علم التشريح المقارن والتطور

علم التشريح المقارن والتطور – هل علم التشريح المقارن يؤيد قصة التطور؟

علم التشريح المقارن والتطور – هل علم التشريح المقارن يؤيد قصة التطور؟

رابعًا: علم التشريح المقارن

س239:

عندما أصدر داروين كتابه عن ” أصل الإنسان ” أرجع الإنسان إلى أصل حيواني معتمدًا على تشابه تركيب الأعضاء Homologaus فقال أن ذراع الإنسان تتشابه من جهة العظام مع الرجل الأمامية للحيوان مع جناح الخفاش، وإن اختلفت الوظيفة، وإن هناك تشابهًا في تركيب المخ بين الإنسان والحيوان، كما قال البعض مع أن هناك اختلافًا ظاهريًا بين أطراف الحيوانات الفقارية والإنسان، لكن هناك تشابه في التشريح، فمثلًا تتشابه يد الإنسان وجناح الخفاش وزعانف الحوت، فكل منهم يحمل في نهايته يدًا ذو خمسة أصابع، وهكذا استخدم التطوريون علم التشريح المقارن للتدليل على صحة نظريتهم مدَّعين أن وجود أعضاء متشابهة في الوظيفة مثل الأجنحة في الحشرات والطيور، تعد دليلًا على أنهما انحدرا من أصل واحد.

وأيضًا وجود أعضاء متشابهة في التركيب التشريحي مثل الأطراف الأمامية في الإنسان والحصان والأجنحة في الطيور تدل على الأصل الواحد، وكذلك تشابه بعض أجهزة الجهاز الهضمي والدوري والعضلي، يعد دليلًا على وحدة الأصل ” ويمكن فهم هذا الدليل إذا قارنا بعض الحيوانات المعروفة بعضها بعض نجد أن الثور والكلب والأرنب والدجاجة والضفدعة مثلًا بالرغم من اختلاف أشكالها وأحجامها تتشابه في تركيبها الأساسي، أعني أنه يمكن القول أنها مركَّبة على تصميم واحد فكلها لها أجهزة للهضم والتنفس وتوزيع الدم إلخ وهياكلها مؤسسة على تصميم واحد وفكرة واحدة وأحشاؤها الداخلية متشابهة بعض الشبه في تكوينها الأساسي..

كما إن أطرافها وعظامها وعضلاتها متماثلة أيضًا خصوصًا بين الحيوانات التي من فصيلة واحدة، وهذا التشابه يدركه أبسط الناس”(1).. فهل علم التشريح المقارن يؤيد قصة التطور؟

 

ج: لا يعد علم التشريح المقارن دليلًا على أن الكائنات قد تطوَّرت عن أصل واحد مشترك، وذلك للأسباب الآتية:

1- هل يُعقل أن الحوت تطوَّر من الخفاش؟! أو أن الإنسان تطوَّر من الحوت؟! وإن كان الثلاثة تطوروا من أصل واحد مشترك، فأين هو هذا الأصل؟! هل يوجد في عالم الحقيقة أم أنه يوجد في عالم الخيال والأوهام؟! وبينما يوجد تشابه في التشريح بين يد الإنسان وجناح الخفاش وزعانف الحوت، إلاَّ أن هناك خلافات هائلة بينهم، فالله خلق بعض الكائنات الحيَّة مثل الكائنات المائية لتعيش في الماء، وبعض الكائنات كالطيور لتعيش في الهواء، وبعض الكائنات كالبهائم لتعيش على اليابسة، وبعض الكائنات الحيَّة تعيش في الماء وفي اليابسة كالتماسيح ولم يحدث أن تغيَّر نوع إلى نوع آخر.

ويشبه برسوم ميخائيل هذه الكائنات بالآلات فقال ” وتلك الآلات الحيَّة مكوَّنة من أجزاء متداخلة بعضها ببعض كارتباط عجلات وأتراس الساعة التي لا يمكن تغيّير أحدها في الشكل أو في الحجم بدون تغيّير كل الأجزاء الداخلية والخارجية، لأنه لا يُخفى أن الصلة بين الاثنين متينة جدًا، فإن تحويل زعنفة السمكة مثلًا إلى عضو الضفدعة الذي له مفاصل وأصابع، أو تغيّير حراشيف التمساح إلى ريش الطاووس لا يمكن أن يتم تدريجيًا بطريق التطور البطيء المزعوم على مر الأجيال.

إذ يترتب عليه حتمًا تغيّير كيفية معيشة ذلك الحيوان. وهذا يستدعي تغيّير الأعضاء الحيوية مثل أعضاء التنفس والقلب، بل وتغيّير تركيب الحيوان كله، وهذا إن أمكن حدوثه في الأطراف، لا يمكن حدوثه في الأعضاء الحيوية كالرئتين والقلب لأن أقل تغيير في تكوينها يؤدي إلى موت الحيوان”(2).

2- طبقًا لعلم الوراثة لا يمكن أن ينشأ نوع إلاَّ من نفس نوعه، فجناح الخفاش لا صلة له بجناح الذبابة، لأنه لا يستطيع كائن أن يرث صفات لا تتوافر في الأصل، والكائنات اللافقارية التي تفتقد الهيكل العظمي لا يمكن أن تعطي نسلها هذه الصفة، ويقول ” بيتيت ” في كتابه ” فضح الهرطقات(3) ما خلاصته ” يؤكد قانون الوراثة أن الأب لا يستطيع أن يعطي ذريته ما لا يملك، فكيف نتصوَّر إذًا أن الأميبا أو سمكة الهلامي الرخوة (قنديل البحر) اللافقارية أو التي لا هيكل عظمي لها بالمرة، تتطوَّر إلى حوت أو خفاش أو إنسان، مما هو فقاري له هيكل عظمي؟!”(4).

3- يرجع التشابه التشريحي بين الكائنات الفقارية إلى أنها تعيش في بيئة واحدة، ولها غذاء واحد، كما تتشابه بويضات تلك الكائنات (على اختلاف أشكالها وأحجامها) لدرجة أنه يصعب التمييز بينها، وما دامت البذور تتشابه، فما المانع من تشابه النتاج؟ ويقول الدكتور حليم عطية سوريال ” على إن بعض التحوُّليين لا يرون في التشابه دليلًا قاطعًا على التسلسل ووحدة الأصل، فالأستاذ ” بول ” وهو من أنصار مذهب التحوُّل وأستاذ علم الحفريات في متحف التاريخ الطبيعي يقول: إن التشابه لا يعني دائمًا التسلسل، وقال ذلك في صدد التشابه العظيم بين بعض القردة والإنسان، ومع إن ذلك التشابه عظيم جدًا إلاَّ أنه لم يُقبَل كدليل على تسلسل الإنسان من القردة..

ولا يخفى أن الحيوانات على اختلاف أشكالها وأحجامها تنمو أجنتها من بويضات مُلقَّحة صغيرة الحجم لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وتلك البويضات متشابهة تشابهًا عظيمًا بدرجة لا يمكن تمييز بعضها عن بعض في أكثر الأحيان، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. أعني أن البذور التي تأتي منها الحيوانات المختلفة تتشابه تمامًا، فليس بعجيب أن تراها متشابهة بعد النمو”(5).

4- لاحظ هذا التشابه الكثيرون قبل داروين، وواحد منهم لم يربط هذا بقصة التطور، إنما ارجعوا هذا إلى وحدانية الخالق الذي خلق هذه الآلاف من الأنواع، فبالرغم من وجود نحو نصف مليون نوع من الحيوانات الحيَّة لكن جميعها تندرج تحت نحو 16 تصميمًا، وبذلك نجد مئات الأنواع تتشابه في التشريح، وبينما اعتقد ” داروين ” بأن هذه الكائنات الحيَّة تسلسلت من عدة أصول سماها ” الأصول الأولية ” فإنه فشل في الوصول إلى منشأ تلك الأصول، ولم يرد أن يقتنع أن الله الخالق الواحد هو الذي خلق كل هذه الأنواع، وكل نوع يتكاثر كجنسه، وقد اعترف التطوريون مثل ” مول ” بأن التشابه التشريحي لا يعني أبدًا التسلسل والتطور.

