لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 3 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 3 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 3 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 3 – لي ستروبل

مخاطر عالم مائي

بعدما اكتشفت مدى مساهمة القمر لنظام الأرض الداعم للحياة، قررت أنه آن أوان التركيز على كوكبنا نفسه. وقد درست ما يكفي في علم الجيولوجيا كي أعرف أن الأرض أكثر من مجرد صخرة دائرية غير مميزة، بل أن داخلها هو نظام معقد وديناميكي قطره 8000 ميل، ولها قلب صلب محاط بالحديد تحول إلى سائل بفعل الحرارة. وفي مركزها، حيث الضغط أكثر من ثلاثة ملايين مرة مما هو على سطح الكوكب، قد ترتفع درجات الحرارة إلى 9000 درجة فهرنهيت.

سألت جونزاليز: “ما هي بعض الظواهر على الأرض التي تسهم في قدرتها على تدعيم الحياة؟”

فقال: “دعنا أولاً نتحدث عن كتلة الأرض. يجب أن يحتوي الكوكب الأرضي على حد أدنى من الكتلة ليحتفظ بغلاف جوي. وتكون بحاجة إلى غلاف جوي للتبادل الحر لكيماويات الحياة، ولحماية السكان من الإشعاع الكوني. وأنت بحاجة أيضاً إلى غلاف جوي غني بالأوكسجين لتدعيم المخلوقات العاقلة كالإنسان. فالغلاف الجوي للأرض يحتوي على نسبة 20٪ من الأوكسجين؛ وهي النسبة الصحيحة تماماً كما يتضح”.

“وعلى الكوكب أن يكون حداً أدنى من الحجم كي يحفظ الحرارة التي بداخله من أن تفقد بسرعة. إن الحرارة الصادرة عن داخله الإشعاعي هي التي تنقل الحمل الحراري الخارجي المهم جداً داخل الأرض. ولو كانت الأرض أصغر حجماً، كالمريخ، ولبردت بسرعة شديدة، وفي الحقيقة، فإن المريخ ريد، وهو الآن ميت أساساً”.

“وماذا لو كانت كتلة الأرض أكبر؟”

“كلما ازداد حجم الكوكب، كلما ارتفعت جاذبية سطحه، وقل وضوح سطحه بين أحواض المحيط والجبال. فالصخور أسفل الجبال يمكنها تحمل ثقل كبير جداً قبل أن تنكس. وكلما ارتفعت جاذبية سطح كوكب، كلما ازداد سحب الجاذبية على الجبال، ويكون الميل نحو خلق سطح أملس”.

“تخيل لو أن كوكبنا كان سطحاً أملس. فالأرض تحتوي على قدر كبير من الماء في قشرتها. والسبب الوحيد في أننا لسنا عالم مائي حتى الآن هو وجود قارات وجبال تقوم عليها. وإذا استطعت أن تحول الأرض كلها إلى مكان أملس، سيكون الماء على عمق 2 كيلومتر. وسوف يكون العالم مائي، والعالم عالم ميت”.

أثارني هذا الأمر، فقلت: “إن كنت بحاجة إلى ماء من أجل الحياة، فلماذا لا تُعتبر وفرة الماء وفرة حياة؟”

فأجاب جونزاليز: “نحن نتمتع بالحياة على الأرض لأن لدينا سطح المحيطات المضاء بضوء الشمس والغني بالطاقة، والمملوء بالمواد الغذائية المعدنية. إن المد والتجوية* تجرف المواد الغذائية من القارات إلى الميحطات حيث تُغذى الكائنات الحية. أما في العالم المائي، فإن كثيراً من معادن الحياة الأساسية ستهبط إلى القاع. وهذه هي المشكلة الأساسية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تركيز الملح في العالم المائي سيكون عالياً بقدر كبير. فالحياة يمكنها أن تسمح فقط بمستوى معين من الملوحة”.

“إن محيطاتنا وبحارنا مالحة، فكيف يمكن للأرض أن تنظم ذلك؟”

“لدينا مناطق مستنقعية على طول بعض الشواطئ. وبسبب ضحولتها، يأتي الماء من المحيط ويتبخر بسرعة، تاركاً الملح ورائه. ولهذا يكون لديك احتياطي ضخم من الملح متراكم على القارات، ومحتوى ملح المحيط يمكن التحكم فيه. ولكن في العالم المائي، فإن الملح الزائد سيتشرب الماء، ويترسب في القاع. وهذا ما يُنتج محلول ملح جيد النقع لا يدعم وجود حياة”.

قلت إن بعض العلماء وضعوا نظريات تقول بأن الحياة قد توجد داخل قمر المشتري المتجمد يوروبا، حيث يمكن وجود محيط نظري. وتساءلت: “يبدو أنك لا تعتقد بوجود حياة في بيئة كهذه”.

“كلا، لا أعتقد ذلك. ولا أعتقد أنها ستكون مكاناً قابلاً للسكنى. فلن توجد طريقة لتنظيم الملح، ولهذا لا أتخيل بالتأكيد وجود دولفين يسبح هناك”.

الجبال والقارات ضرورية للغاية إذاً لوجود كوكب مزدهر الحياة. ولكن من أين أتت؟ لقد تعلمت حديثاً أنها جزئياً نتاج عناصر إشعاعية واضحة والألواح التكتونية *– وهي مكونات ضرورية للغاية لأي كوكب لتدعيم مجال حيوي مزدهر.

محرك الأرض

قرر العلماء خلال العقود الأخيرة الأهمية القصوى للألواح التكتونية والتحرك القاري لتدعيم الحياة على الأرض[1]. فالتحرك القاري يشير إلى انتقال دستة أو أكثر من الألواح الكبيرة في يابسة الأرض؛ وهي الطبقة الخارجية الصلبة من الكوكب. ومن النتائج الحاسمة لهذه الألواح التكتونية تطور سلاسل الجبال التي خُلقت أساساً على فترات طويلة من الزمن بينما تتصادم الألواح وتلتوي.

يكتشف العلماء ان أهمية الألواح التكتونية من الصعب المبالغة فيها. فقد قال وورد وبراونلي في كتابهما “الأرض النادرة Rare Earth”[2] “إن الألواح التكتونية هي المتطلب المركزي للحياة على سطح كوكب”[3]. وأضافا أنه من المدهش “من بين كل الكواكب والأقمار في مجموعتنا الشمسية، فإن الألواح التكتونية موجودة فقط على الأرض”[4]. وفي الحقيقة فإن أي جسم سماوي سيحتاج إلى محيطات ماء كمطلب أساسي للألواح التكتونية، وذلك لتسهيل حركة الألواح.

وعندما سألت جونزاليز لماذا تعتبر الألواح التكتونية مهمة جداً، بدأ في وصف سلسلة غير محتملة من العمليات الطبيعية عالية التنسيق تركتني مندهشاً مرة أخرى لمدى تعديل كوكبنا حقاً.

قال: “إن الألواح التكتونية لا تساعد فقط على تنمية القارات والجبال – التي تمنع وجود عالم مائي، لكنها أيضاً تطرد ثاني أكسيد الكربون على الأرض؛ أي دورة الصخور. وهذا أمر ضروري لتنظيم البيئة من خلال توازن غازات الصوب الزجاجية، والحفاظ على درجة حرارة الكوكب في مستوى الحياة”.

وكما ترى، فإن غازات الصوب الزجاجية، مثل ثاني أكسيد الكربون، تمتص طاقة الأشعة تحت الحمراء، وتساعد على تدفئة الكوكب. وهذا يوضح مدى أهميتها الحاسمة. والمشكلة هي أن تركيزها في الغلاف الجوي يكون بحاجة إلى التنظيم بينما تسطع الشمس ببطء. وإلا لن تتمكن الأرض من تثبيت درجة حرارة سطحها، وهذا ما سيؤدي لكوارث.

“إن الألواح التكتونية تُدير كسورً من قشرة الأرض – بما فيها الحجر الجيري الذي يتكون من الكالسيوم وثاني أكسيد الكربون وذرات الأوكسجين – حتى تصل إلى غلاف الأرض. وهناك تطلق حرارة الكوكب الداخلية ثاني أكسيد الكربون الذي ينطلق حينها باستمرار إلى الغلاف الجوي من خلال البراكين. إنها عملية معقدة للغاية، لكن النتيجة النهائية تكون بمثابة ترموستات تحفظ توازن الصور الزجاجية ودرجة حرارة سطحنا تحت السيطرة.

“والذي يدفع الألواح التكتونية هي الحرارة الداخلية التي تتولد بالنظائر المشعة – بوتاسيوم 40، ويورانيوم 235، ويورانيوم 238، وثوريوم 232. هذه العناصر المتعمقة في باطن الأرض نتجت أصلاً في السوبرنوفا، وإنتاجها في المجرة يتناقص بمرور الزمن لأن معدل السوبرنوفا يتناقص بمرور الزمن. وهذا سيحد من إنتاج كواكب شبيهة بكوكب الأرض في المستقبل لأنها لن تولد حرارة داخلية كثيرة كما تفعل الأرض.

“وهذا التحلل الإشعاعي يساعد أيضاً في النقل الحراري للحديد السائل المحيط بقلب الأرض، والذي تنتج عنه ظاهرة مدهشة: خلق دينامو يولد بالفعل المجال المغناطيسي للكوكب. والمجال المغناطيسي مهم للحياة على الأرض لأنه يحمينا من الأشعة الكونية ذات الطاقة المنخفضة. وإن لم يكن لدينا ستاراً مغناطيسياً، لكان هناك إشعاع خطير أكثر يصل إلى الغلاف الجوي. وأيضاً فإن جزيئات الريح الشمسية ستتفاعل مباشرة مع الغلاف الأعلى، وبذلك تزيله، ولا سيما جزيئات الهيدروجين والأوكسجين من الماء. وستكون هذه أخبار سيئة لأن الماء سيُفقد بسرعة أكثر”.

“والآن، هل تتذكر أنني قلب إن الألواح التكتونية تساعد على تنظيم درجة الحرارة الكونية بموازنة غازات الصوب الزجاجية؟ حسناً، هناك أيضاً ترموستات طبيعي آخر يسمى ألبيدو الأرض *The Earth’s albedo”. وكلمة albedo تشير إلى نسبة ضوء الشمس التي يعكسها كوكب. والأرض بها مجموعة غنية من مصادر ألبيدو – المحيطات، والقمم الجليدية القطبية، وأعماق القارات، بما فيها الصحاري – تساعد على تنظيم المناخ. وأي ضوء لا تعكسه الأرض يُمتص، وهذا معناه أن السطح يسخن”.

“وهذا يُنظم من خلال احدى الميكانيزمات الطبيعية للأرض. ومثال ذلك، بعض الطحالب البحرية تنتج كبريتات ثنائية المثيل dimethyl sulfide. وهذا يساعد على تكوين نواة تكثيف السحب؛ وهي جزيئات صغيرة في الغلاف الجوي الذي يمكن أن يتكثف حولها المياه لتكوين قطرات سحب”.

“وإن تعرض المحيط للدفء الشديد، سرعان ما تقوم هذه الطحالب بإعادة إنتاج وإطلاق المزيد من الكبريتات ثنائية المثيل، وهذا ما يؤدي إلى تركيز أكبر من CCN، ونسبة أعلى من الألبيدو للسحب البحرية الرمادية. وألبيدو السحب المرتفعة بدوره يبرد المحيط من أسفل، ومن هنا يقلل المعدل الذي تعيد به الطحالب إنتاجها. ولهذا يتيح ذلك ترموستات طبيعية”[5].

“ومن الجانب الآخر، يفتقد المريخ المحيطات، ولهذا لا يحتوي على محتوى الألبيدو هذا. إنه يحتوي فقط صحاري، وقمم جليدية صغيرة، وسحب رقيقة جداً وانفاقية. ولهذا فالمريخ أقل قدرة بكثير على ضبط الألبيدو الخاص به لأن مداره الخاص الأكثر انحرافاً يقربه من الشمس ثم يبعده عنها. وهذا أحد الأسباب في أنه يجتاز درجات حرارة أعلى من الأرض”.

الألواح العملاقة للصخر المتحول التي يُحتمل أنها توازن غازات الصوب، تحلل النظائر المشعة التي تعمل كفرن باطني داعم للحياة، مولد داخلي يولد مجالاً مغناطيسياً يُزيغ المخاطر الكونية، دوائر كهربية بالغة الدقة توحد بين الأحياء والأرصاد الجوية – كان عليّ التوقف والتأمل في العمليات المعقدة المتداخلة التي تدير بكل مهارة بيئة كوكبنا.

كان هذا كله مجرد البداية. علمت أن جونزاليز بإمكانه أن يستمر في حديثه عن ظواهر تعديل أخرى. ومن بينها العمليات الفيزيائية المعقدة التي نتجت عنها مواد خام قيمة استقرت قرب سطح الكوكب، وساهمت في تطورنا التكنولوجي. قال الجيولوجي جورج بريمهول من جامعة كاليفورنيا في بيركلي:

إن خلق المواد الخام ووجودها بالقرب من سطح الأرض هي نتاج ما هو أكثر من مجرد صدفة جيولوجية بسيطة. فوجود سلسلة من الأحداث الكيميائية والفيزيائية التي ظهرت في البيئة الصحيحة وفي السياق الصحيح، وقد تبعتها أحوال مناخية معينة بإمكانه أن يرفع هذه المستويات إلى تركيز عال، وهذا حاسم للغاية لتقدم الحضارة والتكنولوجيا[6].

عندما ربطت هذا كله مع الظروف “الاتفاقية” المتنوعة التي تتضمن موقعنا المتميز في الكون، لم تسعفني الكلمات لأصف إعجابي. فالاقتراح القائل بأن هذا كله مبني على الصدفة الاتفاقية أصبح سخيفاً بالنسبة لي. والعلامات الدالة على التصميم واضحة من أقصى نقطة في الطريق اللبني إلى قلب كوكبنا.

ومع ذلك كان هناك المزيد – بعد جديد تماماً من الأدلة يقترح أن هذا العالم المذهل قد خُلق – جزئياً – حتى يمكننا أن نباشر مغامرة اكتشافه.

قوة كسوف شمسي

تبدأ القصة بحب صريح للكسوف الشمسي والخسوف القمري اللذان ساعدا جيليرمو جونزاليز عندما كان صغيراً لقضاء دراسة طوال حياته لأسرار النجوم.

ولأنه كان مفتوناً بالكسوف الجزئي الذي شهده كأحد هواة الفلك، اشتاق جونزاليز أن يرى ذروة هذا كله: كسوف كلي للشمس، حيث يغطي القمر سطح الشمس. وأخيراً وجد فرصته في العام 1995. فعندما علم بأن كسوفاً للشمس سيحدث في 24 أكتوبر من هذا العام، رتب أحواله حتى يتمكن من أن يشهد الحدث في شمال الهند؛ وهي أحد الأماكن القليلة التي ستشهد الكسوف واضحاً تماماً.

قال لي: “هناك شيء يتعلق بالكسوف هو أن عالم الفلك المتمرس يمكن أن يكون واقفاً بجوار شخص من قرية بعيدة، وكلاهما ستدمع عيونهما. فكلاهما تنتابهما الرهبة. ففي المكان الذي أعددته لرؤية الكسوف، حالما انتهت المرحلة الكلي للكسوف، عندما كان يمكنك رؤية هالة الشمس الجميلة وهي مظلمة نسبياً، فقد هتف الناس تصفق تلقائياً كما لو كانوا يشاهدون عرضاً. لقد كان جميلاً للغاية”.

وقد صور جونزاليز الكسوف، وأجرى حسابات علمية. لكنه لم يكتفي بذلك. فذهنه لم يتمكن من تجاهل فكرة معينة: أن عمليات الكسوف والخسوف يمكن رؤيتها بوضوح من على الأرض أفضل من رؤيتها من على أي كوكب آخر في مجموعتنا الشمسية.

قال: “هناك التقاء مثير للخواص النادرة التي تسمح للناس على الأرض أن يشهدوا عمليات الكسوف الكلية للشمس. ولا يوجد قانون فيزيائي يحتم هذا. في الواقع، من بين الكواكب التسعة بأقمارها التي تزيد عن 63 قمراً في مجموعتنا الشمسية، فإن سطح الأرض هو أفضل مكان يتمكن فيه المشاهدون أن يشهدوا كسوفاً شمسياً كاملاً، وهذا ممكن فقط بالنسبة للمستقبل “القريب”[7].

“والأمر المدهش حقاً هو أن عمليات الكسوف الكامل ممكنة لأن الشمس أكبر من القمر 400 مرة، وهي أيضاً أبعد منه 400 مرة. وهذا التزامن العجيب هو الذي يخلق تماثلاً كاملاً. وبسبب هذا الوضع، ولأن الأرض هي أعمق كوكب ولها قمر، فإن المشاهدين على الأرض بإمكانهم تمييز جو الشمس وهالتها بالتفصيل أفضل من على أي كوكب آخر، وهذا يجعل رؤية عمليات الكسوف هذه ثرية علمياً”.

وقال: “ما أدهشني هو أن نفس مكان وزمان ظهور الكسوف الشمسي الكامل في كوننا يتطابق أيضاً مع نفس مكان وزمان وجود مشاهدين لرؤيتها”.

هذا “التزامن” كان رائعاً جداً بالنسبة لي حتى إنني طلبت منه أن يكرر عبارته الأخيرة قبل أن يواصل حديثه. وبعدما فعل ذلك، أضاف: “الأكثر من ذلك أن عمليات كسوف الشمس الكلية نتجت عنها اكتشافات علمية مهمة كان يمكن أن تكون صعبة إن لم تكن مستحيلة في أماكن أخرى حيث لا تحدث عمليات كسوف”.

“أية اكتشافات؟”

سأقدم لك ثلاثة أمثلة فقط. أولاً، ساعدتنا عمليات الكسوف الشمسية الكلية في معرفة طبيعة النجوم. فعندما استخدم الفلكيون منظار التحليل الطيفي، عرفوا كيف تنتج ألوان الطيف في الشمس، وقد ساعدتهم هذه البيانات فيما بعد في تحليل ألوان طيف النجوم البعيدة”.

“ثانياً، ساعد كسوف شمسي كلي في العام 1919 فريقين من علماء الفلك أن يؤكدوا حقيقة أن الجاذبية تثني الضوء، وكان هذا بمثابة تنبؤ لنظرية النسبية العام لأينشتين. وقد كان هذا الاختبار ممكناً فقط أثناء كسوف شمسي كلي، وأدى للقبول العام لنظرية أينشتين”.

“ثالثاً، قدمت عمليات الكسوف الشمسي الكلي سجلاً تاريخياً مكن علماء الفلك لحساب التغير في دوران الأرض على مدار آلاف السنوات الماضية. وقد ساعدنا هذا في وضع التقاويم القديمة على نظامنا التقويمي الحديث، وهو أمر مهم للغاية”.

أما ريتشاردز – الذي كان يصغي عن كثب – فقال: “الشيء الغامض هو أن نفس الظروف التي تعطينا كوكباً صالحاً للسكنى هي التي تجعل أيضاً من موقعنا هذا مكاناً مدهشاً جداً للقياس والاكتشاف العلمي. ولهذا يمكننا أن نقول بوجود صلة بين هذا القابلية للسكنى والقابلية للقياس”.

“إن الشكل المحدد للأرض والشمس والقمر لا يسمح فقط بعمليات الكسوف الكاملة، لكن نفس هذا الشكل حيوي أيضاً لتدعيم الحياة على الأرض. لقد ناقشنا حتى الآن كيف أن حجم وموقع القمر يُثبت ميلنا، ويزيد من مدّنا، وكيف أن حجم الشمس وبعدنا عنها تجعل أيضاً الحياة ههنا ممكنة”.

واستنتج قائلا ً: “إن فكرتنا الرئيسية هو عدم وجود سبب واضح يدعونا لافتراض أن نفس الخواص النادرة التي تسمح بوجودنا هي أيضاً التي تقدم أيضاً أفضل وضع نهائي لعمل اكتشافات عن العالم من حولنا. وفي الحقيقة، نعتقد أن الأحوال المهيأة للاكتشافات العلمية على الأرض معدلة تماماً حتى إنك ستكون بحاجة إلى قدر كبير من الإيمان كي ترجعها لمجرد الصدفة”.

القابلية للسكنى والقابلية للقياس

بدافع دراستهم لعمليات الكسوف الشمسي الكلي، بدأ جونزاليز وريتشاردز في بحث الالتقاء المذهل بين القابلية للسكنى والقابلية للقياس في أوضاع أخرى. وقدما مجموعة كبيرة من الأمثلة التي رفعت من دهشتهما.

قال جونزاليز: “على سبيل المثال، نحن لا نسكن فقط موقعاً في الطريق اللبني الذي تتصادف ملائمته للحياة، لكن موقعنا أيضاً يتيح لنا أفضل خطة كلية لعمل مجموعة متنوعة من الاكتشافات لعلماء الفلك وعلماء الكونيات. إن موقعنا بعيداً عن مركز المجرة، وفي المكان المستوي من القرص يعطينا أفضلية خاصة لملاحظة النجوم القريبة والبعيدة”.

“ونحن أيضاً في مكان ممتاز لكشف الإشعاع الخلفي الكوني الذي يمثل أهمية قصوى لأنه ساعدنا على إدراك أن كوننا كانت له بداية في الانفجار العظيم. والاشعاع الخلفي يحتوي على معلومات قيمة للغاية عن خواص الكون عندما كان عمره 300,000 عام. وليست هناك طريقة أخرى للحصول على هذه البيانات. وإن كنا في مكان آخر في المجرة، لأعيقت قدرتنا على اكتشافها بدرجة شديدة جداً”.

وقدم ريتشاردز توضيحات أخرى قائلاً: “إن القمر يُثبت ميل الأرض، وهذا ما يُعطينا مناخاً مهيأً للحياة، ويحافظ أيضاً على مستودعات كميات الجليد العميقة في المناطق القطبية. وهي المستودعات بمثابة بيانات قيمة للغاية بالنسبة للعلماء.

“بأخذ عينات من أعماق الجليد، يمكن للباحثين جمع بيانات ترجع إلى مئات الآلاف من السنين. فأعماق الجليد يمكن أن تخبرنا عن تاريخ سقوط الجليد، وعن درجات الحرارة، والرياح القريبة من المناطق القطبية، وكمية الغبار البركاني، والميثان، وثاني أكسيد الكربون الموجود بالغلاف الجوي, وتسجل دورة البقع الشمسية من خلال تنوعات في تركيز عنصر البيريليوم 10. وتسجل حتى الضعف المؤقت للمجال المغناطيس للأرض منذ 40 ألف سنة مضت. في العام 1979، تعرف العلماء على علاقة مؤقتة بين نتوءات النيترات في عينة جليدية من المحيط القطبي الجنوبي وبين سوبرنوفا قريب. وبأخذ عينات من مكان أكثر عمقاً، فمن الممكن فهرسة كل السوبرنوفا القريبة على مدار مئات الآلاف من السنين الماضية وبدون هذا لكان الأمر مستحيلاً”.

قال ريتشاردز إن مثالاً آخر للعلاقة الغريبة بين القابلية للسكنى والقابلية للقياس هو وضوح غلافنا الجوي. “إن عمليات أيض الكائنات الأرقى تتطلب ما بين 10٪ إلى 20٪ من الأوكسجين الموجود في الغلاف الجوي؛ وهي أيضاً الكمية المطلوبة لتسهيل الحريق، مما يسمح بتطوير التكنولوجيا”[8]. ولكن هذا يحدث كثيراً لدرجة أن بنية غلافنا الجوي تمنحه أيضاً الشفافية، التي ما كانت لتحصل عليها إن كانت غنية بالذرات التي تحتوي على الكربون كالميثان. والغلاف الجوي الشفاف يسمح بنمو علمي الفلك والكونيات”.

