الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

(من منظور كتابي وآبائي وليتورجي)

المقدمة

يتناول هذا البحث موضوع ”الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح“ من منظور كتابي، آبائي، ليتورجي، من أجل الوقوف على أفضل تصور ومفهوم لهذا الموضوع المهم للغاية. حيث أن غاية المسيحية في النهاية هي الانجماع الكلي والاتحاد بالله في المسيح من خلال الروح القدس. يلقي هذا البحث الضوء على مفهوم الانجماع الكلي كما ذكره بولس الرسول، وكما شرحه ق. إيرينيؤس أسقف ليون، الملقب بـ ”أبو التقليد الكنسي“.

كما يلقي الضوء أيضًا على مفهوم آباء الكنيسة الجامعة لماهية الاتحاد بين الله والبشرية في المسيح. ويناقش هذا البحث قضية حلول الروح القدس في البشر من منظور كتابي وآبائي وليتورجي عميق جدًا. لقد قمت في هذا البحث بتتبع الإشارات الكتابية، والآبائية، والليتورجية المختلفة، سواء الموجودة في الكتاب المقدس، وفي كتابات الآباء القديسين معلمي الكنيسة الجامعة، وفي التقليد الليتورجي القبطي بصفة خاصة.

أرجو أن يكون هذا العمل سبب بركة وتعزية ورجاء لكثيرين، بصلوات وطلبات القديسة العذراء مريم والدة الإله، وصلوات آبائي الرسل القديسين، وصلوات آبائي القديسين معلمي الكنيسة الجامعة، وصلوات أبينا وراعينا البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – يناير 2023

 

 

الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح

سوف نناقش في هذا البحث الموجز ماهية الانجماع الكلي في المسيح، وماهية اتحاد البشرية في المسيح من خلال إشارات الكتاب المقدس، وتعاليم آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، والليتورجية القبطية. حيث سنتطرق إلى بركات ومفاعيل هذا الاتحاد بين الله والإنسان في المسيح، وكيف شهد الكتاب المقدس في إشارات كثيرة عن هذا الاتحاد الكياني الحقيقي بين الله والإنسان في المسيح، وكيف أنه لم يكن مجرد اتحاد روحي اعتباري كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي، بل هو اتحاد حقيقي كياني بين الله والإنسان في المسيح.

ثم سنتطرق إلى شهادات آباء الكنيسة الجامعة عن ماهية وكيفية وطبيعة هذا الاتحاد الحميمي الوثيق بين الله والإنسان في المسيح بعمل الروح القدس الساكن بأقنومه في الإنسان المؤمن الحقيقي. ثم سنعبر في رحلة سريعة بين النصوص الليتورجية القبطية التي تؤكد وتبرهن على حقيقة هذا الاتحاد الحقيقي والكياني بين الله والإنسان في المسيح يسوع ربنا.

الكتاب المقدس

يتحدث إنجيل يوحنا عن أن المسيح جاء ليجمع أبناء المتفرقين إلى واحد في شخصه كما تنبأ رئيس الكهنة في هذه السنة دون أن يدري عن موت المسيح الخلاصي والجامع لأبناء الله المتفرقين إلى الوحدة والاتحاد في المسيح كالتالي: ”وَلَمْ يَقُلْ هذَا مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ إِذْ كَانَ رَئِيسًا لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ الأُمَّةِ، وَلَيْسَ عَنِ الأُمَّةِ فَقَطْ، بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ اللهِ الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ“ (يو 11: 51-52 فاندايك).

وهكذا يصلي الرب يسوع في إنجيل يوحنا إلى الله الآب من أجل تلاميذه لكي يحفظهم في اسمه المبارك، ولكي يكونوا واحدًا كما أن الابن والآب هما واحد، وكيف أن المسيح ممجَّد فيهم كالتالي: ”وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ، وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي، وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ. وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ، وَأَمَّا هؤُلاَءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ“ (يو 17: 10- 11 فاندايك).

ويصلي الرب يسوع أيضًا إلى الآب من أجل وحدة واتحاد التلاميذ والمؤمنين بالمسيح بسبب كرازتهم، لكي ما يكونوا جميعًا متحدين وواحد مع الآب والابن كالتالي: ”وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِمْ، لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي“ (يو 17: 20-21 فاندايك).

وهكذا يؤكد الرب يسوع أنه أعطى التلاميذ والرسل والمؤمنين به المجد الذي أعطاه الآب للابن لكي يكونوا واحدًا كما أن الآب والابن واحد، ويؤكد الرب أيضًا على حلول وسكناه واتحاده بهم وفيهم، وهكذا من خلاله يصيرون متحدين مع الله الآب من خلال الابن المتحد بالمؤمنين كالتالي: ”وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي“ (يو 17: 22-23 فاندايك).

ويؤكد سفر أعمال الرسل أن المؤمنين كانوا قلبًا واحدًا ونفسًا واحدةً في المسيح، وكل شيء كان مشترك بينهم كالتالي: ”وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا“ (أع 4: 32).

ويقارن بولس الرسول بين آدم القديم الذي كنا جميعًا واحدًا فيه عندما ملك الموت علينا من خلال هذا الواحد، وكيف سنملك في الحياة من خلال آدم الجديد الذي صرنا واحدًا فيه أي الرب يسوع المسيح كالتالي: ”لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ!“ (رو 5: 17 فاندايك).

ويؤكد بولس الرسول على أننا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، وهذا الجسد هو جسد حقيقي، وليس جسدًا اعتباريًا رمزيًا كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي كالتالي: ”فَإِنَّهُ كَمَا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ لَنَا أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلكِنْ لَيْسَ جَمِيعُ الأَعْضَاءِ لَهَا عَمَلٌ وَاحِدٌ، هكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ، كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ“ (رو 12: 4-5 فاندايك).

ويشير بولس الرسول إلى أن مَن يلتصق بالرب هو روح واحد معه قائلاً: ”وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ“ (1كو 6: 17 فاندايك).

ويشدد بولس الرسول على أننا هيكل الروح القدس الساكن فينا، وأننا ملك لله الذي امتلكنا بروحه القدوس الساكن فينا كالتالي: ”أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ لِلهِ“ (1كو 6: 19- 20 فاندايك).

ويشير بولس الرسول إلى حقيقة شركتنا مع الله، وأننا جسد واحد حقيقي باشتراكنا مع المسيح في الخبز الواحد أي جسده المقدس في الإفخارستيا كالتالي: ”كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا، أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ، أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ“ (1كو 10: 16-17 فاندايك).

ويؤكد بولس على أن موت المسيح لأجل الجميع معناه موت الجميع أيضًا معه كالتالي: ”لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا. إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا“ (2كو 5: 14 فاندايك).

ويشير ق. بولس في إشارة قوية وواضحة إلى الانجماع الكلي في المسيح قائلاً: ”إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ، لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ“ (أف 1: 9-10 فاندايك).

ويتحدث بولس الرسول عن خضوع الكل تحت قدمي المسيح في إشارة أخرى واضحة إلى الانجماع الكلي في المسيح رأس كل شيء، مشيرًا إلى الكنيسة كجسد المسيح الملء الذي يملأ الكل في الكل كالتالي: ”وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ“ (أف 1: 22- 23).

وهكذا وحَّدنا المسيح في ذاته كما يقول معلمنا بولس الرسول، وهكذا متنا مع المسيح، وصرنا أحياءً في المسيح، وقمنا مع المسيح، ونحن جالسون في المسيح يسوع في السماويات كالتالي: ”اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ ­ بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ ­ وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ“ (أف 2: 4-7 فاندايك).

كما يشير بولس الرسول إلى انعتاق الخليقة كلها من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله في المسيح قائلاً: ”لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ“ (رو 8: 21 فاندايك).

ثم يتحدث ق. بولس عن التجديد الشامل والكلي للخليقة في المسيح قائلاً: ”إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا“ (2كو 5: 17 فاندايك).

ويتحدث بولس الرسول في إشارة إلى الخضوع الكلي والنهائي لله الآب في الابن المتجسِّد قائلاً: ”وَبَعْدَ ذلِكَ النِّهَايَةُ، مَتَى سَلَّمَ الْمُلْكَ ِللهِ الآبِ، مَتَى أَبْطَلَ كُلَّ رِيَاسَةٍ وَكُلَّ سُلْطَانٍ وَكُلَّ قُوَّةٍ. لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ حَتَّى يَضَعَ جَمِيعَ الأَعْدَاءِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ. لأَنَّهُ أَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. وَلكِنْ حِينَمَا يَقُولُ: ’إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ أُخْضِعَ‘ فَوَاضِحٌ أَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ. وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ“ (1كو15: 24-28).

 

 

تعاليم آباء الكنيسة الجامعة

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

يُعتبر ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي من أكثر آباء الكنيسة الجامعة الذين تحدثوا عن الانجماع الكلي للخليقة كلها في المسيح مقتفيًا أثر بولس الرسول، وهكذا جاء المسيح في تجسُّده بتدبير شامل ليجمع كل الأشياء في نفسه، حيث يقول التالي:

”لذلك، إذ يوجد إله واحد هو الآب كما سبق أن أوضحنا، ومسيح واحد هو المسيح يسوع ربنا، الذي جاء بتدبير جامع وشامل لكي يجمع كل الأشياء في نفسه، ومن ضمن ’كل هذه الأشياء‘ يوجد الإنسان كخليقة الله؛ لذلك فهو يجمع الإنسان أيضًا في نفسه.
فغير المنظور صار منظورًا، وغير المدرَك صار مدركًا، وغير المتألم صار متألمًا؛ والكلمة صار إنسانًا جامعًا كل الأشياء في نفسه. وهكذا، فكما أن أنه هو الأول بين الكائنات السماوية والروحية والأشياء غير المنظورة، هكذا أيضًا هو الأول بين الأشياء المنظورة والمادية. وهو يأخذ الأولية لنفسه؛ وإذ جعل نفسه رأس الكنيسة، فهو سيجذب كل الأشياء إلى نفسه في الوقت المحدَّد“.[1]

ويربط ق. إيرينيؤس الانجماع الكلي في المسيح بتجديد الجنس البشري كله، وتاريخ الإنسانية كلها، وهكذا يعوضنا المسيح في نفسه عما فقدناه في آدم الأول، معطيًا لنا من جديد صورة الله وشبهه قائلاً:

حين تجسَّد، وصار إنسانًا، جمع في نفسه، تاريخ الإنسان الطويل جامعًا الخلاص فيه ليعطينا إياه لنقبل من جديد، في المسيح يسوع ما فقدناه في آدم، أعني صورة الله وشبهه“.[2]

ويتحدث ق. إيرينيؤس أيضًا عن أننا صرنا أعضاءً في جسد الرب ودمه، ونلنا الحياة الأبدية من خلال سر الإفخارستيا كالتالي:

”كيف يمكنهم أن يؤكدوا أن الجسد غير قادر أن يقبل عطية الله، التي هي الحياة الأبدية، ذلك الجسد الذي يتغذى من جسد الرب ودمه، وصار عضوًا فيه“.[3]

ق. ميثوديوس الأوليمبي

يتحدث ق. ميثوديوس الأسقف والشهيد عن الانجماع الكلي للكنيسة في المسيح من خلال الأسرار كالمعمودية، حيث يقترح ق. ميثوديوس إعادة خلق مطلقة وكاملة أكثر بكثير من خلق آدم الأول الذي أخطأ، وهكذا شرع الله في إعادة خلق البشرية كلها بالتجسُّد كالتالي:

”فالكنيسة تتزايد يوميًا في العظمة والجمال والكثرة، بالاتحاد والشركة مع الكلمة، والذي لا يزال يأتي إلينا، وتُدخِله ذكرى آلامه في حالة نشوة؛ وإلا ما استطاعت الكنيسة أن تحبل بالمؤمنين، ولا أن تلدهم ميلادًا جديدًا في جرن التجديد، ما لم يُخلِ المسيح نفسه لأجلهم، حتى يمكنهم أن يحتووه، كما قد قلت، من خلال الانجماع الكلي الذي لآلامه، ليموت ثانيةً؛ إذ يأتي من السماء، ويصبح ’مرتبطًا بزوجته‘، الكنيسة، لكي يمد بقوة معينة تؤخذ من جانبه، لكي ما ينمو كل مَن بُني فيه، أولئك الذين وُلِدوا ثانيةً بغسل الجرن، الذي يقبلون من عظامه ومن لحمه، أي من قداسته ومن مجده“.[4]

كما يؤكد ق. ميثوديوس على حتمية تجسُّد الكلمة، واتحاده بالإنسان ليُعِيد الأشياء فيه إلى حالتها الأولى التي كانت منذ البداية، وذلك بميلاده البتوليّ والعذراويّ من العذراء بالروح القدس، وهكذا كـوَّن الأشياء بنفس الطريقة كما كانت من البداية؛ أي أعاد خلقتها على طبيعتها وحالتها الأولى قبل السقوط قائلاً:

”وكان هذا هو المسيح: إنسان مملوء من النقاء واللاهوت الكامل، وتنازل إلى مستوى الإنسان. لأنه الأكثر ملائمة أن الأقدم من الدهور والأرفع من رؤساء الملائكة، عندما أراد الاتحاد بالإنسان، استقر في أقدم وأول إنسان ’آدم‘. ولذلك عند إعادة هذه الأشياء التي كانت منذ البداية، وتكوينها مرة أخرى من العذراء بالروح؛ فقد كوَّنها الله بنفس الطريقة، كما كانت في البداية، عندما كانت الأرض لا تزال بكرًا، وغير محروثة، أخذ الله الطين، وصنع منه كائن عاقل بدون بذرة“.[5]

ق. أثناسيوس الرسولي

يتحدث ق. أثناسيوس الرسولي عن وجودنا الكياني في المسيح عند موته، ويتحدَّث عن موت الجميع في المسيح مؤكِّدًا على وحدة الجنس البشريّ في المسيح آدم الجديد، حيث يقول التالي:

لكي إذَّا كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر“.[6]

ويؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على وحدة البشرية في شخص المسيح، لارتباطنا به في جسده، وصعودنا معه إلى السماء في جسده، وهكذا يصير لنا شركة الحياة الأبدية، لأننا لم نعد بشرًا عاديين، بل صرنا في اللوغوس لوغسيين كالتالي:

ولكن ارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فأننا نُحمَل إلى السموات بواسطته، لذلك بطريقة مماثلة قد نقل إلى نفسه أوجاع الجسد الأخرى لكي يكون لنا شركة في الحياة الأبدية، ليس كبشر فيما بعد، بل أيضًا لأننا قد صرنا خاصين بالكلمة [أي لوغسيون]“.[7]

ويؤكِّد ق. أثناسيوس على أن المسيح أبطل اللعنة وهو كائن فينا أي في بشريتنا كالتالي:

إذ أن لعنة الخطية قد أُبطِلَت بسبب ذاك الذي هو كائن فينا، والذي قد صار لعنةً لأجلنا“.[8]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على نقطة خطيرة جدًا يُنكِرها البعض في عصرنا الحالي وهي أن موت المسيح كان موتنا جميعًا، وقيامته وتمجيده وصعوده للسماء كان هو قيامتنا وتمجيدنا وصعودنا، لأننا في المسيح نفسه أيضًا كالتالي:

”لأجل هذا السبب يُقال إنه إنسان مُجِّدَ أيضًا نيابةً عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقامين من بين الأموات وصاعدين إلى السموات، حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا“.[9]

ويؤكِّد ق. أثناسيوس في عبارة خطيرة جدًا على عدم اندهاش القوات السمائية عندما ترانا نحن المؤمنين بالمسيح أي كنيسته المتَّحِدين به داخلين إلى مناطقهم السمائية كالتالي:

”لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا -المتَّحِدين معه في نفس الجسد– داخلين إلى مناطقهم السمائية“.[10]

ويشير ق. أثناسيوس إلى وحدتنا في جسد المسيح التي صِرنا بواسطتها هيكل الله، وصِرنا أبناء لله يُعبَد الرب فينا كالتالي:

أنه ليس اللوغوس بسبب كونه لوغوس هو الذي حصل على مثل هذه النعمة، بل نحن لأنه بسبب علاقتنا بجسده فقد صرنا نحن أيضًا هيكل الله – وتبعًا لذلك قد جُعِلَنا أبناء الله، وذلك حتى يُعبَد الرب فينا أيضًا، والذين يُبصِروننا يُعلِنون – كما قال الرسول: ’إنَّ الله بالحقيقة فيكم‘“.[11]

ثم يوضح ق. أثناسيوس أن موت المسيح هو موت جميع البشر كالتالي:

حيث أن الجميع ماتوا بواسطته، هكذا قد تم الحكم إذ أن الجميع ماتوا في المسيح. وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقى الجميع على الدوام قائمين من الأموات، ولابسين عدم موت وعدم فساد“.[12]

كما يؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا ووجودنا في المسيح بسبب سُكنى الروح القدس فينا الذي يُوحِّدنا معه، وهكذا نصير في الله ويصير الله فينا كالتالي:

”لذلك فبسبب نعمة الروح الذي أُعطِي لنا نصير نحن فيه وهو فينا، وحيث إن روح الله فينا، لذلك فبواسطة سُكناه فينا وبحسب حصولنا على الروح، نُحسَب أننا في الله، وهكذا يكون الله فينا“.[13]

وهكذا يتحدث ق. أثناسيوس عن الخضوع الكلي في المسيح بسبب اقتنائه للبشرية، ولقد صارت ربوبية المخلص على الكل كالتالي:

