الوهية يسوع المسيح قبل مجمع نيقية – ترجمة: عبد المسيح – اشراف فريق اللاهوت الدفاعي
الوهية يسوع المسيح قبل مجمع نيقية – ترجمة: عبد المسيح – اشراف فريق اللاهوت الدفاعي
وفقًا للرواية التاريخية المنتشرة بين عدد من الطوائف المبتدعه التي لا تتبع التعليم المسيحي الصحيح، فإن الإيمان بأن يسوع المسيح هو الله لم يكن موجودًا في الأصل، بل تم “ابتكاره” في مجمع نيقية سنة 325 ميلادية. على سبيل المثال، تنشر طائفة كنيسة الله المستعادة Restoration Church [1] كتيبًا بعنوان “من هو يسوع؟
هل تخبرنا العقائد الدينية بالحقيقة عنه؟”، وهذا الكتيب يقول إن الاعتقاد بأن يسوع هو الله لا يظهر في الكتاب المقدس، بل تم تأكيده فقط في مجمع نيقية في القرن الرابع، “بعد وقت طويل من زمن الرسل المذكورين في العهد الجديد.”¹
كتيب آخر لطائفة مسيحية تُدعى الإخوة في المسيح بعنوان “يسوع: هل هو الله الابن أم ابن الله؟” يطرح الفكرة نفسها². كما تقول منظمة الطريق الدولية إن بعض الأفكار الوثنية تسللت إلى المسيحية في مجمع نيقية، وتقول: “إذا كان يسوع هو الله… فإن خلاصنا لم يكتمل بعد.”³
أنا متأكد أن معظم قراء منبر الإيمان يعرفون الآيات الكثيرة في العهد الجديد التي تستخدم كلمة “الله” (ثيوس بالإغريقية) في الحديث عن يسوع المسيح. ومن أبرز هذه الآيات:
يوحنا 1: 1–14
يوحنا 20: 28
تيطس 2: 13
عبرانيين 1: 8
رومية 9: 5
بطرس الثانية 1: 1
وقد كتب موراي ج. هاريس كتابًا مهمًا بعنوان “يسوع كإله: استخدام العهد الجديد لكلمة ثيوس في الحديث عن يسوع” (غراند رابيدز: كتب بيكر، 1993). هذا المقال يحاول أن يضيف إلى ما جاء في كتاب هاريس، من خلال تتبع استخدام كلمة ثيوس للإشارة إلى يسوع في كتابات القرن الثاني⁴.
أولًا: رسائل إغناطيوس (حوالي سنة 115 م)
كتب إغناطيوس الأنطاكي سبع رسائل أثناء نقله إلى روما حيث استُشهد. وفي هذه الرسائل، وصف يسوع بـ”الله” حوالي أربع عشرة مرة⁵. مثلًا:
يقول لكنيسة أفسس إن معاناتهم حدثت “بمشيئة الآب ويسوع المسيح إلهنا”⁶.
ويقول إن الله نفسه صار إنسانًا ليمنحنا الحياة الأبدية⁷.
ويؤكد أن “يسوع المسيح ربنا” هو “الله الذي ظهر في الجسد”⁸.
ويضيف: “إلهنا يسوع المسيح، حسب وعد الله، حُبل به في رحم مريم، من نسل داود، لكن من خلال الروح القدس”⁹.
ويكتب إلى كنيسة روما بأنها “محبوبة ومُنارة بمشيئة من يشاء كل ما هو بحسب محبة يسوع المسيح إلهنا”، ويتمنى لها “فرحًا كثيرًا وبلا لوم في يسوع المسيح إلهنا”¹⁰.
ويقول لكنيسة سميرنا: “أُمجّد الله، يسوع المسيح، الذي أعطاكم هذه الحكمة”¹¹.
وفي موضع آخر، يحثّهم قائلًا: “ابقوا مرتبطين ارتباطًا وثيقاً بيسوع المسيح إلهنا”¹².
ويختم بقوله: “أصلي من أجل سعادتكم الأبدية في إلهنا يسوع المسيح”¹³.
ثانيًا: يوستينوس الشهيد (حوالي 165 م)
يوستينوس هو من أوائل المفكرين المسيحيين. ورغم أن عنده ميلًا لرؤية الابن في مرتبة أقل من الآب، لكنه وصف الابن بوضوح بأنه “الله”:
“لو كنتم تفهمون ما كتبه الأنبياء، لما أنكرتم أنه الله، ابن الله الوحيد، الذي لا يُولد ولا يُنسَب إليه مولد”¹⁵.
“المسيح كإله هو قوي ويُعبد”¹⁶.
“مستحق أن يُعبد كإله وكمسيح”¹⁷.
وقال أيضًا إن الكلمة (اللوغوس) هو من ظهر لموسى في العليقة قائلاً: “أنا هو الذي أكون، إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب و إله آبائك”¹⁸.
ثالثًا: ميليتو السارديسي (حوالي سنة 170 م)
كتب ميليتو عظة عن الفصح تُعد من أقدم العظات خارج العهد الجديد. يقول فيها:
“قام من بين الأموات كإله، وهو بطبيعته إله وإنسان… هذا هو يسوع المسيح، له المجد إلى الأبد”¹⁹.
ويضيف أن لاهوت المسيح لم يبدأ عند القيامة فقط: “ذاك الذي ثبّت الكون صُلب على خشبة، والملك أُهين، والإله قُتل”²⁰.
ويقول أيضًا: “الله القدير سكن في المسيح يسوع”²¹.
وفي فصول أخرى من العظة، يصف يسوع بأنه “الله”²².
رابعًا: كتابات أخرى من القرن الثاني
بوليكاربوس (حوالي 115 م): قال عن “كل من في العالم الذين سيؤمنون بربنا وإلهنا يسوع المسيح وبالآب الذي أقامه من الموت”²³.
في دفاع أرسطيادس (حوالي 125 م): يقول إن المسيحيين يرجعون ديانتهم إلى يسوع المسيح، الذي يُدعى “ابن الله العلي”، وإن الله نزل من السماء واتخذ جسدًا من عذراء عبرانية.
الرسالة إلى ديوغنيتس تقول: “كما يرسل الملك ابنه الذي هو ملك أيضًا، أرسله الله كإله”²⁴.
وفي عظة تُنسب إلى كليمان الثاني من نفس القرن: “يا إخوتي، يجب أن تعتبروا يسوع المسيح على أنه الله، الديّان الذي سيحكم الأحياء والأموات”²⁵.
خامسًا: أثيناغوراس (حوالي 178 م)
كتب أثيناغوراس دفاعًا عن المسيحية يُظهر فهمًا مبكرًا لعقيدة الثالوث، حتى وإن لم يستخدم الكلمة.
قال إن المسيحيين يؤمنون بـ”الله الآب، والله الابن، والروح القدس” ويؤكدون على “وحدتهم في القوة، واختلافهم في الدور”²⁷.
ويشرح كيف أن الآب والابن والروح متحدون، لكن لكل واحد منهم دوره²⁸.
ويؤكد أن الثلاثة “واحد في القدرة”²⁹.
ويعلّق الباحث فورتمان قائلًا إن الوصول إلى هذا المستوى من التفكير قبل سنة 180 م يُعد خطوة كبيرة في تطور فهم الثالوث³⁰.
في النهاية، صحيح أن كتّاب القرن الثاني لم يستخدموا دائمًا مصطلحات فلسفية مثل “أقنوم” أو “جوهر” أو “طبيعة” أو حتى “ثالوث”، لكنهم أعلنوا بوضوح أن يسوع هو الله. وقد عبدوه وصلّوا له مع الآب والروح القدس. ويشير الباحث دانيال ف. رايت إلى أن المسيحيين الأوائل كانوا يُعبّرون عن إيمانهم بالله الآب، والابن، والروح في الصلاة والمعمودية (كما في متى 28: 19 و2 كورنثوس 13: 14)، حتى قبل أن يصيغ اللاهوتيون تعبيرًا دقيقًا عن هذا الإيمان³³.
وبالتالي، فإن الإيمان بألوهية يسوع لم يبدأ في مجمع نيقية، بل يمكن تتبعه بوضوح من العهد الجديد مرورًا بكتابات القرن الثاني.
مقالة مترجمة عن:
Jesus Christ As ‘God’ Before the Council of Nicea Dr. Paul Hartog
من أجل الملاءمة، أنهيتُ مادة هذه الدراسة حوالي سنة 180 بعد الميلاد، أي قبل أول “لاهوتي” كبير في الكنيسة الأولى، إيريناوس اسقف ليون لكن إيريناوس يشير أيضًا إلى الابن باسم ثيوس.
انظر Edmund J. Fortman, The Triune God: دراسة تاريخية لعقيدة الثالوث (فيلادلفيا: وستمنستر، 1972)، 39.
أفسس 1.1. باستثناء أعمال ميليتو، تستند جميع الاقتباسات الواردة في هذه الدراسة إلى سلسلة الآباء السابقين للكنيسة النيقاوية (ANF). ترجمة مؤلفات ميليتو مأخوذة من دراسة ستيوارت ج. هول “ميليتو السارديسي: عن الفصح وبقايا (أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 1979)
أفسس 3.
أفسس2.
أفسس2.
نقش روماني
السميرانيون 1.
التراليون
بوليكارب
كانت “التبعية” اعتقادًا بأن ألوهية الابن أدنى من ألوهية الآب بشكل ما. أظهر العديد من الكتاب الأوائل ميولاً مختلفة نحو التبعية. ترجع ميول “التبعية” لدى يوستينوس إلى تعقيدات “لاهوت اللوغوس الكرستولوجي”. توجد نصوص “تبعية” أخرى في يوستينوس تشير صراحةً إلى اللوغوس/الابن على أنه “الله” في الرسالة 63؛ والحوار مع تريفو 56؛ 125.
حوار مع تريفو 126
حوار مع تريفو 76
حوار مع تريفو 63؛ راجع 68.
الدفاع
عن الفصح 8–10.
في الفصح 96 نفضّل إشارة دقيقة إلى أن “الإله-الإنسان” (ثيانثروبوس) قد قُتل (وقادر على الموت في بشريته). لقد اتُّهِمَ ميليتو بـ “النمطية”، لكنه يفرّق بين الآب والابن (أي في الفصح 104-105). في كل الأحوال، يستخدم ميليتو بوضوح “ثيوس” ليسوع المسيح. ويمكن لكاتب متأخر أن يتساءل ببلاغة: “لأن من لا يعرف كتب إيريناوس وميليتو والباقين التي تعلن المسيح إلهاً وإنساناً؟”. (الجزء 8 أ).
عن الفصح 45.
الجزء 15 و”الجزء الجديد” 4، 21. تشير أجزاء أخرى من ميليتو أيضًا إلى يسوع المسيح على أنه “الله” (الجزء 6 و14)، لكن هول لا يعتقد أن صحتها مؤكدة. انظر هول، ميليتو من ساردس، السابع والعشرون- السادس والعشرون.
فيلبي. 12.2. هذه الترجمة هي ترجمتي الخاصة. بعض المخطوطات الموجودة تحذف “والله” في هذه العبارة.
الرسالة إلى ديوغنيتوس 7.
2 كليمنت 1.
كان ترتليانوس هو أول كاتب استخدم مصطلح الثالوث (ترينيتاس اللاتيني)، حوالي 212/213 م (براكس 3). وقبل ذلك، كان ثيوفيلوس الأنطاكي قد استخدم مصطلح التثليث (ترياس اليوناني)، حوالي عام 180 (إلى أوتوليكوس 2.15).
النداء 10.
النداء 12.
النداء 24؛ راجع النداء 6.
فورتمان، الإله الثالوثي، 49.
الجزء 6 من ميليتو يستخدم مصطلح أوسيا، ولكن قد لا يكون هذا الجزء أصليًا. انظر هول، ميليتو أوف سارديس، السابع والعشرون – السادس والعشرون.
ميليتو عن الفصح 8 يستخدم كلمة فوسيس أو “الطبيعة”.]
موسوعة المسيحية المبكرة، تحرير إيفريت فيرجسون (نيويورك، غارلاند، 1990). v. “الثالوث.”
كاتب المقال: د. بول هارتوغ، رئيس علم اللاهوت المنهجي في كلية الإيمان المعمدانية للكتاب المقدس والمدرسة اللاهوتية | hartogp@faith.edu
بول أ. هارتوغ (دكتوراه من جامعة لويولا) يدرّس في كلية الإيمان المعمدانية للكتاب المقدس والمدرسة اللاهوتية منذ عام 2001. وهو الآن رئيس قسم اللاهوت المنهجي في الكلية الإكليريكية. وهو مؤلف وباحث بارع ويقدم عروضاً في مؤتمرات حول العالم. لديه هو وزوجته ألن ثلاثة أولاد.
[1] طائفة دينية مسيحية تُعتبر من الحركات المنشقة عن كنيسة الله العالمية (Worldwide Church of God) التي أسسها هربرت أرمسترونغ في القرن العشرين. وهي تُصنَّف عمومًا ضمن الحركات الأدفنتستية أو الديانات شبه المسيحية بسبب معتقداتها التي تختلف عن العقائد المسيحية التقليدية.
الوهية يسوع المسيح قبل مجمع نيقية – ترجمة: عبد المسيح – اشراف فريق اللاهوت الدفاعي
إنَّ لغة العبادة ليست سوى أحد المجالات التي يجب فحصها إذا أردنا أن نجد إجابة لسؤالنا (هل كان المسيحيون الأوائل يعبدون يسوع؟) تكون صادقة في عبادة المسيحيين الأوائل وتعكس بشكل حقيقي تأكيدات ومخاوف كُتَّاب العهد الجديد. والأمر الأكثر أهمّيّة على نفس القدر، وربما أكثر أهمّيّة، هو موضوع كيفية ممارسة المسيحيّين الأوائل للعبادة. ومهما كانت الطريقة التي استخدموا بها لغة العبادة، فهل عبدوا يسوع حقًّا؟ وهل عبّروا عمَّا وصفه لاري هورتادو بـ “التفاني الطقسيّ” ليسوع؟ والواقع أنّ مناقشة لاري هورتادو الشاملة لبدايات الخريستولوجي وأصول العبادة المسيحيّة هِيَ التي تطرح سؤالنا بوضوح. ذلك أنّ اكتشافه هو أنّ “التفاني في المسيح” أو “التفاني في يسوع” كان يُعبَّر عنه منذ الأيام الأولى للمسيحيّة.[2]
ما هي الممارسة التعبدية أو الطقسية المقصودة؟ وإذا رجعنا خطوة إلى الوراء، فما الذي كان يُشكِّل ممارسة العبادة في زمن يسوع؟ وماذا كان يفعل العابدون؟ بالعودة مرة أخرى إلى رد يسوع على مجربه، “للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (متى 4: 10/لوقا 4: 8)، إلى أي ممارسات كان يسوع يشير؟ الجواب هو أنه في زمن يسوع كانت ممارسة العبادة تشمل على الأقل أربعة عناصر:
كانت الصلاة في قلب العبادة[3] كما هو الحال اليوم، مع صلوات العبادة، والتوبة والاعتراف، والالتماس والشفاعة، وكلها تشير إلى اعتماد الأدنى (المخلوق) على الخالق القدير والمخلص والرب.
كانت الترانيم التي تُغنى لله وتمجده تعبيرًا عن العبادة منذ زمن سحيق.
كان تخصيص مساحة مُقدَّسة مُخصّصة للإله حيث يجب تقديم العبادة، وتعيين أفراد مُقدّسين لإجراء العبادة، والأوقات المُقدّسة للعبادة الطقسيّة في الحرم المُقدَّس يُنظر إليها دائمًا على أنها جزء لا يتجزأ من العبادة الفعَّالة.
إنَّ الصدقة أي التنازل عن السلع المادية، المخصّصة لله، كان أيضاً أمراً أساسياً. ففي زمن يسوع، كانت عبادة التضحية برمتها، بما في ذلك التضحية الدموية بالحيوانات، تُشكِّل الفعل المركزيّ للعبادة الطقسية.
ويمكننا أن نجيب على سؤالنا بدقة أكبر إذا ما سألنا ما إذا كان المسيحيون الأوائل قد عبروا عن عبادة طقسية بهذا الشكل أو قدموها ليسوع. وسوف نواصل بحثنا من خلال فحص ما يشهد به العهد الجديد فيما يتصل بكل من العناصر الأربعة للعبادة الموضحة أعلاه.
1- الصلاة
في كتب إسرائيل المُقدَّسة، نجد إشارات منتظمة إلى الصلاة التي تُقدَّم إلى الله. وتظهر عبارة “صَلَّى س إلى الرب”،[4] أو إلى الله،[5] بشكل مُتكرِّر. ومن المُفترض أنَّ الله وحده هو الذي ينبغي أن “يُصلَّى” إليه.[6] وتتضح أهمّيّة الصلاة إلى الرب الإله من خلال القواعد الدينيّة التي تطوَّرت لضمان تقديم صلاة العبادة الطقسيّة بالوقار والرسميّة الواجبة.[7]
في العهد الجديد، يتمّ وصف تقديم الصلاة بُطرق مختلفة. دعونا الآن نفحص بالترتيب المصطلحات المستخدمة والصلاة التي تشير إليها، بدءًا من الأناجيل.
أ- الأناجيل
إن الإشارات الأكثر شيوعاً إلى الصلاة تتضمن الفعل proseuchesthai والاسم المقابل له proseuchē. في الأناجيل الإزائية يتحدث يسوع في عدة مناسبات عن الصلاة (proseuchesthai)، مع افتراض أن الصلاة موجهة إلى الله. ومن بين تعليماته الأكثر شهرة بشأن الصلاة تلك التي تدعو إلى الصلاة بشكل خاص ومن دون تكديس عبارات فارغة، كما في الصلاة الربانية (متى 6: 5-13؛ لوقا 11: 1-4). يلاحظ كُتَّاب الأناجيل، وخاصة لوقا، أن يسوع نفسه كان يصلي بانتظام، وغالبًا ما كان يذهب إلى جبل أو مكان صحراوي ليصلي بمفرده.[8] يولي متى ومرقس ولوقا الكثير من الاهتمام لصلاة يسوع في بستان جثسيماني، قبل خيانته (مرقس 14: 32-39).
