أما كل الباقين فهم خطاة عليهم بالتوبة لنوال الخلاص حسب إرشادات الراعي.

9 ـ الكنيسة كبرج عجيب مبنى على صخر الدهور: نرى منظر البرج الذي ظهر في الرؤيا الثالثة يتم اكتماله، ففي وسط سهل أركاديا تقف هذه الصخرة القديمة (وهو ابن الله) وفى الصخرة باب جديد (التجسد) محاطًا بإثنى عشر عذراء (رمز للفضائل المسيحية) ويبنى الملائكة برجًا “الكنيسة” على الصخرة والباب (إشارة إلى الإيمان بالمسيح الصخرة والباب) بواسطة الأحجار “المؤمنين” التي يحصلون عليها من مجارى المياه (إشارة إلى المعمودية)، أو من الأثنى عشر جيلاً [تشبيه للعالم كله حيث هذه الجبال تمثل أثنى عشر سبطًا يقطنون كل العالم، إشارة إلى الكنائس المحلية المنتشرة في العالم والذين كرز لهم الرسل بابن الله] وكلهم يجب أن يعبروا من الباب، وعندما كانت هذه الأحجار توضع في مكانها من البناء فإنها كانت تفقد ألوانها وتصبح كلها بيضاء [إشارة إلى الكنيسة التي تصبح قلبًا واحدًا نقيًا وبهيًا في المسيح يسوع].

وفجأة يتوقف العمل إذ يأتي السيد صاحب البرج ليمتحن نوعية وجودة الأحجار المستخدمة في البناء، وكثير من الأحجار تطرح وتعطى للراعي ليعيد تشكيلها من جديد بالتوبة: لأن صاحب البرج يشتاق أن يستخدم كل حجر في البناء، وهكذا يصلح بعضها للبناء، أما بقية الأحجار التي لا تستجيب فتأخذها نساء جميلات يرتدين ملابس سوداء (الرذائل الأثنى عشر) وتمثل هذه الأحجار المؤمنين الذين لم يستجيبوا لنداء التوبة وهؤلاء يهلكون إلى الأبد.

10 ـ وصية ختامية بالكرازة والتوبة: ينصح الملاك هرماس بأن يطهر وينقى بيته شخصيًا بالتوبة، وأن يدعو الجميع للتوبة، بينما البرج لا يزال في طور البناء، لأن عملية بنيان الكنيسة معلقة بإعطاء الخاطئ فرصة للتوبة [من انتزع نفسًا من العذاب يوقظ في داخله عالم من السرور، افعلوا الخير أنتم الذين أعطاكم الله خيراته.. بناء البرج توقف بسببكم! إذا لم تسرعوا في عمل الخير، فسيتم بناء البرج وستبقون أنتم خارجه!]. كما يقول هرماس أن الملاك وعده بأن الذي يتوب ويحفظ الوصايا ينعم بمشاعر الفرح والبهجة طول العمر وينال حياة في ذاته..

 

ثالثًا: الأفكار الرئيسية:

1 ـ التوبة:

في الرؤيا الثانية وفى الوصية الرابعة نرى أن للتوبة حدودًا وهو الفكر الذي كان سائدًا في الكنيسة في ذلك الوقت. ويبدو أنه كان هناك خلطًا بين المعمودية الواحدة والتوبة الواحدة، ولكن سرعان ما عدلت الكنيسة عن فكرة رفض التائبين بعد المعمودية، على أساس أن الله غافر للآثام طالما أن الخاطئ يُقدم توبة صادقة من كل القلب، لأن التائب حسب الظاهر لا يقدم أثمارًا تليق بالتوبة.

ودور الكنيسة هو الأخذ بيد التائبين والترفق بهم وإعانتهم على بلوغ الكمال… وهي مبنية من أحجار حية هم المؤمنون التائبون. وعلى التائبين ألاّ يتشبهوا بحاملي العقاقير الشافية في صناديق معلقة من خارج.. بل يجب أن يحملوا ثمار التوبة في داخلهم.

أما بالنسبة للتوبة وأثرها الشخصي والجماعي، فنرى أن التوبة تجدد شبابنا الروحي والجسدي، بل وشباب الكنيسة أيضًا. وهذا ما تظهر به (الكنيسة) المرأة في الرؤيا الثالثة حيث تبدو صبية صغيرة جميلة بلا ضعف. وهذا ما تشرحه لنا بقولها إن أبنائها إن تابوا توبة كاملة بلا استهانة بمراحم الرب، فإن تلك التوبة تجددهم شخصيًا كما تجدد الكنيسة أيضًا وتزيد نضارتهم أيّ نضارتها…

 

أ ـ التوبة والحكمة: مع التوبة يعطى الله فهمًا وحكمة إذ يدرك الخاطئ حين يتوب أنه قد ارتكب حماقات كثيرة… وحين يبدأ في التوبة تظهر الأثمار اللائقة بالتوبة، ومنها عطايا الروح كالحكمة والفهم حتى لايعود التائب يخطئ ثانية.

 

ب ـ ثمار التوبة: يعدد هرماس بعض ثمار التوبة وأهمها إعانة الأرامل واليتامى والمعوزين، واستضافة الغرباء، والهدوء في التصرف، وحفظ رباط الإخوة، وتشجيع صغار النفوس، والترفق بالساقطين وعدم إغاظتهم..

 

جـ ـ آفة حياة التوبة: هيّ في نظر هرماس الشك في عطايا الله، لأن الشك ضعف من الشيطان، بينما الإيمان قوة من السماء، الذي يؤمن يطلب من الله بلجاجة دون شك، لأن الله ليس مثل باقي البشر يتذكر خطايانا، والإنسان الذي يخضع لروح الله يحزن على خطاياه فيتركها ويتوب، وهكذا يخلص الأبرار بتوبتهم.

الوصية ومخافة الرب:

نرى في الكتاب الثاني تشديد هرماس على ضرورة اقتران الوصية بمخافة الرب، ويبدو أن البعض كان يستهتر بالوصايا وبإنذارات الرعاة ولم يعد يخشى الله. ففي الوصية السابعة يوضح ارتباط مخافة الرب بالقوة الروحية التي يهبها لنا الروح إذ ” نصير أقوياء في كل فعل “، كما أن “مخافة الرب تجعلنا نصنع كل شيء حسنًا، وبمخافة الرب نخلص “، بل إن الذين يحفظون وصايا الله ” لهم حياة في ذواتهم “… وهذه كلها جوانب عملية تدعونا إلى مراجعتها في النصوص.

3 ـ الكنيسة:

 إن اعتبرنا كتاب الراعي دعوة حارة موجهة لنا جميعًا للتوبة والرجوع إلى أحضان الله فهو في نفس الوقت دعوة للدخول إلى العضوية الكنسية الحية، حيث جماعة القديسين والأبرار التائبين المتمتعين بنعمة الله وعمله الخلاصي. إذ نجد في المثل التاسع تشبيهًا رائعًا يتناول أسرار بناء الكنيسة (البرج)، إذ أن ابن الله يُشبه بالصخرة القديمة (أزلية الابن)، يتوسطها باب جديد (التجسد).

وكيف نزع ابن الله صاحب البرج الحجارة غير اللائقة من كنيسته ولم يقبل عودتها بدون التوبة العملية كما أكد على وحدة الكنيسة فيما بين أعضاءها ووحدتها مع مسيحها، إذ ظهرت برجًا عاليًا كما لو كانت حجرًا واحدًا، كما أنها والصخرة المبنية عليها كتلة واحدة.

4 ـ المعمودية:

 لقد أفاض هرماس في شرح المعمودية كما أورد تشبيهات كثيرة ليوضح أهميتها، نوجز بعضها. فالمعمودية أساس العضوية بالكنيسة

[سألتها: لماذا يُبنى هذا البرج فوق الماء يا سيدتي؟ فقالت: إن حياتنا خلصت وتخلص بالماء. للبرج أساس، وأساسه كلمة اسم الله العظيم الممجد، قائم بقوة السيد غير المنظور] (الرؤيا الثالثة).

والمعمودية ختم الحياة عنده [الذين لا يحملون اسم ابن الله هم أموات، إلاّ أنهم عندما ينالون الختم يخلعون الموت ويلبسون الحياة. الختم هو ماء المعمودية، ينزلون في الماء أمواتًا ويخرجون منه أحياء] (الوصية 9).

المراجع (رسالة الراعي لهرماس – د. وهيب قزمان)

+ الآباء الرسوليون ـ سلسلة آباء الكنيسة ـ ـ ترجمة البطريرك إلياس الرابع ـ 1970

+ الآباء الرسوليون ـ المدخل في علم الباترولوجي ـ القمص تادرس يعقوب 1991.

+ أباء الكنيسة في القرون الثلاثة الأولى ـ د./ أسد رستم 1983.

+ The Church of the Fathers, Fr. L. Poullan, London 1925.

+ History of Dogma, A. Harnak, vol. 1, New York,1961.

+ Manual of Patrology and History of Theology, F. Cayre.

+ A.N.Fathers , vol. I , Michigan, 1980.

+ Patrology, vol. I, J. Quasten, Mary Land, 1962.

+ The History of The Primitive Church, J. lebreton, London, 1944.

+ The Early Christian Fathers, F.L. Cross, London, 1960.

+ The Apostolic Fathers, J.P. Lightfoot, Michogan, 1974.

رسالة الراعي لهرماس – د. وهيب قزمان

كتاب الراعي لـ هرماس – هل يجب اعتباره جزءًا من الكتاب المقدس؟

كتاب الراعي لـ هرماس – هل يجب اعتباره جزءًا من الكتاب المقدس؟

كتاب الراعي لـ هرماس – هل يجب اعتباره جزءًا من الكتاب المقدس؟

مقال لِـ لوك واين (Luke Wayne) مُترجَم فريق اللاهوت الدفاعي

الجواب

لا، فكتاب “الراعي لـ هرماس” لم يكن أبدًا جزءًا من العهد الجديد ولا ينبغي اعتباره جزءًا من الكتاب المقدس. في الكنيسة الأولى، كان هناك كتاب شائع جدًا يُعرَف باسم “الراعي” كتبه رجل يُدعى هرماس (يُشار اليوم إلى الكتاب باسم “الراعي لـ هرماس”). سجل هذا الكتاب سلسلة من التعاليم والأمثال التي، حسب سرد ​​الكتاب، أُعطيَت لـ هرماس خلال رؤى لشخصية سماوية في هيئة راعٍ.

كُتِب هذا الكتاب في وقت ما في منتصف القرن الثاني وقد تمت قراءته ونسخه وترجمته على نطاق واسع من قبل المسيحيين الأوائل. لدينا حوالي 11 مخطوطة باقية من كتاب الراعي تعود إلى القرن الثاني / الثالث الميلادي (خلال 150 عامًا من كتابته).[1]

هذه ثروة مدهشة من الشهود الأوائل وتدل عن شعبية الكتاب. أقدم نسخة مُجلَدة للكتاب المقدس بأكمله ككتاب واحد، هي المخطوطة السينائية للقرن الرابع، تحتوي على كتاب الراعي لـ هرماس في نهاية المجلد. ليس من المفاجئ أن يقود ذلك بعض النقاد إلى استنتاج أن كتاب الراعي اعتُبِر ذات يوم كتابًا مقدسًا من قبل المسيحيين الأوائل وأنه كان في الأصل جزءًا من قانون العهد الجديد قبل إزالته لاحقًا. على سبيل المثال، يوضح أحد العلماء:

“كان كتاب الراعي شائعًا بين المسيحيين في القرون الأربعة الأولى. كتبه هرماس، شقيق بيوس أسقف روما، خلال النصف الأول من القرن الثاني، واعتبرته بعض الكنائس كتابًا مقدسًا قانونيًا. في النهاية ومع هذا، تم استبعاده من الأسفار القانونية، ربما لأنه كان معروفا أنه لم يُكتَب من قِبَل أحد الرسل.

على الرغم من ذلك، فقد تم تضمينه كواحد من أسفار العهد الجديد في المخطوطة السينائية للقرن الرابع وذكره مؤلفون آخرون في ذلك الوقت على أنه يُعتبَر من ضمن الأسفار القانونية.” بارت إيرمان (Bart Ehrman)، النصوص الُمقدَسة المفقودة (مطبعة جامعة أكسفورد، 2003)، ص. 251

يبدو أنها حجة قوية جدًا. فيمكن للمرء أن يفهم بوضوح لماذا قد يقفز الناس إلى مثل هذا الاستنتاج، ومع ذلك، فإن الحقائق تشير إلى الاتجاه الآخر. عند الفحص الدقيق، يتضح أن الكتاب كان ذا قيمة عالية عند المسيحيين الأوائل ولكن تم تمييزه بحرص شديد عن الأسفار المقدسة القانونية ولم تتم قراءته أو الوعظ به علنًا في الكنائس كـرؤيا أصيلة في الكتاب المقدس.

كتاب الراعي لـ هرماس في قوائم الأسفار القانونية المبكرة

العديد من القوائم المسيحية المبكرة للأسفار القانونية ناقشت بطريقة مباشرة علاقة كتاب الراعي بالأسفار القانونية. يشرح ” القانون الموراتوري” (Muratorian Canon)، وهو عبارة عن قائمة لأسفار العهد الجديد تعود إلى القرن الثاني ولا تبعد بفترة زمنية طويلة عن بدء تداول كتاب الراعي:

“لكن هرماس كتب كتاب الراعي مؤخرًا في عصرنا، في مدينة روما، بينما كان الأسقف بيوس شقيقه، يشغل كرسي كنيسة روما. ولذلك يجب أن يُقرَأ حقًا، لكن لا يمكن قراءته للناس في الكنيسة علنًا سواء بين الأنبياء الذين اكتمل عددهم أو بين الرسل لأنه بعد زمانهم.” بارت إيرمان (Bart Ehrman)، النصوص الُمقدَسة المفقودة (مطبعة جامعة أكسفورد، 2003)، ص. 333

بمعنى آخر، كتاب الراعي مصدر يحظى بالتقدير، ويستحق القراءة، لكنه ليس جزءًا من العهد القديم أو الجديد. فهو قيِّم لكن لا يمتلك سلطة كتابية. إنه ليس نصًا مقدسًا.

يوسابيوس – المؤرخ مسيحي من القرن الرابع وعالم اللاهوت – وضع الكتاب في فئة غالبًا ما تُتَرجَم “مَنحُولة”(spurious)، مدرجًا إياه إلى جانب كتب مثل “ديداخي” و “رسالة برنابا”. وأوضح أن مثل هذه الكتب تعتبر بشكل عام أرثوذكسية ومفيدة، ولكن لا ينبغي اعتبارها موحى بها أو قراءتها في التجمعات الكنسية الرسمية.

فهو لم يميز الكتب المذكورة سابقًا عن الكتاب المقدس فحسب، بل ميزها أيضًا عن الكتب “المتنازع عليها” (disputed) التي اعتبرها البعض نصًا مقدسًا، بينما لم تكن جميع الكنائس قد قبلتها بعد كـنص مقدس في ذلك الوقت (مثل بطرس الثانية ويوحنا الثالثة).

لقد وضع كتاب الراعي في فئة ثالثة باعتباره كتابًا مفيدًا ولكنه بالتأكيد ليس نصًا مقدسًا. [2] وهذا يوضح أنه بينما كانت هذه الكتب شائعة بين المسيحيين، لم تُعتبَر جزءًا من الكتاب المقدس. لم يكن هذا حتى محلًا للجدال، حيث يعتبره البعض نصًا مقدسًا والبعض الآخر يرفض. ببساطة، لم يكن هناك نقاش حول كون كتاب الراعي جزءًا من الأسفار القانونية.

تم تأكيد هذا أيضًا في رسالة لأثناسيوس السكندري تعود إلى القرن الرابع. بعد أن وضع قائمة بأسفار العهد الجديد الـ27 “بدون تردد”، تابع أثناسيوس ليكتب: “هناك أسفار غير هذه لم يتم إدراجها في القانون من ناحية، لكن تم تمييزها من قبل الآباء ككتب يجب قراءتها لأولئك الذين اعتنقوا الإيمان مؤخرًا والذين يرغبون في الحصول على تعليم كلمة التقوى.” تم وضع كتاب الراعي لـ هرماس مرة أخرى في هذه الفئة، إلى جانب الديداخي وأسفار أخرى.[3]

حقيقة أن هذه الكتب تُعتبَر مفيدة ليقرأها المتحولين حديثًا [للإيمان]، قد تكون سببًا لضمها في المخطوطة السينائية بعد العهد الجديد. نظرًا لأن امتلاك الفرد للكتاب المقدس الشخصي لم يكن شائعًا في هذا العصر، فمن المحتمل أن يمثل المجلد شيئًا يشبه ما نعتبره اليوم كمكتبة كنيسة محلية. احتوت على الأسفار المقدسة لتُقرأ للعامة وللتعليم، وأيضًا كتب أخرى مفيدة لخدام الكنيسة لاستخدامها في التلمذة والقراءة التعبدية والدراسة.

كتاب الراعي لـ هرماس وإيريناؤس

غالبًا ما يُقال إن أحد أبرز المسيحيين المدافعين واللاهوتيين في القرن الثاني، إيريناؤس من ليون، يشير مباشرةً إلى كتاب الراعي باعتباره سفرًا مقدسًا. الترجمة المثالية لما كتبه إيريناؤس ستكون كذلك:

“بالحقيقة، أعلن الكتاب (scripture) الذي يقول:” آمن قبل كل شيء، أنه يوجد إله واحد، الذي أسس جميع الأشياء، وأكملها، وجعل كل الأشياء تأتي إلى الوجود مما لم يكن له وجود. الذي يحوي على كل الأشياء، وهو ذاته لا يحتويه شيء”. بصواب أيضًا قال ملاخي أحد الأنبياء: ” أليس إله واحد هو الذي أنشأنا جميعًا؟ أليس لنا جميعًا أب واحد؟” ويتفق الرسول مع هذا الكلام أيضًا، إذ يقول: ” إله وآب واحد للكل. الذي على الكل وفينا كلنا.”

وبالمثل، يقول الرب ” كل شيء قد دفع إليّ من أبي “. وظاهر أنه هو الذي خلق كل الأشياء. لأنه لم يدفع إليه أشياء خاصة بأجد غيره بل أشياءه هو” إيريناؤس، ضد الهرطقات، الكتاب 4، الفصل 20، القسم 2

في حين لم يتم ذكر أي من هرماس ولا كتابه بالاسم هنا، فإن الاقتباس الأول في النسق مأخوذ من كتاب الراعي ويسبقه عبارة “أعلن الكتاب الذي يقول …”

(“the scripture declared, which says …”)

عند ترجمتها بهذه الطريقة، يبدو لنا أن إيريناؤس يدعو كتاب الراعي بوضوح “نصًا مقدسًا” (scripture)، كما نفهم هذا المصطلح اليوم.  ومع ذلك، فإن الكلمة اليونانية المُترجَمة هنا هي “graphe” والتي تعني “كتابة”(writing). هي غالبًا ما تستخدم لتعني “نص مقدس”(scripture)  بالمعنى المُصطلَحي، ولكنها أيضًا تستخدم في كثير من الأحيان في أي مستند مكتوب.

 على سبيل المثال، يصلي إيريناؤس بخصوص كتابه إلى الله قائلًا “أعط لكل قارئ لهذا الكتاب (graphe) أن يعرفك أنك أنت وحدك الله، ويتقوى فيك، ويتجنب كل عقيدة هرطوقية وإلحادية وشريرة “. [4]

يسمي إيريناؤس كتابه “كتابة/نص” (graphe)، لكن لا أحد يؤمن أنه اعتقد أن كتابه يجب أن يكون جزءًا من الأسفار القانونية. لذا علينا أن نطرح السؤال: هل يدعو إيريناؤس كتاب الراعي “نصًا مقدسًا” (scripture)  بالمعنى المُصطلَحي أم أنه يستخدم كلمة “كتابة/نص” (graphe) بمعنى أكثر عمومية.

غالبًا ما يُشار إلى أن الاقتباس موجود في سياق يتضمن أيضًا ملاخي وأفسس ومتى، وبالتالي يجب أن الكلمة تعني “نص مقدس”، ولكن إذا نظرنا عن كثب إلى كيفية الاستشهاد بكل من هذه الاقتباسات، فسنحصل على صورة مختلفة. لا يُطلق هنا على المجموعة بأكملها “كتابة/نص” (graphe). يتم الاستشهاد بـكتاب الراعي فقط كـ”النص” أو “الكتابة”  .(“the scripture” or “the writing”) فعندما يُستشهَد بملاخي ، يقول: ” بصواب أيضًا قال ملاخي أحد الأنبياء…” فيتم الاستشهاد بملاخي بالاسم ويُدرَج على أنه ” أحد الأنبياء…”.

كما يتم الاستشهاد بأفسس على النحو التالي: ” ويتفق الرسول مع هذا الكلام أيضًا، إذ يقول …” فلا يدعو أفسس “نصًا” أو “كتابةً” (“the scripture” or “the writing”)، ولكن يدعوها بأنها كلمات الرسول. مرة أخرى، عندما يتم الاستشهاد بمتى، فإن الصيغة التي يستخدمها إيريناؤس هنا هي، ” وبالمثل، يقول الرب…”.

إذا كانت كلمة “graphe” تعني نصًا مقدسًا، فإنها كانت ستُستعمَل مع هذه الاستشهادات وسـيُطلق عليهم جميعًا “نصًا مقدسًا”. بدلاً من ذلك، يستشهد إيريناؤس بأربع سلطات مختلفة في هذا الشأن: الكتابة والأنبياء والرسول والرب. يبدو أن إيريناؤس يستشهد بتصاعد مستويات السلطة. حيث تذهب حجته كذلك:

1- كتاب موثوق يقول هذا.

2- علاوة على ذلك، أنبياء العهد القديم قالوا هذا.

3- بل أكثر من ذلك، رسل يسوع علَّموا بهذا.

4- في الحقيقة، يسوع نفسه علَّم بهذا.

إنه يتصاعد بالحجة من الأصغر إلى الأعظم في أذهان السامعين.  إذن، يشير إيريناؤس ضمنيًا إلى أن هرماس جدير بالثقة، لكنه ليس على مستوى الأنبياء أو الرسل أو الرب. بالنظر إلى ما قرأناه في مصادر مبكرة أخرى، يبدو هذا متسقًا مع المنظور الذي تبنته الكنيسة الأولى على نطاق واسع: أن الراعي كان كتابًا جيدًا ومفيدًا وجديرًا بالثقة ولكنه لم يكن على مستوى الأسفار المقدسة القانونية. فحقيقة استخدام كلمة “كتابة” (graphe) هنا، لا تتطلب بأي حال من الأحوال أن يعتبر إيريناؤس كتاب الراعي نصًا مقدسًا.

حتى لو أمكن الإثبات، على عكس شهادة المصادر المبكرة الأخرى، أن إيريناؤس اعتبر كتاب الراعي نصًا مقدسًا، فلن يكون ذلك بأي حال من الأحوال سببًا للقول إن الكتاب قانوني حقًا.  مع ذلك، من المفيد أن نلاحظ، أن إيريناؤس ربما لم ينظر إلى الكتاب بهذه الطريقة على الإطلاق. فإن تصريحه يتناسب جيدًا مع منظور الكتاب الآخرين الذين نظرنا إليهم سابقًا.

كتاب الراعي لـ هرماس والآباء الإسكندريين في القرن الثالث

غالبًا ما يُشار إلى أن المعلمين المسيحيين الأوائل المشهورين مثل إكليمنضس الإسكندري وأوريجانوس اقتبسوا وأعادوا الصياغة من كتاب الراعي في كثير من الأحيان وبصورة إيجابية للغاية. ما يتم تجاهله كثيرًا في هذا، هو أن أوريجانوس أيضًا ناقش موضوع القانون بشكل مباشر، بما في ذلك تحديد أسفار العهد الجديد الـ27، بل و ناقش أيضًا تلك [الأسفار] التي كانت لا تزال متنازع عليها، من قبل بعض الكنائس في أيامه. لم يذكر أوريجانوس ولو مرة واحدة أن كتاب الراعي تحيط به الاحتمالية في هذا السياق [أن يكون نصًا مقدسًا]. هو واضح بخصوص الأسفار القانونية التي يؤمن بها هو وقُرَّاءه، وهرماس ليس جزء منها.

شهرة كتاب الراعي بين مسيحيي الإسكندرية، حيث كان يدرس هؤلاء الرجال، أمرًا لا يرقى إليه الشك. كما رأينا أعلاه، فإن أثناسيوس الزعيم السكندري، بعد ذلك، قد أوصى بالكتاب كقراءة مفيدة للمتحولين الجدد [للإيمان] على الرغم من أنه لم يكن نصًا مقدسًا مُوحَى به.

وبالمثل، يستشهد إكليمنضس وأوريجانوس بهذا الكتاب، بنفس الطريقة التي قد يستشهد بها الواعظ الحديث بكلمات مارتن لوثر أو يقتبس بشغف سطورًا من ترنيمة مشهورة كترنيمة “ما أعجب النعمة” (Amazing Grace). هذه المصادر يحترمها القس والرَعيّة ويثقون بها ويجدون صدى معها، على الرغم من أنهم لا يعتقدون أنها معصومة من الخطأ أو أنها جزء من أسفار العهد الجديد القانونية.

كتاب الراعي لـ هرماس وترتليان

ترتليان (أواخر القرن الثاني / أوائل القرن الثالث) أحد آباء الكنيسة الأوائل الذين كانوا أكثر انفتاحًا على فكرة استمرار المواهب النبوية والإعلان الإلهي من خلال الروح [القدس]. لو كان هناك أي شخص سيقبل كتاب الراعي باعتباره وحيًا إلهيًا متساويًا مع الكتاب المقدس، فمن المتوقع أن يكون ترتليان معه. لكن ترتيليان لم يكن كذلك. في الواقع، كان ترتليان أكثر من مرة قاسيًا إلى حد ما مع خصومه الذين كانوا يدافعون عن مواقفهم أحيانًا باقتباس من كتاب الراعي، دون دعم الموقف فعليًا باستخدام الأسفار المقدسة القانونية.[5]

يتناسب هذا السيناريو تمامًا مرة أخرى مع الموقف الموصوف بوضوح في النصوص أعلاه. كان كتاب الراعي يُقرأ على نطاق واسع ويحظى باحترام جزيل بين المسيحيين الأوائل، ولكنه لم يُعتبر جزءًا من الكتاب المقدس القانوني. من المفيد أن نلاحظ أن ترتليان كان كاتبًا من الغرب اللاتيني. عندما نضيف ذلك إلى [ما قاله] كُتّاب شمال إفريقيا والشرق الناطق باليونانية الذين نظرنا إليهم سابقًا، نحصل على صورة واضحة جدًا، أن الوضع كان كذلك في جميع أنحاء العالم المسيحي.

الخاتمة

من بين كل الكتب التي يزعم الناس أنها “يجب أن تكون في الكتاب المقدس”، ربما يكون لدى كتاب الراعي لـ هرماس ادِّعاء أقوى منها جميعًا. ومع ذلك، نرى هنا بصراحة ووضوح أن كتاب الراعي، على الرغم من شعبيته واعتباره مفيدًا إلى حد كبير من قبل الكنيسة الأولى، لم يكن جدال أبدًا ليحصل على مكان في العهد الجديد. إنها ليست إهانة للكتاب، فهو لم يكن من المُفترَض أن يكون نصًا مقدسًا.

هذه ليست إهانة لترنيمة “ما أعجب النعمة” (Amazing Grace) أننا لا نضيفها إلى سفر المزامير. لا إهانة لمارتن لوثر لأننا لا نضيف عظاته إلى العهد الجديد بجانب رسائل بولس. وجدت الكنيسة في العديد من الأحيان، أن بعض الكتابات مفيدة، لكن الكتاب المقدس يتكون فقط من تلك الأسفار التي ألهمها الروحُ القدس بطريقة لا يشوبها خطأ، ويمكننا أن نكون على ثقة من أن كتابنا المقدس لا ينقصه أي شيء.

المراجع

[1] Larry Hurtado, The Earliest Christian Artifacts: Manuscripts and Christian Origins (William B. Eerdmans Publishing, 2006) 23

[2] Bart Ehrman, Lost Scriptures (Oxford University Press, 2003), p. 338

[3] Bart Ehrman, Lost Scriptures (Oxford University Press, 2003), p. 340

[4] Irenaeus, Against Heresies, Book III, Chapter 10, section 4

[5] See, for example, Tertullian, On Modesty, Chapter X

رابط المقال الأصلي:

https://carm.org/bible-general/should-the-shepherd-of-hermas-be-considered-scripture/

كتاب الراعي لـ هرماس – هل يجب اعتباره جزءًا من الكتاب المقدس؟

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحثر

ائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

رسالة الراعي لهرماس – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

رسالة الراعي لهرماس – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

رسالة الراعي لهرماس – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

رسالة الراعي لهرماس – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

رغم أن هذا الكتاب يحسب من ضمن كتابات الآباء الرسوليين، لكنه في الحقيقة ينتمي إلى فئة الكتب الرؤيوية المنحولة (Apocryphal apocalypses)، وهو عبارة عن كتاب يضم مجموعة من الرؤى أعطيت لهرماس في روما بواسطة اثنين من الكائنات السماوية: الأولى كانت امرأة مسنة، والثاني كان ملاكاً في صورة راعٍ، ومن هذا الأخير أخذ الكتاب اسمه. ولا يحوي الكتاب سوى عبارة واحدة فقط تلك التي يمكننا أن نستنتج منها زمن كتابته، فوفقاً للفقرة (4: 3) في الرؤيا الثانية، أمرة المرأة التي تمثل الكنيسة هرماس أن ينسخ نسختين من الرؤيا ويعطي إحداها لكليمندس الذي سيرسلها إلى المدن البعيدة، وكليمندس هذا بلا شك هو كليمندس الروماني الذي كتب رسالته إلى أهل كورنثوس عام 96م.

لكن، يبدو هذا متناقضاً مع ما ورد في الوثيقة الموراتورية[1](Muratorian fragment) التي تتكلم عن كاتب هذا العمل قائلة: “وحديثاً في وقتنا هذا في مدينة روما كتب هرماس كتاب الراعب عندما كان أخوه بيوس الأسقف يجلس على كرسي مدينة روما.” وتعطي شهادة الوثيقة الموراتورية – التي ترجع إلى نهاية القرن الثاني الميلادي – انطباعاً بموثوقية المعلومات المذكورة بها، لكن بما أن جبرية بيوس الأول تقع ما بين (140-150م)، نظر الباحثون إلى إشارة الكاتب إلى البابا كليمندس الواردة في الرؤيا الثانية على أنها خيال محض.

لكن، ليس هناك سبب معقول يدفعها لندعو هذه الإشارة خيالاً، فنحن يمكننا أن نفسر كلا التاريخين إذا أخذنا في الاعتبار الطريقة التي جُمعت بها أجزاء هذا الكتاب، فعلى أغلب الظن، تعود الأجزاء الأقدم من هذا الكتاب إلى عهد حبرية كليمندس، في حين تعود النسخة المنقحة الموجودة بين أيدينا إلى عهد حبرية بيوس. ويقود الفحص النقدي لمحتويات الكتاب إلى نفس هذا الاستنتاج، ويظهر هذا أن أجزاء الكتاب المختلفة تعود إلى فترات تاريخية مختلفة.