”فإنه يملك على الذين هم بالفعل تحت سلطانه الآن. أمَّا وإن كان الرب خالق الكل، وملك أبدي، فعندما صار إنسانًا اقتنانا نحن أيضًا. وبهذا يصير واضحًا أن ما قاله بطرس لا يعني أن جوهر الكلمة مصنوع، بل يعني خضوع الكل له فيما بعد، وأن ربوبية المخلص هي التي قد صارت على الكل“.[14]

ويتحدث ق. أثناسيوس أيضًا عن تحرير المسيح للبشرية كلها وخضوع كل الأشياء للمسيح، مقدسًا الجميع بالروح، لأنه قد صار فاديًا للجميع وربًا للأحياء والأموات كالتالي:

”إلا أن اتخاذه للجسد لم يجعل الكلمة وهو رب الطبيعة أن يكون عبدًا، بل بالأحرى فإن الكلمة بهذا الحدث (اتخاذ الجسد) قد حرَّر كل البشرية، فإن الكلمة نفسه وهو بالطبيعة الرب الكلمة قد جُعِلَ إنسانًا، وصار رب الجميع ومسيحًا من خلال صور العبد، أي لكي يقدس الجميع بالروح […] ولأنه صار فاديًا للجميع، فقد صار رب الأحياء والأموات. ولذلك فإن كل الأشياء تخضع له، وهذا أيضًا هو ما يعنيه داود حينما يترنم: ’قال الرب لربي أجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئًا لقدميك‘ (مز 110: 1)“.[15]

ويؤكد ق. أثناسيوس على أننا ننال التأله بالنعمة من خلال الاتحاد السري بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا، وبالتالي تُعتبر الأسرار الكنسية ضرورية في نوال نعمة التأله والحياة الأبدية كالتالي:

ونحن إنما نتأله لا باشتراكنا السري من جسد إنسان ما، ولكن بتناولنا من جسد الكلمة ذاته“.[16]

ق. كيرلس الأورشليمي

يؤكد ق. كيرلس الأورشليمي أيضًا على اتحادنا الكياني والحقيقي بالمسيح ونوالنا شركة الطبيعة الإلهية، وذلك من خلال اتحاد جسد ودم المسيح بأعضائنا من خلال الإفخارستيا، فنصير نحمل المسيح داخلنا وفي أعضائنا كالتالي:

”وإذ أنت تشترك في جسد المسيح ودمه، تصبح جسدًا واحدًا، ودمًا واحدًا مع المسيح، وهكذا نصبح نحن حاملي المسيح بما أن جسده ودمه ينتشران في أعضائنا. وبهذه الكيفية نصبح على حد تعبير الطوباوي بطرس ’شركاء الطبيعة الإلهية‘ (٢بط١: ٤)“.[17]

ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي

يؤكِّد ق. غريغوريوس النزينزي الملقَّب بـ ”اللاهوتي“ على فكرة وجودنا الكياني في المسيح في تدبيره الخلاصي، مؤكِّدًا على المبادلة الخلاصية الشفائية بيننا وبين المسيح، حيث يقول التالي:

بالأمس صُلِبَت مع المسيح، واليوم أتمجَّد معه، بالأمس مُت معه، واليوم نلت الحياة به، بالأمس دُفِنَت معه، واليوم أقوم معه […] وكما تَشبه المسيح بنا، فلنتشبه نحن أيضًا به، صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا، قَبِلَ كل ما هو قابل للفساد حتى يهبنا الأسمى، صار فقيرًا حتى نغتني نحن بفقره، أخذ شكل العبد كي نسترد حريتنا، أتضع كي يرفعنا، جاز التجربة كي نغلب نحن به، أُهِين ليُمجِّدنا، مات ليُخلِّصنا، صعد إلى السماء ليجذبنا إلى نفسه، نحن الذين سقطنا في وهدة الخطية“.[18]

يتحدث ق. غريغوريوس النزينزي عن الخضوع الكلي للخليقة كلها في المسيح لله الآب، بسبب الاتحاد الكياني للخليقة كلها بالمسيح كالتالي:

وهكذا فحين أكون غير خاضع وعاصيًا بنكراني الله وأهوائي، يكون المسيح أيضًا غير خاضع فيَّ. ولكن ’متى أُخضِعَ له كل شيء‘ – وسيُخضَع له بمعرفة الله والتحول – سيقوم هو بالخضوع النهائي فيقدمني لله ناعمًا بالخلاص. وخضوع المسيح يكون – على ما أقول – في إتمام مشيئة الآب. الابن يُخضِع كل شيء للآب، والآب يُخضِعه للابن: الواحد بفعله، والآخر بعطفه، كما ذكرنا ذلك آنفًا. وهكذا فالمُخضِع يقدم لله ما أُخضِعَ له ويجعلنا من خاصته“.[19]

ويؤكد ق. غريغوريوس اللاهوتي على أننا بالمعمودية ننتقل إلى حالة (التأله) من خلال تطهير الروح القدس لنا في أعماقنا الداخلية، وإعادة خلقتنا لنصير من الحالة التي كنا عليها قبل المعمودية إلى حالة (التأله)، ونلبس الإنسان الجديد، ونترك الإنسان العتيق في جرن المعمودية كالتالي:

”بما أننا طبيعة مزدوجة أي من نفس وجسد، وبما أن الطبيعة الأولى غير منظورة [النفس] والثانية منظورة [الجسد]، فعملية التطهير هي مزدوجة أيضًا أي بالماء والروح. وهكذا نتطهّر بصورة منظورة جسديًا وبصورة غير منظورة روحيًا، بالماء شكلاً ورسمًا، وبالروح حقيقةً، لأنه يقدر أن يُطهِّر الأعماق. هذا الروح يأتينا منحة إلى خلقتنا الأولى، ويردنا من العتاقة إلى الجِدّة، ومن الحالة التي نحن عليها الآن إلى حالة التأله، ويصهرنا بدون نار، ويعيد خلقتنا بدون إخفاء الجسد“.[20]

ق. غريغوريوس النيسي

يشير ق. غريغوريوس النيسي إلى وجودنا الكياني في المسيح أثناء عمله الخلاصي، والمبادلة الخلاصية بيننا وبينه، وكيف ألَّه اللاهوت كياننا البشري فيه بالنعمة كالتالي:

”لأنه حتى إنْ كانت طريقة حضور الله فينا ليست هي نفسها كتلك الحالة السابقة، إلا أننا نعترف أن وجوده فينا الآن وآنذاك هو متساوي. فالآن هو يختلط بنا، باعتباره حافظ الطبيعة في الوجود، ومن ثم قد اختلط بكياننا حتى من خلال شركة اللاهوت يصير كياننا مُتألهًا، مُنعتِقًا من الموت، ومُتحرِّرًا من طغيان الخصم. لأن عودته من الموت صارت بداية عودة جنسنا من الفناء إلى الحياة غير المائتة“.[21]

كما يشير ق. غريغوريوس النيسي إلى نوال نعمة الاتحاد بالله والتأله من خلال سر الإفخارستيا؛ حيث يزرع الله ذاته في كل المؤمنين في الإفخارستيا، ويمزج ذاته بأجساد المؤمنين باتحاد حقيقي في الإفخارستيا لينالوا به عدم الفساد (التأله بالنعمة) كالتالي:

”لذلك قَبِلَ ذاك الجسد وهو الوعاء الإلهي، هذا العنصر (السائل) من أجل بنيانه الذاتي، هو الإله الذي ظهر، ولذلك فقد اندمج بنفسه مع الطبيعة الفانية، حتى أنه بشركة اللاهوت تتأله البشرية، لذا فقد غرس نفسه في كل الذين يؤمنون بتدبير النعمة من خلال الجسد الذي يتكوَّن من الخمر والخبز، واختلط بأجساد المؤمنين، حتى باتحاده بغير المائت يصير الإنسان أيضًا شريكًا لعدم الفساد. وهو يمنح هذه (العطايا) بفضل قوة البركة التي من خلالها يُغيِّر طبيعة هذه الأشياء التي تظهر (للحواس) إلى تلك (الطبيعة غير المائتة)“.[22]

ق. هيلاري أسقف بواتييه

ويرى ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقَّب بـ ”أثناسيوس الغرب“ البعد السرائريّ في اتحادنا بالمسيح في سر الإفخارستيا، حيث يقول التالي:

”من ناحية أخرى، قد شهد هو نفسه عن كيف يكون اتحاده بالحقيقة فينا بهذه الطريقة: ’مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ‘ (يوحنا56:6). إذ لن يسكن فيه أحد سوى الذي يسكن فيه بنفسه، لأن الجسد الوحيد الذي قد أخذه لنفسه هو جسد هؤلاء الذين أخذوا جسده، لقد علَّم بالفعل قبلاً عن سر تلك الوحدة الكاملة […] هذا هو سبب حياتنا أننا لدينا المسيح يحيا في طبائعنا البشرية الجسدية بالجسد، وسوف نحيا به كما أنه يحيا بالآب“.[23]

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان

يتحدَّث ق. أمبروسيوس أسقف ميلان عن اتحادنا الكياني في المسيح مُردِّدًا ما نُصلِي به في تسبيحتنا ”هو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له“ قائلاً:

”إذًا، فقد أخذ منا ما كان يجب أن يُقدِّمه لنا، هكذا لكي يُفِيدنا مما يخصنا، وبعطيته الإلهية يُقدِّم مما يخصه [أي لاهوته]، ما لم يكن خاصًا بنا، إذًا، بحسب طبيعتنا قدَّم ذاته، حتى بهذا يعمل عملاً أسمى من طبيعتنا. التقدمة هي مما يخصنا أما المكافأة فهي مما يخصه، وكثيرًا ما نجد فيه أيضًا أمور بحسب الطبيعة وأسمى من الطبيعة (البشرية)“.[24]

ويستطرد ق. أمبروسيوس في نفس السياق مُتحدِّثًا بكل صراحة عن وجودنا الكياني في المسيح كالتالي:

”إذًا، بما أن جسد الكل أيضًا في المسيح خضع للجروح، كيف تقولون إن ذلك الجسد وتلك الألوهية لهما الطبيعة ذاتها؟“.[25]

أوغسطينوس أسقف هيبو

ننتقل إلى أوغسطينوس أسقف هيبو ولنا وقفة معه، لأن البعض يُهاجِم تعبير ”جسد المسيح السري“ مُعتقدين أنه تعبير حديث مُعاصر قاله أحد الآباء في العصر الحديث، ولكن المفاجأة الكبرى إنه تعبير أوغسطينيّ صرف تعلَّمه أوغسطينوس من قوانين تايكونيوس الدوناتي، واعتاد استخدامه كمفتاح لتفسير المزامير، للتأكيد على مبدأ أن الكنيسة هي جسد المسيح السري، حيث يقول التالي في تفسيره لسفر المزامير:

”هذه النبوة تنطبق على الشيطان وملائكته الذين يقاتلون، لا ضد جسد المسيح السري فحسب، بل ضد كل عضو من أعضائه، ’قصمت أسنان الأثمة‘، لكل منا أعداؤه الذين يلعنونه، فضلاً عن فاعلي الشر الذين يسعون إلى انتزاعنا من جسد يسوع المسيح، لكن للرب الخلاص“.[26]

كما يؤكِّد أوغسطينوس على حقيقة اتحادنا الكياني في المسيح، وعبور المسيح بجسده الكامل أي الكنيسة من الموت إلى الحياة، قائلاً:

”هكذا أيضًا عبر المسيح بجسده الكامل من الموت إلى القيامة وجسده هو الكنيسة (كو١: ٢٤)“.[27]

ويستطرد أوغسطينوس في نفس السياق، مؤكِّدًا على اتحاد مثال بشريته بنا لإزالة مخالفة فسادنا بشركة موتنا من أجل أن يمنحنا شركة الطبيعة الإلهية والتألُّه قائلاً:

”وبالتالي باتحاد مثال بشريته بنا، قد أزال مخالفة فسادنا، وبشركته لموتنا جعلنا شركاء طبيعته الإلهية“.[28]

ويستطرد أوغسطينوس شارحًا كيف يهب المسيح الرأس أعضاء جسده أي كنيسته ما يقبله هو ناسوتيًا من لاهوته المتَّحِد به كالتالي:

فإنه قَبِلَ بين الناس أيضًا كالرأس يُعطِي إلى أعضائه: وهو نفسه قد أعطى وقَبِلَ بين الناس وبدون شك كما في أعضائه الذين من أجلهم أيّ من أجل أعضائه صرخ من السماء قائلاً: شاول شاول لماذا تضطهدني؟ (أع٥: ٤)، والذين من أجلهم أيّ أعضائه يقول: بما أنكم فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم (مت٢٥: ٤٠)، لذا قد أعطى المسيح نفسه من السماء [أي من لاهوته]، وقَبِلَ على الأرض“.[29]

ثم يشرح أوغسطينوس كيفية الاتحاد بين المسيح وبيننا في الجسد الواحد مُستخدِمًا تعبيرات مثل: الانسجام، أو التوافق، أو التناغم، أو التآلف، أو الشركة، للتأكيد على وحدتنا الطبيعية في المسيح المغروسة فينا بصفة خاصة من خلال موته وقيامته بطبيعتنا البشرية كالتالي:

”بينما يُواجِه موته الواحد وقيامته الواحدة ازدواجية وثنائية موتنا وقيامتنا، لأنه بهذا الانسجام أو التوافق أو التناغم أو التآلف أو أي كلمة مناسبة أكثر يمكن التعبير بها، بحيث أن اتحاد الواحد بالأثنين له أهمية كبيرة جدًا في كل الاندماج والاتفاق أو بالحري شركة الخليقة، تمامًا مثلما يحدث لي وهو ما أقصده بدقة بالغة بالشركة التي يدعوها اليونانيون άρμονία أي الانسجام والتناغم، ومع ذلك فهذا ليس المكان لكي ما أستعرض قوة ذلك الانسجام والاتحاد بين الواحد والثنائي الموجود بصفة خاصة فينا والمغروس فينا بصورة طبيعية أيضًا (الذي لا يكون إلا بواسطة خالقنا)؟ الذي لا يفشل حتى الجاهل في إدراكه“.[30]

ق. يوحنا ذهبي الفم

يُصادِق ق. يوحنا ذهبي الفم على نفس كلام الآباء السابقين واتحادنا الكياني في المسيح، وأننا نصير جسد المسيح ليس بالرغبة أو الإرادة فقط، بل في الواقع أيضًا كالتالي:

”إن دور التلميذ هو ألا يفحص بوقاحة في تعاليم مُعلِّمه، بل دوره أن يسمع ويؤمن وينتظر الوقت لذلك لكي ما نصير جسده ليس بالرغبة فقط، بل أيضًا على مستوى الواقع، فليتنا نصير متَّحِدين بذلك الجسد، وهذا بالحق يتم بواسطة الطعام الذي أعطاه لنا كهبة [أي الإفخارستيا]، لأنه أراد أن يُبرهِن على الحب الذي له من نحونا. إذ لهذا السبب أشرك نفسه معنا، وأنزل جسده لمستوانا أي نصير واحدًا معه كاتحاد الجسد مع الرأس، وهذا بالحق هو سمة حبه العظيم“.[31]

ويُحدِّد ق. يوحنا مفهوم التقدمة أو الفدية أو الذبيحة بأن الابن وحَّد نفسه بنا وقدَّمنا كذبيحة في نفسه، لأن الابن كله حلَّ فينا لا بنوع من الطاقة، بل كجوهر كالتالي:

”يقول الرسول وبتشديد أكثر أن كل ما هو للآب هو للابن أيضًا، لأنه صار ميتًا لأجلنا، ووحَّد نفسه بنا. لم يقل الرسول ’باكورةً‘ كما في الثمار، ولم يقل ’قيامةً‘ فحسب، بل قال ’باكورة القيامة‘ مظهرًا أنه قد قدَّسنا كلنا، وقدَّمنا كما لو كنا ذبيحةً. إن البعض يستخدم تعبير ’الملء‘ كنايةً عن اللاهوت، كما قال يوحنا: ’ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا‘ (يو 1: 16). أي مهما كان الابن، فالابن كله حلَّ هناك ليس بنوع من الطاقة، بل كجوهر“.[32]

ويتحدَّث ق. يوحنا ذهبي الفم عن امتزاج المسيح بنا في جسده ليس بالإيمان فقط، بل بجعلنا جسده الحقيقي، حيث يقول:

”فلم يكن كافيًا للسيد أن يصير إنسانًا ويُضرَب ويُقتَل، لكنه بمزج نفسه أيضًا بنا، لا بالإيمان فقط، بل بجعلنا أيضًا جسده بالفعل“.[33]

ويؤكِّد ق. يوحنا ذهبي الفم على نفس التعبير مُعطِيًا له بعدًا سرائريًا، وهو امتزاجنا بالمسيح في جسد واحد في سر الإفخارستيا كالتالي:

”المائدة التي منها نقتات نحن، التي بها نمتزج ونصير جسدًا واحدًا ولحمًا واحدًا مع المسيح“.[34]

ويُشدِّد ق. يوحنا ذهبي الفم على نفس مفهوم امتزاج المؤمنين بالمسيح في الأسرار قائلاً:

فالسيد يمزج ذاته بكل واحد من المؤمنين في الأسرار، وهو يُطعِم بنفسه الذين ولدهم ولا يُسلِّمهم لآخرين، مُقنِعًا إياكم بهذا مرةً أخرى أنه اتخذ جسدكم“.[35]