يمكن استخدام المصطلح الأقل شهرة deesthai، “الذي يعني بالأكثر الطلبات” لكل من الطلبات المقدمة إلى الأفراد الآخرين والطلبات المقدمة إلى الله. في روايات متى ومرقس ولوقا نجد كلا الاستخدامين، حيث تُقدَّم طلبات إلى يسوع[9] وتحدث يسوع عن تقديم طلبات إلى الله.[10]
وهناك كلمة أخرى ذات نطاق مماثل من الاستخدام وهي “aitein” أي “الطلب” أيضًأ. ففي نفس الأناجيل، تُستخدم هذه الكلمة، على سبيل المثال، في طلبات الحصول على رأس يوحنا المعمدان (مرقس 6: 22-25)، وفي طلب الحشد الحصول على باراباس (متى 27: 20)، وفي طلب يوسف الحصول على جسد يسوع (مرقس 15: 43 فقرة). ومن المفترض أن طلب يعقوب ويوحنا من يسوع الحصول على المقاعد العليا في مجده يندرج ضمن نفس الفئة (مرقس 10: 35، 38). ولكن يسوع يستخدمها أيضًا في طلبات الصلاة إلى الله.[11]
إن المرادف القريب لكلمة erōtan هو erōtan، والذي يغطي أيضًا مجموعة من الطلبات – في الأناجيل، والذي يعني: طرح سؤال على شخص ما،[12] أو السؤال بمعنى الطلب/الدعوة.[13] وأخيرًا، يجب ملاحظة أن كلمة parakalein يمكن استخدامها في مجموعة من المعاني – “الاستئناف”، “الحث، التشجيع”، “الطلب، التوسل، الالتماس”، أو “الراحة، التشجيع، البهجة”. في الأناجيل، تظهر عادةً بمعنى “الاستئناف، الالتماس” – أفراد مختلفون يتوسلون إلى يسوع طلبًا للمساعدة، أو الجراسيون Gerasenes يتوسلون إليه بالرحيل.[14] في أحد مقاطع الأناجيل الإزائية، يستخدم يسوع نفس الكلمة للنداء إلى الآب، عندما يقول إنه يستطيع أن يلجأ إلى أبيه وأنه سيرسل أكثر من اثني عشر جيشًا من الملائكة لمساعدته (متى 26: 53).
لا يستخدم إنجيل يوحنا أيًا من الكلمات الشائعة للصلاة (proseuchesthai, proseuchē, deesthai, deēsis)، لكن استخدامه لكلمتي aitein وerōtan كان أكثر جرأة. كان بإمكان المرأة السامرية أن تطلب من يسوع (aitein) الماء الحي (يوحنا 4: 10). يعد يسوع بالطلب (erōtan) من الآب أن يعطي تلاميذه شفيعًا آخر (14: 16)، وفي صلاته العظيمة إلى الآب يطلب (erōtan) نيابة عنهم (17: 9، 15، 20). يعد مرارًا وتكرارًا بأن كل ما يطلبه تلاميذه (aitein) باسمه سيعطيهم الآب (15: 16؛ 16: 23-24)، حتى أنه يعد بأنه (نفسه) سيفعل كل ما يطلبه تلاميذه (aitein) باسمه، “لكي يتمجد الآب” (14: 13).
ويضيف قائلاً: “إن سألتموني شيئاً باسمي فإني أفعله” (14: 14). إن الطلبات الموجهة إلى الآب باسم يسوع هي جزء من الطلبات الموجهة إلى يسوع نفسه؛ والعامل المشترك هو “باسمه”. “في ذلك اليوم تطلبون (aitein) باسمي. لا أقول لكم إني سأطلب (erōtan) من الآب لأجلكم؛ لأن الآب نفسه يحبكم” (16: 26-27). إذا ثبت التلاميذ فيه وثبتت كلماته فيهم، فيمكنهم أن يطلبوا (aitein) ما يريدون وسوف يتم لهم (15: 7).
(ب) بقية العهد الجديد
في أماكن أخرى من كتابات العهد الجديد، تُقدَّم “الصلاة” بحد ذاتها (proseuchesthai, proseuchē)، صراحةً أو ضمناً، دائمًا إلى الله.
تُستخدَم Deesthai بمعنى “طلب معروف” من شخص آخر،[15] ولكن أيضًا لطلب الصلاة.[16] ومن المثير للاهتمام في أعمال الرسل 8: 22، 24، حيث يُحث سمعان على “الصلاة (deesthai) إلى الرب” حتى يُغفر له، أن الإشارة إلى “الرب” غامضة. ولكن deēsis تُستخدم في الرسائل دائمًا للصلاة؛ أي الصلاة إلى الله.
في أعمال الرسل aitein، “اطلب”، وerōtan، “اطلب، التمس”، تظهر في الغالب في الاستخدام اليومي، على الرغم من أن الطلب (aitein) موجه إلى الله في أعمال الرسل 7: 46. ولكن في الرسائل، تُستخدم aitein حصريًا تقريبًا في سياقات الصلاة. على سبيل المثال، “أصلي (aitoumai) ألا تكلوا بسبب آلامي” (أف 3: 13)؛ “الله قادر أن يعمل أكثر بكثير مما يمكننا أن نطلب (aitoumetha) أو نفتكر” (3: 20)؛ “لم نتوقف عن الصلاة (proseuchomenoi) من أجلكم والطلب (aitoumenoi) لكي تمتلئوا بمعرفة إرادة الله” (كو 1: 9)؛ أولئك الذين يفتقرون إلى الإيمان يجب أن يطلبوا (aitein) من الله، ولكن بالإيمان (يعقوب 1: 5-6؛ وبالمثل 4: 2-3)؛ وبالمثل تشجع رسالة يوحنا الأولى قراءها على أن يطلبوا (aitein) من الله بجرأة في الصلاة (1 يوحنا 5: 14-16).
وعلى الرغم من ظهور كلمة erōtan في الرسائل عادةً بالمعنى اليومي لـ “اطلب، التمس”، مرة أخرى في رسالة يوحنا الأولى 5: 16 يكون الطلب إلى الله (نيابة عن أخ مخطئ). ومع ذلك، فمن الجدير بالملاحظة أنه عندما تستخدم كلمتا aitein وerōtan في الصلاة، فإنهما تشيران دائمًا إلى الطلب أو الطلب الموجه إلى الله، وليس إلى يسوع أبدًا.
إن كلمة باراكالين Parakalein تطرح المثال الأكثر إثارة للاهتمام. ففي أعمال الرسل والرسائل يظهر هذا المصطلح بانتظام بالمعنى اليومي “حث، يحفز”. على سبيل المثال، يحث بولس متلقي رسائله، “أحثكم/أطلب منكم (باراكالين)”،[17] وفي رسالة كورنثوس الثانية يتأمل مرتين وببعض التفصيل في فكرة “التعزية” (2 كورنثوس 1: 3-7؛ 7: 4-7، 13). والحالة الواضحة الوحيدة لاستخدام باراكالين في سياق الصلاة هي رسالة كورنثوس الثانية 12. يتحدث بولس عن “الشوكة المؤلمة في الجسد”، والتي يسميها “رسول الشيطان لتعذيبي”.
ثلاث مرات توسلت parekalesa إلى الرب بخصوص هذا الأمر.. (2كو 12: 8).
إن ما يثير الاهتمام هنا ليس فقط حقيقة أن كلمة باراكالين تُستخدم بمعنى “نداء” يُقدَّم في الصلاة، بل إنها تُقدَّم بوضوح إلى الرب يسوع المسيح. ويمكننا أن نستنتج ذلك بأمان ليس فقط لأن “الرب” في بولس هو الرب يسوع دائمًا تقريبًا (بصرف النظر عن ظهوره في الاقتباسات الكتابية) ولكن أيضًا لأن النعمة والقوة التي يعد بها الشخص الذي يُستدعى بولس في إجابة على نداءه يتم تحديدها على وجه التحديد على أنها “قوة المسيح”. ومهما كان ما قد نستنتجه من اللغة المحدودة للصلاة والطلب، فمن الواضح أن بولس فهم المسيح الممجد باعتباره شخصًا يمكن اللجوء إليه للمساعدة، وهو طلب أو التماس يمكن فهمه بسهولة على أنه صلاة.[18]
هُناك فقرة أخرى تستحق الانتباه وهي الفقرة الختامية من رسالة كورنثوس الأولى. ففي هذه الفقرة، في خضم الحث والبركات الأخيرة التي يقدمها بولس، يدرج العبارة الآرامية “ماران آثا” (1 كورنثوس 16: 22؛ قارن رؤيا 22: 20). وحقيقة ظهورها بالآرامية تُشير بقوة إلى أنها أصبحت سمة منتظمة في الطقوس الدينية المبكرة ــ مثل الاستخدام المستمر للعبارة الآرامية “أبا، الآب” في صلوات الكنائس الناطقة باللغة اليونانية (رومية 8: 15؛ غلاطية 4: 6).
وربما كان من الواجب ترجمة العبارة الآرامية في 1 كورنثوس 16: 22، “يا ربنا، تعال”. فهل هذه صلاة إلى يسوع؟ لا شك أن هذا يُعَد بمثابة نداء موجه إلى يسوع المرتفع إلى السماء لكي يأتي الآن (مرة أخرى) من السماء ــ وهو جزء من الاعتقاد المكثف داخل المسيحية الأولى بأن يسوع سوف يعود (قريباً) إلى الأرض.[19] ولكن ربما ينبغي لنا أن نتذكر أنه وفقاً للأناجيل، عندما صرخ يسوع على الصليب، ظن بعض الحاضرين أنه ينادي (phōnei) إيليا؛ أي يدعوه ليأتي ويساعده (مرقس 15: 35-36).
إن إيليا، كما ينبغي لنا أن نتذكر، قد أُخِذ إلى السماء دون أن يموت (2 ملوك 2: 11-12)، وكان هناك توقع واسع النطاق بأنه سيعود من السماء قبل يوم الرب.[20] ومع ذلك، ليس لدينا أمثلة على النداءات الموجهة إلى إيليا في اليهودية في الهيكل الثاني للتشفع به على العودة أو مساعدة شخص ما،[21] رغم أنه ينبغي لنا أيضًا أن نتذكر ملاحظة آلان سيجال بأن النصوص الصوفية اليهودية تتشفّع بجميع أنواع الكائنات الملائكية.
ومع ذلك، إذا أخذنا رواية صلب المسيح على محمل الجد، فقد توفر دليلاً على أن معاصري المسيح قد يتصورون جيدًا نداءً موجهًا إلى شخص انتقل إلى السماء ليأتي (مرة أخرى) إلى الأرض. هل يُعَد هذا بمثابة صلاة، أم نداءً إلى شخص تم تعظيمه لتحقيق الآمال المعلقة عليه؟ هل يجب علينا التمييز بين الأمرين في أي حال؟[22] ليس من السهل التوصل إلى إجابة واضحة على مثل هذه الأسئلة.
ولكن قبل كل شيء، ينبغي لنا أن نتذكر ما لاحظناه فيما يتعلق باستخدام epikaleisthai (‘الدعاء’) فيما يتصل بيسوع. وهُنا يمكننا أن نلاحظ حالة استفانوس في لحظات احتضاره: “ورجموا استفانوس وهو يدعو (epikaloumenon) ويقول: “أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي” (أعمال الرسل 7: 59). ولا ينبغي لنا أن ننسى وصف المسيحيين بأنهم “الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ” (1 كورنثوس 1: 2). ومن الواضح أن الدعاء إلى يسوع (في الصلاة) كان سمة مميزة ومحددة للعبادة المسيحية الأولى. وتقدم رسالة تسالونيكي الأولى، التي ربما كانت أقدم كتابات العهد الجديد، مثالاً جيدًا للدعاء إلى الرب يسوع (بروح 1 كورنثوس 16: 22):
وتحتوي رسالة تسالونيكي الثانية على أمثلة عديدة للدعاء إلى الرب يسوع: “ليعزيكم الرب/يرشدكم/يعطيكم…” (2 تسالونيكي 2: 16-17؛ 3: 5، 16).[23]
إن الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه من هذه المجموعة من الأدلة، إذن، إن لغة الصلاة الأكثر وضوحًا تُستخدم حصريًا للصلاة إلى الله. يُذكَر أن يسوع نفسه كان يصلي بانتظام إلى الله ويعطي تعليمات بشأن الصلاة إلى الله. مع لغة الصلاة الأقل وضوحًا “السؤال والالتماس والطلبة” فإن الصورة مختلفة بعض الشيء. مرة أخرى، حيث يظهر في الصلاة، فإن الطلب موجَّه عادةً إلى الله. ولكن في إنجيل يوحنا، يضع يسوع التأكيد المتكرر على أن تلاميذه سيصلون إلى الله في المستقبل “باسمه [يسوع]”. يلجأ بولس مباشرة إلى يسوع طلبًا للمساعدة من السماء ويعكس نداءً شائع الاستخدام للرب المسيح ليأتي (مرة أخرى) من السماء.
ولقد عُرِف المسيحيون الأوائل بأنهم “أولئك الذين يدعون أو يتضرعون باسم يسوع”.[24] وإذا كان من الواضح أن “الصلاة” بحد ذاتها لم تكن تُقَدَّم عادة إلى يسوع في عبادة الجماعات المسيحية الأولى، فقد كان يُنظَر إليه على الأقل باعتباره شخصاً جالساً عن يمين الله، يمكن أن يُصلى إليه ويمكن توجيه الطلبات إليه.[25] فهل كان هذا أشبه بالالتماس إلى إيليا أم مثل الالتماسات/الشفاعة التي وُجِّهَت فيما بعد إلى القديسين؟ أم ينبغي لنا أن ننظر إليه باعتباره تعبيراً نموذجياً عن العبادة المسيحية الأولى؟ والإجابة ليست واضحة تماماً كما نود.[26]
الصلوات والتسابيح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج1 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة
يُمكن اعتبار مزامير العهد القديم نموذجيّة للترانيم أو الأغاني التي غناها بنو إسرائيل في تمجيد الله. ومن مخطوطات البحر الميت نعلم أيضًا أنّ الترانيم والمزامير استمرت في الكتابة والغناء كجزء لا يتجزأ من عبادة الله في قمران في الفترة التي سبقت يسوع.[27] من الواضح أنّ المسيحيين الأوائل اتبعوا نفس الممارسة. على سبيل المثال، قبل مغادرة العُليّة للذهاب إلى جبل الزيتون، غنى يسوع والتلاميذ “ترنيمة” (مرقس 14: 26)؛ عندما سُجن بولس وسيلا في فيلبي “صليا وغنوا ترانيم لله” (أعمال 16: 25)؛ وكانت “المزامير والتسابيح والأغاني الروحية لله” جزءًا منتظمًا من العبادة المسيحية (كو 3: 16).[28]
المقطع الموازي لكولوسي 3: 16 في أفسس يشرح كولوسي بإضافة “الغناء (أدونتس adontes) وصنع اللحن (بسالونتس psallontes) للرب في قلوبكم، شاكرين (إفخارستيونتس eucharistountes) الله الآب.. باسم ربنا يسوع المسيح” (أف 5: 19-20). هُنا “الرب” هو على الأرجح المسيح؛ من الواضح أنّ فكرة الغناء بالمديح للمسيح كانت تُرى كجزء من تقديم الشكر لله باسم المسيح. ورغم أنّ هذا البحث يمتد إلى ما هو أبعد من العهد الجديد، فينبغي لنا أن نُلاحظ أيضاً الوصف الذي قدّمه بليني، حاكم بيثينيا، للإمبراطور تراجان في حوالي عام 112م، فيما يتصل بالمسيحيين الذين استجوبهم:
“كان من عادتهم في يوم محدد أن يجتمعوا قبل طلوع النهار ويغنوا ترنيمة متناغمة للمسيح باعتباره إلهاً” (Eph. 4:1–2).
وفي نفس الوقت تقريباً، كتب إغناطيوس، أسقف أنطاكية، يتحدث عن التسبيح (في مديح) يسوع المسيح، والترنم “بصوت واحد من خلال يسوع المسيح للآب” (رسالته إلى أفسس 4: 1-2)، والغناء “للآب في يسوع المسيح” (رسالته إلى روما 2: 2).
ومن المثير للاهتمام للغاية أن نُدرك أنّ الترانيم التي غناها المسيحيّون الأوائل كانت موجهة إلى المسيح.[29] وعلى وجه الخصوص، تشير رسالة العبرانيين 1: 8-12 إلى أنّ المزامير 45: 6-7 و102: 25-27 ربما كانت مفهومة على هذا النحو، ويتساءل بوخام Bauckham عما إذا كان هذا هو نوع الترانيم التي يشير إليها أفسس 5: 19 وتقرير بليني.[30] من ناحية أخرى، قد يُفهم الاستعداد لرؤية المسيح في المزامير أو الإشارة إليه فيها على أنه دليل على الممارسة الوعظية أكثر من الممارسة الليتورجية. في الواقع، يسلط تطبيق المزامير على المسيح في رسالة العبرانيين الضوء على التنوُّع الغني فيما يخص الخريستولوجي.
