كتاب الله والإلحاد الدليل المختصر للأسئلة حول وجود الله – القس أمير ثروت PDF
كتاب الله والإلحاد الدليل المختصر للأسئلة حول وجود الله – القس أمير ثروت PDF
ج: أعلن التطوُّريون أكثر من مرة أنهم اكتشفوا الحلقة المفقودة بين القردة والإنسان، فأظهروا جزءًا مثلًا من حجمه أو عظمة فك أو حتى ضرس واحد، وتخيلوا شكلًا معينًا بحسبما يشاؤون لصاحب هذا الجزء أو ذاك الجزء، فراحوا يرسمونه منتصبًا وبملامح الشمبانزي، وأحيانًا كانوا يصوُّرونه مع عائلته وفي بيئته الطبيعية يمارس أعماله التي اعتاد عليها، ويدَّعون أن هذا هو أب البشرية.
ويقول البروفسور “إيرنست هوتون”E. A. Hooton بجامعة هارفارد ” بعض المشتغلين بالتشريح يعيدون تشكيل الجماجم التي تكتشف في الحفريات بإعادة بناء التفاصيل الدقيقة بالرأس والوجه على غلاف الجمجمة لتدل على مظهر الإنسان الذي كان له أثناء حياته. هذه الطريقة تعطي فرصة كبيرة للشك في صحة التفاصيل الصغيرة المُعاد تشكيلها.. إن محاولة الاحتفاظ بالتفاصيل الدقيقة هي محاولة خطيرة إذ أن الأنف والفم والعينين والشفاه لا تترك أي دليل يشير إلى شكلها في عظام الجمجمة يمكن الاسترشاد به عند إعادة تشكيلها.. فأنت تستطيع – على جمجمة للإنسان النباندرثالي – أن تُشكّل ملامح شمبانزي أو ملامح فيلسوف بنفس السهولة. هذا الاحتفاظ المزعوم بأشكال الإنسان القديم فائدته العلمية قليلة فضلًا عن أنه مُضلّل للعامة، فإن بكل تأكيد غير معقول أن تُعيد تشكيل رأس إنسان جاوة من مجرد العثور على عظمة غطاء الرأس وسنتين أو ثلاثة من أسنانه. فنحن لا نعلم شيئًا بالمرة عن التفاصيل الدقيقة والجزئية لمظهر إنسان جاوة أو الإنسان النياندرثالي.. إلخ مثل شكل الشعر وتوزيعه ولونه إلى آخر التفاصيل التي تميز ملامح كل منها. لهذا لا نثق في بدء إعادة تشكيل الجماجم المُكتشفة في الحفريات”(1)
كما يقول “هوتون” أيضًا “أن محاولة إعادة بناء أو تركيب الأجزاء اللينة مهمة تحف بها المشاكل والمخاطر ذلك لأن الشفاه والعيون والأذان وطرف الأنف.. إلخ لا تترك أية آثار على الأجزاء العظمية التي تكسوها، ويمكنك أن تشكل بنفس السهولة من جمجمة شخص شبيه بالشخص النياندرتالي نموذجًا بملامح شمبانزي أو بقسمات فيلسوف. أما فيما يتعلق بإعادة البناء المزعومة لأنواع قديمة من البشر استنادًا إلى بعض بقايا فإنها لا تحظى بأي قيمة علمية، وهي لا تستعمل إلاَّ للتأثير على العامة وتضليلها، لذا لا يمكن الثقة بإعادة التركيب”(2)(3).
وأيضًا يقول بروفسور ” هوتون”.. ” لذلك لا تضع ثقتك في عملية إعادة التكوين هذه.. بل ولا عجب إذا كان الأستاذ ” ف. ر. جونز ” من جامعة لندن، حكم على تكوين النماذج الخيالية أو رسمها واستنبطها من الخيال بأنه {أقل الأعمال جدارة بعلم دراسة جنس الإنسان}”(4).
ويقول ” ديفيد بيلبيم ” عالِم الإنتروبولوجيا من جامعة هارفارد ” على الأقل في علِم الحفريات الذي هو ساحتي واختصاص، فإن النظرية – أي نظرية التطوُّر – وُضعت على أساس تأويلات معينة أكثر من وضعها على أساس من المعطيات والأدلة الفعلية”(5).
إنسان جاوة – إنسان هيلدبرج – إنسان نياندرثال – إنسان بليدْاون – السيد هيسبير أويوتيكص والسيدة قرينته – أوتابينغا
جاء في دائرة المعارف الكتابية عما عثر عليه التطوُّريون سنة 1891م في جزيرة جاوة ” فإن اكتشاف دكتور ديبوا في جزيرة جاوة قمة جمجمة ورأس عظمة ساق وبعض الأسنان لحيوان، يفترضون أنه من الثدييات الشبيهة بالإنسان، لا يقدم لنا الدليل الحاسم المطلوب، ولقد انقسم الرأي في حقيقة الأمر منذ البداية، بصورة غريبة بين علماء الطبيعيات، وقد شك ” فركاو ” في انتماء هذه الأجزاء إلى نفس الحيوان الواحد.. ومن بين أربعة وعشرين عالِمًا فحصوا تلك البقايا عندما اُكتشفت، ظن عشرة منهم أنها لقرد، وسبعة منهم اعتقدوا أنها لإنسان، وسبعة في أنها لأحد الأشكال المتوسطة بينهما(6) وفي مؤتمر الأنثروبولوجيا الذي عُقد في لندن في سبتمبر 1899م، قرأ دكتور بوميللر ورقة أعلن فيها، أن ما يزعمونه ” بيثيكانثروبس أركتس ” أي الإنسان القرد المعتدل القامة، أو الإنسان جاوة، ليس إلاَّ جيبونًا (قردًا رشيق الحركة) كما قال فركانو من البداية”(7)(8).
كما يقول ” هنري م. موريس”.. ” لعل أسوأ هذه الآثار هو ” بيتيكانتروبس إيركناس ” الذي عُثر عليه في جاوة سنة 1891 – 1892م، فقد تكوَّن هذا الأثر من قطعة من قصعة جمجمة وقطعة من عظمة فخذ أيسر وثلاثة ضروس، ولم توجد هذه الأجزاء مع بعضها، بل في مساحة مقدارها 50 قدمًا، وعُثِر عليها على مدى عامل كامل في قاع نهر قديم مختلطة ببقايا عظام حيوانات مُنقرضة، وعلى ذلك يعتبرها علماء علم التطوُّر قرينة هائلة تؤكد صدق نظريتهم، فهل يُعقل أن تقوم نظرية أو حتى فلسفة على قرائن واهية هكذا؟! وهل يجوز بعد ذلك أن يتمادى البعض حتى ينكر وجود الله بسبب هذه النظرية المدمرة؟! لقد عُثِر في السنوات الأخيرة على أثر في جاوة ظنه بعض العلماء لفترة طويلة من الزمن أنه لإنسان العصر الحديث، ولكن بمزيد من الدراسة اتضح أنه بقايا قرد لا تمت للبقايا الأخرى بأي صلة”(9).
عثر التطوُّريون على عظمة فك تحتفظ بأسنان سليمة، فنسجوا حولها التخيلات وقالوا أنها تخص الإنسان البدائي، ودعوه “إنسان هيلدبرج” ثم اتضح أنها تخص إنسانًا عاديًا، وعرض ” بيركنر ” العلامة الألماني جمجمة إنسان من الإسكيمو تحمل نفس الملامح(10).
نسبة إلى وادي نياندرثال في أوربا الوسطى، حيث عثر التطوُّريون على عظام جمجمة وعظام ذراع وعظام ساق وعظمة حوض وأجزاء من الضلوع، وإدعى التطوُّريون أنها تمثل الحلقة المفقودة بين القردة لأنها تشبه الغوريلا. ثم اتضح أنها تخص إنسانًا يعاني من بعض الأمراض التي أثرت على عظامه، فيقول العلامة ” رودلف فرنسو”.. ” إن هذه الأعضاء قد تغيرت كثيرًا بسبب مرض كان بها (إذ وُجِد بها أثارًا من لين العظام وراء المفاصل)”(11) كما قال ” هكسلي ” الذي يؤمن بنظرية التطوُّر ” لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعتبر أن عظام نياندرثال كبقايا لإنسان متوسط بين الإنسان والقرد”(12).
فإنسان نياندرثال يمثل جنس من الأجناس البشرية يتميز بالقوة وكبر حجم الجمجمة الذي يصل إلى 1740 سم3 وقال عالِم الحفريات ” إريك ترانيكاوس ” وهو من جامعة نيومكسيكو ” لقد أظهرت المقارنات التفصيلية بين بقايا الهيكل العظمي للإنسان النياندرثالي، وبقايا الهيكل العظمي للإنسان العصري عدم وجود أي شيء في تشريح الإنسان النيناندرثالي يدلل بشكل قاطع على أن قدراته الحركية أو اليدوية أو الفكرية أو اللغوية أقل من نظيراتها في الإنسان العصري”(13).
ويتسم إنسان نياندرثالي والإنسان المنتصب القامة بنتوء عظمي في الظهر، فقد كان النياندرثاليون يصنعون الآلات الموسيقية، وتجمعهم قرابات ثقافية، وكانوا يدفنون موتاهم، مثلهم مثل أي إنسان قوي يعيش بيننا، فهم يمثلون جنسًا بشريًا تعرض للانقراض، ولكن دعاة التطوُّر مازالوا يصوُّرونهم على أنهم يشبهون القردة.
ويقول الدكتور مصطفى عبد العزيز ” وكان إنسان نياندرثال يهيم على وجهه في الغابات -مثله كمثل غيره من الحيوانات- يتغذى على ما يصادفه من نباتات، إذ كان نباتيًا بطبعه، ولكنه ما لبث أن تعلَّم اقتناص الحيوانات مستخدمًا الرماح أو ناصبًا لها الفخاخ، وكان ميالًا للحياة الانفرادية أو في جماعات بدائية قليلة العدد، وقد انتشرت هذه السلالة البشرية في أوربا لآلاف السنين، وفي وقت كان يغطيها الجليد!.. وما أن اختفى العصر الجليدي الأخير حتى ظهرت صورة جديدة من صور الإنسان، أكثر ذكاء ومعرفة بالحياة، وأكثر مقدرة على النطق والكلام، فقضت على إنسان النياندرثال، ولم يتبق منه إلاَّ ما خلفه من عظام وأشلاء كحفريات”(14).
ويمثل أكبر فضيحة في تاريخ العلم ففي سنة 1912م أكد الطبيب وعالِم الآثار ” تشارلز داوسون ” عثورة على عظمة فك سفلي وجزء من جمجمة، على فترات متفاوتة مع بعض الأدوات البدائية في حفرة ببلتدْاون بإنجلترا، وركَّب ” سميث ويردوارد ” هذه الحفرية، وزعم علماء التطوُّر أن عمر هذه العينة خمسمائة الف سنة، وعرضت في كثير من المتاحف كدليل على تطور الإنسان، ونُوقش حولها ما لا يقل عن خمسمائة رسالة دكتوراة، وأعدت رسومات تبين الشكل لهذا الإنسان البدائي، وفي سنة 1935م قال عالِم الحفريات الأمريكي المشهور ” هنري فيرفيلد أوسبورن ” أثناء زيارته للمتحف البريطاني ” تعد هذه الحفرية اكتشافًا مذهلًا عن الإنسان البدائي”(15) ولكن اعترض كثير من العلماء مثل ” جيريت س. ميللار ” بالمتحف الوطني بالولايات المتحدة، و” راي لانكستر ” البريطاني مؤكدين أن الفك والجمجمة لا ينتميان إلى كائن واحد، وقال ” داود واترسون ” بجامعة لندن ” أن الفك الأسفل من الواضح أنه فك شمبانزي، بينما بقايا الجمجمة تشبه جملة وتفصيلًا الجمجمة البشرية”(16).
وفي سنة 1949م أجرى ” كينيث أوكلي ” وهو من قسم الحفريات بالمتحف البريطاني اختبار الفلورين لتحديد عمر هذه الحفرية بطريقة أكثر دقة، فكانت الفضيحة إذ ثبت أن عظمة الفك لا تحتوي على أية فلورين، وحوت الجمجمة على قدر ضئيل من الفلورين، وبناء على هذا التحليل المفصل الذي أجراه ” وينر ” سنة 1935م تم تحديد عمر الجمجمة بنحو خمسمائة عام فقط وهي جمجمة إنسان، بينما عظمة الفك تخص قردًا مات مؤخرًا، وقد تم التزييف بحشو مفاصل الفك لكيما يبدو فكًا شبيه بفك الإنسان، وتم تلطيخ القطعة ككل بثاني كرومات البوتاسيوم لتكتسب مظهرًا عتيقًا، ولكن عند غمسها في الحمض زال هذا اللون، وعقب هذه الفضيحة تم على عجل نقل إنسان بيلتدون من المتحف البريطاني بعد عرضه لمدة أربعين عامًا، ولم يتمكن “غروس كلارك ” أحد أعضاء الفريق الذي كشف هذا التزييف من إخفاء اندهاشه قائلًا ” لقد ظهرت للعين في الحال أدلة على حدوث كشط صناعي، وكانت هذه الأدلة واضحة جدًا لدرجة تجعل المرء يتساءل: كيف لم يتم الانتباه إليها من قبل؟!”(17)(18).
ويقول الأستاذ مجدي صادق ” إن أي حفرية يمكن أن تبدو كأنها موغلة في القدم رغم حداثتها حيث تتوقف حالة الحفرية على ظروف الهلاك ومعدل التحلُّل الكيماوي والإشعاعي للحفرية، وهذا يحكمه نوع التربة التي وُجدت فيها الحفرية، وعوامل الحرارة والرطوبة والضغط. هذه المتغيرات متضافرة هي التي تُحدّد حالة الحفرية والتي بناءًا عليها تم تحديد عمرها جيولوجيًا. ونظرًا لأن تلك التغيرات تختلف من مكان إلى مكان فإنه يمكن أن يترتب على هذا أن تبدو بعض الحفائر رغم حداثتها وكأنها موغلة في القدم عند تقرير عمرها جيولوجيًا.. إن حفرية إنسان نياندرثال التي قدَّر التطوُّريون عمرها أولًا بنحو مليون سنة، قدَّرها آخرون عند إعادة فحصها بنحو 100000 سنة، وأخيرًا تحدَّد عمرها وفقًا لأحدث التقديرات بنحو 50000 سنة. في حين أن الحفرية كما قرَّر المتخصصون هي لإنسان حديث عانى من مرض التشوه التضخمي acromegaley أي إن عمرها الحقيقي لا يتجاوز الستة آلاف سنة بحالٍ من الأحوال. ومما يبرهن أيضًا على اختلاف التطوُّريون في تقدير أزمنة الحفريات أن جمجمة إنسان بيلتدون التي قدَّر التطوُّريون عمرها أولًا بنحو نصف مليون سنة، قدَّرها آخرون عند إعادة فحصها بنحو 50000 سنة، ثم اتضح أخيرًا أن الجمجمة حديثة وأنها عُولجت بأملاح الحديد لتبدو قديمة”(19)
في سنة 1922م أعلن ” هنري فيرفيلد أوسبرن ” مدير المتحف الأمريكي عثوره على ضرس متحجر في غرب نبراسكا يعود إلى العصر البليوسيني، ويحمل صفات مشتركة بين الإنسان والقرد، فقام ” إيليون سميث ” بتصوُّر صاحب هذا الضرس، فرسم إنسانًا مع زوجته وأولاده في بيئته الطبيعية، ونشر هذا الرسم في مجلة أخبار لندن في 24 يوليو 1922م وأُعطي اسمًا علميًا لهذا الاكتشاف وهو ” هسبيروبايثيكوس هارولدكوكي ” Hesperopithecus Haroldcooki وعندما اعترض ” وياتيام ” على هذه التخمينات والتخيلات، تعرض لانتقاد شديد، ولكن في سنة 1927م وبعد خمس سنوات تم العثور على أجزاء أخرى من الهيكل العظمي لإنسان نبراسكا، واكتشف العلماء أن هذا الضرس وملحقاته لا يخص لا إنسانا ولا قردًا، إنما يخص نوعًا من الخنازير الأمريكية البرية المنقرضة.
وهو قزم عاش في الكنغو، وكان متزوجًا وله طفلين، وفي سنة 1904م قام أحد الباحثين في مجال التطوُّر باصطياده، ووُضِع في قفص كالحيوان، ونُقِل إلى الولايات المتحدة ليراه الجمهور في معرض ” سانت لويس ” العالمي كحلقة انتقال بين القرد والإنسان، وبعد عامين عرضوه مع بعض الشمبانزي في حديقة حيوان ” برونكس ” في نيويورك، ولأنه لم يحتمل كل هذه المعاناة لذلك فضل الانتحار(20) وهذا يُظهر مدى قسوة دعاة التطوُّر، واستعدادهم لارتكاب أي حماقة مقابل إثبات صحة نظريتهم.
والحقيقة أنه ظهر على مر التاريخ نحو ستة آلاف نوع من القردة انقرضت ولم يتبق منها إلاَّ 120 نوعًا، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وتمثل الأنواع المنقرضة مصدرًا ثريًا لدعاة التطوُّر، وقد أظهرت جميع نتائج البحوث البالانتولوجية، والتشريحية، والبيولوجية خديعة تطوُّر الإنسان من القردة، أو أن هناك أصلًا مشتركًا نشأ منه القرد والإنسان، ولم ينجح التطوُّريون في اكتشاف أي حفرية حقيقية تمثل الحلقة المفقودة بين القردة والإنسان، وستظل الاختلافات التشريحية العديدة بين الإنسان والقردة حجر عثرة أمام نظرية التطوُّر.
ويقول الأستاذ برسوم ميخائيل ” سُئل الأستاذان ” ج. أ. تومسون ” بجامعة أبيردين، و” باتريك جيدس ” بجامعة أدنبرج، وهما من المناضلين عن قضية التطوُّر، سئلا: كيف أتى الإنسان؟ فأجابا الإجابة الآتية التي تستدعي الرثاء لهما: نحن لا نعرف من أين أتى الإنسان.. ولا كيف أتى”(21).. ” وقال الأستاذ رينكة {إن القول الذي يمكن أن يقوله العلم متفقًا مع كرامته، هو: إنه لا يعلم شيئًا عن أصل الإنسان}”(22).
والحقيقة أن القول بأنه كان هناك أجناس بشرية مُنقرضة قول غير صحيح، لأن ما انقرض هو أنواع من القردة مثل أنواع الغوريلا والشمبانزي والأورانج أوتان التي عثروا على بقاياها من عصور سابقة مثل اليوسين، والبليوسين، والبلسيوسين. أما الإنسان فهو جنس واحد لم يتعرض للانقراض، وأقدم بقايا له لن نجدها إلاَّ في العصر الحديث (عصر الهلوسين).