ويُعرِّف ق. يوحنا ذهبي الفم مفهوم شركتنا في جسد المسيح في موضع آخر قائلاً:

”لقد قال: شركة جسد المسيح، ليؤكِّد على أن ما نتناوله حقًا هو جسد المسيح المحيي، فعندما قال: شركة جسد، فإنه أراد أن يقول شيئًا يُعبِّر به عن أن الاتحاد يمضي في طريقه نحو ما هو أكثر، ولذلك أضاف: فإننا نحن الكثيرين خبز واحد وجسد واحد (١كو١٠: ١٧) ولماذا يقول شركة؟ يقول إن هذا الجسد ذاته هو نحن، لأنه ما هو الخبز؟ إنه جسد المسيح. وماذا يحدث للمؤمنين الذين يتناولون منه؟ يصيرون جسد المسيح، وليس أجسادًا كثيرة، بل جسدًا واحدًا“.[36]

ق. كيرلس الإسكندري

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري مُؤكِّدًا على فكرة وجودنا الكياني في المسيح أثناء صلبه كالتالي:

ونحن قد صُلِبَنا معه لما صُلِبَ جسده الذي كانت فيه كل طبيعتنا“.[37]

ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندري في موضع آخر على فكرة شركتنا مع المسيح بالطبيعة في عمله الخلاصي، حيث يقول التالي:

”ومن أجل منفعتنا يقول إن الكلمة سكن فينا، لكي يرفع الحجاب عن السر العميق، لأننا نحن جميعًا في المسيح، والجماعة المشتركة في الطبيعة الإنسانية ارتفعت إلى شخصه، وهو ما جعله يُدعَى ’آدم الأخير‘ (١كو١٥: ٤٥) واهبًا بغنى للطبيعة الإنسانية المشتركة كل ما يخص الفرح والمجد“.[38]

كما يُفرِّق ق. كيرلس الإسكندري بين الهرطوقي والأرثوذكسي بشكلٍ واضحٍ في مسألة أننا ككنيسة جسد المسيح الإفخارستي قائلاً:

وحيث أن الهرطوقي في حماقته، يريد أن يُروِّج لآرائه الزائفة، ويقول: ’إنَّ أيّ مُجادلة لن تجعل الذين يُحرِّفون معنى الكلمات التي أمامنا عن معناها السليم، ويَعتبرونها تشير إلى تجسُّد المسيح، لأننا لم نتَّحد به بالجسد، ولا الرسل يثبتون في جسد المسيح كأغصان، ولا هم كانوا مُرتبِطين به بهذا الشكل، بل عن طريق وحدة الفكر والإيمان الحقيقي‘. والآن فلنُجاوِب على هذا الكلام باختصار، ونُبِين للهرطوقي أنه قد انحرف تمامًا، وهو لا يتبع الكتب المقدَّسة باستقامة.

فكون أننا مُتَّحِدون روحيًا بالمسيح بما يتطابق مع المحبة الكاملة، فهذا لا يُنكِره بيان عقيدتنا بأيّ حال، فنحن نعترف أن المعترِض على صواب في قوله من هذه الجهة، ولكن أن يقول إنه لا توجد أي إشارة في المثل إلى اتحادنا بالمسيح بالجسد، فنحن سنُوضِّح أن كلامه هذا يتعارض تمامًا مع الكتب الموحَى بها، لأنه كيف يمكن أن يُجادِل أحد، أو هل يُمكِن لأيّ إنسان ذي فكر مستقيم أن يُنكِر أن المسيح هو الكرمة من ناحية جسده؟ ونحن لكوننا أغصان حسب الرمز [أي رمز الكرمة والأغصان]..

فإننا ننال في أنفسنا الحياة النابعة منه، كما يقول بولس: ’لأننا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، فإننا نحن الكثيرين خبز واحد […] لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد‘ (أنظر رو١٢: ٥؛ ١كو١٠: ١٧). ما هو سبب هذا وهل يستطيع أحد أن يُعطِينا تفسيرًا بدون الإشارة إلى قوة السر المبارك؟ ولماذا نحن نتناوله ونأخذه داخلنا؟ أليس لكي يجعل المسيح يحل فينا جسديًا أيضًا بالاشتراك في تناول جسده المقدَّس؟ أنه يجيب بصواب قائلاً نعم هو كذلك. لأن بولس يكتب هكذا: أن الأمم شركاء في الجسد، وشركاء المسيح في الميراث (أنظر أف٣: ٦).

كيف يكونون أعضاء في الجسد؟ ذلك بسبب دخولهم [أي الأمم] ليشتركوا في الإفخارستيا المقدَّسة، وهكذا يصيرون جسدًا واحدًا معه مثل أيّ واحد من الرسل القديسين!“.[39]

وأخيرًا، يؤكد ق. كيرلس الإسكندري على أننا بالإفخارستيا أي ”بشركة جسده الخاص الذي يسكب فينا شركة الله، ويمحو الموت الذي حلَّ بنا من اللعنة القديمة“.[40]

وهكذا نجد التأكيد في شروحات آباء الكنيسة على اتحادنا الكياني في المسيح سواء في تدبير الخلاص أو على مستوى الأسرار، وبالتالي لا يمكن أن يكون جسد المسيح أي جسد البشرية، كما يدَّعي البعض خطاءً، جسدًا اعتباريًا، أو رمزيًا، أو روحيًا فقط، بل جسدًا حقيقيًا بشهادة جميع آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا.

حيث يدحض آباء الكنيسة التعليم غير الأرثوذكسيّ بنظرية الأجساد الثلاثة، وادعاء البعض بأن جسد المسيح الذي أخذه من العذراء غير جسده أي الإفخارستيا، وغير جسده أي الكنيسة، واعتبار جسد المسيح السريّ أي الكنيسة هو مُجرَّد جسد رمزيّ اعتباريّ.

وتتفق في ذلك آراء آباء الكنيسة الغربية اللاتينية مع آراء الكنيسة الشرقية اليونانية، حيث قد وجدنا أنهم يؤكِّدون على وحدة الأجساد الثلاثة، وعدم فصلهم عن بعضهم البعض، مُتفِقين مع أقول آباء الكنيسة اليونانية الشرقية في نفس الموضوع، وأود التنويه إلى أن ما أعرضه من أقوال الآباء وشروحاتهم هو بعض من كل، وقليل من كثير، وعشرات بل مئات من الشروحات تؤكِّد على اتحادنا الكياني في المسيح.

 

الليتورجية القبطية

نجد العديد من الإشارات في نصوص الليتورجية القبطية إلى اتحادنا الكياني بالمسيح، كما سنرى في النصوص الليتورجية التالية.

حيث نجد إشارة واضحة جدًا للاتحاد الكياني بالمسيح في قسمة للابن تُقال في أي وقت، وهكذا يتحدث عن إعطاء الله لنا مشتهيات الألوهية، بعدما خسرنا شجرة الحياة، وهذا يحدث من خلال تناولنا الجسد والدم الأقدسين كالتالي:

”صنعت لي وليمة النعمة، وشفيتني من سم الحية، وسلمتني أدوية الخلاص. لأنه هكذا أيها السيد، عندما عدَّمت نفسي من شجرة الحياة، أعطيتني مشتهيات الألوهية. صيَّرتني واحدًا معك، أعطيتني جسدك ودمك الذي بذلته عن حياة العالم“.[41]

وتتحدث قسمة أخرى للقديس كيرلس السكندري تُقال في أي وقت عن اتحادنا الكياني والحقيقي بالمسيح، حيث عندما نتناول الجسد والدم تشارك نفوسنا مجد الله، وتتحد نفوسنا بألوهيته، ونصير هياكل مقدسة لحلوله، ونتحد به اتحادًا سريًا، وهكذا نتحد بالثالوث القدوس، ويكون واحدًا معنا وفينا كالتالي:

”أجعلنا أهلاً لحلول روحك الطاهر في نفوسنا، أنر عقولنا لنعاين سبحك، نق أفكارنا وأخلطنا بمجدك. حبك أنزلك إلى هبوطنا، نعمتك تصعدنا إلى علوك […] عند استحالة الخبز والخمر إلى جسدك ودمك، تتحول نفوسنا إلى مشاركة مجدك، وتتحد نفوسنا بألوهيتك […] صيرنا هياكل مقدسة لحلولك […] أهلنا للاتحاد بك خفيةً. وهبت لنا أن نشرب كأس دمك طاهرًا، أهلنا أن نمتزج بطهارتك سرًا. وكما أنك واحد في أبيك وروحك القدوس، نتحد نحن بك، وأنت فينا، ويكمل قولك، ويكون الجميع واحدًا فينا“.[42]

وهكذا نحن نتناول في سر الإفخارستيا الجسد الإلهي والدم الكريم لنتأله، وليس كما يدَّعي البعض أننا نتناول الناسوت دون اللاهوت، حيث نصلي في قسمة تُقال للابن في سبت الفرح التالي:

”وأنعمت علينا بشجرة الحياة، التي هي جسدك الإلهي ودمك الحقيقي“.[43]

كما تتحدث القسمة الوجيزة عن أننا نتناول الجسد الإلهي والدم الكريم، نتناول الجسد الإلهي والدم الكريم، وليس الناسوت دون اللاهوت كالتالي:

”يا الله الذي أنعم علينا نحن الخطاة بميقات الخلاص، وذبيحة ناطقة سمائية التي هي الجسد الإلهي، والدم الكريم اللذان لمسيحك. هذا الذي صار لنا طُهرًا، وخلاصًا، ونعمةً، وغفرانًا للخطايا“.[44]

وتتحدث قسمة الابن السنوي عن اتحادنا الكياني بالمسيح في الإفخارستيا كالتالي:

”وحينما أتقدم لتناول أسرارك، أجعلني مستحقًا لذلك، ومؤهلاً للاتحاد بك“.[45]

ويتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي في قداسه عن امتلاء الكل سواء البشر أو الملائكة من لاهوت الابن في صلاة الصلح الموجهة للابن في القداس الغريغوري كالتالي:

”وصالحت الأرضيين مع السمائيين، وجعلت الاثنين واحدًا، وأكملت التدبير بالجسد. وعند صعودك إلى السماء جسديًا، إذ ملأت الكل بلاهوتك، قلت لتلاميذك ورسلك القديسين: سلامي أعطيكم، سلامي أنا أترك لكم“.[46]

كما نصلي في الشيرات الثانية في باكر سبت الفرح مخاطبين العذراء مريم القديسة قائلين:

”السلام للممتلئة نعمة، المائدة الروحية التي تعطي الحياة لكل مَن يأكل منها [المقصود هو الإفخارستيا]، السلام للإناء غير الفاسد الذي للاهوت المعطي الشفاء لكل مَن يشرب منه“.[47]

ويتحدث هنا أننا نشرب من إناء اللاهوت غير الفاسد لشفائنا، وأعتقد أنه يقصد أننا نشرب اللاهوت سرائريًا المعطي شفاءً لكل مَن يتناول منه.

كما هناك إشارة واضحة جدًا إلى عقيدة التأله بالنعمة في طرح واطس للأحد الثالث من الخمسين المقدسة، حيث تتحدث عن قيامة المسيح كعربون للتأله والقيامة الأبدية كالتالي:

”قام الملك المسيح من القبور عربون التأله والقيامة الأبدية، له المجد دائمًا“.[48]

وهكذا يصلي الكاهن في صلاة تسريح ماء المعمودية في ختام طقس سر المعمودية المقدسة، متحدثًا عن إضاءة المعمدين بنور اللاهوت بعد معموديتهم، أي أنهم اتحدوا بالنور الإلهي، وصاروا يضيئون ببهاء ونور اللاهوت كالتالي:

”أنت يا سيدنا جعلت هذا الماء طاهرًا بنعمة مسيحك، وحلول روحك القدوس عليه، وصار لعبيدك الذين تعمدوا فيه حميمًا للميلاد الجديد، وتجديدًا من الضلالة القديمة، وأضاءوا بنور لاهوتك“.[49]

ويصلي الكاهن على المعمد أيضًا في صلاة حل زنار المعمدين بوضع يده عليه، بعد التناول من الأسرار المقدسة، متحدثًا عن إضاءة المعمد بنور لاهوت السيد الرب إلهنا، ونواله النور الفوقاني الذي من فوق، النور غير الموصوف، الذي للرب يسوع المسيح مخلصنا كالتالي:

”أيها السيد الرب إلهنا مانح السلام والبركة، ذو الصلاح، وحده محب البشر، الذي باركنا، وقدسنا، وأضاء علينا بنور لاهوته، الذي جعل عبيده مستحقين أن ينالوا النور الذي من فوق، غير الموصوف، الذي لمسيحك يسوع مخلصنا. أنر عليهم بنور البركة، طهَّرهم. باركهم. جدَّدهم بنعمتك من جهة الصبغة التي نالوها بقوة روحك القدوس المحيي“.[50]

كما يصلي الكاهن طلبة في تحليل المرأة أثناء إتمام طقس سر المعمودية المقدسة، حيث يتحدث عن اتحادنا الكياني بشخص المسيح في شركة سرية كالتالي:

”من أجل هذا يارب طهَّرت طبيعتنا، وعتقتنا بالاتحاد في شخصك في شركة سرية. نسأل ونطلب منك يا مُحِب البشر لكي تتطلع على أمتك (فلانة) حتى يتجدد روح قدسك في أحشائها“.[51]

وتتحدث قسمة الابن التي تُقال في أي وقت عن الاتحاد الكياني في المسيح بالروح القدس، حيث صرنا مسكنًا له بالروح القدس الحال فينا بأقنومه كالتالي:

”وأكملت ناموسك عني، ربطتني بكمالات الشريعة. وعزيتني بلبان العلم من قِبل روحك القدوس، منطقتني بالقوة، واتخذتني لك مسكنًا“.[52]

وتتحدث قسمة تُقال للابن في عيد القيامة عن نوالنا لنور قيامة الرب بتجسده وقيامته، وإضاءتنا بشكله المحيي بنور معرفته الحقيقية كالتالي:

”ونحن أيضًا الجلوس في الظلمة زمانًا، أنعم علينا بنور قيامته من قِبل تجسُّده الطاهر. فليضيء علينا نور معرفتك الحقيقية لنضيء بشكلك المحيي“.[53]

ويصلي الكاهن صلاة خضوع للآب قبل التناول في القداس الكيرلسي، تؤكد على أننا ننال بالتناول من الأسرار المقدسة طُهر إنساننا الداخلي كطُهر الابن الوحيد كالتالي:

طهَّر إنساننا الداخلي كطُهر ابنك الوحيد، هذا الذي نريد أن نتناوله“.[54]

ويصلي الكاهن في صلاة القسمة للآب في القداس الكيرلسي، ويتحدث عن تناولنا للجمرة الحقيقية المعطية حياة للنفس والجسد والروح، ألا وهي الجسد المقدس والدم الكريم اللذان للمسيح، وهذه الجمرة بالطبع هي جمرة اللاهوت، لأن إلهنا نار آكلة، وبالتالي يدحض هذا القول بأننا نتناول الناسوت فقط في سر الإفخارستيا، وليس اللاهوت المتحد بالناسوت كالتالي:

”تفضل طهَّر أنفسنا، وأجسادنا، وشفاهنا، وقلوبنا، وأعطنا هذه الجمرة الحقيقية المعطية حياة للنفس، والجسد، والروح، التي هي الجسد المقدس، والدم الكريم اللذان لمسيحك“.[55]

ويصلي الكاهن في صلاة الحجاب لأبينا ق. يوحنا المثلث الطوبى للآب سرًا، في بداية القداس الكيرلسي، ويتحدث عن حلول الروح القدس، النار غير الهيولية (أي غير المادية) فينا، أي يتحدث عن حلول الروح القدس بأقنومه فينا، كالتالي:

”أعطني يارب روحك القدوس، النار غير الهيولية [المادية] التي لا يُفكَّر فيها، التي تأكل كل الضعفات، وتحرق الموجودات الرديئة“.[56]

وهذا ما نصليه أيضًا مخاطبين العذراء القديسة مريم في لبش واطس في باكر سبت الفرح (أو سبت النور) لكي ما ننال الروح القدس لنصير مسكنًا له مثلما حلَّ على العذراء القديسة مريم، وهذا يؤكد الحلول الأقنومي للروح القدس فينا كما حلَّ أقنوميًا على العذراء مريم كالتالي:

”من أجلك أيضًا صرنا مسكنًا للروح القدس الذي حلَّ عليك وقدَّسك“.[57]

ونستنتج من هنا أن الاتحاد الكياني بالمسيح هو عقيدة متأصلة في الليتورجية القبطية التي تُعتبر وعاءً لعقيدة ولاهوت الكنيسة، فنحن ما نؤمن به نصلي به، وبالتالي، نجد عقيدة الاتحاد الكياني والحقيقي بالمسيح متغلغلة في الليتورجية القبطية وصلواتها المقدسة.

 

 

الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر

هناك دائمًا خوف من القول بأن الروح القدس يسكن البشر بأقنومه، لئلا نصير آلهةً مثل الله، وهذا بالطبع خطأ فادح جدًا، ﻷننا لا نستطيع أن نصير مثل الله فى كمال لاهوته بل نصير بالنعمة مشابهين لله وننمو فى صورته، ومثاله، وشبهه، فلابد أن يسكن الروح القدس بذاته، وأقنومه فينا، ﻷنه مثلاً كيف يسكن اﻹنسان مسكنًا بمواهبه وقدراته وطاقاته دون أن يسكن بجوهره وذاته فى هذا المسكن لذا هناك أدلة كتابية وآبائية كثيرة على الحلول اﻷقنومي للروح القدس فى البشر، سنقوم بعرضها فيما يلي.