على سبيل المثال، قد نتذكر أن رسالة العبرانيين 1: 6 تستخدم المزمور 97: 7 كدعوة لملائكة الله لعبادة ابنه. يستشهد العبرانيون 1: 8-9 بالمزمور 45: 6-7، حيث يخاطب الابن باعتباره “الله” ويؤكد أن إله الابن قد مسحه. يتبع العبرانيون الممارسة المسيحية المبكرة المنتشرة في الإشارة إلى المزمور 110: 1 (“قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئًا لقدميك”) إلى المسيح الممجد (عبرانيين 1: 13)، ثم بعد بضعة آيات يشير أيضًا إلى المسيح بحسب المزمور 8: 4-6 (المسيح كمحقق لغرض الله في خلق البشرية). وكما لاحظ مارتن هينجل، في عبرانيين 2: 12 يبدو أنّ المؤلف قد فهم المزمور 21: 13 على أنه يشير إلى “الابن الممجد (يسبح) بحمد الآب في وسط اجتماع الجماعة المُخلَّصة، إخوته”.[31]
ومن الأمور التي تثير قدراً كبيراً من الاهتمام أيضاً احتمال احتواء العهد الجديد على بعض الترانيم أو التراتيل الأصلية التي غناها المسيحيون الأوائل. وأكثرها وضوحاً هي التراتيل أو القصائد الدينية الواردة في سرد لوقا لميلاد السيد المسيح. مثل ترنيمة مريم العذراء، وترنيمة زكريا (لوقا 1: 46-55، 68-79). وقد غنت هذه التراتيل في الكنائس المسيحية لقرون عديدة، وربما حتى في الجيل الأول أو الثاني من المسيحية. وهي تراتيل تسبيح لله، وليس للمسيح، وإن كان المسيح (ويوحنا المعمدان) يمكن اعتبارهما السبب للتسبيح. وينطبق الشيء نفسه على ترنيمة المجد the Gloria ـ “المجد لله في الأعالي” (لوقا 2: 14)؛ وترنيمة نونك ديميتيس the Nunc Dimittis ـ “الآن تطلق عبدك يا سيد بسلام” (2: 29-32).
إن القصائد أو المقاطع التي تم تحديدها في رسائل بولس (على الرغم من أنها لم يتم التركيز عليها إلا في القرن العشرين) هي أكثر إثارة للجدل (كترانيم). وأشهرها هي فيلبي 2: 6-11 وكولوسي 1: 15-20. وقد كانت بارزة في كل المحاولات الأخيرة لفهم أقدم دراسات المسيحية في العهد الجديد، ولذا يجب اقتباسها بالكامل:
من الواضح أنّ المسيح هو موضوع هذه الترانيم؛ ويمكن أن نطلق عليها بشكل صحيح “ترانيم المسيح”. ولكنها ليست مُقدّمة للمسيح.[32] وإذا كانت تراتيل للمسيحيين الأوائل (وهذا الادعاء محل نزاع)، فإنّها تراتيل لله، تُمجِّد الله من أجل المسيح. وينطبق نفس الشيء على المقاطع الأخرى التي تمّ تحديدها على أنّها تراتيل مسيحية مُبكِّرة.[33] ليس من المُستغرب بالطبع أنّ ما فعله المسيح، أو ما أنجزه الله من خلال المسيح، كان موضوع العبادة المسيحيّة الأولى.
كما أنّه ليس من المُستغرب أن يكون المسيح هو سبب العبادة المسيحيّة الأولى وأنّ المسيحية الأولى افتتحت نوعًا جديدًا تمامًا من الترانيم. وعلاوة على ذلك، يمكن القول إنَّ تقديم التسبيح لتمجيد يسوع المسيح باعتباره اليد اليمنى لله والمفوَّض يستلزم منطقيًّا وطبيعيًّا تقديم التسبيح أيضًا للمفوَّض نفسه.[34] ومع ذلك، ليس من الواضح متى اتُخذت هذه الخطوة وما إذا كانت الترانيم الواضحة في رسائل بولس تُقدِّم دليلاً على أنّ وصف بليني للعبادة المسيحيّة في أوائل القرن الثاني كان تأكيدًا لما بدأ قبل رسالته بخمسين عامًا.
الصلوات والتسابيح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج1 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة
الأمثلة الواضحة الوحيدة في العهد الجديد للترانيم التي تُغنى للمسيح هي صيحات التسبيح في سفر الرؤيا. حيث نجد هتافات لله – بشكل نموذجي:
إنَّ تصنيف كلّ هذه الترانيم على أنّها “تسابيح” أمر غير ضروريّ. ولكن من الواضح أنّ المسيح كان مرتبطًا بالله في الترانيم أو صيحات التسبيح التي لا تُـقَدَّم إلَّا لله في أماكن أُخرى. وليس من الصعب، أو المبالغة في تقدير البيانات المتوفرة لدينا، أن نتصوَّر أنّ لغة الرائي تعكس الممارسة الليتورجيّة لمجتمعه.[38] كما ليس من الصعب أن نتخيّل المسيحيّين الذين جُلِبوا للاستجواب في بيثينيا، ربّما بعد عقد أو عقدين فقط، يتذكرون مثل هذه الترانيم والهتافات عندما أدلوا بالشهادة التي وصفها بليني بأنّها تراتيلهم للمسيح باعتباره (إلهًا).
الصلوات والتسابيح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج1 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة
[1] James D. G. Dunn, Did the First Christians Worship Jesus?: The New Testament Evidence (London; Louisville, KY: Society for Promoting Christian Knowledge; Westminster John Knox Press, 2010). 29.
[2] يؤكد هورتادو على أهمية نمط الممارسة التعبدية المسيحية المبكرة في مناقشته (How on Earth 27). بدأ النقاش الرئيسيّ حول ما إذا كان يمكننا التحدث عن “عبادة المسيح” ومتى يمكن أن يحدث ذلك W. Bousset, Kyrios Christos (1913, 1921; ET; Nashville: Abingdon, 1970)، الذي أكد أنّ التفاني الطقسي ليسوع نشأ نتيجة لتعيينه كيريوس (“الرب”) في المجتمعات المسيحية الهلنستية.
كان هدف هورتادو هو مراجعة بوسيه من خلال القول بأن التفاني الطقسي كان يتم التعبير عنه بالفعل في المجتمعات المسيحية المبكرة / الأقدم (الفلسطينية). ينكر هوربيري أيضًا أن عبادة المسيح كانت لها أصول وثنية، لكنه يزعم أن التأثير الرئيسي كان المسيانية اليهودية، بما في ذلك التكريم الطقسي الممنوح للملك والملائكة (Jewish Messianism Ch. 4). كما يزعم أن تطوُّر عبادة المسيح تأثَّر بالاحترام الذي كان يحظى به قديسو إسرائيل؛ The Cult of Christ and the Cult of the Saints’, NTS 44 (1998) 444–69. His thesis is disputed with some effect by Hurtado, Origins 72–3 n. 23, and Bauckham, Jesus and the God of Israel 228–32..
[3] It occasions no surprise that the term proseuchē (‘prayer’) was regularly used in the extended sense of ‘prayer house’ for synagogues or ‘place of prayer’; see further BDAG 878–9; and my Jesus Remembered (Grand Rapids: Eerdmans, 2003) 304 n. 226.
[4] على سبيل المثال، العدد 11: 2؛ التثنية 9: 26؛ 1 صم 1: 10؛ الملوك الثاني 4: 33؛ أخبار الأيام الثاني 32: 24؛ إشعياء 37: 15؛ إرميا 37: 3؛ دانيال 9: 4؛ يونان 2: 1.
[6] ولكن من الغريب أن يروي يوسيفوس أنّ: “الأسينيّين قبل أن تُشرق الشمس قدّموا صلوات مُعيّنة (euchas)، والتي انتقلت إليهم من أجدادهم، وكأنّهم يتوسلون إلى الله أن ينهض” (Jewish War 2.133). ويعود هذا التقليد على الأقل إلى حزقيال 8: 16، حيث يذكر حزقيال أنّه رأى حواليّ 25 رجلاً “وظهرهم إلى الهيكل، متوجهين نحو الشرق، ساجدين للشمس نحو الشرق”. ويستشهد Mishnah Sukkah 5.5 بنفس المقطع.
[7] See e.g. G. J. Botterweck and H. Ringgren (eds), Theological Dictionary of the Old Testament (ET; Grand Rapids: Eerdmans, 1974–2006) 574–5.
[18] إن سرد بولس السهل لأفعاله يشير إلى أنه يتوقع من قرائه أن يكونوا على دراية بالتوسلات بالصلاة إلى يسوع باعتبارها سمة مقبولة مجتمعيًا للممارسة التعبدية المسيحية (Hurtado, Origins 75).
[19] انظر على سبيل المثال أعمال الرسل 1: 11؛ 3: 19-21؛ 1 كورنثوس 15: 51؛ 1 تسالونيكي 4: 15-17؛ رؤيا 22: 20
يستنتج في أن بولس وجه صلاته إلى المسيح بنفس القدر الذي وجه فيه صلاته إلى الله الآب (Pauline Christology 493–4).
[24] ما الفرق بين “استدعاء اسم يسوع” والصلاة “باسم يسوع”؟ هل يتصور كلاهما أن الصلاة إلى الله التي تذكر اسم يسوع تعطي القوة الحقيقيّة للصلاة؟
[25] ومن الجدير بالملاحظة ملاحظة جونجمان J. A. Jungmann في كتابه “مكانة المسيح في الصلاة الليتورجية” (The Place of Christ in Liturgical Prayer (London: Chapman, 1965):
“إذا نظرنا إلى القرون الأولى من العصر المسيحي، فقد نصل إلى هذا الاستنتاج: إذا حكمنا بناء على ما بقي في الوثائق والروايات عن حياة الكنيسة في هذه الفترة، فإن الصلاة الليتورجية، فيما يتعلق بشكل خطابها، تتوافق بإجماع كبير مع قاعدة التوجُّه إلى الله (الذي يوصف مرارًا وتكرارًا بأنه أب يسوع المسيح) من خلال المسيح رئيس الكهنة… لم نلتق إلَّا في نهاية القرن الرابع على سبيل الاستثناء بصلوات الصلاة إلى المسيح الرب، وهذه ليست ضمن الاحتفال الإفخارستي المناسب، بل في القداس السابق (قداس الموعوظين) وفي المعمودية.
من ناحية أخرى، نعلم أنه في الصلوات الخاصة، سواء في العصر الرسولي أو بعده، كانت الصلاة إلى المسيح معروفة ومألوفة” (ص 164-166). وهذا يذكرنا أيضًا أن الموضوع الأكثر بروزًا في العهد الجديد هو أن يسوع هو الشخص الذي يصلي من أجل أتباعه وليس الشخص الذي يُصلى إليه!
[26] ويشير هورتادو إلى أنه في العهد الجديد “يجب أن تكون أي صلاة مباشرة أو نداء إلى المسيح دائمًا في إطار سيادة الإله الواحد، وهي في الواقع محدودة للغاية في نطاقها وتواترها” (Origins 104).
[27] See e.g. G. Vermes, The Complete Dead Sea Scrolls in English (London: Allen Lane/Penguin, 1997) 243–332.
[29] “ربما يمكن تفسير تأثير المزمور 110 والمزامير الأخرى المنعكسة في العهد الجديد من خلال افتراض مألوفيتها من خلال الاستخدام الواسع والمتكرر في العبادة المسيحية المبكرة” (Hurtado, Origins 88–9). حول هذا الموضوع بالكامل، انظر بشكل خاص:
Hengel, ‘Hymns and Christology’, Between Jesus and Paul (London: SCM Press, 1983) 78–96; also ‘The Song about Christ in Earliest Worship’, Studies in Early Christology (Edinburgh: T&T Clark, 1995) 227–91. Both have been republished in German in M. Hengel, Studien zur Christologie: Kleine Schriften IV (WUNT 201; Tübingen: Mohr Siebeck, 2006) 185–204, 205–58. For fuller bibliography see Hurtado, Origins 86 n. 55, and Lord Jesus Christ 147 n. 161.
[30] Bauckham, Jesus and the God of Israel 137–8; see further M. Daly-Denton, ‘Singing Hymns to Christ as to a God (cf. Pliny, Ep. X, 96)’, in Newman, et al. (eds), Jewish Roots 277–92.
ويشير هوربيريHorbury إلى القبول المتزايد بأن “المسيح الذي كانت الترانيم تُغنى له باعتباره إلهًا في عهد تراجان كان يُكرم بالفعل بنفس الطريقة قبل عام 70م بين اليهود المسيحيين في الجليل واليهودية”.
[32] يجمع هينجل بين هذه الترانيم كلها باعتبارها “ترانيم للمسيح” ويخلص إلى أن: “ترانيم المسيح نشأت من الخدمات المبكرة للمجتمع بعد عيد الفصح، أي أنها قديمة قدم المجتمع نفسه”.
(‘Hymns and Christology’ 93); similarly Hurtado, Lord Jesus Christ 142. R. Deichgräber, Gotteshymnus und Christushymnus in der frühen Christenheit (Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1967), draws his conclusions with greater circumspection (207-8).
[33] ولا سيما يوحنا 1: 1-18؛ 1 تيموثاوس 3: 16؛ عب 1: 3؛ 1 بط 3: 18-19، 22.
[34] يشير هنجل إلى أنه إذا كان بليني يقصد “تسابيح عن المسيح تُشير إليه كإله”، فإنَّ هذا سيكون مشابهًا لمقدمة يوحنا (يوحنا 1: 1-18) والترنيمة في فيلبي 2: 6-11.
(Song’ 263).
[35] انظر أيضًا رؤيا 4: 8؛ 7: 12؛ 11: 17-18؛ 15: 3-4؛ 16: 7؛ 19: 1-3، 5.
جاءت هذه النبوة واضحة تمامًا، وقد تحققت في شخص القديس يوحنا المعمدان الذي شهد ليسوع المسيح أنه “حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو 1: 29). لهذا حاول اليهود أن يقدموا تفاسير متنوعة لهذا النص فادعى بعضهم أن ملاخي يتحدث عن نفسه كملاك الرب، وادعى آخرون أنه يُشير إلى ملاك الموت الذي يقود الأشرار ليطرحهم في نار جهنم.
