سوف نستعرض في هذا البحث الموجز الإشارات إلى مونارخية الآب في تعليم وكتابات آباء كنيسة الإسكندرية في حقبة ما قبل نيقية وحقبة نيقية وما بعد نيقية، وذلك من أجل الوقوف على أفضل تصور حول مفهوم المونارخية في الثالوث، وهل كان يؤمن آباء الإسكندرية بمونارخية الآب أم بمونارخية الثالوث، كما يدَّعي بعض الباحثين في العصر الحديث؟
العلامة كليمندس الإسكندري
الآب هو علة الابن
يشير العلامة كليمندس الإسكندريّ إلى العلاقة العلية والسببية بين الآب والابن، فلا يسبق الابن الآب كالتالي:
”وكل سبب يُدرَك كسبب بالعقل، ينشغل بشيءٍ ما، ويُدرِك صلته بشيءٍ ما. أي أن البعض يُؤثِّر، كما السيف في القطع. ولبعض الموضوعات، كتلك التي لها استعداد، كما النار في الخشب، لأنها لن تحرق الصُلب. والسبب يخص الأشياء التي لها علاقة بشيءٍ ما. لأنه يُدرَك بعلاقته بشيءٍ آخر، حتى أننا نستخدم أذهاننا في الاثنين، لكي نتصوّر السبب كسبب. نفس العلاقة نجدها في الخالق، والصانع، والآب. فالشيء ليس سببًا لذاته، ولا المرء أبًا لنفسه. لأن الأول سيصير الثاني. الآن، السبب يعمل ويُؤثِّر. فالمنتج بالسبب هو مفعول ومُتأثر. ولكن نفس الشيء عندما يُؤخَذ في حد ذاته لا يمكن أن يكون فعلاً ومُتأثرًا، ولا يمكن أن يكون ابنًا وأبًا. وإلا يسبق السبب ما قام به، كأن [يسبق] القطع السيف. ونفس الشيء لا يمكن أن يسبق في نفس اللحظة، كما للمادة كسبب، وفي نفس الوقت أيضًا، تكون بعد ولاحقة لأثر السبب. والآن تختلف الكينونة عن الصيرورة، كما السبب عن الأثر، والآب عن الابن. لأن نفس الشيء لا يمكن أن ’يكون‘ وأن ’يصير‘ في نفس اللحظة. وبالتالي، هو ليس سببًا لنفسه. فالأشياء ليست أسبابًا لبعضها البعض، ولكنها أسبابٌ لكلٌّ من الأخرى“.[1]
ويستطرد العلامة كليمندس الإسكندريّ في نفس السياق مؤكدًا على أن الآب هو العلة الأبعد وأبو الكون، وهو الأقدم والأكثر خيرية للجميع كالتالي:
”إذًا، هدفنا هو إثبات أن الغنوسيّ وحده قديس وتقي، ويعبد الإله الحقيقيّ بطريقةٍ جديرةٍ به. وأن هذه العبادة المقدَّمة لله، يتبعها حب [الله] وحب من الله [له]. […] يكثرث بالفلسفة الأكثر قدمًا، وبالنبوة الأولى. ومن بين الأفكار المعقولة، [يكترث] بما هو أقدم في أصله، وبالمبدأ الأول الذي بلا زمن أو نشأةٍ، [الذي] هو بادئ الوجود – الابن – الذي منه يتعيَّن أن نتعلَّم العلة الأبعد، أبُ الكون، الأقدم والأكثر خيرية للجميع، غير القابل للتعبير عنه بكلامٍ، ولكن يُبجَّل بالتبجيل والصمت، والعجب المقدَّس، ويُبجَّل بأقصى درجة. ويُعلَن عنه بواسطة الرب، بقدر ما يكون أولئك الذين تعلَّموا قادرين على الإدراك والفهم، مِن أولئك الذين أختارهم الربّ للمعرفة، ’الذين صارت لهم الحواس مُدرَّبةً‘، كما يقول الرسول“.[2]
يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ أن الآب هو العلة الأولى لجميع الأشياء التي تتمُّ بواسطة الابن قائلاً:
”وبشكلٍ عامٍ، كل الفوائد الخاصة بالحياة، في أقصى تعقل لها، تنبع من سلطان الله، الذي هو الآب للجميع، وتتمُّ بالابن، الذي هو أيضًا، بسبب كُونه ’مخلِّص جميع الناس ولا سيما المؤمنين‘، كما يقول الرسول (1تي 4: 10)، أقرب إلى العلة الأولى، أي إلى الربّ [الآب]“.[3]
ويشير العلامة كليمندس إلى أن الآب هو علة كل شيء جيد، وأنه ملك الكل، وأن الابن هو الثاني، وكل شيء به كان بحسب إرادة الآب، والروح القدس هو الثالث، وكل شيء به كان وفقًا لإرادة الآب قائلاً:
”حتى أنه عندما يقول: ’حول ملك الكل، كل شيء يوجد، وبسببه كل شيء. وهو علة كل الأشياء الجيدة. وحول الثاني الأشياء الثانية في الترتيب، وحو الثالث الثالثة‘. فإنني لا أفهم شيئًا آخر سوى أن المقصود هو الثالوث القدوس، لأن الثاني هو الابن الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب، والثالث الروح القدس، الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب“.[4]
العلامة أوريجينوس الإسكندري
الابن يأخذ من الآب ما هو عليه
يشير العلامة أوريجينوس في إشارة إلى مونارخية الآب، أن الابن الوحيد المولود من الآب، يأخذ منه ما هو عليه، دونما أي بدء زمنيًا كان أم تعليليًا كالتالي:
”لهذا، نعلم أن الله هو أبدًا أب لابنه الوحيد المولود منه، والآخذ عنه ما هو عليه، دونما أيّ بدء، زمنيًا كان أم تعليليًا، مما يقدر العقل وحده أن يتمثله في ذاته ويُمحِّصه في فهمه المجرَّد، إلى حدّ ما، وفي تفكيره“.[5]
ويؤكد العلامة أوريجينوس على المفهوم السابق في موضع آخر، حيث يشير إلى أن الابن يستمد من الآب كل ما هو عليه، إذ لم يكن هناك وقت لم يكن الابن في الآب، داحضًا بذلك المزاعم الآريوسية بأن هناك وقت كان فيه الآب بدون الابن كالتالي:
”وهو [الابن] – كما يقول الكتاب – بخار قوة الله الأولى وغير المولودة، يستمد منه كل ما هو عليه، إذ لم يكن حينٌ لم يكن فيه“.[6]
الآب هو بداية الابن
يوضح العلامة أوريجينوس أن الابن هو بخار قوة الله، وإنه كان هكذا على الدوام، ولم يكن للابن بدءًا آخر سوى الله الآب نفسه كالتالي:
”يُبيِّن هذا أن بخار قوة الله هذا كان دائمًا ولم يكن له بدء ما خلا الله نفسه. إذ لا يليق، في سائر الأحوال، أن يكون قد حظى بابتداءٍ آخر له سوى الله نفسه، الذي يستمد منه الكيان والولادة“.[7]
ويشير العلامة أوريجينوس في موضع آخر إلى أن الآب هو بداية الابن في الأزلية، وذلك في سياق تفسيره لآية (يو 1: 1) ”في البدء كان الكلمة…“ قائلاً:
”يمكن للمرء أن يفترض بالاستناد على نقطة أن الله نفسه هو بداية كافة الأشياء، أن الآب هو بداية الابن. وهكذا إن الفساد هو بداية أعمال السخط، فبكلمةٍ واحدةٍ، [الله] هو بمثابة البداية لكل ما هو موجودٌ. هذا الرأي مدعوم من قبلنا (في القول المقدَّس) ’في البدء كان الكلمة‘. ففي لفظة (الكلمة) يمكن للمرء أن يرى الابن، ولأن (الابن) كان في الآب، فمن هنا يمكن بالمثل أن يُقال أنه، أي الابن، كان أيضًا في البدء [الآب]“.[8]
ويؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو بداية الابن، والابن بدوره هو بداية كل الذين خُلِقوا بحسب صورة الله كالتالي:
”بالإضافة إلى هذه المعاني، فهناك ما نتحدَّث فيه عن البدء أو البداية بحسب الشكل [الهيئة]. ومن هنا (نقول) أنه لئن كان (المسيح) بكر كل مخلوق أو كائن يُمثِّل صورة الإله غير المنظور. هكذا فإن الآب يُعدّ كبدايته. وبنفس الطريقة، فإن المسيح هو مبدأ هؤلاء الذين خُلِقوا بحسب صورة الله. لأنه إذَا كان البشر (قد خُلِقوا) بحسب الصورة، أمَّا الصورة فهي بحسب الآب، ففي الحالة الأولى، فإن الآب هو مبدأ المسيح، وعلى الجانب الآخر، فإن المسيح هو بمثابة الأصل أو الابتداء بالنسبة للبشر، هؤلاء الذين خُلِقوا ليس بحسب ما هو عليه، بل بحسب الصورة“.[9]
الابن يأخذ كيانه من الآب بلا بداية أو زمان
يرى العلامة أوريجينوس أن كيان الالن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ وبلا بداية، بل من الله نفسه كالتالي:
”فالحكمة أزلية وضياء أزليته في آنٍ واحدٍ. إن نفهم جيدًا هذا يغدُ جليًا أن كيان الابن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ ودونما بدء، بل من الله ذاته“.[10]
الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس
يشير العلامة أوريجينوس إلى أن الآب هو الجودة في مبدئه، التي منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء، لذا يلائمه والحق يُقال أن الابن يُدعَى صورة جودته، إذ ليس في الابن جودة أخرى سوى الجودة التي عند الآب كالتالي:
”فالآب هو، بلا مراء، الجودة في مبدئه؛ منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء. لذا يلائم والحق يُقال أن يُدعَى صورة جودته؛ إذ ليس في الابن من جودة أخرى غير الجودة التي عند الآب. […] وقد دُعِيَ بصوابٍ صورته، لأنه لا ينحدر من سوى هذه الجودة التي هي المبدأ، حتى لا تُرى في الابن جودةٌ غير تلك التي عند الآب، ولا جودة مغايرة أو مختلفة. […] بل يجب وضع الجودة في الآب في مبدئها، كما قُلنا أعلاه. فالابن المولود منه، أو الروح القدس الذي منه ينبثق، يستنسخان في ذاتهما بلا أدنى ريبٍ طبيعة هذه الجودة المكنونة في المصدر، الذي منه يُولد الابن وينبثق الروح القدس“.[11]
الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث
يؤكد العلامة أوريجينوس على أنه لا يوجد أقل أو أكثر في الثالوث، مادام هناك مصدر ألوهية وحيد هو الآب يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس كالتالي:
”وفي سائر الأحوال، ما من أكثر أو أقل في الثالوث، ما دام مصدر ألوهيةٍ وحيدٌ يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس، على حسب ما كُتِبَ في المزمور: بكلمة الرب صُنِعَت السماوات، وبروح فيه كل جنودها (مز 32: 6). أجل، إنها عملية رئيسية من قِبل الله الآب، علاوةً على تلك التي يمنح بموجبها الكائنات جميعًا أن توجد، على وفق طبيعة كل منها“.[12]
ويشير العلامة أوريجينوس أيضًا إلى أن الآب هو نبع الألوهة للابن والروح القدس قائلاً:
”والله دُعِيَ محبة، والمسيح لُقِّبَ بأنه ’ابن المحبة‘، وبالتالي، إذَا وجدنا ’روح المحبة‘، و ’ابن المحبة‘ و ’إله المحبة‘، فمن المؤكَّد أنه يجب أن نفهم أن الابن والروح القدس كليهما ينبعان من نبعٍ واحدٍ لألوهة الآب“.[13]
ق. ديونيسيوس الإسكندري
الابن والروح القدس متحدان في الآب الرأس
يشير ق. ديونيسيوس الإسكندري إلى مونارخية الآب أو وحدة الرأس في الآب، حيث يؤكد على أن الكلمة الإلهي مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومستقر فيه، وهكذا فإن الثالوث القدوس متجمع معًا ومتَّحِد في واحد، أي أنهم مُتَّحِدون في الرأس الذي هو الله الآب ضابط الكل كالتالي:
”لأنه لا محالة إن الكلمة الإلهيّ مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومُستقر فيه، وهكذا، فإن الثالوث القدوس مُتجمِع ومُتَّحِد في واحد، كما قيل، إنهم متحدون في هذا الرأس، الذي هو الله [الآب] ضابط الكل“.[14]
ويستطرد ق. ديونيسيوس مؤكدًا على مونارخية الآب في نفس الرسالة، حيث يرفض فصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاث ألوهيات، ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة في الثالوث، ويؤكد على تمايُّز الأقانيم الثلاثة في الثالوث القدوس، ضد السابيليين القائلين بأقنوم واحد في الثالوث القدوس. وهكذا ينسب ق. ديونيسيوس لقب ”ضابط الكل“ لله الآب أبو ربنا يسوع المسيح، ويُشدِّد على أننا ينبغي أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، وبيسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس. ويشير إلى أن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ”أنا والآب واحدٌ“ (يو 10: 30)، وكذلك ”أنا في الآب والآب فيَّ“ (يو 14: 10)، مُميِّزًا بين أقنوم الآب وأقنوم الابن. وفي النهاية، يُؤكِّد على ضرورة حفظ الثالوث الإلهيّ ووحدة المصدر أو المونارخية في الآب دون انتقاص كالتالي:
”فلا ينبغي إذًا أن نفصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاثة ألوهيات، ولا ينبغي أن كرامة الرب وعظمته الفائقة تُنتقص الوصف ’مصنوع‘، لكن لا بد أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، ويسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس، وبأن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30)، وكذلك ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وهكذا يكون من البيَّن أن الثالوث الإلهيّ، ووحدة المصدر، يكونان محفوظين دون انتقاص“.[15]
إكرام الابن للآب كرأس له
يشير ق. ديونيسيوس في إشارة واضحة إلى مونارخية الآب في الثالوث القدوس، حيث يؤكد على وحدة مشيئة الآب والابن في تدبير الآلام الخلاصية، وهكذا يُكرِّم الابن الآب كرأسٍ له قائلاً:
”قطعًا ويقينًا إن إرادة الابن ليست شيئًا آخر غير إرادة الآب، لأنَّ مَن يريد ما يريده الآب تكون له نفس مشيئة الآب. هذا بشكلٍ هندسيّ، لذلك فعندما يقول: ’لا إرادتي بل إرادتك‘، فليس معناها أنه يرغب أن تنزاح عنه الكأس، بل إنه يشير إلى أن إرادة الآب هي في أن يتألم، وهكذا يُكرِّم الآب كرأسٍ άρχήν، لأنه إذَا لقَّب الآباء إرادة شخص بأنها مُجرَّد رأي [أو علامة رمزية أو شكلية]، وإنْ كانت مثل هذه الإرادة ترتبط بما هو خفيّ وله غاية كامنة، فكيف يقول البعض إن الربَّ الذي هو فوق كل هذه الأشياء له إرادة شكلية؟ إن هذا واردٌ فقط إذَا كان لدينا خلَّل في الفكر“.[16]
الآب هو مصدر الابن
يشير ق. ديونيسيوس إلى ولادة الابن من الآب غير المبتدئ، مؤكدًا على أن الابن كنسلٍ ليس بلا مصدر، لأن مصدره هو الله الآب نفسه غير المولود قائلاً:
”السؤال الأول: أيهما [أصح] هل الابن ولد نفسه أم وُلِدَ من الآب؟ الإجابة: الابن وُلِدَ من الآب، وليس هو الذي وَلَدَ نفسه. […] السؤال الثالث، أنت تقول: غير مبتدئ من غير مبتدئ [أي ليس له بدء]؟ الإجابة: [الابن] هو كنسلٍ ليس بلا مصدر، ولكن الآب غير مبتدئ، لأنه غير مولود“.[17]
الآب هو نبع الابن
يستخدم ق. ديونيسيوس مثل النبع والنهر لتشبيه الولادة الأزلية للابن من الآب، مشبهًا الآب بالنبع الحقيقيّ والابن هو النهر المتدفق من هذا النبع كالتالي:
”لأنه لا يمكن أن يُدعَى النبع نهرًا ولا النهر نبعًا، لكنهما يظلان حقيقتين، وأن هذا النبع هو الآب بالحقيقة، بينما النهر هو الماء المتدفِق من النبع. […] لقد قيل بعاليه أن الله هو علة كل الأشياء الصالحة، لكن الابن دُعِيَ النهر الذي يتدفق منه [أي من الله]، لأن الكلمة هي لفظة العقل، أو باللغة البشرية، هي منبعثة بواسطة الفم من العقل. لكن الفكر الذي يُنطَق باللسان هو متمايز عن الكلمة الموجودة في العقل. لأن هذه الأخيرة بعدما تلفظ الأولى، تبقى كما كانت عليه مِن قبل، لكن الفكر قد أُرسِلَ وانتشر في كل مكانٍ من حوله، وهكذا كل منهما يكون في الآخر، رغم أن الواحد ينبع من الآخر، وهم واحدٌ رغم أنهما اثنان. وبنفس الطريقة، نقول إن الآب والابن هما واحدٌ، وأحدهما يكون في الآخر“.[18]
ويستطرد ق. ديونيسيوس في نفس السياق مؤكدًا على أن العقل هو آب [أقنوم] الكلمة الموجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر، هكذا الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ كان له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه كالتالي:
”وبالمثل لأن العقل هو آب الكلمة، موجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر. وبنفس الطريقة، فإن الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه“.[19]
العلامة ديديموس الضرير
خروج الابن والروح القدس من الآب
يُوضِّح العلامة ديديموس أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج الابن أو المخلِّص نفسه من الله، ويشير إلى أن الروح القدس يُقال عنه أنه ’ينبثق من عند الآب‘ (يو 15: 26)، وذلك وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة، أي المصدرية. وبالرغم من أن المسيح قال إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه خاصية الانبثاق عند حديثه عن علاقته بالآب، لأن خاصية الانبثاق هي خاصة بالروح القدس فقط كالتالي:
”فعلينا أن ندرك أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج المخلِّص نفسه من الله، وهو ما شهد له [المخلِّص] بقوله: ’لأني خرجت من قِبَل الله وأتيت‘ (يو 8: 42) […] وهكذا فعلينا أن نؤمن بالإقرارات التالية التي استخدمت كلمات لا يُنطق بها وهي مُدرَكة بالإيمان وحده عن أن المخلِّص ’خرج من عند الآب‘ (يو 8: 42)، و ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26)، والآب نفسه الذي قال: ’الروح الذي يخرج مني‘ (إش 57: 16 سبعينية). وبالحقيقة قد قيل حسنًا بالنص: ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26). وكان من الممكن أن يقول: ’من الله‘، أو ’من الربّ‘، أو ’من ضابط الكل‘، ولكنه لم يستعمل أيًا من هذه. بل عوضًا قال: ’من الآب‘، وهذا مردَّه لا لأن الآب مختلف عن الله ضابط الكل – فإن مجرَّد التفكير في هذا يُعدّ جرمًا – بل بالحري أن روح الحق يُقال عنه ’ينبثق من الآب‘ (يو 15: 26)، وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة. وبالرغم من أن المسيح قال في مواقفٍ عديدةٍ إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه المزيَّة [أي الخاصية الأقنومية] التي ناقشناها لتونا [أي الانبثاق]، عند حديثه عن علاقته بالآب، بل عندما يتحدَّث عنها يقول: ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وفي موضع آخر: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30). والقارئ الحصيف سيجد في الإنجيل فقرات أخرى عديدة مُشابهة لهذه“.[20]
ق. أثناسيوس الرسولي
الآب هو أصل الابن ووالده
يشير ق. أثناسيوس إلى أن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخ، ولا يوجد أصل سابق عليهما في الوجود كالتالي:
”فالآب والابن لم يُولَدا من أصل سابق عليهما في الوجود، حتى يمكن اعتبارهما أخوين، ولكن الآب هو أصل الابن وهو والده. والآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخٍ“.[21]
الله الآب هو الينبوع الأزلي لحكمته الذاتية
يرى ق. أثناسيوس أن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، أي أقنوم الكلمة أو الابن، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة تكون الحكمة أزليةً أيضًا كالتالي:
”أمَّا الحقيقة فتشهد بأن الله هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة يجب أن تكون الحكمة أزليةً أيضًا، لأنه من خلال هذه الحكمة خُلِقَت كل الأشياء“.[22]
الآب هو البدء والينبوع
يصف ق. أثناسيوس الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس، مُميِّزًا بينه وبين أقنومي الكلمة والروح القدس كالتالي:
”وهكذا يُكرَز بإلهٍ واحدٍ في الكنيسة: ’الذي على الكل وبالكل وفي الكل‘ (أف 4: 6). ’على الكل‘ أي كأب وكبدءٍ وكينبوع، و ’بالكل‘ أي بالكلمة، و ’في الكل‘ أي في الروح القدس. هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام، بل بالحق والوجود الفعليّ“.[23]
ويصف ق. أثناسيوس أقنوم الآب أيضًا بأنه ينبوع ونور وأب، ولا يمكن أن يكون الينبوع جافًا بدون ماء، ولا أب بدون ابن، ولا نور بدون شعاع كالتالي:
”إذَا كان الله ينبوعًا ونورًا وأبًا، فليس من الجائز القول بأن الينبوع جافٌ، أو أن النور بلا شعاع، أو أن الله بلا كلمة، لئلا يكون الله غير حكيم، وغير عاقل، وبلا شعاع. وإذًا، فحيث إن الآب أزليّ، فبالضرورة يكون الابن أيضًا أزليًا، لأن كل ما هو للآب فهو بلا شك للابن أيضًا“.[24]
مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح
ق. كيرلس الإسكندري
الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث
يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الآب هو المصدر أو الينبوع في الثالوث، وأن أقنوم الكلمة فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده قائلاً:
”أمَّا بالنسبة للابن فالبدء ليس بدءًا زمنيًا ولا جغرافيًا، فهو أزليّ وأقدم من كل الدهور، ولم يُولد من الآب في الزمان، لأنه كان مع الآب، مثل الماء في الينبوع، أو كما قال هو ’خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم‘ (يو 16: 28). فإذَا اعتبرنا الآب المصدر أو الينبوع، فإن الكلمة كان فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده. […] هل من اعتراض على أن الابن في الآب مثل الماء في الينبوع، أو أن الآب هو الينبوع؟ إنَّ كلمة ’ينبوع‘ تعني هنا المعية. لأن الابن في الآب وهو من الآب، ليس كمَّن يأتي من الخارج في الزمن، بل هو من ذات جوهر الآب“.[25]
الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية
يشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الآب هو بدء الابن، والبدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية قائلاً:
”ولذلك وصف القديسون الله الآب أنه هو ’بدء‘ الابن، وكانوا يقصدون من ذلك أنه مع الآب. […] وحقًا سوف يأتي مع الآب لأنه في الآب، وهو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية، وهي التي تجعل الآب هو البدء بالنسبة للابن من ناحية المعية لأن الابن من الآب“.[26]
الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية
ويوضح ق. كيرلس الإسكندري أن الآب هو البدء άρχή بمعنى القوة والسيادة على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة المدعوة للوجود بإرداة اللاهوت كالتالي:
”والإنجيليّ المبارك – على ما يبدو لي – يُسمِّي الآب البدء άρχή أي القوة والسيادة التي على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة التي هي كائنة ومدعوة للوجود بسبب إرادة اللاهوت. في هذا البدء άρχή الذي هو فوق الكل وعلى الكل ’كان الكلمة‘، ليس مع الطبائع المخلوقة التي تحت قدمي البدء، وإنما عاليًا عنها جميعًا، لأنه ’في البدء‘ أي من ذات الطبيعة والكائن دائمًا مع الآب، وله طبيعة الذي ولده كمكانٍ أزليّ قبل الكل. لذلك هو مولودٌ حرٌ من الآب الحر، ومنه ومعه له السيادة άρχή على الكلّ“.[27]
ويشير ق. كيرلس أيضًا إلى أن الآب هو البدء للابن، موضحًا مفهوم ’في البدء‘ أن البدء ليس أي شيء آخر سوى الآب ذاته قائلاً:
”يبدو الإنجيليّ الطوباويّ، وكأنه يُفسِّر لنا بوضوحٍ تامٍ مفهوم ’البدء‘، فيقول ليس البدء شيئًا آخر إلا الآب ذاته، الذي منه أشرق الكلمة المحيي، مثل النور من الشمس، والذي يُدرَك على أنه شيء آخر غير الشمس، لكنه ليس خارجًا عن جوهر ذاك الذي بعثه. فبدء الابن إذن هو الآب“.[28]
الآب هو أصل الكلمة الخالق
يقول ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس الرسوليّ، أن الآب هو أصل الكلمة الخالق، وأنه كائن طبيعيًا في الابن كالتالي:
”لأن الابن هو قوة أقنوم الآب الخاصة به وبجوهره. وأيضًا عندما يعمل الابن، يعمل الآب أيضًا، فالآب أصل الكلمة الخالق، وهو كائن طبيعيًا في الابن مثل النار في الحرارة الصادرة منها“.[29]
الآب هو الجذر والينبوع للابن
يؤكد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده، أي ابنه الوحيد، وهكذا كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي يصدر منه الابن كالتالي:
”لأن الآب يعمل بواسطة الابن. لأن كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي منه يصدر الابن، إذ أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده“.[30]
الآب هو البداية الأزلية للكلمة
يُفرِّق ق. كيرلس بين البداية الأزلية للكلمة في الآب خارج حدود الزمان والمكان، وبين البداية الزمنية للمخلوقات كالتالي:
”وحين حدَّد الكتاب أن الكلمة هو بداية المخلوقات، يقول: ’في البدء خلق‘، بينما عن كلمة الله ’في البدء كان الكلمة‘. بالنسبة للمخلوقات، البداية هي الزمن، بينما بالنسبة لكلمة الله، الكائن منذ الأزل، فإن البداية άρχή هي فقط أباه الأزليّ، الذي ليس له بداية، طالما أنه كائن معه أزليًا“.[31]
الآب هو بداية الابن
يفسر ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس[32] وق. باسيليوس الكبير، أن الآب أعظم من الابن، لأن الابن كمساوٍ للآب في الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، اتَّخذ الآب الذي بلا بداية كبدايةٍ له لأنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه كالتالي:
”إذًا، الابن مساوٍ للآب من جهة الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، لكنه يقول عن الآب إنه أعظم؛ لأنه أتَّخذ الآب الذي بلا بداية فقط بسبب أنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه“.[33]
الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعي منه
يرد ق. كيرلس على إدعاء الآريوسيين الهراطقة بأن الآب هو علة وجود الابن المخلوق، مؤكدًا على أن الآب هو علة وجود الابن كوالدٍ بحسب الطبيعة، وليس كخالق قائلاً:
”بأية طريقة، يا محاربي المسيح، تزعمون أن الآب صار علة وجود الابن؟ حسنًا. إذَا كُنتم تظنون أنه مخلوق، فإنه عندئذٍ يكون مخلوقًا وليس ابنًا، محاربين بوضوحٍ الآب الذي يقول للذي ولده: ’ولدتك من بطني قبل يوسيفوروس [كوكب الصبح]“ (مز 109: 3 سبعينية). أمَّا لو اعترفتم بأنه – حقًا – هو الابن وآمنتم بأنه هكذا يكون، عندئذٍ يتحتم عليكم ألا تقولوا إن الآب علة الابن كخالق، بل كوالدٍ بحسب الطبيعة. ولن يعيقكم عن ذلك شيءٌ؛ لأن الذي يأتي من آخر بحسب الطبيعة، يتحتم أن يكون من نفس جوهره، حتى لو كان ذاك هو علة وجوده“.[34]
ويستطرد ق. كيرلس في شرح كيف أن الآب هو علة وجود الابن، إلا أن الابن من نفس جوهر الآب، مولود منه أزليًا خارج حدود الزمان والمكان، وهو كائن معه أبديًا كالتالي:
”إنْ لم يكن الابن شبيهًا بالآب بحسب الجوهر، ولا مساويًا للآب في الجوهر، باعتبار أن الآب لا يأتي من علةٍ ما، بينما الآب هو علة الابن، فما الذي يمنع أن نقول أيضًا إن قايين لم يكن مساويًا لأبيه في الجوهر؟ لأن آدم لم يُولَد من أحد؛ لأنه كان الإنسان الأول، وفي ذات الوقت كان آدم هو علة قايين، إذ صار قايين منه. وبما أن هذا الافتراض كاذب (لأن قايين كان من نفس جوهر آدم)، فيكون الابن أيضًا – على أية حال – من نفس جوهر الآب، حتى لو كان الآب بالنسبة له علة وجوده، طالما أتى [وُلِدَ] منه أزليًا، وهو كائن معه أبديًا“.[35]
مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الخلاصة
نستخلص من هذا البحث تعليم الآباء الإسكندريين بدءًا من العلامة كليمندس الإسكندري وصولاً إلى ق. كيرلس الإسكندريّ بمونارخية الآب، وهكذا يتفق التعليم الإسكندريّ مع التعليم الكبادوكيّ بمونارخية الآب.
حيث يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ في سياق تعليمه عن مونارخية الآب أن الآب هو علة الابن. ويتبعه تلميذه العلامة أوريجينوس الإسكندريّ في نفس الأمر، حيث يرى أن الابن يأخذ من الآب ما هو عليه، وأن الآب هو بداية الابن، وهكذا يأخذ الابن كيانه من الآب بلا بداية أو زمان. كما يؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس، وأن الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث.
وهكذا يتبع العلامة أوريجينوس تلميذه ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، الذي يؤكد على اتحاد الابن والروح القدس في الآب الرأس، ويشير ق. ديونيسيوس إلى إكرام الابن للآب كرأسٍ له. ويرى أن الآب هو مصدر الابن، وأن الآب نبع الابن. ويشدد العلامة ديديموس الضرير، أحد تلاميذ العلامة أوريجينوس، على خروج أو صدور الابن والروح القدس من الآب.
ويتبع ق. أثناسيوس الرسوليّ التقليد الإسكندريّ السابق عليه، والذي يؤكد على مونارخية الآب. يقول ق. أثناسيوس بأن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ويصف الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس.
ويتبعه في ذلك ق. كيرلس الإسكندريّ الذي يؤكد على أن الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث، وأن الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية. ويرى ق. كيرلس أن الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية، ويقول، مثلما قال ق. أثناسيوس، بأن الآب هو أصل الكلمة الخالق. ويؤكد ق. كيرلس في نفس السياق أيضًا على أن الآب هو الجذر والينبوع للابن، وأن الآب هو البداية الأزلية لأقنوم الكلمة. ويقول، كما قال العلامة أوريجينوس من قبله، إن الآب هو بداية الابن. ويقول، مثلما قال الآباء الإسكندريين والكبادوكيين من قبله، إن الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعيّ منه.
[13] أوريجينوس (علامة)، تفسير الرسالة إلى رومية ج1، ترجمة: د. عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2020)، 4: 9: 12، ص 312.
[14] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الرسالة الثانية عن الثالوث ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة وضد السابيليين، ص 167.
[23] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 28، ص 96.
[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 32: 121، ص 504.
[29] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 1: 1، ص 80.
[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 401.
[31] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 15: 50، ص 252.
[32] يفسر ق. أثناسيوس آية ”أبي أعظم مني“ كالتالي: ”لذلك، فإن الابن نفسه لم يقل ’أبي أعظم مني‘ حتى لا يظن أحدٌ أنه غريب عن طبيعة الآب، بل قال: ’أعظم مني‘، ليس من جهة الحجم ولا من جهة الزمن، بل بسبب ميلاده من أبيه ذاته، فإنه حتى عندما يُقال: ’أعظم مني‘، أَظهر مرةً أخرى أنه من ذاتية جوهره الذاتيّ“ (أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرين، القاهرة، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، 1: 13: 58، ص 140).
[33] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 11: 4، ص 137.
سوف نحاول في هذا البحث الموجز عزيزي القارئ الإجابة على تساؤلات في غاية الأهمية تمس قضية الموت، وهي: هل الله يُمِيت البشر؟ وهل الله يُعاقِب البشر بالموت؟ وهل الله يُهلِك البشر؟ وهل الله هو علة موت البشر؟ تساؤلات جد خطيرة تمس واقعنا المسيحيّ المعاصر. لقد خرج علينا البعض يدَّعون على الله زورًا وبهتانًا أن إله يميت! وإنه يقتل البشر! وإنه يُهلِك البشر! بل ويُقدِّمون صورًا مشوهةً على الألوهة مستغلين آيات الكتاب المقدَّس التي يأوِّلونها حسب أهوائهم وأفكارهم الضحلة والمشوَّهة عن الألوهة المنزَّهة عن الموت والهلاك والفناء. فالله كليّ الصلاح بسبب صلاحه جلب الإنسان من العدم إلى الوجود، فكيف يُرسِله بيديه مرةً أخرى إلى العدم؟ هل هذا معقول؟! هؤلاء يفعلون كما فعل الوثنيون قديمًا حيث كانوا ينسبون الموت إلى إله الموت وذلك في سياق تعدُّد الآلهة، وكأنهم لم يسمعوا عن الله معطي الحياة الذي أُظهِر بالكامل وأُعلِن عنه بالكامل في ابنه ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي خبَّر عن الله الذي لم يره أحدٌ قط. فالمسيح هو الإعلان الحقيقيّ والكامل عن الله الحيّ، لم يقل المسيح عن نفسه في الإنجيل أنا هو الموت، لم يقل عن نفسه أنا هو المهلِك، لم يقل أنه هو علة هلاك البشرية وسبب إماتها، بل قال عن نفسه أنا هو القيامة والحياة مَن آمن بي ولو مات فسيحيا، جئتُ لأُخلِّص العالم لا لأُدين العالم، هؤلاء لم يعرفوا المسيح القائم من بين الأموات بعد، هؤلاء لازالوا قابعين في حرفية الناموس والفريسية البغيضة التي طالما رفضها السيد المسيح، هؤلاء لازالوا في مرحلة البداوة الروحية، للأسف لازال هؤلاء يُفكِّرون بمنطقٍ همجيّ بربريّ عن الألوهة ناسبين إليها فعل الإماتة والإهلاك والإفناء للبشرية، هؤلاء أبناء الموت وليسوا أبناء الحياة. هؤلاء يُمثِّلون ردة إلى اليهودية والتهود، بل يُمثِّلون ردة إلى عصور ما قبل التاريخ البشريّ المتحضر، ينسبون للألوهة ما ليس فيها، ويُسقِطون أفكارهم المريضة والمشوَّشة عن الألوهة كلية الصلاح والرحمة والرأفة، معتقدين إنهم بذلك يعبدون الإله الحقيقيّ المميت المهلِك في نظرهم، بل يعتقدون إنهم يُقدِّمون خدمة لله بالدفاع عنه كمبيد وقتال للبشر، ونسوا أن إبليس الكذَّاب وأبو الكذَّاب هو الذي كان قتَّالاً للناس منذ البدء، إبليس مخترع الموت والخطية، الذى أغوى الإنسان وأسقطه في الخطية بإرادته، فصار الإنسان علة موته مشارِكًا في هلاكه وفنائه بسبب خضوعه لغواية إليس وتعديه وعصيانه لله، وإنفصاله الإراديّ عن مصدر حياته، أي الله، فصار هو نفسه علة موته وهلاكه، وليس الله جابله وخالقه ومانحه الحياة.
سوف نُحاوِل الإجابة على سؤال: هل الله يُمِيت البشر؟ وذلك من خلال شهادات الكتاب المقدَّس وشهادات آباء الكنيسة الجامعة المعلِّمين، وشهادة صلوات الليتورچية المقدَّسة.
أود التنويه إلى أن النصوص الكتابية والآبائية المذكورة في هذا البحث هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من الشهادات والنصوص الكتابية والآبائية والليتورچية التي تؤيد هدف البحث، وهو أن الله لا يميت البشر، بل هو المحيي ومانح وواهب الحياة والخلاص من الموت للبشرية جمعاء.
الفصل الأول: شهادات الكتاب المقدس
يدَّعي البعض عن جهل وبدون وعي أن الله يُنزِل الموت على البشر كعقوبة، وكأنَّ الله هو علة موت الإنسان. وهذا التعليم عارٍ تمامًا عن الصحة، بل وضد تعاليم الكتاب المقدس والتقليد الرسولي والآبائي كما سنرى. يُعدّ الموت في تعاليم الكتاب المقدس هو نتيجة التعدي والعصيان، وليس من الله، حيث قال الله للإنسان: ”وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ“ (تك 2: 17). ويذكر سليمان الحكيم أن الشرير يموت من خطيته وليس بإنزال الله الموت عليه قائلاً: ”الشِّرِّيرُ تَأْخُذُهُ آثَامُهُ وَبِحِبَالِ خَطِيَّتِهِ يُمْسَكُ. إِنَّهُ يَمُوتُ مِنْ عَدَمِ الأَدَبِ، وَبِفَرْطِ حُمْقِهِ يَتَهَوَّرُ“ (أم 5: 23). ويقول إرميا النبي أن الموت هو نتيجة ذنب الشخص نفسه كالتالي: ”بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ. كُلُّ إِنْسَانٍ يَأْكُلُ الْحِصْرِمَ تَضْرَسُ أَسْنَانُهُ“ (إر 31: 30).
ويتحدَّث سفر الحكمة أن الموت هو نتيجة أفعال البشر الشريرة، وليس من الله كما يدَّعي البعض عن جهل، حيث يقول التالي: ”لا تغاروا على الموت في ضلال حياتكم ولا تجلبوا عليكم الهلاك بأعمال أيديكم، اذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره“ (حك 1: 12، 13)، ويُؤكِّد سفر الحكمة أيضًا أن البشر هم مَن جلبوا الموت على أنفسهم بأيديهم وأقوالهم، وليس الله هو مَن أنزل الموت كالتالي: ”لكن المنافقين هم استدعوا الموت بأيديهم وأقوالهم ظنوه حليفًا لهم فاضمحلوا وإنما عاهدوه لأنهم أهل أن يكونوا من حزبه“ (حك 1: 16)، ويُؤكِّد سفر الحكمة أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ولم يكن الله هو علة موت الإنسان كالتالي: ”فإن الله خلق الإنسان خالدًا وصنعه على صورة ذاته، لكن بحسد ابليس دخل الموت الى العالم“ (حك 2: 23، 24).
ويُؤكِّد حزقيال النبي أن النفس التي تخطئ هي التي تموت، وليس الله هو مَن يميتها قائلاً: ”اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ“ (حز 18: 4)، ويقول الله في سفر حزقيال أنه لا يسره موت الشرير، فكيف يكون الله هو علة موته كالتالي: ”هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ؟ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟“ (حز 18: 23). ويُؤكِّد يشوع بن سيراخ أن الموت دخل إلى العالم بخطية المرأة حواء، وليس من الله كالتالي: ”من المرأة ابتدأت الخطيئة وبسببها نموت نحن أجمعون“ (سي 25: 33). ويُؤكِّد سفر المكابين الثاني أن الله هو رب الحياة وليس رب الموت كالتالي: ”ودعا رب الحياة والروح أن يردهما عليه ثم فاضت نفسه“ (2 مك 14: 46).
ويُشدِّد المسيح له كل المجد أن الله هو إله أحياء وليس إله أموات قائلاً: ”لَيْسَ اللهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ“ (مت 22: 32). وهكذا يؤكد بولس الرسول أن الموت دخل إلى العالم بالخطية، وليس من الله قائلاً: ”مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ“ (رو 5: 12). ويُشدِّد بولس الرسول على أن أجرة أو ثمن الخطية هو الموت، وبالتالي، الموت نتيجة للخطية وليس من الله قائلاً: ”لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا“ (رو6: 23). وهذا ما يقوله مُعلِّمنا يعقوب الرسول أن الموت هو نتيجة عن الخطية، وليس نتيجة عن الله كما يدَّعي البعض عن جهل كالتالي: ”ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا“ (يع 1: 15). وهكذا نجد أن الكتاب المقدس بعهديه يؤكد على أن الخطية والشر هما علة الموت، وليس الله هو علة الموت. فالله لم يقل في الكتاب المقدس: ”أنا هو الموت“ حاشا! بل قال: ”أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ“ (يو 11: 25)، وقال أيضًا: ”أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ“ (يو 14: 6).
فالحياة هي صفة جوهرية من صفات الجوهر الإلهي منذ الأزل، فالله هو معطي الحياة وواهبها، وجابل الخليقة من العدم إلى الحياة، فكيف يميت الله الإنسان بعدما أحضره من العدم إلى الوجود والحياة؟! الحياة هي صفة من صفات أقانيم الثالوث القدوس ولا يوجد الموت كصفة من صفات الجوهر الإلهي، فكيف يميت الله البشر، أو يُنزِل الموت عليهم؟ هل الموت صفة أزلية في الله الثالوث يمارسها بين أقانيمه منذ الأزل كصفات المحبة، والقداسة، والحكمة، والبر، والحياة… إلخ؟ بالطبع، لا. بل الآب والابن هما مصدر الحياة ولهما الحياة في ذاتيهما وليس الموت أو الإماتة كما يدَّعي البعض عن جهل، حيث يقول يوحنا الرسول التالي: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ“ (يو 5: 26). وتُمارِس أقانيم الثالوث فعل الإحياء، وليس فعل الإماتة، كما يقول يوحنا الرسول: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ“ (يو 5: 21). والروح القدس هو روح الحياة وليس روح الموت. فأريد أن أسأل أولئك الذين يدَّعون بالباطل على الله أنه يميت البشر، كيف يميت الله خليقته التي جلبها من العدم إلى الوجود، ليرجعها مرةً أخرى من الوجود إلى العدم؟ فلماذا جلبها بالأساس من العدم إلى الوجود لكي يعيدها مرةً أخرى من الوجود إلى العدم؟ أليس هذا تناقض صارخ؟!
يُشِير الكتاب المقدَّس في إشارات عديدة إلى أن إبليس هو الذي كان قتالاً للناس منذ البدء، وليس الله هو الذي يعاقب البشر بالموت. حيث يؤكد الكتاب المقدس على أن الشر هو الذي يميت الشرير، وليس الله قائلاً: ”الشَّرُّ يُمِيتُ الشِّرِّيرَ، وَمُبْغِضُو الصِّدِّيقِ يُعَاقَبُونَ“ (مز 34: 21). وهكذا نرى في قصة طوبيا أن الشيطان هو الذي كان يقتل أزواج سارة، لذا نجد طوبيا يتحدث عن أن الشيطان هو الذي قتل أزواج سارة السبعة قائلاً: ”فأجاب طوبيا وقال: إني سمعت أنه قد عُقِدَ لها على سبعة أزواج فماتوا، وقد سمعت أيضًا أن الشيطان قتلهم“ (طو 6: 14). فالشيطان إذًا هو الذي يقتل البشر وليس الله.
يتحدَّث السيد المسيح له كل المجد عن أن الشيطان كان قتَّالاً للناس، ويميت البشر منذ البدء، وليس الله كالتالي: ”أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَق. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ“ (يو 8: 44). ويُؤكِّد بولس الرسول أن إبليس هو مَن له سلطان الموت، أيّ القدرة على إماتة البشر، وليس الله هو الذي يعاقب البشر بالموت كالتالي: ”فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ“ (عب 2: 14). ويُشبِّه بطرس الرسول إبليس خصم البشر بأنه كأسد زائر يلتمس مَن يبتلعه ويميته، وليس الله هو الذي يميت البشر كالتالي: ”اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ“ (1بط 5: 8). ويتحدَّث بولس الرسول عن تسليم الخاطئ إلى الشيطان لهلاك الجسد مؤكدًا على أن الموت والهلاك من الشيطان، وليسا عقوبةً من الله للبشر كالتالي: ”أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ“ (1كو 5: 5).
ولكن قد يتحجَّج البعض ويقول إن الكتاب يذكر عن الله أنه يحيي ويُمِيت كالتالي: ”الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ“ (1صم 2: 6)، فنرد أن الكتاب ذكر أيضًا أن الله هو خالق الظلمة وخالق الشر كالتالي: ”أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ“ (إش 45: 6، 7). فنتساءل هل الله هو خالق الظلمة والشرّ أيضًا مثلما يُمِيت؟ بالطبع لا، ولكن الكتاب المقدَّس كان يهتم بالإعلان عن وحدانية الألوهة في وسط الشعوب التي تُؤمِن بمذهب تعدُّد الآلهة، ويجعلون لكل شيء إله، إله للنور، وإله للظلام، وإله الخير، وإله الشرّ، وإله الموت… إلخ. وكانت هناك الشعوب التي تُؤمِن بمذهب ثنائية الألوهة كالزرادشتية والغنوسية والمانوية، حيث يرون أن هناك إلهان: إله الخير وإله الشرّ، النور والظلمة، الحياة والموت، وهكذا. لذا كان يُحارِب الكتاب المقدَّس هذه المذاهب المنحرِفة عن الألوهة بنسب كل الأشياء إلى الإله الواحد الوحيد، حتى لو كان الله ليس هو خالق الظلمة، أو الشر، أو الموت، بل الله صالحٌ وهو خالق النور والخير والحياة، وبالتالي، لا بد أن ننتبه إلى حديث الكتاب المقدَّس عن وحدانية الألوهة للتأكيد على وجود كل الأشياء في دائرة سيطرة الله وتدبيره وعنايته بالخليقة كلها، فلا يحدث شيء خارج سيطرة الله الواحد الوحيد.
هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الفصل الثاني: شهادات آباء الكنيسة الجامعة
سوف أستعرض في هذا الفصل من بحثنا تعاليم الآباء القديسين المعلِّمين في الكنيسة الجامعة التي تُؤكِّد على أن الله لم يخلق الموت، وليس هو علة الموت، بل الموت كان نتيجة عن الخطية، وأن الموت والإماتة ليسا لهما وجود في طبيعة الله، بل الله حيّ ويُحِيي الأشياء، كما يقول الكتاب: ”لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ“ (أع 17: 28).
كما يُؤكِّد آباء الكنيسة المعلِّمين على حقيقة مهمة جدًا، ألا وهي أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس وبخطية الإنسان، متبعين الكتاب المقدَّس في ذلك. ولم يكن الموت عقوبة من الله للبشر، بل يُؤكِّدون على أمر غريب جدًا، ألا وهو أن الموت كان لصالح الإنسان حتى لا يظلّ الإنسان يُمارِس الشرَّ والخطية إلى الأبد، وبالتالي، تأبيد الشرِّ والخطية واستمرارهما إلى الأبد. لأنه إذا كانت العقوبة القانونية في حالة العقوبات البشرية القضائية العادية مثل عقوبة السجن على سبيل المثال، تُعتبر سلبًا لحرية الشخص المعاقَب، وعقوبة الإعدام هي سلب لحياة الشخص المعاقَب، وبالتالي، تُعتبر العقوبة البشرية القانونية شرًا بالنسبة للشخص المعاقَب، وليس خيرًا أو في مصلحته. وهكذا، لو كانت العقوبة الإلهية – بحسب المنادين بالعقوبة القانونية الجزائية – هي عقوبة قانونية أو جزائية أو انتقامية من الله للبشرية، فسوف تكون العقوبة هي شرٌّ بالنسبة للكائن المعاقَب، وليست لصالحه، لأنها سوف تُؤدِي إلى هلاك الشخص المعاقَب وموته. بل يرى آباء الكنيسة على العكس من ذلك أن الموت الذي دخل إلى العالم بعد السقوط كان في مصلحة البشرية، وليس شرًا للإنسان، وبالتالي، لم يكن الموت عقوبةً قانونيةً من الله للبشرية، بل كان الموت في مصلحة البشرية من أجل الحفاظ عليها من البقاء في الشر والخطية إلى الأبد.