ويقول دكتور كمال شرقاوي غزالي ” لقد حصر بعض العلماء الصفات التشريحية للقرود الكبار وتلك التي تتشابه لدى الإنسان، فكانت النتيجة أن الشنبانزي والغوريلا أقرب صلة للإنسان(6) كما تشير بعض دراسات حديثة أخرى أجراها جروتشي وضمَّنها كتابه: من ميلاد الأنواع إلى شواذ الأشكال الحية.. إن الإنسان يشترك مع الشنبانزي في 98 % من الجينات.. ألا يدل هذا على أن الخالق واحد؟”(7).

5- إن قال التطوريون أن تشابه أعضاء بعض الكائنات من جهة التركيب يدل على وحدة الأصول، فلماذا لا يقولون أن كل اختلاف بين الكائنات يدل على اختلاف الأصول..؟! لقد اعتقد داروين بأن الكائنات الحيَّة نشأت ليست من أصل واحد، بل من عدة أصول (الأصول الأولية) ولكنه فشل في تعليل منشأ تلك الأصول، فكان هذا بمثابة إقرار ضمني بأن الله هو الذي خلق هذه الأصول الأولية.

_____

(1) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 20، 21.

(2) حقائق كتابية جـ 1 ص 129.

(3) ص 88.

(4) برسوم ميخائيل – بطلان نظرية التطور ص 14.

(5) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 23، 28.

(6) جروتشي 1978م.

(7) التطور بين الضلال وممارسة حق النقد ص 65، 66.

علم التشريح المقارن والتطور – هل علم التشريح المقارن يؤيد قصة التطور؟

ما هي الفروض التي اعتمدت عليها نظرية التطور عن طريق الطفرة؟

ما هي الفروض التي اعتمدت عليها نظرية التطور عن طريق الطفرة؟

ما هي الفروض التي اعتمدت عليها نظرية التطور عن طريق الطفرة؟

ج: يمكن القول أن نظرية التطور في ضوء عمل الطفرات تعتمد على ثمانية فروض، يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات هي:

المجموعة الأولى: تتناول العمليات الأساسية في التطور وهي:

1- يمكن إحداث تغيير في الأنواع الحية إذا عزلنا الأفراد ذوي الصفات المرغوبة، وحصر التكاثر بينها، ويتناول هذا الفرض الذين يهتمون بتربية الحيوانات الداجنة مثل إنتاج أنواع من البقر تتميز بتكوين اللحم مثل أبقار شورتهورن في إنجلترا، وأخرى تتميز بإدرار اللبن مثل أبقار الفريزيان الهولندية.

2- استمرار التغيير في الأمور الظاهرية يؤدي في النهاية إلى تغيير في الأمور الجينية، فاختيار أفراد معينة وحصر التكاثر بينها يؤدي إلى تغيير في المعين الجيني.

3- دائما تحدث طفرات، سواء كانت الطفرة صبغية (كروموزومية) أم جينية. كما يمكن أن تحدث معمليا بواسطة الإشعاع.

4- الطبيعة تحكم الاختيار عند التكاثر، فمثلا كانت الفراشات البيضاء كثيرة التواجد في مدينة مانشستر، ولكن عندما صارت المدينة قلعة صناعية ظهرت الفراشات السوداء ليس نتيجة عادم الصناعات، ولكن لأن الفراشات السوداء استطاعت أن تتخفى من أعدائها بواسطة دخان العوادم، فسادت في البيئة، بينما أخذت الفراشات البيضاء في الاختفاء لأنها لم تستطع أن تتخفى من أعدائها.

المجموعة الثانية: تتناول أسلوب حدوث عمليات التطور:

5- إذا أدى التغيير إلى توافر صفات مميزة، فإنها تساعد الأنواع على التكيف.

6- التغيرات التكيفية تراكمية في طبيعتها، ففي خلال الأجيال المتعاقبة تبدأ الزيادة المتدرجة في الصفات الجديدة.

المجموعة الثالثة: تتناول نتائج عملية التطور

7- نتيجة العمليات المذكورة في المجموعتين الأولى والثانية تظهر أنواع جديدة، لا تقبل التناسل مع أفراد النوع الذي نشأت منه، وأخيرا يتوفر لها الانعزال الجيني أو الوراثي Genetic Isalation.

8- استغرقت عملية تكوين أنواع جديدة ما يزيد عن 500 مليون سنة، ولذلك يعجز العلم عن الدخول في مرحلة التجربة بهذا الشكل لطول الفترة الزمنية، ولكنه يكتفي بالبحث في الشواهد التي يؤيدها واقع ملموس(1).

_____

(1) راجع علم الأحياء للصف الثالث الثانوي سنة 1990 / 1991م ص 201 – 207.

ما هي الفروض التي اعتمدت عليها نظرية التطور عن طريق الطفرة؟

هل يمكن إلقاء الضوء على نشأة داروين، ورحلته، ومؤلفاته؟

هل يمكن إلقاء الضوء على نشأة داروين، ورحلته، ومؤلفاته؟

هل يمكن إلقاء الضوء على نشأة داروين، ورحلته، ومؤلفاته؟

ثانيا: داروين (1809 – 1882م) والانتخاب الطبيعي

ج: ولد شارلز روبرت داروين Charles Robert Darwin في 12 فبراير 1809م من أب طبيب وأم من أسرة غنية، فهو الابن الثاني من الزوجة الثانية ” سوزان ودجوود ” Syzan Wedgewood التي كانت تشجعه على البحث رغم أنها توفيت وهو في الثامنة من عمره، وفي أحد الأيام كانت قد أعطته زهرة وأخبرته أنه يستطيع أن يعرف صفة النبات بالنظر إلى داخله، وكان جده دكتور ” أراسموس داروين ” Erasmus Darwin الطبيب المشهور يؤيد أفكار التطور التي إعتنقها ” دي ميل ” De Mille والتي تعتبر مقدمة لظهور مذهب ” دي لامارك ” وقد أصدر د. أراسموس داروين كتابا بعنوان ” أسماء الحيوانات”.

أمضى شارلز سبع سنوات في مدرسة ” شروزبوي ” حيث إقتصر التعلم على الحفظ عن ظهر قلب فكره الدراسة، واتهمه مدرسوه بأنه بليد الذهن، فانصرف إلى الرياضة واقتناص الفئران، وكان شارلز داروين شغوفا بإجراء التجارب الكيميائية مع شقيقه الأكبر حتى أطلق عليه زملاؤه لقب ” السيد غاز ” Mr. Gas كما كان شغوفا بالأدب ولاسيما بكتابات ” شكسبير” و”والترسكوت ” و” بيرون ” وحتى سن السادسة عشر لم يكن وضعه يبشر بنجاح، فقد كان يهوى الصيد ومطاردة الكلاب، وجمع عينات الأصداف والأحياء البحرية والحشرات والطيور، ووجد فرصته لممارسة هواياته في مزرعة أخواله.

ثم ألحقه والده مع أخيه بكلية الطب جامعة أدنبرة باسكتلندا ليخلفاه مهنة الطب، ولكن ما أن رأى شارلز غرف العمليات وجثث الموتى حتى كره الكلية.. تصادق شالز داروين مع ” كولد ستريم ” Cold Stream و” جرانت ” Grant، وقد صار الاثنان من علماء الحيوان، وتعرف أيضا شارلز على عالم الطيور ” ماك جلفاري ” Mac Galvery، و” أوزوبون ” Ozobun الذي كان مغرما بدراسة الطيور، وكان يرسمها في صورها المختلفة، وبعد سنتين أرسله والده إلى كامبريدج Cambridge في أكتوبر 1827م ليدرس اللاهوت، ويحصل على مؤهلا يؤهله لأن يكون أحد رجال الدين، وبعد ثلاث سنوات حصل شارلز على المؤهل إكراما لوالده، بينما لم يكف عن ممارسة هوايته المفضلة في الصيد ودراسة التاريخ الطبيعي،

وأثناء دراسته في كامبريدج التحق بشعبة النبات لحبه في الرحلات العلمية المرحة التي كان يقوم بها أستاذه المحبوب ” جون هنسلو ” وقد تصادق داروين مع عالم النباتات المشهور هذا، حتى عرف داروين بالشاب الذي يمشي مع البروفسور هنسلو، وقرأ داروين في السنة الأخيرة من دراسة اللاهوت كتاب ” إسكندر فون همبولت ” عن رحلاته لأمريكا الجنوبية خلال المدة 1799 – 1804م، فحفزه هذا على السفر والرحلات، كما قرأ كتاب ” مقدمة الفلسفة الطبيعية ” لصاحبة السير ” جون هرشل ” فحفزه على دراسة التاريخ الطبيعي وعلم طبقات الأرض.