يؤكد النبي أن المسيا الرب يأتي بغتة إلى هيكله، الذي يطلبه الأتقياء، خائفو الرب، منذ أيام آدم وحواء. إنهم ينتظرونه بفرحٍ عظيمٍ، وكما يقول الإنجيلي: كانوا “ينتظرون تعزية إسرائيل” (لو 1: 25)، وفداءً في إسرائيل (لو 1: 38)، إذ هو “مُشتهى كل الأمم” (حجي 2: 7). يجد الكل فيه مسرة قلوبهم.[2]
كيف قرأتها وفسرتها الكنيسة الأولى؟
يوحنا فم الذهب:
* تحدث يسوع عن ثياب يوحنا وسجنه ودوره في النبوة؛ بقوله هذا أظهر أنه أعظم من نبي. ماذا يعني يسوع أيضًا أنه هو أعظم؟ في كونه كان قريبًا جدًا من ذاك القادم. يقول: “هأنذا أرسل ملاكي أمام وجهك”, قاصدًا قربه من المسيا. فكما بالنسبة للملوك الذين يركبون بجوار المركبة يكون أكثر شهرة من البقية، هكذا كان يوحنا، إذ يظهر بدوره قريبًا من المجيء ذاته.[3]
جيروم:
يوحنا أعظم من الأنبياء الآخرين للسبب التالي: تنبأ الأنبياء الآخرون عن يوحنا أنه قادم، أما يوحنا فأشار بإصبعه أنه جاء حقًا، قائلًا: “هوذا حمل الله الذي يحمل خطية العالم” (يو 1: 29). لم يبلغ فقط مركز نبي، بل والمعمدان بتعميده ربه، هذا رفع من شأنه. بهذا حقق نبوة ملاخي إذ تنبأ عن ملاك. يوحنا انتمَى إلى طغمة الملائكة، ليس حسب الطبيعة، بل بسبب أهمية رسالته. إنها تعني أنه الرسول الذي يعلن عن مجيء الرب.[4]
أغسطينوس:
في هذا النص يسبق فيخبرنا عن كلٍ من المجيئين للمسيح، الأول والثاني. الأول حيث يقول: “للتو سيأتي الرب في هيكله بغتةً”. هذا يُشير إلى جسد المسيح الذي قال عنه بنفسه في الإنجيل: “اهدموا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيام أنا أقيمه” (يو 2: 19). ومجيئه الثاني تنبأ عنه بتلك الكلمات: “ومن يقدر أن يفكر في يوم مجيئه؟ ومن يقف ليراه؟”…[5] يُدعى البشر ملائكة، فيقول الرسول عن نفسه: “كملاكٍ من الله قبلتموني” (غل 4: 14). ويُقال عن يوحنا المعمدان: “هأنذا أرسل أمام وجهك ملاكي يهيئ طريقك قدامك” (مت 11: 10). لذلك عند مجيئه ومعه كل ملائكته (مت 25: 31) سيكون معه قديسوه أيضًا.[6]
شرح مختصر للنبوة:
ملاكي الذي يهيئ الطريق أمامي:
المقصود هُنا يوحنا المعمدان؛ كما متى 3: 3؛ 11:10؛ مرقس 1: 2، 3؛ لو 1: 76؛ 3:4؛ يو 1: 23 يوحنا بصفته النبي الممثل (سابق المسيح [الله المتجسد]) جمع في نفسه كل السمات المتناثرة للنبوة السابقة (ومن هنا وصفه المسيح بأنه “أعظم من نبي” لو 7: 26)، ومع ذلك كانت أقواله ملهمة: فملابسه الخشنة، مثل ملابس الأنبياء القدامى، كانت بمثابة حث واضح على التوبة؛ والبرية التي كان يكرز فيها ترمز إلى حالة اليهود القاحلة والهامدة في ذلك الوقت سياسيًا وروحيًا؛ كرازته كانت عن الخطيئة، والتوبة، والخلاص، تقدم للمرة الأخيرة خلاصة مختصرة لجميع تعاليم الله السابقة على يد أنبيائه؛ لذلك يُدعى بشكل بارز “رسول/ملاك” الله.[7]
وتشير الآيات ٢-٤ أيضًا إلى الطبيعة الإلهية لهذا الرب الآتي. يؤكد العهد الجديد هذا التفسير من خلال تعريفه بأن يوحنا المعمدان هو الرسول الموعود في الآية 1أ، والذي يمهد الطريق للرب الذي تم التنبؤ به في الآية 1ب (انظر متى 11: 10-14).[8]
هل ملاكي المقصود هو ملاخي؟
في العبرية، عبارة “رسولي” هي מַלְאָכִי (ملاكي)، وهي نفس صيغة اسم النبي (ملاخي). ولكن يبدو هنا الملاك المذكور هُنا كشخصية أخروية على وشك الظهور، كما يوحي السياق التالي. وفقاً لما جاء في (ملا 4: 5)، فإن هذا الرسول هو “إيليا النبي”، الذي يعرفه العهد الجديد بأنه يوحنا المعمدان (متى 11: 10؛ مرقس 1: 2) لأنه جاء “بروح إيليا وقوته” (متى 11: 11: 5). 14؛ 17: 11-12؛ لو 1: 17).[9]
فعلى الرغم من حقيقة أن “ملاكي” و”ملاخي” هما نفس الشيء في العبرية، إلا أن السياق الموجه نحو المستقبل للآية: “«هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ، وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِي تُسَرُّونَ بِهِ. هُوَذَا يَأْتِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ»” (ملا 3: 1). والآية: “هأَنَذَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا النَّبِيَّ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَالْمَخُوفِ” (ملا 4: 5). يوضح أن “ملاكي” ليس ملاخي.[10]
يأتي بغتة إلى هيكله:
تقول أن المسيح سيأتي فجأة إلى هيكله. هذا هو الهيكل الثاني، الذي أعاد زربابل بناؤه وأعاد تشكيله على يد هيرودس الكبير. لقد جاء يسوع إلى هذا الهيكل في مناسبتين منفصلتين ليطهره من الصرافين (يوحنا 2: 13-22؛ متى 21: 12-13). يقول النص على وجه التحديد “هيكله”. هذا الهيكل ينتمي إلى المسيح. لديه الحقوق الكاملة في الهيكل، ويمكنه أن يفعل به كما يشاء، لإنه هو ويهوه واحد. عندما طهره يسوع كان يمارس سيادته، وسلطته، وملكيته.[11]
السيد الذي تطلبونه:
جائت في العبرية: “ها-أدون”، وهي تشير إلى يهوه (خروج ٢٣: ١٧؛ ٣٤: ٢٣؛ قارن يش ٣: ١١، ١٣). قارن دا 9: 17. الله المتحدث يجعل “الرب”، “ملاك العهد”، واحدًا معه. “سأرسل … أمامي”، مضيفًا، “الرب … سوف … يأتي”؛ لذلك يجب أن يكون “الرب” واحدًا مع “أنا”، أي يجب أن يكون الله الذي “أمامه” أُرسل يوحنا. وكما يتم إثبات ألوهية الابن ووحدانيته مع الآب، كذلك يتم إثبات تمايز الأقانيم بقوله “أنا أرسل” وهو “يأتي” فهي ضمائر متمايزة تعبر عن نفس الشخص، كما أن الأقانيم متمايزة بينما الله واحد. كما أنه يأتي إلى الهيكل باعتباره “هيكله”: مما يشير إلى سيادته الإلهية عليه، على النقيض من جميع المخلوقات، الذين هم مجرد “عبيد” فيه (حج 2: 7؛ عب 3: 2، 5، 6).[12]
ملاك العهد:
ويُدعى “ملاك حضور الله” (أش 63: 9)، وأيضاً ملاك الرب. قارن ظهوراته بإبراهيم (تك 18: 1، 2، 17، 33)، ويعقوب (تك 31: 11)، وموسى في العليقة (خروج 3: 2-6)؛ لقد ذهب أمام إسرائيل بصفته الشكينة (خر 14: 19)، وسلم الشريعة في سيناء (أع 7: 38). فكل ظهورات الله في العهد القديم، الشكينة والظهورات البشرية، كانت في شخص الابن الإلهي (خروج 23: 20، 21؛ عب 11: 26؛ 12: 26). لقد كان ملاك العهد القديم كما هو ملاك العهد الجديد.[13]
هناك فكرة أخرى في الأفق، لأن الآية 1ب تتحدث بالتوازي الشعري، حيث يعبر سطرين عن نفس الفكرة بكلمات مختلفة. لذلك فإن الرب الذي تطلبونه هو نفس شخص ملاك العهد الذي تسرون به، وبالتالي فإن “ملاك العهد” الآتي هو نفس الكائن الإلهي مثل “يهوه” الذي هو أيضًا مطلوب وسيأتي.[14]
وكتب الرابيون أن ملاك العهد هنا هو المسيح ابن يوسف، وهو ملاك العهد لمملكة افرايم كما يقال (1ملوك 19:10).[16]
وجاء في تعليقات ملابيم:
ثم سأرسل ملاكي، ويوضح هذا الطريق أمامي، عندما يبدأ، سيدخل نبي باسم الله الذي سينقي هذا الطريق من كل العوائق، الذي سيصحح العالم بالتوبة، وبعد ذلك عندما يصحح العالم ويصبح الطريق جاهزًا، فجأة يأتي الرب الذي تطلبونه إلى هيكله، فالله سيأتي ليسكن في هيكله على الأرض ويسير بينكم، وها هو ههنا ملاك العهد الذي تطلبونه، لأن الملاك يسبق الأول، سيأتي الرب إله الجنود، وهو الملاك الذي سيدخل العالم إلى عهد التوراة والإيمان. أن هذا هو إيليا، الملاك الذي سيأتي أولاً ليُعافي كثيرين من الضيق، وهو الذي الذي غار على العهد في أيام أخآب.[17]
ويقول ميتزودات داود:
ها أنا في وقت الفداء الآتي سأرسل ملاكا من السماء فيفتح الطريق أمام الله، فيقطع من العالم المجرمين والمتمردين، ليطهر الأرض قبل أن آتي لأسقي مقدسي في الأرض… هذا هو الملك المسيا الذي تنتظره عين كل إنسان وتشتاق إليه وتشتاق لمجيئه.. أما ملاك العهد فهو إيليا.[18]
ويقول رابي راداك:
الرب وهو ملك المسيح وهو ملاك العهد، وقيل أن ملاك العهد عن إيليا، وقيل أيضاً في الأسطورة أن إيليا كان يغار من الختان الذي منعهم من مملكة أفرايم، كما أنه قيل غرت على الرب اله اسرائيل لان بني اسرائيل تركوا عهدك لا يختتن اسرائيل حتى ترى بعينيك من هنا يقيمون كرسي المجد لايليا الذي يقال له ملاك العهد، وها هو ملاك العهد الذي تطلبونه، قال رب الجنود.[19]
[1] إن القراءة الأقدم والصحيحة لمرقس 1: 2 هي “كما هو مكتوب في إشعياء النبي”. والصعوبة هي: كيف يمكن إحالة نبوة ملاخي إلى إشعياء؟ التفسير هو: المقطع في ملاخي يرتكز على ما في إش 40: 3، ولذلك يُشار إلى المصدر الأصلي للنبوة لتمييز هذه التبعية والارتباط.
Robert Jamieson, A. R. Fausset, A. R. Fausset, David Brown and David Brown, A Commentary, Critical and Explanatory, on the Old and New Testaments (Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc., 1997). Mal 3:1.
[2] القمص تادرس يعقوب ملطي، من تفاسير وتأملات الآباء الأولين، سفر ملاخي 3: 1.
[7] Robert Jamieson, A. R. Fausset, A. R. Fausset, David Brown and David Brown, A Commentary, Critical and Explanatory, on the Old and New Testaments (Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc., 1997). Mal 3:1.
[8] Crossway Bibles, The ESV Study Bible (Wheaton, IL: Crossway Bibles, 2008). 1777
[9] Biblical Studies Press, The NET Bible First Edition Notes (Biblical Studies Press, 2006; 2006). Mal 3:1.
[10] Crossway Bibles, The ESV Study Bible (Wheaton, IL: Crossway Bibles, 2008). 1777
[11] Arnold G. Fruchtenbaum, Messianic Christology: A Study of Old Testament Prophecy Concerning the First Coming of the Messiah (Tustin, CA: Ariel Ministries, 1998). 75.
[12] Robert Jamieson, A. R. Fausset, A. R. Fausset, David Brown and David Brown, A Commentary, Critical and Explanatory, on the Old and New Testaments (Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc., 1997). Mal 3:1.
[13] Robert Jamieson, A. R. Fausset, A. R. Fausset, David Brown and David Brown, A Commentary, Critical and Explanatory, on the Old and New Testaments (Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc., 1997). Mal 3:1.
[14] Crossway Bibles, The ESV Study Bible (Wheaton, IL: Crossway Bibles, 2008). 1777.
[16] וכתב הראב”ע שמלאכי הנז’ כאן הוא משיח בן יוסף, והאדון הוא הכבוד והוא עצמו מלאך הברית.
Abarbanel on Malachi 3:1:1
[17] הנני שלח משיב להם מה שאתם רוצים שיתגלה אלהי המשפט ויעניש תיכף את הרשעים ויתן שכר לצדיקים, זה אי אפשר שיהיה בזה”ז, כי עתה הוא עדיין עולם הבחירה והנסיון וצריך שיתנהג הכל בדרך הטבע כדי שיהיה הבחירה נתונה לעשות טוב ורע ויהיה מקום לנסיון ולשכר ועונש, שאם יתגלה השי”ת בכבודו אז לא יצוייר עוד שיעשה איש מעשה רע, כי אז אף על חטא קל יענש תיכף ויעבור מן העולם ויתיראו מעשות רע, וע”כ הדרך הזה שילך ה’ בעצמו אל יצוריו לשפטם ולהנהיגם על זה האופן, לא נסלל עדיין ולא הוכן בזה הזמן, רק אחר שיתוקן העולם אז הנני שולח מלאכי ופנה דרך זה לפני, שתחלה ילך נביא בשם ה’ אשר יפנה דרך זה מכל אבני מכשול, ר”ל שיתקן את העולם בתשובה, ואז כשיהיה העולם מתוקן והדרך מוכן, אז פתאום יבא אל היכלו האדון אשר אתם מבקשים, אז יבא ה’ לשכון בהיכלו למטה ולהתהלך בתוככם, ואז מלאך הברית אשר אתם חפצים הנה כבר בא, כי המלאך יקדים לבא קודם בא האדון ה’ צבאות, והוא המלאך שיכניס את העולם בברית התורה והאמונה ובברית בינם לבין אלהים, וחז”ל פי’ שזה אליהו מלאך הברית שיקדים לבא להשיב רבים מעון והוא אשר קנא על הברית בשטים ובימי אחאב:
Malbim on Malachi 3:1:1
[18] הנני שולח מלאכי. מוסב למעלה להשיב על תלונותן שאמרו איה אלהי המשפט ויאמר הנה בזמן הגאולה העתידה אשלח אני מלאך מן השמים והוא יפנה הדרך לפני ר״ל הוא יבער מן העולם הפושעים והמורדים לטהר את הארץ לפני בואי להשרות שכינתי בארץ:
הנה בא. אמר בלשון עבר כי כאשר יבא המשיח יהיה אליהו כבר בא כי הוא יקדים לבוא:
Metzudat David on Malachi 3:1:1
[19] האדון. הוא מלך המשיח והוא מלאך הברית, או אמר מלאך הברית על אליהו, וכן אמר באגדה שאליהו קנא על ברית מילה שמנעה מהם מלכות אפרים, שנאמר קנא קנאתי לה’ אלהי ישראל כי עזבו בריתך בני ישראל, אמר לו קנאת בשטים וכאן אתה מקנא על המילה חייך שאין ישראל עושים ברית מילה עד שאתה רואה בעיניך, מכאן התקינו לעשות כסא הכבוד לאליהו שנקרא מלאך הברית שנאמר ומלאך הברית אשר אתם חפצים הנה בא אמר ה’ צבאות:
Radak on Malachi 3:1:4
ملاكي يهئ الطريق أمامي (ملاخي 3: 1) ولاهوت المسيح – قراءة يهودية للنبوة – أمجد بشارة
في البداية يجب أن نلاحظ أن الترجمة العربية للعهد القديم ترجمت في كل مرة ورد فيها اسم يهوه יְהוָ֥ה بكلمة: الرب.. وهذه الترجمة تعد قاصرة عن توصيل معنى النص العبري الأصلي، ففي جميع النصوص العبرانية القديمة نجد أن النص ورد يهوه صديق יהוה צדקנו والتي تعني يهوه برنا أو يهوه الذي فيه تبريرنا، وهذا ما نجده في مخطوطة ليننجراد ومخطوطة حلب:
في ع٥، المسيا يدعى غصن (أو ابن) داود. في زكريا ٣: ٨ هو «عبدي الغصن»، وفي زكريا ٦: ١٢ «الرجل… الغصن»، وفي إشعياء ٤: ٢ هو «غصن الرب». هذه تقابل الأربعة أوجه للرب يسوع كما تقدِّمه الأناجيل: كالملك، الخادم، ابن الأنسان، وابن الله.
»الرب برنا» أو“يهوه تسيدكينو”(ع٦) هو أحد سبعة أسماء مركبة ليهوه؛ فسيكون الله معروفًا بأنه هو الذي أرجع شعبه إلى الأرض. الأسماء الأخرى التي يظهر فيها اسم يهوه مركبًا (بحسب العبرية) هي: «يَهْوَهْ يِرْأَهْ» (تك٢٢: ١٣، ١٤)، «الرب شافيك» “يهوه رافا” (خر١٥: ٢٦)، «يَهْوَهْ نِسِّي» “الرب رايتي” (خر١٧: ٨-١٥)، «يَهْوَهَ شَلُومَ» “الرب سلام” (قض٦: ٢٤)، «الرب راعي» “يهوه راعا” (مز٢٣: ١)، «يَهْوَهْ شَمَّهْ» “الرب هناك” (حز٤٨: ٣٥).[1]
تتناول هذه الآيات في المقام الأول المجيء الثاني للمسيح، ولكن هناك جانبًا منها يتعلق بمجيئه الأول أيضًا. تتحدث الآية 5 عن الرجل الذي سيكون ابنًا لداود، والذي سيملك كملك. إن ملكية المسيح لم تأت بعد، ولكن هذه الآية تتحدث بوضوح عن المسيح باعتباره من نسل داود، وبالتالي تؤكد على إنسانيته. ولكن في الآية 6، يُعطى هذا الرجل اسمًا ينطبق على الله وحده: “الرب برنا”.
الترجمات الحديثة عمومًا تجعل هذا على أنه الرب. يهدف هذا إلى نقل الأحرف الأربعة YHVH التي تُقرأ على أنها يهوه (بالعبرية יְהוָ֥ה القراءة من اليمين إلى اليسار هي الحروف yod heh vav heh). في جميع أنحاء العهد القديم، يُعطى الاسم الإلهي YHVH لله وحده، ولكن هنا يُعطى الرجل الوارد ذكره في الآية 5 اسم الله بوضوح في الآية 6. وهذا يقدم لنا مرة أخرى مفهومًا واضحًا عن المسيح باعتباره الله الإنسان.[2]
وهنا يؤكد الوحي الإلهي أن ابن داود الآتي،
غصن البر،
سيملك على الأبد وليس ملكا وقتياً،
وهذا ما أكده الملاك للعذراء: ” هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية ” (لو1 :32و33).
ولذا فاسمه الرب برنا.
(1) وكونه الرب ” يهوه = Yahweh ” فهو كامل في لاهوته؛
(2) و ” برنا ” لأنه بررنا من خطايانا لكونه البار فهو الرب يهوه غير المحدود بلاهوته، والقدوس البار بناسوته: ” قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات ” (عب6 :27)، ” وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها ” (اش53 :11)، ” فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح ” (رو5 :1)، ” بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرا وقداسة وفداء ” (1كو1 :30).
وقد وصف هنا بعبد الرب بسبب تجسده، ظهوره في الجسد، اتخاذه صورة العبد، لكنه في حقيقته هو الرب، يهوه برنا:
”الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا للّه لكنه أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله أيضاً وأعطاه اسما فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب” (في2 :6-11).
كيف قرأه اليهود؟
إحدى الحجج التي قدمتها اليهودية الحاخامية لدحض هذا التعليم هي الإشارة إلى أنه في جميع أنحاء الكتاب المقدس توجد أمثلة لأسماء تحتوي على اسم الله. على سبيل المثال، الاسم ارميا يعني «يهوه سيثبت» او «يهوه سيلقي». أو مرة أخرى، اسم إشعياء يعني “يهوه خلاص”، وهناك أسماء أخرى كثيرة تحتوي على الاسم “يهوه”.
ومع ذلك، يجب أن ندرك أنه في أي من هذه الحالات لم يتم العثور على جميع الأحرف الأربعة YHVH. عادةً ما يتم استخدام حرفين فقط، وأحيانًا ثلاثة، ولكن لم يتم استخدام الأحرف الأربعة لاسم الله مطلقًا فيما يتعلق بالإنسان. وعلى الرغم من ذلك، فإن إرميا 23: 5 يتحدث بوضوح عن رجل – وهو إنسان من نسل الملك داود – وفي 23: 6 يُعطى اسمًا هو اسم خاص بالله وحده وبأحرف كاملة وبشكل واضح، فمن الواضح أنه ليس اسم شخص بل وصف لعمل الله المبرر.
