الوسم: الانسان
كتاب لاهوت المشورة المسيحية PDF أكثر من مجرد عقيدة الفداء – جان أدامس (ت: سامح عزمي)
كتاب لاهوت المشورة المسيحية PDF أكثر من مجرد عقيدة الفداء – جان أدامس (ت: سامح عزمي)
كتاب لاهوت المشورة المسيحية PDF أكثر من مجرد عقيدة الفداء – جان أدامس (ت: سامح عزمي)
- تصدير
- مقدمة
- الحاجة إلى اللاهوت في المشورة.
- اللاهوت والمشورة.
- المشورة والإعلان الخاص عقيدة الكتاب المقدس.
- المشورة والبيئة الأساسية للإنسان عقيدة الله.
- اسم الله والمشورة: عقيدة الله بقية.
- المشورة والصلاة عقيدة الله بقية.
- المشورة والثالوث: عقيدة الله بقية.
- المشورة وحياة البشر: عقيدة الإنسان.
- المشورة وخطية البشر عقيدة الإنسان بقية.
- المشورة والعادة عقيدة الإنسان بقية.
- كيف تؤثر الخطية على الفكر عقيدة الإنسان بقية.
- أكثر من مجرد عقيدة الفداء: عقيدة الخلاص.
- الغفران في المشورة عقيدة الخلاص بقية.
- المشورة وجدة الحياة عقيدة التقديس.
- المشورة وثمر الروح عقيدة التقديس بقية.
- المشورة والاستئصال الجذري عقيدة التقديس بقية.
- المشورة ومثابرة القديسين عقيدة التقديس بقية.
- المشورة والألم عقيدة التقديس بقية.
- المشورة والكنيسة: عقيدة الكنيسة.
- تقديم المشورة لحديثي الإيمان عقيدة الكنيسة بقية.
- المشورة والتأديب الكنسي: عقيدة الكنيسة، بقية.
- المشورة وأعمال الرحمة: عقيدة الكنيسة، بقية.
- المشورة والموت، والاحتضار: عقيدة المستقبل.
- المشورة والدينونة: عقيدة المستقبل بقية
- الخاتمة
الملحق ماذا تفعل عند تقديم المشورة لغير المؤمن.
كتاب لاهوت المشورة المسيحية PDF أكثر من مجرد عقيدة الفداء – جان أدامس (ت: سامح عزمي)
كتاب السعادة تنبع من الداخل PDF – جان باول اليسوعي
كتاب جوهر الانسان – اريك فروم PDF
كتاب جوهر الانسان – اريك فروم PDF
كتاب جوهر الانسان – اريك فروم PDF
تحميل كتب اريك فروم PDF (22 كتابًا)
الصليب استعادة مجد الإنسان المفقود في شخص المسيح يسوع
الصليب استعادة مجد الإنسان المفقود في شخص المسيح يسوع
الصليب استعادة مجد الإنسان المفقود في شخص المسيح يسوع
لكي تعرف الرب او تكتشفه لابد لك ان تعبر من خلال الصليب .فالصليب يعلن لنا من هو الله .وقد خصص بولس في رسالة كورنثوس الاولي الاصحاح الاول والثاني بوضوح عن الصليب .فيتحدث بولس الرسول انه بصليب المسيح اظهر الله لنا .
فالله الخالق الذي اسس الامم وخالق الارض وكل ما فيها هذا الاله قد تمجد في الصليب.
ويؤكد ذلك ما جاء في سفر اعمال الرسل 17: 26 عن عظمة الرب وخلق الامم وحدد اماكنهم فيقول .
26 وصنع من دم واحد كل أمة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض، وحتم بالأوقات المعينة وبحدود مسكنهم.
وهذا ما يذكره سفر ايوب 12 : 23 ان هناك امم تتكاثر ثم تموت .وسياتي وقت سينتهي كل هذا .
23 يكثر الأمم ثم يبيدها. يوسع للأمم ثم يجليها.
بناءاً على ما سبق يريد بولس ان يقول ان هذا الاله الجبار الذي ياتي بامم وهو الخالق هذا الاله العظيم كان مجده بالصليب .وفي فعل الاخلاء حوكم المسيح الله المتجسد من خلال خليقته .وكل هذا يعني شيئاً واحداً .
(إنجيل يوحنا 3: 16) لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية.
الانسان بطبيعته خاطئ وقديس فنحن خطاه لان الخطية تعمل فينا . ونحن قديسين لان الرب قدسنا بالصليب وبررنا في دمه .
فالخطاه فشلوا في استخدام الحرية الممنوحه لهم فالله اعطي الانسان الحرية واعطاه الشركة مع الله واعطاه كل امتياز لكنه اغوي وسقط وخالف وصية الله. فشل في ان ينجح وان يستعمل كل المواهب الذي اعطاه الرب اياها .
فكانت الطبيعة نقية غير ملوثة لكن نتيجة تدخل الانسان في الطبيعة اصابها عدم النقاء مثل ثقب الازون وايضاً الاحتباس الحراري فقد افسد الانسان ما اعطاه الرب من عطايا .والغريب ان الانسان ايضاً لم يستطيع ان يري الله من خلال كل هذه العطايا .
فكانت النتيجة هي سقوط العالم في نظر الرب لان البشر دنسوا العلاقة بينهم وبين الله وخالفوا الوصية .ولان الرب قدوس وبار ولا يحتمل نجاسة الانسان وخطيته سقط العالم البشري كله وكان محتاج لعملية اصلاح .وهي ان يعاد تشكيل الانسان مره اخري .ولعل اهم شئ ان يعاد تفكيره حتي يتناسب مع صلاح الله .لذلك اراد الله ان يصلح ما افسدته الخطية في الانسان .
(رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 3: 12) الجميع زاغوا وفسدوا معا. ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد.
فالله اراد ان يعيد تشكيل الانسان من جديد بحيث ان هذا التشكيل يتناسب مع صلاح الله .وحيث ان الانسان سقط وفسد ولا يصنع صلاح اذاً لا يمكن للانسان ان يعود مره اخري لكي يتوافق مع طبيعة وصلاح الله بمفرده فلابد من وجود وساطه معينه او حل لجمع الله القدوس البار مع الانسان الخاطي الذي افسد ذاته .وافسد صورة الله التي فيه بسبب خطيته .وكان الحل هو بالصليب ..
كانت بداية هذا الحل هو التجسد وذلك لان التجسد هو الذي سيؤدي الي الموت .
(رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 6: 23) لأن أجرة الخطية هي موت، وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا.
فماذا نري في الصليب :
نري امتداد يد الله لكي يتصالح مع الانسان في شخص الابن المتجسد فتعاد المصالحه المفقوده بين الله والانسان .ففي الصليب امتدة يد الله لكي يظهر ذاته بانه هو المحب والمخلص الذي يصلح هذا الانسان ويعيد اليه صوره الله المفقوده .
فتبدأ عملية الصلاح من خلال مد يدي الله للانسان الدنس الخاطئ لكي يتلاقي مع الله المصلوب .
فكما قال عنه اشعياء لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه.مختبر الحزن ورجل اوجاع .فالمنظر على الصليب بشع والالام الرب المبرحه والصليب المخزي في نظر الناس كل هذا لاجلنا لكي نقوم نحن فكل هذا الكسر والخزي ابتدي المجد.
فقد صلب الرب في جسده اجرامنا وعيوبنا وكل ما صنعناه .لكي يدرك الانسان مقدار العطية غير المحدوده والرائعة التي اصبحت لنا بالصليب.
فالصليب ازال واذاب كل الفوارق من خلال مجد الصليب .فجمع الرب الكل في ذاته جمع من احبه ومن كرهه جمع من اذاه ومن لطمه جمع الكل وهذا هو مجد الصليب .وقد اختبر بولس هذا الامر شخصياً ..فبولس اختبر لاهوت الصليب متحدثاً عن دعوته من خلال قوله ليعلن ابنه في كيف سيعلن الابن فيه بالطبع بالصليب وهذا هو مجد الله .
غلاطية 1 : 15 – 16
15 ولكن لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي، ودعاني بنعمته 16 أن يعلن ابنه في لأبشر به بين الأمم، للوقت لم أستشر لحما ودما
فانا في عقل الله فكره وفي قلبه مسره والله اختارني وافرزني قبل تاسيس العالم .فاعلن الله مجد الابن فيا بالصليب لابشر كل الامم بدون استشاره لحم او دم .
فالرب حينما دعي بولس اخذه وغسله وجدده فقضي بولس ثلاث سنوات العربية .كتاهيل من الرب كما اهل التلاميذ اربعين يوماً .ليعده للخدمة والتبشير .وفهم خلالهم لاهوت الصليب واصبح بولس هو رسول الامم واستطاع ان يأخذ حكمة الله وعطية الله ليعطي الانجيل لكل مائت وساقط ليرفعة للمسيح يسوع .
فالله وجد بولس الرسول ولم يجده بولس الرسول لكن وجده الرب بالصليب .فانا لا استطيع ان اسعي الي الله فانا محدود لكن اللامحدود يستطيع ان يظهر ذاته بطريقة يفهمها المحدود لكي يتوحد معه .فنحن وجدنا بصليبه وكلمته التي اظهرت لنا عمق الصليب .
فالصليب الذي عند اليونانين جهاله واليهود عار صار لنا قوة الله وهذا ما كرز به بولس الرسول .
فالرب اختارنا ليس لانه يميز بل لانه يعلم من سيقبل دعوته . ويقول اشعياء 45 ان الرب هو جابل الانسان فكيف يخاصم الانسان الله .هل يستطيع الطين ان يقول لصاحبه ماذا تصنع ؟ فيريد ان يقول ان الرب هو جابلنا هو صانعنا والخلقة تتطلب محبة .وهذه المحبة ظهرت بشكل اوضح حينما سقط الانسان واعاده الرب مره اخري .
9ويل لمن يخاصم جابله. خزف بين أخزاف الأرض. هل يقول الطين لجابله: ماذا تصنع؟ أو يقول: عملك ليس له يدان؟
ونري ايضاً في (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 9: 20 – 24 )
بل من أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله؟ ألعل الجبلة تقول لجابلها: «لماذا صنعتني هكذا؟»
أم ليس للخزاف سلطان على الطين، أن يصنع من كتلة واحدة إناء للكرامة وآخر للهوان؟
فماذا؟ إن كان الله، وهو يريد أن يظهر غضبه ويبين قوته، احتمل بأناة كثيرة آنية غضب مهيأة للهلاك
ولكي يبين غنى مجده على آنية رحمة قد سبق فأعدها للمجد
التي أيضا دعانا نحن إياها، ليس من اليهود فقط بل من الأمم أيضا
يتحدث بولس بكلام مشابه لما جاء في اشعياء يخبرنا ان الله هو مشكل الانسان ويصنع الله من الانسان انية كرامه اذا سلم حياته للرب ولكن اذا سلم حياته للشيطان سيكون انية للهوان .
لماذا لا يستطيع الانسان فهم لاهوت الصليب .؟
في الايات السابقة توضح ان الخزاف بيشكل ما يريد .لكن الانسان لماذا لا يفهم الصليب الاجابة لانه يريد ان يشكل نفسه بيده.فهذا الانسان لا يشكر الله على العطية لكن يريد شئ اخر .فلا يستطيع احد ان يفهم لاهوت الصليب الا اذا قبل بالشكر والامتنان ما اراده له في الحياة .فالله يعطي كل انسان قدرات معينة لتشكيله ولابد ان يقبل الانسان ما فعله الله ويشكره .
في اشعياء 29 : 14 الرب يريد ان يشكل الشعب من جديد
14 لِذلِكَ هأَنَذَا أَعُودُ أَصْنَعُ بِهذَا الشَّعْبِ عَجَبًا وَعَجِيبًا، فَتَبِيدُ حِكْمَةُ حُكَمَائِهِ، وَيَخْتَفِي فَهْمُ فُهَمَائِهِ».
وفي كورنثوس الاولي 1 : 19
(1 كو 1: 19): لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ».
فالرب يريد ان يشكلنا بنفسه .لا ان نشكل انفسنا بانفسنا .
خلق الإنسان على صورة الله ومثاله للقديس غريغوريوس النيسي
خلق الإنسان على صورة الله ومثاله للقديس غريغوريوس النيسي
خلق الإنسان على صورة الله ومثاله للقديس غريغوريوس النيسي
ترجمها عن اليونانية: دكتور سعيد حكيم يعقوب
مراجعة: دكتور نصحي عبد الشهيد
يونيو 2006
مقدمة
يقدم القديس غريغوريوس النيسي في هذا العمل تفسيرًا عميقًا لموضوع “خلق الإنسان على صورة الله ومثاله”. ويُمثل هذا العمل تكملة لعظات القديس باسيليوس عن “أيام الخليقة الستة”. وقد أرسله القديس غريغوريوس إلى أخيه القديس بطرس كهدية عيد القيامة ليُضيفه إلى عظات القديس باسيليوس، الذي يُشير إليه بعبارة “أبينا ومعلّمنا”. وقد كتب هذا العمل سنة 379م بعد نياحة القديس باسيليوس مباشرةً.
إن خلق الإنسان كما يرى القديس غريغوريوس هو شئ مرهوب ويصعب تفسيره ويحمل داخله الكثير من أسرار الله الخفية. ويقول إن عبارة “بحسب الصورة والمثال” تُعطى مثالاً واضحًا لتأنس الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس. وأن (آدم ـ حواء ـ الابن الذي أنجباه) هذه الكيانات الثلاثة المتساوية في الجوهر، تشير ـ بصورة شكلية وليست جوهرية ـ للثالوث الواحد في الجوهر.
ثم يتطرق لطبيعة النفس العاقلة، قائلاً: “إن أراد أحد أن يعرف كيف خُلق الإنسان” بحسب صورة الله ومثاله” ليبحث في تكوين طبيعة النفس العاقلة، وأن يعرف كيف أنها واحدة، وتعتبر ثلاثة أقسام، وحدة في ثلاثة بحسب خلقتها على “صورة الله ومثاله”. وأنها واحدة في الجوهر، لكنها ليست واحدة بحسب أقسامها الثلاث. ثم يقول إن ماهية النفس والكيفية التي تأتي بها إلى الوجود تُعد أمورًا لا يمكن للعقل الإنساني أن يفهمها. ولأننا نجهل كل الأمور الخاصة بها، فإننا نتحقق ونتأكد من وجودها فقط من خلال أعمالها داخل الجسد، مثلما نتأكد من وجود الله من خلال أعماله داخل الكون المرئي. ويُشير أيضًا إلى أن إدراك سر الثالوث غير المدرك، يمكن أن يكون من خلال خلق الإنسان على “صورة الله ومثاله”.
تمت الترجمة عن النص اليوناني المنشور في مجموعة آباء الكنيسة اليونانية (EPE) الصادرة في تسالونيكي سنة 1973 المجلد رقم 10 ص109ـ139. قام بالترجمة عن اللغة اليونانية د. سعيد حكيم، وراجعها د. نصحي عبد الشهيد.
نرجو أن يستخدم الله هذا العمل لمجد اسمه في كنيسته بشفاعة والدة الإله العذراء القديسة مريم وبصلوات جميع الآباء الرسل وآباء الكنيسة، وصلوات القديس غريغوريوس النيسي، وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث والآباء المطارنة والأساقفة. وللمسيح إلهنا كل مجد وسجود وتسبيح مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.
معنى الصورة والمثال[1]:
لا توجد طريقة أخرى أمام الذين يرغبون في فهم جمال وجوههم المخلوقة من الله بشكل جيد، والتي بها يتطلعون إلى صورتهم، سوى مرآه نقية جدًا، يتلامسون فيها مع صورة وجوههم، ويرون فيها بوضوح شكلاً يعكس أيقونتهم التي تشبههم تمامًا. ونحن إذ ننظر بالتدقيق كما في مرآه إلى الأشعة الإلهية التى للشمس العقلية، ندرك بكل وضوح الملامح العامة والشكل والصورة التي لطبيعتنا ” بحسب الصورة والمثال” لأنه بالحقيقة، على الأقل كما أتصور أنا، أن خلق الإنسان هو شئ مرهوب ويصعب تفسيره ويحمل داخله الكثير من أسرار الله الخفية. وتمامًا كما أن طبيعة العين تدرك بسهولة تلك الأشياء التي توجد خارجها، إلاّ أنها لا يُمكنها أن تدرك ذاتها، هكذا بالنسبة لعين الذهن الإنسانية، فإن مسألة خلقتنا هو أمر يصعب رؤيته ويصعب إدراكه.
الحقيقة إن الخالق بعدما أتم خلق العالم العاقل للقوات غير المرئية، ثم خلق العالم المادى المرئى قال عندئذٍ ” ونعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا“[2]. لقد خلق الله حينئذٍ كائنًا حيًا، كما من عالم مختلط يتشكل من أمرين، فهو مكوّن من نفس غير جسدانية وغير مائتة وغير فاسدة، ومن جسد مادى ومرئى من أربعة عناصر[3]. وبعد أن تم ذلك، يقول الكتاب أيضًا ” فخلق الله الإنسان على صورته“[4]. وعندما يقول إن الله خلق فهو يقصد الآب والابن والروح والقدس.