 ونجد أيضاً أن أوريجينوس كان يرى أن مؤلف هذا الكتاب هو هرماس الذي ذكره بولس في رسالته إلى أهل رومية، وهذا الرأي غير مقبول. ويذكر المؤلف أنه قد تم بيعه كعبد في شبابه المبكر وأرسل إلى روما، وهناك اشترته سيدته المدعوة رودا.

أما الأسلوب العبراني الذي للكاتب فيؤكد أنه إما من أصل يهودي أو تعلم على يد معلمين يهود، وهي يحكي – في صراحة ووِد – كل أنواع الأمور التي تتعلق به شخصاً أو بأقاربه، وهو يتكلم عن صفقاته التجارية، وفقدانه لكل ثروته التي جمعها كشخص حر، وزراعته لفدادين الأرض التي يملكها على طريق السفر الواصل بين مدينة روما ومدينة كومي (Cumae)، هذه الحقيقة الأخيرة تفسر سبب خروج هذا الكم الكبير من الصور الريفية التلقائية من قلم الكاتب.

ويخبرنا الكاتب أيضاً أن أولاده قد ارتدوا عن الإيمان أثناء فترة الاضطهاد، وكيف أنهم خانوا والديهم وعاشوا حياة منافية للأخلاق، كما أنه لا يجد شيئاً طيباً ليقوله عن زوجته التي تتحدث كثيراً ولا تلجم لسانها. وتدفعنا هذه المعلومات لنستنتج أن الكاتب كان رجلاً تقياً باراً له ضمير حي، رجلاً قد ثبت في مواجهة الاضطهاد.

ويتكون الكتاب من عظة عن التوبة ذات سمات رؤيوية وعلى وجه العموم فإن موضوعها كان غريباً من جهة الشكل والمضمون. والعمل ينقسم ظاهرياً إلى ثلاث أقسام: خمس رؤى، واثني عشر حكماً أو وصية، وعشرة أمثال. وبالرغم من أن هذا التقسيم من وضع الكاتب، إلا أن العمل لا يحتوي داخلياً على أساس منطقي يُبرر هذا التقسيم الثلاثي أو حتى العناوين الفرعية المختلفة داخله، وذلك لأنه حتى الوصايا والأمثال الواردة في العمل هي أيضاً ذات طبيعة رؤيوية أما منطقياً، فينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسين وخاتمة.

المحتويات

  1. في القسم الرئيس الأول، الذي يضم الرؤى من الأولى إلى الرابعة، يستقبل هرماس رؤى من المرأة التي تمثل الكنيسة والتي ظهرت له أولاً في شكل امرأة عجوز جليلة ولكنها بالتدريج تفقد علامات السن وتظهر في الرؤيا الرابعة كعروس تمثل مُختاري الله.

الرؤيا الأولى

تبدأ الرؤيا الأولى بكلام عن خطية فكر تؤرق ضمير هرماس، وتظهر الكنيسة فيها كسيدة عجوز تحثه على التوبة عن خطاياه وخطايا أسرته.

الرؤيا الثانية

تعطيه السيدة العجوز كتيباً لينسخه ويوزعه؛ ويحث محتوى الرؤيا أيضاً على التوبة ويحمل نبوة واضحة بأن الاضطهاد على الأبواب.

الرؤيا الثالثة

في هذه الرؤيا تستخدم السيدة العجوز رمز البرج الذي لم يكتمل بناؤه لتشرح لهرماس مصير المسيحية التي سوف تنمو في وقت قصير لتصبح الكنيسة المثالية. كل حجر لا يناسب باني البرج سيرفض، لذلك كل خاطئ لا يتوب عن خطيته سيخرج خارج الكنيسة. والتوبة السريعة مطلوبة لأن الوقت مقصر.

الرؤيا الرابعة

تكشف هذه الرؤيا للرائي عن نكبات خطيرة وشيكة الوقوع، واضطهاد تحت سلطان تنين بشع. لكن على قدر بشاعة هذا الوحش، إلا أنه لن يؤذي الرائي وكل من يتسلح بالإيمان. وخلف الوحش، يرى الرائي الكنيسة في ثياب عروس، رمزاً للبركة التي سينالها المطيعون تأكيداً لدخولهم إلى الحياة الأبدية.

الرؤيا الخامسة

في هذه الرؤيا، التي تمثل مرحلة الانتقال من القسم الأول إلى القسم الثاني، يظهر ملاك التوبة في شكل الراعي الذي سيرعى ويقود عملية التوبة. إنه هو من سيعيد إحياء المسيحية، وهو الآن يشرح لهرماس الوصايا والأمثال.

  1. يتكون الجزء الرئيس الثاني من اثنتي عشرة وصية بالإضافة إلى الأمثال من 1 إلى 9:

الوصايا الاثنتا عشرة

تُمثل الوصايا الاثنتا عشرة ملخصاً للأخلاق المسيحية؛ فهي تكشف عن المبادئ التي ينبغي أن يسلك بها التائب بحسب الطبيعة الجديدة، وهذه الوصايا هي:

1 – الإيمان، مخافة الله والسلوك باعتدال

2 – وحدانية القلب والبراءة

3 – الصدق

4 – الطهارة والسلوك المستقيم في كل من حالتي الزواج والترمل

5 – الصبر وكظم الغيظ

6 – ذاك الذي ينبغي الإيمان به، وذاك الذي ينبغي عدم الاعتداد به، وهما بالترتيب: ملاك العدل وملاك الشر

7 – ذاك الذي ينبغي أن تخافه وذاك الذي ينبغي ألا تخافه: الله والشيطان.

8 – ما ينبغي أن نتجنبه وما ينبغي أن نفعله: الشر والخير

9 – فيما يتعلق بالشكوك (##)

10– فيما يتعلق بالحزن والتشاؤم

11– في الأنبياء الكذبة

12– في وجوب اقتلاع المرء لكل رغبة شريرة من قلبه وملئه بالصلاح والفرح.

ثم يختم القسم – مثل كل وصية – من الوصايا الاثنتي عشرة. بنصيحة ووعد، فالملاك يؤكد لتلك النفس الضعيفة التي تشك في قدرتها على تتميم تلك الوصايا، أن الإنسان الذي واثقاً في الله يجاهد ليحفظها سوف يجد أن حفظها أمر سهل؛ وأن كل من يلتزم بها سينال الحياة الأبدية.

الأمثال العشر

تشتمل الأمثال الخمس الأولى على وصايا أخلاقية مثلها في ذلك مثل الوصايا الاثنتي عشرة. ويصور المثل الأول المسيحيين كغرباء عن الأرض: “أنتم تعرفون يا خدام الله أنكم تسكنون في أرض غريبة لأن مدينتكم بعيدة جداً عن هذه المدينة، فإن كنتم إذن تعرفون مدينتكم التي ستسكنون فيها، لماذا تشترون هنا أراضي، وتقومون بمثل هذه الاستعدادات المكلفة، وتكدسون البيوت والأبنية عديمة القيمة؟ إن الذي يقوم بمثل هذه الاستعدادات من أجل هذه المدينة لن يستطيع العودة إلى مدينته…. إذاً، بدلاً من الأراضي، اشتروا النفوس المتعبة حسب طاقة كل إنسان. افتقدوا الأرامل والأيتام ولا تتعالوا عليهم، وأنفقوا كل خيراتكم وأملاككم التي نلتموها من الله على مثل هذه الأراضي والبيوت… هذا تصرف نبيل ومقدس”.

والمثل الثاني يلزم الأغنياء بواجب مساعدة المحتاجين، وذلك تحت مثل الكرمة وشجرة الدردار التي تعتمد كل واحدة منهما على الأخرى. ففي مقابل المساعدة التي يسديها الأغنياء للفقراء، يجب على الفقراء أن يصلوا من أجل إخوتهم الأغنياء. أما بالنسبة للسؤال الذي يحير المسيحين، والذي يدور حول السبب الذي لأجله لا يمكن أبداً التمييز بين الخاطئ والبار على الأرض، فيجيب المثل الثالث عليه، وذلك بأن يشبههما بشجر الغابة في فصل الشتاء، فحينما تفقد الأشجار أوراقها في فصل الشتاء وتتغطى أغصانها بالثلوج لا يمكن أيضاً التمييز بينها.

ثم يضيف المثل الرابع بطريقة الجملة الاعتراضية أن العالم الآتي مثل الغابة في فصل الصيف، حيث يمكن التمييز بين كل من الأشجار الميتة والأشجار ذات الصحة الجيدة. ويتكلم المثل الخامس عن الأصوام الجماعية التي كانت الجماعة كلها تحفظها، تلك التي كانوا يسمونها بـ “المحطات” (Stations). وهو لا ينتقد النظام نفسه ولا الصوم بشكل عام، لكنه ينتقد الثقة الفارغة التي كان يضعها بعض الناس في تلك الممارسة، فالصوم يتطلب – أولاً وقبل كل شيء – تغييراً أخلاقياً، والتزاماً تاماً بناموس الله، ثم ممارسة لأعمال الخير. ويسمح المثل في أيام الصوم بتناول الخبز والماء فقط، ومن ثم تذهب النفقات التي كان ينفقها المرء يومياً إلى الفقراء.

أما الأمثلة الأربعة الأخيرة فتتحدث عن الخضوع لله من خلال التوبة، وهكذا يُظهر المثل السادس ملاك النهم والغش وملاك العقاب في صورة راعيين، ثم يتحدث عن فترة العقاب الآتية. وفي المثل السابع يتوسل هرماس إلى ملاك العقاب – الذي يعذبه – كي يخلص. ولكنه ينصحه بأن يصبر، ويعزيه قائلاً إنه يتألم لأجل خطايا العائلة. والمثل الثامن يشبه الكنيسة بشجرة صفصاف كبيرة لها أغصان قوية، تلك التي بالرغم من أنها قد انتزعت من جذع الشجرة وتبدو يابسة إلا أنها سوف تزهر في حيوية إذا زرعت في الأرض وبقيت رطبة؛ كل من فصلته الخطايا الأخلاقية عن الاتحاد المحيي بالكنيسة يمكنه أن يحيا مرة أخرى بالتوبة وأسرار النعمة التي تقدمها الكنيسة.

ويبدو أن المثل التاسع قد أضيف لاحقاً؛ فهو يبدو إلى حد ما استدراكاً لما سبق، حيث إن مثل البرج قد استخدم مرة أخرى وأصبحت الحجارة المختلفة فيه تمثل أنواعاً مختلفة من الخطاة. لكن الجديد في الأمر هو أن عملية بناء البرج قد تعطلت حتى تعطي فرصة لخطاة كثيرين ليتوبوا حتى يتم قبولهم كحجارة في البرج، ولكن إذا لم يسرعوا للتوبة سيرفضون. بمعنى آخر، امتد زمن التوبة الذي كان محدداً قبلاً متخطياً الوقت الذي كان قد أعلن أصلاً، ومن الممكن أن يكون هرماس نفسه هو من قام بمثل هذا التغيير، لأن المجيء الثاني الذي كان يتوقعه لم يحدث. ويشكل المثل العاشر خاتمة هذا العمل، حيث يحث ملاك التوبة هرماس مرة أخرى ليطهر عائلته من كل شر، كما أنه يكلفه مرة أخرى بمهمة دعوة الجميع للتوبة.

والحقيقة أنه أمر بالغ الصعوبة أن نجد عملاً من العصور المسيحية المبكرة تبدو فيه حياة المجتمع المسيحي بمثل هذا الوضوح مثلما الحال في كتاب راعي هرماس؛ فنحن هنا نتقابل مع كل أطياف المسيحيين، الطيب منهم والشرير أيضاً. وفيه نقرأ عن الأساقفة، والكهنة، والشمامسة الذين قاموا بخدمتهم أمام الرب بكل كفاءة، لكننا أيضاً نقرأ عن كهنة صاروا تحت العقاب بسبب كبريائهم أو إهمالهم أو طموحهم، وشمامسة استحلوا لأنفسهم أموال الأرامل واليتامى.

ونقرأ عن شهداء لم يهتز قلبهم لحظة، لكننا نقرأ أيضاً عن مرتدين، وخونة، وجواسيس؛ هؤلاء الذين ارتدوا من أجل مطامع عالمية، أمثال هؤلاء الذين لم يخجلوا أن يلعنوا الله والمسيحيين أخوتهم علناً. كذلك يخبرنا راعي هرماس عن مهتدين إلى المسيحية لم تدنسهم الخطية، كما يخبرنا عن خطاة من كل نوع. ويخبرنا أيضاً عن أشخاص أغنياء يحتقرون الإخوة الأفقر منهم، كما يخبرنا عن مسيحيين مُحسنين صالحين.

ويخبرنا عن هراطقة، كما يخبرنا عن شكاكين يجاهدون ليجدوا طريق البر، ويخبرنا عن مسيحيين صالحين ذوي أخطاء صغيرة، كما يخبرنا عن مرائين ومنافقين. وهكذا يعتبر كتاب راعي هرماس بمثابة محاسبة قوية للنفس من جانب كنيسة روما[2]، لأنه من الواضح أن السلوك المتسم بالجبن عند عدد كبير من المسيحيين قد نجم عن فترة من السلام استقرت فيها حياة هؤلاء الأعضاء في راحة وكدسوا الأموال بل وحتى أصبحت لهم مكانة رفيعة بين جيرانهم الوثنين، ولم يلبثوا أن فوجئوا تماماً بويلات الاضطهاد المريع.

إن هذه الأحداث تميز فترة حكم الإمبراطور تراجان، ومن ثم تشير بقوة إلى النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، وهذا يتفق مع ما ذكرناه أعلاه. لكن يبدو أن هرماس يرى أن المسيحيين النموذجيين – لا الخطاة – هم الأغلبية. ولم يكن هدف الكاتب أن يجتذب الخطاة للتوبة فقط، بل أيضاً أن يشجع النفوس الضعيفة. ولهذا من الواضح أننا نجد في العمل بوجه عام نظرة متفائلة للحياة.

الاتجاهات التعليمية في كتاب الراعي

1 – التوبة

شكل التعليم عن التوبة، كما ذكر في كتاب راعي هرماس، موضوع جدل عنيف. وقد تمركز هذا الجدل حول الوصية (4: 3: 1-6) والتي تقدم حواراً يدور بين هرماس وملاك التوبة: “لقد سمعت، يا سيدي، من بعض المعلمين أنه ليست من توبة أخرى غير تلك التي كانت عندما نزلنا إلى الماء ونلنا مغفرة خطايانا السابقة. فقال لي: ما سمعته صحيح، لأن الأمر هو هكذا.

إن من نال مغفرة خطاياه ينبغي ألا يخطئ مرة أخرى بل إن يعيش في طهارة، لكن بما أنك تسأل باجتهاد عن كل شيء، سوف أشرح لك هذا أيضاً، لا كمن يعطي العذر لمن سوف يؤمنون في المستقبل أو من قد آمنوا فعلاً بالرب، لأن هؤلاء الذين قد آمنوا أو هؤلاء الذين على وشك أن يؤمنوا ليس لهم توبة عن الخطايا بل غفران لخطاياهم السابقة. لأن الرب قد وضع التوبة لهؤلاء الذين قد دعوا قبل هذه الأيام. لكن بما أن الرب يعلم القلب ويعرف كل الأشياء مسبقاً، ويعرف شر الإنسان والخبث الماكر الذي للشيطان، لذا يعلم أنه سوف يتسبب في بعض الشرور لخدام الله وسوف يتعامل معهم بخبث.

ولأن الرب مليء بالعطف، لذا رحم خليقته وأسس هذه التوبة وأعطاني سلطاناً عليها. ثم قال: لكني أقول لك، إنه بعد هذه الدعوة الجليلة، إن أخطأ إنسان وأغراه الشيطان بالخطية، سيكون له فرصة واحدة للتوبة، لكن إن أخطأ أكثر من مرة وتاب لن يكون له فرصة واحدة للتوبة، لكن إن أخطأ أكثر من مرة وتاب لن يكون هذا مجدياً له، لأنه بالكاد يحيا. فقلت له: لقد عادت لي روحي مرة أخرى عندما سمعت منك هذه الأمور بمثل هذه الدقة، لأن علمت أنه إن لم أضف المزيد إلى خطاياي سوف أحيا، فقال لي: لسوف تخلص أنت وكل من يفعل هذه الأمور.” وحسب هذه الفقرة يمكن أن يتلخص التعليم عن التوبة كما يقدمه كتاب راعي هرماس في النقاط التالي:

  1. هناك توبة مخلصة بعد المعمودية، وهذا ليس تعليماً جديداً يعلنه هرماس لأول مرة، كما افترض البعض كثيراً مخطئين، ولكنه تعليم قديم في الكنيسة. وقد اندفع هرماس ليكتب هذا العمل لأن بعض المعلمين أصروا على أنه لا توجد توبة إلا في المعمودية، وأن أي شخص يرتكب خطيئة مميتة لا يعود من ضمن أعضاء الكنيسة. ولم يكن في نية هرماس أن يعطي انطباعاً بأنه هو أول من أعلن للخاطئ المسيحي أن خطاياه يمكن أن تغفر أو أن هذا مجرد تنازل استثنائي، لكن في الحقيقة، رغب الكاتب في أن يوضح للمسيحيين أن رسالته هذه لا تقدم الفرصة الأولى لغفران ما ارتكبوه من خطايا بل الفرصة الأخيرة. وهذا هو ما يُشكل العنصر الجديد في رسالته.
  2. للتوبة صفة الشمول، لذا لا يوجد خاطئ مُستثنى منها حتى غير الطاهر أو المرتد. الشقي الذي لن يتوب هو فقط المستثنى منها.
  3. لا بد للتوبة أن تكون سريعة ولا بد أن ينتج عنها تغيير؛ ولا يجب أن يُستهان بالفرصة التي تقدمها التوبة بأن يسقط الإنسان مرة أخرى في الخطية. وهو يحاول أن يبرهن على ضرورة حدوث تغيير في حياة التائب بالتركيز على الجانب النفسي، والصعوبات التي سيواجهها من يرتد إلى حياة الخطية في طريقه نحو بلوغ الحياة الأبدية. والكاتب هنا يتكلم انطلاقاً من نظرة لاهوتية رعوية لا عقائدية. أما حث الكاتب على الإسراع في التوبة فيرتكز على أرضية اسخاتولوجية (أخروية)، فلا بد للتوبة من أن تتم قبل أن يصبح بناء البرج – الذي هو الكنيسة – حقيقة واقعة، لأن عملية البناء قد توقفت حتى تمنح الخاطئ فرصة للتوبة.
  4. الهدف الداخلي للتوبة هو “تغيير الفكر”. (##). إنه التغيير الكامل للخاطئ، والرغبة في التكفير عن الخطية بالتأديبات الطوعية والصوم، والصلاة من أجل مغفرة ما ارتكبه من خطايا[3].
  5. لا يكون التبرير الذي يناله الخاطئ بالتوبة مجرد تطهير من الأدناس، لكنه سيكون أيضاً تقديساً إيجابياً مثل ذلك التقديس الذي ينتج عن المعمودية بحلول الروح القدس. (Sim. 5: 7: 1-2).
  6. إن عقيدة التوبة عند هرماس كانت مشبعة بمفهوم ضرورة الكنيسة لخلاصنا، ولهذا يذكر هرماس الصلوات التي يقدمها شيوخ الكنيسة عن الخطاة. والمصالحة على هذا النحو لم تُذكر في النص، ولكنها ولأسباب قوبة ينبغي أن تقبل بشكل مؤكد.

2 – الخريستولوجي:

أثارت التعاليم الخريستولوجية الخاصة بهرماس شكوكاً قوية، فهو لم يستخدم أبداً مصطلح “لوغوس”، أو اسم “يسوع المسيح”، لكنه يستخدم دائماً لقب “المخلص”، أو “ابن الله”، أو “الرب”، لكن في المثل (1: 1: 9) نقرأ أن ملاك التوبة يقول لهرماس: “أريد أن أريك كل ما أراك إياه الروح القدس (##) الذي تكلم معك في صورة امرأة، لأن هذا هو ابن الله”. وهنا يعرف هرماس الروح القدس باعتباره ابن الله، وبمعنى آخر، لدينا هنا أقنومان إلهيان فقط: الله والروح القدس، هذان اللذان توصف العلاقة بينهما بعلاقة أب وابن.

أما ما هو أكثر أهمية فنقرأه في المثل (5: 5: 5-7): “إن الروح القدس الأزلي، ذاك الذي خلق كل شيء، قد جعله الله يسكن في جسد اختاره لنفسه. وهذا الجسد الذي سكن فيه الروح القدس قد خدم الروح بكل طهارة وقداسة بدون أي شائبة. وبعد أن سلك الجسد بصلاح وبطهارة، وبعد أن ساعد الروح وعمل معه في كل شيء، مُظهراً قوة وشجاعة، سمح الله له بأن يشارك الروح القدس؛ لأن سلوك هذا الجسد قد أسر الله لأنه لم يتنجس عندما كان يحمل الروح القدس على الأرض. لذلك، استشار ابنه وملائكته الممجدين.

حتى يتمكن هذا الجسد، الذي خدم الروح دون أن يسبب أي شيء يُلام عليه، من أن يحصل على مكان للسكن، ولا يفقد أجرة خدمته. فهناك مكافأة لكل جسد يتضح – من خلال سكنى الروح القدس – أنه لا يشوبه أي شائبة”. ويحسب تلك الفقرة، يبدو أن الثالوث عند هرماس يتكون من الله الآب، وأقنوم إلهي آخر هو الروح القدس الذي يدعوه ابن الله، ثم المُخلص الذي ارتفع ليصبح مرافقاً لهما كمكافأة استحقها. وبمعنى آخر، يعتبر هرماس أن المخلص هو ابن الله بالتبني، وذلك طالما كنا نتكلم عن طبيعته البشرية.

3 – الكنيسة:

يرى هرماس أن الكنيسة هي أول المخلوقات، ولهذا السبب ظهرت له على شكل امرأة عجوز جليلة. ولقد خلق العالم كله من أجلها: “أيها الأخوة، بينما أنا نائم تلقيت إعلاناً من شاب جميل جداً قال لي: من تظن المرأة العجوز التي أخذت منها الكتاب؟ قلت: العرافة، فأجابني قائلاً: أنت مخطئ، إنها ليست عرافة، فقلت: من هي إذن؟ فأجابني: الكنيسة، فقلت له: ولماذا إذن هي سيدة عجوز؟ فأجابني: لأنها أول من خُلق، ولهذا السبب هي عجوز، ولقد خلق العالم كله من أجلها.” (Vis. 2: 4: I).

لكن أشهر رمز ظهرت به الكنيسة عند هرماس كان هو “البرج السري” (Vis. 3: 3: 31; Simil. 8: 13: 1)، غير أن هذا الرمز كان يرمز إلى كنيسة المعينين والمختارين، الكنيسة المنتصرة، لا الكنيسة المجاهدة التي يعيش فيها كل من القديسين والخطاة جنباً إلى جنب. والكنيسة مؤسسة على صخرة هي ابن الله.

4 – المعمودية:

لا يقبل أحد في هذه الكنيسة إلا بنوال المعمودية: “اسمع إذن سبب كون البرج مبنياً على الماء: لأن حياتكم قد خلصت وستخلص بالماء، ولقد تأسس هذا البرج بكلمة القدير واسمه العظيم، وهو محفوظ بقدرة السيد غير المنظورة” (Vis. 3: 3: 5). ويسمي المثل (9: 16) المعمودية بـ “الختم”؛ ويذكر مفعولها. “قلت: يا سيدي، لماذا صعدت الحجارة من أعماق المياه ووضعت في مبنى البرج بعد أن حملت تلك الأرواح؟

فأجابني قائلاً: كان من الضروري لها أن تصعد من الماء حتى تنال الحياة، لأنه لا يمكنها بطريقة أخرى أن تدخل ملكوت الله إلا بأن تطرح عنها موات حياتها السابقة. وبالمثل، نال هؤلاء أيضاً الذين رقدوا ختم ابن الله (##) ودخلوا ملكوت الله. ثم استطرد قائلاً: لأنه قبل أن يحمل الإنسان اسم الله يكون ميتاً، ولكنه عندما يقبل الختم يطرح عنه الموت ويقبل الحياة، والختم هنا هو الماء. إنهم ينزلون إلى الماء أمواتاً ويصعدون أحياء. قد كُرز لهؤلاء أيضاً بهذا الختم ثم استخدموه ليدخلوا ملكوت السماوات.

ثم سألته قائلاً: يا سيدي، لما إذن صعدت الأربعون صخرة معهم من الماء بالرغم من أنها كانت قد نالت الختم بالفعل؟ فأجابني قائلاً: لأن هؤلاء الرسل والمعلمين الذين كرزوا باسم ابن الله، ثم ماتوا في قوة وإيمان ابن الله، كرزوا أيضاً لهؤلاء الذين قد ماتوا قبلهم ومنحوهم ختم الكرازة. لهذا السبب نزلوا معهم إلى الماء ثم صعدوا مرة أخرى. لكن، في حين نزل هؤلاء الآخرون أحياء وصعدوا أحياء، نزل الأولون – هؤلاء الذين قد رقدوا من قبلهم – أمواتاً وصعدوا أحياء، لذلك أصبح هؤلاء أحياء بواسطتهم وقبلوا اسم ابن الله، ولهذا السبب صعدوا معهم وأخذوا مكانهم في مبنى البرج، واستخدموا معهم في بناء البرج بدون أن يُصقلوا، لأنهم كانوا قد ماتوا أبراراً وفي طهارة عظيمة لكن فقط هذا الختم هو الذي لم يكونوا قد نالوه. هذا هو تفسير تلك الأمور”.

وهكذا يؤكد هرماس أن المعموجية ضرورية للخلاص، حتى أنه يُعلم بأن الرسل والمعلمين قد نزلوا إلى الجحيم بعد موتهم ليعمدوا الأبرار الذين رقدوا قبل ظهور المسيحية.

التعاليم الأخلاقية في كتاب الراعي

للتعاليم الأخلاقية في كتاب الراعي هرماس أهمية تفوق التعاليم العقائدية:

  1. من الأمور الجديرة بالذكر والمهمة أننا نجد هنا بالفعل تفريقاً بين الوصية والنصيحة، بين الضرورات والنوافل: “سأريك وصاياه، لكن إذا فعلت أمراً صالحاً يزيد على ما تطلبه وصايا الله، سوف تقتني لنفسك مجداً أعظم وسيرضى الله عنك أكثر مما كان مقدراً لك”. (Sim 5: 3: 3) ويذكر هرماس من ضمن هذه الأعمال النافلة كلا من: الصوم، والبتولية، والاستشهاد.
  2. مما هو جدير بالذكر أيضاً تلك الملاحظة الجلية التي تتكلم عن الأرواح التي تسيطر على قلب الإنسان: “يسكن في الإنسان ملاكان: واحد للخير والثاني للشر… وملاك الخير لطيف ومتواضع ووديع ورقيق، لذلك، عندما يأتي ليتكلم في قلبك يتكلم من فوره عن الخير، والطهارة، والقداسة، والتحكم في الذات، وكل عمل صالح وكل فضيلة مجيدة. فعندما تأتي كل هذه الأشياء في قلبك اعلم أن ملاك الخير معك، لذا آمن به وبأعماله. والآن انظر أيضاً إلى أعمال ملاك الشر، إنه – قبل كل شيء – مُر، وغضوب، أحمق، وكل أعماله شر، ويؤذي خدام الله. لذا عندما يأتي إلى قلبك اعرفه من أعماله”. (Mand. 6: 2: 1-4).

وفي فقرة أخرى يبذل الكاتب جهده ليوضح أنه من المستحيل أن يسكن ملاك الخير وملاك الشر في قلب الإنسان في وقت واحد: “لأن هذه الأرواح عندما تسكن في إناء واحد حيث يسكن الروح القدس أيضاً، لا يعود ثمة مكان في هذا الإناء بل سيصبح مزدحماً، لذلك يهجر الروح اللطيف، غير المعتاد على أن يساكن روحاً شريراً أو قساوة، مثل هذا الإنسان يطلب أن يسكن مع البساطة والهدوء. لذا عندما يهجر الروح اللطيف ذلك الإنسان الذي كان يسكن فيه، يصبح الأخير مفتقراً من روح البر، وتملأه الأرواح الشريرة، وتصبح كل تصرفاته مختلة حيث تجره الأرواح الشريرة هنا وهناك، ويعمى تماماً عن الأفكار الصالحة”. (Mand. 5: 2: 5-7).

  1. أما بشأن الزنى، فقد قال الكاتب أنه ينبغي على الزوج أن يطلق امرأته التي أدينت بهذه الخطية وترفض التوبة، غير أنه ينبغي عليه هو نفسه ألا يدخل في علاقة أخرى طالما بقيت زوجته حية. أما إذا تابت الزوجة الزانية وأصلحت من نفسها، يكون الزوج حينئذ مجبراً على أن يقبلها مجدداً: “إذا لم يقبلها زوجها فهو يخطئ ويجلب على نفسه خطيئة كبيرة. فلا بد لنا أن نقبل الخطاة التائبين، ولكن ليس إذا تكرر الأمر كثيراً؛ لأنه لا يوجد لخدام الله سوى فرصة واحدة للتوبة”. (Mand. 4: 1: 8)
  2. يسمح هرماس، بخلاف عدد من الكتاب المسيحيين القدامى، بالتزوج مرة أخرى بعد موت الزوج أو الزوجة: “قلت: يا سيدي، إذا ماتت الزوجة أو الزوج، فهل يخطئ الطرف الثاني إذا تزوج مرة أخرى؟ فأجابني قائلاً: إنه لا يخطئ، ولكن إذا بقي أعزب فإنه ينال كرامة أعظم أمام الرب، ولكن إذا تزوج لا يخطئ” (Mand. 4: 4: 1-2)
  3. ونتقابل في الرؤيا (3: 8: 1-7) مع قائمة مكونة من سبع فضائل هي: الإيمان، والعفاف، والبساطة، والمعرفة، والبراءة، والوقار، والمحبة. ولقد صورت هذه الفضائل السبع في صورة سبع نسوة، وهو تصور لعب دوراً كبيراً في تطور الفن المسيحي.

وقد نال كتاب الراعب مكانة رفيعة في القرون الأولى من خلال شهادة كُتاب كنسيين له، منهم: إيريناوس، وترتليانوس قل اعتناقه المونتانية[4]، وأوريجينوس. وقد اعتبروا هرماس بمثابة نبي وعدوا كتابه من ضمن الكتب المقدسة. ويبدو أن هذا الكتاب كانت له شعبية كبيرة في الشرق أكثر منها في الغرب، حيث إن القديس جيروم قد ذكر أنه في أيامه كان ذلك الكتاب يكاد يكون غير معروف بين الناطقين باللاتينية (de vir.ill.10). ونعرف من الوثيقة الموراتية أنه كان مسموحاً بقراءة هذا الكتاب في الجلسات الخاصة، ولكنه لم يكن يقرأ علناً في الكنيسة. ولكن أوريجانوس يشهد أنه كان يقرأ علناً في بعض الكنائس ولكن هذا الممارسة لم تكن عامة.