_____
(1) ترجمة أنيس إبراهيم – بيتر وستوفر – العلم يشهد ص 85، 86.
(2) Earnest. A. Hoston, Up From The Ape , P. 332.
(3) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 67، 69.
(4) أورده برسوم ميخائيل – بطلان نظرية التطوُّر ص 58.
(5) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 67.
(6) الطبيعة والدين – أوتو – ص 110.
(7) أكسبوزتر – أور سنة 1910م.
(8) دائرة المعارف جـ 1 ص 435، 436.
(9) ترجمة نظير عريان ميلاد – الكتاب المقدس ونظريات العلم الحديث ص 70، 71.
(10) راجع ميكان – الله أم الغوريلا ص 62.
(11) راجع كلابش وهيلتون – التطوُّر وتقدم البشرية ص 19.
(12) برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 170.
(13) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 91.
(14) صور من الحياة ص 33، 34.
(15) هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 70.
(16) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 171.
(17) Stephen Jay Govld, Smith Woodward’s Folly, P. 44.
(18) هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 72.
(19) الكتاب المقدَّس مفتاح العلم وأسرار الكون ص 47، 48.
(20) راجع هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 74.
(21) بطلان نظرية التطوُّر ص 58.
(22) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 67.
ج: نقتطف هنا بعض الفقرات من إجابة الدكتور ” سعيد بن ناصر الغامدي ” عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد على هذا التساؤل في أحد المواقع على شبكة الإنترنت حيث يقول ” إن الأمور القطعية في الإسلام أن آدم هو أبو البشر جميعًا.. والأديان السماوية كلها على هذا الاعتقاد ولم يخالف فيه أحد، حتى جاء داروين، ووضع ما يُسمى بنظرية التطوُّر والارتقاء، فأخذ بها الغربيون الذين كانوا في حاجة إلى أي مساندة تقوض سلطان الكنيسة الطاغي، وتحطم هيمنة رجال الدين، وتساند توجههم المادي، ثم اتضح أن هذه النظرية ساقطة علميًا ومنهجيًا.. (وقد قَبِل بعض المسلمين النظرية معتمدية على القول) ” وقد خلقكم أطوارًا” (نوح 14)..
فقال: آدم أبو الإنسان، أما البشر فقد كانوا من قبل، ونشأوا وارتقوا ثم انقرضوا.. وهو ما عبر عنه داروين بقوله {الطبيعة تخلق كل شيء، ولا حد لقدرتها على الخلق} وهذه النظرية من الناحيَّة العلمية والعقلية منقوضة، ذلك بأنه افترضت أن الطبيعة ذات إرادة وقدرة شاملة وتحكم ونظام ذاتي، بحيث تنتخب الأفضل والأقوى، ثم تزعم النظرية في الوقت نفسه أن الطبيعة تعطي وتحرم بدون خطة مرسومة بل بعشوائية.. وقد بين جليان هكسلي أحد أتباع هذه النظرية نقاط ضعفها والثغرات العلمية فيها، وكذلك أرثر كيت الدارويني المتعصب الذي أفاد بأن هذه النظرية بدون براهين، وذلك في قوله {إن نظرية النشوء والارتقاء لازالت بدون براهين وستظل كذلك، والسبب الوحيد في أننا نؤمن بها، هو أن البديل الوحيد الممكن لها هو الإيمان بالخلق المباشر، وهذا غير وارد على الإطلاق} وتزعزعت النظرية بشكل كبير عند علماء الطبيعيات الغربيين بعد ظهور قانون مندل الوراثي، واكتشاف وحدات الوراثة (الجينات) بوصفها الشفرة السرية للخلق، واعتبار أن الكروموزومات تحمل صفات الإنسان الكاملة، وتحفظ الشبه الكامل للنوع. أما التشابه بين الكائنات الحيَّة فهو دليل ضد نظرية داروين، لأن هذا التشابه يدل على وحدانية الخالق، ولا يدل على وحدة الأصل”.
ج: يرفض أصحاب هذا الرأي فكر داروين الذي قال أن التطور يحدث بشكل تدريجي وتراكمي، إنما قالوا أن التطور يتم بقفزات كبيرة ومتفرقة، ففي بداية السبعينيات أدرك “نايلز إلدردج” و”ستيفن غولد” أن سجل الحفريات لا يؤيد الداروينية الجديدة التي تنادي بالطفرة كأساس للتطور، بل أن هذا السجل يثبت أن الكائنات الحيَّة قد ظهرت فجأة بكامل تكوينها، ولذلك قدم هذان العالِمان نموذجًا جديدًا يعتمد على أن التطور لم يحدث نتيجة تراكم اختلافات صغيرة.
إنما حدث نتيجة تغيُّرات فجائية كبيرة، وزعم عالِم الحفريات الأوربي “شانيدولف” -الذي أتبع نفس النهج- أن أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف كقفزة كبيرة وطفرة هائلة نتيجة مصادفة ضخمة في التركيب الجيني. وبلا شك أنه بهذا نقل الحقائق العلمية إلى قصص خيالية مثل قصة تحوُّل الضفادع إلى بشر أُمراء، وفي أحسن الأحوال نقول أنها محاولات فاشلة لسد الفجوة التي يكشفها سجل الحفريات(1).
ويقول هارون يحيى ” يكاد يكون من غير المعقول أن تجرى محاولة لتفسير فجوات الحفريات الموجودة في تطور الطيور عن طريق الإدعاء بأن الطائر قد خرج فجأة من بيضة إحدى الزواحف.. لا يمكن لأية طفرة أيا كانت أن تُحسّن المعلومات الوراثية أو تضيف إليها معلومات جديدة، ذلك أن الطفرات لا تؤدي سوى إلى إفساد المعلومات الوراثية، ومن ثمَ فإن الطفرات الهائلة التي تخيلها التوازن المتقطع لن ينتج عنها غير إضعاف وإتلاف هائل أي كبير في المعلومات الوراثية.. إن سيناريو التطور برمته ما هو إلاَّ قصة خيالية وخدعة تتعارض تمامًا مع العالم الواقعي، وقد أُستخدم هذا السيناريو لخداع العالم منذ مئة وأربعين سنة، وبفضل الاكتشافات العلمية الأخيرة أصبح من المستحيل – أخيرًا – الاستمرار في الدفاع عنه”(2).
_____
(1) راجع هارون يحيى – خديعة التطور ص 36.
(2) خديعة التطور ص 36، 37.
ج: يمكن القول أن نظرية التطور في ضوء عمل الطفرات تعتمد على ثمانية فروض، يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات هي:
المجموعة الأولى: تتناول العمليات الأساسية في التطور وهي:
1- يمكن إحداث تغيير في الأنواع الحية إذا عزلنا الأفراد ذوي الصفات المرغوبة، وحصر التكاثر بينها، ويتناول هذا الفرض الذين يهتمون بتربية الحيوانات الداجنة مثل إنتاج أنواع من البقر تتميز بتكوين اللحم مثل أبقار شورتهورن في إنجلترا، وأخرى تتميز بإدرار اللبن مثل أبقار الفريزيان الهولندية.
2- استمرار التغيير في الأمور الظاهرية يؤدي في النهاية إلى تغيير في الأمور الجينية، فاختيار أفراد معينة وحصر التكاثر بينها يؤدي إلى تغيير في المعين الجيني.
3- دائما تحدث طفرات، سواء كانت الطفرة صبغية (كروموزومية) أم جينية. كما يمكن أن تحدث معمليا بواسطة الإشعاع.
4- الطبيعة تحكم الاختيار عند التكاثر، فمثلا كانت الفراشات البيضاء كثيرة التواجد في مدينة مانشستر، ولكن عندما صارت المدينة قلعة صناعية ظهرت الفراشات السوداء ليس نتيجة عادم الصناعات، ولكن لأن الفراشات السوداء استطاعت أن تتخفى من أعدائها بواسطة دخان العوادم، فسادت في البيئة، بينما أخذت الفراشات البيضاء في الاختفاء لأنها لم تستطع أن تتخفى من أعدائها.
المجموعة الثانية: تتناول أسلوب حدوث عمليات التطور:
5- إذا أدى التغيير إلى توافر صفات مميزة، فإنها تساعد الأنواع على التكيف.
6- التغيرات التكيفية تراكمية في طبيعتها، ففي خلال الأجيال المتعاقبة تبدأ الزيادة المتدرجة في الصفات الجديدة.
المجموعة الثالثة: تتناول نتائج عملية التطور
7- نتيجة العمليات المذكورة في المجموعتين الأولى والثانية تظهر أنواع جديدة، لا تقبل التناسل مع أفراد النوع الذي نشأت منه، وأخيرا يتوفر لها الانعزال الجيني أو الوراثي Genetic Isalation.
8- استغرقت عملية تكوين أنواع جديدة ما يزيد عن 500 مليون سنة، ولذلك يعجز العلم عن الدخول في مرحلة التجربة بهذا الشكل لطول الفترة الزمنية، ولكنه يكتفي بالبحث في الشواهد التي يؤيدها واقع ملموس(1).
_____
(1) راجع علم الأحياء للصف الثالث الثانوي سنة 1990 / 1991م ص 201 – 207.
ج:
1- تعتبر نظرية ” الانتخاب الطبيعي ” صحيحة في نطاق معين، فمثلا في وقت المجاعات تعيش الكائنات الأقوى، وفي انتشار الأمراض تنجو الكائنات الأقوى، وكذلك في الهروب من الخطر، وإن كانت هناك عوامل أخرى تتحكم في الأمر، فالموت لا يصيب الأضعف دائما، بل قد يصيب القوي أحيانا، وعند اقتتال الحيوانات لا تكون النصرة دائما حليفة الأقوى، بل أن هناك عوامل أخرى تتحكم في الأمر مثل عامل الصدفة، والظروف والملابسات، ولذلك قد يتعرض الكائن الأصلح والأقوى كالإنسان للموت بينما يحيا الكائن الأضعف مثل الفيروسات، وهل ننسى أن بعوضة ضعيفة قضت على الإسكندر الأكبر؟! ولو كان البقاء للأقوى فقط، فلماذا انقرضت الزواحف القوية الضخمة مثل الديناصورات من الوجود؟!
ويقول د. حليم عطية سوريال ” ثبت أن الانتخاب الطبيعي كما تصوره داروين لا يسير على قاعدة منتظمة، وأن للصدفة عمل مهم في إنتقاء الأفراد التي تعيش، فليس البقاء للأصلح دائما، بل كثيرا ما يموت الأصلح ويبقى الضعيف”(1) فمع ضعف الميكروبات، وبساطة تركيبها، وصغرها وعدم رؤيتها بالعين المجردة، ولكنها طالما فتكت بالإنسان والحيوان، حقا إن التنازع من أجل البقاء قد يؤدي إلى ندرة النوع، ولكن لا يؤدي إلى انقراضه.
2- يؤدي الانتخاب الصناعي (التهجين) إلى أصناف مميزة فقد نجح التهجين في الوصول إلى أصناف جديدة من الماشية تدر علينا أكثر أو تعطي لحوما أكثر، ووصل الإنسان عن طريق التهجين إلى الحمام الهزاز وهلم جرا، ولكن لم يخرج الناتج الجديد عن نطاق النوع قط، ولم يتحول إلى نوع آخر، فمن المستحيل أن الحمام يتحول إلى صقور أو كناري، ولم يتحول الكلب إلى ذئب، ولا الحمل إلى كلب، فكل ما يحدث هو تغيرات جسمية ضئيلة وضعيفة. ويعترف داروين بفشله في الوصول إلى حالة واحدة قد تطور فيها نوع ما إلى نوع آخر، فيقول بيتيت ” لقد أحس داروين بالحاجة إلى البرهان البيولوجي اللازم لتدعيم نظريته هذه.
وكتب في كتابه {الحياة والخطابات} مجلد 3 ص 25 يقول {يوجد على الأرض ما يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين من الأجناس. وهذه الملايين توفر حقلا خصيبا للملاحظة، لكن يجب أن نقرر اليوم أنه بالرغم من كل الجهود التي بذلها ذوو الخبرة في الملاحظة لم توجد حالة تغيير واحدة من نوع إلى نوع آخر، استطاعوا أن يسجلوها} غير أن داروين، في اعتداده برأيه، كان يتوقع أن مواصلة البحث سوف تمدهم بالدليل المنشود. وحتى اليوم لم يأت هذا الدليل.
والبروفسور “باتسون” وهو من أبرز علماء الأحياء في النصف الأول من القرن العشرين، ومن يؤمنون بنظرية التطور أعطانا في سنة 1922م خلاصة دقيقة للأبحاث العلمية في مدى نصف قرن، قال {إن المساعي المتواصلة التي بذلت في صبر وطول أناة لم تسفر عن دليل واحد يؤيد تطور الأنواع إلى أنوع أخرى. وكل طريق جديد وثقوا فيه أنه يوصلهم إلى دليل، إذ به طريق مسدود}
وقال هذا العالم الفذ نفسه {فنحن لم نستطع أن نرى يوما كيف يحصل التغير من نوع إلى نوع، أما التغير في ذات النوع الواحد (من حيث الشكل أو الحجم أو اللون) فهذا نشاهده كل يوم، لكننا لسنا نشاهد تغييرا في أصل النوع. فتغير النوع ذاته عن أصله لا يزال أمره غامضا كل الغموض، مع أنه جوهري بالنسبة لنظرية التطور، إذ هو متعلق بأصل الأنواع وطبيعتها}”(2)(3).
3- يعجز الانتخاب الطبيعية أن يهب الكائن عضوا جديدا، فلو تطورت اللافقاريات إلى فقاريات، فمن أين أتت بالهيكل العظمي؟! ولو أن الزواحف تطورت إلى الطيور، فمن أين أتت بالريش والجهاز الهضمي والتنفسي الخاص والدم الحار؟!! وكذلك الوضع بالنسبة للحيوانات غير الثديية لو تطورت لحيوانات ثديية، فمن أين لها بالأثداء؟! وأيضا الحيوانات غير المشيمية لو تطورت إلى حيوانات مشيمية وهلم جرا..
4- يعجز الدارونيون عن توضيح كيفية تكون الأعضاء النافعة من خلال التطور، فلو العين مرت بمراحل تطور فإنها تكون عديمة الفائدة طالما لم تصل بعد إلى مرحلة الكمال، وكذلك خرطوم الفيل مثلا لو تصورنا أنه عدة سنتيمترات فلا فائدة له في دفاع ولا هجوم، فيقول د. حليم عطية سوريال “لا يمكن لنظرية داروين أن تفسر كيفية تكوين بعض الأجزاء الحيوانية المفيدة عند بعض الحيوانات مثل خرطوم الفيل – وإذا كان الفيل نشأ عن حيوان ليس له خرطوم لا بد أن يكون اكتسب خرطومه دفعة واحدة وليس تدريجيا على رأي داروين إذ لا فائدة من الخرطوم في أدوار نشوءها الأولى عندما كان طولها مثلا سنتيمترات قليلة لأنها لا تكون من المميزات المفية،
وخرطوم الفيل واحد من أمثلة عديدة حيرت داروين وأنصاره المعاصرين له نذكر منها الأسماك الكهربائية المعروفة بالرعاد، والأسماك المنيرة التي تعيش في قاع المحيط، والحشرات السامة، والحشرات المقلدة التي يشبه لونها لون النباتات، وغيرها من الحيوانات التي لها مميزات خاصة. فإن جميع تلك المميزات لا بد أن تكون اكتسبت دفعة واحدة حتى تكون مفيدة”(4).
وقد رأى “أنكين قورور” التركي وهو من أنصار التطور أن جناحي الطائر إن لم يوجدا مكتملين فلا قيمة لهما، فيقول ” إن الخاصة المشتركة في العيون والأجنحة هي أنهما لا تؤديان وظائفهما إلا إذا أكتمل نموهما، وبعبارة أخرى، لا يمكن لعين نصف نامية أن ترى، ولا يمكن لطائر أجنحته نصف مكتملة أن يطير، وفيما يتعلق بالكيفية التي تكونت بها هذه الأعضاء، فإن الأمر مازال يمثل أحد أسرار الطبيعة التي تحتاج إلى توضيح”(5).
ويقول هارون يحيى ” لقد فرض تصميم الريش على شارلز داروين أيضا أن يمعن فيه النظر، كما كان الجمال المثالي لريش الطاووس سببا في إصابته بالغثيان (بنص كلماته) فقد قال في خطاب كتبه إلى آسا غراي في الثالث من أبريل 1860م: كلما تأملت العين (يقصد العين بتركيباتها المعقدة) انطفأت حماستي لنظريتي، ولكني تغلبت بمرور الزمن على هذه المشكلة. أما الآن فبعض التراكيب الموجودة في الطبيعة تسلب راحتي، مثلا أن منظر ريش الطاووس يجعلني سقيما!”(6)(7).
واعترف داروين أنه لو ثبت أن الأعضاء المعقدة لا يمكن أن تأتي عن طريق التطور فستنهار نظريته بالكامل، فقال ” إذا كان من الممكن إثبات وجود أي عضو جسدي مركب، ليس من المحتمل أنه قد تم تكوينه عن طريق تعديلات بسيطة عديدة ومتتالية، فإن ذلك من شأنه أن يجعل نظريتي تنهار تماما. ولكني لا أستطيع أن أكتشف أي حالة بهذا الشكل، ولا شك في أنه يوجد الكثير من الأعضاء الجسدية التي لا نعرف مراحلها الانتقالية”(8) وقال “فرانك سالزبوري” وهو من دعاة التطور “أن عضوا معقد التركيب مثل العين قد ظهر أكثر من مرة، في الحبار والفقاريات والمفصليات.. إن التفكير في هذا يصبني بالدوار”(9)(10).
ومن الأمور الطريفة أن إحدى الحشرات وهي الخنفساء القاذفة ترد على داروين، فهذه الخنفساء يبلغ طولها سنتيمتر واحد، وتعيش في أمريكا اللاتينية، والأمر العجيب أنها عندما تشعر بالخطر تفرز مادتي بيراوكسيد الهيدروجين، والهيدروكينون، ثم تدخل هاتين المادتين في غرفة داخل جسمها ليتفاعلا مع مادتين آخرتين، يقومان بدور العامل المساعد، وينتج عن هذا التفاعل سائل حارق يندفع من أنف هذه الخنفساء تجاه من يهاجمها فتصيبه بالعمى.