لقد عبّر المفسرون فيما يتعلق بهذا الموضوع ـ عن آراء كثيرة ومختلفة ـ قال البعض: إن عبارة “بحسب الصورة والمثال” تُشير إلى قدرة الإنسان على أن يسود وأن يتسلط، وقد اعتبر البعض أن هذا يتعلق بالنفس العاقلة غير المرئية، والبعض الآخر يربطه بالإنسان غير الفاسد وغير الخاطئ عندما خُلق آدم، والبعض اعتبر أن ” بحسب الصورة والمثال ” يمثل نبوءة عن المعمودية. وآخر الكل كما للسقط، بدا لى أنا أيضًا أنه أمر حسن أن أعبّر عن بعض الأفكار التي تخص هذا الموضوع، وقبل كل شئ رأيت أنه من الأهمية بمكان أن نفحص هذا الأمر بالتساؤل عن: لماذا لم ينسب الله عبارة “بحسب الصورة والمثال” للكائنات العاقلة غير المرئية وللسمائيين، والملائكة الذين هم بالقرب منه؟ لأن هؤلاء هم بالحقيقة أكثر قدرة من الإنسان، ولديهم القوة أن يسودوا ويتسلطوا على الأرض كلها وعلى الإنسان نفسه. وعلى نفس السياق فإن غير الفانى، وغير المرئي، والطاهر أو النقي، وكل ما يمكن أن تمتدحه في آدم، يوجد وبدرجة فائقة بين الصفوف السمائية غير الجسدانية.
إذًا يُشار بعبارة “بحسب الصورة والمثال” إلى شئ عميق. بمعنى أن الإنسان ليس لديه صورة واحدة ومثالاً واحد لله، بل لديه صورة ثانية وثالثة، ومثالاً ثانيًا وثالثًا، كما لو كانت هناك مرآه عاكسة لملامح شكلية، ومن المؤكد أنها ليست صورة طبيعية أو جوهرية لسر الأقانيم الإلهية الثلاثة. وليس هذا فقط بل إنها تعطى مثالاً واضحًا لتأنس الأقنوم الثانى في الثالوث القدوس، الله الكلمة. ولكن من الأفضل أن نرجع إلى بداية الأمر ونبحث أولاً، ترى لماذا لم يخلق الله أجدادنا الأوائل أقصد آدم وحواء والابن الذي أنجباه بنفس الطريقة التي بها خلق الكائنات العاقلة، أى الملائكة، ليكونوا مساويين الكائنات الروحانية؟ فالله قد أحضر آدم إلى الوجود بدون إنسان، بدون أب وولادة ـ بينما الإنسان الثانى بعده، أى ابنه، أحضره إلى الوجود بالولادة. أيضًا حواء قد أتت إلى الوجود، لا بالولادة، ولا بسبب الإنسان بل أتت بانبثاق غير موصوف، من آدم بدون ولادة.
ترى، هل حدثت هذه البدايات الثلاث للمخلوقات الأولى (آدم ـ حواء ـ الابن)، الكيانات المتساوية في الجوهر، كما يتصور ميثوديوس لكى تعطى صورة شكلية (وليست جوهرية) للثالوث القدوس الواحد في الجوهر؟ فآدم الذي أتى بدون أن تكون هناك علة لوجوده ولا بولادة هو نموذج وصورة لله الآب ضابط الكل الذي لا توجد علة سابقة لوجوده، بل هو علة كل الموجودات. الابن أيضًا الذي ولد من آدم وحواء، يرسم صورة للابن كلمة الله المولود. وحواء التي أتت من الانبثاق، ترمز إلى انبثاق أقنوم الروح القدس. ولهذا لم ينفخ الله فيها نسمة حياة، لأنها هى نموذج لنسمة الحياة التي للروح القدس لأنه بواسطة الروح القدس صار لها أن تستقبل الله في حياتها والذي هو النسمة الحقيقية وحياة الجميع.
هكذا نستطيع أن نرى وأن نندهش أن آدم غير المولود، ليس له شبيه بين البشر، فهو غير مولود، وهكذا الحال بالنسبة لحواء المنبثقة، حتى أنهما يشكلان مثالين حقيقيين للآب غير المولود والروح القدس المنبثق. أما الابن الذي أنجباه فهو شبيه بكل البشر، الذين هم أبناء وأتوا من ولادة فهم أخوة له ومساويين له. وهذا الابن يُشكّل صورة ومثالاً ونموذجًا للمسيح، الابن المولود، الذي صار بكرًا بين اخوة كثيرين[5]، بدون وساطة رجل.
فلو أن الأمر ليس هكذا، وأن عبارة “بحسب الصورة” لم تُفهم وفقًا لهذا الشرح، فلماذا لم يصبح أجدادنا الأوائل اثنين أو أكثر من ثلاثة كيانات، ولماذا هم مختلفون في الصفات الخاصة بكياناتهم وأقصد غير المولود، المولود، والمنبثق، بل هم فقط ثلاث كيانات أو أقانيم؟ وبناء على ذلك فإن تعبير “بحسب الصورة والمثال” يتخذ شكل صورة الثالوث، ثلاثة أقانيم في وحدة. وبالتالى ينبغي أن تفهم الآن أيضًا، معنى الوحدة في ثالوث.
افهم ذاتك لتفهم الله:
ولكن كيف يمكنك أن تميز هذا بشكل صحيح. اسمع أحد الحكماء الذي ينصحك ويقول لك ” إن أردت أن تفهم الله، ينبغي أولاً أن تفهم ذاتك، من خلال تكوينك، من خلال خلقتك، من خلال عالمك الداخلي. انسحب وادخل إلى داخل نفسك، انظر داخل نفسك كما في مرآه، ميّز خلقتها، وسترى أنك مخلوق على صورة الله ومثاله”. إن جوهر نفسك العاقل وغير المائت هو أمر مجهول الاسم وغير معروف، وهو مخلوق بحسب صورة ومثال الله غير المدرك وغير المائت. لأنه لا يوجد أى إنسان من الذين ولدوا عبر العصور، قد أدرك الجوهر العاقل لله أو للنفس.
النفس تعطى حياة، تؤلف وترعى طبيعة الجسد رباعية التركيب، صورة لله، ذاك الذي يتعهد خليقته المكونة هنا من أربعة عناصر والتي هى سمائية أيضًا. ولهذا فإننا لا نستطيع أن نعرف حتى المكان الذي يسكن فيه الله، لكننا نؤمن فقط أنه موجود في كل مكان. ولا نعرف أيضًا المكان الذي تسكن فيه النفس في الجسد، نعرف فقط أن النفس توجد وتعمل في كل الجسد.
النفس أيضًا تملك شيئًا آخر باعتبارها صورة الله، وأعنى أن جوهرها مختلف عن طبيعة الكون كله. والأكثر غرابة من كل شئ، والتي تحمله خلقتنا على صورة الله، أنه لا جوهر النفس، كما أن ماهيتها والكيفية التي بها تأتى إلى الوجود، تعد أمورًا لا يمكن للذهن الإنسانى أن يفهمها. ولهذا فكل مَن ادّعوا خطئًا أنهم قد فهموا، فهؤلاء قد تعثروا جدًا.
لقد قال البعض إن النفوس تأتى إلى الأجساد من السماء، وآخرون يرون أن النفوس تأتى إلى الوجود إذ أن الله يخلقها مع الجسد. البعض قال أيضًا بأن الإنسان الذي خُلق على صورة الخالق، أصبح سببًا لولادة الجسد والنفس في ذات الوقت. البعض يدّعون أن النفس تولد من خلال التعاون المشترك للطرفين، الرجل والمرأة، كما يحدث عند احتكاك الحديد والحجر، فإن هذا الاحتكاك يوّلد الشعلة. البعض أيضًا يُعلّم بأنه في اللحظة ذاتها التي يُحمل فيها بالجسد تأخذ النفس وجودًا.
البعض الآخر يرجح أن اليوم الأربعين من الحمل هو اليوم الذي يؤتى فيه بالنفس كما يتصورون، باعتبار أن ذلك يعتبر قانون لهذا التكوين. ويتخيل البعض الآخر أن النفس هى واحدة في الجوهر مع الملائكة، وآخرون قالوا إنها أقل من الملائكة، بينما يرى غيرهم أنها تهيم في الهواء، والبعض قال إنها تتحرك في الكون كحقيقة إلهية. ومن أجل هذا، على الرغم من أنها تتحد بالجسد، وهى مخلوقة على صورة الله، وتُحيّي الجسد، إلاّ أنها تبقى خارج تأثير الشهوات الجسدية وأضرار الجسد المختلفة، ولا نستطيع أن نراها، ولا أن نفسرها ولا أن نفهم طبيعتها ونوعها وهيكلها وشكلها ونوعيتها وكمها ووجودها ومما تتألف وجمالها.
ولذلك يقول ميثوديوس في وليمته[6] إن النفس لها جمال فائق لا يوصف، ولهذا السبب يبدو أن الأرواح المضادة تحسدها، لأنها أخذت شكلاً أسمى من الكائنات العاقلة ذاتها. أما عدم الفهم وعدم الوضوح والغموض الخاص بالنفس لا يشار إليه إلاّ لأنها تعتبر بالحقيقة، وعلى سبيل الحصر، صورة فقط لله غير المدرك. ولهذا ولأننا نجهل كل الأمور الخاصة بها، فإننا نتحقق ونتأكد من وجودها من خلال أعمالها فقط داخل الجسد. مثلما نتأكد من وجود الله من خلال أعماله داخل الكون المرئى. لنأتِ إلى النقطة الأساسية لموضوع الخلق “بحسب الصورة والمثال”، لكى نُبيّن، كما وعدنا، فرادة الثالوث الإلهى.
وما هى النقطة الأساسية؟ من الواضح أنها النفس أيضًا، وكلمتها العاقلة، التي دعاها الرسول بولس، روحًا، عندما يعطينا وصية أن نكون مقدسين في النفس والجسد والروح[7]. النفس أيضًا غير مولودة ولا علّة لها، وهى مثال لله الآب غير المولود والذي لا يوجد علّة لوجوده. إلاّ أن كلمة النفس العاقلة ليست بدون ولادة، بل تولد من النفس بطريقة لا يُعبّر عنها وغير منظورة ولا تُفسر، وليست لها علاقة بالألم أو الشهوة. بينما الفكر له علّة أو سبب وهو ليس بدون ولادة، ولكنه ينبثق، يدرك كل شئ ويفحص كل شئ ويتلامس معه بشكل غير مرئى، على مثال الروح كلّى القداسة، والذي ينبثق أيضًا والذي قيل عنه “ الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله“[8].
النفس حين توجد داخل الجسد فهى لا تعتبر منبثقة، لأنها إذا كانت منبثقة، لكنا قد متنا كل ساعة. وكلمتنا لا توجد بدون ولادة، لأنه إذا حدث عكس ذلك سنكون مثل الحيوانات غير العاقلة. والأكثر دهشة من هذه الأمور التي تثير الدهشة أننا لدينا نفسًا بسيطة، وعقلاً واحد غير مركب، أما كلمتنا فهى مزدوجة في ذاتها ومحفوظة كواحدة غير مُنقسمة. فالكلمة تولد داخل القلب ولادة غير مدركة، غير متجسدة، وتبقى مجهولة داخلنا. وبعد ذلك تولد ولادة جسدية من خلال الشفاه، وحينئذٍ تصير معروفة للجميع. ولكنها لا تنفصل عن النفس التي ولدتها، حتى أننا نستطيع أن ندرك بكل وضوح الميلادين اللذين لكلمة الله من خلال الميلادين الذي لكلمتنا “بحسب الصورة والمثال”.
حقًا لقد ولد من الآب قبل كل الدهور، بصورة غير مرئية، لا تُشرح وغير مدركة. وكان غير معروف، كما لو كان داخل الآب إلى أن ولد جسديًا من العذراء القديسة بدون فساد، بدون رجل، وظهر في العالم، دون أن ينفصل عن جوهر الآب الذي ولده. وبناء على ذلك ترى أن فرادة جوهر نفوسنا غير المائتة والعاقلة تحمل صورة لها ثلاث خواص أقنومية، عدم ولادة النفس، ولادة الكلمة، وانبثاق الروح، أى الفكر. وأتشجع وأتجرأ بأن أقول إنه بحسب هذه النظرية الثالوثية غير المرئية للنفس، قال الرسول بولس إن الإنسان خلق بحسب صورة الله غير المرئى.
فإن لم يكن هذا حقيقيًا، فلماذا لم تُخلق النفس إذًا من الله ولها قسمان أو أربعة أقسام، بل لها ثلاثة أقسام فقط، والتي لا تختلط فيما بينها وفقًا لصورة الثالوث القدوس المحيي الواحد في الجوهر، حتى أنه لو كان مسموحًا أن أقول إن داخل الإنسان وبالأحرى الإنسان البار يسكن، بصورة شكلية وليس جوهريًا، كل ملء الألوهة التي تحدد بصورة غير مُعلنة الله الثالوث؟ ولهذا فإن حكماء العالم قد حددوا، من منظور آخر، أن النفس تتكون من ثلاثة أقسام، مُعلمين كيف أنها تحمل الرغبة، الفكر، الإحساس، حتى أنه عندما تتحد الرغبة في محبة الله بالفكر يمكن أن تستقبل في داخلها المعرفة والحكمة التي تأتى من الله، وبإحساسها تقاوم الأرواح الشريرة الخبيثة، مُبينين أيضًا من خلال هذه الأمور الثلاث، معنى “بحسب صورة الله”.
لأن الله الثالوث يحكم ويضبط ثلاثة أقسام بثلاثة طرق أى السماويات، والأرضيات، وما تحت الأرض، من خلال قدرته الخالقة، وعنايته، وسلطانه العادل. وكل ما يعمله الله، فإنه يعمله وفقًا لإحدى هذه الطرق الثلاث، إما أنه يخلق، أو أنه يعتنى، أو يُهذب. وصورة الله الخالق هى في الرغبة. لأن الرغبة تقود إلى العمل، أما عنايته فرمزها في القوة الفكرية للنفس. الاحساس أيضًا هو مطابق للتهذيب. وربما الخاصية المميزة للنفس هى في الرغبة. لأن الأطفال حتى قبل أن يتكلموا، باعتبارهم نفوس، نجدهم يشتهون على الفور أن يرضعوا وأن يناموا. أيضًا القدرة الفكرية من الواضح انها خاصية العقل، بينما الاحساس يرافق العقل، وكل من يغضب بالمخالفة للطبيعة يثير فيه اضطرابًا.
طبيعة النفس العاقلة:
إذًا فإن أراد أحد أن يعرف كيف خُلِقَ الإنسان بحسب “صورة الله ومثاله”، فليأتِ إلى هذه الأمور غير المطروقة، والمعانى المشابهة لها، وليبحث في تكوين طبيعة نفسه العاقلة. وليكن هدفه أن يعرف أقسامها بالتدقيق، وأقسام أقسامها، كلماتها، طرقها، وحداتها، تميّزاتها، تفرّدها، وحدتها، ثالوثيتها، كيف أنها واحدة وتعتبر ثلاثة أقسام، وحدة في ثلاثة، بحسب صورة الله ومثاله، ويُعترف بها كثلاثة أقسام في وحدة. وأنها من المؤكد واحدة في الجوهر، لكن ليست واحدة من جهة أقسامها الثلاثة، وذاك الذي قال “أصلي بالروح وأصلي بالذهن أيضًا. أرتل بالروح وأرتل بالذهن أيضًا قد جعل هذا الأمر واضحًا جليًا “[9].
أيضًا بعض الناس يكلموننا بشكل واضح جدًا عن هذا الثالوث الذي يُستعلن فينا ويُعطى مثالاً لصورة الله، وهؤلاء تكون لهم نفس. ولكنهم يكونون ـ بسبب ما ـ بلا عقل ولا كلمة. أيضًا البعض ممن يحملون نفسًا وكلمة، قد تجدهم فقراء في العقل تمامًا. أيضًا البعض لديهم عقلاً ونفسًا، ولكنهم محرومين من الكلمة. ولهذا فإن الرضيع، الذي يولد من داخل جو مظلم، ويأتى إلى النور، يُظهر على الفور أنه يحمل نفسًا هى مثال لله الآب والتي لها قوة عاقلة، تحمل أيضًا داخلها الكلمة والعقل. الآن يتقدم هذا الرضيع ، حيث ينمو الجسد ويكتمل، فيظهر الكلام بعد ذلك، والكلام لا يظهر بشكل كامل ومفاجئ، بل أنه يتلعثم أولاً، مُعلنًا عن حضور ذهنى، عندما ينمو الرضيع ويظهر كرجل كامل، وهذا يشير إلى الكلمة حين تجسد.