كيف وصل النص إلينا

 المصادر المعتمدة لنص راعي هرماس باللغة اليونانية هي:

  1. المخطوطة السينائية (Codex Sinaiticus): كتبت في القرن الرابع، وتحوي الربع الأول من العمل الكامل حتى: (Mand. 4: 3: 6).
  2. مخطوطة من جبل أثوس تعود إلى القرن الخامس الميلادي، وهي تضم العمل كاملاً ما عدا آخر جزء من الخاتمة، أي الأجراء التالية: (Siml. 9: 30: 3-10: 6).
  3. مجموعة جامعة ماتشيجان للبرديات وتضم شذرتين من راعي هرماس قام كامبل بونر (Campbell Bonner) بنشرهما، وهما تشكلان إضافة لمعلوماتنا عن النص. والشذرة الأطول ذات أهمية كبرى لأنها حفظت لنا معظم العبارت المفقودة من مخطوطة جبل أثوس، فهي تضم الجزء: (Simil. 2: 8-9: 5: 1)، كما أنها أقدم من معظم مخطوطات راعي هرماس التي نشرت حتى الآن، وقد كُتبت في نهاي القرن الثالث الميلادي. وتعود الشذرة الأقصر إلى نفس زمن كتابة الأطول، وتضم نهاية المثل الثاني والكلمات الافتتاحية من المثل الثالث.
  4. شذرة صغيرة من مخطوطة “فيلوم” (Vellum) – المحفوظة في مدينة هامبورج – وتحتوي على الأجزاء التالية: (Sim. 4: 6-7: 5: 1-5).
  5. وجدت أيضاً شذرات من نص راعي هرماس في البردية الأمهرية: (CXC, Oxyrh. Pap. رقم 404 و1172) و(Berlin Pap. رقم 5513 و6789).

والنص أيضاً محفوظ في ترجمتين لاتينيتين وف ترجمة إثيوبية، ولدينا أيضاً أجزاء من ترجمة قبطية صعيدية محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس وفي مكتبة اللوفر، ولدينا شذرة من العمل في ترجمة فارسية وسيطة[5].

[1] الوثيقة الموراتورية (أو القانون الموراتوري) اكتشفها موراتوري (1672-1750م) في مكتبة القديس أمبروسيوس بمدينة ميلانو الإيطالية، فعرفت باسمه. وهي عبارة عن وريقة صغيرة ترجع إلى حوالي 170م. وتعتبر هذه الوثيقة أقدم لائحة بأسفار العهد الجديد المعترف بها في الكنيسة، ويعود المخطوط الحالي لها إلى القرن السادس الميلادي، وهو نسخة عن وثيقة قديمة دونت في النصف الثاني من القرن الميلادي الثاني في روما أو في جوارها على يد هيبوليتس الروماني. وتتضمن 85 سطراً، وهي مكتوبة بلغة لاتينية معقدة يصعب فهمها. (المراجع).

[2] لا يعدو ما كتبه المؤلف هنا غير مجرد رأي لا تسانده الأدلة. (المراجع)

[3] المفهوم الذي قدمه المؤلف هنا للتوبة يختلف عن مفهوم التوبة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. (المراجع)

[4] سميت بذلك نسبة إلى مؤسسها مونتانوس، وكان كاهناً وثنياً اهتدى إلى المسيحية، ثم أعلن نفسه نبياً في فريجيا (155-160م)، مدعياً أنه قد تلقى إعلاناً مباشرة من الروح القدس، واعتبر نفسه أنه هو النبي الأخير مؤسس المدينة السماوية، وأن الروح القدس الموعود به في (يو 14: 6، 16: 7) قد تجسد فيه، وسعت هذه الجماعة إلى تطهير الكنيسة من وجهة نظرها وتنشئة مسيحية روحانية، وقد قاومت السلطة الكنسية، ومنعت الزواج لأنهم ظنوا أنهم يعيشون قرب المجيء الثاني للمسيح. وقد حرمت هذه البدعة في مجمع محلي عقد في روما عام 177م، وبعض المجامع التي عقدت في آسيا الصغرى. (المراجع).

[5] وهي لغة بين الفصحى والفارسية الحديثة (المراجع).

رسالة الراعي لهرماس – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الثاني

أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الثاني

أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الثاني

أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الثاني

المثل الثامن

1- 1. أراني الراعي صفصافة كانت تظلل سهولًا وجبالًا وقد اجتمع تحتها كل الذين دعوا باسم المسيح. 2. وكان ملاك الرب العظيم بقامته الفارعة يقف تحت الصفصافة وفي يده منجل كان يقطع به أغصانًا ويوزعها على الجموع الواقفة تحت ظلالها. وكانت الأغصان صغيرة لا تتجاوز طول الشبر. 3. بعد أن استلم الجميع أغصانهم وضع ملاك الرب المنجل جانبًا وظهرت الشجرة وكأنها لم تمس. 4. فقلت لنفسي متعجبًا: كيف بقيت الشجرة كما كانت وقد قطع منها هذا العدد الكبير من الأغصان؟ قال لي الراعي: رويدك لا تتعجب كيف بقيت الشجرة كما كانت بعد أن قطع منها ما قطع، بعد أن ترى سيفسر ذلك كل شيء. 5. الملاك الذي وزع الأغصان على الجميع سيستردها وسيدعي كل واحد ليرد الغصن الذي تسلمه حسب الترتيب الذي سلم إليه. 6. إن ملاك الرب سيأخذ هذه الأغصان وسيفحصها. سيسلمها البعض يابسة دون أن ينخرها السوس. 7. والبعض نفس يابسة. وسيضع هؤلاء وأولئك كل في مكانٍ يعينه لهم. 8. والبعض نصف يابسة ومشققة ولهؤلاء مكان خاص بهم. 9. والبعض نصف يابسة. 10. والبعض نصف خضراء مشققة ولهؤلاء موضع خاص بهم. 11. والبعض نصف يابسة ونصف خضراء ولهؤلاء مكان خاص. 12. والبعض خضراء بثلثيها والثلث الباقي يابس ولهؤلاء موضع خاص بهم. 13. والبعض خضراء كلها إلا قليل من طرفها. 14. والبعض يابسة كلها إلا القليل من طرفها المشقق ولهؤلاء مكان خاص بهم. 15. والبعض يابسة كلها إلا القليل من طرفها المخضر لهؤلاء مكان خاص بهم. 16. والبعض خضراء كلها كما تسلموها من الملاك وكان الملاك يفرح لذلك فرحًا عظيمًا ولهؤلاء مكان خاص بهم أيضًا. 17. والبعض خضراء كلها وقد أفرعت ولهؤلاء مكان خاص وكانت هذه الأغصان كأنها مثمرة وكانت تفرح الرجال الذين قدموا مثل هذه الأغصان اليانعة. إن منظرهم كان يبعث الفرح في الملاك والسرور العظيم في قلب الراعي.

2- 1. أمر الملاك أن تحمل كل الأكاليل فجيء بها وظهرت كأنها مصنوعة من أغصان النخيل وقد كان نصيب الذين قدموا أغصانهم اليانعة المثمرة أكاليل على رؤوسهم ودخولهم إلى البرج. 2. ونصيب الذين قدموا أغصانهم اليانعة بدون ثمر أرسلهم إلى البرج بعد ختمهم بخاتم. 3. الذين كانوا يرسلون إلى البرج كانوا يلبسون ثيابًا بيضاء كالثلج. 4. الذين سلموا أغصانهم خضراء كما استلموها ادخلوا إلى البرج بعد أن أعطاهم ثيابًا وختمًا. 5. قال الملاك للراعي: ها أنا ذاهب وعليك أن تختار لهم كل حسب استحقاقه ولا تدخل أحدًا قبل أن تفحص أغصانهم فحصًا دقيقًا. فتشهم تفتيشًا دقيقًا، لا تدع أحد يفلت منك. إذا قلت أحد فإني أحد فإني سأتحقق ذلك فوق المذبح. بعد أن تلفظ الملاك بهذه الكلمات غادر المكان. 6. عندما ذهب الملاك قال لي الراعي: لنأخذن الأغصان من الرجال جميعًا ولنزرعها في الأرض فلعل الحياة تعود إلى بعضها. 7. لأنها إذا غرست في الأرض حظيت بنوع من الرطوبة فإن الحياة تعود إلى أكثرها. علينا أن نسقيها. فمن دواعي سرورنا أن تعود الحياة إلى بعضها. أما إذا جازت الأمور عكس ما أتمنى فلن أتهم بالإهمال والتقصير. 8. أمرني الملاك بدعوة جميع البشر وفقًا لترتيبهم فدعوتهم فجاءوا جماعات جماعات يقدمون أغصانهم للراعي فأخذ الراعي الأغصان وغرسها مجموعات في الأرض وسقاها حتى غمرتها المياة. 9. ثم قال لي: هيا بنا وسنعودبعد أيام لفحص الأقسام كلها لأن الخالق يريد الحياة لكل من تسلم غصنًا من هذه الأغصان. أرجو أن تعود الحياة لكل غصن من الأغصان اليابسة التي غمرتها المياة

3- 1. قلت للراعي: قل لي يا سيد ماذا تمثل الصفصافة؟ إني مندهش وحائر كيف بقيت على حالها وقد قُطع منها ما قطع. 2. فقال لي: هذه الشجرة العظيمة التي تغطي السهول والجبال وكل الأرض هي ناموس الرب الذي أعطي لكل البشر. الناموس هذا هو ابن الله الذي أُعلن عنه في كل الأرض. أما الشعوب التي ستظل فهم الذين سمعوا البشارة وآمنوا بها عند إعلانها. أما الملاك العظيم المُمجد ميخائيل الذي له سلطان على الشعوب ويحكمهم فهو الذي يعطي الناموس ويضعه في قلوب المؤمنين. إنه يزور أولئك الذين أعطاهم هذا الناموس ليتأكد من محافظتهم عليه. 4. إنك ترى كل غصن من الأغصان التي أُعطيت لكل فرد، هذه الأغصان تمثل الناموس. انظر إن بعضها لا يصلح لأي شيء. بهذه الطريقة يتعرف الملاك على الذين لم يحافظوا على الناموس ويعرف المكان الذي يستحقونه. 5. قلت لماذا يا سيد أدخل الملاك البعض إلى البرج وترك لك الباقي؟ قال الرعي: لقد ترك لي الملاك كل الذين حادوا عن الناموس ويمكنهم أن يتوبوا، أما الذين حافظوا على الناموس وطبقوه فبقوا تحت مشيئته. 6. قلت من هم الذين نالوا الأكاليل ودخلوا البرج؟ قال الراعي: الذين صارعوا الشيطان وغلبوه. والذين تحملوا الموت من أجل الناموس هم الذين نالوا الأكاليل. 7. أما الذين جاءوا بأغصانهم خضراء مفرعة بدون ثمار هؤلاء طبقوا الناموس وتحملوا عذابات وإضطهادات ولم ينكروا المسيح. 8. الذين أعادوا أغصانهم كما تسلموها خضراء هم القديسون الأبرار، الذين عاشوا في نقاوة قلبية كلية وحافظوا بأمانة على ناموس السيد. ستعرف على الآخرين بعد أن نفحص الأغصان التي زرعتها في الأرض ورويتها.

4- 1. بعد أيام رجعنا إلى حيث كنا وجلس الراعي حيث كان يجلس الملاك ووقفت جانبه فقال لي: أئتزر وأعني فأتزرت مئزرًا نظيفًا مصنوعًا من كيس. 2. وعندما رآني مستعدًا لخدمته قال لي: أدع لي الرجال الذين غرست أغصانهم في الأرض بحسب ترتيب تسلمهم لأغصانهم فذهبت إلى السهل ودعوتهم فجاءوا مصطفين كل مع جماعته. 3. فقال لهم الراعي: فليقتلع كل واحد منكم غصنه وليحمله إليَّ. 4. وكان أول من حضر أولئك الذين يبست أغصانهم ولم تتكسر وقد سلم بعض هؤلاء أغصانهم وقد عادت إليها الخضرة والبعض الآخر سلمها يابسة أكلها السوس. فأقام الراعي أولئك الذين عادت الخضرة إلى أغصانهم في مكان، والذين بقيت أغصانهم يابسة وأكلها السوس في مكان آخر مع الذين قدموا إليه أغصانهم يابسة ومسكرة. 6. ثم جاء دور الذين كانت أغصانهم نصف خضراء ويابسة ومشققة. العدد الأكبر من هؤلاء عاد بأغصان كلها خضراء وغير مشققة أما العدد الباقي فعاد بها خضراء فيها براعم وفوق هذه البراعم ثمر تشبه أغصان الذين دخلوا إلى البرج مكللين والبعض الآخر سلمها يابسة ومتآكلة والبعض يابسة وغير متآكلة والبعض نصف يابسة ومشققة كما كانت سابقًا فوضع كل فئة في المكان اللائق بها ومنهم من أبقاهم في مجموعتهم ومنهم من نقلهم إلى مجموعة أخرى.

5- 1. ثم جاء دور من كانت أغصانهم حضراء إلا أنها مشققة فلمسوها خضراء كلها واتخذوا مكانهم في الجماعة التي تشبههم وقد خرج الراعي فرحًا بهؤلاء الأشخاص الذين تحولوا وأمحت الشقوق من أغصانهم. 2. ثم تقدم أولئك الذين كانت أغصانهم نصف يابسة ونصف خضراء فقدم بعضهم أغصانهم خضراء كلها وبعضهم نصف يابسة وبعضهم يابسة كلها ومتآكلة والبعض الآخر خضراء كلها وقد نبتت فيها فروع جديدة فأرسلت كل فئة إلى المكان المعد لها. 3. ثم جاء دور من كانت أغصانهم خضراء بثلثيها ويابسة بثلثيها الآخر. الكثيرون سلموها نصف يابسة ومشققة وقليل منهم سلمها خضراء كلها فأرسل كل حسب استحقاقه إلى المكان اللائق به. 4. ثم جاء دور الذين كانت أغصانهم خضراء وقد نبتت فيها أغصان جديد وفوق هذه الأغصان ثمار. والبعض سلمها فقط خضراء فسر الراعي لأنه وجد هذه الأغصان على هذه الحال وذهب الرجال ليتحلوا المراكز التي تليق بهم.

6- 1. عندما أنهى الراعي فحص كل الأغصان قال لي: لقد أريتك هذه الشجرة المحبة للحياة أرأيت كم هم التائبون والمخلصون؟ قلت إني أرى يا سيد. قال الراعي: إن الله أعطى روح التوبة لمستحقيها حتى تدرك عظمة رحمته. 2. قلت: لمتاذا لم يتب الجميع؟ قال: إن الله يعطي روح التوبة للقلوب التي يجب أن تتنقى وتتطهر أما القلوب التي يملؤها الخبث فإن توبتها تكون توبة مرائية ولن يعطيها روح التوبة لئلا تهين اسمه. 3. قلت للراعي: قل لي يا سيد ماذا يمثل الذين سلموا إليك الأغصان وماذا تعني الأماكن التي خصصت لهم حتى إذا ما سمع الذين آمنوا والذين ختموا بالختم وشوهوا الختم ولم يحافظوا محافظة صحيحة يندمون عندما يعرفون ويأخذون منك الختم ويمجدون الله لأنه رأف بهم فأرسلك لتجدد روحهم. 4. قال: اسمه. يمثل الذين سلموا أغصانهم يابسة وقد أكلها السوس والعصاة الذين خانوا الكنيسة وشتموا الرب بخطاياهم وخجلوا من حمل اسمه. هؤلاء في النهاية سيهلكهم الله. انظر إنه لم يتب أحد من هؤلاء مع أنهم سمعوا الكلام الذي أمرتك أن تخاطبهم به وهؤلاء غادرتهم الحياة. 5. أما الذين سلموا أغصانهم يابسة ولم ينخرها السوس. هؤلاء يشبهون الأول. إنهم مراؤون يحملون تعاليم غريبة ويضللون عبيد الله وخصوصًا الخطأة. إنهم لا يتركونهم يتوبون ويعملون لإقناعهم بتعاليمهم البطالة السطحية مع أن مجال التوبة مفتوح أمام هؤلاء. 6. إنك ترى الكثيرين ممن تابوا بعد أن سمعوا كلام وصاياي وسيتوبون. أما الذين لم يقبلوا التوبة فهؤلاء قد خسروا حياتهم، وأما الذين تابوا فقد صاروا من الأبرار وصار مكانهم في الجدار الأول وبعضهم صعد إلى البرج. أرأيت أن الحياة في التوبة وأن الموت في عدم التوبة؟

7- 1. إليك ما يتعلق بالذين حملوا أغصانهم نصف يابسة وغير مشققة هؤلاء هم المترددون. هؤلاء لا هم بأحياء ولا بأموات. 2. أما الذين يحملون أغصانهم نصف يابسة ومشققة فهم المترددون والنمامون الذين لا يعرفوا سلامًا في قلوبهم ويكونون في صراع دائم مع نفوسهم إلا أنهم قد يتوبون. إن بعضهم قد تاب كما ترى وهناك رجاء بتوبة الآخرين. 3. الذين تابوا حصلوا على مكان في البرج والذين سيتوبون سيجدون لهم في جدرانه مكانًا. أما الذين لا يتوبون فموتًا يموتون. 4. الذين سلموا أغصانهم خضراءً مشققةً هم من المؤمنين الذين ستحاسدون على مراكز المجد الأولية. 5. لقد نقوا نفوسهم عندما سمعوا كلامي وصاروا من الصالحين وتابوا سريعًا وقد استوطنوا البرج. من عاد إلى روح الشقاق يطرد من البرج ويخسر حياته. 6. الحياة هي ميزة من يحفظ وصايا الله ولا تكون الحياة في الكراسي والمجد بل في الرجل الطويل الأناة المتواضع. في هؤلاء تقطن حياة الرب أما الموت فيقطن في قلب المحب لشقاقات والاثم.

8- 1. الذين سلموا أغصانهم نصف خضراء ونصف يابسة هم المنغمسون في المهام الدنيوية، الذين لا يلتصقون بالمقدسات لذلك ترى نصفهم يابسًا ونصفهم حيًا 2. لقد تاب العدد الأكبر منهم عندما سمعوا وصاياي فقبلوا جميعًا في البرج وتمرد قسم منهم ولم تعد توبتهم ممكنة لأنهم أهانوا بأعمالهم اسم الرب وأنكروه. إن جبنهم أفقدهم حياتهم. 3. وبقي قسم منهم مترددًا وبقي باب التوبة مفتوحًا أمامهم إذا بقي المجال للتوبة قائمًا. أما إذا تأخروا وتابوا تكون الجدران موطنهم، ويموتون إذا هم بقوا بدون توبة. 4. الذين سلموا أغصانهم خضراء بثلثيها الباقي فهم الذين أنكروا إيمانهم في حالات مختلفة. 5. كثير منهم تاب واستوطن البرج ومنهم من ترك الرب فخسروا الحياة كليًا، ومنهم من سقط في التردد والشك وهؤلاء يستطيعون أن يتوبوا بشرط أن يسرعوا تاركين شهواتهم، أما إذا استمروا فيها فالموت سيعمل فيهم.

9- 1. الذين سلموا أغصانهم يابسة بثلثيها وخضراء بثلثها الباقي هم الذين آمنوا وصاروا عظماءً وأغنياءً في الأمم وتكبروا وانتفخوا وتركوا الحقيقة ولم يلتصقوا بالقديسيين بل عاشوا مع الأمم واستعذبوا هذه الطريق إلا أنهم لم يحيدوا عن طريق الله وبقوا في الإيمان لا يعملون عمل الإيمان. 2. كثير منهم تاب وصار البرج موطنهم. 3. والبعض بقوا بين الأمم قانعين بالأباطيل وابتعدوا عن الله يعملون عمل الأمم ويفعلون أفعالهم واعتبروا من الأمم، البعض ترددوا لأنهم فقدوا الرجاء بالخلاص بسبب الأعمال التي عملوها والبعض ترددوا وسببوا الشقاقات فيما بينهم هؤلاء يمكنهم أن يتوبوا بشرط أن يسرعوا حتى يتمكنوا من دخول البرج أما إذا لم يتوبوا واستمروا في غيهم فالموت منهم قريب. 

10- 1. الذين سلموا أغصانهم خضراء إلا أن أطرافهم يابسة هم المؤمنون الصالحون المُمجدون عند الله وأخطأوا بسبب رغبة بسيطة فيما بينهم فتابوا فور سماعهم كلامي فاستوطنوا البرج. 2. أولئك الذين ترددوا في توبتهم وسببوا شقاقات فالتوبة تبقى قائمة بالنسبة لهم لأنهم كانوا دائمًا صالحين. 3. الذين سلموا أغصانهم يابسة إلا من أطرافها هم المؤمنون الذين يعملون الاثم بيد أنهم لم يحيدوا عن طريق الرب وبقوا يفاخرون باسمه ويستقبلون عبيد الله في بيوتهم فرحين. 4. بعضهم تابوا عندما سمعوا صوت الرب وفعلوا كل فضيلة وعدالة وتألموا متلذذين لمعرفتهم الأعمال التي قاموا بها. البرج هو موطن هؤلاء.

11- 1. بعد أن أنهى الراعي تفسير معاني الأغصان كلها قال لي: أذهب وقل لجميع الخطاة أن توبوا ليحيوا في الله لأن الرب لرأفته بالجميع يوزع التوبة على الجميع حتى لو كان البعض لا يستحقونها بسبب أعمالهم فالله طويل الأناة يريد أن يحقق دعوة ابنه للخلاص. 2. قلت له: أرجو أن يتوب الجميع بعد سماعم ما سمعوا. إني واثق أن كل واحد سيخاف ويتوب بعد معرفته ووعيه ما عمل. 2. قلت له: أرجو أن يتوب الجميع بعد سماعهم ما سمعوا. إني واثق أن كل واحد سيخاف ويتوب بعد معرفته ووعيه ما عمل. 3. فأجابني الراعي: كل من يتوب قلبيًا وينقي ذاته من الخطايا التي سبق وأشرت إليها ويبتعد عن فعل الخطيئة ينال الشفاء من الرب ويحيا في الله إذا طبق وصاياه بدون تردد. أما الذين يضاعفون خطاياهم ويتسمرون في شهواتهم فسيحكم عليهم بالموت. 4. أما أنت فسر حسب الوصايا فتحيا لله وسيحيا أيضًا كل من عمل الصدق وسلك طريق الوصايا في الله. 5. هذا ما كشف لي عنه الراعي وقال أنه سيكشف لي ما تبقى.

المثل التاسع

1- 1. بعد أن كتبت وصايا وأمثال الراعي جاء ملاك التوبة وقال لي: أريد أن أريك كل ما أراك الروح القدس الذي خاطبك تحت شكل الكنيسة. هذا الروح هو ابن الله. 2. بما أنك كنت ضعيف الجسد لم يوح إليك بواسطة الملاك. ولكن عندما تقويت روحيًا وأصبحت مقتدرًا وباستطاعتك رؤية الملاك ظهر لك الملاك آنذاك وأراك البرج عن طريق الكنيسة التي ظهرت لك بشكل عذراء ذات هيئة بهية مؤثرة أما الآن فالروح يريك بواسطة الملاك ويوحي إليك. 3. لذلك يجب أن تتعلم مني كل هذه الأسرار بصورة دقيقة. اذا كان الملاك المعظم قد أرسلني لأسكن في بيتك فما ذلك إلا لتتأمل كل هذه الرؤى بصفاء روحي كامل لا بالخوف والرعب كما كنت تفعل سابقًا. 4. قادني الراعي إلى جبل أركاديا إلى جبل لولبي وأجلسني فوق القمة وأراني سهلًا عظيمًا تحيطه دائرة من اثنى عشر جيلًا ولكل جيل شكل خاص به. 5. كان الأول أسود والثاني عاريًا لا عشب فيه والثالث مليئًا بالأشواك والعليق. 6. والرابع نصف معشوشب وكانت رؤوس الأعشاب خضراء والقسم القريب من الجذور يابسًا وكانت الحرارة تيبس بعض الأعشاب 7. والخامس معشبًا ووعرًا، والسادس مليئًا بالحفر، بعضها صغير وبعضها كبير، وكان في الحفر عشب لم يكن نضرًا بل ذابلًا. 8. والسابع مليئًا بالأعشاب والنضرة وكان بهيًا وأنواع الحيوانات ترعى فيه والأعشاب تزداد نضارة كلما رعته. والثامن مليئًا بالينابيع ومخلوقات الله على مختلف أنواعها تشرب منها. 9. والتاسع بدون ماء مقفرًا وفيه زحافات مميتة تفسد البشر. والعاشر فيه أشجار كبيرة وكانت قطعان الأغنام تستظل تحت ظلالها. 10. والحادي عشر مغطى بغابة كثيفة من الأشجار المثمرة من مختلف الأنواع. يكفي أن ترى هذه الأشجار حتى تشتهي أن تأكل منها. والثاني عشر جبلًا أبيض ومنظره يبعث إلى النفس السرور والعذوبة.

2- 1. أراني الراعي أيضًا صخرة بيضاء كانت تقوم مرتفعة في وسط السهل وكانت الصخرة أعلى من الجبال ومربعة تستطيع أن تسع كل العالم 2. كانت الصخرة قديمة وبابها محفور في أحد جوانبها وقد ظهر لي الباب محفورًا حفرًا حديثًا. كانت الصخرة أكثر لمعانًا من الشمس حتى أن أشعتها أثارت إعجابي. 3. كانت حول الباب اثنتا عشرة عذراء. أربعة منهم، وهي أجملهم، كن يقمن عند الزوايا أما الباقيات فكن يقفن بين كل زاويتين، اثنتين اثنتين. 4. وكن يلبسن لباسًا من الكتاب ويأتزرن مآزر جميلة وكانت أكتفهم اليمنى عارية كأنها أُعدت لحمل شيء ما وكن يقفن مستعدات فرحات. 5. بعد أن أراني كل هذا استولى عليَّ عجب صامت، فالمشهد كان مثيرًا ورائعًا وقد استولت على داخلي حيرة أمام رؤيتي للعذارى النعمات اللواتي وقفن بنعومتهن وقفة رجولية كأنهم يتهيأن ليحملن السماء كلها. 6. فقال الراعي: ماذا خطر ببالك ولماذا تحتار وتفكر أفكارًا مزعجة؟ لا تزعج نفسك بأمور لا تستطيع فهمها. اسأل الرب فيعطيك الوعي وتدرك كل ما ليس بامكانك إدراكه. 7. إنك لا ترى ما يقع وراء ظهرك بل إنك ترى فقط ما هو أمامك. لا تعذب نفسك حاول فقط أن تفهم ما تراه ودع الباقي جانبًا. سأفسر لك كل ما تبقى

3- 1. رأيت ستة رجال مقبلين بقاماتهم الطويلة ومشيتهم الرصينة وهيئتهم المتشابهة وقد استدعوا عددًا من الناس وهؤلاء أيضًا كانوا طوال القامة مشرقي الطلعة أقوياء وقد أمرهم الستة أن يبنوا فوق الصخرة وفوق الباب برجًا وكان ضجيج الرجال الذين جاءوا لبناء البرج ضجيجًا عظيمًا وكانوا يركضون هنا وهناك حول الباب. 2. وكانت العذارى اللواتي حول الباب يقلن للرجال أن اسرعوا في بناء البرج وكن يمددن أيديهم كأنهم يردن أن يستلمن شيئًا. 3. أما الرجال الستة فقد أمروا الباقين أن يقتلعوا من الأعماق خجرًا ويذهبوا به لبناء البرج فاقتلعوا عشرة أحجار مربعة براقة غير منحوتة. 4. كما أمروا العذارى اللواتي كن حول الباب أن يستلموا كل الحجارة المعدة لبناء البرج ويحملوها ويدخلوها من الباب ويسلموها إلى الرجال الذين أوكل إليهم أمر بناء البرج. 5. استلمت العذارى الحجارة العشرة التي استخرجت من أعماق البحر وتساندن جميعًا وتعاون على حمل الحجارة حجرًا حجرًا.

4- 1. حافظت العذارى وهن ينقلن الحجارة على الترتيب الذي كن فيه حول الباب. العذارى اللواتي كن عند زوايا الباب حملن الزوايا أما الباقيات فكن في الوسط حسب ترتيبهن السابق حول الباب وهكذا نقلن الحجارة كلها إلى داخل البرج كما أمرن وسلمنها للبنائين وكان البناؤون يبنون بالحجارة التي كانت تسلم لهم. 2. وكان بناء البرج يتم فوق الصخرة وفوق الباب وقد غطت الحجارة كلها بتلاحمها كل الصخرة التي صارت أساسًا للبرج وقد حملت الصخرة والبرج والباب. 3. بعد الحجار العشرة استخرج من الأعماق خمسة وعشرون حجرًا دخلت في البناء ودخلت إلى البرج كما دخلت الأحجار الأول. ثم استخرج خمسة وثلاثون ضمت أيضًا إلى البناء ثم استخرج أربعون واستخدمت في بناء البرج. لقد أصبح أساس البرج مؤلفا من أربعة صفوفٍ. 4. توقف استخراج الحجارة من الأعماق وتوقف البناؤون قليلًا عن البناء. ثم أمر الرجال الستة جموع الفعلة بجل الحجارة للبناء من الجبال. 5. فانطلقوا يحملون حجارة مختلفة الألوان وكانوا ينحتونها ويقدمونها إلى العذارى وهؤلاء كن ينقلنها داخل البرج عن طريق الباب ويسلمنها إلى البنائين. وعندما أخذت الحجارة ذات الألوان المختلفة مكانها في البرج تشابهت كلها وصارت بيضاء وفقدت ألوانها المختلفة وتنوعها وسط هذا الانسجام. 6. إلا أن بعض الحجارة التي نقلها الفعلة فورًا إلى البنائين بقيت كما كانت خالية من أي لمعان. الحجارة التي لم تدخلها العذارى من الباب شوهت تناسق البرج. 7. وعندما رأى الرجال الستة ما أحدثته هذه الحجارة من تشويه أمروا برفعها من البرج وبارجاعها إلى المكان الذي أخذت منه. 8. وقالوا للفعلة الذين ينقلون الحجارة لا تحملوا أنتم الحجارة للبنائين بل القوها عند البرج والعذارى هن اللواتي سينقلن ذلك للبنائين لأنها إذا لم تنقل إلى داخل البرج على أيدي العذارى عن طريق الباب فإنها لن تغير لونها. لا تتعبوا باطلًا.

5- 1. في ذلك اليوم توقف البناء. قبل أن ينتهي البرج لا بد من العودة إلى البناء الذي توقف. أمر الرجال الستة الفعلة بالانسحاب ليستريحوا قليلًا أما العذارى فقد أمرهم الرجال أن يبقوا في مكانهن. وقد بدا لي أن بقاء العذارى في مكانهن كان لحماية البرج. 2. عندما انسحب الفعلة من العمل قلت للراعي: لماذا لم ينهِ الفعلة البرج؟ فأجابني الراعي: إنهم لا يستطيعون اتمامه ما دام سيده لم يأتِ بعد لفحص البناء ولطرح كل حجر لا يراه صالحًا، فالبرج يبني وفق ارادته. 3. قلت للراعي: أريد أن أعرف ما يعنيه هذا البرج والصخرة والباب والجبال والعذارى والحجارة التي استخرجت من أعماق المياه ولم تنحت بل أدخلت كما هي. 4. لماذا وضعت الأحجار العشر في الأساس ثم الخمس والعشرون ثم الخمس والثلاثون فالأربعون؟ ماذا تمثل هذه الحجارة التي وضعت في البناء ثم أُعيدت إلى حيث كانت؟ أرجوك يا سيد أن تفسر لي كل ذلك فتريحني. 5. إذا لم يكن البطل يثيرك فإنك سعرف كل شيء. بعد أيام سنعود إلى هنا وسترى الحوادث التي سيكون مسرحها البرج وستدرك معنى كل هذه الرموز ادراكًا كاملًا. 6. بعد أيام قليلة عدنا إلى المكان ذاته حيث كنّا جالسين فقال لي الراعي: هيا بنا لنذهب إلى البرج لأن سيده سيأتي لفحصه ولم يكن هناك غير العذارى. 7. سألهن الراعي إذا كانت سيد البرج قد أتى فأجبن إنه على وشك القدوم لفحص البناء.