ويعلق الأستاذ ” هشام عبد الرءوف ” على مقال “روبرت مانيور” في مجلة فوكس البريطانية العلمية بشأن هذه الحشرة، فيقول ” ويعد هذا النظام الدفاعي المحكم والمتقن غاية الإتقان واحدا من معجزات عديد يحفل بها عالم الطبيعة، وبالنسبة للعديد من المتدينين المسيحيين فإن مصطلح المعجزة مناسب بشكل خاص، فهم يرون حياة ” الخنفساء القاذفة ” واحدة من أبرز الأمثلة على دور الإله في الخلق (هكذا يقول الكاتب روبرت مانيور) كما يرون منها دليلا لا يقبل الشك على خطأ نظرية النشوء والارتقاء لداروين.
ويتساءل الباحثون.. كيف يمكن أن يطور نظام دفاعي بكل هذا التعقيد والتطور لدى تلك الحشرة الصغيرة بشكل عشوائي، لو تأملنا في هذا النظام بشكل أكثر دقة لوجدنا أن أيا من مفرداته ليس له قيمة بشكل منفرد، بل تكسب قيمتها عندما تجتمع معا لتزود الخنفساء القاذفة بأداة فعالة للدفاع عن نفسها، ولا يمكن تفسير مثل هذا الأمر حسب نظرية البقاء للأصلح التي خرج علينا بها تشارلز داروين.. قال وليم بالي سنة 1802م ” إنه من غير المقنع على الإطلاق أن شيئا قد تطور بالصدفة ليصبح مناسبا للغرض الذي وجد من أجله.. كعين الإنسان مثلا، وهنا يصبح من المقنع القول بأن هناك قوة مرشدة وراء تكوين هذا العضو وهذه القوة ببساطة هي الله”(11).
5- عجز أصحاب نظرية الانتخاب الطبيعي في شرح وتوضيح كيف نشأت الأنواع الجديدة، فتارة يقولون أنها نشأت نتيجة التغيرات في البيئة والمناخ، وتارة يقولون أنها نشأت نتيجة التغير في الصفات، ومرة ثالثة يقولون أنها نشأت نتيجة استعمال عضو معين وإهمال عضو آخر، ويقول ” هنري م. موريس ” عن نظرية التطور ” تفرض هذه النظرية وجود شكل ابتدائي مكون من خلية حية واحدة من المرجح أن تكون قد نشأت بالصدفة نتيجة إتحاد بين مواد غير حية ظهرت مصادفة، ومن هذه الخلية نشأت بالتدريج النباتات واللافقاريات عديدة الخلية، ثم الأسماك، والحشرات، والحيوانات البرمائية، ثم الزواحف، ثم الطيور، والثدييات، وأخيرا الإنسان.. والآن لنتأمل بصدق هذا الرأي:
هل يمكن أن تحدث حياة من إتحاد مواد غير حية ثم مصادفة؟ واضح أن هناك خللا خطيرا في هذا الفرض.. ولكي يتغلب داروين على هذا الخلل، افترض بكل بساطة أن الحياة ظهرت في وقت ما في الماضي عندما تهيأت ” الظروف ” الملائمة، وهو فرض غير أمين، لأنه ما هو المقصود بالظروف؟ وإن كانت قد حدثت في الماضي، فما الذي يمنع حدوثها الآن؟! وكمحاولة لخلق مادة حية من مواد غير حية، تم إجراء آلاف التجارب بواسطة علماء من شتى أنحاء العالم وفي جميع التخصصات، ولكن دون جدوى أو نجاح”(12).
كما يعلق ” هنري م. موريس ” أيضا على عجز نظرية التطور في تفسير كيفية حدوث التطور، فيقول ” لقد عجزت (نظرية التطور) عن إيجاد الدليل الكافي على كيفية حدوث التطور، وقد افترضت تفسيرات عديدة عن طريق عدد كبير من الباحثين والدارسين، ورغم ذلك فإن ميكانيكية عملية التطور لازالت غامضة كما كانت منذ مئات السنين. بل ويقرر علماء البيولوجيا المعاصرين جهلهم التام بهذا الجزء من النظرية”(13).
6- إن سادت ظاهرة ” الانتخاب الطبيعي ” في مكان يشح فيه الطعام، أو يكثر فيه الأعداء، فإنها لا تسود في مكان آمن يتوافر فيه الطعام بكثرة، كما ذكرنا أيضا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وقد ركز داروين على فكرة الصراع من أجل البقاء، وتغافل أن الحياة في الأصل ليست تطاحن وصراع وقتال بقدر ما هي تعاون وتآزر وتحالف بين الكائنات الحية، فالإنسان والحيوان يتغذيان على ما تنتجه الأرض من نباتات، أو على بعض الكائنات الحية. ثم يموت الإنسان والحيوان ويعودون للتربة، وهكذا تستمر دورة الحياة بين التربة والنبات والحيوان والإنسان، ولا غنى عن أي منهم، وهناك أنواع كثيرة من التحالف بين الكائنات الحية، فالبكتريا التي تعيش على العقد الجذرية لنبات الفول وتتغذى منه، تفيده إذ تثبت المواد الأزوتية من الجو.
وفي شمال السودان يعيش طائر يعرف ” بالسقد ” يظل واقفا يقظا على رأس التمساح، فإذا لاح في الأفق فريسة أو عدو يصيح فيوقظ التمساح من سباته، ومقابل هذا عندما يفترس التمساح فريسته يفتح فاه لهذا الطائر الصديق فيتغذى على بقايا الطعام العالقة بأسنان التمساح، فيلتقطها ببراعة فائقة، حتى أنه ينظف تماما أسنان التمساح، وهكذا يستمر التعاون بينهما.
فالأصل في الحياة هو التعاون والتواصل، ولكن التطوريين يصورون الحياة على أنها صراع دائم وحرب شعواء، ويعطون التبرير للأقوياء للقضاء على الضعفاء، ويشجعون التمييز العنصري، ويرون أن القوة فوق الحق، والقسوة فوق الرحمة.. حقا إن هؤلاء التطوريون لا يتعلمون من الطبيعة التي تتضافر فيها العناصر من تربة وماء وهواء لإنتاج الغذاء للإنسان والحيوان، ولم يتعلموا من الطبيعة التي تجمع الكائنات الضعيفة مع القوية، فنرى الأسماك الصغيرة بجوار أسماك القرش والحوت، والعصافير بجوار النسور، والنمل بجوار الفهد، والتوازن البيئي يستمر ويسود،
فرغم افتراس الأسود للغزلان فإن الأخيرة لم تختف من على مسرح الحياة، ورغم توالد الذئاب بنسبة أكبر بكثير من توالد الحملان، لكن مازالت أعداد الحملان تفوق جدا أعداد الذئاب، وما أجمل القول أن ” المشاهدات الطبيعية لا ترينا -كما يظن الفكر التطوري- قيام البيئة أو الظروف المناخية برمي الأحياء الضعيفة خارج النوع،
ولا قيام الأحياء القوية بامتلاك حق الحياة وإبادة الضعفاء، لذا فالأصوات المنعكسة في سماء الوجود ليست عبارة عن جلجلة أصوات الأقوياء، وأنين أصوات الضعفاء وهي تموت. ومع أننا يمكننا العثور على أمثلة من هذا الأمر في التاريخ الإنساني من حين لآخر، إلا أنه عندما يسود الحق نرى ظواهر الرحمة والشفقة من الأغنياء نحو الفقراء والضعفاء، ونرى الشكر من الفقراء للأغنياء، هكذا كان ديدن التاريخ حتى يومنا الحالي”.
7- يعجز ” الانتخاب الطبيعة ” عن توضيح نظام الملائمة والموائمة الذي نجده سائدا في الطبيعة في الكائنات، مثل توافق الحشرات مع النباتات في نقل حبوب اللقاح، والتعاون بين أنواع من البكتريا والحيوان.
8- قول داروين عن الانتقاء الجنسي بأن الإناث يفضلن الذكور الأقوى، مع أن هذا لا يحدث دائما، فهناك عناصر أخرى تتحكم في الأمر مثل عنصر الصدفة، والارتباط، أكثر من الاعتماد على عنصر التفضيل فقط.
9- القول بالاصطباغ الصناعي كدليل على أدلة التطور يعتبر مغالطة وخداع كبير، لأنه سواء سادت الفراشات ذات اللون الأبيض أو الأسود، فإن هذا الموضوع بعيد كل البعد عن التطور، لأن الفراشات ظلت كما هي فراشات، لم تتحول إلى نوع آخر، ولم يستجد عليها عضوا جديدا، فالانتقاء الطبيعي لم يحول نجمة البحر إلى سمكة، ولا السمكة إلى ضفدعة، ولا الضفدعة إلى تمساح، ولا التمساح إلى طائر، ولا الطائر إلى حيوان ثديي، ولا الحيوان الثديي إلى إنسان.
10- مازالت بعض الكائنات الأولية الضعيفة، كما هي لم تتطور ولم تتغير منذ وجودها على الأرض، وهذا ثابت من الحفريات القديمة، ومن أمثلة هذه الكائنات الأميبا، والطحالب الزرقاء، والإسفنجيات، والرخويات، ويقول دكتور كمال شرقاوي غزالي ” فمثلا بكتيريا الإشيريشيا كولاي Escherchia Coli دلت الأحافير على أنها قد بقيت على ما كانت عليه منذ 250 مليون سنة، فلماذا لم تتطور؟ والطحالب الزرقاء وجدت منذ نحو بليون سنة على الأقل، وهي موجودة حتى الآن وكما كانت منذ ذلك التاريخ، ومومياء الطائر المصري ” أبو منجل ” لا تدل على حدوث أي تطور في أبي منجل اليوم عن أبي منجل منذ سبعة آلاف سنة”(14).
وقد أدرك داروين هذه الحقيقة فعلل ذلك بأن بعض الكائنات مثل الديدان الأرضية ليست في حاجة للتطور، فيقول ” قد يثور اعتراض على أنه إذا كانت جميع الكائنات العضوية تميل بهذا الشكل لأن ترتفع في الميزان (أي تنشد التطور) فكيف تسنى أن عددا كبيرا من الأشكال الدنيئة مازال موجود في جميع أنحاء العالم، وكيف تسنى أنه يوجد في كل طائفة كبرى بعض من الأشكال الأكثر ارتفاعا في مستوى التكوين عن أشكال أخرى؟ وكيف أن الأشكال الأكثر ارتفاعا في مستوى التكوين في كل مكان، لم تحل وتبيد الأشكال الأقل تكوينا..؟
في نظريتنا فإن استمرار تواجد الكائنات الدقيقة لا يشكل أي صعوبة، وذلك لأن الانتقاء الطبيعي، أو البقاء للأصلح، لا يتضمن بالضرورة نشوءا ارتقائيا.. وقد يثور تساؤل عن الميزة التي قد يكتسبها.. أحد أشباه الحيوانات النقاعية، أو دودة معوية، أو حتى دودة أرضية، من أن تكون على مستوى عال من التكوين. وإذا لم تكن هناك ميزة، فإن هذه الأشكال سوف يتم تركها بواسطة الانتقاء الطبيعي، بدون تحسين، أو سوف تتحسن بشكل طفيف، وقد تبقى لعهود بدون نهاية على حالتها المتدنية الحالية.. ولكن لكي نفترض أن معظم الأشكال الدنيئة الموجودة حاليا لم تتقدم ولو بشكل بسيط منذ بزوغ فجر التاريخ، فإنه سوف يكون افتراضا متسرعا”(15).
ورغم محاولة داروين تبرير الموقف، لكن يظل السؤال قائما، وهو إن كان التطوريون يعتقدون أن أصل الحياة كلها الأميبا وحيدة الخلية التي تطورت وتنوعت، فلماذا مازالت هناك أنواعا من الأميبا Amoeba مازالت كما هي لم تتطور بعد؟! وإن كانت الأميبا تطورت حتى وصلت إلى مرحلة الإنسان، فلماذا يستكثر داروين على الدودة الأرضية أن تتطور فتصير حصانا مثلا؟!
11- أثبتت الحفريات أن الكائنات الحية منذ وجودها على الأرض لم تشوش ولم تختلط ببعضها، فكل كائن حافظ على جنسه، وتحقق القول الإلهي ” فأخرجت الأرض عشبا وبقلا يبذر بذرا كجنسه وشجرا يعمل ثمرا بذره فيه كجنسه” (تك 1: 13).. ” وكل طائر ذي جناح كجنسه” (تك 1: 21).. ” فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبابات الأرض كأجناسها” (تك 1: 25) أما الإنسان فقد جبل على صورة الله ومثاله ” وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض” (تك 1: 28).
12- قال الدارونيون أن الخلية الأولى استغرقت عدة ملايين من السنين حتى تطورت وظهر منها كائنات متنوعة، بينما كانت الأرض منذ ربع مليون سنة عبارة عن كتلة غازية ملتهبة لا تسمح قط بوجود الحياة عليها.
حقا لو عرف داروين قوانين الوراثة التي اكتشفت بعده، لتخلى عن نظريته وهو هادئ ومطمئن البال.
_____
(1) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقدية الخلق ص 94.
(2) فضح الهرطقات ص 85.
(3) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 154، 155.
(4) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 94، 95.
(5) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 55.
(6) Norman Macbeth Darwin Retried P 101.
(7) المرجع العربي السابق ص 60.
(8) أصل الأنواع ص 99.
(9) Frank Salisbury, Doubts About the Modern Synthetic Theory of Evolution , P 338.
(10) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 193.
(11) مجلة العلم عدد 345 – يونيو 2005م ص 32، 33.
(12) ترجمة نظير عريان ميلاد – الكتاب المقدس ونظريات العلم الحديث ص 60، 61.
(13) المرجع السابق ص 63.
(14) التطور بين الضلال وممارسة حق النقد ص 53.
(15) أصل الأنواع ص 217، 218.
ج: بنى داروين نظريته في الانتخاب الطبيعي على:
1- الإنتاج المتزايد: يقصد التوالد المتزايد، فالكائنات الحيَّة تضع بيضًا أو تلد أعدادًا كبيرة، ولكن لا يعيش إلاَّ القليل، ولو قُدّر لكل إنسان أن يحيا لضاقت الأرض بكل هذه الكائنات ولحدث انفجار عظيم، ولكن عوامل المناخ والغذاء والأعداد تُحجّم هذا الانفجار.
2- التباين والاختلاف:
هناك تباين واختلاف وفروق فردية بين أفراد النوع الواحد، حتى بين التوائم، وأوراق الشجرة الواحدة، فهذه الفروق الفردية قد تكون مفيدة وقد تكون ضارة، فالفروق المفيدة والنافعة تساعد الكائن في الحصول على الغذاء، ومقاومة الأمراض، والتغلب على الأعداء أو الهروب منهم فيسود وينتشر، بينما الصفات الضارة تؤدي بصاحبها إلى الانقراض، ففي نظر داروين أن الزرافات التي وُلِدت بأعناق طويلة هي التي عاشت وسادت ولا سيما في فترات الجفاف، بينما انقرضت أخواتها ذوات الرقبة القصيرة، واختفت من على مسرح الحياة فقال داروين ” الزرافة بقامتها السامقة، والاستطالة الكبيرة لعنقها وأرجلها الأمامية ولسانها قد جعل كل هيكل جسدها مهيئًا بشكل جميل للرعي على الأغصان العليا للأشجار.. وهذا لا بُد أن يكون ذا ميزة كبيرة أثناء فترات القحط.. فإن الأفراد التي كانت ترعى على مستوى عالٍ، وكانت قادرة أثناء فترات القحط على أن تصل إلى مستوى أعلى ولو ببوصة واحدة أو بوصتين فوق الآخرين، فهي التي كانت غالبًا سوف تبقى.. فتلك الأفراد التي كان لها جزء واحد أو أجزاء متعددة في أجسادها أكثر استطالة فإنها في العادة كانت هي التي سوف تبقى على قيد الحياة، وهي التي كانت سوف تتزاوج وتترك ذرية، إما وارثة لنفس المميزات الجسدية، أو لديها القابلية لتعديل الخصائص مرة أخرى، على نفس المنوال، بينما الأفراد الأقل حظوة في نفس هذا المجال، فإنها سوف تكون الأكثر قابلية للاندثار”(1).
3- الوراثة:
فالكائنات الأقوى القادرة على التكيُّف مع ظروف البيئة المتغيرة هي التي تعيش وتتكاثر، وتُورّث نسلها الصفات السائدة لكيما تبقى وتسود ولا تتعرض للانقراض.
وقال داروين بالرغم من أن الكائنات الحيَّة تتكاثر بمتوالية هندسيَّة (2-4-8-16-320. إلخ) إلاَّ أن أفراد النوع الواحد تبقى غالبًا ثابتة، وأرجع داروين السبب في هذا إلى الصراع الدائر حول الغذاء والأعداء والأمراض، ويقول داروين ” فكل كائن ينتج أثناء مدة حياته الطبيعية العديد من البيض أو البذور، لا بُد أن يعاني من الهلاك أثناء فترة ما في حياته.. فطبقًا لمبدأ الزيادة الهندسيَّة، فإن أعدادهم سريعًا ما سوف تصبح كبيرة بشكل مغالى فيه إلى درجة أنه قد لا يوجد أي بلد يستطيع أن يعول هذا الإنتاج.. ولا يوجد أي استثناء من قاعدة أن كل كائن عضوي في حالة تزايد طبيعي بمعدل عالٍ، إلى درجة أنه إذا لم يتعرض للهلاك، فإن الكرة الأرضية سوف تصبح قريبًا مُغطاة بالذرية الناتجة عن زوج واحد منه.. وطبقًا لحسابات “ليناس” Linnaeus فإنه إذا أنتج نبات سنوي بذرتين فقط -ولا يوجد نبات قليل الإنتاج بهذا الشكل- وأنتجت كل من نبتاتهما الصغيرة في العالم التالي اثنتين، وهلم جرا، فسوف يكون من المحتم أن يوجد مليون من النباتات في خلال عشرين عامًا.. من الممكن لنا أن نؤكد أن جميع النباتات والحيوانات تميل إلى أن تزيد بنسبة هندسية.. وأن هذه القابلية الهندسيَّة للزيادة من الضروري أن يتم كبحها بواسطة الهلاك عند فترة ما من الحياة”(2).