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
حواء هي سبب الموت لنفسها
يُشِير ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ، وأسقف ليون بفرنسا، إلى أن حواء غير المطيعة كانت هي سبب الموت لنفسها وللجنس البشريّ كله، وليس الله كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي كالتالي:
”وإذ صارت [حواء] غير مطيعة، كانت هي سبب الموت لنفسها وللجنس البشريّ كله، هكذا أيضًا، فإن مريم إذ كانت مخطوبةً لرجلٍ، ومع ذلك كانت عذراءً، وأذعنت بطاعةٍ، فصارت سبب الخلاص لنفسها ولكل الجنس البشريّ“.[1]
الشيطان هو جالب الموت على الإنسان
يرى ق. إيرينيؤس أن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه، بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت، لأنه بينما وعد بأنهم سيكونون آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت إليهم كالتالي:
”لأن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه، بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت. لأنه بينما وعد بأنهم ينبغي أن يكونوا آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت إليهم“.[2]
الموت كان لصالح الإنسان
يُؤكِّد ق. إيرينيؤس على أن الموت كان لصالح الإنسان، وليس عقوبة من الله للإنسان، حتى لا يستمر الإنسان خاطئًا إلى الأبد كالتالي:
”لذلك أيضًا، طرد الله الإنسان من الفردوس، ونقله بعيدًا عن شجرة الحياة، ليس لأنه يحسده على شجرة الحياة، كما يزعم البعض، بل لأنه أشفق عليه، ولم يرغب له أن يستمر خاطئًا إلى الأبد، ولا تكون الخطية، التي أحاطت به خالدةً، ولا يكون الشر غير مُتناهٍ، وعديم العلاج. ولكنه وضع حدًا لخطيئته بأن أدخل الموت، وهكذا أوقف الخطية، بأن وضع لها نهاية بانحلال الجسد، الذي يحدث في داخل الأرض، حتى أن الإنسان، إذ يكف عن الحياة في الخطية، ويموت عنها، ويبدأ أن يحيا لله“.[3]
ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي
الإنسان جنى الموت بالعصيان
ينفي ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أن يكون الله هو علة موت الإنسان، بل الإنسان جنى بالعصيان الموت لنفسه، وبالتالي، الإنسان هو المسئول عن موته، وليس الله هو المسئول قائلاً:
”مرةً أخرى، لو خلقه الله فانيًا، كان سيبدو أن الله مسئول عن موته […] ولكن إنْ توجه [الإنسان] إلى أعمال الموت عاصيًا الله، صار مسئولاً عن موته […] لأنه كما بالعصيان جنى الإنسان الموت لنفسه، هكذا بالطاعة (رو 5: 18، 19) لمشيئة الله، يستطيع كل مَن أراد أن يحصل على الحياة الأبدية لنفسه“.[4]
ظهور الموت بسبب حسد إبليس
ويُؤكِّد ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أن بداية الموت ظهرت في العالم بسبب حسد إبليس، وليس أن الله أوقع الموت على البشر، وهكذا حرَّض إبليس قايين على قتل أخيه هابيل، فظهرت بداية الموت في العالم كالتالي:
”عندما رأى إبليس أن آدم وزوجته ليسا فقط أحياء، بل أنجبا ذريةً أيضًا، غُلِبَ من الحسد، لأنه لم يكن بالقوة الكافية ليميتهم. ولأنه رأى أن هابيل يُرضِي الله، فعمل على أخيه المُسمَّى قايين، وجعله يقتل أخاه. ومِن ثم ظهرت بداية الموت في هذا العالم، ليصل الجنس البشري بكامله إلى هذا اليوم“.[5]
ق. يوستينوس الشهيد
البشر جلبوا الموت على أنفسهم
يرى ق. يوستينوس الشهيد أن البشر هم الذين جلبوا الموت على أنفسهم مثل آدم وحواء بعصيانهم، وليس أن الله يجلب الموت على البشر كالتالي:
”ولكنني لا أنوي الخوض في هذه النقطة، بل أن أثبت أن الروح القدس يُوبِّخ الناس المخلوقين على صورة الله، متحررين من الألم والموت بشرط إطاعة وصاياه، وحُسِبوا مستحقين أن يُدعوا أبناء الله، ولكنهم مثل آدم وحواء جلبوا الموت على أنفسهم“.[6]
ق. ميثوديوس الأوليمبي
الله وضع نهاية للخطية بالموت
يُؤكِّد ق. ميثوديوس الأوليمبيّ على حقيقة أن الله وضع نهاية للخطية بالموت، وليس أن الموت عقوبة من الله للبشر كالتالي:
”والآن، كانت خيمتنا في الأول مُزوَّدةً بحالة سامية ثابتة؛ لكن تحوَّلت بواسطة التعدي، وانحنت إلى الأرض. ولكن الله وضع نهاية للخطية بالموت، خشية فناء الإنسان من أن يعيش خاطئًا، وتعيش الخطية فيه، فيكون مُعرضًا للعنة الأبدية“.[7]
الإنسان هو علة موته وفنائه
يُشِير ق. ميثوديوس إلى أن الإنسان قد وُضِعَ في مكان وسط بين الفساد وعدم الفساد، الموت وعدم الموت، ولكنه عندما أختار الفساد، فإنه أصبح فاسدًا وفانيًا كالتالي:
”والآن كون الإنسان بين الجانبين، لا يكون خيَّرًا أو شريرًا، لكنه وُضِعَ في مكانٍ وسط، بين الفساد وعدم الفساد. ميله إلى أحد الجانبين يكون باشتراك الطبيعة، التي وُضِعَت عليه. فعندما يميل إلى الفساد، يصبح فاسدًا وفانيًا؛ وعندما يميل إلى عدم الفساد، يصبح طاهرًا وخالدًا“.[8]
نوفاتيان الأفريقي
عقوبات الله الشفائية
يرى نوفاتيان الأفريقيّ – وهو أحد الآباء اللاتين – أن العقوبات الإلهية هي عقوبات شفائية، ولا تنبع في الله من رذيلة أو ضعف، بل لإرجاع البشر إلى المسار الصحيح كالتالي:
”كذلك حقيقة أن الله يغضب لا تنبع من أي رذيلة فيه. وإنما يتصرف هكذا لمنفعتنا. فهو رحيمٌ حتى عندما يُهدِّد، لأنه بهذه التهديدات يُرجِع البشر إلى المسار الصحيح. فالخوف أمرٌ ضروريّ لمَّن يفتقدون إلى الحافز إلى الحياة الصالحة، حتى أن الرافضين للعقل يتحرَّكون على الأقل بدافع الخوف. ولذلك، فكل هذه المواضع عن الغضب والكراهية وما شابه ذلك من جانب الله، قد أُعلِنَت، كما يتبيَّن من حقيقة الأمر، لشفائنا، وهي تنبع عن قصد مُتعمَّد، وليس من رذيلة أو من ضعف“.[9]
ق. ديونيسيوس الإسكندري
لا يشأ الله موت الخاطئ على الإطلاق
يُؤكِّد ق. ديونيسيوس الإسكندريّ أن الله لا يريد موت الخاطئ على الإطلاق، بل أن يتوب كالتالي:
”فهم يتشفعون لبعض الأخوة الساقطين، الذين جلبوا على أنفسهم اتهامات تقديم ذبائح للأوثان، يترقبون عودتهم وتوبتهم، ويقبلونها بكونها مقبولةً عند [الله] الذي لا يريد على الإطلاق موت الخاطئ، بل أن يتوب“.[10]
ق. أثناسيوس الرسولي
الموت هو نتيجة التعدي
يُؤكِّد ق. أثناسيوس الرسوليّ أن الموت هو نتيجة تعدي الإنسان للوصية، ولم يكن الموت من الله على الإنسان، حيث جلب البشر الموت على أنفسهم كالتالي:
”أمَّا إذَا تعدوا الوصية وارتدوا عن الخير، وصاروا أشرارًا، فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم“.[11]
البشر هم علة فساد الموت
ويُشِير ق. أثناسيوس إلى أن البشر هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد الموت، وليس الله كما يدَّعي الجهلاء كالتالي:
”ولكن البشر حوَّلوا وجوههم عن الأمور الأبدية، وبمشورة الشيطان تحوَّلوا إلى أعمال الفساد الطبيعيّ، وصاروا هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد بالموت. لأنهم كانوا – كما ذكرت سابقًا – بالطبيعة فاسدين، لكنهم بنعمة اشتراكهم في الكلمة، كان يمكنهم أن يفلتوا من الفساد الطبيعيّ، لو أنهم بقوا صالحين“.[12]
دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس
ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، وليس من الله كالتالي:
”وبسبب أن الكلمة سكن فيهم، فإن فسادهم الطبيعي لم يمسهم كما يقول سفر الحكمة: ’الله خلق الإنسان لعدم فساد، وجعله على صورة أزليته، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 23- 24)، وبعدما حدث هذا بدأ البشر يموتون“.[13]
جلب البشر الموت على أنفسهم
ويُكرِّر ق. أثناسيوس أيضًا أن البشر هم الذين جلبوا الموت والفساد على أنفسهم، ولم يُنزِل الله عليهم الموت قائلاً:
”فالبشر لم يقفوا عند حد مُعيَّن في خطاياهم، بل تمادوا في الشرِّ، حتى أنهم شيئًا فشيئًا تجاوزوا كل الحدود، وصار يخترعون الشرَّ حتى جلبوا على أنفسهم الموت والفساد“.[14]
الموت لتلافي النتيجة المرعبة
يُشِير ق. أثناسيوس الرسوليّ إلى أن الله أعلن حكم الموت بسبب التعدي، حتى لا تصير النتيجة مرعبة وغير لائقة، ألا وهي تأبيد الشر والخطية كالتالي:
”لأن الموت أيضًا، وكما قُلت سابقًا، صارت له سيادة شرعية علينا (بسبب التعدي)، ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، وكان من المستحيل التهرُّب من حكم الناموس، لأن الله هو الذي وضعه بسبب التعدي، فلو حدث هذا لأصبحت النتيجة مُرعِبة حقًا وغير لائقة في نفس الوقت“.[15]
ق. هيلاري أسقف بواتييه
لا يوجد موت في الله
يرى ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقَّب بـ ”أثناسيوس الغرب“ أن الله لا يوجد فيه موت البتة، بل هو غير المائت، فكيف يدَّعي البعض عن جهل وبدون علم أن الله يُمِيت البشر كالتالي:
”مرةً أخرى، إنْ كنتم تسمعون أنه ذاتيّ المنشأ، إلا أنه لا يوجد مثلٌ يكون فيه مُعطِي نعمة الحياة مطابقًا للحياة التي تُعطَى. إنْ كنتم تسمعون أنه غير مائتٍ، إذًا، فهناك شيءٌ لم ينبثق منه وليس له اتصال معه بطبيعته ذاتها؛ وفي الواقع، الموت ليس هو الشيء الوحيد الذي يدَّعي تعبير ’غير مائت‘ أنه بعيدٌ عن الله“.[16]
ق. باسيليوس الكبير
الله لا يميت أحد بل يحيي
يُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير أن الله لا يميت أحد ويُحِيي آخر، بل يُحِيي بالأشياء المائتة، ويشفي بالأمور المؤلمة كالتالي:
”إذًا، الله لا يُمِيت أحد، ويُحِيي آخر، ولكن هو يُحِيي بالأشياء التي تُمِيت، ويشفي بالأمور التي تجرح“.[17]
الإنسان أمات نفسه بنفسه
ويُوضِّح ق. باسيليوس الكبير أن الإنسان أمات نفسه بنفسه بخطيئته، وجلب وصنع الموت لنفسه، فالموت ليس له كيان في حد ذاته، بل هو انعدام الحياة كالتالي:
”إذًا، فهو الذي وقع في الخطية عن طريق اختياره السيء، ومات بسبب الخطية، ’لأن أجرة الخطية هي موت‘ (رو6: 23)، أي أن كل مَن يبتعد عن الحياة، يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه، وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور ’لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا ليس الله هو خالق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة“.[18]
سقوط الإنسان في الموت بالخطية
يُشِير ق. باسيليوس أيضًا إلى أن الإنسان سقط في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية، ولم يكن الله هو المنفِّذ لهذا الموت كالتالي:
”لقد كُنتُ حسنًا بالطبيعة وصالحًا، ولكنني ضعيف، لأني سقطت في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية“.[19]
الإنسان جلب الموت بإرادته
ويُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير نفس الأمر أيضًا أن الله لم يخلق الموت، بل جلب الإنسان الموت عليه بإرادته الشريرة، وهكذا لم يوقف الله الموت حتى لا يظل المرض أي الخطية إلى الأبد بلا نهاية كالتالي:
”لأن أجرة الخطيئة هي موت (رو 6: 23) أي كل مَن يبتعد عن الحياة، يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه، وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور: ’لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا ليس الله هو الذي خلق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة. لكن الله لم يُوقِف الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظلّ المرض بدون نهاية“.[20]
لايوجد الموت مع الحياة في الله
ويستنكر ق. باسيليوس الكبير أيضًا أن يكون الله هو علة الموت، ويرفض أن يجتمع في الله الشيء وضده، فلا يجتمع الموت والحياة معًا في الله، وبالتالي، يدحض إدعاءات الذين يقولون إن الله يُهلِك ويُمِيت البشر كالتالي:
”الواقع إنني أتعجب كيف أن هؤلاء القوم لا تتملكهم الرعدة لمجرَّد تفكيرهم وتصوُّرهم لمثل هذه التجاديف المنفَّرة. كما أنه من الخطأ روحيًا أن يُقَال إن الشرَّ استمده وجوده من الله، لأن الضد لا ينتج مما هو ضده. الحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، كما أن الصحة لا تنتج من المرض، إنما هذا يُعتبَر تغيير من حالة إلى عكسها […] ويجب التنويه على أن ما يصيب الإنسان من مرض وفقر وموت، لا يُعتبَر من الشرور. ذلك لأن بعض هذه الأمور التي تُصِيب الإنسان تتحوَّل لفائدته“.[21]
ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي
الموت في مصلحة الإنسان
يُؤكِّد ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتيّ“ أن الموت كان في مصلحة الإنسان حتى لا يصير الشر خالدًا، فكيف يكون الموت عقوبةً جزائيةً إنتقاميةً من الله على البشرية، ويكون في مصلحة البشرية في نفس الوقت لكي يمنع تأبيد الشرِّ؟! حيث يقول النزينزيّ التالي:
”وأول نتيجة [لهذا السقوط] أن أدركه الخجل والخزي، واختفى عن الله، وربح [الإنسان الأول] الموت، وقطع الخطيئة، لئلا يصير الشر خالدًا، وهكذا يبيت العقاب إحسانًا بالبشر، لأني هكذا أؤمن بأن الله يُجازِي“.[22]
لا يريد الله موت الخاطئ
يُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ إلى أن الله لا يريد موت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا، فهو الذي أنارنا نحن الذين كنا في ظلمة الموت وظلاله كالتالي:
”هذا، إذًا، ما يُؤثِره الله، فله الحرية والقدرة والسجود. ومَن يدري إذَا كان الله الذي يحلُّ قيود المائتين، ويصعد من أبواب الموت، وهو الذي لا يريد موت الخاطئ إلى أن يرجع ويحيا، وهو الذي أنارنا نحن الذين كُنا في ظلمة الموت وظلاله؟ مَن يدري إذَا كان سيتعهد يومًا ويُدرِك برحمته هؤلاء الضالين ويرعاهم بعصا رعايته، جاعلاً إياهم تحت تأديب عصاه الحديدية؟“.[23]
ق. غريغوريوس النيسي
الموت عقيم لم يغرسه الله
يرى ق. غريغوريوس النيسيّ، مثله مثل جميع الآباء السابقين عليه، أن الموت لم يغرسه الله في الإنسان عندما كان في الفردوس، ولم يغرسه بالطبع بعدما خرج الإنسان من الفردوس، لأن الموت في حدّ ذاته عقيم، وليس له أصل أو جذر، ولم يطرأ تغيُّر على الله قبل وبعد سقوط الإنسان، بحيث قبل السقوط لم يكن يُمِيت الإنسان، ثم صار بعد السقوط، يُمِيت الله الإنسان كالتالي:
”والدرس الذي يجب أن نتعلَّمه هو أن الحياة هي المركز الأصليّ لكل عمل الله، ولم يغرس الله الموت، ولم يكن له جذر ولا مكان له في الفردوس، لأن الموت عقيمٌ، ولأن الحياة كانت هي مركز كل شيء خلقه الله، وللموت طبيعة، وهي توقف الحياة“.[24]
الشيطان هو مصدر الموت
وينفي ق. غريغوريوس النيسيّ أن يكون الله هو خالق الموت، بل الشيطان هو مصدر الموت، لأن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس كالتالي:
”لم يخلق الله الموت، وإنما أبو ومصدر الموت هو ملك الشر أيّ الشيطان، لأن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس“.[25]
الشر هو بداية الموت وليس الله
يُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ أن الشر هو بداية الموت وأساس الفساد، وليس الله كالتالي:
”فيما الشرّ هو مختلف الألوان، ويمثلُ أمامنا بحيث نحسبه شيئًا، ومع الخبرة يتبيَّن لنا شيئًا آخر. وإن معرفته، أي تقبله بالخبرة، هي بداية الموت وأساس الفساد“.[26]
الله ليس خالق الموت
ويُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الله لم يخلق الموت، بل ملك الشرّ، أي إبليس الذي حرم ذاته من الحياة، وصار هو أبو الموت، لأن الموت جاء إلى العالم بحسد إبليس كالتالي:
”لم يكن الله هو خالق الموت، بل ملك الشرّ، إبليس، الذي حرم ذاته من الحياة. صار أبًا للموت. لأن الموت جاء إلى العالم بحسد إبليس“.[27]
التعدي هو أم الموت
يُؤكِّد النيسيّ على أن التعدي بالآكل من شجرة معرفة الخير والشر هو أم الموت بالنسبة للبشر، وليس الله هو مُنزِله على البشرية كالتالي:
”وأصبحت هذه الأكلة أم الموت بالنسبة إلى البشر“.[28]
دخول الموت لمنع تأبيد الشر
يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ في نفس سياق الآباء السابقين إلى دخول الموت إلى العالم، حتى لا يظل الشر مُؤبَّدًا في البشر كالتالي:
”ولكن لأن كل جلد ينفصل عن الحيوان هو شيء ميت، أعتقد أن شافي شرّنا ببصيرته، قد كسا بعد ذلك البشر بهذه القوة نحو الموت، التي هي خاصية الطبيعة غير العاقلة، حتى لا يبقى الشرّ بعد ذلك في البشر إلى الأبد. لأن الأقمصة هي شيء يُوضَع خارجنا مُقدِّمةً خدمة مؤقتة لأجسادنا، وليست متأصلةً في طبيعة الإنسان“.[29]
ويُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ نفس الأمر في موضع آخر أنه لكي لا يستمر الشرّ الكامن فينا إلى الأبد، يتحلَّل الجسد مؤقتًا من خلال العناية العظمى للموت، فالموت هو تنقية من الشر كالتالي:
”الموت ليس أكثر من تنقية من الشرِّ […] كي لا يستمر الشرّ الكامن فينا إلى الأبد، يتحلَّل الجسد مؤقتًا من خلال العناية الأعظم للموت، وبإزالة الشرِّ على هذا المنوال، فإن الطبيعة الإنسانية يُعَاد تشكيلها لتقوم مرةً ثانيةً، فتنفصل عن الشرّ، وتعود إلى حياتها الأولى“.[30]
الإنسان أمات نفسه بنفسه
يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الإنسان بقبوله الحرّ لعرض الشرير، وضع نفسه أعلى من الله، الذي هو مصدر الحياة، ولذلك أدخل الإنسان برغبته أشياءً غير طبيعية وجديدة على نفسه كالتالي:
”الإنسان، بقبوله الحرّ لعرض الشرير، وضع نفسه أعلى من الله الذي هو أصل الحياة. ولهذا السبب، فإن الإنسان أدخل، وبرغبته، أشياءً غير طبيعية وجديدة على نفسه“.[31]
ق. يوحنا ذهبي الفم
الخطية سبب الموت وليس الله
يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم، مثله مثل الآباء السابقين واللاحقين عليه، أن خطية الإنسان هي سبب الموت، وليس الله نفسه هو علة الموت كالتالي:
”لأن خطية الإنسان كانت هي سبب الموت، ولكن بعد أن أتى المسيح، أبطل الخطية، وحرَّرنا منها عن طريق المعمودية“.[32]
يتساءل ق. يوحنا ذهبي الفم عن سبب الموت، فيجيب بنفسه أن سبب الموت هو الخطية، وليس الله هو علة الموت، بل هو الذي قضى على الموت وجرَّده من كل أسلحته، وأنهى على كل مملكة الخطية قائلاً:
”إذًا، ما هو سبب الموت؟ سبب الموت هو الخطية، قال هذا لكي يُقدِّم الخطية كما لو كانت ملكًا، والموت مثل الجندي يخضع لأوامره، ويأخذ مؤونته منه. وبناءً على ذلك، فلو أن الخطية قدَّمت مؤونةً للموت، فمن الواضح جدًا أن البرَّ لاشى الخطية، والذي أتى بالنعمة لم يُجرِّد الموت فقط من أسلحته، بل وقضى عليه أيضًا وأنهى كل مملكة الخطية تمامًا“.[33]
وبالتالي، فمَّن يقول أن الله يُمِيت البشر فهو دون أن يدري يُساوِي بين الله والخطية، حاشا! ويجعل من الله علة الموت كما الخطية وحاشا أن يكون الله كذلك!
الموت في صالح الإنسان
ويرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الموت لم يكن عقوبةً، بل كان الموت في صالح الإنسان لمنع تأبيد الخطية والشر إلى الأبد، وبالتالي، كان الموت خيرًا للبشر وليس عقوبةً كالتالي:
”أننا لم نُضَار مطلقًا من أن الموت قد ملك على الجميع، بل إننا قد ربحنا، بكوننا قد صرنا فانيين، أولاً، لأنه لو كان لنا جسدًا غير قابل للموت، فإن ذلك سيكون دافع للاستمرار في ارتكاب الخطية، ثانيًا، لكي تكون لدينا دوافع غير محدودة في جهادنا لتحقيق التقوى. لأنه بالحقيقة عندما يكون الموت حاضرًا، وعندما ننتظره، فإنه يُقنِعنا أن نكون متواضعين، ومتعقلين، وبسطاء، وأن نتخلص من كُل شرّ. ومع هذا، فمن الأفضل أن نقول أولاً إننا ربحنا بالموت خيرات أخرى وفيرة، لأنه من هنا استُعلِنَت أكاليل الشهداء، ومكافآت الرسل. هكذا تبرَّر هابيل، وهكذا تبرَّر إبراهيم الذي قدَّم ابنه ذبيحةً، وهكذا أيضًا تبرَّر يوحنا الذي مات لأجل المسيح، وأيضًا الفتية الثلاثة، كما تبرَّر دانيال. لأنه لو أردنا البرَّ، فلن يستطيع الموت ولا الشيطان نفسه أن يُسبِّب لنا ضررًا أو أذى“.[34]
الموت فائدة للإنسان
ويُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على أن الموت كان لفائدة الإنسان في موضع آخر، حيث يرى أن كسر الوصية جلب الموت على الإنسان، وهكذا أصبح الإنسان عرضةً للفساد وخاضعًا في المستقبل لحاجات الجسد، فطرده الربُّ من الفردوس، ودبَّر الموت على نحوٍ مفيد لكي لا يبقى في الخطيئة إلى الأبد، إذَا ما أكل من شجرة الحياة التي تُقدِّم الحياة الأبدية، وهكذا منع الله بتدبيرٍ حسن تأبيد الشر والخطية، ويُؤكِّد ذهبيّ الفم أيضًا أن دافع الله الوحيد من هذا الإجراء كان حبه للإنسان، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنه عقوبة جزائية انتقامية من الله لكي يُهلِك ويُمِيت الإنسان الخاطئ، مُجدِّفين على الله وناسبين إليه إفناء وإماتة البشرية. بل يرى ذهبيّ الفم أيضًا أن الطرد من الجنة كان علامةً على الرعاية وليس الغضب من قِبَل الله، وهكذا كشف الله عن رعايته لنا في العقاب، فالعقاب من أجل التقويم والإصلاح والتعليم، وليس الهلاك والفناء كما يدَّعي الجهلاء بدون وعي كالتالي:
”وقدَّم أمثلة هناك هاتين الشجرتين، واحدةٌ للحياة والأخرى للموت (إذَا جاز التعبير)، بمعنى أن تذوقها وكسر الوصية جلب الموت عليه. لذلك، عندما أكل من هذه الشجرة أصبح عُرضةً للفساد وخاضعًا في المستقبل لحاجات الجسد، وكانت بداية دخول الخطيئة، وتمَّ تدبير الموت على نحوٍ مُفيد من قِبَل الربِّ، فلم يسمح بعد لآدم بالبقاء في الجنة لكنه أمره بمغادرتها، مُوضِّحًا لنا أن دافعه الوحيد للقيام بذلك هو حبه له. […] بعبارةٍ أخرى، بما أنه أظهر بأمثلةٍ كثيرةٍ الفجور من خلال الوصية التي أعطاه إياها بالفعل وأصبح عُرضةً للفساد، لئلا يمد يده إلى هذه الشجرة التي تهب حياة أبدية ويبقى في الخطيئة إلى الأبد. فإنه من الأفضل له أن يتمَّ طرده من هنا. وهكذا كان الطرد من الجنة علامةً على الرعاية وليس الغضب. كشف ربُّنا بذلك عن عنايته لنا في العقاب بما لا يقل عن منحه العطايا، وحتى عقابه في هذه الحالة من أجل التعليم“.[35]
الموت ليس شرًا بل خيرًا
يرى ق. يوحنا ذهبي الفم أن الموت ليس شرًا، ولكنه خيرٌ، فالموت هو تحرُّر من الهموم ومعونة للمعذَّبين، ويُوقِّفنا عن فعل الخطية، ويرى ذهبيّ الفم أن الموت هو نتيجة لخطايانا، وليس الله هو علته وفاعله كالتالي:
”لا يمكن أن يُعتبر الموت شرًا يا أخوتي، ولكنه خيرٌ. ولست أقول هذا من ذاتي، بل أيوب الصديق يُعلِنه بقوله: ’الموت راحةٌ للإنسان‘ (أي 3: 5). ويُعلِن بولس الرسول: ’الذي مات قد تبرأ من الخطية‘ (رو 6: 7). الموت تحرُّر من الهموم ومعونةٌ للمعذَّبين. الموت يُوقِّفنا عن فعل الخطية. أرأيت محبة السيد الربّ للبشر. لقد جعل العقاب الذي نتج عن خطايانا – أي الموت – خلاصًا. لأنه إنْ لم يوجد الموت، لمَّا كان لنا أن نتوقف عن فعل الشرِّ، وإنْ كنا لا ننتظر الديَّان الآتيّ، لمَّا ابتعدنا عن الفساد الذي لَحقَ بطبيعتنا نتيجة الخطية، وإنْ كنا لا ننتظر الدينونة، لمَّا أصبح لنا رجاء“.[36]
ق. كيرلس الإسكندري
الخطية هي علة الموت وليس الله
يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على قبول آدم للموت كنتيجة للعصيان والخطية، لذا نستنتج أن الخطية والعصيان هما علة الموت، وليس الله كالتالي:
”وكما أن آدم قَبِلَ الموت كنتيجة للخطية والعصيان، أصبح التبرير بواسطة المسيح جرمًا بحسب جهل اليهود، هكذا، فإنه بألم الموت، كُلِّل المسيح بالكرامة والمجد بحسب كلمات بولس الطوباويّ (أنظر عب 2: 9؛ في 2: 9)“.[37]
الإرادة الإلهية تمقت إفناء المخلوقات
يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الإرادة الإلهية تُمقِت إفناء المخلوقات، لأن الله خلق كل شيء للوجود، وليس للفناء كالتالي:
”لأنه يقول: ’الله خلق كل شيء ليكون موجودًا، وتكوين العالم خلاص، ولا توجد مملكة الجحيم على الأرض. بل جاء الموت إلى العالم من حسد الشيطان‘ (حك1: 14). فقد بدَّلت الإرادة الإلهية الموت، وأبطلت الفساد، وهي تُمقِت إفناء المخلوقات؛ لأن الله خلق كل شيء لكي يوجد كما هو مكتوب“.[38]
الخطأة هم قتلة أنفسهم
ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ بوضوحٍ في موضع آخر أن الخطاة هم قتلة أنفسهم، وليس الله يُعاقِبهم بالموت كما يدَّعي البعض عن جهل كالتالي:
”ليس أمرًا غير متوقع أن يُحسَب كل الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مُخالِفين لله كما يقول الكتاب: ’لأن تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته‘ (تك 8: 21)“.[39]
الموت في مصلحة الإنسان
ويرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن وجود الموت الجسديّ كان في مصلحة الإنسان حتى لا يصل الإنسان إلى مرحلة الدمار الكامل كالتالي:
”هكذا حُكِمَ على الإنسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرةً للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشرِّ، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشرِّ. فحسنًا، بطريقةٍ مفيدةٍ، وُجِدَ الموت الجسدي الذي لم يُؤدِ بالإنسان إلى الدمار الكامل“.[40]
دخول الموت بحسد إبليس
ويُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الموت دخل بواسطة الخطية، وأنها بعد ذلك تسبَّبت في الموت، فالله لم يخلق الموت، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس قائلاً:
”ولكن من الواضح أن الموت دخل بواسطة الخطية (رو 5: 12). […] لقد خلق الله كل شيء في عدم فساد، وهو لم يخلق الموت، بل ’دخل الموت بحسد إبليس‘ (حك 1: 13؛ 2: 24)“.[41]
ق. بروكلس رئيس أساقفة القسطنطينية
الشيطان مسلمنا إلى الموت
يُشِير ق. بروكلس، رئيس أساقفة القسطنطينية، وأحد أبطال مجمع أفسس المسكوني الثالث 431، إلى أننا بسبب الخطيئة سُلِّمَنا للشيطان، وبالشيطان سُلِّمَنا إلى الموت قائلاً:
”لأنه كما قال بولس: ’إذ الجميع أخطأوا‘ (رو 3: 23)؛ لأنه بسبب الخطيئة سُلِّمَنا للشيطان، وبالشيطان سُلِّمَنا للموت“.[42]
قطف آدم الموت لنفسه
يرى ق. بروكلس القسطنطينيّ أن آدم عندما مدَّ يده إلى الشجرة قطف الموت، بينما المسيح بسط يديه على الصليب وعانق العالم كالتالي:
”هذا [آدم] مدَّ يده إلى الشجرة وقطف الموت، ولكن هذا بسط يديه على الصليب وعانق العالم، وصرخ في الأناجيل قائلاً: ’وأنا إنْ ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع‘ (يو 12: 32)“.[43]
ق. ساويروس الأنطاكي
الموت نتيجة طبيعية للضعف الجسدي
يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على أن الموت هو بالفعل نتيجة طبيعية لضعف الجسد كالتالي:
”التعرض للموت هو بالفعل نتيجة طبيعية لضعف الجسد. ولكن كلمة الله القادر على كل شيء، والذي هو نفسه القدرة والحياة، قد وحَّد أقنوميًا معه هذا الجسد الضعيف المحيَي بنفسٍ عاقلةٍ. أمَّا أنه تألم في الجسد من أجلنا، فهذا تؤكده الكتب الإلهية“.[44]
سيادة الموت والهموم بعد السقوط
يُشِير ق. ساويروس الأنطاكيّ إلى أن الضيق والتعاسة وفساد الموت لم يحدث للإنسان إلا بعد تعديه الوصية والحكم عليه بالسقوط من الفردوس، رغم أن الله نفسه لم يصنع الموت، ولا يسر بهلاك الأحياء كالتالي:
”لأن ما قاله الحكيم: ’فإن الجسد الفاسد يُثقِّل النفس والخيمة الترابية عبء للعقل الكثير الهموم‘ (حك 9: 15). هذا لم يحدث إلا بعد تعدي الوصية، وبحدوثه حُكِمَ على الإنسان بالسقوط من الفردوس، وبالمضايقات وبالتعاسة وبالأحزان وبفساد الموت؛ فكان يسمع فعلاً: ’وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أُخِذت منها. لأنك تراب وإلى ترابٍ تعود‘ (تك 3: 18-19). لكن قبل أن يعصي وصية الله الذي كان يمتحن حريته، كان مُكرَّمًا بنعمة الخلود؛ لأن الذي قال: ’فإن الجسد الفاسد يُثقِّل النفس‘، قال قبل ذلك بقليل: ’لأن الله لم يصنع الموت ولا يُسرّ بهلاك الأحياء‘ (حك 1: 13). إن الهموم أيضًا قد سادت بسبب الخطية والشرِّ، ومكتوب فعلاً في سفر أيوب المملوء حكمةً: ’الشرير هو يتلوى كل أيامه وكل عدد السنين المعدودة للعاتي‘ (أي 15: 20)“.[45]
دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس
يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، رغم أن الله خلق الإنسان لعدم الفساد، وجعله صورة ذاته الإلهية، لأن الإنسان الأول، آدم، قد خُدِعَ وأطاع وصية الوسوَّاس المملوءة حسدًا كالتالي:
”وأخصُّ بكلمتي سقوط الطبيعة البشرية الذي حدث بالحيلة، حينئذٍ أحزن وأئن، ’فإن الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله صورة ذاته الإلهية، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 23-24)، لأن آدم، الإنسان الأول، قد خُدِعَ وأطاع وصية الوسوَّاس التي أملاها الحسد“.[46]
مار أغريس البنطي
لا يشأ الله موت أحد
يُؤكِّد مار أوغريس ”إيفاجريوس“ البنطيّ، أحد أهم آباء الرهبنة المصرية في عصره، على أن الله لا يشأ موت أحد، ليس لكونه لا يستطيع أن يخلق كائنًا أبديًا مثله لا يرتكب خطية، بل لأنه لا يوجد شيء يمكن أن يعمله ضد طبيعته، وهذا يؤكد على أن الله لا يُمِيت البشر كما يدَّعي البعض عن دون وعي قائلاً:
”هناك ثلاثة أشياء مستحيلة عند الله، أن تعجز إرداته، أو قدرته الخلاَّقة، أو قدرته الفاعلة. فهو لا يشأ موت أحد (2بط 3: 9)، ليس لكونه لا يستطيع أن يخلق كائنًا أبديًا مثله لا يرتكب خطيةً. لكن لا يوجد شيء يمكن أن يُعمَل ضد طبيعته“.[47]
لا يوجد الموت والحياة في نفس الشخص والوقت
ويُشدِّد مار أوغريس على استحالة وجود الحياة والموت في نفس الشخص وفي نفس الوقت، فما بالك الله الذي هو الحياة ومصدر كل حياة، كيف يدَّعي هؤلاء أن الله يُمِيت البشر ويُهلِكهم كالتالي:
”تمامًا كما أن الحياة والموت لا يمكن أن يوجدا معًا في نفس الشخص وفي نفس الوقت. هكذا أيضًا من المستحيل للمحبة أن توجد مع محبة المال“.[48]
موت النفس هو الشر
ويُشِير مار أوغريس إلى أن موت ومرض النفس هو الشر، وليس الله هو مُهلِكها وفانيها قائلاً: ”موت ومرض النفس هما شرٌ“.[49]
مار إسحاق السرياني
لا يوجد الموت في الله
يرى مار إسحاق السريانيّ، أحد أهم الآباء النساك الذي أثرت ميامره النسكية في العالم المسيحي كله بكافة طوائفه، أن الخطيئة وجهنم والموت لا يوجدوا إطلاقًا مع الله كونهم نتائج أو تأثيرات، وليسوا جواهر أو مواد في حد ذاتهم كالتالي:
”إن الخطيئة وجهنم والموت لا يوجدوا إطلاقًا مع الله كونهم نتائج [أو تأثيرات]، وليسوا جواهر أو مواد. فالخطيئة هي ثمرة الإرادة الحرة. كان هناك وقت لم توجد فيه الخطيئة، وسوف يأتي وفت حين لا تكون موجودةً أيضًا. جهنم هي ثمرة الخطيئة. وجهنم بدأت في وقتٍ مُعيَّنٍ من الزمن، إلا أن نهايتها غير معروفة. الموت، على كل حال، هو تدبير أو حكم صادر من حكمة الخالق. وهو سوف يملك إلى فترة قصيرة فقط على الطبيعة؛ ثم بعد ذلك سوف يُلغَى تمامًا. اسم الشيطان جاء من انحرافه الإراديّ عن الحق؛ وهو لا يشير إلى وجوده هكذا بصورةٍ طبيعيةٍ“.[50]
ق. مكاريوس الكبير
موت الإنسان عن الله
يرى ق. مكاريوس الكبير، أحد أهم آباء الرهبنة المصرية في عصره، أن آدم عند اقتنى نيات وأفكار شريرة، فإنه مات عن الله، وهكذا ندرك أن الموت هو نتيجة العصيان وفعل إراديّ خاص بالإنسان الذي يموت بخطيته ونياته وأفكاره الشريرة عن الله، فالإنسان أمات نفسه بنفسه عن الله بمعصيته كالتالي:
”هكذا كانت الضيعة – التي هي شخص آدم – ثمينةً قبل المعصية، ولكن لأنه اقتنى نياتٍ وأفكارًا شريرةً، مات عن الله. غير أنا لا نقول إنه قد فَنِيَ بالتمام وهلك ومات؛ فإنه مات عن الله ولكنه ما فتئ يحيا بطبيعته الخاصة“.[51]
الإنسان هو علة هلاكه وموته
يُشِير ق. مكاريوس الكبير إلى أن الإنسان هو علة هلاكه وموته إذَا أراد، لأن الله منحه إرادة حرة كما أن الله له إرادة حرة وما يريده يفعله كالتالي:
”لهذا، فإنك أنت على صورة الله وشبهه، لأنه كما أن لله إرادة حرة وما يريده يفعله – فإنْ كان يشاء، فبحسب سلطانه، يُرسِل الأبرار إلى جهنم والخطأة إلى الملكوت، ولكنه لا يختار هذا ولا يقبله لأن الربَّ هو الديَّان العادل – هكذا أنت أيضًا لك سلطانٌ على ذاتك، وحتى إلى الهلاك إنْ كنت تشاء. فأنت ذو طبيعة قابلة لتغيير مسارها، فإن أردت أن تُجدِّف أو سمًا وتقتل به أحدًا، فليس مَن يُقاوِمك أو يمنعك“.[52]
موت النفس بانفصالها عن الروح القدس
يرى ق. مكاريوس الكبير أن النفس الإنسانية تكون ميتة عن الملكوت وذلم بانفصالها عن الروح القدس، الروح الإلهيّ، كالتالي:
”هكذا بدون النفس السماوية، أي الروح الإلهيّ، تكون النفس ميتةً عن الملكوت، إذ لا قدرة لها على فعل شيءٍ مما لله بدون الروح القدس“.[53]
ق. يوحنا كاسيان
الله ليس صانع الموت
ينقل ق. يوحنا كاسيان شهادة الأب شيريمون، أحد آباء المصرية الكبار آنذاك، عن أن الهالكين يهلكون بغير إرادة الله، لأن الله ليس بصانع الموت، وليس كما يدَّعي الجهلاء أن الله يُمِيت البشر ويُهلِكهم كالتالي:
”وإذ الهالكون يهلكون بغير إرادة الله، لهذا يمكننا أن نقول بأن الله ليس بصانع الموت، وذلك كشهادة الكتاب المقدَّس القائل: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره‘ (حك 1: 13)“.[54]
هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الفصل الثالث: شهادة الليتورجية القبطية
دخول الموت بحسد إبليس
تحتوي الليتورچية القبطية على العديد من الإشارات التي تنفي أن يكون الله علة موت الإنسان، أو يميت الإنسان كعقوبة له على الخطية، بل الله جبل الإنسان على غير فساد (موت)، بينما دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس. حيث يُصلِي الكاهن في صلاة الصلح في القداس الباسيليّ الآتي:
”يا الله العظيم الأبديّ الذي جبل الإنسان على غير فساد: والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس هدمته بالظهور المحيي الذي لابنك الوحيد الجنس ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح“.[55]
الإنسان أختطف الموت لنفسه
وهكذا يُصلِي الكاهن في القداس الغريغوريّ في صلاة ”قدوس“ مُؤكِّدًا على أن الإنسان هو الذي بإرادته خالف الوصية، وأختطف له قضية الموت، ولم يكن الله هو الذي عاقبه بالموت كالتالي:
”غرسٌ واحدٌ نهيتني أن آكل منه، فأكلتُ بإرادتي، وتركتُ عني ناموسك برأيي. وتكاسلت عن وصاياك. أنا اختطفتُ لي قضية الموت“.[56]
تأديبات الله المؤدية للحياة
ويُصلِي الكاهن أيضًا في طلبة ”أنت يا سيدي“ في القداس الغريغوريّ مُخاطبًا الله الذي حوَّل عقوبة الموت إلى خلاص، وليس هو الذي عاقب الإنسان بالموت، بل وأدَّب الله الإنسان بالتأديبات المؤدية للحياة، وليس إلى الموت كالتالي:
”أنت يا سيدي حوَّلت ليَّ العقوبة خلاصًا. كراعٍ صالحٍ سعيت في طلب الضال. كأبٍ حقيقيّ تعبت معي أنا الذي سقط. أدَّبتني بكل التأديبات المؤدية إلى الحياة. أنت الذي أرسلت لي الأنبياء من أجلي أنا المريض“.[57]
لا يشأ الله موت الخاطئ بل توبته
ويُصلِي الكاهن في صلاة المجمع بالقداس الغريغوريّ مُؤكِّدًا على أن الله لا يشأ موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، وليس أن الله يُمِيت الخاطئ كعقوبة له على خطيئته كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي قائلاً:
”لأنك أنت هو الله الرحوم الذي لا يشأ موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا. ردنا يا الله إلى خلاصك. وأصنع معنا كصلاحك“.[58]
نستنتج مما سبق، أن الله لا يُعاقِب البشر بالموت، بل الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ونتيجة خطية الإنسان لصالح الإنسان وخيره، وذلك لإنقاذه من البقاء في الشر والخطية إلى الأبد. لأنه لو الموت له أصل إلهيّ في الله، لصار الموت سرمديًا أيّ أزليًا وأبديًا، وهذه هي الثنائية الغنوسية والمانوية، التي تجعل من الموت كيانًا مُوازيًا لله، طالما أن الله يُعاقِب البشر بالموت، فمعنى ذلك أن فعل الإماتة أو إنزال الموت كعقوبة له أصل أزليّ في الله، فيكون الموت أزليّ أبديّ، وبالتالي، معنى ذلك تأليه الموت والعدم، وهذه هي الهرطقة الغنوسية والمانوية عينها التي تجعل من الشر والموت والظلام إلهًا في مُقابل إله الخير والحياة والنور.
[1] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 3: 22: 4، ص 111.
[9] نوفاتيان، عن الثالوث، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: رسالتنا للنشر والتوزيع، 2022)، 5: 1، ص 37.
[10] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة وإعداد: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الخطاب إلى فابيوس أسقف أنطاكية : 3، ص 78.
[11] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 3: 4، ص 9.
[19] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، عظة 5: 5 على مز 30، ص 171.
[20] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2012)، ص 34.
[21] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 2: 5، ص 29.
[22] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات القيامة، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2015)، العظة الفصحية الثانية 45: 8، ص 25.
[23] غريغوريوس النزينزي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، 1994)، الخطاب الثاني ضد يوليانوس الجاحد، ص 87.
[24] Gregory of Nyssa, Commentary on the Song of Songs, Tans. by C. Mc Cambley, Intro. by Panagiotes Chresteu, (Hellenic College Press, 1987), Homily 12, p. 216. See also Gregory of Nyssa, Homilies on The Song of Songs, Trans. & Intro. by Richard A. Norris, (Atlanta: Society of Biblical Literature, 2012), Homily 12, p. 369.
[25] Gregory of Nyssa, on the inscriptions of the Psalms, Trans. by C. Mc Cambely, (Hellenic College Press, 1988), p. 139. See also Gregory of Nyssa, Treatise on The Inspections of The Psalms, Trans. & Intro. by Ronald E. Heine, (Oxford: Clarendon Press, 1995), 2: 271, p. 209.
[26] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 20، ص 109.
[27] Gregory of Nyssa, on the inscriptions of the Psalms, 16, PG 44: 601C.
[28] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 20، ص 109.
[29] غريغوريوس النيسي (قديس)، تعليم الموعوظين، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2022)، 8: 4، ص 140.
[30] Gregory of Nyssa, Panegyric on Queen Pulcheria, PG 46: 876D-877A.
[31] Gregory of Nyssa, on Virginity, 12, PG 46: 372A.
[32] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة 42: 3، تعليق على (1كو 15: 65)، ص 426.
[33] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 4، ص 254.
[34] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 3، ص 252.
[36] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، بين موت الخطية وموت الجسد (تأملات كتابية ومختارات آبائية)، ترجمة وإعداد: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2017)، عظة عن الصبر منسوبة للقديس يوحنا ذهبي الفم، ص 20.
[37] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 125.
[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 114، 115.
[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 9)، ص 122، 123.
[45] ساويروس الأنطاكي (قديس)، سيرة ومقالات القديس ساويروس الأنطاكي مج1، إعداد: المؤرخ يوسف حبيب، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2017)، مقالة عن الصوم، ص 202.
[46] المرجع السابق، مقالة بعنوان ”مَنهو أعظم في ملكوت السموات“، ص 296.
[47] أوغريس البنطي (مار)، مار أوغريس البنطي (من آباء الرهبنة الأولين)، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: الأنبا إيسيذوروس، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021)، الرسالة الكبرى إلى ميلانيا، ص 491، 492.
سوف نُناقِش في هذا البحث موضوع ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم ووجع الولادة، وذلك من خلال الإشارات الكتابية والآبائية إلى هذا التعليم الأرثوذكسيّ السليم. حيث يرى أغلب آباء الكنيسة المعلِّمين أن آلام الولادة والمخاض هي أحد نتائج سقوط أبوينا الأولين آدم وحواء، وبالخصوص أمنا حواء، حيث قال الله لأمنا حواء بعد السقوط: ”وقال للمرأة: تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادًا“ (تك ٣: ١٦). فآلام الولادة بحسب رواية سفر التكوين هي أحد نتائج السقوط، وهكذا كان لابد لحواء الثانية أن تلد ابنها آدم الثاني بدون آلام الولادة أو المخاض، لأن المسيح محا نتائج السقوط في تدبير تجسُّده، وكان أحدها هو آلام الولادة أو المخاض. وهناك نبوة في سفر إشعياء تُشِير إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون آلام الولادة أو المخاض، حيث يقول إشعياء النبيّ التالي: ”قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا الطَّلْقُ وَلَدَتْ. قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهَا الْمَخَاضُ وَلَدَتْ ذَكَرًا“ (إش ٦٦: ٧).
لذا تُؤمن الكنيسة الأرثوذكسية وفقاً للكتاب المقدس، وما تسلَّمناه في التقليد المقدَّس وتعليم الآباء القديسين، وبشهادة الصلوات الليتورجية، أنّ ولادة العذراء للمسيح كانت ”ولادةً لا تُفَسَّر ولا يُنطَقُ بها“، أي أنها ولادة فائقة الطبيعة، كما كان أيضاً حَبَلُها بالمسيح فوق نواميس الطبيعة. كما يُلمِّح الإنجيليّ لوقا إلى الولادة المعجزية في (لو7:2) حيث من الغريب أنّ إمرأة تلد بآلام المخاض، التي تستنزف منها آلامًا وجهدًا وطاقةً كبيرة، ومن ساعتها تقوم هي بنفسها بلفِّ المولود بالأقمطة وتُضجِعه في المذود، إذ من المألوف، قديماً، أنه في تلك الساعة، تُحِيط نساء العائلة بسرير المرأة، وفي أغلب الأحيان تكون معهنّ القابلة ليساعدنها ويخدمنها.
أناشيد سليمان
نجد إشارة مُبكرة جدًا لولادة المسيح من العذراء بدون وجع الولادة في أناشيد سليمان كالتالي:
”قد وجِدت أحشاء العذراء مخصبة، فحبلت وولدت، وصارت أمًا مُكرَّمة، وحظيت بمراحم كثيرة ونالت نعمة مُعظَّمة. قد أتت الساعة فولدت ابنًا بغير وجيعة، وهذا أمرٌ غريبٌ، لا يحدث أبدًا بدون علة، ولم تحتج قابلةً، ولا طلبت أية معونة، لأنه منحها أن تُخرِج الحياة من حشا بتولية“.[1]
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
يستخدم ق. إيرينيؤس أسقف ليون بفرنسا، والملقَّب بـ ”أبو التقليد الكنسيّ“، نبوة (إش ٦٦: ٧) لكي يُؤكِّد على ولادة المسيح من العذراء مريم بدون آلام الولادة والمخاض قائلاً:
”ويُشِير النبيّ نفسه في مكانٍ آخر إلى الميلاد بقوله: ’قبل أن يأخذها الطلق ولدت، قبل أن يأتي عليها المخاض ولدت ذكرًا‘ (إش ٦٦: ٧). وبهذه الطريقة، فهو يُشِير إلى الولادة العجيبة الفائقة الوصف من العذراء“.[2]
ق. كبريانوس أسقف قرطاجنة
ويُشِير ق. كبريانوس أسقف قرطاچنة أيضًا إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم الولادة أو المخاض قائلاً:
”إنها بقدرة الله استمرَّت عذراء وولدت بلا ألمٍ وبلا مُساعدة قابلة، وخَدَمَت بذاتها وِلادتها بكل ورَعٍ. لأنها كانت تُعانِق ثمرتها المحبوبة وتُقبِّلها وتُغذِّيها بكل ابتهاج وبلا وَجعٍ وبدون أدنى مُساعدة أجنبية“.[3]
ق. غريغوريوس العجائبي
يُؤكِّد ق. غريغوريوس العجائبيّ، أسقف قيصرية الجديدة بآسيا الصغرى (تركيا حاليًا)، على ولادة المسيح من العذراء بدون أوجاع الولادة قائلاً:
”ولن تخاف بنات حواء من اللعنة القديمة، أو من أوجاع الولادة. لأن المسيح، فادي جنسنا، ومُخلِّص كُل البشرية، آدم الروحانيّ، الذي شفى جراحات الخليقة الترابية، جاء من أحشاءك المقدَّسة. مُباركةٌ أنت في النساء، ومُباركةٌ هي ثمرة بطنك، لأن الذي يحمل لنا كُل البركات ظهر كثمرة منك“.[4]
زينو من فيرونا
زينو Zeno من ڨيرونا Verona بشمال إيطاليا، هو لاهوتيّ لاتينيّ معروف من شمال إيطاليا، يتحدَّث عن ولادة المسيح من العذراء مريم بدون ألم الولادة قائلاً:
”لم تلد مريم بألمٍ، بل بفرحٍ، لقد وُلِدَ الابن بدون أب، ولم يأت بالكامل من أمه [أي ناسوته فقط]، لأنه كان مدينًا لنفسه بحقيقة الحبل به، ومنح أمهِ حقيقة ولادته. لقد كانت أول مَن اندهش من أن مثل هذا الابن قد خرج منها، وما كانت لتُصدِق أنه وُلِدَ منها، لولا أنها ظلَّت عذراءً بعد الولادة، كما كانت غير فاسدةٍ بعد الحبل“.[5]
ق. أثناسيوس الرسولي
ويُلاحِظ ق. أثناسيوس الرسوليّ وهو يُفكِّر في كلام الإنجيل أنَّ العذراء النقية ولدت بلا واسطة أو مُساعدة القابلة، مُشِيرًا إلى ولادة المسيح من العذراء بدون أوجاع الولادة كالتالي:
”إنها بذاتها ولدت وبذاتها قمّطَت! إن هذا لا يتمّ لسائر النساء الاعتياديات إلاّ بطريقةٍ أخرى لأنهنَّ يلِدنَ بمساعدة غيرهنَّ. وغيرهنّ يُقمّطنَ لهنّ أطفالهنّ. ولم تكن الحال هكذا عند ولادة العذراء القديسة لطفلها، لأنها وهي تَلِده بلا أوجاع كانت هي القابلة لذاتها على الرغم من كونها لم تتعلّم صناعة التوليد من أحد. ولم تسمح لأحد أن يمسّ بيدين غير طاهرتين طفلها الفائق الطُهر والقداسة. فهي بذاتها خَدَمت المولود منها وبنفسها قمَّطته ووضعته في المذود“.[6]
مار أفرام السرياني
يُؤكِّد مار أفرام السريانيّ، في تفسير سفر التكوين المنسوب إليه، على ولادة العذراء بدون أوجاع الطَلْق، مثل باقي الأمهات اللواتي يَحبَلنَ بالجِماع، لأنّ حَبَلها كان بتوليّاً ومُعتَقاً من العقوبة التي أصابت حواء وجنسها بعد السقوط كالتالي:
”ولذلك، إنَّ سيدتنا والدة إلهنا، لمَّا كان حَبَلُها بغير لذَّةِ رَجُل، لم يكن طَلْقُها بالألم، فكان بها إنحِلالُ العقوبة المحكوم بها على الجنس“.[7]
ق. غريغوريوس النزينزي
يُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ، الملقَّب بـ ”اللاهوتيّ“، إلى حقيقة ولادة المسيح من العذراء مريم بدون آلام الولادة والمخاض، فيقول على لسان العذراء والدة الإله التالي:
”والدة الإله: […] أقول إنهم أخوته من ناحيتي أنا التاعِسة، لا من ناحية أبيه الذي هو كلمته المتجسِّد، الذي ولدته بدون رجل، بطريقةٍ أعجوبيةٍ، وبدون آلام الولادة“.[8]
ويُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ (اللاهوتيّ) إلى ولادة المسيح من العذراء مريم والدة الإله بدون آلام الولادة القاسية في موضع آخر قائلاً على لسان العذراء مريم والدة الإله التالي:
”والدة الإله: […] أنا وَلدته، وأنا أعلم كيف وضعته بدون أن أُمنَى بأوجاع الولادة القاسية، ولكني أرثي للذين استنزلوا الشقاء على رؤوسهم“.[9]
ق. غريغوريوس النيسي
يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى ولادة المسيح من العذراء مريم بدون ألم الولادة أو المخاض كالتالي:
”عندما صار الله معروفًا لنا في الجسد، فإنه لم يقبل أهواء الطبيعة البشرية، ولم تتألم العذراء مريم، ولم يتضاءل الروح القدس بأيّ شكل من الأشكال، ولم تبطل قوة العليّ بأيّ حالٍ من الأحوال. وهذا كُله كان لأن كُل شيء تمَّ بواسطة الروح القدس. وهكذا لم تضعف قوة العليّ، ووُلِدَ الطفل دون أن يلحق أيّ ضرر ببتولية أمه“.[10]
يستعرض ق. غريغوريوس النيسيّ نفس الأمر في موضع آخر مُشِيرًا إلى ولادة المسيح له كل المجد من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون آلام المخاض قائلاً:
”بالحقيقة هو وحده الذي في شخصه، اكتمل الناموس، لأنه قد حُبِلَ به بطريقة لا تُوصَف، ولا يُعبَّر عنها، وعَبَرَ من رحم العذراء المحصَّن، دون ألم، حافظًا لختم بتوليتها، بعد الولادة المعجزية“.[11]
ويُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى ولادة المسيح من العذراء مريم والدة الإله بدون ألم الولادة قائلاً:
”والكلام للعذراء الآن هو عكس الكلام الذي قيل لحواءٍ. فحواء أُدِينَت لأجل خطيتها بالألم والوجع في الولادة (تك 3: 16)، بينما في حالة العذراء، فقد طرد الفرح الحزن. بالنسبة لحواء سبقت الأحزان ألم الولادة، أمَّا في حالة العذراء، فإن الفرح يُبعِد الألم“.[12]
ق. كيرلس الإسكندري
ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على حقيقة البعد الخلاصيّ لولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون آلام الولادة، حيث كان لابد أن يرفع لعنة الولادة بالألم التي أصابت حواء القديمة بعد السقوط قائلاً:
”ويوجد سبب ثالث، لقد قيل للمرأة سابقًا من قِبَل الله: ’بالوجع تلدين أولادًا‘ (تك ٣: ١٦)، إذًا، ألم تكن الحاجة أكثر إلى القضاء على هذه اللعنة أيضًا؟ وإلا كيف يمكِننا أن نتفادى زواجًا مُدانًا؟ ولكن لأن المخلِّص هو مُحِب البشر، فإنه يرفع هذه اللعنة“.[13]
ويُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى نفس الحقيقة في موضع آخر، حيث يرى أن المسيح له كُل المجد احتمل أن يُولَد من امرأةٍ لأجلنا، لكي يُبطِل اللعنة التي حُكِمَ بها على المرأة الأولى، فقد قيل لها: ’بالوجع تلدين أولادًا‘ (تك ٣: ١٦)، وهكذا قوة اللعنة قد أُبطِلَت، ومع إبطال الموت، أُبطِلَت الأوجاع التي تحملتها الأمهات الأرضيات في الولادة قائلاً:
”اِفهم أن الابن الوحيد صار جسدًا، وأنه احتمل أن يُولَد من امرأة لأجلنا، لكي يُبطِل اللعنة التي حُكِمَ بها على المرأة الأولى، فقد قيل لها: ’بالوجع تلدين أولادًا‘ (تك ٣: ١٦)، فإنها كانت تلد للموت. ولذلك ذاقوا، أي أولاد المرأة، لدغة الموت. ولكن لأن امرأة قد ولدت في الجسد، عمانوئيل، الذي هو الحياة، فإن قوة اللعنة قد أُبطِلَت. ومع إبطال الموت، أُبطِلَت الأوجاع التي تحملتها الأمهات الأرضيات في الولادة“.[14]
ق. بروكلس بطريرك القسطنطينية
يُؤكِّد ق. بروكلس بطريرك القسطنطينية، وصديق ق. كيرلس الإسكندريّ، وأحد أبطال مجمع أفسس المسكونيّ 431م، والمدافِع القويّ عن لقب ”والدة الإله“ في وجه نسطوريوس مُنكِر هذا اللقب، إلى ولادة المسيح من رحم العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة أو المخاض كالتالي:
”اليوم من دون اقتران خرج الطفل بلا ألم من الرحم، وكل الخليقة تُقدِّم عطاياها إلى الطفل الذي بلا أب“.[15]
ويُشِير ق. بروكلس بطريرك القسطنطينية في موضع آخر إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة أو المخاض قائلاً:
”أمٌ لأنها ولدت مَنْ أراد أن يُولَد. عبدةٌ مُعترِفةٌ بطبيعتها ومُنادِيةٌ بالنعمة. سحابةٌ لأنها حبلت بالروح القدس مَن ولدته بغير ألم“.[16]
ق. أمبروسيوس أسقف ميلان
يرى ق. أمبروسيوس أسقف ميلان أن مريم هي أم المسيح، وهي من ثمَّ والدة الإله، وقد ولدت ولم تُعانِ ألمًا، ولم تعرف مخاضًا، بل لبثت عذراء قبل الولادة وبعدها.[17] حيث يقول ق. أمبروسيوس التالي:
”لقد سمعنا كلمة الحق، لقد سمعنا تدبير البشارة: دعونا نتعلَّم من السرِّ. فقد كانت مريم مخطوبةً، ولكنها عذراءً. إنها رمزٌ للكنيسة طاهرةً ومُتزوِجةً أيضًا. كعذراءٍ حبلت لأجلنا من الروح القدس، وكعذراءٍ ولدت لأجلنا بدون أيّ صوت ألم. وربما السبب وراء خطوبة القديسة مريم لرجلٍ، وامتلائها بثمرة البطن من آخر، لأن جميع الكنائس المنفردة مملوءةٌ من الروح والنعمة، وفي نفس الوقت مُرتبِطةٌ من الخارج بكاهنٍ بشريّ“.[18]
ويُؤكِّد ق. أمبروسيوس في موضعٍ آخر على ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم ووجع الولادة أو المخاض قائلاً:
”لقد ولدت مريم بدون ألم، بل ولدت، وهكذا عَرِفَت أنها ولدت من نفسها الربَّ من أجل الخلاص“.[19]
أوغسطينوس أسقف هيبو
يُؤكِّد أوغسطينوس أيضًا على ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم ووجع الولادة في أحد عظاته على ”ميلاد المسيح“ قائلاً:
”في حبلكِ كُنتِ طاهرةً تمامًا، وفي ولادتكِ كُنتِ بلا ألم“.[20]
ق. بطرس كريسولوغوس
يُشِير ق. بطرس كريسولوغوس، أحد الآباء اللاتين في القرن الخامس، إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم قائلاً:
”حبلت كعذراءٍ، وولدت كعذراءٍ، وبقيت عذراءً. وهكذا يعرف جسدها قوة المعجزة، ولكنه لم يعرف الألم [أي أثناء الولادة]. تنال العفاف في الولادة، ولم تعرف شيئًا من الألم البدنيّ“.[21]
ق. ساويروس الأنطاكي
يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على التقليد المتسلسل بولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة مع شعور وإدراك العذراء للولادة، ويستخدم أيضًا نبوة (إش ٦٦: ٧) للتأكيد على الحقيقة السابقة قائلاً:
”لكننا نسمع عن مارا المذكور، أنه قال هذا أيضًا إن العذراء القديسة لم تشعر بالولادة، في مُعارضةٍ جليةٍ للروح القدس الأسفار التي قيلت بواسطته. فها إشعياء ذو الصوت العاليّ بين الأنبياء يُوضِّح أنه أتى من رباط البتولية، مثل أيّ شيء آخر، وأنه وُلِدَ بطريقةٍ غير مُدرَكةٍ دون نقضها من مريم والدة الإله. حيث يقول: ’قبل أن يأخذها الطلق ولدت. قبل أن يأتي عليها المخاض ولدت ذكرًا‘ (إش ٦٦: ٧). إن حقيقة أنها تجنبت [آلام المخاض]، تُوضِّح أن الميلاد قد حدث بشكلٍ مُدرَكٍ لمَّن ولدت وليس خيالاً. ويقول غريغوريوس اللاهوتيّ أيضًا في عظته عن القيامة عن ميلاد الطفل حينما وُلِدَ: ’لكنها صرخت أيضًا بدافع لا يُقاوم من روابط البتولية والأمومة بقوةٍ عظيمةٍ، حينما وُلد ذكرًا من النبية، كما يُعلِن إشعياء‘.[22] فكيف تكون حقيقة أنها صرخت من دافع لا يُقاوم، ولم يحلَّ رباط بتوليتها بدون إدراك، وبدون إدراك كبير منها وهي التي تلد؟ كما أن هذه الأشياء قد حدثت بطريقةٍ غير مُدرَكة، وفوق كل الأشياء. فإن الذي اشتهى أن يأتي بالحقيقة في كل صفاتنا، وأن يُجعَل مثلنا نحن أخوته، ولكن بدون خطية، وُلِدَ أيضًا في هيئة جسمية ميلادًا حقيقيًا وواضحًا، جاعلاً والدته مُدرِكةً لذلك، بدون أيّ ألم أو مُعاناة، لأن النبي يُصرِّح بأنها ولدت قبل أن تأتيها آلام الولادة، فكيف تتعرض لتجربة الآلام والمعاناة، وهي التي وضعت نهاية لولادة الأطفال بألم، وهذا بحقيقة أن الفرح قد وُلِدَ لكُل الجنس البشريّ؟“.[23]
ولادة المسيح بدون ألم من العذراء مريم – د. أنطون جرجس عبد المسيح
يوحنا الدمشقي
يُؤكِّد الأب يوحنا الدمشقيّ، من الجانب الخلقيدونيّ، على نفس التقليد المسلِّم من آباء الكنيسة المعلِّمين بولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون آلام الولادة والمخاض، مُستخدِمًا نفس نبوة (إش ٦٦: ٧). كما يرى أن العذراء رغم أنها نجت من آلام الطَلْق عند ولادتها المسيح، إلا أنها تألّمت لآلامه وصلبه كالتالي:
”وكما أنّ تلك (حواء) قد جُبِلَت من آدم بدون جماع، كذلك هي (مريم العذراء) قد حَبِلت بآدم الجديد، مولوداً بحسب الشريعة، ولما كان هو بلا أبٍ، كان ذلك بما يفوق طبيعة الولادة. وبما أنه أتمَّ الزمن المعتاد – كان قد أكمل الأشهر التسعة ووُلِدَ في بدء العاشر – فقد كان الحبل به بموجب الشريعة.وبما أن ذلك كان بلا وجع، فقد كان فوق عادة الطبيعة. فلأنه لم يسبق الولادة لذة، لذلك لم يتبعها وجع، على حسب قول النبيّ: قبل أن تتمخض ولدت، أيضًا قبل أن يأخذها الطلق وضعت ذكرًا […] ولكن تلك المغبوطة نفسها التي استحقت المواهب الفائقة الطبيعة، فإن الأوجاع التي نجت منها وهي تلد، قد احتملتها هي نفسها وقت الآلام. لأنّ انعطاف أمومتها كان يُشعِرها بتمزيق أحشائها “.[24]
يُشِير الأب يوحنا الدمشقيّ أيضًا، في العظة الثانية من عظاته الثلاثة عن ”رقاد والدة الإله“، إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم الولادة قائلاً:
”كيف يمكن للموت أن يختطف تلك المباركة حقًا، التي أنصتت إلى كلمة الله بكُل اتضاع، وامتلأت بالروح، وحملت عطية الآب بواسطة رئيس الملائكة، حملت بدون شهوة أو معونة رجل بأقنوم الكلمة الإلهيّ، الذي يملأ الكل، وولدت إياه بدون آلام الولادة، مُتَّحِدًا كليًا بالله؟ […] كان من اللائق أن يُحفَظ جسدها، الذي حفظ بتوليتها كما هي أثناء الولادة، من الفساد حتى بعد الموت. تلك التي أرضعت خالقها كطفلٍ رضيعٍ من ثديها، كان لها الحق أن تكون في المظال الإلهية […] كان يليق بتلك التي رأت ابنها يموت على الصليب، وقَبِلت في قلبها سيف الألم الذي لم تشعر به أثناء الولادة، أن تنظر إليه جالسًا بجوار الآب“.[25]
الليتورجية القبطية
نُصلِّي في الليتورجية القبطية، وخاصةً في التسبحة السنوية، ونقول في ثيؤطوكية يوم الأثنين، القطعة التاسعة، التالي: ”خلَّصت آدم من الغواية، وأعتقت حواء من طلقات الموت“. وهنا لا بد أن نُوضِّح أن الموت ليس له طلقات، بل الولادة هي التي لها طلقات، وتُؤكِّد الثيؤطوكية هنا على أن المسيح عتق حواء الأولى التي كانت تُنجِب بوجعٍ وطلقاتٍ أبناءً للموت، وذلك بولادته من العذراء القديسة مريم، حواء الثانية، بدون آلام وأوجاع وطلقات الولادة، فصارت تُنِجب أولادًا للحياة وليس للموت.