لكن فيما تساهم هذه الأمور بالنسبة للبحث الذي نُباشره عن خلق الإنسان؟ بالطبع يمكن أن تساهم جدًا، آه أيها الإنسان، إننا بهذه الأمور نعرف طريقة استعلان الله وظهوره في العالم، عندما أخذ جسدًا، هكذا أدركت طبيعتنا سر الثالوث حينما استعلن في الحين المناسب. حقًا لقد حُمل بالإنسان من بذرة الشرير، كما لو كان في بطن الخداع، جالسًا في الظلمات وفي ظلال الموت. ثم تقدم بعد ذلك في نور المعرفة الإلهية، في البداية كطفل، تعهده الناموس، إذ أنه يحمل نفسًا، مدركًا أن الله الآب يحتوى الكلمة كأقنوم، والروح القدس أيضًا، كما هو الوضع بالنسبة للنفس.
ولأن الإنسان بسبب ضعفه الشديد وطفولته المعرفية، لم يكن قادرًا على إظهار الكلمة والفكر، ولكى لا ينزلق إلى عبادة الآلهة المتعددة، فإن طبيعتنا المادية أو العالمية قد اكتسبت بمرور الزمن حكمة، مثلما يحدث مع الطفل الذي يكبر، كما لو كان قد تعلّم من نفس ما أن تكون له معرفة عن الله الآب ولكنها معرفة غير مُعلنة، مثلما يحدث في البداية من تلعثم غير واضح في الكلام، ثم يكتسب خبرة من خلال التعاليم النبوية، ثم إدراك ومعرفة كلمة الآب كأقنوم.
وبعد هذه الأمور المتلعثمة، وأقصد التعبيرات الموسوية والنبوية التي تحمل ألغازًا، وبعدما خرج كلمة الله بصوت مسموع وناطق من الأحشاء البتولية، كما تخرج الكلمة من الشفاه، ستعرف طبيعتنا الإنسانية ككل كمالها الثالوثى بعد أن تكون قد اجتازت هذا التلعثم، من خلال الكلمة، طالما أنها قد قبلت الروح القدس واستنارت ذهنيًا، والذي لم يجعل انتقاله وسكناه في هؤلاء من الخارج، لكنه استعلن فيها، من خلال تلك الأمور التي هى في داخلها، أى النفس والكلمة، مقابل الآب والابن، فتلد النفس كلمتها الأقنومية، ليس كمخلوقة، ولا كشئ مُغاير، ولا كجنس مختلف، بل بشكل أساسى هو وجود شخصي فطرى يحمل طبيعة مشتركة.
مظهرًا الطبائع المشتركة في ارتباطها بروح الذهن، كما لو كانت تشكل جسدًا واحدًا. وبالإضافة إلى هذه العناصر فإن النفس غير الجسدانية تُغرس فيها أعضائها غير الجسدانية[10]، كما لو كانت هذه الأعضاء نماذج توصف وتُصاغ وتتجمع معًا، تلك التي هى فوق كل شكل وهيئة، وهى تحمل روح الذهن كنسمة لجسدها، وكحياة لها، وتملك الكلمة كرفيق لها. فإذا حُرمت النفس من كل هذه الأمور، فلن يكون من الممكن أن توجد ولا أن يُعترف بها كنفس ناطقة وعاقلة، تلك التي خُلقت بحسب صورة الله ومثاله.
ومن خلال هذه العناصر الموجودة داخل النفس ستعلم وتعترف أن الآب، والابن، لم يكونا كائنين قبل الروح القدس. فكما في حالة النفس العاقلة، توجد الكلمة داخلها في نفس الوقت، ويوجد داخلها الروح الذي يُحييها ويُجمعها ويُكملها، هكذا فإن الله الكلمة هو كائن مع الآب، وفي نفس الوقت الروح القدس كائن مع الابن ومع الآب. أما إن فصلت وعزلت الكلمة عن النفس، فإن نفسك ستبقى بدون كلمة. هكذا ستعرف من خلال حقيقة الخلق على صورة الله، أنك لو رفضت الله الكلمة، قائلاً إنه غير كائن مع الله الآب، فإنك تكرز حينئذٍ بأن الله هو غير عاقل وشبيه بالحيوانات غير العاقلة.
ولو أنك فصلت الروح عن الله، فإنك تتحدث عن من هو ميت وليس عن إله حيّ. لذلك لو أنك أردت أن تجد فلسفة لعبارة “بحسب الصورة والمثال” فينبغي أن تفلسفها هكذا، وليس من قبل الأمور التي هى خارجك، بل من تلك التي هى داخلك. أن تعرف الله غير المعروف، من خلال الثالوث الذي في داخلك، اقتنِ معرفة للثالوث من خلال الأشياء الموجودة حقًا. هذه الشهادة هى شهادة مؤكدة وجديرة بثقة أكثر من أى شهادة أخرى للناموس وللكتاب.
خلق الإنسان وإدراك سر الثالوث:
حقيقةً أنه لهذا السبب فقط خلق الله مثل هذا الكائن الحيّ (أى الإنسان)، لأنه كان يرغب أن يُعلن للعالم سر الثالوث القدوس غير المُدرك، لكى تحمل داخلك أنت يا من خُلقت بحسب صورة الله ومثاله، الصورة والمثال والنماذج والأمثلة التى توضّح سر الثالوث القدوس، ولكى لا تتذبذب بعد من جهة سر الثالوث، حين تتطلع في صورة نفسك المخلوقة. لا تُعبّر بالتساؤل الساخر، إن كان الله ثالوث، فكيف يكون واحدًا؟ وإن كان الكلمة هو ابن، فكيف يمكن أن يكون المولود موجودًا منذ البدء مع والده؟ وإن كان الروح يأتى من الآب، فلماذا لم يولد، لكنه ينبثق؟ أو مَن هو الذي أحضره الآب إلى النور أولاً؟ الابن أم الروح القدس؟ فإن كان الاثنان معًا في نفس الوقت، فهل يوجد يا ترى داخل الثالوث إلهان أخوة، وولادة توأم؟
وكيف ستُميّز الفرق بين الولادة والانبثاق في الكائنات غير الجسدانية، والغير متحركة والثابتة؟ وكيف يكون ممكنًا أن يكون للوالد والمولود نفس المجد؟ وهل الآب يا تُرى ولد بإرادته أم لا؟ ومَن يشهد على أن الآب والابن والروح القدس هم جوهر واحد؟ وإن كان الله الآب هو أقنوم كامل. وإن كان الله الكلمة هو أقنوم كامل، والروح القدس إله كامل، فمن لا يقول إن عقل الله هو أقنوم إلهى آخر لله، وإله آخر هو ذراع الله، وأقنوم آخر هو اصبع الله، وكذلك يمين الله، وكل الأمور الأخرى التي يُقال عنها إنها أعضاء الله في الكتاب المقدس؟
إذًا فلكى لا تتكلم ولا تفكر في هذه الأمور، التي تعثّر فيها الهراطقة، وسقطوا بتفكيرهم، فإن الله خلقك بحسب صورة ومثال وجوده الثالوثى، لتكون نموذجًا يحمل الشكل الثالوثي، والذي يُعرف أنه واحد في الجوهر. وإن كانت لك رؤية مستقيمة، فستجد في هذا الثالوث، وبحق، كل ما يختص بالتعاليم التقوية عن الله، كما في مرآه، وكنموذج أو شكل (للثالوث القدوس). وأقصد أن الأقانيم ثلاثة، والجوهر واحد غير منقسم، وغير مُدرك، وهو الذي لا هيئة له، الذي لا يُشار إليه، غير المولود، المولود، المنبثق، الخالق، الراعى، الديان، غير المحسوس، غير الجسدى، الأبدي، غير المتجزئ، غير المائت، الذي لا يُعبّر عنه، الفائق الجمال، وبعبارة واحدة ستجد كل ما يقال بتقوى عن النماذج والصور الإلهية كظلال مرسومة داخل نفسك. ولهذا قال الله “لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا”.
الانتقال من الأصل إلى الصورة:
ومع هذا فإن هذه الأمور لم يفهمها الهراطقة غير المؤمنين في عصرنا ولا فكروا فيها، لأنهم لو فهموا بشكل صحيح عبارة ” بحسب الصورة والمثال ” كملمح للإنسان، ما كانوا ليتذبذبوا في سر الثالوث، ما كانوا ليُخضعوا الفائق للطبيعة لأفكارهم. ما كانوا لينشروا إدعائهم المظلم، بأنه لا يمكن أن يكون الله ثلاثة أقانيم. فلو أن آريوس قد فهم الخلق بحسب “الصورة”، ما كان له أن يُعلّم بأن الابن هو من جوهر مختلف عن الآب. لو أن مقدونيوس تعرض بتقوى لموضوع الخلق “بحسب الصورة” ما كان له أن يصف الروح القدس بأنه مخلوق. لكنهم أصيبوا بالعمى وعانوا ما عاناه أولئك الذين بينما كانوا يمتلكون الجوهرة في أعماقهم، لم يعرفوها، وبحثوا عنها في الهاوية وهذا بسبب أنهم مخدوعون.
لاحظ إذًا أن النفس هى “بحسب صورة الله” من حيث الشكل وليست بمساواة طبيعية. كيف صار هذا؟ سأشرح على الفور ما أقوله بوضوح. نحن نؤمن أن الله الآب غير محدود، وينطبق نفس الشئ على الابن وعلى الروح القدس، ولهذا فهم كأقانيم غير محدودين، يحملون أسماءً، يُعلن فيها الواحد عن الآخر، كما يوجد بينهم ترابط مشترك بمعنى أنه عندما يُذكر اسم الآب فمن الواضح أنه يُعلن عن وجود ابن له. كيف يكون ممكنًا أن يُدعى أبًا، إن لم يكن له ابن؟ نفس الشئ عندما يقول روح، فهو يعلن عن الله، لأن الله روح كما يقول الكتاب[11].
فلنأتِ بعد ذلك من هذا الثالوث القدوس إلى صورته، أى إلى الثالوث الذي يوجد داخلنا، وسترى الأسماء الثلاثة، حيث يحوى الواحد الآخر وهم متحدين. بمعنى أنك عندما تُشير إلى النفس الناطقة العاقلة، فمن الواضح أنك تُعلن عن الكلمة والعقل. نفس الشئ إذا ذكرت كلمة عقل، فإنك تعلن بكل الطرق عن النفس والكلمة. لأنه بأى شئ يتعلق الذهن، إن لم يكن بالنفس والكلمة؟ وهكذا فإن اسم أحد الأقانيم يستدعى حتمًا الإشارة إلى الأقنوم الآخر، فهناك ترابط قوي يجمع أسماء الأقانيم معًا. يتضح من ذلك أن الأقانيم تحمل نفس الطاقة والجوهر المشترك غير المنقسم، بمعنى أن طاقة الله الآب والابن والروح القدس هى واحدة ومتساوية، والقوة واحدة، والإرادة واحدة، والرأى واحد. فإن الابن غير منفصل عن الآب في كل ما يعمل وهو عامل معه، وأيضًا في كل ما يفعل الابن أو الروح القدس فإن الآب يعمل معهما في كل الأحوال بشكل غير منفصل. فلا الابن يفعل شيئًا بالانفصال عن الآب، ولا الآب بالانفصال عن الابن والروح القدس، بل ولا الروح القدس أيضًا يفعل شيئًا بدون الابن والآب.
وعندما ننتقل من الأصل إلى الصورة، إلى صورة نفوسنا التي هى مخلوقة “بحسب صورة الله ومثاله” سترى فينا أن الفعل هو واحد ومتساوى. لأن النفس لا تفعل شيئًا بدون الكلمة، ولا الكلمة بدون النفس، ولا أيضًا العقل يفعل شيئًا وحده بدون النفس وبدون الكلمة، بسبب قوتهم وطاقتهم المشتركة المتساوية الأبعاد والفطرية والمترابطة فيما بينها، بحسب خلقتها على صورة الله ومثاله. ولكن إذا قلت لى إن النفس لا تفعل أى شئ وحدها بدون الجسد، وهذا بالضبط ما سبق وأعلناه، إذ أنها قد خُلقت في هذا الجسد بحسب صورة الله ومثاله. فإنها من خلال المادة المرئية تعلن عن قوتها غير المرئية. إلاّ أنها عندما تنفصل عن الجسد أيضًا فإن الجوهر والنفس النقية بحسب طبيعتها، إذ توجد في استنارة وبساطة وهدوء وبهاء، يمكن أن تُدعى وتكون بحق مخلوقة بحسب “صورة الله ومثاله”.
ولكن إذا تهكم المقاوم، كما هو متوقع، على كل ما قلته، لأننا لم نُدلل على أنه توجد ثلاثة أقانيم في النفس بالمساواة مع أقانيم الثالوث القدوس، فليعلم الأحمق أن النفس خلقت على شكل الصورة وليست بمساواة حقيقية للثالوث القدوس. بل وفي الألوهة أيضًا، إن لم يكن هذا أمرًا مخيفًا أن يقوله المرء، فإن هناك تمايز للآب عن الابن، وتمايز للروح القدس عن الابن. وفي تشابهك مع صورة الله، أنت لا تتجاوز هذا أيضًا، أى أنه بولادة الكلمة جسديًا من الشفاه تصير الفضيلة والحكمة والاستنارة والقوة والعمق والمعرفة التي لنفسك وذهنك معروفة ومُعلنة للجميع. وهذا المثال يُعلن لك أنك خلقت وتوجد بحسب “صورة الله ومثاله”. لأنه بولادة كلمة الله جسديًا استعلنت للعالم القوة، المعرفة، الحكمة، وجميع أنواع الصلاح الأخرى التي للآب والروح القدس.
لاحظ إذًا كم وتنوع أعمال الكلمة في العالم، من جهة التشبه بكلمة الله، وكيف أنه بواسطة الكلمة، يُخلق كل شئ ويصير له وجود. لقد أخذت الملائكة كيانها بواسطة الكلمة، وبالكلمة يُمجدون الخالق، وبالكلمة خلق كل ما نراه، بالكلمة أُنير سر الكون، بالكلمة صارت الكيانات معروفة. بواسطة الكلمة فقط ظهرت هذه الكيانات، بالكلمة تحققت الإنجازات، بواسطة الكلمة تجلى الكون. لقد بُشّر بمعرفة الله بواسطة الكلمة، وبواسطة الكلمة أخذنا هذه المعرفة. بواسطة الكلمة توّحدت وانجمعت كل الأشياء معًا. وكما أن الطفل الذي لا يتكلم يعتبر قليل العقل بحسب تقديرات الناس، إلى أن تولد الكلمة من شفتيه، هكذا كلمة الله المولود بحسب الجسد، عبر كل مراحل عدم الكلام الخاصة بطبيعتنا، حين استعلن بكل وضوح في عملية الخلق مع الآب والروح القدس.
ولأن نفوسنا هى مخلوقة من الله، فهى غير مُرسلة لخدمة ما، بعد انفصالها عن الجسد، كما يحدث بالعكس مع الملائكة، لأن الملائكة هى أرواح مُرسلة للخدمة، بينما أنفس القديسين هى بشكل أساسى مخلوقة بهيبة بحسب صورة الله ومثاله، لأنه إن كان الإنسان بعد عصيانه، قد طاله نقص بسيط عن الملائكة[12]، إلاّ أنه بإتحاده بالله الكلمة صار أعظم من الملائكة، لأن ذاك الذي خُلق بحسب “صورة الله ومثاله، اتحد الآن بالله وذاك الذي أخذ أولاً صورة الله، يعكس الآن صورة الله، هذا الذي يليق به المجد إلى أبد الآبدين آمين.
هوامش الموضوع:
[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.
[2] تك26:1.
[3] نار وماء وأرض وهواء. هذه العناصر كانت تمثل المعطيات العلمية لذلك العصر (القرن الرابع) وقد أشار ق. أمبروسيوس إلى هذه العناصر المكونة للإنسان في كتابه شرح الإيمان المسيحي.
[4] تك27:1.
[5] رو29:8.
[6] ميثوديوس هو أسقف مدينتي أوليمبوس وبترا. وقد انتقل بحسب شهادة القديس جيروم إلى إيبارشية صور في فينيقية (لبنان). استشهد عام 213م في خالكيس. وقد عُرف عنه معارضته للعلاّمة أوريجينوس، برغم تأثره بفكر ومنهج أوريجانوس، كما أشار هو نفسه إلى ذلك. وهو ما يظهر في استخدامه للتفسير الرمزي للكتاب المقدس. “ Methodius – the Banget of the ten virgins “ Ante – Nicene Fathers – vol.6.P. 309-310.
[7] ” لتكون مقدسة جسدًا وروحًا” (1كو34:7).
[8] 1كو10:2.
[9] 1كو15:14.