ويرى داروين أن البيئة تحفظ التوازن في جميع الكائنات الحيَّة، فالطائر أو الحيوان الذي يستطيع أن يحمي بيضه أو صغاره ينتج عدد قليل، والعكس صحيح، فيقول “فالنسر الأمريكي (الضخم) يضع زوجًا من البيض، والنعامة تضع عشرين بيضة، ومع ذلك ففي نفس القطر فإن النسر الأمريكي قد يكون هو الأكثر عددًا من الاثنين.. إذا استطاع أحد الحيوانات بأي طريقة حماية بيضه أو صغاره، فإنه ينتج عددًا صغيرًا منها، ومع ذلك يبقى متوسط تعداده على نفس المستوى الكامل، ولكن إذا كان الهلاك هو مصير الكثير من البيض أو الصغار، فإنه يصبح من اللازم إنتاج الكثير، وإلاَّ تعرض النوع للانقراض”(3).
ويرى داروين أن البيض والحيوانات الصغيرة جدًا، والنباتات الصغيرة يقع عليها الجزء الأكبر من المخاطرة، وقد قام داروين بزرع مساحة أرض صغيرة (3 × 2 قدم) بـ357 نبتة فمات منها 295 نبتة ولم يتبق منها إلاَّ 62 نبتة (راجع أصل الأنواع ص 143، 144) ويرى داروين أن الأسباب التي تؤدي إلى هلاك الجزء الأكبر من الذرية ما يلي(4):
1- الصراع من أجل الحصول على الغذاء الكافي للحياة.
2- الصراع من أجل الهرب من الحيوانات المفترسة.
3- الصراع من أجل التأقلم مع المناخ.
وإن الصراع ليس بين الأنواع المختلفة فقط، بل قد يحدث الصراع بين الأصناف المختلفة في النوع الواحد، فيقول داروين ” إذا نُثرت ضروبًا (أصنافًا) عديدة من القمح في وقت واحد، وأُعيد نثر البذور المختلفة الناتجة، فإن بعض الضروب الأكثر ملائمة للتربة أو المناخ، أو الأكثر خصوبة بطبيعتها، سوف تتغلب على الأخرى، وبذلك سوف تنتج بذورًا أكثر، وبالتالي سوف تحل محل الضروب الأخرى على مدار سنوات قليلة.. ونفس الشيء مرة أخرى مع ضروب الأغنام، فإنه قد تم التأكد من أن بعض الضروب الجبلية تقتل من الجوع ضروبًا جبلية أخرى، إلى درجة أنه لا يمكن الاحتفاظ بهما سويًا”(5).
وقد أطلق داروين على هذا الصراع الدائر ” الانتقاء ” أو ” الانتخاب الطبيعي “Natural selection وأطلق ” هربرت سبنسر” (1820 – 1903م) صديق داروين على هذا الصراع البقاء للأصلح Survival of the fittest وقَبِل داروين هذا الاصطلاح، ودافع داروين عن ” الانتقاء الطبيعي ” قائلًا ” العديد من الكتَّاب قد أخطأوا الفهم أو اعترضوا على مصطلح ” الانتقاء الطبيعي”.. حتى أن الجدال قد تطرق إلى أنه، بما أن النباتات ليس لديها إرادة فإن الانتقاء الطبيعي غير قابل للتطبيق عليها، ولا شك أن الانتقاء الطبيعي مصطلح زائف.. وقد سبق أن قيل أني أتحدث عن الانتقاء الطبيعي وكأنه قوة فعالة أو إله، ولكن من الذي يقوم بالاعتراض على مؤَلف يتحدث عن التقارب بالجاذبية على أساس أنه المسيطر على حركات الكواكب؟! كل إنسان يعلم ما الذي يعنيه، أو ما الذي ينطوي عليه استخدام مثل هذه التعبيرات المجازية”(6)
ويقول جوليان هاكسلي أن داروين بنى نظريته على ثلاث حقائق واستنتاجين:
الحقيقة الأولى: أن الأنواع تتكاثر وفقًا لنسبة هندسيَّة، ولاحظ داروين أن عدد سكان العالم في عصره تضاعف خلال خمس وعشرين عامًا.
الحقيقة الثانية: بالرغم من وفرة التكاثر فإن عدد أفراد النوع الواحد يبقى تقريبًا ثابتًا، ومن هاتين الحقيقتين أستنتج داروين استنتاجه الأول وهو أن هناك تنازع على البقاء ولا بُد من ضحايا.
الحقيقة الثالثة: فهي أن جميع الكائنات الحيَّة تختلف عن بعضها البعض، فلا يوجد كائنان يتشابهان تشابهًا تامًا، فالتوائم بينهما تباين، ومن الحقيقة الثالثة أستنتج داروين استنتاجه الثاني وهو أن بعض الأفراد أو السلالات تنجح أو تتفوق على غيرها في التنازع على البقاء، وهو ما دعاه داروين بنظرية “الانتخاب الطبيعي” أو “بقاء الأصلح”.
_____
(1) أصل الأنواع ص 351، 352.
(2) أصل الأنواع ص 139 – 141.
(3) أصل الأنواع ص 142.
(4) راجع أصل الأنواع ص 144، 145.
(5) أصل الأنواع ص 153، 154.
(6) المرجع السابق ص 161.
لقد أنكرت نظرية التطوُّر الله الخالق، فاصطبغت هذه النظرية بالصبغة الإلحادية ويقول ” دلاج ” أستاذ التشريح المقارن وعضو أكاديمية العلوم الفرنسية سابقًا ” لقد كانت هذه النظرية أعظم معول استخدمه الملحدون في محاولة هدم الإيمان بوجود الخالق. فقال هيجل المُلحد مثلًا، أن داروين باكتشافه نظرية التطوُّر قد سحق الاعتقاد برواية الخليقة بضربة واحدة””(1)(2) كما قال الأستاذ ” دلاج ” أيضًا ” مما لا شك فيه أن للقول بنظرية التطوُّر أهمية فلسفية أكثر منها علمية، ولم يغب هذا عن الماديّين والملحدين أمثال هيجل الألماني وهكسلي الإنجليزي وغيرهما من منكري الخالق وإعلانه، فاتخذوا منها سلاحًا ضد الاعتقاد بالخالق وبوحي كتابه””(3)(4).
ويقول دكتور كمال شرقاوي غزالي ” عندما ظهرت نظرية داروين كانت بمثابة قنبلة فكرية هزت العالم أجمع، وقلبت المفاهيم رأسًا على عقب. أحدثت دويًا هائلًا انعكست آثاره العميقة على العلم والدين والسياسة معًا، فقد أصبحت النظرية محورًا للنقاش.. ولا زالت تحظى بالشهرة حتى الآن ولازال هناك من يؤيدها أو يسعى لتأييدها.. كان الغرض الخفي (من هذه النظرية) هو هدم العقائد المقدَّسة والقضاء عليها، وبالفعل سادت موجة عجيبة من الإلحاد.. كذلك ظهرت مذاهب سياسية كان من مصلحتها القضاء على سلطان رجال الدين الذين كانوا يسيطرون على مقاليد الحكم في الدول الأوربية، ومن ثمَّ استغلوا تلك الآراء في ترويج الإلحاد لخدمة أهدافهم الشخصية”(5).
كما يقول القس عبد المسيح بسيط ” وطبق داروين هذه النظرية على الدين، وقال أن الدين نشأ أولًا على الإيمان بقوى روحيَّة غير مرئية ثم الإيمان بقوى سحرية ثم انتقل إلى الوثنية أو تعدد الآلهة حتى وصل إلى غايته في التوحيد!! ورفض ما جاء في العهد القديم مثل برج بابل وظهور قوس قزح بعد الطوفان.. وكان ظهور هذه النظرية سببًا في ترك الأديان، وانتشار الإلحاد، وعبادة الطبيعة، وإنكار الكتب الدينية والوحي والأنبياء عمومًا، ونفى وجود الله ووجود آدم وحواء.. إلخ ونتج عن هذه النظرية سيطرة الأفكار المادية على عقول المفكرين ومناداتهم بخضوع الإنسان للمادة وعبادة الطبيعة التي قال عنها داروين {الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق}!!”(6).
لقد كان داروين في البداية يعتقد أن الله هو الذي أبدع الأنواع المختلفة، ولكن في النهاية قال ” أن كل ما عمله الله في الخلق أنه أبدع جرثومة واحدة وتركها لذاتها، وهي تلقائيًا أخذت تتفرع وتتنوع حتى صارت ملايين من الأنواع التي تختلف عن بعضها بخواص متباينة كما هو مشاهد الآن”(7) فالتطوُّر في نظر داروين قد تم بعيدًا عن أي تدخل إلهي، ولذلك يتصوَّر التطوُّريون أن نظرية داروين قد وجهت ضربة قاسية لنظرية الخلق الإلهي المذكورة في سفر التكوين، فيقول ” برتراند راسل”.. ” لقد سدد مذهب داروين إلى علم اللاهوت ضربة قاسية تمامًا، كما فعل كوبرنيكوس في عالم الفلك، فالداروينية لم تجعل فحسب من الضروري التخلي عن الاعتقاد بثبات الأنواع والتخلي عن فكرة إتيان الله بأعمال الخلق المنفصلة التي يبدو أن سفر التكوين في الكتاب المقدَّس يؤيدها. بل أنها جعلت من الضروري أن نفترض انقضاء حقب سحيقة منذ بداية الحياة. الأمر الذي صدم مشاعر المؤمنين بالأرثوذكسية الدينية””(8)(9).
ويقول ” هنري موريس”.. ” تتضح الطبيعة الإلحادية لهذه النظرية في العقائد الاجتماعية الهدامة التي أفرزتها، فنيتشه وماركس، وكلاهما ملحد، تأثر بأفكار داروين عن الاختيار الطبيعي Natural selection والبقاء للأصلح Survival for the Littest فقد أدخلا في المجالات الفلسفية والاجتماعية والتربوية ما حاوله داروين في العالم البيولوجي، فعن ماركس وَرَثَ العالم الشيوعية ورفض وجود الخالق. أما فلسفة نيتشه فد أثرت بعمق في اتجاهات السياسة الألمانية حتى أصبحت أساس القوة الحربية الألمانية المكثفة التي حشدتها في فترة الثلاثينيات من هذا القرن وكانت سببًا من أسباب الحرب العالمية الثانية، وكان موسليني واحدًا من أكبر المتابعين المتحمسين لنيتشه، وكانت الفاشية هي النتيجة النهائية. كذلك وُلدت النازية في نفس البالوعة، وتعتبر نظرية التطوُّر كذلك أساسًا لأنواع متعددة من الاعتقادات غير الإصلاحيَّة والتي تُدرَّس الآن في المجالات السيكولوجية لفرويد ورَسل وغيرهما”(10).
لقد قرأ كارل ماركس وانجلز كتاب داروين ” أصل الأنواع ” بمجرد صدوره وأنبهر به، وهذا واضح من المراسلات التي جرت بين ماركس وانجلز، فعندما كتب ماركس كتابه ” رأس المال ” أهداه إلى داروين قائلًا ” من مُحِب مخلص إلى داروين ” وعندما كتب انجلز كتابه ” المنطق الجدلي للطبيعة ” أغدق المديح على داروين، و” بليخانوف ” Plekhanov الذي يُعد مؤسس الشيوعية الروسية كان يعتبر الماركسية تطبيقًا للدوارونية في العلوم الاجتماعية، واعتبر ” تروتسكي ” اكتشاف داروين أكبر نصر للمنطق الجدلي في مجال المادة العضوية، وأنقلب ” ستالين ” الذي كان متدينًا إلى الإلحاد بفضل كتب داروين، و” ماو ” Mao الذي أسَّس الحكم الشيوعي في الصين وقتل ملايين الصينيين قال أن ” الاشتراكية الصينية تقوم على فكر داروين ونظرية التطوُّر”(11) كما يقول ” هارون يحيى”.. ” وإذا اعتبرنا المفهوم الشيوعي للنزاع الجدلي الذي قتل نحو 120 مليون شخص طوال القرن العشرين (إله القتل) يمكننا حينئذ أن نفهم بشكل أفضل حجم الكارثة التي ألحقتها الداروينية بكوكبنا”(12).
ويقول ” كوستي بندلي”.. ” قرأ كارل ماركس (1818 – 1883م) ورفيقه أنجلز مؤسِّسَا الشيوعية كتاب أصل الأنواع بمجرد ظهوره، وانبهرا بالأسلوب المادي الجدلي الذي أتبعه (داروين).. وكتب ماركس في بيان الحزب الشيوعي سنة 1848م استكمالًا وتوضيحًا للماركسية أن هذا المؤلَف {يضع الخطوط العريضة لتصور جديد للعالم، هو المادية المتماسكة، وهو تصُّور يضم أيضًا مجال الحياة الاجتماعية والجدل، باعتباره أكثر نظريات التطوُّر شمولًا وعمقًا، ونظرية صراع الطبقات، ونظرية الدور الثوري التاريخي العالمي للبروليتاريا (الطبقة العمالية) خالقة المجتمع الشيوعي الجديد}(13)(14).
ويقول دكتور كمال شرقاوي غزالي إن كارل ماركس كتب إلى إنجلز Engels يقول له ” على الرغم من أن هذا الكتاب يعالج نظرية التطوُّر بأسلوب إنجليزي فج، إلاَّ أنه يحتوي أساس التاريخ الطبيعي لنظريتنا.. إن كارل ماركس حين قرأ مؤَلف أصل الأنواع لداروين تعرَّف على اتجاه ذلك المؤَلف نحو المادية والإلحاد فأُعجب به إلى درجة فائقة، وكان هذا المؤَلف هو السبب الذي من أجله استخدمه بالطريقة التي استخدمه بها، فكان ميلاد نظرية ماركس في تنازع البقاء بين الطبقات، ولقد وجد ماركس في صفحات مؤَلف داروين المادة المطلوبة لتصفية العقيدة الدينية وإزالتها من الوجود”(15).
كما يقول دكتور كمال شرقاوي ” لقد عرف ماركس ولينين ما في افتراضات داروين من اتجاه نحو المادية والإلحاد، ولم يكن ثمة حد لإعجابهما بداروين وأفكاره، فشيدوا متحفًا في قلب موسكو للدروانية وتمجيد داروين، ولكي تكون الخطة مُحكمة لانطلاق الماركسية على أساس نظرية داروين.. فقد خطط ماركس ولينين لاستخدام هكسلي في ترويج أفكار نظرية داروين، وكان (هكسلي) في ذلك مستميتًا.. من هنا كانت أفكار داروين عونًا ومددًا لترسيخ المادية والإلحاد في المواجهة التي كانت دائرة بين العلم والدين. والآن انحسرت موجات المادية والإلحاد، وبطلت الشيوعية، وبان غيها وضلالها.. ووقف الجميع حائرين أمام الشفرة الوراثية يصفونها بأنها لُغز مُحيّر”(16).
لقد أدخلت نظرية التطوُّر الإنسان في صراعٍ قاسٍ من أجل البقاء، بدلًا من التعاون بين البشر، وزرعت هذه النظرية فلسفة العنف والاعتداء، فالقوي يجتهد لكيما يصعد على أشلاء الضعفاء، وتمخضت النظرية عن ” نيتشه ” الذي له الباع الأكبر في النازية، وسيادة الجنس الأري على جميع الأجناس، فأثارت هذه النزعة الحروب ونشرت الدمار، وجاء في كتاب علم الأحياء للصف الثالث الثانوي 1990/1991م ص 237 ” ومما هو جدير بالذكر في هذا المجال الآثار التي أدت إليها نظرية داروين وبخاصة في مجال الفلسفة والسياسة والعلاقات البشرية، فقد ترتبت على نظرية الانتحاب الطبيعي ما يمكن أن يُسمى ” فلسفة الاعتداء ” أو فلسفة ” العنف والاغتصاب ” وتجاوبًا واطمئنانًا إلى هذه الفلسفة التي ساعد الفيلسوف الألماني نيتشه Nietzsche (1844 – 1900م) على رواجها فدخل العالم في غمار حروب عامة منها حرب السبعين عامًا والحربين العالميتين الأولى والثانية، فقد أثارت النزاعات العدائية والحروب وأطلقت الشعارات بسيادة جنس على آخر (كشعار سيادة الجنس الأري الذي سبب قيام الحرب العالمية الثانية)”(17).
وقد تأثر أدولف هتلر Adolf Hitler بفكرة الصراع من أجل البقاء بين الأجناس، واستوحى منها أفكاره في كتابه ” كفاحي “، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وقال عن الصراع بين الأجناس ” سوف يصل التاريخ إلى أوجه في إمبراطورية ألفية جديدة تتسم بعظمة لا مثيل لها، وتستند إلى تسلسل جديد للأجناس تقرره الطبيعة ذاتها”(18) كما أعلن سنة 1933م في الاجتماع الموسع لحزب نيورمبيرج Nuremberg أن ” الجنس الأعلى يُخضِع لنفسه الجنس الأدنى.. وهو حق نراه في الطبيعة ويمكن اعتباره الحق الأوحد القابل للإدراك”(19) كما يصف المؤرخ ” هيكمان ” Hickman تأثير الداروينية على هتلر قائلًا ” لقد كان (هتلر) مؤمنًا راسخًا بالتطوُّر ومبشرًا به، وأيا كانت عقده النفسية الأعمق والأغوص، فإنه من المؤكد أن (فكرة الصراع كانت مهمة بالنسبة له) لأن في كتابه.. ” كفاحي ” Mein Kampt يبين بوضوح عددًا من الأفكار التطوُّرية، وخاصة تلك التي تؤكد على الصراع، والبقاء للأصلح، وإبادة الضعفاء لإنتاج مجتمع أفضل”(20).
ويقول الدكتور كمال شرقاوي غزالي ” وانتقلت فكرة التطوُّر لتصبح منهجًا للبعض، وجاء هتلر يومًا ما فأعلن عن فكرته النازية في إستيلاد سلالات بشرية قوية، وإعدام السلالات الضعيفة، واتخذت الفاشية الافتراض المتعلق بالانتقاء الطبيعي والبقاء للأصلح مبررًا القضاء على بعض الأجناس البشرية، واتخذها تجار الحروب مبررًا لهم لأن الحروب تقضي على العناصر الضعيفة وتستبقي العناصر القوية”(21).
وإن كان معظم الملحدين يُدرك الحقيقة في نهاية دربه، فمنهم من تاب وأناب ومنهم من ذهب إلى قبره بفكره وإلحاده، فقد اصطدم تولستوي الفيلسوف الروحي الملحد في نهاية أيامه بصخرة القلق والانزعاج فلجأ للفلاحين البسطاء يستلهم منهم الإيمان، وقال في كتابه ” اعترافي”.. ” كنت أُفتش عن جواب لسؤالي والعقل لم يمنحني إياه. الحياة نفسها منحتني الجواب من معرفتي الخير والشر، وهذه المعرفة لم أحصل عليها من أي طريق لأنها أُعطيت لي من الابتداء، خُلقت معي، أُعطيت لي لأني ما كنت أجدها عن طريق آخر. من أين أتت..؟ من الذي أخبرني بأن أحب قريبي؟ من الذي علمني بأن لا أعيش لنفسي فقط. من كشف عنها..؟ ليس العقل، لأن العقل كشف عن نظرية تنازع البقاء وبقاء الأنسب، وذلك القانون الذي يستدعي أن أرضي شهواتي على حساب غيري. نعم إن هذه المعرفة لم تأتيني من العقل بل أعرفها بقلبي بإيماني بتعاليم الكنيسة.