6- 1. بعد مُضي وقت قليل رأيت جمعًا من الرجال يتقدمون وكان وسطهم رجل كان طوله يفوق علو البرج. 2. وكان الرجال الستة الذين كانوا في البرج يرافقونه منهم عن اليمين ومنهم عن اليسار مع عمال البرج وكان عدد من الرجال العظام يحيطون به. أما العذارى اللواتي كُن عند الباب فقد أسرعن للقائه فقبلنه وأخذن يسرن بالقرب منه. وهو يطول حول البرج. 3. ففحصه حجرًا حجرًا. وكان يحمل عصى يضرب فيها كل حجر من أحجار البرج. 4. وكانت بعض الأحجار تظهر سوداء تحت ضربات العُصي ومشققة وبعضها لا سوداء ولا بيضاء وبعضها مبتور وبعضها مضلعة لا تشابه الحجارة الأخرى وبعضها ملخطة غير صالحة للبناء. 5. فأمر السيد أن تنزع هذه الحجارة من البرج وتوضع تحت أقدام البرج وأن يؤتى بحجارة معدة لتحل محل الحجارة المنزوعة. 6. لم يأمر أن يؤتى بالحجارة من الجبل بل من سهل قريب. 7. فانشق السهل وظهرت حجارة براقة مربعة وكان بعضها مستديرًا. جيء بكل الحجارة التي كانت في ذلك السهل وحملتها العذارى. 8. وقد نحتت الحجارة المربعة ووضعت في المكان الذي نزعت منه الحجارة المرفوضة، أما الحجارة المستديرة فلم توضع في البناء لأنها كانت صلدة وصعبة والنحت ويحتاج نحتها وقتًا طويلًا بل وضعت عند أقام البرج لتنحت فيما بعد وتوضع في البناء وكان شديدة اللمعان.

7- 1. بعد أن أتم الرجل العظيم وسيد كل البرج كل هذا استدعى الراعي وسلمه كل الحجارة الكائنة تحت أقدام البرج وقال له. 2. نق هذه الحجرة تنقية جيدة وأضفها إلى البرج. أما التي لا توافق فالقها بعيدًا عنه. 3. أمر الراعي ثم ترك المكان مع من جاء معه وبقيت العذارى حول الباب لتحميه. 4. قلت للراعي: كيف يمكن أن تصلح هذه الحجارة للبناء بعد أن أُلقيت كحجارة غير صالحة؟ فأجابني: أترى هذه الحجارة؟ قلت: نعم يا سيد. قال: إني سأنحتها وسأدخلها في البناء وستنسجم كليًا مع حجارة البرج. 5. قلت كيف يمكن لهذه الحجارة بعد صقلها أن تملأ مكانًا كالمكان السابق؟ أجاب: الحجارة التي نجدها صغيرة نضعها في الجدار الداخلي أما الحجارة الكبيرة فتوضع في الجدار الخارجي فتمسك بالحجارة الداخلية 6. بعد هذا الجواب تابع الراعي وقال: هيا بنا وسنعود إلى هنا بعد يومين لتنقية الحجارة لوضعها في البرج لأن كل جوار البرج يجب أن ينظف خوفًا من أن يأتي السيد فجأة فيجده وسخًا فيغضب وفي هذه الحالة لن تدخل هذه الحجارة إلى البرج وسأكون مُقصرًا في نظر المعلم. 7. بعد يومين رجعنا إلى البرج فقال لي الراعي: لنفحص كل الأحجار ولنرَ الصالح منها للبناء. قلت: فلنفحص يا سيد.

8- 1. ابتدأنا بفحص الأحجار السوداء فوجدناها كما كانت عندما نزعت من البرج فأمر الراعي أن تبعد وتوضح في مكان على حدة. 2. ثم فحص الحجارة المغبرة فنحت عددًا كبيرًا منها وأمر العذارى فحملتها إلى داخل الجدران أما ما تبقى فأمر أن توضع مع الحجارة السوداء لأنها كانت سوداء. 3. ثم فحص الحجارة المشققة فنحت أكثرها وأمر العذارى بادخالها إلى البرج وقد وضعت في القسم الخارجي منه لأنها كانت سليمة. أما ما تبقى فد كانت صعبة النحت لكثرة ما يها من الشقوق فاعتبرت غير صالحة للبناء. 4. ثم ما فيها من الشقوق فاعتبرت غير صالحة للبناء. 4. ثم جاء دور الحجارة المبتورة فوجد أن الكثير منها كان قد اسود وبعضها قد تشقق فأمر أن توضح في المكان الذين وضعت فيه الحجارة المرفوضة. أما ما تبقى فقد نقلتها العذارى، بعد أن نقاها الراعي إلى البناء الداخلي من جدران البرج لأنها لم تكن صلدة. 5. ثم فحص الراعي الحجارة نصف البيضاء ونصف السوداء فوجد أن القسم الأكبر منها قد أسود كله فأمر بوضعها مع الأحجار المرفوضة. أما ما تبقى فقد حملته العذارى بأيديهن ووضعنه في داخل البرج لأنه كان كله أبيض، وضعنه في الجدران الخارجية لأن الحجارة كانت سليمة تستطيع أن تمسك بالحجارة التي في الوسط ولم تبتر واحدة منها. 6. ثم فحص الراعي الحجارة القاسية الصلدة. القليل منها وضع مع الحجارة المرفوضة لعدم امكان نحتها بسبب قساوتها الشديدة والبعض نحت ووضع بأيدي العذارى داخل البرج لأنها كانت ضعيفة. 7. ثم فحص الراعي الحجارة الملطخة فرفض القسم القليل منها لأنها اسودت أما ما تبقى فكان يلمع ولم يصب بأذى وقد وضعت في القسم الخارجي من البرج بسبب متانتها.

9- 1. ثم أخذ الراعي يفحص الحجارة البيضاء الكروية وقال لي: ماذا يجب أن نفعل بهذه الحجارة؟ قلت: إني لي أن أعرف يا سيد. قال: ألا تعرف شيئًا؟ 2. قلت أنا لست بنحات للحجارة وأجهل هذا الفن جهلًا تامًا. ألا ترى أن هذه الحجارة مستديرة جدًا وسيقطع منها الكثير إذا أردنا جعلها غير مستديرة؟ ضروري جدًا أن يكون بعضها في البناء. 3. قلت: لماذا تتعب نفسك أيها السيد؟ إذا كان ضروري أن يكون بعضها في البناء فاختر للبناء الحجارة اللامعة. فأختار الصالح منها فأخذتهن العذارى ووضعنها في القسم الخارجي من البرج. 4. وما تبقى حمل إلى السهل حيث كانت أولًا ووضعت كاحتياط ولم ترفض وقد قال الراعي: ينقص البرج شيء والسيد يريد أن تدخل الحجارة إلى البرج للمعانها الخارق. 5. فدعيت اثنتا عشرة امرأة من الجميلات الخلق لابسات ألبسة سوداء عاريات الأكتاف محلولات الشعور وقد شعرن أنهن متوحشات فأمرهن الراعي أن يحملن الأحجار المرفوضة من البرج ويرجعنها إلى الجبل من حيث قطعت. 6. وبعد أن رفعت كل الأحجار من حول البرج ولم يبقَ شيء قط قال الراعي: هيا بنا لنطوف حول البرج لنرى إذا كان هناك أي نقص. فطفت معه حول البرج. 7. عندما رأينا روعة البناء امتلأ الراعي سرورًا. في الواقع كان منظر البرج رائعًا يملأ النفس برغبة سكناه، كان كأنه حجر واحد لا ترى فيه شقًا فكأنه قطع من صخرة واحدة أو كأنه الصخرة ذاتها.

10- 1. كنت أسير معه وكان السرور يملأني. قال الراعي: اذهب واحمل لي كلسًا وأصدافًا لكي تستبدل الحجارة المشوهة في البناء، فمن الضروري أن يكون محيط البرج في لحمة كاملة. 2. ففعلت كما أمرني وحملت له ما أراد فقال لي الراعي: أعني حتى ننهي العمل سريعًا. فسدّ الراعي الثقوب في البرج ورتب أشكال الحجارة الموضوعة في البناء ثم أمر بتنظيف ما حول البرج. 3. فأخذت العذارى مكانس وكنسوا كل ما حول البرج من أوساخ وغسلوه بالماء فصار المكان لماعًا. 4. فقال لي الراعي: لقد صار الآن كل شيء نظيفًا. إذا جاء المعلم ليفتش البرج فإنه لن على شيء يدعو إلى التوبيخ. 5. عندما انتهى من كلامه أراد أن يرحل فأمسكته بجرابه واستحلفته بالرب ليفسر لي ما رأيته. فقال لي: إني مشغول الآن وسأفسر لك ذلك فيما بعد. انتظر عودتي. 6. قلت له: ما هو عملي يا سيد هنا؟ إني وحيد. قال: إنك لست وحدك ما دامت العذارى هنا. قلت: عرفهن بي على الأقل. فدعاهن الراعي وقال لهن إني اسلمكن هذا الرجل كأمانة حتى عودتي. 7. بعد أن قال هذا ذهب وبقيت وحيدًا مع العذارى. سرت العذارى بي وأظهرن كل لطفٍ، خصوصًا العذارى الأربع الكبريات.

11- 1. قالت لي العذارى: إن الراعي لن يعود اليوم إلى هنا. قلت: ماذا سأفعل. انتظر حتى المساء لأنه سيعود ليتفاهم معك وإذا لم يأتِ فستبقى معنا حتى عودته. 2. قلت: إني سأنتظره حتى المساء فإذا لم يعد فإني سأذهب إلى بيتي لأعود في اليوم الثاني. إنك أمانة في ايدينا، إنك لا تستطيع أن تغادر المكان. 3. أين سأبقى؟ ستبقى معنا لا كزوج بل كأخ. سنقطن معك لأننا نحبك كثيرًا. استولى علي الخجر عندما سمعت بأنهن سيقطن معي. 4. اخذت الأولى منهن تغمرني بقبلاتها. عندما رأت الباقيات ما فعلته الأولى اخذن هن بدورهن يغمرنني بقبلاتهن ويطوفن بي حول البرج ويداعبنني. 5. شعرت أن الشباب قد عاودني فاشتركت معهن بالعابهن فرقص البعض وشدا البعض وعزف البعض الآخر وكنت أنا صامتًا أدور معهن حول البرج وأشاركهن أفراحهن. 6. عندما أقبل المساء أحببت أن أعود إلى بيتي فلم يتركنني واحتفظن بي فبقيت ونمت تحت أقدام البرج. 7. فرشت العذارى أوشحة من كتان وجعلتني في وسطهن ولم يفعلن شيئًا غير الصلاة وكنت أصلي معهن بدون انقطاع ولم أكن بأقل منهن صلاة وقد فرحت العذارى إذ رأونني أصلي. بقيت هناك مع العذارى حتى اليوم الثاني وحتى الساعة الثانية. 8. ثم حضر الراعي وقال للعذارى: ألم تسئن إليه بشيء؟ فقلن: اسأله. فقلت: كنت مسرورًا ببقائي معهن. ماذا كان عشاؤك؟ تعشيت يا سيد طوال الليل من كلام الرب. فقال أعاملتك العذارى معاملة صالحة؟ قلت: نعم يا سيد 9. قال من أين تريد أن ابدأ لأفسر لك. قلت: فسر لي الأمور حسب سؤالاتي. قال إني سأوضح لك كل ما تريده ولن أخفي عنك شيئًا.

12- 1. قل لي أولًا ما معنى الصخرة والباب؟ قال الراعي: إن الصخرة والباب هما ابن الله. قلت: كيف ذلك يا سيد فالصخرة قديمة والباب جديد؟ قال: اسمع وافهم أيها الفاقد الفهم. 2. إن ابن الله هو قبل كل الخليقة وكام مستشار ابيه في عمل الخليقة لذلك هو عتيق. قلت لماذا أرى الباب جديدًا؟. 3. لأن ابن الله ظهر في الأيام الأخيرة من انتهاء العالم وقد عمل ليدخل معه إلى الملكوت السماوي الذين يخلصون. 4. قال الراعي: ألاحظت كيف أن الحجارة التي دخلت من الباب قد قبلت في البناء بينما رفضت كل الحجارة التي لم تدخل منه حيث أتت. قلت: نعم يا سيد. قال الراعي: لن يدخل إلى الملكوت السماوي إلا الذين حملوا اسم ابنه. 5. أيمكنك أن تدخل إلى مدينة مسورة لها مدخل واحد من مدخل آخر؟ قلت: لا. قال الراعي: لا يمكن لأحد أن يدخل إلى الملكوت السماوي إلا من الباب الذي هو يسوع المسيح ابن الله الحبيب. 6. أرأيت الجماعة التي تشتغل في بناء البرج؟ قلت: نعم يا سيد. قال: هؤلاء الفعلة هم الملائكة المجيدون. رُفع البرج على أيديهم، الباب هو ابن الله، إنه المدخل الوحيد للرب. لا أحد يدخل إليه إلا بابنه. 7. أرأيت الرجال الستة وبينهم هذا الرجل المحاط بالمجد بقامته الفارعة الذين طاف بالبناء ورفض بعض الحجارة؟ قلت: نعم يا سيد. 8. قال: هذا الرجل المتوشح بالمجد هو ابن الله. أما الستة الآخرون فهم الملائكة المجيدون الذين يشكلون حاشيته من عن اليمين ومن عن اليسار. بدونه لا يقترب ملاك واحد من الله. ولن يدخل أحد إلى الملكوت السماوي إلا اذا حمل اسمه.

13- 1. سألت الراعي وقلت: ماذا يمثل البرج أجابني الراعي وقال: البرج هو الكنيسة. 2. قلت: والنسوة؟ قال: إنهم الأرواح المقدسة. لا يمكن لأحد أن يقبل في الملكوت السماوي إلا إذا البسته من ثيابهن الخاصة. إذا أخذت اسم ابن الله فقط بدون أن تقبل من أيدي العذارى ثوبهن فانك لا تستفيد شيئًا لأن العذارى هن فضائل ابن الله. إذا حملت اسم ابن الله بدون أن تكون لديك فضيلته فعبثًا تحمل هذا الاسم. 3. إن الحجارة التي رأيتها ترمى جانبًا هي البشر الذين حملوا اسمه بدون أن يلبسوا ثياب العذارى. قلت: ما هو هذا الثوب؟ قال: إن اسماءهن هي الأثواب فمن حمل اسم المسيح حمل اسماء هؤلاء العذارى لأن ابن الله يحملها بنفسه. 4. كل الحجارة التي قجمتها أيدي العذارى ودخلت في البناء وبقيت فيه تمثل البشر المتشحين بفضيلة العذارى. 5. إنك ترى البرج يشكل وحدة مع الصخرة كذلك أولئك الذين آمنوا بالرب بابنه ولسوا لباس العذارى يشكلون روحًا واحدًا وجسدًا واحدًا. كل الذين يحملون اسماء العذارى سيسكنون البرج. 6. قلت: لماذا رفضت الأحجار مع أنها أدخلت بأيدي العذارى من الباب قبل أن توضع في جدران البرج؟ ما دمت تريد أن تعرف كل شيء وتدقق في كل شيء فأصغ لما سأقوله لك عن الحجارة المرفوقة. 7. تمثل هذه الحجارة البشر الذين قبلوا اسم الله وفضائل العذارى وقد جلبت لهم هذه الأرواح القوة والتصقت بعبيد الله وصارت معهم روحًا واحدًا وجسدًا واحدًا وثوبًا واحدًا وتحدوهم العواطف ذاتها ويفعلون العدل. 8. إلا أنهم وقعوا في مغريات بعض النسوة الجميلات كاللواتي رأيتهن يلبسن السواد محلولات الشعور ومكشوفات الأكتاف. لقد انجذبوا بهن وصاروا معهًا جسدًا واحدًا. 9. فطردوا من بيت الله بعد أن خلعوا ثياب فضيلة العذارى والتصقوا بهؤلاء النسوة أما الذين لم يقعوا بأحابيلهن ظلوا في بيت الله. هذا هو تفسير الحجارة المرفوضة.

14- 1. قلت للراعي: لو تاب هؤلاء البشر وتحرروا من أهوائهن وتركوا هؤلاء النسوة واستوحوا العذارى وفعلوا فعلهن أيدخلهن بيت الله؟ 2. قال الراعي: نعم. إنهم يستطيعون إذا كفروا بأفعال هؤلاء النسوة وعادوا إلى أعمال وروح العذارى، لذلك ترى أن العمل في البرج قد توقف مفسحًا المجال لهؤلاء ليتوبوا ويدخلوا في بناء البرج. أما اذا أهملوا ذلك فإن غيرهم سيأتي ليحل محلهم وسيكون نصيبهم الرفض النهائي. 3. عندما سمعت هذه الكلمة شكرت الله لأنه أشفق على كل من حمل اسم ابن الله وأرسل لنا ملاك التوبة بعد أن أخطأنا وجدد روحنا ومنحنا الحياة بعد أن فقدنا كل رجاء. 4. قلت للراعي: اشرح لي يا سيد لماذا لم يبن البرج على سطح الأرض بل فوق الصخرة وفوق الباب؟ قال الراعي: ألا زلت جاهلًا فاقد الفهم؟ قلت: إني بحاجة لأن اسألك كل شيء لأني لا أستطيع أن أعي كل هذه الأشياء بمفردي. إن الأمور هذه عظيمة جدًا وممجدة وصعبة الفهم على البشر. 5. قال: إن الأمور هذه عظيمة جدًا وممجدة وصعبة الفهم على البشر. 5. قال لي الراعي: إن اسم ابن الله عظيم لا حد له ويضبط الكل إذا كان ابن الله يضبط الخليقة فماذا تقول عن الذين يحملون اسمه ويلكون حسب وصاياه؟ 6. أرأيت من يحمل؟ إنه يحمل كل الذين يحملون اسمه هو أساس لهم ويحملهم بعذوبة لأنهم لا يخجلون من حمل اسمه.

15- 1. قلت: عرفني يا سيد باسماء العذارى وباسماء النسوة اللواتي يلبسن السواد. قال: إليك ذلك. 2. العذارى الواقفات عند زوايا الباب هن الأولى الإيمان والثانية العفة والثالثة القوة والرابعة طول الآناة. أما اسماء الواقفات بينهن فهن الأولى البساطة والثانية البراءة والثالثة النقاوة والرابعة الصفاء والخامسة الحقيقة والسادسة الفطنة والسابعة التصافي والثامنة المحبة. من حمل هذه الأسماء مع اسم ابن الله يمكنه أن يدخل إلى الملكوت السماوي. 3. إليك أسماء النسوة المتشحات بالسواد. أربعة منهن أكثر قوة من الأخريات. الأولى الكفر والثانية المجون والثالثة التمرد والرابعة الضلال أما الأخريات فهن الغم والخبث والفجور والغضب والكذب والجهل والاغتياب والحقد. من حمل هذه الاسماء من عبيد الله يرى الله إلا أنه لا يدخل الملكوت السماوي. 4. قلت: وما تكون الحجارة التي اقتلعت من قاع اليم واندمجت بالبناء؟ أجاب. الحجارة العشرة الأولى التي وضعت في الأساس هي الجيل الأول، والخمسة والعشرون هي الجيل الثاني من الأبرار والصديقين، أما الخمسة والثلاثون فهم أنبياء الله وخدامه، والأربعون هم الرسول والمبشرون بابن الله والمعلمون. 5. قلت: لماذا يا سيد سلم العذارى هذه الحجارة للبناء وأدخلتها الباب؟ 6. أجاب وقال: لأن هؤلاء هم أول من حمل هذه الأرواح ولم ينفصوا ولا تخلوا عنها. بل بقيت حتى الممات. لو لم تكن هذه الأرواح معهم لكانوا غير جديرين بالدخول إلى البناء.

16- 1. قلت: أريد أن اسألك أمورًا أخرى. قال: ماذا تريد؟ قلت: لماذا أخرجت هذه الحجارة من الأعماق لتوضع في جدران البرج، ما دام الرجال الذين تمثلهم هذه الحجارة كانوا يحملوا في ذواتهم هذه الأرواح؟ 2. أجابني: كان عليهم أن يخرجوا من الماء لينالوا الحياة ولم يكن بامكانهم أن يدخلوا إلى ملكوت السماوات قبل أن يطرحوا الطبيعة الميتة لوجودهم الأول. 3. مع أن هؤلاء البشر كانوا أمواتًا قبلوا ختم ابن الله ودخلوا الملكوت. وقد سبق وقال لي الراعي: الذين لا يحملون اسم ابن الله هم أموات إلا أنهم عندما ينالون الختم يخلعون عنهم الموت ويلبسون الحياة. 4. الختم هو ماء المعمودية. ننحدر أمواتًا إلى الماء ونصعد أحياءً. هؤلاء سمعوا بالختم فاختتموا لكي يدخلوا إلى الملكوت. 5. قلت: لماذا يا سيد صعدت الأربعون حجرًا من الأعماق كالأحجار السابقة؟ مع العلم أن البشر الذين كانت ترمز إليهم قد نالوا الختم؟ قال: إليك السبب. الرسل والمعلمون بعد أن بشروا بابن الله وبالايمان به ورقدوا بالايمان بابن الله وبقوته بشروا أيضًا به أولئك الذين سبقوهم إلى القبر وأعطوهم ختم البشارة. 6. أُنزلوا معهم إلى الماء وصعدوا معهم. نزلوا أحياء وصعدوا أحياء. إذا بالرسل والمعلمين اخذت الأموات الحياة وعرفوا ابن الله. 7. لهذا بعد أن صعدوا معهم أخذوا مكانهم مثلهم في البناء ودخلوا مثلهم إليه بدون صقل أو نحت لأنهم كانوا ينامون في العدالة والنقاوة الكبرى ولم يكن ينقصهم غير هذا الختم. أفهمت هذا التفسير؟ قلت: نعم يا سيد

17- 1. قلت: كلمني يا سيد عن الجبال. لماذا تختلف في الشكل والألوان؟ قال الراي: إن عدد هذه الجبال اثنا عشر وتمثل اثني عشر سبطًا يقطنون كل العالم وقد بُشر هؤلاء بابن الله على أيدي الرسل. 2. قلت: قل لي يا سيد لماذا هذا الاختلاف في الشكل واللون؟ قال: الاسباط هذه التي تقطن هذه الجبال تمثل اثنتي عشرة أمة مختلفة في التفكير والمشاعر ما رأيته في الجبال من اختلاف في الشكل واللون ينطبق تمامًا على اختلاف هذه الأمم بالعقل والتفكير إني سأرشح لك واقع كل أمة من الأمم. 3. قلت فسر لي يا سيد كيف اصبحت الحجارة المقتلعة من هذه الجبال المختلفة الشكل واللون ذات لون واحد عندما بنيت في البرج شبيهة بلون الأحجار المستخرجة من أعماق البحر؟ . 4. أجاب الراعي وقال: لأن كل الشعوب التي تقطن تحت السماء بعد أن سمعت بالبشارة وآمنت حملت اسم ابن الله وعندما ختمت بالختم صارت جميعها بفكرٍ واحدٍ وعقل واحدٍ وإيمانٍ واحدٍ ومحبة واحدة وحملت مع اسم ابن الله روح العذارى لذلك صار البرج بلون واحد مشمع كالشمس. 5. إلا أن البعض دنسوا ذواتهم بعد أن دخلوا البرج لذلك طردوا من عائلة الصديقين وعادوا إلى ما كانوا عليه سابقًا لا بل عاد بعضهم إلى حالة دون الحالة التي كانوا فيها.

18- 1. قلت: كيف يمكن أن يصبحوا دون ما كانوا عليه بعد أن عرفوا الله؟ قال الراعي: إن الذين لا يعرفون الله ويفعلون الشر فهو مجبر على تحاشي الشر وعلى فعل الخير. 2. فما رأيك في إنسانٍ مجبرٍ على فعل الخير ويفعل الشر؟ ألا يكون أكثر إجرامًا من الذين يجهلون الله؟ إذا كان الذين لا يعرفون الله يحكم عليهم بالموت إذا هم أخطأوا، ألا يكون عقاب الذين يعرفون الله، إذا هم أخطأوا، مضاعفًا وموتهم أبديًا؟ بهذه الطريقة تتطهر كنيسة الله. 3. أنك رأ]ت الحجارة التي نزعت من البرج وسلمت إلى الأرواح الخبيثة وطرحت خارجًا. الحجارة التي تنقت صارت واحدًا مع البرج. وهكذا كنيسة الله تصبح واحدة عندما تتنقى من الشرار الخبثاء والمرائين والمشككين. 4. بعد طرد الأشرار تصبح الكنيسة جسدًا واحدًا وقلبًا واحدًا وروحًا واحدًا وإيمانًا واحدًا. حينئذ يتهلل الله فرحًا بين شعبه النقي. 5. قلت: إن هذا لعظيم يا سيد أرجو أن تشرح لي روح ونوع الحياة التي يمثلها كل جبل حتى تتمجد كل نفس وتمجد الله الذي تسمعه وتعظم اسمه. قال الراعي: إليك ما تريد.

19- 1. المؤمنون الذين جاؤا من الجبل الأول الأسود هم العصاة الذين شتموا الله وخانوا عبيده ولا توبة لهم ونصيبهم هو الموت لذلك هم سود. 2. المؤمنون الذين جاؤا من الجبل العاري الثاني هم المراؤون ومعلمو الخبث، يشبهون الأول ولا عدالة يفعلون، وكما كان جبلهم عاقرًا لا ثمر فيه كذلك هم لا ثمر فيهم وإن كانوا يحملون اسم ابن الله. إنهم فارغون من الإيمان، فارغون من ثمار الحقيقة. إذا تابوا التوبة الحقيقية السريعة التي تنتظرهم يخلصون، أما إذا تأخروا فإنهم سيموتون مع من ماتوا. 3. قلت: لماذا يستطيع هؤلاء أن يتوبوا، أما الآخرون فلا ما دام سلوكهم متشابه؟ أجابني لأنهم لم يشتموا الله ولم يضللوا عبيده. إنهم عملوا حسب رغباتهم وادينوا بحسب هذه الرغبات وعلموا الناس وفقًا لرغبات الآخرين لذلك سيدانون ويمكنهم أن يتوبوا لأنهم لم يكونوا خونة ولا شتمة.

20- 1. من الجبل الثالث المليء بالأشواك والمزالق أتى هؤلاء المؤمنون الذين تراهم. بعضهم ثر وبعضهم صاحب أعمالٍ. المزالق تمثل الأغنياء والأشواك تمثل أصحاب الأعمال المتشابكة. 2. هؤلاء لا يخالطون قط عبيد الله أما الأغنياء فيخالطون قليلًا خوفًا من أن يطلب منهم شيء. لا يدخل أحد من هذه النوعية إلى الملكوت السماوي. 4. إلا أنهم يستطيعون أن يتوبوا إذا أرادوا، فإذا تابوا وفعلوا الخير يحيون في الله وإذا لم يتوبوا فسيسلمون إلى النسوة المتشحات بالسواد ليميتوهم.

21- 1. أما الذين جاءوا من الجبل الرابع المكسو بالأعشاب اليابسة عند جذورها من لفح الشمس فيمثلون المتقلبين الذين وضعوا اسم المسيح على شفاههم دون قلوبهم. 2. لذلك لبثت جذورهم لا قوة لها، بقيت كلماتهم حية وماتت أفعالهم. هؤلاء لا هم أحياء ولا هم أموات. إنهم يشبهون المشككين الذين أعشابهم ليست خضراء وليست يابسة وهم لا يحيون ولا يموتون. 3. فكما أن الأعشاب تيبس عندما تلفحها الشمس كذلك المشككون عندما يصابون بالأحزان يذبحون للأوثان ويخجلون من اسم الرب. 4. وإذا أسرعوا وتابوا يمكنهم أن يحيوا أما إذا رفضوا فإنهم سيكونون فريسة لهؤلاء النسوة ينزعن منهم حياتهم.

22- 1. الذين أتوا من الجبل الخامس الوعر حيث الأعشاب الخضراء هم الذين آمنوا إلا أنهم يثرثرون ويعجبون بأنفسهم ويحاولون معرفة كل شيء وهم لا يعون شيئًا. 2. لأن الحكمة قد نأت عنهم بسبب ثرثرتهم وغزاهم الجهل، يمتدحون أنفسهم لحكمتهم ويجعلون نفوسهم فوق الآخريين يعلمونهم وهم الجاهلون. 3. لقد كانوا فارغين فاغتروا. الثرثرة شيطان مخيف أوقعهم في بطلانهم. طرح الكثيرون خارجًا إلا أن بعضهم تاب فأدركوا جنونهم وخضعوا لمن هم أسمى منهم إدراكًا ووعيًا. 4. يستطيع بعضهم أن يتوبوا لأنهم لم يكونوا خبثاء بل جهلاء فإذا تابوا يحيون في الله أما إذا رفضوا فيسقطون مع النسوة اللواتي سببن ضياعهم.

23- 1. ها هم أيضًا المؤمنون الذين جاءوا من الجبل ذي الشقوق الكبيرة والصغيرة حيث نبتت بعض الأعشاب التي ذبلت. 2. الذين يمثلون الشقوق الصغيرة هم الذين يقفون وجهًا لوجه فذبل إيمانهم من كثرة تراشقهم بالكلام الكثير فمنهم من تاب ومنهم من سيتوب عندما يسمعون كلامي. 3. أما الذين يمثلون الشقوق الكبيرة فسيصيرون أكثر خبثًا وسيتراشقون بالتهمات. هؤلاء طرحوا من البرج ورفضوا ويصعب أن يحيوا في الله. 4. فالله الذي بيده السلطان لا يحقد على الذين يعترفون بخطاياهم بل يرحمهم. إنه ليس كالبشر الخطأة الذين يذكرون سيئات الآخرين ويحقدون كأن في يدهم الحياة والموت. 5. إني أقول لكم أنا ملاك التوبة: تخلوا جميعكم عما أنتم عليه وتوبوا فالله يشفيكم من خطاياكم السابقة بشرط أن تتخلصوا من الشيطان وإلا فإنكم ستسلمون بواسطته إلى الموت.

24- 1. ها هم أيضًا المؤمنون الذين أتوا من الجبل السابع حيث الأعشاب الخضراء والنقاوة تملأه الحيوانات وطيور السماء على أنواعها تجدها غذاءها في الأعشاب التي تزداد نموًا كلما رعيت. 2. كانوا دائمًا بسطاءً أبرياءً سعداءً لا يمرمرون بعضهم بعضًا، بالعكس إنهم دائمًا مسرورون يلبسون روح العذارى المقدس ومملؤون بالرحمة نحو الآخرين، يعطون الجميع من عرق جبينهم ودون تردد أو تذمر. 3. وقد رأى الله بساطتهم ووداعتهم الطفوليةـ فأنمى عمل أيديهم وجعلهم يُسرّون به. 4. فإني أقول لكم أنا ملاك التوبة إن أبقوا كما أنتم ولن تفقدوا نمو أعمالكم لأن الله بعد أن امتحنكم سجلكم معنا أنتم وذريتكم وستسكنون مع ابن الله. لقد حصلتهم على قسم من روحه.