فقلت: “مهلاً، ألا يتسبب بخار الماء في غلافنا الجوي في إحداث غيوم قد تعطل علم الفلك؟ ولهذا السبب فإن وضع تلسكوب في الفضاء كان بمثابة إنجاز هائل”.

فقال جونزاليز: “في الواقع، يفضل الفلكيون غلافاً جوياً غائماً جزئياً أكثر من الغائم تماماً، وأو عاصف أو غباري على الدوام. علاوة على ذلك، لا نقصد أن كل حالة من القابلية للقياس مهيأة بصورة فريدة وشخصية على الأرض. فحجتنا تعتمد على ما يسمى بالتفاوض المهياً للأحوال المتنافسة”.

وهذا ما قاله هنري بتروسكي في كتابه “الاختراع بالتصميم Invention by Design”: “التصميم كله يشتمل على أهداف متصارعة ومن ثم اتفاق، وأفضل التصميمات ستكون دائماً تلك التي تخرج بأفضل اتفاق”[9]. وللخروج باكتشافات على مدى واسع من الفروع العلمية، لا يد أن تكون بيئتنا اتفاقاً جيداً لعوامل متنافسة، ونحن نجدها هكذا”.

هناك صلة مدهشة أخرى بين القابلية للسكنى والقابلية للقياس تتضمن الألواح التكتونية. فكما أوضح جونزاليز وريتشاردز سابقاً، فإن الألواح التكتونية أساسية لوجود كوكب قابل للحياة. وهناك نتاج لحركة هذه الألواح القشرية هو الزلازل، والتي بدورها زودت العلماء ببيانات بحثية كان يصعب الحصول عليها بطرق أخرى.

قال ريتشاردز: “قامت الآلاف من أجهزة قياس الزلازل على سطح الكوكب بقياس الزلازل عبر السنين. وفي العقود الأخيرة السابقة، تمكن العلماء من استخدام هذه البيانات لإنتاج خريطة ثلاثية الأبعاد عن بنية باطن الأرض”.

وقال إن الأحوال الاستثنائية التي تخلق بيئة ملائمة للحياة على الأرض كثيراً جداً ما تجعل كوكبنا مناسباً تماماً لرؤية وتحليل وفهم الكون.

وتساءل ريتشاردز: “هل هذه مجرد دعابة كونية؟ هل نحن مجرد محظوظين؟ أعتقد أن الحكمة تمتلك القدرة على تمييز الاختلاف بين مجرد الصدفة والنموذج ذي المعنى. فلدينا هنا ما هو أكثر بكثير من مجرد الصدفة. أكثر بكثير.

القياس المنطقي للحياة

قال جونزاليز وريتشاردز إنهما عندما كانا يحاولان تفسير وجود الحياة، واجها قياساً منطقاً trilemma [قياس منطقي له ثلاث حالات شرطية – المراجع]. الاحتمال الأول هو أن ضرورة طبيعية معينة، كقوانين الفيزياء، تقود بقوة إلى الحياة. ومؤيدو SETI – أي البحث عن ذكاء خارد الأرض – يروق لهم هذا الاحتمال. ومع ذلك فالكثير الكثير من الاكتشافات العلمية تُظهر كم انه من غير المحتمل تماماً ترتيب الشروط الصحيحة للحياة. ويستنتج علماء كثيرون أن الحياة الذكية، على حدها الأدنى، أكثر ندرة مما كنا نعتقد. وفي الحقيقة، قد تفرد بها الأرض فقط.

التفسير الممكن الثاني هو الصدفة: الحياة هي ضربة حظ. اخلق كواكب كافية تدور حول نجوم كافية، وسوف تؤكد الشواذ أن واحداً على الأقل ستكون به حياة. ويبدو أن وورد وبراونلي مؤلفا “الأرض النادرة” ينجذبان لهذا التفسير.

ولكن هناك احتمال ثالث: أن الحياة خلقت. فبعد دراسة كل الحالات النادرة الاستثنائية التي ساهمت في وجود الحياة على الأرض، ثم إضافة الطريقة المدهشة التي تفتح بها هذه الحالات باب الاكتشافات العلمية، وقد وافق جونزاليز وريتشاردز على هذا الاحتمال.

قال ريتشاردز: “أن تكتشف أن لدينا كوناً تكون فيه نفس الأماكن التي نجد فيها ملاحظين هي أيضاً أفضل الأماكن للملاحظة، فهذا مدهش. إني أرى التصميم، ليس فقط في ندرة الحياة في الكون، بل أيضاً في نموذج القابلية للسكنى والقابلية للقياس هذا.”

اتجهت نحو جونزاليز، وسألته: “ما استنتاجك؟”

فأجاب: “استنتاجي بصراحة هو أنا الكون قد صمم للملاحظين الذين يعيشون في أماكن يمكنهم فيها القيام باكتشافات علمية. وقد تكون هناك أغراض أخرى للكون، لكننا على الأقل نعرف أن الاكتشاف العلمي كان واحداً منها”.

فتداخل ريتشاردز قائلاً: “وهذا موجود في التقليد المسيحي. فقد آمن المسيحيون على الدوام بان الله يشهد عن وجوده من خلال كتاب الطبيعة والكتاب المقدس. وفي القرن التاسع عشر أغلق العلم كتاب الطبيعة بفعالية. ولكن الآن، فإن الاكتشافات العلمية الحديثة تفتحه من جديد”.

فتساءلت: “ولكن إن كان الكون قد صمم، ويمكننا استيعاب هذا، فلماذا هو بمثل هذا الاتساع؟ فهناك الكثير من الفراغ. أليس هذا مسرفاً وغير ضروري؟”

فأجاب ريتشاردز: “لأن الكون صمم للاكتشاف؛ فنحن نحتاج إلى ما نكتشفه. إن الكون واسع ونحن صغار، ولكن لدينا الوسيلة لذلك. وهذا هو الأمر المدهش. يمكننا رؤية الإشعاع الخلفي الذي جاء منذ أكثر من عشرة بلايين سنة ضوئية”.

وأضاف جونزاليز: “وبالإضافة إلى ذلك، كنا بحاجة إلى السوبرنوفا لبناء العناصر الثقيلة حتى يمكن أن تتطور الكواكب الحاملة للحياة. وهناك نوع خاص من السوبرنوفا مفيد للغاية “كشمعة معيارية”. وطراز a 1 من السوبرنوفا به “مضيئات مدرجة” حتى يمكننا استخدامها لتحديد المسافات وسبر غور تاريخ امتداد الكون. ومن جديد نرى العلاقة بين القابلية للسكنى والقابلية للقياس.

أبدى ريتشاردز ملاحظة شيقة أخرى، فقال: “ذات مرة اشتكى دارون أن اللقاح لا يمكن أن يكون قد صمم. وبعد ذلك قال: أنظر إلى الإتلاف! ملايين الملايين من الجزيئات تنتج، لكن القليل جداً منها تستخدم في نمو الزهور”.

“ومع ذلك، كان الذي لم يدركه هو أن اللقاح أحد أهم الأدوات التي لدينا في الاكتشافات العلمية في الماضي، جزئياً، لأنه يمكن معرفة تاريخه من خلال كربون 14. وعندما نجد اللقاح في رواسب البحيرات وعينات قلب الجليد، يمكننا أن نستخدمه في قياس مدرى عمر الطبقات المترسبة، وكيف كان المناخ القديم”.

“لقد نظر دارون إلى اللقاح من وجهة نظر بيولوجية فقط، وعندما ننظر إلى الصورة الكلية، سنجد أن له استخدام آخر لم يتوقعه أبداً. وربما ينطبق نفس الشيء في حالات كثيرة أخرى عبر الكون”.

مجموعة من المخلوقات المدللة

رجعت بالكرسي إلى الوراء كما لو كنت قد أكلت وجبة شهية. وهذا ما حدث فعلاً بشكل ما. فقد قدم لي جونزاليز وريتشاردز مأدبة فاخرة – حقيقية وراء أخرى، ودليل يتبعه دليل، واكتشاف بعده آخر، مما أدى في النهاية لاستنتاج مذهل. وفيما كنت جالساً محاولاً استيعاب البيانات، تحول ذهني إلى كتاب “الله والفلكيون God and the Astronomers”، والذي كنت أقرأه في الطائرة قبل لقائنا.

وفي أحد الفصول، يصف جون أوكيفي كيف أنه ذهب إلى المدرسة في سن الرابعة عشرة، وبدأ الدخول في مجادلات مع زملائه عن الله. وقد حولته هذه المواجهات إلى الفلك؛ وهو مجال كان العلماء يبدأون فيه اكتشاف أدلة جديدة ومثيرة عن إمكانية وجود خالق.

وبعد حصوله على درجات علمية من جامعتي هارفارد وشيكاغو، واصل أوكيفي المسيرة ليصبح فلكياً مشهوراً وأحد رواد أبحاث الفضاء. وقد دعاه الراحل يوجين شوميكر “الأب الروحي للجيولوجيا الفلكية” وقد حصل على الكثير من الشهادات الفخرية، بما فيها أعلى وسام من مركز جودارد للطيران الفضائي Goddard Space Flight Center، وهو معروف باكتشافات مذهلة كثيرة في بحثه العلمي في وكالة ناسا NASA[10].

وقد كانت اكتشافات الفلك هي التي دعمت إيمان أوكيفي بالله. ففي احدى المرات أجرى بعض الحسابات لتقدير احتمال الأحوال الصحيحة لوجود الحياة في مكان آخر. واستنتج أنه إن كانت افتراضاته صحيحة، فبناءً على الاحتمالات الرياضية، “فإن كوكباً واحداً في الكون توجد فيه حياة ذكية. ونحن نعرف كوكباً واحداً، وهو الأرض، ولكن ليس مؤكداّ أن هناك كواكب أخرى كثيرة، وربما لا توجد كواكب أخرى”[11].

قال اوكيفي إنه لن يواجه أية مشكلة لاهوتية لو كانت هناك حضارات أخرى بالفعل. وهذا هو موقف كثير من المسيحيين[12]. فمن المؤكد أن الله كان بإمكانه خلق كواكب أخرى مأهولة بالحياة لا يكشفها الكتاب المقدس. لكن عدم الاحتمالية المطلقة بأن تكون التزامنات هي التي تعاونت على خلق الحياة على الأرض قادت أوكيفي لهذا الاستنتاج:

نحن – بالمقاييس الفلكية – مجموعة مخلوقات مرفهة مدللة، والادعاء الداروني بأننا الذين فعلنا ذلك بأنفسنا ادعاء سخيف كمجهود شجاع لطفل يقف على قدميه ويرفض يد أمه. فإن لم يكن الكون قد صنع بأقصى مستوى من الدقة، لما كنا قد أتينا إلى الوجود. ورؤيتي هي أن هذه الظروف تشير إلى أن الكون قد خلق من أجل الإنسان كي يعيش فيه[13].

ومن أجل الإنسانية كي تستكشف. إن اكتشافات جونزاليز وريتشاردز أن الكون قد صمم للاكتشاف قد أضافت قوياً للدليل المؤيد لوجود خالق. وبصراحة، فإن تحليلهما يشكل معنى.

فإن كان الله قد بنى موطناً مدهشاً لخليقته بكل الدقة، والعناية، والحب، والدهشة، سيكون من الطبيعي بالنسبة له أن يريد منهم أن يستكشفوه، ويقيسوه، ويتحروه، ويقدروه، ويكون مصدر وحي لهم، وفوق كل هذا، والأهم، أن يجدوه من خلاله.

* تأثير العوامل الجوية في ألوان الأشياء المعرضة لها من حيث التركيب أو الشكل.

* التكتونية Tectonics هي علم تشكل الصخور.

[1] Ibid., 5-6.  

[2] Quoted in Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth, 266.

[3] Ibid., 220. For an Excellent discussion of the importance of plate tectonics, 191-220.

[4] Ibid.

* مصطلح ألبيدو يشير إلى انكسار الضوء الذي يعكسه جسم أو سطح. ويستخدم عموماً في الفيزياء لوصف الخواص العاكسة للكواكب أو الأقمار أو الكويكبات. فالأسطح البيضاء بها ألبيدو قريبة من ا والأسطح السوداء بها ألبيدو قريبة من صفر.

[5] See: R. J. Charlson, J. E. Loverloek, M. O. Andres, and S. G. Warren, “Oceanic Phytoplankton, atmospheric sulfur, cloud albedo and climate,” Nature 326 (1987); and R. J. Charlson et al., “Reshaping the Theory of cloud formation,” Science 293 (2001).

[6] “The Genesis of Ores,” Scientific American, May, 1991.

[7] Gonzaler noted that one of Sturn’s moons, Prometheus, comes close, but it’s shaped like a potato and results n eclipses that last less than a second.

[8] See Michael J. Denton, Nature’s destiny, 117.  

[9] Henry petroski, Invention by Design (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1996), 30.

[10] See: www.geocities.com/CapeCanaveral/Campus/4764/OKeefeObitEOS. pdf (accessed June 1, 2003).

[11] John A. O’keefe, “The Theological Impact of the New Cosmology” in: Robert Jastrow, God and the Astronomers (New York: W. W. Norton, 1992), 122.

[12] Astronomer Hugh Ross Makes an Interesting related observation. He cites seven reasons to believe why it’s lidely that micro-organisms form Earth have ended up on Mars. Based on “the transportability and survivability of Earth’s life forms,” he said that “there are many reasons to believe that millions of Earth’s minute creatures have been deposited on the surface of Mars and other solar system planets.” He said Mars’s inhospitable environment would make germination of such life unlikely, and “thus <adult> organisms should be quite rare on Mars.” He added: “The discovery of microbial life and creatures perhaps as large as nematodes on Mars – a discovery we can expect as technology continres to advance – will probably be touted as proof of naturalistic evolution, when in truth it proves nothing of the kind. It will prove something, However, about the amazing vitality of what God created.” See Hugh Ross, The Creator and the Cosmos (Colorado Springs: Navpress,1993), 144-46.

[13] John A. O’Keefe, “The Theological Impact of the New Cosmology,” In Robert Jastrow, God and the Astronomes, 118 (emphases added).

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 3 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 2 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 2 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 2 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 2 – لي ستروبل

العيش في المنطقة الآمنة

قادني تفسير جونزاليز للتساؤل عن مدى ملائمة أماكن أخرى لاستضافة حياة ذكية. كنت أعرف أن هناك ثلاثة أنواع أساسية من المجرات في كوننا. أولاً، هناك المجرات اللولبية مثل مجرتنا الطريق اللبني. وهذه يسودها نتوء كروي وطبق له “أذرع لولبية” تمتد للخارج من النواة بطريقة لولبية في شكل دولاب هوائي سماوي. ثانياً، هناك المجرات البيضاوية التي لها شكل البيضة. وثالثاً، هناك المجرات البيضاوية التي لها شكل البيضة. وثالثاً، هناك المجرات الشاذة التي تبدو غير منظمة ومشوهة. طلبت من جونزاليز تقييم الإمكانية الحاملة للحياة لكل منها.

فقال بنغمة احترافية: “إن نوعية مجرتنا تدعو بالتأكيد للإقامة لأنه يتيح مناطق آمنة. والأرض موجودة في منطقة آمنة، ولهذا تمكنت الحياة من الازدهار هنا”.

“كما ترى، فإن للمجرات درجات متنوعة من تكوين النجوم؛ حيث تتحد غازات ما بين النجوم لتكوين النجوم، والمجموعات النجمية، ونجوم ضخمة تنفجر كسوبرنوفا. والأماكن التي ينشط فيها تكوني النجوم خطرة للغاية حيث نتفجر فيها السوبرنوفا بمعدل مرتفع نوعاً. وفي مجرتنا، فإن تلك الأماكن الخطرة تقع أساساً في الأذرع اللولبية، حيث توجد أيضاً سحب جزيئية عملاقة خطرة. ومن حسن حظنا – رغم كل هذا – أننا موجودين في أمان بين الذراعين اللولبيين برج القوس وفرساوس”.

“علاوة على ذلك، فنحن بعيدون جداً عن نواة المجرة التي تعتبر أيضاً مكان خطر. ونحن نعلم الآن بوجود ثقب أسود هائل في مركز مجرتنا. في الواقع، فإن تلسكوب هابل الفضائي اكتشف أن كل مجرة كبيرة قريبة تقريباً بها ثقب أسود عملاق في نواتها. وصدقني، هذه أشياء خطرة للغاية!”

“إن معظم الثقوب السوداء – في أي وقت محدد – غير نشطة ولكن حتى اقترب منها أي شيء أو سقط فيها، فإنه يتمزق بقوى المد الشديدة. تنطلق طاقة هائلة – أشعة جاما، وأشعة X، وإشعاع جزيئي – وأي شيء في داخل المجرة سيتعرض لمستويات مرتفعة من الإشعاع. وهذا أمر خطير جداً لأشكال الحياة. كما أن مركز المجرة هو خطير أيضاً لأن هناك المزيد من السوبرنوفا تتفجر في المنطقة”.

“أمر آخر هو أن تركيب مجرة لولبية يتغير بينما تخرج من المركز. ووفرة العناصر الثقيلة يكون أكثر نحو المركز، لأنه في هذا المكان كان تكوين النجوم أكثر نشاطاً عبر تاريخ المجرة. وهكذا تمكنت من طهي الهيدروجين والهيليوم إلى عناصر ثقيلة بسرعة أكثر، في حين أنه في القرص الخارجي للمجرة، كان تكوين النجوم يتم ببطء أكثر عبر السنين، ولهذا فإن وفرة العناصر الثقيلة ليست في نفس الارتفاع. ومن هنا، فالمناطق الخارجية للقرص أقل احتمالاً لاستضافة كواكب من طراز كوكب الأرض”.

“والآن، اربط هذا كله معاً – المنطقة الداخلية للمجرة أكثر خطورة من الإشعاع والتهديدات الأخرى: والجزء الخارجي من المجرة لن يتمكن من تكوين كواكب ككوكب الأرض لأن العناصر الثقيلة ليس متوافرة بشكل كاف، وأنا لم أذكر حتى كيف أن القرص الرقيق لمجرتنا يساعد شمسنا في البقاء في مدارها الدائري المناسب. فإن مداراً منحرفاً تماماً كان من الممكن أن يجعلها تعبر الأذرع اللولبية لتذهب إلى المناطق الداخلية الخطرة من المجرة، ولكن لأنها دائرية فإنها تبقى في المنطقة الآمنة”.

ثم أضاف بنبرة انتصار نوعاً ما: “وهذا كله يعمل معاً لخلق منطقة آمنة ضيقة يمكن وجود كواكب داعمة للحياة فيها”.

فحص النجوم بحثاً عن حياة

فجأة، كانت الأرض تبدو خاصة بشكل رائع، وقد استقرت كما لو أنها شظية من الفضاء تمنحها سماء آمنة من أي تهديد آخر في مجرة الطريق اللبني. ولكن ماذا عن الأنواع الأخرى من المجرات؟ هل من الممكن أيضاً أنها تقدم جيران خاليين من التهديد بالنسبة للكواكب المأهولة؟

سألت جونزاليز: “ماذا عن المجرات البيضاوية؟ هل لديها إمكانية استضافة حياة؟”

فأوضح قائلاً: “إن المجرات البيضاوية تبدو غير متبلورة ولها شكل بيضاوي، ونجومها لها مدارات عشوائية جداً كالنحل الذي يستعمر خلية. ومشكلة الحياة في هذه المجرات هي أن النجوم تزور كل منطقة، وهذا يعني أنها تزور بالضرورة المناطق الداخلية الكثيفة الخطرة، حيث قد يكون ثقب أسود نشيطاً. وعلى أي الأحوال، يقل احتمال أن تجد كواكب مثل الأرض في المجرات البيضاوية لأن معظمها يفتقد العناصر الثقيلة الضرورية لتكوينها”.

كانت هذه نقطة هامة، لأنني كنت أعلم أن معظم المجرات تقع في تصنيف المجرات البيضاوية.

واستطرد جونزاليز: “معظم المجرات البيضاوية أقل كتلة وإضاءة من مجرتنا. فمجرتنا هي أعلى المجرات كتلة وإضاءة بنسبة 1٪ أو 2٪. وكلما كانت المجرة أكبر كلما أمكن احتوائها على عناصر ثقيلة، لأن جاذبيتها الأقوى يمكنها جذب كمية أكبر من الهيدورجين والهيليوم، وتدوير ليناء عناصر ثقيلة. أما في المجرات منخفضة الكتلة، والتي تكون الغالبية العظمى، فيمكنك أن تجد مجرات بأكملها دون أن تجد فيها كوكباً واحداً يشبه كوكب الأرض. فليس لديها ما يكفي من العناصر الثقيلة لبناء الأرض. تماماً كمجموعة كروية – يمكنك أن تجد مجموعة كروية كاملة بمئات الآلاف من النجوم، ومع ذلك لا تكون أرضاً واحدة.

“إذا نظرت إلى أعمق الصور التقطها تلسكوب هابل الفضائي، فإنها توضح آلاف المجرات عندما كان الكون وليداً حقاً. وقد علق الناس: “يا للدهشة، انظروا إلى كل تلك المجرات! وإني أتساءل كيف تنظر إلينا حضارات كثيرة؟ في تلك الصورة، سأقول صفراً. آلاف وآلاف وآلاف من المجرات، ولكن لا أرض واحدة، لأن العناصر الأثقل لم تبن بعد ما هو كافي”.

فقاطع ريتشاردز الحوار: “بالطبع نحن لا ننظر إلى هذه المجرات كما هي موجودة الآن، لكننا ننظر إلى الماضي، 9 بليون سنة مضت مثلاً. من الممكن أن تكون بعض تلك المجرات موجودة الآن في نفس حالة الطريق اللبني. ولا نعلم هذا على وجه اليقين”.

وأضاف جونزاليز: “ولكن هذا كان في الماضي حين كانت خطرة للغاية، لأنها كانت فترة النجوم الزائفة، وانطلاق السوبرنوفا، والثقوب السوداء. وحتى إن كانت لديك مناطق قليلة في المجرة كانت فيها عناصر ثقيلة كافية لبناء كوكباً كالأرض، لكانت قد أضاءت بقوة شديدة لا تسمح بوجود حياة”.

بتقرير أن المجرات البيضاوية مواقع غير محتملة لإنشاء حضارات، اتجهت لتصنيف آخر من المجرات يدعى المجرات الشاذة. وتساءلت: “ما مدى إمكانية وجود حياة فيها؟”

“كالمجرات البيضاوية، لا تتيح أيضاً مكاناً آمناً. في الواقع هي أسوء حالاً. فهي مشوهة وممزقة، وقد انطلقت من السوبرنوفا من خلالها. وليست هناك أماكن آمنة تنفجر فيها سوبرنوفا أقل كما هو الحال في الأذرع اللولبية لمجرتنا.

“ما زال علماء الفلك يكتشفون تهديدات جديدة للحياة. فمثلاً، نحن نتعلم أكثر عن انفجارات أشعة جاما، والتي هي أقوى من السوبرنوفا. فإن اقترب إليك أحدها، لانطفأت الأضواء. ولهذا فاحتمالية وجود حضارات في أماكن أخرى تتضاءل بينما نعرف التهديدات الجديدة التي لم نكن نعرفها من قبل.”

سألته: “ما رأيك إذا عن موقع الأرض في الكون؟”

فقال جونزاليز: “بمصطلحات القابلية للحياة، أعتقد أننا في أفضل مكان ممكن. وهذا لأن موقعنا يتيح القوالب البنائية الكافية لنشأة أرض. بينما يتيح مستوى أقل من التهديدات للحياة. وبصراحة لا يمكنني ان أعطيك مثالاً عن مكان آخر في المجرة صالح للحياة مثل موقعنا. أحياناً ما يقول الناس إنه بإمكانك أن تكون في أي جزء من أية مجرة. حسناً، لقد درست المناطق الأخرى – الأذرع اللولبية، ومراكز المجرات، والمجموعات الكروية، وحافة الأقراص – وبغض النظر عن مواقعها، وجدت أنها لا تصلح للحياة. لا أعتقد بوجود أي مكان أفضل مما نحن فيه الآن”.