إني كلما زدت تأملًا في حياة أولئك الفلاحين ازددت اقتناعًا بأنهم يملكون إيمانًا صادقًا، ومنه وحده يحصلون على معنى الحياة.. نعم نعم إننا بقدر ما نعيش بعقولنا نتأخر في فهم معنى الحياة. نعم فنحن لا نرى في الآلام والموت إلاَّ مزاحًا عنيفًا. أما أولئك فيعيشون ويتأملون ويقربون من الموت بهدوء وفي أحيان كثيرة بسرور..”(22).
كما يقول نيافة المتنيح الأنبا إيسيوذوروس عن ” أديسون ” الذي أنكر في البداية وجود الروح ثم عرف الحقيقة في نهاية حياته ” وليس انقلاب أديسون من رجل ملحد إلى رجل مؤمن أمرًا غريبًا، وقد أصبح على مقربة من نهاية رحلته وصار يلمح شبح الأبدية أمامه. وفي الواقع أن الكثيرين من الملحدين الذي قضوا سواد عمرهم في إنكار الخالق والخلود انقلبوا وهم على أهبة الرحيل من هذا العالم إلى مؤمنين يعتقدون حقيقة الخلود يضيق المكان عن تعداد أسمائهم. وإنما نقول أن ظهور أديسون وهو على عتبة الثمانين من العمر بمظهر المؤمن المُعتَقد يوقد نظرية القائلين بأن الإيمان بالخلود غريزي في النفس مهما حاول المرء أن يستأصله منها أو يقنع نفسه بعكس ذلك. فالمرء يولَد وفي نفسه عقيدة الخلود.. يقول أديسون.. لاشك أن الذي يفنى من الإنسان إنما هو هذه المادة التي نسميها جسدًا، ولكن الجسد ليس سوى غلاف النفس، والنفس خالدة لا محالة إلاَّ إذا أنكرنا وجودها بتاتًا.. فأساس الدين القويم هو الإيمان بوجود الخالق وبخلود النفس.. ولا شك أن الحياة إذا جردناها من فكرة الخلود تصبح عبئًا ثقيلًا على الإنسان بل تصبح كالسراب الخادع يحسبها الإنسان شيئًا وهي ليست شيئًا، لأنه إذا انتفى الخلود فأي فرق بين المرء وأدنى أنواع النبات الذي تطوءه الأقدام فييبس..؟ إذا انتفى الخلود أصبح الناس كالأسماك يبتلع كبيرها صغيرها ولا يجد ما يردعه عن ارتكاب أكبر الجرائم في سبيل مصلحته الذاتية”(23).
_____
(1) البروتوبلازم والوراثة ص 112.
(2) أورده برسوم ميخائيل في كتابه حقائق كتابية جـ 1 ص 203.
(3) البروتوبلازم والوراثة ص 8.
(4) المرجع السابق ص 208.
(5) التطور بين الضلال وممارسة حق النقد ص 5.
(6) الكتاب المقدَّس يتحدى نقاده ص 14، 15.
(7) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 208.
(8) برتراند راسل – الدين والعلم ص 70.
(9) أورده القس عبد المسيح بسيط – الكتاب المقدَّس يتحدى نقاده ص 14.
(10) ترجمة نظير عريان ميلاد – الكتاب المقدَّس ونظريات العلم الحديث ص 59.
(11) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 13.
(12) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 13.
(13) إله الإلحاد المعاصر.
(14) أورده القس عبد المسيح بسيط – الكتاب المقدَّس يتحدى نقاده ص 15، 16.
(15) التطوُّر بين الضلال وممارسة حق النقد ص 41، 42.
(16) التطوُّر بين الضلال وممارسة حق النقد ص 74.
(17) تأليف د. أمين عرفان دويدار أستاذ ورئيس قسم العلوم البيولوجية والجيولوجية كلية التربية جامعة عين شمس، ود. عبد الله محمد إبراهيم أستاذ علم الحيوان كلية العلوم جامعة عين شمس، ود. عدلي كامل فرج مدير عام سابق بوزارة التربية والتعليم.
(18) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 11.
(19) المرجع السابق ص 11.
(20) المرجع السابق ص 11.
(21) التطوُّر بين الضلال وممارسة حق النقد ص 37.
(22) نيافة المتنيح الأسقف ايسيذورس – الإخاء والسلم بين الدين والعلم ص 65، 66.
(23) نيافة المتنيح الأسقف ايسيذورس – الإخاء والسلم بين الدين والعلم ص 67، 68.
الحياة على الأرض من الميكروبات والإنسان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF
صب التطور الذي حصل في العلم الحديث لصالح الأسباب التقليدية للإيمان بالإله. عندما لا يكون لدينا فكرة عن الكيفية التي وجد بها الكون فإن من السهل نسبة ذلك إلى فعل إلهي، أو مجموعة أفعال إلهية. وبالمثل، فإن وضع كبلر وبرینكوس وغاليليو الأرض في وسط السماء المرصعة بالنجوم بدا وكأنه يمثل حجة قوية لوجود الإله. إذا كان الإله وضع الأرض في الوسط، فلابد أنه بنى كل ذلك من أجلنا. عندما أجبرت العلوم الشمسية على إعادة النظر في هذا المفهوم، اهتزت قناعات العديد من المؤمنين.
لكن الركن الثالث من أركان الإيمان لازال يحظى بقيمة كبيرة: تعقيد الحياة الدنيوية، مما يعني لأي مراقب أن لهذا عمل مصمم ذكي. وكما سنرى لاحقاً، فإن العلم قلب ذلك رأساً على عقب. وهنا كما في الحجتين السابقتين، أريد أن أشدد على أن المؤمن بالإله لا ينكر العلم، وإنما يتبناه. إن الأناقة التي تقف خلف تعقيد الحياة مدعاة للإعجاب والاعتقاد بالله، ولكن ليس بالطريقة المبسطة والمباشرة التي كان يعتقد بها الكثيرون قبل نظرية دارون.
تعود “حجة التصميم على الأقل إلى أيام شيشرون، ولقد تم تقديمها بشكل مؤثر بواسطة ويليم بالي William Paley في كتابه المهم اللاهوت الطبيعي Natural Theology أو براهين الوجودEvidences of the Existence and Attributes of the Deity Collected from the Appearance of Nature. طرح بالی وهو فيلسوف أخلاقي قياساً شهيراً على النحو التالي: “افترض أنه وأثناء مروري بأرض قاحلة أصدمت قدمي بحجر، وسألني أحدهم كيف جاء هذا الحجر إلى هنا، من الممكن أن أجيب بالقول إنه كان هنا منذ قديم الزمان. ولن يكون من السهل جداً إظهار سخافة هذه الإجابة. ولكن افترض إنني وجدت ساعة يد على الأرض وسُئلت كيف وصلت هذه الساعة إلى هنا، هنا من الصعب عليّ أن أفكر بالإجابة على هذا السؤال بنفس إجابة السؤال السابق، لأن القول بأن ساعة اليد كانت هنا منذ القدم يستلزم القول بأن لهذه الساعة صانع: وعليه تكون الساعة وجدت في زمان ما وفي مكان ما، وهناك صانع أو صناع قاموا بصناعتها لهدف معين، وهذا الصانع هو من يعلم تركيبها وقام بوضع كل الدلائل التي تشير إلى صنعها. كل مظاهر التصميم الموجودة في ساعة اليد موجودة في عالم الطبيعة، مع أفضلية لعالم الطبيعة لكونه أكبر، ولأن حسابات تصميمه تفوق كل الحسابات. برهان التصميم كان مقنعة للبشرية طوال التاريخ. داروين نفسه، قبل رحلته على سفينتي بيغل كان معجبا بكتابات بالي، وصرح بأنه مقتنع بهذا الرأي. ومع ذلك فإن هناك عيب في حجة بالي، ويمكن توضيح ذلك باختصار على النحو التالي:
1- ساعة اليد معقدة
2- لساعة اليد صانع ذكي
3- الحياة معقدة
4- لذلك، الحياة أيضا لها صانع
ولكن في الحقيقة كون شيئين يتشاركان في خاصية واحدة لا يستلزم أنهما يتشاركان في جميع الخصائص. لنأخذ المثال المشابه التالي:
1- التيار الكهربائي الموجود في بيتي يتكون من تدفق للإلكترونات
2- التيار الكهربائي يأتي من شركة الكهرباء
3- البرق يتكون من تدفق للإلكترونات
4- لذلك، البرق يأتي من شركة الكهرباء
على الرغم من أن الحجة تبدو جذابة، ولكنها لا تقول القصة بكاملها. لكي تختبر تعقيد الحياة وأصولنا في هذا الكوكب عليك أن تنقب عميقاً في الاكتشافات الرائعة حول طبيعة الكائنات الحية، وهي الاكتشافات التي نتجت عن الثورة الحديثة في علم المتحجرات وعلم الأحياء الجزيئي، وعلم الجينوم. على الشخص المؤمن أن لا يخشى من أن تسقط هذه الاكتشافات العرش الإلهي. إذا كان الله سبحانه وتعالى حقيقة، فسيكون من الصعب أن يتعرض للخطر من قبل مساعينا السقيمة في فهم طريقة عمل عالمه الطبيعي. ونحن كساعين للحقيقة ربما نعثر في العلم على أجوبة مقنعة على سؤال “كيف تعمل الحياة؟” ما لا نستطيع أن نكتشفه بواسطة العلم فقط هي الإجابة على الأسئلة “لماذا توجد حياة. لماذا نحن موجودون؟
يبدأ العلم في الإجابة على السؤال عن تعقيد الحياة بجدول زمني. نحن نعلم في الوقت الحاضر أن عمر الأرض يبلغ 14 مليون سنة. قبل قرن من الزمن لم نكن نعلم عمر كوكبنا. ولكن الاكتشاف اللاحق للنشاط الإشعاعي والاضمحلال الطبيعي لبعض النظائر الكيميائية قدم لنا وسيلة أنيقة ودقيقة لتحديد عمر الصخور المختلفة على سطح الأرض. لقد تم شرح الأساس العلمي لهذه الطريقة بشكل مفصل في كتاب برنت داریمبل Brent Dalrymple عمر الأرض The Age of Earth، اعتماداً على معرفة نصف عمر ثلاثة عناصر كيميائية مشعة أنحلت بشكل مطرد، وتحولت إلى عناصر مختلفة ومستقرة: اليورانيوم تحول ببطء إلى الرصاص، والبوتاسيوم تحول ببطء إلى الأرجون، وتحول السترونتيوم الغريب إلى عنصر نادر يسمى الروبيديوم. عن طريق قياس كميات من أي من هذه الأزواج من العناصر، يمكننا تقدير عمر أي صخرة معينة. كل هذه الأساليب المستقلة تعطي نتائج متناغمة بشكل لافت للنظر، وجميعها يشير إلى أن عمر الأرض هو 4550000000 سنة، مع نسبة خطأ قريبة من الواحد بالمئة فقط. أقدم الصخور على سطح الأرض الحالي يعود تاريخها إلى ما يقرب من 4 مليارات سنة، ولكن ما يقرب من سبعين نيزك وعدد من الصخور القمرية يعود تاريخها إلى 4.5 مليارات سنة.
جميع الأدلة المتوفرة حالياً تشير إلى أن الأرض كانت مكاناً غير ملائم تماماً للعيش فيها في الخمسمائة مليون سنة الأولى. لقد تعرض الكوكب لهجوم مستمر ومدمر من كويكبات ونيازك عملاقة، وأحد هذه الهجمات جعلت القمر يخرج عن نطاق الأرض. ولذلك لا غرابة في أن الصخور التي تعود إلى 4 مليارات سنة لا يوجد فيها أي دلائل على الحياة.
فقط في وقت لاحق، أي ما يقارب من 150 مليون سنة، تم العثور على أنواع حياة ميكروبية. ومن المفترض أن هذه الكائنات ذات الخلية الواحدة كانت قادرة ربما باستخدام الحمض النووي على تخزين المعلومات، وكان قادرة على تكرار ذاتها، وقادرة على التطور إلى أنواع مختلفة متعددة. حديثاً، وضع کارل ووز Carl Woese فرضية محتملة لعمر محدد للأرض، وذلك عندما أصبح تبادل الحمض النووي بين الكائنات الحية سهلاً. بشكل أساسي، يتكون المحيط الحيوي للحمض النووي من عدد كبير من الخلايا الصغيرة المستقلة، ولكنها تتفاعل على نطاق واسع مع بعضها البعض.
إذا طور كائن معين بروتين أو سلسلة من البروتينات التي توفر ميزة معينة، فإنه يمكن لهذه الميزات الجديدة الانتقال بسرعة إلى جيرانها. بهذا المعنى، فإن التطور الذي حدث في وقت مبكر كان نشاطاً جماعياً أكثر منه نشاطاً فردياً. تم توثيق هذا النوع من “انتقال الجينات الأفقي” بشكل جيد في معظم الأشكال القديمة من البكتيريا الموجودة الآن على الأرض (العتائق)، وربما أتاح ذلك الفرصة لانتشار خصائص جديدة بسرعة.
ولكن كيف حدث التوالد الذاتي في المقام الأول؟ من المنصف القول إننا لا نعلم في الوقت الحالي كيف حدث ذلك. لا توجد فرضية حديثة اقتربت من تفسير كيف استطاع المكان الذي وجد قبل 150 مليون سنة من بيئة قبل حيوية أن يوجد حياة على سطح الأرض. هذا لا يعني عدم وجود فرضيات معقولة، ولكن الاحتمالات الإحصائية التي يمكن الاعتماد عليها لازالت تبدو بعيدة المنال.
قبل خمسين عاماً، شكلت التجارب الشهيرة التي قام بها ستانلي میلر Stanley Miller وهارولد أوري Harold Urey لخليط من المركبات العضوية والماء ما يمكن أن يكون الظروف البدائية للحياة على الأرض. استطاع هذان العالمان تكوين كميات قليلة من مركبات حيوية مثل الأحماض الأمينية من خلال تسليط شحنة كهربائية. مثل العثور على كميات صغيرة من مركبات مماثلة داخل النيازك القادمة من الفضاء الخارجي، حجة أيضا على أن مثل هذه الجزيئات العضوية المعقدة يمكن أن تنشأ من العمليات الطبيعية في الكون.
بعد هذه النقطة، تصبح التفاصيل ناقصة تماماً. كيف يمكن لجزيء حامل للمعلومات وذاتي الانقسام أن يتكون من هذه المركبات؟ الحمض النووي الذي يتكون عموده الفقري من السكر الفوسفاتي مرتب على شكل طبقات فوق بعضها بشكل منسق على صورة أزواج من الحلزون المزدوج، يبدو وكأن جزئياً قد خرج إلى الوجود كشكل أولي للحياة على نحو غير متوقع، وخاصة أن الحمض النووي لا يملك القدرة على نسخ نفسه، على عكس الحمض الريبي RNA، حيث يمكن للحمض الريبي أن يحمل المعلومات، وفي بعض الحالات يمكن أن يحفز تفاعلات كيميائية، في حين لا يستطيع الحمض النووي ذلك. الحمض النووي مثل الذاكرة الدائمة الموجودة في جهاز الكمبيوتر: إذ أنها يفترض أن تكون وسيلة ثابتة لحفظ المعلومات (وكما هو الحال مع الكمبيوتر يمكن أن يصاب الحمض النووي بالأخطاء البرمجية). على عكس ذلك، فإن الحمض الريبي أشبه بالذاكرة المؤقتة التي بمقدورها أن تقوم بنشاطات بمفردها. وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلها عدد من الباحثين إلا أنه لم يمكن لحد الآن التوصل إلى مكونات الحمض الريبي في تجربة ميلر -أوري، كما لم يمكن تصميم حمض ريبي قادر على التوليد الذاتي.
دفعت الصعوبات الكبيرة في تحديد مسار مقنع لأصل الحياة بعض العلماء، وأبرزهم فرانسیس کريك Francis Crick (الذي أكتشف مع جيمس واتسون الحمض النووي المزدوج الحلزون)، إلى القول بأن أشكال الحياة وصلت إلى الأرض من الفضاء الخارجي، إما عبر جزيئات صغيرة عائمة عبر الفضاء بين النجوم وتقع تحت تأثير جاذبية الأرض أو أن ذلك تم بشكل مقصود أو غير مقصود من قبل بعض المسافرين القدماء الآتين من الفضاء. على الرغم من أن هذا التفسير قد يحل معضلة الحياة على الأرض، إلا أنه لا يقدم شيئا لحل السؤال الجوهري عن أصل الحياة، لأنه يدفع بالحدث المذهل إلى حقبة زمنية أقدم بكثير. وهي نقطة نظام نطرحها في وجه المعترضين على إمكانية الوجود العفوي للحياة على الأرض استناداً إلى القانون الثاني للميكانيكا الحرارية.
ينص القانون الثاني على أنه في نظام مغلق، حيث لا طاقة ولا مادة يمكنهما الدخول أو الخروج، فإن كمية من الاختلال سوف تميل إلى الزيادة مع مرور الوقت. بما أن أشكال الحياة في غاية الترتيب فإن البعض يعتبر أن من المستحيل أن تكون الحياة وجدت من دون خالق خارق القدرة. ولكن هذا ينم عن سوء فهم لمعنى القانون الثاني: الترتيب يمكن أن يزيد في بعض أجزاء النظام، ولكن هذا يحتاج إلى طاقة، وإلى أن لا تقل كمية الخلل في النظام ككل. في حالة أصل الكون، الكون ككل هو النظام المغلق، ويتم توفير الطاقة من الشمس، وبالتالي فإن الزيادة الداخلية المطلوبة ممثلة بالتجمع العشوائي للجزيئات لا يمكن أن يخالف القانون بأي حال من الأحوال.