25- 1. المؤمنون الذين أتوا من الجبل الثامن حيث الينابيع الكثيرة وحيث كل الخليقة ترتوي من هذه الينابيع. 2. يمثلون الرسل والمعلمين والمبشرين في كل العالم الذين يعظون بكلمة الله ببراءة وشرف دون أن تمر بخاطرهم فكرة شريرة بل يسلكون دائمًا بالعدل والحق كما أخذوا الروح القدس. إن هؤلاء يشتركون في موكب الملائكة.

26- 1. المؤمنون الذين أتوا من الجبل التاسع المليء بالزحافات والوحوش الضارية المفترسة للبشر. 2. هم الخدمة الذين خانوا الأمانة وسرقوا أموال الأرامل واليتامى وخدمتهم كانت لصالح نفوسهم. إذا استمروا مثابرين على تحقيق رغباتهم فإنهم يموتون لا رجاء لهم في الحياة. أما إذا عادوا عن غيهم وخدموا بإخلاص يمكنهم أن يحيوا. 3. أما الذين علاهم الصدأ فهم الذين أنكروا الرب ولم يعودوا إليه بل تحجروا وصاروا قفرًا وابتعدوا عن عبيد الله وراحوا في تيههم يتوغلون فأضاغوا نفوسهم. 4. إنهم كالكرمة المتروكة بدون سياج تموت من قلة العناية يخنقها الشوك وتفقد كل قيمتها عند سيدها. 5. هكذا هؤلاء إنهم لا يصلحون لأي شيء، إلا أن المجال مفتوح أمامهم ليتوبوا شرط ألا يكون قد كفروا بالله في قلوبهم. 6. أما إذا كان هناك من نكر الله في قلبه فلا أدري إذا كان يمكنه أن يعود إلى الحياة. أنا لا أتكلم عن الأيام المستقبلة، إني اتكلم عن الماضي. هؤلاء يمكنهم أن يعودوا إذا هم تابوا وتنكروا لحياتهم الماضية. من ينكر الله لا يستطيع أن يخلص بعد الآن. من أراد أن يتوب عليه أن يفعل ذلك قبل أن ينتهي بناء البرج وإلا فإن النسوة سيقضين عليه. 7. هؤلاء هم الوحوش التي ترى في الجبل. إنهم مخادعون نمامون. فكما أن الوحوش تأكل بعضها كذلك هؤلاء يفترسون بعضهم بعضًا بالنميمة التي ترعى في داخلهم. . يمكن أن يتوب هؤلاء كما تاب بعضهم. أما إذا لم يتوبوا فسيصيبهم من النسوة كما أصاب الآخرين، الموت والدمار.

27- 1. المؤمنون الذين جاءوا من الجبل العاشر حيث تعلوا الأشجار التي تستظلها الخراف. 2. يمثلون الأساقفة ورجال الضيافة الذين يقبلون بفرح وابتهاج ضيوفهم خدام الله. هؤلاء الأساقفة جعلوا خدمتهم ملجأ الغرباء والأرامل وسلكوا حياة مقدسة. 3. هؤلاء سيظللهم الله دائمًا وهم ممجدون عنده ومجلسهم مع الملائكة إذا هم ثابروا على خدمته.

28- 1. المؤمنون الذين أتوا من الجبل الحادي عشر وقد غطتهم الأشجار يحملون الأثمار المختلفة. 2. هم البشر الذين تحملوا من أجل المسيح وكرسوا كل ما قلبهم من الغنى والعواطف من أجل الآخرين حتى التضحية. 3. قلت: لماذا تمتاز بعض الأشجار بثمارها مع أنها تحمل جميعها الثمر ذاته؟ اصغ، قال الراعي: الذين تألموا من أجل اسم ابن الله تمجدوا أمام الرب وأمحت خطاياهم لأنهم تألموا من أجل ابنه. تسأل لماذا هذه الفروقات المختلفة في الثمار التي ترمز إلى حياتهم. 4. إليك السبب. من تقدم إلى القاضي وخضع لاستجواب مرير وثابر على إيمانه ولم ينكر الله بل حمل الآلام من اجل ابنه يحظى عند الرب بمجد عظيم. هناك من يتردد في قبول الآلام من أجل ابنه، وقد تردد البعض ولم يقبلوا أن يتألموا إلا بعد أن عاشوا حياة التردد وسألوا نفوسهم مرارًا وتكرارًا وانتهوا أخيرًا إلى الثبات في إيمانهم. هؤلاء حملوا ثمار إيمانهم إلا أن هذه الثمار كانت أقل رونقًا وجمالًا من ثمار الذين ما ترددوا قط. أي خاطر نكراني يمر في قلب الإنسان يعتبر خطيئة. 5. فأنتم يا من خطر ببالكم هذا الخاطر حاولوا أن تبعدوه عنكم لئلا يتأصل في قلوبكم. إنه يجعلكم أمواتًا بالنسبة لله. عليكم أنتم الذين تألمتم من أجل المسيح أن تقوموا بأعمال خيرية لأنه أهّلكم لأن تتألموا من أجله وأعطاكم موهبة شفاء خطاياكم. 6. اعتبروا أنفسكم سعداء وثقوا بأنكم قمتم بعمل عظيم بتألمكم من أجل الله. أيهبكم الله الحياة ولا تفكرون به؟ إن ثقل خطاياكم يكفي لسحقكم ولولا تألمكم من أجل اسمه لمتم. 7. إني أكلم الذين يعرفون إذا كان يجب أن يؤمنوا بالله أو أن ينكروه. إذا أردتم أن تبقوا بعيدين عن السجون فآمنوا أن لكم معلمًا. 8. إذا كانت الأمم تعاقب العبيد الذين أنكروا تعاليمها فما قولكم بالرب. ابعدوا عن قلوبكم كل تردد لكي تحبوا الله.

29- 1. المؤمنون الذين جاءوا من الجبل الثاني عشر الأبيض يشبهون الأطفال الذين لا يعرفون شيئًا عن الشر ولا عن الخبث وقد احتفظوا بوداعة الطفولة طوال حياتهم. 2. هؤلاء سيقطنون بكل تأكيد الملكوت السماوي لأنهم ما شذوا قط عن تعاليم الله بل حافظوا عليها وعلى وداعة طفولتهم وبراءتها. 3. إنكم أنتم الذين سلكتم هذا الطريق وكنتم كالأطفال ستتمتعون بالمجد العظيم. الأطفال جميعهم ممجدون أمام الله وهم الأول في عينه. إنكم سعداء أنتم الذين ابتعدتم عن الشر لتلبسوا لباس البراءة. إنكم أنتم أول من يحيا بالله. 4. عندما أنهى الراعي ما ترمز إليه الجبال سألته: فسر لي يا سيد معنى الحجارة التي اقتلعت من السهل وحلت محل الحجارة التي طرحت من البرج، حدثني عن الحجارة المستديرة التي قبلت في البناء والتي لا تزال مستديرة.

30- 1. قال: سأشرح لك كل هذه الأمور. الحجارة التي اقتلعت من السهل وحلت محل الحجارة التي طرحت من البرج هي من أساس الجبل الأبيض. 2. المؤمنون الذين جاءوا من هذا الجبل كلهم أبرياء ومعلم البناء وضع في البناء الحجارة المستخرجة من جذور هذا الجبل. كان يعرف أن الحجارة ستبقى على نقاوتها حتى بعد دخولها في البناء وستحافظ على بياضها الناصع ولن يتحول منها حجر فيسود. 3. فلو قدر له أن يضيف إلى البناء أحجارًا مستخرجة من الجبال الأخرى لكان عليه أن يفحص البرج مرة ثانية وينقيه. كل هؤلاء البشر كانوا جميعًا ناصعي البياض، الذين اعتنقوا الإيمان والذين سيعتنقونه لأنهم جميعًا من طينة واحدة. إنها طينة سعيدة لبراءتها. 4. إليك لماذا وجدت مستديرة. إنها تمثل البشر الأثرياء الذين أغبرت أعين إيمانهم دون أن يتركوا الله ولم يخرج من فمهم كلام بطال بل الكلام الموحي بمحبة العدالة والحقيقة. 5. عرف الله إمكانات هؤلاء في عمل الخير لذلك سحق غناهم، لا كله، وترك الباقي ليفعلوا هم الخيرات المفروضة عليهم. هؤلاء يعيشون من أجل الله لأنهم من طينة جيدة لهذا نحتت الحجارة التي ترمز إليهم ثم وضعت في جدران البرج.

31- 1. أما الحجارة الأخرى التي بقيت مستديرة ولم تدخل في البناء فتمثل البشر الذين لم يحصلوا على الختم فأُعيدوا من حيث أُخذوا. كانت الحجارة المستديرة أكثر مما يلزم. على هؤلاء أن يطرحوا ملذات العالم الناتجة عن غناهم البطال وبهذه الطريقة فقط يمكنهم أن يكونوا من أبناء الملكوت وأن يدخلوه. أنهم من طينة باركها الله. 2. ولن يهلك أحد من هذه الطينة. وإذا كان قد هفا أحدهم فإنه سيعود عاجلًا إلى الرب. 3. أنا هو ملاك التوبة. إني أحترمكم لأنكم أبرياء كالأطفال، إن حظكم ثمين عند الله. 4. أنصحكم بأن تبقوا، أنتم الذين قبلتم الختم، على بساطتكم وأن تنسوا الإهانات ولا تتشبثوا في خبثكم وفي حمل مشاعر الشتائم والسباب والحقد المر وأن تكونوا جميعًا بروح واحدة وتبتعدوا عن روح الفرقة البغيض الذي يرهقكم وهكذا تسرون راعي القطيع. 5. رؤية الخراف أصحاء مخلصي يسره كثيرًا، يا لتعاسة الرعاة إذا ضل البعض. 6. ماذا لو ضل الرعاة. ماذا يجيبون عن ضلالة الرعية؟ أيدعون أنهم كانوا ضحية عنمهم؟ لا أحد يصدقهم، فمن غير المعقول أن تسيء الأغنام إلى رعاتها. إن قصاصهم سيكون قاسيًا. أنا راع أيضًا وعليَّ أن أقدم عنكم حسابًا.

32- 1. اشفوا قبل أن يتم بناء البرج. 2. الله يقطن في الرجال المحبين للسلام لأن السلام عزيزٌ عنده، إنه يقف بعيدًا جدًا عن المخاصمين والأشرار. وأُعيدوا إليه أرواحكم كما أخذتموها نقية خالية من كل دنس. 3. ألا نمطر الخياط بالباب إذا أسلمناه ثوبًا جديدًا فأعاده إلينا ممزقًا. أنقبل أن نستلمه منه؟ ألا نقول له إنا سلمناك ثوبًا جديدًا فكيف تعيد إلينا ثوبًا ممزقًا؟ أيصلح لشيء بعد أن تمزق؟ 4. هذا حالنا مع الله. لقد سلمنا روحًا نقية أنعيدها إليه ملطخة مدنسة. ما هو موقفه منّا؟ ألا يحكم علينا بالموت بسبب ذلك؟ 5. قلت: لا شك أنه سيعاقب كل من امتلأ قلبه بالحقد. قال الراعي: لا تدوسوا إذا غفرانه تحت أقدامكم عليكم أن تشكروه وأن تصبروا وأن تتوبوا فأنتم بحاجة إلى التوبة.

33- 1. كل ما كُتب كتبته أنا الراعي ملاك التوبة وفسرته لخدام الله فإذا آمنتم وأصغيتم إلى كلامي وعلمتم به، إذا قومتم طرقكم تنالون الحياة. أما إذا ثابرتم على شروركم ومشاعركم فلن يعيش أحد منكم. علي أن أقول لكم ذلك. لقد تم كل شيء الآن. 2. قال لي الراعي: هل سألتني عن كل شيء؟ قلت نعم يا سيد، قال: لماذا لا تسألني عن الحجارة التي ملأنا حفرها وقومنا شكلها عندما كانت في البناء؟ قلت: نسيت ياسيد. 3. قال: اصغ لما سأقوله لك عن هذه الحجارة. إنها تمثل البشر الذين تابوا توبة قلبية بعد أن سمعوا كلامي. عندما رأى المخلص أن توبتهم كانت جديدة وصادقة أمر أن تمحى خطاياهم الماضية. أما أشكال هذه الحجارة الناقصة فمثل مظاهر خطاياهم وقد سويت ولن تظهر بعد إن أمحت الخطايا. 

المثل العاشر

 1- 1. عندما انتهيت من كتابة هذا الكتاب جاء الملاك الذي أسلمني إلى الراعي وجلس فوق السرير ووقف الراعي من عن يمينه ثم دعاني وقال لي: 2. أسلمتك وأسلمت بيتك إلى هذا الراعي حتى تحتمي به. قلت: نعم يا سيد. قال: إذا كنت تريد في الواقع أن تحتمي به فيقيك من كل الضربات والمعاملات السيئة، وان تفلح في أعمالك الصالحة وفي فضيلة العدل فسر حسب أوامره التي أعطاها لتتمكن من التغلب على كل شيء. 3. إذا طبقت أوامره فكل رغبة تخضع لإرادتك وتتحكم بكل لذة من ملذات العالم وسيكون نصيبك الفلاح في كل عمل تقوم به. احتضن تواضعه وكماله وقل للجميع عن الشرف والكرامة التي عند الرب له وعن قدرته في الخدمة عن رئاسته لقوة عظيمة. له أعطي سلطان المغفرة. ألا يظهر لك أنه قوي؟ إنكم تحتقرون كماله ولطفه الذي يظهره لكم.

2– 1. قلت اسأل الراعي إذا كنت قد اسألت إليه أو خنته طوال مكوثه في بيتي. قال الملاك: إني أعرف أنك لم تفعل شيئًا ولن تفعل ما يخالف وصاياه ولهذا أقول لك ذلك حتى تبقى عفيفًا. لقد كلمني عنك كلامًا حسنًا وعليك أن تنقل للآخرين هذا الكلام فيفكر الذين يفكرون بالتوبة ما تفكره أنت وينقل لي عنهم ما نقله عنك وأنا سأنقل ذلك إلى الله. 3. أرجو ن يتوب كل من أخطأ سابقًا فور سماعه لكلامي فينال الحياة. 4. ثابر على هذه الخدمة ومارسها. الذين يطبقون وصاياه يهربون من الحياة ويسلكون من طريقًا مخالفًا لطريقته ويسلمون أنفسهم للموت.

 

3– 1. لقد أرسلت العذارى ليقمن معك لأني رأيت أنهن يملن إليك. إنهم سيساعدنك لتتمكن من المحافة على الوصايا محافظة جيدة فحفظ الوصايا لا يتم بدونهن. أرى أن العذارى مسرورات بوجودهن عندك وإني أنصحهن بألا يتركن بيتك. 2. إن بيتك نظيف وهن يحببن البيوت النظيفة لأنهم نقيات طاهرات وظوتهن عظيمة عند الله. إذا استمر بيتك على نظافته بقين عندك أما إذا تلطخ فلا شك أنهن سيتركنه. 3. قلت: أرجو يا سيد أن اعجبهن فيبقين في بيتي إلى الأبد. فكما أن من أعطيتني لم يتذمر ولم ينزعج مني كذلك العذارى فلن يتذمر قط. 4. قال الملاك للراعي: أرى أن عبد الله هذا يريد أن يحيا وأن يحافظ على هذه الوصايا وأن يبقى العذارى في بيت نظيف نقي. 5. بعد أن قال الملاك هذا أسلمني أيضًا إلى الراعي ودعا العذارى وقال لهن: إني أوصيكن به وببيته. فقبلت العذارى مسرورات.

4– 1. قال لي الملاك: قم برسالتك حق القيام وأذع على الناس عظائم الله وستلقى استحقاقك من جراء خدمتك. من يتبع وصاياك يتمتع بحياة ووجود مغبوط. أما الذين يهملونها فأنهم لا ينالون الحياة وسيشقون في حياتهم. 2. قل للجميع بأن يستمروا في فعل الخير ولا يترددوا أو يتراجعوا. خير لهم أن يفعلوا أفعالًا صالحة. إني أقول إن الإنسان يجب أن ينتزع نزعًا من الشقاء. من احتاج في يومه يشعر بعذاب شديد. 3. من انتزع نفسًا من العذاب يوقظ في داخله عالمًا من السرور. ألم الغارقين في عذاب الفاقة يفوق الأنين الذي يصعد السجين المثقل بسلاسل الحديد. الكثيرون ينقادون إلى الموت لعدم امكانهم تحمل الفاقة والشقاء. إذا رأيت إنسانًا غارقًا في البؤس ولم تنقذه فإنك ترتكب خطيئة كبيرة وتكون مسؤولًا عن موته. أفعلوا الخير أنتم الذين أعطاكم الله خيراته ولا تترددوا خوفًا من أن ينتهي بناء البرج. بناء البرج توقف بسببكم. إذا لم تسرعوا في عمل الخير فسيتم بناء البرج وستبقون أنتم خارجًا. 5. بعد أن كلمني هذا الكلام نهض الملاك واقفًا من عن السرير واصطحب الراعي والعذارى وانسحب ووعدني بأن يعيد إليَّ الراعي والعذارى ليقطن معي في بيتي.

أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الثاني

أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الأول

أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الأول

أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الأول

أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الأول

 

المثل الأول

قال الراعي: إنكم يا عبيد الله تعرفون أنكم تقطنون أرضًا غريبةًا وأن وطنكم بعيدًا جدًا وليس ههنا. لماذا تقتنون الحقول الواسعة والعمارات الكبيرة والقصور والأبنية والبيوت ما دمتم تعرفون أن المدينة التي ستستوطنونها ليست هنا. 2. من يهيء نفسه لهذه الحياة يصعب عليه أن يعود إلى مدينته الحقيقية. 3. ألا تعرف أيها الشاك الشقي الجاهل أن الأشياء التي هنا كلها غريبة عنك وأن غيرك يتسلط عليها؟ سيقول لك سيد هذه المدينة لا أريدك أن تكون من مواطني مدينتي. أخرج ما دمت لا تدين بنواميسي. 4. ماذا تفعل أيها المالك للحقول الواسعة والعمارات الكبيرة والثروة الضخمة بحقولك وعماراتك وثروتك إذا طردك سيد المدينة. سيقول لك سيد المدينة بحق، إن مدينتي هي لك إذا حافظت على شريعتي أما إذا رفضت فإن أبوابها مقفلة في وجهك. 5. ماذا ستفعل يا صاحب الناموس الإلهي، أتنكر ناموسك الحقيقي لتتبع ناموس المدينة هنا؟ احذر لئلا يقودك تنكرك لناموسك الحقيقي فأبواب مدينتك الحقيقية ستكون موصدة في وجهك. 6. احذر أن تقتني أكثر مما أنت بحاجة إليه وأنت في أرض غريبة وكن مستعدًا للساعة التي سيطردك فيها سيد البلاد لعدم طاعتك لشريعة مملكته وحتى إذا ما ذهبت إلى مدينتك تكون فرح القلب لا تأسف على شيء. 7. انتبهوا يا معشر عبيد الله، أنتم يا من جعلتم الله في قلوبكم وأتممتم أعمال الله متذكرين وصاياه. 8. اشتروا الأرواح المعذبة بدلًا من الأبنية، زوروا الأرامل والأيتام ولا تحتقروهم. هذه هي الأرض التي يجب أن تصرفوا من أجلها أموالكم والكنوز التي أعطاها الرب لكم 9. لم يعطك الله الثروة إلا لتنفقوها في هذا السبيل. الأفضل لكم أن تشتروا الحقول والعمارات والممتلكات التي ستجدونها عند رحيلكم إلى وطنكم الحقيقي. 10. هذا هو الغني الجميل المقدس الذي لا يسبب لا الغم ولا الأحزان. انه لا يسبب إلا الفرح. لا يغرنكم غني الوثنيين. انه غني يسبب لكم الويلات ويحمل اليكم المصائب 11. اجمعوا الثروة التي تناسبكم، الثروة التي تهب لكم الغني. تجنبوا الاغتصاب واحذروا أن تشتهوا شيئًا يخص الآخرين. شر هو اشتهاء ما للغير. أعمل عملك فتخلص.

 

المثل الثاني

بينما كنت أتمشى باتجاه الحقل الذي يخصني رأيت كرمة ودردارة. وبينما كنت أفكر بهذه الأشجار وبثمارها ظهر الراعي وقال لي: أية أفكار توحيها إليك هذه الكرمة وهذه الدردارة؟ قلت إني أفكر يا سيدي كيف تنسجمان معًا. 2. قال: إنها موجودتان ههنا لتكونا مثلًا لعبيد الله. قلت وأي مثل تستطيعان أن تقدماه؟ قال: أترى الكرمة وشجرة الدردار؟ قلت: نعم إني أراهما. 3. قال: هذه الكرمة تثمر أما الدردارة فلا، إنها لا تصلح إلا الخشب. الكرمة إذا بقيت ممددة على الأرض ولا تتسلق أغصان الدردارة فثمرها يبقى قليلًا وما تحمله إذا بقي ممددًا فوق الثرى يهترئ. إلا أن أغصان الكرمة إذا تسلقت أغصان الدردارة فثمرها يكون من صنع الكرمة والدردارة معًا. 4. أرأيت أن الدردارة لا تعطي ثمرًا أقل من ثمر الكرمة. قلت: كيف يمكن أن تعطي شجرة الدردار ثمرًا كالتي تعطيه الكرمة. قال: لأن الكرمة التي تعلو شجرة الدردار تعطي ثمرًا جيدًا وكثيرًا، أما إذا تركت فوق الأرض فإنها تعطي ثمرًا قليلًا ومهترئًا. هذا المثل ينطبق على خدام الله وعلى الفقير والغني. 5. قلت كيف ذلك، عرفني يا سيدي، قال انتبه الغني يملك ثروة كبيرة إلا أنه فقير في خدمة لأن أمواله تستنزف كل تفكيره وأوقاته. الاعتراف بالخطأ والصلاة لا يشغلان الكثير من وقته ويكونان غالبًا مختصرين لا قوة فيهما ليرفعاه إلى الله. أما ذا التصق الغني بالفقير وأعطاه ما يحتاج إليه، فعطيته له باستطاعتها أن تحقق له أجره عند الله. صلاة الفقير واعترافه بخطاياه زاخران بالغنى لصلاته قوة عظيمة عند الله. 6. يعطي الغني للفقير كل شيء وبدون تردد، أما الفقير الذي يعطيه الغني فإنه يعطيه شكر الله عما أعطاه. هكذا يضاعف الغني اهتمامه بالفقير ليبقى في شركة دائمة مع حياته لعلمه أن صلاة الفير غنية ومقبولة عند الله. 7. الغني والفقير يتمان عملًا واحدًا، هذا بالصلاة، وهي ثروته التي اخذها من الرب ويقدمها للرب مختارًا، وذاك بماله الذي أعطاه الرب ليعطي المحتاج بدون تردد وهكذا يتم عملًا عظيمًا يرضي الله لأنه استعمل ثروته بتعقل وروية واستخدمها لصالح الإنسان وحقق إرادة الرب. 8. شجرة الدردار تظهر لأعين الناس شجرة غير مثمرة لكنهم لا يعرفون أن شجرة الدردار، في حالة الجفاف، تهب الماء للكرمة وتضاعف ثمارها. وكذلك الفقراء فإنهم بصلواتهم لله من أجل الأغنياء يعطون ثروتهم ملء قامتها، كما أن الأغنياء باعطائهم للفقراء يحققون كمال رغبات نفوسهم. 9. وهكذا يصير الإثنان شركاء في عمل العدل. من فعل ذلك لا يتركه الله بل يكتب اسمه في أسفار الحياة. 10. طوبى للذين يعرفون ويعون ان الله هو الذي يعطي الثروة. مثل هذا الإحساس يجعله يتم عملًا مفيدًا.

 

المثل الثالث

لقد أراني الراعي عددًا من الأشجار العارية فخلتها يابسة لتشابهها ثم قال لي: أترى هذه الأشجار قلت نعم يا سيدي. فجاوبني قائلًا: الأشجار التي تراها هي مواطنو هذا العالم. 2. قلت: لماذا يا سيدي هي يابسة ومتشابهة؟ قال: لأن الصديقين والخطاة لا يظهرون كل على حقيقته بل جميعهم يتشابهون في هذا الدهر. هذا الجيل هو جيل الشتاء للصديقين ولا يتميزون عن الخطأة الذين يعيشون بينهم. 3. تفقد الأشجار في الشتاء أوراقها وتصبح متشابهة كليًا ويصعب التمييز بين الأشجار الميتة والأشجار الحية وهكذا لا يمكن التفريق في هذا الجيل بين الصديقين والخطأة وجميعهم يتساوون.

 

المثل الرابع

ثم أراني عددًا آخر من الأشجار بعضها مغطى بالأوراق وبعضها يابس وقال: أترى هذه الأشجار؟ قلت: نعم يا سيدي إني أراها فمنها المورق ومنها اليابس. 2. قال لي: الأشجار المورقة هي الصديقون المؤهلون لسكنى الجيل الآتي. والجيل الآتي هو الصيف للصديقين والشتاء للخطأة. عندما تشرق رحمة الرب سيظهر الذين يعملون لله. 3. كما أن ثمار الأشجار تظهر في الصيف وكل شجرة تعرف ثمارها، كذلك الصديقون المثقلون بأوراق ظليلة سيعرفون من ثمارهم. 4. أما الوثنيون والخطأة الذين ترمز إليهم الأشجار اليابسة فإنهم سيظهرون في الجيل الآتي عاقرين يابسين وسيلقون في النار ويحرقون لأن أعمالهم كانت شريرة. 5. فكن أنت مثمرًا حتى تعرف في الجيل الآتي من ثمارك. إياك والأعمال المتعددة لأن الذين ينهمكون في أعمالٍ كثيرة يخطئون وتصرفهم أعمالهم عن خدمة الله. 6. أيستطيع مثل هذا الإنسان المنهمك بأشغاله الكثيرة أن يخدم الرب؟ الذين يخدمون الرب ينالون سؤلهم أما الذين لا يخدمونه فلا. 7. إذا انحصر الإنسان في عملٍ واحدٍ يمكنه أن يخدم الرب لأن روحه تبقى بإتجاه الله ولها حريتها في خدمته. 8. إذا فعلت كذلك فإنك تستطيع أن تحمل ثمارًا للجيل الآتي ومن فعل كذلك فإنه يثمر.

 

المثل الخامس

1- 1. كنت صائمًا، وكنت فوق جبل وكنت أقدم شكري لله، من أجل الأفعال التي فعلها من أجلي، فرأيت الراعي يجلس إلى جانبي وقد بادرني قائلًا: لماذا بكرت وأتيت إلى هنا؟ قلت: لأني أحترس. 2. قال: ماذا تعني؟ قلت: إني صائمُ يا سيد. قال: وما هذا الصيام الذي تصومه؟ قلت: إني أصوم يا سيد حسب طريقتي. 3. قال: إنك لا تعرف أن تصوم الصوم الذي يرضي الرب، والصوم الذي تصومه لا يرضي الله ولا يفيدك. قلت: لماذا يا سيد؟ قال: الصوم الذي تصومه ليس بصومٍ، إني سأعلمك معنى الصيام الكامل المقبول لدى الرب. 4. انتبه إن الله لا يريد صيامًا بطالًا كهذا الصوم وإنك لا تفعل شيئًا عادلًا إذا صمت كما تصوم. 5. صُم للرب هذا الصوم. لا تصنع الشر واعمل بقلبٍ نقي وحافظ على وصايا الله وسِر حسب أوامره ولا تدخلن إلى قلبك رغبنة شريرة وآمن بالله. فإذا فعلت ذلك وخشيت الله تكون قد صمت صيامًا عظيمًا مقبولًا عند الله.

2- 1. إليك مثل أسوقه لك عن الصوم. 2. كان لإنسان حقل وعبيد وقد زرع قسمًا منه كرمًا واختار له عبدًا أمينًا يحترمه ولما دعاه قال له: خذ هذا الحقل الذي غرسته وسيجه حتى أعود ولا تفعل غير ذلك حافظ على وصيتي فتحيا حياة سعيدة في بيتي. ثم سافر سيد الحقل إلى مكانٍ بعيدٍ. 3. فأخذ العبد بعد سفر سيده بتسييج الحقل وعندما أنهى عمله رأى أن الحقل مليء بالأشواك. 4. ففكر في نفسه وقال: ها أنا قد أتممت العمل كما أمرني سيدي فلماذا لا أفلح الكرم وأنقيه من الأعشاب ليصبح جميل المنظر وتزداد ثماره؟ وبالفعل فلح العبد الكرم واقتلع منه الأشواك الخبيثة فصار الكرم جميلًا خاليًا من الأعشاب التي كانت تعيق نموه. 5. بعد مضي وقت طويل عاد سيد الحقل وذهب لزيارة أرضه فوجد أن الكرم لم يكن مسيجًا فقط بل ومفلوحًا فلاحة حسنة ومنقى من الأعشاب المضرة والدوالي مليئة بالعناقيد، فدهق من عمل عبده واعجب. 6. فاستدعى ابنه الحبيب ووريثه وكل المستشارين أصدقائه وأخبرهم بالأمر الذي أمر عبده به والأفعال التي رأى عبده قد فعلها بعد عودته فهنأ هؤلاء العبد على الشهادة التي نالها من سيده. 7. وقال لهم السيد: لقد وعدت هذا العبد بحريته إذا أتم أوامري إلا أنه لم يتمم أوامري فحسب بل عمل أكثر بكثير مما أمرته به لذلك فسأجعله، مكافأة على أعماله، شريكًا مساويًا لابني يرث معه لأنه يملك تفكيرًا صائبًا وقد حقق هذا التفكير ولم يهمله. 8. وقد وافق ابن السيد على فكرة والده بجعل العبد شريكًا مساويًا في الارث. 9. وبعد أيام قليلة صنع سيده عشاء وأرسل له الكثير من الأطعمة فلم يحتفظ العبد إلا بما احتاجه ووزع الباقي على رفقائه العبيد. 10. فقبل هؤلاء الأطعمة شاكرين وصلوا من أجله وطلبوا أن تزداد حظوة هذا العبد عند سيده. 11. عندما علم السيد بما فعل فرح فرحًا عظيمًا ودعا أصدقاءه وابنه وابلغهم ما فعله العبد وكيف تصرف بالأطعمة التي أرسلها له. فوافقوا على تصميمه بجعل العبد وريثًا مساويًا لابنه.

3- 1. قلت: إني لا أفهم يا سيدي هذه الأمثلة ولا أعيها فأرجو أن تفسرها لي. 2. قال سأشرح لك كل ما قلته لك. حافظ على وصايا الله لتصير مقبولًا عنده ومستحقًا لتكون من المسجلين في سجل حافظي وصاياه. 2. فإذا فعلت حسنة علاوة على أوامر الله فإنك تحقق مجدًا عظيمًا وتكون ممجدًا عند الله حيث تدعى لتكون. إذا حافظت على وصاياه وأضفت إليها أعمالًا صالحة بتطبيقك لها فإنك تحقق لنفسك الغبطة. 4. قلت: يا سيدي إني أطبق تعاليمك وأسير بموجبها لأنك أنت معي. قال: نعم، إني سأكون معك بسبب رغبتك الصادقة في العمل الصالح وسأكون مع جميع الذين تحركهم الإرادة الخيرة. 5. إن صومك جيد ما دمت تحافظ على وصايا الله. انتبه كيف يجب أن تطبق الصوم. 6. قبل كل شيء احذر من أن يحرك الكلام الشرير الرغبة الخبيثة ونقِّ ذاتك من بطلان هذا العالم إذا اتبعت هذه الوصايا فصومك يكون كاملًا. 7. إليك ما يجب أن تفعله بعد أن تتم ما هو مكتوب ولا تأكل غير الخبز والماء في اليوم الذي تصومه واجمع في ذلك اليوم المال الذي وفرته بسبب صيامك واعطه إلى محتاجيه من الفقراء والأرامل. هكذا تحرم نفسك من شيء يستفيد منه الآخرون فيعيشون ويطلبون لك. 8. إذا صمت كما أقول لك فتضحيتك تصبح مقبولة عند الله فأتم هذا العمل الصالح المرغوب عند الله. 9. هذا ما يجب أن تفعله وتطبقه أنت وأولادك وكل بيتك حتى تكفل الغبطة لنفسك. مغبوطون هم أولئلك الذين يسمعون ويطبقون هذه الوصايا. إنهم يرون صلاتهم ترفع إلى الله.