وهذا أمر لم يكن في الواقع محل خلاف بين الرابيين القدماء، الذين كانوا يفسرون هذا دائمًا على أنه مقطع مسياني. ولم يحاول الحاخامات القول بخلاف ذلك إلا مؤخرًا نسبيًا. ويمكن تقديم اقتباسات من الكتابات الرابينية لإظهار ذلك:[3]
فهم الغالبية العظمى من علماء اليهود مغزى هذه النبوّة وطبقوها في مناسبات أخرى على المسيح؛ ففي مدراش تهليم عن المزامير في تفسير (مزمور21: 1):
”الله يدعو الملك المسيا باسمه هو. لكن ما هو اسمه؟ الإجابة: الرب (يهوه) رجل الحرب” (خروج 15: 3).[4]
وفي مصدر يهودي آخر، إيكاراباتي (200- 500م) ” المراثي في شرح التوراة واللفائف الخمس ” يقول في تعليق على (مراثي1: 16):
” ما هو اسم المسيا؟ يقول أبا بن كاهانا (200- 300م): اسمه يهوه كما نقرأ في إرميا 23: 6 ” وهذا هو اسمه الذي يدعونه به الرب (يهوه) “.[5]
فالمقصود هُنا هو المسيح، بحسب جون جيل[6] فإن هذا ما قال به اليهود قديمًا وحديثًا.[7]
ورد في مدراش على سفر الأمثال:
قال الحاخام هونا: “ثمانية أسماء أُعطيت للمسيح وهي: ينون، شيلوه، داود، مناحيم، يهوه…”.[8]
وفي المدراش على مراثي إرميا، يقول:
ما هو اسم المسيح؟ قال راف آفا بن كاهانا، “يهوه هو اسمه”، وقد اثبت رأيه باستشهاده بإرميا 23: 6.[9]
وجاء مثل ما سبق أيضًا في التلمود البابلي على لسان رابي يوحنان.[10]
وورد في ميتزودات داود:
في أيامه أي في أيام المسيح، سيتم إنقاذ كل من يهوذا وإسرائيل، وسيعيشون في أرضهم بالتأكيد، وليس كما في الهيكل الثاني.[11] وهذا هو اسمه: للمسيح الذي سيدعى إسرائيل.[12]
اسمه الذي سيُدعى به سيُدعى بعد ذلك “الرب برنا” لأنه برنا هو الرب، كما يقول “… يا إله بري…” (مز-تهليم 4: 2) بمعنى أن بري يأتي من الله – فكما هو موجود كذلك إسرائيل يتبرر ويخلص به.
تتكرر هذه النبوءة أكثر في 33: 15، مع بعض التغييرات. يقول “سأنبت لداود غرسة بر” لكنه لا يذكر “فيملك ملكًا وينجح”. هناك مكتوب “في تلك الأيام يخلص يهوذا وتسكن أورشليم آمنة وصالحة”. هذا هو الاسم الذي يدعوه به يهوه برنا.لأن هناك نوعين من الفداء. إذا جاء من خلال استحقاقنا “فسأسرع به”، إذا لم يكن من خلال استحقاقنا “في وقته”.[14]
وكتب في منشات تشاي:
وهذا هو اسمه الذي يدعوه: يهوه؛ عزرا كتب في ريش بارشات يثرو כתב ן’ עזרא בריש פרשת יתרו أنه باسم المسيح الله نحن أبرار، تمامًا كما دعا موسى إلى مذبح الله، وقال أن الاسم يلتصق بالكلمة التي سيقرؤونها واسم المسيح هو برنا.[15]
وقال رابي راداك:
وهذا هو اسمه الذي سيدعوه الله برنا. سيُدعى إسرائيل، ويُدعى المسيح بهذا الاسم: يهوه.[16]
كما دُعي السيد المسيح بالغصن للسببين التاليين:
أ. لأن الغصن مرتبط بالأصل، فمع أنه رب داود لكنه من نسله، مرتبط به حسب الجسد.
ب. صار بالحقيقة إنسانًا ينمو كالغصن.
أُستخدم هذا اللقب “الغصن” في مجتمع قمران ليشير إلى المسيا الملك.[17] وقد أُدخل إلى الصلاة اليهودية التي تُدعىEsreh Shemoneh (الثمانية عشر بركة):
[ليبرز غصن داود عبدك سريعًا، وليتمجد قرنه بخلاصك].[18]
[1] William MacDonald and Arthur Farstad, Believer’s Bible Commentary: Old and New Testaments (Nashville: Thomas Nelson, 1997, c1995). Je 23:1-8.
[2] Arnold G. Fruchtenbaum, Messianic Christology: A Study of Old Testament Prophecy Concerning the First Coming of the Messiah (Tustin, CA: Ariel Ministries, 1998). 62.
[3] Arnold G. Fruchtenbaum, Messianic Christology: A Study of Old Testament Prophecy Concerning the First Coming of the Messiah (Tustin, CA: Ariel Ministries, 1998). 62.
[4] Lartsch, Bible Commentary: Jeremiah, 193; Midrash on Psalm 21:1; Arnold G. Fruchtenbaum, Messianic Christology: A Study of Old Testament Prophecy Concerning the First Coming of the Messiah (Tustin, CA: Ariel Ministries, 1998). 63.
نرى الرب يسوع له المجد يتسلم زمام السلطان والمُلك على الأرض بصفته ابن الإنسان (أنظر مز8، عب2). وذلك بحق عمله الكامل على الصليب حيث وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب لذلك رفّعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء من على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب” (في2: 8- 11). ونلاحظ أن المسيح كابن الإنسان هو صاحب الحق في أن يدين “وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً لأنه ابن الإنسان” (يو5: 27). وكابن الإنسان هو صاحب الحق في أن يملك حيث سيُخضع له الله العالم العتيد.[1]
وفي الآرامية والعبرية، عبارة “ابن الإنسان” هي مجرد تعبير شائع لوصف شخص ما أو شيء ما على أنه إنسان أو شبيه بالإنسان. في حزقيال، كثيرًا ما يخاطب الله النبي بصفته “ابن الإنسان” للتأكيد على إنسانيته.
أما عن تعبير: “سحب السماء”، ففي في أدب الشرق الأدنى القديم، غالبًا ما ترتبط السحب بظهور الآلهة. في العهد القديم كان الرب، إله إسرائيل، هو الذي يركب على السحاب كمركبته (مزمور 104: 3؛ إشعياء 19: 1). في الأساطير الكنعانية،[2] يوصف بعل، ابن إيل، بأنه “راكب السحاب”. بعد خوض معركة مع يام/سي وهزيمته، وُعد بمملكة أبدية وسيادة أبدية.[3]
القديم الأيام وابن الانسان!
يصوِّر دانيآل مُلك الرب يسوع المسيح المجيد؛ حيث سيُعطى سلطانًا عالميًا. وصف القديم الأيام هنا يماثل وصف المسيح في رؤيا يوحنا ١. ولكن هذا التماثل قد أُحتجب بشكل ما في ع١٣ إذ نقرأ «مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّام». فحينها ستُقرأ كما لو أن المسيح أتى وجاء إلى قدام نفسه. ومن ثم فربما يكون الأفضل لو أننا فكرنا في القديم الأيام هنا باعتباره الله الآب. وحينئذ يكون الشبيه بابن الإنسان هو الرب يسوع آتيًا أمام الآب ليتقلد المُلك. يجلس القديم الأيام كقاضِ في محكمة (ع ١٠، ٢٦)، والقرن الصغير وإمبراطوريته يتم إبادتهما (ع١١). وإمبراطوريات العالم الأخرى أيضًا تنقطع ولكن الأمم (Nations) والشعب سيبقون (ع١٢). ويُعطى الرب يسوع سلطانًا عالميًا، وملكوتًا، لن يزول أبدًا (ع١٤).
ونلاحظ أن “القديم الأيام” هو لقب الله الأزلي “العالي والمرتفع ساكن الأبد” وهو الذي قرّبوا ابن الإنسان قدامه فأعطاه السلطان والمجد والملكوت. ولكن عندما ندقق النظر في أوصاف القديم الأيام نجدها هي ذات أوصاف “ابن الإنسان”، “وأما رأسه وشعره فأبيضان كالصوف الأبيض كالثلج وعيناه كلهيب نار” (رؤ1: 14). وأيضاً أن “القديم الأيام” الذي جلس للدينونة في دا7: 9 هو ابن الإنسان لأنه هو الذي يدين كما أن “القديم الأيام” الذي جاء بعد أن حارب القرن الصغير قديسي العلي وغلبهم (دا7: 21، 22) هو ابن الإنسان أيضاً.
فنرى من ذلك بوضوح أن ابن الإنسان هو الله الأزلي الأبدي القديم الأيام. والواقع أن شخص ربنا المعبود يسوع المسيح يجمع في ذاته في منتهى الكمال الطبيعية الإلهية والطبيعة الإنسانية متميزتين ولكنهما متحدتان بغير امتزاج. وهذا هو السر المقدس العظيم- سر شخصه العجيب الذي هو فوق إدراك الخلائق “ليس أحد يعرف الابن إلا الآب” (مت11: 27).[4]
وهذا ما حيّر اليهود عندما سألهم الرب يسوع “فكيف يدعوه داود بالروح القدس رباً قائلاً قال الرب لربي اجلس عن يميني .. فإن كان داود يدعوه فكيف يكون ابنه” (مت22: 43- 45)، فلم يستطيعوا أن يجدوا جواباً.
تتعبد له كل الشعوب والأمم!
“اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً لك وأقاصي الأرض ملكاً لك” (مز2: 8) وتتميماً لقول الكتاب “لذلك رفّعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة .. ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب” (في2: 9- 11) “سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول. وملكوته ما لا ينقرض” هذا بالمقارنة مع إمبراطوريات الأمم الأربع التي زال سلطانها الواحدة بعد الأخرى وانقرض ملكوتها.
كيف قرأها الرابيون اليهود؟
في التلمود جاء:
يقول الحاخام ألكسندري: يثير الحاخام يهوشوع بن لاوي تناقضًا بين تصويرين لمجيء المسيح. إنه مكتوب: “جاء مع سحاب السماء مثل ابن إنسان… وأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً… سلطانه سلطان أبدي” (دانيال 7: 13-14). وقد جاء في الكتاب: «هوذا ملكك يأتي إليك. إنه عادل ومنتصر. وديعاً وراكباً على أتان وعلى جحش ابن أتان” (زكريا 9: 9). يشرح الحاخام ألكسندري: إذا كان الشعب اليهودي يستحق الفداء، فإن المسيح سيأتي بطريقة معجزة مع سحاب السماء. إذا كانوا لا يستحقون الفداء، سيأتي المسيح متواضعًا وراكبًا على حمار.[5]
ويعطى له الرياسة والكرامة والمملكة. وتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة وتكون مملكته مملكة عالمية لا تُترك. وهو مسيح برنا الذي سيأتي أمام الله. وسيقدمه إيليا النبي أمامه، ويعطى له الرياسة إلى أبد الآبدين.[9]
وفي أيام المسيح يكون إسرائيل شعبا واحدا للرب، ويجعلهم أمة واحدة في الأرض، ويملكون من فوق ومن أسفل، كما هو مكتوب: “هوذا مثل ابن الله” “جاء إنسان مع سحاب السماء”؛ هذا هو المسيح الملك الذي كتب عنه، “وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماء مملكة لن تنقرض أبدًا”.[13]
وورد في مدراش على المزامير:
قال ر. برخيا باسم ر. صموئيل: “تقرأ إحدى الآيات عن المسيح الملك أنه مثل ابن الإنسان… جاء إلى القديم الأيام فقربه قدامه” (دانيال 7: 13). لكن في آية أخرى يقول الله: “أقربه فيقترب إلي” (إرميا 30: 21).[14]
كما جاء في مدراش رابا:
كيف نعرف نفس الشيء عن الملك المسيح؟… كيف نعرف أنه سيملك على الأرض؟ لأنه مكتوب يسجد له جميع الملوك. يجب على جميع الأمم أن تخدمه.[15]
[6] تفسير رابي ابن عزرا: هو تفسير يرجع للقرن الثاني عشر، ويقوم على ايضاح المعنى المباشر وبعض التعليقات اللغوية على النص.
[7] ויאמר רבי ישועה: כי זה כבר אנש הוא המשיח. ונכון דבר רק הוא עם הקדש שהם ישראל.
Ibn Ezra on Daniel 7:14:7
[8] تفسير رابي يوسف بن يحيى: تفسير يرجع للقرن السادس عشر، ويقوم بشكل أساسي على تعليقات رابي شلومو بن اديريت الشهير بـ راشباع.
[9] ואליו ינתן הממשלה והכבוד והמלכות. וכל העמים ואומות ולשונות אליו יעבדו וממשלתו ממשלת עולם אשר לא תסור כראשונים ומלכותו לא תוזק. והוא משיח צדקנו אשר יגיע לפני ה׳. ואליהו הנביא יקרבהו לפניו ואליו ינתן הממשלה לעד ולעולם.
Joseph ibn Yahya on Daniel 7:14:1
[10] ميتزودات ديفيد: هو تفسير يرجع للقرن الثامن عشر، وقد قام بشكل رئيسي على تعليقات رابي راداك.
[11] חזה. רואה הייתי במראות שינת הלילה והנה עם ענני השמים היה בא כדמות בן אדם ועל מלך המשיח ירמז:
أبي أعظم مني وألوهية المسيح – سام شمعون – ترجمة: مينا عماد برتي
أبي أعظم مني وألوهية المسيح – سام شمعون – ترجمة: مينا عماد برتي
الآية المقصودة هي في (يوحنا 28:14) تقول “سمعتم أني قلت لكم أني اذهب ثم آتي إليكم لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني قلت أمضي إلى الآب لأن ابي أعظم مني”
وحيث أن السائل (المسلم) مؤمن بالتوحيد (الله واحد أحد بشخصه وطبيعته) فإنه ليس من المعقول أن الله يتحدث إلى من هو اعظم منه. وعليه إن كان الله ثالوث فإن الطبيعة الثالوثية (أي انه إلى سرمدي واحد في ثلاثة أقانيم متمايزة وغير منفصلة) فمن المعقول أن أحد الأقانيم وهو رأس الله أن يكون هو الأعظم بشيء من المنطق. الواقع انه لا شيء موجود أعظم من الثالوث القدوس، ولكن هذا ليس بالضرورة يفترض بأنه لا يوجد أي نوع من تنوع وترتيب السلطان داخل الحياة الأبدية وعلاقة أولئك الأقانيم بالثالوث نفسه. وبنعمة وإذن الرب يسوع سوف نتطرق لتلك النقطة بتوسع في مقال آخر.
دعونا نتفق أن يسوع قصد أن يوصل فكرة أن الآب أعظم منه للتلاميذ، ففي البدء يجب الإشارة إلى أن مصطلح أعظم باليونانية (meizon) ليس بالضرورة يقصد أن واحداً أعظم في الطبيعة او الجوهر، ولكن قد تسير إلى أن شخص او شيء ما أعظم في المكانة أو السلطان كما توضح الآية الآتية:
“الحق أقول لكم لم يكن بين المولودين من النساء اعظم (meizon) من يوحنا المعمدان ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه” (متى 11:11)
فكون أن يوحنا اعظم بين مواليد النساء لا يقصد أن الباقيين أقل إنسانية من يوحنا أن أنهم اقل من يوحنا في الطبيعة البشرية ولكن من المقصود أن يوحنا أعظم في المرتبة والمكانة.
“الحق الحق أقول لكم أنه ليس عبد اعظم (meizon) من سيده ولا رسول اعظم (meizon) من مرسله” (يوحنا 13:16)
كلاهما العبد والرسول متساوون مع السيد والمرسل من الناحية الإنسانية، كما أن لهم نفس الجوهر والطبيعة الآدمية. وعليه فإن اعظم هنا تعني في المكانة والسلطة وليس في الجوهر والطبيعة.
“الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي فالأعمال التي أنا اعملها يعملها هو أيضاً ويعمل أعظم (meizon) منها لأني ماضي إلى أبي” (يوحنا 14:12)
إن تلاميذ يسوع لم يصنعوا أعمال أعظم ولكنهم صنعوا أعمالاً اكثر عددا مما فعلها المسيح منذ أن وصلوا لأناس أكثر وعلى مساحة أكبر مما وصل إليه يسوع مدة حياته على الأرض. وعليه فإن لفظة اعظم تعود على الكم والعدد مقارنة بالجودة حيث أن التلاميذ صنعوا نفس الأعمال التي صنعها يسوع ولكن بأعداد أكبر.
مما سبق يتضح لنا أن لفظ (meizon) قد يعني – حسب السياق – اعظم في الطبيعة أو المكانة أو كليهما معاً. هكذا فإن الطريقة الوحيدة التي يمكن ان نعلم بها ماذا كان يعني يسوع حينما قال الآب أعظم مني هي طريق قراءة النص في سياقه المباشر بنظرة متأنية على الاصحاح 14 يظهر أن الرب يسوع يخبرنا بأنه يملك جميع صفات الله المتعددة.
فالمسيح يستطيع بشخصه أن يجيب جميع الصلوات الموجهة له أو قدمت باسمه، فالطريقة الوحيدة أن يكون المسيح يستطيع أن يسمع ويجيب كل هذه الصلوات هي انه كلي القدرة وكلي المعرفة.
“في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وأنتم في وانا فيكم، الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني والذي يحبني يحبه أبي وان أحبه وأظهر له ذاتي” (يوحنا 14 :20-21)
المسيح هنا يقول إنه في التلاميذ وهذا حتما مستحيل لو كان انساناً أو حتى ملاك، ولكن لأن يسوع هو الله ولأن الله غير محدود فهذا يجعله معقولاً أن يقول المسيح أنه يسكن في جميع المؤمنين باسمه في نفس الوقت.