ويرى دكتور كمال شرقاوي غزالي رئيس قسم العلوم البيولوجية والجيولوجية بكلية التربية جامعة الإسكندرية أن داروين كان عبئا على أسرته، فقد بدأ في دراسة الجيولوجيا بعد أن قرأ كتاب ” مبادئ الجيولوجية ” للجيولوجي الاسكتلندي ” تشارلز لايل ” Charles Lyell وأعجب بسهولة أسلوبه، ووصف داروين نفسه بأنه أصبح جيولوجيا، لكنه ما لبث أن سئم الجيولوجيا فتركه واصفا إياه بأنه علم فاتر وممل، وعندما التحق بكلية الطب بأدنبرة أخفق في دراسته وتركها بعد عامين، وبعد أن أمضى ثلاث سنوات في دراسة علم اللاهوت في كمبردج قال إن وقته قد ضاع هباءا وإنه معرض للضياع، فاتجه لممارسة الرياضة مع مجموعة من الشباب، ولكنه هجرها إلى الموسيقى، وعندما فشل في التمييز بين نغمة وأخرى هجرها أيضا، حتى إنه أحس أنه قد فشل في جميع الميادين(3).

رحلة داروين: زكى ” جون هنسلو ” تلميذه داروين ليصحب السفينة الحربية الصغيرة ” إتش. إم. إس. بيجل ” H. M. S. Peagle بقيادة القبطان ” متزوري ” وأقلعت السفينة من ميناء ” ديفون بورت ” يوم 27 ديسمبر 1831م إلى جنوب المحيط الأطلنطي والمحيط الهادي لمدة خمس سنوات، وهي تحمل على متنها داروين كباحث بدون راتب، وعندما رست السفينة في ميناء برايا Praia في 16 يناير 1833 رأى داروين لأول مرة أشجار التمر الهندي والموز والنخيل، ولاحظ داروين أن هناك طبقة من طبقات الأرض بيضاء ترتفع مئات الأمتار وتمتد عدة أميال، ووجد بها بعض الأصداف البحرية التي تشبه الأصداف الموجودة في بحر تلك المنطقة،

فتأكد داروين أن هذه الطبقة كانت في يوم ما غارقة في قاع البحر، وبذلك قال أن البيئة المحيطة هي في حالة تغير مستمر، وقطعت السفينة الرحلة إلى البرازيل، وداروين يجمع الحيوانات وعظامها والنباتات البحرية ويدرسها، بالإضافة إلى ما شحنه إلى إنجلترا من عظام ونماذج ليدرسها على مهل.

وعند مجاري الأنهار في الأرجنتين أكتشف حفرية الحيوان المنقرض ” توكسودون ” Toxodon الذي يصل حجمه إلى حجم الفيل، وله أسنان كأسنان الخرتيت، وأذنين وعينين وأنف كفرس البحر، فقال أن هذه إثباتات أن هذا الحيوان المنقرض كان يعيش في الماء، وعندما وصلت السفينة إلى ميناء ” تيراويل فويجو ” قرب القطب الجنوبي رأى بعض البشر الذين يسيرون عراة في مياه شديدة البرودة، فقال لا بد أن هؤلاء البشر قد ذودوا باستعداد بيولوجي لتحمل عذاب هذا الماء البارد.

وعندما وصل داروين إلى جزر جلاباجوس Galapagas الست المعزولة عن قارات العالم، والتي تقع على بعد نحو 1200 كم من شواطئ الأكوادور بأمريكا الجنوبية رأى أنوعا ضخمة من السحالي يصل وزن بعضها إلى مائة كيلوجرام، فسجل في مذكراته وصفا دقيقا لتلك السحالي والطيور وفي 2 أكتوبر 1836م انتهت رحلة السفينة بيجل، وعاد داروين إلى وطنه وقد بلغ عمره سبعة وعشرون عاما(2).

كما شاهد داروين بهذه الجزر بعض النباتات القليلة، وعندما تساءل بينه وبين نفسه: كيف نبتت هذه النباتات في هذه البيئة المالحة؟ ومن أين أتت؟ ثم أخذ بعض البذور من هذه النباتات ووضعها في ماء مالح بارد ثم زرعها فوجدها تنمو طبيعيا، فعلم أن هذه البذور قد جاءت إلى هذا المكان المنقطع عن طريق أمواج المحيط، فمن السهل أن تنتشر النباتات عبر البحار بعدة طرق مختلفة، فقد تحمل الأمواج البذار أو أفرع الأشجار اليابسة المحملة بالبذار، كما ذكرنا أيضا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. 

ورغم أنها تمضي أياما طويلة في المياه المالحة ولكن عدد كبير منها يمكنه أن ينبت بعد ذلك، وأجرى داروين مع السيد ” بيركلي ” Mr. Berkley بعض التجارب فوجد 64 صنفا من إجمالي 87 صنفا يمكنها أن تنبت بعد غمرها في المياه المالحة لمدة 28 يوما، بل أن القليل منها أنبت بعد غمره في المياه المالحة لمدة 137 يوما، ولوحظ أن ثمار البندق اليانعة تغوص في المياه المالحة، بينما التي تعرضت للجفاف فإنها تستطيع أن تطفو على الأمواج لمدة 90 يوما، ثم تنبت بعد هذا..

كما أنه يمكن لبعض البذور أن تنتقل بواسطة الطيور المهاجرة، وذلك بأن تلتصق بأرجلها أو منقارها، أو قد تكون في حوصلتها وتتعرض للموت نتيجة الرحلة الشاقة، وقد لا تتعرض هذه البذار للهضم وتنزل مع زرق الطيور ويمكنها أن تنبت(1).

مؤلفات داروين: أخذ داروين يدرس الملاحظات التي دونها أثناء الرحلة، ولم يكن بعد قد إقتنع أن الكائنات الحية هي كائنات متحولة إلا بعض مضي سنتين أو ثلاث، ولم تكتمل نظرية ” نشأة الأنواع الحية ” في عقل داروين إلا سنة 1844م. ثم ظل طيلة خمسة عشر عاما يجمع الحقائق العلمية التي تؤيد نظريته قبل نشرها لأول مرة في 24 نوفبمر 1859م، وكان داروين قد نشر عدة كتب قبل هذا التاريخ، وأخرى بعد هذا التاريخ، وهي:

1- كتابا عن الجزر البركانية سنة 1844م.

2- صحيفة البحوث العلمية في رحلة بيجل سنة 1845م.

3- كتابا عن المريجيات إلى الحيوانات النباتية كالأسفنج سنة 1846م.

4- ” إخصاب الزهور ” مقال مهم سنة 1857م.

5- وسائل التخصيب المختلفة للسحلبيات بواسطة الحشرات سنة 1862م.

6- النباتات المفترسة سنة 1875م.

7- النباتات المتسلقة سنة 1875م.

8- تأثير التهجين والإخصاب الذاتي في المملكة النباتية سنة 1876م.

9- الأشكال المختلفة للزهور في النباتات التابعة كنوع واحد سنة 1877م.

10- القدرة على الحركة في النباتات سنة 1880م.

11- التعبير عن الانفعالات.

12- تكوين الفطريات بفعل الديدان.

أما أهم الكتب التي ألفها داروين وأثارت ضجة كبيرة، فهي كتاب ” أصل الأنواع ” الذي ظهرت طبعته الأولى التي تقع في 490 صفحة في 24 نوفمبر 1859م، حيث طبع منه 1250 نسخة نفذت في نفس اليوم الذي طرحت فيه، ومازال يعاد طبع الكتاب بلغات عديدة حتى اليوم، وكتاب ” نشأة الإنسان ” الذي طبع سنة 1871م.

وكان قد أصيب داروين بمرض غريب سنة 1834م في ميناء ” فلباريزو ” ورغم أنه برأ منه إلا أنه ترك آثاره على جسده، فكانت تعاوده نوبات من دورات متعاقبة من الغثيان والشعور بالألم والتعاسة، وفي سنة 1839م تزوج داروين، وفي سنة 1842 م ترك لندن إلى مقاطعة ” كنت ” حيث اشترى منزلا ومزرعة واستمر في دراساته وتأليف كتبه.