4- 1. رجوته بحرارة ليفسر مثل الحقل والسيد والكرم والسياج والأعشاب التي اقتلعت من الأرض وابن السيد وأصدقاءه. لقد أدركت أن هذا الأمور كانت كلها رموزًا. 2. فأجبني وقال: إنك ملحاح في سؤالك. عليك أن لا تسأل حتى ولا سؤال واحد. إني أعرف ما الذي تحتاج إلى تفسيره. قلت له: ما فائدة ما تريني يا سيدي إذا كنت لا تفسره لي فأنا لا أدرك ولا أعي ما ترينيه. لو كلمتني بالأمثال دون أن تحللها. وتفسرها فسماعي لها باطل. 3. فأجابني وقال لي كل عبد لله يضح الله في قلبه يهبه الله الوعي اذا طلب منه ذلك. بهذا الوعي يستطيع أن يدرك كل الأمثال ويحللها ويعي كل كلمة يقولها الله، حتى لو كانت رمزًا. أما السقماء والكسالى فإنهم يترددون في الطلب من الله. 4. إن الله كثير الرحمة لذلك يعطي من يطلب منه باستمرار فلماذا لا تطلب أنت الموشح بقوة الملاك المقدس الذي أعطاك موهبة الصلاة ولست بكسولٍ. الفهم من الرب؟ إنه سيهبك ذلك. 5. قلت له: إني أوجه صلاتي لك أيها السيد وأطلب منك أنت لأنك معي دائمًا ولأنك أريتني كل هذه الرؤى وقلت لي هذه الأقوال. لو كنت قد سمعت هذه الامور ورأيتها بدونك لطلبت من الله أن يعطيني موهبة فهمها.

5- 1. إنك لبقٌ ولجوج في سؤالك لتفسير هذه الرموز. وإني لمحقق رغبتك الملحة وسأفسر لك مثل الحقل وما يتبعه ليصير ذلك معروفًا عند الجميع. فأصغ إلى ما سأقوله لك. 2. الحقل هو العالم وسيد الحقل هو خالق الكل ومجهزه ومقويه، أما الابن فهو الروح القدس، وأما العبد فهو ابن الله، وأما الكروم فهي فهم البشر الذي غرسهم. 3. الأسيجة هم الملائكة القديسون الذين يسهرون على شعبه، أما الأعشاب الخبيثة التي اقتلعت من الحقل فهي آثام عبيد الله وأما الأطعمة التي أرسلها الله من مائدة العشاء فهي الوصايا التي أعطاها الله لشعبه بابنه. وأما الأصدقاء المستشارون فهم الملائكة القديسون الذين خلقوا أولًا. وهجرة السيد هي الزمن المتبقي لحضوره. 4. قلت له: يا سيدي كل شيء عظيم وممجد. أيمكنني أنا أن أعي ذلك؟ لا يوجد إنسان مهما بلغ من الوعي أن يعي كل هذه الأمور لذلك أرجوك أن تفسر ما أطلبه منك. 5. قال: تعلّم إذا كنت ترغبلماذا ظهر ابن الله في المثل كعبد؟

6- 1. قال لي الراعي: انتبه إن ابن الله لم يظهر بشكل عبد بل ظهر متشحًا بقدرة عظيمة وسلطان عظيمٍ. قلت: كيغ؟ إني لا أستطيع أن أفهم ذلك. 2. أجابني: إن الله الذي غرس كرمه، أي عندما خلق شعبه أوكل أمره لابنه والابن جعل الملائكة لحمايتهم وهو الذي نقى شعب الله من خطاياهم وقد تعب كثيرًا لأن كل كرمة تحتاج إلى تعب شديد لفلاحتها وتنقيتها. 3. هو الذي نقى خطايا البشر وأرشدهم إلى سبيل الحياة وأعطاهم الناموس الذي تسلمه من أبيه 4. أرأيت كيف أنه سيد البشر وأن أباه أعطاه كل سلطان؟ قلت لك أن السيد قد استشار ابنه والملائكة القديسيين بشأن اشتراك العبد بالميراث. إليك ما يعني ذلك. 5. الروح القدس الذي كان قبل الخليقة الذي خلق كل الخليقة ألبسه اللباس الذي أراده. وهذا الجسد الذي لبسه الروح القدس خدم الروح بكرامه وسلك نقيًا طاهرًا دون أن يسبب له أي دنس 6. وبمسلكه النقي هذا وتعبه من الروح وبتعاونه معه في كل الأمور ماشاه بقوة وشجاعة أراد أن يجعله شريكًا لروحه المقدس. إن مسلك الجسد أعجب الله لأنه لم يتدنس في هذه الأرض وهو يحمل الروح. 7. ولقد استشار الابن والملائكة والممجدين ليعطي هذا الجسد الذي خدم الروح بأمانه كلية مكانًا يستريح فيه لا يبقى اخلاصه بدون مكافأة. كل جسد سكنه الروح وخدمه بخلاص ينال المكافأة بشرط أن يبقى نقيًا طاهرًا خاليًا من كل دنسٍ 8. هذا هو تفسير المثل.

7- 1. لقد أبهجني هذا التفسير يا سيد. قال الراعي: انبته، احفظ جسدك نقيًا بلا دنسٍ حتى ينال شهادة الروح القدس القاطن فيه. 2. احذر أن تأتيك الفكرة بأن جسدك فانٍ ومعد للدمار ولا تفسح المجال لتدنيسه لأنك إذا دنست جسدك دنست روحك وإذا دنست روحك فلن تحيا. 3. قلت ما هو نصيب من فعل ما يدنس جسده قبل سماعه لهذه الكلمات؟ أيمكنه أن يخلص؟ الله هو الذي يشفي الخطايا الحاصلة عن جهلٍ. 4. انتبه الآن. الله الغفور يغفر لك خطاياك السابقة بشرط أن يبقى جسدك الآن بدون دنسٍ. أن ترى الاتصال الوثيق بين الجسد والروح. إنك إذا دنست الجسد دنست الروح فاحفظهم نقيين حتى تحيا لله.

 

المثل السادس

 1- 1. بينما كنت جالسًا في بيتي أمجد الله لكل ما رأيت وأتأمل الوصايا لصلاحها وقوتها وبهائها ومجدها ولمكانتها بتخليص نفس الإنسان قلت في نفسي: إني سأكون من المغبطين إذا سلكت طريقي حسب هذه الوصايا 2. وبينما كنت أفكر بمثل هذه الأمور رأيت الراعي فجأة يجلس إلى جانبي ويقول لي: لماذا التردد حول الوصايا التي أعطيتك. إنها وصايا ممتازة. دع عنك الشكوك واجعل الإيمان بالله وشاحك وسر وفقًا لهذا الإيمان فأنا الذي يعطيك القوة. 3. الذين يحبون أن يتوبوا تنفعهم الوصايا وغير نافعة لمن لا يريد أن يتوب. 4. القوا أيها التائبون خبث هذا الجيل الذي يسحق نفوسكم والبسوا فضيلة العدل فبلبسكم لها تحافظون على الوصايا ولن تقترفوا خطايا جديدة، وبتجنبكم لكل خطية جديدة تتخلصون من كل خطاياكم الماضية. ولتكن وصاياي قاعدة لسلوككم فتحيون لله. أنا الذي كلمتكم بهذا. 5. بعد أن كلمني هذا الكلام قال لي: فلنذهب إلى الحقل لأريك رعاة الأغنام. قلت له: هيا بنا. فأتينا إلى سهل فأراني راعيًا شابًا يلبس لبسًا أصفر. 6. وكان يرعى قطيعًا كبيرًا. كان القطيع يحيا حياة شهوه ويقفز متهللًا من مكان إلى مكانٍ. وكان الراعي راضيًا كليًا عن تصرف قطيعه وكان وجهه يشع فرحًا وكان يتنقل بين القطيع وقد رأيت أيضًا حرافًا أخرى في نفس المكان تلهو ولكنها لا تتهلل.
.

2- 1. قال الراعي: أترى هذا الراعي؟ قلت: نعم يا سيدي. قال: هذا مملاك الشهوة والخداع. إنه يفسد أرواح عبيد الله ويصرفها عن الحقيقة إلى الشهوة الخبيثة حيث تضيع. 2. تنسى وصايا الله الحي وتسلك طريق الشهوات الخداعة البطالة فيضلها الملاك ويقود بضعها إلى الموت والبعض الآخر إلى الفساد. 3. قلت: لا أفهم يا سيدي ما يعني البعض إلى الموت والبعض إلى الفساد. قال انتبه إن الخراف التي تراها تقفز فرحة هي البشر الذين انفصلوا عن الله نهائيًا وتركوا نفوسهم في أيدي شهوات هذا العالم ولا مجال لتوبتهم وعودتهم إلى الحياة لأنهم أضافوا إلى خطاياهم القديمة خطايا جديدة وأهانوا اسم الله. الموت هو نصيب هؤلاء 4. أما الخراف التي تقفز بغير فرح وترعى في نفس المكان فهم البشر الذين غرقوا في الشهوات العالمية ولم يهينوا اسم الله. هؤلاء قد أُصيبوا بفساد منعهم من رؤية الحقيقة وبقي فيهم رجاء التوبة وهي السبيل الوحيد لعودتهم إلى الحياة. 5. الفساد لا ينفي رجاء العودة إلى الحياة، أما الموت فهو الهلاك الأزلي. 5. ابتعدنا قليلًا فأراني راعيًا طويل القامة متوحش الهيئة يلبس عباءة بيضاء من جلد الماعز وعلى كتفيه جرابًا وفي يده عصى ثقيلة معقدة وسوط كبير ولقد أخافتني نظرته القاسية. كانت هذه هيئته. 6. هذا الراعي كان يستلم من يد الراعي الشاب الخراف التي كانت غارقة في الشهوة دون تهلل وكان يضعها في مكان منحضر تملأه الأشواك والعليق. وكانت الخراف تعجز فلا تسطيع أن تتحرر من العليق الذي تمسك بها. 7. وكانت ترعى هناك معذبة جدًا وكان الراعي يضربها بقسوة ويسوقها من مكان إلى مكان دون أن يترك لها المجال للراحة.

3- 1. عندما رأيت الخراف تتعذب تحت لسعات السياط حزنت للعذاب الذي تتعذبه. 2. فقلت للراعي الذي كان يكلمني: يا سيد من يكون هذا الراعي العاتي المتوحش الذي لا تعرف الشفقة سبيلًا إلى قلبه؟ قال: إنه ملاك العقاب. إنه من الملائكة العادلين مكلف بالعقاب. 3. إنه يستلم البشر الذين ضلوا طريق الله وغرقوا في الشهوات والملذات العالمية ليعذبهم حسب خطاياهم ويعاقبهم عقوبات مخيفة متنوعة. 4. قلت: أريد أن أعرف يا سيد مقياس العقوبات الصارمة المتنوعة. قال: إن العذابات والقصاصات المتنوعة حياتية أي تتم في الحياة، يعاقب البعض بالحرمان والبعض بالخسارة والبعض بالأمراض المختلفة والبعض بالتشاؤم التي يكيلها الأشرار لهم والبعض بعدم الاستقرار والبعض بالمعاملة السيئة. 5. كثيرون هم المترددون الذين يحاولون أن يقوموا بأعمال مختلفة فلا ينجحون فينسبون عدم نجاحهم إلى الحظ ويحملون الله مسئولية خيبتهم. 6. وعندما يصابون بالآلام الكثيرة تصير لهم آلامهم مدرسة لثقافتهم فيتقون في الإيمان ويصرفون بقية أيامهم يخدمون الله بقلب نقي وإذا ما تابوا فإن الأعمال الماضية التي ارتكبوها تأتيهم إلى ذاكرتهم ويعرفون أنها هي التي سببت ما أصابهم وما نالوه من عقاب عادل من الله. وينجحون في كل المحاولات التي يقدمون عليها دون أن يمسهم ضرر.

4- 1. قلت له: أشرح لي يا سيدي ما يأتي. قال الراعي: قل ما تريد. هل هناك شيء تريد أن تعرفه بعد؟ قلت: أريد أن أعرف إذا كانت مدة العقاب متساوية مع مدة اللذة التي يقضيها الإنسان في الحياة. قال: مدة اللذة تساويها نقطة العقاب. 2. قلت: إن مدة العقاب قصيرة إذن. العذاب يجب أن يكون سبعة أضعاف للذين يعيشون في النسيان بعيدين عن الله. 3. قال لي: أيها الجاهل إنك لا تعرف قوة العقوبات. لو كنت تدركها لما سألتني هذا السؤال. إليك قوة كليهما. 4. ساعة هي مدة الشهوة والضلال أما ساعة العقوبة فتساوي ثلاثين يومًا. إذا قضى الإنسان يومًا في الملذات والضلال فاليوم يقابله سنة كاملة في العقوبات. أرأيت أن أيام اللذة قصيرة وأيام العقاب طويلة ؟

5- 1. قلت: لم أدرك تمامًا ما قلته لي عن مدة اللذة والضلال من جهة والعقوبات من جهة أخرى. أرجو أن تفسر لي ذلك بإيضاح. 2. قال: انك لا تزال تغرق في جهلك ولا تريد أن تنقي قلبك وتخدم الله. أحذر لئلا يجدك كمال الزمن جاهدًا. انتبه ما دمت تريد أن تعي ذلك. 3. الإنسان الذي يغرق في ملذاته ويشرد في ضلاله يومًا واحدًا ويفعل ما يريده ويلبس الجهل ولا يعرف ماذا يفعل، إنه ينسى في الغد ما فعله في الأمس لأن اللذة والتنعم لا ذكريات لهما لأن الجهل هو الذي سببها بعكس العقوبات والآلام. ذكراها تبقى سنين طويلة حتى لو كان العذاب يومًا واحدًا. ذكرى العقوبات والآلام طويلة. 4. الإنسان الذي يتعذب مدة سنة لابد له أن يتذكر اللذة التي مر بها والضلال الذي وقع فيه وهنا يعرف أن اللذة العابرة هي التي سببت له هذه الآلام الطويلة. كل إنسان يغرق في لذة الشهوات يخضع في مثل هذه العقوبات لأنه يسلم نفسه للموت في الوقت الذي يملك فيه على الحياة. 5. قلت: يا سيد، ما هي الملذات الضارة؟ قال: كل عمل يقوم به الإنسان على أساس الشهوة هو مضر. فالغضوب يحقق لذته بتحقيق غضبه وكذلك النمام والسكير والكذاب والطماع والنهاب. هؤلاء يتنعمون بشهوة تحقيق شهواتهم. 6. كل هذه الشهوات مضرة لعبيد الله وبسببها يتألم المتعذبون المعاقبون. 7. هناك ملذة تخلص الإنسان. الذين يعملون الخير يشعرون بلذة فعلهم وهذه اللذة تكون مفيدة لعبيد الله وتمنح الحياة لمن يتمتع بها. أما الشهوات المضرة التي تكلمنا عنها فلا تجلب إلا المحن والعقاب وتقود إلى الموت إذا استمر صاحبها بعيدًا عن التوبة.

 

المثل السابع

بعد أيام قليلة رأيت الراعي في السهل حيث كنت قد رأيت الرعاة الآخرين فخاطبني وقال لي: ماذا تريد؟ فأجبته وقلت له: يا سيدي جئتك راجيًا أن يخرج الملاك الديان من بيتي لأنه يعذبني جدًا. قال: يجب أن تتعذب فالملاك العظيم يريد أن يجربك قلت: هل فعلت شرًا حتى أسلمني هذا إلى الملاك؟. 2. قال: إن خطاياك كثيرة ولكنها لا تستحق أن تُسلم بسببها إلى هذا الملاك إلا أن بيتك قد اجترح الخطايا والآثام الكبرى التي مرمرت الملاك العظيم لذلك أمر أن تتعذب ليتوب أهل بيتك ويتنقوا ومتى تنقوا الملاك هذا سيبعد عنك. 3. ما هو ذنبي إذا كان أهل بيتي قد مرمروا الملاك العظيم؟ قال: لا يمكن أن يتألم أولئك إذا لم يروا رب البيت متألمًا. فالملاك يتضطرهم بواسطتك إلى الآلام. أما إذا انتفى عنك الألم فإنهم يشعرون أن المهم قد زال. 4. قلت: ها إن أهل بيتي أيها الملاك قد تابوا من كل قلوبهم. قال: إني أعرف أنهم تابوا من كل قلوبهم لكن أتعتقد أن خطايا التائبين تغفر فورًا؟ على التائب أن يفرض الآلام على نفسه وأن يكون متواضعًا في أعماله وأن يتحمل آلامًا متعددة فإذا تحمل بصبر العذاب الذي يصيبه فخالق الكون يرأف به ويشفيه من كل شروره. 5. لأنه يعرف مكنونات القلوب وينظر إليه ويتفخص نقاوته من صالحك أن تتعذب أنت وأهل بيتك. لماذا كثرة الكلام؟ أمر الملاك الذي أوكل أمرك إليه أن تتألم. عليك أن تشكر الله لأنه بآلامك هذه نبهك وعلمك. 6. قلت: كن أيها الملاك معي دائمًا لكي أستطيع أن أحمل آلامي. قال: إني معك دائمًا وسأطلب من الملاك الديان أن يخفف أحزانك. لابد لك أن تحزن قليلًا لكن ستعود أنت وبيتك إلى الاطمئنان بشرط أن تبقى متواضًعا وتعمل بنقاوة قلب للرب أنت وأهل بيتك. سِر حسب الوصايا التي أوصيتك لتبقى توبتك قوية ونقية. 7. فإذا حافظت على ذلك أنت وأهل بيتك أبتعد عنك كل ألم كما يبتعد عن كل السالكين وفقًا لهذه الوصايا.

أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الأول

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

يعرف ” هرماس ” عن نفسه بانه ولد عبدا وبيع في روما الي امرأة تدعي ” رودا ” Rhoda وكان لها الفضل في تحريره من العبودية ثم تزوج وأصبح أبا لعائلة كبيرة وعمل في التجارة وكانت حياته بعيدة كل البعد عن اتباع الحقيقة الامر الذي دفعه الي العيش في الخطيئة هو واولاده وامرأته التي كانت نمامة وشريرة في الوقت نفسه.

وبعد ان فرط بثروته الكبيرة عمل في حقل، في مدينة (كوماس) على طريق روما، لكي يعيل عائلته ويستمر العيش (الرؤيا الاولي، 1، 4، 2، 2، 4، 3، الرؤيا الثانية 2، 2، الرؤيا الثالثة، 1، 2، 6، 7، الرؤيا الرابعة 1، 2) وفي احد الايام، وهو في نزهة على ضفاف نهر ” التيبر ” راي ” رودا ” التي كان يعتبرها كأخت، وهي تستحم، فمد يده ليساعدها على الخروج من الماء وقال في قلبه ” لو كانت عندي امرأة لها هذا الجمال وهذا البهاء لكنت من المحظوظين جدا ” (الرؤيا الاولي 1، 2) لكنه تنبه الي افكاره الشريرة وهو رب عائلة وزوج لامرأة فعاد الي ذاته وابتدأ أعمال التوبة.

وبعد مدة وجيزة وهو في طريقه الي ” كوماس ” تراءى له روح الرب في مكان منعزل ثم راي ” رودا ” في السماء وهي تقول له: ” الله الذي يسكن السماء والذي خلق الكائنات من العدم وكثرها ونماها من اجل كنيسته غاضب منك لأنك أخطأت بحقي ” (الرؤيا الاولي 1، 6) فندم وراح يفكر بالوسيلة التي تهدئ غضب الرب وتؤمن خلاصه، وركع يصلي طالبا الغفران من الله على فعلته. واذ هو في هذه الحالة انتابه خوف شديد وألم عميق، وقال: ” كيف يمكنني ان اطلب مغفرة كل خطاياي من الله؟ بأية كلمات اطلب الرحمة منه؟ (الرؤيا الاولي 2، 1) ويزيد قائلا: ” وبينما كنت اسأل نفسي رأيت أمامي عرشا كبيرا من الصوف الابيض كالثلج وامرأة مسنة كانت ترتدي وشاحا براقا وتمسك في يدها كتابا وقد تقدمت وجلست وحيدة وحيتني قائلة، عم صباحا يا هرماس. فأجبتها والدمع يغمرني والحزن يملا قلبي: عمي صباحا يا سيدتي.

فقالت وهي تبتسم: ما هذه العبوسة التي تغمر محيال؟ لماذا أنتلا مقطب الجبين يا هرماس الصبور اللطيف الضاحك ابدا؟ لماذا حل التجهم محل البشر؟ فأجبتها: ان امرأة فائقة الصلاح قالت أنى اخطأت اليها. ان خدام الله لا يفعلون ذلك قط. قالت: لا شك أن فكرة ما مرت بخاطرك فأساءت اليها. سألتها: أمثل هذه النية خطيئة بالنسبة لخدام الله؟ نعم، انها خطيئة، أجابت. ان تفكيرا كهذا يمر بنفس صارمة مجربة هو تفكير شرير يبعث على الدهشة، خصوصا إذا اشتهي العمل الشرير انسان كهرماس العفيف، البعيد عن الشهوات، المليء بالبساطة المتناهية والبراءة العظيمة ” (الرؤيا الاولي 2، 2 _ 4)

ثم ينتقل بنا هرماس الي الرؤيا الثانية التي يري فيها المرأة المسنة من جديد وهي تتنزه وفي يدها كتاب صغير وهي تقرأه وقالت له: ” أستطيع ان تعلن هذا لمختاري الله؟ “. فقال ” أنى لا أستطيع ان اتذكر هذا القدر من الكلام، أعطني الكتيب لأنسخه. قالت خذه واعطتني اياه. فأخذت الكتيب وذهبت الي مكان ما في البرية ونسخته حرفيا لأني لم أكن أستطيع ان اميز بين المقاطع. وبعد ان انتهيت من نسخ الكتاب خطف يدي ” (الرؤيا الثانية 1، 3 _ 4) وفي النهاية تنكشف له حقيقة المرأة، وهي تمثل الكنيسة، وتأمره بأن يعطي الكتيب الي البابا ” إكليمنضوس ” والي ” غرابتا ” ( Grapta) وهي تقول: ” أكتب كتيبين، كتيب الي إكليمنضوس، وكتيب الي غرابتا. ويسمح لكليمنضوس ان يرسل ذلك الي المدن التي في الخارج، وعلي غرابتا ان تنصح الارامل والفقراء. اما أنت فعليك ان تقرأ ذلك في هذه المدينة على الشيوخ ومتقدمي الكنيسة ” الرؤيا الثانية 4، 3)

اما الرؤيا الثالثة والرؤيا الرابعة فهما شرح واف لكنيسة المسيح اذ تفسر له المرأة دور كل من اعضائها، من الرسل والاساقفة والمعلمين والشمامسة والرعاة، الي شعب الله والمؤمنين، الي كل الرموز التي تتميز بها الكنيسة المقدسة.

واما الرؤيا الخامسة فيقول فيها: ” بينما كنت أصلي في بيتي فوق سريري دخل رجل بهي الطلعة، له شكل راع، يلبس جلدا أبيض ويحمل فوق كتفه جرابا وفي يده عصي. فصافحني وصافحته. وجلس الي جانبي وقال لي: ارسلت من الملاك الكلي الكرامة لا سكن معك طوال ما تبقي لك من الحياة. اعتقدت اولا انه جاء ليسخر من فقلت له: من انت؟ قال لي: الا تعرفني؟ قلت: لا. قال: انا الراعي الذي أسلمت اليه. وبينما كان يتكلم تغيرت هيئته وعرفت انه الشخص الذي أوكل اليه أمري. فأضربت حالا وتملكني خوف وحطمني الالم لأني أجبته بخبث وبدون تروٍ.

فأدرك قلقي وقال فورا: لا تنزعجن بل تقو في وصاياي التي سأوصيك بها. وقال: ارسلت لأريك كل ما رأيته سابقا، اي ما هو مفيد لك. اكتب اولا وصاياي وكلماتي، اما ما تبقي فستكتبه كما اقول لك. لذلك اوصيك ان تكتب الوصايا والامثال لتكون في متناول يدك لتقرأها وتحفظها. لقد كتبت الوصايا والامثال كما أمرني. فاذا سمعتموها ولم تتوبوا بل تزدادون غيا فأنكم تنالون من الرب عكس ما وعدكم به. هذا ما أمرني ملاك الرحمة ان اكتبه ” (الرؤيا الخامسة 1 _ 8)

هذه الرؤي الخمس اذن هي التي تكشف لنا عن شخصية هرماس وعن تسميته كتابه ” الراعي ” اذ ان كل ما جاء في الكتاب من توصيات وامثال هي من الراعي الذ ظهر له في الرؤيا الخامسة. وهذا ايضا ما نعرفه عن شخصه منذ ولادته وحتى مماته. فهو معاصر للبابا ” إكليمنضوس “، ورغم ان بعض المؤرخين يعتبرونه من حقبة لاحقة، ولقد أراد ان يكون كتابه تعليميا وتوجيهيا في مرحلة من اهم مراحل الكنيسة حيث كان الايمان بحاجة الي شهادة معاشة والى حث لاعتناق المبادئ الاساسية للمسيحية.

اذن كتاب ” الراعي ” لمؤلفه هرماس، قد كان له التأثير الكبير في القرون الاولي للكنيسة. فالقديس ” ايريناوس ” يبدأ كلامه عنه بهذه الجملة ” حسنا تقول الكتب ” عندما يستشهد بأحد مقاطعه (ضد الهرطقات، 4، 20، 2) والقديس ” كليمنضس الاسكندري ” يعتبره لا كتابا موحي به (ستروماتيس 1، 17، 29، 2، 1، 9، 12، 13، 6، 15). ولكن القديسين لم يؤكدا على ان هرماس كان معاصرا للبابا ” إكليمنضوس ” وللرسل. بينما ” أوريجينوس ” الذي كان يؤكد على ان الكتاب موحي به، كان يعتبره من تأليف هرماس الذي يذكره القديس بولس في رسالته الي الرومانيين. ولكن جميع الاباء.

رغم كون البعض منهم رفض طابع الوحي في كتاب ” الراعي ” فان جميعهم أجمعوا على انه كتاب ضروري نظرا لتعاليمه وتوجيهاته وقيمته الاخلاقية. وفي برداية القرن الرابع نري المؤرخ ” أوسابيوس القيصري ” يؤكد على ان الكتاب كان يقرأ في جميع الكنائس، خصوصا ككتاب تعليمي للذين يهيئون نفوسهم للعماد. كذلك القديس ” أثناسيوس “الذي ينفي عنه طابع الوحي، يفرض قراءته على الموعظين ويقول: ” انني مجبر على التأكيد ان هناك كتبا لا يمكننا ان نصنفها كتب وحي، ولكن يجب ان تقرأ على الذين يريدون تعلم أسس الايمان ” (قانون مجمع نيقيا، 18). ثم يعدد هذا الكتب ومنها كتاب ” الراعي ” لهرما س، رغم أنه استند اليه ليدحض اراء الاريوسيين الذين استعملوه لماربهم الخاصة. وهكذا، جميع الاباء اليونان، على مثال من ذكرنا، فرضوا قراءته في كنائسهم نظر للإفادة الكبيرة التي كان الموعوظون يحصلون عليها من مجرد قراءته.

واما الاباء اللاتين فلم يكونوا على الحماس نفسه الذي كان عليه الاباء اليونان. فكاتب قانون ” موراتوري ” ( Muratori) سنة 200 م، يخبرنا ان كاتب ” الراعي ” هو هرماس أخ بابا رومية ” بيوس ” الذي بقي بابا من سنة 140 _ 155 م (Pastorem … Hermas conscripsit sedente in cathedra Urbis Ecclesiae pio episcopo frater ejus)

وينفي عنه صفة الوحي. كذلك ” ترتليانوس “، الذي اعطاه صفة الوحي يوم كان كاثوليكيا، نفاه عنه يوم أصبح ” مونتانيًا ” واعتبره كتابا محرفا لأنه كان يوافق على مغفرة الخطايا للزناة، خصوصا وان البابا ” زفيرينوس ” (Zephirin) قد استند عليه (على كتاب الراعي) ليقبل بعودة الزناة وتوبتهم. وكثيرون اعتقدوا ان اعلان الاحتفال بعيد الفصح نهار الاحد يعود الي ما ورد على لسان الملاك الذي ظهر لهرماس، وهذا ما نقرأه في ” كتاب السيامات والطقوس الرومانية “:

(Sub hujus episcopatum , Hermis librum scripsit , in quo mandatum continent quod ei praecepit angelus Domini , cum venit ad eum in habitu pastoris , et praecpit ut pascha die dominico celebraetur).

ولكن، في الواقع، فان كتاب ” الراعي ” لا يذكر شيئا عن الاحتفال بعيد الفصح، وان عادة هذا الاحتفال كانت متبعة قبل البابا ” بيوس ” كما يذكر ذلك القديس ” ايريناوس ” و ” أوسابيوس القيصري ” في ” التاريخ الكنسي “، 5، 24. والقديس ” إيرونيموس “، بعد ان يذكر بما قاله ” أوريجينوس ” و ” أوسابيوس القيصري ” يؤكد على ان كتاب ” الراعي ” كان، الي حد ما، غير معروف عند الاباء اللاتين (الرجال العظام 10)، ثم يتهم هرماس بالجنون عندما يتكلم عن الملاك. وباختصار فان الاباء اللاتين كانوا منقسمين حول الكتاب. فمنهم من اعتبره كتاب وحي، ومنهم من نفي عنه الصفة. ولكن، دون شك، بقي الكتاب مرجعا روحيا طوال القرون الاولي للكنيسة، وحتى لغاية اليوم يصنف بين الكتب التي يجب ان يعود اليها كل مؤمن نظرا لما فيه من تعاليم وتوجيهات روحية تساعد على العودة الي الذات والتعبد لله والامتناع عن المحرمات التي تعيق خلاص الانسان.

وابتداء من القرن السادس عشر ولغاية القرن الثامن عشر بقي المؤرخون والنقاد على موقفهم واعتبروا ان هرماس كان معاصرا للرسل، وان كتابه ” الراعي ” قد وضع قبل تدمير هيكل اورشليم من الرومان او حوالي سنة 92 م. ولكن، عند اكتشاف بعض مقاطع من قانون ” موراتوري ” سنة 1740 م، فلقد تم الراي على ان هرماس عاش في القرن الثاني. وهذا الراي هو السائد لغاية اليوم بالإجماع.