الكتاب المقدس

  • حيث يتحدث رب المجد لتلاميذه عن أن روح الحق ماكث معهم ويكون فيهم وليست مواهبه كالتالي: ”رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ“ (يو14: 17).
  • ويتحدث بولس الرسول عن أن الله أعطانا روحه، ولم يعط مواهبه فقط: ”إِذًا مَنْ يُرْذِلُ لاَ يُرْذِلُ إِنْسَانًا، بَلِ اللهَ الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا رُوحَهُ الْقُدُّوسَ“ (1تس4: 8).

  • ويقول يوحنا الرسول أن الله أعطانا من روحه للثبات فيه، ولم يقل من مواهبه كالتالي: ”بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِينَا: أَنَّهُ قَدْ أَعْطَانَا مِنْ رُوحِهِ“ (1يو4: 13).
  • ويتحدث رب المجد عن أن الروح القدس، روح اﻵب هو المتكلم فينا، وليس مواهبه وطاقاته كالتالي: ”لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ“ (مت10: 20).

  • ويقول بولس الرسول أن الروح القدس، روح الابن هو الصارخ فينا إلى اﻵب، وليست مواهبه، وطاقاته، ونعمه كالتالي: ”ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: ’يَا أَبَا الآبُ‘“ (غلا4: 6).
  • ويتحدث بولس الرسول عن أن روح الله يسكن فينا، ولم يقل مواهبه تسكن فينا كالتالي: ”أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟“ (1كو3: 16).

  • ويقول بولس الرسول أن الروح القدس الذى أقام المسيح من اﻷموات ساكنًا فينا، ولا أعتقد أن مواهب ونعم الروح القدس هي التي أقامت المسيح من اﻷموات، بل الروح القدس نفسه كالتالي: ”وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ“ (رو8: 11).

  • ويؤكد بولس الرسول على أن الروح القدس، روح الله وروح المسيح ساكن فينا، ولم يقل طاقاته ومواهبه كالتالي: ”وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ“ (رو8: 9).

  • ويقول بولس الرسول إن جسدنا هو هيكل للروح القدس، وليس هيكلاً لمواهب الروح القدس كالتالي: ”أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟“ (1كو6: 19).

  • ويقول بطرس الرسول إن روح المجد والله يحل فينا، ولم يقل مواهب روح المجد كالتالي: ”إِنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَطُوبَى لَكُمْ، لأَنَّ رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ. أَمَّا مِنْ جِهَتِهِمْ فَيُجَدَّفُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَتِكُمْ فَيُمَجَّدُ“ (1بط4: 14). هناك الكثير من اﻵيات الكتابية التي تؤكد على الحلول اﻷقنومي، لذا أكتفي بهذا القدر.

ق. أثناسيوس الرسولي

ونجد أن هناك العديد من أقوال آباء الكنيسة الجامعة تؤكد على الحلول اﻷقنومي للروح القدس فينا، حيث يتحدث ق. أثناسيوس عن طريقة مشهورة للتفريق بين الروح القدس ذاته ومواهبه في حلوله الأقنومي في البشر كالتالي:

”وواضح هنا أنه عندما يقول الروح فالمقصود هو الروح القدس. وهكذا أيضًا حيث يكون الروح القدس في البشر، حتى إذا ذكرت كلمة الروح بدون أيّ إضافة، فليس هناك مِن شك أنها تعني الروح القدس وعلى اﻷخص عندما تذكر الكلمة مقترنة بأداة التعريف“.[58]

ويؤكد ق. أثناسيوس أيضًا على أن الحلول الأقنومي لأحد أقانيم الثالوث هو بمثابة حلول للثالوث القدوس كالتالي:

”كيف حينما يوجد الروح فينا يُقال أن الابن فينا؟ وحينما يكون الابن فينا يُقال إن اﻵب فينا؟ وعندما يكون الثالوث بحق ثالوثًا، فكيف يفهم أنه واحد. أو لماذا حينما يكون أحد أقانيم الثالوث فينا، يُقال إن الثالوث موجود فينا؟“.[59]

ونجد هنا أن ق. أثناسيوس يسأل محاربي الروح القدس: كيف إذا كان الروح القدس فينا لا يكون الثالوث ساكن فينا؟ ويقول إن كان أحد أقانيم الثالوث فينا، ولم يقل مواهب أحد الاقانيم، فمعنى ذلك حلول الثالوث القدوس كله فينا.

ق. كيرلس الأورشليمي

ويتحدث ق. كيرلس الأورشليمي عن حلول الروح القدس فينا بذاته، وليس بمواهبه فقط، حيث يقول التالي:

”لقد نطق بهذا متنبأ ’حين يجعل الرب روحه عليهم‘. العبارة تقول ’إذ يجعل الرب‘ أي يجعله يحل على الكل […] إنه سيُعطي بسخاء. لقد ألمح فى السر إلى ما كان مزمعًا أن يحدث بيننا في يوم الخمسين، ﻷن الروح القدس بنفسه حلَّ بيننا“.[60]

ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي

ويتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر في يوم الخمسين، مفرقًا بين حلوله هذا، وحلوله مسبقًا في مناسبات أخرى كالتالي:

وفي المناسبة الثالثة في وقت توزيع الألسنة النارية عليهم الذي نحتفل بذكراه اليوم، ولكن في المناسبة الأولى، كان ظهور الروح القدس بطريقة خافتة، وفي الثانية بطريقة مُعبِّرة وواضحة، أمَّا في الثالثة فبطريقة أكثر كمالاً، حيث أنه لم يعد حاضرًا بالقدرات والطاقات والأفعال كما كان فيما سبق، بل حاضرًا بجوهره يُشارِكنا ويُعايشنا، إذ لا يستطيع أحد أن يقول غير ذلك“.[61]

ق. يوحنا ذهبي الفم

ثم يتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن اختلاف طريقة حلول الروح القدس على الرسل في يوم الخمسين عن حلوله على الأنبياء في العهد القديم، حيث يقول التالي:

”أما بالنسبة للأنبياء فالوضع مختلف إذ لم يحل الروح القدس على أحدهم بالطريقة التي حدثت مع الرسل […] لكن الذي حلَّ هنا هو الروح القدس […] لكن لم ينل أحد منهم الروح القدس بنفس الطريقة التي حدثت للرسل هنا“.[62]

وهكذا يؤكد ذهبي الفم على حلول الروح القدس نفسه ونعمته أيضًا كالتالي:

”ليس أنهم نالوا نعمة الروح القدس فقط، بل امتلأوا منه، وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا“.[63]

العلامة ديديموس الضرير

ويتحدث العلامة الإسكندري ديديموس الضرير عن سُكنى الثالوث فينا من خلال سُكنى الروح القدس فينا كالتالي:

الروح القدس يسكن في العقل وفي الانسان الباطن بنفس الطريقة التي يسكن بها اﻵب والابن“.[64]

فالعلامة ديديموس لا يتحدث هنا عن سُكنى مواهب، بل عن سُكنى أقانيم الثالوث فينا. ويتحدث العلامة ديديموس أيضًا فى نفس السياق عن شركتنا في الآب والابن من خلال شركتنا مع الروح القدس كالتالي:

”وهكذا فأيٍّ مَن كان له شركة في الروح القدس؛ يصير على الفور في شركة مع اﻵب والابن“.[65]

وهكذا يتحدث العلامة ديديموس عن شركة مع اﻷقانيم، وليست شركة مع المواهب. وكتابه عن الروح القدس مليء بالأدلة على الحلول الأقنومي للروح القدس فينا ولكنني سأكتفي بذلك.

ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس

ويتحدث ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس الملقب بـ ”صائد الهرطقات“ بكل صراحة عن الوجود الأقنومي للروح القدس في كل هذه الأشياء المعطاة للبشر من مواهب الروح القدس كالتالي:

”فإنه يُعطِي الخير للكل بشكل مختلف (1كو12: 8) ’فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ، وَلآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ بِحَسَبِ الرُّوحِ الْوَاحِدِ‘ […] وهو يُظهِر لنا الوجود الأقنومي للروح القدس من خلال تلك اﻷشياء“.[66]

ق. كيرلس الإسكندري

وهكذا يتحدث ق. كيرلس الإسكندري صراحةً عن حلول الروح القدس بذاته في داخلنا، ولم يقل بمواهبه فقط في سياق إثبات ألوهية الروح القدس في مقابل محاربي الروح القدس من الآريوسيين، والأفنوميين، والمقدونيين كالتالي:

”كيرلس: فمَّن يعمل في داخلنا، ويكمل فينا عمل الله، هل يمكن ألا يكون الله؟ […] كيرلس: […] قُل لي إذًا، بأي طريقة كان يوجد الله في القدماء عندما كان الروح داخلهم؟ أو كيف يمكن أن يأتي في داخلنا نحن عندما يكون الروح ذاته في داخلنا؟ لأنه لا يمكن أن يتحقق فينا وجود الله حسب طبيعته إن كان الروح مختلفًا عن اﻵب في الجوهر“.[67]

كما يُحارِب ق. كيرلس الإسكندري منكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، حيث يقول أننا نتَّحد بالله ونصير واحدًا معه وشركاء الطبيعة الإلهية بشركتنا ووحدتنا مع الروح غير المخلوق في سياق دفاعه عن ألوهية الروح القدس، حيث يقول التالي:

”هكذا أيضًا ذاك الذي صار شريكًا للروح القدس يصير واحدًا مع الرب، وبالتالي الروح القدس هو الله، الذي بواسطته، نلتصق بالله ونصير واحدًا معه، وشركاء الطبيعة الإلهية (أنظر ٢بط ١: ٤)، بشركتنا ووحدتنا مع الروح. فإذا كان الروح هو الله، فكيف يكون مخلوقًا“.[68]

ويُقاوِم ق. كيرلس الإسكندري الأفنوميين الهراطقة مُنكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، حيث يقول التالي:

فإنْ كان الروح يحل ويسكن فينا، وبواسطته يسكن المسيح أيضًا فينا، إذًا، الروح القدس هو قوة المسيح. فإذا كان الأمر هكذا، فكيف يكون مخلوقًا هذا الذي من طبيعته أن يوجد في الابن؟ إنها ساعة إذًا ليقولوا: إن كلمة الله -الذي لا تركيب فيه ولا ازدواج- مركب، وذلك بسبب هذا الشيء الذي يأتي من الخليقة مُضافًا إلى طبيعته. لكن هذا محض عبث، فالروح ليس مخلوقًا ولا مجبولاً، إنما هو يأتي من أعلى، من الجوهر الإلهي، كقوة وفعل طبيعي له“.[69]

ويحارب ق. كيرلس الإسكندري مُنكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، والذين يدَّعون أن شركتنا مع الروح القدس هي شركة مع مخلوق، حيث يقول التالي:

”إذًا، عندما يسكن الروح في غير المرفوضين، يكون المسيح هو ذاك الذين يسكن فيهم، وبالتالي يكون من الضروري أن نقول إن هذا هو الجوهر الإلهي الذي يجعل كل الذين يشاركونه شركاءً. لأنه ما من أحد يملك عقلاً يمكنه أن يقول إن شركتنا مع الله يمكن أن تصير بواسطة مخلوق، طالما كان هذا المخلوق -بحسب رأي الهرطقة- لديه طبيعة مختلفة، وهو مختلف تمامًا عن الآب والابن، وإن هناك فرقًا شاسعًا بين الجوهر المخلوق والجوهر غير المخلوق“.[70]

ويتحدث ق. كيرلس الإسكندري عن عمل الروح القدس فينا كالتالي:

”إنَّ الكلمة الذى من الله الآب يُرقِينا إلى حد أن يجعلنا شركاء طبيعته الإلهية بواسطة الروح القدس. وبذلك صار له الآن أخوة مشابهون له وحاملون صورة طبيعته الإلهية من جهة التقديس. لأن المسيح يتصور فينا هكذا: بأن يُغيِّرنا الروح القدس تغييرًا جذريًا من صفاتنا البشرية إلى صفاته هو. وفي ذلك يقول لنا بولس الطوباوي: ’وأمَّا أنتم فلستم في الجسد، بل في الروح‘ (رو٨: ٩)، فمع أن الابن لا يُحوِّل أحدا قط من المخلوقين إلى طبيعة لاهوته الخاص -لأن هذا مستحيل- إلا أن سماته الروحية ترتسم بنوع ما في الذين صاروا شركاء طبيعته الإلهية بقبول الروح القدس وبهاء لاهوته غير المفحوص يضيء مثل البرق في نفوس القديسين“.[71]

ثم يدحض ق. كيرلس الإسكندري المعتقدين بالحلول المواهبي للروح القدس في البشر في سياق دفاعه ع ألوهية الروح القدس كالتالي:

”أمَّا لو كانت النعمة المعطاة لنا بواسطة الروح القدس هي نعمة منفصلة عن جوهره، فحينئذ لماذا لم يقل موسى النبي (تك٢: ٧) إنه عندما أوجد الخالق الكائن الحي (الإنسان)، إنه نفخ فيه النعمة مع نفخة الحياة، ولماذا لم يقل المسيح لنا: اقبلوا النعمة التي أهبها لكم بعمل الروح القدس؟ والعكس هو الصحيح، لأن موسى قال: نفخة الحياة، ولأننا به نحيا ونتحرك ونوجد.

كما قال بعض شعرائكم أيضًا: لأننا أيضًا ذريته (أع١٧: ٢٨)، بينما دعاه المخلص الروح القدس، وهكذا سكن في نفوس أولئك الذين يؤمنون بالروح الحقيقي نفسه، والذي بواسطته وبه يقودهم إلى هيئتهم الأولى. بمعنى أنه يجعلهم مشابهين له عندما يقدِّسهم، وهكذا يُعيدنا إلى صورتنا الأولى أي إلى حالة ختم الآب. ومن جهة الدقة في وصف وحدة الجوهر، فإن الابن ذاته هو الختم الحقيقي، في الوقت نفسه فإن الروح القدس هو شبه واضح وطبيعي للابن، والذي نتغير نحن بالتقديس بواسطته أي لنأخذ صورة الله […]

إذًا، الروح هو الله الذي يعطينا أن نكون على صورة الله. وهذا لا يتأتى عن طريق النعمة الخادمة، لكن بالاشتراك في الطبيعة الإلهية مانحًا ذاته عينها للمستحقين […] هل يمكن أن تسأل المعاندين: لماذا نُدعى هياكل لله، بل بالحري آلهة، إن كنا بالفعل شركاء مجرد نعمة بسيطة لا كيان لها؟ لكن الأمر ليس كذلك، لأننا هياكل للروح الحقيقي الكائن، ولهذا فنحن نُدعى أيضًا آلهةً، لأنه من خلال اتحادنا به نصبح شركاء الطبيعة الإلهية غير الموصوفة“.[72]

وبذلك يؤكد ق. كيرلس الإسكندري على الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، وليس مجرد حلول مواهبي أو حلول لنعم مخلوقة كما يدَّعي الهراطقة، ويدحض بشدة ويستنكر الهراطقة القائلين بأننا نتحد بنعمة خادمة (مخلوقة)، أو أننا نتحد بمجرد نعمة بسيطة لا كيان لها، بل يؤكد على اتحادنا بالروح الحقيقي الكائن الذي يصيرنا شركاء الطبيعة الإلهية غير الموصوفة.

[1] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 3: 16: 6، ص 81، 82.

[2] المرجع السابق، 3: 18: 1، ص 89.

[3] المرجع السابق، ٥: ٢: ٣، ص 276.

[4] ميثوديوس الأوليمبي (قديس)، وليمة العشر عذارى (الكتابات النسكية في القرون الثلاثة الأولى)، ترجمة: الراهب القمص تيموثاوس المحرقي، (القاهرة، 2009)، الحوار ٣: 8، ص 120.

[5] المرجع السابق، الحوار ٣: ٤، ص 115.

[6] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.

[7] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[8] المرجع السابق.

[9] المرجع السابق، ١: ٤١، ص 109.

[10] المرجع السابق، ١: ٤٢، ص 111.

[11] المرجع السابق، ١: ٤٣، ص 112.

[12] المرجع السابق، ٢: ٦٩، ص 260.

[13] المرجع السابق، ٣: ٢٣، ص 322.

[14] المرجع السابق، 2: 13، ص 173.

[15] المرجع السابق، 2: 14، ص 174، 175.

[16] Athanasius, Letter to Maximus the Philosopher, NPNF Ser. II, Vol. IV, Ch. 2, p. 578-579.

[17] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته -مقالاته لطالبي العماد- الأسرار)، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2006)، مقالة ٢٢: ٣، ص 292.

[18] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات عيد القيامة (العظة الفصحية الأولى)، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2012)، 44: 4، ص 14.

[19] غريغوريوس النزينزي (قديس)، الخطب 27- 31 اللاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1993)، خطاب 30: 5، ص 111.

[20] غريغوريوس النزينزي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، 1994)، عظة المعمودية المقدسة ٤٠: ١٠، ص 138، 139.

[21] غريغوريوس النيسي (قديس)، تعاليم الموعوظين، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021)، 3: 25: 2، ص 186، 187.

[22] المرجع السابق، 37: 12، ص 242، 243.

[23] هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير الأنبا أنطونيوس، (البحر الأحمر: دير الأنبا أنطونيوس، 2017)، ٨: ١٦، ص 544.

[24] أمبروسيوس أسقف ميلان (قديس)، تجسد الرب، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، ٦: ٥٤، ص 77.