[10] تعبير “أعضاء النفس” استخدمه القديس يوحنا ذهبي الفم في تفسيره لرسالة رومية، الاصحاح الرابع قائلاً: ” علينا أن نشدد أعضاء النفس ونحفظها بالملمح الروحى”. أيضًا استخدمه القديس مقاريوس في العظة 7 ردًا على تساءل، هل العقل شئ والنفس شئ آخر؟ أجاب كما أن أعضاء الجسد وهى كثيرة تُدعى إنسانًا واحدًا، هكذا النفس لها أعضاء كثيرة وهى (العقل ـ الضمير ـ الارادة) وكل هذه مرتبطة معًا في نفس واحدة.
[11] يو24:4.
[12] عب7:2.
خلق الإنسان على صورة الله ومثاله للقديس غريغوريوس النيسي
الإنسان – الإنسان فى تعاليم العهد الجديد – د.موريس تاوضروس
الإنسان – الإنسان فى تعاليم العهد الجديد – د.موريس تاوضروس
الإنسان – الإنسان فى تعاليم العهد الجديد – د.موريس تاوضروس
(الإنسان بوجه عام ـ الجسد ـ النفس ـ الروح ـ القلب ـ العقل ـ الضمير ـ إنسان الخارج وإنسان الداخل)
” الإنسان ” بوجه عام[1]
استعملت كلمة ” إنسان ” فى العهد الجديد بالمعانى التالية:
1 ـ تشير إلى جنس الإنسان باعتباره متميزًا عن جنس الحيوان ” فالإنسان كم هو أفضل من الخروف ” (مت12:12)، وعن جنس الملائكة ” صرنا منظرًا للعالم للملائكة والناس” (1كو9:4)، وعن السيد المسيح باعتباره ليس مجرد إنسان ” لأنى لم أقبله ـ أى الإنجيل ـ من عند إنسان ولا عُلِّمته، بل بإعلان يسوع المسيح ” (غلا12:1)، وكذلك للتميز بين الله والبشر (مر30:11)، مع التأكيد أن الطبيعة البشرية طبيعة خاطئة، وهى خاضعة للضعف الطبيعى، مثل الآلام (يع17:5) والموت (عب27:9) والخطية (رو4:3، 12:5) ومملوءة من الشر (مت17:10). والمداهنة (لو26:6) ويخضع للخطأ (غلا1:1، 11 وما بعده).
وعبارة ” حسب الإنسان ” لا تعنى مجرد الإشارة إلى العلاقات البشرية أو إلى اعتبارات المنطق البشرى (غلا15:3، 1كو32:15) ولكنها تشير فى العهد الجديد أيضًا إلى الطبيعة المحدودة للتفكير والسلوك البشرى فى تعارضه مع الله والإعلان الإلهى. وهكذا، فإن الرسول بولس فى (رو5:3) يتحدث عن إثم الإنسان فى مقابل بر الله. وفى (1كو8:9)، فإن ما يقوله الإنسان يعتبره فى وضع مضاد لما يقوله الناموس. وفى (غلا11:1) فإن عبارة ” ليس حسب إنسان ” استُخدمت فى وضع مقابل لعبارة “بل بإعلان يسوع المسيح”. وفى (1كو3:3) هناك تأكيد على ضعف الإنسان ” يسلكون بحسب البشر “، “ألستم جسديين “. كذلك أيضًا فى (1بط6:4) ” لكى يُدانوا حسب الناس بالجسد، ولكن ليحيوا حسب الله بالروح “.
2 ـ تُستعمل كلمة ” إنسان” حسب الصياغة السامية، مع المضاف إليه لتعبر عن علاقة بشئ مجرد أو علاقة تملك. وهكذا فإن عبارة ” ¥nqrwpoi eÙdok…aj ” فى (لو14:2) تعنى “أُناس المسرة (الله) ” وتُستعمل لتشير إلى جماعة “المسيَّا” المخلص المختارة. وكذلك فإن عبارة “إنسان الخطية ” فى (2تس3:2) تُشير إلى علاقة الإنسان بالخطية ولهذا فهو يُسمى “ضد المسيح”، وعبارة ” إنسان الله ” فى (1تى11:6، 2تى17:3)، تُستخدم للتعبير عن الإنسان المسيحى الذى يضع نفسه فى خدمة الله.
واستُخدمت عبارة “إنسان الله” فى الترجمة السبعينية كوصف للنبى (1ملوك22:12، 1:13، 18:17، 24،…) وكذلك لموسى (تث1:33)، وبشكل عام فقد قيلت فيما بعد عن “مختار الله ” (مثل داود، كما فى 2أى14:8). كذلك وردت فى الكتابات اليهودية باللغة اليونانية لتعنى عابد الله الحقيقى (Ep. Ar. 140). وكذلك استعملها “فيلون” فى حديثه عن إبراهيم استنادًا إلى (تك1:17)، وكذلك عن الكهنة والأنبياء كنماذج روحية (Gig, 60-63)، وعن موسى كمثال للرجل الكامل استنادًا إلى (تث1:33) (Mut. Nom, 24ff., 125ff.)، وعن إيليا استنادًا إلى (3ملوك18:17) (Deus, Imm., 138f.)، وعن اللوغوس باعتباره الإنسان المثالى المخلوق حسب صورة الله (Conf. Ling., 41- 43). ومن الواضح ارتباط عبارة “إنسان الله” فى الكتابات اليهودية باللغة اليونانية بالترجمة السبعينية.
3 ـ وفى تعاليم القديس بولس الرسول عن الإنسان (الأنثروبولوجى)، استُعملت كلمة “إنسان ” مرتبطة بظرف مكان (خارج ـ داخل) معطيًا لهذا الاستخدام صفات كما سيأتى:
أ ـ إنسان الخارج (Ð œx ¥nqrwpoj) وإنسان الداخل (Ð œsw ¥nqrwpoj):
إنسان الخارج: وذلك بالنسبة لجانبه الطبيعى والمائت
إنسان الداخل: (أو إنسان القلب الخفى 1بط 4:3)، وقد استُخدمت لوصف الإنسان بوجه عام ” بحسب الإنسان الباطن ” (رو22:7) كما استُعملت عن عمل النعمة فى المؤمن ” لذلك لا نفشل بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى, فالداخل يتجدد يوما فيوما ” (2كو16:4), وفى (أف16:3) قيل ” لكى يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه فى الإنسان الباطن ” (أف16:3)، وذلك بالنسبة للجانب غير المائت للإنسان[2].
ب ـ وهناك أيضًا الاختلاف بين الإنسان العتيق (palaiÕj ¥nqrwpoj) والإنسان الجديد (kainÕj (nšoj) ¥nqrwpoj). فى (رو6:6، وكو9:3، وأف22:4)، يشير الإنسان العتيق إلى الكيان الخاطئ للإنسان غير المتجدد، بينما الإنسان الجديد فى (أف15:2، 24:4، كو10:3)، يشير إلى الإنسان المتجدد الذى آمن بالمسيحية. وهذه العبارات (الإنسان العتيق والإنسان الجديد) استُعملت فى الحديث عن فاعلية المعمودية، فالإنسان العتيق يُصلب فى المعمودية (رو6:6). وانتقل هذا الاستعمال من مجال الأسرار المقدسة إلى مجال “الأخلاق”، فالمسيحى عليه أن ينزع عن نفسه الإنسان العتيق الذى تحدث عنه الرسول بولس فى رسالته إلى كولوسى حيث قال:
” فأميتوا أعضاءكم التى على الأرض الزنا النجاسة الهوى الشهوة الردية الطمع الذى هو عبادة الأوثان.. اطرحوا عنكم أنتم أيضًا الكل الغضب السخط الخبث التجديف الكلام القبيح من أفواهكم. لا تكذبوا بعضكم على بعض إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد الذى يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه.. ” (كو5:3ـ10)، وانظر (أف22:4). واستُعملت نموذج ” الإنسان الجديد ” عن الكنيسة، فالمسيح وحّد الشعبين اليهودى والأممى فى إنسان واحد جديد ” لأنه هو سلامنا الذى جعل الاثنين واحد ونقض حائط السياج المتوسط، أى العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا فى فرائض لكى يخلق الاثنين فى نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا صانعًا سلامًا ” (أف15:2)، ” إلى أن ننتهى جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح ” (أف13:4). وفى جميع هذه العبارات يُفترض أن السيد المسيح هو الإنسان الجديد (أنظر أغناطيوس إلى أهل أفسس 1:20).
ج ـ وهناك أيضًا التمييز بين الإنسان النفسانى (yucikÕj ¥nqrwpoj) والإنسان الروحى (pneumatikÕj ¥nqr.) ” الإنسان الطبيعى لا يقبل ما لروح الله.. أما الروحى فيحكم فى كل شئ.. ” (1كو14:2،15).
د ـ واستُعملت كلمة ” إنسان ” عن المسيا (أنظر رو15:5، 1كو21:15، 47، أف32:5، 1تى5:2، عب6:2).
هـ ـ كذلك تُشير كلمة “إنسان” إلى آدم الإنسان الأول، وإلى السيد المسيح آدم الأخير “هكذا مكتوب أيضًا. صار آدم الإنسان الأول نفسًا حية وآدم الأخير روحًا محييًا ” (1كو45:15).
و ـ وقد ورد لفظ (¢nqrèpinoj) بمعنى: الإنسانى، البشرى. واستُعمل عن الإنسان كجزء من العالم المخلوق كما فى (يع7:3)، حيث استُعمل ليشير إلى الطبيعة البشرية متميزة عن الطبيعة الحيوانية ” كل طبع للوحوش.. تذلل للطبع البشرى” (يع7:3)، وفى (1بط13:2) يُشار به إلى ” الترتيب البشرى “.
وتستعمل الكلمة أيضًا للتمييز بين ما هو إنسانى وما هو إلهى (أع25:17)، “وبين عصيان الإنسان وطاعة المسيح ” (رو19:6) وبين الحكمة الإنسانية وما يعلمه الروح القدس (1كو13:2)، وبين “يوم البشر” (1كو3:4) ويوم المسيا للدينونة. وفى (1كو13:10) حديث عن التجربة البشرية التى تنتج عن الضعف البشرى.
1 ـ الاشتقاق اللغوى للكلمة ومعناها فى العهد القديم:
وبالنسبة للاشتقاق اللغوى للكلمة، فهو موضع جدال، وإن كان من الممكن أن يُقال إنها تتركب من جزئين: êy + ¢n¾r وتعنى وجه الرجل [3].
أما الكلمات العبرية التى تقابل كلمة (¥nqrwpoj)، فهى ādām، is، nos. وكلمة “ādām” تشير إلى طبيعة الإنسان فى وضع مختلف عن طبيعة الله، كما (1صم29:15) “وأيضًا نصيح إسرائيل لا يكذب ولا يندم لأنه ليس إنسانًا ليندم”، وفى موضع مختلف عن الحيوانات فى تك26:1 ” فقال الرب نعمل الإنسان على صورتنا وكشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التى تدب على الأرض “. وفى استعمالها عن الجنس، فإنها تُستعمل للرجل والمرأة (أنظر تك7:2 وما بعده، 18 وما بعده). و”is ” يرد استعمالها فى (تك4:2) و nos تشير غالبًا إلى سمة الضعف والموت ” من هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده وتنقصه قليلاً عن الملائكة وبمجد وبهاء تكلله ” (مز5،4:8) [4].
وفى كلا الموضوعين اللذين وردا عن الخلق فى سفر التكوين (تك1:1 وما بعده، 4:2 وما بعده، فإن خلقة الإنسان هى الأمر الأسمى. فى تك ص1، فإن الإنسان هو ذروة الخليقة وتاجها. وفى تك ص2، فإن حياته تقطن فى نسمة الحياة التى نفخها الله فى أنفه، فصار نفسًا حية (تك7:2)، وأيضًا فى كونه خُلق على صورة الله (تك27:1). ولقد اعتبر مستحقًا أن يتكلم الله إليه وأن يكلفه بعمل (تك16:2 وما بعده، تك28:1). وفى عصيانه سقط وصار ضحية للموت. وارتبط آدم الإنسان بالأرض، ليس بعد بسبب خلقته ” وجبل الرب الإله آدم ترابًا من الأرض” (تك7:2) ولكن الآن بسبب تعديه لوصيته (تك19:3).
ولا يوجد فى العهد القديم هذا التقسيم للإنسان الذى نجده فى الفكر الفلسفى اليونانى، حيث يُقسم إلى عنصرين أو إلى ثلاثة عناصر: العقل، النفس، الجسد. فإن الكلمات: الجسد، النفس، الروح، القلب، الضمير و… هذه لا تمثل أجزاء فى الإنسان ولكنها تمثل اتجاهات مختلفة عند الإنسان مأخوذًا على الدوام فى كيانه ككل، ومنظورًا إليه من جهة وضعه ككل وليس كأجزاء. فالجسد فى العهد القديم (basar) ينظر إليه على أنه يشير إلى الإنسان كله وليس إلى هذا الجزء المادى الظاهرى منه، ويُستعمل غالبًا ليشير إلى فناء الإنسان “ذكر أنهم بشر، ريح تذهب ولا تعود ” (مز39:78)، والروح (ruah) تشير إلى الإنسان ككائن حى ” تخرج روحه فيعود إلى ترابه. فى ذلك اليوم نفسه تهلك أفكاره ” (مز4:146)، وكشخص (حز20،19:11) فإن الروح والقلب يُذكران ليشيران إلى الإنسان فى علاقته بالله “وأعطيهم قلبًا واحدًا وأجعل فى داخلهم روحًا جديدًا، وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم لكى يسلكوا فى فرائضى.. “، وكلمة ” نفس nepes ” تشير إلى الإنسان ككائن حى مرتبط بجسده ” إن كنت لا تنجو بنفسك هذه الليلة، فإنك تُقتل غدًا ” (1صم11:19)، وكفرد ” وإذا وُجد رجل قد سرق نفسًا من اخوته بنى إسرائيل، واسترقَّه وباعه يموت ذلك السارق فتنزع الشر من وسطك ” (تث7:24)، ” وقل هكذا قال السيد الرب. ويل للواتي يخطن وسائد لكل أوصال الأيدي ويصنعن مخدات لرأس كل قامة لاصطياد النفوس. أفتصطدن نفوس شعبي وتستحيين أنفسكن وتنجسنني عند شعبي لأجل حفنة شعير ولأجل فتات من الخبز لإماتة نفوس لا ينبغي أن تموت واستحياء نفوس لا ينبغي أن تحيا بكذبكن على شعبي السامعين للكذب ” (حز19،18:13).
إن النفس، فضلاً عن أنها لا توجد وجودًا سابقًا كما كان يزعم أفلاطون، فهى الإنسان كله (تك7:2). والقلب (leb) يمثل الإنسان الداخلى الجوهرى فى وضع مضاد لمظهره الخارجى (1صم7:16). ونظرًا للترجمة السبعينية للعهد القديم، فقد اختلط الفكر اليونانى بهذه المفاهيم وامتد أثرها إلى العهد الجديد.
2 ـ أنثروبولوجيا العهد الجديد:
إن العهد الجديد، شأنه شأن العهد القديم، لا يهتم بأن يقدم لنا أنثروبولوجيا منعزلة، فإن القضايا التى تختص بالإنسان هى على الدوام تُناقش من وجه نظر ثيولوجية. إنه على الدوام يتحدث عن الإنسان تجاه الله: فى خلقته، فى اختياره، فى سقطته، فى فدائه وخلاصه. الحديث عن وحدة الإنسانية والمساواة بين البشر، لا يُقدم فى فكر نظرى أو فى مفاهيم مجردة، ولكنها أمور تتحقق فى المجتمع المسيحى (غلا28:3). بالمسيح ومن خلاله يتحقق الإنسان الجديد (أف15:2). وكذلك، وفى نفس الوقت، فإن الاختلافات بين البشر تتحقق من خلال انتخاب الله ” هكذا يكون الآخرون أولين والأولون آخرين، لأن كثيرين يُدعون وقليلين يُنتخبون ” (مت16:20)، وأيضًا من خلال اختلاف هبات الروح القدس الخاصة فى الكنيسة (1كو12).
إن دعوة السيد المسيح العامة للبشر لكى يتوبوا عن خطاياهم، تفترض أن الجميع قد أخطأوا وأعوزهم مجد الله (مر15:1)، وفى نفس الوقت هناك من الآيات ما يشير إلى القيمة الكبرى التى وُضع الإنسان فيها من قبل الله ” ألستم أنتم بالحرى أفضل منها (من طيور السماء) ” (مت26:6). وحتى فى وضعه الخاطئ (لو15) فإن الله يدعو الإنسان لكى يحظى بالبنوة للآب ” أن يكون كاملاً مثله ” (مت45:5). وفى (لو14:2)، يتكلم فى صياغة سامية عن البشر الذين هم أُناس مسرة الله (™n ¢nqrèpoij eÙdok…aj) إن حالة المضاف إليه فى هذه العبارة يغير من علاقة الملكية، أى البشر باعتبارهم يمتلكون مسرة الله (أنظر لو22:3). فالمقصود بهذه العبارة الإشارة إلى شعب المسيا المختار للخلاص.