عدم قدرة العلم حتى الآن على تفسير السؤال العميق عن أصل الحياة دفع بعض المؤمنين بالإله إلى القول بأن ظهور الحمض النووي والحمض الريبي هو تأكيد على القدرة الإلهية. إذا كان هدف الإله من خلق الكون هو خلق البشر، وإذا كان التعقيد المطلوب لبدء عملية الحياة يتجاوز قدرة المواد الكيميائية في الكون في صناعة الذات، ألا يمكن أن يكون الله قد تدخل لبدء هذه العملية؟
قد تبدو هذه الفرضية قوية، عطفاً على عدم قدرة العلماء على الادعاء بأن التفسير الطبيعي لتفسير أصل الحياة في متناول اليد. ولكن هذا التفسير قد يكون مقبولاً في الوقت الحالي، ولكنه قد لا يكون كذلك في الغد. ولذلك لابد أن نكون حذرين في التعامل مع الفعل الإلهي بشكل محدد في هذا المجال أو في مجالات أخرى لازال العلم قاصراً عن الوصول إليها. من كسوف الشمس في الأزمنة القديمة إلى حركة الكواكب في العصور الوسطى، وإلى أصل الحياة اليوم، كثيراً ما يسيء “إله الفجوات” God of Gaps للدين (وبالتالي يسيء للإله). الدين الذي يضع الله في ثغرات الفهم الحالي عن العالم الطبيعي قد يتسبب في أزمة في حال استطاع العلم ملاء تلك الثغرات في وقت لاحق.
في مواجهة عدم القدرة على فهم العالم الطبيعي ينبغي أن يكون المؤمنون بالإله حذرين في الاستناد إلى فرضية التدخل الإلهي في مجالات التي يلفها الغموض حالية، حتى لا تسبب ذلك في ضرر مستقبلي. هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بالله، بما في ذلك وجود المبادئ الرياضية والنظام في الخلق. هذه الأسباب إيجابية وتستند إلى أسس معرفية، وليس على أساس فرضيات تفتقر للدلائل. باختصار، على الرغم من أن السؤال عن أصل الحياة سؤال رائع، وعلى الرغم من عدم قدرة العلم الحديث على تطوير آلية إحصائية محتملة، إلا أن هذا ليس مكان ليمارس الإنسان المؤمن بالإله لإيمانه.
في حين أن العلماء الهواة والمحترفين توصلوا لاكتشاف الحفريات منذ عدة قرون، إلا أن هذه الاكتشافات بلغت مرحلة متقدمة في السنوات العشرين الماضية. الكثير من الفجوات التي كانت موجودة في فهم تاريخ الحياة على الأرض تم ملؤها بواسطة اكتشاف الأنواع المنقرضة من الكائنات الحية. وأكثر من ذلك، أصبح من المتاح التعرف على عمر هذه الأحافير بناءً على نفس عملية الاضمحلال الإشعاعي التي ساعدت في تحديد عمر الأرض. الغالبية العظمى من الكائنات الحية التي عاشت لم تترك أي أثر يدل على وجودها، لأن الأحافير تنشأ في ظروف غير عادية للغاية (على سبيل المثال، الكائن الذي يقع في نوع معين من الطين أو الصخور، ولا يتم التقاطه من قبل الحيوانات المفترسة تتعفن عظامه ومعظم هذه المخلوقات تتحلل). وعلى ضوء هذا الواقع، يبدو من المدهش أن يكون لدينا مثل هذه الثروة من المعلومات حول الكائنات الحية التي عاشت على الأرض.
الجدول الزمني التي كشفت عنه السجل الأحفوري غير مكتمل تماماً، ولكن يظل مفيد جداً. على سبيل المثال، فقط الكائنات الحية وحيدة الخلية تظهر في الرواسب التي تكونت قبل حوالي 550 مليون سنة، على الرغم من أنه من الممكن أن تكون هناك كائنات حية أكثر تعقيدا كانت موجودة قبل هذا الوقت. قبل ما يقرب من 550 مليون سنة مضت، ظهر فجأة عدد كبير من الأجسام اللافقارية المتنوعة على مخطط السجل الأحفوري.
غالبا ما يشار إلى هذا الحادثة على أنها “الانفجار الكمبري”، وتم تدوين ذلك بشكل مفهوم للغاية بواسطة الراحل ستيفن جاي غولد Stephen Jay Gould وهو أكثر كتاب عصره شاعرية، وذلك في كتابه “حياة رائعة” Wonderful Life. وفي الكتاب تساءل غولد كيف يمكن للتطور أن يكون مسؤولا عن التنوع في مخططات الجسم Body plans التي ظهرت في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن.
كان هناك خبراء آخرون أقل حماسية بكثير للادعاء بأن الانفجار الكمبري يمثل انقطاعاً في عملية تعقيد الحياة، على الرغم من أن كتاباتهم لم تكن معروفة على نطاق واسع للجمهور العام. ما يسمى بالانفجار الكمبري على سبيل المثال يعكس تغيراً في الشروط التي سمحت لكثير من الأنواع بالتحجر والتي كانت موجودة لملايين السنين. في حين بذلت محاولات من قبل بعض الموحدين لتأكيد أن الانفجار الكمبري هو دليل على تدخل قوة خارقة للطبيعة، ولكن الدراسة المتأنية للوقائع لا تبدو أنها تدعم ذلك. هذه صيغة جديدة من حجة “إله الفجوات”. مرة أخرى، من غير الحكمة أن يعلق المؤمنون بالله إيمانهم على مثل هذه الفرضية. تشير الأدلة الحالية إلى أن الأرض ظلت جرداء حتى قبل حوالي 400 مليون سنة، حين ظهرت النباتات على اليابسة مستمدة وجودها من أشكال الحياة المائية. بعد ما يقرب من 30 مليون سنة على نحو التقريب، انتقلت الحيوانات إلى اليابسة، وهذه الخطوة تشير إلى فجوة أخرى: يبدو أن هناك عدد قليل من الأشكال الانتقالية بين المخلوقات البحرية والبرية رباعية الأرجل في السجل الأحفوري. الاكتشافات الحديثة وثقت بشكل مقنع أمثلة على هذا النوع من التحول.
بداية من نحو 230 مليون سنة، هيمنت الديناصورات على الأرض. ويوجد قبول عام لدى الباحثين الآن بأن انقراضها كان نهاية مفاجئة وكارثية قبل ما يقرب من 65 مليون سنة مضت، في وقت اصطدام كوكب الأرض مع كويكب كبير وقع في محيط ما يعرف الآن بشبه جزيرة يوكاتان. تم التعرف على الغبار الدقيق الذي نتج عن هذا التصادم الرهيب في أجزاء مختلفة من العالم. التغيرات المناخية الكارثية التي نتجت على ما يبدو من كمية الغبار الهائلة في الغلاف الجوي كانت أكثر من اللازم لأنواع الديناصورات المهيمنة، مما أدى إلى انقراضها، وارتفاع فرص وجود الثدييات.
إن اصطدام الكويكب القديم هو حدث محير. إنه السبب الوحيد الذي قد يكون أدى إلى انقراض الديناصورات وظهور الثدييات. ربما لم نكن موجودين الآن لو لم يضرب هذا الكويكب المكسيك. معظمنا لديه اهتمام خاص بالسجل الأحفوري للبشر، وهنا أيضا ظهرت اكتشافات في العقود القليلة الماضية كشفت الكثير من الحقائق. تم اكتشاف عظام أكثر من اثني عشرة نوع من أنواع أسلاف الإنسان المختلفة في أفريقيا، مع ملاحظة وجود زيادة مطردة في حجم الجمجمة. تم اكتشاف أول العينات في تاريخ الإنسان قبل ما يقرب من 195000سنة تقريباً.
يبدو أن الفروع الأخرى التي تطورت من أسلاف الإنسان واجهت طريقاً مسدوداً: البشر البدائيون الذين كانوا موجودون في أوروبا حتى قبل 30000 سنة، وحديثا تم اكتشاف “الهوبيت” وهو عبارة عن مخ صغير لأناس عاشوا في جزيرة فلوريس في إندونيسيا حتى انقرضوا منذ ما يقرب من 13000سنة.
رغم أن هناك العديد من العيوب في السجل الأحفوري، ورغم وجود العديد من الألغاز المطلوب حلها، إلا أن جميع النتائج تقريبا تنسجم مع مفهوم شجرة الحياة المتعلقة بالكائنات الحية. يوجد دليل جيد على أشكال انتقالية من الزواحف للطيور، ومن الزواحف إلى الثدييات. الحجج التي تسند إلى نموذج لا يستطيع تفسير وجود بعض الأنواع، مثل الحيتان، يتعرض للسقوط كلما كشفت التحقيقات عن وجود أنواع انتقالية، في كثير من الأحيان في الزمان والمكان الذي تتنبأ به نظرية التطور.
ولد داروين في عام 1809، وقد درس في البداية ليصبح كاهناً في كنيسة إنجلترا، ولكن تولد لديه اهتمام عميق بالطبيعيات. على الرغم من أن داروين الشاب اقتنع في البداية بحجة “ساعة يد” بالي، ورأى أن التصميم الموجود في الطبيعة دليل على وجود مصدر إلهي، فإن وجهات نظره بدأت تتغير عندما سافر على سفينتي بيغل 1831-1836. زار داروين أمريكا الجنوبية وجزر غالاباغوس، حيث درس بقايا متحجرة من الكائنات القديمة، ولاحظ تنوع أشكال الحياة في بيئات معزولة.
بناء على هذه الملاحظات، وعلى أساس عمل إضافي قام به على مدى أكثر من عشرين عاما، طور داروين نظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي. في عام 1859، واجه داروين إمكانية أن يسبقه ألفرد راسل والاس إلى النظرية، ولكنه في النهاية كتب ونشر أفكاره في الكتاب عميق التأثير “أصل الأنواع” The Origin of Species.
ومع معرفته بأن الحجج في كتابه هذا من المحتمل أن يكون لها أصداء واسعة، كتب داروين تعليقا في نهاية الكتاب يقول فيه “وجهات النظر التي قدمتها في هذا الكتاب، وكذلك وجهات نظر السيد والاس، بخصوص أصل الأنواع، تمكننا من أن نتنبأ بأن قدراً قليلاً من التقدم لن يؤدي إلى ثورة كبيرة في التاريخ الطبيعي”.
اعتبر داروين أن جميع أنواع الكائنات الحية تنحدر من مجموعة صغيرة من أسلاف أكثر شيوعا، وربما تنحدر من مجموعة واحدة منها فقط. لقد اعتبر داروين أن التنوع داخل النوع الواحد يحدث بشكل عشوائي، وأن البقاء على قيد الحياة أو انقراض كل الكائنات الحية يعتمد على قدرتها على التكيف مع البيئة. لقد عبر داروين عن ذلك بالانتقاء الطبيعي. إدراكاً منه بالطابع الانفجاري لهذه الحجة، ألمح داروين إلى أن هذه العملية نفسها قد تنطبق على البشر، وطور ذلك بقدر أكبر من التفصيل في كتاب لاحق عنوانه “أسلاف الإنسان” The descent of Man.
أثار كتاب “أصل الأنواع” نقاشاً مباشراً ومحتدماً، ولكن ردة الفعل من قبل السلطات الدينية لم يكن بشكل عام سلبية كما يصور في الوقت الحالي. في الواقع، قبل رجل الدين اللاهوتي البروتستانتي المحافظ بنیامین ارفیلد برينستون Warfield of Princeton التطور على أنه “نظرية في الطريق إلى العناية الإلهية، ” بينما تمسك بحجة أن التطور في حد ذاته يجب أن يكون له خالق خارق القدرة. يوجد العديد من الأساطير حول رد فعل الجمهور على داروين. على سبيل المثال، كانت هناك محاورة شهيرة بين توماس هكسليH. Huxley Thomas (المروج المتحمس للتطور) والمطران صموئيل ويلبر فورس Wilberforce Bishop Samuel، وربما لم يقل هكسلي أنه لا يشعر بالعار من أنه من أحفاد قرد، ولكنه سوف يشعر بالعار إذا كان قريباً لأي شخص لا يقول الحقيقة. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من كونه منبوذاً من قبل المجتمع الديني، إلا أن دفن داروين في دير وستمنستر.
كان داروين نفسه يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير نظريته على المعتقد الديني، وطوال كتاب “أصل الأنواع” عانى كثيراً ليشير إلى تفسير متناغم ممكن “أنا لا أرى أي سبب وجيه لأن تتسبب الآراء الواردة في هذا الكتاب في صدمة للمشاعر الدينية لأي شخص …. المؤلف الربوبي المشهور كتب لي أنه “لقد تعلمت تدريجياً أن أرى أن ذلك مجرد شعور نبيل للإله خلق أشكال أصلية أصبحت قادرة على تطوير ذاتها إلى أشكال أخرى محتاجة لها، إلى حد الاعتقاد أنه مطلوب عمل جديد من الخلق يؤدي إلى سد الفراغات الناجمة عن قوانينه”.
بل إن داروين ختم كتابه أصل الأنواع بالجملة التالية: “هناك عظمة في هذه النظرة مع وجود قوى عدة، جاءت إلى الحياة بواسطة الخالق على صورة أشكال أو شكل واحد، وأنه بينما هذا يدور الكوكب وفق قانون الجاذبية الثابت، فإنه ومن تلك البداية البسيطة، تكونت وتطورت أشكال لا حصر لها أكثر جمالا وروعة”. ظلت الآراء الشخصية لداروين غامضة، ويبدو أنها كانت متقلبة حتى السنوات الأخيرة من حياته. وفي إحدى المرات كتب يقول “لا أدري هو الوصف الأقرب لوضعي الإيماني”. وفي مرة أخرى كتب يقول إنه شعر بتحدي كبير من الصعوبة البالغة أو ربما استحالة تقبل فكرة أن هذا الكون العظيم الهائل بما في ذلك الإنسان القادر على النظر إلى الماضي وإلى الحاضر على أنه مجرد صدفة عمياء أو على انه ضرورة. عندما يدور ذلك في خلدي أجدني مقتنعاً بأن هناك مسبب أول صاحب عقل ذكي مشابه بنحو ما للإنسان، وأستحق أن يقال لي مؤمن”.
لا يوجد عالم بيولوجي اليوم يشك في قدرة نظرية التطور على شرح التعقيد الرائع لتنوع الحياة. في الحقيقة، علاقة جميع الأنواع ببعضها من خلال آلية التطور هو أساس عميق لفهم علم الأحياء بأكمله، بحيث أنه من الصعب أن نتصور كيف يمكن لأحد أن يدرس الحياة من دونه. ولكن هل يوجد وجهة نظر علمية أثارت الكثير من التصادم مع وجهات النظر الدينية أكثر من نظرية داروين الثورية؟ منذ عرض السيرك “محاولة القرد” ” Monkey trial” في عام 1925 مروراً بالمناظرات التي تعقد في الولايات المتحدة حول تدريس نظرية التطور في المدارس، يبدو أن هذه المعركة حول نظرية داروين لن تنتهي.
كانت نظرية داروين أكثر تميزاً في ذلك الوقت، لأنها كانت تفتقر إلى الأساس الفيزيائي. تطلب الأمر جهد لقرن من الزمان لاكتشاف كيف يمكن أن يكون هناك تعليمات للحياة تجعل نظرية داروين تتوافق مع فكرة التغير. كان الراهب الغامض نسبيا جريجور مندل Gregor Mendel، والذي كان يعيش فيما تسمي حالياً بالجمهورية التشيكية، معاصراً لداروين، وكان قد قرأ كتاب “أصل الأنواع”، لكنهما ربما لم يتقابلا. كان مندل أول من أوضح أن الوراثة يمكن أن تنتقل على شكل حزم منفصلة من المعلومات. عبر تجارب مضنية على نباتات البازلاء في حديقة منزله في دير الكنيسة، وقد خلص مندل إلى أن عوامل وراثية تتشارك في سمات على نحو سلس أو متعسف في البازلاء، مما يعني أن ذلك يحكمه قواعد حسابية. لم يكن مندل يعرف ما هي الجينات، ولكنه أوضح أن شيئا ما من قبيل الجينات يجب أن يكون موجوداً.
لقد تم تجاهل أبحاث مندل لمدة 35 سنة. وبعد ذلك، وفي مصادفة عجيبة تحدث أحياناً في تاريخ العلم، تم إعادة اكتشاف نتائج أبحاث مندل بواسطة ثلاثة علماء خلال أشهر في نهاية القرن العشرين. في دراساته الشهيرة على “الأخطاء الوراثية في الأيض، للأمراض النادرة التي حدثت في بعض الأسر أثناء ممارسته للطب، كان أرشيبالد غارود Archibald Garrod واثقاً بشكل قاطع أن قواعد مندل تنطبق على البشر، وأن هذه الاختلالات جاءت كنتيجة لنفس النوع من الوراثة الذي كان مندل لاحظه في النباتات.
أضاف مندل وغارود خصوصية رياضية لفكرة التوريث في البشر، مع أن الخصائص الموروثة مثل الجلد ولون العين مألوفة بالفعل بالنسبة لأي شخص يدقق في الجنس البشري. ظلت الآلية التي تتحكم بهذه الأنماط غامضة، ومع ذلك، لم يقلل أحد من نجاح الأساس الكيميائي للوراثة. افترض معظم الباحثين في النصف الأول من القرن العشرين أن الصفات الموروثة يجب أن تنتقل عبر البروتينات، باعتبار أنها تبدو أكثر الجزيئات الحية تنوعاً.
حتى عام 1944 لم تكن التجارب المكروبيولوجية التي أجراها أوزوالد أفيري، کولن ماكلويد، ومكارتی قد أظهرت أن الحمض النووي، وليس البروتين هو القادر على نقل الخصائص الموروثة. وعلى الرغم من أن وجود الحمض النووي كان معروفاً لما يقرب من مائة سنة، إلا أنه لم يكن يعتبر سوى مجموعة حزم لا أهمية لها. وبعد أقل من عشر سنوات ظهر جواب جميل وأنيق للسؤال حول الطبيعة الكيمائية لعملية التوريث. لقد تم كسب الرهان في السباق المحتدم لتحديد طبيعة تركيب الحمض النووي في عام 1953 من قبل جيمس واطسون James Watson وفرانسیس کريك Francis Crick بالشكل الذي تم تدوينه في كتاب واتسون “مسلية الحلزون المزدوج”. قام واتسون، کريك، وموريس ویلکنز، بتوظيف البيانات التي تنتجها روزالیند فرانکلین Rosalind Franklin، لاستنتاج أن جزيء الحمض النووي له شكل مزدوج الحلزون، على شكل سلم ملتوي، وأن المعلومات الناقلة للقدرة يتم تحديدها من قبل سلسلة من المركبات الكيميائية التي تتكون من درجات السلم. ككيميائي يعرف صفات الحمض النووي الاستثنائية، وحلوله الرائعة لمشكلة ترميز تصميم الحياة، أشعر بالرهبة من هذا الجزيء. دعوني أحاول أشرح لكم مدى أناقة الحمض النووي.