فقلت: “هذا يدعو للسخرية. إنه عكس المبدأ الكوبرنيكي”.

فاتفق ريتشاردز قائلاً: “لقد كانت دعاية المبدأ الكوبرنيكي هي أن مسيرة العلم الطويلة أظهرت كم أن حالتنا مألوفة وعادية. لكن الميل في الاتجاه المعاكس. فكلما تجمع التهديدات التي نكتشفها في معظم الأماكن في الكون، وتقارنها بالطرق العديدة التي نبدو فيها في ستر من الأمان، كلما يبدو موقعنا فريداً”.

وقال جونزاليز: “وأشهر مثال هو مجموعتنا الشمسية. فمن حين إلى آخر اعتقد العلماء بوجود حضارات على كل جسم تقريباً من مجموعتنا الشمسية – القمر والمريخ والمشتري”.

“بنى بيرسيفال لاويل مرصده الفلكي الخاص في أريزونا للعثور على هذه الحضارة على المريخ. واقتبس بالفعل من كوبرنيكوس لتبرير اعتقاده بأننا لا يمكن أن نكون الحضارة الوحيدة. والآن غيروا موقفهم لحد القول بأنه ربما يكون هناك تراب طيني بين سطحي المريخ ويوروبا. وحتى هذا الأمر مشكوك فيه جداً. وهكذا اضطروا للتراجع”.

وأشار ريتشاردز: “غالباً ما يصف المبدأ الكوبرنيكي خواصاً غير مهمة. فمن يهتم حقاً ما إذا كنا في مركز المجرة؟ فهذا غير متعلق بالموضوع! أما المهم حقاً فهو ما إذا كنا في المكان الأكثر تناسباً للحياة. وهذا تماماً المكان الذي توجد فيه الأرض”.

الكواكب التي تدور حول النجوم الأخرى

خلال الأعوام القليلة الماضية، تمكن علماء الفلك أخيراً من اكتشاف كواكب تدور حول نجوم أخرى، وكان هذا تأكيد رئيسي لما كان سابقاً فكر شائع. فتساءلت: “ألا يؤكد هذا عدم وجود شيء متميز عن نظامنا العادي ذي الكواكب التسعة؟”

فقال جونزاليز: “سأعترف أن هذا يوضح أن مجموعتنا الشمسية ليست متفردة إن كانت بها كواكب تدور حول نجم. ولكن قبل اكتشاف أول كوكب يدور حول نجم يشبه الشمس في العام 1995، كان التوقع هو أن علماء الفلك سيكتشفون كواكب غازية عملاقة في مدارات دائرية واسعة تشبه المشتري إلى حد كبير. فالمشتري يدور حول الشمس في 12 سنة في مدار دائري تقريباً، بعيداً عن الكواكب الأرضية – عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ”.

“ومع ذلك، نكتشف أن الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى تختلف تماماً عن المشتري. فهي تدور على مدى كامل من المسافات، من مجرد كسر بسيط من الوحدة الفلكية – التي هي المسافة بين الأرض والشمس – إلى وحدات فلكية كثيرة. ومعظم مداراتها بيضاوية إلى حد كبير، وقليل جداً منها دائرية. وهذه المدارات غير الدائرية أدهشت علماء الفلك بشدة. فبسبب أنها أيدت المبدأ الكوبرنيكي بقوة، فقد توقعوا أن الأنظمة الكوكبية الأخرى ستكون مثل كوكبنا. وهذا التوقع انهار تماماً”.

فسألت: “وما خطأ مدار بيضاوي لتلك الأنواع من الكواكب؟”

فرد جونزاليز: “إنه يفرض مشكلة ملائمة الإقامة بالنسبة لأية كواكب أرضية في نظامها، لأنه يجعلها أقل احتمالاً لأن تكون بها مدارات دائرية مستقرة. فمثلاً، مدار الأرض هو دورة كاملة تقريباً. وكوكب بكتلة الأرض سيكون حساساً لأي من الكواكب الغازية العملاقة إن كانت لها مدارات منحرفة أكثر. إن مدار الكوكب الشبيه بالأرض سيتأثر، فيجعله أقل دوراناً، ومن هنا يُعرض الكوكب لتنوعات خطرة في درجة حرارة السطح”.

فقلت: “إذاً، إن كان للمشتري مداراً أكثر بيضاوية، فلن يتمكن كوكب الأرض من الاحتفاظ بمدار في نفس مستوى الدائرية ويتمتع بدرجة الحرارة الثابتة وبالمناخ المتوقع الذي يصاحب ذلك”.

فقال: “هذا صحيح. في الواقع، حتى التنوعات الصغيرة في مدارنا الدائري تقريباً يمكنها إنتاج عصور جليدية، لأن درجة الحرارة تتغير على سطح الكوكب. وعلينا أن نحتفظ بمدار دائري بقدر المستطاع لكي نحتفظ بدرجة حرارة ثابتة نسبياً. وهذا ممكن فقط لأن مدار المشتري ليس بيضاوياً جداً، ولهذا فهو لا يهدد بتشويه مدارنا الدائري”.

احتمال الضربات الموجهة للأرض

بينما كنا نناقش نظام مجموعتنا الشمسية، أردت التعمق في عوامل “محلية” أخرى تجعل من كوننا صالحاً للسكنى. فتساءلت: “ماذا في مجموعتنا الشمسية يسهم بالحياة على الأرض؟”

فقال جونزاليز: “مقدار مذهل. فعلى التوالي يتعلم علماء الفلك كيف أن الكواكب الأخرى تناقض قابلية الأرض للمعيشة. فمثلاً، أوضح جورج ويزريل من معهد كارنيجي في العام 1994 أن المشتري – الذي هو أكبر من كتلة الأرض بمقدار 300 مرة – هو بمثابة درع يحمينا من تأثيرات مذنبات قريبة جداً. فهو يُزيغ المذنبات حقاً ويُبعد كثيراً منها من القدوم إلى داخل المجموعة الشمسية، حيث يمكنها الاصطدام بالأرض مما يؤدي بعواقب تقضي على الحياة”.

“وقد اتضح هذا بطريقة بديعة باصطدام المذنب Shoemaker Levy بالمشتري في يوليو من العام 1994. فقد تجنب هذا المذنب بقوة الجذب الهائلة التي لكوكب المشتري، وتحطم إلى أجزاء، كان كل منها تضرب المشتري. وحتى كوكب زحل وأورانوس يشتركان في هذا النوع من اصطياد المذنبات”.

“وبالإضافة إلى ذلك، فالكواكب الأخرى في مجموعتنا الشمسية الداخلية تحمينا من أن نُقذف بكويكبات من الحزام الكويكبي. فالكويكبات تقع في أغلبها بين مداري المريخ والمشتري. وخطنا الدفاعي الأول هو المريخ لأنه يقع على طرف حزام الكويكبات. فهو يتحمل عنا ضربات كثيرة. وهكذا يفعل كوكب الزهرة. أن كنت تريد أن تعرف شيئاً عن الأشياء التي قد تضرب الأرض، فانظر إلى سطح القمر. فالقمر، لسوء الحظ، به منطقة سطحية صغيرة للغاية حتى أنها لا يمكنها أن تقدم حماية كثيرة، لكنه سجل جيد”.

فتساءلت: “ماذا عن موقع الأرض في المجموعة الشمسية. وإلى أي مدى يسهم هذا في قابليتها للسكنى؟”

“هناك فكرة صاغها البيولوجيون الفلكيون تسمى بالمنطقة المأهولة حول النجوم Circumstellar Habitable Zone. وهي المنطقة التي حول نجم حيث يمكنك أن تجد الماء السائل على سطح كوكب أرضي. وهذا تقرره كمية الضوء التي تحصل عليها من النجم المضيف”.

“وليس بإمكانك أن تكون قريباً للغاية، وإلا لتبخرت كمية كبيرة من المياه في الغلاف الجوي، وسببت أثراً حاسماً كأثر الصوبة الزجاجية. ونحن نعتقد أن هذا ربما يكون قد حدث لكوكب الزهرة. لكن إن ابتعدت بعيداً جداً، سيصبح الجو بارداً للغاية. فالماء وثاني أكسيد الكربون يتجمدان، وسرعان ما يكون لديك في النهاية جليداً”.

“النقطة الأساسية هي أنه بينما تبتعد عن الشمس، عليك بتزويد محتوى ثاني أكسيد الكربون للغلاف الجوي للكوكب. وهذا ضروري لصد إشعاع الشمس والاحتفاظ بالماء السائل. والمشكلة هي أنه لن يكون هناك أوكسجين كاف لوجود كائنات حية شبيهة بالثديات. فهو موجود فقط في الطرف الداخلي للمنطقة المأهولة حول النجوم؛ حيث يمكن أن يكون لديك قدر منخفض كافي من ثاني أكسيد الكربون مع قدر مرتفع كاف من الأوكسجين لتدعيم الحياة الحيوانية المعقدة. وهذا هو المكان الذي نعيش فيه”.

فتساءلت: “ماذا يحدث لو أن بعد الأرض عن الشمس قد تحرك ب 5٪ مثلاً من أية ناحية؟”

فأتاني رده السريع: “كارثة. فالحياة الحيوانية ستصبح مستحيلة. ومنطقة الحياة الحيوانية في المجموعة الشمسية أضيق مما يتصور معظم الناس”.

وأضاف ريشاردز: “ولهذا السبب تحتاج مداراً دائرياً كمدار الأرض. فأنت لا تريد فقط أن تكون في المنطقة المأهولة حول النجوم قليلاً من القوت، بل باستمرار. ولن يفيدك أبداً وجود ماء سائل لمدة أربعة أشهر ثم يتجمد الكوكب كله مرة ثانية”.

شمسنا فائقة الإنجاز

من الواضح أن مفتاح استمرار الحياة على الأرض هو الشمس التي يمدنا انصهارها النووي – الذي يحدث في مركزها عند درجة حرارة 27 مليون درجة / فهرنهيت – بالدفء والطاقة الدائمة من بعد 93 مليون ميل. ومنذ أن كسوفاً شمسياً وأنا طفل، وقمت بحماية عيني بعناية بملاحظة الظاهرة من خلال صورة في صندوق كرتوني، انجذبت بقوة نحو هذا الكائن الناري الضخم، والذي تصل كتلته إلى 300,000 مرة أكبر من الأرض.

ومع ذلك، كان يقال لي دائماً إن الشمس ليس متفردة في شيء. يقول نص بصراحة: “الشمس نجم عادي ثابت”[1]. وإذا كانت الشمس فعلاً نجم متوسط جداً، ونموذجي جداً، وغير مميز أبداً، فالتضمين المنطقي سيكون أن كثيراً من الكواكب الشبيهة بالأرض الحاملة للحياة لا بد أن تدور حول كثير من الشموس المشابهة عبر الكون.

فقلت لجونزاليز: “يعرف الفلكيون اليوم عن النجوم أكثر من معرفتهم عندما كنت صغيراً. هل ما زال الإجماع على أن الشمس مجرد نجم عادي؟”

فأجاب جونزاليز: “كلا على الإطلاق. فمؤخراً بدأت بعض كتب الفلك الحديثة تقول إن الشمس نجم غير عادي بعد كل هذا. وعلى سبيل المثال، فهي بين نسبة الـ 10٪ من أضخم النجوم في المجرة. وفي الواقع، إن اخترت نجماً بعشوائية، فمن المحتمل أن تختار نجماً أقل حجماً بكثير من الشمس، وعادة ما ستختار نجوم قزمية حمراء، والتي تكوّن حوالي 80٪ من النجوم. وحوالي 8٪ إلى 9٪ تسمى بأقزام G ومعظمها أصغر من الشمس. أما الشمس فهي نجم قزمي أصفر، وتقنياً لها طراز طيفي يسمى G2.

كان تعليقة عن الأقزام الحمراء قد أثار فضولي، فتساءلت: “بما أن النجوم القزمية تسود الكون، فدعنا نتحدث عنها قليلاً. هل هي موصلة لدرجة أن تكون كواكب حاملة للحياة تدور حولها؟”

فقال جونزاليز: “لا أعتقد ذلك”.

“لما لا؟”

“لأسباب عديدة. أولاً، الأقزام الحمراء تقذف معظم إشعاعها في الجزء الأحمر من الطيف، مما يجعل البناء الضوئي أقل كفاءة. وللعمل جيداً، فإن البناء الضوئي يتطلب ضوءً أزرق وأحمر. لكن مشكلة أكبر هي أنك بينما تقلل من كتلة نجم فسوف تقلل أيضاً قوة إضاءته. وعلى الكوكب أن يدور حول هذا النوع من النجوم بقرب أكثر للحصول على حرارة كافية للحفاظ بالماء السائل على سطحه”.

“والمشكلة هي أن قوة المد بين النجم والكوكب تزداد قوة كلما اقتربت منه، ولهذا يهدئ الكوكب من دورانه إلى أن يصل إلى ما يسمى بالحالة المغلقة من ناحية المد. وهذا يعنى أنه يقدم دائماً نفس الوجه نحو النجم. وهذا أمر سيء للغاية لأنه يتسبب في اختلافات كبيرة في درجة الحرارة بين الجانب المضيء والجانب غير المضيء. فالجانب المضيء سيكون جافاً وساخناً بدرجة كبيرة، بينما الجانب غير المضيء سيكون متجمداً وبارداً. وهناك مشكلة أخرى – أن الأقزام الحمراء لها توهجات”.

“لكن الشمس لها توهجات أيضاً”.

“هذا صحيح وشدة التوهجات على الأقزام الحمراء تماثل تقريباً شدة التوهجات على شمسنا. والفرق هو أن الأقزام الحمراء ككل تُطلق ضوءً أقل بكثير، ولهذا فإنها أقل إضاءة بكثير. وهذا معناه بمقارنتها بإضاءة النجم أن نتاج التوهج أعلى”.

فرفعت يدي معارضاً: “لم تفهم ما أقصده”.

فرتب جونزاليز كلماته: “حسناً، دعني أصل إلى النقطة الرئيسية. بالنسبة لهذا النوع من النجوم، فإن التوهجات تتسبب في تنويع إضاءة النجم الكلية. في الواقع، يُطلق عليها علماء الفلك “النجوم المتوهجة”، ويلاحظونها وهي تصير أكثر توهجاً للحظات ثم أكثر خفوتاً من جديد. ونحن لا نهتم كثيراً بالتوهجات الشمسية لشمسنا لأن الشمس مضيئة جداً حتى أن التوهجات تكون مجرد ومضات. وبالكاد يمكنك ملاحظتها”.

وقال ريتشاردز: “وتذكر أننا على بعد 93 مليون ميل من الشمس. فمع قزم أحمر، على كوكبك أن يكون أكثر قرباً من النجم”.

فقال جونزاليز: “هذا صحيح. فزيادة الإضاءة سوف تحدث زيادات في درجة الحرارة على سطح الكوكب السيار. لكن السيء بنفس القدر هو الإشعاع الجزيئي المتزايد الذي سينتج عن التوهجات. فعلى الأرض نحصل على تأثير معتدل جداً يُسمى بمصطلح الريح الشمالي. فعندما يكون هناك توهج على الشمس، فإن الجزيئات تصل أخيراً إلى الأرض، وتدخل المجال المغناطيسي للقطبين الشمالي والجنوبي، ونرى مطلع الريح الشمالي في هيئة هذه الأضواء الجميلة في نصف الكرة الشمالي”.

“ومع ذلك، فإن الإشعاع الجزيئي له تأثير في إزالة درجة الحرارة بسرعة، وبذلك زيادة مستويات الإشعاع على السطح، لكن الأهم هو تدمير طبقة الأوزون التي نحتاج إليها لحمايتنا من الإشعاع. وهذه كله سيكون مميتاً لأية حياة على كوكب قريب من قزم أحمر”.

“وهناك مشكلة أخرى بالنسبة للأقزام الحمراء: إنها لا تنتج أشعة فوق البنفسجية كثيرة؛ والتي نحتاج إليها لبناء الأوكسجين في الغلاف الجوي. ويعتقد العلماء أن الأوكسجين في الغلاف الجوي للأرض تكوّن أولاً من الإشعاع فوق البنفسجي الذي حلل الماء إلى أوكسجين وهيدروجين. وقد سُمح للأوكسجين أن يُبنى في الغلاف الجوي، بينما تسر الهيدروجين في الفضاء لأنه أخف وزناً. لكنك تحصل على قدر قليل من الضوء الأزرق من قزم أحمر، ولهذا فإن هذه الظاهرة لا تقع بهذه السرعة، ولن تحصل على بناء الأوكسجين الذي نحتاجه لتدعيم الحياة”.

“ولحسن الحظ، فإن شمسنا ليست هي الكتلة الصحيحة لوحدها، لكنها تُصدر أيضاً الألوان الصحيحة – مزيجاً متوازناً من الأحمر والأزرق. وفي الواقع، لو كنا ندور حول نجم له كتلة أكبر، اسمه قزم F، لكان هناك إشعاع أزرق أكثر يبني الأكسجين وطبقة الأوزون بطريقة أسرع. ولكن أية مقاطعة سريعة لطبقة الأوزون ستعرض الكوكب لفيضان فوري من الإشعاع فوق البنفسجي الشديد، وهذا ما سيكون مدمراً للحياة”.

“وكذلك النجوم التي لها كتلة أكبر لا تعيش طويلاً، وهذه هي المشكلة الكبرى. فحتى النجوم التي لها كتلة أكبر من الشمس تعيش بضعة بلايين فقط من السنين. ومن المتوقع أن شمسنا تظل لحوالي عشرة بلايين سنة في مسارها الرئيسي، وتقوم بحرق الهيدروجين بطريقة ثابتة، في حين أن النجوم الأكبر بمقدار 10٪ من الكتلة لها معدل حياة أقل على نفس المسار. وبينما هي في نفس المسار، تغير إضاءتها بصورة أسرع. وكل شيء في دروة حياتها يحدث بطريقة أسرع”.

“هل هناك أي شيء آخر يجعل شمسنا غير عادية؟”

“نعم، فالشمس غنية بالمعادن؛ أي أنها تتمتع برصيد أعلى من العناصر الثقيلة مقارنة بنجوم أخرى في عمرها في هذا القطاع من المجرة. وكما يتضح، فإن معدنية الشمس ربما تكون قريبة من الموارد الذهبية لبناء كواكب أرضية مأهولة في حجم الأرض”.

“والشمس أكثر استقراراً بدرجة كبيرة من أكثر النجوم المشابهة. فنتاج ضوئها يتنوع فقط بمقدار 0,1٪ في دورة كاملة، والتي قد تصل إلى 11 عاماً. وهذا ما يمنع المناخ المتطرف يهاجم الأرض”.

“وأمر آخر هو أن مدار الشمس أكثر دائرية في المجرة من أي نجم آخر في عمرها. وهذا يساعد على حفظنا في الأذرع اللولبية الخطرة للمجرة. فإن كان مدار الشمس أكثر مركزية، فمن الممكن أن نتعرض للمخاطر المتعلقة بالمجرة التي ذكرتها سابقاً، مثل انفجارات السوبرنوفا”.

أدركت بعد تعليقات جونزاليز أنني أتطلع إلى سماء الليل المرصعة بالنجوم كما في الماضي. فقد اعتدت على رؤية النجوم كما لو كان يمكن استبدالها؛ وهذا مصطلح قانوني يُفيد بأن واحداً جيداً تماماً كآخر. لكني أفهم الآن لماذا تستبعد الغالبية العظمى من النجوم أوتوماتيكياً باعتبارها قادرة على تدعيم كواكب حاملة للحياة.

على النجم الذي يتمتع بالخواص غير العادية لشمسنا – الكتلة الصحيحة، والضوء الصحيح، والمسافة الصحيحة، والمدار الصحيح، والمجرة الصحيحة، والموقع الصحيح – أن يغذي كائنات حية على كوكب سيار. وهذا ما يجعل شمسنا وكوكبنا نادراً حقاً.

ومثلما انبهرت بالشمس، نظرت في اندهاش أيضاً إلى الجسم السماوي السائد الآخر في سماواتنا؛ أي القمر. وبدافع الفضول لمعرفة ما إذا كان هذا القمر الصخري الجاف يساهم بأي شيء لكوكبه المضيف – بغض النظر عن وحي الشعراء والرومانسيين – انتقلت لتحويل مناقشاتنا لقضايا خاصة بالقمر.

قمرنا الداعم للحياة

منذ قرون مضت كان من المعتقد أن المساحات الصغيرة المظلمة على سطح القمر – المناطق المنخفضة التي غمرتها الحمم البركانية البازلتية – بمثابة محيطات تتيح الماء المانح للحياة لسكانه غير المرئيين. وعُرفت باسم maria؛ وهو الاسم اللاتيني لكلمة “بحار”[2]. واستمر الاسم حتى الآن، فما زلنا مثلاً نشير إلى Mare Tranquilitatis، أي بحر الهدوء.

تطلع يوهان كبلر – فلكي القرن السابع عشر الذي قاوم الثورة الكوبرنيكية – إلى القمر، واعتقد أنه ميز كهوفاً كان مأهولة بسكان القمر. حتى أنه كتب كتاباً تخيل فيه ما عسى أن تكون حياتهم[3]. وبعد قرن من الزمان، اعتقد وليم هيرشل الذي اكتسب شهرة باكتشافه كوكب أورانوس أنه اكتشف مدناً، وطرقاً عامة، وأهرامات على سطح القمر.

ومع نمو المعرفة العلمية، تبددت أحلام وجود حضارات قمرية. واتفق الجميع أن القمر لا يمكنه تدعيم حياة. ومع ذلك، فإن الاكتشافات المدهشة في السنوات الأخيرة أظهرت أن العكس هو الصحيح: إن القمر بالفعل يدعم الحياة – أي حياتنا! فالأدلة العلمية تؤكد كيف أن هذا القمر الجاف منعدم الهواء يسهم بالفعل بطرق غير متوقعة في خلق بيئة مزدهرة مستقرة على الأرض على بُعد ربع مليون ميل.

وعندما سألت جوانزاليز كيف يساعد القمر في تدعيم الحياة على كوكبنا، كان أول ما ذكره هو اكتشاف يعود إلى العام 1993.

قال: “كان هناك اكتشاف ملحوظ بأن القمر يُثبت حقاً ميل محور الأرض. وهذا الميل مسؤول عن الفصول. فأثناء الصيف، في نصف الكرة الشمالي يتجه محور القطب الشمالي أكثر نحو الشمس. وبعد ستة أشهر، عندما تكون الأرض على الجانب الآخر من الشمس، يتجه القطب الجنوبي أكثر نحو الشمس. وعندما تكون ميل الأرض عند درجة 23,5، فهذا يمنحنا فصول معتدلة. ومن هنا فإن استقرار مناخنا يُعزى للقمر”.

“وماذا يحدث لو لم يكن القمر موجوداً؟”

“لتأرجح ميلنا بإفراط كبير، ونتجت انحرافات مناخية رئيسية. وإن وصل ميلنا إلى 90 درجة تقريباً، لتعرض القطب الشمالي للشمس لمدة ستة أشهر بينما يظل القطب الجنوبي في ظلام، ثم يحدث العكس. وبدلاً من ذلك، يتغير بحوالي درجة ونصف فقط؛ وهو تغير طفيف، لأن الجاذبية الناتجة عن مدار القمر تحفظه متزناً”.

واستطرد قائلاً: “إن الحجم الكبير للقمر مقارنة بكوكبه المضيف فريد من نوعه في المجموعة الشمسية الداخلية. فعطارد والزهرة ليس بهما أقمار. أما المريخ فبه قمران صغيران – مجرد كويكبات مجتذبة على الأرجح – ولا يقومان بأي دور في تثبيت محور المريخ. فمحور المريخ قريب حالياً من محور الأرض، ولكن هذا حدث بمجرد الصدفة. فهو يتنوع بالفعل على مدى كبير. وفي الواقع كل هذه الكواكب الثلاثة بها تنوعات فوضوية في ميلانها”.