وعند الرسول بولس، فإن الإنسان ” العتيق ” هو إما يلتزم بالناموس (رو17:2، وما بعده) أو يثور على الحق الإلهى (رو18:1 وما بعده). لقد ضل الإنسان فى معرفته لله ولذلك تركه الله إلى ضلاله (رو21:1 وما بعده). والرسول يتحدث عن مسئولية الإنسان (رو1:2)، على أن الإنسان يعجز عن أن يفعل الخير بنفسه (رو18:7، وما بعده). وهذا التوتر الروحى الذى يعيشه الإنسان لا يمكن أن يتغلب عليه الإنسان إلاّ بقدرة الله من خلال الرب يسوع المسيح (فى13،12:2). إن الإنسان الجديد يحصل على حريته من خلال المسيح آدم الثانى (رو9:5، 1كو15) ويصير خليقة جديدة (2كو17:5). والمعمودية هى موت الإنسان العتيق (رو6:6). ومن خلال اتحاد الإنسان بالمسيح يولد الإنسان من جديد (أف22:4). ولكن هذا لا يتحقق من خلال قدرات الإنسان الشخصية ولكن فقط من خلال حياته الجديدة فى المسيح (رو1:8ـ17).
وهناك مفاهيم أنثروبولوجية مهمة فى ثيولوجية الرسول بولس (الجسد، النفس، الروح، العقل، الضمير، إنسان الداخل وإنسان الخارج، نفسانى وروحانى)، وهذه جميعها سوف نعالجها بالتفصيل فيما بعد.
3 ـ العهد الجديد والسيكولوجيا الحديثة:
سيكولوجيا العهد الجديد، هى سيكولوجيا عملية practical أكثر منها علميةscientific، وتُفهم فى مجالها الخاص. فحيث إن العاطفة القوية، غالبًا ما تؤثر على الأجزاء الأدنى للجسد، فإن الأحشاء (spl¦gcnon) (أع18:1) تستعمل كقاعدة الانفعالات، وهى ما يقابل القلب فى الاستعمال الحديث. ومن الأمثلة على ذلك:
” بأحشاء رحمة إلهنا التى بها افتقدنا المشرق من العلاء ” (لو78:1)، ” لستم متضيقين فينا، بل متضيقين فى أحشاءكم ” (2كو12:6)، ” وأحشاؤه هى نحوكم بالزيادة متذكرًا طاعة جميعكم ” (2كو15:7)، ” فإن الله شاهد لي كيف اشتاق إلى جميعكم في أحشاء يسوع المسيح” (فى8:1)، ” إن كانت أحشاء و رأفة فتمموا فرحي حتى تفتكروا فكرًا واحدًا ” (فى1:2)، “فالبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات ولطفًا وتواضعًا ووداعة وطول أناة محتملين بعضكم بعضًا ” (كو13،12:3)، ” لأن أحشاء القديسين قد استراحت بك أيها الأخ ” (فل7)، ” أرح أحشائي في الرب ” (فل20)، ” وأما من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجا وأغلق أحشاءه عنه، فكيف تثبت محبة الله فيه ” (1يو17:3)، وفى فل12 نستعمل كلمة أحشائى بمعنى محبوبى ” فاقبله الذى هو أحشائى”، والفعل (splagcn…zomai) يعنى: يتحنن, يشفق (مت14:14, مر41:1، لو13:7).
وأما العقل (noàj) فكما جاء فى قاموس خنجريشن فيُستعمل بالمعانى التالية:
1 ـ ذهن، العقل كقوة للتفكير (لو45:24، 1كو14:14، فى 4:7 , رؤ17:13). استقرار ذهنى (2تس2:2)، العقل المفكر (رو25،23:7).
2ـ عقل , طريقة التفكير: (رو28:1 , 1كو10:1, أف17:4, كو18:2، تى15:1).
3ـ فكر: (رو34:11؛ 5:14, 1كو16:2) [5].
وأما القلب فيقف موقفا وسطًا بين العاطفة والعقل، لأنه فى بعض الأحيان يمثل العاطفة (ولكن فى درجة أقل من الأحشاء) وفى أحيان أخرى يمثل الحياة الداخلية بما فيها من معنى الإرادة والمشيئة.
وإليك بعض الأمثلة التى تعبر عن مفهوم القلب فى العهد الجديد:
قلب كمركز الحياة الطبيعية (أع17:14)، جوهريًا كمركز ومنبع الحياة الداخلية كلها (مت35:18، لو15:16، 2كو12:5، 1تس4:2، 1بط22:1). عن العواطف (يو6:16، رو24:1، عب22:10). عن الإرادة (أع23:11، رو5:2، 2بط14:2). ويمكن أن تُترجم هذه الكلمة أيضًا إلى فكر (لو25:24، أع23:7، رو21:1، 2كو7:9)، وقريبة من معنى الضمير فى (1يو20:3). وفى (مت40:12) استُعملت بمعنى: الداخل ـ المركز [6].
وسوف نناقش كل هذه الأمور فيما بعد بشئ من التفصيل، عندما نتحدث عن العناصر التى يتكون منها الكيان الإنسانى.
ويتفق علم النفس المبنى على كتاب العهد الجديد، مع اصطلاح علم النفس الحديث “السيكوسوماتيك psychosomatic” من حيث النظر إلى الإنسان كوحدة جسمية نفسية متكاملة. فقد حدثت فى السنوات الأخيرة حركة علمية جديدة ترمى إلى توجيه عناية الطبيب إلى المريض من حيث هو إنسان، لا من حيث هو مجموعة أعضاء فحسب، وتُعرف هذه الحركة بالطب السيكوسوماتى، أى الطب الجسمى النفسى. ويقول الدكتور يوسف مراد: لقد أقيم الدليل نهائيًا على أن بعض الأمراض العضوية، وعلى الخصوص الأمراض المزمنة التى تعترى أجهزة الهضم والدورة الدموية والتنفس نشأ عن أسباب نفسية، كما أنه لا يمكن شفاء هذه الأمراض، أو على الأقل تخفيف أعراضها إلا بمعالجة المريض معالجة نفسية لا يمكن أن تجدى بدونها وسائل العلاج الطبى الأخرى. كما أنه قد أُتيح لبعضهم مشاهدة ما يعترى غشاء المعدة عندما يكون الشخص فى حالة توتر انفعالى ناشئ عن القلق أو الغضب أو الحرمان، فلوحظ ازدياد حركة جدران المعدة وإفراز السوائل الحمضية واحتقان النسيج المعدى وظهور بقع من النزيف والتقرح [7].
على أننا نأخذ فى اعتبارنا ما قال به Colin Brown:
إن العهد الجديد يمكن أن يتفق مع الاصطلاح الحديث سيكوسوماتيك(Psychosomatic)، ولكنه يحور الكلمة إلى بنفماتو سيكوماتيك(Pneumato Pschosomatic)[8], أى يدخل عامل الروح كعنصر أساسى فى تفسير الكيان الإنسانى.
وعلى العموم نقول: إنه من الخطأ أن نأخذ علم النفس الحديث ونجعله بشكل مطلق أساسًا لتفسير العهد الجديد. بلا شك هناك الكثير من نقاط التلاقى , ولكن أيضًا هناك الكثير من نقاط الاختلاف. والأمر المهم هو أننا يجب أن نفهم المبادئ الأساسية التى يقوم عليها التعليم المسيحى ولا نخضع هذه المبادئ لأية مبادئ أخرى سواء فى مجال علم النفس أو مجال الفلسفة , ولكنه مع ذلك يمكن أن نستفيد مما يكون هناك من معارف صحيحة سليمة فى هذين الميدانين كوسائل توضيحية لفهم التعاليم المسيحية.
ونشير كمثال فى علم النفس إلى محاولة تفسير الإنسان كمجموعة من الأفعال المنعكسة الشرطية (Conditional reflexes). ويمكن شرح الفعل المنعكس على النحو التالى:
الشخص يقرن بين رؤية الحرف , والحركة اللازمة للكتابة. والبصر هنا شرط من شروط أداء الحركة، وتكون الحركة إذن مشروطة بالمنبه البصرى. فإذا ربطنا بين المنبه الحسى والحركة ربطًا آليًا نكون بصدد النظرية التى تقيم عملية التعلم على اكتساب الفعل المنعكس الشرطى. ولكن الواقع أن استجابة الشخص للمنبه الشرطى هى استجابة قائمة على عملية إدراكية، يدرك الشخص أثناءها دلالة المنبه الشرطى. وبموجب هذا الإدراك لدلالة المنبه الشرطى تتم الاستجابة. ومن هنا تختلف الاستجابة بين شخص وآخر حسب اختلاف ما يحمله المنبه له من دلالة. فليست عملية اكتساب الفعل المنعكس الشرطى آلية محضة، فإن أثر الإدراك ظاهر منها بجلاء، إذ ينتقل الموقف من حالة تعميم إلى حالة تخصيص [9]. ومن هنا فإن أعمال السيد المسيح المعجزية لم تُقابل بنوع واحد من الاستجابة من قِبل الذين شاهدوا هذه الأعمال. فلما شفى السيد المسيح اليد اليابسة كان من الممكن أن تكون الاستجابة لهذا الفعل هى الإيمان بالسيد المسيح على هذا العمل المعجزى. ولكن الذى حدث عكس ذلك. فإن الفريسيين خرجوا مع الهيرودسيين وتشاورا عليه لكى يهلكوه، ولذلك نظر السيد المسيح حوله إليهم بغضب حزينًا على غلاظة قلوبهم (مر1:3). ولذا يقول الرسول بولس فى رسالته إلى العبرانيين: ” بل عظوا أنفسكم كل يوم ما دام الوقت يُدعى اليوم لكى لا يقسى أحد منكم بغرور الخطية ” (عب13:3). وقد يحدث أن يكون رد الفعل لموقف من المواقف هو انعكاس للاهتمامات الشخصية، كما ظهر هذا فى تصرفات ديمتريوس الصائغ الذى كان يصنع هياكل فضة لأرطاميس وكان يكسب الصناع مكسبًا ليس بقليل، ولذلك أثار الشعب على بولس لأنه كان يقول إن التى تُصنع بالأيادى ليست آلهة (أع21:19ـ29). إن عمل المسيحية واضح فى تأثيرها على الاستجابات الشخصية التى تصدر عن الإنسان. إن تجديد الاستجابات الشخصية بعمل الروح القدس هو نوع من الشروط التى تحدد نوعية الاستجابة، وهذا يدفع الإنسان لأن يستجيب فى سرور وتعقل لإرادة الله، ولذا يقول الرسول بولس: “ولا تشاكلوا هذا الدهر بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هى إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة ” (رو2:12). وفى كلمات أخرى، فإن الله جعل الإنسان قادرًا لأن يبنى نموذجًا للحياة يصبح بالنسبة له ـ كما نقول ـ طبيعة ثانية له [10].
أما بالنسبة لعلم النفس القديم نقول: إذا كان علم النفس القديم يضع الأهمية فى عنصر ما من عناصر التكوين الإنسانى، فليس الأمر كذلك بالنسبة لسيكولوجيا العهد الجديد. فمثلاً كان لأفلاطون نظرية فى النفس فحواها كالآتى: يرى أفلاطون أن قوى النفس ثلاث: الأولى قوة شريرة منحطة، والثانية قوة عالية نبيلة، ويتوسط بين القوتين، قوة ثالثة تجمع بين كلتا القوتين. أما القوة الأولى، وهى القوة الشريرة، فهو ما يسمى باسم القوة الشهوية. وهى التى تصدر عن الاحساسات والتى يسودها عنصر اللذة والألم بالمعنى الحسى الخالص، وهذه القوة موضعها البطن. وفوق هذه القوة، قوة الكبرياء أو توكيد النفس أو السيطرة أو محاولة السيادة على الآخرين، وهى ما يسمى باسم القوة الغضبية. وهذه القوة موضعها الصدر، أو القلب بعبارة أدق. وهذه القوة الثانية مرتبة فى خدمة قوة عليا هى أعلى هذه القوى الثلاث، وهى مصدر العلم، وهذه القوة (هى القوة العاقلة) وموضعها الدماغ. وما يقابل الإحساس وهو القوة الشهوية، فى أحط المراتب. وما يقابل العلم، وهو القوة العاقلة، فى أعلى المراتب. وما يقابل الشجاعة فى المرتبة الوسطى. والقوة العاقلة تمنع الشهوة من أن تتجاوز حدودها مستعينة فى ذلك بالشجاعة. ولهذا فالواجب أن تكون السيادة دائمًا للقوة العاقلة، وأن تكون الشجاعة فى خدمة القوة العاقلة، وأن تكون الشهوات عارفة لحدودها، خاصة للأوامر التى تصدر إليها من العقل. أما إذا ترتبت هذه القوة ترتيبًا عكسيًا فسينتج من ذلك فساد فى النفس. مظهرة فى الأخلاق الشر والرذيلة. فكان المثل الأعلى للنفس، هو إذن فى انسجام هذه القوى المختلفة. ومعنى هذا الانسجام أداء كل لوظيفته الخاصة [11].
أما أرسطو فقد قال فى النفس ما يلى: لو نظرنا إلى الإنسان فإننا نجد كائنًا مكونًا من جسم ونفس، وله وظائف جسمانية ووظائف عقلية. أما الوظائف الجسمانية فإنما يشترك فيها مع باقى أنواع الحيوان، بل يشترك مع بعض أنواع النبات بما له من نفس نباتية. وإنما يتميز الإنسان عن باقى الكائنات الحية بنفس ناطقة. وفى نشاط هذه النفس الناطقة يمكن تجديد فضيلته.
وهذه القوة الناطقة أو العاقلة تختلف عن باقى قوى النفس الأخرى لأنها غير مرتبطة بالجسم، فالعقل مفارق للبدن. والعقل هو الذى يدرك الماهيات المعقولة ويقوم بتجريد المعانى العقلية والماهيات الكلية. وفى العقل قوتان: قوة قابلة لتلقى جميع المعقولات، وبها المعقولات بالقوة، ولكنها لا تعقل هذه المعقولات بالفعل إلاّ بفضل القوة الأخرى التى هى قوة فعّالة، وتقوم بأخراج المعانى الكلية من الجزئيات كما يظهر ضوء الشمس الألوان ويحولها إلى الوجود بالفعل فى العين الإنسانية.
وهكذا، فإن أرسطو يقول بوجود عقلين فى النفس الإنسانية، عقل منفعل وعقل فعّال. والعقل الفعال خالد ومفارق وأزلى، إنه يأتى الإنسان من الخارج [12].
أما بالنسبة لنظرة المسيحية للإنسان، فنشير إلى ملاحظتين:
1 ـ إن آراء الفلاسفة اليونانيين تقسم الشخصية الإنسانية وتجزئها إلى قوى متحاربة ومتصارعة تحاول كل منها السيطرة على الأخرى. وبهذا الانقسام فى الشخصية يُنظر إلى الشهوات كما لو كانت كائنات مستقلة يمكنها أن تقاوم الذات الأخلاقية. فهل من الممكن أن نسلم بهذا الرأى، نأخذ بهذا الاعتقاد ؟ وهل من الممكن للشخصية الإنسانية الواحدة غير المتجزئة أن تُقسم إلى قوة سامية وقوة منحطة، وإلى قوة أخلاقية وقوة غير أخلاقية، وإلى قوة متحاربة تهدف إلى انتصار الخير أو إلى انتصار الشر ؟
إن مثل هذا الانقسام فى الشخصية لا نجده إلاّ عند هؤلاء الذين لا يتمتعون بالصحة النفسية.
إن كل شئ يصدر عن الإنسان، يصدر عن الذات كلها: الحكم، الإدراك، الأفكار، الشهوات، العواطف. إن الذات تفكر، الذات تدرك، الذات كلها تفعل الخير أو الشر. وعلى ذلك فإن الدوافع والشهوات لا تمثل ذاتًا أخرى هى ذات الشر تقاوم وتعارض الذات الخيرة، وإنما هى قوة فى خدمة الذات الواحدة تعمل تحت إرشادها وتوجيهها ولخدمة الأهداف والأغراض التى تسعى الذات فى تحقيقها [13].
2 ـ إذا كان كل من أفلاطون وأرسطو يضعان الشخصية فى القوة العاقلة، ولذلك يجب أن تكون السيادة دائمًا فى هذه القوة العاقلة، وعن طريق سيادتها على القوى الأخرى تتحقق الفضيلة للإنسان، فإن النظرة المسيحية يعبر عنها الرسول بولس فى رسالته إلى أفسس عندما يجعل السيد المسيح نفسه رأس الجسد وحاكمه، فيقول ” ننمو فى كل شئ إلى ذاك الذى هو الرأس المسيح الذى منه كل الجسد مركبًا معًا ومقترنًا بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصل نمو الجسد لبنيانه فى المحبة ” (أف16،15:4).