جزيئات الحمض النووي كما هو موضح في الشكل 4.1 لها عدة خصائص مميزة. العمود الفقري الخارجي مكون من جزيئات على شكل أشرطة متراتبة مكونة من سكر الفوسفات، ولكن ما يثير الدهشة ما هو موجود في الداخل. تتكون درجات السلم من مزيج من أربعة مكونات كيميائية، تدعى “قواعد”. دعونا نسميها (بأسمائها الكيميائية الفعلية في الحمض النووي قواعد G, C, A, T، وكل من هذه القواعد الكيميائية لديه شكله الخاص به).
تخيل الآن أن من بين هذه الأشكال، الشكل A يمكنه أن يتلاءم بشكل دقيق فقط مع درجة السلم المجاورة للشكل T، والشكل G يمكنه أن ينسجم إلى جوار الشكل C. هذه هي “ثنائيات القاعدة”. ولذلك يمكنك تصور الحمض النووي على شكل سلم حلزوني، بحيث أن كل درجة فيه تتشكل من زوجين من قاعدة واحدة. هناك أربعة درجات محتملة: A -T , T – A , C – G , G – C إذا تعرضت إحدى القواعد للتلف، فإنه يمكن إصلاح التلف بسهولة من خلال المكمل في التركيب الزوجي: البديل الوحيد للقاعدة T قاعدة أخرى من نوع T. ولعل الأكثر أناقة، أن الحلزون المزدوج يسارع على الفور إلى طريقة للقيام بالنسخ الذاتي، لأن كل قسم يمكن استخدامه كقالب لإنتاج قسم جديد. إذا قسمت جميع الأزواج إلى النصف، وقطعت السلم نزولا إلى أسفل وسط كل درجة، فإن كل نصف من السلم سوف يحتوي على كافة المعلومات اللازمة لإعادة بناء نسخة كاملة من الأصل.
كتقريب للفكرة، يمكن للمرء أن يتصور الحمض النووي على أنه عبارة عن مخطط أوامر، أو إحدى البرمجيات، القابعة في نواة الخلية. لغة الحمض النووي الترميزية تتكون من أربعة حروف فقط. الأمر يتكون الأمر المحدد المسمى جين من الآلاف الأحرف. جميع الوظائف المتطورة للخلية، حتى في مثل عضو الكائن حي مثلنا، يجب أن تلتزم بترتيب الحروف الموجودة في هذا النص.
في البداية، لم يكن لدى العلماء أية فكرة عن كيفية عمل “البرنامج”. ولكن تم حل هذا اللغز بدقة عن طريق تحديد الحمض النووي الريبي الذي يعمل كناقل. يتم نسخ معلومات الحمض النووي التي تشكل نسخة من الجين عبر جزيئات الحمض الريبي، على شكل نصف سلم تتدلى درجاته من جانب واحد. يتحرك نصف السلم من نواة الخلية (مخزن المعلومات إلى السيتوبلازم مزيج هلامي معقد من البروتينات، والدهون، والكربوهيدرات)، حيث يدخل إلى مصنع أنيق للبروتين يسمى الريبوسوم. يقوم فريق من المترجمين المحترفين في المصنع بقراءة قواعد نصف سلم الحمض الريبي الناقل ليتم تحويل المعلومات الواردة في هذا الجزيء إلى بروتين معين، يتكون من الأحماض الأمينية. كل ثلاث درجات من الحمض الريبي تشكل حمض أمينية واحدة. البروتينات هي من تقوم بالعمل في الخلية وتجعلها تحافظ على تكامل تركيبها. (شكل 4, 2)
هذا وصف موجز يتناول قشور من أناقة الحمض النووي، والحمض الريبي، والبروتين، وهو ما يشكل باستمرار مصدر للرهبة والإعجاب. هناك أربعة وستين من المجموعات الثلاثية الحروف G, T, C, A ولكن هناك عشرين حمضاً أمينياً فقط . وهذا يعني أن هناك وفرة داخلية. كشفت التجارب على العديد من الكائنات الحية، من البكتيريا إلى البشر أن “الشفرة الوراثية”، والتي يتم فيها تحويل المعلومات الموجودة في الحمض النووي والحمض النووي الريبي إلى بروتين، موجودة في جميع الكائنات الحية المعروفة. لا وجود لبرج بابل tower of Babel في لغة الحياة. GAG يعني حمض الجلوتاميك في لغة بكتيريا التربة.
مكنت هذه التطورات العلمية مثلت ولادة جديدة لعلم البيولوجيا الجزيئية. اكتشاف الكائنات الكيميائية العجيبة، بما في ذلك البروتينات التي تعمل مثل مقص أو صمغ العلماء مع معالجة الحمض النووي والحمض الريبي من خلال دمج التعليمات الموجودة في كل منهما من مصادر مختلفة. أدت مجموعة طرق التعامل مع الجزيئات الحيوية إلى ولادة حقل جديد هو التكنولوجيا الحيوية، وبمساعدة تطورات في مجالات أخرى بشر ذلك بثورة في مجال معالجة العديد من الأمراض.
سوف يجد المؤمن الذي اعتبر أن حجة التصميم حجة مقنعة على دور الإله في خلق الحياة، أن الاستنتاجات التي توصلنا لها في هذا الفصل غير كافية. لا شك أن العديد من القراء الذي يفكرون بشكل مستقل أو الذين نشأوا في بيئة دينية مقتنعون بان جمال الوردة الرائع وطيران النسر لا يمكن أن يوجد إلا من قبل قوة خارقة ذكية تقدر التعقيد والتنوع والجمال. حتى الآن تم عرض آلية عمل الجزيئات وأساليب الوراثة والانتخاب الطبيعي، ولشرح كل ذلك، ربما سيكون لك ميل للصراخ “كفى، إن تفسيراتكم العلمية تخرج السحر الإلهي من عالمنا”.
لا تقلق، فهناك الكثير من السحر الإلهي مازال موجودة. كثير من الذين بحثوا في البراهين العلمية والدينية لازالوا يؤمنون بان الإله خلاق ويقوم بالكثير من العمل. بالنسبة لي، ليس هناك أي شعور بخيبة الأمل في هذه الاكتشافات المتعلقة بطبيعة الحياة، بل على العكس تماماً! ما أروع هذه الحياة المعقدة المدهشة! ما أجمل أناقة الحمض النووي! ما أجمل مكونات الكائن الحي الساحرة بداية من الريبوسوم الذي يحول الحمض الريبي إلى البروتين إلى تحول اليرقة إلى فراشة إلى ريش الطاووس الرائع الذي يجذب إليه رفيقه. التطور مثل الآلية يمكن أن تكون بل لابد أن تكون حقيقة، ولكن ذلك لا يبين طبيعة صانعها. لأولئك الذين يؤمنون بالله، هناك أسباب عديدة لتكونوا أكثر إعجاباً.
أصل الحياة – جون ليونكس
«أي شخص يخبرك أنه يعرف كيف بدأت الحياة على الأرض
منذ حوالي 3،45 مليار سنة إما أحمق أو مخادع
لا أحد يعلم.»
“ستيوارت كوفمن” Stuart Kauffman
«إن مجرد الشروع في التفكير في وضع نظرية طبيعية
لتطور أول كائن حي قادر على التكاثر أضحى
أمراً في غاية الصعوبة.»
“أنتوني فلو”
هدفنا الأول من هذا الفصل أن نتعلم قليلاً عما يميز الخلية الحية من تعقيد يفوق الخيال، ثم نركز انتباهنا على جانب واحد فيها، ألا وهو طبيعة تعقيد الـ DNA.
يرى عالم الوراثة “مايكل دنتون” Michael Denton أن الفارق بين العالم الحي والعالم غير الحي «يمثل أكبر وأعمق الفوارق في الطبيعة. فالفرق بين الخلية الحية وأكثر النظم غير الحية تنظيماً كالبلور أو رقائق الجليد فرق شاسع والهوة بينهما أعمق مما نتصور». وحتى أصغر خلايا البكتيريا التي يقل وزنها عن واحد على تريليون من الجرام تمثل «بحق مصنعاً متناهي الصغر يحتوي آلاف الآلات الجزيئية المعقدة ذات التصميم العجيب التي تتكون معاً من 100 ألف مليون ذرة تفوق في تعقيدها أحد الماكينات التي صنعها الإنسان ولا نظير لها على الإطلاق في العالم غير الحي».
ويقول “دنتون” علاوة على ذلك إن الدلائل التي تشير للتطور بين الخلايا نادرة جداً: «لقد كشف علم الأحياء الجزيئي أيضاً أن التصميم الأساسي لنظام الخلية واحد في كافة الأنظمة الحية على الأرض بدءًا من البكتريا وانتهاءً بالثدييات. والأدوار التي يؤديها كل من الـ DNA والحمض الريبوزي المرسل mRNA والبروتيني متماثلة في كل الكائنات. ومعنى الشفرة الوراثية أيضاً يكاد يكون متماثلاً في كل الخلايا. وحجم ماكينة تخليق البروتين وبنيتها وتصميمها تكاد تكون متماثلة في كل الخلايا. ولذلك، لا يمكن أن نعتبر أي نظام حيوي بدائياً أو سلفاً من حيث تصميمه البيوكيميائي الأساسي مقارنة بأي نظام آخر، ولم يثبت تجريبياً على الإطلاق وجود سلسلة تطورية بين مختلف الخلايا المتنوعة على وجه الأرض.»
ويؤيد هذه النظرة “جاك مونوه” Jacques Monod الحائز على جائزة نوبل ويستشهد به “دنتون” قائلاً: «ليست لدينا أدنى فكرة عن بنية أي خلية أولية. فأبسط النظم الحية المعروفة لنا، أي خلية البكتيريا…. في خريطتها الكيميائية العامة تماثل الخريطة الكيميائية لسائر الكائنات الحية جميعاً. فهي تستخدم نفس الشفرة الوراثية ونفس آلية الترجمة التي تستخدمها الخلايا البشرية مثلاً. ومن ثم، فأبسط الخلايا المتاحة للدراسة لا تتصف بأي شيء “بدائي”… ولا يمكن العثور على أي أثر لبنى بدائية بمعنى الكلمة».
وهكذا فالخلايا نفسها تعكس نوعاً من “السكون” يشبه فترات السكون في سجل الحفريات، كما أشرنا في الفصل السابق.
يقول “بولس ألبرتس” Bruce Alberts رئيس “الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة الأمريكية” The National Academy of Sciences of the USA «دائماً ما كنا نحط من قدر الخلايا. رغم أن الخلية بأكملها يمكن رؤيتها كمصنع يحتوي على شبكة دقيقة من خطوط التجميع المتشابكة التي يتكون كل منها من مجموعة من ماكينات البروتيني الضخمة… ولماذا نطلق على تجميعات البروتين الضخمة التي تؤلف وظيفة الخلية اسم ماكينات البروتين؟ لأن تجميعات البروتين هذه تحوي فعلياً أجزاء متحركة عالية التناسق تماماً مثل الآلات التي تخترعها البشر للتعامل بفاعلية مع العالم المرئي بالعين المجردة.»
ومن الصعب أن نتصور النشاط بالغ التعقيد الذي يجري باستمرار داخل الخلية الحية التي تحوي في غشائها الدهني Lipid Membrane حوالي 100 مليون بروتين من 20 ألف نوع مختلف، ومن ذلك الخلية نفسها تكون شديدة الصغر حتى إنه يمكن وضع بضع مئات منها على نقطة حرف “ب”.
والخلية لا تتوقف عن الإنتاج، لأن خطوط تجميعها الكثيرة متناهية الصغر تنتج حصصاً لا حصر لها من آلات البروتين. وهذه الآلات الجزيئية ذات التركيب العجيب تمثل لبعض العلماء دليلاً قوياً على وجود ذكاء مصمم. ومن أبرزهم عالم الكيمياء الحيوية “مايكل بيهي” الذي عرض دراسة لهذه الآلات في كتاب أثار الكثير من المناقشات الساخنة. وهو يقدم مثال الموتور الصغير الذي يعمل بالحمض acid-driven motor (الذي اكتشف سنة 1973) الذي يدير سوط البكتيريا، وهو أداة تشبه ذراع التحريك تكمن البكتريا من السباحة، وهو يبين أن هذا الموتور متناهي الصغر الذي إذا رصصنا منه 35 ألفاً لن يساوي طورها إلا 1 ملم (0,04 بوصة) يتكون من حوالي أربعين جزءًا من البروتين تشتمل مثل أي موتور على جزء دوار، وجزء ثابت، وبطانات تقلل الاحتكاك، وعمود توجيه. ويقول “بيهي” إن غياب أي جزء من أجزاء البروتين هذه ينجم عنه فقدان الوظيفة الحركية بالكامل. وهو ما يعني أن الموتور معقد تعقيداً لا يقبل الاختزال Irreducibly complex، أي أنه «نظام واحد يتألف من عدة أجزاء متفاعلة شديدة التناسق تسهم في الوظيفة الأساسية حيث يؤدي نزع أي جزء إلى توقف النظام فعلياً عن القيام بوظيفته». ويشار إلى هذا المفهوم بنموذج مصيدة الفئران البسيط. فكل مكوناتها الخمسة أو الستة لا بد أن تتواجد حتى تقوم المصيدة بوظيفتها. وهو ما يعني، كما يشير “بيهي” «أنه لا يمكن إنتاج نظام معقد تعقيداً لا يقب الاختزال على نحو مباشر (أي بالتطوير المستمر للوظيفة الأصلية التي تظل تعمل بنفس الآلية) بتغيرات طفيفة متوالية في نظام سابق. لأن أي نظام يسبق نظاماً معقداً بشكل لا يقبل الاختزال ويفقد أحد أجزائه، هو نظام بطبيعته غير قابل للعمل».
والآن يتضح أن وجود آلات بيولوجية معقدة تعقيداً لا يقبل الاختزال يشكل تحدياً هائلاً أمام نظرية التطور، كما رأى داروين نفسه إذ كتب يقول: «إن ثبت وجود أي عضو معقد لم يتكون بالعديد من التغيرات الطفيفة المتوالية، فنظريتي ستنهار لا محالة». وقد أعاد “دوكينز” الفكرة عينها في كتابه “الساعاتي الأعمى” حيث يقول إنه إذا وجد مثل هذا الكائن سوف «يكف عن الإيمان بالداروينية».
ويرد “بيهي” على تحدي داروين بأنه يوجد الكثير من الآلات الجزيئية المعقدة تعقيداً لا يقبل الاختزال، مثل سوط البكتيريا. والآن يتضح من التعريف أن القول إن نظاماً بعينه معقد تعقيداً لا يقبل الاختزال يتطلب برهاناً على ما هو منفي، أي على نفي إمكانية الاختزال عن هذا النظام وإثبات عدم وجود أنظمة أبسط منه، وهو أمر شديد الصعوبة كما نعرف جميعاً. ولذلك تسبب “بيهي” (الذي يجب أن نشير إلى أنه لا يختلف عن داروين من حيث انحدار السلالات عن طريق حدوث تغيرات) في إثارة عاصفة من الجدل بزعمه أن «التطور الجزيئي لا يقوم على مرجعية علمية. فالإصدارات العلمية من المجلات المحترمة والمتخصصة والكتب لم ينشر فيها أي وصف يوضح كيف حدث فعلياً تطور جزئي لأي نظام كيميائي حيوي حقيقي معقد، ولا حتى كيف يحتمل أن يكون قد حدث. والبعض يؤكدون أن هذا التطور حدث، ولكن المؤكد قطعاً أن التجارب والحسابات ذات الصلة لا تؤيد أياً من هذه التأكيدات…. ورغم مقارنة السلاسل واستخدام النماذج الرياضية، فالتطور الجزيئي لم يتناول مطلقاً السؤال المتعلق بكيفية ظهور البنى المعقدة إلى الوجود. والحقيقة أن نظرية التطور الجزيئي الدارويني لم تنشر أيضاً أي شيء في هذا الصدد، وعليه لا بد أن يكون مصيرها الفناء».
ويعترف “جيمز شابيرو” James Shapiro أيضاً عالم الكيمياء الحيوية في جامعة شيكاغو بعد وجود أي شرح دارويني مفصل لتطور أي نظام كيميائي حيوي أساسي أو نظام خلية، كل ما هناك مجموعة متنوعة من التخمينات الرغبوية الحالمة. وحتى رأي “كافالير – سميث” Cavalier – Smith الذي يعتبر أشد الآراء نقداً لمزاعم “بيهي” يعترف بما يقوله “بيهي” عن عدم وجود نماذج كيميائية حيوية مفصلة.
ورغم عدم اتفاق “ستيفن جاي جولد” مع حجة “بيهي” فقد اعترف بأهمية مفهوم التعقيد غير القابل للاختزال: «إن العلم الكلاسيكي بميله لاختزال الأشياء إلى القليل من العوامل العلوية الضابطة حقق نجاحاً باهراً في الأنظمة البسيطة نسبياً مثل حركة الكواكب والجدول الدوري للعناصر. إلا أن الأنظمة المعقدة تعقيداً غير قابل للاختزال، أي معظم الظواهر المثيرة في علم الأحياء، والمجتمع البشري، والتاريخ لا يمكن تفسيرها بالطريقة نفسها. ولكننا نحتاج إلى فلسفات ونماذج جديدة لا بد ان تنبثق من اتحاد العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية بالمعنى التقليدي لكل منها». ومما يلفت النظر هنا أن “جولد” يتحدث عن فلسفات جديدة وليس مجرد منهجيات علمية جديدة، وهي أيضاً نقطة مهمة عند “بيهي”.
ويرى “بيهي” أن قصور التركيب الدارويني الحديث يرجع إلى عجزه حتى نظرياً عن تفسير أصل التعقيد غير القابل للاختزال. وهو يرى أن وجود التعقيد غير القابل للاختزال على مستوى الآلة الجزيئية يؤكد وجود تصميم ذكي: «من لا يشعر أنه مجبر على تقييد بحثه بالمسببات غير الذكية يخلص إلى نتيجة واضحة هي أن الكثير من الأنظمة الكيميائية الحيوية مصممة. ولم تصممها قوانين الطبيعة، ولا الصدفة، ولا الضرورة، بل جاءت وفقاً لخطة. أي أن المصمم كان يعرف الشكل الذي ستؤول إليه هذه الأنظمة عند اكتمالها، وبناءً على ذلك اتخذ الخطوات التي أتت بها للوجود. فالحياة على الأرض في مستوياتها الأساسية وفي مكوناتها الضرورية هي نتاج نشاط ذكي». ويؤكد “بيهي” علاوة على ذلك أن استنتاجاته تقوم بالطبع على البيانات، لا على كتب مقدسة ولا عقائد طائفية. فهي لا تتطلب قوانين جديدة منطقية أو علمية، ولكنها تنبثق من الأدلة التي تقدمها الكيمياء الحيوية مع الأخذ في الاعتبار الأسلوب المستخدم عادة في الاستدلال على التصميم. وهو زعم عظيم الأثر حتى إننا سنتناوله بمزيد من التفصيل لاحقاً.