[25] المرجع السابق، ٦: ٥٧، ص 80.

[26] أوغسطينوس (قديس)، العظات على المزامير ج1، ترجمة: عبد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2013)، ٣: ١٠، ص 26.

[27] أوغسطينوس (قديس)، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، تقديم: نيافة الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، ٣: ١٠: ٢٠، ص 233.

[28] المرجع السابق، ٤: ٢: ٤، ص 248.

[29] المرجع السابق، ١٥: ١٩: ٣٤، ص 646.

[30] المرجع السابق، ٤: ٢: ٤، ص 248.

[31] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، عظات على انجيل يوحنا ج1، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 46، تعليق على (يو6: 41- 53)، ص 451.

[32] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2009)، العظة الثالثة، تعليق على (كو1: 18)، ص 63.

[33] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، عظات على إنجيل متى ج4، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 2008)، عظة ٨٢: ٥، ص 142.

[34] المرجع السابق، ص 142، 143.

[35] المرجع السابق، ص 143.

[36] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس ج2، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة ٢٤: ٢، ص 96.

[37] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير رسالة رومية 6: 6.

[38] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١: ٩، تعليق على (يو ١: ١٤)، ص 133.

[39] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير انجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١٠: ٢، تعليق على (يو15: 1)، ص 259.

[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 3: 6، تعليق على (يو6: 35)، ص 370.

[41] الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، إعداد: القمص إيسيذوروس البراموسي، مراجعة وتقديم: الأنبا متاؤس، (القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، ١٩٩٤)، ص ٣٤٣.

[42] المرجع السابق، ص ٢٥٧، ٢٥٨.

[43] المرجع السابق، ص ٢٥٠.

[44] المرجع السابق، ص ٢٤٤.

[45] المرجع السابق، ص ٢٥٩.

[46] المرجع السابق، ص ١٩٥.

[47] ترتيب أسبوع الآلام بحسب طقس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إعداد ونشر مجموعة من المتخصصين في طقوس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال، (القاهرة: مؤسسة مينا للطباعة، ١٩٩٤)، ص ٦٨٧.

[48] إبصاليات وطروحات الأعياد السيدية والمواسم الكنسية، تقديم: الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، (وادي النطرون: دير السريان، 2003)، ص 575.

[49] صلوات الخدمات في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، (القاهرة: مكتبة المحبة، ١٩٧١)، ص ٥٦.

[50] المرجع السابق، ص ٦٩.

[51] المرجع السابق، ص ٢٤.

[52] إيسيذوروس البراموسي (قمص)، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة وتقديم: نيافة الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، (القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، ١٩٩٤)، ص ٢٦٤.

[53] المرجع السابق، ص ٢٥١.

[54] المرجع السابق، ص ٢٤٢.

[55] المرجع السابق، ص ٢٤٠، ٢٤١.

[56] المرجع السابق، ص ٢١٩.

[57] ترتيب أسبوع الآلام بحسب طقس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إعداد: مجموعة من الدارسين والباحثين في الطقوس القبطية، تقديم ومراجعة: القس غبريال، (القاهرة: مؤسسة مينا للطباعة، ١٩٩٤)، ص ٦٨٤.

[58] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد و د. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 4، ص 41.

[59] المرجع السابق، 1: 20، ص 77.

[60] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته -مقالاته لطالبي العماد- الأسرار)، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2006) 16: 26، ص 244.

[61] غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، عظة عيد الخمسين، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2012)، 36: 11، ص 51.

[62] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، عظات على سفر أعمال الرسل، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: دار المحبة، 2011)، العظة الرابعة، ص 67، 68.

[63] المرجع السابق، ص 65.

[64] ديديموس الضرير (علامة)، الروح القدس، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2015)، 3: 106-109، ص 71، 72.

[65] المرجع السابق، 3: 80، ص 64.

[66] إبيفانيوس أسقف سلاميس (قديس)، أنكوراتوس (المثبت بالمرساة)، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، (البحر الأحمر: دير الأنبا أنطونيوس، 2018)، 72: 7، 8، ص 322.

[67] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار السابع، ص 350.

[68] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة ٣٤: ٥٠، ص 578.

[69] المرجع السابق، مقالة ٣٤: ٥٥، ص 580.

[70] المرجع السابق، مقالة 34: 56، ص 581.

[71] كيرلس الإسكندري (قديس)، ضد تجاديف نسطور، مقالة 3: 2.

[72] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار السابع، ص 353-355.

 

الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الكتاب المقدس والمخطوطات ج2 – الأنبا ابيفانيوس

الكتاب المقدس والمخطوطات ج2 – الأنبا ابيفانيوس

الكتاب المقدس والمخطوطات ج2 – الأنبا ابيفانيوس

 

ترقيم آيات العهد الجديد

في منتصف القرن السادس عشر قام الناشر الفرنسي روبير إتيان Robert Etienne، والمشهور باسم استفانوس Stephanus حسب النطق اللاتيني،لاسمه بإصدار طبعتين من العهد الجديد باللغة اليونانية حسب النص البيزنطي، ثم في عام ١٥٥٠ أصدر في باريس الطبعة الثالثة، والمعروفة باسم editio Regia أي الطبعة الملكية وهي طبعة غاية في الأناقة، علاوة على أنها أول طبعة للعهد الجديد باللغة اليونانية التي تحتوي على حواشي نقدية للنص critical apparatus إذ في الجانب الداخلي من الصفحات وضع استفانوس القراءات المختلفة للنص مقارنة مع أربعة عشر مخطوط يوناني للعهد الجديد (جميعها تقريبًا من العصور الوسطى، وأيضًا مع طبعة سابقة تسمى Complutensian polyglot قام بنشرها جامعة Complutenso بمدريد كما سبق وذكرنا)، وهي تحوي أول نص يوناني مطبوع مع النص اللاتيني. ثم انتقل استفانوس من باريس إلى جنيف وأصدر الطبعة الرابعة عام ١٥٥١ والتي تضمنت نصين للعهد الجديد باللغة اللاتينية على جانبي النص اليوناني، وهما نص الفولجاتا ونص إرازموس، ولأول مرة يتم تقسيم نص العهد الجديد إلى آيات مرقمة. ويرى العلماء أن السبب وراء بعض الأخطاء في تقسيم الآيات نشأ من أن إرازموس كان يقوم بعمله أثناء سفره على ظهر مركبة تجرها الخيول وربما أثناء المطبات في الطريق كان القلم يضع علامة في مكان خطأ غير مقصود وتم تنفيذه أثناء الطباعة، انظر مثلًا آية ثمار الروح القدس في غلاطية ٥ ٢٢ ٢٣): وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ مَحَبَّهُ فَرَحْ سَلامٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْف صَلاحٌ، إِيمَانُ. وَدَاعَةُ تَعَفُفُ. ضِدَّ أَمْثَالِ هَذِهِ لَيْسَ نَامُوسُ.

 

النص اليوناني المحقق:

وفي أثناء القرن العشرين، وبعد اكتشاف العديد من مخطوطات العهد الجديد التي يرجع تاريخها إلى عصر أقدم من كافة المخطوطات التي كانت بحوزة العلماء قبل ذلك، خاصة بعد اكتشافات برديات العهد الجديد التي لم تكن معروفة على الإطلاق قبل ذلك، توفر لدى العلماء الفرصة لنشر طبعات للعهد الجديد تكاد تكون طبق الأصل للنصوص الأصلية للعهد الجديد. وقد تبنت جمعيات الكتاب المقدس الآن النص الذي نشره العالمان نسله Eberhard et Erwin Nestle، والذي رجعا فيه لكافة البرديات والمخطوطات القديمة، علاوة على مقارنة النص بالترجمات القديمة خاصة القبطية واللاتينية والسريانية والجيورجية والأرمينية والأثيوبية، وأيضًا بالمقارنة باقتباسات آباء الكنيسة من نصوص الكتاب المقدس. وقد صدرت الطبعة السابعة والعشرون عام ١٩٩٤، وصارت تعرف باسم نسله وآلاند Nestle-Aland بعد أن انضم مجموعة من العلماء لمراجعة النص بصفة دورية. [3]

وصدر النص نفسه بواسطة جمعيات الكتاب المقدس في نشرتها الرابعة (الطبعة السابعة عشر) عام ٢٠١٣.[4]

 

 

قوانين يوسابيوس، أو قوانين يوسابيوس وأمونيوس:

إن كان استفانوس هو أول من وضع نظامًا لتقسيم النص إلى الأصحاحات والآيات المعروفة الآن، ووضع أرقامًا لها، فإن أول من وضع نظامًا لترقيم فقرات أو جمل الأناجيل هو أمونيوس الإسكندري، معلم العلامة أوريجانوس، وأحد علماء مدرسة الإسكندرية حوالي سنة .٢٢٠م. فقد قسم الأربعة أناجيل إلى ١١٦٥ جزءًا، منها ٣٥٥ في إنجيل متى و ٢٣٥ في إنجيل مرقس و ٣٤٣ في إنجيل لوقا و٢٣٢ في إنجيل يوحنا.

 

وأول من استخدم هذا الترقيم للمقارنة بين الأجزاء المتشابهة في الأناجيل الأربعة هو يوسابيوس القيصري، أبو التاريخ الكنسي (٢٦٥_٣٣٩م). وقد وضع هذه المقارنة في عشرة قوانين أي جداول، القانون الأول فيه ما هو مشترك بين الأربعة أناجيل، والثاني والثالث والرابع فيهم ما هو مشترك بين ثلاثة أناجيل فقط، والخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع فيهم ما هو مشترك بين إنجيلين فقط، والعاشر فيه ما ينفرد به كل إنجيل.

 

وفي القرن الثالث عشر قام أحد أولاد العسال، هو الأسعد أبو الفرج هبة الله بن العسال بترجمة هذه الجداول إلى اللغة العربية وألحقها بالترجمة العربية للأربعة أناجيل التي أعدها.[5]

أهمية معرفة هذا التقسيم أن مخطوطات الكتاب المقدس والمخطوطات الليتورجية تستخدم هذا التقسيم القديم في إيراد قراءات القطمارس والصلوات الكنسية المختلفة.

 

 

 

الترجمة القبطية

من هذه المقدمة عن كيفية وصول نص العهد الجديد إلينا، يتضح مدی، أهمية الترجمة القبطية بلهجاتها المختلفة، إذ أنها من أكثر النصوص أمانة للنص الإسكندري المعتبر أكثر النصوص دقة، وللأسف لم تحظ الترجمات القبطية بأي اهتمام من ناحيتنا. فربما لا يوجد دراسة جادة لهذا النص، سوى الترجمة التي قامت بها لجنة قبطية بإشراف الأرشيدياكون حبيب جرجس عام ١٩٣٤-١٩٣٥ للأناجيل الأربعة اللهجة البحيرية [6]، ولم تقم أي محاولة أخرى لدراسة كافة المخطوطات القبطية بلهجاتها المختلفة في كنيستنا. ولأهمية هذه المحاولة ينبغي أن نلقي نظرة عليها.

 

تقول اللجنة التي قامت بهذه الدراسة:

حمدًا لمن فدانا بدم ابنه الكريم. وهدانا بتعاليم إنجيله إلى الطريق القويم أما بعد. فقد أظهر الكثيرون رغبة لا سيما الأقباط في الحصول على الكتاب المقدس باللغة القبطية، مع ترجمته ترجمة عربية صحيحة تتفق مع النص القبطي، الذي عُرف بدقته وضبطه، فقد نُقل عن اليونانية في القرن الثاني المسيحي إبان ازدهار اللغتين اليونانية والقبطية في هذه البلاد. وقد أتقن

التكلم بها معظم الأهلين في جو خال من الآراء المذهبية، التي كانت فيما بعد عاملًا كبيرًا في تشتت أفكار المترجمين حتى أنك لترى بعض المترجمين يكاد يكون مفسرًا أكثر منه مترجما، إذ تأثر بالآراء المذهبية فأخذ يعزز رأيه الخاص. لذلك رأينا لزاما علينا أن نحقق الآمال التي تجيش في صدور الكثيرين من المحققين والعلماء، بإخراج هذه الكنوز الدفينة، وأردفناها بترجمة عربية صحيحة تتمشى مع روح اللغة القبطية الرشيدة. وقد بدأنا درس هذا المشروع الجليل في سنة ١٦٣٨ش ١٩٢٢م فضبطنا بعض الفصول وقيدنا شواردها مستعينين على ذلك بعدة نسخ خطية ومطبوعة. وقد أصدرنا آنئذ زهاء اثنين وعشرين أصحاحًا من بشارة القديس متى. ونظرًا لظروف مالية ملحة أوقفنا العمل مؤقتاً ثم أُصبنا بانتقال المرحوم الأستاذ سمعان سليدس أحد أعضاء اللجنة. كما انتقل المرحوم الأستاذ الكبير صاحب العزة وهبي بك مدير المدارس القبطية الأسبق الذي كان يساعد اللجنة في مراجعة النصوص العربية.

 

وفي سنة ١٦٥٠ش ١٩٣٤م تجددت رغبات الشعب فطابقت ميولنا في إظهار هذا المشروع الخطير، فاستأنفنا العمل معتمدين على الله نستمد منه العون والارشاد للسير فيه حتى النهاية ولا يفوتنا أن نذكر مع الشكر جميع الغيورين الذين أمدونا بالمساعدة لتنفيذ هذا المشروع. غير ناسين ما لمطبعة التوفيق القبطية بمصر من الجهود في طبع هذا الجزء.

 

أما ميزات الكتاب فهي:

أولا: كثرة المراجع التي استعين بها وهي عدة نسخ خطية ومطبوعة قبطية وعربية وغيرها يرجع تاريخ بعضها إلى سنة ٩٠٠ش وقد وجدت هذه المصادر النفيسة بالدار البطريركية ودير أبي سيفين.

ثانيا: ذكر حواش تبين القراءات في شتى الترجمات.

ثالثا: ضبط الترجمة العربية بما يتفق وروح اللغة القبطية تماما مع الرجوع إلى ترجمات الأقدمين من آباء الكنيسة لا سيما الأراخنة الأفاضل أولاد العسال.

رابعا: تقسيم الأناجيل إلى فصول كبيرة وصغيرة كما وضعها الأبوان الفاضلان القديسان أمونيوس وأوسانيوس (يوسابيوس) في القرن الثالث المسيحي وأقرتها الكنيسة فالفصول الكبيرة عبارة عن أصحاحات والصغيرة عبارة عن شواهد إنجيلية اتفاق (البشيرين) تجمعها عشرة قوانين:

القانون الأول: اتفق فيه متى ومرقس ولوقا ويوحنا

القانون الثاني: اتفق فيه متى ومرقس ولوقا

القانون الثالث: اتفق فيه متى ولوقا ويوحنا

القانون الرابع: اتفق فيه متى ومرقس ويوحنا

القانون الخامس: اتفق فيه متى ولوقا

القانون السادس: اتفق فيه متى ومرقس

القانون السابع: اتفق فيه متى ويوحنا

القانون الثامن: اتفق فيه مرقس ولوقا

القانون التاسع: اتفق فيه لوقا ويوحنا

القانون العاشر: ما انفرد به کل بشیر

 

إنا نختم كلمتنا بحمد الله وشكره على ما أولانا من عون ونعم. سائلينه جلت قدرته أن يبارك على هذا المشروع وكل مشروع يعمل على نشر كلمة الخلاص

في العالم أجمع.

اللغة

رئيس اللجنة حبيب جرجس مدير المدرسة الأكليريكية، أعضاء الجمعية عزيز تادرس مدرس اللغة القبطية شنوده عبد السيد مدرس القبطية، راغب عطية مدرس الدين بالمدرسة الإكليريكية. القاهرة هاتور

سنة ١٦٥٢ش ديسمبر سنة ١٩٣٥م.

 

 

تطبيقات

من قراءات النص الإسكندري حسب المخطوط السينائي والفاتيكاني والإفرايمي:

المثال الأول:

(مر ١١: ٢٤) لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ nauBavere فَيَكُونَ لَكُمْ. هكذا يأتي نص الآية في النص البيزنطي،

KJV Mark 11:24 Therefore I say unto you, What things soever ye desire, when ye pray, believe that ye receive them, and ye shall have them.

لكنه في النص الإسكندري: فآمنوا أنكم نلتموه aBete فيكون لكم.

NAS Mark 11:24 Therefore I say to you, all things for which you pray and ask, believe that you have received them, and they shall be granted you. (Mar 11:24 New American Standard Bible)

ويؤكد هذا المعنى الترجمة القبطية الصعيدية والبحيرية

 

المثال الثاني

(يو ١٧: ۱۱-۱۲) وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ وَأَنَا آتِي إلَيْكَ أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ، حِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ فِي الْعَالَمِ كُنْتُ أَحْفَظُهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حفِظْتُهُمْ وَلَمْ يَهْلِكُ مِنْهُمْ أَحَدُ إِلا ابْنُ الهلاكِ لِيَتِمُّ الْكِتَابُ.

KJV John 17:11, 12 And now I am no more in the world, but these are in the world, and I come to thee. Holy Father, keep through thine own name those whom thou hast given me, that they may be one, as we are. While I was with them in the world, I kept them in thy name: those that thou gavest me I have kept, and none of them is lost, but the son of perdition; that the scripture might be fulfilled. (Joh 17:11, 12 KJV)

 

هكذا يأتي النص في الترجمة البيروتية نقلا عن النص المقبول، لكن حسب

النص الإسكندري، ويتبعه في ذلك الترجمات القبطية يأتي هكذا:

احفظهم في اسمك الذي أعطيتني… حين كنت معهم في العالم حفظتهم في اسمك الذي أعطيتني.