_____

(1) راجع أصل الأنواع ص 595 – 603.

(2) راجع مقدمة سمير حنا صادق لكتاب أصل الأنواع – ترجمة مجدي محمود المليجي ص 17 – 20.

(3) راجع التطور بين الضلال وممارسة حق النقد ص 20، 21، 71.

هل يمكن إلقاء الضوء على نشأة داروين، ورحلته، ومؤلفاته؟

الماكينة القردية – جون ليونكس

الماكينة القردية – جون ليونكس

الماكينة القردية – جون ليونكس

الماكينة القردية – جون ليونكس

 

«”آرثر دنت” مخاطباً “فورد برفكت”: “فورد،

إن أعداداً لا حصر لها من القردة منتظرة في الخارج

تريد أن تخبرنا عن هذا النص الذي كتبوه لمسرحية “هاملت”.»

“دوجلاس آدمز”

 

«لا يُشترط أن تكون عالم رياضيات أو فيزياء

حتى تحسب أن عيناً أو جزيء هيموجلوبين يستلزم وقتاً

من الآن إلى الأبد حتى يجمع نفسه بمحض الصدفة

العشوائية الفوضوية.»

“ريتشارد دوكينز”

 

 

القردة الكاتبة:

يزعم “ريتشارد دوكينز” أن العمليات الطبيعية غير الموجهة يمكنها أن تفسر أصل المعلومات البيولوجية، فلا حاجة لمصدر معلومات خارجي. وهو يستخدم في كتابه “الساعاتي الأعمى” مشابهة ترجع جذورها لحجة تنسب إلى “ت. هـ. هكسلي” في مناظرته الشهيرة مع “ويلبروفورس” في أكسفورد سنة 1860. ويقال إن حجة “هكسلي” تقول إن القردة العليا لو أخذت تكتب كتابة عشوائية على الآلة الكاتبة، بشرط أن تمنح عمراً طويلاً، وإمدادات لا تنتهي من الورق والطاقة التي لا تنضب، ستكتب في النهاية، بالصدفة إحدى قصائد شكسبير أو حتى كتاباً كاملاً. عموماً ليس من المحتمل أن يكون “هكسلي” قد قال شيئاً كهذا لسبب بسيط أن الآلات الكاتبة لم تطرح في الأسواق إلا سنة 1874. ولكن ليس هذا هو المهم. فهي قصة طريفة، وبناء على تقديرات عمر الكون الحالية، ناهيك عن تقديرات عمر الأرض، من السهل أن نرى أن هذا الزعم الذي تنطوي عليه المشابهة هراء رياضي. وقد كتب عالم الرياضيات البارز “جيان كارلو روتا” Gian-Carlo Rota في كتاب عن الاحتمالات (توفي قبل أن ينهي كتابته): «لو تمكن القرد من النقر على لوحة المفاتيح نقرة واحدة كل نانو ثانية، فالزمن المتوقع الذي يحتاجه لكتابة مسرحية “هاملت” طويل للغاية حتى إن عمر الكون، وفقاً لتقديرات العلماء، يبدو لا شيء مقارنة به… ولا أظن أنها طريقة عملية لكتابة المسرحيات.»

وليس من الصعب أن نحسب هذا الكلام. فمثلاً، “رسل جريج” Russell Grigg يحسب في مقاله «هل يمكن للقردة أن تكتب مزمور 23 على الكمبيوتر؟» “Could Monkeys Type the 23rd Psalm?” أنه إن نقر القرد نقرة واحدة عشوائياً كل ثانية، فمتوسط الوقت الذي يحتاجه لكتابة كلمة “the” يبلغ 34,72 ساعة. وحتى يكتب نصاً بطول المزمور الثالث والعشرين (مزمور عبري قصير يتكون من 603 حرف ورقم آية ومسافة) سيحتاج في المتوسط حوالي 101710 سنة. والتقديرات الحالية لعمر الكون تتراوح بين أربعة وخمسة أضعاف 910 سنوات. ووفقاً لتعريف “دوكينز”، مؤكد أن هذه الحسبة تجعل مزمور 23 مسألة معقدة: فهو يمتلك «صفات ما، وهو محدد مسبقاً، بحيث أنه لا يحتمل أن يكون قد جاء بالصدفة العشوائية وحدها.»

منذ 1 تموز/يوليو 2003 بدأت عملية محاكاة تتضمن قروداً تكتب عشوائياً على الكمبيوتر، حيث تنقر نقرة واحدة كل ثانية. وقد بدأت العملية بمئة قرد بحيث يتضاعف الرقم كل بضعة أيام، وبالطبع إمدادات الموز لا تنضب. والرقم المسجل حالياً هو 24 حرفاً متتالياً من مسرحية شكسبير “هنري الرابع” أنتجت في حوالي 4010 سنة قردية (عمر الكون يقدر بأقل من 1110 سنة).

ومنذ فترة طويلة أقنعت هذه الحسابات معظم العلماء، بمن فيهم “دوكينز”، أن العمليات العشوائية المحضة لا تستطيع تفسير أصل النظم المحملة بالمعلومات المعقدة. ويستشهد “دوكينز” بتقدير “اسحق أزيموف” Isaac Asimov لاحتمالية تجميع جزيء الهيموجلوبين عشوائياً من الأحماض الأمينية. فهذا الجزيء يتكون من أربع سلاسل من الأحماض الأمينية الملتفة معاً. وكل سلسلة تتكون من 146 حمض أميني والكائنات الحية تحوي 20 نوعاً مختلفاً من الأحماض الأمينية. والطرق الممكنة لترتيب هذه العشرين في سلسلة يبلغ طورها 146 حلقة تصل إلى 14620 طريقة، أي حوالي 19010. (الكون كله لا يضم سوى 7010 بروتوناً).

وأود أن أذكر القارئ بالاستنتاج القاطع الذي توصل إليه “دوكينز”: «إنه أمر واضح وضوح الشمس لا يخفى على أحد ولا تخطئه عين أنه لو كانت الداروينية حقاً نظرية صدفة. لا يمكن أن تنجح. فلا يشترط أن تكون عالم رياضيات أو فيزياء حتى تحسب أن عيناً أو جزيء هيموجلوبين يستلزم وقتاً من الآن إلى الأبد حتى يجمع نفسه بمحض الصدفة العشوائية الفوضوية.»

ويتفق كل من السير “فرد هويل” وعالم الفيزياء الفلكية “تشاندرا ويراماسينغ” Chandra Wickramasinghe مع “دوكينز” في موقفه من قدرات العمليات العشوائية المحضة. «مهما كانت حجم البيئة موضوع النقاش، فمن المستحيل أن تكون الحياة بدأت عشوائياً. وجحافل القردة التي تصم آذاننا بدقاتها العشوائية على الآلات الكاتبة لم تتمكن من إنتاج أعمال شكسبير، لسبب عملي أن الكون المنظور كله لا يكفي للأعداد اللازمة من القردة والآلات الكاتبة، ولا يكفي طبعاً لسلال المهملات اللازمة للتخلص من أوراق المحاولات الخاطئة. وهو ما ينطبق على المادة الحية. فاحتمال أن تتكون الحياة تلقائياً من مادة غير حية يساوي 1 إلى رقم أمامه 40 ألف صفر… وهو ما يكفي لدفن داروين ونظرية التطور بأكملها. فلم يوجد حساء أساسي، لا على هذا الكوكب ولا على أي كوكب آخر، وإن لم تكن بدايات الحياة عشوائية، فلا بد إذن أن تكون نتاج ذكاء له غرض.»

هل من الممكن تسلق جبل اللامحتمل؟

يبدو إذن أن الجميع يتفقون على أن بداية مكونات الحياة بمحض الصدفة يظهر أنها ماتت في الحساء الأساسي. فكيف يمكننا إذن تفسير نشأة هذا التعقيد؟ يحاول “دوكينز” أن يحل معضلة نشأة النظم التي تتميز بدرجة عالية من التعقيد المحدد الذي يستبعد فكرة الأصل الناتج عن الصدفة وذلك باللجوء إلى «تقسيم اللاحتمالية إلى أجزاء صغيرة يمكن التعامل معها، مع استبعاد الحظ نهائياً، ثم الدوران خلف “جبل اللامحتمل” وتسلق مرتفعاته السهلة على اعتبار أننا كلما صعدنا بوصة واحدة نكون قد قطعنا مليون سنة.»