“ويسهم القمر أيضاً بدور حاسم آخر؛ وهو أن يُزيد مدناً. فالقمر يُسهم بنسبة 60٪، والشمس تسهم بنسبة الـ 40٪ الباقية. والمد له دور مهم بدفع المواد الغذائية من القارات إلى المحيطات، وهذا ما يجعلها أكثر غنى بالمواد الغذائية مما يمكن أن تكون. وقد اكتشف العلماء منذ بضعة سنين أن المد القمري يساعد أيضاً على استمرار دورات المحيط واسعة المدى. وهذا مهم لأن المحيطات تحمل الكثير من الحرارة، وهذا ضروري للحفاظ على درجة الحرارة لدوائر العرض الأعلى معتدلة نسبياً”.

“ماذا يحدث لو كان القمر أكبر حجماً مما هو عليه؟”

“لو كان أكثر كتلة وفي نفس المكان، لكان المد قوياً للغاية، مما يخلق صعاب خطيرة. وكما ترى أن القمر يهدئ من دوران الأرض. فالمد يجذب الأرض ويبطئها قليلاً، وفي نفس الوقت يتحرك في مداره. ويمكننا بالفعل قياس ذلك. فرواد الفضاء تركوا مرايا على القمر، وكان الفلكيون يُسلطون تجاهها أجهزة ليزر منذ أوائل السبعينات. وقد أكدوا ان القمر يتحرك في مداره بمقدار 3,82 سم سنوياً”.

“وإن كان القمر أكثر كتلة، لأبطأ الأرض بدرجة أكبر. لصارت هذه مشكلة، لأنه لو طال النهار، لكانت لديك اختلافات كبيرة في درجة الحرارة بين النهار والليل”.

أكد جميس كاستنج – أستاذ في علم الأرض والمناخ في جامعة ولاية بنسلفانيا – أن “استقرار مناخ الأرض يعتمد بقدر كبير على وجود القمر”. وقال إنه بدون القمر، فإن ميل الأرض من الممكن أن “يتنوع عشوائياً من درجة صفر إلى 85 على مدى زمني من عشرات الملايين من السنين” مما يُحدث نتائج مدمرة”.

“بالنسبة لي، كان الأمر مدهشاً أن القمر “يتصادف” أن يكون بالحجم الصحيح وفي المكان الصحيح كي يسهم في خلق بيئة مناسبة للحياة على الأرض. ومرة أخرى كانت تتراكم المزيد من “التزامنات” التي كانت تجعل من الأصعب تصديق أن مجرد الصدفة يمكن أن تكون مسؤولة عن وجود مجالنا الحيوي الداعم للحياة.

لكن كاستنج قدم ملاحظة أخرى مذهلة تضيف احتمالية مثيرة أخرى إلى الظروف الاستثنائية الحالية. قال: “من المعتقد عامة الآن أن القمر قد تكون نتيجة اصطدام عرضي بجسم في حجم كوكب المريخ أثناء المراحل التالية لتكوين الأرض. وإن كانت مثل هذه التصادمات التي تنشئ قمراً نادرة…. من الممكن أن تكون الكواكب المأهولة نادرة أيضاً هكذا”.

[1] Gunter D. Roth, Stars and Planets (New York: Sterling, 1998), 89.

[2]Pam Spence, General editor, The Universe Revealed (Cambridge: Cambridge University Press, 1999), 40.

[3]David Koerner and Simon LeVay, Here Be Dragons (Oxford: Oxford University Press,2000), 5.

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 2 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 1 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 1 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 1 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 1 – لي ستروبل

جاي ويسلي ريتشاردز الطويل الأشقر، الذي يرتدي بليزر قوات بحرية، فيلسوف في جمعية Ivy League التعليمية يتحدث بطلقات متسارعة في حماسة شديدة. أما جيليرمو جونزاليز، الذي كان يرتدي قميصاً قصير الأكمام، وشعره قصير، فلكي موسوعي يتحدث بنغمات محترفة في موضوعات مثل اتجاهات الوفرة الكيميائية بين نجوم توري Chemical Abundance Trends among RV Tauri Stars”.

اشتركا معاً في تأليف كتاب “الكوكب المميز The Privileged Planet”، الذي يقدم أدلة مذهلة تشير لوجود مصمم للأرض – وعلى الأقل لقصد واضح للبشرية.

جونزاليز معروف شعبياً باسم “فتى النجوم”. بعد تخرجه مع مرتبة الشرف بدرجات علمية في الفلك والفيزياء من جامعة أريزونا، حصل فيما بعد على درجة الماجستير والدكتوراه في الفلك من جامعة واشنطن في سياتل. والآن يعمل أستاذاً مساعداً في جامعة ولاية أيوا. ويتمركز بحثه حول النجوم الكتلية المنخفضة والمتوسطة، والنظريات عن تطور النجوم والكواكب.

إنه عالم مؤثر مصقول الثقافة قضى ساعات لا حصر لها في البحث من خلال التليسكوبات في مرصد Cerro Tololo الفلكي الدولي، على ارتفاع 6600 قدم في تشيلي، وفي أربعة مواقع أخرى. وهو خبير في تحليل المعلومات الضوئية والطيفية. وكعضو في الاتحاد الفلكي الدولي، والزمالة العلمية الأمريكية، فإن جونزاليز المتباعد عن الأضواء والجذاب رأى عشرات من مقالاته منشورة في الصحف التقنية، ومصورة على أغلفة مجلات شهيرة مثل Scientific American.

أما ريتشاردز الأكاديمي المبدع الذي يتمتع بشخصية صادقة متباعدة عن الأضواء، فيحمل ثلاث درجات علمية متقدمة في الفلسفة واللاهوت، بما فيها دكتوراه من معهد برنستون اللاهوتي. وقام بتأليف كتاب الإله الجامح The Untamed God، وبتحرير أو المساهمة في كتب مثل الدفاعيات التي لا يمكن الدفاع عنها Unapologetic Apologetics، وعلامات الذكاء Signs of Intelligence، وهل نحن ماكينات روحية؟  Are we Spiritual Machines?، وظهرت مقالاته في مطبوعات تتراوح من Perspectives on Science and Christian Faith إلى Washington إلى  Princeton Theological Review. وبصفته نائب رئيس معهد Discovery، يعتبر ريتشارد نجماً ساطعاً في حركة التصميم الذكي المتنامية.

كان كل منا بيده مشروب دافئ، وقد تقابلنا في جناح الضيافة في المطار، حيث جلس ريتشاردز وجونزاليز أمامي على مائدة مؤتمرات جرانيتية تحت أضواء فلورسنت في غرفة بسيطة خالية من الديكور. وفيما كنت مستعداً للانطلاق، سمحت لهم جاهداً أن يستقرا في مكانيهما قبل إثارة سؤالي الأول.

مبدأ كوبرنيكوس

التفت ناحية ريتشاردز، وبدأت قائلاً: “لقد تعلمت في المدرسة أن كوكبنا ليس استثنائياً، وأننا ندور حول نجم نموذجي في جزء متوسط وأرضي من الكون، وأنه ليس هناك أمراً خاصاً أو خارقاً بالنسبة للأرض. أليست هذه وجهة نظر معظم العلماء الآن؟”

فأجابني ريتشاردز: “بلى، وهذا ما يُسمى بمبدأ التوسط Principle of Mediocrity أو مبدأ كوبرنيكوس Copernican Principle. افتح أي كتاب فلك تمهيدي، وسترى ذلك مكرراً مراراً لدرجة افتراض أنه ليس هناك شيئاً متميزاً بخصوص موقفنا، أو موقعنا في الكون، أو السمات الخاصة للأرض، أو النظام الشمسي، أو البشر أنفسهم.

فقاطعته قائلاً: “ولكن أليس هذا مناسباً بعض الشيء؟”

فقال: “نعم بالطبع. فنحن لا يجب أن ندعي أن الأرض، أو نظامنا الشمسي، أو شمسنا فريدة بكل طريقة ممكنة. فلن نكون قادرين أن نمارس العلم إن كان كل مكان في الكون له قانون جاذبية مختلف أو لو كانت الذرات لها كتلة مختلفة. فهذا جيد”.

فسألته: “إذاً من أين تأتي المشكلة؟”

“المشكلة هي أن مبداً كوبرنيكوس قد اتخذ شكلاً ميتافيزيقياً أكبر من حجمه، وهو يقول أساساً بأن حالتنا الميتافيزيقية في نفس عدم أهمية موقعنا الفلكي. وبمعنى آخر، نحن لسنا هنا من أجل غرض معين، ولسنا مميزين بأية طريقة، ولا نشغل مكاناً متميزاً في الكون”.

فقاطعته من جديد: “أليس حقيقة أن اكتشاف كوبرنيكوس – أن الشمس لا تدور حول الأرض، بل أن الأرض هي التي تدور حول الشمس – قد حط تماماً من قدر البشرية؟”

فهز ريتشارد رأسه ضجراً كما لو كان قد سمع هذا التعليق مرات، وقال: “لنعد إلى البداية”. ثم وقف، وخلع معطفه، وألقاه فوق كرسي غير مشغول. وفيما استعاد جلسته، واصل كلامه.

“القصة هي أن القدماء– أرسطو، وبطليموس، ومسيحيو القرون الوسطى – اعتقدوا جميعاً أننا كنا في مركز الكون، أي على عرش الكون، وهو أهم مكان يدور حوله كل شيء. ثم جاء كوبرنيكوس وكبلر وقالا إنه يمكنهما تفسير حركة الكواكب بطريقة أفضل بافتراض أن الشمس هي التي في المركز، وأن الكواكب – بما فيها الأرض – تدور حولها. وبهذا نكون قد ابتعدنا عن المركز، وانتقلنا من موقع امتيازنا”.

“كانت هذه بداية مسيرة طويلة للعلم استمرت في التقليل من قدرنا. وفيما بعد قرر العلماء أن الشمس ليس هي مركز الكون، وأننا لسنا في مركز المجرة، وأن الكون نفسه في النهاية ليس له مركز، لأن العلماء اعتقدوا في القرن التاسع عشر أنه لامتناه وأبدي. وبإمكانك أن ترى كيف أن هذا الاتجاه قد ساعدنا في أن نرى أنفسنا أقل فأقل أهمية، وأننا أقل فأقل في مركز الأشياء”.

“ولهذا جاءت الثورة الكوبرنيكية لتمثل الصراع بين العلم والدين. فالخرافة الدينية أبقت على القول بأن الأرض والجنس البشري هما في مركز الكون، مادياً وميتافيزيقياً، لكن العلم الحديث أثبت بطلان هذا”.

“وتجرد البشر من حسهم الزائف بتفردهم وأهميتهم. وبينما استمرت الجماعة الدينية في اصرارها بوجود شيء ما متفرد، وخاص، وله قصد وهدف يتعلق بوجودنا، يحتفظ العلماء بالقول بأن العالم المادي موجود بأكمله، وأن الصدفة والقانون الطبيعية الموضوعي وحده يمكنه تفسير وجوده”.

كنت أتابع ذلك في اتفاق تام. فتقدير ريتشارد كان متناغماً تماماً مع ما تعلمته بالمدرسة. لكنه حينها أضاف القرار الحاسم.

قال وابتسامة خفيفة تتراقص على جانب فمه: “المشكلة هي أن هذا الوصف التاريخي ببساطة وصف زائف”.

تصحيح الوضع

روعني تأكيد ريتشاردز. فقلت: “زائف؟ ماذا تقصد؟ وكيف؟”

فقال: “اقرأ بطليموس، وجاليليو، وكوبرنيكوس، وكبلر. اقرأ دانتي. ستجد في الكوميديا الإلهية Divine Comedy لدانتي ان سطح الأرض مكان متوسط. وقد كان هذا صحيحاً في علم الكونيات الأرسطي الذي تم صبغه بالرؤية المسيحية في العصور الوسطى. فبالنسبة لأرسطو، كان العالم مصنوعاً من الهواء، والأرض، والنار، الماء. والأرض هي الأثقل، ولهذا من الطبيعي أن تسقط إلى القاع”.

“ولهذا لم تكن الأرض في مركز الكون، لأنها كانت في قاعه. وكان هذا نوع من الحوض الكوني. كانت هي المكان الذي تتحلل فيه الأشياء وتموت. كل شيء فوق القمر كان مصنوع من نوع مختلف من المادة – الخلاصة – والله سكن في الغلاف السماوي خارج الغلاف الجوي للنجوم. والإنسان كان في مكان متوسط”.

ثم قال جونزاليز: “ثم عكس دانتي هذه المستويات بينما تسير في الطريق الآخر نحو الجحيم”.

فاستطرد ريتشاردز قائلاً: “تماماً. كانت هناك تسعة مستويات تصعد إلى الله وتقترب من الكمال، ثم تسعة مستويات تقترب من الفساد المطلق نحو الجحيم. وهكذا، في علم كونيات العصور الوسطى، فإن ما نسميه بمركز الكون هو عرش الشيطان. وهذه نقطة مهمة للغاية. فإن تخيلت أن مركز الكون هو عرش الشيطان، وأن الأرض ذاتها هي الحوض الكوني، عندئذ لن يكون هذا هو الشكل الذي عرفنا من خلاله أن مركز الكون قبل كوبرنيكوس كان هو البقعة المتميزة”.

وأضاف جونزاليز: “بعد ذلك أعادت حركة التنوير سرد القصة بالقول بأن الكنيسة، بسبب غرورها، وضعت البشر في المركز”.

فأومأ ريتشاردز قائلاً: “وهذه هي المفارقة. فحركة التنوير هي التي جعلت الإنسان هو مقياس كل شيء. وعندما تفكر في الأمر بجدية، ستجد أن اللاهوت المسيحي لم يضع الإنسان في المركز على الإطلاق. فنحن لدينا دور مهم جداً لنلعبه في هذه الدراما الكونية، ومن أهميته أن الله قد تجسد. ولكن لم تكن القضية أبداً أن كل شيء قد خُلق خصيصاً من أجلنا”.

منذ عدة قرون، قال أوغسطينوس إن الله لم يخلق العالم “من أجل الإنسان” أو بسبب إلزام ما، بل “لأنه أراد”[1]. في الكوميديا الإلهية يتعلم القارئ أن المعنى الفعلي لكوننا موجودين في المركز كان مجرد تحيز. ففي الواقع نكتشف أن كل شيء قد تم ترتيبه حتى يكون الله في المركز الميتافيزيقي؛ أي في المكان ذي الأهمية القصوى.

“وبدلاً من تشويه صورة الأرض، رأى كوبرنيكوس، وجاليليو، وكبلر أن نظامهم الجديد يرفع من شأنها. فمثلاً، يقرض جاليليو الشعر في كيف أن الأرض، كالكواكب الأخرى، تعكس مجد الشمس، وليس فيما بعد حوضاً كونياً[2]. ولهذا ففي التحول من علم كونيات العصور الوسطى إلى رؤية عصر النهضة، ارتقى هذه المنظور الجديد بالإنسان نوعاً ما”.

وقد توصل باحثون تاريخيون آخرون إلى نفس الاستنتاج. فقال أحدهم: “إن النظام الكوبرنيكي، أبعد من أن يكون قد قلل من شأن الإنسان، إلا أنه حطم رؤية أرسطو عن الأرض كحوض كوني، وإن كان قد فعل شيئاً، فإنه ارتقى بالبشرية. فجعل الأرض كوكباً وجسماً سماوياً، شّرف كوبرنيكوس حقاً من قدرها”[3].

لكن شيئاً لم يُضف لي، فتساءلت: “ألم تضطهد الكنيسة كوبرنيكوس، وجاليليو، وجيوردانو برونو لرؤيتهم بأن الأرض كانت تدور حول الشمس؟”

فقال ريتشاردز: “أولاً، يقول البعض إن كوبرنيكوس قد اضطهد، لكن التاريخ يظهر عكس ذلك. في الحقيقة لقد مات بطريقة طبيعية في نفس العام الذي نُشرت فيه أفكاره. أما عن جاليليو، فلا يمكن تحجيم قضيته إلى صراع بسيط بين الحقيقة العلمية والخرافة الدينية. فقد أصر على أن الكنيسة تُقر بآرائه فوراً بدلاً من السماح لها بنوال القبول تدريجياً، وسخر من البابا. إلخ. نعم، لقد وجه له تعنيف رسمي، لكن الكنيسة واصلت منحه معاشه حتى نهاية حياته”.

في الواقع، قال المؤرخ وليم شي: “كانت إدانة جاليليو نتيجة التفاعل المعقد لظروف سياسية معاكسة، وطموحات سياسية، وكبرياء جريحة”[4]. كما لاحظ الباحث التاريخي فيليب سامبسون أن جاليليو بنفسه كان مقتنعاً بأن “السبب الرئيسي” لمتاعبه هو أنه قد “سخر من قداسة” – البابا أربان الثامن – في رسالة العام 1632[5]. أما بالنسبة لمعاقبته، فقد أوضحها ألفريد نورث وايتهد هكذا: “اجتاز جاليليو احتجازاً إنسانياً وتأنيباً مهذباً قبل أن يرقد في سلام على فراشه”[6].

واستطرد ريتشاردز: “أما حالة برونو فكانت محزنة للغاية. فقد أعدم في روما في العام 1600. وبالتأكيد تعد هذه لطخة في تاريخ الكنيسة. ومرة أخرى، كانت هذه قضية معقدة. فآراؤه الكوبرنيكية كانت عرضية. فقد دافع عن مذهب وحدة الوجود، وأعدم بالفعل لآرائه الهرطقية حول الثالوث، والتجسد، وتعاليم أخرى لا علاقة لها بالكوبرنيكية.

“والآن، إليك الفكرة التي أورد تقديمها: إن كنت تريد تطوير المبدأ الكوبرنيكي، فمن المهم جداً أن تجعله يبدو وكأنه متأصلاً في المسيرة التاريخية للعلم. ولكن عندما تنظر حقاً إلى البيانات، فهي ببساطة غير حقيقة. أما مؤلفو كتب الفلك يواصلون تكرار الأسطورة، كأسطورة الأرض مسطحة بينما كان يعتقد أنها كروية. وهذه فكرة خاطئة أيضاً”.

فأضاف جونزاليز: “كان الدارسون يعرفون في ذلك الوقت أنها كروية. فحتى اليونانيون القدامى عرفوا أنها كروية”.

وقال ريتشاردز: “لقد عرفوا ذلك لمدة ألف عام أو أكثر”.

كنت أعلم أنهم على حق في ذلك. فقد قال ديفيد ليندبيرج – الأستاذ السابق في تاريخ العلوم، والمدير الحالي لمعهد البحث في العلوم الإنسانية في جامعة ويسكونسن – في لقاء حديث:

هناك [خرافة] واضحة؛ وهي أنه قبل كولومبس، اعتقد الأوربيون بالإجماع تقريباً بأن الأرض مسطحة – وهو اعتقاد يُزعم أنه مأخوذ عن عبارات كتابية، ومدعم بكنيسة العصور الوسطى. وهذه الأسطورة يبدو أن لها أصل في القرن الثامن عشر، وقد درسها وبسطها واشنطن ايرفنج، الذي ابتدع دليلاً بصورة فاضحة في تاريخه عن كولومبوس الواقع في أربعة مجلدات…. والحقيقة أنه من المستحيل تقريباً أن تجد شخصاً متعلماً بعد أرسطو يشك في أن الأرض كروية. في العصور الوسطى، كان لا يمكنك التخرج من أي نظام تعليمي، مدرسة كاتدرائية أو جامعة، دون أن تكون لديك فكرة واضحة عن كروية الأرض، وحتى قطرها التقريبي”[7].

والآن، بالإضافة إلى تسفيه أسطورة الأرض المسطحة، كان ريتشاردز وجونزاليز يؤكدان أن المبدأ الكوبرنيكي كان مبنياً على تاريخ خاطئ أيضاً.

استطرد ريتشاردز قائلاً: “ولهذا فإن جيليرمو وأنا بدأنا في مشروع لتوثيق ما إذا كان هناك طرق مهمة تكون فيها الأرض خاصة أو استثنائية. ولعمل هذا كان علينا أن نوضح أن مثل هذه المسيرة التاريخية الطويلة للعلم التي توضح أننا لسنا مهمين لا وجود لها. وكان علينا أن نوضح أن التاريخ مخطئ، وأن ما نفعله يقف في التقليد الجيد للعلم، والذي يقول: “هيا نكتشف ماذا يُشبه العالم بأقصى إمكانياتنا”.

“وماذا وجدتما؟”

فتبادل ريتشاردز وجونزاليز النظرات، وبدأ ريتشاردز: “حسناً، لقد تبع العلماء بشكل عام المبدأ الكوبرنيكي بالقول بأن كوكبنا كوكب عادي، وأن الحياة تتكاثر بلا شك في الكون. وأضاف وهو يومئ لرفيقه باستكمال الحوار: “ومع ذلك، فنحن نعتقد أن الدليل هو عكس ذلك تماماً”.

فواصل جونزاليز: “لقد وجدنا أن موقعنا في الكون، وفي مجرتنا، وفي مجموعتنا الشمسية، وأمور أخرى كحجم ودوران الأرض، وكتلة القمر والشمس، إلخ – أي مدى متكامل من العوامل – تتعاون معاً بطريقة مدهشة كي تجعل من الأرض كوكباً صالحاً للإقامة. والأبعد من هذا هو أننا وجدنا أيضاً أن نفس الشروط التي تسمح بالحياة الذكية على الأرض هو التي تجعلها أيضاً مهيأة لاستطلاع وتحليل الكون”.

وأضاف ريتشاردز: “ونحن لا نعتبر هذا حادثاً. ففي الواقع، نحن نثير تساؤل ما إذا كان الكون قد صمم للاستكشاف أم لا.”

المقادير المكونة للحياة

على هذا الأساس، انطلقت لمناقشة أحد الاتجاهات الرئيسية للعلماء الذين يقبلون المبدأ الكوبرنيكي. قلت: “إنهم يعتقدون أنك إن وجدت مكاناً في أية بقعة في الكون يبقى فيه الماء سائلاً لفترة طويلة من الوقت، فسوف تتطور الحياة، على الأرض. أعتقد أنكما لا تتفقان على ذلك”.

فقال جونزاليز: “كلا؛ لا أوافق. حقيقي أنه كي تكون لديك حياة تحتاج ماء – الذي هو المذيب الكوني – كي تحدث التفاعلات، كما هو الحال مع الكربون الذي هو بمثابة الذرة الأساسية لجزيئات الحياة البنائية الناقلة للحياة. لكنك ستكون بحاجة لأشياء أخرى كثيرة. فالبشر يحتاجون 26 عنصراً أساسياً؛ والبكتريا تحتاج حوالي 16 عنصراً. وأشكال الحياة المتوسطة تقع بين هذين الرقمين. والمشكلة هي أنه ولا حتى أي جسم كوكبي سيكون هو مصدر كل هذه المقادير الكيميائية في الأشكال والكميات الضرورية”.

فقاطعت الحديث لتوضيح أن كُتاب الخيال العلمي تمكنوا من تأمل الحياة خارج كوكب الأرض المبنية بصورة مختلفة تماماً، وعلى سبيل المثال، مخلوقات معتمدة على السيلكون بدلاً من الكربون.

كان جونزاليز يهز رأسه مُبدياً رفضه حتى قبل أن أنهي سؤالي، أصر قائلاً: “هذا لا ينفع. فالكيماء أحد مجالات العلم المفهومة جيداً. ونحن نعلم أنه لا يمكنك الحصول على ذرات معينة، وتلصقها معاً برقم كاف وتعقيد كاف كي تعطيك جزيئات كبيرة كما يفعل الكربون. ولا يمكنك تجنب ذلك. كما لا يمكنك الحصول على أنواع أخرى من السوائل لإذابة أنواع مختلفة من الكيماويات كما يمكنك بالماء. وهناك ست خواص مختلفة لكل من الماء والكربون مناسبة للحياة. ولا شيء آخر يقترب من هذا فالسليكون يفشل عن الوصول إلى الكربون.