” أجاب يسوع وقال له: إن احبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً” (يوحنا 23:14)
فكلا الآب والابن يصنعوا منازلهم مع كل المؤمنين بهم وهنا المسيح يوضح مساواته مع الآب حيث أنه يتواجد مع كل مؤمن بنفس طريقة الآب. في الواقع اولئك من سمعوا يسوع قد علموا أنه يقصد أنه مساوي للآب.
“ولهذا كان اليهود يطردون يسوع ويطلبون أن يقتلوه لأنه عمل هذا في سبت، فأجابهم يسوع: أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل” (يوحنا 5 :16-18)
ولهذا كان اليهود يطلبوه ليقتلوه لأنه ليس فقط كسر السبت ولكنه دعى الله أنه أبوه وصنع نفسه متساوياً مع الله.
السبب وراء أن اليهود اعتقدوا أن يسوع كان يدعو نفسه مساوياً لله هو بسب تاكيداته القوية أنه يملك نفس الحقوق الإلهية للعمل في السبت كما الآب كذلك الابن. يسوع كان كثيراً ما يقول – كابن لله – أنه يستطيع صنع نفس الأعمال والتي يعتبر غير شرعي صنعها في هذا اليوم المقدس حيث أنه غير مقيد بالقوانين والشرائع الخاصة بالسبت بنفس طريقة الله الغير مقيد بتلك الشرائع.
في التالي مثال آخر لدعوة يسوع بأنه مساو للآب:
“خرافي تسمع صوتي، وأنا اعرفها فتتبعني، وأنا اعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد ولا يخطفها أحمد من يدي، أبي الذي اعطاني إياها هو أعظم من الكل ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي، أنا والآب واحد، فتناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه، اجابهم يسوع: اعمالاً كثيرة حسنة اريتكم من عند ابي بسبب أي عمل منها ترجمونني؟ أجابه اليهود قائلين: لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً” (يوحنا 10: 27-33)
فالمسيح هنا ينسب إلى نفسه كل الامتيازات الحصرية للإله.
“انظروا الآن أنا أنا هو وليس إله معي أنا اميت وأحيي سحقت وإني أشفي وليس من يدي مخلص” (تثنية 32:39)
“أيضاً من اليوم أنا هو ولا منفذ من يدي افعل ومن يرد؟” (اشعياء 43 : 13)
ولو لم يكن هذا مقنعاً كفاية فيسوع قال أنه واحد هو والآب بعد أن بين أن هذا الأخير أعظم من الكل ن والذي في السياق يشير إلى أولئك الذين يحاولوا خطف المؤمنين من يد الله القوية.
وللاستيعاب الكامل لتداعيات وجوانب تلك النصوص، فلتبق في ذهنك أن قصد يسوع أنه لا يوجد أحد يستطيع منح الل من حماية قطيعه حيث أنه لا يوجد كائن او كيان بقوة الله والذي يستطيع أن يحبط غرضه لخلاص خرافه. وهنا يضع الرب يسوع نفسه في تصنيف ومكانة فريدة حيث انه يؤمن بالفعل أنه هو أبوه واحد، واحد معه في القدرة والقوة والذي لا يشبهه أحد آخر.
لا عجب أن اليهود اعتقدوا ان يسوع يجدف، فهم استطاعوا ان يروا ان المسيح كان يدعوا أنه الله للإيمانه بأنه يستطيع صنع أفعال والتي فقط “يهوه” وحده هو من يستطيع أن يصنع وبالتالي الإيمان بانه كان بنفس قوة وقدرة الآب.
في ضوء ما تقدم من الواضح أن الرب يسوع قصد ذلك أن الآب أعظم منه ن فالكتب المقدسة تعلمنا ان المسيح تأنس وأخذ مكان العبد والخادم.
“لأن من هو أكبر الذي يتكئ أم الذي يخدم؟ أليس الذي يتكئ؟ ولكني أنا بينكم كالذي يخدم” (لوقا 22 :27)
“يسوع وهو عالم أن الآب قد دفع كل شيء إلى يديه وأنه من عند الله خرج وإلى الله يمضي قام عن العشاء وخلع ثيابه وأخذ منشفة واتزر بها ثم صب ماء في مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزراً بها فجاء إلى سمعان بطرس فقال له ذاك: يا سيد أنت تغسل رجلي اجاب يسوع وقال له: لست تعلم أن الآن ما انا أصنع ولكنك ستفهم فيما بعد قال له بطرس: لن تغسل رجلي أبداً أجابه يسوع: إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب قال له سمعان بطرس: يا سيد ليس رجلي فقط بل أيضاً يدي ورأسي، قال له يسوع: الذي قد اغتسل ليس له حاجة إلا إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله وأنتم طاهرون ولكن ليس كلكم لأنه عرف مسلمه لذلك قال لستم كلكم طاهرين فلما كان قد غسل أرجلهم وأخذ ثيابه واتكأ أيضاً قال لهم: اتفهمون ما قد صنعت بكم أنتم تدعونني معلماً وسيداً وحسناً تقولون لأني أنا كذلك فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت ارجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض لأني اعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً” (يوحنا 13 : 3 -15)
“فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضاً، الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه أخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب” (فيلبي 2: 5 -8)
وهكذا طالما كان المسيح على الأرض في صورة ووضع العبد المتواضع وفي اضطهاد دائم وتوبيخ وآلام وبعده عار الصليب فالآب يكون أعظم منه في المكانة والفخر، وعندما يعود المسيح إلى السماء للجلوس عن يمين أبيه فلم يعد في صورة العبد فهو يتشارك مرة أخرى نفس المجد والسيادة والسلطان الذي له مع الآب قبل قدومه إلى الأرض كإنسان.
“والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم … أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين اعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي اعطيتني لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم” (يوحما 17 : 5، 24)
هكذا فالآب اعظم في المكانة والمرتبة وليس في الطبيعة والجوهر. فالسائل هنا قد ارتكب مغالطة تصنيفية، فهو/هي يخلط في تصنيف المكانة والرتبة مع تصنيف الجوهر والطبيعة، ويفترض بالخطأ أنه إن كان واحداً أعظم من طريق واحد في المكانة والسلطان فيجب أن يكون أعظظم في كل شيء كالجوهر والطبيعة، وفي ضوء تلك الحقائق الكتابية الواضحة فإن هذا ليس هو الحال على الإطلاق.
المصادر:
مقال للرد على معضلة “ قال يسوع أن الآب أعظم منه، ديل على انه ليس الله حيث انه لا يوجد أحد أعظم من الله” لسام شمعون Sam Shamoun.
تسعى هذه المقالة في تقديم ما عناه حقًا الرسول بولس في تيطس2:13 “منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح” ، حيث من غير الواضح في الترجمات العربية التركيب اللغوي اليوناني في هذا النص، لذا فربما يعتقد القاريء أن المقصود هنا بتعبير ” الله العظيم ” هو الله الآب، والمقصود بتعبير ” مخلصنا ” هو الرب يسوع المسيح.
لكن بالقراءة والدراسة المتأنية للنص اليوناني فيكون الرب يسوع المسيح هو محور الحديث هنا، فهو ” الله العظيم- τοῦμεγάλουΘεοῦ “ وهو أيضاً ” ومخلّصنا يسوع المسيح- καὶΣωτῆροςἡμῶνἸησοῦ “، فهذا النص هو أحد النصوص التي تلقب الرب يسوع بلقب “الله”[1]
يوجد بعض الآراء في تفسير هذا النص ولكن الرآي الرئيسي والغالب والصحيح وما نتبناه هنا، هو أن الرب يسوع هو ” الله العظيم ومخلصنا” وهذا الرآي له من الحجج التي يسيل لها لعاب الأذهان، ولعل القاريء لم يعرف بالقاعدة-جرانفيل شارب- محور مقالتنا لذلك سنبدأ بشرحها ثم ننتقل إلى شرح موسع للنص وشرح أدلة التفسير الذي نتبناه والتعليق على الآراء الأخرى.
عرض وشرح لقاعدة جرانفيل شارب وتطبيقها على تيطس 2: 13
قاعدة جرانفيل شارب هي قاعدة نحوية في اللغة اليونانية يعود اسمها لصاحبها، يُشار لها غالبًا بــ TSKS، هذه القاعدة تقول ببساطة في حال وجود أسم أو أكثر من الأسماء “الشخصية Personal” (وليس أسماء العلم)[2]، المفردة، ولهم نفس الحالة، ويربطهم حرف καί، ولهم أداة تعريف واحدة، فالأسم الثاني أو الفاعل فهو يرتبط بالأسم الأول الذي له فقط أداة التعريف[3] وبسبب أن شارب لاحظ أن عند تطبيق هذه القاعدة على بعض النصوص يتجلى بها ألوهية المسيح، فنشر عام 1798 كتابه بعنوان ” Remarks on the Definite Article in the Greek Text of the New Testament ” ليُشير إلى الكثير من الأدلة الجديدة على ألوهية المسيح في ضوء بعض النصوص الكتابية المُترجمة بشكل خاطيء.
أحد هذه النصوص هو تيطس2:13:منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح
فشارب يقول ببساطة أن الأسم الثاني يُشير إلى نفس الشخص المذكور بالأسم الأول حينما يتم هذه الشروط الثلاثة، وهم: 1. أن تكون الأسماء شخصية Personal ولا يكون أحدهم غير شخصي impersonal، 2. كل الأسماء مفردة وليست جمع Plural، 3. لا يوجد أسم علم a proper name. [4]
وبحسب تيطس 2: 13 (θεοῦ-الله) ليس أسم علم ومفرد يربطه الحرف (و-καὶ) مع (مخلص σωτῆρος) بأداة تعريف واحدة τοῦ)) ولهم نفس الحالة فتنطبق قاعدة شارب على تيطس 2: 13، فيصبح كل من “الله والمخلص” إشارة لشخص واحد، وبهذا لا يُفهم من النص أن تعبير الله العظيم يُشير للآب وتعبير المخلص يُشير للمسيح[5]
وعلى الرغم من القبول الحافل لما قاله شارب بين العلماء الآن ورسوخها[6] ولكن قد هاجم تطبيقها على تي 2:13 أحد أكبر النحويين في القرن التاسع عشر، فقد كان ثالثة الأسافي ما قاله النحوي الكبير G. B. Winer فقد قال ” لأسباب خاصة بالنسق العقائدي لبولس لا أعتبر أن “مخلص σωτῆρος”مفعول ثاني مع “الله θεοῦ ” ويقول أيضاً ” في الملاحظات التي كتبتها أعلاه لم أنوي بها رفض “σωτῆρος ἡμῶν- مخلصنا” كمفعول ثاني بالاعتماد على أداة التعريف τοῦ، ولكن القناعة المستمدة من كتابات بولس يجعلني أقول أنه لا يمكن أن يسمي يسوع بلقب الإله العظيم وهذا هو الدافع لتبيان عدم وجود حائل لغوي لأعتبار أن كلمة –مخلص- σωτῆρος مفعول به ثاني [7]
من الملحوظ هنا أنWiner لا يُقدم أي شيء عدا اعترافه هو أن القضية ليست نحوية من الأساس بالنسبة له ولكن عقائدية، فهذا الرأي اللاهوتي الخاص به ليس له أي علاقة على الإطلاق بالشق النحوي ( على الرغم أنه نحوي) فمن الغريب أنه يبني اعتراضه على أسس عقائدية، وهي مسألة لا تهم في حد ذاتها النحوي، وعلى الرغم أن وينر تكلم في غير تخصصه.
ولكن بأعتباره نحوي كبير فقد كان لكلماته عظيم الأثر حتى أن Moulton, J. H رغم أنه قدم أدلة أن “الله والمخلص” يُشيران إلى شخص واحد لكنه قد تحاشى الحديث عن الشق النحوي قائلاً “لا نستطيع مناقشة تيطس 2: 13 من جهة النحو ولكن نترك باب النقاش في هذا الآمر مفتوح على مصراعيه”[8]!
وبحسب تعبير دانيال والاس أن أشد معارضي شارب Calvin Winstanley لم يستطيع بكل ما بذل من جهد في 55 صفحة أن يفعل ما فعله Winer في حاشية واحدة فقط! ولكن سوء الفهم والتشويه هذا لم يُغير من الآمر شيء فنحن نمتلك حوالي 80 نص في العهد الجديد ينطبق عليه قاعدة شارب وتُشير الأسماء إلى نفس الشخص وهذا ليس به أي استثناء فالكل قد اعترف بصحة القاعدة بما في ذلك معارضي شارب[9] ويظل اعتراض وينر وغيره مبني على رأي لاهوتي وليس نحوي، لذلك يقول Dana & Mantey ” إن قاعدة جرانفيل شارب التي مر عليها قرن من الزمان لا زالت تثبت صحتها” [10]
ويُضيف والاس:
قد أسيء فهم قاعدة شارب وحصيلة ذلك هو التردد في تطبيقها على تيطس 2: 13، 2 بطرس 1:1 في القرنين الماضيين، ولكن فهم القاعدة بشكل صحيح يُظهر أن هذه القاعدة تتمتع بأعلى درجات الصحة حين تطبيقها على نصوص العهد الجديد ولذلك تعلن هذه النصوص( تي 2:13 ، 2 بط 1:1) عن هوية يسوع بأعتباره “الله θεός”[11] ويُضيف بروس باكر “هؤلاء الرافضين لقاعدة شارب لم يفهموا ما تنص عليه القاعدة بالفعل!، ولكن حين تطبيق القاعدة بدقة فتصبح أداة تفسيرية قوية، بالإمكان تطبيقها على تيطس 2: 13 ، 2 بطرس 1:1 دون أي تحفظ، كما قال جرانفيل نفسه “أن هذه القاعدة تُعزز أدلة ألوهية المسيح”[12]
هذا التركيب اللغوي ليس من اختراع شارب، لكنه فقط لاحظ هذا النمط في اللغة وصاغه في صورة قاعدة، لذلك تقريبًا يُجمع اباء الكنيسة اليونانيون الأوليين في رؤية أن تعبير “الله والمخلص” يخص يسوع[13] والغريب أن الآباء غير اليونانين لم يفهموا هذه القراءة للنص مثل إمبروسيوس[14]كذلك الترجمات القديمة مثل اللاتيني والسرياني والأرميني والمصري![15]،هذا علته ببساطة أن هذا التركيب يخص أسلوب اللغة اليونانية، فالآباء اليونان فهموا هذا الشكل لطبيعية هذه القراءة[16].
لقب الله
لما سبق شرحه حول خلفية دراسة هذا النص من الجهة النحوية فالتفسير الطبيعي للنص أن يكون يسوع هو “الله والمخلص” فبحسب التحليل النحوي لــ Max Zerwick أن أداة التعريف الواحدة تجعل النص بكامله يُشير للمسيح[17] ولا يوجد أي اعتراضات نحوية على هذا التركيب اللغوي فقط وينر هو الذي هَجَر استقامته المعتادة بإنكاره قوة أداة التعريف الواحدة في هذا النص إستناداً على فكره اللاهوتي حول كريستولوجية بولس[18]
ولكن لم ينتهي الآمر هنا فقد كتب العالم Gordon Feeفي كتابه Pauline Christologyتعليقاته حول الكثير من النصوص الهامة المختصة بالفكر الكريستولوجي لبولس، وهو يرى أن النص محل نقاشنا ( تيطس 2: 13) يتحدث عن شخص واحد وليس شخصان، وهذا الشخص هو الله الآب وليس يسوع المسيح، فهو يرى أن بولس لم يُلقب الرب يسوع بلقب ” ثيؤس” حيث أنه يرى أيضاً بحسب ( رو 9:5)[19] لا يُلقب بولس الرب يسوع بلقب ” ثيؤس”، فهذا موقف ثابت عند جوردن يتحرك به ويتعامل على أساسه في جميع النصوص التي تُعطي لقب ” ثيؤس” ليسوع في كتابات بولس.
لكن يجب أن لا نخرج خارج حدود النقاش فحديثنا ليس عن ألوهية المسيح من عدمها، يؤكد جوردن على ألوهية المسيح وعقيدة الثالوث..إلخ، لكن يتمحور الخلاف حول سؤال واحد، وواحد فقط، وهو، هل تيطس 2: 13 يقول عن المسيح أنه “إلهنا العظيم ومخلصنا”؟.
الإجابة هي نعم!، هذا ما يُعلنه تيطس 2: 13، وهذه هي المشكلة بالفعل! -وهي أن بولس يُلقب يسوع بــ” ثيؤس”-، ولذلك سيكون أي تفسير آخر لهذا النص هو ناتج صعوبة تقبل تلقيب بولس للمسيح بلفظ “الله”، وهذا من العجب العجاب، بما أن بولس يؤمن أن المسيح هو الله وجوردن (وغيره) يؤمن أن بولس يؤمن أن المسيح هو الله فهل من غير المتوقع أن بولس يكتب أن المسيح هو الله!؟
يستطيع بولس أن يكتب أن يسوع هو الله، صحيح أن بولس في الغالب يُطلق على الآب لقب ” الله” والمسيح لقب “الرب” ولكن هذا لا يمنع أنه يقوم بتبديل أي من هذه الألقاب، فحينما يكتب بولس “ورب واحد يسوع المسيح” هذا لا يلغي ربوبية الآب، وكذلك تلقيب المسيح أنه “الله” لا يلغي تميز الله الكلمة عن الآب، فما هي المُشكلة اللاهوتية المستعصية إذا قال بولس عن المسيح أنه الله؟[20]
فهنا نحن أمام دعم من جهة قواعد النحو مقابل اعتراض لاهوتي يكمن في عدم إطلاق لقب “الله” على المسيح في كتابات بولس لندرة هذا الاستخدام، هذه الندرة في الاستخدام عند بولس تعود إلى الخلفية التوحيدية التي في ذهن المؤمنين التي ربما تجعلهم لا يُميزون بين الابن والآب، ولكن بولس قد آمن أن يسوع هو الله دون إنكار أن الله واحد، وعزو لقب الله للمسيح لا ينتهك الفكر اليهودي لوحدانية الله، والسبب في ذلك ببساطة أن بولس لم يقل بوجود أكثر من اله، لكنه أشار أن الطبيعة الالهية اكثر تعقيد مما يظن البعض[21]
ولو كانت المشكلة أدبية، فتكون هذه هي إحدى مشكلات تطبيق النقد الأدبي، فالأسلوب المعتاد لبولس أنه يلقب المسيح بلقب “الرب” هذا ما يتفق فيه الجميع، ولكن لماذا لا يكتب بولس أي استثناء؟، هذا من باب الافتراض أنه لم يلقب المسيح بلقب “ثيؤس” بحسب رومية 9:5، ناهيك عن عب 8-9 :1، لماذا يتم تقييد أي كاتب بما يستخدمه في الغالب؟، من حق أي كاتب أن يُنشيء استثناء اسلوبي.