فلنحاول إذن أن نتسلق الجبل في أثر “دوكينز”، ونحاول أن نقلل عدم احتمالية إنتاج جزيء الهيموجلوبين (المشروح أعلاه) مثلاً بتقسيم العملية إلى خطوات صغيرة. ولتكن 1000 خطوة إلى قمة الجبل، ولنفترض وضعاً مبسطاً جداً حيث لا يوجد سوى خيارين في كل خطوة. يقود واحد منهما فقط لشيء مجد، مما يدفع الانتخاب الطبيعي للقضاء على الخيار الآخر غير المجدي، وعلى كل خطوة مستقلة. فما احتمالية العثور على الطريق الصحيح للوصول إلى القمة؟ 1 من 10002، أي حوالي 1 من 30010. ولكن هذه الاحتمالية أصغر من احتمالية التجمع العشوائي لجزيء الهيموجلوبين من الأساس. فاقتراح “دوكينز” تسلق الجبل غير محتمل من عدة أوجه.

ويشير الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل “براين جوزيفسون” Brian Josephson بجامعة كامبريدج إلى فرضية أخرى متخفية في ثنايا محاولة “دوكينز” لتسلق جبله: «في كتب من أمثال “الساعاتي الأعمى”، يختص جزء جوهري من الحجة بما إذا كان هناك طريق متصل يبدأ من أصل الحياة ويستمر وصولاً للإنسان، بحيث تكون كل خطوة فيه من النوع الذي يفضله الانتخاب الطبيعي، ومن الصغر الذي يجعلها تحدث بالصدفة. ويبدو أن المسألة تعرض بما يوحي أن الضرورة المنطقية تحتم وجود هذا الطريق، إلا أن هذه الضرورة المنطقية غير موجودة، ولكن الحقيقة أن الافتراضات التطورية هي التي تتطلب وجود مثل هذا الطريق.»

إن السبيل الوحيد للخروج من طريق الاحتمالات المسدود أن نحاول أن نزيد الاحتمالات زيادة كبيرة، وهذا تحديداً ما يفعله “دوكينز” في “الساعاتي الأعمى”. فهو يزعم أن أصل الحياة أبعد ما يكون عن عملية صدفة بحتة، إلا أنه يرى أن الحياة لا بد أن تكون قد بدأت بشيء بسيط يمكن أن ينشأ بالصدفة. وبعدئذ، بدلاً من حدوث عملية “غربلة” في خطوة واحدة فقط، مثل عملية خلط كل مكونات الأحماض الأمينية للهيموجلوبين على أمل الحصول على ذلك الجزيء بالصدفة، يرجح “دوكينز” أن العملية كانت نوعاً من الغربلة التراكمية أو “الانتخاب” التراكمي حيث نتائج كل عملية غربلة تلقم في العملية التالية. ويرى “دوكينز” أن هذه الحركة تزود العملية بشيء يشبه القانون بحيث يمكن أن نعتبرها مزيجاً من الصدفة والضرورة. ولتوضيح الفكرة يستخدم الكمبيوتر لمحاكاة تشبيه قريب من تشبيه القردة الكاتبة المنسوب إلى “هكسلي”، ويقدم لنا خوارزمية بناء على هذه المحاكاة. فهو يتخيل أن القرود مطلوب منها كتابة عبارة ما، والعبارة المستهدفة مأخوذة من مسرحية “هاملت” لشكسبير، ونصها. “Methinks it is like a weasel” وطول هذه العبارة 28 “حرفاً” (نحن نعتبر المسافات “حروفاً” ونعتبر أن الأبجدية الإنجليزية تتكون من 26 حرفاً ومسافة واحدة). ولدينا الآن 28 قرداً (قرد واحد لكل حرف من التسلسل المستهدف) تجلس في صف واحد وتكتب. ومن ثم، فكل قرد مطلوب منه حرف في العبارة المستهدفة. سنحسب أولاً احتمالية أن تنتج العبارة المستهدفة بالنقر العشوائي على وجه المفاتيح: احتمالية الحصول على أول حرف في العبارة بالنقر العشوائي (العملية التي تشبه بها الطفرة) تعادل 1 من 27، وبالمثل احتمالية الحصول على حرفين صحيحين هي 1 من 27 × 27، وهكذا. ومن ثم، فاحتمالية الحصول على العبارة كلها بالنقر العشوائي في محاولة واحدة هي 1 من 2827، أي حوالي 1 من 4010، وهو أيضاً احتمال متناهي الصغر، أقل من 1 من تريليون – تريليون – تريليون. وللتعبير عن الفكرة بأسلوب مختلف، نقول إن العبارة المستهدفة عبارة عن نقطة معينة معزولة في فضاء يحوي تريليون – تريليون – تريليون نقطة أخرى، وعلينا أن نحصل على هذه النقطة باستخدام عملية فعالة.

ولنحسب الآن احتمالية إصابة الهدف، أي الهبوط على تلك النقطة بعد (س) من المحاولات. وأفضل الطرق لحساب ذلك كالآتي: لنأخذ المحاولة الأولى، حيث احتمالية خطأ جميع القرود هي 1 – 1/(2827). وهكذا في (س) من المحاولات تكون احتمالية الخطأ (1 – 1/(2827))س. ومن ثم، احتمالية كتابة الجملة الصحيحة بعد (س) من المحاولات هي 1 – (1 – 1/(2827))س. وإن اعتبرنا أن (س) هي مليار، تظل هذه الاحتمالية صغيرة للغاية، حوالي 1 من 3110، وهي صغيرة رغم أن تسلسل الحروف المعني تافهاً مقارنة بطول جينوم أحد الثدييات (في الإنسان يزيد عن 3 مليار حرف).

فما هو الحل الذي يدعيه “دوكينز” إذن لمشكلة زيادة هذه الاحتمالات متناهية الصغر إلى مقادير يسهل التعامل معها؟ هذا هو الحل: كلما كتب أحد القرود حرفاً، يقارن الحرف الذي يكتبه بالحرف المستهدف من هذا القرد، وهي عملية غير عشوائية بالمرة. وهذه المقارنة طبعاً يجب أن تتم بآلية ما، مثل كمبيوتر (أو رئيس من القرود، حسب الاقتراح الطريف الذي يقترحه الرياضي “دافيد برلينسكي” David Berlinski). فإن كتب القرد الحرف المستهدف تحتفظ آلية المقارنة بذلك الحرف، وهي عملية غير عشوائية بالمرة. وعندئذ يتوقف القرد عن الكتابة، حيث إنه أنهى مهمته. وإن لم يصب القرد الحرف المستهدف، يسمح له بالاستمرار في الكتابة العشوائية حتى يصيبه.

والنتيجة الصافية لهذه العملية أن يتم التوصل للعبارة المستهدفة بسرعة كبيرة جداً تصل إلى 43 خطوة كما في النسخة الفعلية من محاكاة “دوكينز”. فما كان احتمال حدوثه في حالة الصدفة البحتة لا يعادل سوى 1 من حوالي 3110 في مليار محاولة، أصبح الآن لا يستلزم سوى 43 خطوة. ونلاحظ أن نموذج “دوكينز” يشتمل على كل من الصدفة (القرود الكاتبة) والضرورة (الخوارزمية التي تشبه القانون وتقارن المحاولة بالعبارة المستهدفة). وخوارزميته تقيس ما يطلق عليه “لياقة” الحل بحساب الفرق أو “المسافة” بين ذلك الحل والعبارة المستهدفة.