“ولسوء الحظ، يرى الناس أنه من السهل خلق الحياة. فهم يعتقدون أن وجود الماء السائل أمر كاف، لأنهم يرون أن الحياة مجرد ظاهرة ثانوية مصاحبة – مجرد قطعة من الطين تنمو على قطعة جامدة من الجرانيت. وفي الواقع، فإن جيولوجيا وبيولوجيا الأرض تتفاعل بقوة معاً. ولا يمكنك أن تتصور الأرض كشيء مستقل عن عمليات الكوكب الجيوفيزيائية والجوية. إنها تتفاعل جميعاً بطريقة وثيقة للغاية. ولهذا فأنت لست بحاجة فقط إلى الكيميائيات اللازمة للحياة، بل أيضاً إلى بيئة كونية معدلة لوجود حياة”.

أثار هذا موضوعاً ذا صلة. فالعلماء كانوا يحلمون بجعل كوكباً كالمريخ يشبه كوكب الأرض، وذلك بتغيير بيئته لخلق كوكب يكون أكثر تلاءماً لاستقرار البشر. تساءلت: “هل سيكون هذا الأمر صعباً للغاية؟”

فقال: “بالطبع؛ فمن المجال المغناطيسي إلى التكتونية (عملية التشويه التي تغير شكل قشرة الأرض محدثة القارات والجبال) إلى دورة ثاني أكسيد الكربون – فإن الحياة المستمرة تتوقف على مجموعة من التفاعلات المعقدة للغاية مع الكوكب”.

وأضاف ريتشاردز: “يعتقد الناس عامة أنهم كما يزرعون بذرة وتنمو يكون من السهل أن تخلق البيئة الصحيحة للحياة، لكن هذا أمر مضلل. ومثال جيد على هذا هو المحيط الحيوي المحكم الذي أنشأه بالبعض في أريزونا منذ عدة سنوات مضت. فقد تصوروا أنه من السهل نسبياً أن تخلق بيئة مستقلة صالحة للحياة، لكن الوقت أعاقهم في محاولة تحقيق ذلك”.

فأشرت قائلاً: “لكن الحياة يمكنها أيضاً أن توجد في ظروف صعبة للغاية. فمثلاً، هناك أشكال من الحياة تعيش في فتحتات ساخنة في أعماق البحر. ولا يبدو أنها تحتاج الأوكسجين أو أي دعم آخر من البيئة المحيطة”.

فقال جونزاليز: “بالعكس؛ فالأشياء الوحيدة الموجودة في هذه الأعماق ولا تحتاج للأوكسجين هي بعض الكائنات المجهرية التي تتنفس الميثان. لكن الكائنات الأكبر التي تحتاج إلى تنظمي أيضها* هي التي تتنفس الأوكسجين. فالأوكسجين يأتي من الحياة التي على السطح والطحالب البحرية. ويختلط الأوكسجين مع المحيط وينتقل إلى المياه العميقة. لهذا فإن هذه الكائنات مرتبطة جداً بالسطح وبالنظام البيئي الكامل للكوكب”.

فيما اندهش بعض الكتاب بموضوع العلاقات البيولوجية، والكيميائية، والفيزيائية المتبادلة المعدلة، ذهبوا لتشبيه مجالنا الحيوي بـ “كائن حي فائق” يعيش حقاً. في الواقع، فإن فرضية Gaia التوحيدية لجميس لافلوك تسعى لتأليه كوكبنا. ومع ذلك، قال جونزاليز وريتشاردز إنه ليس ضرورياً المبالغة إلى هذا الحد.

قال ريتشاردز: “رغم هذه التداخلات المذهلة، ليس هناك ما يدعو أي شخص كي يرى الأرض ذاتها ككائن حي، ولا سيما إلهاً أو إلهة”.

ثم انتقل إلى صورة مألوفة تماماً بالنسبة لمن يرون علامات التصميم في آلية الأرض المعقدة المترابطة. وقال: “هذا يشبه تأليه ساعة بسبب خواصها المدهشة بدلاً من النظر إلى صانع الساعة نفسه”.

عالم 13M المعادي

قبلت فكرة أن أنواعاً فقط من البيئية الكونية يمكنها أن تستضيف الحياة ومن الناحية الأخرى، فالكون بتريليونات النجوم وبأجسام أرضية لا حصر لها تدور حولها. وبالتأكيد فإن الشواذ الرياضية تتحيز لنجوم كثيرة تنتج مواطن شبيهة بالأرض – وهذه نقطة تقف ضد فكرة أن الأرض هي متفردة ومن ثم مصممة.

ولكن بينما ترى عيناي غير المدربة كل نجم كما لو كانت له إمكانية متساوية كي يرأس نظام شمسي حامل لحضارة، سرعان ما تعلمت شيئاً مختلفاً بينما واصلت الأسئلة الخاصة بالشروط الضرورية لازدهار الحياة.

التفت إلى جونزاليز، وقلت: “عندما ننظر إلى بلايين النجوم التي تُشكل مجرة الطريق اللبني، ألا يمكننا أن نفترض منطقياً أن الكواكب التي تزدحم بالحياة تغطي كل المكان؟”

فقال بوضوح: “كلا، ليس هذا هو الافتراض المنطقي المبني على الأدلة. فبالاشتراك مع دون براونلي وبيتر وورد من جامعة واشنطن، طورت مفهوماً اسمه منطقة المجرة المأهولة Galactic Habitable Zone؛ وهي منطقة في المجرة يمكن أن تكون فيها كواكب مأهولة. وهكذا لا يمكنك أن تشكل كوكباً مأهولاً في أي مكان؛ فهناك قدر كبير من معوقات الحياة بينما تنتقل من مكان إلى آخر”.

استرجع ذهني الماضي عندما أرسل دريك وساجان رسالتهما الاشعاعية إلى مجموعة النجوم التي تسمى بالمجموعة الكونية 13M. كانت نظريتهما تقول إنه بإرسال تحيتهما عبر مكان مكدس بالنجوم، ستكون هناك فرصة أكبر لالتقاطها بواسطة حضارة ذكية. وعندما سألت جونزاليز عن رأيه في هذه التجربة، كان رده ينم عن عدم الاهتمام.

قال: “المشكلة هي أنه إن كانت احتمالية وجود حياة على أي نجم هي صفر، ستبقى الاحتمالية بالنسبة لكل النجوم صفراً”.

“صفر؟ هناك أكثر من ربع مليون نجم في هذه المجموعة الكونية. ألا تعتقد أن أياً منها يحوي كواكب بها حياة؟”

فأصر قائلاً: “المجموعة الكونية من أسوء الأماكن في المجرة بأكملها التي نتوقع وجود أية حياة فيها”.

“لماذا؟”

“لسببين. أولاً، إن المجموعات الكونية من بين أقدم الأشياء في مجرتنا. وبسبب قدمها العتيق، فإن نجومها لديها وفرة منخفضة جداً من العناصر الثقيلة – الكربون، والنيتروجين، والأوكسجين، والفوسفور، والكالسيوم، إلخ. وبدلاً من ذلك، فإنها مكونة عن آخرها غالباً من الهيدروجين والهيليوم. وبخلاف ذلك، فإن الأرض مكونة من الحديد، والأوكسجين، والماغنيسيوم، والسيليكون. ثم يأتي الكبريت”.

“وكما ترى، فإن الانفجار العظيم قد أنتج أساساً الهيدروجين والهيليوم. وهما الغازان اللذان صنعت منهما أكثر النجوم المبكرة. أما العناصر الأثقل فقد تركبت – أو طُهوت إن شئت – داخل النجوم. وأخيراً، عندما انفجرت هذه النجوم كسوبرنوفا، قذفت هذه العناصر إلى وسط ما بين النجوم. ثم اندمجت في نجوم أخرى طُهوت بها عناصر ثقيلة كثيرة. ثم قُذفت مراراً، وكانت النجوم تحتوي على كميات متزايدة باستمرار من هذه “المعادن” أو العناصر الأثقل”.

“والآن تحتاج هذه العناصر كي تبني أخيراً كواكب أرضية كالأرض. فلأن النجوم القديمة جداً في المجموعات الكونية قد تكونت مبكراً جداً حتى أنها تتكون خصيصاً من الهيدروجين والهيليوم، لن تكون هناك كواكب أخرى تصاحبها. ربما سيكون هناك غبار، أو حبوب او صخور ضخمة، وهذا كل شيء. لن تجد كواكب في حجم الأرض”.

“والمشكلة الثانية هي أن المجموعات الكونية مكتظة تماماً بالنجوم حتى إنها لا تسمح بوجود مدارات ثابتة حولها. والقوة الجاذبية للنجوم ستخلق مدارات بيضاوية تصل بكوكب افتراضي إلى بوردة وحرارة قصوى، وهذا ما سيخلق موقفاً مانعاً للحياة”.

كان تقريره يشكل معنى، لكنه أثارني للتساؤل لماذا ضيع دريك وساجان – الفلكيان المعروفان – وقتهما في محاولة الاتصال بنجوم 13M؟ فهز جونزاليس رأسه عندما سألته هذه السؤال.

قال: “إنه لأمر مدهش حقاً أن يعتقدا بوجود أية فرصة بوجود حضارة تتلقى رسالتهما في مجموعة كونية. كان يجب أن تكون معرفتهما أفضل! بصراحة، أعتقد أنهما خدعا بثقتهما الكاملة في المبدأ الكوبرنيكي الميتافيزيقي – القائل بأن الحياة كانت موجودة في كل مكان في المجرة – حتى أنهما تغاضيا عن الحقائق”.

[1] Quoted in Hans Blumenberg, The Geneses of the Copernican Revolution, Translated by Robert M. Wallace (Cambridge, Mass: MIT Press, 1987), xv.

[2] Galileo Galilei, Sidereus Nuncius, Quoted in Dennis Danielson, The Book of the Cosmos (Cambridge: Perseus, Helix, 2000), 150.

[3] Philip J. Sampson, Six Modern Myths (Downers Grove, III.: InterVarsity, 2000), 33 (emphases added).

[4] William R. Shea, “Galileo and the Church” in: David C. Lindberg asn Ronald L Numbers, editors, God and Nature (Berkeley: University of California Press, 1986, 132.

[5] Philip J. Sampson, Six Modern Myths, 38, citing Jerome J. Langford, Galileo, Science and the Church (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1971), 134.

[6] N. Whiehead, Science and the Modem World Cmbridge: Cambridge University Press, 1946), 2, quoted in Philip J. Sampson, Six Modern Myths, 38.

[7]”Natural Adversaries?” Christian History, 76 (Volume XXI, No, 4), 44.

* الأيض هو العمليات المتصلة ببناء البروتوبلازم؛ ولا سيما الكيميائية في الخلايا الحية.

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 1 – لي ستروبل

حيث يلتقي العلم بالإيمان – لي ستروبل

حيث يلتقي العلم بالإيمان – لي ستروبل

حيث يلتقي العلم بالإيمان – لي ستروبل

حيث يلتقي العلم بالإيمان – لي ستروبل

أؤيد تماماً حواراً بين العلم والدين، ولكن ليس حواراً استدلالياً. فأحد أعظم إنجازات العلم، إن لم يكن أنه قد جعل من المستحيل على إنسان ذكي أن يكون متديناً، فعلى الأقل أنه جعل من الممكن بالنسبة لهم أن لا يكونوا متدينين. ونحن لا يجب أن نتراجع عن هذا الإنجاز.

عالم الطبيعة ستينفن وينبرج[1]

العلم والدين… صديقان لا عدوان، في البحث المشترك عن المعرفة. قد يجد البعض هذا أمراً مدهشاً، لأن هناك شعوراً منتشراً في مجتمعنا أن العقيدة الدينية مهجورة، أو مستحيلة تماماً، في عصر علمي. وأنا لا أوافق على هذا. في الحقيقة، أقول إنه إذا عرف الناس في العصر العلمي” قدراً أكبر عن العلم أكثر مما يعرفه كثيرون منهم، سيجدون أنه من السهل عليهم أن يشاركوني رؤيتي.

عالم الطبيعة واللاهوتي جون بولكنجورن[2]

آلان ركس سانداج – أعظم عالم كونيات في العالم، والذي فك شفرات أسرار النجوم، وفحص غوامض أشباه النجوم، وكشف عمر المجموعات ذات الكرات، وحدد مسافات المجرات البعيدة، وحدد اتساع الكون من خلال عمله في مرصدي جبل ويلسون وبالومار – استعد للتقدم إلى المنصة في مؤتمر في دالاس.

علماء قليلون مقدرين على نطاق واسع مثل هذا التلميذ السابق للفلكي الأسطوري إدوين هوبل. حصل سانداج على درجات علمية شرفية كثيرة من الجمعية الفلكية الأمريكية، والجمعية الفيزيائية السويسرية، والجمعية الفلكية الملكية والأكاديمية السويدية للعلوم، وتلقى المقابل الفلكي لجائزة نوبل. وأطلقت عليه صحيفة نيويورك تايمز لقب “عجوز الكونيات”.

بينما اقترب إلى المنصة في مؤتمر العام 1985 هذا عن العلم والدين، بدا أن هناك بعض الشكوك بخصوص أين سيجلس. كانت المناقشة عن أصل الكون، وكانت لوحة المؤتمر ستوزع بين علماء يؤمنون بالله، وآخرين لا يؤمنون به، وكان كل فريق سيجلس في أحد الجانبين.

كان من المحتمل أن كثيراً من الحضور كانوا يعرفون أن سانداج اليهودي عرقياً كان ملحداً بالفعل حتى في طفولته. وكان كثيرون آخرون يعتقدون دون شك أن عالماً في مثل مكانته لا بد وأن يكون متشككاً عن الله. وكما قالت مجلة نيوزويك: “كلما تعمق العلماء في أسرار الكون، تتوقع أنه كلما خبا الله من قلوبهم وعقولهم”[3]. ولهذا كان مقعد سانداج بين المتشككين جاهزاً.

ثم حدث غير المتوقع. فقد أذهل سانداج الحضور بأخذ مقعده بين المؤمنين. والأكثر ذهولاً، في سياق حديثه عن الانفجار العظيم وتضميناته الفلسفية، أعلن أمام الجميع أنه قرر أن يصير مسيحياً وهو في الخمسين من عمره.

قال للجمهور المندهش إن الانفجار العظيم كان حدث فائق للطبيعة لا يمكن تفسيره في نطاق علم الطبيعة كما نعرفه. لقد أخذنا العلم إلى الحدث الأول، لكنه لا يمكنه أن يأخذنا أكثر إلى العلة الأولى. فالظهور المفاجئ للمادة، والفضاء، والزمن، والطاقة أشار إلى الحاجة إلى نوع ما من السمو.

وقال فيما بعد لمراسل صحفي: “إن علمي هو الذي قادني إلى استنتاج أن العالم أكثر تعقيداً مما يمكن تفسيره بالعلم. فمن خلال ما هو فوق الطبيعة فقط يمكنني فهم سر الوجود”[4].

كان يجلس بين جمهور مؤتمر دالاس في ذلك اليوم، مندهشاً بما كان يسمعه من سانداج، جيوفيزيائي شاب حضر إلى المؤتمر غالباً بمحض الصدفة. صار ستيفن مير مسيحياً من خلال سعي فلسفي عن معنى الحياة، لكنه لم يكتشف حقاً قضية ما إذا كان العلم يمكنه أن يقدم الدعم البرهاني لإيمانه.

لم يكن هناك سانداج وحده، بل أيضاً الفيزيائي الفلكي البارز في جامعة هارفارد أوين جنجريتش، يستنتج أن الانفجار العظيم بدا أنه يناسب بأفضل صورة وجهة نظر عالمية إيمانية. بعد ذلك عقدت جلسة عن موضع أصل الحياة، كان فيها دين كينيون، عالم فيزياء حيوية من جامعة ولاية سان فرانسيسكو، الذي شارك في تأليف كتاب مؤثر يؤكد أن ظهور الحياة ربما كان “مقدراً من الناحية الكيميائية الحيوية” بسبب وجود تجاذب فطري بين الأحماض الأمينية[5]. وقد بدا ان هذا هو أفضل تفسير واعد للغز كيف أن الخلية الحية الأولى استطاعت بشكل ما أن تتجمع ذاتياً من مادة غير حية.

اندهش مير بينما صعد كينيون إلى المنصة وهو يستنكر استنتاجات كتابه الخاص، ويصرح بأنه وصل لمرحلة انتقاده لكي النظريات الطبيعية عن الأصول. وبسبب التعقيد الجزيئي الرهيب للخلية، وخواص ال DNA الحاملة للمعلومات، آمن كينيون أن أفضل دليل أشار إلى وجود مصمم للحياة.

وبدلاً من أن يكون العلم والدين متعارضان، أصغى مير إلى متخصصين على أعلى مستويات الإنجاز قالوا إنهم كانوا مؤمنون – لا بالرغم من الدليل العلمي، بل بفضل الدليل العلمي. وقال سانداج: “كثير من العلماء ينطلقون للإيمان بفضل عملهم”[6].

لقد خُدع مير. بدا له أن المؤمنين كانت لديهم المبادرة العقلانية في كل من القضايا الثلاث التي نوقشت في المؤتمر: أصل الكون، وأصل الحياة، وطبيعة الوعي الإنساني. وحتى المتشككين اعترفوا بنقاط ضعف التفسيرات الطبيعية. وكانت استجابتهم الرئيسية هي تحدي المؤمنين ليقدموا “إجابات علمية” بدلاً من مجرد الاستشهاد بفكرة التصميم الذكي. وهذا الاعتراض لم يشكل معنى بالنسبة لمير الذي قال متأملاً: “قد يبدو العالم مصمماً، لأنه بالحقيقة مصمماً!”

وبعدما غادر المؤتمر، كان مير في قمة الدهشة إزاء كل ما اختبره. ورغم من خلفيته العلمية، لم يكن ببساطة واعياً للاكتشافات العلمية القوية التي كانت تؤيد الإيمان بالله. وقد قرر أن هذا كله يستحق المزيد من البحث.

لم يكن يعرف هذا في ذاك الوقت، لكن ارسالية حياته قد تبلورت حالاً.

 

 

اللقاء الثاني: ستيفن مير، دكتوراه

بعد حصوله على درجات علمية في الطبيعة والجيولوجيا، واصل مير دراساته للحصول على درجة الماجستير في تاريخ وفلسفة العلم من جامعة كامبردج العريقة في إنجلترا، حيث ركز على تاريخ علم الأحياء الجزيئية، وتاريخ علم الطبيعة، ونظرية التطور. ثم حصل على درجة الدكتوراه من جامعة كامبردج، حيث حللت رسالته الموضوعات العلمية والمنهجية في علم أحياء أصل الحياة؛ وهو مجال اهتم به للمرة الأولى عندما سمع كينيون في مؤتمر دالاس.

في الخمسة عشر سنة الأخيرة، أصبح مير واحد من أكثر الأصوات معرفة وتأثيراً في ازدهار حركة التصميم الذكية. وساهم في كتابة عدة كتب، منها:

  • الدارونية، التصميم والتعليم العام Darwinism, Design and Public Education
  • مجرد الخلق: العلم، الإيمان والتصميم الذكي Mere Creation: Science, Faith,  and Intelligent Design
  • علامات الذكاء: التصميم الذكي المتفاهم Signs of Intelligence: Understanding Intelligent Design
  • العلم والمسيحية: أربع وجهات نظر Science and Christianity: Four Views
  • فرضية الخلق: الدليل العلمي لخالق ذكي The Creation Hypothesis: Scientific Evidence for and Intelligent Creator
  • العلم والدليل للتصميم في الكون Science and Evidence for design in the Universe
  • تاريخ العلم والدين في التقليد الغربي The History of Science and Religion in the Western Tradition
  • حيوانات الباندا والناس: السؤال المركزي للأصول الحيوية Of Pandas and People: The Central Question of Biological Origins
  • الدارونية: علم أم فلسفة Darwinism: Science or Philosophy
  • سطوح الإيمان والعلم Facets of Faith and Science“، وينهي حالياً كتب عن الـ DNA، وانفجار العصر الكمبري.

تحدث مير في ندوات في جامعات كامبردج، وأكسفورد، وبيل، وبيلور، وتكساس، وغيرها. وأجرى مناظرات مع متشككين مثل مايكل شيرمر، محرر مجلة The Skeptical Inquirer، وكتب لمجلات منها Origins and Design (التي يعمل بها محرراً مساعداً)، وThe Journal of Interdisciplinary Studies، وNational Review. وظهرت بعض كتاباته في Wall Street Journal، وWashington Times، وChicago Tribune، وكثير من الصحف الأخرى. وتواجه مع دارونيين في National Public Radio، PBS، وشبكات تليفزيونية.

عندما طرت إلى سبوكين الثلجية في واشطن للقاء مير في كلية ويتوورث، حيث كان استاذاً مساعداً للفلسفة، لم أكن أعلم أنه في ذروة قوله لزملائه إنه سيرحل قريباً ليكون مديراً وزميلاً أكبر في مركز العلم والثقافة في معهد الاكتشاف في سياتل. كان رحيله الوشيك وقتاً عصيباً بالنسبة لمير، لأنه كان قد قضى أكثر من عقد كواحد من أشهر الأساتذة في الكلية.

للانفراد معاُ، جلسنا في مكتب غريب خارج الحرم الجامعي، حيث خطر الديكور على بالنا فيما بعد، وجلسنا في مقاعد متواجهة لما يمكن أن يسفر عنه حقاً يوماً كاملاً من الحديث الحيوي سريع الطلقات. في الواقع، كانت النسخة الكاملة لحوارنا تربو على 30 ألف كلمة – كتاباً صغيراً لوحدها!

قال مير: “ذات مرة اختبروا نشاطي الزائد عندما كنت طفلاً. هل تتخيل ذلك؟” نعم. كان مير يرتدي بذلة زرقاء داكنة، ورباط عنق ملون، وجورب صوف رمادي، وحذاء بني اللون من طراز Doc Martin، كان لانكي طويل القامة مفعم بالحيوية، وهو يطلق بحماس طلقات سريعة من الكلمات. انساب شعره البني الهش على جبهته، مضفياً عليه مظهراً شبابياً، لكن حاجبيه كانا مجعدان في حدة.

كان تلاميذه يعاتبونه أحياناً لافتقاده تنظيم الفصل الدراسي بسبب شروده الذهني، لكنه كان يعوض هذه بعاطفته الجياشة، وإخلاصه الملطف. عندما أجاب على أسئلتي، أجاب بطريقة متكاملة منظمة مرتبة، كما لو كان يقرأ كروت واضحة. وظهر أنه لامعاً ذكياً، وواضحاً، ومتحمساً.

بعدما حكى بعض القصص الشخصية، بدأنا التركيز على قضية العلم والإيمان. ولم يكن من المثير أن منظوره مختلف بشدة عن منظوري أنا عندما بدأت أدرس الدارونية في المدرسة.

“دفاع قوي عن الإيمان”

قلت لمير “نحن نعيش في ثقافة تكنولوجية حيث يؤمن كثيرون بأن العلم يدوس كل أشكال المعرفة الأخرى. فمثلاً وصف الفيلسوف جي. بي. مورلاند لقائه بمهندس كان يُكمل دراسته للحصول على الدكتوراه في الطبيعة قائلاً “بالنسبة له، فإن العلم وحده عقلاني، العلم وحده يحقق الحق. وكل شيء آخر مجرد عقيدة ورأي. ووصل لحد القول إنه إذا كان هناك شيء لا يمكن قياسه أو اختباره بالطريقة العلمية… فلا يمكن أن يكون صحيحاً أو عقلاني”[7]. كما أن عالم الوراثة في هارفارد ريتشارد لينتون أكد أن العلم هو المصدر الوحيد للحقيقة”[8]. فهل توافق هذه الرؤى؟

فأجابني: “كلا، لا أوافق. من المفارقة أن القول بأن العلم هو المصدر الوحيد للحقيقة هو معارضة ذاتية، لأن هذه العبارة في حد ذاتها لا يمكن اختبارها بالطريقة العلمية. إنها افتراض فلسفي يضر أكثر مما ينفع.