يُحاجج بذلك Harris ويرى أن من مخاطر البحث الأدبي أنه يجعل التعبيرات المعتادة لدى أي كاتب هي معيار خانق لدرجة لا تسمح للكاتب بوجود مساحة حرة يستخدم فيها أساليب وألفاظ لاهوتية متنوعة[22]، بكلمات أخرى في حين وجود أدلة قوية تدعم أي صياغة كتبها أحد كتبة العهد الجديد، بغض النظر عن وجودها في مواضع أخرى أو لا، ما الذي يُجبرنا أن نتجاهل هذه الأدلة!، ما الذي يمنع وجود استثناء؟، وما العلة التي تجعنا نجر خطواتنا نحو التفسير الأكثر طبيعية؟ لا سيما لو كانت هذه الصياغة تتناسب مع الفكر اللاهوتي الذي يُقدمه الكاتب نفسه، بما أننا نمتلك أدلة أن أحد الكتبة قد كتب شيئًا ما فهو قد كتبه!، هذا كله على افتراض أن تي 2:13 هو الموضع الوحيد الذي يُلقب بولس فيه المسيح بهذا اللقب، لكن لو اعتبرنا رومية 9:5 هو موضع آخر يرد فيه هذا اللقب للمسيح فهذا سيدعم تفسيرنا!، لا سيما بالمقارنة مع كولوسي 15-20 :1 ،فيلبي 6-11 :2 وغيره.
ولكن حتى مع اعتبار أن تي 2:13 هو استثناء، فهذا ليس معضل من كل الجوانب وأولها هو ما سبق عرضه من التوافق المناسب لــ تي 2:13 للتطبيق الصارم لقاعدة جرانفيل شارب وعزو لقبي “الله والمخلص” للمسيح، والآن ننتقل إلى اسباب أخرى.
لقب الله والمخلص
من الشواهد التي تدعم هذا التركيب اللغوي أنه يُشير إلى شخص واحد هو ما ذكره مولتون، فهو يقول أن هذه الصيغة (الله والمخلص) وردت في العصر البطلمي وقيلت للملوك المؤلهين وطبقت على بطليموس للحديث عن شخص واحد، وأيضا الألوهيه الأبدية المفتخرة بذاتها في البرديات والنقوشات الموجودة في العصر البطلمي والامبراطوري[23] وعلى الرغم أن مولتون لم يناقش هذا التركيب من جهة النحو لكنه اعتقد أنه يُشير إلى شخص واحد وليس شخصين لأن اللغة الهيلينة في هذا العصر استخدمت هذه الصيغة لتُشير إلى شخص واحد.
يقول توماس لي” بشكل عام تم الجمع بين مصطلحي “الله و المخلص” في الديانات الوثنية في ذلك الوقت للإشارة إلى شخص إلهي واحد، ولذلك فمن المنطقي أن يُشير هذا المصطلح إلى شخص واحد في ضوء السياق التاريخي”[24] ويقول مايكل موس ” أن هذا الازدواج بين لقبي “الله و المخلص” شائع الاستخدام في العالم الوثني للإشارة إلى شخص واحد[25]ويُضيف فيليب تاونر “أن لقب “الله و المخلص” شائع في الخطاب الهلنستي واليهودي عادة يُشير إلى شخص واحد، مستخدم في الكتابات اليهودية للإشارة إلى يهوه، وكذلك في ادعاءات الحكام اليونانيين والرومان مثل بطليموس ويوليوس قيصر” [26]
هنا نحن أمام تركيب لغوي قوي من جهة النحو وتطبيق قاعدة جرانفيل شارب على النص محل النقاش، وأيضاً اللقب “الله والمخلص” يُشير إلى شخص واحد بحسب السياق التاريخي، وهنا لم تنتهي حجج الرأي القائل بأن يسوع هو الله والمخلص، ولكننا ننتقل من نقطة إلى نقطة حسب رؤيتي لارتباط هذه النقاط ببعض، فبعض العلماء اقر بالفعل أن هذا التركيب اللغوي يُشير إلى شخص واحد ولكنهم قالوا هذا الشخص هو الآب وليس الرب يسوع وعلى سبيل المثال:
يرى جوردن أن هذا اللقب(الله و المخلص)يخص شخص واحد وليس شخصان، وهو-هنا- الآب، مع العلم أن جوردن يعتقد أن رسالة تيطس هي أحد الرسائل التي كتبها بولس ( رسائل بولس الرعوية تختلف في اسلوبها عن باقي رسائله)، يُقر جوردن أيضًا أن الرأي السائد في الوسط الأكاديمي يقول عكس ما يعتقد هو، هذا يجعل عب الإثبات ثقيل بدرجة ليست هينة على جوردن!، على عكس الرأي المكتسح “حرفيًا”، والذي يتبناه أغلبية علماء العهد الجديد، ويتبناه معظم التراجم الإنجليزية، يُقدم جوردن تفسيره لهذا النص على هذا النحو، يضع عبارة “يسوع المسيح ἸησοῦΧριστοῦ ” كمقابل لـ”المجد- τῆςδόξης.” فيصبح يسوع هو “المجد” نفسه.[28]
يبدأ جوردن بالقول أننا لو افترضنا أن بولس قدم شكل اخر للنص ويختزله إلى “ظهور مجد الله، يسوع المسيح” لم يكن أحد يظن أن “يسوع المسيح” سيكون مقابل للفظ “الله”، والدليل على ذلك كو 2:2 ” كيما تتشدد قلوبهم وتتوثق أواصر المحبة بينهم فيبلغوا من الإدراك التام أعظم مبلغ يمكنهم من معرفة سر الله، أعني المسيح” (الترجمة اليسوعية) بشكل حرفي النص يقول ” سر الله المسيح- “The Mestery of God, Christ لكن المفسريين يفهمون ما يقصده بولس بطريقة صحيحة، وهو أن المسيح هو “سر الله” وليس هو “الله”، استخدام لقب “الله” للمسيح هو أمر شاذ في كتابات بولس [29]
تكمن مشكلة طرح جوردن، في الابتعاد عن مناقشة ما قاله بولس بالفعل!، فهو افترض ما يعتقد أنه جوهر رسالة تيطس 2: 13 يجب أن يكون هو معيار لما كتبه بولس، ولكن هذا الشكل الأبسط والمختصر للنص حتى لو فهمناه على هذا النحو – يسوع المسيح=مجد الله- هذا لا يعني أننا يجب أن نفهم ما قاله بولس بنفس الطريقة لأن واقعيًا لم يكتب بولس هذا الشكل من الأساس، وفي الغالب عدد قليل من الناس سيفهمون هذا الشكل الذي افترضه جوردن أو ما كتبه بولس حتى، أن يكون يسوع مقابل لقب “الله”، هذا متوقع لعدم تقليدية هذا اللقب للمسيح، وبالتالى حينما يرى القاريء نص يدعو المسيح بـ”الله” بشكل غريزي وطبيعي يبحث عن طريقة أخرى في فهم هذا النص، وهذا ما يفعله جوردن!، والدليل على ذلك أننا سنفترض شكل آخر للنص كما افترض جوردن، تخيل معي عزيزي القاريء لو كتب بولس “الرب العظيم ومخلصنا يسوع المسيح”
فقط بتغيير لقب “الله” إلى لقب “الرب” هل كان سيفهم أي قاريء أن يسوع ليس هو “الرب”؟، بالطبع لا، بل ولم يكن جوردن وغيره قالوا تفسيرهم هذا!.
وبالنسبة للنص الذي يستخدمه جوردن(كو 2:2) فهو بعيد للغاية وليس من المنطق مقارنة النصيين ببعض، ففي الغالب لم يُفهم تعبير “معرفة سر الله” أنه إشارة إلى معرفة الله نفسه، لأن “السر” لا يُشير إلى أحد مظاهر الكيان الإلهي، ولكن في المقابل، في الغالب يُفهم ” ظهور مجد الله” أنه إشارة إلى الله الذي يظهر نفسه، لأن” المجد” في الغالب يُشير إلى أحد مظاهر الكيان الألهي نفسه، وبالتالي من غير الطبيعي أن نفهم”ظهور مجد الله” للإشارة إلى أي شيء آخر غير الله الذي يظهر في مجده، ولكن على النقيض من ذلك، “معرفة سر الله” تنقل إلى الذهن بصورة طبيعية معرفة سر الله مهما كان هذا السر ولكنه شيء متميز عن كيانه.
أما عن اعتبار استخدام لقب الله للمسيح هو أمر شاذ في كتابات بولس(un-Pauline) هو مشكلة في الاستدلال، لأن جوردن يستخدم 1 كو 6:8 “لكن لنا اله واحد الآب الذي منه جميع الاشياء ونحن له. ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الاشياء ونحن به.” في محاولة لاعتبار استخدام مطلق للقب “الله” أو “الرب” لأن بولس ميز بين اللقبين، هذا صحيح من وجه واحد وهو تخصيص هذه الالقاب بالفعل، ولكن هذا التخصيص هو عام لكنه ليس مطلق!.
على سبيل المثال اقتبس بولس من العهد القديم(اش 52:11، 2 صم 7:14) فيقول “لذلك اخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجسا فاقبلكم، واكون لكم ابا وانتم تكونون لي بنين وبنات يقول الرب القادر على كل شيء”(2كو 17-18 :6)، ولكن التعبيرات “الرب القدير” أو “الرب” ليست جزءًا من الأقتباس، هذه كلمات بولس نفسه، والمتحدث هنا هو الله الآب الذي سنكون أولاده، وهنا بولس قد استخدم لقب “الرب” مرتين للآب، هذا اللقب الذي يخص في الغالب المسيح!، لو كان بولس يستخدم لقب “الرب” للآب، حتى لو مرات قليلة، فيستطيع أن يفعل العكس ويستخدم لقب “الله” للمسيح، المخرج الوحيد هو أن يكون استخدام هذا الالقاب عند بولس مطلق وليس عام، ولكن هذا التخصيص هو عام،كما في باقي كتابات العهد الجديد، فمثلاً إنجيل يوحنا استخدم كلمة “الله”81 مرة من ضمنهم 3 مرات فقط للمسيح ( يو 1:1، يو 20:28، يو 1:18 حولها بعض الجدل النصي)، ما اُريد أن أقوله ببساطة أن من المعروف للكل أن استخدام لقب “الله” للمسيح في كل العهد الجديد هو نادر لكنه موجود.
يدعم جوردن فكرته بأن تعبير “مخلصنا” يعود على الله وليس المسيح في هذا النص، بالطبع هذا التعبير مستخدم في رسالة تيطس للإشارة للآب وللمسيح، ولكن هذا التعبير في العدد 13 هو مدعوم –bookended- بالإشارة إلى “الله مخلصنا” في الفقرات 2:10، ،3:4 وبما أن “نعمة” و “مجد” الله هو الذي سيظهر، فهذا سبب سياقي للاعتقاد بأن بولس في هذا النص يُشير إلى العدد 10 إلى “الله مخلصنا” للتأكيد على ظهور مجده( مع العلم أن جوردن يرى بحسب العدد 14الذي يتحدث عن عمل المسيح الخلاصي يُمكن اعتبار أن “مخلصنا” تعود للمسيح في العدد 13لكنه لا يتبنى هذا)[30]
بكلمات أخرى جوردن يحاول أن يكون التركيب السياقي بهذا الشكل.
2:10
2:13
3:4
غير مختلسين بل مقدمين كل امانة صالحة لكي يزيّنوا تعليم مخلّصنا الله في كل شيء
منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح
ولكن حين ظهر لطف مخلّصنا الله واحسانه
وفي الحقيقة هذا الشكل خادع!،لأن لو بحثنا في تكرار تعبير “مخلصنا” سنجد أن جوردن جانبه الصواب.
تعبير “مخلصنا” للإشارة إلى الله:
3:4
2:10
1:3
ولكن حين ظهر لطف مخلّصنا الله واحسانه
غير مختلسين بل مقدمين كل امانة صالحة لكي يزيّنوا تعليم مخلّصنا الله في كل شيء
وانما اظهر كلمته في اوقاتها الخاصة بالكرازة التي اؤتمنت انا عليها بحسب امر مخلّصنا الله
وهنا في الثلاث نصوص يستخدم بولس نفس الصياغة بشكل حرفي”τοῦ σωτῆρος ἡμῶν θεοῦ”
تعبير “مخلصنا” للمسيح مع ثلاث صياغات مختلفة
3:6
2:13
1:4
الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلّصنا–ἸησοῦΧριστοῦτοῦσωτῆροςἡμῶν
منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح-τοῦμεγάλοῦθεοῦκαὶσωτῆροςἡμῶν
الى تيطس الابن الصريح حسب الايمان المشترك نعمة ورحمة وسلام من الله الآب والرب يسوع المسيح مخلّصنا-ΧριστοῦἸησοῦτοῦσωτῆροςἡμῶν
هذا هو النمط الصحيح، فيكون تي 2:13 ليست شواهده هي 2:10 ، 3:4 ، ولكن 1:4، 3:6 مع الأخذ في الاعتبار أن كل النصوص (1:3،2:10،3:4) كلمة “الله” تعقب “مخلصنا” لأنها تُشير إلى الله، لكن تيطس 2: 13 يأتي بعد “مخلصنا” يسوع المسيح، فيسوع المسيح هو “إلهنا ومخلصنا” وليس “المجد”، كما يقول نايت “أن هذا النص ينتهي بــ”يسوع المسيح” هذه إشارة دقيقة تحدد عن هوية الشخص الذي يُلقب بأنه “إلهنا” هذه هي أحد المرات القليلة في العهد الجديد التي تُشير ليسوع بهذا اللقب”[31]، هذا التفسير-تفسير جوردن- هو محاولة للخروج من الجدل بشكل آمن، بعض العلماء اعتبر أن تيطس 2: 13 يُشير إلى شخصين وليس شخص واحد(انظر نقطة الله والمخلص) ولكن هذا التفسير له الكثير من الثغرات لقوة التركيب النحوي الذي يُشير إلى شخص واحد، فنتج هذا التفسير الذي ناقشناه وهو أن يسوع هو “المجد”[32] ما أعتقده هو أن كل منهما نتج عن صعوبة تلقيب المسيح بلقب “الله” ولكن بطرق مختلفة، فقد جادل التفسير الآخر أن تعبير “مخلصنا” ليس نكرة في اليوناني وبالتالي لا ينطبق عليه قاعدة جرانفيل شارب.
يسوع مخلصنا
يُقال أن أداة التعريف قبل “مخلص” غير ضرورية بسبب إضافة الضمير “لنا – ἡμῶν”، وبهذا يكون هناك سبب لعدم وجود أداة التعريف قبل “مخلص” وبهذا لا ينطبق هنا قاعدة جرانفيل شارب.
ولكن يقول دانيال أرشيا ” نحويًا، لا يوجد سوى أداة تعريف واحدة قبل تعبير “الله” كذلك هي متضمنة قبل تعبير “مخلص” فالكلمتين لهم أداة تعريف واحدة فقط، ولذلك فالنص اليوناني يقول حرفياً “الله ومخلصنا” تكون هذه الحجة أقوى إذا تفحصنا تعبير “مخلص” في رسالة تيطس وعدد ورودها 5 مرات وفي كل هذه الحالات الخمس يوجد أداة تعريف قبل كلمة “مخلص”[33].
وبالتالي إن كل الحالات في رسالة تيطس سبق كلمة مخلص أداة تعريف، فلماذا فقط في تيطس 2: 13 لا نجد أداة التعريف قبل كلمة “مخلص”!؟، ليست مجرد صدفة، بل أن بولس كتب كل العبارة برمتها تخص المسيح، يسوع هو “الله و المخلص”.