NAS John 17:11 And I am no more in the world; and yet they themselves are in the world, and I come to Thee. Holy Father, keep them in Thy name, the name which Thou hast given Me, that they may be one, even as We are.

 

NAS John 17:12 While I was with them, I was keeping them

in Thy name which Thou hast given Me; and I guarded them,

and not one of them perished but the son of perdition, that the Scripture might be fulfilled.

 

وهكذا أورد هذا النص القديس أثناسيوس في الرسالة الثالثة ضد الأريوسيين (٢٦)، والقديس كيرلس الكبير.

يقول القديس كيرلس في تفسيره لأصحاح ١٧ من إنجيل يوحنا على الآية ٦: أنا أظهرت اسمك للناس، أي أظهرت مجدك. والمقصود بالاسم هنا اسم الآب، ويقول إن اسم الآب أعظم بنوع ما من اسم الله، لأن اسم الله يشير رمزيًا إلى عظمته، أي إلى الله الخالق، أما اسم الآب فيشير إلى جوهره، أي صفته الجوهرية الأقنومية. فهو آب، إذا في هذا إشارة ضمنية أن منه الابن، وقد أعلن المسيح أنه والآب واحد فاسم الآب هنا له أهمية عظمى لنا كمسيحيين.

ثم يعلق على آية ١١: أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الذي أَعْطَيْتَنِي، هنا يتكلم عن ألوهيته بعد التجسد، فاسم الله أُعطي له، أي أنه إله من إله، وأنه حمل اسمه تعبيرًا عن وحدة الجوهر بين الآب والابن. هذا من جهة. وأيضًا فالمسيح كان يتكلم هنا كإنسان، وقد أُعطي اسم الله، أي يتكلم عن تجسده. وعندما يتكلم بلسان بشريته فهو يشير إلينا نحن الذين صار لنا شركة مع الآب والابن والروح القدس. يمكن الرجوع لتفسير القديس كيرلس على إنجيل يوحنا ١٧: ١١-١٢.

 

المثال الثالث:

( ١ يو ٣: ١) أَنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ مِنْ أَجْلِ هَذَا لَا يَعْرِفُنَا الْعَالَمُ، لأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ.

 

KJV 1 John 3:1 Behold, what manner of love the Father hath

bestowed upon us, that we should be called the sons of God: therefore the world knoweth us not, because it knew him not.

 

أما في النص الإسكندري فيأتي هكذا أنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى تُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ ونحن كذلك مِنْ أَجْلِ هذا لا يَعْرِفُنَا الْعَالَمُ، لأَنَّهُ لا يَعْرِفُهُ.

 

وإذا رجعنا للقداس الباسيلي النص اليوناني حسب مخطوط باريس، وهو النص الخاص بكنيستنا القبطية، عن مخطوط يرجع للقرن الرابع عشر من دير القديس أنبا مقار، نجد في صلاة إحناء الرأس هذا النص: يا الله الذي أحبنا هكذا وأنعم علينا بامتياز البنوة لكي ندعى أولادًا الله، بل ونحن كذلك (أو: ونحن نكون).

 

المثال الرابع:

إذا رجعنا للنص العربي البيروتي، أي ترجمة فان دايك، في سفر الأعمال نجد

هذا النص:

(أع : ٦-٣٨): وَفِيمَا هُمَا سَائِرَانِ فِي الطَّرِيقِ أَقْبَلاً عَلَى مَاءٍ فَقَالَ الْخَصِيُّ: “هُوَذَا مَاءً مَاذَا يَمْنَعُ أَنْ أَعْتَمِدَ؟. فَقَالَ فِيلُبُسُ: ” إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ يَجُورُ. فَأَجَابَ: “أَنَا أُومِنُ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ. فَأَمَرَ أَنْ تَقِفَ الْمَرْكَبَةُ فَنَزَلاَ كِلاَهُمَا إِلَى الْمَاءِ فِيلُبُسُ وَالْخَصِيُّ فَعَمَّدَهُ.

وهكذا أيضًا في الترجمات الإنجليزية:

36 And as they went on their way, they came unto a certain water: and the eunuch said, See, here is water; what doth hinder me to be baptized?

37 And Philip said, If thou believest with all thine heart, thou mayest. And he answered and said, I believe that Jesus Christ is the Son of God.

38 And he commanded the chariot to stand still: and they went down both into the water, both Philip and the eunuch; and he baptized him. (Act 8:36-38 KJV)

 

الآية ۳۷ هي إضافة غربية، وليس لها مقابل في كافة المخطوطات اليونانية القديمة أو في البرديات وليس هناك من داع أن يحذفها النساخ إن كانت آية أصلية في النص اليوناني الأصلي. كما أنت تعبير ليس من خصائص أسلوب القديس لوقا سواء في الإنجيل أو في سفر الأعمال.

 

السؤال: هل تؤمن من كل قلبك أن يسوع المسيح هو ابن الله؟ بدون شك هو صيغة ليتورجية كانت تُطرح على المعمدين الجدد في الكنيسة الأولى. وواضح أنها كانت مضافة في هامش إحدى المخطوطات التي كانت تستعمل في قراءات سر المعمودية. وبالرغم من عدم وجودها في نص المخطوطات التي اعتمد عليها إرازموس في إعداد نسخته للطباعة، لكنها كانت موجودة في هامش أحد المخطوطات التي كانت بحوذته، فقد أضافها بنفسه إلى النص الأصلي معتقدًا أنها سقطت من الناسخ في النص الأصلي. طبعا ليس لهذه الآية مقابل في القبطي البحيري أو الصعيدي.

 

المثال الخامس:

عندما قام إراز موس بطباعة الكتاب المقدس في بازل عام ١٥١٦ قام بترجمة بعض الكلمات عن النسخة اللاتينية إلى اليونانية وقام بإضافتها في النسخة المطبوعة، وهي كلمات ليس لها مقابل في النصوص اليونانية القديمة. ثم تم ترجمتها إلى الإنجليزية في ترجمة الملك جيمس، ومنها للترجمة البيروتية فاندايك وهي الترجمة التي انتشرت في مصر. ومن أشهر الأمثلة:

(أع9: 5) فَسَأَلَهُ: “مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟ فَقَالَ الرَّبُّ: “أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. صَعْبُ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ“.

(أع9: 6) فَسَأَلَ وَهُوَ مُرْتَعِدُ وَمُتَحَيَّرُ: يَا رَبُّ مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟” فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: “قُم وَادْخُلِ الْمَدِينَةَ فَيُقَالَ لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ“.

 

 

Acts 9:5 And he said, Who art thou, Lord? And the Lord said, I am Jesus whom thou persecutest: it is hard for thee to kick against the pricks.

KJV Acts 9:6 And he trembling and astonished said, Lord, what wilt thou have me to do? And the Lord said unto him, Arise, and go into the city, and it shall be told thee what thou must do.

 

لكن النصوص اليونانية والترجمات القبطية تأتي هكذا:

NAS Acts 9:5 And he said, “Who art Thou, Lord?” And He said, “I am Jesus whom you are persecuting, (Act 9:5 NAS)

 

Acts 9:6 but rise, and enter the city, and it shall be told you what you must do. (Act 9:6 NAS)

 

NAS Acts 9:5 And he said, “Who art Thou, Lord?” And He said, “I am Jesus whom you are persecuting”.

 

السؤال الذي طرحه بولس الرسول بعد ظهور الرب به: فَسَأَلَ وَهُوَ مُرْتَعِدُ وَمُتَحَيّرُ: يَا رَبُّ مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟ هذه العبارة غير موجودة في أي مخطوط يوناني، وهي منقولة عن أع :۱۰:۲۲: فَقُلْتُ: مَاذَا أَفْعَلُ يَا رَبُّ؟. والعبارة الثانية منقولة من أع ٢٦: ١٤: فَلَمَّا سَقَطْنَا جَمِيعُنَا عَلَى الْأَرْضِ سَمِعْتُ صَوْتًا يُكَلِّمُنِي باللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ: شَاوُلُ شَاوُلُ لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ صَعْبُ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ (أع ٢٦: ١٤). وهكذا دخلت هذه الكلمات في النص المقبول ومنه لترجمة الملك جيمس ثم للترجمة العربية.

 

 

المثال السادس:

كَمَا هُوَ مَكْتُوبُ فِي الأَنْبِيَاءِ: “هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاكِي، الَّذِي يُهَيِّئُ

طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ.

KJV Mark 1:2 As it is written in the prophets, Behold, I send my messenger before thy face, which shall prepare thy way before thee.

 

نلاحظ هنا خطأ من النساخ الذين أرادوا تصحيح المعلومة، فقد أورد القديس مرقس نبوءتين، الأولى من سفر ملاخي (۳: ۱)، والثانية من سفر إشعياء (٣:٤٠).

NAS Mark 1:2 As it is written in Isaiah the prophet, “Behold,

I send My messenger before Your face, Who will prepare Your way;

 

المزيد من الاطلاع:

Kurt Aland, Matthew Black, The Greek New Testament,

fourth revised edition, Deutsche Bibelgesellschaft, United Bible Societies, 2013.

نص العهد الجديد باللغة اليونانية، مع حواشي سفلية بالقراءات المختلفة، عناوين للفقرات وشواهد للنص، مع قاموس يوناني إنجليزي في نهاية الكتاب، يباع في دار الكتاب المقدس.

Nestle-Aland, Novum Testamentum Graece, Deutsche Bibelgesellschaft, 27 revidierte Auflage, 1994.

نص العهد الجديد باللغة اليونانية مع حواشي سفلية بالمخطوطات

،المختلفة، شواهد للنص، مع ملحق بالمخطوطات المختلفة ومحتوياتها.

Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on Greek New Testament, A companion volume to the United Bible Societies’ Greek New Testament, United Bible Societies, third edition 1971.

يحوي شرحا وافيًا للحواشي الموجودة في طبعة الكتاب المقدس اليونانية، المذكورة أعلاه، مع لمحة عن تاريخ نص العهد الجديد اليوناني وكيف وصل إلينا

Bruce M. Metzger, The Text of the New Testament, Its

 

 

Transmission, Corruption, and Restoration, second edition, Oxford at the Clarendon Press, 1968.

 

يحوي دارسة تاريخية شاملة عن نص الكتاب المقدس العهد الجديد وكيف وصل إلينا، وهو متوفر على شبكة الإنترنت

Reference Charts for New Testament Textual Criticism, Roy E. Ciampa 2002.

 

يحوي جداول لجميع الاختصارات المستعملة في طبعات الكتاب المقدس المذكورة أعلاه مع ثبت بكافة المخطوطات والبرديات ومحتوياتها، متوفر على شبكة الإنترنت.

 

The Encyclopedia of New Testament Textual Criticism, Conceived by Elliott of Simon Greenleaf University, 2003.

موسوعة ألفابائية شاملة متوفرة على شبكة الإنترنت.

 

يمكن البحث عن هذا العنوان Textual Criticism في أي قاموس

للكتاب المقدس باللغات الأوربية مثل:

The Anchor Yale Bible Dictionary, vol. 6.

The Interpreter’s Dictionary of the Bible, vol. 4.

The International Standard Bible Encyclopedia, vol. 4.

 

Bible Works برنامج هام جدا متوفر على الكمبيوتر يحوي مقارنات بين النصوص في لغاتها الأصلية وترجماتها المختلفة.

 

[3] Nestle-Aland, Novum Testamentum Graece, Deutsche Bibelgesellschaft, 1994.

[4] Kurt Aland et al, The Greek New Testament, fourth revised edition, Deutsche Bibelgesellschaft, United Bible Societies, 2013.

[5] الأناجيل الأربعة، ترجمة الأسعد أبو الفرج هبة الله بن العسال (١٢٥٣م)، تحقيق وتقديم د. صموئيل قزمان معوض، مدرسة الإسكندرية ٢٠١٤م.

[6] الكتاب المقدس، العهد الجديد الجزء الأول البشائر الأربع. طبع في عهد قداسة البابا المعظم الأنبا يوأنس التاسع عشر بابا الكرازة المرقسية. ١٩٣٥. مطبعة التوفيق القبطية بالقاهرة.

الكتاب المقدس والمخطوطات ج2 – الأنبا ابيفانيوس

الكتاب المقدس والمخطوطات ج1 – الأنبا ابيفانيوس

الكتاب المقدس والمخطوطات ج1 – الأنبا ابيفانيوس

الكتاب المقدس والمخطوطات ج1 – الأنبا ابيفانيوس

 

دراسات كتابية للمتنيح الأنبا إبيفانيوس

الكتاب المقدس والمخطوطات [1]

 

لمحة تاريخية عن نص العهد الجديد وكيف وصل إلينا

أسباب الاختلافات بين النسخ المختلفة

أولًا: أخطاء غير مقصودة: ثانيا: أخطاء مقصودة

ثالثا: أخطاء بسبب الترجمات

 

النص المحلي Local Text

تأثير النصوص المحلية على بعضها أهم مخطوطات العهد الجديد

أولا : البرديات:

ثانيا: المخطوطات ذات الأحرف الكبيرة Uncial Manuscripts

ثالثًا: المخطوطات ذات الأحرف الصغيرة Minuscule Manuscripts

رابعًا: كتب القراءات الكنيسة Lectionaries

خامسًا: الترجمات Versions

سادسًا: اقتباسات الآباء Quotations

 

نصوص أو أنماط النص المحلي

أولا: النص الإسكندري The Alexandrian Text

ثانيًا: النص الغربي Western Text

ثالثًا: النص القيصري The Caesarean Text

رابعا: النص البيزنطي The Byzantine Text

 

عصر الطباعة

ترقيم آيات العهد الجديد

النص اليوناني المحقق

قوانين يوسابيوس، أو قوانين يوسابيوس وأمونيوس

الترجمة القبطية

 

تطبيقات

من قراءات النص الإسكندري حسب المخطوط السينائي والفاتيكاني والإفرايمي

 

 

الكتاب المقدس والمخطوطات

مقدمة

سنتكلم اليوم عن المخطوطات والكتاب المقدس، أو كيف وصل إلينا الكتاب المقدس المطبوع بين أيدينا الآن. لذلك لن يكون موضوعنا هو الوحي الإلهي أو كيف كُتب نص الكتاب المقدس، لكن كيف وصلت إلينا المخطوطات المكتوب عليها نصوص الكتاب المقدس، خاصة العهد الجديد. [2]

لمحة تاريخية عن نص العهد الجديد وكيف وصل إلينا

في الأيام الأولى لبدء انتشار المسيحية، وبعد أن أرسل الآباء الرسل الرسائل للكنائس المختلفة، وبعد أن تم كتابة الأناجيل المقدسة، بدأ المؤمنون أو الكنائس الأولى بنسخ هذه الرسائل والأناجيل للاستفادة منها، ومن أجل استعمالها في صلواتهم الليتورجية. وبالرغم من الجهود الكبيرة التي قام بها آباء الكنيسة للحفاظ على النص المقدس، والدقة الشديدة التي مارسها النساخ لنقل النص بكل أمانة، فمما لا شك فيه كان هناك بعض الاختلافات الطفيفة بين النسخ المختلفة المنقولة عن النصوص الأصلية.

 

يُعرف نص العهد الجديد باللغة اليونانية، سواء النص الكامل أو أجزاء منه، في حوالي ٥٤٠٠ مخطوط، علاوة على أكثر من عشرة آلاف مخطوط تحوي الترجمات الأولى للنص، والآلاف من الاقتباسات في كتابات آباء الكنيسة. وبالرغم من وجود بعض الاختلافات في النص بين المخطوطات، سواء اختلافات إملائية أو نحوية أو غيرها، فإن هذه التباينات في مجملها لا تؤثر على الإطلاق في العقيدة المسيحية.

أسباب الاختلافات بين النسخ المختلفة

 

 

أولًا: أخطاء غير مقصودة: السبب الأول في القراءات المختلفة التي تقابلنا في نسخ الكتاب المقدس، أن هناك أخطاء شائعة في النساخة، وكثير من الرهبان في الأديرة مارسها أثناء نساخة كتابات آباء الرهبنة، مثل ميامر مار إسحق أو سلم الدرجي أو بستان الرهبان معظم هذه الاختلافات نشأت عن أخطاء غير مقصودة أخطاء العين مثل الخطأ في كتابة حرف أو كلمة مكان حرف وكلمة أخرى مشابه لها، وهناك خطأ شائع عندما يكون هناك سطران في المخطوط ينتهيان أو يبدآن بنفس الحروف، فإن العين تخطئ أحيانًا وتقفز من سطر إلى سطر فتفقد سطرًا كاملًا في النساخة، أو أحيانًا عندما يكون هناك كلمة مكررة في نفس السطر فتقفز العين للكلمة الثانية فتسقط بعض الكلمات في النساخة (هذا الخطأ يُسمى homoeoarton إن كان في أول السطر، أو homoeoteleuton إن كان في آخر السطر).

وأحيانًا يحدث العكس أن يرجع الناسخ مرة أخرى ويكرر كلمة أو بعض الأحرف (وهذا الخطأ يُسمى dittography).

أخطاء الأذن: نوع آخر من أخطاء النساخة تنشأ عندما يكتب النساخ اعتمادًا على إملاء شخص آخر لهم النص، فكان الخطأ ينشأ عندما يكون هناك أحرف متشابهة في النطق، خاصة في الحروف المتحركة (مثل الضمير أنتم ونحن في اليونانية)، فكان يختلط أحيانًا على الناسخ ويكتب الكلمة التي فهمها (هذا الخطأ يُسمى itacism).