واستطرد قائلاً: “الأبعد من ذلك، بينما أحترم العلم بكل تأكيد، لست أظن أن المعرفة العلمية تسبق بالضرورة الأشياء الأخرى التي نعرفها. فمثلاً، أكد مورلاند ان هناك بعض الأشياء نعرفها من خلال الاستبطان بيقين أكثر مما نعرفها من خلال العلوم. إنني أعلم أن لدي إرادة حرة على أساس استبطاني، ولن تستطيع أية دراسات في العلوم الاجتماعية أن تقنعني بغير هذا”.

أشار مير إلى مفتاح نور على الحائط، وقال فيما قام ليشعل النور: “أعرف أنه بإمكاني أن أدير هذا المفتاح، وأفند مزاعم من يقولون إنني كنت مصمم على ذلك. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للتاريخ ان يخبرنا بالكثير، رغم إنه لا يمكننا أن نختبره بالتجربة المتكررة.

“والآن، لا جدال أن العلم يُعلمنا أشياء مهمة كثيرة عن العالم الطبيعي. لكن السؤال الحقيقي هو: “هل هذه الأشياء تشير إلى أي شيء آخر أبعد منها؟” أعتقد أن الإجابة: نعم. فالعلم يعلمنا أشياء حقيقية كثيرة، وبعض هذه الأشياء الحقيقية تشير إلى الله”.

فقاطعته بسرعة وقلت: “على العكس، فعندما تعلمت عن الدارونية وأنا طالب، كنت مقتنعاً بأن العلم والإيمان متعارضان، وأن العلم قد أحرز التقدم بالتأكيد بخصوص المصداقية. فماذا ستقول لمن يؤمن بأن العلم والمسيحية مقدر لهما أن يكونا في صراع؟”

فقال: “حسناً، هذه بالتأكيد إحدى الطرق التي حدد بها الناس العلاقة بين العلم والإيمان. فالبعض يؤكد أن العلم والإيمان متعارضان بشكل أساسي. وآخرون يقولون إن العلم والإيمان يمثلان مجالين منفصلين لا يتفاعلان، ولا يمكنهما أن يتفاعلا”.

ومع ذلك، فأنا شخصياً اتخذ مدخلاً ثالثاً؛ وهو أن الدليل العلمي يؤيد حقاً العقيدة الإيمانية. في الواقع، عبر مجال واسع من العلوم، ظهرت أدلة في السنوات الخمسين الأخيرة، إن جُمعت معاً، تقدم دفاعاً قوياً عن الإيمان. والإيمان فقط هو الذي يمكنه أن يقدم حلاً مرضياً من الناحية العقلية لكل هذه الأدلة”.

“مثلاً؟”

“مثلاً، إن كان صحيحاً أن هناك بداية للكون – كما يتفق علماء الكونيات المحدثين الآن – فهذا يتضمن وجود عله تفوق الكون. وإن كانت قوانين الطبيعة مُعدلة لتسمح بالحياة – كما يكتشف علماء الطبيعة المعاصرون – فربما يكون هناك مصمم قام بتعديلها. وإن كانت هناك معلومات في الخلية – كما توضح البيولوجيا الجزيئية – فهذا يثبت وجود التصميم الذكي. وللإبقاء على سير الحياة في المقام الأول يتطلب معلومات بيولوجية، والتضمينات تشير إلى ما وراء المملكة المادية إلى علة ذكية قبل ذلك.

واستنتج قائلاً: “هذه مجرد ثلاثة أمثلة، وهي البداية فقط”.

مشكلة نوما NOMA

قلت: “أليس من الخطر أن نخلط العلم بالإيمان هكذا؟ فكثير من العلماء يتبعون رؤية الراحل ستيفن جاي جولد في قولهم بأن العلم والإيمان يشغلان مجالات مختلفة تماماً.

فقال: “لقد دعا هذه الفلسفة باسم نوما NOMA؛ وهي اختصار nonoverlapping magisterial. وقال: “إن شبكة العلم تغطي الكون التجريبي…. [بينما] تمتد شبكة الدين إلى أسئلة المعنى والقيمة الأخلاقية”[9]. ما الخطأ في أن يكون لدينا مثل هذا الخط القوي الفاصل بين حقائق العلم الجامدة وإيمان الدين الرقيق؟”

قال مير: “أعتقد أن نوما حقيقية جزئياً – هو اعتراف أدهشني قليلاً. فهناك مجالات للعلم محايدة من الناحية الفوق طبيعية. وهي تجيب على أسئلة مثل: “كم عدد العناصر الموجودة في الجدول الدوري؟ ما هي المعادلة الرياضية التي تصف الجاذبية؟ أو كيف تسير الطبيعة بنظام وفق مجموعة معروفة من الشروط؟ إن أسئلة من هذا النوع لا تؤثر كثيراً على موضوعات الرؤية العالمية بطريقة أو بأخرى. بعض الناس يستخدمون القول المأثور القديم لجاليليو: “العلم يخبرك كيف تسير السماء، أما الكتاب المقدس فيخبرك كيف تسير أنت إلى السماء”.

فاعترضته قائلاً: “هذا يبد سخيفاً، لكن به بعض المعنى”.

فقال: “بالطبع، هناك معنى في أن العلم والدين لديهما موضوعات مختلفة من حيث الاهتمام والتركيز؛ كطبيعة الثالوث من ناحية، والذرات الأولية الموجودة في الانفجار العظيم من ناحية أخرى”.

“ومع ذلك، هناك أسئلة علمية أخرى تناقش مباشرة قضايا عالمية كبيرة. وعلى سبيل المثال مسألة الأصول. فإن كانت النماذج الطبيعية صحيحة تماماً، يصبح الإيمان فرضية غير ضرورية. وفي هذه الحالات التي يتداخل فيها العلم والميتافيزيقا – وحين تكون الأسئلة العالمية في خطر – يستحيل هذا فرض مبداً نوما. وسبب هذا أن ما يكتشفه العلم ستكون له بالضرورة تضمينات لهذه الأسئلة العالمية الأكبر. والطريقة الحقيقة الوحيدة للإبقاء عليهما منفصلين هو أن تُسقط من ادعاءات أحدهما أو الآخر”.

“تقول نوما إن العلم هو عالم الحقائق، والدين هو عالم الأخلاق والإيمان. والمشكلة الأساسية هي أن الديانة الكتابية تقدم تأكيدات محددة جداً عن الحقائق. فهي تقدم تأكيدات بأن الكون له بداية، وأن الله قد اشترك في الخلق، وأن البشر لهم نوع معين من الطبيعة، وأن الأحداث التاريخية يُفهم منها أنها حدثت في الزمان والمكان”.

“دعنا نأخذ فقط قانون الإيمان المسيحي التاريخي: “أؤمن بالله، الأب القادر، خالق السماء والأرض، وبيسوع المسيح ابنه الوحيد، الذي حبل به بالروح القدس، وولد من مريم العذراء، وتألم على عهد بيلاطس البنطي، وصلب، ومات، ودفن، وفي اليوم الثالث قام من الأموات”.

“حسناً، إن بيلاطس البنطي هذا موجود تاريخياً في فلسطين في القرن الأول. وكان هناك ادعاء أن يسوع الناصري قد عاش في نفس الوقت. وكان هناك تأكيد أنه قام من الأموات. الله يُدعى خالق السماء والأرض. وها أنت ترى أنه لأمر فطري بالنسبة للإيمان المسيحي ان يؤكد على العالم الحقيقي. وطبقاً للكتاب المقدس، فقد كشف الله عن ذاته في الزمان والمكان، وهكذا فإن المسيحية ستشطر بعض التأكيدات الواقعية للتاريخ وللعلم. ومن هنا سيكون هناك إما نوع من الصراع أو الوفاق”.

ولإتمام مبدأ نوما، على أنصاره أن يُخففوا من تأثير العلم أو الإيمان، أو كليهما. وهذا ما فعله جولد حقاً؛ فقد قال إن الدين مجرد مسألة تعليم أخلاقي، وعزاء، أو معتقدات ميتافيزيقية عن المعنى. لكن المسيحية تنادي بالتأكيد أن تكون أكثر من ذلك”.

بدت هذه الجملة الخاصة عن جولد أنها غامضة. فأردت أن أواجهه بطلب أمور محددة. فسألته: “هل يمكنك أن تعطيني مثلاً ملموساً عن كيف خفف جولد من تأثير المسيحية لتفعيل مبدأ نوما؟”

قال مير: “بالطبع؛ في كتابه Rocks of Ages، يقلل جولد من ظهور يسوع لتوما الشكاك على أنه مجرد “قصة أخلاقية”[10]. وكان هذا ضرورياً بالنسبة لجولد تحت قواعد نوما، لأن كل ظهورات يسوع بعد القيامة تأتي من وثيقة دينية – الكتاب المقدس – بينما تقول نوما إن الدين لابد وأن يحصر تأكيداته في إطار الأخلاقيات والقيم. لكن الكتاب المقدس يرسم بوضوح ظهورات يسوع كأحداث تاريخية واقعية. والمسيحية تؤكد على الاقتناع بأن هذه الأحداث قد حدثت فعلاً”.

“قد تحاول نوما استبعاد هذه الإمكانية بحصر الدين إلى مجرد مسائل أخلاقيات، لكن كتاب الكتاب المقدس لم يروا أنه من المناسب أن يحصروا تأكيداتهم عن الله إلى المجال غير الواقعي الذي خصصته نوما للدين. والآن قد توجد بعض الديانات التي قد تتماشى مع نوما. لكن المسيحية الكتابية – لأنها ليست مبنية على مجرد الإيمان، بل وعلى الحقائق أيضاً – لا يمكنها ذلك ببساطة”.

كان أستاذ القانون فيليب جونسون أيضاً ناقداً لمبدأ نوما بشدة. فقد قال: “إن ستيفن جاي جولد يعرض متنازلاً أن يسمح للمتدينين أن يعبروا عن أفكارهم الشخصية عن الأخلاق، بشرط أن لا يتدخلوا في سلطة العلماء لتحديد “الحقائق”، وإحدى هذه الحقائق هي أن الله مجرد أسطورة معزية”[11].

فقلت لمير وأنا أُلخص الموضوع: “وهكذا بينما قدر كبير من العلم والعقيدة الكتابية مهتمان بأمور مختلفة، فمن الواضح أن لديهما نوع من الأرضية المتداخلة”.

“بالضبط. وعندما يحدث ذلك، فإما أن يتفقوا أو يختلفوا. إن محاكمة مؤرخي القرن التاسع عشر، الذين كانوا يكتبون أساساً من إطار حركة التنوير، كانت أنهم حين تداخلوا اختلفوا، ومن المجالين، كان العلم أكثر ضماناً من الدين. لقد آمنوا أن الصراع سينمو على الدوام بين العلم والعقيدة الكتابية”.

“وبماذا تؤمن أنت؟”

“إن حكمي مختلف تماماً. فأنا أؤمن أن شهادة العلم تؤيد الإيمان. وبينما تكون هناك دائماً نقاط توتر أو صراع غير محلول، فإن التطورات الكبرى في العلم في العقود الخمسة الأخيرة كانت تسير بقوة نحو اتجاه الإيمان.

صمت للحظات، ثم أطلق خاتمته: “إن العلم يشير إلى الله”.

الخلق من العدم CREATIO EX NIHILO

لم يكن منظور مير أكثر اختلافاً عن منظوري عندما كنت أدرس نظرية التطور بالمدرسة. فقد استنتجت أن نظريات دارون المقنعة والخاصة بعلم الطبيعة قد أزالت أية حاجة إلى الله. ومع ذلك، فقد كان مير مقتنعاً بأن العلم والإيمان يشيران إلى نفس الحق. قررت أن أضغط عليه لمعرفة مزيد من التفاصيل.

“هل يمكنك أن تذكر لي ستة أمثلة عن كيف تؤمن أن العلم يشير إلى الإيمان؟”

استرخى مير في مقعده، وقال: “سأبدأ بعلم الكونيات الجديد – نظرية الانفجار العظيم، وأساسها النظري الذي صاحبها في النسبية العامة. وهاتان النظريتان تشيران الآن إلى بداية محددة للكون. وحقيقة أن معظم العلماء يؤمنون الآن بأن الطاقة، والمادة، والفضاء، والزمن كانت لها بداية حقيقية غير مادية أساساً”.

“لا يمكنك أن تستشهد لا بالزمان او المكان أو المادة أو الطاقة أو قوانين الطبيعة لتفسر أصل الكون. فالنسبية العامة تشير إلى الحاجة إلى علة تفوق هذه المجالات. والإيمان يؤكد على وجود مثل هذا الكيان – الذي اسمه الله”.

وأضاف مير: “باختصار، فإن المذهب الطبيعي يجتاز وقتاً عصيباً في علم الكونيات، فكلما تعمقت فيه، كلما صعب التخلص من فرضية الله. وعندما تأخذهما معاً، فإن نظرية الانفجار العظيم، والنظرية النسبية العامة ستقدمان وصفاً علمياً لما يسميه المسيحيون الخلق من العدم creation ex nihilo. وكما قال أرنو بنزيا، الحائز على جائزة نوبل، عن الانفجار العظيم: “إن أفضل البيانات التي لدينا هي تماماً ما كان يمكن أن أتنباً بها ما لم يكن لدي ما أستمر فيه سوى أسفار موسى الخمسة، والمزامير، والكتاب المقدس ككل”[12].

انتظر مير ليرى ما إذا كانت لدي أسئلة أخرى، لكني أشرت له باستكمال أمثلته.

“الفئة الثانية من الأدلة ستكون عن الضبط المتعلق بعلم الإنسان”. وهذا يعنى القوانين والمعايير الأساسية للطبيعة لها قيم عددية محددة كان من الممكن أن تكون غير ذلك. وهذا معناه أنه لا يوجد سبب جوهري يفسر سبب وجود هذه القيم على ما هي عليه. ومع ذلك، فكل هذه القوانين والأنظمة تتعاون معاً بطريقة رياضية مذهلة كي تجعل الحياة في الكون ممكنة.”

طلبت منه مثالاً على ذلك، فقال: “خذ مثلاً اتساع الكون، الذي هو منضبط على جزء من تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون. أي بمعنى إنه لو تغير بمقدار جزء واحد في أي من الاتجاهين – أسرع قليلاً أو أبطأ قليلاً  لما كان لدينا كوناً قادراً على منح حياة”.

“علّق السير فريد هويل قائلاً: “إن تفسيراً مقبولاً للحقائق يقول بأن عقلية فائقة قد تدخلت في الفيزياء والكيمياء والأحياء، وليست هناك قوى غامضة تستحق الحديث عنها في الطبيعة”[13].

“حسناً، ربما يبدو هذا منضبطاً لأنه فعلاً يوجد ضابط من وجهة نظر عالم الطبيعة بول ديفيز أن “انطباع التصميم يأسر الذهن”[14]. وأنا أوافقه تماماً على هذا. إنه دليل قوي على وجود تصميم ذكي.

“والمثل الثالث للعلم يشير إلى أن الله هو أصل الحياة، وأصل المعلومات الضرورية لجلب الحياة إلى الوجود. فالحياة في أصلها تتطلب معلومات، وهي مخزونة في الحامض النووي DNA، وجزيئات البروتين”.

“قال ريتشارد داوكنز من جامعة أكسفورد إن الشفرة الآلية للجينات شبيهة بشفرة الكمبيوتر بصورة غريبة”[15]. وإن فكرت في هذا، ستدرك أن أجهزة الكمبيوتر تعمل ببرامج سوفت وير ينتجها مهندسون أذكياء. وكل خبرة لدينا عن المعلومات – سواء كانت شفرة كمبيوتر، أو كتابة هيروغليفية، أو كتاب، أو رسم كهف – تشير إلى الذكاء. ونفس الشيء ينطبق على المعلومات داخل كل خلية في كل كائن حي”.

فتساءلتُ: “أليست هذه حجة ساذجة. فالعلماء ربما يكونوا عاجزين الآن عن إيجاد أي تفسير عن كيف بدأت الحياة، لكن هذا لا يشير بالضرورة لاستنتاج وجود قوة فوق الطبيعة”.

فأصر مير: “هذه ليست حجة ساذجة. فالعلماء ربما يكونوا عاجزين الآن عن إيجاد أي تفسير عن كيف بدأت الحياة، لكن هذا لا يشير بالضرورة لاستنتاج وجود قوة فوق طبيعية”.

فأصر مير: “هذه ليست ساذجة. فنحن لا نستدل على وجود مصمم لأن النظريات التطورية الطبيعية تفشل جميعاً في تفسير المعلومات. لكننا نشير إلى التصميم لأن كل تلك النظريات تفشل، ونحن نعرف وجود كيان آخر قادر على إنتاج المعلومات – ويدعى الذكاء. وأنا شخصياً أجد ذلك حجة قوية جداً بالفعل”.

مجموعة من الأدلة

واصل مير حديثه وأعطى المثال الرابع: “ثم هناك دليل التصميم في الماكينات الجزئية التي تتحدى تفسير دارون لفكرة الاختيار الطبيعي. إن هذه الأنظمة المتكاملة والمعقدة في الكائنات البيولوجية – التي يدعوها عالم الأحياء الدقيقة مايكل بيهي “معقدة بصورة يصعب إنقاصها” – تشمل دوائر محولات الطاقة، ومولدات الطاقة المعقدة، وكل أنواع الدوائر الكهربية الحيوية”.

“ما الحجة المبنية على هذا؟”

“هذه الماكينات الحيوية تحتاج إلى كل أجزائها المتعددة لكي تعمل. ولكن كيف يمكنك أن تبني مثل هذا النظام بعملية الاختيار الطبيعي الدارونية التي تعمل بأسلوب الاختلافات العشوائية؟ إن الاختيار الطبيعي يحافظ فقط على الأشياء التي تؤدي وظيفة، أو التي تساعد الكائن الحي على البقاء للجيل التالي. وهذا هو البقاء للأصلح”.

“ومشكلة هذه الأنظمة المعقدة هو أنها لا تؤدي وظائف إلا عندما توجد كل الأجزاء معاً، وتعمل معاً في تعاون تام مع بعضها البعض. ولهذا، فإن الاختيار الطبيعي لا يمكنه أن يساعدك على بناء مثل هذه الأنظمة، لكنه يمكنه فقط أن يحفظها حالما تُبنى. ومن المستحيل بالفعل على التطور أن يتخذ مثل هذه القفزة الهائلة من مجرد فرصة لخلق النظام بأكمله على الفور”.

“وبالطبع، فإن هذا يطرح السؤال: كيف نشأت الماكينة الكيميائية الحيوية؟ يقول بيهي إن هذه الأنظمة البيولوجية قد تبدو مصممة لأنها بالفعل مصممة. وباختصار، حينما نرى أنظمة معقدة يصعب إنقاصها، ونعرف كيف نشأت، فمن المؤكد أن مصمماً كان هو العلة”.

“ما مدى قوة هذه الحجة في رأيك؟”

فأجاب مبتسماً: “أعتقد أنها قوية للغاية. وأنت ترى ذلك في الاعتراضات الضعيفة التي يقدمها الدارونيون. وهذا مجرد مثال آخر. والمثال التالي سيكون انفجار العصر الكمبري؛ وهو دليل آخر مثير على وجود تصميم في تاريخ الحياة”.

فأخبرته أن جوناثان ويلز كان قد أوضح في مقابلة سابقة أساسيات الانفجار العظيم البيولوجي. وقلت له: “لقد تحدث عنه أساساً بمصطلحات تشير إلى أنه مجادلة ضد الدارونية”.

فأجاب مير: “في الحقيقة هو كذلك؛ فلديك ما بين 20 – 35 رسم لأجساد غريبة تماماً من العصر الكمبري. وهذه قفزة ضخمة في التعقيد. فهي فجائية، وليست لديك مراحل انتقالية متوسطة”.

“لكن هذا دليل تأكيدي آخر على وجود تصميم، لأنه في خبرتنا، تكون المعلومات نتيجة النشاط الواعي. وهنا لدينا الإدخال الفجائي جيولوجياً لقدر مكثف من المعلومات البيولوجية الجديدة المطلوبة لعمل رسومات الأجساد هذه، وهي أبعد كثيراً عما يمكن أن تقدمه أية تقنية دارونية. فالدارونية ببساطة لا يمكنها أن تفسر ذلك، فالتصميم إذاً تفسير أفضل”.

“فكر كيف ظهرت رسومات هذه الأجساد الجديدة فجأة. قال أحد علماء الباليونتولوجي: “ما أود معرفته من أصدقائي البيولوجيين هو ما مدى سرعة حدوث هذا التطور قبل أن يتوقفوا عن تسميته تطوراً؟ لقد قال دارون إن الطبيعة لا تحدث قفزات فجائية. ومع ذلك فلدينا هنا قفزة هائلة – وهي التي يسببها العوامل الذكية. ونتيجة لذلك، فإن انفجار العصر الكمبري لا يقدم لنا مجرد دفاع سلبي ضد التطورية الدارونية، بل أيضاً حجة إيجابية قوية مؤيدة للتصميم”.

“حسناً، لقد طلبت منك ستة أمثلة، فما هو المثال السادس؟”

ففكر مير للحظات، ثم قال: “أقول إن الوعي الإنساني يؤيد بالتأكيد وجهة نظر إيمانية للطبيعة البشرية. تُعلم اليهودية والمسيحية بكل وضوح أننا أكثر من مجرد مادة – فنحن لسنا “كمبيوتر مصنوع من اللحم” كما قال مارفن منسكي، لكننا مخلوقين على صورة الله”.

“ولدينا القدرة على فحص الذات، والإبداع الفني، وتعلم اللغة. والإنجاز. والعلم لا يمكنه أن يفسر هذا النوع من الوعي بمجرد تفاعل المادة الطبيعية في المخ. من أين جاء؟ مرة أخرى أعتقد أن الإيمان يقدم أفضل تفسير”.

اتجه مير إلى حافة مقعده. وقال: “ولهذا فإن ما لدينا هنا مجموعة من ستة أدلة تشير إلى علة فائقة ذكية. وهذا أمر مذهل! لم يكن العلماء وأعين بهذه الأشياء عندما قالوا إن المذهب الطبيعي يفسر كل شيء. وبفضل الاكتشافات في العقود الخمسة الأخيرة، فنحن اليوم نعرف أكثر”.

“فقلت: “بناءً على الدليل الذي ذكرته، كيف تكمل الدفاع عن الله؟”

“أولاً، الإيمان – بمفهومه عن وجود خالق فائق – يقدم تفسيراً كافياً أكثر قبولاً عن الانفجار العظيم أكثر مما يقدمه التفسير الطبيعي. فعلة الكون لا بد وأن تفوق المادة، والفضاء، والزمن، والتي وجدت مع الانفجار العظيم. والله الذي عبده اليهود والمسيحيون له نفس صفة السمو هذه. ومع ذلك، فإن المذهب الطبيعي ينكر وجود أي كيان آخر أبعد من نظام الطبيعة المغلق”.

“كما أن ضبط قوانين الطبيعة وثوابت الكون، والأشكال الدقيقة لحالاته المبدئية، والتي ترجع في تاريخها إلى أصل الكون نفسه، كل هذا يوحي بالحاجة إلى علة تتسم بالذكاء. والإيمان يؤكد وجود كيان، لا فائق فقط، بل وذكي أيضاً – وهو الله. ولهذا، فالإيمان يمكنه أن يفسر كلاً من كوزمولوجيا الانفجار العظيم، والضبط الإنساني”.