ونُصلِّي كذلك في التسبحة السنوية، وخاصةً في ثيؤطوكية يوم الخميس، القطعة الخامسة، ونقول: ”لأن الذي وُلِدَ إله بغير ألم مِن الآب. وُلِدَ أيضًا حسب الجسد بغير ألم مِن العذراء“. وهكذا تُؤكِّد هذه الثيؤطوكية على ولادة المسيح حسب الجسد من العذراء القديسة مريم بغير ألم ووجع الولادة.
الليتورجية الرومية
ونأتي الآن إلى شهادة بعض الصلوات الليتورجية التي تُصلِّيها كنيسة الروم الأرثوذكس الخلقيدونية، والتي تتضمن عُصارة التعليم اللاهوتيّ والعقائديّ عن ولادة المسيح له كل المجد من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون أوجاع الولادة. وهناك العديد من الشهادات الليتورجية حول هذه النقطة تحديداً، ولكننا سوف نُشِير إلى أهمّها وأكثرها شهرةً، لأنها مألوفة السماع عند المؤمنين كالتالي:
”لمّا أبصرت البريئة من اللّوم المسيح مرفوعًا على الخشبة بمشيئته، دَهشَت وصرخت باكيةً: إني لم أُعانِ مخاضاً في ولادتكَ يا إبني وإلهي، ولكني الآن أتوجّع من صلبكَ ظُلماً على أيدي الأثمة“.[26]
وهناك إشارة أخرى إلى ولادة المسيح من العذراء بدون أوجاع الولادة في كتاب التريوذي، من تقاريظ جناز المسيح، القسم الثاني كالتالي:
”في النساءِ وحدي قد وَلدتُكَ يا ابني بلا أوجاعٍ والآن أتحمَّلُ أوجاعاً لا تُطاقُ من جرّاء تألُّمِك“.[27]
وفي قانون السبت العظيم المقدَّس، في الأوذية التاسعة منه، التي هي من نظم القديس قوزما الأورشليميّ ناظم التسابيح (760م) تقول الطروبارية الأولى على لسان العذراء التالي:
”يا ابني الأزليّ، إني نجوت من الأوجاع في حين ولادتك الغريبة فتطوَّبت بما يفوق الطبيعة، والآن لمَّا أُشاهِدك يا إلهي ميتًا عادم النَسَمة أُطعنُ بحربةِ الحزن بمرارةٍ، لكن انهَض لكي أتعظَّم بك“.[28]
توما الأكويني
يُشِير توما الأكوينيّ، الملقَّب بـ ”المعلِّم الملائكيّ“ واللاهوتيّ اللاتينيّ الشهير في القرن الثالث عشر، إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم الولادة قائلاً:
”آلام الولادة ناتجة عن فتح الرضيع للممر من الرحم. لقد قيل أعلاه (في الرد على الاعتراضات 28: 2)، أن المسيح خرج من رحم أمه المغلق، وبالتالي، دون أن يفتح الممر. ونتيجةً لذلك، لم يكن هناك ألم في تلك الولادة، كما لم يكن هناك أيّ فساد. بل على العكس من ذلك، كان هناك فرحٌ عظيمٌ، لأن الإله المتأنس ’وُلِدَ في العالم‘، بحسب (إش 35: 1، 2) ’تَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَالأَرْضُ الْيَابِسَةُ، وَيَبْتَهِجُ الْقَفْرُ وَيُزْهِرُ كَالنَّرْجِسِ. يُزْهِرُ إِزْهَارًا وَيَبْتَهِجُ ابْتِهَاجًا وَيُرَنِّمُ‘“.[29]
ويتحدَّث توما الأكوينيّ أيضًا عن أن العذراء حبلت بالمسيح بدون دنس الخطية، وبدون وصمة المعاشرة الجنسية، لذا فهي ولدته بدون ألم الولادة، وبدون أن تفقد بتوليتها قائلاً:
”ولأنها حبلت بالمسيح بدون دنس الخطية، وبدون وصمة المعاشرة الجنسية، لذا فهي ولدته بدون ألم، وبدون تعدي على كرامة بتوليتها، وبدون ضرَّر على براءة عذراويتها“.[30]
جيوفاني بونافنتورا
يُشِير چيوفاني بونافنتورا، الملقَّب بـ ”المعلِّم السيرافيميّ“ واللاهوتيّ اللاتينيّ الشهير، وأحد الآباء اللاتين في العصر الوسيط، إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة قائلاً:
”يا الله، إلهي: سأُمجدِّك في أمك. لأنها حبلت بك حبلاً بتوليًا، وولدتك بدون ألم“.[31]
كاتشيزم مجمع ترنت 1566م
يُشِير كاتشيزم مجمع ترنت الكاثوليكيّ عام 1566م إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة كالتالي:
”وُلِدَنا من حواء أبناءً للغضب. وقد استقبلنا يسوع المسيح من مريم […] قيل لحواء: ’بالوجع تلدين أولادًا‘. ولكن قد أستُثنِيت مريم من هذا الناموس، لأنها ولدت يسوع مُحافِظةً على عذراويتها […] ولم تشعر، كما قد قُلنا بالفعل، بأيّ إحساس الألم“.[32]
ولادة المسيح بدون ألم من العذراء مريم – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الخلاصة
وهكذا نرى الإجماع الآبائيّ المعتبر والتسليم الكتابي والآبائي في الشرق والغرب على ولادة المسيح له المجد من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون آلام الولادة والمخاض، لكي يُزِيل هذه اللعنة التي أصابت الجنس البشريّ بعد السقوط، ورفعها عن البشرية عند ولادته من العذراء بدون آلام الولادة والمخاض.
ولأن الكلمة الإلهيّ، لم يُحبَلَ به في أحشاء البتول مريم بمشيئة رجل أو من زرعِ بشر، بل تمّ بمسرّة الآب وبقوة الروح القدس الذي حلَّ عليها وظلَّلها (لوقا 35:1)، وكان الحَبَل فوق الناموس الطبيعيّ، وولد المسيح منها بطريقةٍ خارقة للطبيعة، مما يعني أن مريم لم تختبر آلام المخاض مثل أيّ إمرأة حُبلى على وشك الولادة، وذلك لأنّ المسيح ثمرة بطنها البتوليّ، لم يَرِث فساد الطبيعة، كأيّ مولودٍ آخر، وكان ميلاده منها بمنأى عن وراثة فساد الطبيعة ونتيجة السقوط الآدميّ. ولهذا فإنّ مريم كانت مُستثنَاة من هذا القانون الساري على جميع الأمهات العاديّات، لأنّ حَبَلها وولادتها لم يكونا وفقاً للناموس الطبيعيّ للحَبَل والولادة مثل باقي البشر، الذين يُولَدون من أمهاتهم حاملين لطخة السقوط وفساد الطبيعة التي نرثها من آدم.
وهنا لا بدّ أن نُؤكِّد على العقيدة الأرثوذكسية، أنّ الله الكلمة اتَّخذَ منها طبيعة بشرية كاملة، ووُلِدَ منها ولادة حقيقية، وصار إنساناً كاملاً بالحقيقة، لا بالوهم أو بالخيال. ولكن في الوقت عينه كانت الولادة خارقة للطبيعة، لأنّ الذي ولدته مريم لم يكن مُجرَّد إنسان، بل كان الله الابن نفسه مُتجسِّداً منها.
[1] الآباء الرسوليون، أناشيد سليمان، ترجمة: أحد رهبان دير القديس أبو مقار، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2019)، نشيد 19، ص 478.
[2] إيرينيؤس (قديس)، برهان الكرازة الرسولية، ترجمة:د. نصحي عبد الشهيد ود. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٠٩)، الفصل ٥٤، ص ١٢١.
[3] حياة والدة الإله على الأرض وتاريخ بعض أيقوناتها العجائبية الشهيرة، ترجمة عن الروسية: الأرشمندريت توما ديبو معلوف، (لبنان: بيت ساحور، سيدات بئر السيدة العذراء للروم الأرثوذكس، 1992)، ص 68.
[4] غريغوريوس العجائبي (قديس)، عظتان عن البشارة بمجيء المسيح، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، العظة الثانية، ص ٢٥.
[5] Zeno of Verona, Tractatus II, 12.2. Trans. by Hunter, 2007, p. 188-192.
[6] حياة والدة الإله على الأرض وتاريخ بعض أيقوناتها العجائبية الشهيرة، ترجمة عن الروسية: الأرشمندريت توما ديبو معلوف، (لبنان: بيت ساحور، سيدات بئر السيدة العذراء للروم الأرثوذكس، 1992)، ص 67.
[7] أفرام السرياني (قديس)، تفسير لسفر التكوين منسوب إلى مار أفرام السرياني في المخطوط الماروني هونت 112 في مكتبة أوكسفورد، مقدمة ونشر: الأب يوحنا تابت، (لبنان: جامعة الروح القدس – الكسليك، 1982)، القراءة السادسة، ص 51.
[8] غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية المسيح المتألم، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٠)، الفصل الأول من مسرحية المسيح المتألم، ص ٦٤.
[10] Gregory of Nyssa (St.), Against Eunomius, Book ii, PG 45, 492.
[11] غريغوريوس النيسي (قديس)، والدة الإله وسمعان الشيخ لقاء بالروح، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة، ٢٠١٧)، ص ٢٧.
[12] غريغوريوس النيسي (قديس)، عظات آبائية على الميلاد والظهور الإلهي: عظة ميلاد المسيح، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، ص 136.
[13] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو ٢: ١-٣)، ص ١٧٥.
[14] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٢، ص ٣٨.
[17] كيرلس سليم بسترس وآخرون (أب)، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2001)، ص 712.
[18] Ambrose of Milan (St.), Expositio in Lucam II. 7, on (Luke 1: 26-38).
[19] Ambrose of Milan (St.), Explanatio Psalmi 47, 11.
[20] Augustine of Hippo, Sermon 189 on Nativity of Christ.
[21] Peter Chrysologus (St.), Sermon 117: 1. See also Luigi Gambero, S. M., Mary and the Fathers of the Church: The Blessed Virgin Mary in Patristic Thought, Trans. by Thomas Buffer, (San Francisco: Ignatius Press, 1999), pp. 294, 295.
[23] ساويروس الانطاكي (قديس)، رسائل القديس ساويروس الانطاكي، ترجمة: الراهب جرجس الأنطوني، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، ٢٠١٦)، رسالة رقم ٦٣ إلى أنطونينوس أسقف بيريا، ص ١٥١، ١٥٢.
سوف نحاول في هذا البحث الموجز أن نفحص معضلة الألم والمرض والشر، وما هو سبب هذه المعضلة التي حيَّرت الكثير من الفلاسفة واللاهوتيين العظام، ولكننا في هذا البحث سنقوم بمقاربة حذرة بعض الشيء من هذه المعضلة الكبيرة المحيرة، والتي وقف أمامها كبار الفلاسفة واللاهوتيين عاجزين عن تفسير أعماقها وتعقيداتها الكثيرة.
سبب هذا البحث هو إدعاء البعض عن جهل ودون وعي أن الله هو مصدر التجارب المؤذية المهلكة للبشر، ونسوا أن الله عندما يُعاقِب فهو يُعاقِب من أجل التأديب والإصلاح والتقويم، وليس من أجل هلاك البشر وفنائهم. يدَّعي البعض عن جهل أن مصدر الألم والمرض وغيرها من البلايا والشدائد والضيقات هو الله، وهذا بعيد كل البعد عن الحقيقة الكتابية والآبائية المعلَنة لنا. كما يرون أن المرض هو صليب والصليب مرض، وهذا الإدعاء هو تجديف حقيقيّ على الصليب قوة الله للخلاص، فالصليب هو شفاء وقوة، وليس ضعف ومرض وابتلاء من الله.
سنحاول في هذا البحث توضيح أن التجارب مصدرها هو الشيطان الذي يريد هلاك البشرية وإسقاطها في التجارب لهلاكها وفناءها، كما أن البشر هم علة عقاب أنفسهم ويسقطون بإرادتهم الشريرة إلى التجارب الشريرة، ويجلبون العقوبة على أنفسهم، فهم يعاقبون أنفسهم بأنفسهم بشرورهم وشهواتهم الفاسدة. نهدف أيضًا إلى توضيح حقيقة أن الصليب هو قوة ونصرة وليس مرض وضعف وابتلاء كما يدَّعي هؤلاء عن جهل ودون معرفة حقيقية بالله كليّ الصلاح والرحمة والرأفة، شافي الأمراض ومُبدِّد الضعفات والضيقات والآلام التي تواجه البشرية.
الفصل الأول: مقاربة آبائية من معضلة الألم والمرض والشر
سنُحاوِل في هذا الفصل توضيح وجهة نظر آباء ومُعلِّمي الكنيسة الكبار في معضلة الألم والمرض والشر، وكيف عالج آباء الكنيسة هذه المعضلة الكبيرة والمعقَّدة.
ق. يوستينوس الشهيد
المسيح هو شافي آلامنا
يُؤكِّد ق. يوستينوس الشهيد على أن الكلمة صار إنسانًا لأجلنا وشاركنا آلامنا لكي يشفينا، فالمسيح يشفي الآلام ولا يصيب الإنسان بهذه الآلام، كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق كالتالي:
”لأننا نعبد ونحب الكلمة الذي هو من الله الآب غير المولود، غير الموصوف، فالكلمة صار إنسانًا لأجلنا وشاركنا آلامنا لكي يشفينا“.[1]
المسيح ينقذنا من نار تجارب إبليس
يرى ق. يوسينوس أن الله قد انتشلنا وأنقذنا من نار تجارب إبليس وأعوانه، وليس هو مَن يُرسِل هذه التجارب الشريرة لهلاكنا قائلاً:
”فنحن قد انتُشِلَنا كما من نار عندما طهَّرنا الله من خطايانا السابقة، وأنقذنا من نار التجارب التي يُجرِّبنا بها الشيطان وأعوانه. ومِن مثل هذه الأخطار ينتشلنا يسوع ابن الله، فهو قد وعد بأن يُلبِسنا الثياب المعدَّة لنا إنْ حفظنا وصاياه وسيُكافئنا بملكوتٍ أبديّ“.[2]
ق. ديونيسيوس الإسكندري
التجربة من أجل خلاصنا وليس هلاكنا
يرى ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، بطريرك الإسكندرية ومُعلِّم المسكونة، أن الله لا يُجرِّب الإنسان بالشرور، فهو يختبر الإنسان، ولكنه لا يدفعه إلى التجربة دفعًا، وإنه عندما يُجرِّبنا ويختبرنا، فهو يُجرِّبنا من أجل خلاصنا وليس هلاكنا كالتالي:
”وهكذا، اُقتِيد المسيح بالروح، ليس لكي يدخل في التجربة، بل ليكون مُجرَّب من الشرير، وهكذا، إبراهيم أيضًا لم يُدخِل [الله] بنفسه إلى التجربة، ولم يقتده الله إليها، لكن قد جرَّبه [اختبره] الله لكنه لم يدفعه فيها. وحتى الربّ نفسه قد اختبر التلاميذ. لكن عندما يُجرِّبنا الشرير يستميلنا إلى التجارب، فينشغل الإنسان في تجارب الشرير. لكن عندما يُجرِّب (يختبر) الله، فإن تجاربه غير مُجرِّبة بالشرور. فقد قيل عن الله إنه ’غير مُجرَّب بالشرور‘. لكن يسحبنا الشيطان للتجربة بعنفٍ، ويُلقِينا في الهلاك، أمَّا الله فيقودنا بيديه ليُدرِّبنا من أجل خلاصنا“.[3]
ويُؤكِّد ق. ديونيسيوس على أن تجارب واختبارات الله لمنفعتنا ولا يصنع شيئًا شريرًا لنا، لأنه غير مُجرِّب بالشرور، فالله عكس الشيطان، الذي يُجرِّب من أجل قتل وإهلاك منقاديه، فالله لا يميت ولا يُهلِك أحدًا كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق بطبيعة الله كليّ الصلاح كالتالي:
”عندما يختبر الله، فإنه يمتحن من أجل منفعتنا، وليس لأجل صُنع شيئًا شريرًا؛ إذ قيل إن الله غير مُجرِّب بالشرور. وبعد قليل، مَن يحتمل التجارب يُتوَّج بكرامةٍ، وهناك تجارب أخرى تأتي من الشيطان. هذا يُجرِّب كي يقتل مُنقاديه. [الشيطان] هو أيضًا لا يعرف إلى ماذا يؤول الأمر، أمَّا الربُّ فيعرف، ولذلك، أعطى للبشر أن يفعلوا ما يحلو لهم بكامل إرادتهم“.[4]
الله غير مُجرِّب بالشرور
يُؤكِّد ق. ديونيسيوس على أن الله غير مُجرِّب بالشرور، بل هو يريد أن يعطينا أكثر جدًا مما نطلب أو نفتكر كالتالي:
”لأنه مع الله لا توجد تجربة بالشرِّ، لأنه يُرِيد أن يُعطِينا أكثر جدًا مما نطلب أو نفتكر“.[5]
الله كلي الصلاح ليس علة الشر
ينتقد ق. ديونيسيوس أولئك الذين يزدرون بالله الإله الحقيقيّ، وينسبون الشرَّ إلى الله كليّ الصلاح كالتالي:
”فوجب علينا أن نَعتبره دنسًا كل مَن يزدري بالله الحقيقيّ الواحد الوحيد، خالق وربّ السماء والأرض وكل الأشياء، ويجعله أدنى وأقل توقيرًا مِن بعض الآلهة الأخرى، وينسبون الشرَّ إلى كليِّ الصلاح، أو لا يؤمنون أن [ابنه] المحبوب هو مُخلِّصنا يسوع المسيح“.[6]
ق. أثناسيوس الرسولي
سبب الألم هو ضعف الطبيعة البشرية
يرى ق. أثناسيوس أن علة الموت والانحلال والألم هو ضعف طبيعتنا البشرية، وليس الله هو علة هذه الأمور، بل الله هو القوة والحياة عينها، ومعطي القوة والحياة والشفاء للبشر وليس الألم والمرض والموت، كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق كالتالي:
”إن الموت الذي يصيب البشر عادةً يأتيهم بسبب ضعف طبيعتهم، وإذ هم لا يستطيعون البقاء لزمنٍ طويلٍ، فإنهم ينحلون في الزمن (المحدَّد). وبسبب هذا أيضًا تنتابهم الأسقام [الأمراض] فيمرضون ويموتون. أمَّا الربُّ، فإنه ليس ضعيفًا، بل هو قوة الله، وكلمة الله، وهو الحياة عينها“.[7]
الألم هو أحد نتائج السقوط
يشير ق. أثناسيوس إلى أن الألم والحزن والهم هي نتائج سقوط الإنسان، لأن الإنسان في حالته الفردوسية الأولى كان بلا ألم ولا حزن ولا هم، فكيف يُرسِل الله الألم والمرض للإنسان وهو أحد نتائج سقوط الإنسان؟! فالألم والمرض لا يوجدان في الله، فكيف يُرسِلهما للإنسان؟! بل الإنسان هو مَن جلب على نفسه الألم والمرض والموت بسقوطه وليس الله قائلاً:
”وأعطاهم وصيةً حتى إذَا حفظوا النعمة واستمروا صالحين عاشوا في الفردوس بغير حزن ولا ألم ولا هم، بالإضافة إلى الوعد بالخلود في السماء. أمَّا إذَا تعدوا الوصية وارتدوا (عن الخير) وصاروا أشرارًا، فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم، ولن يحيوا بعد في الفردوس، بل يموتون خارجًا عنه، ويبقون إلى الأبد في الفساد والموت“.[8]
عدمية الشر
يؤكد ق. أثناسيوس على أن كل ما هو شرّ فهو عدم، وكل ما هو خير فهو موجود، فكيف يُرسِل الله للبشر الشر العدميّ في صورة هلاك، أو أمراض، أو آلام، بل الله كليّ الصلاح يُرسِل كل ما هو خير وصالح، أي كل ما هو موجود، وليس عدميّ كالشرّ قائلاً:
”لأن كل ما هو شرٌ فهو عدمٌ، وكل ما هو خيرٌ فهو موجودٌ“.[9]
ق. كيرلس الأوورشليمي
الصليب شافي الأمراض وليس مرض
يؤكد ق. كيرلس الأورشليميّ على أن الصليب يشفي الأمراض إلى اليوم، وبالتالي، يدحض إدعاء البعض عن جهل ودون وعي أن الصليب مرض والمرض صليب، المرض ليس صليبًا، لأن الصليب هو قوة الله للخلاص والشفاء، وليس مرضًا، هذا للأسف تجديف على قوة صليب رب المجد المخلِّصة والشافية للآلام والأمراض كالتالي:
”إنه بالحري شعار حضرة الخلاص، أي صليب يسوع، الذي جمعكم كلكم هنا. هو الذي قهر الفرس، ولجَّم السكيثيين، ووهب المصريين معرفة الله عوض القطط والكلاب، وأضاليلهم العديدة. إنه إلى اليوم يشفي الأمراض، ويطرد الشياطين، ويُفسِد مفعول السموم والسحر“.[10]
ق. باسيليوس الكبير
الله الشافي ليس علة الأمراض
يرفض ق. باسيليوس الكبير أن يكون الله هو علة الأمراض، بل يؤكد على أن الله هو شافي الأمراض كالتالي:
”أننا نعرف جيدًا أنه في حالة إصابة أحد بأيّ مرض، فإنه يُعطَى له علاجًا مُفيدًا ليُشفَ، ولكن عندما يُصاب بمرض لا يقبل الشفاء تصير الحاجة إلى قطع العضو غير القابل للشفاء حتى لا ينتشر المرض في كل أعضائه الحية والنشطة. إذًا، كما أن الطبيب ليس هو السبب في إجراء الجراحة أو الكي، بل المرض نفسه، هكذا فالخطايا هي التي تُسبِّب دمار المدن، وليس الله المنزَّه عن أيّ تهمة“.[11]
ويرفض ق. باسيليوس الكبير أيضًا أن يكون الله هو علة الشر والأمراض والموت كالتالي:
”الواقع إنني أتعجب كيف أن هؤلاء القوم لا تتملكهم الرعدة لمجرَّد تفكيرهم وتصوُّرهم لمثل هذه التجاديف المنفَّرة. كما أنه من الخطأ روحيًا أن يُقَال إن الشرَّ استمده وجوده من الله، لأن الضد لا ينتج مما هو ضده. الحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، كما أن الصحة لا تنتج من المرض، إنما هذا يُعتبَر تغيير من حالة إلى عكسها […] ويجب التنويه على أن ما يصيب الإنسان من مرض وفقر وموت، لا يُعتبَر من الشرور. ذلك لأن بعض هذه الأمور التي تُصِيب الإنسان تتحوَّل لفائدته“.[12]
ق. غريغوريوس النيسي
الله ليس علة الأمراض الجسدية
يرفض ق. غريغوريوس النيسيّ أن يكون الله هو سبب الأمراض الجسدية، وأن التفكير في ذلك هو من خصائص الطبيعة غير العاقلة أيّ الطبيعة الحيوانية كالتالي:
”أن يدعو أحد الله بأنه جابل الشرور بسبب الآلام الجسدية التي تصيب بالضرورة طبيعتنا المتقلِبة، أو أن يدَّعي أنه ليس خالق الإنسان بالكلية حتى لا يُظن أنه علة أحزاننا، فهذا يُعتبر الحد الأقصى لضيق الأفق لأولئك الذين يريدون أن يُميِّزوا بين الخير والشر بميزان الحواس، أولئك الذين لا يعرفون أن ما هو وحده صالح بالطبيعة لا يمكن إدراكه بالحواس، أمَّا ما هو وحده شر، فهو المغاير للصلاح. فالحكم بواسطة الألم واللذة على ما هو خير وما هو ليس بخير هو من خصائص الطبيعة غير العاقلة (أي الحيوانات)، إذ لا مجال لها في فهم الخير الحقيقي، لأنها لا تشترك في ملكة الذهن والتفكير“.[13]
البشر هم علة آلامهم وليس الله
يرى ق. غريغوريوس النيسيّ أن الله ليس هو سبب وعلة الآلام التي يُعانِي منها مُستحقوها، بل كل واحد هو لنفسه سبب الشقاء الذي يلم به كالتالي:
”والمهم أن نُدرِك أن السبب الرئيسيّ لجميع هذه الضربات هو حرية المصريين، وأن التنفيذ وحده كان لعدالة الله غير الفاسدة التي تتفق وهذه الحرية. فلا يخطر لنا على الإطلاق، إذَا تقيَّدنا بحرفية التاريخ، إن الله سبب الآلام التي عاناها مَن استحقوها، ولكن كل واحدٍ هو لنفسه سبب الشقاء الذي يُلم به، إذ يبذل قصاراه، وبملء إرادته، لجرِّ ذلك الشقاء عليه، على حد قول الرسول لإنسانٍ من هذا النوع: ’بقساوتك وقلبك غير التائب تُدخِر لنفسك غضبًا ليوم الغضب واعتلان دينونة الله العادلة الذي سيُكافئ كل واحدٍ بحسب أعماله‘ (رو 2: 3-6)“.[14]
ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي
الشر منا ومن الشرير
يرى ق. غريغوريوس اللاهوتيّ أنه لا يوجد أصل للشرّ من صُنع الله، حاشا! وإنما الشرّ منَّا ومن الشرير، ودخل فينا بسبب إهمالنا وعدم احتراسنا، وليس لله علاقة به قائلاً:
”وآمنوا أنه لا يوجد أصل للشرّ من صُنع الله حاشا! وإنما الشرّ منَّا ومن الشرير. هو ما دخل فينا بسبب إهمالنا وعدم احتراسنا، وليس لله علاقة به“.[15]
ق. يوحنا ذهبي الفم
الأمراض نتيجة ضعف الطبيعة البشرية
يرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الأمراض والعاهات والعيوب ناتجة عن ضعف طبيعتنا البشرية كالتالي:
”وحيث إن كل هذه العاهات والعيوب ناتجة عن ضعف طبيعتنا البشرية، فعندما يشفيها فهو يُظهِر قوته“.[16]
الأذى غريبٌ عن طبيعة الله
يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبي الفم على أن الأذى أمرٌ غريبٌ عن طبيعة الله، وأن وفرة الفوائد والمنافع هي السمة المألوفة والمعروفة في الله، وذلك ردًا على الذين يدَّعون أن الله باعث تجارب الأمراض المهلكة والصعبة، وكأنَّ الله يعمل على أذى الإنسان، حاشا! هذا تجديفٌ على الله، فيقول التالي:
”أمَّا فيما يخص الله، فليس هناك أذى، لأن الأذى أمرٌ غريبٌ عن طبيعة الله، بل إن وفرة الفوائد والمنافع هي الملمح والسمة المألوفة والمعروفة في الله“.[17]
الخطية شر وليس مصائب الحياة
ويرى ذهبيّ الفم أيضًا أن الشرّ ليس في مصائب هذه الحياة، بل الخطية وحدها هي الشرّ قائلاً:
”لذلك ليس الشرّ في مصائب هذه الحياة، ولا الخير في نعمها، بل الخطية وحدها هي الشرّ، والعمى ليس في حقيقته شرًا“.[18]
الله شافي المرض وليس علة المرض
ويُؤكِّد ذهبيّ الفم أن المرض سببه شيء آخر غير الله، بل الله استخدمه لمجد اسمه بأن يشفي من هذا المرض، وليس أن يجلب المرض ويُجرِّب الإنسان بالمرض كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق قائلاً:
”لأن المرض نتج من سبب آخر، لكنه [المسيح] استخدمه لمجد الله“.[19]
تفسير آية يجرح ويعصب
يُفسِّر ذهبيّ الفم آية ”يجرح ويعصب“ (أي ٥: ١٨) أن الله يضع حدًا ونهاية للبلايا، ويحولها إلى ما يضادها، ويجعل الإنسان ينعم بسلامٍ عميقٍ، وليس الله هو مُرسِلها ويبتلي بها البشر كالتالي:
”إنْ كان الله هو الذي يضع نهاية البلايا، ويُحوِّلها إلى ما يضادها، ويجعل الإنسان ينعم بسلامٍ عميقٍ، فهذا لا يفعله بفكرٍ مختلفٍ، إنما في الواقع العملي هو الذي يقود في كلا الأمرين“.[20]
وهكذا، نجد حديث ذهبيّ الفم هنا عن تدخُّل الله من أجل وضع نهاية للبلايا التي يتعرض لها الإنسان، وليس هو علة بلايا الإنسان، فيُحوِّل الله الشر إلى خير، ولا يصنع هو بنفسه الشر (حاشا)!
البشر هم خالقو الأعمال الشريرة
يُفرِّق ق. يوحنا ذهبي الفم بين الأمور الإلهية الصالحة التي تحدث مع الإنسان خلال اليوم، وبين الأعمال الشريرة التي يخلقها البشر الأشرار خلال فترة السنة كلها قائلاً:
”فإنْ كان ما يحدث خلال فترات اليوم أعمالاً إلهيةً، فهي أمورٌ صالحةٌ، وتُعتبر شريرةً إنْ كانت مُرتكَبة من أناس أشرارًا. وبناءً على ذلك، فإن البشر هم الذين يخلقون الأعمال الشريرة التي تحدث خلال فترة السنة كلها“.[21]
الإنسان هو علة فساد الخليقة
يرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الإنسان بسقوطه في الفساد أفسد الخليقة كلها معه، باعتباره تاج الخليقة، وأخضعها إلى البطل والفساد، ومن ثمَّ، كل الكوارث الحادثة في الخليقة من زلازل وبراكين هي نتاج خضوع الخليقة للبطل والفساد بسبب الإنسان قائلاً:
”إذًا، هذا ما يُوضِّحه بولس الرسول هنا، فيُشخِّصن الخليقة، ويقول كيف أنها تئن وتتمخض، لا لأنه سمع أنينًا يخرج من الأرض ومن السماء، لكن لكي يُشِير إلى خيرات الدهر الآتيّ الوافرة جدًا، ويُعلِن الرغبة في التخلُّص من الشرور التي كانت سائدةً. ’إذ أُخضِعَت الخليقة للبطل، ليس طوعًا، بل من أجل الذي أخضعها على الرجاء‘. ماذا يعني أن ’الخليقة أُخضِعَت للبطل‘؟ يعني أنها صارت فاسدةً. لأيّ سبب ولماذا صارت فاسدةً؟ حدث هذا من أجلك أنت أيها الإنسان. لأنك أخذت جسدًا فانيًا وضعيفًا، ولأن الأرض قَبِلَت اللعنة وأنبتت شوكًا وحسكًا“.[22]
محبة الله الفائقة رغم الشرور
يرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الله غني في الرحمة، لأنه بالرغم من الشرور الكثيرة التي لم تكن تستحق محبته ورحمته، بل تستحق الإدانة الكبرى والغضب، إلا أنه بسبب غنى رحمته كانت محبته الفائقة كالتالي:
”[الله] ليس فقط رحيمًا، بل غنيًا في الرحمة، مثلما يقول في موضع آخر: ’ككثرة مراحمك‘ (مز 69: 16)، وأيضًا ’أرحمنى يا الله […] حسب كثرة رأفتك‘ (مز 51: 1). ثم يقول: ’من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها‘. ومن أين يتَّضح أنه أحبنا؟ لأن تلك الأمور لم تكن مستحقة للمحبة، بل للغضب، ولإدانة كبرى. إذًا، فمحبته هذه هي بسبب غنى رحمته“.[23]
ق. أمبرسيوس أسقف ميلان
إخضاع الضعفات بالصليب
يُبيِّن ق. أمبروسيوس أسقف ميلان قوة الصليب في إخضاع الضعفات البشرية، وليس الصليب هو مرض وضعف بشريّ، كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي كالتالي:
”لذلك، فكما أنه على الصليب، لم يكن هو ملء اللاهوت الذي أُخضِعَ، بل ضعفنا، هكذا أيضًا فإن الابن سيخضع للآب بالطبيعة التي اشترك فيها معنا، حتى أنه حينما يتم إخضاع شهوات جسدنا، لا يكون للقلب أيّ اهتمام بالغنى، أو الطمع، أو اللذات، بل يكون الله هو الكل بالنسبة لنا، إنْ عشنا حسب صورته ومثاله، بأقصى ما يمكننا البلوغ إليه في كل شيء“.[24]
الصليب هو نصرة على الألم
يُؤكِّد ق. أمبروسيوس على أن ميراث الصليب قد منحنا النصرة على الألم، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أن الصليب مرض والمرض صليب كالتالي:
”لقد منحتكم النصرة على الألم، أي ميراث الصليب“.[25]
الإيمان بالمسيح هو شافي آلامنا
يشير ق. أمبروسيوس إلى أن الإيمان بالمسيح هو العلاج الفعَّال لأصل الألم ومصدره، وليس هو مصدر الألم والشدائد، فالإيمان بالمسيح هو الدواء الممتاز والشافي لجراحاتنا وخطايانا كالتالي:
”حقًا إنه علاجٌ فعَّالٌ، لا ينزع فقط ندبة الجرح القديم، بل وأيضًا يقطع أصل الألم ومصدره. أيها الإيمان الأثمن من كل خزائن الجواهر؛ أيها الدواء الممتاز الشافي لجراحتنا وخطايانا!“.[26]
ق. كيرلس الإسكندري
الله ليس علة بلايا البشر
يُفسِّر ق. كيرلس الإسكندري آية ”هل توجد مصيبة في المدينة لم يصنعها الرب؟“ (عا٣: ٦) مُستنكِرًا أن يكون الله علة بلايا البشر، ويَعتبر التفكير فيه هو انصراف الذهن إلى الفحشاء كالتالي:
”أمَّا من ناحية الأقوال بما يُحدِثه الله في المدينة، فلا يجب أن ينصرف الذهن إلى الفحشاء (ليبتعد هذا الفكر بعيدًا حاشا!)، بل الإساءة فقط، أي الغضب وإعلانه، إذ يُهدِّد الذين يخطئون مقنعًا إياهم أن يرجعوا إلى ما يليق وما يجب“.[27]
إعلان العجز أمام معضلة الألم والمرض
ولكن يُعلِن ق. كيرلس في الأخير عجزه أمام معضلة الألم والمرض المعقدة وصعبة الحل والتفسير قائلاً:
”ولكن ليس من السهل أن نُدرِك ما هو نوع الشرح الذي يمكن أن يُقدِّمه أي أحد بطريقةٍ مقنعةٍ بخصوص أولئك الذين يتألمون بآلامٍ مرعبةٍ منذ ولادتهم وسنوات حياتهم الأولى، أو حتى يُصَابون بأمراضٍ وهم لا يزالون في الرحم. […] حقيقة لا نستطيع أن ندرك بعقولنا تلك الأمور التي تعلو فوقنا جدًا. وأنا أنصح العقلاء وفوق الكل أنصح نفسي، بالابتعاد عن الرغبة في فحص هذه الأمور بطريقةٍ عميقةٍ. […] ينبغي أن نعترف بتقوى أن الله وحده يعرف هذه الأمور بكيفية تخصه هو وممتازة في نفس الوقت، وينبغي أن نُؤكِّد ونُؤمِن أنه بما أنه هو ينبوع كل برّ، فهو لن يفعل شيئًا ولن يُقرِّر شيئًا في شئون البشر أو في أمور باقي الخليقة يكون غير لائق بذاته، أو يتعارض بأيّ حال مع الاستقامة الحقيقية للبرّ“.[28]
ق. ساويروس الأنطاكي
الإنسان هو علة فساد الخليقة
يرى ق. ساويروس الأنطاكيّ أن آدم الإنسان الأول بعصيانه وتعديه الوصية جلب الفساد والموت على نفسه وعلى الخليقة، وهكذا فقدت الخليقة نعمة عدم الفساد وعدم الموت التي كانت من الله، ولذلك حُكِمَ على الإنسان ذاته بالموت وخدمت الخليقة نفسها الفساد وخضعت للبُطْل كالتالي:
”ومرةً أخرى، لو أن الإنسان الأول كان قد حفظ الوصية، ولم يضل بالخطية التي بغواية الحية، لبقيتْ الخليقة ذاتها مُحتفِظةً لنفسها بنعمة عدم الموت من الله. لأنه بموجب الحالة التي نحن فيها كما وُجِدَت من أجلنا، تزول أجزاؤها أيضًا. ولهذا السبب أيضًا حينما حُكِمَ على الإنسان ذاته بالموت، خدمتْ هي ذاتها أيضًا [الخليقة] الفساد، و ’أُخضِعَتْ للبُطْل‘ (رو 8: 20)، كما يقول الرسول، لكنها تأمل أن تكتسب معنا، ما كان لها منذ البدء، وسيكون لها خلودًا بغير فساد، حينما نبلغ القيامة وملكوت السماوات. حيث يقول بولس ذاته الأكثر حكمةً ويصرخ أيضًا: ’لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ‘ (رو 8: 21)“.[29]
ويُؤكِّد ق. ساويروس على أن الله لم يخلق العالم من أجل الفساد، لأن خليقة الله جيدةٌ. ولكن لأن طبيعتها مائعة جدًا فهي قابلة للفساد، ولذا فهي تحتاج إلى تدخل الله لكي ما تشترك في عدم الفساد كالتالي:
”ولكن يا صديقي الصالح، في الواقع، إن الله لم يخلق العالم لكي يفسد، لأن كل خليقة الله جيدةٌ كما قد سمعتَ. ولكن بما أنها من طبيعة مائعة جدًا، فعلى النقيض، قد أوجدها كيما تشترك في عدم الفساد، لأنه في الواقع ’الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ‘ (رو 8: 21)“.[30]
ق. يوحنا كاسيان
عدم سماح الله بالشر
ينقل ق. يوحنا كاسيان شهادة الأب ثيؤدور، أحد الآباء النساك الكبار آنذاك في البرية المصرية، عن أن الله لا يسمح بالشرّ إطلاقًا على قديسيه أو عن طريق آخرين، فلا يفرض أحدٌ شرّ الخطية على آخر قهرًا، إنما يحدث هذا من خلال تراخيه أو شهوات قلبه الفاسدة كالتالي:
”الاحتفاظ بهذا التمييز الواضح الثابت وتلك المعرفة، بأنه ليس شيئًا خيرًا إلا الفضيلة وحدها، ولا يُحسَب شيء شريرًا سوى الخطية وحدها والانفصال عن الله، هذا يجعلنا نُدرِك بكل حرص: هل الله يسمح للشر أن يُفرَض على قديسيه مُباشرةً، أو عن طريق آخرين؟ بالتأكيد، لا يمكن أن يحدث هذا. إذ لا يفرض أحدٌ شر الخطية على آخر قهرًا. إنما يحدث هذا خلال تراخيه أو شهوات قلبه الفاسدة“.[31]
الله كلي الصلاح غير متغير
وينقل ق. يوحنا كاسيان شهادة الأب شيريمون، أحد آباء البرية المصرية العظام آنذاك، عن أن الله لا ينفعل غضبًا بسبب الأخطاء، ولا يتأثر بانفعالات خطايا البشر، إذ هو على الدوام كليّ الصلاح وغير مُتغيِّر كالتالي:
”أمَّا المحبة فتتعلق بالله، وبالذين نالوا في داخلهم أن يكونوا على صورة الله مثاله. لأن الله وحده هو الذي لا يصنع الصلاح خوفًا، ولا ابتغاء كلمة شكر، أو نوال جزاء، إنما يصنع الصلاح ببساطةٍ من أجل محبة الصلاح. وذلك كقول سليمان: ’الربّ صنع الكل لغرضه‘ (أم 16: 4). فبصلاحه يُغدِق بالخير على المستحقين وغير المستحقين، لأنه لا ينفعل غضبًا بسبب الأخطاء، ولا يتأثر بانفعالات خطايا البشر، إذ هو على الدوام كليّ الصلاح وغير مُتغيِّر“.[32]
الله ليس علة الموت
ينقل ق. يوحنا كاسيان شهادة الأب شيريمون عن أن الهالكين يهلكون بغير إرادة الله، لأن الله ليس بصانع الموت كالتالي:
”وإذ الهالكون يهلكون بغير إرادة الله، لهذا يمكننا أن نقول بأن الله ليس بصانع الموت، وذلك كشهادة الكتاب المقدَّس القائل: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره‘ (حك 1: 13)“.[33]
نستنتج من هنا أن الله ليس علة الأمراض الجسدية، بل الله الصالح هو الشافي والمخلص للآلام، وواضع النهاية لها، ولا يسمح الله بالأمراض كأنه مُشترِك أو مُتورِّط في إصابة البشر بالأمراض، بل الله يُحوِّل الشر إلى خير، ويُحوِّل المرض إلى صحة، وليس العكس، فالله في طبيعته صالح وخيّر وإلى الأبد رحمته، وليس مرض وموت وشر في طبيعته، حاشا!
لا توجد فكرة ما دام الله لا يسمح بالمرض يبقى إله ميت في ذاته، هذا كلام غير منطقي. الله خلق نظام طبيعي فيه علل طبيعية تحدث جميعها في انسجام وتوافق، هل معنى اختلال هذه العلل الطبيعية هو اختلال وخلل في خالقها، أم نقص في طبيعتها يتدخل الله بتدبيره وعنايته ليُصلِّحه؟ المرض والموت والألم والشر وغيرها من مترادفات دخلت بعد السقوط وانفصال الإنسان عن الله مصدر الصحة، والحياة، والسعادة، والخير، ولم يكن المرض والموت والألم والشر في طبيعة الله؟ فهل يرتد مرض، وموت، وألم، وشر الإنسان على الله، ويصبح الله علة هذه الأشياء، لأنه هو خالق ومُوجِد هذا النظام الطبيعيّ؟
أمَّا تدبير وعناية الله بالخليقة، فهذا شيءٌ مفروغٌ منه، أمَّا القول إذَا كان الله لا يسمح بالمرض، فلا يسمح بالشفاء، فهذا مغالطة منطقية، لأنه الأصل هو الصحة، وليس المرض، المرض هو اختلال في النظام الطبيعيّ الذي خلقه الله، لا ترتد علته على الله خالق النظام الطبيعيّ، بل علته في ضعف النظام الطبيعيّ، لذا يتدخل الله بعنايته وقدرته لإصلاح الخلَّل، وليس هو علة الخلَّل من الأساس.
الفصل الثاني: مفهوم العقوبة الإلهية
سوف نحاول في هذا الفصل استعراض رؤية آباء الكنيسة وتعاملاته مع البشر في حالة انتشار الفساد والشرّ بصورةٍ مفرطةٍ في العالم، وذلك من خلال مفهوم الآباء ونظرتهم لتأديبات الله للبشرية، وكيف يُؤدِّب الله البشر بسبب شرورهم وفسادهم.
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
طول أناة الله في إصلاح الإنسان
يرى ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ، وأسقف ليون بفرنسا، أن الله طويل الأناة في مسألة إصلاح الإنسان كالتالي:
”لكن طالما أن الله لا يُغلَب، وهو طويل الأناة، فقد أظهر نفسه أنه طويل الأناة في مسألة إصلاح الإنسان وامتحان الجميع“[34]
شفاء الإنسان من مرض الخطية
يُؤكِّد ق. إيرينيؤس على أن الخطية هي مرض ينبغي أن يُشفَى الإنسان منه لكي يتمجَّد، وهكذا يستطيع رؤية ربه كالتالي:
”لأن غير المخلوق هو كاملٌ، أي الله. كان ضروريًا أن يُخلَق الإنسان أولاً، وبعد أن يُخلَق يجب أن ينمو، وعندما ينمو يجب أن يتقوى، وبعد أن يتقوى يجب أن يكثر، وبعد أن يكثر يجب أن يُشفَى من مرض الخطية، وبعد أن يُشفَى يتمجَّد، وبعد أن يتمجَّد يجب أن يرى ربه“.[35]
ويستطرد ق. إيرينيؤس مُشِيرًا إلى أن الله الابن قد شفى الإنسان بغفران خطاياه، وهكذا أظهر نفسه مَن يكون هو، لأنه لا يستطيع أحدٌ أن يغفر الخطايا إلا الله وحده، وبينما الرب غفرها، فإنه شفى الناس وأظهر ألوهيته كالتالي:
”لذلك، فهو شفى الإنسان بغفران الخطايا، بينما أظهر نفسه أيضًا مَن يكون هو، لأنه إنْ كان لا يستطيع أحدٌ أن يغفر الخطايا إلا الله وحده، بينما الرب غفرها وشفى الناس، فواضح أنه هو نفسه كلمة الله الصائر ابن الإنسان“.[36]
ق. يوستينوس الشهيد
المسيح هو الطبيب الشافي
يشير ق. يوستينوس الشهيد إلى أن المسيح طبيبنا قد خلَّصنا من شهوات الجسد، فهو يشفي البشر من مرض الشهوات، فالله يهدف إلى شفاء الإنسان وليس معاقبته لإهلاكه كالتالي:
”ولكن إذَا كان طبيبنا وإلهنا المسيح قد خلَّصنا من شهوات الجسد، ونظَّم رغباته من خلال حكمته وناموسه، فهذا دليلٌ دامغٌ على وعد المسيح للجسد بالخلاص، كما هو الحال بالنسبة للطبيب الذي لصالح المريض الذي يأمل في شفائه، لا يدعه يفعل كل ما يشتهيه“.[37]
العلامة كليمندس الإسكندري
الله لا يعاقب بل يؤدب
يُؤكِّد العلامة كليمندس الإسكندريّ على أن الله لا يُعاقِب، لأن العقاب هو قصاص الشرّ، ولكنه يُؤدِّب من أجل خير أولئك الذين يُؤدِّبهم جماعيًا وفرديًا كالتالي:
”لأن هناك تقويمٌ جزئيّ، يُسمَّى التأديب، والذي يتكبده الكثيرون منَّا عندما نبتعد بالمعصية عن شعب الربِّ. ولكن كأطفال يُؤدَّبون من مُعلِّميهم، أو والدهم، هكذا نحن أيضًا من قِبَل العناية الإلهية. ولكن الله لا يُعاقِب، لأن العقاب هو قصاص الشرّ. ومع ذلك، هو يُؤدِّب، من أجل خير أولئك الذين يُؤدِّبهم، جماعيًا وفرديًا“.[38]
العلامة أوريجينوس الإسكندري
العقوبة الإلهية التربوية
يتحدَّث العلامة أوريجينوس عن قيمة العقوبة التربوية من الله، وإنها لتقويم وتصحيح الخطاة، وليس المقصود إهلاكهم وفنائهم، حيث يرد على ادعاءات الغنوسيين بقسوة إله العهد القديم وبصلاح ورأفة إله العهد الجديد بحسب زعمهم الباطل بوجود إلهين في الكتاب المقدَّس بعهديه كالتالي:
”ليتهم يخبرون عن فضيلة ففضيلة مُنكِبين على فحص الكتب، فلا يسعوا إلى التملُّص بقولهم: إنَّ الله الذي يُجازِي كل أحد بحسب أعماله يُجازِي على السوء بسوءٍ حنقًا منه على الأشرار؛ وإنه لا يُبادِر الذين أخطئوا وهم في احتياج إلى العناية بهم بأدويةٍ ناجعةٍ، بعلاجٍ يبدو أنه يحمل الألم إليهم في الآن الحاضر لأجل إصلاحهم. فهم لم يقرأوا ما كُتِبَ عن رجاء الذين لقوا حتفهم في أثناء الطوفان، الرجاء الذي قال عنه بطرس في رسالته الأولى: لقد مات المسيح بحسب الجسد، ولكنه مُحيي بحسب الروح، وبهذا الروح مضى وبشَّر الأرواح المضبوطة في السجن، تلك التي عصت قديمًا إذ كان حلم الله يتأنى، أيام كان نوح يبني الفلك الذي نجا فيه، بالماء، عدد يسير من الناس – ثمانية أنفس بالضبط. وأنتم أيضًا يُخلِّصكم اليوم بالعماد على النحو نفسه. ويا ليتهم يقولون لنا، في موضوع سدوم وعمورة، هل يعتقدون بصدور الأقوال النبوية عن الله، الذي نُقِلَ عنه أنه أمطر عليهم وابلاً من نار وكبريت! ماذا يقول حزقيال عن هاتين المدينتين؟ ستعود سدوم إلى قديم حالها. فإذ إنه اقتصّ من الذين استحقوا القصاص، ألم يفعل ذلك لمنفعتهم؟ فقد قال مُخاطِبًا بنت الكلدانيين: عندك حجر، فاقعدي عليه يُثبِك خيرًا. وفي شأن الذين سقطوا في البرية، ليُصغِي الزنادقة إلى ما جاء خبره في المزمور 77، منسوبًا بعنوانه إلى آساف: إذ كان يقتلهم كانوا يلتمسونه. لم يقل إنّ بعضًا منهم إذ قُتِلوا، كان آخرون يلتمسونه، بل إنّ الذين قُتِلوا قد لقوا حتفهم، بحيث إنهم كانوا يلتمسون الله عندما قضوا نحبهم. فهذا كله يُظهِر أنَّ الله العادل والصالح، إله الناموس والأناجيل، إله واحد هو هو نفسه، وأنه يعمل الخير بعدلٍ، ويُعاقِب بصلاحٍ، إذ ليس الصلاح دون العدل، ولا العدل دون الصلاح، علامة منزلة الطبيعة الإلهية“.[39]
ويستمر العلامة أوريجينوس بالرد على الغنوسيين وادعاءاتهم الفاسدة بإلهين في الكتاب المقدَّس في سياق تفسيره لشفاعة موسى وهارون أمام الله أثناء حادثة تمرد قورح وداثان وأبيرام وانتشار الوباء بين العبرانيين (عد16: 46). حيث يُذكِّر العلامة أوريجينوس بلطف الله الذي تمتع به تلاميذ المسيح، لكيلا يتزعزع أحد بتأثير الهراطقة فهم يقولون إنَّ رب الشريعة ليس مُحبًا لكنه عادل، وإن شريعة موسى لا تُعلِّم المحبة بل العدل. فلينظروا هؤلاء المحارِبون لله، والمحارِبون للشريعة كيف أنَّ موسى نفسه وهارون هذان الرجلان في العهد القديم قد خضعا مُقدَّمًا لتعاليم الإنجيل.