هذه الأخطاء غير المقصودة والتي من الممكن حدوثها تنشأ عادة عند نساخة جمل طويلة أو بسبب الإجهاد في النساخة أو بسبب ضعف النظر أو نتيجة مقاطعة الناسخ أثناء عمله.

 

ثانيًا: أخطاء مقصودة: قد تنشأ بعض الاختلافات في النساخة عندما يحاول الناسخ أن يصحح ما يراه من وجهة نظره خطأ في القواعد أو صعوبة في الأسلوب، أو عندما يحاول أن يزيل غموضًا في المعنى. وأحيانًا يحاول أن يضيف كلمة أو يستبدل كلمة بأخرى اعتمادًا على نص مواز معروف ومع مرور الوقت تتراكم مثل هذه الاختلافات خاصة لو اعتمد النساخ على مثل هذه النسخ الحادث بها مثل هذه التغييرات.

 

ثالثًا: أخطاء بسبب الترجمات وهناك سبب آخر للتباين بين بعض النسخ وذلك عندما بدأت عملية ترجمة العهد الجديد عن اليونانية إلى لغات أخرى. ففي غضون القرنين الثاني والثالث الميلاديين، وبعد انتشار المسيحية في سوريا، وشمال أفريقيا، وإيطاليا، ومصر بوجهيها القبلي والبحري، ظهرت الحاجة لترجمة الكتاب المقدس للغة هذه البلاد. وهكذا ظهرت الترجمات إلى السريانية واللاتينية والقبطية بلهجاتها المختلفة. وتبعها في القرن الرابع وما بعده الترجمة للغات الأرمينية والجيورجية والأثيوبية والعربية والنوبية في الشرق، وإلى الغوية (Gothic) وبعدها اللغات الأنجلو سكسونية في الغرب.

 

وكانت دقة الترجمة لهذه اللغات تعتمد على عاملين هامين: أولا إجادة المترجم للغة اليونانية وأيضًا للغة التي سيترجم إليها. ثانيًا درجة الدقة التي يتبعها المترجم وأمانته في الترجمة ولا نعجب إذا ظهر هناك اختلاف بين النسخ المترجمة، خاصة عندما حاول أكثر من شخص الترجمة إلى لغة ما، ومدى دقة كل منهم، ومدى فهمهم للنص اليوناني، وظهر التباين أكثر بعدما تم نساخة هذه

الترجمات بواسطة بعض النساخ ومدى تدقيق هؤلاء النساخ

 

النص المحلي Local Text

وبعد ازدياد عدد الترجمات وعدد النساخ، بدأ تدريجيًا في ظهور ما يعرف باسم النص المحلي Local texts للعهد الجديد. فمع ظهور تجمعات مسيحية حول المدن الكبيرة مثل الإسكندرية وأنطاكية والقسطنطينية وقرطاجنة وروما، بدأت الحاجة لإنتاج نسخ كثيرة من الكتاب المقدس لاستعمال هذه الكنائس تعتمد على النص المتداول في تلك المناطق. ومع ازدياد عدد النسخ، تأكدت بعض الاختلافات الطفيفة الموجودة في النص المتداول في كل جماعة مسيحية، كما زاد بالطبع الاختلافات الطفيفة الناتجة عن أخطاء النساخة. والآن يمكننا تتبع النسخ الخاصة للعهد الجديد التي كانت متوافرة في كل كنيسة في تلك الأزمنة، وذلك بمقارنتها بالاقتباسات التي قام بها آباء الكنيسة الذين عاشوا في تلك المناطق الكنسية أو بالقرب منها.

تأثير النصوص المحلية على بعضها ومع مرور الوقت بدأ يحدث بعض التأثير من النصوص الخاصة بالكنائس، أو ما يُعرف باسم النص المحلي، على النصوص المتداولة في المناطق الأخرى. فمثلا إذا انتقل نص أحد الأناجيل من كنيسة الإسكندرية إلى كنيسة روما، بلا شك فإن هذا النص سوف يكون له تأثير على النص المتداول في كنيسة روما. ومن هنا ظهرت بعض الكتب المنسوخة التي تجمع بين تقاليد كنائس مختلفة. وسنذكر لاحقا أهم الأنماط أو النصوص المحلية التي ظهرت في الكنيسة الأولى. لكننا سنعطي هنا معلومات سريعة عن أهم مخطوطات العهد الجديد.

 

 

أهم مخطوطات العهد الجديد

أولا: البرديات

عددها حوالي ١١٤ بردية، ويعود تاريخ معظمها من القرن الثاني وحتى الرابع ويُرمز لها بالحرف P بحسب الرسم الإنجليزي القديم (غوطي) بجواره رقم عربي ( p 1, p 2, p). ولم تكتشف البرديات إلا في بدايات القرن العشرين، وأشهرها مجموعتان

 

  1. مجموعة تشستر بيتي Chester Beatty وقد حصل عليها عام ١٩٣٠، وهي تضم ١١ بردية سبعة لنصوص من العهد القديم، وثلاثة للعهد الجديد والأخيرة تضم جزءا من سفر أخنوخ حصل بيتي على هذه البرديات من بائع للعاديات في القاهرة، وكانت أصلا مخبأة في إناء فخاري في منطقة أفردتوبولس (أطفيح) أو من منطقة الفيوم والبرديات موزعة الآن بين جامعات دبلن (أيرلندا) ومتشجن وفيينا، وتضم برديات العهد الجديد الآتي:

أ. بردية ٤٥ (45 p) عبارة عن ثلاثين ورقة، وتحوي أجزاء من الأناجيل والأعمال، وتعود للقرن الثالث.

ب. بردية ٤٦ (46 p) وهي ٨٦ ورقة وتحوي معظم رسائل بولس الرسول، وتعود للقرن الثالث.

ج. بردية (٤٧ ) وتحوي سفر الرؤيا، وترجع للقرن الثالث.

 

  1. مجموعة مكتبة،بودمر وهي من مقتنيات Martin Bodmer

بسويسرا، وتضم:

 

أ. بردية ٥٢ (52 p) أقدم بردية وهي قصاصة صغيرة تحوي جزءًا صغيرًا من إنجيل يوحنا ۱۸: ۳۱-۳۳ ۳۷-۳۸، وتعود لأوائل القرن الثاني، وتُعرف باسم بردية جون ريلاندز John Rylands.

ب. بردية ٦٦ (66) p) وهي ١٠٤، ورقة، وتحوي إنجيل يوحنا، وتعود لحوالي سنة ٢٠٠ م.

ج. بردية ٧٢ (72p ) وتحوي رسالة يهوذا ورسالتي بطرس، من القرن

الثالث.

د. بردية ۷۳ (73 p) وتحوي جزءًا صغيرًا من إنجيل متى.

هـ. بردية (74 p) وتتكون من ٢٦٤ ورقة، وتحوي سفر الأعمال ورسائل الكاثوليكون، وتعود للقرن السابع.

وبردية ٧٥ (75) وتتكون من ۱۰۲ ورقة، وتحوي إنجيلي لوقا ويوحنا، وتعود للفترة من ١٧٥ – ٢٢٥م. ويأتي نص الآية يو ١٠: ٧: أنا هو راعي الخراف، بدلًا من أنا هو باب الخراف، وهي بذلك أقدم شهادة للترجمة القبطية الصعيدية لهذا النص. كما أنه في لو ١٦: ١٩ في مثل الغني ولعازر، يأتي اسم الغني Neons وهكذا يأتي في القبطي الصعيدي اسمه نينوى.

 

ثانيا: المخطوطات ذات الأحرف الكبيرة Uncial Manuscripts

حوالي ۳۰۰ مخطوطة، ويُرمز لها بحرف أبجدي كبير أو برقم عربي يسبقه صفر (05,012,A,B). ومن أهم هذه المخطوطات:

 

  1. المخطوط السينائي (א)، في عام ١٨٤٤ أتي تيشندورف Constantin von Tiscendorf، وكان عمره وقتها ثلاثين عامًا، لمنطقة الشرق الأوسط للبحث عن مخطوطات للكتاب المقدس، فزار دير سانت كاترين في سيناء، وتصادف أن عثر على سلة مملوءة بالأوراق، ولما سأل عنها قالوا لها إنها معدة للحريق، وسبق أن تم حرق سلتين في اليوم السابق. فاكتشف بها ٤٣ ورقة لنص يوناني للسبعينية تحوي أجزاء من أخبار الأول وإرميا ونحميا وأستير، فحملهم إلى مكتبة جامعة ليبزج. وفي عام ١٨٤٦ قام بنشر هذه الأوراق تحت اسم Codex Frederico-Augustanus على اسم ملك سكسونيا. وفي عام ١٨٥٣ زار الدير مرة أخرى فلم يمكنه الرهبان من رؤية شيء. فعاد مرة أخرى عام ١٨٥٩ تحت رعاية قيصر روسيا ألكسندر الثاني، فلم يتمكن أيضًا من العثور على شيء، ولما أهدى وكيل الدير نسخة من السبعينية كان قد نشرها حديثًا في ليبزج، أخبره أن عنده في دولاب في قلايته مخطوط يحوي نصا مشابها لذلك الكتاب. وكانت المفاجأة أن عثر على المخطوط الذي بات يُعرف باسم المخطوط السينائي. وهو مخطوط على الرق من القرن الرابع الميلادي يحوي العهدين القديم والجديد باليونانية بالإضافة لرسالة برنابا، والتي لم تكن تعرف إلا في ترجمة لاتينية ركيكة، وأيضًا كتاب الراعي لهرماس والذي لم يكن يعرف سوى اسمه فقط، والنص مكتوب على هيئة أربعة أعمدة حاول شراء المخطوط فلم يفلح، فأتى إلى القاهرة وبمعاونة رئيس الدير أخذ الموافقة على نسخ المخطوط، بشرط أن يُسمح له بالاطلاع على ملزمة واحدة في كل مرة، أي على ثماني ورقات فقط. فأتم النساخة بمعاونة اثنين من الألمان كانا يعملان في القاهرة وعلى دراية ببعض اللغة اليونانية تمكن من نسخ المخطوط في شهرين (١١٠٠٠٠ سطر). وبعد فترة وأثناء غياب رئيس للدير، تمت مباحثات لإهداء المخطوط لقيصر روسيا، بصفته راع للأرثوذكسية، وحتى يساعدهم في اختيار رئيس للدير، الذي أهدى للدير في المقابل تابوت فضي لرفات القديسة كاترين ومبلغا من المال. وفي عام ١٨٦٢ بمناسبة الاحتفال الألفي بتأسيس الإمبراطورية الروسية، صدرت طبعة أنيقة في ليبزج تحوي نص السبعينية، ومطبوعة على نفس شكل المخطوط. وبعد الثورة الشيوعية في روسيا تم بيع المخطوط للمتحف البريطاني الذي أصدر طبعة علمية للمخطوط عام ١٩٣٨.

 

  1. المخطوط الإسكندري (A) من القرن الخامس، يحوي العهدين القديم والجديد، كان بحوزة بطريركية الروم الأرثوذكس بالإسكندرية، ولما صار كيرلس لوكار بطريرك الروم الأرثوذكس بالإسكندرية (١٦٠١) بطريركا على القسطنطينية عام ١٦٢٠، أخذه معه، ثم أهداه للملك تشارلز الأول ملك إنجلترا عام ١٦٢٨ وهو محفوظ الآن مع المخطوط السينائي في المتحف البريطاني. تتبع الأناجيل الأربعة النص البيزنطي، أما الأعمال والرسائل فمثلها مثل المخطوط السينائي والفاتيكاني فإنها تتبع النص الإسكندري.

 

  1. المخطوط الفاتيكاني (B) من منتصف القرن الرابع، محفوظ في مكتبة الفاتيكان منذ عام ١٤٧٥، وهناك اعتقاد أنه مع المخطوط السينائي كان ضمن الخمسين مخطوطًا التي أمر الإمبراطور قسطنطين بنساختها. يحوي كلا العهدين بالإضافة للأسفار القانونية الثانية ماعدا أسفار المكابيين.

 

  1. المخطوط الإفرايمي (C) مخطوط (طرس) من القرن الخامس، تم محو النص في القرن الثاني عشر وكتابة نص ۳۸ عظ نسكية للقديس أفرام السرياني. تبقى من العهد القديم ٦٤ ورقة ومن الجديد ١٤٥. والنص يشابه النص البيزنطي.

 

  1. مخطوط بيزا (D) من القرن الخامس أو السادس، ويتميز عن باقي المخطوطات أنه يحوي النص اليوناني في الصفحة اليسرى يقابلها النص اللاتيني. يحوي المخطوط الأناجيل الأربعة والأعمال وجزء من رسالة يوحنا الثالثة. النص به زيادات غير موجودة في باقي المخطوطات. فمثلًا في إنجيل لوقا ٦، يضيف بين الآيتين ٦،٤ تلك القصة: وفي نفس اليوم رأى (يسوع) إنسانًا يعمل في يوم سبت، فقال له يا إنسان إن كنت تعلم ما أنت فاعله، فطوباك وإن كنت لا تعلم فأنت ملعون بسبب تعديك الناموس.

 

  1. مخطوط كلارومونتانوس (Codex Claromontanus (D يحوي رسائل بولس الرسول بما فيها الرسالة للعبرانيين، ويشبه مخطوط بيزا أنه من القرن السادس وبه النص اليوناني والترجمة اللاتينية.

 

ثالثًا: المخطوطات ذات الأحرف الصغيرة Minuscule Manuscripts: حوالي ٣٠٠٠ مخطوطة، ويُرمز لها برقم عربي (1225) والمخطوطات التي تحوي النص بالأحرف الصغيرة يعود تاريخها من القرن التاسع وحتى ما بعد عصر الطباعة، ولدينا منها عشرة أضعاف المخطوطات ذات الأحرف الكبيرة. ومن أمثلة هذه المخطوطات مخطوط 61 نسخ حوالي عام ١٥٢٠، إذ لما طبع إرازموس نص العهد الجديد اليوناني عام ١٥١٦ لم يتضمن آية رسالة يوحنا (١ يو ه: (۷) فرفض الفاتيكان الاعتراف بهذه الطبعة، فأخبرهم إرازموس أنه إن وجد في مخطوط واحد هذه الآية فسوف يضعها. وبعد عدة سنوات أحضروا له هذا المخطوط، وكان قد مر على نساخته أيام فقط، إذ قام راهب كاثوليكي بنساخته فاضطر لتضمين هذه الآية في طبعته الثالثة ١٥٢٢ كما سنرى فيما بعد.

 

رابعًا: كتب القراءات الكنيسة Lectionaries

وعددها حوالي ٢٠٠٠، ويُرمز لها بحرف L صغير يتبعه رقم عربي 12 (125) والمخطوطات التي تحوي القراءات الكنيسة تسمى السنكساريون Synaxarion، وهناك نصوص الجميع أسفار العهد الجديد ماعدا سفر الرؤيا.

 

 

خامسًا: الترجمات Versions

وأهمها الترجمات اللاتينية ويرمز لها بالحروف Later والترجمة السريانية Syr والترجمات القبطية ويرمز لها بالحروف sah boh cop، وهكذا.

 

سادسًا: اقتباسات الآباء Quotations

وتعتمد على النصوص المحققة لأقوال آباء ومعلمي الكنيسة. مع الوضع في الاعتبار أن كثير من اقتباسات الآباء كانت في العظات، ومعظمها كانت من الذاكرة.

 

نصوص أو أنماط النص المحلي

أولاً: النص الإسكندري The Alexandrian Text

ويسميه بعض العلماء النص المحايد The Neutral Text، هو أدق نص وأكثر النصوص أمانة للنص الأصلي للعهد الجديد. يتميز هذا النص بالإيجاز والرصانة. بمعنى أنه أقصر النصوص وأكثرها بعدا عن محاولة تنميق النص أو تجميله لغويا أو نحويًا كما هو واضح في النص البيزنطي، أو كما في النص القيصري إلى حد ما. وإلى وقت قريب كان أهم نسختين تحويان هذا النص الإسكندري هما النسخة الفاتيكانية (Codex Vaticanus (B، والنسخة السينائية ( ) Codex Sinaiticus للكتاب المقدس، وهما النصان المحفوظان في مخطوطين من الرق تعود لمنتصف القرن الرابع الميلادي. وبعد دراسة برديات بودمر Bodmer Papyr، خاصة برديتي رقم p66(وتحوي إنجيل يوحنا)، وبردية P75 (وتحوي إنجيلي لوقا ويوحنا) وهما منسوختان في نهاية القرن الثاني الميلادي تقريبًا، يتضح لنا أن النص الإسكندري يعود إلى القرن الثاني الميلادي على أقل تقدير. كما أن الترجمات القبطية الصعيدية والقبطية البحيرية تُعتبر خير من يمثل هذا النص، وهي معلومة هامة سنعود إليها فيما بعد.

 

ثانيًا: النص الغربي Western Text :

وهو النص الأكثر انتشارًا في إيطاليا وبلاد الغال (فرنسا) وشمال أفريقيا وبعض نواحي مصر، ومن الممكن تتبع أصوله أيضًا حتى القرن الثاني الميلادي. ومن الآباء والكتاب القدامى الذين اقتبسوا من هذا النص ماركيون وتاتيان وإيرينيئوس وترتليانوس وكبريانوس. وله شهادة من مصر في بردية ٣٨ P38 والتي تعود لعام ٣٠٠م ( وتحوي أعمال ۱۸ و ۱۹)، وبردية ٤٨ P48 من نهاية القرن الثالث أعمال (۲۳).