وقد بلغنا الآن صميم حجة “دوكينز”. ولعلك تذكر ما تزعم الحجة إثباته، ألا هو أن عملية الانتخاب الطبيعي العمياء، غير الموجهة، عديمة العقل قادرة على إنتاج المعلومات البيولوجية. إلا أنها لا تثبت شيئاً من هذا القبيل. والحقيقة أن “دوكينز” لم يفعل شيئاً سوى أنه حل مشكلته بإدخال الشيئين اللذين يتمنى أن يتحاشاهما بأي ثمن. فهو يخبرنا في كتابه أن التطور أعمى، وبلا هدف. فلماذا يقصد إذن بإدخال عبارة مستهدفة؟ إن العبارة المستهدفة تمثل هدفاً دقيقاً، وهي على حد تعبير “دوكينز” نفسه مفهوم لادارويني بكل تأكيد. وكيف يمكن للتطور الأعمى أن يرى ذلك الهدف، بل أيضاً أن يقارن به محاولة حتى ينتخبها إن كانت أقرب من سابقتها؟ وهو يقول لنا إن التطور عديم العقل. فماذا يقصد إذن من تقديم آليتين، تحمل كل منهما كافة الأدلة على مدخلات عقل ذكي: آلية تقارن كل محاولة بالعبارة المستهدفة، وآلية تحتفظ بالمحاولة الناجحة؟ وأغرب شيء أن المعلومات التي يفترض في الآليات أن تنتجها يبدو أنها متضمنة أصلاً في مكان ما داخل الكائن الحي الذي يزعم “دوكينز” أن عمليته تحاكي نشأة هذا الكائن. إن الحجة دائرية.

يجب أن نلاحظ أن هذه السمة هي التي تميز آلية “دوكينز” عن الخوارزمية التطورية. فالخوارزميات التطورية معروفة جيداً في الهندسة وغيرها من التطبيقات باعتبارها وسيلة ممتازة ومجربة لإيجاد حلول للمشكلات المعقدة. فقد استعرض “رتشنبرج” Rechenberg مثلاً استراتيجية تطورية تعمل على الحد من المقاومة الكهربية لأحد النظم المعقدة بإحداث تغييرات عشوائية بشكل متتابع. ففي كل “خطوة تطورية” يتم تغيير قيم المتغيرات parameters الأجهزة عشوائياً وتقاس المقاومة. فإن أدى هذا التغيير إلى زيادة المقاومة، يعكس. وإن أدى لخفض المقاومة، يحتفظ به ويستخدم نقطة انطلاق للخطوة التالية. وهذه الاستراتيجية التطورية تفترض وجود قيمة parameter قابلة للقياس يرجى ضبطها لتحقيق أفضل النتائج، فقد يكون الغرض المرجو مثلاً الحد من المقاومة الكهربية. وبناءً على هذا الغرض من خفض المقاومة، يختبر النموذج كافة الأشكال التي يمكن التوصل إليها بتغيير القيم عشوائياً وينتج في النهاية الشكل الأمثل الذي لم يكن معروفاً من قبل.

والنقطة المهمة هنا أنه بناءً على ما سبق يتضح أن الحل لا يكون معروفاً في بداية العملية. إلا أن سيناريو “دوكينز” على النقيض من ذلك، كما رأينا للتو. فمن السذاجة أن نقول إن محاكاة “دوكينز” مقبولة منطقياً نظراً لنجاح الخوارزميات التطورية.

ويعلق الرياضي “دافيد برلنيسكي” تعليقاً حاداً في أحد مقالاته التي أثارت الكثير من المناقشات قائلاً: «التمرين كله هو…. إنجاز ضخم في مجال خداع النفس. جملة مستهدفة؟ صيغ جديدة iterations تشبه المستهدف؟ كمبيوتر أو رئيس للقردة يقيس المسافة بين الفشل والنجاح؟ إن كانت الأشياء عديمة البصر فكيف يمكنها أن ترى الهدف، وكيف تقاس المسافة بين العبارات التي تتولد عشوائياً والعبارات المستهدفة؟ ومن الذي يقوم بذلك؟ وماذا عن رئيس القردة؟ إن آلية التصميم المقصود التي محتها نظرية داروين على مستوى الكائن الحي عادت للظهور مرة أخرى في وصف الانتخاب الطبيعي نفسه، وهو ما يعتبر مثالاً حياً على ما قصده “فرويد” بعودة المكبوت.»

والغريب أن “دوكينز” يعترف أن المشابهة التي يقترحها مضللة، وذلك لأن الانتخاب الطبيعي التراكمية «أعمى بلا هدف». وهو يزعم أنه يمكن تعديل البرنامج ليعالج هذه المشكلة، وليس غريباً أن هذا الزعم ليس له أي سند أو دليل، لأنه لا توجد أصلاً أدلة تؤيده. وحقيقة أنه حتى لو كان صحيحاً، سيثبت عكس ما يؤمن به “دوكينز”. وذلك لأن تعديل برنامج يتطلب استخدام المزيد من الذكاء مع منتج بشري مصمم بذكاء، ألا وهو البرنامج الأصلي. أما البرنامج الأكثر تعقيداً الذي صممه “دوكينز” لمحاكات التطور في الكائنات الحية المعروف باسم biomorph يشتمل أيضاً على نظام “فلترة” مصمم بذكاء، وهو عبارة عن حزمة برامج فيها يوّلد الكمبيوتر أشكالاً معينة تعرض على الشاشة يختارها مستخدم الكمبيوتر بناءً على أناقة شكلها، وما إلى ذلك، فتظهر له أشكال أكثر تعقيداً يطلق عليها “الصور الإلكترونية البيولوجية المعدلة” biomorphs. ولكن إن استبعدت نظام الفلترة، والهدف، ورئيس القردة، تنتهي إلى شيء بلا معنى. إذن حتى تبدو مشابهات “دوكينز” معقولة، فهي تعتمد على تطعيم نموذجه بالخصائص عينها التي ينكر وجودها في العالم الواقعي.

فما أثبته “دوكينز” فعلياً أن الأنظمة التي تتسم بدرجة كبيرة من التعقيد كاللغات، أياً كان نوعها، بما فيها الشفرة الوراثية للـ DNA لا يمكن تفسيرها دون حقنها أولاً بالمعلومات اللازمة.

وتعد الساعة الأوتوماتيكية مثالاً أبسط على ذلك. فهي تستخدم الحركات العشوائية للرسغ والذراع لتدير نفسها. فكيف تفعل ذلك؟ صانع ساعات ذكي صمم ترساً يسمح لعجلة ثقيلة أن تتحرك في اتجاه واحد فقط. ومن ثم، فهي تختار بدقة الحركات الأخرى التي لا تفي بهذا الغرض. والترس نتاج تصميم ذكي. ويرى “دوكينز” أن هذه الآلية لا يمكن أن تكون داروينية. فالساعاتي الأعمى الذي يتحدث عنه ليس عند بعد نظر. واقتبس ثانية من “برلينسكي” قوله: «الآلي الداروينية لا تتوقع ولا تتذكر. ولا تعطي توجيهات ولا تختار اختيارات. فما هو مرفوض في نظرية التطور، ما هو ممنوع منعاً قطعياً هو ظهور قوة قادرة على دراسة الوقت، قوة تحتفظ بنقطة أو بخاصية لأنها ستكون مفيدة [مثل ترس الساعة]. وهذه القوة لم تعد داروينية. فكيف يمكن لقوة عمياء أن تعرف شيئاً كهذا؟ وكيف ينقل النفع المستقبلي للحاضر؟»

الماكينات المعقدة غير القابلة للاختزال:

إلا أن مشابهة “دوكينز” ما زالت تنطوي على المزيد من المشكلات، خاصة إذا حاولنا تطبيقها على نشأة إحدى الماكينات المعقدة غير القابلة للاختزال كما يصفها “مايكل بيهي” التي عرضناها آنفاً. ويقدم “إليوت سوبر” أفضل تصوير للمشكلة بابتكار نسخة جديدة من مشابهة “دوكينز” حيث يتخيل قفلاً يفتح بإدخال حروف سرية هي METHINDSITISAWEASEL. وهذا القفل يتكون من 19 قرصاً متراصة بجوار بعضها البعض، ويحوي كل منها الحروف الأبجدية الإنجليزية التي تبلغ 26 حرفاً. وهو مزود بنافذة تظهر حرفاً واحداً من الحروف الأبجدية. ولنتخيل أن الأقراص تدار عشوائياً ثم يتوقف القرص بفعل آلية ما عندما يتوافق الحرف الظاهر من النافذة مع الحرف الصحيح المقابل له في سلسلة الحروف السرية. وتستمر باقي الأقراص في الدوران العشوائي وتتكرر العملية. وهذا هو نظام “دوكينز” في الأساس.