4 ـ العهد القديم كتمهيد أساسى لتعليم العهد الجديد عن الإنسان:
لم يعرف العبرانيون، بحسب تعاليم العهد القديم، ثنائية النفس والجسد فى شخصية الإنسان، كما عرفها الفكر اليونانى. فبالنسبة للفكر العبرانى، فإن العناصر التى يتكون منها الكيان الإنسانى، لا تمثل عناصر متصارعة ولكنها تمثل اتجاهات متعددة للشخصية الإنسانية الواحدة. لقد نظر العبرانيون إلى النفس نظرة فيزيائية، ونظروا إلى العناصر الفيزيائية على اعتبار أن لها وظائف نفسية، حتى أن أى نشاط يقوم به الإنسان يرتبط بالنفس أو القلب أو الوجه أو اليد، فإنه يمثل الإنسان كله ويتضمن باقى العناصر أو الأعضاء. فالدم والشعر والعرق واللعاب وأثر القدم، كل هذه ترتبط بالقوى الحيوية للشخصية بأكملها، فلم يوجد فى الفكر العبرى هذا التمييز بين ما هو طبيعى وما هو ميتافيزيقى. إن السيكولوجية العبرية تبدأ بالإنسان ككل (بأجمعه ـ بأسره)، وهو ككل يفكر ويشعر ويعبر عن نفسه من خلال وسط جسمى وغير جسمى. وعلى ذلك فإن العناصر المتضمنة فى تكوينه ليس لها تحديد عضوى. بلا شك فإن لهذه الأعضاء المتميزة فى الجسد وضعها الخاص، ولكنها فى العمل تتجاوز ذاتها لتشير إلى الإنسان كله وتشمل كل الأعضاء الأخرى. إنه من السهل أن تتحدث عن العضو باعتباره متضمنًا للأعضاء الأخرى من أن تتحدث عن العضو لكى تحدده فاصلاً بينه وبين الأعضاء الأخرى. إن العقل العبرى لا يستحسن التقسيمات التأملية حيث نحاول أن نضع حدودًا بينما لا توجد حدود. إن الجسد والنَفَس الإلهى معًا هما اللذان يكونان الإنسان. فالإنسان ليس ذلك الجسد أو ذلك النَفَس الإلهى، بل هو كلاهما معًا. ولذلك فليس هناك اعتقاد فى الفكر العبرى بوجود سابق للنفس. إلى هذا الحد يرتبط الجسد بالنفس فى الفكر العبرى حتى أنه يتحدث عن النفس فيصفها بصفات جسدية لا تناسب غير الشيء المادى، مثل: ” يبست أنفسنا ” (عدد6:11)، ” أعيت أنفسهم فيهم ” (مز5:107). وفى سفر التثنية تتحد النفس مع الدم اتحادًا كاملاً ” احترز أن لا تأكل الدم، لأن الدم هو النفس، فلا تأكل النفس مع اللحم ” (تث23:12). لم يكن يُسمح بأكل الدم لأن الدم يحوى النفس. وهذه ملك لله. لقد اتسع مفهوم النفس عن مجرد مبدأ للحياة، لكى يشمل المشاعر والعواطف والإرادة وحتى الملكة العقلية عند الإنسان. فى (حز9:23) ترتبط النفس بالمشاعر ” لا تضايق الغريب، فإنكم عارفون نفس الغريب لأنكم كنتم غرباء فى أرض مصر ” (حز9:23)، ” وقالوا بعضهم لبعض، حقًا إننا مذنبون إلى أخينا الذى رأينا ضيقة نفسه لما استرحمنا ولم نسمع ” (تك21:42)، ” رجال أنفسهم مُرة ” (قض25:18)، ” وهى مُرة النفس ” (1صم10:1). واستُعملت لتعبر عن الرغبة ” فتكون لك زوجة، وإن لم تُسرّ بها فأطلقها لنفسها ” (تث14:21). وترتبط النفس بالمعرفة ” كون النفس بلا معرفة ليس حسنًا ” (أم2:19)، ” كذلك معرفة الحكمة لنفسك، إذا وجدتها فلابد من ثواب ورجاؤك لا يخيب ” (أم14:24). وتعنى الضمير ” لأنه كما شعر فى نفسه هكذا هو ” (أم7:23)، والبصيرة الدينية ” عجيبة هى أعمالك ونفسى تعرف ذلك يقينًا ” (مز14:139).
وحيث إن النفس استُعملت لكى تغطى كل أوجه النشاط الإنسانى، فليس غريبًا أن تُستعمل كمرادفة للإنسان نفسه. لقد كان عدد الأسرات يُحسب باعتبار أن كل نفس تمثل فردًا ” فأخذ ابرآم ساراى امرأته ولوطًا ابن أخيه وكل مقتنياتهما التى اقتنيا والنفوس التى امتلكا فى حاران.. ” (تك5:12)، ” وابنا يوسف اللذان وُلدا له فى مصر نفسان. جميع نفوس بيت يعقوب التى جاءت إلى مصر سبعون ” (تك27:26). وفى (لا25:7) يتحدث عن النفس التى تأكل لحم الذبيحة، كما لو أن النفس تعنى ” شخصًا ” فيقول ” إن كل من أكل شحمًا من البهائم التى يُقرب منها وقودًا للرب، تُقطع من شعبها النفس التى تأكل “، وكذلك فى (لا27:7) يقول ” كل نفس تأكل شيئًا من الدم تُقطع تلك النفس من شعبها “. وهذا الشمول فى المعنى، يرجع إلى أن الفكر العبرى لم يعزل بين الوظائف الجسمية والوظائف الميتافيزيقية، فالإنسان بأكمله يكون متضمنًا فى كل وظيفة. والوظائف فى مجموعها تكشف عن الإنسان فى توجهاته المتعددة.
لم يقتنع الفكر العبرى أن ينظر إلى الإنسان كمجموعة من الانفعالات، بل نظر إلى الانفعالات كلها، كما لو أنها متضمنة فى كل انفعال. إن الإنسان متعدد فى اتجاهاته ولكنه غير منقسم فى الطبيعة. إن الإنسان بأكمله ينفعل ويجوع ويفكر، لأن كلاً من هذه الوظائف يتطلب الشخصية الإنسانية بأكملها، ولا يحدث فصل بين ما هو جسمى أو عاطفى أو عقلى[14].
وهناك اصطلاح ثان فى العهد القديم ـ غير النفس ـ استُعمل للتعبير عن الحياة الروحية، وهو ” الروح “. وفى نبوة حزقيال تبدو وظيفة الروح واضحة، فهى التى أعطت الحياة للعظام اليابسة. ولكن كيف فُهمت الروح فى هذا النص ؟ جاء فى نص النبى حزقيال ما يلى:
” فتنبأت كما أُمرت. وبينما أنا أتنبأ كان صوت وإذا رعش فتقاربت العظام، كل عظم إلى عظمه. ونظرت وإذا بالعصب واللحم كساها وبُسط الجلد عليها من فوق وليس فيها روح. فقال لي تنبأ للروح. تنبأ يا ابن آدم وقل للروح هكذا قال السيد الرب هلم يا روح من الرياح الأربع وهب على هؤلاء القتلى ليحيوا. فتنبأت كما أمرني فدخل فيهم الروح فحيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدًا جدًا ” (حز7:37ـ10). وعلى ذلك جاءت الروح من الرياح الأربع وملأت الجسد بالنفس أو بنسمة الهواء ومن ثم عادت الحياة. إن المعنى الأصلى لكلمة الروح ـ كما تبدو فى هذا النص، هو ” الهواء فى الحركة “.
واستُعملت الكلمة لكل أنواع الرياح. وفى سفر القضاة قيل أن شمشون شرب الماء فعادت روحه ” فشق الله الكفة التى فى لحى فخرج منها ماء فشرب فرجعت روحه فانتعش ” (قض19:15).
ولسنا هنا فى مجال المناقشة المفصلة للمقارنة بين مفهوم الروح ومفهوم النفس فى العهد القديم، ولكن من الملاحظ أنه حيث يُشار إلى العلاقة بين الإنسان والله تُستعمل كلمة “روح”، وحيث يُشار إلى العلاقة بين الإنسان والإنسان تُستعمل كلمة ” نفس”. أى أن كلمة ” روح ” تعبر عن الاتجاه الروحى للإنسان، وكلمة ” نفس ” تعبر عن الاتجاه النفسى، والمهم أنه فى كلتى الحالتين الروحية أو النفسية، فإن الحديث يتضمن الإشارة إلى الإنسان ككل، وأن الإنسان كله يكون متضمًا فى أى الاتجاهين. وكما قُلت سابقًا، فإن أى عنصر من العناصر التى يتكون منها الإنسان، فهو يشير إلى الإنسان كله.
وما قلناه عن النفس أو الروح، نقوله أيضًا عن الجسد، فإن كلمة الجسد فى العبرية “basas ” تُستعمل أيضًا كعنصر نفسى على الرغم من أنها تشير إلى اللحم. ومن خلال وظائف الأعضاء الجسدية، نمت السيكولوجية العبرية. ومن ناحية أخرى، فإن استعمالها فى العهد القديم يكشف عن أنها تشير إلى الإنسان كله وليس إلى جزء منه، كما يبدو من الآيات التالية:
” قلبى ولحمى يهتفان بالإله الحى ” (مز2:84) (فاللحم هنا يهتف لله الحى)، “يشتاق إليك جسدى فى أرض ناشفة ويابسة بلا ماء ” (مز1:63) (والجسد هنا يشتاق إلى الله)، ” جسدى أيضًا يسكن مطمئنًا ” (مز9:16) (والجسد هنا يثق فى الله ويتكل عليه).
وعندما قال إرميا النبى ” ليس سلام لأحد من البشر ” (إر12:12)، فإنه استعمل كلمة “اللحم ” فى معنى ” البشر “، أى أنه لم يستعمل كلمة اللحم ليشير إلى الجزء المادى من الإنسان، بل إلى الإنسان كله. وعلى ذلك فكلمة ” اللحم ” فى بعض معانيها تعنى: الإنسان كله.
والخلاصة ـ كما قلنا ـ فإن هذه العناصر المكونة للإنسان لا تشير إلى أعضاء متمايزة تُعامل كما لو أنها أعضاء ينفصل الواحد منها عن الآخر، وتخضع لدراسة تشريحية خاصة، بل إن هذه العناصر، تمثل اتجاهات متعددة فى حياة الإنسان.
5 ـ هل نجد فى الفكر اليونانى الفلسفى خلفية لمفهوم الإنسان فى العهد الجديد ؟:
إذا كنا وجدنا فى العهد القديم خلفية تصلح أساسًا لفهم الإنسان فى العهد الجديد، فهل يمكن أن نجد فى الفكر اليونانى الفلسفى مثل هذه الخلفية ؟
هناك من الباحثين من يتطرف فى تقدير قيمة الفلسفة اليونانى بالنسبة إلى الفكر المسيحى، وينظر إلى المسيحية كما لو أنها تستمد أصولها من الفكر اليونانى.
تقول الدكتور أميرة حلمى مطر:
لقد أثرت نظرية فيلون فى العقيدة المسيحية وظهرت آثارها فى إنجيل يوحنا، وهو الإنجيل الرابع الذى يُرجح أن يكون قد كُتب فى القرن الثانى الميلادى وتأثر كاتبه بفيلون.
وشبيه بهذا الزعم الخاطئ، ما نجده فى المقارنة التى أقامها الدكتور عثمان أمين، بين المسيحية والرواقية، حيث يقول:
إذا رجعنا إلى بعض آراء الباحثين المسيحيين ـ فيما يقول ـ وجدنا منهم من يرى فى المذاهب الرواقية ” تمهيدًا للإنجيل ” بل لقد ظهر باللغة الألمانية كتاب ذهب فيه صاحبه إلى أبعد من هذا، فقرر أن ” الرواقية أصل المسيحية ” وجعل هذه العبارة نفسها عنوان كتابه.
ويمضى الدكتور عثمان أمين فيقول:
من المشهور لدى الباحثين فى الإلهيات المسيحية أن رسائل ” بولس الرسول ” هى فى لهجتها ومضمونها قريبة الشبه برسائل ” سنكا ” ومقالات ” ابكتيتوس “. وتعليل ذلك ما هو معلوم من نشأة بولس الرسول ببلاد ” طرسوس ” فى وسط قد شاعت فيه الأفكار الرواقية. فبولس الرسول مثلاً يرى رأى الرواقيين فى عدم الاكتراث بما يحيط الإنسان من ظروف خارجية إذ لا دخل لها عنده فى نجاة الإنسان وسلامة روحه. ثم أن ” أبكتيتوس ” و ” بولس” كانا كلاهما ينشدان فى الثقة بالله مصدر قوتهما، وقد وجد كلاهما من نتائج هذه الثقة إيمانًا وهدوءًا فى كافة ظروف الحياة. ويمكن مقارنة صورة ” الحكيم ” التى رسمها ” أبكتيتوس ” بصورة ” الرسول ” الذى بعثه الله على الأرض. وإذا تأملنا استعمال ” بولس الرسول ” للفظ ” الجسم ” مثلاً وجدناه استعمالاً رواقيًا بحتًا. وكذلك طريقته فى تحليل الأجسام وأنواعها من أرضية وحيوانية وسماوية. وقس على ذلك تحليل بولس ” للطبيعة البشرية ” فنحن نرى ـ فيما يزعم الدكتور عثمان أمين ـ إنه بنى نظريته على أساس رواقى، إذ يرى أن الإنسان وحدة جوهرية، وموضوع هذه الوحدة أشياء ثلاثة: ” الروح والحياة الحيوانية والجسد “. فالنفس يشترك فيها الإنسان والحيوان. والروح يشترك فيها الله والإنسان. وبهذه النظرية يصبح الله والإنسان شريكين فى ناحية من نواحى العالم يخرج فيها الحيوان والنبات والجماد، وناحية المشاركة هى الطبيعة الروحية. ولقد قال الرواقيون بهذا.
ويزعم دكتور عثمان أمين أكثر من هذا بأن النظرية المسيحية التى تذهب إلى أن الله واحد ومتعدد فى وقت واحد، هى نظرة تمت إلى الفلسفة الرواقية بسبب وثيق، وأن أصولها مبسوط فيما كتبه ” سنكا ” فإن سنكا يدعو القوة العظمى التى أبدعت الكون تارة ” الله المسيطر ” وتارة ” الحكمة اللاجسمانية ” التى تخلق جليل الأعمال، وتارة أخرى يسميها “الروح الإلهية ” التى تجوس خلال الأشياء عظيمها وحقيرها ” [15].
كل هذه الادعاءات والمزاعم وغيرها مما لم نذكره هنا سوف يظهر بطلانها عندما نعالج بالتفصيل مفهوم الإنسان فى كتاب العهد الجديد. ويكفى أن نقول هنا ما قاله الدكتور يوسف كرم:
” وأما الرواقية فكان المسيحيون ينكرون منها قولها بوحدة الوجود، والمادية المطلقة، والضرورة العاتية، وفناء الشخصية بالموت، وجواز الانتحار. وكانوا يأخذون على أصحابها تناقضهم فى تقواهم وهم لا يعترفون لله بوجود مفارق وشخصية مستقلة.. ” [16].
(يتبع)
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أنظر:
Kittel (G), Theological dictionry of the New Testament, vol.1, Eerdmans, Michigan, U.S.A.1981.
[2] وفى “الجهورية” لأفلاطون (IX, 589a) نجد التعبير “الإنسان الباطن” (Ð ™ntÕj ¥nqrwpoj)، وكذلك فإننا نجد التعبير, “tÕ logistikÕn tÁj yucÁj ” أنظر(IV, 439d)، ويقصد به ” ملكة التفكير” فى توجهها المسكونى. وفيما بعد يسمى أفلاطون “العقل” (noàj): ” الإنسان الذى فينا المتجه نحو الحقيقة ” (Plant, 42), أو “الإنسان فى الإنسان” (Ð ¥nqrwpo ™n ¢nqrèpw) (Congr., 97). وفى موضع آخر , يحدد قوة الإدراك العقلية (logik¾ di£noia) بأنها ” الإنسان المتجه نحو الحق ” (Ð prÕj ¢l»qeian ¥nqr.). وفي الـHermatica هناك تمييز بين الجسد الأرضى للإنسان الأول وبين إنسانه الباطن (Ð œsw aÙtoà ¥nqrwpoj) الروحانى (Ð pneumatikÒj)، ويعتبر الإنسان الخارج (Ð œxw ¥nqrwpoj) كالسجن بالنسبة للإنسان الباطن. والخلاصة أن كل إنسان يحمل فى نفسه كائنا إلهيًا, وهو الإنسان الجوهرى(Ð oÙsièdhj ¥nqropwj) أو الإنسان الأساسى (Corp. Herm., 1, 15).