موسى ”أحب أعداءه وصلى لأجل مُضطهِديه“. هذا ما علَّمته بكل دقة تعاليم المسيح في الأناجيل. لنتعلَّم حقًا كيف سجدا ووجههما للأرض، وصليا لأجل الثائرين الذين أرادوا أنْ يقتلوهما. إذًا، نجد قوة الإنجيل في الشريعة، ولا تُفهَم الأناجيل إلا على أساس الشريعة.[40]
دحض العقوبة الجزائية الانتقامية
ويرى العلامة أوريجينوس أن الله يُوقِع التعب والعقوبات على الأشرار كأدوية لهدايتهم، مُشِيرًا إلى العقوبات الشفائية التربوية للأشرار، وليست العقوبات الجزائية الانتقامية قائلاً:
”لماذا لا نُحسِّن نفوس أولئك الذين يُؤمِنون بالإنجيل لتكون أفضل؟ العقيدة المسيحية لا تُعلِّم أن الرجل فاقد الوعي أو فاقد العقل يستحق العقاب لأنه رجل شرير، ولكنها تُظهِر أن الله يُوقِع التعب والعقوبات على الرجال الأشرار كأدوية لهدايتهم. هذا هو رأي المسيحيين الأذكياء، مع أنهم يتقبلون الأفكار البسيطة كما يفعل الآباء مع الأولاد الصغار جدًا“.[41]
ق. ديونيسيوس الإسكندري
الانفصال عن الله أعظم عقاب للبشرية
يرى ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، بطريرك الإسكندرية ومُعلِّم المسكونة، أن ترك الإنسان بلا عناية وبلا افتقاد من الله هو أعظم عقاب لذنوبه الجسيمة قائلاً:
”أن يُترَك [الإنسان] بلا عناية وبلا افتقاد من الله، وأن نصير يتامى ومتروكين، فهذا هو أعظم عقاب لذنوبنا الجسيمة التي تجعلنا غرباء في الحال“.[42]
التأديب الإلهي التربوي
يشير ق. ديونيسيوس إلى تأديب الله التربويّ لنا بالتجربة، فهو يؤدبنا ولا يضرنا أو يهلكنا بالتجربة، لأن الله غير مُجرِّب بالشرور، أمَّا عن تجربة إبليس فهي تجربةٌ تؤدي إلى هلاكنا وليس خلاصنا كالتالي:
”وقد علَّمهم أن يصلوا حتى لا يدخلون في تجربةٍ، عندما قال: ’ولا تُدخِلنا في تجربة‘، التي تعني ’أدِّبنا لكن لا تُوقِعنا في التجربة‘، ولأنه لم يقصد أنهم سيكونون بمنأى عن التجارب، بل أنهم سينجون من الشرير، فقد أضاف قائلاً: ’لكن نجنا من الشرير‘، ولعلك تسأل عمَّا الفرق بين أن يكون أحدٌ مُجرَّب وأن يسقط ويبقى في التجربة؟ حسنًا، فإذَا كان أحدٌ منتصرًا على الشرِّ، فهل ينتصر عليه دون أن يُجاهِد ضده، ودون أن يحميه الله بستره، هذا الإنسان يكون قد دخل التجربة ووقع فيها كمَّن اُقتيد إليها مأسورًا. لكن إذَا كان يُقاوِم ويحتمل، فتقول عن هذا الإنسان إنه مُجرَّب، لأنه لم يدخل فيها أو يسقط داخلها [بنفسه]. وهكذا اُقتيد المسيح بالروح، لكن ليس لكي يدخل في التجربة، بل ’ليُجرَّب من إبليس‘ (مت 3: 1)، وهكذا إبراهيم أيضًا لم يدخل بنفسه إلى التجربة، ولم يقتاده الله إليها، لكن الله قد جرَّبه (اختبره) لكنه لم يدفعه فيها. وحتى الربَّ نفسه قد اختبر التلاميذ. ولكن عندما يُجرِّبنا الشرير يستميلنا إلى التجارب، فينشغل الإنسان في تجارب الشرير. لكن عندما يُجرِّب (يختبر) الله، فإن تجاربه غير مُجرِّبة بالشرور. فقد قيل عن الله إنه ’غير مُجرَّب بالشرور‘، لكن الشيطان يسحبنا للتجربة بعنفٍ، ويُلقِينا في الهلاك، أمَّا الله فيقودنا بيديه ليُدرِّبنا من أجل خلاصنا“.[43]
ق. كيرلس الأورشليمي
شفاء مرض الخطية
يرى ق. كيرلس الأورشليميّ إن الخطية هي شر مُرعِب للغاية، لكنها ليست بالمرض المستعصِي شفائه، هي مُرعِبة لمنْ يلتصق بها، لكن مَنْ يتركها بالتوبة يُشفَى منها بسهولة.[44]
رحمة الله ورأفته بالخطأة
يُؤكِّد ق. كيرلس الأورشليميّ على عظم محبة الله للبشر، وترفقه وطول أناته الشديدة عليهم من أجل توبتهم، ويُعدِّد أمثلة رحمة ورأفة الله بالخطاة، وتعامُّله معهم كما يتعامل الطبيب الماهر مع مرضاه، فيذكر طول أناته على جبابرة الأرض الخطاة خمسمائة عامًا يُهدِّدهم بالطوفان لكي يهبهم مُهلة للتوبة، فلو أنهم تابوا لما أخفقوا في التمتُّع بمحبة الله المترفِقة. ونفس الشيء صنعه الله مع راحاب الزانية الوثنية، ومع هارون عندما أخطأ في حق أخيه موسى، وترفُّقه بداود الساقط، ورحمته بسليمان وآخاب ملك السامرة، ويربعام الملك عابد الأوثان، ومع منسى الملك الشرير، ومع حزقيا الملك، ومع نبوخذ نصر الملك وغيرهم الكثيرين.[45]
يُواجِه ق. كيرلس الأورشليميّ هرطقة الغنوسيين القائلين بإلهين في الكتاب المقدَّس، واحد للعهد القديم والآخر للعهد الجديد، إنَّ الأسفار المقدَّسة وتعاليم الحق تُعرِّفنا بإله واحد وحده، مُدبِّر كل الأمور بقدرته، يتحمل كثيرًا بإرادته. إنه صاحب سلطان على الوثنيين، وبطول أناته يحتملهم.
له سلطان على الهراطقة الذين لا يُقِيمونه عليهم إلهًا، وبطول أناته يحتملهم. له سلطان على الشياطين وبطول أناته يحتملهم، ليس لأنه مُحتاج إلى سلطان كمَّن هو ضعيف، لقد سمح للشياطين أن تعيش لغرضين: لكي تُخزِي نفسها بنفسها بالأكثر في حربها، ولكي يتكلّل البشر بالنصرة. يا لعناية الله الحكيمة! التي تستخدم نية الشرير كأساس لخلاص المؤمنين! لا شيء يفلت من سلطان الله الذي يحكم الكل وبطول أناته يحتمل حتى المجرِمين واللصوص والزناة مُحدِّدًا وقتًا مُعيَّنًا لمجازاة كل أحد، لكن إنْ أصرَّ مَنْ يُحذِّرهم على عدم التوبة من القلب ينالون دينونة عظيمة.[46]
ق. يوحنا ذهبي الفم
الله لا يريد معاقبتنا
يرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الله لا يريد أن يتركنا أو يُعاقِبنا، وأنه حتى عندما يُعاقِبنا العقوبة الشفائية التأديبية، فإنه يُعاقِبنا كارهًا وعن غير رغبة منه، فالله لا يُسرّ بموت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا كالتالي:
”في الحقيقة نحن عندما نُترَك من الله، نُسلَّم إلى إبليس، وعندما نُسلَّم له نُبتلَى بنتائج مميتة لا تُعدَّ. والكتاب المقدَّس من أجل يخيف سامعيه قال: ’إنه قسي‘، و ’إنه أسلَّمهم‘. وكشهادة على أنه هو نفسه ليس فقط لا يتخلى عنَّا، بل أيضًا لا يتركنا ما لم نرد نحن هذا، اسمع لِمَّا قاله: ’ألم تفصل آثامكم بيني وبينكم‘ (إش 59: 2)، وأيضًا ’هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). وصرَّح هوشع أيضًا: ’لأنك نسيت شريعة إلهك، أنسى أنا أيضًا بنيك‘ (هو 4: 6). وهو نفسه أعلن في الإنجيل: ’كم مرة أردت أن أجمع أولادك ولم تريدوا‘ (لو 13: 14). ويقول إشعياء أيضًا في موضع آخر: ’لماذا جئت وليس إنسان، ناديت وليس مجيب‘ (إش 50: 2). إنه قال هذه الأشياء ليُظهِر أننا نحن الذين نبدأ عملية الابتعاد، ونصير بذلك مسئولين عن هلاكنا. لأن الله ليس فقط لا يريد أن يتركنا أو يُعاقِبنا، بل حتى عندما يُعاقِبنا، فهو يُعاقِبنا كارهًا وعلى غير رغبة منه. وهو في الواقع يقول: ’إني لا أُسرّ بموت الخاطئ، بل بأن يرجع ويحيا‘ (حز 18: 32). بل إن المسيح بكى على خراب أورشليم كما نبكي نحن في حالة موت أصدقائنا. لذلك حيث إننا نعرف هذه الأمور، فلنبذل كل جهد كيلا ننفصل عن الله، بل على العكس، ليتنا نجتهد في العناية بنفوسنا وخلاصها، وبإظهار الحب لبعضنا البعض“.[47]
يليق بالله الخلاص وليس العقوبة
ويُوضِّح ذهبيّ الفم أنه يليق بالله أن يُخلِّص وليس أن يُعاقِب، لذلك فعل كل هذه الأشياء وفقًا لخطته من جهة خلاص البشرية كالتالي:
”مع الوضع في الاعتبار أن الخطية ليست مثل الهبة، والموت ليس كالحياة، وأيضًا من المستحيل أن يُوضَع الشيطان في مُقارنة مع الله، لأن الفروق غير محدودة ولا تُحصَى. إذًا، هذا قد حدث بالنظر إلى قدرة ذاك الذي فعل كل هذه الأشياء، ووفقًا لخطة الله من جهة خلاص البشرية – لأن ما يليق بالله بالأكثر هو أن يُخلِّص لا أن يُعاقِب – وهنا مكمن التميُّز والانتصار“.[48]
غاية الله هي الخلاص وليس العقوبة
يرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الله لم يمت لكي يقف أمامه أناس يستوجبون العقوبة ومحكوم عليهم، بل لكي يُقدِّم لهم العون بموته وقيامته لأجل تبريرهم قائلاً:
”لأنه لم يمت لكي يقف أمامه أناسٌ يستوجبون العقاب ومحكوم عليهم، بل لكي يُقدِّم لهم العون، لهذا مات وقام لأجل تبريرنا“.[49]
ق. غريغوريوس النيسي
البشر يعاقبون أنفسهم بأنفسهم
يستنكر ق. غريغوريوس النيسيّ أولئك الذين ينسبون إنزال الله للشرِّ بالبشر، بل البشر هم الذين يستسلمون لشرورهم بإرادتهم الحرة، وهم الذين يجلبون على أنفسهم الشرور والعقوبة، فهم يعاقبون أنفسهم بأنفسهم جراء شرورهم وأهوائهم الفاسدة كالتالي:
”ولكن إذَا كان صحيحًا أن الكتاب المقدَّس يتكلَّم هذا الكلام، وإذَا كان الله لا يُسلِّم إلى الأهواء الفاسقة إلا مَن يستسلم لها، فليس تصلُّب فرعون بإرادةٍ إلهيةٍ، وليست الحياة الخسيسة من ثمار الفضيلة. فإذَا كانت الألوهة تستطيع أن تريد ذلك وتفعله، توقفت الحرية عن أيّ عمل، وزال كل فرق بين الخير والشرّ. لا، ليس الأمر كذلك، ونحن نرى أناسًا يختارون هذه الحياة، وآخرين يختارون أخرى، ونرى هؤلاء يترقون في الفضيلة، وأولئك ينزلقون في الرذيلة. ومن ثمَّ، فليس من الصحيح أن نُعلِّق بقدرٍ فائقٍ الطبيعة وقائم بإرادةٍ إلهيةٍ، هذه الاختلافات التي هي، عند كل إنسانٍ، من شأن اختياره الحر. […] ولكننا سنُضمِّن الأمر معنى صحيحًا، ونقول إن الحرمان من النور، عند مَن لا يرى هو سبب سقوطه في الحفرة. وهكذا، يجب أن نفهم قول الرسول، عندما يتكلَّم على مَن يغفلون عن معرفة الله، وأن الله يُسلِّمهم إلى أهوائهم الفاسدة، كما يجب أن نفهم تصلُّب قلب فرعون، لا أن الإرادة الإلهية تُحدِث التصلُّب في النفس، ولكن الحرية، بانحرافها إلى الشرِّ، تصد الكلمة التي تعمل على تليين مقاومتها“.[50]
الإنسان يجلب العقوبة على نفسه
يُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ مفهوم العقوبات الإلهية في سياق تفسيره للضربات العشرة التي حلَّت بالمصريين، إنه يجب ألا نستنتج أنَّ هذه الضربات التي حلَّت بمَّن يستحقونها جاءت مُباشرةً من الله، بل يجب أن نُلاحِظ أنَّ كل إنسان يجلب على نفسه الضربات بإرادته الحرة بسبب ميوله، ويُخاطِب بولس الرسول مذلة هذا الشخص، قائلاً: ”ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تُذخِر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة، الذي يُجازِي كل واحد حسب أعماله“ (رو2: 5)، ويُؤكِّد النيسيّ أيضًا أننا عندما نقول إنَّ الانتقام المباشر يحل من الله على مَّن يسيئون استخدام إرادتهم الحرة، فمِن المنطقيّ أنْ نُلاحِظ أنَّ أصل هذه المعاناة وسببها هو في أنفسنا، حيث لا يُمكِن أنْ يحلَّ بنا شرّ إلا باختيارنا الحر.[51]
ق. كيرلس الإسكندري
إحياء الوثنية من جديد
وينتقد ق. كيرلس الإسكندريّ القدرية والجبرية وإنزال العقوبات من قِبل الله في سياق حديثه عن ادعاء الشعراء الوثنيين الذين ينسبون المتاعب والشرور والانفعالات لآلهتهم الوثنية، حيث يقول هوميروس في أشعاره إن الإله ”ذياس“ يتحدَّث مع آلهة أخرى عن زنا ”إيجيستوس“، وعن الجزاء الذي يستحقه. ويا للأسف، كيف يتهم البشر الزائلون الآلهة باتهامات ثقيلة، ويقولون إن الشرور تأتي من الآلهة، وهكذا فإن أولئك يتألمون بعصيانهم، وليس من القَدَرَ.
فلأيّ سبب ينسب البعض للآلهة متاعبهم، ولا ينسبونها إلى أخطائهم التي تُسبِّب لهم النكبات؟ فإذا اختار المرء أنْ يعيش حياة مُستقِيمة، وتكون حياته مملوءة بالحكمة واللياقة، فإن عليه أن يسلك بثباتٍ مُتخطِيًا الصعاب، وذلك بناءً على قراره الصحيح والمشورة المستقيمة، ولا يترك نفسه أسيرةً للأعمال الشريرة. لأن في مقدورنا أن نرى الاتجاهين، أقصد الخير والشرير. والذين يُقدِّرون الطريق الصحيح سوف يصلون إلى جمال الفضيلة، أمَّا الذين يحبسون أنفسهم في الشر ويُفضِّلون الظلم، هؤلاء يُفسِدون الحياة نفسها، ويكونون هم سبب هلاكٍ لأنفسهم.[52]
العقوبة الإلهية الممزوجة بالمحبة
يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري أيضًا في سياق تفسيره لشريعة القتل في الناموس الموسويّ عن مفهوم العقوبة الإلهية الممزوجة بالمحبة، حيث إذَا حدث وقتل شخص أحد عن غير عمد، فإنَّ الناموس يُحاكِمه بعقوبة الهروب المستمر، إذ يمزج الله هنا العقوبة بمحبته للبشر؛ حيث لا يجعل عقوبة الجريمة التي هي عن غير قصد، في نفس مستوى جرائم العمد، لذلك أمر الناموس أن تُحدَّد ثلاثة مدن اسمَّاها ”مدن الملجأ“ لكي يلجأ إليها الذين يرتكبون أخطاءً غير مقصودة. ويعقد مقارنة بين تلك الشريعة وبين الخطاة الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مُخالِفين لله، كما يقول الكتاب: ”لأنَّ تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته“ (تك8: 21).
فكمَّا ساد ناموس الشهوة الجسدية غير الملجَّمة على أعضاء الجسد، هكذا تُعاقَب نفس الإنسان التعيسة، بالهرب من العالم ومن الجسد في منفى، كما لو كان في مدينةٍ بعيدةٍ. وهذا يُشِير إلى أقسام الأرض السفلى، أيّ الهاوية التي تنزل إليها النفس بالموت، كما حدث قديمًا، وقضت النفوس أزمنةً هناك، ولكن عندما جاء رئيس الكهنة المسيح ومات من أجل الجميع، نزل إلى الجحيم، وفتح أبوابه، وحرَّر النفوس من القيود.[53]
العقوبة ليست مشورة الله وإرادته
ويرى ق. كيرلس أن العقوبة الإلهية هي النتيجة الفعلية لحماقة البشر، وليست نتيجة عن مشورة الله أو إرادته كالتالي:
”رغم كل ذلك، فإنه أكرمه بنفس درجة إكرامه للباقين، وغسل قدميه أيضًا، مبينًا دائمًا علامات محبته، ولم يعط فرصةً للعقاب إلا بعد أن يكون استنفذ كل محاولات الإصلاح. ويمكنك أن تلاحظ أن هذه الصفة أيضًا هي خاصة بالطبيعة الإلهية. لأنه رغم أن الله يعرف ما سيحدث، إلا أنه لا يُوقِع عقابه قبل الأوان على أي إنسان. بل بالحري، بعد أن يصبر على الخاطئ لأطول مدة لازمة، حينما يرى أنهم لا ينتفعون من صبره عليهم، بل بالحري يظلون مُستمِرين في طريقهم الشريرة التي اختاروها بأنفسهم، فحينئذٍ يُعاقِبهم، مُبينًا أن عقابه لهم هو النتيجة الفعلية لحماقتهم وانحرافهم، وليس ناتجًا عن مشورته أو إرادته، فحزقيال يقول مثلاً: ’حي أنا يقول السيد الرب، إني لا أسر بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا‘ (حز 33: 11)“.[54]
العقوبة نتيجة الفعل نفسه
ويدحض ق. كيرلس تعليم القدرية والجبرية مؤكدًا على ضرورة توافر حرية الإرادة في النفس، لأنها لو حادت عن الحق وفي طياشة تعدت مشيئة مُعطِي الناموس، فيقع عقاب تعديها عليها، فالعقوبة هي نتيجة التعدي والعصيان كالتالي:
”لأن كلمة التعليم تتطلب أن تتوفر للنفس الإرادة الحرة والاختيار الحر لكي تسعى لطلب المكافآت العادلة لأعمالها الصالحة، وهي إنْ حادت عن الحق، وفي طياشة تَعدَّت مشيئة مُعطِي الناموس، يقع عليها عقاب تعديها وهذا أمر معقول جدًا“.[55]
لا يوجد أذى في طبيعة الله
ويُؤكِّد ق. كيرلس على أن ”الله لا يؤذي إذ ليس في طبيعته أذى“.[56] وذلك ردًا على مَن يقولون أن الله يرسل الأمراض والآلام والتجارب الشريرة على البشر لإهلاكهم وأذيتهم.
ق. إيسيذوروس الفرمي
العقوبة الإلهية للإصلاح والتقويم
يُوضِّح ق. إيسيذوروس الفرميّ مفهوم العقوبة الإلهية، ويرى أنَّ تقويم وتصحيح الخطايا الذي يقوم به الله لأجل تحسيننا، لا يجب أنْ نسميه ’غضبًا‘ ولا ’سخطًا‘، بل بالحري ’نُصحًا‘ و ’موعظةً‘. لكن لو اعتبره البعض غضبًا، قاصدين بذلك الإعلان عن محبة الله للبشر، فذلك لأنهم يُؤمِنون بأنَّ الله يتنازل إلى مستوى الأهواء والعواطف بسبب البشر، وصار إنسانًا لأجلهم كالتالي:
” تقويم [تصحيح] الخطايا الذي يقوم به الله لأجل تحسيننا، لا يجب أنْ نُسمِّيه ’غضبًا‘ ولا ’سخطًا‘، بل بالحري ’نُصحًا‘ و ’موعظةً‘. لكن لو اَعتبره البعض غضبًا، قاصدين بذلك الإعلان عن محبة الله للبشر، فذلك لأنهم يُؤمِنون بأنَّ الله يتنازل إلى مستوى الأهواء [العواطف] بسبب البشر، وصار إنسانًا لأجلهم“.[57]
العقوبة الإلهية التربوية
ويُؤكِّد ق. إيسيذوروس أيضًا على نفس المفهوم الشفائيّ والتربويّ عن العقوبة الإلهية في موضع آخر، حيث يرى أن الطبيعة الإلهية وغير الدنسة قد أعطتنا كل أمثلة العقوبات مكتوبةً؛ حيث فُرِضَت عن حقٍ للخطايا، حتى بالخوف من الجحيم ذاته، نتجنب الشركة في الأعمال الخاطئة. إذًا، إنْ خاف أحد التأديبات، ليته يُحافِظ على احترام العقائد كالتالي:
”لقد أعطتنا الطبيعة الإلهية وغير الدنسة كل أمثلة العقوبات مكتوبةً؛ حيث فُرِضَت عن حقٍ للخطايا، بهدف تقويمنا، حتى بالخوف من الجحيم ذاته، نتجنب الشركة في الأعمال الخاطئة. إذًا، إنْ خاف أحد التأديبات، ليته يُحافِظ على احترام العقائد.[58]
ق. باسيليوس الكبير
مفهوم الدينونة الإلهية
يُناقِش ق. باسيليوس الكبير موضوع الدينونة الإلهية والعقاب، ويُفسِّرها وكأنه يتحدَّث بلسان حال أيامنا الحاضرة كالتالي:
”الحديث عن الدينونة تكرَّر في مواضع كثيرة من الكتاب المقدَّس، باعتباره أمر مُلزِم، وقادر أن يحفظ أولئك الذين آمنوا بالله في المسيح يسوع في تعليم التقوى. ولأن الكلام عن الدينونة قد كُتِبَ بطرق مُختلفة، فمِن الواضح أنه أحدث التباسًا لدى أولئك الذين لا يُميِّزون المعنى بدقةٍ. […] ولكن من الواضح أن كلمة ’أدان‘ نتقابل معها في الكتاب المقدَّس، تارة بمعنى ’أُجرِّب‘، وتارة أخرى بمعنى ’أحكم على نفسي‘ […] وقيل أيضًا إن الرب سيدين أو سيُجازِي كل إنسان، أو يُحاسِب كل إنسان، أيّ عندما يفحص الله كل إنسان، سيضع ذلك الإنسان نفسه في مواجهة الدينونة أو القضاء، وسيضع الله مقابل وصاياه أعمال أولئك الذين أخطأوا. وسيُبيِّن في دفاعه أن كل ما كان منوط به عمله لأجل خلاص جميع المدانين، فهذا قد عمله وتمَّمه، حتى يقتنع ويثق الخطاة أنهم مُذنِبين، بسبب ما ارتكبوه من خطايا، وبعدما يقبلون بالقضاء الإلهيّ، سيقبلون العقوبة المفروضة عليهم بإرادتهم“.[59]
العقوبة الإلهية الشفائية
ويستطرد ق. باسيليوس الكبير في نفس السياق مُوضِّحًا معنى العقوبة الإلهية، التي يهدف الله من خلالها إلى الخلاص وليس الهلاك كالتالي:
”فالمجاعات والسيول هي نكبات مُشتركة تأتي على المدن والأمم لكي تُوقِف وتُحجِّم فعل الشر المتفاقِم. إذًا، مثلما نصف الطبيب دائمًا بأنه مُحسِن وكريم حتى لو تسبَّب في إيلام الجسد أو النفس (لأنه يُحارِب المرض وليس المريض) هكذا الله هو صالح يُدبِّر الخلاص من خلال مُحصلة بعض الإجراءات“.[60]
ق. غريغوريوس اللاهوتي النزينزي
العقوبة الإلهية التربوية
يُؤكِّد ق. غريغوريوس النزينزيّ على العقوبة الإلهية التربوية والشفائية لنا عندما نخطئ، فهو يرى أن العقوبة الإلهية ليست عقوبة قانونية جزائية تعسفية وانتقامية قائلاً:
”وحق هو الكلام القائل: ’مَنْ يحبه الرب يؤدبه، ويؤدب الرب كل ابنٍ يحبه‘، والذي يهتم به. والله تعالى جعل العصمة من الخطأ فوق الطبيعة البشرية. وأمَّا إذَا أخطأنا وعُوقِبنا حتى شُفِينا، ينبغي علينا أن نستمر في وجدان التربية الإلهية، ومع الله على الخط التربويّ، وأن نتجنب عقوبةً ثانيةً مرتبة على خطيئة ثانية“.[61]
الله يعاقب بقياسات التربية
ويرى ق. غريغوريوس النزينزيّ أن الله الكلمة يُوقِف المصيبة بالعطف والشفقة، ويعاقب بقياسات التربية والتأديب التي يعرفها الله جيدًا كالتالي:
”ذلك تقدير الكلمة الصانع الحكيم، وذلك هو تصرفه في عنايته بنا، وهو خازن أمورنا وشئوننا في مخازن حكمته وتدبيره. أجل هو الذي يعرف أن يُوقِف المصيبة بالعطف والشفقة، وأن يُلجِّم القباحة والوقاحة بالزجر والعقاب، أعني بقياسات التربية والتأديب التي يعرفها جيدًا“.[62]
العقوبة عمى روحي وانفصال عن الله
يشرح النزينزيّ معنى العقاب والدينونة الإلهية كظلمة وعمى روحيين وانفصال عن التنعُّم بمعاينة الله كالتالي:
”فآمن أنت يا هذا بالقيامة والدينونة والمجازاة العادلة من عند الله. وافهم هذه المجازاة على أنها نور للمطهَّرين في أذهانهم أعني أنهم سيرون الله وسيعرفونه كل واحد على قدر الطهارة التي هو فيها، وهو ما نسميه ’الملكوت السماوي‘. وافهم أيضًا أن العقاب إنما هو ظلمة للذين عموا وضلوا عن جادة الحق والصواب. فأي تغرُّب عن الله هو بنسبة ما عندنا هنا من العمى“.[63]
ق. كبريانوس أسقف قرطاجنة
تأديبات الله للتقويم والإصلاح
يرى ق. كبريانوس الشهيد، أسقف قرطاچنة، أن تأديبات الله هي للتقويم والإصلاح، وليس للهلاك قائلاً:
”وأخذنا من سليمان توصيات الحكمة التي تنصحنا قائلةً: ’يا ابني، لا تحتقر تأديب الربِّ، ولا تكره توبيخه. لأن الذي يحبه الربُّ يُؤدِّبه‘ (أم 3: 11، 12). فإنْ كان الله يُؤدِّب الذي يحبه، ويُؤدِّبه لكي يتقوَّم، لذلك على الأخوة، وبالأخص الكهنة، ألا يبغضوا مَن هم يُؤدِّبونهم لكي يتقوَّموا (ينصلح حالهم)، إذ أن الله تنبأ من قبل بفم إرميا، وأشار إلى زماننا بقوله: ’وسأعطيكم رعاةً بحسب قلبي، وسيغذونكم، ويرعونكم بالتأديب‘ (أنظر إر 3: 15)“.[64]
ق. يوحنا كاسيان
العقوبة الإلهية الشفائية
ينقل ق. يوحنا كاسيان رأي الأب ثيؤدور، أحد آباء البرية المصرية، عن مفهوم العقوبة الإلهية كعقوبة تأديبية شفائية كالتالي:
”اعتاد الكتاب المقدَّس أن يستخدم بعض التعبيرات في غير معناها الأصليّ. فيستخدم كلمة ’الشرور‘ عن ’الأحزان والضيقات‘ ليس لأنها شر، أو طبيعتها شريرة، بل لأن مَنْ تحل بهم هذه الأمور لأجل صالحهم يَعتبرونها شرًا. فحينما يتحدَّث الحكم الإلهيّ مع البشر، يتكلم معهم حسب لغتهم ومشاعرهم البشرية. فالطبيب يقوم بقطع أو كي الذين يعانون من القروح لأجل سلامة صحتهم، ومع هذا يراه مَنْ لا يقدرون على احتماله أنه شر. والمنخاس أو السوط يكون مُفيدًا للحصان الجموح. والتأديب يُعتبر مرًا بالنسبة للمُؤدِّبين، إذ يقول الرسول: ’ولكن كل تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن، وأمَّا أخيرًا فيُعطِي الذين يتدربون به ثمر بر السلام‘ (عب12: 11)، ’الذي يحبه الرب يُؤدِّبه ويجلد كل ابن يقبله فأيّ ابن لا يُؤدِّبه أبوه؟!‘ (عب12: 6، 7)“.[65]
الفصل الثالث: مفهوم العدالة الإلهية
سوف نحاول في هذا الفصل توضيح رؤية ومفهوم آباء الكنيسة عن العدالة الإلهية، وهل يتفق مفهوم العدالة الإلهية مع مفهوم العدالة البشرية؟ وهل الله عادلٌ بنفس المفهوم البشريّ لعدالة المحاكم البشرية، أن يسمو مفهوم العدالة الإلهية السامية والكاملة على العدل البشريّ الناقص والنسبيّ.
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
عدل الله هو صلاحه وحكمته
نرى ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ في رده على الهرطقة الماركيونية، يربط بين عدل الله وصلاحه مُؤكِّدًا على أن صلاح الله لا يهجره عندما يُمارِس عدله، بل على العكس، فإن صلاحه يتقدَّم إلى الأمام ويأخذ الصدارة أثناء ممارسته لعدله الصالح الحكيم والرحيم كالتالي:
”لذلك فالآب سيفوق في الحكمة كل حكمة بشرية وملائكية، لأنه هو ربٌّ، قاضي وهو العادل، والحاكم فوق الكل. لأنه صالح، ورحيم، ومتأني، ويُخلِّص الذين يجب أن يخلصهم. كما أن صلاحه لا يهجره عندما يُمارِس العدل، كما أن حكمته لا تنتقص، لأنه يُخلِّص الذين يجب أن يُخلِّصهم، ويدين أولئك الذين يستحقون الدينونة: كما أنه لا يكون عادلاً بطريقةٍ غير رحيمةٍ؛ لأن صلاحه يتقدَّم إلى الأمام بلا شك ويأخذ الأسبقية“.[66]
العلامة أوريجينوس الإسكندري
عدل الله هو صلاحه وقداسته
يُشِير العلامة أوريجينوس إلى أن القداسة والعدل إنما مردها إلى صفة الصلاح، بمعنى أن العدل والقداسة هما الصلاح، ولا اختلاف جوهري أو معنوي بين الكلمات الثلاثة كالتالي:
”ثم يسألون: ماذا إذًا؟ ما طبيعة شجرة الناموس؟ فإن الأمر ظاهر للعيان من ثمارها، أي من أقوال فرائضه. فإن وُجِدَ الناموس صالحًا، يمكن الاعتقاد بلا أدنى ريبة بأن الذي وضعه هو الله الصالح أيضًا؛ ولكن، إن كان الناموس عادلاً أكثر منه صالحًا، فالاعتقاد أن إلهه مُشرِّع عادل. ولم يلتف بولس الرسول على العبارة، عندما قال: إذًا، الناموس صالح، والوصية مقدَّسة وعادلة وصالحة (رو 7: 12). ويتَّضح من هذا أن بولس لم يتلق علومه في كُتب هؤلاء الذين يفصلون بين العادل والصالح، وإنما تعلَّم من الله -واستنار بروح هذا الإله- القدوس، والصالح، والعادل. فإذ تفوه بما ألقى عليه روحه، قال إن وصية الناموس مُقدَّسة، وعادلة، وصالحة. وريثما يجلو جلاءً بيَّنًا أن في الوصية من الصلاح أكثر مما فيها أيضًا من القداسة والعدل، لا يلبث يُردِّد كلامه مقتصرًا به على الصلاح عوض عن هذه الثلاث، ويقول: أ فيكون لي ما هو صالح، إذًا، ميتًا؟ حاشا (رو 7: 13). وذلك إنما لعلمه بأن الصلاح يمثل الجنس، بين الفضائل، والعدل والقداسة نوعي الجنس. لذلك، فيما ذكره أعلاه اسم الجنس والنوعين، ردَّد الجنس فقط حينما فاه ثانيةً بهذه الكلمة. بيد أنه يقول لاحقًا: لقد فعلت الخطيئة الموت، بواسطة ما هو صالح (رو 7: 13). إنه يختم بالجنس ما كان قد بسطه قبلاً بالنوع. ويجب أن تُفهَم هذه الكلمات على المنوال ذاته أيضًا: الإنسان الصالح، من كنز قلبه الصالح يُخرِج الصلاح؛ والإنسان الشرير من كنزه الشرير يُخرِج الشر (لو 6: 45). فقد عمد الكاتب هنا أيضًا إلى الجنس، الصالح والشرير، مظهرًا بلا أدنى ريبة أن العدل والقسط والفطنة والتقوى وكل أمر يُسمَّى صالحًا، أو يُفهَم بأنه صالح، لفي الإنسان الصالح. وتحدَّث كذلك عن الإنسان الشرير الذي هو بالتأكيد إنسان لا عدل فيه، ونجس، وكافر، وكل ما من شأنه أن يصور الإنسان الشرير بعناصره المتنوعة. فكما لا يمكن أحدنا أن يتخيل إنسانًا أنه شرير، بدون هذه الرجاسات، وألا يمكنه أن يكون شريرًا، كذلك من الثابت أنه ليس في وسع أحد أن يُقال فيه إنه صالح بدون هذه الفضائل“.[67]
ق. أثناسيوس الرسولي
عدل الله هو قداسته
يربط ق. أثناسيوس الرسوليّ بين العدل والقداسة في طبيعة الله المحب للفضيلة قائلاً:
”ولكنه لكونه إله وكلمة الآب، فهو قاضٍ عادلٍ ومُحِب للفضيلة، وبالأحرى هو مانح الفضيلة. إذًا، فهو عادل وقدوس بطبيعته. فلهذا يُقَال إنه يحب البر ويبغض الإثم (إش 61: 8). وهذا يعادل القول القائل إنه يحب الصالحين ويعينهم“.[68]
العلامة ديديموس الضرير
عدل الله هو صلاحه ورحمته
يُؤكِّد العلامة الإسكندريّ ديديموس الضرير على ارتباط العدل والصلاح في جوهر الله مُشِيرًا إلى أن رحمة الله هي بنفس قدر عدله، وذلك في سياق مقاومته للهرطقة الماركيونية والمانوية التي تفصل بين إله العهد القديم الإله العادل وإله العهد الجديد الإله الصالح والرحيم كالتالي:
”فربنا ومخلصنا يعاملنا بحسب رحمته بمنحنا كل شيء يُفضِي إلى خلاصنا. كما أنه عندما يعاملنا بحسب رحمته بتوقيع عقوبة علينا، فهي دائمًا ما تكون مشفوعة بصلاح رحمته. ووفق هذا النص (إش 63: 7)، فعلينا أن نواجه خطأ هؤلاء الهراطقة الذين ينزعون الصلاح عن العدل، ويخترعون إلهًا صالحًا وآخر عادلاً. ولتحكم أنت بنفسك في النهاية كيف يُظهِر النص الحالي الله نفسه بكونه صالحًا وعادلاً، ويجازي بحسب رحمته وعدله، وأن رحمته هي بنفس قدر عدله. وعليه، فلا يفيدهم نفعًا دفاعهم عن التعاليم المنحرفة التي ينادون خلالها بأن إله الإنجيل صالح، بينما إله العهد القديم عادل. لأنه في فقرات أخرى عديدة، كما هو الحال في نص النبي الحالي، يُوصَف الله بأنه ’العادل والصالح‘“.[69]
ق. كيرلس الأورشليمي
الله عادل وصالح في آن واحد
يُوضِّح ق. كيرلس الأورشليميّ إن الله عادلٌ وصالحٌ في نفس الوقت في مواجهة الهرطقات الغنوسية والمانوية والماركيونية التي تنادي بإلهين، مؤكدًا على عدم وجود صراع بين صفتي العدل والصلاح في جوهر الله كالتالي:
”إنه صالحٌ وعادلٌ في نفس الوقت، فإنْ سمعت مِن هرطوقيّ يُنادِي بوجود إله عادل وآخر صالح، تذكر في الحال سهام الهراطقة المسمومة. إذ يتجاسر البعض في كفرٍ أن يقسموا الله الواحد. وقال البعض إن واحد خالق للنفس وآخر إله الجسد. وهذا التعليم غامض وشرير. لأنه كيف يمكن لإنسان أن يصير خادمًا للسيدين، بينما يقول ربنا في الإنجيل: ’لا يقدر أحد أن يخدم سيدين؟!‘ (مت 6: 24؛ لو 6: 13). يوجد الله، واحد وحيد، خالق للنفوس والأجساد، واحد هو خالق السماء والأرض، وصانع الملائكة ورؤساء الملائكة. هو خالق لكثيرين، لكنه أب لواحد وحيد قبل كل الدهور، الابن الواحد الوحيد ربنا يسوع المسيح، الذي به خلق كل شيء، ما يُرَى وما لا يُرَى (يو 1: 3؛ لو 1: 16)“.[70]
عدل الله وصلاحه
ويُؤكِّد ق. كيرلس الأورشليميّ على أن الله هو إلهٌ واحدٌ صالحٌ وعادلٌ في نفس الوقت ضد الهراطقة الغنوسيين والمانويين، فيربط بين صلاح الله وعدله في نفس الوقت، فعدله لا ينفصل عن صلاحه، وصلاحه لا ينفصل عن عدله، وعدل الله مرده إلى صلاحه، وصلاح الله مرده إلى عدله كالتالي:
”إنه يوجد طريق الخلاص، إنْ ازدريت بالقيء ومقتهم من قلبك، وانفصلت عنهم بنفسك لا بشفتيك، إنْ تعبدت لأب المسيح إله الشريعة والأنبياء، إنْ عرفت أن الصالح والعادل إلهٌ واحدٌ بنفسه“.[71]
ق. غريغوريوس النيسي
عدل الله هو صلاحه وحكمته وقوته
يربط ق. غريغوريوس النيسيّ بين صفات القوة والعدل والصلاح والحكمة في الله، مؤكدًا على اتحاد هذه الصفات مع بعضها البعض في الجوهر الإلهي، وأن مَرد كل الصفات هو لصلاح الله في تعامله مع الإنسان المتقلب والمتغير الإرادة كالتالي:
”وبناءً عليه يقر الجميع أنه يجب أن نؤمن أن اللاهوت ليس فقط قويًا، بل وأيضًا عادلاً، وصالحًا، وحكيمًا، وفيه كل ما يخطر على الذهن من صفات سامية، وبالتالي، فيما يخص التدبير موضوع حديثنا الحالي، فإن الله لا يمكنه من ناحية أن يرغب في أن تظهر واحدة من صفاته العالية في الخليقة، ومن ناحية أخرى، ألا تظهر إحدى صفاته الأخرى. وبشكلٍ عامٍ، لا تنفصل أي واحدة من الصفات السامية الإلهية عن الصفات الأخرى، فالفضيلة ليست بمفردها، ولا الصلاح يكون صلاحًا حقيقيًا، إن لم يكن مُتَّحِدًا مع العدل والحكمة والقوة، لأن الظلم والحماقة والضعف ليسوا بصلاحٍ، وأيضًا القوة المنفصلة عن الحكمة والحق لا تُعتبر فضيلةً، لأن هذا النوع من القوة يُعتبر توحشًا وطغيانًا. والأمر نفسه ينصرف على باقي الصفات، إن كانت الحكمة خارج العدل، أو لو كان العدل لا يصاحبه القوة والصلاح، فإن تلك الصفات بالأحرى تُسمَّى شرًا، فكيف يُحسَب غياب الخير من ضمن الصالحات؟ فإنْ كانت كل هذه الصفات من اللائق أن تترافق معًا فيما نعتقده عن الله، فعلينا أن نفحص هل في التدبير بالتجسُّد كإنسان، تغيب أيٌ من هذه الصفات التي تليق بالله؟ وما نطلبه في الله دائمًا هو سمات الصلاح، فأية شهادة للصلاح أكثر وضوحًا من استعادة الإنسان الذي هجر الله إلى الخصم، إذ أن طبيعة الله غير المتغيِّرة والراسخة في الصلاح، لم تتأثر بتقلب إرادة الإنسان المتغيِّرة؟ لأنه لم يكن ليأتي ليُخلِّصنا، كما يقول داود (مز 105: 4، 5)، إنْ لم يكن الصلاح يُحرِّك تلك الإرادة“.[72]
ق. كيرلس الإسكندري
عدل الله هو صلاحه ورأفته
يربط ق. كيرلس الإسكندريّ بين العدل والصلاح والرأفة في حادثة شفاء الرب يسوع لمريض بركة بيت حسدا قائلاً:
”لذلك كان حكم المخلص عادلاً وصالحًا ولم يعوقه حتى يوم السبت عن أن يكون رؤوفًا عطوفًا على العليل، لكنه إذ هو الإله يعرف كيف يتمم هذا الأمر؛ لأن الطبيعة الإلهية هي نبع الصلاح، وهذا ما فعله حتى يوم السبت“.[73]
مار إسحاق السرياني
عدل الله هو صلاحه ورحمته
يربط مار إسحاق السريانيّ عدل الله وصلاحه مُؤكِّدًا على أن ابن الله أظهر كيف أن الله صالحٌ وطيبٌ ورحومٌ كالتالي:
”كُن كارزًا بصلاح الله، لأن الله يملك عليك، برغم عدم استحقاقك، وبرغم أنك مدين له بالشيء الكثير جدًا، فهو لا يطالبك بالدفع؛ وعلى الأعمال الصغيرة التي تقوم بها يمنحك مكافآت عظيمة. لا تدعُ الله عادلاً، إذ أن عدله لا يظهر في الأمور التي تخصك. وإذا كان داود دعاه عادلاً ومستقيمًا (مز 25: 8؛ مز 145: 17)، فلقد أظهر ابن الله أن الله صالح وطيب. فهو يقول: ’إنه صالح مع الأشرار والخطاة‘ (لو 6: 35). كيف تدعو الله عادلاً عندما تقرأ ما جاء في الإنجيل عن أجرة الفعلة؟ ’يا صاحب ما ظلمتك! […] فإني أريد أن أُعطِي هذا الأخير مثلك […] أم عينك شريرة لأني أنا صالح‘ (مت 20: 13-15)، كيف يستطيع الإنسان أن يدعو الله عادلاً عندما يقرأ ما جاء عن الابن الضال الذي بدَّد ثروته بعيشٍ مسرفٍ، وأنه لأجل الندم فقط الذي أظهره، ركض الأب وعانقه وسلَّطه على كل غناه (لو 5: 11)؟ لم يقل هذه الأمور بخصوص الله شخص آخر، بل ابنه ذاته، لئلا نشك فيها، وبهذا شهد الابن لله. فأين إذًا عدالة الله، ’لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا‘ (رو 5: 8)، ولكن إذا كان الله رحومًا هنا، فلنؤمن بأنه لن يتغيّر“.[74]
الأب يوحنا الدمشقي
عدل الله هو صلاحه وحكمته
يشرح الأب يوحنا الدمشقيّ عدل الله وصلاحه وحكمته في تدبير خلاص الإنسان من أسر الشيطان، فعدل الله ظهر في انتشال الله للإنسان من الموت، كالتالي:
”ومن ثمَّ، فإن الرب البارئ نفسه قد اتخذ على عاتقه الدفاع عن جبلته الخاصة، فصار بعمله معلمًا. فإن العدو لما كان قد خدع الإنسان بأمل التأله، فقد انخدع هو بظهور جسد، واتضح للحال صلاح الله وحكمته وعدله واقتداره: فقد ظهر صلاحه تعالى بأنه لم يحتقر ضعف جبلته الخاصة، بل انعطف عليها في سقطتها ومدَّ لها يده. وقد ظهر عدله بأن الإنسان لما كان مغلوبًا، لم يترك الله لغيره أن يقهر الطاغي ولا انتشل الإنسان بالقوة، بل إن الصالح والعادل قد جعل ذاك نفسه الذي كان الموت قديمًا قد استعبده بالخطايا يعود اليوم من جديد فينتصر، فخلَّص المثل بمثله. وقد كان الأمر مستعصيًا، وكان من شأن الحكمة أن تجد حلاً لائقًا جدًا للأمور المستعصية“.[75]
الفصل الرابع: تعاليم جون كالفن عن صليب المرض والتجارب
سوف نستعرض في هذا الفصل تعاليم چون كالفن، أحد أهم رجال الإصلاح البروتستانتي عن صليب المرض والتجارب، وسوف نجد أن مصدر هذه التعاليم هو چون كالفن وأتباعه من حركة الإصلاح البروتستانتيّ الذين يرون في التجارب والأمراض أنها صليب، وكأن الصليب صار مرضًا وتجربةً، وليس هو علامة النصرة على التجارب والقوة والشفاء من الأمراض.
الصليب تجربة وامتحان
يرى چون كالفن أن هناك البعض الذين يُمتحَنون بنوعٍ مُعيَّنٍ من الصليب، ويُمتحَن الآخرين بغيره كالتالي:
”من هذا يُرى أن البعض يُمتحون بنوعٍ مُعيَّنٍ من الصليب، فيما يُمتحَن آخرون بغيره. ولما كان الطبيب السماويّ يعالج البعض بمزيدٍ من اللطف، وآخرين بعلاجاتٍ أكثر قساوةً، بينما يشاء الصحة للجميع، فهو لا يترك أحدًا من دون أن يلمسه لأنه يعرف أن الجميع، كلاً بمفرده، في حاجة إلى الدواء“.[76]
ويحث چون كالفن على احتمال البلايا والمهانة من أجل الدفاع عن البرّ، ويدعونا أن نقبل التجارب برضا وسرور من يد الربّ، بحسب إدعائه، حيث يرى أن المؤمنين يتميَّزون بهذا النوع من صليب التجارب والبلايا كالتالي:
”بهذه التحذيرات وما يُشابِهها، يُعطِينا الكتاب المقدَّس وافر العزاء سواء في المهانة أو في البلايا التي نتحملها من أجل الدفاع عن البرّ. لذا نُنكِر الفضل على نحوٍ مُشينٍ، إنْ لم نقبل تلك التجارب برضا وبسرور من يد الربِّ؛ وخصوصًا أن هذا النوع من الصليب يتميَّز به المؤمنون، وبه يشأ المسيح أن يتمجَّد فينا“.[77]
ابتلاء الله للبشر
يُشِير چون كالفن إلى أن الله يبتلينا لا ليُدمِّرنا أو ليُفنينا، بل بالأحرى لكي يُحرِّرنا من الدينونة التي يدين بها العالم، للأسف كيف يبتلينا الله وهو مصدر كل الصالحات؟! فيقول التالي:
”فهو يبتلينا لا يُدمِّرنا أو ليُفنينا، بل بالأحرى لكي يُحرِّرنا من الدينونة التي يدين العالم بها“.[78]
صليب المرض
يرى چون كالفن أنه يمكننا أن نثبت في احتمالنا مهما كان نوع الصليب الذي نُعانِي منه، حتى لو كان ذلك من أشد عذابات النفس، فإذَا ابتُلِينا بالمرض فسوف نئن ونتوجع ونتوق إلى الصحة، ونرزح تحت وطأة الفقر فتخزنا سهام الهمّ والأسى، وهكذا ينتابنا ألم المهانة والاحتقار والظلم كالتالي:
”وهكذا يمكننا أن نثبت في احتمالنا مهما كان نوع الصليب الذي نُعانِي منه، حتى لو كان ذلك من أشد عذابات النفس. هذا لأن الضيقات ذاتها سوف تأتي بمنغصاتها؛ فإن ابتُلِينا بالمرض فسوف نئن ونتوجع ونتوق إلى الصحة؛ ومن ثمَّ، نرزح تحت وطأة الفقر فتَخزنا سهام الهمّ والأسى؛ وهكذا ينتابنا ألم المهانة والاحتقار والظلم“.[79]
الله هو مصدر التجارب والبلايا
يُوضِّح چون كالفن أن العلة الرئيسية لحمل صليبنا من وحي المشيئة الإلهية، ويجب أن نفهم أننا مُجرَّبون بيد الله من خلال شدائدنا، وهكذا ينبغي إطاعة الله في هذه التجارب والشدائد، يا له من منطق بائس ومأساويّ! فالله هو مصدر كل الصالحات. وهكذا يرى چون كالفن إننا إذَا كنا نعاني من الفقر أو المنفى أو السجن أو الإهانة أو المرض أو الحزن أو غير ذلك، ينبغي أن نعتقد بأنه لا يحدث شيء من دون مشيئة الله وعنايته، وأنه لا يفعل شيئًا إلا من قِبَل نظام عدالته. وهكذا يُرجِع چون كالفن كافة البلايا والشدائد التي يتعرض لها الإنسان إلى مشيئة الله ونظام عدالته.
الله غير المجرِّب بالشرور، والذي لا يُسقِط البشر في التجارب والشدائد، بل إبليس هو الذي يُسقِط البشر في التجارب، ويجعلهم ينشغلون بها، حتى لا يخرجوا منها إلا هالكين، صار الله، بحسب منطق چون كالفن، يفعل كل هذه البلايا للبشر بحسب مشيئته ونظام عدالته. وهذا عكس ما رأيناه في تعاليم آباء الكنيسة العظام، بل هو تشويه مُتعمِّد لصلاح الله ومحاولة لتقديم صورة مُشوَّهة عن الله كليّ الصلاح والرحمة والرأفة. فيقول كالفن التالي:
”أمَّا الآن، وقد اتَّخذنا العلة الرئيسية لحمل صليبنا من وحي المشيئة الإلهية، فقد لزم أن نُميِّز في بضع كلمات الفرق بين المفهوم الفلسفيّ للصبر والمفهوم المسيحيّ له. مما لا ريب فيه أن القليلين من الفلاسفة ارتقوا إلى مستوى رفيع كهذا من المنطق، حتى يفهموا أننا مُجرَّبون بيد الله من خلال شدائدنا، وأن يحسبوا أنه من هذا المنطلق ينبغي أن نُطيع الله. ولكنهم، علاوة على ذلك، لا يُقدِّمون لها سببًا سوى أنه هكذا كان ينبغي أن يكون. […] فسواء كنا نُعانِي الفقر أو المنفى أو السجن أو الإهانة أو المرض أو الحزن أو غير ذلك، ينبغي أن نعتقد بأنه لا يحدث شيءٌ من دون مشيئة الله وعنايته، وأنه لا يفعل شيئًا إلا من قِبَل نظام عدالته. ماذا إذًا؟ ألا تستحق تعدياتنا اليومية العديدة أن تُعاقَب بقضبانٍ أكثر قساوةً من الشدائد التي يُوقِعها [الله] علينا من فرط لطفه؟ […] ألا يحق عدل الرب وحقه ما يُصِيبنا من مصاعب؟ لكن لمَّا كان عدل الله المؤكَّد يظهر في الشدائد، فلن يمكننا أن نتذمر أو نُقاوِمه من دون أن نخطئ. […] وحيث إننا نُسرّ بما ندرك أنه لخلاصنا ولمصلحتنا، يعزينا أبونا العظيم المراحم في هذا المجال أيضًا، إذ يُؤكِّد لنا أنه يعمل لخلاصنا في كل صليب يُجرِّبنا [الله] به“.[80]
[1] يوسينيوس (قديس)، القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2012)، الدفاع الثاني : 13، ص 120.
[10] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته -مقالاته لطالبي العماد- الأسرار)، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2006)، مقالة 13: 40، ص 198.
[11] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٢)، ص ٢٣.
[12] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 2: 5، ص 29.
[13] غريغوريوس النيسي (قديس)، تعليم الموعوظين، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٢)، ٨: ١٥، ص ١٤٥.
[14] غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى أو الكمال في مجال الفضيلة، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1996)، القسم الثاني، ص 67.
[16] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج2، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 56، ص 101.
[17] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 12: 2، ص 197.
[18] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج2، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 56، ص 101.
[20] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير سفر أيوب، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، ٢٠٠٨)، تعليق على (أي ٥: ١٨)، ص ٨١.
[21] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 19: 1، ص 267.
[22] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 15: 5، ص 357، 358.
[23] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 4: 2، ص 78.
[24] أمبروسيوس (قديس)، شرح الإيمان المسيحي، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 5: 14: 174، ص 337.
[27] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر عاموس، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٢)، تعليق على (عا٣: ٦)، ص ٩٠.
[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 6: 1، ص 664، 665.
[29] ساويروس الأنطاكي (قديس)، رسائل ساويروس الأنطاكي، ترجمة: الراهب جرجس الأنطوني، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2016)، رسالة إلى يوحنا وثيؤدور ويوحنا الكهنة والأرشمندريتين، ص 143.
[47] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج2، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 68، ص 245.
[48] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 1، ص 248.
[50] غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى أو الكمال في مجال الفضيلة، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1996)، القسم الثاني، ص 63، 64.
[51] غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى، ترجمة: د. فهيم حنا، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2021)، 2: 85- 88، ص 62، 63.
[57] إيسيذوروس الفرمي (قديس)، رسائل القديس إيسيذوروس الفرمي مج1، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، رسالة 344 إلى سلوانس، ص 273.
[58] المرجع السابق، رسالة 467 إلى الدياكون إيسيذوروس، ص 335.
[59] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، عظة 2: 4، ص 83- 85.
[60] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، ص 22.
[61] غريغوريوس النزينزي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، 1994)، الخطاب الثاني ضد يوليان الجاحد، ص 89.
مقدمة: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم آباء الكنيسة
سوف نستعرض في هذا البحث طبيعة وماهية الملكوت والجحيم بحسب تعالم آباء الكنيسة، وذلك ردًا على الإدعاءات الواهية بأن الملكوت والجحيم مجرَّد مكان ماديّ جغرافيّ، وبالتالي محاولة تجسيم الملكوت والجحيم وجعلهم أشياءً ماديةً لا تختلف في شيء عن باقي الأمور المادية والحسية في هذه الحياة، ولكن كيف يستقيم تجسيم الملكوت والجحيم مع العالم الروحانيّ غير الماديّ الذي يعيش فيه الله؟!
الله الذي طبيعته روحانية غير مادية ولا يوجد الله في مكان جغرافيّ مُحدَّد الأبعاد، كما أن الملائكة سواء ملائكة صالحة أو ملائكة أشرار، أي شياطين، طبيعتهم طبيعة روحية غير مادية، فالملائكة الصالحون هم أرواح نورانية تعيش مع الله في عالم روحانيّ غير ماديّ، وغير مكانيّ، وغير جغرافيّ، كذلك الشياطين طبيعتهم طبيعة روحية غير مادية مظلمة تعيش بمعزل عن الله في ظلمة، فكيف تلك الطبائع الروحية غير المادية تعيش في أماكن مادية جغرافية محددة الأبعاد، كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق بالحياة الأبدية الروحية غير المادية؟!
كما أن المسيح أعلن أن البشر سيكونون في السماء كملائكة الله، وسوف يلبس الفاسد عدم الفساد، وسوف يلبس البشر أجسادًا روحانيةً ونورانيةً غير مادية، هي أجساد القيامة الممجَّدة، فكيف يسكنون في أماكن مادية وجغرافية مُحدَّدة الأبعاد سواء في الملكوت والجحيم؟! كما يُؤكِّد بولس الرسول أن ملكوت الله ليس أكل وشرب، بل برّ وفرح وسلام في الروح القدس، فهل البرّ والفرح والسلام هي أماكن مادية جغرافية مُحدَّدة الأبعاد؟! وهل بولس الرسول كان مُخطئًا في مفهومه عن طبيعة الملكوت والجحيم باعتبارهما حالة البر والفرح والسلام في الملكوت أو العكس الحزن والخوف والقلق في الجحيم؟!
سوف نحاول في هذا البحث الوقوف على حقيقة طبيعة الملكوت والجحيم بحسب تعاليم آباء الكنيسة، وهل هي مجرَّد مكان ماديّ جغرافيّ مُحدَّد الأبعاد، أم حالة نفسية ذهنية غير مادية وغير مكانية وغير جغرافية تناسب وتلائم طبيعة العالم الروحانيّ غير الماديّ وغير المنظور وغير الحسيّ؟!
أود التنويه إلى أن النصوص الكتابية والآبائية المذكورة في هذا البحث الموجز هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من النصوص الكتابية والآبائية التي تُؤكِّد على عدم مادية وعدم مكانية الملكوت والجحيم.
الفصل الأول: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم الكتاب المقدس
يتحدَّث السيد المسيح عن أن الأبرار سوف يضيئون في ملكوت الآب السماويّ كالشمس، ولا يمكن أن يكون هذا النور نورًا ماديًا مخلوقًا، مثل النور الطبيعيّ للشمس المادية، بل هو نور إلهيّ غير مخلوق، وهكذا يعكس الأبرار نور أبيهم السماويّ الإلهيّ كالتالي: ”حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ“ (مت 13: 44).
يُؤكِّد السيد المسيح على حقيقة وجود الملكوت داخل كل إنسان، فملكوت الله ليس مكانًا أرضيًا حسيًا، بل هو سُّكنى الله نفسه داخل الإنسان بروحه القدوس كالتالي: ”وَلَمَّا سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: ’مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ؟‘ أَجَابَهُمْ وَقَالَ: ’لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ، وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا ههُنَا، أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ‘“ (مت 17: 20-21).