ويشير “مايكل بيهي” إلى أن المشابهة «تدعى أنه مشابهة موازية للانتخاب الطبيعي الذي يتطلب وظيفة. ولكن ما الوظيفة المتضمنة في الرموز السرية الخاطئة لفتح قفل؟ هب انه بعد إدارة الأقراص فقرة حصلنا على مجموعة حروف نصفها صحيح ونصفها خاطئ. ولتكن مثلاً MDTUIFKQINOAFERSCL (أي حرف صحيح وحرف خاطئ بالتبادل). وتؤكد المشابهة أن هذه النتيجة تمثل مستوى أعلى من مجرد سلسلة حروف عشوائية، وأنها يمكن أن تساعدنا في فتح القفل…. إن كانت قدرتك الإنجابية تعتمد على فتح القفل، فلن يكون لك نسل. ومما يثير السخرية أن “سوبر” وكذلك “دوكينز” يعتبران رموز القفل السرية نظاماً معقداً شديد التحديد ولا يقبل الاختزال يبين على نحن رائع سبب عدم إمكانية التعامل مع الوظيفة تدريجياً في مثل هذه الأنظمة.»

وفي نموذج “دوكينز” الأصلي للقرود الكاتبة، الانتخاب لا يحتفظ إلا بالمحاولات التي لها وظيفة، التي تعنى فيما يتعلق بهذا التشبيه أن ما كتبته القرود في كل خطوة متوسطة في العملية يشكل كلمات لها معنى. وبناءً على ذلك، عندما ننظر إلى المخرجات الناتجة عن محاكاة “دوكينز”، نجد أن العملية لم تبدأ أصلاً. فأفكار “دوكينز” لا يمكنها أن تبدأ أصلاً لتواكب التعقيد غير القابل للاختزال. «إن سيناريو “دوكينز – سوبر” بدلاً من أن يقدم مشابهة للانتخاب الطبيعي في تأثيره على الطفرة العشوائية، يقدم في الواقع نموذجاً للنقيض من ذلك: فاعل ذكي يوجه تركيب جهاز معقد لا يقبل الاختزال.»

بل إليك ما هو أكثر من ذلك. فقرود “دوكينز” تبدو أنها تولد التعقيد. ولكن هل هذا صحيح؟ للتحقق من ذلك سنجري المزيد من الحسابات. تخيل القردة الثمانية والعشرين في السيناريو الأول أعلاه تكتب جميعاً في وقت واحد. ولنختر أحدها ونسأل: ما احتمالية أن يصيب الحرف الصحيح المطلوب منه في العبارة المستهدفة في (س) من المحاولات؟ أسهل وسيلة لإجراء هذه العملية الحسابية أن نفكر أولاً في احتمالية ألا يصيب القرد الحرف الصحيح في أي محاولة. الاحتمالية هنا 26/27. ومن ثم، بناء على “نظرية برنولي” Bernoulli’s Theorem يكون متوسط عدد الحروف الخاطئة بعد محاولة واحدة 28(26/27). وبما أن كل الحروف الصحيحة تحفظ، نكرر العلمية ولكن بحيث نبدأ فقط بالقردة التي لم تصب الحرف الصحيح، وهكذا. وهذا هو جوهر الانتخاب التراكمي. وبذلك يكون متوسط عدد الحروف الخاطئة 28(26/27)س بعد (س) من المحاولات. وهذا الرقم يساوي حوالي 5 بعد 43 محاولة (ولذلك فقد أحسن “دوكينز” صنعاً). وبعد 60 محاولة يكون متوسط عدد الحروف الخاطئة 3، وبعد حوالي 100 محاولة يقترب المتوسط من الصفر (أظهر أحد الحسابات الفعلية 0,64286).

فما الذي يحدث هنا؟ لقد استخدمنا أداة مبرمجة بذكاء للتخلص من المشكلة الحقيقية المفترض أصلاً أن نحلها التي لم تكن توليد اللبنات الأساسية أو الحروف، بل ترتيبها ترتيباً صحيحاً. فما توحي به لنا هذه العملية ظاهرياً أننا ولدّنا كل المعلومات المتضمنة في السلسلة METHINKSIT IS LIKE A WEASEL. ولكننا لم نفعل. بل كل ما فعلناه أننا ولدنا سلسلة معروفة بطريقة عشوائية جزيئاً. فنحن لم نحصل على أي معلومات جديدة.

وللتعبير عن المعنى بطريقة مختلفة أقول: إن آلية “دوكينز” تدعي أنها آلية تزيد الاحتمالية. ولكن زيادة الاحتمالية على هذا النحو تفضي إلى خفض التعقيد. لأن وصف شيء بأنه معقد يستلزم وجود الكثير من الخيارات الأخرى الحقيقية التي يمكن أن تحل محله، كما رأينا. ولكن خوارزمية “دوكينز” لا تسفر إلى عن نتيجة واحدة، هي جملته المستهدفة، وباحتمالية 1. وبالتالي فالمعلومات المضافة في العملية تساوي فعلياً صفراً.

ويجب أن نلاحظ أيضاً أن الاحتفاظ بالحرف الصحيح وعدم فقدانه أبداً يعادل الافتراض بأن الطفرات النافعة دائماً ما يحتفظ بها في أفراد النوع. إلا أن عالم الأحياء التطوري السير “رونالد فيشر” Ronald Fisher بين في كتابه الذي يمثل عموداً أساسياً في هذا المجال أن هذا لا يحدث في الطبيعة. فمعظم الطفرات النافعة تمحى بفعل مؤثرات عشوائية، أو بفعل عدد من الطفرات الضارة يفوق بكثير عدد الطفرات النافعة. وهو ما يناقض الفكرة الشائعة منذ عصر داروين بأن الانتخاب الطبيعي يجب أن يحتفظ بأصغر التنويعات المفيدة حتى تسود على أفراد النوع جميعاً. وهو دليل إضافي يؤيد حجة التعقيد غير القابل للاختزال، كما أوضحنا سلفاً بتصوير القفل ذي الرموز السرية الذي اقترحه “بيهي”: فالطفرة “النافعة” لا تكون نافعة إلا إذا حدثت بالتزامن مع عدد كبير من الطفرات الأخرى “النافعة”، وهو ما يمثل الخطأ القاتل في حجة “العبارة المستهدفة” للقرود الكاتبة.

ومما يساعدنا أيضاً على أدراك ما يشوب تشبيه “دوكينز” من ضعف جوهري أن نستعيض عن عبارة METHINKS IT IS LIKE A WEASEL بالجينوم البشري الكامل الذي يتجاوز طوله 3 مليار (3 × 910) حرف حيث كل حرف إما (أ)، أو (س)، أو (ج)، أو (ث). وسيناريو “دوكينز” يدفعنا أن نتخيل 3 مليار قرد تكتب على الكمبيوتر في وجود الآلية المعتادة للاحتفاظ بالحرف الصحيح في السلسلة. فاحتمالية كتابة أي قرد لحرف خاطئ هي 3/4. وبعد (س) من المحاولات، يبلغ عدد الحروف الخاطئة نحو 3 × 910(3/5)س وهو ما يقل عن حرف واحد خاطئ بعد 80 محاولة. وعليه قد نحصل على الجينوم البشري بعد 80 محاولة في المتوسط.

ويمكن الإشارة أيضاً إلى أنه يعتقد أن النسبة المستخدمة فعلياً من الـ DNA تتراوح من 1 إلى 5٪، فإن أدخلنا هذا الاعتبار في نموذجنا بأن نختصر السلسلة إلى 5٪ فقط من طورها الأصلي، عندئذ تتولد السلسلة برمتها في أقل من 65 محاولة في المتوسط.

ماذا يعني ذلك؟ أن نموذج “دوكينز” عديم الفائدة بوصفه محاكاة لكيفية بناء التعقيد (بمعنى ترتيب الحروف ترتيباً صحيحاً) من سلسلة عشوائية بعملية تطورية غير موجهة. وذلك لأن افتراض وجود آلية تقارن المحاولة بالسلسلة المستهدفة وتحتفظ بها يعني أن المشكلة الحقيقية المتمثلة في ترتيب الحروف ترتيباً صحيحاً قد تم حلها قبل أن نبدأ. فقد استبعد هذا العنصر من المشكلة نهائياً بإدماجه في المنظومة أصلاً، وهو ما يعني طبعاً إمكانية التوصل إلى السلسلة المستهدفة بعدد قليل جداً من الخطوات لأننا نستهدفها أصلاً من البداية.