“إن مذهب وحدة الوجود لا يمكنه تفسير أصل الكون؛ لأن أنصاره يؤمنون بإله مجهول متساو في الامتداد مع الكون الطبيعي. ومثل هذا الإله لا يمكنه أن يوجد الكون من لا شيء، لأنه غير موجود بصورة مستقلة عن الكون الطبيعي. فإن لم يوجد الكون الطبيعي، لما وجد هذا الإله أيضاً. وإن كان غير موجود، فلا يمكن أن يكون قد أوجد الكون”.

فقاطعته قائلاً: “ماذا عن الربوبية*، مشيراً إلى الاعتقاد بأن الله خلق العالم وتركه يدير نفسه. ألا يمكن لمذهب الربوبية أن يفسر أصل الكون أيضاً؟”

فقال مير: “نعم، وسأعطيك هذا التوضيح: إن مذهب الربوبية يمكنه أن يفعل نفس الشيء. لكني أؤمن بأن وجود التصميم بعد الانفجار العظيم يُقوض مذهب الربوبية كتفسير كاف”.

“مذهب الربوبية لا يمكنه أن يوضح الدليل على الإعمال المتفردة التصميم أو الخلق بعد خلق الكون. فإله الربوبية لا يتدخل في الطبيعة، ومع ذلك فنحن نرى دليل التصميم الذكي في تاريخ الحياة. فمثلاً، المحتوى الكبير للمعلومات يعطي دليلاً قوياً على عمل تصميم ذكي للحياة الأولى، بعد بداية الكون بكثير”.

“وبجمع كل هذا، فإن ما نعمله اليوم يعطينا ثقة قوية – من العلم – بأن الله موجود. إن ثقل الدليل مؤثر للغاية، وفي الحقيقة من وجهة نظري، يكفيني بشكل حاسم أن أقول إن الإيمان يقدم أفضل تفسير لمجموعة الأدلة العلمية التي كنا نناقشها”.

“العلم والإيمان لا يتصارعان. فعندما نفسر الأدلة العلمية والتعاليم الكتابية تفسيراً صحيحاً، فإنهما يؤيدان بعضهما البعض. وأقول لأي شخص يشك في هذا الأمر، تحقق بنفسك من الدليل”.

كانت جولة مير العاصفة منعشة. في البداية بدا الدفاع التراكمي عن الله، الذي بُني نقطة تلو الأخرى من اكتشافات العلم، دفاعاً مذهلاً. وبالطبع كان لدي قدر وافر من أسئلة المتابعة، قصدت أن أطرح بعضها على مير، وأبقي البعض الآخر للخبراء الآخرين الذين خططت اجراء مقابلات أخرى معهم في كل فئة من الأدلة التي ذكرها مير. قررت أن أبدأ بقضية كيف أن الدليل المؤيد لله مطلوب لترسيخ الدفاع عن خالق.

فرضية الله

في الساحة القضائية، فإن المحاكم المختلفة لديها معايير مختلفة من البراهين. ففي الحالات الجنائية، لا بد أن يُثبت المدعي أن المتهم مذنب بلا شك. وفي معظم القضايا المدنية، لا بد أن ينتصر جانب الادعاء بما يُسمى رجحان الأدلة. وفي بعض القضايا المدنية، هناك مستوى ثالث للبرهان يقع بين السابقين: أدلة واضحة وأدلة مقنعة[16].

عندما سألت مير عن أي مستوى من الأدلة يعتبره مناسباً في المجال اللاهوتي، أعطاني درساً مشوقاً في التاريخ في موضوع أدلة وجود الله. قررت أن أجلس صامتاً، وأدعوه يتكلم، وأحتفظ بأسئلة المتابعة حتى النهاية.

بدأ مير: “هناك مستوى متطرف ينكر وجود أية قاعدة دليلية على الاعتقاد المسيحي، والقول بدلاً من ذلك بأن كل ما نحتاجه هو الإيمان. وهذا ما يعرف باسم الإيمانية fideism [الإيمانية – الاعتماد على الإيمان بدلاً من العقل]. وقد جاء إلينا من حركة التنوير بعد فشل براهين إيمانية معينة على الإيمان بوجود الله.

“على وجه الخصوص، قدم الفيلسوف الفرني رينيه ديكارت بعض البراهين الجميلة لمحاولة تأكيد وجود الله بيقين شديد. واستخدم ما يسمى “براهين استدلالية”، حيث تكون لديك مقدمات منطقية رئيسية وفرعية، وإن اتضح أن هذه المقدمات المنطقية حقيقية، وأن منطق الحجة صحيح، سيكون الاستنتاج مؤكداً. فمثلاً:

“كل الناس سيموتون،

سقراط إنسان،

سقراط سيموت”.

لكن ديكارت وضع مقياساً عالياً وغير واقعي؛ فقد استخدم براهينه لمحاولة خلق تأكيد صارم بوجود الله، ولم يتمكن من توضيح ذلك. وليس بإمكانك أن تثبت بشكل مطلق – أو لا تثبت – وجود الله.

“ونتيجة هذا، سادت الفكرة التي تقول بأن حجج وجود الله لا تصلح، وأنه لا توجد أسس عقلية للإيمان. ثم جاء دارون، الذي أوضح أن ظهور التصميم يمكن تفسيره من خلال تقنيات طبيعية دون مصمم فعلي، وقد أسهم هذا في الاقتناع بعدم وجود أساس عقلية أو دليلية للإيمان بالله”.

“وفي ضوء هذا، كان لدى المؤمنين اختيار: إما أن يرفضوا الإيمان لأنه ليس له أساس عقلي، أو يرفضوا فكرة أنك بحاجة إلى أساس عقلي للإيمان. الذين ظلوا على إيمانهم أخذوا بالاختيار الثاني قائلين: “أنا أؤمن، وببساطة لست أملك ولا أحتاج أساساً عقليا لذلك”. ثم تبنوا استراتيجيات تقسم الإيمان والعقل، والتي قادت إلى الاستنتاج بأن الإيمان والعلم يشغلان مجالين مختلفين”.

“ولكن هناك اختيار ثالث يتضمن عمل دفاع مقنع عن الإيمان دون استخدام براهين استدلالية. وقد كتبت أنا وعالم الرياضيات ويليام ديمبسكي مقالة في العام 1998 نوضح فيها نموذج للإقناع نعتقد أنه يمكن أن يُستخدم لتأييد العقيدة التوحيدية. ويُدعى هذا “الرجوع للتفسير الأفضل”.

“هذه الصورة من صور العقلانية المنطقية نستخدمها في الحياة طوال الوقت. وتقول إنه إن أردنا تفسير ظاهرة أو حدث، علينا التفكير في مجموعة متكاملة من الفرضيات، ونرجع إلى الافتراض الذي يمدنا بأفضل تفسير إن كان صحيحاً. وبمعنى آخر، نُجري تحليلاً شاملاً للتفسيرات الممكنة، ونواصل إضافة معلومات حتى يبقى تفسير واحد يمكنه تفسير جميع البيانات”.

“والطريقة التي تُمير بها بين الفرضيات المتنافسة هي النظر إلى مدى قوتها على التفسير. غالباً ما تكون هناك أكثر من فرضية واحدة يمكنها تفسير نفس الدليل. فمثلاً، كما اتفقنا، فإن كلاً من مبدأ الربوبية، ومبدأ الإيمان بإله واحد، يمكنهما أن يفسرا بداية الكون. حسناً، ولكن إذا واصلت النظر إلى البيانات، ستجد أن مبدأ الإيمان بإله واحد هو فقط الذي يمكنه تفسير دليل وجود التصميم في الأحياء بعد أصل الكون. وبهذا يكون مبدأ الإيمان بإله واحد له قوة تفسيرية أعظم”.

“نحن نصل إلى استنتاجات بدرجة عالية من الثقة مستخدمين هذا الشكل من التفكير في حياتنا اليومية. وهذا ما يفعله المحققون. وهذا ما يفعله المحامون في المحاكم، وهذا ما يستخدمه العلماء وهذا النموذج يمكننا من تحقيق درجة عالية من اليقين العملي”.

“وعندما ننظر إلى الدليل الذي ذكرته أنا من علم الكونيات، والطبيعة، والأحياء، والوعي الإنساني، سنجد أن الإيمان بإله واحد له قوة تفسيرية مدهشة. فوجود الله يفسر هذا المدى الواسع من الأدلة بأكثر بساطة، وبطريقة كافية، وأشمل من أية نظرة عالمية أخرى، بما فيها المذهب الطبيعي، ومذهب وحدة الوجود. واكتشافات الأدلة البانية أو الداعمة يزداد سرعة”.

“في العام 1992، قال مؤرخ العلوم فريدريك بيرنهام إن فرضية الله “هي الآن فرضية محترمة أكثر من أي وقت مضى في المئة سنة الأخيرة”[17]. وسأقول ما هو أكثر من هذا: فأكثر من كونها “محترمة”، فإن فرضية الله فعالة بدرجة كافية لتضمن حكماً أن الله حي”.

دوافع العلماء

طرأت على ذهني العديد من الأسئلة وأنا أستمع إلى تحليل مير. فقلت له: “لقد أعطيتك الفرصة لتقدم ستة أمثلة من الأدلة العلمية المؤيدة للإيمان بالله، وسوفت أتابع باعتراضات معينة حينما أناقشها بالتفصيل مع خبراء آخرين. ولكن لا أود أن أغادرك دون أن أواجهك على الأقل بأربعة تحديات”.

وبينما كان مير يصغي إلى كلماتي، خلع نظارته ذات الإطار الذهبي، وبدأ ينظفها بمنديل. تطلع إليّ قائلاً: “هذا يبدو عادلاً. هيا انطلق. ما هو سؤالك الأول؟”

فالتفت إلى مذكراتي قبل التكلم، وبدأت قائلاً: “إن كان الدليل العلمي على الإيمان بإله واحد مقنع للغاية، فلماذا لا يؤمن بالله علماء أكثر؟ فقد أوضحت دراسة في العام 1966 أن 60% من العلماء إنا لا يؤمنون بالله أو كانوا متشككين، وهذه النسبة تتزايد إن نظرت على علماء الصفوة”[18].

فضيق مير شفتيه بينما كان يتأمل السؤال، ثم قال: “سأقول مبدئياً إن الاكتشافات الحديثة تأخذ وقتاً حتى تنتشر، ويتم التفكير الشامل في تضميناتها، كما أن بعض أفضل الأدلة على الإيمان بإله واحد أدلة جديدة جداً. والعلماء الذين يركزون على مجال واحد معين قد لا ينتبهون للاكتشافات في المجالات الأخرى التي تشير إلى الإيمان بإله واحد.

“وكما أن وجهة النظر العالمية المادية قد مارست نوعاً من السيطرة على الحياة العقلية في الثقافة الغربية لمدة 150 عاماً. وقد أصبحت وجهة النظر العالمية المخطئة في العلم، والفلسفة، والدراسة الأكاديمية بوجه عام. وبعض الناس الذين ينشقون عنها اجتازوا عدوانية شديدة، بل واضطهاد أحياناً. وهذا ما أحبط آخرين عن اكتشاف هذه المجال، أو التصريح بشأنه بشكل جيد”.

ذكرتني هذه النقطة باقتباس لسانداج، الذي قال مرة لمراسل صحفي إن المجتمع العلمي يحتقر الإيمان جداً حتى “إن هناك نفور من أن تكشف نفسك كمؤمن، فالازدراء قاسي جداً”[19].

واصل مير قائلاً: “وأخيراً، داخل الثقافة العلمية، توجد أنظمة معتقدات مشكوك فيها جداً من الناحية الفلسفية. فمثلاً، كثيرون يؤمنون أن لا بد عليه فقط أن يقدم التفسيرات الطبيعية التي تستبعد من اعتباراتها فرضية التصميم. ويرفض علماء كثير الاعتراف بهذا الدليل، ومن ثم ينمو نوع من “التفكير الجماعي”.

بدت إجابته مقبولة، لكنها أثارت سؤالاً من نوع آخر، فقلت: “هناك ملامح مختلفة لهذا الموضوع. فالمتشكك مايكل شيرمر قال إن أغلبية الناس الذين يراهم في حركة “التصميم الذكي” مسيحيون[20]. ألا يقوض هذا شرعية علمهم؟ فربما هم يبحثون فقط عما يريدون أن يجدوه، وليسوا منفتحين على تفسيرات المذهب الطبيعي التي قد تكون كافية”.

بدا ان هذا التحدي قد أثار مير، فقال بحزم: “كل عالم له دوافع، لكن الدوافع لا علاقة لها بتقدير صلاحية النظريات العلمية، أو قضية في محكمة، أو حجة في الفلسفة. عليك أن تستجيب للدليل أو الحجة المقدمة، بغض النظر عمن يقدمها أو لماذا. وإن كان كل شخص في حركة التصميم الذكي متشدداً ويحضر الكنيسة المعمدانية، فهذا لي مهماً. فحججهم يجب أن تُقيّم على أساس استحقاقها”.

فسألته: “ولكن هل هي حركة مسيحية خالصة؟”

فأجاب: “كلا، فهناك علماء من أنصار التصميم الذكي، وهم لا أدريين أو يهود، لكنني ما زلت لا أعتقد أن هذا له صلة بالموضوع. فالغالبية العظمى من الناس المؤيدين للدارونية من أتباع المذهب الطبيعي أو المادي، لهذا يمكنك أن تلعب على دور الدوافع في كلا الاتجاهين”.

“بالإضافة إلى هذا، انظر إلى الأمر بهذه الطريقة: إن اقتنع عالم بالدليل القائل بأن الإيمان بالله حقيقي، وأصبح تابعاً لله، فهل يصبح عندئـذ غير مؤهـل للعمل بالعـلم في هذا المجال؟ بالطبع لا. أقول دعنا نتجاوز هذا الموضوع الجانبي، ونترك الدليل يتحدث عن نفسه. هل التصميم أفضل تفسير أم لا؟”

فقلت له: “هذا يقودني إلى السؤال الثالث. إن كان العلماء يسمحون بإمكانية العمل الإعجازي كتفسير، ألا يمنع هذا البحث المستقبلي؟ لقد اقترح عالم الأحياء كينيث ميلر أن الرجوع إلى وجود مصمم ذكي سينتج عنه طريق مسدود[21]. فلماذا تستمر في اكتشاف مجال ما علمياً، بينما قد تركت مهمتك وقلت: “إن الله فعل هذا؟”

فأجابني مير على الفور قائلاً: “أعتقد أن الوضع قد اختلف الآن”.

“كيف؟”

“لنأخذ موضوع الأصول على سبيل المثال. السؤال المطروح هو: كيف نشأت الخلية على الأرض؟ إن قلت: سوف ندعك تفكر في الإجابات التي تتضمن العمليات المادية، فإن هذا سيوقف أي استفسار، لأن أحد التفسيرات الممكنة لموضوع أصل الحياة هو أن الذكاء ربما يكون قد لعب دوراً في هذا الأمر”.

فقلت: “إذاً فأنت تعتقد أن استبعاد إمكانية التصميم الذكي يعرقل البحث العلمي والعقلاني”.

فأجابني: “هذا صحيح تماماً، وقد رأيته يحدث كثيراً”.

أشرت إليه قائلاً: “تريد أن تغير قوانين اللعبة، أليس كذلك؟”

فقال: “نعم، إلى حد ما. ولا أعتقد أنه من الصواب أن أستشهد بقاعدة ذاتية تقول بأن التفسيرات الطبيعية فقط يمكن أن يقرها العلم. فلتكن لنا فترة جديدة في تاريخ العلم حيث تكون لدينا قواعد منهجية ترعى فعلاً البحث المتحرر عن الحقيقة. يجب أن يُسمح للعلماء أن يتتبعوا الدليل حيثما يأخذهم، حتى وإن قادهم لاستنتاج قد لا يُريح البعض.

مشاركة نفس الأفكار

كان اعتراضي الرابع يختص بموضوع يسمى بـ “الغائية disteleology”؛ وهو يشير إلى تصميم ضعيف بوضوح في العالم البيولوجي والطبيعي. كتب ميلر: “لتبني تفسير التصميم، نحن مجبرون أن ننسب العديد من النقائص إلى المصمم”[22]. وتضمين هذا يقول بأن تصميماً ناقصاً لا يثبت وجود إله كامل.

استشهد ميلر بمثل عين الفقاريات. فقد كتب: “ربما علينا أن نتساءل لماذا وضع المصمم الذكي عصب الشبكية في الجانب الذي يواجه الضوء الداخل إلى العين. فهذا الترتيب يبدد الضوء، ويجعل رؤيتنا أقل تفصيلاً مما يجب أن تكون عليه، بل وتنتج عن ذلك بقعة مصمتة لو شد العصب من خلال الشبكية الحساسة للضوء لكي ينتج العصب البصري الذي يحمل الصور المرئية إلى المخ.[23]”

كما أن دارونيين آخرين، بمن فيهم ريتشارد داوكنز من أكسفورد، انتقدوا التركيب الضعيف للعين. أما جورج ويليامز فقد انطلق ليعلن أن العين قد صممت “بغباء” لأن ” الشبكية موجودة في وضع معكوس”[24].

فتحفز مير للرد: “هناك سبب نفسي مهم يفسر لماذا الشبكية مقلوبة في العين. فداخل التصميم الكلي للنظام، يمثل توازن يسمح للعين أن تعمل الكمية الكبيرة من الأوكسيجين التي تحتاجها في الفقاريات. نعم، هذا يخلق بقعة مصمتة طفيفة، لكن هذه ليست مشكلة لأن للناس عينان، والبقعتان السوداوان المصمتان لا تتداخلان. في الحقيقة تصميم مذهل”.

بعدما قال هذه الكلمات، وقف مير واتجه إلى الجانب الآخر من الغرفة، حيث كانت حقيبته تستند على مكتب. قلب بعض الأوراق، وأخرج في النهاية نسخة مصورة من مقال.

قال وهو يسلمها لي: “في الحقيقة، كتب عالم الأحياء جورج أيوب هذه المقالة لتفنيد الادعاء بأن العين قد أسيئ خلقها”. نظرت إلى المقال الذي يستنتج فيه أيوب؛ أستاذ متخصص في الفيزيولوجيا الخلوية للشبكية، ما يلي:

“إن شبكية الفقاريات تقدم مثالاً ممتازاً للتصميم الوظيفي غير الحدسي. فتصميم الشبكية مسؤول عن حدتها وحساسيتها العالية. وليس حقيقياً ببساطة أن الشبكية عضو ضعيف، وليس من السهل أن نتخيل كيف يمكن أن تُعدل دون إنقاص وظيفتها”[25].

شعرت ببعض الكدر، فوضعت المقالة وقلت: “ربما لا يكون هذا مثالاً جيداً لرداءة التصميم، لكن هناك أمثلة أخرى كثيرة”.

فقاطعني مير: “لا تنتقل بسرعة كبيرة. هناك درس جيد ههنا. فالناس يقدمون ادعاءات كثيرة عن تصميم بيولوجي سيء، ولكن في بعض الأحيان تتغير الصورة كلها عندما تسمع بقية القصة. فمثلاً، يطلق الناس على تصميم معين أنه سيء لأنهم ينظرون إلى عامل واحد فقط، ويدعون أنه كان من الممكن أن يكون قد صمم بشكل أفضل. ومع ذلك، يعرف المهندسون أن كل التصميمات تتطلب جمع كل العوامل، ومن هنا فإن التوازنات لا يمكن تجنبها لخلق النتيجة الكلية الأفضل”.

كانت هذه جملة طويلة تتطلب توضيح، فقلت له: “أعطني مثالاً”.

فأشار إلى كمبيوتر آبل في الحقيبة المفتوحة، عند قدميّ. وقال: “أحياناً ما يُقدم مثال الكمبيوتر المحمول. يمكنك أن تنظر إلى الشاشة وتقول: “تصميم سيء، كان يجب أن يكون أكبر حجماً”. ويمكنك أن تنظر إلى الذاكرة وتقول: “تصميم سيء؛ كان يجب أن يكون أكثر سعة”، ويمكنك أن تنظر إلى لوحة المفاتيح وتقول: “تصميم سيء”؛ كان يجب أن تكون أكثر سهولة في الاستعمال”.

“لكن المهندس ليس مفروضاً عليه أن يصنع أفضل شاشة، وأفضل ذاكرة، وأفضل لوحة مفاتيح – لكن من المفروض أن ينتج أفضل كمبيوتر بحجم، ووزن، وثمن معين، ومتطلبات نقله. هل كان من الممكن أن تكون الشاشة أكبر؟ نعم، ولكنها ستكون أثقل وزناً. هل كان من الممكن أن تكون الذاكرة أكثر سعة؟ بالطبع لكن التكلفة ستكون أكثر”.

“لذلك هناك توازنات لا يمكن تجنبها. يمكنك انتقاد كل جزء على حدة، ولكن ليست هذه هي القضية. فالقضية الحقيقية هي كيف يعمل الكمبيوتر المحمول جيداً. هذا هو الفكر الهندسي الجيد. وهذا يفسر بعض الأمثلة التي ذكرناها”.

بينما كان هذا الكلام يشكل معنى، إلا أنه لم يجب على كل الاستفسارات، فقلت له: “عليك أن تعترف بأن هناك بعض الأمثلة التوضيحية لـ “رداءة التصميم” يصعب تفسيرها للغاية”.

فأجابني: “لست أنكر هذا. فبعضها سخيف، والبعض الآخر أكثر مدعاة للتفكر والاهتمام؛ فهي تتطلب مجهود التفكير العميق. مثلاً، إدعى جولد أن إبهام حيوان الباندا يبدو أن به نوع من الضعف jerry-rigged، وغير مصمم. أما الخبراء المتخصصون في الباندا فيقولون إن تصميمه هكذا فعال جداً لأنه يساعد في نزع لحاء البامبو. ففي ظل غياب معيار تحديد التصميم الجيد، الذي لا يمكن لجولد أن يقدمه، يصعب أن نقول ما إذا كان تصميماً جيداً أو رديئاً. فهو يبدو أنه يؤدي وظيفته بطريقة رائعة.

“التوضيحات الأخرى لـ “الغائية” تدخل في موضوعات ثيوقراطية، أو قبول الإيمان بالله وبالشر الطبيعي. فمثلاً، ماذا عن الفيروسات والبكتيريا التي تؤذي الناس؟ هل الله هو الذي خلقها؟ آمن اللاهوتيون الطبيعيون في القرن التاسع عشر أنه إذا كان الله الكامل قد خلق العالم، عندئذ سيكون العالم كاملاً، ولهذا لم يكونوا مؤهلين جيداً للتعامل مع حجج دارون المتعلقة بالغائية”.

“ومع ذلك، فمن وجهة نظر كتابية، لا يوجد توقع بأن الطبيعة ستكون كاملة. فالكتاب المقدس يقول إنه كان هناك فساد او تدهور لأن الشر قد دخل العالم وأفسد التصميم الأصلي. ولم نُعطي كل التفاصيل لكيفية حدوث هذا، لكن رسالة بولس إلى أهل رومية تؤكد ان العالم الطبيعي يئن للفداء، لأنه حدث خطأ في الخليقة الأصلية[26]. وبناء على القول الكتابي، يمكننا أن نتوقع أن نرى في الطبيعة كلاً من دليل التصميم، وأيضاً دليل التدهور والفساد – وهذا ما نراه فعلاً”.

حان الوقت كي ننتقل إلى شيء آخر، لكنني نظرت إلى الكمبيوتر المحمول في حقيبتي. وكان عليّ أن أصرح بأن تفسيرات مير الأساسية عن رداءة التصميم كانت تحمل معان واضحة.

خريطة المستقبل

بينما كنا نستجمع حديثنا، شعرت قليلاً بنفس شعور مير عندما حضر مؤتمر دالاس في العام 1985: متحمساً للدفاع العلمي التأكيدي لوجود الله. وحتى الآن، كان الدليل من التلسكوب إلى الميكروسكوب يشير بقوة في إتجاه خالق – وهذه حالة لم أكن أحلم بتحقيقها على الأطلاق عندما كنت طالباً. فتولدت في داخلي رغبة ملحة لمواصلة بحثي.