ويدحض الربُّ يسوع فكرة أن الملكوت هو مكان حسيّ يتزوج فيه البشر، بل أكَّد على الطبيعة الروحية غير المادية وغير المكانية للملكوت الذين يكون فيه البشر كملائكة الله كالتالي: ”فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: ’تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ. لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ‘“ (مت 22: 29، 30).
ويُوضِّح السيد المسيح ماهية وطبيعة الحياة الأبدية الروحية غير الحسية وغير المادية وغير المكانية، فيصف الربُّ يسوع الحياة الأبدية بحالة المعرفة للإله الحقيقيّ وحده ومعرفة الرب يسوع المسيح، فالمعرفة هنا معرفة روحية عقلية ذهنية غير مادية وغير مكانية، بل معرفة تفوق الحواس الطبيعية، ولا تخضع لقوانين الزمان والمكان كالتالي: ”وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ“ (يو 17: 3).
ويدحض بولس الرسول أيضًا فكرة مادية أو مكانية الملكوت، بل يرفض أن يكون ملكوت الله أكل وشرب، بل هو حالة البرّ والسلام والفرح في الروح القدس قائلاً: ”لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ“ (رو 14: 17).
ويُشِير بولس الرسول أيضًا إلى حالة التغيُّر والتبدُّل التي يخضع لها البشر بعد الرقاد وعند القيامة الأموات، حيث نتغيَّر من حالة الفساد لنقوم في عدم فساد، وهكذا ننال الحالة الأفضل عند القيامة العامة كالتالي: ”هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ“ (1كو 15: 51، 52).
ويُشدِّد بولس الرسول على أن جسدنا الفاسد والمائت سوف يلبس عدم الفساد وعدم الموت، وهي حالة عدم الخضوع لقوانين الزمان والمكان، بل هي حالة فائقة للطبيعة المادية المنظورة كالتالي: ”لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ. وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ. أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟“ (1كو 15: 53-55).
ويشرح بولس الرسول ماهية المعاينة الإلهية الطوباوية، حين ننظر مجد الرب بوجهٍ مكشوفٍ، وهنا لا يصف رؤيا مادية أو مكانية خاضعة لقوانين الزمان والمكان، بل رؤيا روحية غير مادية وغير حسية ولا تخضع لقوانين الزمان والمكان، ويؤكد بولس الرسول على حالة التغيُّر والتبدُّل التي تصير لنا من الحالة المادية الحسية الخاضعة لقوانين الزمان والمكان إلى الحالة الروحية الطوباوية المجيدة المجرَّدة من خبرة الحواس، وغير الخاضعة لقوانين الزمان والمكان كالتالي: ”وَأَمَّا الرَّبُّ فَهُوَ الرُّوحُ، وَحَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ. وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ“ (2كو 3: 17، 18).
يصف أيضًا بولس الرسول الخبرة الروحية التي عايشها بالانخطاف إلى السماء، ويؤكد على غموض هذه الخبرة الروحية فهي غير خاضعة لقوانين الجسد، لدرجة أنه لا يعلم هل هي في الجسد أم خارجه، وغير خاضة للحواس، فقد سمع كلمات لا يُنطَق بها، والسمع هنا غير السمع الطبيعيّ الماديّ الخاص بطبيعتنا، بل هنا خبرة روحية صرف لا تمت بصلة لمعرفة الحواس المادية الخاضعة للزمان والمكان، بل هي خبرة روحية غير مادية وغير حسية بحواس روحية أخرى تفوق الطبيعة وتلائم طبيعة السماء والعالم الروحانيّ كالتالي: ”أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الْمَسِيحِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. أَفِي الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. اخْتُطِفَ هذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. وَأَعْرِفُ هذَا الإِنْسَانَ: أَفِي الْجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. أَنَّهُ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا“ (2كو 12: 2-4).
ويُؤكِّد بولس الرسول على أن الذي أعدَّه الله لمختاريه لا يخضع لخبرة الحواس، ولا يخضع لقوانين الزمان والمكان، فهو غير مرئيّ وغير مسموع، ولم يخطر على عقل بشريّ خاضع للتجربة الحسية والمكانية قائلاً: ”مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ“ (1كو 2: 9).
ويرى يوحنا الرسول أن الحالة التي سنكون عليها هي سر، ولكننا نعلم أننا سنكون مثله متى أُظهِرَ، وأننا سنراه كما هو في مجده الإلهيّ وبهائه وهذا سر روحيّ غير خاضع لقوانين الزمان والمكان، بل يفوق الطبيعة والزمان والمكان كالتالي: ”أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ“ (1يو 3: 2).
هناك العديد والعديد من النصوص الكتابية التي تؤكد على أن الملكوت والجحيم ليست أماكن جغرافية مادية خاضعة لقوانين الزمان والمكان، بل هما خارج قوانين الزمان والمكان، لأنهما لو كانا خاضعان لقوانين الزمان والمكان، لكان من السهل على الحواس المادية إدراكهم، وتحديد موقعهم الجغرافيّ مكانيًا وزمانيًا، وهذا يتعارض مع طبيعة العالم الروحانيّ غير الماديّ وغير الحسيّ وطبيعة الملكوت والجحيم الروحية البحتة.
الفصل الثاني: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم الآباء الرسوليين
سوف نستعرض في الجزء من بحثنا طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم الآباء الرسوليين، وهم خلفاء رسل المسيح، وهم الأساقفة الذين قام الرسل برسامتهم خلفًا لهم على الكنائس التي بشَّروها بالمسيحية، وقبلت المسيح رب ومخلص، وقاموا بتأسيسها في جميع أنحاء العالم القديم المعروف آنذاك.
ق. كليمندس الروماني
الملكوت هو الفرح في الأبدية
يصف ق. كليمندس الرومانيّ حالة الملكوت بأنها حياة وفرح مع الآباء في أبدية بلا حزن قائلاً:
”فلا يحزن الشخص البار عندما يتألم في الزمان الحاضر، لأن ذلك الزمن المبارك ينتظره في الأعالي، ليحيا ويفرح مع الآباء في أبدية بلا حزن“.[1]
ق. أغناطيوس الأنطاكي
الحياة الحقيقية في المسيح
يرى ق. أغناطيوس الأنطاكيّ أن الحياة الحقيقية هي في وجودنا في المسيح يسوع قائلاً: ”الحياة الحقيقية هي في وجودنا في المسيح يسوع“.[2] ويُخاطِب ق. أغناطيوس الأنطاكيّ ق. بوليكاربوس أسقف سميرنا، ويحثه على الوصول إلى الله عن طريق اليقظة كجندي لله، ومن ثمَّ، نوال المكافأة التي هي عدم الفساد والحياة الأبدية كالتالي:
”حتى تصل إلى الله، كن متيقظًا كجندي الله، فإن المكافأة هي عدم الفساد، والحياة الأبدية التي تُؤمِن بها“.[3]
ق. بوليكاربوس أسقف سميرنا
إزالة أوجاع الجحيم
يُشِير ق. بوليكاربوس أسقف سميرنا [أزمير بتركيا حاليًا] إلى إزالة أوجاع الجحيم بسبب تحمُّل المسيح الموت من أجل خطايانا وقيامته بواسطة الله كالتالي:
”وكما أن الأساس الراسخ لإيمانكم، والمشهود به لكم منذ الأزمنة القديمة، لا يزال ثابتًا حتى الآن، ويُثمِر لربِّنا يسوع المسيح، الذي تحمَّل من أجل خطايانا، وتألم حتى الموت، والذي أقامه الله بعد أن أزال أوجاع الجحيم (أع 2: 24)“.[4]
الرسالة إلى ديوجنيتوس
حالة المسكن غير الفاني في السموات
يُؤكِّد كاتب الرسالة إلى ديوجنيتوس على خلود النفس، ويُقارِن بين وجود النفس الخالدة في مسكنٍ أو جسدٍ فانٍ، وبين حالة المسيحيين الذين يعيشون كغرباءٍ بين الأشياء الفانية، ولكنهم يتطلعون إلى المسكن غير الفانيّ في السموات قائلاً:
”وكما أن الروح الخالدة تسكن في مسكنٍ فانٍ، هكذا المسيحيون أيضًا، فإنهم يعيشون كغرباءٍ بين الأشياء الفانية، ولكنهم يتطلعون إلى المسكن غير الفانيّ في السموات“.[5]
أناشيد سليمان
ذوبان الجحيم أمام وجه الرب
تتحدَّث أناشيد سليمان، أحد الكتابات في العصر الرسوليّ، عن ذوبان الجحيم أمام وجه الربِّ عندما نزل إليه، وتبدَّدت ظلمته وتلاشت بنظرةٍ منه، وهكذا أخرج المسيح النفوس من الجحيم ومنحها الحياة غير الفانية كالتالي:
”الهاوية [الجحيم] من أمام وجه الربِّ قد ذابت، وبنظرةٍ منه، تبدَّدت الظلمة وتلاشت. […] هيا اخرجوا أنتم يا مَن كُنتم مظلومين لتنالوا الفرح الدائم وتصيروا مسرورين؛ وبالنعمة تصيروا لنفوسكم وارثين، وللحياة غير الفانية، تصبحوا نائلين“.[6]
الملكوت هو الالتحاف بالمسيح
وتصف الأناشيد حالة الملكوت أنها الالتحاف بالمسيح في العالم الجديد، حيث التمتُّع بعدم الفساد والخلود في زمن التجديد قائلةً:
”أنا هو الديَّان الذي سوف يدينكم بكل تأكيد. أمَّا الذين التحفوا بي، فلن يخيبوا في العالم الجديد، بل سينعمون بعدم الفساد، والخلود في زمان التجديد“.[7]
وتُشِير الأناشيد إلى ضمان الخلاص، وميراث الحياة الأبدية، والعتق من الفساد في المسيح قائلةً:
”فقد صار الخلاص فيه [في المسيح] مكفولاً، وميراث الحياة الأبدية مضمونًا، والذي قَبِلَه، صار من الفساد معتوقًا. هللويا!“.[8]
الفصل الثالث: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم الآباء المدافعين
سوف نستعرض في هذا الجزء طبيعة وماهية الملكوت والجحيم كما فهمه وعلَّم بهالآباء المدافعين عن الإيمان المسيحيّ في القرون الأولى للمسيحية.
العلامة أثيناغوراس الأثيني
السكنى مع الله كأرواح سماوية
يُؤكِّد العلامة أثيناغوراس الأثينيّ على أننا عندما نُنقَل من الحياة الحاضرة، فإننا سوف نحيا حياةً أخرى في السماء أفضل من الحياة الحاضرة، ولكنها ليست حياة أرضية أخرى، بل سوف نسكن مع الله كأرواح سماوية، وليس كمخلوقات جسدية حتى لو امتلكنا أجسادًا. وهكذا يُؤكِّد العلامة أثيناغوراس على الحالة غير المادية وغير المكانية للبشر في ملكوت السموات كالتالي:
”فإننا مقتنعون بأننا حين نُنقَل من الحياة الحاضرة فسوف نحيا حياةً أخرى في السماء أفضل من تلك [الحياة]، وليست [حياة] أخرى أرضية، حيث إننا سوف نسكن مع الله كأرواح سماوية، ولس كمخلوقات جسدية حتى لو امتلكنا أجسادًا، وبواسطة معونته لنكون بلا تغيُّر ومُتحرِّرين في أرواحنا من المعاناة“.[9]
ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي
الملكوت هو مجد الله غير الفاني
يتحدَّث ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أنه عندما يدعو الله بالملكوت، فإنه يتحدَّث عن مجده قائلاً: ”وإذَا دعوته الملكوت، فأنا أتحدَّث عن مجده“.[10] ويُوضِّح ق. ثيؤفيلوس حالة القيامة والملكوت بأنها عندما يخلع الإنسان ما هو فانٍ ويلبس عدم الفساد، حينئذٍ سيرى الله بحقٍ قائلاً:
”عندما تخلع ما هو فانٍ وتلبس عدم الفساد (1كو 1: 53). حينئذٍ سترى الله بحقٍ؛ لأن الله يجعل جسدك غير فانٍ مع نفسك. وبعد أن تصبح غير فانٍ سترى وقتها غير الفاني، إذَا آمنت به الآن“.[11]
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
المسيح هو الملكوت والجحيم
ويرى ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ وأسقف ليون بفرنسا في سياق تصويره لمشهد الدينونة الإلهية أن كلمة الله يأتي مُجهِّزًا مسكنًا مُلائِمًا لكُلٌّ من الطرفين، الذين يعيشون في النور، يُعطِيهم أن يتمتعوا بالنور والأمور الصالحة التي يحويها، أمَّا أولئك الذين يعيشون في الظلمة، فيشتركون في كوارثها، وهذه هي حالة الملكوت والجحيم، فالمسيح الله الكلمة هو نفسه الملكوت والجحيم لكلا الطرفين كالتالي:
”وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور. لأن كل مَن يعمل السيئات يُبغِض النور ولا يأتي إلى النور لئلا تُوبَّخ أعماله. وأمَّا مَن يفعل الحق، فيأتي إلى النور لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولةٌ‘ (يو 3: 19-21). إذًا، طالما أنه في هذا العالم يُقبِل بعض الأشخاص بأنفسهم إلى النور، وبالإيمان يُوحِّدون أنفسهم بالله، بينما آخرون يتحاشون النور، ويفصلون أنفسهم عن الله، فإن كلمة الله يأتي مُجهِّزًا مسكنًا مُلائمًا لكُلٌّ من الطرفين. فالذين في النور، يُعطِيهم أن يتمتعوا بالنور وبالأشياء الصالحة التي يحتوي عليها، أمَّا أولئك الذين في الظلمة، فهم يشتركون في كوارثها. ولهذا السبب، يقول إن الذين عن يمينه هم مدعوون إلى ملكوت السموات، أمَّا الذين على اليسار فسيُرسِلهم إلى النار الأبدية، لأنهم حرموا أنفسهم من كُل صلاح“.[12]
الملكوت نور والجحيم ظلمة
يُشِير ق. إيرينيؤس إلى حالة الذين يستمرون في محبتهم لله، هؤلاء يمنحهم الله شركةً معه في الملكوت، لأن الشركة مع الله هي حياة ونور وتمتُّع بكل البركات المذخرة لهم، ولكن كُل الذين يبتعدون عن الله بناءً على اختيارهم الذاتيّ، هؤلاء يُعاقِبهم بالانفصال عن ذاته، لأنهم اختاروا لأنفسهم هذه العقوبة، وهذ هي حالة الجحيم بالنسبة لهم. فالانفصال عن الله هو موتٌ، والانفصال عن النور هو ظلمةٌ، والانفصال عن الله يشمل فقدان كُل البركات التي ذخرها كالتالي:
”وكُل الذين يستمرون في محبتهم لله، هؤلاء يمنحهم شركةً معه، ولكن الشركة مع الله هي حياةٌ ونورٌ وتمتُّع بكُل البركات التي ذخرها لهم. ولكن كُل الذين يبتعدون عن الله بناءً على اختيارهم الذاتيّ، هؤلاء يُعاقِبهم بالانفصال عن ذاته، الذي اختاروا من تلقاء أنفسهم. ولكن الانفصال عن الله هو موتٌ، والانفصال عن النور هو ظلمةٌ، والانفصال عن الله يشمل فقدان كُل البركات التي ذخرها“.[13]
ق. يوستينوس الشهيد
الملكوت روحي غير أرضي
يُشدِّد ق. يوستينوس على أننا نحن المسيحيون لا ننتظر ملكوتًا ماديًا جغرافيًا أرضيًا قائلاً:
”فلو كُنا ننتظر ملكوتًا أرضيًا لكُنَّا أنكرنا أننا مسيحيون حتى لا يتمّ الحكم علينا بالموت، أو كُنَّا قد حاولنا الاختباء منكم حتى نُحقِّق ما نُرِيده. ولكن لأننا لا نضع رجاءنا في هذه الحياة الحاضرة. فنحن لا نُمانِع أن نُقتَل بما أن الموت أمرٌ آتٍ في كل الأحوال“.[14]
الملكوت هو الحياة الأبدية في محضر الله
لذا يرى ق. يوستينوس أن الملكوت هو الحياة الأبدية في حضرة الله، فحضرة الله ليست مكان جغرافيّ مُحدَّد الأبعاد، بل عالم روحانيّ غير ماديّ وغير مكانيّ قائلاً:
”وتعلَّمنا أيضًا أن الله في صلاحه خلق في البدء كُل شيء من مادة غير مُهيأة لأجل الإنسان. وإذَا أثبت المرء بأعماله أنه جدير بخطة الله فسيكون مُستحِقًا لأن يسكن معه ويملك معه ويتحرَّر من كُل فساد وألم. وكما أنه في البدء خلقنا إذ لم نكن؛ هكذا أيضًا نحن نُؤمن أن مَن يختار أن يُرضِي الله فبسبب هذا الاختيار سيكون مُستحِقًا للحياة الأبدية في حضرة الله“.[15]
الجحيم حالة الوعي بالعذاب
يُؤكِّد ق. يوستينوس على أن الجحيم هو حالة الوعي والإدراك للعذاب التي تنتظرها الأرواح الحية الخاطئة قائلاً:
”ارجعوا إلى نهاية كُلٌّ من الأباطرة السابقين، وتأملوا كيف ماتوا كسائر البشر، الأمر الذي إذَا كان يؤدي إلى الراحة يكون وكأنه هديةٌ لجميع الخطأة. ولكن بما أنه هناك حالة من الوعي والإدراك تنتظر كُل هؤلاء الذين كانوا أحياءً، وحيث إن العقاب الأبديّ ينتظر الأشرار، فتأكَّدوا أن ما أقوله لكم هو الحق. […] حتى بعد الموت تظلُّ الأرواح في حالة وعي وإدراك“.[16]
حال الأبرار وحال الأشرار
ويُشِير ق. يوستينوس إلى نفس المعنى السابق مُفرِّقًا بين حالة أرواح الأشرار من العقاب، وبين حالة السعادة التي يحياها الأبرار قائلاً:
”كذلك عندما نُؤكِّد أن أرواح الأشرار ستكون موجودةً بعد الموت تلقى عقوبة بعد الموت بوعي وإدراكٍ، في حين تنجو أرواح الأبرار من العقاب وتحيا في سعادة“.[17]
ق. كليمندس الإسكندري
الله لا يعاقب بل يؤدب
يُؤكِّد العلامة كليمندس الإسكندريّ على أن الله لا يُعاقِب، لأن العقاب هو قصاص الشرّ، ولكنه يُؤدِّب من أجل خير أولئك الذين يُؤدِّبهم جماعيًا وفرديًا كالتالي:
”لأن هناك تقويمٌ جزئيّ، يُسمَّى التأديب، والذي يتكبده الكثيرون منَّا عندما نبتعد بالمعصية عن شعب الربِّ. ولكن كأطفال يُؤدَّبون من مُعلِّميهم، أو والدهم، هكذا نحن أيضًا من قِبَل العناية الإلهية. ولكن الله لا يُعاقِب، لأن العقاب هو قصاص الشرّ. ومع ذلك، هو يُؤدِّب، من أجل خير أولئك الذين يُؤدِّبهم، جماعيًا وفرديًا“.[18]
الله نور الأبرار ونار الأشرار
ويُوضِّح العلامة كليمندس أن الله وكلمته وُصِفَ مجازيًا في الكتاب المقدَّس بأنهما نورٌ ونارٌ، فالله هو نورٌ للأبرر ونارٌ للأشرار قائلاً:
”وأن الله وكلمته قد وُصِفَ مجازيًا بواسطة الكتاب المقدَّس بالنار والنور“.[19]
الله هو الدينونة والرحمة
ويستطرد العلامة كليمندس في نفس السياق، مُؤكِّدًا على أن الله لديه القوة نفسها في الدينونة والعقوبة وفي نفس الوقت الرحمة والأمانة كالتالي:
”إذ قيل: ’لأنه رؤوفٌ يغفر الإثم ولا يُهلِك وكثيرًا ما ردَّ غضبه ولم يُشعِل كل سخطه‘ (مز 78: 38). وأنظر كيف يكون عدل المعلِّم، عندما يستخدم العقاب، وكيف يتَّضح ويظهر صلاح الله عندما يتراءف ويرحم. وحيث يعلم داود – أي الروح من خلاله – بالجانبين كليهما ينشر عن الله ذاته ’العدل والحقّ قاعدة كرسيك. الرحمة والأمانة تتقدَّمان أمام وجهك‘ (مز 89: 14). وإذ يُعلِن أن القوة ذاتها لها أن تدين وتُعاقِب، وأن تكون رحمةً، لأن لها السيطرة على كلا الاثنين، وتُفرِز الدينونة ما هو حقٌّ مما هو نقيضه. والله الحقّ هو عادلٌ وصالحٌ، وهو الكل في الكل، لأنه هو الله، وهو وحده الله“.[20]
الفصل الرابع: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم آباء القرن الثالث
سوف نستعرض الإشارات إلى طبيعة وماهية الملكوت والجحيم كما فهمه آباء الكنيسة في القرن الثالث.
العلامة أوريجينوس الإسكندري
الحياة الأبدية هي معرفة الله والمسيح
يرى العلامة أوريجينوس الإسكندريّ أن جوهر الحياة الأبدية يتألَّف من معرفة الله ويسوع المسيح قائلاً:
”لكن الآن دعَّنا نر ماذا يُعطَى مَن يطلبون هذه الأشياء. يقول: ’الحياة الأبدية‘. ويُعلِّمنا المخلِّص عن هذه الحياة عندما يقول: ’وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته‘ (يو 17: 3). بهذه الكلمات يُعرِّفنا أن جوهر الحياة الأبدية يتألف من معرفة الله ويسوع المسيح. لكن كيفية اقتنا ء معرفة الله هو ما تعلَّمناه في سفر المزامير حين يقول: ’كفوا واعلموا أني أنا الله‘ (مز 46: 10)“.[21]
التغرب عن الحياة الأبدية
ويُؤكِّد العلامة أوريجينوس على نفس المعنى مُشِيرًا إلى أن أيّ أحد لا يعرف أبا ربنا يسوع المسيح، الإله الحقيقيّ وحده، وابنه يسوع المسيح، فهو غريب عن الحياة الأبدية كالتالي:
”هل تود أن تعرف أنه لا أحد يملك الحياة الأبدية سوى مَن يؤمن بالمسيح فقط؟ إذًا، لتسمع صوت المخلِّص نفسه يقولها بوضوحٍ في الأناجيل: ’وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته‘ (يو 17: 3). لذلك فأيّ أحد لم يعرف أبا ربّنا يسوع المسيح، الإله الوحيد الحقيقيّ، وابنه يسوع المسيح، فهو غريب عن الحياة الأبدية . بلا شك، هذه المعرفة ذاتها وهذا الإيمان يُوصَفان في هذا النص بالحياة الأبدية. إذًا، المكانة الأولى تخص المسيحيين الذين ستُعطَى لهم الحياة الأبدية؛ لأنهم يطلبون المجد والكرامة وعدم الفساد بالجهاد في الأعمال الصالحة. وهذه بالتأكيد نفس الحياة الأبدية التي تقول: ’أنا هو الطريق والحق والحياة‘ (يو 14: 6). لكن في المسيح، الذي هو الحياة الأبدية، يوجد الملء الكامل للصالحات (كو 1: 19)“.[22]
الحياة الأبدية الخيرالأسمى
ويُشدِّد العلامة أوريجينوس على أن الحياة الأبدية هي الخير الأسمى، وأن هذه الحياة الأبدية هي أن يعرف الناس الإله الحقيقيّ وحده وابنه يسوع المسيح كالتالي:
”لكن تأمل الآن مَن يُدافِع عن حق الله، ومَن هو فيلسوف بحسب المسيح، الذي هو حق الله وحكمة الله (1كو 1: 24؛ يو 14: 6)، كيف يعلم الناس أن الخير الأسمى هو الحياة الأبدية. فضلاً عن ذلك، هذه هي الحياة الأبدية أن يعرف الناس الإله الحقيقيّ وحده وابنه يسوع المسيح (يو 17: 3)“.[23]
ق. غريغوريوس العجائبي
غاية البشر التشبه بالله
يُشِير ق. غريغوريوس العجائبيّ إلى أن غايتنا النهائية نحن البشر تكمن في التشبُّه بالله بنقاء العقل، وأن ندنو منه ونخلد فيه قائلاً:
”أعتقد أن غايتنا النهائية تكمن في التشبُّه بالله بنقاء العقل، وأن ندنو منه، ونخلد [أو نسكن] فيه“.[24]
التأله غاية الإنسان النهائية
يرى ق. غريغوريوس العجائبيّ أيضًا أن فضيلة الألوهة بحسب القدماء هي نفسها فضيلة البشر، فإذَا اكتسبت الروح مهارة تأمل ذاتها كما في مرآة، ورؤية ذاتها كانعكاس للعقل الإلهيّ، وحافظت دومًا على كرامة هذه المشاركة، تُصبِح قادرةً على سلوك الدرب غير الموصوف، درب التألُّه قائلاً:
”أصاب القدماء في اعتبارهم، أن في تلك الوصية، تعبيرًا عن الدور الخاص للفطنة البشرية، لأن فضيلة الألوهة (وبحسب رأيهم) هي نفسها فضيلة البشر. فإذَا ما اكتسبت الروح مهارة تأمُّل ذاتها كما في مرآة، ورؤية ذاتها كانعكاس للعقل الإلهيّ، وحافظت دومًا على كرامة هذه المشاركة، تُصبِح قادرةً على سلوك الدرب غير الموصوف، درب التألُّه“.[25]
فهل التألُّه والتشبُّه بالله يكون في مكان ماديّ جغرافيّ محدَّد الأبعاد كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق بالأمور الروحية والعالم الروحانيّ غير الماديّ؟!
ق. ميثوديوس الأوليمبي
الرؤيا الإلهية الطوباوية
يُؤكِّد ق. ميثوديوس الأوليمبيّ على أننا سوف ننال الفهم الدقيق والكامل لما يتعلق بالثالوث القدوس، الذي فيه تنمو أمنا وتتهلَّل، وتبتهج حتى تعود إلى الحياة الجديدة، عندما تأتي إلى الجماعة في السماء، حيث تُشاهِد أهيه، الله الكائن، مُباشرةً وبوضوحٍ في المسيح دائمًا كالتالي:
”وألف ومئتان وستون يومًا، التي نقضيها هنا أيتها العذارى، هي الفهم الدقيقو الكامل فيما يختص بالآب والابن والروح القدس، والذي فيه تنمو أمنا وتتهلَّل، وتبتهج خلال هذا الوقت؛ حتى تعود إلى الحياة الجديدة، عندما تأتي إلى الجماعة في السماء، حيث لا تعود تُفكِّر في ’أهيه‘ (خر 3: 14) من خلال وسائل المعرفة الإنسانية، لكنها تُشاهِده مُباشرةً وبوضوحٍ في المسيح دائمًا“.[26]
مظاهر الحياة الملائكية في السماء
يُوضِّح ق. ميثوديوس مظاهر الحياة الملائكية السمائية في الملكوت، حيث يرى أنها تخلو من الأمور، التي تبدو عظيمة على الأرض، ولكنها ضئيلة جدًا هناك، مثل: الثروة، والمجد، والزواج، والإنجاب. فهؤلاء الذين يحلقون عاليًا نحو السماء، إلى جوٍ طاهرٍ، يحلقون إلى الحياة التي تُشبِه حياة الملائكة، ويُتوِّجهم الربّ بأكاليل زهور الخلود، وتستقبلهم الملائكة بالفرح كالتالي:
”لكن أولئك الذين بأجنحةٍ خفيفةٍ يرتفعون إلى الحياة السماوية، ويرون من بعيد ما يعجز الآخرون عن رؤيته – مروج الخلود – حاملين كثير من زهور الجمال الذي لا يُدرِكه العقل، يُحوِّلون أنفسهم مرةً أخرى إلى المناظر هناك. ولهذا السبب، فإن هذه الأشياء التي تُعتبَر عظيمةً هنا، تبدو لهم ضئيلةً جدًا، كالثروة، والمجد، والزواج، والإنجاب؛ فلا يعودوا يُفكِّرون في مثل هذه الأمور. […] والآن ليس صحيحًا، أن أجنحة البتولية بطبيعتها تنجذب نحو الأرض، بل تُحلِّق عاليًا إلى السماء، إلى جوٍ طاهرٍ، إلى الحياة التي تُشبِه حياة الملائكة. وأيضًا بعد دعوتهم ورحيلهم – أولئك الذين بحقٍ وإيمانٍ جاهدوا كبتوليين من أجل المسيح – يحملون جائزة الانتصار، ويُتوِّجهم الربّ بأكاليل زهور الخلود. لأنه بمُجرَّد رحيل أرواحهم عن هذا العالم، يُقَال إن الملائكة تستقبلهم بالفرح، وتُوصِّلهم إلى المروج السابق الحديث عنها، والتي كانوا يشتاقون إلى المجيء إليها، مُفكِّرين فيها من بعيد، عندما كانوا يسكنون أجسادهم بدت سماوية أمامهم“.[27]
ق. ديونيسيوس الإسكندري
الانفصال عن الله أعظم عقاب للبشرية
يرى ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، بطريرك الإسكندرية ومُعلِّم المسكونة، أن ترك الإنسان بلا عناية وبلا افتقاد من الله هو أعظم عقاب لذنوبه الجسيمة قائلاً:
”أن يُترَك [الإنسان] بلا عناية وبلا افتقاد من الله، وأن نصير يتامى ومتروكين، فهذا هو أعظم عقاب لذنوبنا الجسيمة التي تجعلنا غرباء في الحال“.[28]
الفصل الخامس: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم آباء القرن الرابع
سوف نفحص في هذا الجزء الإشارات إلى طبيعة وماهية الملكوت والجحيم في تعاليم آباء الكنيسة في القرن الرابع، أو آباء العصر الذهبيّ، كما يُطلَق عليهم في الأوساط اللاهوتية الأكاديمية.
ق. أثناسيوس الرسولي
الملكوت الداخلي
يرى ق. أثناسيوس أن ملكوت المسيح وسيادته قد تحقَّقت فينا، فهو يرى أن الملكوت قد تحقَّق فينا في داخلنا بسكنى الله داخلنا بالروح القدس، فهل سُّكنى الله بداخلنا هو سكنى مادية جغرافية مُحدَّدة الأبعاد؟! حيث يقول التالي:
”إذًا، فبطرس بالأحرى – ما كان يقصد بهذه الكلمات أن جوهر الكلمة مخلوق؛ لأنه يعرف أنه ابن الله، إذ أنه قد اعترف قائلاً: ’أنت هو المسيح ابن الله الحيّ‘ (مت 16: 16)، ولكنه يقصد بها ملكوته وسيادته التي تحقَّقت وصارت فينا بحسب النعمة“.[29]
الملكوت رفعة والجحيم تدني
يُشِير ق. أثناسيوس إلى أن الملكوت هو رفعة وتمجيد وارتفاع لنا، بينما الجحيم هو رقاد وموت تحت الأرض، فالمعنى هو الملكوت هو ارتفاع وتمجيد، والجحيم هو تدني وتذلل كالتالي:
”فلو لم يكن الرب قد صار إنسانًا، لما كان في وسعنا أن نُفتَدى ونتحرَّر من الخطيئة، وأن نقوم من بين الأموات، بل لبقينا أمواتًا تحت الأرض، ولما كنا لنُرفَع ونُمجَّد إلى السماء، بل لرقدنا في الجحيم“.[30]
ق. أنطونيوس الكبير
الامتلاء بالروح وجسد القيامة الروحاني
يرى ق. أنطونيوس أن الجسد يتطهَّر ويأخذ ملء الروح وينال نصيبًا من الجسد الروحاني العتيد أن يكون في قيامة الأبرار كالتالي:
”النتيجة تغيير وتجلي الجسد، وبذلك يتغيَّر الجسد كله ويتجدَّد ويصبح تحت سلطان الروح. وأعتقد أنه عندما يتطهَّر كل الجسد ويأخذ ملء الروح، فإنه بذلك يكون قد نال بعض النصيب من ذلك الجسد الروحانيّ العتيد أن يكون في قيامة الأبرار“.[31]
حلول اللاهوت في البشر
يُشِير ق. أنطونيوس إلى حالة الأبرار سواء هنا على الأرض أو في السماء بعد حلول اللاهوت فيهم قائلاً:
”هؤلاء يحلُّ فيهم اللاهوت، ويُغذِّي نفوسهم بالفرح، وهذا الفرح يغني النفس، ويجعلها تنمو كثيرًا. لأنه كما أن الأشجار لا تنمو إنْ لم تشرب من الماء، هكذا أيضًا النفس فهي لا تستطيع أن تنمو وتصعد إلى العلاء، إنْ لم تقبل الفرح السماويّ. ومِن بين الذين يقبلون الفرح السماويّ، فهناك قليلون يُعلِن الله لهم الأسرار التي في السماء، ويُرِيهم مواضعهم السماوية بينما هم لا يزالون في الجسد. ويكون لهم دالة أمامه، ويُعطِيهم كل ما يطلبونه“.[32]
ق. كيرلس الأورشليمي
حالة الملكوت والجحيم
يُفرِّق ق. كيرلس الأورشليميّ بين حالتي الملكوت والجحيم، حيث يرى أن القيامة عامةٌ للجميع، ولكنها ليست متشابهة للجميع، فالجميع يستلم أجسادًا أبديةً، لكنها ليست متشابهةً. فالبعض يتقبلها خلال الأبدية مرتبطين بجوقات الملائكة، وأمَّا الأشرار فيتقبلونها لاحتمال عذابات خطاياهم كالتالي:
”ومع أن القيامة عامةٌ للجميع، لكنها ليست مُتشابِهةً بالنسبة للجميع. يستلم الجميع أجسادًا أبديةً، لكنها ليست مُتشابِهةً. فالبعض يتقبلها خلال الأبدية مُرتبِطين بجوقات الملائكة، وأمَّا الأشرار فيتقبلونها لاحتمال عذابات خطاياهم“.[33]
المسيح هو الملكوت والجحيم
ويرى ق. كيرلس الأورشليميّ أن المسيح سيأتي في مجيئه الثاني مثل النار الممحصة، وسيجلس ممحصًا ومنقيًا قائلاً:
”أمَّا عن مجيئه الثاني فيقول: ’وملاك العهد الذي تسرون به هوذا يأتي قال الربُّ القادر على كل شيء. ومَن يحتمل يوم مجيئه؟! ومَن يثبُت عند ظهوره؟! لأنه يأتي مثل نار الممحص، ومثل أسنان القصار، وسيجلس ممحصًا ومنقيًا‘. بعد هذا يقول المخلِّص نفسه: ’واقترب إليكم للحكم، وأكون شاهدًا سريعًا على السحرة، وعلى الفاسقين، وعلى الحالفين لاسمي زورًا …‘ (مل 3: 5). لهذا السبب يُحذِّرنا بولس قائلاً: ’إنْ كان أحدٌ يبني على هذا ذهبًا، فضةً، حجارةً كريمةً، خشبًا، عشبًا، قشًا، فعمل كل واحدٍ سيصير ظاهرًا، لأن اليوم سيُبيِّنه، لأنه بنارٍ يُستعلَن‘ (1كو 3: 12، 13)“.[34]
ويُوضِّح ق. كيرلس الأورشليميّ أن المسيح نفسه هو الملكوت والجحيم في سياق تصويره لمجيء الرب من السماء على السحاب، حيث هتاف الأبواق الملائكية، وقيامة الأموات في المسيح، واختطاف الأبرار أولاً إلى السماء لينالوا جزاء أعمالهم الصالحة أفضل من الكرامة البشرية، بينما يكون مجيء المسيح نفسه مُخيفًا مثل النار لاختبار عمل كل أحد، فلو وجده ذهبًا فيلمع، ولو وجدته قشًا فيحترق بالنار كالتالي:
”لنتطلع إلى مجيء الربِّ من السماء على السحاب ونترقبه، ستُصوِّت الأبواق الملائكية، حينئذٍ ’الأموات في المسيح سيقومون أولاً‘ (1تس 4: 16). وسيُختطَف الأبرار الصالحون إلى السماء لينالوا جزاء أعمالهم الصالحة أفضل من الكرامة البشرية. […] مُخيفٌ هو مجيء مُخلِّصنا، إذ يقول داود: ’يأتي إلهنا ولا يصمت، نارٌ قدامه تأكل وحوله عاصفٌ جدًا‘ (مز 50: 3 لآساف). يأتي ابن الإنسان للآب كما يقول الكتاب الذي قُرِأ ’على سحاب السماء‘ وبالقرب منه ’نهر نار‘ (دا 7: 10)، لاختبار أعمال كل أحدٍ. فإنْ وُجِدَت ذهبًا تلمع، وإنْ كانت قشًا تحترق بالنار“.[35]
ق. يوحنا ذهبي الفم
حالة الملكوت والجحيم
يصف ق. يوحنا ذهبيّ الفم في سياق مدحه لمدى محبة بولس الرسول للربِّ يسوع المسيح، كيف يرى بولس الرسول أن فقدان محبة المسيح هي جُهنم، والعذاب، وأن سعادته الحقيقية هي في الحصول على هذه المحبة، فهذا هو الملكوت بالنسبة له قائلاً:
”فإنه [بولس الرسول] كان يملك في ذاته أغنى الكنوز، محبة المسيح: مع هذه المحبة كان يَعدُّ نفسه أسعد كل البشر، بدون هذه المحبة لم يكن يطمح إلى أن يكون له مقام في مصفِّ السيادات والرئاسات والقوات؛ […] لم يكن في نظره إلا عقوبة واحدة: فقدان هذه المحبة. هذا هو جُهنم، هذا هو العذاب، هذه هي الشدائد التي لا يُحصَى لها عدد؛ كما أن سعادته العظمى هي الحصول على هذه المحبة: هذا هو الحياة، هذا هو العالم بأسره، هذا هو نصيب الملائكة، وهذا هو الحاضر، هذا هو المستقبل، هذا هو هو الملكوت، هذا هو الموعد، هذا هو فيض الخير“.[36]
الحالة النفسية المأساوية في الجحيم
ويستطرد ذهبيّ الفم في نفس السياق مُؤكِّدًا على الحالة النفسية المأساوية التي يُعانِي منها الذين هم في الجحيم قائلاً:
”كيف ستكون الحالة النفسية التي لأولئك عندما يرون أن هناك مَن سيُؤخَذ بعيدًا بكرامةٍ كبيرةٍ، بينما الآخرون سيُترَكون في خزي كبير؟ صدقوني، إنه من غير الممكن أن أعرض للألم الذي سيكون بالكلام. هل رأيتم أناسًا يأخذونهم لكي يُقدِّموهم للموت؟ كيف تتصوَّرون حالتهم النفسية، عندما يسيرون في الطريق المؤدي إلى النار؟ ألا يكون لديهم الاستعداد لتحمُّل أنواع الآلام غير المقبولة لديهم، حتى يتخلصوا من تلك الظلمة؟ لقد سمعت كثيرين من هؤلاء، أنه بسبب محبة الملك للبشر، بعدما أخذوهم، أرجعوهم ثانيةً، فوصفوا حالتهم، وقالوا إنهم لم يكونوا يرون البشر كبشر، بل إن نفوسهم كانت مُضطرِبةً وهائجةً. […] لأنه حتى وإنْ لم يكن هناك جهنم، فكوننا نُلقَى بعيدًا عن هذا البهاء، وهذا المجد، وأن نبقى بلا كرامة، أفلا يُعدّ هذا عقاب لا حدود له؟“.[37]
الجحيم هو الانفصال عن الله
ويُشدِّد ذهبيّ الفم على نفس الأمر في موضع آخر، حيث يرى أن الجحيم هو حالة الانفصال عن الله، وهي حالة نفسية قاسية مأساوية جدًا، للأسف يستهين بها البعض في أيامنا هذه عن جهل وعمى روحيّ شديد، وكأنهم يستهينون بهذه الحالة القاسية التي لا تضاهيها أية حالة قاسية أخرى هنا في هذه الحياة قائلاً:
”وحتى إنْ لم يوجد هناك جحيم، فيجب أن نُفكِّر كم سيكون العقاب عظيمًا عندما تُطرَد بعيدًا عن الله وتذهب مُهانًا من أمامه. فإنْ كان أولئك الذين لا يرون نور الشمس يحيون حياةً أكثر مرارةً من الموت، فينبغي علينا نحن أن نُفكِّر فيما سنُعانِي منه إذَا ما حُرِمنا من النور الحقيقيّ؟ ولأيّ سبب نحيا ونتنفس ونُوجد، عندما لا نرى الله؟ فإنْ كان واحد من الذين تربوا هنا من بين العائلات الغنية، إذَا حُبِسَ في السجن، فإنه سيَعتبر رائحة السجن الكريهة والظلام الذي يوجد فيه، لهو أمرٌ أسوأ من الموت. تأمل ماذا سيكون عندما نحترق هناك مع أشرار المسكونة كلها بدون أن نراهم أو يروننا، مُتخيلين أننا بمفردنا، برغم من وجودنا بين هذا الحشد الكبير. الظلمة وغياب النور سوف لا يجعلنا نُميِّز أولئك الذين سوف يوجدون بالقرب منَّا، لكن كُل واحد سيكون له انطباع خاص به وسيُعانِي بمفرده“.[38]
الحرمان من المسيح أعظم جحيم
وهكذا يرى ذهبيّ الفم أن الأسوأ من الكل هو حرمان المؤمن من مجد المسيح، فإنْ كان الجحيم وجُهنم غير محتملين بالطبع، ولكن إنْ أضفت آلاف الجحيمات، لن تستطيع أن تُعبِّر عن كم هو مُرعِب أن يفقد الإنسان مجد المسيح، ويبتعد عن المسيح، ويشيح المسيح بوجهه الحلو عنَّا، وعيونه الجميلة لا تطيق أن ترانا كالتالي:
”إن بولس، الذي يعرف كُل الأمور الحسنة، لطالما يقول إن الأسوأ من الكُل هو أن يُحرَم المؤمن من مجد المسيح. هذا ما سنعرفه حقًا عندما نبتلي بهذه المصيبة. بالتأكيد، نحن نطلب من ابن الله الوحيد ألا نُعانِي أبدًا من مثل هذه الكارثة، وألا نذوق هذا العقاب الذي لا يستطيع الخاطئ أن يهرب منه. الجحيم وجُهنم هما غير مُحتمَلين بالتأكيد، ولكن إنْ أضفت آلاف الجحيمات، لن تستطيع أن تُعبِّر عن كم هو مُرعِبٌ أن يفقد الإنسان مجد المسيح، وتبتعد عن المسيح، وتسمع من فمه عبارة: ’لست أعرِفكمُ‘ (مت 21: 52)، ونُدَان بأننا رأيناه جوعانًا ولم نُعطِه ليأكل. أن تسقط فوق رؤوسنا آلاف الصواعق، أفضل، من أن يشيح المسيح بوجهه الحلو عنَّا، وعيونه الجميلة لا تطيق أن ترانا“.[39]
ق. باسيليوس الكبير
حالة الفرح وحالة الفزع
يتحدَّث ق. باسيليوس الكبير عن الفرق بين الأبرار الذين يمكنهم الاقتراب من النور الحقيقيّ أي الله، بعد الكشف عن أمورهم المخفية، والأشرار الذين يعيشون حالة من الرعب والفزع برؤية خطاياهم وأفعالهم الشائنة التي في نفوسهم من خلال ذاكرة النفس الباقية للأبد كالتالي:
”طوبى للإنسان الذي عندما يأتي الرب في يوم دينونته العادلة، ويثير خفايا الظلام، ويُظهِر أفكار القلوب، هذا سيجرؤ على الوقوف تحت نور فاحص القلوب وسيأتي دون خجل، لأنه يحمل ضميرًا نقيًا وخاليًا من الأعمال الشريرة. لأن أولئك الذين فعلوا السيئات سيقومون، لكي يُدانوا ويخجلوا ناظرين للأفعال الشائنة التي في نفوسهم، وآثار خطاياهم التي ارتكبوها، وربما الأفعال الشائنة هي أكثر رعبًا وفزعًا من الظلمة والنار الأبدية، التي مزمع أن يكون فيها الخطاة معًا إلى الأبد، وستكون آثار خطاياهم التي ارتكبوها بالجسد أمام أعينهم على الدوام، والتي تبقى في ذاكرة النفس إلى الأبد كصبغة لا يمكن إزالتها. إن قليلين هم الذين سيمكنهم الاقتراب من النور الحقيقي، وسيُكشَفون أمامه، وبعد كشف الأمور المخفية، لن يأتوا بوجوه مخزية“.[40]
المسيح هو الملكوت والجحيم
يُشِير ق. باسيليوس إلى أن الربَّ هو الملكوت والجحيم، ومنه تخرج قوتان للنار، القوة الحارقة التي تحرق الشيطان وملائكته والأشرار، والقوة المنيرة المشرِقة التي تُعطَى للأبرار قائلاً:
”إن صوت الربِّ يقطع الاستمرار الطبيعيّ للنار ووحدة هذه النار. بالرغم من أنه من الواضح، وفقًا للمنطق الإنسانيّ، أن النار لا تتجزأ، ولا تتفرق، لكن بأمر الربِّ تنقطع وتتفرق. أعتقد أن هذه هي النار المعدَّة لعقاب الشيطان وملائكته، فالنار تنقطع بصوت الربِّ. حتى أن هناك قوتين للنار، القوة الحارقة، والقوة المنيرة المشرِقة، الأولى تُلهِب وتحرق، وتستمر قوة النار العقابية لأولئك الذين يستحقون أن يُحرقوا، أمَّا القوة المنيرة والمشرِقة، فهي تُعطَى للأبرار كميراث لأجل فرح ومسرة أولئك الذين سيبتهجون. إذًا، ’صوت الربِّ يقطع لهيب النار‘، وتتفرق، حتى أن نار الجحيم تُصبِح ظلامًا، وأمَّا في موضع الراحة، فالنور لا يحرق“.[41]
ق. غريغوريوس النزينزي
الملكوت نور والجحيم ظلام
يُوضِّح ق. غريغوريوس النزينزيّ أيضًا الفرق بين الملكوت وهو نور للمطهَّرين في أذهانهم، حيث يتحدَّث عن حالة ذهنية، وكذلك مُعاينة الله لكل واحد على قدر طهارته، والجحيم والعقاب هما حالة الظلام عن الحق، والتغرُّب عن الله والعمى كالتالي:
”فآمن أنت يا هذا بالقيامة والدينونة والمجازاة العادلة من عند الله. وأفهم هذه المجازاة على أنها نور للمطهَّرين في أذهانهم، أعني أنهم سيرون الله، وسيعرفونه كل واحد على قدر الطهارة التي هو فيها، وهو ما نُسمِّيه الملكوت السماويّ، وأفهم أيضًا أن العقاب إنما هو ظلمة للذين عموا وضلوا عن جدة الحق والصواب، أيّ تغرُّب عن الله هو بنسبة ما عندنا هنا من العمى“.[42]
المسيح هو الملكوت والجحيم
ويُميِّز النزينزيّ بين الملكوت والجحيم بإعطاء مثال الشمس التي تُعطِي ضوءًا للنظر السليم وليس للأعين المريضة، فليس العيب في الشمس، بل في حالة العين، هكذا المسيح الواحد هو نفسه الملكوت والجحيم في نفس الوقت، لأنه عند مجيئه الثاني ”يُمثِّل عثرةً وقيامةً: عثرةٌ لغير المؤمن، وقيامةٌ للمؤمن“.[43]
ويُؤكِّد النزينزيّ على نفس الفكرة في موضع آخر، حيث يرى أن المسيح، أقنوم الكلمة، هو مُخيفٌ بطبيعته لكل مَن هم بطبيعتهم غير مُستحقين، ولكنه بمحبته للبشر، أهَّل الذين استعدوا بالتنقية، وطردوا الأرواح المادية الشريرة من نفوسهم وزيَّنوها بالمعرفة الصافية، أهَّلهم أن يكونوا مواضع سُكنى له كالتالي:
”إن الكلمة المسيح مُخيف بطبيعته لكُل مَن هم بطبيعتهم غير مُستحقين، لكنه، بمحبته للبشر، أهَّل الذين استعدوا بالتنقية، وطردوا الأرواح المادية الشريرة من نفوسهم، وزيَّنوها بالمعرفة الصافية، أهَّلهم أن يكونوا مواضع سُّكنى له“.[44]
ق. غريغوريوس النيسي
دحض مكانية الملكوت أو الجحيم
ينفي ق. غريغوريوس النيسيّ على لسان أخته ق. ماكرينا أن تكون حالة النفس بعد حياة الجسد في مكان، لأن الوجود في المكان هو من خصائص الأجساد فقط، بينما النفس غير مُقيَّدة بمكان كالتالي:
”ماكرينا: وطالما أن الاعتراض لا يهز عقيدتنا الأساسية فيما يتعلق بوجود النفس بعد الحياة في الجسد، فإن حديثنا لن يدخل في جدل حول المكان، لأننا نتمسك بأن الوجود في مكان هو من خصائص الأجساد فقط، ولأن النفس ليست بجسم، فهي بحكم طبيعتها غير مُقيَّدة على كل حال بأيّ مكان“.[45]
ويصف النيسيّ حضن ابراهيم في مثل الغني ولعازر، والذي يُعتبر أحد مسميات الملكوت، على أنه الحالة الجيدة للنفس على لسان أخته ق. ماكرينا قائلاً:
”ماكرينا: لهذا السبب يبدو لي أن الحالة الجيدة للنفس التي يشير الكتاب المقدَّس إليها بحضن إبراهيم هي راحة تُعطَى إلى الرياضي الذي يصبر طويلاً“.[46]
طبيعة الملكوت والجحيم – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الفصل السادس: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم آباء القرن الخامس
سوف نستعرض في هذا الجزء من بحثنا الإشارات إلى طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم آباء القرن الخامس، وهل فهموا طبيعة الملكوت والجحيم أنها حالة ذهنية نفسية أم مكان ماديّ جغرافيّ؟
ق. كيرلس الإسكندري
المسيح هو الملكوت والجحيم
يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن المسيح نفسه هو الملكوت والجحيم، فهو الحياة الأبدية، الذي يُحِيي أولئك المؤمنين به، إذ هو نفسه الحياة بالطبيعة ويسكن فيهم بالإيمان، أمَّا غير المؤمن فسوف يقوم بحسب ناموس القيامة العام، لكنه لن يرى حياةً، فلن يُنعِم أبدًا حتى بمُجرَّد رؤيا حياة القديسين، ولن يلمس غبطتهم، بل يبقى محرومًا من تذوق حياتهم الطوباوية، لأنه هذه هي الحياة بالحقيقة، لكن بقاء المرء في عقتبٍ لهو أكثر مرارةً من كل موت، وإذ تكون نفسه حبيسةً الجسد فقط لتُعانِي الآلام كالتالي:
”لأن الابن الوحيد هو بالطبيعة الحياة، ’لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد‘ (أع 17: 28)، لكنه يحلُّ فينا بالتأكيد من خلال الإيمان ويسكن فينا بالروح القدس، وسيشهد الطوباويّ يوحنا الإنجيليّ قائلاً في رسائله: ’بهذا نعرف أننا نثبُت فيه وهو فينا: أنه قد أعطانا من روحه‘ (1يو 4: 13)، إذًا، فالمسيح سيحيي أولئك الذين يؤمنون به، إذ هو نفسه الحياة بالطبيعة، وهو يسكن فيهم. […] وبما أنه بالإيمان به يدخل ذاك الذي هو الحياة بالطبيعة فينا، كيف لا يكون صادقًا بقوله: ’الذي يؤمن بالابن له حياةً أبديةً‘؟ أي أن الابن ذاته، ولا آخر سواه هو الذي نعرف أنه هو الحياة. […] لأنه يقول عن المؤمن أنه سينال ’حياةً أبديةً‘، أمَّا عن الذي لا يؤمن، فإن للكلمة مغزى آخر مختلفًا، لأنه لم يقل أنه لن ينال حياةً، بل سيقوم بواسطة ناموس القيامة العام، لكنه يقول عنه إنه لن يرى حياةً، أي أنه لن ينعم أبدًا حتى بمُجرَّد رؤية حياة القديسين، ولن يلمس غبطتهم، بل يبقى محرومًا من تذوق حياتهم الطوباوية، لأنه هذه هي الحياة الحقيقية، لكن بقاء المرء في عقابٍ لهو أكثر مرارةً من كل موت، وإذ تكون نفسه حبيسة الجسد فقط لتعانِي الآلام. […] ألا يجدر بنا هنا أيضًا أن نقول أنه يشير إلى حياة القديسين؟ لكني أظن أن هذا جليّ أمام الجميع، لأنه في الواقع لم يحث البعض على ترك الشرّ، حتى ينالوا قيامة الجسد بعد الموت، لأنهم سيقومون ثانيةً حتى إنْ لم يكفوا عن الشرّ، بل أنه يحضُّهم بالأحرى على طلب تلك الحياة، حيث يرون أيامًا صالحةً على الدوام، ويقضون حياةً لا تنتهي في غبطةٍ ومجدٍ“.[47]
رمزية مثل الغني ولعازر
ويرى ق. كيرلس أن مثل الغني ولعازر هو مُجرَّد مثل مطروح بصورةٍ أدبيةٍ جميلةٍ، وقد ذكر الربُّ هذا الأمر كمُجرَّد مثال لكي يجعل حديثه مفهومًا، رافضًا رفضًا تامًا حدوث الدينونة قبل نزول المسيح من السماء، وقبل حدوث قيامة الأموات، وقبل حدوث الدينونة والمجازاة عن الأعمال كالتالي:
”يقول الكتاب المقدَّس إن الدينونة سوف تصير بعد قيامة الأموات. لكن القيامة لن تحدث، لو لم يأت المسيح أولاً إلينا، مُحاطًا بمجد الآب مع الملائكة القديسين. […] إذًا، طالما لم ينزل ديَّان الجميع بعد من السماء، ولم تصر بعد قيامة الأموات، بالتالي، كيف لا يكون سخيفًا أن نُفكِّر بأن المجازاة صارت بالفعل للبعض سواء كانوا أشرارًا أم صالحين؟ أمَّا كل ما يقوله المسيح عن الغني ولعازر، فهو مُجرَّد مَثل مطروح بصورةٍ أدبيةٍ جميلةٍ. حسنًا يقول المثل – كما يذكر تقليد العبرانيين – إن لعازر كان وقتذاك يعيش في أورشليم، حيث كان يُعانِي فقرًا مدقعًا ومرض. وقد ذكر الربُّ هذا الأمر، آخذًا إياه كمثال لكي يجعل حديثه مفهومًا. وبالتالي، طالما لم ينزل بعد المسيح مُخلِّص الكل من السماء، ولا صارت القيامة، ولا نال البعض مُجازاةً عن أعمالهم، بل كما مِن صورةٍ، يشير إلى مثلٍ لغنيٍ بحياة الرفاهية وبلا رحمة، وآخر فقيرٍ مملوءٍ من الأمراض؛ لكي يُدرِك أولئك الأغنياء على الأرض بأنه إنْ لم يريدوا أن يكونوا نافعين ورحومين ومُحِبين للشركة، وإنْ لم يُظهِروا استعدادهم أن يُعضِّدوا الفقراء المحتاجين، فلسوف يسقطون في دينونةٍ مُخيفةٍ ورهيبةٍ لا مفر منها“.[48]
الفرق بين الملكوت والجحيم
يتحدَّث ق. كيرلس أيضًا في تفسيره لمثل الغني ولعازر عن الفرق بين الملكوت المدعو في المثل بحضن إبراهيم، والجحيم الذي هو حالة العذاب والخزي والظلمة كالتالي:
”وهو يقول إنَّ لعازر حملته الملائكة القديسون إلى حضن إبراهيم، أمَّا عن الغني فيقول إنه مات ودُفِنَ، لأنه بالنسبة لذلك الغني الذي أظهر نفسه قاسيًا وعديم الرحمة، فإن الانفصال عن الجسد هو موت. فقد خرج من التنعُّم إلى العذاب، ومن المجد إلى الخزي، ومن النور إلى الظلمة. هذه هي الأشياء التي كان على الغني أن يُعانِيها، وهو الذي كان شهوانيًا وبخيلاً وغير ميَّال للرحمة. وما كان يُعذِّبه أكثر وهو في الجحيم أنه رأى لعازر في حضن إبراهيم“.[49]
ق. مكاريوس الكبير
حالة النفس بعد الموت والقيامة
يُشِير ق. مكاريوس الكبير إلى حالة النفس بعد الموت والقيامة واتحادها بالجسد مرةً أخرى قائلاً:
”فلقد ألبسهم الرب ثياب مملكة النور الذي لا يُعبَّر عنه: ثياب إيمانٍ ورجاءٍ وفرحٍ وسلامٍ وصلاحٍ ولطفٍ (غلا 5: 22، 23) وكل ما يتبعها من الثياب الإلهية الحية، ثياب نورٍ وحياةٍ وراحةٍ لا يُنطَق بها، حتى كما أن الله محبة وفرح وسلام ولطف وصلاح، هكذا يصير الإنسان الجديد أيضًا بالنعمة. وكما أن الخطيئة ومملكة الظلمة كلتيهما مخفيتان في النفس حتى يوم القيامة، حيث يتغطى جسد الخطأة هو أيضًا بالظلمة المخفية في النفس منذ الآن؛ كذلك أيضًا مملكة النور والصورة السماوية، أيّ يسوع المسيح، يُنِير النفس سرًا منذ الآن، ويملك داخل نفوس القديسين. ورغم أنه مخفي عن أعين الناس، إلا أنه – أعني المسيح – يُرَى بالحقيقة بأعين النفس فقط، وذلك حتى يوم القيامة، حيث يتغطى الجسد هو أيضًا بنور الرب ويتمجَّد به، ذلك النور الكائن منذ الآن في نفس الإنسان، حتى يملك الجسد هو أيضًا مع النفس التي منذ الآن قد نالت ملكوت المسيح واستراحت في النور الأبديّ واستنارت به. فالمجد لرأفاته وشفقته، لأنه يرحم عبيده وينيرهم ويُنقِذهم من مملكة الظلمة وينعم عليهم بنوره الخاص وبملكوته الخاص، له المجد والسلطان إلى الدهور، أمين“.[50]
ق. إيسيذوروس الفرمي
حالة النفس بعد الموت
ويُؤكِّد ق. إيسيذوروس الفرميّ على حالة النفس في الحياة الأبدية، مُشِيرًا إلى أن الملكوت والجحيم هما حالة وليس مكان كالتالي:
”وأنت بالتأكيد تسأل عن الحالة التي ستكون عليها النفس هناك، وبأيّ طريقة تُحفَظ. أنا أقول لك: تلك التي عاشت في الفضيلة، سوف تنقاد إلى قيامة الحياة، بينما تلك التي عاشت في الشر، سوف تنقاد إلى النار الأبدية (أنظر مت ٢٥: ٤٦)“.[51]
مار أوغريس البنطي
الملكوت الداخلي
ويُشِير مار أوغريس البنطيّ، أحد آباء الرهبنة المصرية العظام، إلى أن ملكوت السماء هو التأمُّل في الكائنات، وإنه موجودٌ في داخلنا، وهكذا لو كان داخلنا مشغولاً بالشياطين، فهذا ما يُعبِّر عنه الكتاب المقدَّس باحتلال الفلسطينين لأرض الموعد قائلاً:
”إذَا كان ملكوت السماء هو التأمل في الكائنات، وإذَا كان الأول طبقًا لأقوال ربّنا هو في داخلنا، وكان داخلنا مشغولاً بالشياطين، فإنه لذلك يُقَال بالصواب إن الفلسطينيين يحتلون أرض الموعد“.[52]
ويرى مار أوغريس أن ملكوت الله هو الروح القدس الذي يأتي ويسكن فينا، وذلك في سياق تفسيره لطلبة الصلاة الربانية ”ليأت ملكوتك“ قائلاً: ”ملكوت الله هو الروح القدس، ونحن نُصلِي لكي ينزل علينا“.[53]
الجحيم حرمان من تأمل الله
بينما يرى مار أوغريس أن الجحيم أو الهاوية هي جهل الطبيعة العاقلة بسبب حرمانها من التأمُّل في الله قائلاً:
”الهاوية [الجحيم] (أم 30: 16) هي جهل الطبيعة العاقلة الناجم عن الحرمان من التأمُّل في الله“.[54]
كما يرى أن النار هي رذيلة الطبيعة العاقلة المدمِّرة لفضائل الله قائلاً: ”النار (أم 30: 16) هي رذيلة الطبيعة العاقلة المدمِّرة لفضائل الله“.[55]
أوغسطينوس أسقف هيبو
حالة الملكوت والجحيم
يُؤكِّد أوغسطينوس على أن الملكوت والحياة الأبدية هي حالة مُعاينة ورؤيا الله التي لا تُمنَح للأشرار كالتالي:
”والآن هذه هي الحياة الأبدية أي تلك المعاينة التي لا تخص الأشرار […] وما هي الحياة الأبدية سوى هذه الرؤيا التي لا تُمنَح للفجار“.[56]
الفصل السابع: طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم آباء ما بعد خلقيدونية
سوف نستعرض في هذا الجزء الإشارات إلى طبيعة وماهية الملكوت والجحيم في تعاليم آباء ما بعد مجمع خلقيدونية 451.