هذه هي الطريقة التي أراد بها بولس أن يكتب هذا التصريح الكريستولوجي الواضح لو كان يُريد أن يفصل بين التعبيران كان سيكتب بطريقة أخرى، وقد اعطى مونس صيغتين في اليوناني يستطيع بولس أن يكتبهم للتحدث عن شخصين وليس شخص واحد،
الصيغة الأولى : τοῦ μεγάλου θεοῦ καὶ Ἰησοῦ Χριστοῦ τοῦ σωτῆρος ἡμῶν ،
الصيغة الثانية : τοῦ μεγάλου θεοῦ ἡμῶν καὶ τοῦ σωτῆρος Ἰησοῦ Χριστοῦ
لكن بدلاً من هذه الصيغ التي تتحدث عن شخصين قد أختار بولس أن يكتب الصيغة التي تُقرأ بصورة طبيعية أنها تُشير إلى شخص واحد “يسوع المسيح” لو كان بولس لا يؤمن بأن يسوع هو الله فمن المستبعد أن يكتب ذلك، ولكن بما أن بولس يؤمن بأن يسوع هو الله فليس من المفاجيء أن يقل ذلك لقراءه[34]
ظهور الله العظيم
يستخدم العهد الجديد كلمة “ظهور -ἐπιφάνεια” بشكل خاص للحديث عن مجي الرب في المجيء الثاني،”وحينئذ سيستعلن الاثيم الذي الرب يبيده بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه”(2تس 2:8)، ” ان تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم الى ظهور ربنا يسوع المسيح”(1تي 6:14)،” انا اناشدك اذا امام الله والرب يسوع المسيح العتيد ان يدين الاحياء والاموات عند ظهوره وملكوته”(2تي 4:1)،” واخيرا قد وضع لي اكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره ايضا”(2تي 4:8)[35] هذا من شأنه أن نعتبر هذا النص لا يتحدث عن الله الآب بل عن الابن الذي سسأتي في مجده ومجد أبيه في نهاية التاريخ، فالكنيسة تنتظر الرب يسوع الذي سيأتي في اليوم الآخير ولا يتحدث كل العهد الجديد وعلى وجه الخصوص رسائل بولس أن الآب هو الذي سيظهر بل يسوع، يقول بين ويزرينجتون “نحن أمام حقيقة أن العهد الجديد لا يتكلم في أي موضع عن “إبيفانيا” الله الآب[36] يتحدث السياق بالكامل (تيطس 11-14 :2) عن عمل المسيح من التجسد إلى مجيئه الثاني والحديث عن عمل الفداء لذلك فهو العظيم هنا أيضاً، يقول دونالد ماكلويد “إن صفة العظمة تفقد معناها لو طُبقت على الآب ولكن ثقل دلالاتها يتجلى حين تُطبق هذه الصفة على المسيح، ليس لمجرد التركيز على مجده في المجيء الثاني ولكن لأنها تُشير ايضاً لبذله لذاته من اجلنا(فقرة 14)”[37]
ملحق اقوال العلماء
نحويًا، فظهور المجد هو خاص إما بالمسيح أو بالمسيح والآب، ولكن الكفة الراجحة هي التفسير الأول، وذلك لعدة أسباب: أولاً. هذا الرأي هو الأكثر طبيعية، حيث أن كلا الاسمين يربطهم أداة تعريف واحدة لتكون الإشارة لشخص واحد. ثانياً: كان الجمع بين لقبي “الله والمخلص” مألوفًا لدى الديانات الهلنستية. ثالثاً: الفقرة 14 تُشير إلى الرب يسوع ومن الطبيعي أن يكون السياق بالكامل إشارة للمسيح. رابعاً: في الرسائل الرعوية يُشار للإبيفانيا لمجي المسيح وحده. خامساً: صفة “عظيم” فارغة المعنى حين تطبيقها على الآب ولكن ذروة دلالتها حين يُوصف بها المسيح. سادساً: هذا الرأي متناغم بالتمام مع نصوص أخرى مثل (يو 20:28،رو 9:5، عب 1:8، 2بط 1:1).[38]
يمكن ترجمة عبارة “إلهنا العظيم ومخلصنا” بطريقتين، إما أن تكون تُشير للمسيح وحده، أو أنها تُشير إلى مجد “إلهنا العظيم” و “مخلصنا يسوع المسيح” للإشارة إلى شخصيين، ولكن يبدو أن الترجمة الأولى هي الأصح، وبالمقارنة مع 2 تيم 4:8 يتبين أن فعل “الظهور” الذي يخبرنا بولس عنه يخص المسيح وحده في مجيئه، وأيضاً تيطس 2:14 تتحدث عن عمل الرب يسوع في الزمن، فهو قد بذل نفسه لاجلنا، وهكذا يمكننا القول أن تيطس 2: 13 هي تصريح واضح لألوهية المسيح.[39]
بالرجوع للغة اليونانية لفهم عبارة “إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح” نجد أن الاسمين “الله”،”المخلص” لهم أداة تعريف واحد، وهكذا فالنص يتحدث عن شخص واحد وليس شخصين، وبهذا الأسلوب قد أكد بولس بإستحكام ألوهية المسيح[40]
نحن نمتلك بعض الحجج لآخذ عبارة “إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح” للإشارة لشخص واحد، وبالتالي التأكيد على ألوهية المسيح. 1: لا يوجد سوى أداة تعريف واحد للاسمين “الله”،”المخلص”، 2: كان لقب “الله والمخلص”شائع الاستخدام في القرن الأول للإشارة لإلهًا واحدًا، 3: “الإبيفانا” في العهد الجديد هي لشخص واحد وهو المسيح وليس شخصين(انظر 1 تي 6:14، 2 تي 1:10ـ4:8)، 4: في مواضع أخرى في العهد الجديد يتمركز الرجاء في المسيح وعودته، 5: تيطس 2:14 تُشير إلى عمل المسيح الخلاصي، 6: خارج رسالة تيطس ورسالتي تيموثاوس يدعو بولس المسيح بلقب المخلص( أف 5:23،في 3:20)، مع الوضع في الاعتبار التشابه بين تيطس 2: 13 و فيلبي 3:20 من جهة المضمون، وعلى الرغم بتسمية الله أنه “مخلص” في الرسائل إلى تيموثاوس وتيطس، لكن في تيطس يُدعى يسوع أنه “المخلص” بجانب هذه النصوص(3-4 :1، 2:10،13، 3:4،6)، ولذلك نستطيع القول كما يقول موراي هاريس أن يسوع المسيح يُدعى “إلهنا العظيم ومخلصنا”، لذلك فهذا النص –تيطس 2: 13- هو أحد النصوص القليلة في العهد الجديد التي تدعو يسوع “الله” مما يُبرهن على ألوهية المسيح، بجانب ذلك انظر الترجمات الإنجليزية التي تفسر النص أنه يُشير إلى ألوهية المسيح (NIV, RSV, NRSV, NJB, and TNIV)، وكذلك انظر هذه النصوص( رو 9:5، يو 1:1،18، 20:28، كو 1:15،19،2:9، في 2:6، عب 8-13 :1 ، بط 1:1)[41]
لقد أحدث البناء النحوي الخاص بعبارة “إلهنا ومخلصنا ” بعض الاختلاف في الرأي بين العلماء، ولكن الإجماع هو أن يسوع المسيح هو “إلهنا ومخلصنا”، الذي هو الله (انظر يو 10:30)، هذه حجة قوية لألوهية المسيح، وحتى العلماء المخالفون لهذا الرأي يعترفون بأن وجهة نظرهم لا تقلل من البرهنة على ألوهية المسيح.[42]
العبارة الاستثنائية –الله العظيم- الواردة هنا فقط(تيطس 2: 13) أفضل تفسير لها أعتبارها تطبيق كريستولوجي لوصف العهد القديم لله، ما أقصده هو أن الرسول بولس يتحدث ظهور ومجد شخص واحد،”الهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح”[43]
أن عبارة “إلهنا العظيم ومخلصنا” هي أحد التصريحات اللامعة في الكتاب المقدس على ألوهية الرب يسوع(انظر أيضاً يو 1-18 :1 ، رو 9:5، عب 1-3 :1 ) يرى بعض المفسرين أن هذه العبارة تُشير إلى شخصين، أي أن تعبير “الله العظيم” يُشير للآب، وتعبير “المخلص” يُشير للابن، ولكن هذا التفسير له العديد من المشكلات الصعبة، مع الأخذ في الاعتبار النصوص الأخرى في العهد الجديد التي تُشير بقوة لألوهية المسيح، توجد عدة أسباب نحوية موجودة في هذا النص نفسه أيضاً –تيطس 2: 13-، أولاً وجود أداة تعريف واحدة تربط الاسمين “الله،المخلص”، ثانياً: الضمائر المفردة في النص التالي يُشير إلى شخص واحد فقط، وبالرغم أن العهد القديم مكتظ بالإشارات إلى الله الآب أنه عظيم، لكن هذا الوصف في العهد الجديد يستخدم فقط لله الابن ( انظر مت 5:35 لو 1:32،7:14 عب 10:21، 13:20) والأهم من ذلك أن العهد الجديد لا يُخبرنا فأي موضع عن ظهور الله الآب أو المجيء الثاني للآب، ولكن عن المجيء الثاني لله الابن فقط.[44]
تقدم عبارة “إلهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح” ما نستطيع أن نعتبره أحد التصريحات الجلية الخاصة بألوهية المسيح في الكتاب المقدس، يوجد أداة تعريف واحدة تربط تعبير “الله العظيم” بــ تعبير ” مخلصنا” وعلى عكس ترجمة KJV يعطي هذا التركيب فهم أخر، وهو أن المسيح هو “إلهنا ومخلصنا”، ويدعم ذلك الفهم حقيقة أن مصطلح “الإبيفانيا” لا يُستخدم أبداً لوصف الآب، كما أن لقب “الله والمخلص” شائع الاستخدام في الدوائر الهلنستية في ذلك الوقت، ولذلك يقول Mounce إن هذه القراءة الكريسولوجية لازمة لأن هذه القراءة هي الأكثر طبيعية للنص، وتتفق مع استخدام بولس لمصطلح “الظهور”، كذلك الاستخدام الفردي لعبارة “الله والمخلص” في الفكر العلماني، وملائمة هذه القراءة للسياق بشكل جيد.[45]
العبارة الأخيرة من تيطس 2: 13 تُثير بعض الغموض، وتطرح سؤالاً، هل قصد بولس أن يُشير إلى شخصين في الثالوث بفصل عبارة “إلهنا العظيم” عن “المخلص يسوع المسيح” أم أنه يمدح ألوهية المسيح ويربط اللقبين معاً “إلهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح”؟ على الرغم من إمكانية قراءة النص بالطريقتين ولكن القواعد تدعم الرأي القائل بأن هذا النص يدعم ألوهيه المسيح، هذا البناء موجود أيضاً في 2 بط 1:1، فكل من النصيين يؤكد ألوهيه المسيح( انظر كذلك يو 20:28، رو 5:9 ،عب 1:8 ، 1يو 5:20)[46]
كان هناك نقاش كبير في هذا الخلاف الذي على النحو التالي، هل “الإبيفانيا” هنا جوهرها شخصين أم شخص واحد؟ لو كان شخص واحد هذا يُعني أن هذا النص يحوي الأعلان الأكثر وضوحًا في العهد الجديد عن ألوهية المسيح، من الغريب أن ترجمة AV تتبنى الخيار الأول ولكن NIV,NRSV,REB يختارون الثاني، هذا الأخير نُبرهن عليه بخمسة حجج، أولاً وجود أداة تعريف واحدة قبل “مخلص” والأسماء في اللغة اليونانية المربوطة بأداة تعريف واحد تُشير إلى الشيء ذاته، ثانياً: قد فهم غالبية الآباء اليونان هذه العبارة بهذه الطريقة وهم بالفعل كانوا قادرين على ذلك، ثالثاً: يدعم الشق اللاهوتي الشق النحوي حيث أن كل إشارات العهد الجديد عن الإبيفانيا تخص الابن ولا تخص الآب على الإطلاق، رابعاً من جهة السياق بطريقة طبيعية يُشير للمسيح للنقل مباشرةً من مجده إلى آلامه موته، خامساً: كان تعبير “الله والمخلص” صيغة دينية نمطية وشائعة في القرن الأول وهي عادةً تُشير إلى إله واحد أو تطلق على الإمبراطور الروماني[47]
إلى هنا أعاننا الرب
16\3\2023
[1] نحن نمتلك تسعة نصوص يُلقب فيها الرب يسوع بلقب ” الله ” ( يو 1:1 ، يو 1:18 ، يو 20:28 ، اع 20:28، رو 9:5 ، تي 2:13 ، عب 8-9 : 1 ، 2 بط 1:1 ، 1 يو 5:20 )، ولكن يوجد في غالب هذه النصوص إما خلاف نصي أو جدل لغوي، لكن يجب أن نضع في الاعتبار أننا لا نتحدث عن قضية فقهية ونتعارك على الألفاظ، لأن عقيدة لاهوت المسيح واضحة في العهد الجديد وبالتالي فوضوح أحد هذه النصوص لا يُمكن اعتباره هو البناء العقيدي والإيماني نفسه، ولذلك مهما كان التفسير الأفضل لــ تيطس 2: 13 فهو بالتأكيد يُعلن ألوهية الرب يسوع، وبكلمات هندريكسن&كيستميكر ” بأي حال من الأحوال هذا النص لا يدعم محاولة الأريوسيين بقولهم أن الابن أقل من الآب في الألوهية” انظر Hendriksen, W., & Kistemaker, S. J. New Testament commentary : Exposition of the Pastoral Epistles,Vol. 4, P.373
[2] من الهام ذكره أن أسم θεός ليس أسم علم في اللغة اليونانية ولذلك فهو ضمن الأسماء التي ينطبق عليها قاعدة شارب، الأسماء العلم في اللغة اليونانية لا يمكن أن تُجمع لكن θεός يُجمع- على سبيل المثال انظر يوحنا 10:34- لذلك فهو ليس أسم علم.
[3] DeMoss, M. S. (2001). Pocket dictionary for the study of New Testament Greek ,P.64 & Blackwelder, B. W. (2005; 2005). Light from the Greek New Testament ,P.145 & McKnight, S. (1989). Vol. 1: Introducing New Testament interpretation. Guides to New Testament exegesis ,P.80
[4] بكلمات شارب نفسه تكون القاعدة بهذا الشكل article-substantive —καί—substantive
[5] يُطبق Young قاعدة شارب بشكل صحيح على تي 2:13 ، 2 بط 1:1 على عكس بعض العلماء الذين لم يفهموها أنظر Young, R. A. (1994). Intermediate New Testament Greek : A linguistic and exegetical approach, P.62&63
[6] وأيضاً قبول Middleton للقاعدة وفهم قيودها واعتبرها قوية وموثوقة ببساطة لأنه قد فهم قيود القاعدة فقط!، كان هذا قبل كابوس وينر!
[7]G. B. Winer, A Treatise on the Grammar of New Testament Greek, Regarded as A Sure Basis for New Testament Exegesis, trans. and rev. W. F. Moulton, 2d,P.162, ..Cited by Wallace, D. B. (1999; 2002). Greek Grammar Beyond the Basics – Exegetical Syntax of the New Testament ,P.272
[8] Moulton, J. H. (2006). A Grammar of New Testament Greek, Vol.1,P.84
[12] Bruce A. Baker, Granville Sharp’s Rule, Journal of Ministry and Theology, Vol. 1, Page 45
[13] Mounce, W. D. (2002). Vol. 46: Word Biblical Commentary : Pastoral Epistles. Word Biblical Commentary ,P.429 & Guthrie, D. (1990). Vol. 14: Pastoral Epistles: An Introduction and Commentary,P.221
[14] Olshausen, H., Ebrard, J. H. A., & Wiesinger, A. Biblical Commentary on the New Testament,Vol.5,P.595
[16] نقلاً عن إليكوت قدم Wordsworth قائمة من اباء الكنيسة اليونانيون مثل هيبوليتوس واكليمندس السكندري والسواد الأعظم من اباء ما بعد نيقية، انظر. Ellicott, C. J. (2008). The Pastoral Epistles of St. Paul : With a critical and grammatical commentary, and a revised translation ,P.201
[17] Zerwick, M., & Grosvenor, M. (1974). A grammatical analysis of the Greek New Testament, P.649
[18] Robertson, A. T. (2009). A Short Grammar of the Greek New Testament,P.74
[19] انظر دفاع متزجر عن نسب لقب “الله” ليسوع B. M. Metzger, The Punctuation of Romans 9:5
انظر ايضاًCranfield, C. E. B. (2004). A critical and exegetical commentary on the Epistle to the Romans ,P.464-70
انظر ايضاً Macleod, D. (2000). Jesus Is Lord: Christology yesterday and today, P.15-18
[21] Schreiner, T. R. (2008). New Testament theology: Magnifying God in Christ, P.337
[22] Murray J. Harris, Jesus as God, The New Testament Use of Theos in Reference to Jesus, P.177-78
[23] Moulton, op. cit, P.84& See also Mounce, W. D, op. cit, P. 427& Arndt, W., Gingrich, F. W., Danker, F. W., & Bauer, W. A Greek-English lexicon of the New Testament and other early Christian literature, P.800
[24] Lea, T. D., & Griffin, H. P. (2001, c1992). Vol. 34: 1, 2 Timothy, Titus, The New American Commentary ,P.313
[25]Moss, C. M. (1994). 1, 2 Timothy & Titus. The College Press NIV commentary (Tit 2:14)
[26] Towner, P. H. (2006). The Letters to Timothy and Titus. The New International Commentary on the New Testament, P.756
[27] للتوسع في هذه النقطة انظر Robert M. Bowman, Jr, Jesus Christ, God Manifest: Titus 2:13 Revisited
[31] Knight, G. W. (1992). The Pastoral Epistles : A commentary on the Greek text ,P.325
[32] بعض العلماء جادلوا أن ترجمة النص بدل من “ظهور مجد” إلى “الظهور المجيد”، ودلالة ذلك لو صحت هذه الترجمة فسيكون كل تفسير جوردن مبني على القش، لكني غير مقتنع بهذه الترجمة وأرى أن الترجمة الأكثر طبيعية هي “ظهور مجد”، ثانياً: حتى لو جادلت بصحة الترجمة الأخرى كان يجب علي أن افترض ترجمة “ظهور مجد” أيضاً وأناقش هذا التفسير في النهاية!، انظر Arichea, D. C., & Hatton, H. (1995). A handbook on Paul’s letters to Timothy and to Titus,P. 293