كنت لا أزال أختبر في داخلي تشككاً كامناً. هل سيعلق الدفاع عن خالق بينما كان يُفحص بعناية أكثر، وبينما كنت أحاور خبراء بكل الأسئلة التي انتابتني؟ ما التفاصيل الجديدة الجذابة التي يمكن أن يقدمها أولئك الذي قضوا سنوات في دراسة فئات متنوعة من الأدلة التي وصفها مير؟ هل سيخرج دفاعه قوياً أم ضعيفاً أم محطماً؟

كصحفي مختص بالشؤون القانونية، شاهدت الكثير من المحاكمات حيث يقدم المدعي وجهة نظر مقنعة للدليل أثناء دفاعه الافتتاحي لهيئة المحلفين. لكن القاضي يوجه هيئة المحلفين دائماً بأن كلمات المدعي ليست هي الدليل. إنها مجرد خريطة تساعده على تقديم الشهادة اللاحقة من خلال الشهود.

وبنفس المعنى، هذا ما أتاحه لي مير: ملخص الدليل العلمي للإيمان. والآن حان الوقت بالنسبة لي لمحاورة خبراء الكونيات، والطبيعة، والفلك، وعلم الأحياء المجهري، والمعلومات البيولوجية، والوعي كي أرى ما إذا كان الدفاع قوياً جداً كما قال مير. كانت خطتي أن أبدأ من البداية – أصل الكون، الذي حدث في انفجار للطاقة كان في منتهى القوة حتى إن صداه ما زال يُسمع بعد مرور بلايين السنين. لم أسع انتظار لحظة البداية!

ابتسامة الله الساخرة

ومع ذلك، لم أرد أن أغادر قبل قضاء عدة لحظات للتأمل في انطباعاتي عن مير. لقد أعجبت بشكل خاص بمزيجه المحبب من العمق الأكاديمي للأستاذ الجامعي، وذكاء المحامي، والجدية الساحرة للمتحمس. ولكن بينما كنا نتحدث كثيراً عن العلم، وقليلاً عن الفلسفة، وأقل عن اللاهوت، أدركت أننا لم نتطرق إلى تأملات مير الخاصة. فرحلته من كونه عالم إلى مدافع عن التصميم الذكي كانت شيقة بالنسبة لن، وشعرت بنوع من الفضول كي أعرف شيئاً عن حياة ستيفن مير الروحية.

فسألته: “عبر السنوات التي درست فيها الأدلة العلمية التي تؤيد الإيمان بالله، كيف أثر ذلك على إيمانك؟”

فأجابني: “لا جدال انه قد شدد إيماني، كان إتجاهي بالتحديد نحو اكتشافات أكثر تشير إلى الله، وهذا ما يثيرني. هناك أناس أكثر وأكثر يجدون أنفسهم منفتحين على الله نتيجة للاكتشافات الحديثة التي تجعل الإيمان بالله أفضل تفسير لدليل الطبيعية”.

وبقوله هذا توقف. لقد كانت إجابة آمنة، لكني خمنت أنه كان يحسب ما إذا كان عليه أن يخاطر أكثر من ذلك. شعرت أنه إنسان يشعر بارتياح وهو يطري فضائل الأحياء المجهرية أكثر مما يتطرق إلى موضوع شخصي كعلاقته الخاصة مع الله. ولكن فيما جلست بهدوء مصغياً، كان على وشك أن يبرهن خطأ إحساسي.

واصل كلامه: “هناك شيء واحد لم أخبرك إياه عن رحلتي الروحية؛ وهو أنه لمدة سنتين من حياتي، كنت منجذباً جداً لرؤية نيتشه عن الوجودية. فقد كان نيتشه لديه اعتراض مختلف عن تلك التي كنا نتحدث عنها. لقد تساءل: لماذا يجب أن يحكم الله وأخدم أنا؟ واقتنعت بهذا السؤال. فلماذا يكون شرط سعادتي خاضعاً لإرادة الله؟ شعرت أنه لا يمكنني أن أكون سعيداً بدونه، وكنت أعلم أن أسلوب حياتي الرديء قد جلب لي البؤس. وانتهى بي الأمر بأنني كما لو كنت أتحدى الله وأنا في حقل قمح في ولاية واشطن”.

“ما أقصده هو أن الثورة الذهنية التي يتحدث عنها الرسول بولس حقيقية تماماً في حياتي الخاصة. وحتى اليوم في تفكيري المسيحي، أجد في نفسي ميلاً للاتجاه إلى ما يشير إليه بولس كالذهن الطبيعي. وإليك كيف يفيدني الدليل العلمي المؤيد لله: إنه يغيرني. إنه يساعدني في إدراك أنه رغم ميلي الطبيعي نحو التركيز الذاتي والاستيعاب الذاتي، لا يمكنني أن أتجاهل ما حققه الله في هذا العالم كي يجعل كل إنسان يعرف أنه حقيقي، وأنه الخالق، وأننا بحاجة لأن نتصالح معه”.

“لا أرى ذلك في علم الكونيات والطبيعة والأحياء فقط، بل أيضاً في الرؤيا التاريخية للكتاب المقدس، وأساساً في رؤيا يسوع المسيح نفسه. إنه مؤثر للغاية! كان أينشتين يؤمن بهذا. وكان نابليون يؤمن بهذا. لقد أسر هذا الناصري ألبابهم، وما زال يأسر لبي أنا أيضاً”.

“أتذكر أنني فكرت ذات مرة أنه إن لم يكن يسوع الكتاب المقدس حقيقياً، لكنت بحاجة لعبادة من خلقه. إن يسوع أسمى تماماً من تفكيري! ودليل وجود الله في الطبيعة يقودني باستمرار إلى شركة أعمق وأكمل معه. ودراستي للأدلة العلمية ليست منفصلة عن حياتي كمسيحي، لكنها مشكلة من خلال ذاك الاختبار”.

“أتذكر عندما بدأت لأول مرة تدريس منهج جامعي عن أدلة وجود الله، انتقدني بعض الناس الذي ادعوا أن مثل هذه الحجج يمكنها أن تجعل من العقل صنماً. أو من العلم إلهاً. شعرت بالقليل من التحفظ لفترة، لكني لم أستمر في هذا التحفظ. لقد توصلت حتى إلى اقتناع أقوى بأن هذا هو الدليل الذي استخدمه الله كي يكشف لنا ذاته”.

“انظر إلى النجوم في سماء الليل، وأتأمل في تركيبة وخواص جزيء الـ DNA الحاملة للمعلومات، وتكون هذه فرص كي أعبد الخالق الذي أتى بها إلى الوجود. أفكر في الابتسامة الساخرة التي قد تظهر على شفتي الله بينما ظهرت في السنوات القليلة الماضية كل أنواع الأدلة على صحة الكتاب المقدس، وخلق الله للكون والحياة. أؤمن أنه سمح أن ينكشف لنا كل هذا بعنايته السماوية، وأنه يُسر عندما نكتشف بصمات أصابعه في الكون الواسع، وفي بقايا علم الباليونتولوجي الغبارية، وفي تعقيد الخلية”.

“ولهذا فإن اكتشاف الأدلة العلمية والتاريخية على وجود الله ليس مجرد اختبار معرفي، بل أيضاً نوع من العبادة بالنسبة لي. إنه وسيلة لإعطاء الخالق الفضل، والاحترام، والمجد الذي يستحقه. وأن ننسب الخلق لمجرد عملية طبيعية بمثابة نوع من الحب الأعمى الذي نميل إليه جميعاً. لست أدين زملائي أنصار المذهب الطبيعي لميلهم إلى ذلك. فقد كنت أنا كذلك. وكل منا لديه ميلاً للتقليل من قدر الله، وأن نفكر ونتصرف كما لو لم نكن عمدنا حقاً في خليقته، وأننا لسنا بأنفسنا نتاج قوته الخالقة الجبارة.

“إن النظر إلى الأدلة – في الطبيعة وفي الكتاب المقدس – يذكرني باستمرار من هو الله. ويذكرني من أنا أيضاً – إنسان يحتاج إليه”.

 

 

 

 

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

Dembski, William. The Design Revolution: Answering thd toughest Question about Intelligent Desgin.

Downer’s Grove,III., Intervarsity 2004.

McGrath. Alister. The Face of God. Grand Rapids, Mich.;Eerdmans. 2002.

Meyer. Stephen C. Evidence for Design in Pysics and Biology. “In Science and Evidence for Design in the Universe, eds. Michael J. Behe, William A. Demski, and Stephen C. Meyer. San Francisco;. Ignatius. 1999.

– “Modern Science and Return of God Hypothesis. “In Science and Christianity: Four Views, ed. Richard F. Carlson. Downer’s Grover, III.: InterVarsity, 2000.

Moreland, J. P. Christianity and Nature of Science.

Grand Rapids, Mich.: Baker. 1989.

Witham. Larry. By Design: Science and Search for God. San Francisco;. Encounter. 2003.

[1] Steven Weinberg, “ADesigner Universe?” The New York Review of Books (October 21, 1999), adapted from a talk given at the Conference on Cosmic Design of the American Association for the Advancement of Science. Washington, D.C., April 1999 (emphasis added).

[2] John Plokinghorne, Quarks, Chaos, and Christianity (New York: Crossroad, 1994), xii.

[3] Sharon Begley, “Science Finds God,” Newsweek (July 20, 1998).

[4] Ibid.

[5] See: Dean H. Kenyon and Gary Steinman, Biochemical Predestination (New York: McGraw-Hill, 1969).

[6]Allan Sandage, “A Scientist Reflects on Religious Belief,” available at: www. Leaderu. Con/truth/ltruth5.html (January 7, 2003).

[7] J. P. Moreland, Christianity and the Nature of Science, 103.

[8] Review of Carl Sagan, The Demon-Haunted World: Science as a Candle in the Dark (New York: Ballantine, 1997) in the New York Review of Books (January 9, 1997).

[9] Stephen Jay Gould “Nonoverlapping Magisterial,” Natural History 106 (March 1997). See also: Stephen Jay Gould Rocks of Ages (New York: Ballantine, 1999).

[10] Stephen Jay Gould, Rocks of Ages, 14.

[11] Phillip E. Johnson, “The Church of Darwin,” Wall Street Journal (August 16, 1999).

[12] See: Malcolm W. Browne, “Clues To Universe Origin Expected,” New York Times (March 12, 1978).

[13]Fred Hoyle, “The Universe: Past and Present Reflections,” Annual Review of Astronomy and Astrophyics 20(1982).

[14] Paul Davies, The Comsmic Blueprint (New York: Simon & Schuster, 1988), 203.

[15] Richard Dawkins, River Out Eden (New York: Basic Books, 1995), 10.  

* الإيمان بالله بغير الاعتقاد بديانات منزلة.

[16] Stevern HGifis, Law Dictionary (Woodbary, N.Y.: Barren’s Educational series, 1975), 33-34.

[17] David Briggs, “Science, Religion Are Discovering Commenality in Big Bang Theory,” Los Angeles Times (May 2, 1992).

[18] See: Michael Shermer, How We Believe (New York: W. H. Freeman, 2000, 72-73, 251.

[19] Sharon Begley, “Science Fends God,” Newsweek (July 20, 1998).

[20] Michael Shermer, How We Believe, xxix.        

[21] Kenneth R. Miller, Fending Darwin’s God (New York: Cliff Street Books, paperback edition, 2000), 28.

[22] Ibid., 101.

[23] Ibid.,

[24] G. C. Williams, Natural Selection: Domainns, Levels and Challenges (Oxford: Oxford University Pess, 1992), 73, 72.

[25] Goerge Ayoub, “On the Design of the Vertebrate Retina,” Origins & Design 17:1, Winter, 19%.

[26] Romans 8:22 “We Know that the whole creation has been groaning as in the pains of childbirth right up to the present time.”

حيث يلتقي العلم بالإيمان – لي ستروبل

قراءة في كتاب "القضية الخالق" | لي ستروبل

قراءة في كتاب “القضية الخالق”

الجزء الأول ” صور التطور “

 

لفترة طويلة تمنيت أن اقرأ كتاب “القضية الخالق” للمحقق الصحفي وأيضا الملحد السابق لي ستروبل, فانا قرأت أجزاء واقتباسات في النسخة الانجليزية وأعجبت بطريقته الحوارية وأسائلته التي يود الكثير منا الاستفسار والبحث عنها , وأيضا تكلم شخصيا عن الأسباب العلمية التي عززت إلحاده والتي وضعها تحت الاستجواب في كتابه “القضية الخالق”.

يتكلم في بداية كتابه عن تغطيته لأحداث في غرب فيرجينيا بسبب استياء وتذمر من أولياء أمور الطلاب هناك بسبب بعض الكتب التي قالوا عنها أنها جعلوا الله نظرية تحتمل الصواب والخطأ وأنها تعلم أطفالهم عدم محبة الله . ويذكر في النهاية أنه عرف بالبديهة ما صرح به عالم الأحياء التطوري والمؤرخ الشهير ويليام بروفاين من جامعة كورنيل في إحدى المناظرات .قال ” إن كانت الداروينية حقيقة ,فهناك خمسة نتائج لا يمكن الهروب منها : 1- لا يوجد دليل على وجود الله . 2- لا توجد حياة بعد الموت . 3- لا يوجد معيار مطلق للصواب والخطأ . 4-لا يوجد معنى نهائي للحياة . 5- ليس للناس إرادة حرة حقا .

بعد ذلك يتذكر فترة المدرسة الثانوية والموضوعات العلمية المتعلقة بفصول الأحياء والتي كانت له دور في التفكير في أن كل ماهو علمي هو جيد وعقلاني وماهو غير علمي هو شئ عتيق ولا يستحق إيمان من يفكرون.وفي مدارس الأحد كانت أسئلته الكثيرة “لماذا؟” لاتلقى قبول وترحيب بينما باقي التلاميذ الآخرين يقبلون الحقائق الكتابية بشكل أوتوماتيكي . وكانت أسئلته تقاوم بالصد وبدلا من الإجابة على أسئلته كانوا يطالبونه بقراءة وحفظ الآيات وأقوال اللاهوتيين . وأصبح اهتمامه بعيد عن الإيمان والروحيات واعتبرها أمور ساذجة ولكن أصبح اهتمامه منصب في العلم وحقائقه الأكيدة . ويتذكر مقولة ليوجين سكوت “لايمكنك أن تضع إله كلي القدرة في أنبوبة اختبار , فإن لم يكن هناك دليل علمي أو عقلي للإيمان بمثل هذا الوجود . فلايهمني الأمر ” .

ويلخص الصور “العلمية”  التي انطبعت في ذاكرته والتي عززت فيه فكرة “عدم وجود الله أو عدم الحاجة لوجود الله”  وهي كالتالي :

  • تجربة ستانلي ميلر : يتذكر شكل القوارير والأنابيب والأقطاب الكهربائية التي شكلت جهاز ستانلي ليقوم بتجربة غير عادية وهي إنتاج القوالب البانية للحياة بطريقة صناعية وتمكن من إنتاج مادة لزجة حمراء تحتوي على أحماض امينية . وبهذا لاحاجة لنا إله إذ كانت الكائنات الحية بإمكانها أن تخرج من تلقاء نفسها من حساء بدائي .
  • شجرة داروين : في قرأتنا لكتاب أصل الأنواع لتشارلز داروين سوف نجد تفسيره لوجود الكائنات وعبر عنها من خلال شجرة أصلها نموذج أصلي مجهول عاش في الماضي البعيد “الشربة العضوية”. وكان صديقنا ستروبل مفتونا بتأكيد التطور الكبير وهو أن الاختيار الطبيعي الذي يعمل في تنوع عشوائي يمكنه أن يوضح كيف أن الخلايا البدائية قد تحولت خلال فترات زمنية كبيرة جدا إلى كل أنواع الكائنات , بما فيها البشر وبمعنى آخر , تحولت الأسماك إلى البرمائيات ,ثم تحولت البرمائيات إلى زواحف , والزواحف إلى طيور وثديات , والبشر لهم نفس السلف المشترك للقرود . وبينما أن ميلر نادى بأن الحياة ربما تكونت تلقائيا في المحيطات الكيميائية للأرض القديمة ,ونظرية داروين تفسر كيف أن ملايين الكائنات تطورت ببطء والتدريج على مدى ملايين السنين .
  • رسومات الأجنة لارنست هايكل : قدم عالم الأحياء الألماني أرنست هايكل _ الذي يمكن أن تجد رسوماته للأجنة في كل الكتب التي تتكلم عن التطور تقريبا _ دليلا قويا على أن كل أنواع الحياة لها نفس السلف , حيث وضع صور لأجنة لسمكة وسلمندر وسلحفاة وكتكوت وخنزير وعجل وأرنب وإنسان بجانب بعضها البعض وكان من الواضح أن جميع الأجنة في مرحلتها الأولية متشابهة بصورة كبيرة وحتى لايمكنك تمييز الأجنة عن بعضها . وقد عبر عن اندهاشه عن ذلك حيث أنها سوف تتمايز بشكل مختلف جدا في نموها ويقول بان الجنين الإنساني من الممكن أن يكون أي من هذه المخلوقات الأخرى . وداروين كان على صواب عندما قال “علينا أن نعترف بصراحة بالسلف الكوني المشترك .
  • الحلقة المفقودة “تطور الزواحف إلى طيور” : أنها أشهر حفرية في العالم وتسمى الطائر الأول “أركيوبتركس” وهو مخلوق يرجع تاريخه إلى 150 مليون سنة . هذا المخلوق له أجنحة وريش وعظم الترقوة التي للطيور ,ولكن لديه ذيل كذيل السحلية ومخالب في أجنحته واعتبروه الحلقة المفقودة بين الزواحف والطيور . وبهذه الحفرية تتأكد صورة داروين للتطور فها نحن نرى نصف طائر ونصف زاحف , وبهذا يكون علم الباليونتولوجي “علم الأحياء القديمة أو علم المتحجرات” قد دعم نظرية داروين .

 

من خلال الصور السابقة أصبح ستروبل مقتنعا تماما بأن داروين قد أستبعد أية حاجة لله ويقول أنه لم يعد يذكر عدد المتشككين الروحيين الذين قالوا له أن شكوكهم قد زرعت في المرحلة الثانوية أو الجامعية عندما درسوا الداروينية ويذكر قول ريتشارد دوكنز “كلما أزداد فهمك لأهمية التطور , كلما ابتعدت عن اللاأدرية واتجهت نحو الإلحاد ” .

 ومع ذلك فانه يذكر بعض الأمثلة لعلماء مؤمنين ومقتنعين جدا بنظرية التطور الداروينية ” macroevolution”  ,ولكنه يقول أنه لم يستطع أن يفهم كيف أن الداروينية التي تعلمتها تركت أي دور ذو معنى لله .حيث أن عملية التطور غير موجهة وكان هذا يستبعد أوتوماتيكيا أي إله فوق الطبيعة يشد الخيوط خلف الستار .

بعد ذلك يعرض لي ستروبل آراء العلماء والمفكرين عن التطور فمنهم من يوضح أن لا حاجة لوجود الله حيث أن التطور فسر وجود الكائنات  والبعض قال انه من الممكن أن الله استخدم التطور في عملية الخلق ومنهم من قال أن الله عمل من خلال قوانين الطبيعة لدرجة جعل عملها لايمكن اكتشافه ولكن المسيحيون يقولون أن الله ليس إله محتجبا وانه تدخل بقوة في العالم “لان منذ خلق العالم ترى أموره غير المنظورة وقدرته السرمدية ولاهوته مدركة بالمصنوعات حتى أنهم بلا عزر” ويذكر أراء ناقدي الداروينية ومنهم أستاذ القانون فيليب جونسون ,مؤلف الكتاب ذائع الصيت لنقد الداروينية “محاكمة داروين” فهو يقول ” الهدف كله من الداروينية هو إظهار أنه لاحاجة إلى خالق يسمو فوق الطبيعة لان الطبيعة يمكنها أن تقوم بعملية الخلق من تلقاء نفسها ” ويتفق معه العالم البيولوجي التطوري أرنست مير فيقول “الجوهر الحقيقي للداروينية هي الاختيار الطبيعي الذي يسمح بتفسير التكيف بالوسائل الطبيعية بدلا من التدخل الإلهي” وأيضا تطوري بارز آخر وهو فرانسيس آيالا ,رسم قسا دومينيكيا  قبل عمله بالعلوم ومع ذلك رفض في لقاء أخير له ما إذا كان لايزال يؤمن بالله وقال “كان أعظم انجاز لداروين وانه أوضح بان الكائنات الحية يمكن تفسيرها بصفتها نتيجة عملية طبيعية واختيار طبيعي ,دون أدنى حاجة للجوء إلى الخالق أو عامل خارجي آخر .

عندما سأل أحد المحامين بروفاين ما إذا كان هناك “وضع تطوري مسيحي أمين من الناحية المعرفية أم علينا ببساطة أن نترك عقولنا على أبواب الكنائس ” فكانت الإجابة بصراحة “عليك حقا أن تترك عقلك” .

وكان في رأي لي ستروبل بان داروين قضى على الله وبهذا كان اتجاهه للإلحاد على الرغم من انه يقول “لم أكن على أاستعداد لفحص بعض التضمينات المحبطة لفلسفتي الجديدة . تجاهلت بارتياح الصورة المؤلمة التي رسمها الفيلسوف الملحد برتراند راسل ,الذي كتب أن العلم قدم لنا عالما “بلا هدف” و “خالي من المعنى” .

يقول لي ستروبل انه بسبب خلفيته القانونية والصحفية لم يتوقف على توجيه الأسئلة ,وأيضا بسبب إيمان زوجته وقرارها انها سوف تتبع يسوع المسيح فجعله يستمر في طرح الأسئلة فيقول هل من المقدر أن يظلا  العلم و الإيمان في حرب دائمة هل كنت على صواب في تفكيري بان الإنسان ذي تفكير العلمي يجب أن يتجنب المعتقدات الدينية أم أن هناك  أساس طريقة مختلفة لرؤية العلاقة بين ماهو روحي وماهو علمي؟ , هل الأدلة العلمية الجديدة تؤيد أم تعارض وجود الله؟,هل مازالت صور التطور التي دفعتني للإلحاد صالحة في ضوء الاكتشافات العلمية الحديثة؟ ,إلى أين يشير سهم العلم “إلى الله أو إلى داروين” ؟

 

في الجزء الثاني من القراءة في الكتاب سوف نجد أن ستروبل اهتم بتوجيه أهم الأسئلة العلمية الخاصة بالصور السابقة لعلماء متخصصين وسوف نكتشف حقائق كانت غائبة أو مغطاة كشف عنها ستروبل النقاب .

كتاب القضية الخالق لي ستروبل، صحفي يتحرى البرهان العلمي الذي يؤيد الله

كتاب القضية الخالق لي ستروبل، صحفي يتحرى البرهان العلمي الذي يؤيد الله

كتاب القضية الخالق لي ستروبل، صحفي يتحرى البرهان العلمي الذي يؤيد الله

 

كتاب القضية الخالق لي ستروبل، صحفي يتحرى البرهان العلمي الذي يؤيد الله

محتوى الكتاب

العلماء ذوي الملابس البيضاء ضد الوعاظ ذوي الملابس السوداء

شكوك حول الداروينيّة

حيث يلتقي العلم بالإيمان

برهان علم الكونيات: البدء بإنفجار

برهان علم الفلك: الكوكب المتميز

برهان الكمياء الحيوية: تعقيد الآلات الجزينية

برهان المعلومات الحيوية: تحدي الـ DNA وأصل الحياة

برهان الوعي: لغز العقل

التجميع للقضية … الخالق

ملحق: ملخص كتاب “القضية .. المسيح”

مشاورات: أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

للتحميل اضغط هنا 

Exit mobile version