ق. ساويروس الأنطاكي
العالم الروحاني غير المادي
يُشِير ق. ساويروس الأنطاكيّ إلى خلق الله للعالم العلويّ الروحانيّ غير الماديّ، ويقصد بذلك عالم الملائكة قائلاً:
”إذ هو كاملٌ في كل شيء بطبعه، مُظهِرًا جوده بطريقةٍ فائقةٍ تسمو فوق الكُل، وحينما سُرَّ بذلك، خلق العالم العلويّ والروحانيّ، أعني الملائكة ورؤساء الملائكة الروحانيين غير الماديين، أراد أن يُشرِكها في السعادة وفي النعيم الفائق العظمة الذي ينبع منه بوفرةٍ بسبب سخائه للذين يملكون فيض النعمة حتى يمتلئوا بالنور الباهر الذي ينبثق منه كما من ينبوع، فيُمجِّدونه بغير انقطاعٍ دون أن يشبعوا مُطلقًا بتسابيح سمائية وترانيم البهجة، كما يقول النبي في المزامير: ’هلم نُرنِّم للربّ نهتف لصخرة خلاصنا. نتقدَّم أمامه بحمدٍ وبترنيماتٍ نهتف له‘ (مز 95: 1، 2)، لأنه بالحقيقة عيد ووليمة دائمة أن نُسبِّح الله دون توقف“.[57]
الطبيعة الروحية للعالم السماوي
ويستطرد ق. ساويروس مُؤكِّدًا على الطبيعة الروحانية للعالم السماويّ، ومُفرِّقًا بينه وبين العالم الحسيّ المنظور قائلاً:
”ولمَّا كانت هذه الآفاق بعيدةٌ جدًا ومُنفصِلةٌ، أعني العالم الروحانيّ والعالم المنظور، ولا يوجد بينهما اختلاط أو شركة، فقد خلق [الله] الإنسان بفعلٍ عجيبٍ ووضعه بين الاثنين. […] هكذا يُذكِّر الإنسان حقًا بالعالم المنظور بجسده، وبالعالم غير الماديّ وغير المنظور بروحه؛ وبرؤيته ذاك ’العالم المنظور‘ بعين الروح، يكتشف حكمة الخالق الظاهرة في كُل منهما، ويشعر بالفرح والتهليل، عند تفكيره في أنه يسكن على الأرض مثل ملاك آخر، فيكون في نفس الوقت منظورًا وغير منظور، ويظهر في ذاته أكثر من الملائكة بالعقل الذي لا يمكن فحصه الذي لله الحكيم وحده“.[58]
الأب يوحنا السينائي السلمي
حالة النفس بعد الموت
يصف الأب يوحنا السينائيّ، المعروف بـ ”السلميّ“، حالة النفس بعد انفصالها عن الجسد، حيث يُؤكِّد على أن العقول التي كانت نحو العلويات تصعد إلى العلاء جزئيًا، أمَّا الذين يفتكرون في السفليات، فإلى أسفل ينحطون كالتالي:
”إن الذين عقولهم نحو العلويات، بعد انفصال النفس من الجسد يصعدون إلى العلاء جزئيًا، أمَّا الذين يفتكرون في السفليات، فإلي أسفل ينحطون؛ إذ لا يوجد [بين الاثنين] مكان متوسط. من بين جميع خلائق الله، تُحقِّق النفس [البشرية] وحدها كيانها في شيء آخر وليس في ذاتها؛ وإنه لعجيب حقًا، كيف تستطيع أن تحيا خارج ذاك الذي فيه اقتبلت وجودها“.[59]
مار إسحاق السرياني
حالة الملكوت والجحيم
يُشدِّد مار إسحاق السريانيّ على أن الملكوت والجحيم هما حالتان ليس بينهما حالة متوسطة كالتالي:
”في عملية الفصل التي ستتمُّ في المستقبل، لا توجد حالة مُتوسطة ما بين الحالة الأسمى تمامًا، والحالة المنخفِضة تمامًا. فالإنسان إما أنه يصير بكامله من نصيب الذين يسكنون في الأعالي، أو يصير بكامله من نصيب الذين هم أسفل، غير أنه توجد درجات مُتفاوتة من المجازاة داخل كل حالة من الحالتين على حدة“.[60]
مار يوحنا سابا الدلياتي
الملكوت الداخلي
يرى مار يوحنا سابا الدلياتيّ أن الملكوت هو في داخلنا، داحضًا بذلك فكرة أن الملكوت هو مكانٌ ماديّ جغرافيّ مُحدَّد الأبعاد قائلاً:
”بلد النقي النفس هو في داخله، والشمس التي تشرق فيه هي نور الثالوث القدوس. والهواء الذي يتنفسه سكانه هو الروح القدس، الباراقليط. والديريون الذين يعيشون معه هم الجموع المقدَّسة الروحانية. وحياتهم وبلدهم وفرحهم وابتهاجهم هو المسيح ضياء الآب. وذلك المتوحِّد يبتهج برؤية نفسه كل حين، وبجمالها يتعجب، ويفوق حسنه مائة ضعف جمال الشمس. تلك هي أورشليم، وذلك هو ملكوت الله اللذان هما مختبئان في داخلنا (لو 17: 21)، على حد ما يقول ربّنا. هذا هو بلد غمامة مجد الله: أنقياء القلوب فقط (مت 5: 8) يدخلون لرؤية وجه ربّهم، ولكي تستضيء أذهانهم بأشعة نوره“.[61]
جهنم الداخلي
يرى مار يوحنا سابا الدلياتيّ أن مَن آمن يبتهج فلبه بالربّ ويتخلَّص من المبغض، ومَن لا يؤمن فليحتمل جهنمه الداخليّ كما يحبّ. ويُشِير إلى العالم الروحانيّ الذي يسكن فيه الروحانيون، ويعلم لهم الروح في عالمهم الروحانيّ أسراره قائلاً:
”هذه الأمور أراني إياها الربّ بنعمته، أنا النجس أكثر من أيّ بشريّ. وأَذِنَ ليّ أن أكتب. فمَّن سمع وآمن يبتهج قلبه بالربّ، ويتخلَّص من المبغِض. ومَن لا يؤمن فليحتمل جهنمه داخله كما يحبّ. […] بل طوبى له لما هو مزمع أن ينال عطايا من الربّ عوضًا عن ضيقه، هذه العطايا التي ليس لي أن أتكلَّم عليها هاهنا. بل لا يستطيع لابسُ جسد أن يُترجِم أسرار الروح ولا الروحانيون كذلك، في العالم المحسوس. الروح وحده يستطيع أن يُوضِّح لنا أسراره في عالمنا وللروحانيين في عالمهم. لكن الروحانيين، بموجب روحانيتهم، يستطيعون توضيح الأسرار في عالمهم، مثل عالمهم الممجَّد والعجيب الجمالات، الذي نستحقه كُلنا بنعمة المسيح ابن الله، آمين“.[62]
جحيم النفس
ويُشِير الدلياتيّ إلى جحيم النفس المخفيّ داخلها، لأنها حرمت نفسها من التطويبات بفعل هواها الشرير، وهكذا جعلت بينها وبين الملكوت في داخلها سورًا مُظلِمًا قائلاً:
”وأقول بإيجاز إن الصلاة المستديمة هي تسبحة القلب أو النظر المحدِّق في الله والاندهاش به. إنها فعل الساجدين الحقيقيين بالروح، الذين يحبهم الربّ مثل كلمة حياة الكلّ. الويل للنفس التي حرمت ذاتها من تلك التطويبات بفعل هواها الشرّير، ولم تتأكَّد من هاهنا، من مكان انتقالها، ولم يناغ فيها الروح بأسراره القدوسة وتقديس الروحانيين، وأعمت ذاتها بذاتها لكي لا ترى جمال طبعها. تلك هي التي فيها الجحيم مخفيّ، وجعلت بينها وبين الملكوت في داخلها سورًا مُظلِمًا. ومَن ذلك الذي أغلق الباب في وجهك لكي لا ترين وجه ربّك. إن مفاتيح ملكوته وضعها في يديك وأعطاك السلطان للأخذ والفتح، لإغناء نفسك وإغناء الآخرين“.[63]
الأب مكسيموس المعترف
المسيح هو الملكوت والجحيم
يرى الأب مكسيموس المعترف أن المسيح هو الملكوت؛ لأنه الوارث، ولأنه ينفذ من خلال الشركة إلى كل الأشياء قائلاً:
”كلمة الله دُعِيَ الباب (يو 10: 9) لأنه يقود هؤلاء الذين لا تشوبهم شائبةً في الحياة النسكية، […] لأنه هو نفسه الطريق، والباب، والمفتاح، والملكوت. […] وهو الملكوت لأنه الوارث، ولأنه يدخل من خلال الشركة إلى كل الأشياء“.[64]
ملكوت الثالوث في النفس
ويستطرد الأب مكسيموس المعترف مُؤكِّدًا على أن الملكوت هو ملكوت الثالوث القدوس في النفس الإنسانية، حيث يكون لها النصيب العظيم في الملكوت الموجود بالأساس في الله الآب للجميع، ويصبح الذكاء في النفس مسكنًا شفافًا للروح القدس، وينال الإمكانية الكاملة لمعرفة الطبيعة الإلهية على قدر الإمكان قائلاً:
”يحث الذكاء، الممنوح طبيعيًا قداسة الصورة الإلهية، النفس أن تُطابِق ذاتها باختيارها الحر مع المثال الإلهيّ، فتصير بهذه الطريقة قادرةً على يكون لها نصيب في الملكوت العظيم الموجود بالأساس في الله الآب للكُل، ويصبح [الذكاء] مسكنًا شفافًا للروح القدس، آخذًا – إذَا كان يمكن التعبير بهذه الطريقة – الإمكانية الكاملة لمعرفة الطبيعة الإلهية على قدر ما يكون هذا مُمكنًا“.[65]
الأب يوحنا الدمشقي
الملكوت مكان عقلاني
يُؤكِّد الدمشقيّ على أن الملكوت هو مكان عقلانيّ غير محصور حصرًا جسمانيًا، وذلك في سياق وصفه لمكان وحالة الملائكة التي سوف نكون عليها نحن البشر في الأبدية، لأننا سنكون كملائكة السماء في الحالة عينها قائلاً:
”ولأنهم [الملائكة] عقول، فهم في أمكنة عقلانية أيضًا، غير محصورين حصرًا جسمانيًا. ومن اقتضاء طبيعتهم أن لا يكون لهم شكلٌ جسمانيّ ولا أن يمتدوا في الأنحاء الثلاث، بل أن يحضروا حضورًا عقلانيًا، ويعملوا حيثما يؤمرون دون أن يستطيعوا في آنٍ واحدٍ أن يكونوا ويعملوا هنا وهنالك“.[66]
حالة البشر في الأبدية
ويصف الأب يوحنا الدمشقيّ الحالة الملائكية التي سوف تكون حالتنا كبشر في الأبدية قائلاً:
”إن الله وحده الذي صنعهم يعلم هذا، لأنه يعرف كل شيء. وهم يختلف بعضهم عن بعض بالإنارة والمقام، لحصولهم على المقام نظرًا للإنارة، أو على الإنارة نظرًا للمقام. وهم ينيرون بعضهم بعضًا لسمو رتبتهم أو طبيعتهم، لأنه واضحٌ أن المتفوقين منهم يُشرِكون مَن هم دونهم بالضياء والمعرفة. […] إنه لصعب تحرُّكهم نحو الشرّ، وليسوا بغير متحركين إليه إطلاقًا. وهم لا يتحركون إليه الآن، لا من طبيعتهم، بل بالنعمة وبثباتهم في الخير الوحيد. وهم يرون الله على قدر استطاعتهم. وبهذا يقوم طعامهم. إنهم يتفوقون علينا بصفتهم خالين من الجسد ومن كل انفعال جسمانيّ. ولكنهم ليسوا بدون انفعال البتة، لأن الإله وحده لا ينفعل. وإنهم يُغيِّرون شكلهم تلبيةً لما يأمرهم به الله سيدهم وعلى هذا النحو يتراءون للبشر ويكشفون لهم الأسرار الإلهية. وهم يعيشون في السماء وعملهم الواحد هو تسبيح الله وخدمة مشيئته الإلهية“.[67]
الأب سمعان اللاهوتي الحديث
المسيح هو الملكوت والجحيم
يرى الأب سمعان اللاهوتيّ الحديث أن المسيح نفسه هو الملكوت بالنسبة للأبرار والجحيم بالنسبة للخطأة، فنحن عندما نخطئ ننفصل عن كنيسة القديسين، ونُحرَم بسبب الخطيئة من ثوبنا الإلهيّ، الذي هو المسيح نفسه، الذي نؤمن به، والذي نرتديه كثوبٍ عند معموديتنا، وهكذا نكون قد حُرِمنا من الحياة الأبدية، ذلك النور الذي لا يخبو، والأشياء الطيبة الأبدية، التقديس والبنوة، وبعدما صرنا سماويين مشابهين آدم الثاني، ربّنا يسوع المسيح، في كل شيء، أصبحنا أرضيين ثانيةً كما كان آدم الأول، وليس هذا فقط، ولكننا أصبحنا الآن أيضًا مُدَانين حتى الموت، فننحدر إلى الظلمة والنار الجهنمية بألمٍ كبيرٍ وأنينٍ عظيمٍ وصرير الأسنان، وهذا لأننا لم نُنف من فردوسٍ طبيعيّ، كما كان الحال مع آدم، ولم نُدَن لنحرث الأرض كما كان هو، ولكننا نطرد أنفسنا من ملكوت السموات، ومن تلك الخيرات الأبدية، ونصير مُدَانين للذهاب إلى العذاب قائلاً:
”تمامًا مثلما طُرِدَ آدم بعد التعدي من الفردوس، من تلك الوفرة والشركة التي كانت له مع الملائكة، وابتعد بنفسه عن الله، هكذا نحن أيضًا، عندما نخطئ ننفصل عن كنيسة القديسين، ونُحرَم بسبب الخطيئة من ثوبنا الإلهيّ، الذي هو المسيح نفسه، الذي نؤمن به، والذي نرتديه كثوبٍ عند معموديتنا، وهكذا نكون قد حُرِمنا من الحياة الأبدية، ذلك النور الذي لا يخبو، والأشياء الطيبة الأبدية، التقديس والبنوة، وبعدما صرنا سماويين مشابهين آدم الثاني، ربّنا يسوع المسيح، في كل شيء، أصبحنا أرضيين ثانيةً كما كان آدم الأول، وليس هذا فقط، ولكننا أصبحنا الآن أيضًا مُدَانين حتى الموت، فننحدر إلى الظلمة والنار الجهنمية بألمٍ كبيرٍ وأنينٍ عظيمٍ وصرير الأسنان، وهذا لأننا لم نُنف من فردوسٍ طبيعيّ، كما كان الحال مع آدم، ولم نُدَن لنحرث الأرض كما كان هو، ولكننا نطرد أنفسنا من ملكوت السموات، ومن تلك الخيرات ’التي لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، وما على قلب بشرٍ خَطَرَتْ‘ (1كو 2: 9)، ونصير مُدَانين للذهاب إلى العذاب“.[68]
حالة الملكوت والجحيم
ويدحض الأب سمعان اللاهوتيّ الحديث فكرة أن الملكوت أو الجحيم مكانٌ، مُؤكِّدًا على أن الله بإحسانه العظيم، بعد نزوله إلى الجحيم ورفعه لأبوينا الأولين، آدم وحواء، لم يضعهما ثانيةً في ذلك الفردوس الذي نُفِيَا منه، ولكنه بالحري رفعهما إلى سماء السماء كالتالي:
”لو أن جدَّينا تابا عندئذٍ، عندما كانا ما يزالان في الفردوس، فإنهما كانا سيأخذان الفردوس فقط ولا شيء أكثر، حيث أنهما قد نُفِيَا منه لعدم توبتهما. ولكن فيما بعد تابا وبكيا كثيرًا وعانيا الألم والعرق والتعب، ولهذا أراد الربُّ الإله أن يُكرِّمهما ويُمجِّدهما ويجعلهما ينسيان تلك الأشياء الشريرة كلها التي عانيا منها. وماذا عمل؟ فلتفتكر بإحسانه العظيم. بعد نزوله إلى الجحيم ورفعهما، لم يضعهما ثانيةً في ذلك الفردوس الذي نُفِيَا منه، ولكنه بالأحرى رفعهما إلى سماء السماء. وعندما جلس ربنا يسوع المسيح عن يمين الله الآب الأزليّ – تأمل في هذا الآن – بأيّ مجد وشرف مجَّد آدم [البشرية]، الذي كان بالطبيعة عبده وبالنعمة أباه؟ هل ترى إلى أيّ سمو رفعة المسيح ربنا؟ ولكن الله المحِب لم يُشرِّف آدم ويُمجِّده وحده فقط، بل نحن أيضًا أبناءه، ذلك يعني، أولئك الذين قلَّدوا توبته ودموعه ومراثيه […]. والله يُتابِع إلى هذا اليوم، كما فعل لآدم، في تمجيد وتكريم أولئك الذين يتوبون كما يجب، ويفعلون ما فعله آدم“.[69]
الأب غريغوريوس بالاماس
ماهية الملكوت والجحيم
يرى الأب غريغوريوس بالاماس أنه في هذه القيامة العامة، ستكون نعمة الثالوث الإلهية هواء ونور الدهر الآتيّ. لكنها ستكون هي ذاتها نورًا للقديسين، ونارًا للخطأة. حيث يُعلِّق بالاماس على قول يوحنا المعمدان: ”هو سيُعمِّدكم بالروح القدس ونار“ (مت 3: 11)، قائلاً إنه يعني به ”الإستنارة وعذاب الجحيم، بحيث أن كل واحدٍ سيأخذ ما يُناسِب حالته“.[70] فهؤلاء الذين لم يعرفوا الله كنورٍ، يقول بالاماس، مستندًا إلى قول ق. غريغوريوس اللاهوتيّ،[71] ولم يؤمنوا به: ”سيعاينونه مثل نار“. لكن هذه النار تملأها ظلماتٌ، تُطابِق الظلمات ”المعدَّة لإبليس وملائكته“. وهكذا، يقول الأب بالاماس في هذا الصدد:
”على هذا المنوال، يتراءى الله اليوم لمَّن تطهَّروا بالحب، ولكن سيأتي يوم سيتراءى فيه لهم ’وجهًا لوجه‘ كما قيل في (1كو 13: 12). إن الذين لا يؤمنون بأن الله يتراءى كنور فائق النور، لعدم خبرتهم بالإلهيات وعدم معاينتهم لها، الذين يؤمنون بأن العقل وحده يستطيع أن يُعاينه، هم مثل عميان يتلقون دفء الشمس فقط، ولكن لا يُصدِّقون، مَن يُبصِرون بهاءها أيضًا. وإذَا عمدوا، فوق ذلك، إلى تعليم المبصِرين بقولهم إن الشمس ليست نورًا، بينما هي الشيء الحسيّ الأكثر نورًا، فالذين لهم عيون حسية سوف لا يسعهم إلا أن يسخروا بهم. والقوم الذين تذكرهم يكادون يكونون في مثل هذا الوضع عينه بالنسبة ’لشمس البرّ‘ (ملا 4: 2) الفائق العالم. فسيندب حظهم، ليس فقط الذين يملكون حقًا البصر العقليّ، بل وأيضًا مَن يثقون بهؤلاء المبصِرين. إن الله، لفائض محبته لنا، وهو المتعالِي عل كل شيء وغير المدرَك، والفائق الوصف، يرضى أن يُشرِك عقلنا به، وأن يُرى بنحوٍ غير مرئيّ، في عزته الفائقة الجوهر والممتنعة الانفصال، ولكن هؤلاء لا يُقابِلون بالمحبة تلك المحبة الجلية والمعقولة في ذاتها. بل أكثر من ذلك، إنهم لا يُرِيدون أن يقتدوا بالقديسين الذين، بدافع محبتهم للناس، يقودونهم بأقوالهم نحو ذلك النور، بل يعزمون بإدعاء كليّ على اجتذاب مَن يثقون بالقديسين ليجعلوهم رفاقًا لهم عندما ’يعاينون مثل نار، حسب قول غريغوريوس اللاهوتيّ، مَن لم يعرفوه كنور‘، ومَن لم يؤمنوا به. ولكن هذه النار تملأها الظلمات، بل تُطابِق الظلمات التي تُهدِّدنا تلك ”المعدَّة لإبليس وملائكته“ حسب قول الربّ (مت 25: 14). فهذه الظلمات ليست بالتالي مُجرَّد ظلمات حسية، لأنها مُعدَّة للملائكة الأشرار عديمي الإحساس، كما أنها ليست مُجرَّد جهل، لأن الذين يقنعهم اليوم ورثة هذه الظلمات لن يجهلوا الله أكثر ما يجهلونه الآن. بل سيعرفونه بصورةٍ أفضل، لأنه قيل: ’كل جسد سيشهد أن يسوع هو الربّ لمجد الله الآب‘ (في 2: 11). آمين. فهذا النور، إذًا، ليس حسيًا بكل معنى الكلمة، وليس هو معرفة ما دامت الظلمات التي تُقابِله ليست جهلاً. فإذَا كان هذا النور، مع كُونه ليس بمعرفة، يُؤتي معرفة أسرار الله معرفةً روحيةً خفيةً، فإن بواكيره التي يُعاينها منذ الآن مَن طهَّروا قلوبهم لا يمكن أن تكون معرفة فقط، ولكنها مع ذلك تُؤتيهم معرفة توافقهم: إنها نور معقول وعقليّ، بل نور روحيّ. إنها حاضرة ومرئية روحيًا، تتسامى كل السمو على كُل معرفة وكُل فضيلة، ووحدها تُؤتي المسيحيين الكمال الذي يستطيعون الوصول إليه منذ هذا الدهر، والذي لا ينجم عن اقنفاء الآخرين، أو عن عمل عاقل، بل نتيجة كشف ونعمة من الروح“.[72]
الأب مرقس الأفسسي
نار جهنم غير المخلوقة
يرى الأب مرقس الأفسسيّ إنه في المواضع التي تُذكَر فيها النار في الكتاب المقدَّس والنصوص الآبائية، يكون المقصود بها نار جهنم الأبدية التي هي في الواقع غير مخلوقة. لا يتعلَّق الأمر بشيءٍ مخلوقٍ، أو واقعٍ مخلوقٍ، ولكن بعمل الله الذي يُختبَر كنارٍ من قِبَل أولئك الذين لم يتمّ شفاؤهم.
يُؤكِّد الأب مرقس الأفسسيّ في عظته الأولى أنه: ”لو وُجِدَ أيّ ذكر للنار في هذه الصلوات والتسابيح، فهي ليست نارًا مُؤقتةً ذات قوة مُطهِّرة، ولكنها بالأحرى نار أبدية وعقاب لانهائيّ، ويُصلِي القديسون لكي يخلُص منها أولئك الذين رحلوا في الإيمان“.[73] هذه النار المذكورة في نصوص الكنيسة ليست نارًا مُؤقتةً، ولكنها نار أبدية. يُشِير الأب مرقس الأفسسيّ إلى نص ق. غريغوريوس اللاهوتيّ قائلاً: ”إنه يقول إن هذه النار ليست مُؤقتةً وعابرةً، ولكنها مُستدِيمةً وأكثر إيلامًا“.[74]
دحض مادية نار جهنم
ليست نار جهنم، إذًا، هي نارٌ ماديةٌ ومخلوقةٌ، ولكنها غير مخلوقة. ويقول الأب مرقس الأفسسيّ إن النور بالنسبة للمستحِق هو رؤية الله. وبلا شك هذا النور هو مجد الله غير المخلوق. يربط أيضًا الأفسسيّ النور غير المخلوق بنار جهنم. فيقول إن النار الأبدية ليست نارًا ماديةً ”حيث إنها نور لأولئك المستحِقين رؤيتها“. وهو إذ يُحلِّل هذا المنظور يُؤكِّد على أن قديسي الكنيسة يأخذون النار الأبدية والعقاب اللانهائيّ ”بطريقةٍ مجازيةٍ“. فهي مسألة مجازية لأن نور الأبرار هو نور غير ماديّ، كما أن نار الخطأة ليست نارًا مخلوقةً ولا ماديةً. فهما حقيقتان واقعتان وحالتان حقيقيتان، ولكنهما ليسا كالحالات التي نعرفها من عالم الحواس. يستخدم الكتاب المقدَّس العديد من الصور ليصف حالة المعاقَبين مثل النار، والدود، والثعابين، وصرير الأسنان. تُعبِّر كل هذه عن حقائق أخرى. يعني القديسون بالنار الجهل بالله. ”لا يجب أن نظن أن هذه النار هنالك هي نارٌ ماديةٌ، ولا أن الظلمة الخارجية هي شيء آخر غير الجهل بالله“.
حالة الملكوت والجحيم
إننا بلا شك عندما نتحدَّث عن الجهل بالله نعني عدم الشركة فيه، طالما أننا نُدرِك أن الخطأة سوف يرون الله. بمعنى أنهم سوف يرون الله، ولكنهم لن يشتركوا فيه، وسيكونون جُهال به. إن معرفة الله في التقليد الأرثوذكسيّ هي الاشتراك فيه. تُشِير الدودة أو بعض السلالات من الزواحف السامة آكلة اللحوم إلى عذاب الأشرار بواسطة ضميرهم وندمهم المرير. يعني صرير الأسنان نفس الشيء بالضبط، أي أنه يُشِير إلى الحزن والغضب والنحيب المرّ الذي لأولئك الذين هم في صراع مع أنفسهم.[75] مِن الواضح، إذًا، أنه عندما يتحدَّث التقليد الكنسيّ عن النار، فإنه يقصد النار الأبدية غير المخلوقة. وهذا يعني أن الأمر لا يتعلَّق بنارٍ مطهريةٍ مُؤقتةٍ، ولكن باختبار نعمة الله غير المخلوقة كنارٍ بسبب نجاسة المرء. وهذا هو بعينه السبب الذي يجعل وجود نار المطهر، كما في فكر اللاتين، مستحيلاً.
وهكذا يتبع الأب مرقس الأفسسيّ بأمانةٍ تعليم أبيه غريغوريوس بالاماس، الذي ”كان يرى كُل المناقشات حول النار والنور في إطار التألُّه، الذي يُختبَر كرؤيةٍ لنور الله غير المخلوق“. أي أن السماء والجحيم، اللتين يتكلَّم عليهما الكتاب المقدَّس، ”هما أمكنة نسبية تنتج عن اللقاء الإسخاتولوچيّ للمخلوق مع القوى غير المخلوقة. في مواجهة الأبدية، نور الله الواحد هو نفسه سيُنِير وسيحرق، وبين خبرة هذين القطبين هناك هوة عظيمة، لا يمكن لأحد عبورها (لو 16: 19-31)“.[76]
وبحسب هذا اللاهوت، يتكلَّم الأب مرقس الأفسسيّ قائلاً إن أنفس القديسين الراقدين، تسكن ”بالإيمان“ في الروح القدس كمكانٍ مُنيرٍ، وهي تختبر هذا المكان المنير كمعاينةٍ نقيةٍ [ثيؤريا]، ومباركةٍ لله. إنهم يحيون في تألق النور الإلهيّ، كوجهٍ يومض داخل أرضيةٍ ذهبيةٍ لأيقونة. إنهم في راحةٍ تامةٍ، أحرارٌ في السماء مع الملائكة وهم بقرب الله نفسه، إنهم حقًا في الفردوس من حيث سقط آدم. تكلَّم عن هذا النور، كسكنٍ في الروح القدس، الكتاب المقدَّس وآباء الكنيسة. في لاهوت الإنجيليّ يوحنا، النور هو هذا المكان المقدَّس الذي ينيره حضور الروح القدس، وهو يُشكِّل النقطة الرئيسية في لاهوت ق. باسيليوس الكبير.[77] ويُؤكِّد الأب يوحنا الدمشقيّ هذا الواقع بقوله: ”إن مكان الله هو المكان حيث قوى الله حاضرة […] إنه ذاك [المكان] الذي يشترك في قوى الله ونعمته“.[78] يذكر الأب مرقس الأفسسيّ أيضًا استشهادًا من ق. غريغوريوس اللاهوتيّ، يتكلَّم فيه على الأبرار أنهم يتلقون ”النور الذي لا يُوصَف، ومعاينة الثالوث القدوس، وهم يشعون بأكثر ضياءً ونقاوةً“.[79] ويقترح الأب مرقس الأفسسيّ أن تلك الحالة المباركة يمكن أن تُدعَى: ”معاينة الله، أو الاشتراك والشركة مع الله، أو ملكوت السموات“.[80]
الأب نيقولا كاباسيلاس
الجحيم خسارة الأبدية
يصف الأب نيقولا كاباسيلاس حالة الجحيم بأنه خسارة الغبطة الأبدية، والسُّكنى في العالم الذي لا يموت في شقاءٍ وموتٍ روحيّ، وعدم التمتُّع بالفرح السماويّ قائلاً:
”أولئك الذين يرحلون عن هذا العالم، بدون أن يتسلَّحوا بالقوى الروحية والمشاعر الضرورية لحياة السماء، سيخسرون الغبطة الأبدية، وسيقطنون العالم الذي لا يموت أشقياءً وأمواتًا روحيًا كما كانوا ووجدوا ساعة رحلوا. لماذا لا يتمتع أولئك بالفرح السماويّ؟ لأنهم كانوا يفتقرون إلى ابصار روحية تُمكِّنهم من رؤية النور الروحيّ، رؤية شمس العدل، رؤية المسيح المشع في كل اتجاه“.[81]
الفرق بين الملكوت والجحيم
يُفرِّق الأب نيقولا كاباسيلاس بين حالة الأبرار في الملكوت، الذي هو رؤية الله، والتمتُّع بالمعية مع المسيح، وبين حالة الأشرار في الجحيم، الذين لا يمكنهم رؤية الله أو الاتحاد به، ولا يمكنهم التمتُّع بجماله، لذا، قد ذهبوا إلى الحياة الأخرى عميان النظر والروح محرومين من معرفة المخلِّص ومحبته، ومحرومين من إرادة الاتحاد به والقدرة على هذا الاتحاد كالتالي:
”إن القيامة هي ترميم الطبيعة. إنها موهبةٌ مجانيةٌ من الله، وكما أنه خلقنا بدون إرادتنا فيقيمنا بدون مساهمتنا. أمَّا ذلك الملكوت، أمَّا رؤية الله، وأن نكون مع المسيح، هذه المتعة للنفس، للذين يحبونه، ويشتاقونه، فالله يحتفظ بها للذين أرادوه واشتاقوه. أمَّا الذين لم يشتاقوه، ولم يريدوه، فكيف يمكنهم أن يروه، أو يتَّحدوا به، ويتمتعوا بجماله، كما يقول السيد: ’لا يستطيع العالم أن يتلقاه لأنه لا يراه ولا يعرفه‘ (يو 14: 17)؟ في الواقع، لقد ذهبوا إلى الحياة الأخرى عميان النظر والروح محرومين من معرفة المخلِّص ومحبته، ومن إرادة الاتحاد به، والقدرة على هذا الاتحاد، فلا نعجبن، إذًا، إذَا كان الكل خالدين، ولكن لا كلهم يتمتعون بالغبطة. الجميع يتمتعون بطبيعة العناية الإلهية، ولكن المكافأة لا تُمنَح إلا للمؤمنين خدام الله، والسبب هو أن الله يريد خلاص الجميع، ويتمنى الخير للكل، ويُعطِي الكل بالسواء ما يُقوِّي الإرادة ويُقوِّم الطبيعة، ولا مجال لرفض خيرات الله التي يمنحنا إياها ونقبلها بالرغم عنَّا“.[82]
دحض مكانية الملكوت والجحيم
ويدحض الأب نيقولا كاباسيلاس فكرة أن الملكوت أو الجحيم مكانٌ، حيث يرى أننا لا يمكننا أن نفهم طبيعة الحياة المستقبلية، ولا حتى القديسون يستطيعون ذلك، وأكثرهم يعترف بعجزه، إنهم يدركون الشيء الذي يعرفونه شعوريًا، ويعرفونه بقلوبهم النقية، ولكنهم لا يستطيعون أن يجدوا التعبير الخاص لهذه الحالة من المعرفة الإلهية، فهذه الحالة تدخل في نطاق العجائب كالتالي:
”لهذه الأسباب، لا يمكننا في الوقت الحاضر أن نفهم طبيعة هذه الحياة. حتى ولا القديسون يستطيعون ذلك وأكثرهم يعترف بعجزه، وإنهم يعرفون رمزيًا كما في مرآة، ولا يستطيعون أن يُعبِّروا بالكلام حتى عن الشيء الذي يعرفونه. إنهم يُدرِكونه شعوريًا ويعرفونه بقلوبهم النقية، ولكنهم لا يستطيعون أن يجدوا التعبير الخاص لهذه الحالة من المعرفة الإلهية. فهذه الحالة تدخل في نطاق العجيبة التي شاهدها بولس في الفردوس عندما اختُطِفَ إلى السماء الثالثة (2كو 12: 4)“.[83]
الفصل الثامن: التأله والحياة الأبدية
نرى آباء الكنيسة يركزون على تأليه الإنسان باعتباره الغاية النهائية للإنسان، فالتألُّه فهو اكتساب الحياة الأبدية التي هي حياة الله، وهي هبة وعطية يمنحها الله للبشرية بمحبته وصلاحه، والتألُّه هو الخلود وحياة عدم الموت وعدم الفساد في شركة ومعية الله، التألُّه هو شركة الطبيعة الإلهية ونعمة التبني لله الآب، التألُّه هو التمتُّع بسُّكنى الروح القدس أقنوميًا فينا، والذي من خلاله نتمتع بشركة الثالوث القدوس، التي هي الغاية النهائية لحياة الإنسان.
ق. يوستينوس الشهيد
التأله غاية الإنسان الأخيرة
يُؤكِّد ق. يوستينوس على أن التألُّه هو غاية الإنسان النهائية، حيث تُعطِينا قوة اللوغوس الخلود وتجعل منَّا نحن البشر آلهةً كالتالي:
”إن قوة الكلمة هذه لا تصنع منَّا شعراءً أو فلاسفةً مُثقَّفين أو خطباءً فُصحاءً، ولكنها تُعطِينا الخلود، وتجعل منَّا نحن البشر آلهةً، وتنقلنا من الأرض إلى أماكن أعلى من [جبال] أولمبوس“.[84]
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
التأله والاشتراك في مجد الله
يرى ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ أن الإنسان مخلوق غير كامل، وغير خالد في طبيعته المائتة، ولكنه كان سيصير إلهًا ويشترك في مجد الله فيما بعد لو أطاع خالقه كالتالي:
”فالذي لم يصر إنسانًا بعد، كيف يمكن أن يكون إلهًا؟ أو كيف يمكن أن يكون كاملاً، هذا الذي لم يُخلَق إلا أخيرًا؟ وكيف يمكن أيضًا أن يكون خالدًا [غير مائت]، هذا الذي وهو في طبيعته المائتة لم يطع خالقه؟ لأنه يجب في البداية أن تمسك برتبة إنسان، ثم بعد ذلك تشترك في مجد الله. لأنك أنت لا تصنع الله، بل الله هو الذي يصنعك. إذًا، فإنْ كُنت صنعة يدي الله، فانتظر يد خالقك التي تخلق كل شيء في حينه، في الحين المناسب بقدر ما يخصك، أنت الذي يجري تنفيذ خلقتك“.[85]
العلامة كليمندس الإسكندري
التأله وحالة اللاهوى
ويُؤكِّد العلامة كليمندس على أن الإنسان عندما يتألَّه بالنقاوة يتحوَّل إلى حالة اللاهوى، فيصير واحدًا. فالذين وفقًا للحياة الغنوسية الحقيقية يضعون الله أمامهم، ويُحضِرون بصورةٍ تدريجيةٍ أنفسهم إلى الله، مُبجِّلين إياه فيكرِّمون أنفسهم، وهكذا يعبد المرء الله في حياة التأمل مصغيًا إليه، فيعاين الله القدوس من خلال تنقية نفسه كالتالي:
”والآن، انتزع المخلِّص الغضب في الشهوة ومعها، الغضب لكونه شهوة الانتقام. لأن الخضوع للمشاعر هو أمرٌ عامٌ يخص كل نوع من الرغبات. والإنسان، عندما يتأله بالنقاوة [يتحوَّل] إلى حالة اللاهوى، فيصير واحدًا. وكما أن أولئك الذين في البحر يكونون ممسكين بالمرساة، ويُسحَبون إلى المرساة. فإن أولئك، الذين وفقًا للحياة الغنوسية، يضعون الله تجاههم، ويُحضِرون أنفسهم بصورةٍ تدريجيةٍ إلى الله، لأن الذي يُبجِّل الله يُكرِّم نفسه. إذًا، في حياة التأمُّل، يعبد المرء الله مُصغِيًا إليه، ومن خلال تنقية نفسه، يُعاين الله القدوس بقداسةٍ. لأن ضبط النفس، بصفتها هذه، تُفكِّر في نفسها بلا انقطاع، وتتمثَّل بالله إلى أقصى حدّ ممكن“.[86]
ق. غريغوريوس العجائبي
التأله غاية الإنسان النهائية
يتحدَّث ق. غريغوريوس العجائبيّ مادحًا العلامة أوريجينوس بأنه رجل قد تجاوز الحالة البشرية متخطيًا في ارتقائه نحو التألُّه، وهكذا يُبيِّن الغاية النهائية لكل إنسان قائلاً:
”أنوي التحدُّث عن رجل يبدو في الظاهر رجلاً، أمَّا هو فبعيون القادرين على تقدير ذاك السمو الذي ارتقت إليه نفسه، قد تجاوز الحالة البشرية مُتخطِيًا إياها إلى حالةٍ أفضل في ارتقائه نحو التألُّه […] سأذكر إذًا ما هو سامٍ في هذا الرجل، وما هو قريب من الألوهة، سأذكر السجايا المحتجزة في الجسم الظاهر والمائت والتي تبذل جهدًا شاقًا للتشبُّه بالله“.[87]
ق. أثناسيوس الرسولي
التأله غاية حياة الإنسان
يُشِير ق. أثناسيوس إلى أن التألُّه هو الغاية النهائية في حياة الإنسان، الذي لَبِسَ الكلمة من أجله جسدًا بشريًا مخلوقًا، لكي بعدما يُجدِّده الكلمة كخالق، فإنه يُؤلِّه هذا الجسد في ذاته، وهكذا يُدخِلنا إلى ملكوت السموات على مثال صورته كالتالي:
”ولذلك، فإن الحق يُوضِّح أن الكلمة لا ينتمي إلى المخلوقات، بل بالحري هو نفسه خالقهم. ولذلك، فقد لَبِسَ الجسد البشريّ المخلوق، لكي بعد أن يُجدِّده كخالق، فإنه يُؤلِّه هذا الجسد في ذاته هو نفسه، وهكذا يُدخِلنا إلى ملكوت السموات على مثال صورته. لأنه ما كان للإنسان أن يتألَّه لو أنه اتَّحد بمخلوقٍ، أو لو أن الابن لم يكن إلهًا حقيقيًا. وما كان للإنسان أن يقف في حضرة الآب، لو لم يكن الذي لَبِسَ الجسد هو بالطبيعة كلمته الحقيقيّ“.[88]
يربط هنا ق. أثناسيوس بين تأليه الإنسان ودخوله إلى ملكوت السموات في حضرة الله الآب، وأن ذلك كان أحد بركات سر تجسُّد الكلمة، وبالتالي، لا يمكن أن تكون حالة التألُّه، ومن ثمَّ، ملكوت السموات، مكانًا ماديًا جغرافيًا مُحدَّد الأبعاد، وخاضع لقوانين الزمان والمكان.
ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي
التأله والانجماع الكلي في المسيح
يُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتيّ“ إلى قصد الله من أجلنا، فقد صار إنسانًا وأفتقر، لكي يُقِيم جسدنا، ويستعيد صورته، ويُعِيد تشكيل الإنسان، حتى نصير جميعًا واحدًا في المسيح، الذي قد صار بالكامل في جميعنا كل ما يكونه هو نفسه، لذا ينبغي أن نُدفَن مع المسيح، ونقوم مع المسيح، ونكون وارثين مع المسيح، ونصير ابناءً لله، بل نصير بالنعمة مثل الله نفسه وليس بالطبيعة قائلاً:
”ليتني أُميت أعضائي التي على الأرض، وأُنفِق كل ما لدي على الروح، سائرًا في الطريق الضيق الذي يدوسه القليلون، وليس في الطريق الرحب والسهل. لأن عواقبه مجيدةٌ وعظيمةٌ، ورجاؤنا أعظم من استحقاقنا. فما هو الإنسان حتى تذكره؟ وما هو هذا السرّ الجديد الذي أتعلق به؟ أنا صغيرٌ وعظيمٌ، متواضعٌ ومرتفعٌ، مائتٌ وخالدٌ، أرضيّ وسماويّ. أنا أشترك في حالة مع العالم السُّفليّ، وفي الأخرى مع الله؛ أحدهما بالجسد والأخرى بالروح. ينبغي أن أُدفَن مع المسيح، وأقوم مع المسيح، وأكون وارثًا مع المسيح، وأصير ابنًا لله، بل مثل الله[89] نفسه. أنظر إلى أين أودت بنا حجتنا في تقدَّمها. أكاد أكون مدينًا بنفسي للواقعة التي ألهمتني بمثل هذه الأفكار، وجعلتني أكثر افتنانًا برحيلي من هنا. هذا هو هدف السرّ العظيم بالنسبة لنا. هذا هو قصد الله من أجلنا، صار إنسانًا وأفتقر، لكي يُقِيم جسدنا، ويستعيد صورته، ويُعِيد تشكيل الإنسان، حتى نصير جميعًا واحدًا في المسيح، الذي قد صار بالكامل في جميعنا كل ما يكونه هو نفسه، حتى لا نكون فيما بعد ذكرًا وأنثى، أوبرابرة، أو سكيثيين، أو عبيدًا، أو أحرارًا، التي هي علامات الجسد، بل لكي نحمل في أنفسنا فقط ختم الله، الذي به ومن أجله خُلِقنا، وقد تلقينا منه حتى الآن صورتنا ومثالنا، الذي نُعرَف به وحده“.[90]
ق. يوحنا ذهبي الفم
التأله والتبني لله الآب
يُميِّز ق. يوحنا ذهبي الفم بين مفهوم التألُّه بالطبيعة الخاص بالله وحده، وبين مفهوم التألُّه بنعمة التبني لله الآب والاتحاد بالله الخاص بالبشر، وبالتالي، يدحض ذهبيّ الفم حجة مُنكِري عقيدة تأليه الإنسان بالنعمة في العصر الحديث، الذين يخلطون بين تألُّه الله بالطبيعة وتأليه الإنسان بالنعمة والاتحاد بالله والتبني لله الآب قائلاً:
”’في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وأنتم فيَّ وأنا فيكم‘ (يو 14: 20). لذلك فالجزء الذي يشير إلى الآب من هذا القول يُؤكِّد على جوهره، بينما ما قاله من جهة الرسل يُشِير إلى اتحادهم مع الله والمعونة التي حصلوا عليها منه. سوف تسألني: مِن فضلك كيف يُعقَل هذا؟ وأنا بدوري أسألك: فكيف أن العكس معقول؟ لأن الفرق بين المسيح وتلاميذه عظيم ولا نهائيّ. وأيضًا لو أن نفس الكلمات استُخدِمَت لكليهما فلا تتعجب من هذا. لأن الكتاب اعتاد مرارًا كثيرة استخدام نفس الكلمات لكُلٌّ من الله والبشر. ولو أنه ليس بنفس المعنى. مثلما دُعِيَنا آلهةً وأبناءً لله (يو 10: 34؛ غلا 3: 26)، فلو أن التعبير استُخدِمَ من جهتنا ومن جهة الله، لكن ليس له نفس الفاعلية لكليهما. علاوة على ذلك، فالابن دُعِيَ صورة الله ومجده، ونحن أيضًا دُعِيَنا هكذا، لكن هناك فرق عظيم، وأيضًا ’أنتم للمسيح والمسيح لله‘ (1كو 3: 23)“.[91]
ق. كيرلس الإسكندري
التأله غاية الإنسان النهائية
يُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ أن التألُّه هو غاية الإنسان النهائية، حيث يصير شريكًا في ملكوت المسيح، وعلى صورة جسد مجده، والإكرام بعطية عدم الفساد والحياة الحقيقية كالتالي:
”فقد أعلن الآب عني إني إله الكون، ولكني لا أضَّن عليكم بمثل هذه الخيرات. فقد أعطيتكم أنتم كبشرٍ ولكم طبيعة العبيد أن تصيروا آلهةً وأبناءً لله، إذ إني أجلكم لامعين بواسطة نعمتي، وتُضِيئون بكراماتٍ تفوق طبيعتكم؛ وقد أدخلتكم إلى شركة ملكوتي، لأجعلكم على صورة جسد مجدي (في 3: 21)، وقد كرَّمتكم بعدم الفساد والحياة الحقيقية، ولكن كل هذا لا يزال موضوع رجاء محفوظ ليتحقَّق في الدهر الآتيّ“.[92]
مار أوغريس البنطي
الآب هو النهاية والنعمة المطلقة
يرى مار أوغريس أن الآب نفسه هو النهاية والنعمة المطلقة. لأننا حين لا نعرف الله بعد في مرآة (1كو 13: 12) ولا من خلال وسطاء، بل نقترب إليه كما إلى الواحد الوحيد، حينئذٍ سنرى النهاية النهائية. لأنهم يقولون إن مملكة المسيح هي كل المعرفة المادية، أمَّا مملكة الله الآب هي التأمل غير الماديّ، وإنْ جاز التعبير، هي التأمُّل في اللاهوت غير المخفَى نفسه قائلاً:
”لأن الآب نفسه هو النهاية والنعمة المطلقة. لأننا حين لا نعرف الله بعد في مرآة (1كو 13: 12) ولا من خلال وسطاء، بل نقترب إليه كما إلى الواحد الوحيد، حينئذٍ سنرى النهاية النهائية. لأنهم يقولون إن مملكة المسيح هي كُل المعرفة المادية، أمَّا مملكة الله الآب هي التأمُّل غير الماديّ، وإنْ جاز التعبير، هي التأمُّل في اللاهوت غير المخفَى نفسه. لكن ربّنا أيضًا، هو النهاية والنعمة المطلقة باعتباره الكلمة. لأنه ماذا يقول في الإنجيل؟ ’وأنا أُقيمه في اليوم الأخير‘ (يو 6: 40)، عانيًا بالقيامة التحوُّل من المعرفة المادية إلى التأمُّل غير الماديّ، ومُسمِّيًا ’اليوم الأخير‘ المعرفة التي لا يوجد بعدها معرفة أخرى. لن تقوم عقولنا وتصعد إلى علو النعمة إلا حين تتأمَّل أقنوم الكلمة على أنه الواحد الوحيد. لأن الآن عقولنا الغليظة مُتعلِّقة بالأرض ومُختلِطة بالخزف، ولا تقدر أن تُثبِّت نفسها في التأمُّل المجرَّد. لذلك فإنها تتفكر في أعمال صانعها مقودة بجمال الأجسام وتتأمل تأثيرها في الوقت الحاليّ. وإذ تنمو في القوة قليلاً قليلاً، ستُصبِح قادرةً أن تدنو من اللاهوت غير المخفَى نفسه“.[93]
الأب مكسيموس المعترف
التأله هو نهاية كل الأزمنة
يُوضِّح المعترف أن التألُّه هو إنجاز ونهاية كل العصور والأزمنة، والنهاية هي الاتحاد في الشخص الذي مُنِحَ الخلاص، بين أصله الحقيقيّ وبين نهايته الحقيقية، ويستلزم هذا الاتحاد تجاوز كل ما هو محدود جوهريًا بالطبيعة، ويحدث هذا التجاوز من خلال القوة القديرة لله العاملة بأسلوب مباشر ولا نهائيّ في الشخص المستحق لهذا التجاوز كالتالي:
”التألُّه، باختصار، هو إنجاز ونهاية كل العصور والأزمنة، وفي كل ما يوجد في غيرهما. هذا الإنجاز وهذه النهاية هي الاتحاد في الشخص الذي مُنِحَ الخلاص، بين أصله الحقيقيّ [الواقعيّ] وبين نهايته الحقيقية. يستلزم الاتحاد تجاوزًا لكل ما هو بالطبيعة محدود جوهريًا ببداية ونهاية. يحدث مثل هذا التجاوز بواسطة القوة القديرة والأكثر من قوية التي لله، العاملة بأسلوبٍ مباشرٍ ولا نهائيّ في الشخص الذي وُجِدَ مستحقًا لهذا التجاوز. يُنعِم عمل هذه القدرة الإلهية بالسرور والفرح الأكثر من فائقين الوصف على الذي قد تمَّ فيه الاتحاد غير المنطوق به، والذي لا يسبر غوره، مع ما هو إلهيّ. وفي طبيعة الأشياء، لا يمكن أن يُفهَم هذا ولا يتمّ تخيُّله ولا يُعبَّر عنه“.[94]
[1] كليمندس الروماني (قديس)، الآباء الرسوليون، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019)، الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس، 19: 4، ص 163.
[2] أغناطيوس الأنطاكي (قديس)، الآباء الرسوليون، ترجمة مجموعة من المترجمين، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019)، الرسالة إلى كنيسة أفسس 11: 1، ص 325.
[3] المرجع السابق، الرسالة إلى بوليكاربوس 2: 3، ص 370.
[4] بوليكاربوس أسقف سميرنا (قديس)، الآباء الرسوليون، ترجمة مجموعة من المترجمين، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019)، الرسالة إلى كنيسة فيلبي 1: 2، ص 382.
[5] الآباء الرسوليون، ترجمة: القس لوقا يوسف وآخرون، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019)، الرسالة إلى ديوجنيتوس 6: 8، ص 433.
[6] الآباء الرسوليون، أناشيد سليمان، ترجمة: أحد رهبان دير أبو مقار، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019)، نشيد 31، ص 493، 494.
[40] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، ٧: ٤، تعليق على مز ٣٤: ٥، ص 228، 229.
[47] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 2: 4، تعليق على (يو 3: 36)، ص 217، 218.