وهذا هو مفتاح التحليل من منظور النظرية الخوارزمية للمعلومات التي استعرضناها في الفصل السابق. لقد ثبت فشل ماكينة “دوكينز”، وفشلها يتوافق تماماً مع ما نتوقعه من النتيجة التي استخلصها “كوبرز”، ألا وهو أن المعلومات المتضمنة في مخرجات ماكينة “دوكينز” الخوارزمية متضمنة أصلاً إما في المدخلات أو في البينة المعلوماتية للماكينة. وبذلك يكون “كوبرز” على صواب لأن المعلومات متضمنة في البنية المعلوماتية.

وهكذا يتضح أن مقترح “دوكينز” بأكمله ليس سوى نموذج آخر لافتراض ما يدعي إثباته. واقتباس تعليق الفيلسوف “كيث ورد” مناسب جداً في هذا السياق، إذ يقول: «إن استراتيجية “دوكينز” التي تهدف إلى الحد من الذهول والاندهاش لا تفلح في ذلك. بل كل ما تفعله أنها تنقل الدهشة من التوليد التلقائي لنتيجة معقدة مرغوب فيها جداً إلى الوجود التلقائي لقاعدة فعالة مجبرة على إنتاج النتيجة المرجوة في الوقت المناسب.»

ويحاول “بنوك” Pennock في كتابه “برج بابل” Tower of Babel أن ينقذ الموقف فيزعم أن الهدف من نماذج “دوكينز – سوبر” ليس أن تقدم مشابهة للانتخاب الطبيعي في تأثيره على التنوع العشوائي، بل مشابهة للانتخاب التراكمي. ولكن محاولته فاشلة لأن القضية المركزية تتمثل في اعتماد العملية على آلية لمقارنة المحاولة بعبارة مستهدفة. أي أن القضية هي تحديداً أن الأثر الانتخابي يصبح تراكمياً بفعل ما تتميز به الآلية من قدرة مصممة بذكاء على الاحتفاظ بحروف العبارة المستهدفة بمجرد الحصول عليها وقبل أن يكون لها أي أثر نافع. فلا يمكن حدوث انتخاب تراكمي دون الآلية المصممة.

ومن ثم، حجة “دوكينز – سوبر” يشوبها عيب قاتل بوصفها حجة تضفي مقبولية منطقية على فكرة أن العمليات الطبيعية غير الموجهة تستطيع أن توّلد معلومات. إلا أن حجتهما تزيدنا استنارة من حيث إنه يمكن القول بأنها تزيد مقبولية التصميم الذكي. لأنها تبين أن حتى محاولات تفسير أصل المعلومات البيولوجية بناءً على افتراضات مادية قوية لا يمكنها أن تفعل ذلك إلا بتهريب آليات مصممة بذكاء إلى تفسيراتها.

ويعلق عالم الكمبيوتر “روبرت برويك” Robert Berwick قائلاً إن “كل خبرتنا في محاكيات التطور بدءاً من برامج “دوكينز” للصور الإلكترونية البيولوجية المعدلة حيث عرض جوائز لمن سيتمكن من تخمين طرق لانتخاب أشكال شيقة للكائنات الحية، وانتهاء بالخبرات المؤسفة فيما يتعلق بالحياة الاصطناعية artificial life التي تشير إليها “برلينسكي”، تظهر مدى صعوبة التقدم خطوة واحدة دون إجراء انتخاب صناعي أو إدراج الحلول المرغوبة داخل المنظومة.» وقد عبر “فيليب جونسون” عن هذه المشكلة الجوهرية بمنتهى الدقة: «إن الذكاء البشري المطلوب لبرمجة الكمبيوتر على توليد العبارة “methinksitislideaweasel” من برنامج انتقاء حروف عشوائي يفوق الذكاء اللازم للنقر على لوحة المفاتيح وكتابة العبارة المستهدفة من ذاكرة الكمبيوتر التي تمت تغذيتها بهذه العبارة من الأصل.»

أجري حوار سنة 1996 مع “مارسيل – بول شوتسنبرجر” الرياضي الفرنسي اللامع الذي ذكرناه آنفاً الذي شارك في “مؤتمر ويستار” Wistar Conference وفي هذا الحوار شبه الطفرات الأخطاء الطباعية، قائلاً: «….لا يمكن أن يكون التطور تراكماً لمثل هذه الأخطاء الطباعية.» ثم استطرد محللاً نموذج “دوكينز” وأشار إلى أنه نموذج فاقد للاتصال بأوضح الحقائق البيولوجية وأقواها. وذلك لأنه، من منظور رياضي، «ينحي تماماً المشكلة الثلاثية المكونة من التعقيد، والقدرة على أداء الوظيفة، وتفاعلاتهما.»

المحاكيات التي تستخدم الكمبيوتر:

تناولنا في هذا الفصل نموذجاّ واحداً فقط لفئة كاملة من المحاكيات التي تستخدم الكمبيوتر التي تدعى محاكاة العمليات التطورية بما فيها أصل الحياة. فمثلاً “ستيوارت كوفمن” وزملائه في “معهد سانتا فيه” بذلوا الكثير من الجهد في هذا المجال. وقد كشفنا أن المحاكاة التي استعرضناها تتضمن من بدايتها المعلومات عينها التي يفترض أن تولّدها. وقد كشفنا أن المحاكات التي استعرضناها محملة منذ البداية بالمعلومات عينها التي يفترض أن تولّدها. ولاحظنا أيضاً أن برمجة الكمبيوتر تمثل عملاً ذكياً. ومن السهل أن ننسى هذه الملاحظات أو نتجاهلها عندما نفكر في هذه المحاكيات، فيفوتنا أنها في الحقيقة تمثل دليلاً على عكس ما تدعي إثباته.

ويعبر “ستيف فولر” Steve Fuller عن هذه الفكرة تعبيراً بارعاً بقوله: «إن إمكانية محاكاة التطور على الكمبيرتر على نحو يرضي شخصاً مثل “كوفمن” تدعم فعلياً قضية وجود خالق إلهي. فمهما كان، أي برنامج كمبيوتر، هو في حقيقة الأمر، نتاج تصميم ذكي، وليس كياناً ذاتي التنظيم نجا من حالة الفوضى. فإن كان البشر قادرين على برمجة كمبيوتر يولد مخرجات تتميز بهذه الخواص الدقيقة من التنظيم الذاتي، فما المانع أن يكون الله قادراً على ذلك؟ وباختصار، التصميم الذكي باعتباره تفسيراً آخر لأصل الحياة غالباً ما يكتسب مزيداً من القوة كلما ازداد اعتماد التطوريين على الكمبيوتر في إظهار أن التاريخ الطبيعية ليس مجرد نظام معقد، ولكنه أيضاً نظام مركب، والتركيب صفة أصيلة فيه.

وذلك لأن التمييز بين الموقفين سيزداد صعوبة، وسينتهي الأمر بالتطوريين إلى اللعق على أرض أصحاب نظرية التصميم الذكي. والبديل بالطبع أن يثبت التطوريين وجود ماكينة “فون نيومن” Von Neumann machine في البرية، لا تحمل أي أثر لتصميم بشري أو غير بشري.»

الماكينة القردية – جون ليونكس

كتاب القضية الخالق لي ستروبل، صحفي يتحرى البرهان العلمي الذي يؤيد الله

كتاب القضية الخالق لي ستروبل، صحفي يتحرى البرهان العلمي الذي يؤيد الله

كتاب القضية الخالق لي ستروبل، صحفي يتحرى البرهان العلمي الذي يؤيد الله

 

كتاب القضية الخالق لي ستروبل، صحفي يتحرى البرهان العلمي الذي يؤيد الله

محتوى الكتاب

العلماء ذوي الملابس البيضاء ضد الوعاظ ذوي الملابس السوداء

شكوك حول الداروينيّة

حيث يلتقي العلم بالإيمان

برهان علم الكونيات: البدء بإنفجار

برهان علم الفلك: الكوكب المتميز

برهان الكمياء الحيوية: تعقيد الآلات الجزينية

برهان المعلومات الحيوية: تحدي الـ DNA وأصل الحياة

برهان الوعي: لغز العقل

التجميع للقضية … الخالق

ملحق: ملخص كتاب “القضية .. المسيح”

مشاورات: أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

للتحميل اضغط هنا 

Exit mobile version