وبهذا المعني يقول اللاهوتي ” باردنهيفر ” (Bardenhewer): ” ان كتاب الراعي يتناول مشكلة غفران الخطايا الكبرى (الجسيمة) ويشدد على ذلك بطريقة توضح لنا ان هرماس كان على اطلاع على الخطر الذي بشرت به البدعة المونتانية. وفي الواقع، فان الغنوصيين كانوا اذن الاعداء في نظره، وهذا ما يؤكد على قوله في كتابه (باردنهيفر: الاباء الرسوليون، باريس 1899، الجزء الاول، ص 91).

اذن، هرماس عاش وكتب في زمن كانت فيه الكنيسة تعيش ايام هدوء وسكينة، وذلك يعني في فترة حكم الامبراطور ” انطونيوس بيوس ” (Antonin le pieux)، ما بين سنة 138 و 161 مسيحية. من هنا ابتداء الفتور الروحي عند كثيرين من المؤمنين، الامر الذي دفعه لكتابة ” الراعي ” حيث يذكر ذلك في الرؤيا الثانية، العدد 2، 3. وفي الواقع فان عاصفة قد هزت المؤمنين قبل فترة الهدوء، والكنيسة وجدت في حالة من الاضراب النفسي والتساهل الاخلاقي، الامر الذي دفع بالمسؤولين للتشديد على العودة الي روح الاصول والي تعليم المسيح والرسل.

واذ كان هرماس قد ذكر البابا ” إكليمنضوس ” في كتابه، فهل يعني ذلك ان النقاد والمؤرخين الذين اعتبروا ظهوره في النصف الثاني من القرن الثاني كانوا على خطا؟ بالطبع لا. فان التلميح الي ذلك ليس سوي من قبيل الحث والتذكير. وإذا سلمنا جدلا بهذا الخطأ التاريخي، فالمهم في الامر ما جاء في الكتاب، والذي كان للكنيسة مثالا حيا وارشادا في وقته. وحتى من الناحية الرمزية، فان هرماس وعائلته يمثلون جروح الكنيسة، وهم مدعون الي التوبة. اما الشكل الرؤيوي الذي يعطيه لكتابه فقد ميزه أكثر حيث انه أثر بالمؤمنين جدا واعاد الخطاة منهم الي حضن الكنيسة. وبهذا المعني يقول المونسنيور ” فريبل ” (freppel): ” انني اميل الي الاعتقاد باننا في حضرة كتاب تعليمي، او ثلاثية اخلاقية، بشكل رؤيوي، دون التأكيد على صورة الوحي حصرا، وهو كناية عن سلسلة تأملات تصل الارض بالسماء ” (فربيل: الاباء الرسوليون، الطبعة الرابعة، باريس 1885، ص 269).

من جهة ثانية، فإننا نري هرماس يلمح في كتابه الي محبة الغني ويرفضها، وهذا امر امر يؤكد ايضا على ان الكنيسة كانت في فترة ازدهار وفي فترة راحة من الاضهاد. والبعض من المسيحيين الذين نجوا من الاضهاد قد صودرت أملاكهم وبيوتهم. حتى هرماس نفسه قد شكاه أبناؤه، ونشعر أنه كان فقد كل شئ يوم كانت أول رؤيا، وهو في عمر سبعين سنة، أعني أيام البابا ” بيوس ” والامبراطور ” انطونيوس بيوس “.

اذن كان يكتب في زمن كانت الغنوصية قد ابتدأت تعمل في الكنيسة دون ان تشكل خطرا كبيرا عليها. فهو، وهمه الاساسي ان يحارب تراخي المسيحيين دون التلميح الي خطر الاخطاء العقائدية، لم يكن يشعر بان الغنوصية كانت تشكل انئذ خطرا كبيرا. همه اذن تشديد الايمان والعودة الي حضن الكنيسة بالالتزام الكامل بتعليم المسيح والرسل. والمقطع الوحيد الذي يلمح فيه الي هذا الخطر هو ما ورد في الرؤيا الخامسة.

العدد السابع: ” قلت: اريد ان اعرف يا سيدي نتائج الغضب حتى اتحاشي هذا الهوي. قال: اذا لم تحترس منه انت واهل بيتك فانك خاسر لا شك كل املك. احترس منه وانا معك ومع الذين تابوا توبة قلبية والملاك الشريف يبررهم جميعا “. وهذا يعني ان الغنوصية لم تكن قد استفحلت، وان معتنقيها لم يكونوا قد خرجوا على تعليم الكنيسة بعد. واما في المقطع الثاني من الرؤيا التاسعة فهو واضح جدا، حيث يقول: ” لا تفكر هكذا بل عد الي الله واطلب منه بقلبك وفكرك ولا تتردد فتري انه لن يتركك برحمته وستعرف مدي هذه الرحمة وبين الذي اخطأوا كثيرون عادوا عن خطئهم وتابوا والتزموا بتعليم الكنيسة. فالتوبة ، في نظره، هي الوسيلة الوحيدة للخلاص، وهذا ما دفع بالمونتانيين لرفضه لانهم رفضوا التوبة.

تبقي نقطة اخيرة في هذا السياق وهي ان البعض اعتبر هرماس مونتانيين. فهل هذا صحيح؟ بالطبع لا، رغم ان بعض نقاط من تعاليمه تتلاقي والتعليم المونتاني. فالكنيسة، في نظره، هي كنيسة القديسين فيها الابرار والصدقين، وفيها الخطاة ايضا. وبينما المونتانيون يرفضون غفران الخطايا الجسيمة، فان هرماس يؤكد على هذا الغفران ولو لمرة واحدة بعد العماد. من هنا دحض اراء الذين اعتبروه مونتانين لان المونتانيين يرفضون غفران هذه الخطايا الجسيمة. كذلك بالنسبة الي الزواج، فهرماس يمتدح الزوج الذي يغفر لأمرأته الزانية إذا تابت وغفر لها. وكذلك يوافق على الزواج الثاني بعد موت أحد الزوجيين، الامر الذي يرفضه المونتانيون.

وباختصار، فإننا نجد ان التزمت المونتاني ليس موجود عند هرماس، بل تعليم الكنيسة الصافية والرحوم الذي يساعد على خلاص النفس دون الوقوع في مزايدات لا مبرر. لها وكل ما في الامر هو ان مؤلف ” الراعي ” كان من المسيحيين الذين التزموا شريعة المسيح وكنيسته وجهروا بها في زمن كانت المسيحية فيه تنعم بقليل من الراحة، وكان الفتور الروحي ابتدأ يؤثر على ضعاف النفوس الذين لم يتقيدوا كليا بالبشارة الجديدة. الي ذلك يبقي ايضا هرماس وجها نبويا في مرحلة من اهم مراحل تطور المسيحية في العالم وانتشارها في الامبراطورية الرومانية المترامية الاطراف.

هرماس – شخصيته وموقعه التاريخي وخلاصة تعليمه

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

محتوى كتاب الراعي لهرماس

لقد تميز كتاب «الراعي» بعمقه الروحي، وبسعة المواضيع التي طرحها، عن باقي المؤلفات الأخرى التي وصلتنا من القرن الثاني المسيحي. فهو يحتوي على خمس رؤى واثنتي عشرة وصية وعشرة أمثال ضمّت جميع الإرشادات والتوجيهات والتعاليم التي تلقّاها من الامرأة، التي تمثل الكنيسة، ومن الراعي، الذي يمثل الملاك المرسل إليه من الله.

كل ذلك ضمن وحدة الموضوع ووحدة العقيدة. أمّا الرؤى فهي تحدد الغاية التي من أجلها كتب الكتاب، وأمّا الوصايا والأمثال فهي توسيع وشرح لما جاء في الرؤى. والغاية الأخيرة للكتاب هي الدعوة إلى التوبة والتجدّد الروحي. وهذه التوبة على هرماس نفسه أن يبدأ بها أولاً، ثم عليه أيضاً أن يبشّر بها أفراد عائلته والكنيسة والمؤمنين ورجال الدين أنفسهم. إنها دعوة لتهيئة النفس قبل عودة المسيح المنتظر.

أ/ الرؤى في كتاب الراعي لهرماس:

يبدأ كتاب «الراعي» بخمس رؤى تأخذ طابع الوحي، وهي تذكرّنا برؤى حزقبال النبي وبرؤيا القديس يوحنا الرسول، وهذا ما يحرّك القارئ ويجعله مشدوداً إلى ما جاء فيها وما هو منتظر من الذي يقرأها. وبعد أن يخبرنا هرماس عن الأحداث التي حصلت له وهو في طريقه إلى «كوماس»، وعن الدعوة إلى التوبة، تتراءى له الكنيسة بشكل امرأة مسنّة أعطته كتاباً لينقله على نسختين وتحذرّه من أن أبناءه قد اخطأوا ضد الله وجدّفوا على السيد، وأن امرأته قد أخطأت بنميمتها، الأمر الذي يستدعي توبة عميقة ليغفر الله لهم خطاياهم.

ثم تتراءى له الامرأة، في الرؤيا الثالثة، وتجلسه عن شمالها لأن اليمين هو محفوظ للذين تألموا وماتوا في سبيل الله، وتريه برجاً مبنياً على الماء، بواسطة الملائكة، بحجارة من قلب الأرض، متراصّة في ما بينها، طالبةً منه أن يحافظ على السلام، وأن يساعد المحتاجين، وأن يشدّد على رؤساء الكنيسة بأن يتحاشوا النزاعات المميتة، وبأن يحافظوا على التعاليم السماوية ويعملوا بها.

وبعد عشرين يوماً، وهو في طريقه إلى «كوماس»، جلس يصلي ويطلب من الله أن يفهمه معنى هذه الرؤى. وإذ هو في هذه الحال شاهد وحشاً كبيراً مخيفاً يخرج من الأرض، فابتدأ بالبكاء وبالصلاة حتى ظهرت له المرأة من جديد وهي في ثياب بيضاء ناصعة، وشدّدت عزيمته وقالت له: إن الوحش ينذر بغضب كبير لا خلاص منه إلا بالتوبة والارتداد إلى الله والمثابرة في حياة طاهرة وبالثقة التامة به تعالى.

وأمّا الرؤيا الخامسة، التي حصلت وهو في بيته، فلقد ظهر له رجل يلبس ثياب راعٍ، وعلى كتفيه جراب وفي يده عصى، يمثل ملاك التوبة الذي أتى ليذكره بالرؤى السابقة ويملي عليه الوصايا والأمثال. من هنا تسمية الكتاب باسم «الراعي».

ب/ الوصايا في كتاب الراعي لهرماس:

الوصايا تشدّد على واجبات الإنسان نحو الله ونحو القريب ونحو الذات. وأسا هذه الواجبات هو الإيمان بإله واحد، خالق كل شيء، والعودة إلى الفضيلة كوسيلة خلاصية. فلإيمان، ومخافة الله، والامتناع عن الشر، التي تتحدث عنها الوصية الأولى، هي الفضائل الثلاث التي تعطي القوة وتشدّد عزيمة الإنسان في مسيرته نحو الله. والوصية الثانية تفرض البساطة والبرارة في العيش، وتمنع النميمة والحقد، وتؤكد على أعمال الرحمة لجميع البشر.

والوصية الثالثة تأمر بأعمال المحبة وبعيش الحقيقة وبالهروب من الخداع والكذب. والوصية الرابعة تشدّد على الطهارة وتفرض التعامل الشريف في الحياة، الأمر الذي دفع بهرماس إلى طرح بعض الأسئلة عن الزواج والزنى والتوبة. والوصية الخامسة تدور حول العدل والفطنة لكي يبقى الروح القدس في داخلنا ونطرد الشيطان من حياتنا اليومية، هذا الشيطان الذي يحاول، بجميع الوسائل، أن يبعدنا عن الله ويحتل قلبنا بدل أن يكون هذا القلب هيكل الروح القدس نفسه. وفي الوصايا اللاحقة يتحدث عن وجود ملاكين عند الإنسان: ملاك الخير وملاك الشر.

فعلى الإنسان أن يتّبع إرشادات ملاك الخير، وأمّا التجارب التي هي من وحي ملاك الشر فعليه أن يبعدها عنه ويرفضها كليّا. وهذا يعود إلى مدى تعمقه بإيمانه وبمحبة الله. وأمّا بالنسبة إلى الخوف فهناك خوفان: خوف الله الذي يبني ويقدّس وخوف الشيطان الذي يهلك. كذلك بالنسبة إلى الامتناع عن أعمال الشر، فالخير هو ضمانة الخلاص، أمّا الشر فهو طريق الهلاك.

الوصية التاسع تشدّد على الابتعاد عن الشك والتردد في طلب الله بحجّة أن الخطيئة تبعد عن الحق. فتنقية القلب هي السبيل إلى عدم الشك، ولبوس الإيمان هو القوة بالذات لأنه يأتي من الله ويبعد الشيطان وأحابيله عن قلب الإنسان.

الوصية العاشرة تتحدث عن الحزن الذي هو أخ الشك والغضب. هذا الحزن هو أشرّ الأرواح وأكثرها قساوة وإفساداً للإنسان. إنه يطرد الروح القدس ويسبّب الغضب للذين ينجرّون وراء أباطيل الدنيا. فتنقية القلب من الحزن المميت تحيي الإنسان في الله. وتعطيه نقاوة ومحبة له تعالى، كاملة في الفرح، ومتجددة في النقاوة.

الوصية الحادية عشرة تذكّر بأن أقوياء الإيمان هم المتشحون بأثواب الحقيقة، البعيدون عن الشيطان الذي يملأ الإنسان بروحه الشريرة ويجعله عرضةً للاستماع إلى الأنبياء الكذبة وإلى عبادة الأوثان الفارغة من الحقيقة.

أمّا الوصية الثانية عشرة والأخيرة فتأمر بالابتعاد عن الرغبات الشريرة والوحشية التي تستهلك الإنسان بقسوة وتسلمه للموت. ثم تشدّد على الابتعاد عن رغبة المرأة الغريبة وعن الثروات والتنعم بالباطل والسكر وكل شهوة الملذات الصبيانية، وتفرض ممارسة الفضيلة والعدل والمسلك الحسن في الحق وفي خوف الله، وفي الوداعة التي هي ميزة الإنسان الصالح.

وينهي «الراعي» وصاياه الاثنتي عشرة بقوله: «إنك تعرف هذه الوصايا فاسلك وفقاً لها وعلّم الآخرين أن يسلكوا كذلك، واطلب أن تكون توبتهم طوال حياتهم نقية خالصة. أتم هذه الخدمة التي ألقيها عليك بجدٍّ، وإذا ما عملت جاهداً فإنك تقوم بعمل عظيم وستجد نعمة عند أولئك الذين سيتوبون وسيثقون بكلامك، وإني سأكون معك وسأجبرهم على الاعتقاد بك» (الوصية الثانية عشرة، 3، 3).

ج/ الأمثال في كتاب الراعي لهرماس:

هذا القسم الأخير من «الراعي» له الطابع الرؤيوي كما القسم الأول من الكتاب، مرتكزاً على بعض الأمثال التي وردت في الإنجيل المقدس. فالصور التي يعطيها تشدّد على نقاط أساسية وجوهرية في العقيدة المسيحية. ففي المثلين الأولين يتكلم «الراعي» عن المقتنيات والأملاك التي هي بحوزة المؤمنين، وعن طريقة استعمالها الحسن في هذه الدنيا.

وبما أنه ليس للإنسان مدينة أرضية ثابتة، فعليه أن لا يعلّق قلبه بثروات الأرض لأن هذه الثروات أعطيت من الله لتكون في خدمة المحتاجين. وبهذا المعنى يقول: «لماذا تقتنون الحقول الواسعة والعمارات الكبيرة والقصور والأبنية والبيوت ما دمتم تعرفون أن المدينة التي ستستوطنوها ليست هنا؟» (المثل الأول، 1). فالغني يملك ثروة كبيرة إلا أنه فقير في خدمة الله لأن أمواله تستنزف كل تفكيره وأوقاته. أما إذا التصق الغني بالفقير وأعطاه ما يحتاج إليه، فعطيته له باستطاعتها أن تحقق له أجره عند الله.

صلاة الفقير واعترافه بخطاياه زاخران بالغنى، ولصلاته قوة عظيمة عند الله. وعلى الغني أن يعطي الفقير كل شيء وبدون تردد لأن الفقير الذي يعطيه الغني فإنه يعطيه شكر الله عمّا أعطاه. وهكذا إذا ضاعف الغني اهتمامه بالفقير، وبقي في شركة دائمة مع حياته، فإن صلاة الفقير تساعده ليكون مقبولاً عند الله.

الغني والفقير يتمّان عملاً واحداً، هذا بالصلاة، وهي ثروته التي أخذها من الرب ويقدمها للرب مختاراً، وذاك بماله الذي أعطاه الرب ليعطي المحتاج بدون تردد. وهكذا يتم عملاً عظيماً يرضي الله لأنه استعمل ثروته بتعقّل وروية واستخدمها لصالح الإنسان وحقق إرادة الرب.

ثم ينتقل «الراعي» إلى شرح التصوّف المسيحي في المثل الخامس، مشدّداً على الصوم ودوره الخلاصي، فيقول: «الصوم الذي تصومه ليس بصوم، إني سأعلمك معنى الصيام الكامل المقبول لدى الله. انتبه أن الله لا يريد صياماً بطالاً كهذا الصوم وإنك لا تفعل شيئاً عادلاً إذا صمت كما تصوم. صم للرب هذا الصوم: لا تصنع الشر واعمل بقلب نقي وحافظ على وصايا الله وسر حسب أوامره ولا تدخلن إلى قلبك رغبة شريرة وآمن بالله.

فإذا فعلت ذلك وخشيت الله تكون قد صمت صياماً عظيماً مقبولاً عند الله» (المثل الخامس، 1، 3-4). فالمحافظة إذاً على الوصايا، والقيام بالأعمال الحسنة التي ترضي الله، وتطبيق تعاليم الله، ومساعدة الفقراء والأرامل، والبعد عن الكلام الشرير والرغبة الخبيثة، والمحافظة على الشريعة والناموس… جميع هذه تكون أفضل من الصوم، لا بل هي جوهر الديانة المسيحية.

في المثل السادس يرى هرماس راعيين مع قطيعيهما، يمثلان ملاك الشهوة وملاك العقاب. الأول يفسد أرواح عبيد الله ويصرفها عن الحقيقة إلى الشهوة الخبيثة حيث تضيع فتنسى وصايا الله الحي وتسلك طريق الشهوات الخداعة البطالة، منقادة إلى الفساد والموت، والثاني يستلم البشر الذين ضلوا طريق الله وغرقوا في الشهوات والملذات العالمية ليعذبهم حسب خطاياهم ويعاقبهم عقوبات مخيفة متنوعة.

فكل إنسان يغرق في لذة الشهوات يخضع لعقوبات عديدة لأنه يسلم نفسه للموت في الوقت الذي يملك فيه على الحياة. لذلك نرى أن الذين يعملون الخير يشعرون بلذة فعلهم، وهذه اللذة تكون مفيدة وتمنحهم الحياة، أما الذين يتّبعون الشهوات المضرّة فإنهم يجلبون عليهم المحن والعقاب الذي يقود إلى الموت الأبدي.

وفي المثل السابع يطلب هرماس من «الراعي» أن يبعد عن بيته ملاك العقاب. غير أن الراعي يقول له: «إن خطاياك كثيرة ولكنها لا تستحق أن تسلم بسببها إلى هذا الملاك إلا أن بيتك قد اجترح الخطايا والآثام الكبرى التي مرمرت الملاك العظيم، لذلك أمر أن تتعذّب ليتوب أهل بيتك ويتنقوا… ولا يمكن أن يتألم أولئك إذا لم يروا رب البيت متألماً. فالملاك يضطرهم بواسطتك إلى الألم. أمّا إذا انتفى عنك الألم فإنهم يشعرون أن المهم قد زال» (المثل السابع، 2-4).

وفي المثلين الثامن والتاسع تظهر الكنيسة بصورة صفصافة وبرج. ففي الصفصافة المتشعبة ينال كل مؤمن غصناً يمثله، فإذا كان الغصن فارغاً فهذا يعني أن المؤمن في حياة روحية نامية وعلى اتصال عميق بالله، أمّا إذا كان الغصن ذابلاً فيدل على حالة المؤمن النفسية التي تشوبها الأخطاء والنقائص، وهذا يعني أن كل إنسان سينال جزاءه أو عقابه حسب الحالة التي يكون عليها الغصن الذي يمثله.

أمّا الخطأة الخاضعون للتوبة فإذا عملوا بها نجواـ وإذا لم يعملوا هلكوا. وأمّا بالنسبة إلى البرج فإن حياتهم لله وعملوا الخير وكانوا مثالاً صالحاً في هذه الدنيا، غير أن الأشرار فلقد أبعدوا عن المساهمة في هذا البناء الذي يجب أن يكون كاملاً على صورة الكمال الذي رسمه المسيح لكنيسته.

أخيراً يبقى المثل العاشر الذي هو بمثابة خلاصة يشدّد فيها الملاك على هرماس لكي يتوب عن خطاياه هو وأهل بيته. كذلك يأمره الملاك بأن يعلن للجميع وسيلة خلاصهم، هذا الخلاص الذي لا يتم إلا بالتوبة، وبالتوبة الحقيقية، طالما أن البرج يُبنى. ولكن إذا لم يتب الجميع قبل نهاية بناء البرج، فإن التوبة بعد نهاية البناء لا تنفع مطلقاً.

وينهي الملاك كلامه قائلاً لهرماس: «قم برسالتك حق قيام وأذع على الناس عظائم الله، وستلقى استحقاقك من جرّاء خدمتك. من يتبع وصاياك يتمتع بحياة ووجود مغبوط. أما الذين يهملونها فإنهم لا ينالون الحياة وسيشقون في حياتهم» (المثل العاشر، 4، 1).

خلاصة تعليم كتاب الراعي لهرماس

أ: الثالوث الأقدس وسر التجسد في كتاب الراعي لهرماس:

إن المطلع على كتاب «الراعي» يلحظ بوضوح أنه كتاب توجيهي، همّه معالجة الأمراض التي ضربت الكنيسة، لا محاولة رفض البدع التي كانت سائدة إلى حد ما، ولا محاولة عرضٍ لاهوتي للعقيدة المسيحية ولشؤون الإيمان، رغم أننا تجد فيه تأكيداً واضحاً على وحدة الله وعلى الخلق من العدم (المثل الخامس، 5، 2؛ المثل السابع، 4). لذلك نراه غير قاطع في تحديده للثالوث الأقدس ولسرّ التجسد.

فكره غامض, ولغته غير واضحة. ولذلك أيضاً حاول كثيرون من اللاهوتيين والمؤرخين، من خلال مؤلفاتهم، التأكيد على أرثوذكسيته، مثل «جاكمان» (Jackman)، و «فريبل» (Freppel)، و «هارناك» (Harnack)، وغيرهم من اللاهوتيين الذين رأوا ثبات العقيدة فيه رغم الغموض الذي فرضته لغة الرؤى والوصايا والأمثال.

وباختصار، فإن لغته تشكو من عدم الوضوح، بيد أن عقيدته لا غبار عليها. والمثال على ذلك هو هذا المقطع الثاني من المثل الخامس الذي نورده هنا لنرى علاقة الآب والابن بالعبد. يقول «الراعي»: «كان لإنسان حقل وعبيد وقد زرع قسماً منه كرماً واختار له عبداً أميناً يحترمه.

ولمّا دعاه قال له: خذ هذا الحقل الذي غرسته وسيّجه حتى أعود ولا تفعل غير ذلك. حافظ على وصيتي فتحيا حياة سعيدة في بيتي. ثم سافر سيد الحقل إلى مكان بعيد. فأخذ العبد بعد سفر سيده بتسييج الحقل، وعندما أنهى عمله رأى أن الحقل مليء بالأشواك.

ففكر في نفسه وقال: ها إني قد أتممت العمل كما أمرني سيدي، فلماذا لا أفلح الكرم وأنقّيه من الأعشاب ليصبح جميل المنظر وتزادا ثماره؟ وبالفعل فلح العبد الكرم واقتلع منه كل الأشواك فصار الكرم جميلاً خالياً من الأعشاب التي كانت تعيق نموّه. بعد مضي وقت طويل عاد سيد الحقل وذهب لزيارة أرضه فوجد أن الكرم لم يكن مسيّجاً فقط، بل ومفلوحاً فلاحة حسنة ومنقى من الأعشاب المضرّة، والدوالي مليئة بالعناقيد، فدهش من عمل عبده وأعجب.

فاستدعى ابنه الحبيب ووريثه وكل المستشارين أصدقائه وأخبرهم بالأمر الذي أمر به وبالأفعال التي رأى عبده قد فعلها بعد عودته فهنأ هؤلاء العبد على الشهادة التي نالها من سيده. وقال لهم السيد: لقد وعدت هذا العبد بحريته إذا أتّم أوامري إلا أنه لم يتمّم أوامري فحسب بل عمل أكثر بكثير ممّا أمرته به، لذلك سأجعله، مكافأة على أعماله، شريكاً مساوياً لابني يرث معه لأنه يملك تفكيراً صائباً وقد حقق هذا التفكير ولم يهمله» (المثل الخامس، 2، 1-7).

في هذا النص نرى ثلاثة أشخاص: السيد والابن والعبد. فمن هم هؤلاء الثلاثة في نظر «الراعي»؟. الحقل يمثل ، أولاً، العالم، والسيد هو الله خالق كل شيء، وابن السيد هو الروح القدس، والعبد، الذي حرّره السيد، وقد أصبح أيضاً ابن الله لأنه اقتلع، من الكنيسة، التي هي الحقل، الشرور والخطايا بواسطة أعماله وآلامه وعذاباته. وهذا هو عمل الخلاص. ولكن الملفت للنظر أن «الراعي» لا يذكر مطلقاً اسم «المسيح» «يسوع» و«كلمة الله»، وحتى أنه لا يفرّق بين البنوّة الإلهية والروح القدس.

أمّا بالنسبة إلى سر التجسد، فالمقطع السادس من المثل الخامس يذكره كالتالي: «انتبه أن ابن الله لم يظهر بشكل عبد بل ظهر متشحاً بقدرة عظيمة وسلطان عظيم. قلت: كيف؟ إني لا استطيع أن أفهم ذلك. أجابني: إن الله الذي غرس كرمه، أي عندما خلق شعبه أوكل أمره لابنه والابن جعل الملائكة لحمايتهم وهو الذي نقّىشعب الله من خطاياهم وقد تعب كثيراً لأن كل كرمة تحتاج إلى تعب شديد لفلاحتها وتنقيتها.

هو الذي نقى خطايا البشر وأرشدهم إلى سبيل الحياة وأعطاهم الناموس الذي تسلّمه من أبيه. أرأيت كيف أنه سيد البشر وأن أباه أعطاه كل سلطان؟ قلت لك إن السيد قد استشار ابنه والملائكة القديسين بشأن اشتراك العبد بالميراث. إليك مل يعني ذلك.

الروح القدس كان قبل الخليقة، البسه اللباس الذي أراده. وهذا الجسد الذي لبسه الروح القدس خدم الروح بكرامة وسلك نقياً طاهراً دون أن يسبب له أي دنس. وبمسلكه النقي هذا وتعبه مع الروح وبتعاونه معه في كل الأمور ماشاه بقوة وشجاعة وأراد أن يجعله شريكاً لروحه المقدس. إن مسلك الجسد أعجب الله لأنه لم يتدنس في هذه الأرض وهو يحمل الروح. ولقد استشار الابن والملائكة الممجدين ليعطي لهذا الجسد الذي خدم الروح بأمانة كلية مكاناً يستريح فيه لا يبقى إخلاصه بدون مكافأة.

كل جسد سكنه الروح وخدمه بإخلاص ينال المكافأة بشرط أن يبقى نقياً طاهراً خالياً من كل دنس» (المثل الخامس، 6، 1-7). ويعلق اللاهوتي «باردنهيفر» على هذا النص قائلاً: «ماذا بإمكاننا أن نستنتج من ذلك سوى أن التجسد وحده هو الذي أوضح لنا الفارق بين الروح القدس وابن الله.

فإن ابن الله والروح القدس، لم يكونا سوى واحد قبل التجسد» (باردنهيفر: آباء الكنيسة، الترجمة الفرنسية، باريس 1898، الجزء الأول، ص94). وبمعنى آخر، فإن فكرة الثالوث، في نظر «باردنهيفر»، لم توضح كلياً إلا بعد التجسد، وبالتالي بعد أن تمجّدت إنسانية المخلّص بارتفاعها إلى مستوى الآب والروح القدس.

يذكر «الراعي» مراراً أن هناك ملاكاً هو، في الدرجة، أعلى من الملائكة الستة الكبار الذين يشكلون مجلس استشارة الله، وهذا الملاك يدعوه مرّة «المحترم» ومرّة أخرى «القديس» ومرّة ثالثة «الممجّد»، ولقد رأى فيه البعض «المسيح» (الرؤيا الخامسة، 2؛ الوصية الخامسة، 1، 7؛ المثل الخامس، 4، 4؛ 7، 1، 5). ولن هرماس يسمّيه «ميخائيل» (المثل السابع، 3،3). فهل هذا يعني أنه لا يفرّق بين ابن الله ورئيس الملائكة ميخائيل؟ ربما الأمر كذلك لأن «الراعي» يعتبر أن مهمة الاثنين هي إياها غالب الأحيان.

فهما (أعني ابن الله والملاك ميخائيل) مقلّدين بقوة الله نفسها بالنسبة إلى سلطتهما على شعب الله (المثل الخامس، 6؛ المثل الثامن، 3،3)، وهما اللذين يعلنان عن مصير المؤمنين (المثل الثامن، 3،3؛ المثل التاسع، 5، 2-7؛ 6، 3-6؛ 10، 4)، وهما اللذين يوكلان أمر الخطأة إلى ملاك التوبة لإصلاحهم (المثل الثامن، 2، 5؛ 4، 3؛ المثل التاسع، 7، 1-2). ولكن هذا التشابه بالرسالة وبالحالة لا يعني، حقيقة، أن الشخصين هما واحد.

فالملاك ميخائيل يسميه دائماً ملاكاً، بينما ابن الله ليس وحسب سيد الشعب (المثل الخامس، 5، 6، 4)، بل هو أيضاً سيد البرج ومالكه وربّه. إنه مطلق السلطة عليه (المثل التاسع، 5، 2، 6، 7؛ 7، 1). وبينما الملاك ميخائيل يضع الشريعة في قلب المؤمنين، يذكر «الراعي» أن هذه الشريعة هي «ابن الله» بذاته.

إذاً، رغم الغموض في مفردات «الراعي»، فإن التأكيد على سر الثالوث الأقدس وسر التجسد هو واضح جدا، وأن هرماس كان واعياً إلى هذا الأمر، لذلك شدّد على دور الآب والابن والروح القدس، وخصوصاً على دور الابن بعد التجسد. وإذا أردنا أن نفسر هذا الغموض، فربما الفكرة الوحيدة التي تعبّر عن ذلك هي أن اللغة الرؤيوية هي التي جعلتنا لا نرى الأمور بوضوح كما في التحديدات اللاهوتية التي نجدها عند آباء الكنيسة الذين كان همّهم توضيح الأمور بكل دقة ووعي.

ب/ الملائكة:

بالنسبة إلى الملائكة، فإن هرماس لا يتكلم عن طبيعتهم وهويتهم، ولكنه يشدّد على عددهم الكبير وعلى المهمات العديدة التي يأمرهم الله للقيام بها. وهو يقسمهم إلى قسمين: الملائكة القديسون الذين يسهرون على شعب الله وهم مستشاروه، أعني رؤساء الملائكة، والملائكة المرؤوسون الذين أوكل إليهم أمر الكنيسة (المثل الخامس، 5، 3).