وأشهر مخطوط يمثل النص الغربي هو مخطوط بيزا Codex Bezae (D)، من القرن الخامس أو السادس الميلادي، والذي يحوي الأناجيل والأعمال؛ ومخطوط كلارومنتانوس (Codex Claro montanus (D، من القرن السادس ويحوي رسائل بولس الرسول، ومخطوط واشنطن Codex (Washingtonianus (W)، ويحوي إنجيل القديس مرقس (١: ١ – ٥ ٣٠) ويعود لنهاية القرن الرابع أو أول القرن الخامس. كذلك الترجمات اللاتينية القديمة تشهد لهذا النص الغربي، وهي تقع في ثلاث مجموعات، الأفريقية والإيطالية والأسبانية Hispanic

من أهم مميزات النص الغربي الميل إلى التفسير. فهناك كلمات وربما عبارات تم تغييرها سواء بالحذف أو الإضافة. وربما يكون الدافع وراء ذلك جعل النص أكثر سلاسة وأكثر توافقًا.

 

ثالثًا: النص القيصري The Caesarean Text

ربما يكون هذا النص قد نشأ في مصر، وتشهد بذلك بردية تشستر بيتي رقم Chester Beauty)، وهي تحوي أجزاء من أناجيل متى ولوقا ويوحنا وسفر الأعمال. ومن المحتمل أن يكون النص قد انتقل إلى قيصرية فلسطين عن طريق العلامة أوريجانوس، حيث استعمله هناك المؤرخ يوسابيوس القيصري وآخرون.

ومن قيصرية وصل إلى أورشليم حيث اقتبس منه القديس كيرلس الأورشليمي والأرمن الذين كانوا يقيمون في أورشليم في مستعمرة خاصة بهم في ذلك الوقت. وقد حمل المبشرون الأرمن النص القيصري عند تبشيرهم جيورجيا، وعنه جاءت الترجمة الجيورجية وأيضًا الترجمات اللاحقة كما نرى في المخطوطات اليونانية من القرن التاسع (6,.(Codex Koridethi

 

يعود النص القيصري لبدايات القرن الثالث الميلادي، وهو خليط من النص الإسكندري والنص الغربي. وأحيانًا تقابلنا بعض الألفاظ الجمالية كما في النص البيزنطي.

 

رابعًا: النص البيزنطي The Byzantine Text

ويسمى أحيانًا النص السرياني The Syrian Text، أو النص الكيني أي اليوناني الشائع The one Text، أو النص الكنسي The Ecclesiastical Text، أو النص الأنطاكي The Antiochian Text. وهو نص أحدث من جميع النصوص السابقة. يتميز هذا النص بالوضوح والكمال. والإطار العام الذي يميز هذا النص هو محاولة تجنب أية صعوبة في النص من الناحية اللغوية، مع التوافق مع النصوص المشابهة أو الإزائية. وربما تكون محاولة تحسين هذا النص قد تمت في أنطاكية في سوريا، ثم انتقلت إلى القسطنطينية، حيث انتشرت من هناك لجميع أنحاء الإمبراطورية البيزنطية. وأشهر مخطوط يمثلها اليوم خاصة في نص الأناجيل الأربعة فقط هو المخطوط الإسكندري Codex (Alexandrinus (A، وأيضًا المخطوطات اليونانية المتأخرة ذات الأحرف الكبيرة Uncial manuscripts، وأغلب المخطوطات اليونانية ذات الأحرف الصغيرة Minuscule manuscripts. انتشر هذا النص انتشارًا واسعًا ابتداءً من القرن السادس أو السابع الميلادي حتى وقت اختراع الطباعة (عام ١٤٥٠ – ١٤٥٦م)، وصار النص البيزنطي اليوناني يُعرف باسم: النص الرسمي The Authoritative Text

 

عصر الطباعة: بعد أن اخترع يوحنا جوتنبرج الطباعة وبدأ انتشار الكتب بطريقة أرخص وأسرع من طريقة النساخة، صار النص البيزنطي هو النص المستعمل للعهد الجديد في الطباعة. وأصبحت النسخ اليونانية التي تحوي هذا النص هي النسخ المتاحة لمن قاموا بعملية الطباعة، وبالتالي أصبح النص البيزنطي اليوناني هو النص المتاح للقارئ العادي بعد ذلك.

تم التجهيز لأول طبعة للنص اليوناني منذ عام ١٥٠٢ بواسطة الكاردينال الأول لأسبانيا فرانشسكو خيمينيس، في طبعة تحمل النص اللاتيني والعبراني والآرامي واليوناني، وذلك في مدينة Alcala والمعروفة باللاتينية Complutum لذلك عُرفت هذه الطبعة باسم Complutensian polyglot لكنها لم تظهر للنور إلا عام ١٥٢٢.

 

أما الطبعة الأولى للعهد الجديد اليوناني فقد تمت في بازل عام ١٥١٦م، وقام بإعدادها عالم الإنسانيات الهولندي إرازموس Desiderius Erasmus. وبسبب عدم توفر مخطوط يوناني كامل للعهد الجديد بأكمله لدى إرازموس، قام بتجميع النص من عدة مخطوطات. وقد استعمل مخطوطين يرجعان للقرن الثاني عشر الميلادي، أحدهما يحوي الأناجيل الأربعة، والآخر يحوي سفر الأعمال والرسائل. وهذان المخطوطان محفوظان الآن في مكتبة جامعة بازل. وقد قارنهما بمخطوطين آخرين وعمل بعض التصحيحات في النسخة التي قدمها للطباعة. أما سفر الرؤيا فلم يكن لديه غير مخطوط واحد يرجع أيضًا للقرن الثاني عشر الميلادي قام باستعارته من صديق له يُدعي Reuchlin. وكان هذا المخطوط ينقصه الورقة الأخيرة وكانت تحوي آخر ست آيات من سفر الرؤيا. فاضطر إرازموس إلى ترجمة هذه الآيات نسخة القديس جيروم اللاتينية المعروفة بالفولجاتا، أي ترجمها من اللاتينية إلى اليونانية. وكما هو متوقع، فإن نص هذه الآيات الست لا يتوافق مع أي من المخطوطات التي تحوي نص سفر الرؤيا، وما زالت تُطبع في الطبعات اليونانية المختلفة التي تحوي هذا النص، والذي صار يُعرف باسم النص المقبول Textus Receptus، أي النص المقبول أو النص المُستَلَم للعهد الجديد حتى إن أرازموس أضاف بعض العبارات من النص اللاتيني لم تكن موجودة في النص اليوناني، كما سنرى فيما بعد (انظر المثال الرابع والخامس).

 

الطبعة الثانية: بعد صدور أول طبعة يونانية للعهد الجديد، تلقاها الشعب بحفاوة، وسرعان ما نفدت وصار هناك احتياج لطبعة ثانية، وقد تمت هذه الطبعة عام ١٥١٩م، وفيها تم تصحيح بعض الأخطاء التي حدثت في الطبعة الأولى (وليس كل الأخطاء).

وأهمية الطبعة الثانية أنها النص الذي قام مارتن لوثر Martin Luther بترجمتها للألمانية عام ١٥٢٢، وأيضًا للإنجليزية بواسطة تيندال William Tyndale عام ١٥٢٥م.

 

الفاصلة اليوحناوية: لم تحظ هذه الطبعة بمباركة الفاتيكان بسبب غياب الآية المعروفة باسم الفاصلة اليوحانية ١ يوه : ٧: فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاثَةُ: الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ وَهَؤُلاَءِ الثَّلاثَةُ هُمْ وَاحِدٌ. فوعدهم إرازموس أنه إن وجد مخطوطًا واحدًا يونانيا يحوي هذه الآية فسوف يضمنها الطبعة التالية. ولم ينتظر طويلا، إذ أنه في عام ١٥٢٠ أحضروا له نسخة يونانية

من نساخة الراهب فروي Froy تحتوي هذه الآية. فعلم إرازموس أنها أعدت خصيصًا له، فقام بتضمين الآية في الطبعة التالية عام ١٥٢٢ وصرح في الهامش أنه يشك أن هذه النسخة قد تم إعدادها خصيصًا من أجل دحض مزاعمه وهكذا صارت هذه الآية ضمن رسالة يوحنا. ومنذ طباعة هذه النسخة لم يُعثر إلا على ثلاث نسخ يونانية تحوي هذه الآية من بين آلاف النسخ اليونانية، الأولى من القرن الثاني عشر 88 Greg وتحوي الآية في هامش النص ولكنها مضافة بواسطة كاتب في القرن السابع عشر والثانية من القرن السادس عشر .Tisch والثالثة مثلها من القرن السادس عشر 629 Greg. أما أقدم نص على الإطلاق به هذه الآية فهو مخطوط لاتيني من القرن الرابع الميلادي يحمل عظة اسمها Liber apologeticus منسوب للاسقف برسكليان أو الأسقف الذي يليه إنستانتيوس على أسبانيا . ثم ظهرت بعد ذلك في الهامش في نسخة كتاب مقدس باللاتينية القديمة لمخطوط من القرن الخامس، لكنها لم تظهر في الترجمة اللاتينية الفولجاتا إلا في عام ٨٠٠

 

وفي السنوات التالية صدرت طبعات كثيرة بواسطة دور نشر مختلفة ومحررين مختلفين، لكن بقي النص كما هو ولم يحاول أحد مراجعته إلا في القليل النادر، وبقي النص البيزنطي هو النص المتداول في دور الطباعة. حتى أن شخصية مثل ثيودور بيزا Theodore Beza خليفة المصلح كالفن Calvin في جنيف عندما توصل إلى نسختين يونانيتين للعهد الجديد (النص الغربي) ترجع الأولى للقرن الخامس أو السادس الميلادي (تحوي الأناجيل وسفر الأعمال)، والمعروفة الآن باسمه (05Codex Bezae (D، والثانية للقرن السادس الميلادي (تحوي الرسائل)، والمعروفة باسم Codex (06 Claromontanus (D، لم يستفد منهما إلى قليلا بسبب الاختلافات

الكثيرة التي وجدها، وبسبب شيوع النص المطبوع في ذلك الوقت.

 

لقد قام بيزا بطباعة حوالي تسع طبعات متتالية للعهد الجديد اليوناني بين سنتي ١٥٦٥ و ١٦٠٤، والطبعة العاشرة صدرت بعد وفاته عام ١٦١١. وترجع أهمية طبعات بيزا أنه ساعد على تأسيس ما يعرف بالنص المقبول Textus Receptus، حتى أن مترجمي الترجمة الإنجليزية المعتمدة أو المعروفة باسم ترجمة الملك جيمس التي صدرت عام ۱٦١١ اعتمدت أساسًا على طبعتي بيزا ١٥٨٨-

١٥٨٩ و١٥٩٨.

 

هذا النص البيزنطي كان للأسف هو الأساس تقريبًا لجميع الترجمات الحديثة التي صدرت للعهد الجديد حتى القرن التاسع عشر، ومنها بالطبع الترجمة العربية البستاني فاندايك، أو المعروفة باسم الترجمة البيروتية. وقد تمكن العلماء في القرن الثامن عشر من تجميع معلومات هائلة من مخطوطات يونانية مختلفة، وأيضًا من اقتباسات آباء ومعلمي الكنيسة. لكن، باستثناء ثلاثة أو أربعة ناشرين استطاعوا تصحيح بعض الأخطاء الواضحة في النص المقبول، إلا أن هذا النص البيزنطي كان ما يزال يُطبع المرة تلو الأخرى دون تعديل.

 

بدأ الطبعات العلمية: وفقط في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أي في عام ۱۸۳۱ تمكن عالم الأداب الكلاسيكية، الألماني الأصل، كارل لخمان Karl Lachmann من نشر النص اليوناني للعهد الجديد بعد تطبيق طرق النشر العلمية التي كان يتبعها في دراساته للآداب الكلاسيكية وفي طرق نشرها، مما شجع آخرين أن ينشروا نشرات علمية محققة بعد ذلك، خاصة الطبعة التي قام عليها العالم تيشندورف Constantin von Tochendorf، التي أضحت الطبعة الثامنة التي أصدرها عام ۱۸۶۹ – ۱۸۷۲ بمثابة مرجع تذكاري يحوي قراءات مختلفة، وأصبح ذا تأثير مباشر على الطبعة التي أصدرها عام ١٨٨١ وستكوت وهورت B. F. Westcott & F. J. Hort، وهما من أشهر علماء الكتاب المقدس بجامعة كمبردج، واعتبرت الطبعة التي أصدراها هي الأساس الذي تبنته جمعيات الكتاب المقدس United Bible Societiest بعد ذلك في نشر العهد الجديد.

 

 

[1] ألقيت هذه المحاضرة في مؤتمر الرهبان والراهبات في فبراير ٢٠١٦.

[2] راجع المخطوطات القديمة ص ٣٢.

الكتاب المقدس والمخطوطات ج1 – الأنبا ابيفانيوس

كيف نقرأ الكتاب المقدس بطريقة مبسطة وعملية – مبادئ الحياة الروحية – بيت محبة الله الزيتونPDF

كيف نقرأ الكتاب المقدس بطريقة مبسطة وعملية PDF – مبادئ الحياة الروحية – بيت محبة الله الزيتون

كيف نقرأ الكتاب المقدس بطريقة مبسطة وعملية PDF

كيف نقرأ الكتاب المقدس بطريقة مبسطة وعملية PDF – مبادئ الحياة الروحية – بيت محبة الله الزيتون

تحميل الكتاب PDF

كتاب ماذا يقول الكتاب المقدس عن المعجزات PDF – دوجلاس كونيللي

كتاب ماذا يقول الكتاب المقدس عن المعجزات PDF – دوجلاس كونيللي

كتاب ماذا يقول الكتاب المقدس عن المعجزات PDF – دوجلاس كونيللي

كتاب ماذا يقول الكتاب المقدس عن المعجزات PDF – دوجلاس كونيللي

تحميل الكتاب PDF

كتاب أعظم الرجال في الكتاب المقدس PDF د. ماكارتني

كتاب أعظم الرجال في الكتاب المقدس PDF د. ماكارتني

كتاب أعظم الرجال في الكتاب المقدس PDF د. ماكارتني

كتاب أعظم الرجال في الكتاب المقدس PDF د. ماكارتني

تحميل الكتاب PDF

أسئلة هامة عن الكتاب المقدس PDF

أسئلة هامة عن الكتاب المقدس PDF

أسئلة هامة عن الكتاب المقدس PDF

أسئلة هامة عن الكتاب المقدس PDF

تحميل الكتاب PDF

مسابقات في سفر التكوين PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

مسابقات في سفر التكوين PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

مسابقات في سفر التكوين PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

مسابقات في سفر التكوين PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

تحميل الكتاب PDF

كتاب لاهوت المشورة المسيحية PDF أكثر من مجرد عقيدة الفداء – جان أدامس (ت: سامح عزمي)

كتاب لاهوت المشورة المسيحية PDF أكثر من مجرد عقيدة الفداء – جان أدامس (ت: سامح عزمي)

كتاب لاهوت المشورة المسيحية PDF أكثر من مجرد عقيدة الفداء – جان أدامس (ت: سامح عزمي)

كتاب لاهوت المشورة المسيحية PDF أكثر من مجرد عقيدة الفداء – جان أدامس (ت: سامح عزمي)

تحميل الكتاب PDF

 

  1. تصدير
  2. مقدمة
  3. الحاجة إلى اللاهوت في المشورة.
  4. اللاهوت والمشورة.
  5. المشورة والإعلان الخاص عقيدة الكتاب المقدس.
  6. المشورة والبيئة الأساسية للإنسان عقيدة الله.
  7. اسم الله والمشورة: عقيدة الله بقية.
  8. المشورة والصلاة عقيدة الله بقية.
  9. المشورة والثالوث: عقيدة الله بقية.
  10. المشورة وحياة البشر: عقيدة الإنسان.
  11. المشورة وخطية البشر عقيدة الإنسان بقية.
  12. المشورة والعادة عقيدة الإنسان بقية.
  13. كيف تؤثر الخطية على الفكر عقيدة الإنسان بقية.
  14. أكثر من مجرد عقيدة الفداء: عقيدة الخلاص.
  15. الغفران في المشورة عقيدة الخلاص بقية.
  16. المشورة وجدة الحياة عقيدة التقديس.
  17. المشورة وثمر الروح عقيدة التقديس بقية.
  18. المشورة والاستئصال الجذري عقيدة التقديس بقية.
  19. المشورة ومثابرة القديسين عقيدة التقديس بقية.
  20. المشورة والألم عقيدة التقديس بقية.
  21. المشورة والكنيسة: عقيدة الكنيسة.
  22. تقديم المشورة لحديثي الإيمان عقيدة الكنيسة بقية.
  23. المشورة والتأديب الكنسي: عقيدة الكنيسة، بقية.
  24. المشورة وأعمال الرحمة: عقيدة الكنيسة، بقية.
  25. المشورة والموت، والاحتضار: عقيدة المستقبل.
  26. المشورة والدينونة: عقيدة المستقبل بقية
  27. الخاتمة

الملحق ماذا تفعل عند تقديم المشورة لغير المؤمن.

كتاب لاهوت المشورة المسيحية PDF أكثر من مجرد عقيدة الفداء – جان أدامس (ت: سامح عزمي)

كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير

كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير

كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير

كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير

كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير
كتاب كتابنا السماوي PDF – بحث في أسفار الكتاب المقدس – القس يوسف سمير

تحميل الكتاب PDF

Exit mobile version