[48] كيرلس الإسكندري (قديس)، ضد الذين يتصورون أن لله هيئةً بشريةً، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2013)، الفصل 16، ص 85، 86.
[49] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة ١١٢، ص 546.
[50] مكاريوس الكبير (قديس)، العظات الخمسون، ترجمة: الراهب يونان المقاري، (وادي النطرون: دير القديس أبو مقار، 2019)، عظة 2: 5، ص 141.
[51] إيسيذوروس الفرمي (قديس)، رسائل القديس إيسيذوروس الفرمي ج1، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، رسالة ٢٦٧ إلى كيرينيوس، ص 233.
[52] أوغريس البنطي (مار)، مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: نيافة الأنبا إيسيذوروس، (وداي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021)، كيفالايا غنوستيكا أو فصول غنوسية 5: 30، ص 210.
[53] المرجع السابق، تعليقات على الصلاة الربانية، ص 559.
[54] المرجع السابق، الفصول من 17-33، تعليقات على سفر الأمثال : 25، ص 566.
[55] المرجع السابق، الفصول من 17-33، تعليقات على سفر الأمثال : 28، ص 566.
[57] ساويروس الأنطاكي (قديس)، سيرة ومقالات القديس ساويروس الأنطاكي، ترجمة: المؤرخ يوسف حبيب، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2017)، مقالة عن الصوم، ص 199.
[59] يوحنا السينائي (أب)، السلم إلى الله، إعداد: المتنيح الأنبا مكاري أسقف شبه جزيرة سيناء، تقديم: الأنبا متاؤس أسقف دير السريان، (وادي النطرون: دير السيدة العذراء مريم السريان، 2009)، الدرجة 26: 106، ص 299.
[64] مكسيموس المعترف (أب)، الفيلوكاليا مج2، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: الأنبا يسطس أسقف ورئيس دير أنبا أنطونيوس، (القاهرة، 2017)، مئتا نص في علم معرفة الله والتدبير الإلهي لتجسد ابن الله إلى طلاسيوس، 2: 69، ص 149.
[72] غريغوريوس بالاماس (أب)، الدفاع عن القديسين الهدوئيين، ترجمة: دير القديس جاورجيوس – دير الحرف، (لبنان: منشورات التراث الآبائي، 1995)، الثلاثية الأولى: 3: 10، ص 83، 84.
[76] Mark Archbishop of Ephesus, Refutation of Purgatory, homily 1, ch. 14, 7 (PO. 15, 58, 12-28 W1); Refutation of Purgatory, homily 2, ch. 4, (PO. 15, 111, 20-30 W2); ch. 23, 7 (147, 9-22); See Nicholas Constas, Mark Eugenikos, La Theologie Byzantine et sa Tradition II, Sous la direction de: Carmelo Conticello & Vassa Conticello, Turnhout Brepols Publishers, 2002, p. 452.
[80] Responses, ch. 1, (PO. 15, 153, 15-17 W3); See Nicholas Constas, Mark Eugenikos, La Theologie Byzantine et sa Tradition II, Sous la direction de: Carmelo Conticello & Vassa Conticello, Turnhout Brepols Publishers, 2002, p. 453.
[81] نيقولا كاباسيلاس (أب)، الحياة في المسيح، ترجمة: البطريرك إلياس الرابع، (لبنان: منشورات تعاونية النور الأرثوذكسية، 2002)، القسم الأول، ص 15.
[90] Gregory of Nazianzus (St.), NPNF207, Trans. by Charles Gordon Browne & James Edward Swallow, Edit. by Philip Schaff, (New York & Michigan: Grand Rapids, MI: CCEL, 1819-1893), Or. 7: 23, Panegyric on his brother Caesarius, p. 490, 491.
[91] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 75، ص 65، 66.
[92] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 15: 9، 10)، ص 281، 282.
[93] أوغريس البنطي (مار)، مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: نيافة الأنبا إيسيذوروس، (وداي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021)، الرسالة عن الإيمان : 23، 24، ص 504.
[94] مكسيموس المعترف (أب)، الفيلوكاليا مج2، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: الأنبا يسطس أسقف ورئيس دير أنبا أنطونيوس، (القاهرة، 2017)، نصوص متنوعة في علم معرفة الله والتدبير الإلهي والفضيلة والرذيلة، 4: 19، ص 231.
سوف نحاول في هذا البحث تسليط الضوء على قضية من أخطر القضايا التي واجهت الكنيسة، وهي قضية التهود، والتهود في معناه البسيط هو الارتداد عن المسيحية إلى الطقوس والعقائد والممارسات اليهودية، وتُعتبر هذه القضية من أخطر القضايا التي واجهت الكنيسة منذ نشأتها وحتى عصرنا هذا.
فلا يوجد عصر من العصور لم يتسلل فيه التهود إلى الكنيسة، ولا يوجد عصر من العصور لم يوجد فيه المتهودون المؤمنون بالأفكار والعقائد اليهودية بشكلٍ مباشرٍ أو بشكلٍ غير مباشر. ويتسلل التهود إلى الكنيسة بطريقة خفية من خلال دراسة الخلفية اليهودية للعهد الجديد من الناحية التاريخية والطقسية والعقائدية، وهذا شيء لا غبار عليه، ولكن عند التوغل في هذه الدراسة لدرجة تصل إلى تفسير العهد الجديد على مقياس العهد القديم فهذا يدق ناقوس الخطر، وينبئ عن انزلاق غير محسوس نحو التهود، وعودة الفكر اليهوديّ مرة أخرى ليسود الكنيسة في ثوبٍ جديدٍ، ويُعتبر هذا من أخطر الأمور على الإيمان المسيحيّ الأرثوذكسيّ، لأن الذين يقومون بذلك يقعون فريسة للتهود دون دراية بدافع دراسة الخلفية اليهودية لنصوص العهد الجديد، فيبدأ هنا الارتداد عن المسيحية للسقوط في هوة التهود.
سوف نستعرض في هذا البحث كيف واجه آباء الكنيسة قضية التهود منذ العصر الرسوليّ وفي القرون الأولى للمسيحية، وسوف نستعرض أهم صور التهود التي رفضها آباء الكنيسة وحاربوها بشدة، وسوف نطرح وجهة نظر آباء الكنيسة حول عقائد وممارسات وطقوس العهد القديم وعلاقتها بعقائد وممارسات وطقوس العهد الجديد.
الآباء الرسوليون
سوف نستعرض في هذا الجزء موقف الآباء الرسوليين من بدع التهود في بداية المسيحية منذ القرن الأول وما بعده، وسوف نرى كيف كانت الكنيسة تنظر إلى الناموس والذبائح اليهودية في العصر الرسوليّ.
رسالة برنابا
إلغاء الذبائح والفرائض الناموسية
يشير كاتب رسالة برنابا إلى رفض الله لكافة الذبائح والمحرقات والتقدمات اليهودية عن طريق أنبيائه، وأنه ألغى كل الأمور الناموسية لكي يكون ناموس ربنا يسوع المسيح الجديد خاليًا من نير الفروض والإجبار كالتالي:
”لأن [الله] أعلن لنا عن طريق كل أنبيائه أنه لا يحتاج ذبائح، ولا محرقات، ولا تقدمات، قائلاً: ’لماذا كثرة ذبائحكم لي؟ يقول الرب. شبعتُ من محرقات الكباش ودهن الحملان، ولا أريد دم العجول والتيوس، ولا أن تأتوا لتظهروا أمامي. لأنه مَنْ طلب هذا من أيديكم؟ لا تسيروا في ساحتى مرةً أخرى. حينما تحملون لي دقيقًا فاخرًا، فهو بلا قيمة لي، وحين تُقدِّمون بخورًا فهو نجس، ولم أعد أحتمل أعياد أول الشهور والسبوت التي لكم‘ (إش 1: 11-13). وهكذا ألغى [الله] كل هذه الأمور، لكي يكون ناموس ربنا يسوع المسيح الجديد حاليًا من نير الإجبار، ولا يقبل تقدمة يُجبَر البشر على تقديمها“.[1]
ولكن بعد ذلك نجد البعض بمنتهى الغرابة ينادي بالإلغاء الجزئيّ للناموس اليهوديّ وفرائضه، وينادون بكل جرأة بأن أحكام الناموس اليهوديّ لازالت قائمة وسارية في المسيحية وعلى الكنيسة المسيحية، يا له من تعليم متهود فاسد!
الرسالة إلى ديوجنيتوس
رفض المعتقدات والحرفية اليهودية
يطلب كاتب الرسالة إلى ديوجنيتوس من المؤمنين المسيحيين ألا يتعلموا أيّ شيء بشأن المعتقدات والتأويلات اليهودية حول الطعام، وأيام السبوت، والختان، والصوم، والأعياد اليهودية، ويطلب منهم الابتعاد عن سخافات اليهود النجسة كالتالي:
”وبالنسبة لأولئك الذين يظنون أنهم يُقدِّمون له ذبائح دموية ورائحة دهن الذبائح، والمحرقات، ويعتقدون أنهم يُكرِّمونه بواسطة هذه التقدمات، فبالنسبة لي، فإن هؤلاء لا يختلفون شيئًا عن أولئك الذين يُقدِّمون هذه الكرامة للأوثان الصماء […] وأكثر من ذلك وسوستهم بخصوص الطعام، ومعتقداتهم بخصوص أيام السبوت، وتباهيهم الباطل بالختان، وزعمهم بخصوص الصوم وأوائل الشهور، فهذه أمور سخيفة، ولا تستحق أيّ حديث، وأنا لا أظن أنك تحتاج إلى أن تتعلَّم مني أيّ شيء من تلك الأمور […] أعتقد الآن، أنك قد تعلَّمت بشكلٍ كافٍ أن المسيحيين هم على حق في ابتعادهم عن سخافات اليهود النجسة هذه، وحرفيتهم الخادعة، وافتخارهم، ولكن بالنسبة لسر عبادتهم الخاصة، فلا تتوقع أن تستطيع تعلُّمها من إنسان“.[2]
ق. أغناطيوس الأنطاكي
رفض التهود والمتهودين
يرفض ق. أغناطيوس الأنطاكيّ التهود بكل أشكاله رفضًا قاطعًا مُستنكرًا أن يتلفظ البعض باسم يسوع المسيح، ولكنهم مازالوا يعيشون ويُفكِّرون كما يعيش ويُفكِّر اليهود، فليست المسيحية هي التي آمنت باليهودية، بل اليهودية بالمسيحية كالتالي:
”اِطرحوا عنكم الخمير الفاسد العتيق، وتحوَّلوا إلى الخمير الجديد الذي هو يسوع المسيح. وليكن هو ملح حياتكم حتى لا يفسد واحدٌ منكم، لأنكم من رائحتكم تُعرَفون. إنه من غير اللائق أن تتلفظ باسم يسوع المسيح، وأنت تعيش كما يعيش اليهود. فليست المسيحية هي التي آمنت باليهودية، بل اليهودية بالمسيحية، التي فيها اجتمع كل إنسان يؤمن بالله“.[3]
الرفض التام للتفاسير اليهودية
يُشدِّد ق. أغناطيوس الأنطاكيّ على مقاطعة أيّ أحد يُفسِّر المسيحية من خلال التفاسير اليهودية، ويُشبِّه هؤلاء المتهودين الذين لا يتحدَّثون عن المسيح بتاتًا بأنهم كشواهد القبور الحجرية وكقبور الأموات تحمل فقط أسماء الأشخاص المائتين كالتالي:
”إذَا فسَّر لكم أحدٌ وفقًا لليهودية، فلا تسمعوا له. لأنه مِن الأفضل أن تسمعوا مختونًا يكرز بالمسيحية، مِن أن تسمعوا غير مختونٍ يكرز باليهودية. وإذَا لم يكلِّمكم أيٌّ منهما عن يسوع المسيح، فهما بالنسبة لي كشواهد القبور الحجرية، وكقبور الأموات، كُتِبَ عليها فقط أسماء الأشخاص الموتى“.[4]
الآباء المدافعون
سوف نستعرض بداية وتطور حركة التهود التي أزعجت الكنيسة في القرون الأولى لأنها كانت رافضة لرسالة الإيمان المسيحيّ، وذلك في كتابات الأباء المدافعين في القرون الأولى للمسيحية.
ق. يوستينوس الشهيد
إبطال العهد الجديد للعهد القديم
يُؤكِّد ق. يوستينوس الشهيد في القرن الثاني على رفض الكنيسة للتهود والمتهودين، بل ويشير إلى أن ناموس المسيح قد أبطل الناموس الموسويّ وفرائضه ووصاياه، وأن المقصود منه كان اليهود فقط وليس المؤمنين المسيحيين. بل ويُصرِّح ق. يوستينوس الشهيد تصريحًا، قد يبدو للمتهودين في أيامنا هذه تصريحًا صادمًا، وهو أن العهد الجديد قد أبطل العهد القديم، وأنه حلَّ محله، ولا يُفرَض علينا أيً من فرائضه أو وصاياه. فهل كان ق. يوستينوس الشهيد بهذا التصريح ماركيونيًا كما يدَّعي البعض كذبًا في هذه الأيام على الناطقين بالحق الأرثوذكسيّ بأنهم ماركيونيون؟ فيقول التالي:
”غير أن رجاءنا ليس بموسى أو الناموس، وإلا صارت عاداتنا كعاداتكم. وقد قرأت أنه ينبغي أن يكون هناك ناموسًا حاسمًا وعهدًا مُلزِمًا أكثر من العهود الأخرى، يحترمه جميع الذين يسعون إلى ميراث الله. فإن الناموس الذي أُعطِيَ على جبل حوريب قد أُبطِلَ وكان المقصود به اليهود فقط. بينما الناموس الذي أتحدَّث عنه أنا هو ببساطة لجميع الناس. وكما أن أيّ قانون جديد إذَا تعارض مع قانون القديم، فهو يُبطِل القديم، فهكذا العهد الجديد يحل محل القديم. لقد أُعطِيَنا ناموسًا أبديًا كاملاً، وهو المسيح ذاته، وأخذنا عهدًا جديرًا بالثقة لن يكون بعده أيّ ناموس أو فريضة أو وصية“.[5]
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
رفض التهود والارتداد إلى الناموس
يُوضِّح ق. إيرينيؤس في صراعه مع التهود أن الرب لا يريد للمؤمنين المسيحيين أن يرتدوا إلى ناموس موسى، لأن الناموس قد تحقَّق بالمسيح، وأننا نخلُص بواسطة الإيمان والمحبة نحو ابن الله وبجدة الحياة بمعونة الكلمة كالتالي:
”وأيضًا يُعرِّفنا إشعياء أن الرب لا يريد للمؤمنين أن يرتدوا إلى ناموس موسى، لأن الناموس قد تحقَّق بالمسيح، لكن بواسطة الإيمان والمحبة نحو ابن الله نخلُص بجدة الحياة بمعونة الكلمة، بقوله: ’لا تذكروا الأوليات والقديمات لا تتأملوا بها. هأنذا صانع أمرًا جديدًا. الآن ينبت. ألا تعرفونه. اجعل في البرية طريقًا في القفر أنهارًا. يُمجِّدني حيوان الصحراء الذئاب وبنات النعام لأني جعلت في البرية ماء أنهارًا في القفر لأسقي شعبي مختاري. هذا الشعب جبلته لنفسي، يُحدِّث بفضائلي‘ (إش 43: 18-20 سبعينية)“.[6]
التهود ورفض التجسُّد الإلهي
يتحدَّث ق. إيرينيؤس عن شيعة الأبيونيين، وهم فرقة مسيحية مُتهودة كانت تُحافِظ على التقاليد والتفاسير اليهودية جنبًا إلى جنب مع التفاسير المسيحية، وكانوا يُوؤِّلون نصوص العهد الجديد في ضوء نصوص العهد القديم، حيث يرفضون عقيدة التجسُّد الإلهيّ واتحاد الله بالإنسان في المسيح كالتالي:
”باطلون أيضًا هم الأبيونيون، الذين لا يقبلون الإيمان في نفوسهم بالاتحاد بين الله والإنسان، بل يظلون في الخميرة القديمة التي للميلاد الطبيعيّ، ولا يريدون أن يفهموا أن ’الروح القدس حلَّ على مريم، وقوة العلي ظلَّلتها‘ (لو 1: 35)، لذلك، فالذي وُلِدَ منها قدوس وابن العلي، الله آب الكل، الذي تمَّم تجسُّد هذا الكائن، وأظهر نوعًا جديدًا من الولادة، حتى أنه كما بالولادة السابقة ورثنا الموت، هكذا بهذه الولادة الجديدة نرث الحياة.
لذلك، هؤلاء الناس يرفضون مزج الخمر السمائيّ، ويريدون أن يكون ماء العالم فقط، فلا يقبلون الله لكي يكون لهم اتحاد معه، بل يظلون في ذلك الآدم، الذي انهزم وطُرِدَ من الفردوس، غير مُقدِّرين أنه كما في بداية خلقتنا في آدم أن نسمة الحياة التي صدرت من الله إذ اتَّحدت بما كان قد شُكِّلَ قبلاً، فإنها أحيت الإنسان، وأظهرته ككائن مُنِحَ له عقل، هكذا أيضًا في أزمنة النهاية، فإن كلمة الآب وروح الله، إذ قد صارا مُتَّحِدين بالجوهر القديم لخلقة وتكوين آدم، جعلا الإنسان حيًا كاملاً، ومستعدًا لتقبل الآب الكامل، حتى كما في آدم الطبيعيّ، كُنا جميعًا مائتين، هكذا في الروحانيّ نصير كُلنا أحياء“.[7]
ق. ميلتيوس أسقف ساردس
الناموس العتيق ووقتية المثال
يشير ق. ميلتيوس أسقف ساردس إلى سر الفصح بأنه كان قديمًا بحسب الناموس، ولكنه جديدًا بحسب الكلمة نفسه، وأنه كان مؤقتًا بحسب المثال، ولكنه خالدًا بحسب النعمة كالتالي:
”فافهموا، إذًا، يا أحبائي، كيف يكون سر الفصح: جديدًا وقديمًا، أبديًا ومؤقتًا، قابل للفساد وغير قابل للفساد، زائلاً وخالدًا. قديمًا بحسب الناموس ولكنه جديدًا بحسب الكلمة. مؤقتًا بحسب المثال، لكنه خالدًا بحسب النعمة. قابل للفساد بذبح الحمل، وغير قابل للفساد بحياة الرب. زائلاً بدفنه في الأرض، وخالدًا بقيامته من بين الأموات. قديم هو الناموس، ولكن جديد هو الكلمة. مؤقت هو المثال، أبدية هي النعمة […] ففي الخروف كان المثال، وفي الرب ظهرت الحقيقة“.[8]
إبطال مثال الناموس بحقيقة الإنجيل
يعقد ق. ميلتيوس مقارنة بين الناموس والإنجيل، وبين الشعب الإسرائيليّ والكنيسة، ويُؤكِّد على أن الناموس هو كتاب الأمثال والرموز، ولكن الإنجيل هو شرح الناموس وكماله، وليس العكس كما يدَّعي المتهودون الجدد ذلك، ويُحاولون تفسير العهد الجديد في ضوء العهد القديم. كما يشير ق. ميلتيوس إلى إبطال مثال الناموس مانحًا صورته للإنجيل الذي هو حقيقيّ بالطبيعة، وهكذا بطُل الشعب الإسرائيليّ لمَّا قامت الكنيسة كالتالي:
”فشعب إسرائيل كان مثال الصورة الأولية، والناموس كان كتاب الأمثال؛ والإنجيل كان شرح الناموس وكماله، والكنيسة هي مستودع الحق. وهكذا، فالمثال كان مُكرَّمًا قبل الحقيقة، والرمز كان عجيبًا قبل التفسير؛ أعني أن الشعب كان مُكرَّمًا قبل أن تُشيَّد الكنيسة، والناموس كان عجيبًا قبل أن يُنير الإنجيل. ولكن، لمَّا شُيَّدت الكنيسة، وظهر الإنجيل، بطُلَ المثال مانحًا قوته إلى ما هو حقيقيّ، وأُكمل الناموس مُسلِّمًا قوته للإنجيل. وبنفس الطريقة، حين بطُلَ المثال مانحًا صورته لِما هو حقيقيّ بالطبيعة، وحين أُكمِلَ الرمز مُستنيرًا بالتفسير، هكذا، أُكمِلَ الناموس لمَّا أضاء الإنجيل، وبطُلَ الشعب لمَّا قامت الكنيسة؛ ونحلَّ المثال بظهور الرب. واليوم، ما كان مُكرَّمًا مرةً بات مُحتقرًا، بعد أن ظهر ما هو مُكرَّمًا بالطبيعة“.[9]
الآباء اليونانيون
سوف نبحث في هذا الجزء صراع الآباء اليونانيين مع بدع التهود والمتهودين التي ظلَّت تلاحق الكنيسة على مر عصورها وإلى يومنا هذا.
العلامة أوريجينوس
التهود وإتباع ناموس اليهود
يشير العلامة أوريجينوس إلى جماعة الأبيونيين المتهودين الذين كانوا يتظاهرون بالمسيحية، حيث كانوا يقبلون بيسوع ويفتخرون بأنهم مسيحيون، ولكنهم مازالوا يريدون العيش وفق ناموس اليهود كجموع اليهود، ولكن يُقرَّ العلامة السكندريّ بأنهم يُقدِّمون أفكارًا غريبةً لا تنسجم مع العقائد التقليدية التي تسلَّمناها من الرب يسوع لنكون مسيحيين كالتالي:
”ولنعترف بأن البعض يقبلون يسوع أيضًا، ولهذا السبب يفتخرون بأنهم مسيحيون مع أنهم لا يزالون يريدون العيش وفق ناموس اليهود كجموع اليهود. هذه هي طائفتا الأبيونيين، الأولى تعترف كما نفعل بأن يسوع وُلِدَ من عذراء، والثانية تؤمن بأنه لم يُولَد فيها بهذه الطريقة، ولكن مثل الرجال الآخرين“.[10]
ق. أثناسيوس الرسولي
التهود والتظاهر بالمسيحية
يُشبِّه ق. أثناسيوس الآريوسيين بأنهم مثل اليهود، لا يؤمنون بألوهية المسيح، ويطالبهم بأن يُختتنوا مثل اليهود، ولا يتظاهرون بالمسيحية، ويحاربونها في الخفاء، وهذه هي صورة التهود التي تتسلل دائمًا إلى الكنيسة، حيث يتظاهر البعض بالمسيحية والدفاع عن العقائد المسيحية، بل ويلبسون ثياب المسيحية، ولكن للأسف عقولهم وقلوبهم وأفكارهم مملوءة ومتشبعة بأفكار التهود وعقائده غير المسيحية قائلاً:
”لماذا، إذًا، وهم يعتقدون مثل اليهود، لا يختتنون مثلهم، بل يتظاهرون بالمسيحية، بينما هم يحاربونها، لأنه لو كان غير موجود، أو لو كان موجودًا ثم رُقِيَ فيما بعد، فكيف خُلِقَت كل الأشياء بواسطته، وكيف يفرح به الآب لو لم يكن كاملاً؟“.[11]
التهود ورفض التبني لله الآب
ويصف ق. أثناسيوس بدعة الآريوسيين مُنكري ألوهية اللوغوس، بأنها بدعة المتهودين المعاصرين، حيث يشرح المتهودون الثالوث بصورة تتطابق مع الشرح الآريوسيّ، بحيث أن السامع لا يمكنه إدراك الفرق بين الأرثوذكسية والتهود أثناء الحديث، ويتعجب ق. أثناسيوس من كلام المتهودين الجدد الذين يرفضون بنوة الله الآب، وإعلان الابن المتجسِّد عنه كأب حقيقيّ للبشر كالتالي:
”وهؤلاء المشارِكون الأولون كيف لا يُشارِكون اللوغوس؟ وهذا التعليم ليس حقيقيًا، بل هو بدعة المتهودين المعاصرين. فكيف، إذًا، في هذه الحالة –يمكن لأيّ أحد على الإطلاق، أن يتعرَّف على الله كأب؟ لأن من غير المستطاع أن يحدث التبني بغير الابن الحقيقيّ، وهو نفسه القائل: ’ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومَن أراد الابن أن يُعلِن له‘ (مت 11: 27)“.[12]
التهود وتحريف تفسير نصوص الكتاب المقدس
يُشبِّه ق. أثناسيوس الآريوسيين، بأنهم مثل اليهود يتبنون أسلوب قيافا في تحريف معاني أقوال الكتاب المقدَّس، حيث أنهم بذلك يريدون أن يتهودوا، وهكذا يُحرِّفون معاني الكتاب المقدَّس لخدمة أغراضهم غير الأرثوذكسية، بل ولا يستخدمون الأقوال الرسولية في العهد الجديد كالتالي:
”ولكنهم بدلاً من المعنى الحقيقيّ، فإنهم يلقون بذور سم هرطقتهم الخاصة، لأنهم ’لو عرفوا لما صلبوا رب المجد‘ (1كو 2: 8)، ولما كانوا يُحرِّفون معاني أقوال الكتاب الحسنة. إذًا، فإنْ كانوا يتبنون أسلوب قيافا صراحةً، فإنهم يكونون تبعًا لذلك قد قرَّروا أن يتهودوا، حتى أنهم يجهلون المكتوب بأنه ’حقًا سيسكن الله على الأرض‘ (زك 2: 10)، دعهم لا يفحصون الأقوال الرسولية، لأن هذا ليس من سمة اليهود“.[13]
التهود وإلباس اليهودية اسم المسيحية
ويُحارِب ق. أثناسيوس تهود الآريوسيين، الذين يتظاهرون بالمسيحية، ولكنهم في حقيقتهم ينكرون حقيقة التجسُّد الإلهيّ، وينكرون ألوهية وأزلية المخلِّص، مثل اليهود، فيدعوهم أن يُختتنوا ويتهودوا علانيةً. نفس االأسلوب الذي يتبعه المتهودون في كل عصر، يتظاهرون بالمسيحية، وهم ينكرون في داخلهم العقائد المسيحية الأرثوذكسية، ويحاولون إلباس اليهودية اسم المسيحية كالتالي:
”إذًا، طالما أن هذا الضلال هو يهوديّ، ويُوصَف هكذا نسبةً إلى يهوذا الخائن، فدعهم إذًا يعترفون صراحةً بأنهم تلاميذ قيافا وهيرودس، بدلاً من أن يُلبِسوا اليهودية اسم المسيحية، ولينكروا تمامًا كما سبق أن قُلنا حضور المخلِّص في الجسد، لأن هذا الإنكار أقرب إلى بدعتهم.
أو إنْ كانوا يخافون أن يُختتنوا ويتهودوا علنًا بسبب خضوعهم للملك قسطنطيوس، ولأجل أولئك الذين خُدِعوا منهم، إذًا، فدعهم لا يقولون ما يقوله اليهود، لأنهم إنْ تخلوا عن الاسم فيلزمهم عن حق أن يرفضوا العقيدة المرتبطة بالاسم، لأننا نحن مسيحيون. أيها الآريوسيون –نعم نحن مسيحيون ونحن نتميَّز بأننا نعرف جيدًا ما تقوله الأناجيل عن المخلِّص، ونحن لا نرجمه مع اليهود عندما نسمع عن ألوهيته وأزليته، كما أننا لا نعثر معكم، في الكلمات المتواضعة التي قالها من أجلنا كإنسان“.[14]
يوسابيوس القيصري
التهود والخلاص بالناموس والمسيح
يتحدَّث يوسابيوس القيصريّ عن جماعة المتهودين التي تُدعَى بـ ”الأبيونية“، التي نادت بأن المسيح مُجرَّد إنسانًا عاديًا، وأنه تبرَّر فقط بسبب فضيلته السامية، وإنه كان ثمرة لاجتماع رجل مُعيَّن مع القديسة مريم، ويعتقدون بأنه مِن الضروريّ الاحتفاظ بالناموس الطقسيّ، لأنهم لا يستطيعون الخلاص بالإيمان بالمسيح فقط كالتالي:
”وقد كان الأقدمون مُحقين إذ دعوا هؤلاء القوم ’أبيونيين‘ لأنهم أعتقدوا في المسيح اعتقادات فقيرة ووضيعة. فهم اَعتبروه إنسانًا بسيطًا عاديًا، قد تبرَّر فقط بسبب فضيلته السامية، وكان ثمرة لاجتماع رجل مُعيَّن مع مريم. وفي اعتقادهم أن الاحتفاظ بالناموس الطقسيّ ضروريّ جدًا، على أساس أنهم لا يستطيعون أن يخلُصوا بالإيمان بالمسيح فقط وبحياة مماثلة. […] وقد حافظوا مثلهم على السبت وسائر نظم اليهود، ولكنهم في نفس الوقت حافظوا على أيام الرب مثلنا كتذكار قيامة المخلِّص. ولهذا أُطلِقَ عليهم اسم ’أبيونيون‘ الذي يُعبِّر عن فقرهم في التفكير. لأن هذا هو الاسم الذي يُطلَق على رجلٍ فقير بين العبرانيين“.[15]
ق. باسيليوس القيصري الكبير
الناموس هرم وشاخ
يُشدِّد ق. باسيليوس الكبير على أننا ينبغي أن نعبد الله لا بالمعنى القديم للحرف، بل بالمعنى الجديد للروح. لأنه مَن لا يلتزم بحرف الناموس، بل بفهم روح الناموس، هذا يغني للرب أغنية جديدة كالتالي:
”’غنوا له أغنية جديدة‘ (مز 33: 3) بمعنى، أن تعبدوا الله، ليس بالمعنى القديم للحرف، بل بالمعنى الجديد للروح. فهذا الذي لا يلتزم بحرف الناموس، بل بفهم روح الناموس، هذا يُغنِي للرب أغنية جديدة. لأن ذلك الذي هرم وشاخ، قد مضى وانقضى من الوعد. أمَّا نحن فقد تَبِعنا الترنيمة الجديدة والمتجدِّدة التي لتعليم الرب، والذي يُجدِّد مثل النسر شبابنا (مز 3: 1-5)، عندما يفنى إنسان الخارج، ونتجدَّد يوما فيوم“.[16]
ق. غريغوريوس النيسي
الناموس ظل وصورة
يرى ق. غريغوريوس النيسيّ أن الناموس الذي أُعطِيَ منذ البدء هو ظل وصورة لمَّا سيأتي، لذا فإنه يظل غير صالح للمعارك الحقيقية، ولكن المسيح هو مُتمِّم الناموس كالتالي:
”والناموس الذي أُعطِيَ منذ البدء كظلٍ وصورةٍ لمَّا سيأتي، يظلُّ غير صالحٍ للمعارك الحقيقية (عب 8: 5). وقائد الجيش هو الذي ’يُتمِّم الناموس‘؛ وهو الذي بُشِّر به مِن قبل وكان مُشترِكًا في الاسم مع خليفة موسى [يشوع] الذي كان على رأس جيش إسرائيل“.[17]
ق. يوحنا ذهبي الفم
الناموس القديم جزئي وناقص
يشير ق. يوحنا ذهبيّ الفم إلى أن المعرفة بناموس العهد القديم كانت جزئية وناقصة إذَا ما قُورنت بمعرفة العهد الجديد الآتية، وهكذا يُبطل الجزئيّ والناقص بالمعرفة الأخرى الكاملة، لأنه متى جاء الكامل فحينئذٍ يبطل ما هو بعض، فهل يجرؤ أحد المتهودين الجدد على الإدعاء بأن ذهبيّ الفم كان ماركيونيًا أو يتبع فكر الهرطقة الماركيونية؟ حيث يقول التالي:
”مِن كل هذه الاعتبارات يتضح أنه ليس مِن أيّ سوء في ناموس العهد القديم فشل في أن يأتي بنا، وإنما لأنَّ الوقت الآن هو وقت الوصايا الأسمى. وإنْ كان أنقص من الجديد فلا يعني هذا أنه شرير: وإلا بناءً على هذا المبدأ سيكون الناموس الجديد ذاته في الحالة نفسها شريرًا. فإن معرفتنا، في الحقيقة، إنْ قُورنت بالمعرفة الآتية، فهي نوع من الأمر الجزئيّ والناقص الذي يبطل بمجيء المعرفة الأخرى (الكاملة). يقول: ’لكن متى جاء الكامل فحينئذٍ يبطل ما هو بعض‘ (1كو 13: 10)، كما حدث للناموس القديم من خلال الجديد. ومع ذلك فنحن لا نلوم الناموس الجديد على هذا، لأنه يُفسِح المجال لحصولنا على الملكوت، لكنا ندعوه عظيمًا بسبب هذا كله“.[18]
العهد الجديد أكثر أهمية من القديم
يناقش ق. يوحنا ذهبي الفم معضلة صعوبة تفسير نبوات العهد القديم وسهولة تفسير العهد الجديد، رغم أن العهد الجديد يتحدَّث في أمور أكثر أهمية من العهد القديم، مثل: ملكوت السموات، وقيامة الأموات، والخيرات التي لا تُوصَف قائلاً:
”فدعونا نفتح آذاننا، طالما سوف نستمع إلى ألغاز نبوية لأن أقوال الأنبياء تُشبِه الألغاز، وتوجد صعوبة شديدة لفهمها في العهد القديم كما أن أسفاره عسرة الفهم، بينما العهد الجديد أكثر وضوحًا وأكثر سهولةً. ويمكن لأيّ أحد أن يتساءل ولماذا قد دُوِّن العهد القديم بهذه الطريقة، مع أن العهد الجديد يتحدَّث في أمور أكثر أهمية مثل ملكوت السماوات، وعن قيامة الأموات، وعن الخيرات التي لا تُوصَف وتتجاوز حدود العقل البشريّ؟“.[19]
ق. كيرلس الإسكندري
كلمات الناموس مجرد رموز وظلال
يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ بدع المتهودين بضرورة إتباع الناموس، حيث يُؤكِّد على أن كلمات أسفار موسى هي مُجرَّد ظلال ورموز لكلمات المخلِّص الرب يسوع المسيح، لأن كلمات المسيح أسمى وهي الحق، فهل يمكن أن يتجرأ المتهودون الجدد في عصرنا على الإدعاء بأن ق. كيرلس الإسكندريّ كان ماركيونيًا في جعله لكلمات المسيح أسمى وأحق من كلمات أسفار موسى؟! فيقول التالي:
”قد يظن وبشكلٍ خاطئ أن أسفار موسى تفوق كلمات المخلِّص. لأن هذا ما تبدو عليه الآية بحسب الظاهر، وبقدر ما يقول قائل، معتبرًا الآية دون تدقيق، تسبغ على أسفار موسى شهرة أكثر من كلمات المخلِّص. لأنه بقوله: ’فإن كُنتم لستم تصدقون كُتب ذاك، فكيف تصدقون كلامي‘ (يو 5: 47). فإنه بطريقة ما يعطينا أن نفهم أن كتب موسى في موضع أسمى من كلماته هو. لكن طبيعة الأمر إذَا ما تفحصناه بعمقٍ سوف يكشف لنا عن مدى حماقة تلك الفكرة البعيدة عن التصديق والقبول، لأنه كيف يمكن أن تُعرَف كتب موسى بأنها تفوق كلمات المخلِّص، بينما كلماته كانت رموزًا وظلالاً وكلمات المسيح هي الحق؟“.[20]
معرفة الناموس ناقصة
يرى ق. كيرلس أن تعليم الناموس لم يكن كافيًا لتتميم حياة التقوى في خدمة الله، ولم يُكمِّل شيئًا. ويرى أن المعرفة التي أُعطِيت عن الله في الناموس هي معرفة ناقصة، ولكن يُعلِّم ربنا يسوع المسيح بأمورٍ أفضل مما كانت تحت الناموس. فهل يجرؤ أحد المتهودين الجدد في عصرنا على اتهام ق. كيرلس الإسكندريّ، الملقَّب بـ ”عمود الدين“، وبـ ”ختم الآباء“، بأنه كان ماركيونيًا؟ حيث يقول التالي:
”لأنه كما أن الناموس حينما أتى بهذا التعليم، الذي لم يكن كافيًا لتتميم حياة التقوى في خدمة الله، لم يُكمِّل شيئًا. هكذا أيضًا المعرفة التي أُعطِيت عن الله تحت الناموس كانت ناقصة، وكانت فقط تستطيع أن تمنع الناس من عبادة الآلهة الكاذبة، وتُقنِعهم أن يعبدوا الإله الحقيقيّ الواحد، لأنه يقول: ’لا يكن لك آلهة أخرى أمامي‘ (خر 20: 3)، و ’للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد‘ (مت 4: 10 من تث 6: 13).
ولكن يُعلِّم ربنا يسوع المسيح بأمور أفضل من التي كانت تحت الناموس، ويُعلِّم تعليمًا أوضح من وصية الناموس، ويُقدِّم للجميع معرفةً أفضل وأوضح من معرفة العهد القديم. لأنه أوضَّح لنا بأن وضع نفسه أمامنا على أنه صورة الآب قائلاً: ’مَن رآني فقد رأى الآب‘ (يو 14: 9). وأيضًا ’أنا والآب واحد‘ (يو 10: 30)“.[21]
عدم كمال الناموس
يشير ق. كيرلس إلى أن المسيح أنقص من قوانين الناموس، وأضاف إليها مُحوِّلاً الرمز إلى الحقيقة، فالمسيح لم يكن مثل الكتبة الذين كانوا يُطبِّقون تعليم الناموس في كل مرة في أحاديثهم معه، بل لم يكن المسيح يتبع الرموز التي كانت في كتب الناموس كأنه مُستعبَد لها، بل كانت كلمته مُميَّزةً بالقوة الإلهية كالتالي:
”لأن الكتبة كانوا يُطبِّقون تعليم الناموس في كل مرة في أحاديثهم معهم [أي اليهود]، أمَّا ربنا يسوع المسيح فلم يكن يتبع الرموز التي في كتب الناموس كأنه مُستعبَد لها، بل إذ هو يجعل كلمته مميَّزةً بالقوة الإلهية، فإنه يُنادِي: ’سمعتم إنه قيل في القديم لا تزن. أمَّا أنا فأقول لكم […] لا تشتهي‘ (مت 5: 27، 28). رغم أن الناموس يقول صراحةً إنه لا ينبغي لأيّ واحد أن يضيف على قوانين الله أو يُنقِص منها. ولكن المسيح أنقص منها وأيضًا أضاف إليها، مُحوِّلاً الرمز إلى الحقيقة. لذلك، فلا يمكن أن يُحسَب أنه مِن بين الذين هم تحت الناموس، أيّ مِن بين المخلوقات، لأن مَن وُضِعت على طبيعته وصية العبودية، يكون بالضرورة تحت الناموس“.[22]
تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود والمتهودين – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الخلاصة
نخرج من هذا البحث ببعض النتائج الهامة والضرورية، وهي أن مجال الدراسات اليهودية هو مجال بحثيّ وأكاديميّ مهم في فهم الخلفية الحضارية، والتاريخية، والاجتماعية، والدينية لنصوص العهد الجديد، ولكن تفسير عقائد وتعاليم العهد الجديد ينبغي أن يكون في ضوء عمل المسيح وتدبيره للخلاص، وليس في ضوء تعاليم العهد القديم العتيق.
حيث يُؤكِّد آباء الكنيسة الجامعة على أن قد تحرَّرنا من أحكام ووصايا الناموس اليهوديّ، وحارب آباء الكنيسة بدع التهود والمتهودين في القرون الأولى منذ نشأة المسيحية، متمثلة في جماعة الأبيونيين وغيرهم من المسيحيين المتهودين، الذين كانوا يتظاهرون بقبول المسيحية، ولكنهم مازالوا يتبعون ناموس اليهود وتفاسيرهم وتأويلاتهم، ويقومون بتطبيقها في تفسير نصوص العهد الجديد، وهو ما نراه الآن يحدث في عصرنا الحديث تحت دعوى دراسة الخلفية اليهودية للأناجيل والرسائل على اعتبار أن المسيح والرسل كانوا يهودًا في الأصل، ولكن هذه في الحقيقة دعوات للارتداد إلى التهود بصورةٍ مُقنَّعةٍ وغير واضحة.
لقد أكَّد جميع الآباء والمعلمين الكنسيين بلا استثناء في القرون الأولى للمسيحية على أن العهد الجديد قد أبطل وصايا وشرائع العهد القديم، لأن العهد القديم كان مُجرَّد ظل وصورة ورمز للعهد الجديد. كما واجه آباء الكنيسة خطر التهود والارتداد إلى اليهودية، الذي بدا واضحًا في دخول التفاسير والتأويلات اليهودية للعقائد المسيحية الأساسية، فحذَّر آباء الكنيسة المؤمنين الحقيقيين من الانسياق وراء هذه المعتقدات والتفاسير والتأويلات اليهودية. وناشد آباء الكنيسة المؤمنين المسيحيين الحقيقيين عدم التعاطي مع هذه المعتقدات والأفكار اليهودية الدخيلة على إيمان الكنيسة المسلَّم من المسيح إلى الرسل.
وأشار آباء الكنيسة أيضًا إلى أن تعاليم وناموس العهد القديم هي تعاليم رمزية ومؤقتة بطُلت بمُجرَّد مجيء المرموز إليه وهو شخص الرب يسوع نفسه، مُتمِّم الناموس ومُكمِّله، وحجر الزاوية لكنيسة العهد الجديد. كما أكَّد آباء الكنيسة على أن تعاليم الناموس والعهد القديم هي تعاليم جزئية وناقصة كمُلت بمجيء تعاليم العهد الجديد الأسمى والأكمل، وأنه حينما يأتي الكامل فحينئذٍ يبطُل كل ما هو جزئيّ وناقص.
وعندما كان آباء الكنيسة يصفون تعاليم العهد الجديدة بتلك الأوصاف، لم يخشوا من الاتهامات بالهرطقة الماركيونية، التي يُطلِقها البعض في أيامنا هذه عن جهل وعدم وعي، على كل مؤمن حقيقيّ يريد التمسُّك بتعاليم الأرثوذكسية كما هي في الكتاب المقدَّس، وكما شرحها آباء الكنيسة بكل أمانة وتقوى. فهل يجرؤ هؤلاء المتهودون الجدد على إطلاق هذه الاتهامات الباطلة على آباء الكنيسة الأرثوذكسيين في سياق وصفهم لتعاليم العهد القديم، بأنها تعاليم ناقصة وجزئية عند مقارنتها بتعاليم العهد الجديد الكاملة والسامية؟!
[1] الآباء الرسوليون، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2019)، رسالة برنابا 2: 4-6، ص 39، 40.
[2] المرجع السابق، الرسالة إلى ديوجنيتوس 3: 5؛ 4: 1-6، ص 429، 430.
[3] المرجع السابق، رسالة ق. أغناطيوس الأنطاكي إلى كنيسة مغنيسيا 10: 2، 3، ص 336، 337.
[4] المرجع السابق، رسالة ق. أغناطيوس الأنطاكي إلى كنيسة فيلادلفيا 6: 1، ص 356، 357.
[5] القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد (الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى)، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2012)، الحوار مع تريفون اليهودي: 11، ص 148، 149.
[6] إيرينيؤس (قديس)، برهان الكرازة الرسولية، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2009)، الفصل 89، ص 146.
[7] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 5: 1: 3، ص 274.
[8] ميلتيوس أسقف ساردس (قديس)، رحلة عبورنا إلى القيامة (العظة الفصحية)، ترجمة: القس لوقا يوسف، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2009)، الفصول 2-4، ص 25-27.
[11] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 11: 38، ص 104.
[15] يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، (القاهرة: مكتبة المحبة، 1999)، 3: 27، ص 130.
[16] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج 1، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، عظة 6: 2، ص 186، 187.
[17] غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى أو الكمال في مجال الفضيلة، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1996)، القسم الثاني، ص 85.
[18] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح إنجيل متى ج 1، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 1996)، عظة 16: 6، ص 182.
[19] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، القصد من غموض النبوات، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة 1: 3، ص 53، 54.
[20] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 3: 1، ص 313.
[21] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 369.
الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح – د. أنطون جرجس عبد المسيح
(من منظور كتابي وآبائي وليتورجي)
المقدمة
يتناول هذا البحث موضوع ”الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح“ من منظور كتابي، آبائي، ليتورجي، من أجل الوقوف على أفضل تصور ومفهوم لهذا الموضوع المهم للغاية. حيث أن غاية المسيحية في النهاية هي الانجماع الكلي والاتحاد بالله في المسيح من خلال الروح القدس. يلقي هذا البحث الضوء على مفهوم الانجماع الكلي كما ذكره بولس الرسول، وكما شرحه ق. إيرينيؤس أسقف ليون، الملقب بـ ”أبو التقليد الكنسي“.
كما يلقي الضوء أيضًا على مفهوم آباء الكنيسة الجامعة لماهية الاتحاد بين الله والبشرية في المسيح. ويناقش هذا البحث قضية حلول الروح القدس في البشر من منظور كتابي وآبائي وليتورجي عميق جدًا. لقد قمت في هذا البحث بتتبع الإشارات الكتابية، والآبائية، والليتورجية المختلفة، سواء الموجودة في الكتاب المقدس، وفي كتابات الآباء القديسين معلمي الكنيسة الجامعة، وفي التقليد الليتورجي القبطي بصفة خاصة.
أرجو أن يكون هذا العمل سبب بركة وتعزية ورجاء لكثيرين، بصلوات وطلبات القديسة العذراء مريم والدة الإله، وصلوات آبائي الرسل القديسين، وصلوات آبائي القديسين معلمي الكنيسة الجامعة، وصلوات أبينا وراعينا البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
د. أنطون جرجس عبد المسيح
القاهرة – يناير 2023
الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح
سوف نناقش في هذا البحث الموجز ماهية الانجماع الكلي في المسيح، وماهية اتحاد البشرية في المسيح من خلال إشارات الكتاب المقدس، وتعاليم آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، والليتورجية القبطية. حيث سنتطرق إلى بركات ومفاعيل هذا الاتحاد بين الله والإنسان في المسيح، وكيف شهد الكتاب المقدس في إشارات كثيرة عن هذا الاتحاد الكياني الحقيقي بين الله والإنسان في المسيح، وكيف أنه لم يكن مجرد اتحاد روحي اعتباري كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي، بل هو اتحاد حقيقي كياني بين الله والإنسان في المسيح.
ثم سنتطرق إلى شهادات آباء الكنيسة الجامعة عن ماهية وكيفية وطبيعة هذا الاتحاد الحميمي الوثيق بين الله والإنسان في المسيح بعمل الروح القدس الساكن بأقنومه في الإنسان المؤمن الحقيقي. ثم سنعبر في رحلة سريعة بين النصوص الليتورجية القبطية التي تؤكد وتبرهن على حقيقة هذا الاتحاد الحقيقي والكياني بين الله والإنسان في المسيح يسوع ربنا.
الكتاب المقدس
يتحدث إنجيل يوحنا عن أن المسيح جاء ليجمع أبناء المتفرقين إلى واحد في شخصه كما تنبأ رئيس الكهنة في هذه السنة دون أن يدري عن موت المسيح الخلاصي والجامع لأبناء الله المتفرقين إلى الوحدة والاتحاد في المسيح كالتالي: ”وَلَمْ يَقُلْ هذَا مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ إِذْ كَانَ رَئِيسًا لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ الأُمَّةِ، وَلَيْسَ عَنِ الأُمَّةِ فَقَطْ، بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ اللهِ الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ“ (يو 11: 51-52 فاندايك).
وهكذا يصلي الرب يسوع في إنجيل يوحنا إلى الله الآب من أجل تلاميذه لكي يحفظهم في اسمه المبارك، ولكي يكونوا واحدًا كما أن الابن والآب هما واحد، وكيف أن المسيح ممجَّد فيهم كالتالي: ”وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ، وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي، وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ. وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ، وَأَمَّا هؤُلاَءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ“ (يو 17: 10- 11 فاندايك).
ويصلي الرب يسوع أيضًا إلى الآب من أجل وحدة واتحاد التلاميذ والمؤمنين بالمسيح بسبب كرازتهم، لكي ما يكونوا جميعًا متحدين وواحد مع الآب والابن كالتالي: ”وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِمْ، لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي“ (يو 17: 20-21 فاندايك).
وهكذا يؤكد الرب يسوع أنه أعطى التلاميذ والرسل والمؤمنين به المجد الذي أعطاه الآب للابن لكي يكونوا واحدًا كما أن الآب والابن واحد، ويؤكد الرب أيضًا على حلول وسكناه واتحاده بهم وفيهم، وهكذا من خلاله يصيرون متحدين مع الله الآب من خلال الابن المتحد بالمؤمنين كالتالي: ”وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي“ (يو 17: 22-23 فاندايك).
ويؤكد سفر أعمال الرسل أن المؤمنين كانوا قلبًا واحدًا ونفسًا واحدةً في المسيح، وكل شيء كان مشترك بينهم كالتالي: ”وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا“ (أع 4: 32).
ويقارن بولس الرسول بين آدم القديم الذي كنا جميعًا واحدًا فيه عندما ملك الموت علينا من خلال هذا الواحد، وكيف سنملك في الحياة من خلال آدم الجديد الذي صرنا واحدًا فيه أي الرب يسوع المسيح كالتالي: ”لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ!“ (رو 5: 17 فاندايك).
ويؤكد بولس الرسول على أننا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، وهذا الجسد هو جسد حقيقي، وليس جسدًا اعتباريًا رمزيًا كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي كالتالي: ”فَإِنَّهُ كَمَا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ لَنَا أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلكِنْ لَيْسَ جَمِيعُ الأَعْضَاءِ لَهَا عَمَلٌ وَاحِدٌ، هكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ، كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ“ (رو 12: 4-5 فاندايك).
ويشير بولس الرسول إلى أن مَن يلتصق بالرب هو روح واحد معه قائلاً: ”وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ“ (1كو 6: 17 فاندايك).
ويشير بولس الرسول إلى حقيقة شركتنا مع الله، وأننا جسد واحد حقيقي باشتراكنا مع المسيح في الخبز الواحد أي جسده المقدس في الإفخارستيا كالتالي: ”كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا، أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ، أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ“ (1كو 10: 16-17 فاندايك).
ويؤكد بولس على أن موت المسيح لأجل الجميع معناه موت الجميع أيضًا معه كالتالي: ”لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا. إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا“ (2كو 5: 14 فاندايك).
ويشير ق. بولس في إشارة قوية وواضحة إلى الانجماع الكلي في المسيح قائلاً: ”إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ، لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ“ (أف 1: 9-10 فاندايك).
ويتحدث بولس الرسول عن خضوع الكل تحت قدمي المسيح في إشارة أخرى واضحة إلى الانجماع الكلي في المسيح رأس كل شيء، مشيرًا إلى الكنيسة كجسد المسيح الملء الذي يملأ الكل في الكل كالتالي: ”وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ“ (أف 1: 22- 23).
وهكذا وحَّدنا المسيح في ذاته كما يقول معلمنا بولس الرسول، وهكذا متنا مع المسيح، وصرنا أحياءً في المسيح، وقمنا مع المسيح، ونحن جالسون في المسيح يسوع في السماويات كالتالي: ”اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ“ (أف 2: 4-7 فاندايك).
كما يشير بولس الرسول إلى انعتاق الخليقة كلها من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله في المسيح قائلاً: ”لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ“ (رو 8: 21 فاندايك).
ثم يتحدث ق. بولس عن التجديد الشامل والكلي للخليقة في المسيح قائلاً: ”إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا“ (2كو 5: 17 فاندايك).
يُعتبر ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي من أكثر آباء الكنيسة الجامعة الذين تحدثوا عن الانجماع الكلي للخليقة كلها في المسيح مقتفيًا أثر بولس الرسول، وهكذا جاء المسيح في تجسُّده بتدبير شامل ليجمع كل الأشياء في نفسه، حيث يقول التالي:
”لذلك، إذ يوجد إله واحد هو الآب كما سبق أن أوضحنا، ومسيح واحد هو المسيح يسوع ربنا، الذي جاء بتدبير جامع وشامل لكي يجمع كل الأشياء في نفسه، ومن ضمن ’كل هذه الأشياء‘ يوجد الإنسان كخليقة الله؛ لذلك فهو يجمع الإنسان أيضًا في نفسه.