ويُلاحظ أن هذه العبارات التى تشبه عبارات الرسول بولس، قد وُجدت بشكل متسع فى الفلسفة اليونانية، كما وُجدت عند الغنوسية اليونانية، وفى التصوف المعاصر له، وكذلك عُرفت فى اليهودية الهلينستية. ولكن المهم هو أن الرسول بولس، كما سنوضح ذلك فيما بعد، لم يستعمل هذه العبارات بنفس الاستعمال الثنائى أو الغنوسى، بل لقد أكسب هذه العبارات مضمونًا مسيحيًا.
[3] Thayer’s Greek English Lexicon of the New Testament, Zandervon 1976.
[4] Brown (C.), Dictionary of New Testament Theology, Zandervon, vol. 2. p.564-569.
5 معجم العهد الجديد اليونانى المصغر لمؤلفه ف. ولبر جنجريشن، شيكاغو 1957، ترجمة رابطة الدراسات اللاهوتية فى الشرق الأوسط، بيروت.
6 المرجع السابق.
7 يوسف مراد: مبادئ علم النفس العام ـ دار المعارف بمصر 1954 ص130ـ133.
[8] Brown (C.), ibid, p. 565.
9 يوسف مراد: مبادئ علم النفس العام ـ الطبعة الثانية ـ دار المعارف بمصر 1954 ص 191ـ194.
[10] Brown (C.), ibid, p. 568.
11 عبد الرحمن بدوى: أفلاطون ـ مكتبة النهضة المصرية 1944 ص 205 ـ 207.
12 أميرة حلمى: الفلسفة عند اليونان ـ دار مطابع الشعب ـ 1965 ص 231، 226.
13 أنظر كتابنا: فى الديانة المسيحية ـ مطبعة الناسخ الحديث ص 27، 28.
[14] Stacey (W.D.), The Pauline View of Man, Macmillan, London, 1956, p. 85-87.
15 دكتور عثمان أمين: الفلسفة الرواقية ـ الطبعة الثانية ـ مكتبة النهضة المصرية 1958 ـ الباب الرابع ” الرواقية والمسيحية ” ص 286 ـ 293.
16 يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية ـ دار القلم ـ بيروت ـ لبنان ص 254.
الإنسان – الإنسان فى تعاليم العهد الجديد – د.موريس تاوضروس
كيف نفهم اليوم قصة ادم وحواء PDF – كوستي بندلي
عمل الكلمة الخلاصى فى تجسده من اجل الانسان.
————————————————————————-
[1] الدفاع عن الحروم الاثنى عشر ضد ثيؤودوريت
[2] عظة 20:29
[3] العظة الاولى عن القيامة
[4] عظات للموعظين15:12
[5] عظات للموعظين 2:13
[6] الرسالة الى ابيكتيتوس :6
[7] ضد الهرطقات 5:4
[8] ضد الهرطقات 6,5:4
[9] ضد الهرطقات 1:19:3
[10] عظة 23:7
[11] عظة 9:45
[12] ضد الاريوسيين 70:2
[13] تجسد الكلمة 4,3:54
اما الرجل ففارغ عديم الفهم وكجحش الفراء يولد الانسان
اما الرجل ففارغ عديم الفهم وكجحش الفراء يولد الانسان
يتناول البعض من غير المسيحين بالسباب بكلمة جحش الفرا بدون معرفة بمعني اصلا لفظ جحش الفراء او بما قاله الكتاب المقدس او حتي ادني علم بمن قائل هذا الكلام ولماذا قيل او حتي سياق الكلام فهم كالعادة يتخذون النص من سياقة مقتطفين اياه متهللين بجهل شديد
في سفر ايوب نجد حوار بين ايوب واصدقائة الثلاثة المسمين: اليفاز التيماني, وبلدد الشوحي, وصوفر النعماني
+ أليفاز التيماني: لاهوتي متدين أشبه بالفريسيين استنبط براهينه من دروس تعلمها في حلم أو رؤيا
+ بلدد الشوحي: اعتمد علي أمثال قديمة (8: 2 – 13)
هام + صوفر النعماني: ظن أنه صاحب معرفة وحكمة، اعتمد علي خبرته وتفكيره العقلي
قبل ان ابدء في الرد علي الاية
هنا نتسال عدة اسالة ثم نذهب الي عمق الشبهة
من قائل كجحش الفرا ؟!
و هل الرب ؟!
أم أيوب البار ؟!
أم أحد الانبياء ؟!
11: 1 فاجاب صوفر النعماتي و قال
11: 2 اكثرة الكلام لا يجاوب ام رجل مهذار يتبرر
11: 3 اصلفك يفحم الناس ام تلخ و ليس من يخزيك
11: 4 اذ تقول تعليمي زكي و انا بار في عينيك
11: 5 و لكن يا ليت الله يتكلم و يفتح شفتيه معك
11: 6 و يعلن لك خفيات الحكمة انها مضاعفة الفهم فتعلم ان الله يغرمك باقل من اثمك
11: 7 االى عمق الله تتصل ام الى نهاية القدير تنتهي
11: 8 هو اعلى من السماوات فماذا عساك ان تفعل اعمق من الهاوية فماذا تدري
11: 9 اطول من الارض طوله و اعرض من البحر
11: 10 ان بطش او اغلق او جمع فمن يرده
11: 11 لانه هو يعلم اناس السوء و يبصر الاثم فهل لا ينتبه
11: 12 اما الرجل ففارغ عديم الفهم و كجحش الفراء يولد الانسان
11: 13 ان اعددت انت قلبك و بسطت اليه يديك
11: 14 ان ابعدت الاثم الذي في يدك و لا يسكن الظلم في خيمتك
11: 15 حينئذ ترفع وجهك بلا عيب و تكون ثابتا و لا تخاف
11: 16 لانك تنسى المشقة كمياه عبرت تذكرها
11: 17 و فوق الظهيرة يقوم حظك الظلام يتحول صباحا
11: 18 و تطمئن لانه يوجد رجاء تتجسس حولك و تضطجع امنا
11: 19 و تربض و ليس من يزعج و يتضرع الى وجهك كثيرون
11: 20 اما عيون الاشرار فتتلف و مناصهم يبيد و رجاؤهم تسليم النفس
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
نجد افتتاحية الاصحاح
يوضح لنا من هو المتكلم
11: 1 فاجاب صوفر النعماتي و قال
لاحظ عزيز القارئ الايات فستجد ان اللون الاحمر يصف صوفر النعماني قدرات الله واللون الاخضر ليوضح مدي عظمة الله ومدي عدم استيعاب الانسان لهذة العظمة
لعل المعترض يقول اليس جميع الكتاب موحي به من الله نعم موحي به لكن ما هو مفهوم الوحي عندك كل كلمة موجودة في الكتاب بسماح من الله فنجد الكتاب ذكر كلام الشيطان نفسة وتجربتة لحواء وادم وهذه الجملة على لسان النعماتي ولا بعارض الوحي لانه ايضا الشيطان تكلم وغيرة
و هنا نلاحظ ان الآيات كلها هى مقارنة بين قدرات الإله و قدرات جنس الانسان أجمع
فقد استعرض صوفر النعمانى عٍظَمْ قدرات الإله و بعد أن انهى تمجيده لقدرات الإله الخالق ايلوهيم قال اما الرجل ( و المعنى جلى واضح هو جنس الانسان Man Kind ) ففارغ عديم الفهم ( بالمقارنة بقدرات الإله الخالق إيلوهيم ياهوا ) فهذا الانسان عند ولادته يكون عاجزا حتى عن الكلام و التفكير و كانه جحش ( الجحش هو الحمار الوليد الرضيع عند ولادته – فوليد الحار الرضيع لا يطلق عليه حمارا الا اذا اصبحبالغا يافعا )
بخصوص اية
11: 12 اما الرجل ففارغ عديم الفهم و كجحش الفراء يولد الانسان
اولا ملاحظة نجد الكتاب المقدس قال كجحش وليس جحش كجحش الفرا يولد الانسان
حتي بالعودة الي النص الانجليزي
King James Bible
For vain men would be wise, though man be born like a wild ass’s colt.
American King James Version
For vain men would be wise, though man be born like a wild ass’s colt.
American Standard Version
But vain man is void of understanding, Yea, man is born as a wild ass’s colt.
Douay-Rheims Bible
A vain man is lifted up into pride, and thinketh himself born free like a wild ass’s colt.
Darby Bible Translation
Yet a senseless man will make bold, though man be born like the foal of a wild ass.
English Revised Version
But vain man is void of understanding, yea, man is born as a wild ass’s colt.
Webster’s Bible Translation
For vain man would be wise, though man is born like a wild ass’s colt.
World English Bible
An empty-headed man becomes wise when a man is born as a wild donkey’s colt.
طبعا في ترجمات كثيرة ليس هذا موضوعنا
فصوفر صاحب ايوب قال كجحش الفرا بيكلم صديقة
يقارن مجازيا بين علم ايوب وبين علم الله واى مقارنه هذة الذى تجمع بين الله الكلى المعرفة وبين ايوب الأنسان البسيط
من هو جحش الفرا:هو مولود الحمار الوحشي كما جاءة ايضا في الترجمات العربية
(ALAB)يصبح الأحمق حكيما عندما يلد حمار الوحش إنسانا.
(2SVD)أما الرجل ففارغ عديم الفهم وكجحش الفرا يولد الإنسان.
(GNA)أيصير فاقد العقل عاقلا، أم يولد حمار الوحش إنسانا؟
(JAB)بذلك يتعقل الجاهل وكجحش الحمار الوحشي يولد الإنسان.
وايضا قاموس المحيط
الجَحْشُ، كالمَنْعِ: سَحْجُ الجِلْدِ وقَشْرُهُ من شيءٍ يُصِيبُهُ، أو كالخَدْشِ، أو دونَهُ، أو فَوقَهُ، وولدُ الحِمارِ
الفَرَأْ،كَجَبَلٍ وسَحَابٍ: حِمارُ الوَحْشِ، أو فَتِيُّهُ،
فصوفر قال ان الانسان عندما يولد يكون مثل مولود الحمار الوحشي في المعرفة الذي منتشر في البيئة المحيطة الصحراوية
طيب لماذا مولود الحمار الوحشي بالذات
نرجع بالزمن لعصر ايوب
وصوفر قبل ان نتكلم في شيئ لا نفهم فية اين كان يسكن ايوب ؟!
في أرض عوص
Lamentations 4:21 (Arabic Bible (Smith & Van Dyke))
21 اطربي وافرحي يا بنت ادوم يا ساكنة عوص. عليك ايضا تمر الكاس. تسكرين وتتعرين
http://en.wikipedia.org/wiki/File:Edom.png
http://en.wikipedia.org/wiki/The_Land_of_Uz
فنجد ان المنطقة في ارض عوص صحراوية فاستعان صوفر بمثل جحش الفرا اي مولود الحمار الوحشي الذي من المعروف انة ينتشر في البيئة الصحراوية فاستعان بمثل بما كان متوفر بكثرة امامة وبما راه
ولعلنا نرجع ايضا للتاكيد من سفر ايوب اصحاح 39 سنجد انه كان يعيش في صحراء
39: 5 من سرح الفراء حرا و من فك ربط حمار الوحش
39: 6 الذي جعلت البرية بيته و السباخ مسكنه
39: 7 يضحك على جمهور القرية لا يسمع زجر السائق
39: 8 دائرة الجبال مرعاه و على كل خضرة يفتش
39: 9 ايرضى الثور الوحشي ان يخدمك ام يبيت عند معلفك
39: 10 اتربط الثور الوحشي برباطه في التلم ام يمهد الاودية وراءك
39: 11 اتثق به لان قوته عظيمة او تترك له تعبك
39: 12 اتاتمنه انه ياتي بزرعك و يجمع الى بيدرك
39: 13 جناح النعامة يرفرف افهو منكب راوف ام ريش
39: 14 لانها تترك بيضها و تحميه في التراب
39: 15 و تنسى ان الرجل تضغطه او حيوان البر يدوسه
39: 16 تقسو على اولادها كانها ليست لها باطل تعبها بلا اسف
39: 17 لان الله قد انساها الحكمة و لم يقسم لها فهما
39: 18 عندما تحوذ نفسها الى العلاء تضحك على الفرس و على راكبه
فهذة البيئة التي نشا فيها ايوب وصوفر صديقة فعندما كان يتكلم صوفر كان يكلم ايوب كصديق واستعمل اسلوب هذة البيئة في كلامة لايوب ان الانسان عندما يولد فيكون اشبهة بمولود الحمار الوحشي الذي عادتا يتميز بعدم الفهم
ايوب 11: 12 اما الرجل ففارغ عديم الفهم وكجحش الفراء يولد الانسان.
اولا المتكلم هنا هو رجل اسمه صوفر النعماني, وهذا السفر هو حوار بين ايوب واصدقائه الثلاثة: اليفاز التيماني, وبلدد الشوحي, وصوفر النعماني كما وضحنا
بالرغم من هذا ليس كلام الله بوحي اليه كما اوحى لانبيائه
ولكن ان كلامه يعني ان الانسان يولد بلا معرفة كالحيوان ولولا بلوغه بين البشر مثله لما عرف ولما تعلم ولما تكلم !
فنستنتج
-
ان قائل الجملة هو رجل اسمة صوفر صديق ايوب اعتمد علي تفكيرة وحكمتة الشخصية
-
ان هذا تشبية كجحش الفرا وليس جحش الفرا وبالترجمات الانجليزية ايضا
-
ان قائل هذا الكلام ليس تشريع من الله او نبي ينقل كلام الله بل شخص عادي كتب كلامة كما كتب كلام غيرة بسماح من الله فالكتاب ايضا ذكر كلام الشيطان
-
ان الرجل كان يقصد ان الانسان عندما يولد يكون كمولود الحمار الوحشي لا يفهم شيئ في اي علوم من الحياة وهذا حقيقي فاين منا عندما يولد يعلم شيئ في كافة علوم الطبيعة او الحياة
-
ونلاحظ ايضا انو بفكرة الشخصي قال لما يولد مقلش انو هيبقي كدة طول حياتة لا دية في ساعة ولادتة
تفسير القمص انطونيوس فكري
الأيات 7-12:- “االى عمق الله تتصل ام الى نهاية القدير تنتهي، هو اعلى من السماوات فماذا عساك ان تفعل اعمق من الهاوية فماذا تدري، اطول من الارض طوله واعرض من البحر، ان بطش او اغلق او جمع فمن يرده، لانه هو يعلم اناس السوء ويبصر الاثم فهل لا ينتبه، اما الرجل ففارغ عديم الفهم وكجحش الفراء يولد الانسان”.
هنا شهادة طيبة من صوفر عن الله. ثم عن غرور الإنسان وحماقته أإلي عمق الله تتصل= الله لا يمكن إدراكه فهو لا نهائي وغير محدود، ومداركنا المحدودة لا تدركه، لذلك نعجز علي الحكم علي مشورته وأعماله، وعندما ننتقد تصرفات الله فنحن نتحدث عما لا نفهم. أم إلي نهآية القدير تنتهي= حسب الترجمة الإنجليزية “أتستطيع بالبحث أن تكتشف الله، أتستطيع أن تكتشف القدير اكتشافا كاملاً فإذا كانت العين لا تدرك نهآية المحيط أفندرك أعماق الله. فالله أعلي من السموات. . . = ولنلاحظ أنه حتي الأن لم يكتشف الإنسان السماء والأرض والبحر اكتشافاً كاملاً. وهنا صوفر يستخدم ألفاظ (أعلي/ أعمق/ أطول/ أعرض) لإثبات أن طبيعة الله غير مدركة ولا نهائية، وبولس الرسول في أف 18:3، 19 إستخدم نفس الألفاظ لندرك أن محبة الله غير محدودة وغير مدركة ولا نهائية. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). والله له السلطان المطلق. . . إن بطش= بأن يسمح بموت إنسان أو أذيته. أو أغلق= أي سجن إنسان أو سمح بوضع إنسان في شبكة مصائب كما يقبض الصياد علي فريسته (ولقد سبق أيوب وإشتكي بأن الله كأسد وقد إصطاد أيوب)
أو جَمَع= مترجمة في ترجمات أخري “جَمَع قضاته” ليحكموا علي المذنب فمن يرده= أي من يمنعه. لأنه هويعلم= نحن لا نعلم سوي القليل عنه لكنه هو يعلم كل شئ. ومعرفته كاملة. والعكس. . . أما الرجل ففارغ عديم الفهم= ما هو الإنسان بالمقارنة مع الله. ولقد خلق الله آدم وله الحكمة النسبية ولكنه بالخطية فقد كثيراً من حكمته وكلما إزداد الإنسان حمقاً في طريق الخطية يفقد حكمته بالأكثر ويصير مخلوق عنيد مثل حمار الفرا وهو حيوان بري يتميز بأنه لا يمكن إخضاعه. وقوله كجحش الفرا يولد الإنسان= صحيح ويدل علي الطبيعة المتمردة للإنسان “بالخطية ولدتني أمي” ولكن الله قادر علي تغيير طبيعتنا (موسي الأسود) جحش الفرا = حمار الوحشي ومع طبيعة الإنسان الفارغة فهو متكبر. . . وهل يصلح لمثل هذا الإنسان أن يناقش الله.
تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي
5. علم الله شامل
لأَنَّهُ هُوَ يَعْلَمُ أُنَاسَ السُّوءِ،
وَيُبْصِرُ الإِثْمَ فَهَلْ لاَ يَنْتَبِهُ؟ [11]
نحن نعرف عنه أقل القليل، أما هو فيدرك كافة أسرارنا حتى الخفية عنا. هو يعرف أناس السوء حتى وإن حسبناهم أو حسبوا أنفسهم أبرارًا، وهو يبصر الإثم الذي نرتكبه خفية. الأشرار مكشوفون أمامه، والشر لا يمكن أن يُخفى عنه. “فهل لا ينتبه؟” أي هل يقف في سلبية أمام الأشرار والشر، حتى وإن غض النظر إلى حين؟
v “لأنه يعلم بطلان البشر، عندما يبصر الإثم أيضًا، فهل لا ينتبه؟” [11]… هنا يلاحظ الترتيب حسنًا، فيصف أولا البطلان أنه يُعرف، وبعد ذلك الإثم أنه يُنتبه إليه. فإن كل إثمٍ هو باطل، وليس كل بطلان هو إثم. فإننا نمارس أمورًا باطلة مادمنا نعمل ما هو زائل. في هذا يزول الشيء من أعين الممسك به، ويقال عنه إنه “باطل”. يقول المرتل: “إنما كخيال يتمشى الإنسان” (مز 39: 6)
البابا غريغوريوس (الكبير)
أَمَّا الرَّجُلُ فَفَارِغٌ عَدِيمُ الْفَهْم،ِ
وَكَجَحْشِ الْفَرَا يُولَدُ الإِنْسَانُ [12].
يقول صوفر إن الإنسان ذاته صار بعد السقوط فارغًا عديم الفهم، لأنه حرم نفسه من حكمة الله. صار “يشبه البهائم التي تُباد” (مز 49: 20). صار غبيًا كالحمار الوحشي (جحش الفرا) الذي تعود أن يسكن البرية. في غباوته يظن أنه حكيم، فلا يريد أن يخضع لأحكام الله، بل يقاوم، ظانًا أنه يعرف الحق والعدل.
ما قاله صوفر هو حقيقة سقط فيها الإنسان بوجه عام، لكن ما يشوب كلامه أنه يعني أيوب دون أصدقائه، فيحسبه في مرتبة حيوانات البرية الغبية، والتي بلا نفع. لكن إذ يتحدث عن نفسه يحسب نفسه حكيمًا، يقدم مشورة صادقة وفعالة!
v “المائت مولود المرأة كجحش البرية” [12]. يشير بهذه الكلمات إلى أيوب، مساويًا إياه بجحش البرية. إذ قال: “لأن سهام الرب في جسدي… هل ينهق جحش البرية بلا سبب، إن لم يكن باحثًا عن طعام؟” (6: 4، 5). بمكرٍ يقول صوفر: لماذا يتحدث عن مائت مولود من امرأة، بمعني عن رجل من رجل، مادام أيوب نفسه يقارن نفسه بجحش البرية. لهذا يقول صوفر: “عبثا يختفي في تعقلانه” [12]. بهذه الكلمات الباطلة التي لا جدوى منها يحدر أيوب إلى التفاهة، إذ يقول صوفر أنه يجب أن يعوي كثيرًا جدًا ولا يتنهد كثيرًا متجنبًا أن يكون إنسانًا. إنه يقارنه بجحشٍ يتضور جوعًا.
الأب هيسيخيوس الأورشليمي
v “الرجل الفارغ (الباطل) ينتفخ في كبرياء” هذه هي نهاية البطلان. الكبرياء يفسد القلب بالخطية فيجعله متوقحًا بالإثم، حتى بتجاهل إثمها لا تشعر النفس بالحزن على فقدانها براءتها، وتصاب بالعمى كجزاءٍ عادلٍ، وربما تنفصل عن التواضع أيضًا. كثيرًا ما يستعيد القلب لنفسه شهوات شريرة، متخليًا عن نير مخافة الرب، وكأنه يصير في حرية لارتكاب الشر. إنه يصارع ليجعل الشر في حيز العمل متساهلاً مع نفسه.
البابا غريغوريوس (الكبير)
إن كان الإنسان قد نزل إلى غباوة بعض الحيوانات بل والحشرات، وذلك بكبرياء قلبه وتشامخه على الله مصدر الحكمة، فإن حكمة الله صار إنسانًا، لكي يرتفع به إلى الحكمة السماوية، يتمتع به ويتحد معه. بالتجسد الإلهي، خاصة بصعود السيد المسيح، ارتفعنا به من انحطاط الحيوانات إلى الحكمة السماوية.
v انظروا إلى طبيعتنا كيف انحطت ثم ارتفعت. فإنه ما كان يمكن النزول أكثر مما نزل إليه الإنسان، ولا يمكن الصعود إلى أكثر مما ارتفع إليه المسيح… ويوضح بولس ذلك إذ يقول: “الذي نزل هو الذي صعد أيضًا”. وأين نزل؟! “إلى أقسام الأرض السفلى” وصعد إلى “فوق جميع السماوات” (أف 4: 9-10).
افهموا من هذا الذي صعد؟!…
إنني أتأمل في عدم استحقاق جنسنا حتى أدرك الكرامة التي نلناها خلال مراحم الرب المملوءة حنوًا. فإننا لم نكن سوى تراب ورماد…
لقد صرنا أكثر غباء من الحيوانات غير العاقلة، إذ صار الإنسان يقارن بالحيوانات غير العاقلة، وقد صار مثلها (مز 48: 21). وإذ يصير الإنسان هكذا مثلها إنما يكون أردأ منها. لأنها هي هكذا بحكم طبيعتها، أما عدم تعقلنا نحن الخليقة المزينة بالعقل فهذا بإرادتنا…
وهكذا عندما تسمع عن الإنسان أنه صار كالحيوانات غير العاقلة، فلا تظن أنه صار مساويًا لها، بل أحط منها. لا بمعنى أنه نزل إلى مستوى أقل منها، بل إذ ونحن بشر صرنا إلى هذه الدرجة الشديدة من الجمود…
هذا ما يعلم به إشعياء بوضوح قائلاً: “الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. أما إسرائيل فلا يعرف. شعبي لا يفهم” (إش 1: 3).
لكن ليتنا لا نضطرب بسبب معاصينا القديمة، لأنه حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا (رو 5: 20).
لقد رأيتم كيف صرنا أكثر غباء من الحيوانات، فهل تريدون أن تروا كيف صرنا أكثر عدم تعقل من الطيور؟!
“اليمامة والسنونة المزقزقة حفظنا وقت مجيئها. أمَّا شعبي فلم يعرف قضاء الرب” (إر 8: 7).
انظروا كيف صرنا أكثر غباء من الحمار والثور وطيور السماء واليمامة والسنونة، أتريدون أيضًا أن تروا ماذا قد بلغ إليه غباؤنا؟!
إنه يرسلنا إلى النمل لنتعلم منه الحكمة “اذهب إلى النملة أيها الكسلان. تأمل طرقها وكن حكيمًا” (أم 6:6).
لقد صرنا تلاميذ للنمل، نحن الذين خلقنا على صورة الله ومثاله. ولكن لم يكن خالقنا هو السبب، بل نحن السبب إذ لم نرد أن نبقى على صورته ومثاله.
ولماذا أتكلم عن النملة فقط، فإننا قد صرنا أكثر جمودًا من الحجارة؟! هل أقدم دليلاً على ذلك؟ “اسمعي خصومة الرب أيتها الجبال ويا أسس الرب الدائمة. فإن للرب خصومة مع شعبه” (ص 6: 2).
إنه يدين الإنسان مستدعيًا أسس الأرض… لأن الناس صاروا أكثر جمودًا من أسس الأرض.
إلى أي مدى من عدم الحكمة يريدون أن يصلوا بعد؟! إذ صاروا أكثر غباء من الحمار وعدم حساسية من الثور، وعدم فهم من اليمامة والسنونة، وعدم حكمة من النملة، وأكثر جمودًا من الحجارة، بل ويشبهون الأفاعي (راجع مز 58: 5)…
ولماذا أتكلم بعد عن الخليقة غير العاقلة، فإننا قد صرنا (في شرنا) ندعى أبناء إبليس، إذ يقول “أنتم من أب هو إبليس” (يو 8: 44).
ومع ذلك فبالرغم من أننا جامدو الحواس، وناكرو المعروف، وأغبياء وأكثر قسوة من الحجارة، وهكذا صار انحطاطنا وعدم استحقاقنا… لكن اليوم ارتفعت طبيعتنا فوق كل الخليقة!
القديس يوحنا الذهبي الفم
إِنْ أَعْدَدْتَ أَنْتَ قَلْبَك،َ
وَبَسَطْتَ إِلَيْهِ يَدَيْكَ [13].
إن كان الله لا يمكن إدراك أبعاده – إن صح التعبير – وهو صاحب السلطان، والعالم بكل شيءٍ، فمن الجانب الآخر لا يدرك الإنسان كمال الله وكمال معرفته، بل ولا حتى الأسرار الخاصة بالطبيعة البشرية. لذا لاق بالإنسان عوض نقد تصرفات الله أن يلجأ إليه بالصلاة، وينزع كل ما هو غريب عن الله من إثمٍ وظلمٍ، فيرفع الله وجهه، ويهبه بركات لا حصر لها.
إِنْ أَبْعَدْتَ الإِثْمَ الَّذِي فِي يَدِكَ،
وَلاَ يَسْكُنُ الظُّلْمُ فِي خَيْمَتِكَ [14].
يطلب صوفر – كما فعل زميلاه من قبل – أن يلجأ أيوب إلى الله بقلبه كما بسلوكه العملي، فلا يحمل رياءً ولا خداعًا، حتى يستجيب الله لصلاته.
قدم نصيحة صادقة عن التوبة، لكن لا نعلم ماذا كانت نية صوفر، هل يطلب فعلاً توبته، أم كان يود تأكيد شر أيوب وريائه.
يطلب منه أن يعد قلبه بالنقاوة وأن يبسط يديه بالمثابرة في الصلاة كمن يريد أن يمسك بالله ولا يتركه حتى يباركه، كما فعل أبونا يعقوب.
يطالبه صوفر بالكف عن الإثم، وطرد الظلم من خيمته. طلب عجيب لإنسان يقطن في مزبلة، يلبسه الدود كرداءٍ، وتحوط به القروح من أخمص قدميه إلى رأسه. أي إثم يمكن أن يمارسه بيدين تنزفان بلا توقف؟ وأي خيمة يطرد منها الظلم وهو يعيش في مزبلة؟
v كل خطية ترتكب إما بالفكر وحده أو بالفكر والعمل معًا. لهذا فإن “الإثم في يدك” هو إثم بالعمل. أما “الشر في الخيمة” فهو الظلم في القلب، فإن قلبنا يُدعى بحق خيمة، فيها نُدفن في داخلنا عندما لا تظهر أنفسنا في الخارج خلال العمل.
كان صوفر صديقًا لشخصٍ بارٍ يعرف ما يجب أن يُقال، لكنه هو نفسه إذ يحمل الشبه للهراطقة، في توبيخه لشخصٍ كهذا، لا يعرف بحق كيف يقدم حتى ما يعرفه. فإنه يأمرنا أولاً أن ننزع الإثم عن اليد، وبعد ذلك نزيل الشر من الخيمة. فإن من يقطع من نفسه كل الأعمال الشريرة الخارجية يلزمه بالضرورة أن يعود إلى نفسه، ويمتحن نفسه بحكمة من جهة قلبه، لئلا الخطية التي لم تعد تمارس بالفعل تبقي متخلفة في الفكر. لذلك حسنا قال سليمان: “هيئ عملك في الخارج، وأعده في حقلك، بعد ذلك تبني بيتك” (أم 24: 27). فإنه ماذا يعني عندما يهيأ العمل حتى يعد الحقل بنشاط في الخارج سوى أن نقتلع أشواك الشر، حتى نعمل حاملين ثمار المكافأة؟ وبعد حرث الحقل ماذا بعد ذلك من العودة إلى بناء بيتنا، سوى أننا غالبًا ما نتعلم من الأعمال الصالحة النقاوة الكاملة للحياة التي يلزم أن نبنيها في أفكارنا.
البابا غريغوريوس (الكبير)
v تُعطى التوبة للبشرية كنعمةٍ فوق نعمةٍ. التوبة هي ميلاد ثانٍ من الله، ننال عربونه في العماد، ونناله كعطية خلال التوبة.
التوبة هي مدخل الرحمة المفتوح لجميع طالبيها. خلال هذا المدخل ندخل إلى الرحمة الإلهية، وباعتزال هذا المدخل لا يقدر أحد أن يجد رحمة.
إذ “أخطأ الجميع” كقول الكتاب الإلهي، “يتبرّرون مجّانًا بالنعمة” (رو 23:3-24). التوبة هي النعمة الثانية، تولد في القلب كثمر للإيمان والمخافة.
المخافة هي العصا الأبوية التي تقودنا حتى إلى عدن الروحية، لكن ما أن نبلغ هناك تتركنا وترجع.
عدن توجد في الحب الإلهي، حيث فيه فردوس كل التطويبات. هذا هو الموضع الذي فيه نال القديس بولس قوتًا فائقًا للطبيعة. إذ ذاق شجرة الحياة تعجّب قائلاً: “ما لم تره عين، وما لم تسمع به أذن، وما لم يخطر على قلب بشر، ما أعدّه الله للذين يحبونه” (1 كو 9:2)[483].
القديس مار اسحق السرياني
v لا يوجد مرض يمكن أن يصيب النفس إلا وتُقدم له كلمة الرب دواءً. وكما توجد أدوية مركبة يقوم الأطباء بخلطها ومزجها لمعالجة الأمراض الجسدية، هكذا توجد أدوية مركبة يعدها روح الرب لمعالجة شهوات الخطية ومواجهتها، فيقدر من يشعر بالمرض أن يجد الدواء قريبًا منه، ويتمتع بالشفاء.
جميع الأمراض تُشفي بما يضادها، فالأمراض التي تتسبب من البرد تُشفي بالأعشاب الساخنة الحارة، والأمراض التي تتسبب من الحرارة تُشفي بواسطة الأعشاب المرطبة…
تعلَّم إذن من هذا أيها الحكيم، يا من تريد شفاء أمراض نفسك، وأفعل لنفسك ما يصنعه علم الطب مع الجسد. فإن الأمور التي على المستوى الخارجي قد وضعت أمام عيوننا كمثال نحتذي به بالنسبة لما يمس المستوى الداخلي، فتُشفي نفوسنا بنفس الطريقة التي تُشفي بها أجسادنا.
إذن لنُعدّ الدواء المضاد لمواجهة كل شهوة:
ضد الشك: الإيمان،
وضد الخطأ: الحق،
وضد الارتياب: اليقين،
وضد الخبث: البساطة،
وضد الكذب: الصراحة،
وضد الخداع: الصدق،
وضد الاضطراب: الوضوح،
وضد القسوة: الحنان،
وضد الوحشية: الرأفة،
وضد الشهوة الجسدية: الشهوة الروحية،
وضد اللذة: الألم،
وضد فرح العالم: فرح المسيح،
وضد الأغاني: التسابيح الروحية…
وضد الحزن: الفرح،
وضد الإعجاب والفخر بأنفسنا: الرجاء الصادق في الله،
وضد الرغبات الجسدية: الرغبات الروحية،
وضد النظرة الجسدية: النظرة الروحية…
وضد التطلع إلى الأمور المنظورة: التفكير في ما لا يُرى…
وضد الارتباط بالعائلة الجسدية (بالنسبة للراهب): الارتباط بالعائلة السماوية،
وضد الحياة في مسكن أرضى: الحياة والسكنى في أورشليم العليا.
إذًا تُشفي جميع هذه الأمراض وما يشبهها بضدها.
من يشتهي الحياة السماوية يلزمه أن يتنازل عن الأمور الأرضية المادية، لأن اشتهاء أحدهما لا وجود له في داخلنا ما لم يمت الآخر. لا تُولد شهوة الروح في أفكارنا إلا بموت شهوة الجسد، فبموت الواحد يحيا الآخر.
عندما يكون الجسد عائشًا فينا بكل شهواته ورغباته، تكون النفس حينئذ ميتة بكل رغباتها[484].
القديس مار فيلوكسينوس