هؤلاء الملائكة يبنون البرج الروحي بإدارة رؤساء الملائكة الممجدين (المثل التاسع، 6، 2). ورؤساء الملائكة يشكّلون مجلس الاستشارة لله ويسهرون على عبيده لكي يعملوا حسب إرادته ليرثوا الملكوت السماوي الذي هو مكافأة للصلّاح والمؤمنين (المثل الخامس، 6، 4-7).

أمّا مهمات الملائكة فهي: الحثّ على التوبة، والسهر على الإنسان لكي يعيش بخوف الله. وكما أن هناك الملاك الحارس (ملاك العدل) الذي يرشد إلى الخير، كذلك هناك الشيطان (ملاك الظلم) الذي يسعى لإبعاد الإنسان عنه تعالى: «هدف هذه الوصية تثقيفك في الإيمان ونمّوك في أعمال ملاك العدل. إنك إذا طبقت أعماله تحيا في الله.

كن واثقاً أن أعمال ملاك الظلم هي خاطئة وبتجنّبك لها تعيش لله» (الوصية السادسة، 2، 10). لذلك، على الإنسان أن يبعد عنه ملاك الظلم لكي لا يعيقه عن حفظ الوصايا ويمنع عنه الخلاص الذي يرجوه من الله. ولكن، رغم كل محاولات الشيطان (ملاك الظلم) ضد خدّام الله، فإن ملاك التوبة يسيطر عليه ويبعده عنهم: «عودوا أيها الذين يسلكون طريق الشيطان القاسية الوعرة ولا تخشوه لأنه ضعيف لا قوة له.

سأكون أنا ملاك التوبة معكم وأنا الذي سأسوده. الشيطان يثير المخاوف، إلا أن خوفه فارغ كليّاً. لا تخافوه فيبتعد عنكم» (الوصية الثانية عشرة، 4، 6-7). وهكذا، عندما يخذل هذا الشيطان أمام القلوب المليئة بالإيمان يفتش عن القلوب الفارغة ليسكن فيها: «كذلك الشيطان يجرّب عبيد الله، فمن كانت قلوبهم مليئة بالإيمان وقفوا بوجهه بقوة فارتدّ عنهم خائباً لأن قلوبهم مملوءة. لذلك يفتش عن القلب الذي يجد فيه فراغاً ليملأه فيدخله ويوجهه وفقاً لإرادته» (الوصية الثانية عشرة، 5، 4).

ج/ الكنيسة في كتاب الراعي لهرماس:

هرماس ليس واضحاً في كتاب «الراعي» عندما يتكلم عن تنظيم الكنيسة، لكنه يذكّر بدور الأسقف والشيوخ والمتقدّمين فيها عندما تطلب منه المرأة إعطاء الكتيّب إلى «كليمنضوس» لإرساله إلى المدن التي في الخارج: «اكتب كتيّبين، كتيّب إلى كليمنضوس وكتيّب إلى غرابتي. ويسمح لكليمنضوس أن يرسل ذلك إلى المدن التي في الخارج، وعلى غرابتي أن تنصح الأرامل والفقراء.

أمّا أنت فعليك أن تقرأ ذلك في هذه المدينة على الشيوخ ومتقدّمي الكنيسة» (الرؤيا الثانية، 4، 3). كذلك نراه يؤكد على أن الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة هم الحجارة المربعة البيضاء في البرج الذي يمثل الكنيسة: «إليك ما تعنيه الحجارة التي دخلت البناء. الحجارة المربعة البيضاء المتشابهة كليّاً تمثل الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة الذين سلكوا طريق الرب المقدس ورعوا وعلموا وخدموا بإخلاص وطهارة مختاري الله.

بعضهم مات وبعضهم لا يزال على قيد الحياة وكانوا دائماً على وفاق فيما بينهم، يسودهم السلام ويطيعون بعضهم بعضاً. لذلك تراهم في هذا البرج حجارة متلاحمة كليّاً وفي اتّساق عظيم» (الرؤيا الثالثة، 5، 1). وبعد ذلك نراه يشدّد على التفاهم بين أعضاء الكنيسة، وعلى عدم الشقاق، وعلى الثبات في الإيمان والمحبة: «أقول هذا الآن لمتقدّمي الكنيسة ولمتصدّري المجالس.

لا تكونوا كبائعي السموم الذين يحفظون سمومهم في علب، وعلبكم هي قلوبكم بأحقادكم وخبثكم. إنكم قساة عتاة لا تريدون أن تنقوا قلوبكم وتحققوا الدمج الكليّ لحكمتكم بنقاوة قلوبكم فتنالوا رحمة الملك العظيم. احذروا يا أبنائي أن تفقدكم شقاقاتكم حياتكم. كيف تريدون أنتم المختارين أن تنقوا أولئك الذين لا نقاوة فيهم؟ نقوا نفوسكم أولاً وتسالموا فيما بينكم حتى إذا ما وقفتم أمام الآب، أقف أنا بثبات أمامه لأقدم له مسردة الحساب عن جميعكم» (الرؤيا الثالثة، 9، 7-10).

وفي زمن كانت المواهب النبوية تزوّر، والأنبياء الكذبة يحاولون استغلال المؤمنين، نجده يشدّد على النبي الحقيقي الذي يُعرف من استقامة سيرته، ومن تواضعه، ومن حياته الروحية الصوفية، ومن رصانته وفطنته، ومن إعلانه الحقيقة أمام الجميع دون خوف ولا تراجع، ومن التزامه بكلام الرب الذي يوحيه إليه بواسطة الروح القدس: «قلت: كيف نميّز بين النبي الكاذب والنبي غير الكاذب؟

قال: من حياة المرء نستطيع أن نميّز النبي الكاذب والنبي الحقيقى. من كان فيه روح الله، فروح الله يأتي من فوق، يكون لطيفاً متواضعاً يهرب من الشر ومن الرغبات البطّالة ويجعل نفسه دون هذا الجيل.

لا يجيب على سؤال ولا يتكلم إلا علانية. الروح القدس لا يعطي وزناً لرغبات البشر ولا يتكلم إلا عندما يريد الله منه. عندما يدخل الإنسان الذي فيه روح الله إلى نجلس الصالحين المؤمنين بالله، يصلي المجلس فتتحرك روح النبوّة فيه ويملآه ويتكلم بملء إيمانه أمام الجميع كما يأمره الرب. بهذا نعرف النبوة الحقيقية من النبوة الكاذبة، ومن قوتها نعرف الألوهة الموحية» (الوصية الحادية عشرة، 7-10).

وباختصار، فإن الذي يشدّد عليه هرماس هو كنيسة القديسين الموحّدين بالله. ولقد حاول لمرّتين أن يشبهها بالبرج المبني على الماء، تلميحاً إلى شفافية العماد: هذا البرج الذي يضم القديسين الذين مات بعضهم وبقي البعض الآخر على هذه الأرض. فهم الحجارة المنتقاة البيضاء التي تمثل الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة الذي عاشوا في القداسة وسلكوا طريق الرب ورعوا وعلموا وخدموا، بإخلاص وطهارة، مختاري الله (الرؤيا الثالثة). ومرّة ثانية (المثل التاسع) نرى البرج مبنياً على صخرة صلدة صامدة هي المسيح، باب الكنيسة.

والحجارة التي يُبنى فيها هذا البرج هي المعمّدون والخطأة والصديقون، وذلك لأن البناء يجب أن نبعد عنه كل حجر لا يجمّله ونسلمه إلى ملاك التوبة لكي يعيده إلى البرارة التي يريدها الله من مختاريه. وهذا الملاك هو وحده الذي يحم إذا كان المؤمنون قد أصبحوا أهلاً للبناء أم لا، بحيث أن الكنيسة يجب أن لا تضم إليها إلا الحجارة المصقولة البيضاء، أعني النفوس التي لها الفكر نفسه والعاطفة نفسها والإيمان نفسه والمحبة نفسها.

وهكذا، فعندما تصبح النفوس جميعها كاملة بالله تكون الكنيسة كاملة هي أيضاً، وتكون قد قامت بالمهمات الملقاة على عاتقها لخلاص البشرية جمعاء.

د/ العماد والحياة المسيحية في كتاب الراعي لهرماس:

يقول هرماس: «أريد أن أسألك أموراً أخرى. قال: ماذا تريد؟ قلت: لماذا أخرجت هذه الحجارة من الأعماق لتوضع في جدران البرج، ما دام الرجال الذين تمثلهم هذه الحجارة كانوا يحملون في ذواتهم هذه الأرواح؟ أجابني: كان عليهم أن يخرجوا من الماء لينالوا الحياة، ولم يكن بإمكانهم أن يدخلوا إلى الملكوت قبل أن يطرحوا الطبيعة الميتة لوجودهم الأول.

مع أن هؤلاء البشر كانوا أمواتاً فقبلوا ختم ابن الله ودخلوا الملكوت. وقد سبق وقال لي الراعي: الذين لا يحملون اسم ابن الله هم أموات، إلا أنهم عندما ينالون الختم يخلعون عنهم الموت ويلبسون الحياة. الختم هو ماء المعمودية. ننحدر أمواتاً إلى الماء ونصعد أحياء. هؤلاء سمعوا بالختم فاختتموا لكي يدخلوا إلى الملكوت» (المثل التاسع، 16، 1-4).

هذا النص يؤكد لنا على أن سر العماد يغفر جميع الخطايا السابقة، وهو ضروري ليصبح الإنسان في شراكة الكنيسة، وليساهم في بناء البرج المقدس. غير أنه من الضروري أيضاً أن يبقى الإنسان، بعد العماد، بدون خطيئة لأنه لا يجوز لمن غفرت خطاياه أن يخطئ من جديد. وبهذا المعنى يجيب «الراعي» هرماس عندما سأله: «أيمكنني يا سيدي أن أسألك سؤالاً آخر؟ قال: قل. قلت: سمعت بعض المعلمين يقولون إنه لا توبة إلا التوبة التي نلناها بعد المعمودية حيث نلنا مغفرة الخطايا. قال: صحيح ما سمعت وهذه هي الحقيقة بعينها.

لا يجوز لمن غفر له أن يخطئ، عليه أن يبقى في النقاوة» (الوصية الرابعة، 3، 1-2). فالعماد يمنح المعمّد قداسة ويجعله هيكل الروح القدس، شرط أن يحافظ على جسده نقياً، بلا دنس: «انتبه، احفظ جسدك نقياً بلا دنس حتى ينال شعادة الروح القدس القاطن فيه. احذر أن تأتيك الفكرة بأن جسدك فان ومعد للدمار، ولا تفسح المجال لتدنيسه لأنك إذا دنّست جسدك دنّست روحك، وإذا دنّست روحك فلن تحيا.

قلت: ما هو نصيب من فعل ما يدنس جسده قبل سماعه لهذه الكلمات؟ أيمكنه أن يخلص؟ اله هو الذي يشفي الخطايا الحاصلة عن جهل. انتبه الآن. الله الغفور يغفر لك خطاياك السابقة بشرط أن يبقى جسدك الآن بدون دنس. أنت ترى الاتصال الوثيق بين الجسد والروح. إنك إذا دنّست الجسد دنّست الروح، فإحفظهما نقيّين حتى تحيا لله» (المثل الخامس، 7، 1-4).

وأمّا عن الحياة المسيحية، فالإيمان ومخافة الله، وخصوصاً العفّة، هي الفضائل الأساسية للخلاص: «إليك ما تعنيه الأولى ذات الأيدي القوية. إنها تسمّى الإيمان. وبه يخلص مختاروا الله. والثانية المزنّرة ذات الهيئة الرجولية تسمّى العفّة، إنها ابنة الإيمان، ومن يتبعها تصبح حياته مغبطة لأنها تبعد كل الأفعال الشريرة. ومن يبتعد عن العمل الشرير يرث الحياة الأبدية» (الرؤيا الثالثة، 8، 3-4).

والعفّة، في نظر «الراعي»، تعني الامتناع عن كل الشرور وعمل الخير. والشرور التي يجب الامتناع عنها هي: الزنى، والفسق، والسكر، والكبرياء، والكذب، والشتم، والخبث، والرياء، والمكر، والسرقة، والغش، وشهادة الزور، والبخل، والشهوات غير المرتبة. وأن يكون الإنسان عفيفاً، فذلك يعني أن يعيش إيمانه بخوف الله، وأن يعيش المحبة والعدل والحقيقة والصبر، وأن يساعد الأرامل واليتامى والفقراء، ويكون مضيفاً للغرباء. هذه جميعها مفروضة على المسيحي ليكون مخلصاً، أو بالأحرى عليه أن يطبّق إيمانه بأعمال الخير وبالبعد عن جميع الشرور.

وفي حالة البرارة، التي ينالها الإنسان، من مجرّد قبوله سر العماد، يحصل على استحقاقات كثيرة إذا ما حفظ الوصايا، وتبع المشورات، وعاش الفضائل البطولية التي تحقق له مكافأة خاص من الله. إنه بذلك ينتقل من العبودية إلى البنوّة، والله يتبنّاه ويجعله وارثاً وشريكاً: «حافظ على وصايا الله لتصير مقبولاً عنده ومستحقاً لتكون من المسجلين في سجل حافظي وصاياه.

فإذا فعلت حسنة، علاوة على أوامر الله، فإنك تحقق مجداً عظيماً، وتكون ممجّداً عند الله حيث تدعى لتكون. إذا حافظت على وصاياه وأضفت إليها أعمالاً صالحةً بتطبيقك لها فإنك تحقق لنفسك الغبطة» (المثل الخامس، 3، 2-4).

وردّاً على هرماس الذي اعتبر أن إتباع الوصايا هو أمر صعب جداً يقول «الراعي»: ليس هناك من صعوبة إذا أراد الإنسان ذلك: «قلت: يا سيدي، إن هذه الوصايا عظيمة وصالحة وممجّدة ويمكنها أن تفرح القلب، قلب الإنسان الذي يستطيع أن يحافظ عليه. لكني لا أعتقد أن هناك من يستطيع أن يحافظ عليها لأنها صارمة جداً. أجابني قائلاً: إذا اعتقدت أنك تستطيع أن تحافظ فستحافظ ولن تكون صارمة بالنسبة لك.

أما إذا أهملتها ولم تحافظ عليها واعتقدت أنه يصعب على البشر أن يحافظوا عليها فلن تخلص لا أنت ولا أهل بيتك. بقولك إنك لا تستطيع أن تحافظ على الوصايا تدين نفسك وتحكم عليها حكماً قاطعاً» (الوصية الثانية عشرة، 3، 4-6). وعندما لفت هرماس «الراعي» إلى أن الشيطان يحارب الإنسان ويمنعه من إتباع الوصايا أجابه قائلاً: «قلت: أن الإنسان، يا سيدي، مستعد ليحافظ على وصايا الله ويطيعها، إلا أن الشيطان قاس ويتغلّب على الإنسان.

قال: إنه لا يستطيع أن يتغلّب على عبيد الله الذين يؤمنون من أعماق قلوبهم. الشيطان يجيد الصراع لكنه لا يغلب إذا صمدتم في وجهه بل يندحر ويهرب خجلاً. الأشخاص الفارغون هم الذين يخافون الشيطان كقوي» (الوصية الثانية عشرة، 5، 1-2).

وهكذا، باختصار، فإن العماد، بعد أن يغفر الخطايا، يعطي الإنسان قوة ليحارب الشيطان ولينتصر عليه، وليعيش بخوف الله، بعيداً عن كل الشرور، محققاً خلاصه الأبدي، شرط أن لا يعود إلى الخطيئة ثانية.

هـ/ التوبة والخلاص الأبدي في كتاب الراعي لهرماس:

السؤال المطروح الآن هو التالي: كيف بإمكاننا أن نحافظ على وسم العماد، ونعيش العفة في الحقيقة، ونصل إلى الكمال الذي دعانا إليه الله، والضعف البشري يجعلنا عرضةً للسقوط في الخطيئة كل لحظة؟ وهل المسيحي الذي يسقط، من جديد، في الخطيئة، بإمكانه أن يخلص؟ هناك رأيان متناقضان في ذلك: رأي الغنوصيين المتساهلين، ورأي المتشددين المبالغين. فالغنوصيين يعتبرون أن كل خطيئة مقترفة، بعد العماد، غير مهمة بحيث أنهم لا يتركون عبيد الله يتوبون توبة حقيقية.

وهذا ما يذكرّ به «الراعي» في المثل الثامن، 6، 5، قائلاً: «أمّا الذين سلموا أغصانهم يابسة ولم ينخرها السوس، هؤلاء يشبهون الأول. ‘نهم مراؤون، يحملون تعاليم غريبة ويضللون عبيد الله، وخصوصاً الخطأة. إنهم لا يتركونهم يتوبون ويعملون لإقناعهم بتعاليمهم البطالة السطحية، مع أن مجال التوبة مفتوح أمام هؤلاء». وأما المتشدّدون المبالغون، فلقد بشرّوا بتقشّف متطرّف، وفرضوا تصوفاً كاملاً في الحياة المسيحية، وعفة مطلقة في كل شيء.

ولكن هرماس طالب بحلّ إنساني إذ قبل بإمكانية مغفرة الخطايا بعد العماد، وبالتالي بالعودة إلى حالة البرارة بعد التوبة. وبهذا المعنى يقول: «بعد أن أنهى الراعي تفسير معاني الأغصان كلها قال لي: اذهب وقل لجميع الخطأة أن توبوا ليحيوا في الله لأن الرب، لرأفته بالجميع، يوزع التوبة على الجميع حتى لو كان البعض لا يستحقونها بسبب أعمالهم فالله طويل الأناة يريد أن يحقق دعوة ابنه للخلاص» (المثل الثامن، 11، 1).

وفي موضع آخر يقول: «المعمودية تغفر الخطايا، والمخلص وضع التوبة للذين آمنوا قبل هذه الأيام لأنه هو العارف خفايا القلوب والمالئ الكل رأى الضعف البشري ورأى أحابيل الشيطان والشباك التي يحاول أن يوقع فيها خليقته، لذا تحنن برحمته وأوجد التوبة وأعطيت لي سلطتها» (الوصية الرابعة، 3، 4-6).

إذاً، الله وحده يشفي الخاطئ. ولكن كيف؟ بواسطة التوبة (Metanoia). فبمقابل الإرادة الإلهية التي تريد خلاص المعمّدين، وبمقابل رحمة الله المستعد دائماً لغفران الخطايا وللشفاء منها، على الخاطئ أن يتجاوب بتوبة نصوح وعميقة. وهنا، كما يؤكد هرماس، التوبة لا تعني سر التوبة بالمفهوم الكنسي القانوني، ولكن المقصود هي فضيلة التوبة وممارستها، أعني تغيير حالة النفس، أو بالأحرى تجديد داخلي، خلقي ومسلكي، وحتى تجديد بالأفكار وبالعواطف والعادات على شكل ارتداد أو انقلاب داخلي.

بهذا المعنى يقول: «إني أعطي الوعي للتائبين لأني أنا لهم. ألا تعتقد أن عملية التوبة هي عملية إدراك؟ إن التوبة هي عملية حكمة عظيمة. إن الخاطئ يتعقّل عندما يدرك أنه فعل شراً أمام الله، فيذكر العمل الشرير الذي صعد إلى قلبه ويتوب ويمتنع عن عمل الشر، وليس هذا فقط بل يفعل الخير ويضع نفسه ويعذبها لأنها أخطأت. أرأيت أن التوبة هي عملية إدراك عظيمة؟» (الوصية الرابعة، 2، 2).

هذه التوبة تطبّق على جميع الخطايا دون تمييز، وحتى على الخطايا المحفوظة مثل الكفر والزنى والقتل (الوصية الرابعة، 1، 7؛ المثل التاسع، 26، 5). فالامرأة الزانية، مثلاً، على زوجها أن يقبلها إذا تابت بعد أن تعترف بخطيئتها، والكفرة كذلك إذا لم يكن كفرانهم إلا بالكلام وحسب، وليس بارتداد القلب إلى الشر. وهذه التوبة، إذا كانت تطال جميع الخطايا، لكنها لا تطال جميع الخطأة.

إنها تطال المسيحيين القدامى وليس المسيحيين الذين تعمّدوا أو الذين سيتعمّدون. فالمسيحي الذي يسقط في الخطيئة بعد العماد يُبعد عن الجماعة ويكون في حالة انفصال عن الكنيسة. والكنيسة تفرض عليه كفّارات عديدة لأنها تعتبر أن العماد أدخله في جماعة القديسين وعليه أن يبقى قوياً، ولا يخطأ، بنعمة الله التي تسهر عليه.

من هنا، فالتوبة يجب أن تكون مخلصة وصادقة، والله يعطي حينئذٍ الغفران الكامل، الذي هو نعمة خاصة، للذين طهّروا نفوسهم وقلوبهم، بينما الخبثاء والكفرة المتمسكون بكفرهم يرفضهم ويبعدهم عن البرج الذي هو كنيسته. وبهذا المعنى يقول هرماس «عندما أنهى الراعي فحص كل الأغصان قال لي: لقد أريتك هذه الشجرة المحبة للحياة. أرأيت كم هم التائبون والمخلصون؟ قلت: إني أرى يا سيد.

قال الراعي: إن الله أعطى روح التوبة لمستحقيها حتى تدرك عظمة رحمته. قلت: لماذا لم يتب الجميع؟ قال: إن الله يعطي روح التوبة للقلوب التي يجب أن تتنقّى وتتطّهر، أما القلوب التي يملؤها الخبث فإن توبتها تكون توبة مرائية، ولن يعطيها روح التوبة لئلا تهين اسمه» (المثل الثامن، 6، 1-2).

وباختصار، فالكنيسة يجب أن تكون جماعة القديسين، وهي تؤمن وتعتقد أنه بإمكان كل مسيحي أن يحافظ على براءة العماد دون خطيئة، رغم أنها أيضاً تعرف مدى الضعف البشري. لذلك تقدّم للخاطئ وسيلة خلاص بعد هذا العماد إذا أخطأ من جديد، ولكن لمرّة واحدة. وبذلك يكون سر التوبة القانوني معطى بعد عيش روح التوبة الحقيقية. كل ذلك لأن رحمة الله وغفرانه هما المحرك الأساسي في قلب جماعة المسيح التي هي كنيسته على الأرض.

و/ الزواج في كتاب الراعي لهرماس:

بالنسبة إلى الزواج المسيحي، فإن عدم فسخه يؤكد عليه هرماس مراراً في كتاب «الراعي»، وحتى في حالة الزنى، كما أن الزواج الثاني بعد موت أحد الشريكين هو مسموح، بعكس ما بشّر به المتزمّتون في بعض البدع. ونعرض هنا الصعوبات والمشاكل التي طرحها هرماس والتي أجاب عليها «الراعي» بوضوح:

أولاً: هل يخطئ الزوج الذي يعيش مع امرأته الزانية؟ يجيب الراعي: كلا إذا كان يجهل ذلك. وأمّا إذا عرف بزناها وبقي معها فإنه كمن يشاركها بذلك: «قلت: اسمح لي يا سيدي أن أوجّه لك بعض الأسئلة. قال: قل. فقلت: يا سيدي، إذا كان لرجل زوجة وكان يعتقد أنها مخلصة ثم تبيّن له أنها تزني أيخطئ إن استمر عائشاً معها؟ أجاب: إذا عاش معها وكان لا يدري بأنها تخطئ فإنه لا يخطئ، أمّا إذا اكتشف أنها تزني ورفضت أن تتوب وثابر على العيش معها فإنه يخطئ ويشترك معها في الزنى.

قلت: ماذا يجب أن يفعل الزوج إذاً؟ أجاب: عليه أن يتركها وأن يعيش وحيداً، أمّا إذا تزوج ثانية بعد ترك زوجته فإنه يزني» (الوصية الرابعة، 1، 4-6).

ثانياً: إذا ندمت الإمرأة الزانية، بعد أن يكون تركها زوجها، فهل يعود إليها ويقبلها؟ يجيب الراعي: نعم يجب أن يقبلها إذا تابت، وإلا ارتكب خطيئة، وعليه تحمّل المسؤولية: «قلت: وإذا تابت المرأة بعد تركه لها، وأرادت أن تعود إلى زوجها، ألا يجب أن يقبلها؟ قال: لا شك.

قلت: وإذا رفض قبولها؟ قال: إنه يرتكب خطيئة ويتحمّل مسؤولية كبرى لأنه يجب أن يقبل التائب لمرّة واحدة لا لأكثر، لذلك لا يجوز لرجل أن يتزوج مرة أخرى، وكذلك المرأة» (الوصية الرابعة، 1، 7-8).

ثالثاً: وهل ما هو متوجب على الرجل بالنسبة لامرأته هو نفسه متوجب على المرأة؟ يجيب الراعي: الأمر نفسه يطبق على الرجل الذي يزني كما على المرأة: «لا يزني المرء إذا دنس جسده فقط، بل إذا تصرّف كما تتصرّف الأمم أيضاً. إذا ثابر أحدهم على ذلك ولم يقبل أن يتوب فابتعد عنه ولا تعاشره، وإلا تكون شريكاً في خطيئته. لذلك يمنع الرجل والمرأة من الزواج الثاني لأن المنع يفسح المجال للتوبة.

قال: إني لا أسهل مثل هذه الأعمال. هدفي هو منع الخاطئ عن الخطيئة. من أخطأ سابقاً فهناك من يستطيع شفاءه. يشفيه المالك القدرة لفعل كل شيء» (الوصية الرابعة، 1، 9-11).

رابعاً: أمّا إذا مات أحد الزوجين، فهل يخطئ الزوج الحيّ إذا تزوج مرة ثانية؟ يجيب الراعي: كلا، لكن يحوز على شرف عظيم ويكرّم المخلص إذا حافظ على عفته: «ثم سألته قائلاً: ما دمت يا سيدي قد احتملت أسئلتي فاسمح لي أن أسألك هذه المرة أيضاً. لو فرضنا يا سيدي أن الزوجة قد توفيت أو بالعكس، أيجوز لأحدهما أن يتزوج؟ وهل يخطئ إذا فعل ذلك؟ قال: كلا لا يخطئ، ولكن إذا بقي بدون زواج فإنه يحوز على شرف عظيم ويكرّم المخلص.

حافظ إذاً على العفة والشرف فتحيا في الله. حافظ من الآن على كل ما قلته وسأقوله لك. حافظ على ذلك من تاريخ استلامي لك ودخولي إلى بيتك. إذا حفظت وصاياي فخطاياك السابقة تغفر لك، لا بل كل خطايا الآخرين تغفر لهم إذا حافظوا على هذه الوصايا وسلكوا طريق العفة» (الوصية الرابعة، 4، 1-4).

وهكذا، باختصار، فإن الزاني تغفر خطيئته لمرة واحدة، والزواج الثاني بعد موت أحد الشريكين ليس خطأً، لكن الحفاظ على العفة هو شرف عظيم وتكريم للمخلص.

الخلاصة

من كل ما تقدّم يمكننا اختصار تعليم هرماس في «الراعي» بأنه تعليم أدبي، أخلاقي، روحي. فالهمّ الأساسي الذي كان يشغل المؤلف هو حثّ المؤمنين على العيش بالتزام وبإخلاص للعقيدة التي اعتنقوها في زمن كانت فيه الكنيسة تتنفس الصعداء بعد الاضطهادات التي توالت وقبل الاضطهادات التي ستلي، بحيث أن الرخاء القليل الذي حصلت عليه جعل الكثيرين من أبنائها يفترون في إيمانهم، ويصبحون منهمكين بشؤونهم الزمنية، الأمر الذي تطلّب تذكيراً بجوهر الروح المسيحية.

فالمسيحي الحقيقي ليس ذلك الذي حفظ الوصايا وحسب، بل أيضاً ذلك الذي يقوم بأعمال صالحة ليحقق لنفسه الغبطة. وبهذا المعنى يقول في المثل الخامس: «فإذا فعلت حسنة علاوة على أوامر الله فإنك تحقق مجداً عظيماً وتكون ممجداً عند الله حيث تدعى لتكون. وإذا حافظت على وصاياه وأضفت إليها أعمالاً صالحةً بتطبيقك لها فإنك تحقق لنفسك الغبطة» (المثل الخامس، 3، 3).

غير أن هرماس لم يكن ذلك اللاهوتي البارع، على حدّ قول اللاهوتي «باردي» (Bardy) في كتابه «لاهوت الكنيسة من القديس كليمنضوس الروماني إلى القديس ايريناوس»، باريس 1945، ص 141. لذلك نراه في حيرة كبرى عندما يتكلم عن التجسّد. فاسم «يسوع» مثلاً، واسم «المسيح» لا يأتي على ذكرهما إلا قليلاً.

هو يتكلم عن ابن الله، أو عن الابن الحبيب، ولكن ابن الله هذا يتطابق. والروح القدس. وبهذا المعنى يقول: «الحقل هو العالم، وسيد الحقل هو خالق الكل ومجهزّه ومقوّيه، وأمّا الابن فهو الروح القدس، وأما العبد فهو ابن الله» (المثل الخامس، 5، 1). كذلك نراه أيضاً يجعل من الملاك ميخائيل، الملاك العظيم والممجّد، ابن الله ورئيس الملائكة.

في حالة كهذه، ماذا يمكننا القول عن كتاب لاهوته غير واضح؟ الجواب هو التالي:

أولاً: إن الالتباس بين «ابن الله» و«الروح القدس» كان منتشراً في ذلك العصر. وهذا ما بيّنه اللاهوتي «جان دانييلو» (Jean Danielou) في كتابه «تاريخ المعتقدات المسيحية قبل مجمع نيقيا»، تورنه – باريس، 1958 – 1961. فالعقيدة لم تحدّد كليّاً إلا في ذلك المجمع.

ثانياً: إن اللاهوتيين كانوا غارقين في التفاسير أكثر منه في التحديدات. وهرماس كان من هؤلاء الذين كانوا يشدّدون على الحياة الأخلاقية والمسلكية أكثر منه على التحديدات اللاهوتية. وبهذا المعنى يقول اللاهوتي «جولي» (Joly) في مقدمته لكتاب «الراعي»: «إنه الكاتب الأخلاقي الذي يلفت الانتباه. فهرماس أراد أن يكون كاتباً أخلاقياً، ولم يؤكد مرة واحدة على أنه لاهوتي بحصر المعنى» (هرماس: الراعي، المقدمة، 33).

من هنا يمكننا استنتاج ما يلي: إن الجهد الإنساني، في نظر هرماس، يجب أن يشدّد على الحفاظ على روح الله الموجود فينا. ومخافة الله، التي يتكلم عنها دائماً، هي مفتاح ذلك. والمحافظة على الوصايا لا تكفي، بل علينا أن نضيف إليها أعمالاً صالحةً. فالأعمال الصالحة هي واجبة وضرورية للخلاص كما الالتزام بالتعليم الإلهي. وكل عمل لا يكون خاضعاً لإرادة الله هو عمل ناقص، وربما يحمل إلينا العقاب بدل الجزاء الحسن.

لذلك، على المسيحي أن يسير بخطى الله وبوحيه كما تعلّم الكتب المقدسة، وكما تعلّم الكنيسة الجامعة التي تجسّد تعليمه وتسهر عليه، خدمة للنفوس، وتمجيداً لله. وكل ما جاء في الرؤى والوصايا والأمثال شاهد على ذلك.

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

Exit mobile version