فغير المنظور صار منظورًا، وغير المدرَك صار مدركًا، وغير المتألم صار متألمًا؛ والكلمة صار إنسانًا جامعًا كل الأشياء في نفسه. وهكذا، فكما أن أنه هو الأول بين الكائنات السماوية والروحية والأشياء غير المنظورة، هكذا أيضًا هو الأول بين الأشياء المنظورة والمادية. وهو يأخذ الأولية لنفسه؛ وإذ جعل نفسه رأس الكنيسة، فهو سيجذب كل الأشياء إلى نفسه في الوقت المحدَّد“.[1]
ويربط ق. إيرينيؤس الانجماع الكلي في المسيح بتجديد الجنس البشري كله، وتاريخ الإنسانية كلها، وهكذا يعوضنا المسيح في نفسه عما فقدناه في آدم الأول، معطيًا لنا من جديد صورة الله وشبهه قائلاً:
”حين تجسَّد، وصار إنسانًا، جمع في نفسه، تاريخ الإنسان الطويل جامعًا الخلاص فيه ليعطينا إياه لنقبل من جديد، في المسيح يسوع ما فقدناه في آدم، أعني صورة الله وشبهه“.[2]
ويتحدث ق. إيرينيؤس أيضًا عن أننا صرنا أعضاءً في جسد الرب ودمه، ونلنا الحياة الأبدية من خلال سر الإفخارستيا كالتالي:
”كيف يمكنهم أن يؤكدوا أن الجسد غير قادر أن يقبل عطية الله، التي هي الحياة الأبدية، ذلك الجسد الذي يتغذى من جسد الرب ودمه، وصار عضوًا فيه“.[3]
ق. ميثوديوس الأوليمبي
يتحدث ق. ميثوديوس الأسقف والشهيد عن الانجماع الكلي للكنيسة في المسيح من خلال الأسرار كالمعمودية، حيث يقترح ق. ميثوديوس إعادة خلق مطلقة وكاملة أكثر بكثير من خلق آدم الأول الذي أخطأ، وهكذا شرع الله في إعادة خلق البشرية كلها بالتجسُّد كالتالي:
”فالكنيسة تتزايد يوميًا في العظمة والجمال والكثرة، بالاتحاد والشركة مع الكلمة، والذي لا يزال يأتي إلينا، وتُدخِله ذكرى آلامه في حالة نشوة؛ وإلا ما استطاعت الكنيسة أن تحبل بالمؤمنين، ولا أن تلدهم ميلادًا جديدًا في جرن التجديد،ما لم يُخلِ المسيح نفسه لأجلهم، حتى يمكنهم أن يحتووه، كما قد قلت، من خلال الانجماع الكلي الذي لآلامه، ليموت ثانيةً؛ إذ يأتي من السماء، ويصبح ’مرتبطًا بزوجته‘، الكنيسة، لكي يمد بقوة معينة تؤخذ من جانبه، لكي ما ينمو كل مَن بُني فيه، أولئك الذين وُلِدوا ثانيةً بغسل الجرن، الذي يقبلون من عظامه ومن لحمه، أي من قداسته ومن مجده“.[4]
كما يؤكد ق. ميثوديوس على حتمية تجسُّد الكلمة، واتحاده بالإنسان ليُعِيد الأشياء فيه إلى حالتها الأولى التي كانت منذ البداية، وذلك بميلاده البتوليّ والعذراويّ من العذراء بالروح القدس، وهكذا كـوَّن الأشياء بنفس الطريقة كما كانت من البداية؛ أي أعاد خلقتها على طبيعتها وحالتها الأولى قبل السقوط قائلاً:
”وكان هذا هو المسيح: إنسان مملوء من النقاء واللاهوت الكامل، وتنازل إلى مستوى الإنسان. لأنه الأكثر ملائمة أن الأقدم من الدهور والأرفع من رؤساء الملائكة، عندما أراد الاتحاد بالإنسان، استقر في أقدم وأول إنسان ’آدم‘. ولذلك عند إعادة هذه الأشياء التي كانت منذ البداية، وتكوينها مرة أخرى من العذراء بالروح؛ فقد كوَّنها الله بنفس الطريقة، كما كانت في البداية، عندما كانت الأرض لا تزال بكرًا، وغير محروثة، أخذ الله الطين، وصنع منه كائن عاقل بدون بذرة“.[5]
ق. أثناسيوس الرسولي
يتحدث ق. أثناسيوس الرسولي عن وجودنا الكياني في المسيح عند موته، ويتحدَّث عن موت الجميع في المسيح مؤكِّدًا على وحدة الجنس البشريّ في المسيح آدم الجديد، حيث يقول التالي:
”لكي إذَّا كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر“.[6]
ويؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على وحدة البشرية في شخص المسيح، لارتباطنا به في جسده، وصعودنا معه إلى السماء في جسده، وهكذا يصير لنا شركة الحياة الأبدية، لأننا لم نعد بشرًا عاديين، بل صرنا في اللوغوس لوغسيين كالتالي:
”ولكن ارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فأننا نُحمَل إلى السموات بواسطته، لذلك بطريقة مماثلة قد نقل إلى نفسه أوجاع الجسد الأخرى لكي يكون لنا شركة في الحياة الأبدية، ليس كبشر فيما بعد، بل أيضًا لأننا قد صرنا خاصين بالكلمة [أي لوغسيون]“.[7]
ويؤكِّد ق. أثناسيوس على أن المسيح أبطل اللعنة وهو كائن فينا أي في بشريتنا كالتالي:
”إذ أن لعنة الخطية قد أُبطِلَت بسبب ذاك الذي هو كائن فينا، والذي قد صار لعنةً لأجلنا“.[8]
ويُشدِّد ق. أثناسيوس على نقطة خطيرة جدًا يُنكِرها البعض في عصرنا الحالي وهي أن موت المسيح كان موتنا جميعًا، وقيامته وتمجيده وصعوده للسماء كان هو قيامتنا وتمجيدنا وصعودنا، لأننا في المسيح نفسه أيضًا كالتالي:
”لأجل هذا السبب يُقال إنه إنسان مُجِّدَ أيضًا نيابةً عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقامين من بين الأموات وصاعدين إلى السموات، حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا“.[9]
ويؤكِّد ق. أثناسيوس في عبارة خطيرة جدًا على عدم اندهاش القوات السمائية عندما ترانا نحن المؤمنين بالمسيح أي كنيسته المتَّحِدين به داخلين إلى مناطقهم السمائية كالتالي:
”لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا -المتَّحِدين معه في نفس الجسد– داخلين إلى مناطقهم السمائية“.[10]
ويشير ق. أثناسيوس إلى وحدتنا في جسد المسيح التي صِرنا بواسطتها هيكل الله، وصِرنا أبناء لله يُعبَد الرب فينا كالتالي:
”أنه ليس اللوغوس بسبب كونه لوغوس هو الذي حصل على مثل هذه النعمة، بل نحن لأنه بسبب علاقتنا بجسده فقد صرنا نحن أيضًا هيكل الله – وتبعًا لذلك قد جُعِلَنا أبناء الله، وذلك حتى يُعبَد الرب فينا أيضًا، والذين يُبصِروننا يُعلِنون – كما قال الرسول: ’إنَّ الله بالحقيقة فيكم‘“.[11]
ثم يوضح ق. أثناسيوس أن موت المسيح هو موت جميع البشر كالتالي:
”حيث أن الجميع ماتوا بواسطته، هكذا قد تم الحكم إذ أن الجميع ماتوا في المسيح. وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقى الجميع على الدوام قائمين من الأموات، ولابسين عدم موت وعدم فساد“.[12]
كما يؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا ووجودنا في المسيح بسبب سُكنى الروح القدس فينا الذي يُوحِّدنا معه، وهكذا نصير في الله ويصير الله فينا كالتالي:
”لذلك فبسبب نعمة الروح الذي أُعطِي لنا نصير نحن فيه وهو فينا، وحيث إن روح الله فينا، لذلك فبواسطة سُكناه فينا وبحسب حصولنا على الروح، نُحسَب أننا في الله، وهكذا يكون الله فينا“.[13]
وهكذا يتحدث ق. أثناسيوس عن الخضوع الكلي في المسيح بسبب اقتنائه للبشرية، ولقد صارت ربوبية المخلص على الكل كالتالي:
”فإنه يملك على الذين هم بالفعل تحت سلطانه الآن. أمَّا وإن كان الرب خالق الكل، وملك أبدي، فعندما صار إنسانًا اقتنانا نحن أيضًا. وبهذا يصير واضحًا أن ما قاله بطرس لا يعني أن جوهر الكلمة مصنوع، بل يعني خضوع الكل له فيما بعد، وأن ربوبية المخلص هي التي قد صارت على الكل“.[14]
ويتحدث ق. أثناسيوس أيضًا عن تحرير المسيح للبشرية كلها وخضوع كل الأشياء للمسيح، مقدسًا الجميع بالروح، لأنه قد صار فاديًا للجميع وربًا للأحياء والأموات كالتالي:
”إلا أن اتخاذه للجسد لم يجعل الكلمة وهو رب الطبيعة أن يكون عبدًا، بل بالأحرى فإن الكلمة بهذا الحدث (اتخاذ الجسد) قد حرَّر كل البشرية، فإن الكلمة نفسه وهو بالطبيعة الرب الكلمة قد جُعِلَ إنسانًا، وصار رب الجميع ومسيحًا من خلال صور العبد، أي لكي يقدس الجميع بالروح […] ولأنه صار فاديًا للجميع، فقد صار رب الأحياء والأموات. ولذلك فإن كل الأشياء تخضع له، وهذا أيضًا هو ما يعنيه داود حينما يترنم: ’قال الرب لربي أجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئًا لقدميك‘ (مز 110: 1)“.[15]
ويؤكد ق. أثناسيوس على أننا ننال التأله بالنعمة من خلال الاتحاد السري بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا، وبالتالي تُعتبر الأسرار الكنسية ضرورية في نوال نعمة التأله والحياة الأبدية كالتالي:
”ونحن إنما نتأله لا باشتراكنا السري من جسد إنسان ما، ولكن بتناولنا من جسد الكلمة ذاته“.[16]
ق. كيرلس الأورشليمي
يؤكد ق. كيرلس الأورشليمي أيضًا على اتحادنا الكياني والحقيقي بالمسيح ونوالنا شركة الطبيعة الإلهية، وذلك من خلال اتحاد جسد ودم المسيح بأعضائنا من خلال الإفخارستيا، فنصير نحمل المسيح داخلنا وفي أعضائنا كالتالي:
”وإذ أنت تشترك في جسد المسيح ودمه، تصبح جسدًا واحدًا، ودمًا واحدًا مع المسيح، وهكذا نصبح نحن حاملي المسيح بما أن جسده ودمه ينتشران في أعضائنا. وبهذه الكيفية نصبح على حد تعبير الطوباوي بطرس ’شركاء الطبيعة الإلهية‘ (٢بط١: ٤)“.[17]
ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي
يؤكِّد ق. غريغوريوس النزينزي الملقَّب بـ ”اللاهوتي“ على فكرة وجودنا الكياني في المسيح في تدبيره الخلاصي، مؤكِّدًا على المبادلة الخلاصية الشفائية بيننا وبين المسيح، حيث يقول التالي:
”بالأمس صُلِبَت مع المسيح، واليوم أتمجَّد معه، بالأمس مُت معه، واليوم نلت الحياة به، بالأمس دُفِنَت معه، واليوم أقوم معه […] وكما تَشبه المسيح بنا، فلنتشبه نحن أيضًا به، صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا، قَبِلَ كل ما هو قابل للفساد حتى يهبنا الأسمى، صار فقيرًا حتى نغتني نحن بفقره، أخذ شكل العبد كي نسترد حريتنا، أتضع كي يرفعنا، جاز التجربة كي نغلب نحن به، أُهِين ليُمجِّدنا، مات ليُخلِّصنا، صعد إلى السماء ليجذبنا إلى نفسه، نحن الذين سقطنا في وهدة الخطية“.[18]
يتحدث ق. غريغوريوس النزينزي عن الخضوع الكلي للخليقة كلها في المسيح لله الآب، بسبب الاتحاد الكياني للخليقة كلها بالمسيح كالتالي:
”وهكذا فحين أكون غير خاضع وعاصيًا بنكراني الله وأهوائي، يكون المسيح أيضًا غير خاضع فيَّ. ولكن ’متى أُخضِعَ له كل شيء‘ – وسيُخضَع له بمعرفة الله والتحول – سيقوم هو بالخضوع النهائي فيقدمني لله ناعمًا بالخلاص. وخضوع المسيح يكون – على ما أقول – في إتمام مشيئة الآب. الابن يُخضِع كل شيء للآب، والآب يُخضِعه للابن: الواحد بفعله، والآخر بعطفه، كما ذكرنا ذلك آنفًا. وهكذا فالمُخضِع يقدم لله ما أُخضِعَ له ويجعلنا من خاصته“.[19]
ويؤكد ق. غريغوريوس اللاهوتي على أننا بالمعمودية ننتقل إلى حالة (التأله) من خلال تطهير الروح القدس لنا في أعماقنا الداخلية، وإعادة خلقتنا لنصير من الحالة التي كنا عليها قبل المعمودية إلى حالة (التأله)، ونلبس الإنسان الجديد، ونترك الإنسان العتيق في جرن المعمودية كالتالي:
”بما أننا طبيعة مزدوجة أي من نفس وجسد، وبما أن الطبيعة الأولى غير منظورة [النفس] والثانية منظورة [الجسد]، فعملية التطهير هي مزدوجة أيضًا أي بالماء والروح. وهكذا نتطهّر بصورة منظورة جسديًا وبصورة غير منظورة روحيًا، بالماء شكلاً ورسمًا، وبالروح حقيقةً، لأنه يقدر أن يُطهِّر الأعماق. هذا الروح يأتينا منحة إلى خلقتنا الأولى، ويردنا من العتاقة إلى الجِدّة، ومن الحالة التي نحن عليها الآن إلى حالة التأله، ويصهرنا بدون نار، ويعيد خلقتنا بدون إخفاء الجسد“.[20]
ق. غريغوريوس النيسي
يشير ق. غريغوريوس النيسي إلى وجودنا الكياني في المسيح أثناء عمله الخلاصي، والمبادلة الخلاصية بيننا وبينه، وكيف ألَّه اللاهوت كياننا البشري فيه بالنعمة كالتالي:
”لأنه حتى إنْ كانت طريقة حضور الله فينا ليست هي نفسها كتلك الحالة السابقة، إلا أننا نعترف أن وجوده فينا الآن وآنذاك هو متساوي. فالآن هو يختلط بنا، باعتباره حافظ الطبيعة في الوجود، ومن ثم قد اختلط بكياننا حتى من خلال شركة اللاهوت يصير كياننا مُتألهًا، مُنعتِقًا من الموت، ومُتحرِّرًا من طغيان الخصم. لأن عودته من الموت صارت بداية عودة جنسنا من الفناء إلى الحياة غير المائتة“.[21]
كما يشير ق. غريغوريوس النيسي إلى نوال نعمة الاتحاد بالله والتأله من خلال سر الإفخارستيا؛ حيث يزرع الله ذاته في كل المؤمنين في الإفخارستيا، ويمزج ذاته بأجساد المؤمنين باتحاد حقيقي في الإفخارستيا لينالوا به عدم الفساد (التأله بالنعمة) كالتالي:
”لذلك قَبِلَ ذاك الجسد وهو الوعاء الإلهي، هذا العنصر (السائل) من أجل بنيانه الذاتي، هو الإله الذي ظهر، ولذلك فقد اندمج بنفسه مع الطبيعة الفانية، حتى أنه بشركة اللاهوت تتأله البشرية، لذا فقد غرس نفسه في كل الذين يؤمنون بتدبير النعمة من خلال الجسد الذي يتكوَّن من الخمر والخبز، واختلط بأجساد المؤمنين، حتى باتحاده بغير المائت يصير الإنسان أيضًا شريكًا لعدم الفساد. وهو يمنح هذه (العطايا) بفضل قوة البركة التي من خلالها يُغيِّر طبيعة هذه الأشياء التي تظهر (للحواس) إلى تلك (الطبيعة غير المائتة)“.[22]
ق. هيلاري أسقف بواتييه
ويرى ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقَّب بـ ”أثناسيوس الغرب“ البعد السرائريّ في اتحادنا بالمسيح في سر الإفخارستيا، حيث يقول التالي:
”من ناحية أخرى، قد شهد هو نفسه عن كيف يكون اتحاده بالحقيقة فينا بهذه الطريقة: ’مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ‘ (يوحنا56:6). إذ لن يسكن فيه أحد سوى الذي يسكن فيه بنفسه، لأن الجسد الوحيد الذي قد أخذه لنفسه هو جسد هؤلاء الذين أخذوا جسده، لقد علَّم بالفعل قبلاً عن سر تلك الوحدة الكاملة […] هذا هو سبب حياتنا أننا لدينا المسيح يحيا في طبائعنا البشرية الجسدية بالجسد، وسوف نحيا به كما أنه يحيا بالآب“.[23]
ق. أمبروسيوس أسقف ميلان
يتحدَّث ق. أمبروسيوس أسقف ميلان عن اتحادنا الكياني في المسيح مُردِّدًا ما نُصلِي به في تسبيحتنا ”هو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له“ قائلاً:
”إذًا، فقد أخذ منا ما كان يجب أن يُقدِّمه لنا، هكذا لكي يُفِيدنا مما يخصنا، وبعطيته الإلهية يُقدِّم مما يخصه [أي لاهوته]، ما لم يكن خاصًا بنا، إذًا، بحسب طبيعتنا قدَّم ذاته، حتى بهذا يعمل عملاً أسمى من طبيعتنا. التقدمة هي مما يخصنا أما المكافأة فهي مما يخصه، وكثيرًا ما نجد فيه أيضًا أمور بحسب الطبيعة وأسمى من الطبيعة (البشرية)“.[24]
ويستطرد ق. أمبروسيوس في نفس السياق مُتحدِّثًا بكل صراحة عن وجودنا الكياني في المسيح كالتالي:
”إذًا، بما أن جسد الكل أيضًا في المسيح خضع للجروح، كيف تقولون إن ذلك الجسد وتلك الألوهية لهما الطبيعة ذاتها؟“.[25]
أوغسطينوس أسقف هيبو
ننتقل إلى أوغسطينوس أسقف هيبو ولنا وقفة معه، لأن البعض يُهاجِم تعبير ”جسد المسيح السري“ مُعتقدين أنه تعبير حديث مُعاصر قاله أحد الآباء في العصر الحديث، ولكن المفاجأة الكبرى إنه تعبير أوغسطينيّ صرف تعلَّمه أوغسطينوس من قوانين تايكونيوس الدوناتي، واعتاد استخدامه كمفتاح لتفسير المزامير، للتأكيد على مبدأ أن الكنيسة هي جسد المسيح السري، حيث يقول التالي في تفسيره لسفر المزامير:
”هذه النبوة تنطبق على الشيطان وملائكته الذين يقاتلون، لا ضد جسد المسيح السري فحسب، بل ضد كل عضو من أعضائه، ’قصمت أسنان الأثمة‘، لكل منا أعداؤه الذين يلعنونه، فضلاً عن فاعلي الشر الذين يسعون إلى انتزاعنا من جسد يسوع المسيح، لكن للرب الخلاص“.[26]
كما يؤكِّد أوغسطينوس على حقيقة اتحادنا الكياني في المسيح، وعبور المسيح بجسده الكامل أي الكنيسة من الموت إلى الحياة، قائلاً:
”هكذا أيضًا عبر المسيح بجسده الكامل من الموت إلى القيامة وجسده هو الكنيسة (كو١: ٢٤)“.[27]
ويستطرد أوغسطينوس في نفس السياق، مؤكِّدًا على اتحاد مثال بشريته بنا لإزالة مخالفة فسادنا بشركة موتنا من أجل أن يمنحنا شركة الطبيعة الإلهية والتألُّه قائلاً:
”وبالتالي باتحاد مثال بشريته بنا، قد أزال مخالفة فسادنا، وبشركته لموتنا جعلنا شركاء طبيعته الإلهية“.[28]
ويستطرد أوغسطينوس شارحًا كيف يهب المسيح الرأس أعضاء جسده أي كنيسته ما يقبله هو ناسوتيًا من لاهوته المتَّحِد به كالتالي:
”فإنه قَبِلَ بين الناس أيضًا كالرأس يُعطِي إلى أعضائه: وهو نفسه قد أعطى وقَبِلَ بين الناس وبدون شك كما في أعضائه الذين من أجلهم أيّ من أجل أعضائه صرخ من السماء قائلاً: شاول شاول لماذا تضطهدني؟ (أع٥: ٤)، والذين من أجلهم أيّ أعضائه يقول: بما أنكم فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم (مت٢٥: ٤٠)، لذا قد أعطى المسيح نفسه من السماء [أي من لاهوته]، وقَبِلَ على الأرض“.[29]
ثم يشرح أوغسطينوس كيفية الاتحاد بين المسيح وبيننا في الجسد الواحد مُستخدِمًا تعبيرات مثل: الانسجام، أو التوافق، أو التناغم، أو التآلف، أو الشركة، للتأكيد على وحدتنا الطبيعية في المسيح المغروسة فينا بصفة خاصة من خلال موته وقيامته بطبيعتنا البشرية كالتالي:
”بينما يُواجِه موته الواحد وقيامته الواحدة ازدواجية وثنائية موتنا وقيامتنا، لأنه بهذا الانسجام أو التوافق أو التناغم أو التآلف أو أي كلمة مناسبة أكثر يمكن التعبير بها، بحيث أن اتحاد الواحد بالأثنين له أهمية كبيرة جدًا في كل الاندماج والاتفاق أو بالحري شركة الخليقة، تمامًا مثلما يحدث لي وهو ما أقصده بدقة بالغة بالشركة التي يدعوها اليونانيون άρμονία أي الانسجام والتناغم، ومع ذلك فهذا ليس المكان لكي ما أستعرض قوة ذلك الانسجام والاتحاد بين الواحد والثنائي الموجود بصفة خاصة فينا والمغروس فينا بصورة طبيعية أيضًا (الذي لا يكون إلا بواسطة خالقنا)؟ الذي لا يفشل حتى الجاهل في إدراكه“.[30]
ق. يوحنا ذهبي الفم
يُصادِق ق. يوحنا ذهبي الفم على نفس كلام الآباء السابقين واتحادنا الكياني في المسيح، وأننا نصير جسد المسيح ليس بالرغبة أو الإرادة فقط، بل في الواقع أيضًا كالتالي:
”إن دور التلميذ هو ألا يفحص بوقاحة في تعاليم مُعلِّمه، بل دوره أن يسمع ويؤمن وينتظر الوقت لذلك لكي ما نصير جسده ليس بالرغبة فقط، بل أيضًا على مستوى الواقع، فليتنا نصير متَّحِدين بذلك الجسد، وهذا بالحق يتم بواسطة الطعام الذي أعطاه لنا كهبة [أي الإفخارستيا]، لأنه أراد أن يُبرهِن على الحب الذي له من نحونا. إذ لهذا السبب أشرك نفسه معنا، وأنزل جسده لمستوانا أي نصير واحدًا معه كاتحاد الجسد مع الرأس، وهذا بالحق هو سمة حبه العظيم“.[31]
ويُحدِّد ق. يوحنا مفهوم التقدمة أو الفدية أو الذبيحة بأن الابن وحَّد نفسه بنا وقدَّمنا كذبيحة في نفسه، لأن الابن كله حلَّ فينا لا بنوع من الطاقة، بل كجوهر كالتالي:
”يقول الرسول وبتشديد أكثر أن كل ما هو للآب هو للابن أيضًا، لأنه صار ميتًا لأجلنا، ووحَّد نفسه بنا. لم يقل الرسول ’باكورةً‘ كما في الثمار، ولم يقل ’قيامةً‘ فحسب، بل قال ’باكورة القيامة‘ مظهرًا أنه قد قدَّسنا كلنا، وقدَّمنا كما لو كنا ذبيحةً. إن البعض يستخدم تعبير ’الملء‘ كنايةً عن اللاهوت، كما قال يوحنا: ’ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا‘ (يو 1: 16). أي مهما كان الابن، فالابن كله حلَّ هناك ليس بنوع من الطاقة، بل كجوهر“.[32]
ويتحدَّث ق. يوحنا ذهبي الفم عن امتزاج المسيح بنا في جسده ليس بالإيمان فقط، بل بجعلنا جسده الحقيقي، حيث يقول:
”فلم يكن كافيًا للسيد أن يصير إنسانًا ويُضرَب ويُقتَل، لكنه بمزج نفسه أيضًا بنا، لا بالإيمان فقط، بل بجعلنا أيضًا جسده بالفعل“.[33]
ويؤكِّد ق. يوحنا ذهبي الفم على نفس التعبير مُعطِيًا له بعدًا سرائريًا، وهو امتزاجنا بالمسيح في جسد واحد في سر الإفخارستيا كالتالي:
”المائدة التي منها نقتات نحن، التي بها نمتزج ونصير جسدًا واحدًا ولحمًا واحدًا مع المسيح“.[34]
ويُشدِّد ق. يوحنا ذهبي الفم على نفس مفهوم امتزاج المؤمنين بالمسيح في الأسرار قائلاً:
”فالسيد يمزج ذاته بكل واحد من المؤمنين في الأسرار، وهو يُطعِم بنفسه الذين ولدهم ولا يُسلِّمهم لآخرين، مُقنِعًا إياكم بهذا مرةً أخرى أنه اتخذ جسدكم“.[35]
ويُعرِّف ق. يوحنا ذهبي الفم مفهوم شركتنا في جسد المسيح في موضع آخر قائلاً:
”لقد قال: شركة جسد المسيح، ليؤكِّد على أن ما نتناوله حقًا هو جسد المسيح المحيي، فعندما قال: شركة جسد، فإنه أراد أن يقول شيئًا يُعبِّر به عن أن الاتحاد يمضي في طريقه نحو ما هو أكثر، ولذلك أضاف: فإننا نحن الكثيرين خبز واحد وجسد واحد (١كو١٠: ١٧) ولماذا يقول شركة؟ يقول إن هذا الجسد ذاته هو نحن، لأنه ما هو الخبز؟ إنه جسد المسيح. وماذا يحدث للمؤمنين الذين يتناولون منه؟ يصيرون جسد المسيح، وليس أجسادًا كثيرة، بل جسدًا واحدًا“.[36]
ق. كيرلس الإسكندري
يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري مُؤكِّدًا على فكرة وجودنا الكياني في المسيح أثناء صلبه كالتالي:
”ونحن قد صُلِبَنا معه لما صُلِبَ جسده الذي كانت فيه كل طبيعتنا“.[37]
ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندري في موضع آخر على فكرة شركتنا مع المسيح بالطبيعة في عمله الخلاصي، حيث يقول التالي:
”ومن أجل منفعتنا يقول إن الكلمة سكن فينا، لكي يرفع الحجاب عن السر العميق، لأننا نحن جميعًا في المسيح، والجماعة المشتركة في الطبيعة الإنسانية ارتفعت إلى شخصه، وهو ما جعله يُدعَى ’آدم الأخير‘ (١كو١٥: ٤٥) واهبًا بغنى للطبيعة الإنسانية المشتركة كل ما يخص الفرح والمجد“.[38]
كما يُفرِّق ق. كيرلس الإسكندري بين الهرطوقي والأرثوذكسي بشكلٍ واضحٍ في مسألة أننا ككنيسة جسد المسيح الإفخارستي قائلاً:
”وحيث أن الهرطوقي في حماقته، يريد أن يُروِّج لآرائه الزائفة، ويقول: ’إنَّ أيّ مُجادلة لن تجعل الذين يُحرِّفون معنى الكلمات التي أمامنا عن معناها السليم، ويَعتبرونها تشير إلى تجسُّد المسيح، لأننا لم نتَّحد به بالجسد، ولا الرسل يثبتون في جسد المسيح كأغصان، ولا هم كانوا مُرتبِطين به بهذا الشكل، بل عن طريق وحدة الفكر والإيمان الحقيقي‘. والآن فلنُجاوِب على هذا الكلام باختصار، ونُبِين للهرطوقي أنه قد انحرف تمامًا، وهو لا يتبع الكتب المقدَّسة باستقامة.
فكون أننا مُتَّحِدون روحيًا بالمسيح بما يتطابق مع المحبة الكاملة، فهذا لا يُنكِره بيان عقيدتنا بأيّ حال، فنحن نعترف أن المعترِض على صواب في قوله من هذه الجهة، ولكن أن يقول إنه لا توجد أي إشارة في المثل إلى اتحادنا بالمسيح بالجسد، فنحن سنُوضِّح أن كلامه هذا يتعارض تمامًا مع الكتب الموحَى بها، لأنه كيف يمكن أن يُجادِل أحد، أو هل يُمكِن لأيّ إنسان ذي فكر مستقيم أن يُنكِر أن المسيح هو الكرمة من ناحية جسده؟ ونحن لكوننا أغصان حسب الرمز [أي رمز الكرمة والأغصان]..
فإننا ننال في أنفسنا الحياة النابعة منه، كما يقول بولس: ’لأننا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، فإننا نحن الكثيرين خبز واحد […] لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد‘ (أنظر رو١٢: ٥؛ ١كو١٠: ١٧). ما هو سبب هذا وهل يستطيع أحد أن يُعطِينا تفسيرًا بدون الإشارة إلى قوة السر المبارك؟ ولماذا نحن نتناوله ونأخذه داخلنا؟ أليس لكي يجعل المسيح يحل فينا جسديًا أيضًا بالاشتراك في تناول جسده المقدَّس؟ أنه يجيب بصواب قائلاً نعم هو كذلك. لأن بولس يكتب هكذا: أن الأمم شركاء في الجسد، وشركاء المسيح في الميراث (أنظر أف٣: ٦).
كيف يكونون أعضاء في الجسد؟ ذلك بسبب دخولهم [أي الأمم] ليشتركوا في الإفخارستيا المقدَّسة، وهكذا يصيرون جسدًا واحدًا معه مثل أيّ واحد من الرسل القديسين!“.[39]
وأخيرًا، يؤكد ق. كيرلس الإسكندري على أننا بالإفخارستيا أي ”بشركة جسده الخاص الذي يسكب فينا شركة الله، ويمحو الموت الذي حلَّ بنا من اللعنة القديمة“.[40]
وهكذا نجد التأكيد في شروحات آباء الكنيسة على اتحادنا الكياني في المسيح سواء في تدبير الخلاص أو على مستوى الأسرار، وبالتالي لا يمكن أن يكون جسد المسيح أي جسد البشرية، كما يدَّعي البعض خطاءً، جسدًا اعتباريًا، أو رمزيًا، أو روحيًا فقط، بل جسدًا حقيقيًا بشهادة جميع آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا.
حيث يدحض آباء الكنيسة التعليم غير الأرثوذكسيّ بنظرية الأجساد الثلاثة، وادعاء البعض بأن جسد المسيح الذي أخذه من العذراء غير جسده أي الإفخارستيا، وغير جسده أي الكنيسة، واعتبار جسد المسيح السريّ أي الكنيسة هو مُجرَّد جسد رمزيّ اعتباريّ.
وتتفق في ذلك آراء آباء الكنيسة الغربية اللاتينية مع آراء الكنيسة الشرقية اليونانية، حيث قد وجدنا أنهم يؤكِّدون على وحدة الأجساد الثلاثة، وعدم فصلهم عن بعضهم البعض، مُتفِقين مع أقول آباء الكنيسة اليونانية الشرقية في نفس الموضوع، وأود التنويه إلى أن ما أعرضه من أقوال الآباء وشروحاتهم هو بعض من كل، وقليل من كثير، وعشرات بل مئات من الشروحات تؤكِّد على اتحادنا الكياني في المسيح.
الليتورجية القبطية
نجد العديد من الإشارات في نصوص الليتورجية القبطية إلى اتحادنا الكياني بالمسيح، كما سنرى في النصوص الليتورجية التالية.
حيث نجد إشارة واضحة جدًا للاتحاد الكياني بالمسيح في قسمة للابن تُقال في أي وقت، وهكذا يتحدث عن إعطاء الله لنا مشتهيات الألوهية، بعدما خسرنا شجرة الحياة، وهذا يحدث من خلال تناولنا الجسد والدم الأقدسين كالتالي:
”صنعت لي وليمة النعمة، وشفيتني من سم الحية، وسلمتني أدوية الخلاص. لأنه هكذا أيها السيد، عندما عدَّمت نفسي من شجرة الحياة، أعطيتني مشتهيات الألوهية. صيَّرتني واحدًا معك، أعطيتني جسدك ودمك الذي بذلته عن حياة العالم“.[41]
وتتحدث قسمة أخرى للقديس كيرلس السكندري تُقال في أي وقت عن اتحادنا الكياني والحقيقي بالمسيح، حيث عندما نتناول الجسد والدم تشارك نفوسنا مجد الله، وتتحد نفوسنا بألوهيته، ونصير هياكل مقدسة لحلوله، ونتحد به اتحادًا سريًا، وهكذا نتحد بالثالوث القدوس، ويكون واحدًا معنا وفينا كالتالي:
”أجعلنا أهلاً لحلول روحك الطاهر في نفوسنا، أنر عقولنا لنعاين سبحك، نق أفكارنا وأخلطنا بمجدك. حبك أنزلك إلى هبوطنا، نعمتك تصعدنا إلى علوك […] عند استحالة الخبز والخمر إلى جسدك ودمك، تتحول نفوسنا إلى مشاركة مجدك، وتتحد نفوسنا بألوهيتك […] صيرنا هياكل مقدسة لحلولك […] أهلنا للاتحاد بك خفيةً. وهبت لنا أن نشرب كأس دمك طاهرًا، أهلنا أن نمتزج بطهارتك سرًا. وكما أنك واحد في أبيك وروحك القدوس، نتحد نحن بك، وأنت فينا، ويكمل قولك، ويكون الجميع واحدًا فينا“.[42]
وهكذا نحن نتناول في سر الإفخارستيا الجسد الإلهي والدم الكريم لنتأله، وليس كما يدَّعي البعض أننا نتناول الناسوت دون اللاهوت، حيث نصلي في قسمة تُقال للابن في سبت الفرح التالي:
”وأنعمت علينا بشجرة الحياة، التي هي جسدك الإلهي ودمك الحقيقي“.[43]
كما تتحدث القسمة الوجيزة عن أننا نتناول الجسد الإلهي والدم الكريم، نتناول الجسد الإلهي والدم الكريم، وليس الناسوت دون اللاهوت كالتالي:
”يا الله الذي أنعم علينا نحن الخطاة بميقات الخلاص، وذبيحة ناطقة سمائية التي هي الجسد الإلهي، والدم الكريم اللذان لمسيحك. هذا الذي صار لنا طُهرًا، وخلاصًا، ونعمةً، وغفرانًا للخطايا“.[44]
وتتحدث قسمة الابن السنوي عن اتحادنا الكياني بالمسيح في الإفخارستيا كالتالي:
ويتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي في قداسه عن امتلاء الكل سواء البشر أو الملائكة من لاهوت الابن في صلاة الصلح الموجهة للابن في القداس الغريغوري كالتالي:
”وصالحت الأرضيين مع السمائيين، وجعلت الاثنين واحدًا، وأكملت التدبير بالجسد. وعند صعودك إلى السماء جسديًا، إذ ملأت الكل بلاهوتك، قلت لتلاميذك ورسلك القديسين: سلامي أعطيكم، سلامي أنا أترك لكم“.[46]
كما نصلي في الشيرات الثانية في باكر سبت الفرح مخاطبين العذراء مريم القديسة قائلين:
”السلام للممتلئة نعمة، المائدة الروحية التي تعطي الحياة لكل مَن يأكل منها [المقصود هو الإفخارستيا]، السلام للإناء غير الفاسد الذي للاهوت المعطي الشفاء لكل مَن يشرب منه“.[47]
ويتحدث هنا أننا نشرب من إناء اللاهوت غير الفاسد لشفائنا، وأعتقد أنه يقصد أننا نشرب اللاهوت سرائريًا المعطي شفاءً لكل مَن يتناول منه.
كما هناك إشارة واضحة جدًا إلى عقيدة التأله بالنعمة في طرح واطس للأحد الثالث من الخمسين المقدسة، حيث تتحدث عن قيامة المسيح كعربون للتأله والقيامة الأبدية كالتالي:
”قام الملك المسيح من القبور عربون التأله والقيامة الأبدية، له المجد دائمًا“.[48]
وهكذا يصلي الكاهن في صلاة تسريح ماء المعمودية في ختام طقس سر المعمودية المقدسة، متحدثًا عن إضاءة المعمدين بنور اللاهوت بعد معموديتهم، أي أنهم اتحدوا بالنور الإلهي، وصاروا يضيئون ببهاء ونور اللاهوت كالتالي:
”أنت يا سيدنا جعلت هذا الماء طاهرًا بنعمة مسيحك، وحلول روحك القدوس عليه، وصار لعبيدك الذين تعمدوا فيه حميمًا للميلاد الجديد، وتجديدًا من الضلالة القديمة، وأضاءوا بنور لاهوتك“.[49]
ويصلي الكاهن على المعمد أيضًا في صلاة حل زنار المعمدين بوضع يده عليه، بعد التناول من الأسرار المقدسة، متحدثًا عن إضاءة المعمد بنور لاهوت السيد الرب إلهنا، ونواله النور الفوقاني الذي من فوق، النور غير الموصوف، الذي للرب يسوع المسيح مخلصنا كالتالي:
”أيها السيد الرب إلهنا مانح السلام والبركة، ذو الصلاح، وحده محب البشر، الذي باركنا، وقدسنا، وأضاء علينا بنور لاهوته، الذي جعل عبيده مستحقين أن ينالوا النور الذي من فوق، غير الموصوف، الذي لمسيحك يسوع مخلصنا. أنر عليهم بنور البركة، طهَّرهم. باركهم. جدَّدهم بنعمتك من جهة الصبغة التي نالوها بقوة روحك القدوس المحيي“.[50]
كما يصلي الكاهن طلبة في تحليل المرأة أثناء إتمام طقس سر المعمودية المقدسة، حيث يتحدث عن اتحادنا الكياني بشخص المسيح في شركة سرية كالتالي:
”من أجل هذا يارب طهَّرت طبيعتنا، وعتقتنا بالاتحاد في شخصك في شركة سرية. نسأل ونطلب منك يا مُحِب البشر لكي تتطلع على أمتك (فلانة) حتى يتجدد روح قدسك في أحشائها“.[51]
وتتحدث قسمة الابن التي تُقال في أي وقت عن الاتحاد الكياني في المسيح بالروح القدس، حيث صرنا مسكنًا له بالروح القدس الحال فينا بأقنومه كالتالي:
”وأكملت ناموسك عني، ربطتني بكمالات الشريعة. وعزيتني بلبان العلم من قِبل روحك القدوس، منطقتني بالقوة، واتخذتني لك مسكنًا“.[52]
وتتحدث قسمة تُقال للابن في عيد القيامة عن نوالنا لنور قيامة الرب بتجسده وقيامته، وإضاءتنا بشكله المحيي بنور معرفته الحقيقية كالتالي:
”ونحن أيضًا الجلوس في الظلمة زمانًا، أنعم علينا بنور قيامته من قِبل تجسُّده الطاهر. فليضيء علينا نور معرفتك الحقيقية لنضيء بشكلك المحيي“.[53]
ويصلي الكاهن صلاة خضوع للآب قبل التناول في القداس الكيرلسي، تؤكد على أننا ننال بالتناول من الأسرار المقدسة طُهر إنساننا الداخلي كطُهر الابن الوحيد كالتالي:
”طهَّر إنساننا الداخلي كطُهر ابنك الوحيد، هذا الذي نريد أن نتناوله“.[54]
ويصلي الكاهن في صلاة القسمة للآب في القداس الكيرلسي، ويتحدث عن تناولنا للجمرة الحقيقية المعطية حياة للنفس والجسد والروح، ألا وهي الجسد المقدس والدم الكريم اللذان للمسيح، وهذه الجمرة بالطبع هي جمرة اللاهوت، لأن إلهنا نار آكلة، وبالتالي يدحض هذا القول بأننا نتناول الناسوت فقط في سر الإفخارستيا، وليس اللاهوت المتحد بالناسوت كالتالي:
”تفضل طهَّر أنفسنا، وأجسادنا، وشفاهنا، وقلوبنا، وأعطنا هذه الجمرة الحقيقية المعطية حياة للنفس، والجسد، والروح، التي هي الجسد المقدس، والدم الكريم اللذان لمسيحك“.[55]
ويصلي الكاهن في صلاة الحجاب لأبينا ق. يوحنا المثلث الطوبى للآب سرًا، في بداية القداس الكيرلسي، ويتحدث عن حلول الروح القدس، النار غير الهيولية (أي غير المادية) فينا، أي يتحدث عن حلول الروح القدس بأقنومه فينا، كالتالي:
”أعطني يارب روحك القدوس، النار غير الهيولية [المادية] التي لا يُفكَّر فيها، التي تأكل كل الضعفات، وتحرق الموجودات الرديئة“.[56]
وهذا ما نصليه أيضًا مخاطبين العذراء القديسة مريم في لبش واطس في باكر سبت الفرح (أو سبت النور) لكي ما ننال الروح القدس لنصير مسكنًا له مثلما حلَّ على العذراء القديسة مريم، وهذا يؤكد الحلول الأقنومي للروح القدس فينا كما حلَّ أقنوميًا على العذراء مريم كالتالي:
”من أجلك أيضًا صرنا مسكنًا للروح القدس الذي حلَّ عليك وقدَّسك“.[57]
ونستنتج من هنا أن الاتحاد الكياني بالمسيح هو عقيدة متأصلة في الليتورجية القبطية التي تُعتبر وعاءً لعقيدة ولاهوت الكنيسة، فنحن ما نؤمن به نصلي به، وبالتالي، نجد عقيدة الاتحاد الكياني والحقيقي بالمسيح متغلغلة في الليتورجية القبطية وصلواتها المقدسة.
الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر
هناك دائمًا خوف من القول بأن الروح القدس يسكن البشر بأقنومه، لئلا نصير آلهةً مثل الله، وهذا بالطبع خطأ فادح جدًا، ﻷننا لا نستطيع أن نصير مثل الله فى كمال لاهوته بل نصير بالنعمة مشابهين لله وننمو فى صورته، ومثاله، وشبهه، فلابد أن يسكن الروح القدس بذاته، وأقنومه فينا، ﻷنه مثلاً كيف يسكن اﻹنسان مسكنًا بمواهبه وقدراته وطاقاته دون أن يسكن بجوهره وذاته فى هذا المسكن لذا هناك أدلة كتابية وآبائية كثيرة على الحلول اﻷقنومي للروح القدس فى البشر، سنقوم بعرضها فيما يلي.
الكتاب المقدس
حيث يتحدث رب المجد لتلاميذه عن أن روح الحق ماكث معهم ويكون فيهم وليست مواهبه كالتالي: ”رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ“ (يو14: 17).
ويتحدث بولس الرسول عن أن الله أعطانا روحه، ولم يعط مواهبه فقط: ”إِذًا مَنْ يُرْذِلُ لاَ يُرْذِلُ إِنْسَانًا، بَلِ اللهَ الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا رُوحَهُ الْقُدُّوسَ“ (1تس4: 8).
ويقول يوحنا الرسول أن الله أعطانا من روحه للثبات فيه، ولم يقل من مواهبه كالتالي: ”بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِينَا: أَنَّهُ قَدْ أَعْطَانَا مِنْ رُوحِهِ“ (1يو4: 13).
ويتحدث رب المجد عن أن الروح القدس، روح اﻵب هو المتكلم فينا، وليس مواهبه وطاقاته كالتالي: ”لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ“ (مت10: 20).
ويقول بولس الرسول أن الروح القدس، روح الابن هو الصارخ فينا إلى اﻵب، وليست مواهبه، وطاقاته، ونعمه كالتالي: ”ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: ’يَا أَبَا الآبُ‘“ (غلا4: 6).
ويتحدث بولس الرسول عن أن روح الله يسكن فينا، ولم يقل مواهبه تسكن فينا كالتالي: ”أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟“ (1كو3: 16).
ويقول بولس الرسول أن الروح القدس الذى أقام المسيح من اﻷموات ساكنًا فينا، ولا أعتقد أن مواهب ونعم الروح القدس هي التي أقامت المسيح من اﻷموات، بل الروح القدس نفسه كالتالي: ”وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ“ (رو8: 11).
ويؤكد بولس الرسول على أن الروح القدس، روح الله وروح المسيح ساكن فينا، ولم يقل طاقاته ومواهبه كالتالي: ”وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ“ (رو8: 9).
ويقول بولس الرسول إن جسدنا هو هيكل للروح القدس، وليس هيكلاً لمواهب الروح القدس كالتالي: ”أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟“ (1كو6: 19).
ويقول بطرس الرسول إن روح المجد والله يحل فينا، ولم يقل مواهب روح المجد كالتالي: ”إِنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَطُوبَى لَكُمْ، لأَنَّ رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ. أَمَّا مِنْ جِهَتِهِمْ فَيُجَدَّفُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَتِكُمْ فَيُمَجَّدُ“ (1بط4: 14). هناك الكثير من اﻵيات الكتابية التي تؤكد على الحلول اﻷقنومي، لذا أكتفي بهذا القدر.
ق. أثناسيوس الرسولي
ونجد أن هناك العديد من أقوال آباء الكنيسة الجامعة تؤكد على الحلول اﻷقنومي للروح القدس فينا، حيث يتحدث ق. أثناسيوس عن طريقة مشهورة للتفريق بين الروح القدس ذاته ومواهبه في حلوله الأقنومي في البشر كالتالي:
”وواضح هنا أنه عندما يقول الروح فالمقصود هو الروح القدس. وهكذا أيضًا حيث يكون الروح القدس في البشر، حتى إذا ذكرت كلمة الروح بدون أيّ إضافة، فليس هناك مِن شك أنها تعني الروح القدس وعلى اﻷخص عندما تذكر الكلمة مقترنة بأداة التعريف“.[58]
ويؤكد ق. أثناسيوس أيضًا على أن الحلول الأقنومي لأحد أقانيم الثالوث هو بمثابة حلول للثالوث القدوس كالتالي:
”كيف حينما يوجد الروح فينا يُقال أن الابن فينا؟ وحينما يكون الابن فينا يُقال إن اﻵب فينا؟ وعندما يكون الثالوث بحق ثالوثًا، فكيف يفهم أنه واحد. أو لماذا حينما يكون أحد أقانيم الثالوث فينا، يُقال إن الثالوث موجود فينا؟“.[59]
ونجد هنا أن ق. أثناسيوس يسأل محاربي الروح القدس: كيف إذا كان الروح القدس فينا لا يكون الثالوث ساكن فينا؟ ويقول إن كان أحد أقانيم الثالوث فينا، ولم يقل مواهب أحد الاقانيم، فمعنى ذلك حلول الثالوث القدوس كله فينا.
ق. كيرلس الأورشليمي
ويتحدث ق. كيرلس الأورشليمي عن حلول الروح القدس فينا بذاته، وليس بمواهبه فقط، حيث يقول التالي:
”لقد نطق بهذا متنبأ ’حين يجعل الرب روحه عليهم‘. العبارة تقول ’إذ يجعل الرب‘ أي يجعله يحل على الكل […] إنه سيُعطي بسخاء. لقد ألمح فى السر إلى ما كان مزمعًا أن يحدث بيننا في يوم الخمسين، ﻷن الروح القدس بنفسه حلَّ بيننا“.[60]
ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي
ويتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر في يوم الخمسين، مفرقًا بين حلوله هذا، وحلوله مسبقًا في مناسبات أخرى كالتالي:
”وفي المناسبة الثالثة في وقت توزيع الألسنة النارية عليهم الذي نحتفل بذكراه اليوم، ولكن في المناسبة الأولى، كان ظهور الروح القدس بطريقة خافتة، وفي الثانية بطريقة مُعبِّرة وواضحة، أمَّا في الثالثة فبطريقة أكثر كمالاً، حيث أنه لم يعد حاضرًا بالقدرات والطاقات والأفعال كما كان فيما سبق، بل حاضرًا بجوهره يُشارِكنا ويُعايشنا، إذ لا يستطيع أحد أن يقول غير ذلك“.[61]
ق. يوحنا ذهبي الفم
ثم يتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن اختلاف طريقة حلول الروح القدس على الرسل في يوم الخمسين عن حلوله على الأنبياء في العهد القديم، حيث يقول التالي:
”أما بالنسبة للأنبياء فالوضع مختلف إذ لم يحل الروح القدس على أحدهم بالطريقة التي حدثت مع الرسل […] لكن الذي حلَّ هنا هو الروح القدس […] لكن لم ينل أحد منهم الروح القدس بنفس الطريقة التي حدثت للرسل هنا“.[62]
وهكذا يؤكد ذهبي الفم على حلول الروح القدس نفسه ونعمته أيضًا كالتالي:
”ليس أنهم نالوا نعمة الروح القدس فقط، بل امتلأوا منه، وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا“.[63]
العلامة ديديموس الضرير
ويتحدث العلامة الإسكندري ديديموس الضرير عن سُكنى الثالوث فينا من خلال سُكنى الروح القدس فينا كالتالي:
”الروح القدس يسكن في العقل وفي الانسان الباطن بنفس الطريقة التي يسكن بها اﻵب والابن“.[64]
فالعلامة ديديموس لا يتحدث هنا عن سُكنى مواهب، بل عن سُكنى أقانيم الثالوث فينا. ويتحدث العلامة ديديموس أيضًا فى نفس السياق عن شركتنا في الآب والابن من خلال شركتنا مع الروح القدس كالتالي:
”وهكذا فأيٍّ مَن كان له شركة في الروح القدس؛ يصير على الفور في شركة مع اﻵب والابن“.[65]
وهكذا يتحدث العلامة ديديموس عن شركة مع اﻷقانيم، وليست شركة مع المواهب. وكتابه عن الروح القدس مليء بالأدلة على الحلول الأقنومي للروح القدس فينا ولكنني سأكتفي بذلك.
ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس
ويتحدث ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس الملقب بـ ”صائد الهرطقات“ بكل صراحة عن الوجود الأقنومي للروح القدس في كل هذه الأشياء المعطاة للبشر من مواهب الروح القدس كالتالي:
”فإنه يُعطِي الخير للكل بشكل مختلف (1كو12: 8) ’فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ، وَلآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ بِحَسَبِ الرُّوحِ الْوَاحِدِ‘ […] وهو يُظهِر لنا الوجود الأقنومي للروح القدس من خلال تلك اﻷشياء“.[66]
ق. كيرلس الإسكندري
وهكذا يتحدث ق. كيرلس الإسكندري صراحةً عن حلول الروح القدس بذاته في داخلنا، ولم يقل بمواهبه فقط في سياق إثبات ألوهية الروح القدس في مقابل محاربي الروح القدس من الآريوسيين، والأفنوميين، والمقدونيين كالتالي:
”كيرلس: فمَّن يعمل في داخلنا، ويكمل فينا عمل الله، هل يمكن ألا يكون الله؟ […] كيرلس: […] قُل لي إذًا، بأي طريقة كان يوجد الله في القدماء عندما كان الروح داخلهم؟ أو كيف يمكن أن يأتي في داخلنا نحن عندما يكون الروح ذاته في داخلنا؟ لأنه لا يمكن أن يتحقق فينا وجود الله حسب طبيعته إن كان الروح مختلفًا عن اﻵب في الجوهر“.[67]
كما يُحارِب ق. كيرلس الإسكندري منكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، حيث يقول أننا نتَّحد بالله ونصير واحدًا معه وشركاء الطبيعة الإلهية بشركتنا ووحدتنا مع الروح غير المخلوق في سياق دفاعه عن ألوهية الروح القدس، حيث يقول التالي:
”هكذا أيضًا ذاك الذي صار شريكًا للروح القدس يصير واحدًا مع الرب، وبالتالي الروح القدس هو الله، الذي بواسطته، نلتصق بالله ونصير واحدًا معه، وشركاء الطبيعة الإلهية (أنظر ٢بط ١: ٤)، بشركتنا ووحدتنا مع الروح. فإذا كان الروح هو الله، فكيف يكون مخلوقًا“.[68]
ويُقاوِم ق. كيرلس الإسكندري الأفنوميين الهراطقة مُنكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، حيث يقول التالي:
”فإنْ كان الروح يحل ويسكن فينا، وبواسطته يسكن المسيح أيضًا فينا، إذًا، الروح القدس هو قوة المسيح. فإذا كان الأمر هكذا، فكيف يكون مخلوقًا هذا الذي من طبيعته أن يوجد في الابن؟ إنها ساعة إذًا ليقولوا: إن كلمة الله -الذي لا تركيب فيه ولا ازدواج- مركب، وذلك بسبب هذا الشيء الذي يأتي من الخليقة مُضافًا إلى طبيعته. لكن هذا محض عبث، فالروح ليس مخلوقًا ولا مجبولاً، إنما هو يأتي من أعلى، من الجوهر الإلهي، كقوة وفعل طبيعي له“.[69]
ويحارب ق. كيرلس الإسكندري مُنكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، والذين يدَّعون أن شركتنا مع الروح القدس هي شركة مع مخلوق، حيث يقول التالي:
”إذًا، عندما يسكن الروح في غير المرفوضين، يكون المسيح هو ذاك الذين يسكن فيهم، وبالتالي يكون من الضروري أن نقول إن هذا هو الجوهر الإلهي الذي يجعل كل الذين يشاركونه شركاءً. لأنه ما من أحد يملك عقلاً يمكنه أن يقول إن شركتنا مع الله يمكن أن تصير بواسطة مخلوق، طالما كان هذا المخلوق -بحسب رأي الهرطقة- لديه طبيعة مختلفة، وهو مختلف تمامًا عن الآب والابن، وإن هناك فرقًا شاسعًا بين الجوهر المخلوق والجوهر غير المخلوق“.[70]
ويتحدث ق. كيرلس الإسكندري عن عمل الروح القدس فينا كالتالي:
”إنَّ الكلمة الذى من الله الآب يُرقِينا إلى حد أن يجعلنا شركاء طبيعته الإلهية بواسطة الروح القدس. وبذلك صار له الآن أخوة مشابهون له وحاملون صورة طبيعته الإلهية من جهة التقديس. لأن المسيح يتصور فينا هكذا: بأن يُغيِّرنا الروح القدس تغييرًا جذريًا من صفاتنا البشرية إلى صفاته هو. وفي ذلك يقول لنا بولس الطوباوي: ’وأمَّا أنتم فلستم في الجسد، بل في الروح‘ (رو٨: ٩)، فمع أن الابن لا يُحوِّل أحدا قط من المخلوقين إلى طبيعة لاهوته الخاص -لأن هذا مستحيل- إلا أن سماته الروحية ترتسم بنوع ما في الذين صاروا شركاء طبيعته الإلهية بقبول الروح القدس وبهاء لاهوته غير المفحوص يضيء مثل البرق في نفوس القديسين“.[71]
ثم يدحض ق. كيرلس الإسكندري المعتقدين بالحلول المواهبي للروح القدس في البشر في سياق دفاعه ع ألوهية الروح القدس كالتالي:
”أمَّا لو كانت النعمة المعطاة لنا بواسطة الروح القدس هي نعمة منفصلة عن جوهره، فحينئذ لماذا لم يقل موسى النبي (تك٢: ٧) إنه عندما أوجد الخالق الكائن الحي (الإنسان)، إنه نفخ فيه النعمة مع نفخة الحياة، ولماذا لم يقل المسيح لنا: اقبلوا النعمة التي أهبها لكم بعمل الروح القدس؟ والعكس هو الصحيح، لأن موسى قال: نفخة الحياة، ولأننا به نحيا ونتحرك ونوجد.
كما قال بعض شعرائكم أيضًا: لأننا أيضًا ذريته (أع١٧: ٢٨)، بينما دعاه المخلص الروح القدس، وهكذا سكن في نفوس أولئك الذين يؤمنون بالروح الحقيقي نفسه، والذي بواسطته وبه يقودهم إلى هيئتهم الأولى. بمعنى أنه يجعلهم مشابهين له عندما يقدِّسهم، وهكذا يُعيدنا إلى صورتنا الأولى أي إلى حالة ختم الآب. ومن جهة الدقة في وصف وحدة الجوهر، فإن الابن ذاته هو الختم الحقيقي، في الوقت نفسه فإن الروح القدس هو شبه واضح وطبيعي للابن، والذي نتغير نحن بالتقديس بواسطته أي لنأخذ صورة الله […]
إذًا، الروح هو الله الذي يعطينا أن نكون على صورة الله. وهذا لا يتأتى عن طريق النعمة الخادمة، لكن بالاشتراك في الطبيعة الإلهية مانحًا ذاته عينها للمستحقين […] هل يمكن أن تسأل المعاندين: لماذا نُدعى هياكل لله، بل بالحري آلهة، إن كنا بالفعل شركاء مجرد نعمة بسيطة لا كيان لها؟ لكن الأمر ليس كذلك، لأننا هياكل للروح الحقيقي الكائن، ولهذا فنحن نُدعى أيضًا آلهةً، لأنه من خلال اتحادنا به نصبح شركاء الطبيعة الإلهية غير الموصوفة“.[72]
وبذلك يؤكد ق. كيرلس الإسكندري على الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، وليس مجرد حلول مواهبي أو حلول لنعم مخلوقة كما يدَّعي الهراطقة، ويدحض بشدة ويستنكر الهراطقة القائلين بأننا نتحد بنعمة خادمة (مخلوقة)، أو أننا نتحد بمجرد نعمة بسيطة لا كيان لها، بل يؤكد على اتحادنا بالروح الحقيقي الكائن الذي يصيرنا شركاء الطبيعة الإلهية غير الموصوفة.
[1] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 3: 16: 6، ص 81، 82.
[6] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.
[7] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.
[31] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، عظات على انجيل يوحنا ج1، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 46، تعليق على (يو6: 41- 53)، ص 451.
[32] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2009)، العظة الثالثة، تعليق على (كو1: 18)، ص 63.
[36] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس ج2، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة ٢٤: ٢، ص 96.
[37] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير رسالة رومية 6: 6.
[38] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١: ٩، تعليق على (يو ١: ١٤)، ص 133.
[39] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير انجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١٠: ٢، تعليق على (يو15: 1)، ص 259.
[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 3: 6، تعليق على (يو6: 35)، ص 370.
[41] الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، إعداد: القمص إيسيذوروس البراموسي، مراجعة وتقديم: الأنبا متاؤس، (القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، ١٩٩٤)، ص ٣٤٣.
[47] ترتيب أسبوع الآلام بحسب طقس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إعداد ونشر مجموعة من المتخصصين في طقوس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال، (القاهرة: مؤسسة مينا للطباعة، ١٩٩٤)، ص ٦٨٧.
[48] إبصاليات وطروحات الأعياد السيدية والمواسم الكنسية، تقديم: الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، (وادي النطرون: دير السريان، 2003)، ص 575.
[49] صلوات الخدمات في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، (القاهرة: مكتبة المحبة، ١٩٧١)، ص ٥٦.
[57] ترتيب أسبوع الآلام بحسب طقس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إعداد: مجموعة من الدارسين والباحثين في الطقوس القبطية، تقديم ومراجعة: القس غبريال، (القاهرة: مؤسسة مينا للطباعة، ١٩٩٤)، ص ٦٨٤.
[58] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد و د. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 4، ص 41.