ولكن قبل الخوض في ذلك وأثناء احتدام المعركة حول ما إذا كان “بيهي” قد تمكن من إثبات فكرته أم لا (وفي ضوء الوضع الحالي يبدو أن المعركة ستستمر لفترة طويلة)، ننتقل إلى ما يكمن وراء البنية المعقدة للآلات الجزيئية. وهو ما يقودنا فوراً لمسألة أصل الحياة نفسها.
لقد صيغت الكثير من النظريات المختلفة حول أصل الحياة. ومن أبرزها سيناريو “المستنسخ أولاً” Replicator first وسيناريو “الأيض أولاً” Metabolism first. وقد روج “ريتشارد دوكينز لأولى هاتين النظريتين في كتابه الأكثر مبيعاً “الجين الأناني” The Selfish Gene: «عند نقطة معينة تكون جزيء من نوع خاص جداً بالصدفة. وسنطلق عليه “المستنسخ” Replicator. ربما لم يكن أكبر الجزيئات الموجودة أو أعقدها، ولكنه كان يتمتع بالخاصية المتميزة من القدرة على إنتاج نسخ من نفسه». إلا أننا سنرى في الصفحات التالية أن هذا النموذج وغيره من النماذج التي تصف أصل الحياة أصبح غير وارد إطلاقاً في ضوء ما تم من أبحاث في السنوات الثلاثين الماضية منذ نشر كتاب “دوكينز”.
تتكون الآلات الجزيئية، مثل سوط البكتيريا، من البروتينات التي تتكون بدورها مما يطلق عليه غالباً اللبنات الأساسية للأنظمة الحية، ألا وهي الأحماض الأمينية التي يوجد عشرون منها في الكائنات الحية. ومن الأسئلة الجوهرية في علم الأحياء: كيف نشأت هذه الأحماض الأمينية؟
لقد رجح عالم الكيمياء الحيوية الروسي الشهير “إيه. آي. أوبارين” A. I. Oparin في العشرينات من القرن العشرين أن الغلاف الجوي للأرض البدائية Primeval Earth كان يتكون أساساً من الميثان، والأمونيا، والهيدروجين، وبخار الماء، وأن الحياة نشأت نتيجة التفاعلات الكيميائية بين هذا الغلاف الجوي والكيماويات الموجود في الأرض بمساعدة الأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس وغيرها من مصاد الطاقة التي تحدث طبيعياً مثل البرق. وفي سنة 1952 أجرى طالب جامعي يدعى “ستانلي ميلر” Stanley Miller في الثانية والعشرين من عمره تجربة شهيرة في المعمل ليختبر زعم “أوبارين” حيث قام بتمرير شحنات تفريغ كهربي من خلال خليط كيميائي يحاكي الغلاف الجوي للأرض البدائية كما كان يعتقد. وبعد يومين وجد “ميلر” ناتجاً من الأحماض الأمينية يبلغ 2٪ والتجارب اللاحقة أنتجت تسعة عشر من الأحماض الأمينية العشرين اللازمة للحياة.
ومفهوم أن هذه التجارب حظيت بترحيب وحماس غير عادي باعتبارها حلاً لمشكلة أصل الحياة. وقد بدا وكأن اللبنات الأساسية للحياة يمكن الحصول عليها بسهولة نسبية بالعمليات الطبيعية غير الموجهة. إلا أن هذه النشوى تراجعت أمام ما تلى ذلك من صعوبات عسيرة نجمت عن فهم أعمق للكيمياء ذات الصلة بهذه التجارب.
وكان التحدث الأول أن الإجماع الذي اتفق عليه علماء الجيوكيمياء[1] من حيث تركيب الغلاف الجوي البدائي للأرض قد تغير. فهم الآن يعتقدون أنه لم يحتو على مقادير تذكر من الأمونيا أو الميثان أو الهيدروجين التي كانت تلزم لإنتاج غلاف جوي مختزل Reducing Atmosphere للغاية كما تتطلب فرضية “أوبارين”، ولكن الأرجح أنه تكون من النيتروجين، وثاني أكسيد الكربون، وبخار الماء. وتشير بعض الدلائل أيضاً إلى كميات ضخمة من الأكسجين الحر Free Oxygen. وهو ما يغير الصورة كلية لأن لدينا أسباباً نظرية وعملية تدعونا للاعتقاد باستحالة تكون الأحماض الأمينية في هذا الغلاف الجوي كما أكدت التجارب. فوجود الأكسيجين مثلاً من شأنه أن يمنع إنتاج الجزيئات الحيوية الضرورية، بل يضعف ما كان موجوداً منها بالفعل. أي أن الدلائل تشير باختصار إلى أن الغلاف الجوي للأرض البدائية يفترض فعلياً أن يكون معادياً لتكون الأحماض الأمينية.
والآن هب أننا نريد أن نصنع بروتيناً يحتوي على 100 حمض أميني (وهو بروتين قصير، حيث أن معظم البروتينات يبلغ طولها ثلاثة أضعاف ذلك على الأقل). والأحماض الأمينية توجد على هيئة شكلين غير متناظرين Chiral forms يمثل كل منهما صورة في المرآة للآخر يسميان الشكل L والشكل D. وهذا الشكلان يظهران بأعداد متساوية في التجارب التي تحاكي ما قبل ظهور الحياة، بحيث إن احتمالية الحصول على الواحد أو الآخر تعادل حوالي 1/2. إلا أن الغالبية الساحقة من البروتينات الموجودة في الطبيعية لا تحوي إلا الشكل L. ومن ثم، احتمالية الحصول على 100 حمض أميني من (الشكل L–acids) L تعادل (1/2)100 وهو يساوي نحو احتمال واحد من 3010. وثانياً ربط هذه الأحماض الأمينية ببعضها. وحتى يتمكن البروتين من أداء وظيفته يتطلب أن تكون كافة الروابط من الروابط الببتايدية Peptide حتى يطوى متخذاً بنيته الصحيحة ثلاثية الأبعاد. ولكن في تجارب محاكاة ما قبل ظهور الحياة لا تزيد الروابط الببتايدية عن نصف الروابط المتكونة. ولذلك، فاحتمالية تكون رابطة ببتايدية يعادل حولي 1/2، وبالتالي احتمالية الحصول على 100 حمض من الشكل L عشوائياً بالروابط الببتايدية تساوي نحو 1 من 6010. وفي كل أشكال الحياة المعروفة، الآلة الوراثية هي التي تبقى على كل من عدم تناظر الجزيئات والروابط وسلسلة الأحماض الأمينية لن تؤدي إلى الحالات المطوية ذات البنية الصحيحة ثلاثية الأبعاد القادرة على إعادة إنتاج نفسها التي لا غنى عنها في وظيفة الجزيئات.
والبروتين القصير بطبيعة الحال أقل تعقيداً من أبسط خلية حيث الاحتمالات تتضاءل بشكل كبير. إلا أن الاحتمالات الصغيرة التي حصلنا عليها في هذا الجزء شديدة الشبة بالاحتمالات التي سردناها في الجزء المتعلق بالضبط الدقيق للكون. فالمكونات الأساسية للحياة تبين دلائل نستنتج منها أن أجسامنا مضبوطة ضبطاً دقيقاً يناسب الحياة.
ويشير عالم الفيزياء “بول دافيز” إلى مشكلات خطيرة تتعلق بالديناميكا الحرارية فيما يختص بإنتاج السلاسل الببتايدية للأحماض الأمينية. فالقانون الثاني من الديناميكا الحرارية يصف الميل الطبيعية للأنظمة المغلقة إلى التدهور، وإلى فقد المعلومات والنظام والتعقيد، أي إلا زيادة الإنتروبيا. فالحرارة تنساب من السخونة إلى البرودة، والمياه تنساب من أعلى لأسفل، والسيارات تصدأ…. الخ، والقانون الثاني يتميز بسمة إحصائية، أي أنه لا يمنع الأنظمة الفيزيائية أن تسير “لأعلى”، أي عكس الاتجاه، منعاً مطلقاً، ولكن غالباً ما يحشد كل الظروف التي تحول دون حدوث ذلك. ويقول “دافيز”: «يُقدّر أن محلولاً مركزاً من الأحماض الأمينية، إذا ترك على طبيعته يحتاج إلى سائل بحجم الكون المرئي حتى يسير ضد التيار الديناميكي الحراري وينتج ببتايدا متعدداً Polypeptide صغيراً بشكل تلقائي. والواضح أن الخلط الجزيئي Molecular Shuffling العشوائي قليل الفائدة عندما يشير السهم إلى الاتجاه الخاطئ».
علاوة على ذلك أمامنا مشكلة أساسية تتعلق بالزمن حيث إن الزمن المتاح لحدوث مثل هذا “الخلط الجزيئي العشوائي» أقصر بكثير مما يظن الكثيرون. فالتقديرات الحالية تبين أن الوقت المتاح لنشأة الحياة صغير نسبياً، وهو أقل من مليار سنة بعد تكون الأرض، أي منذ حوالي 4,5 مليار سنة، ومع ذلك نشأة الحية بالفعل حيث وجدة بقايا بعض الكائنات الحية وحيدة الخلية في أقدم الصخور.
ولكن حتى هذه التخمينات (وهي تحديات مهولة) تبدو ضئيلة نسبياً، بل تافهة مقارنة بالتحدي الأكبر. وهو ما يتعلق بكيفية بناء البروتينات من الأحماض الأمينية. وذلك لأن البروتينات لا تتكون ببساطة بخلط الأحماض الأمينية المناسبة بالمقادير الصحيحة كما نخلط حمضاً عضوياً مع قلوي لإنتاج ملح وماء. ولكن البروتينات هي تراكيب شديدة التخصص والتعقيد تتكون من سلاسل طويلة من جزيئات الحمض الأميني ولا يمكن إنتاجها ببساطة بحق الطاقة من المواد الخام اللازمة لبنائها.
ويعبر “بول دافيز” عن ذلك بشكل تصويري قائلاً: «صنع البروتين بمجرد حقن الطاقة أشبه بتفجير إصبع ديناميت تحت كومة من قوالب الطوب على أمل أين يُكون بيتاً. فيمكنك إطلاق قدر كاف من الطاقة لإنشاء الطوب، ولكن إن لم تمزج الطاقة بالطوب بطريقة مضبوطة ومنظمة، فلا أمل في إنتاج أي شيء سوى فوضى عارمة».
فإنتاج الطوب يختلف كلية عن تنظيم بناء بيت أو مصنع. فإن أردت أن تبني بيتاً، يمكنك أن تستخدم الحجارة التي وجدتها ملقاة هنا وهناك، بكل الأشكال والأحجام التي أصبحت عليها الحجارة نتيجة لمسببات طبيعية. إلا أن تنظيم البناء يتطلب شيئاً لا تحتويه هذه الحجارة. إنه يتطلب ذكاء المهندس المعماري ومهارة البناء. وهو ما ينطبق على اللبنات الأساسية للحياة. فالصدفة العمياء لا تستطيع أن تقوم بوظيفة وضع هذه اللبنات معاً بطريقة محددة. ويعبر عالم الكيمياء العضوية والأحياء الجزيئية “أ. ج. كيرنز-سميث” A. G. Cairns-Smith عن هذه الفكرة قائلاً: «الصدفة العمياء…. محدودة للغاية… فهي قادرة على إنتاج ما يعادل حروفاً وكلمات صغيرة بمنتهى السهولة، ولكن سرعان ما يظهر قصورها عندما يزداد مقدار التنظيم. وإضافة فترات زمنية طويلة وموارد مادية ضخمة لا يغير في الأمر شيئاً ولا يتيح للصدفة فرصاً أفضل».
ويستخدم “كيرنز – سميث” مشابهة الحروف والكلمات هنا وهو استخدام صائب جداً لأن الخاصية الجوهرية التي تميز البروتينات هي أن الأحماض الأمينية المكونة لها لا بد أن تكون في أماكنها الدقيقة في السلسلة. تخيل الأحماض الأمينية مثل عشرين “حرفاً” في “أبجدية” ما. والبروتين “كلمة” طويلة جداً في تلك الأبجدية حيث كل “حرف” (أي كل حمض أميني) لا بد أن يكون في مكانه الصحيح. أي أن ترتيب وضع الأحماض الأمينية في السلسلة هو العنصر الجوهري، فوجودها وحده لا يكفي، تماماً مثل كل حرف من حروف كلمة ما، أو كل نقرة على لوحة المفاتيح في أحد برامج الكمبيوتر التي يجب أن تكون في أماكنها الصحيحة حتى تعطي الكلمة معناها الصحيح أو حتى يعمل البرنامج. فلو تغير مكان حرف واحد فقط، تصبح الكلمة كلمة أخرى أو تصبح بلا أي معنى. ونقرة واحدة على مفتاح خاطئ في برنامج الكمبيوتر قد تتسبب في تعطيل عمل البرنامج.
وتتضح فكرة هذه الحجة من الاعتبارات البسيطة القائمة على الاحتمالات. فمن بين الكثير من أنواع الأحماض الأمينية المختلفة هناك عشرون حمضاً يصنعون البروتينات، وبحيث إن كان لدينا بركة مكونة من الأحماض العشرين، يكون احتمال الحصول على الحمص الأميني الصحيح في مكان محدد في البروتين 1/20. وبذلك يكون احتمال الحصول على 100 حمض أميني بالترتيب الصحيح (1/20)100 وهو ما يعادل حوالي 1 من 13010، وهو احتمال ضعيف للغاية.
ولكن هذه ليست إلا البداية، بل بداية في منتهى التواضع. وذلك لأن هذه الحسابات تقتصر على بروتين واحد. ولكن الحياة كما نعرفها تتطلب مئات الآلاف من البروتينات، وقد قدر أن احتمالات عدم إنتاج هذه البروتينات بالصدفة تزيد عن 4000010 إلى 1. وقد اشتهر عن السير “فرد هويل” مقارنته بين هذه الاحتمالات المضادة لتَكَوّن الحياة تلقائياً واحتمالات تَكوّن طائرة طراز بوينج 747 نتيجة لهبوب إعصار على ساحة خردة.
وهذا التصوير ليس سوى نسخة مطورة مما أشار إليه شيشرون حوالي سنة 46 ق.م. عندما اقتبس من بالبوس Balbus الرواقي الذي رأى بكل وضوح التحديات البالغة المرتبطة بإرجاع أصل الشيء إلى الصدفة في اللغة مثلاً: «لو ألقينا عدداً لا نهائياً من النسخ لحروف الأبجدية الواحد والعشرين المصنوعة من الذهب أو أي مادة تحلو لك في حاوية ما، ورججناها ثم ألقينا بها على الأرض، هل من الممكن أن تنتج ملحمة “حوليات إنيوس” Annals of Ennius؟ أشل أن الصدفة يمكنها أن تنجح في إنتاج بيت شعري واحد». صحيح. إن الصدفة العمياء لا تستطيع أن تفعل ذلك، وهو رأي يلقى قبولاً واسعاً بين العلماء سواء أكانوا مؤمنين بالفلسفة الطبيعية أم لا. ولكن ما زال علينا أن نذكر عنه المزيد فيما يلي.
يحظى مفهوم التنظيم الذاتي بمزيد من الجاذبية بوصفه حلاً لمشكلة أصل الحياة. فمثلاً، يرى “إيليا بريجوجين” Ilya Prigogine الحائز على جائزة نوبل وكذلك “إيزابل ستنجرس” Isabelle Stengers أن الترتيب والتنظيم يمكن أن ينشأ تلقائياً من الفوضى والتشوش. ونوع الفوضى الذي يعنهما هو ذلك الذي يظهر في أنظمة الديناميكا الحرارية التي تبتعد بعيداً عن التوازن وتبدأ في الإتيان بسلوك لاخطي non-linear behavior بحث إن أي تغير طفيف في المدخلات يمكن أن تثير عواقب كبرى لا تتناسب مع حجم هذا التغير. وأشهر مثال على هذه الفكرة هو الظاهرة المعروفة باسم “تأثير الفراشة” Butterfly effect حيث رفرفة جناحي الفراشة في إحدى مناطق العالم تطلق سلسلة من الأحداث التي تثير عاصفة مدارية في منطقة أخرى. وهذه الأنظمة التي تتميز بشدة حساسيتها للتغيرات التي تطرأ على الأوضاع الأصلية، مما يجعل التنبؤ بها أمراً مستحيلاً بطبيعة الحال، كالطقس مثلاً، يطلق عليها الأنظمة الفوضوية Chaotic Systems. ويبين “بريجوجين” أن الأنماط المنظمة غير المتوقعة يمكن أن تنتج دون توقع. ومن أفضل الأمثلة على ذلك الحمل الحراري المعروف باسم “ريلي بنار” Rayleigh–Benard Convection حيث الحرارة التي تسري في انسيابية خلال سائل تتحول فجأة إلى تيار حمل حراري يعيد تنظيم السائل بحيث يظهر نمط على هيئة قرص عسل النحل مكون من خلايا سداسية، وشكله يماثل التكوينات الصخرية الشهيرة في “ممر العمالقة” Giant’s Causeway بإيرلندا الشمالية.
ومن الأمثلة الأخرى التي تشيع الاستشهاد بها تفاعل بلوسوف جابوتينسكي Belousov-Zhabotinski الذي يظهر فيه كسر للتناظر Symmetry braking ولكنه كسر زمني Temporal وليس مكانياً Spatial. وتحدث هذه الظاهر مثلاً عند أكسدة حمض المالونيك بواسطة برومات البوتاسيوم بمساعدة محفزين مثل كبريتات السيريوم والفريون Ferroin. وإن وضع الخليط على درجة حرارة نحو 25 مئوية (77 فارنهاريت) مع التقليب المستمر سيظل لونه يتغير من الأحمر إلى الأزرق بفاصل زمني حوالي دقيقة بين كل تغير والآخر بحيث يعمل التفاعل وكأنه ساعة كيميائية بفترة زمنية منتظمة بشكل مذهل. وهو تفاعل مبهر حتى إنه يمكن شرحه بأسلوب وصفي في منتهى البساطة.
فلنتخيل إذن تفاعلاً حيث المادة (أ) تتحول إلى المادة (ب). وهو ما نعبر عنه بالشكل التالي:
1 – أ >> ب
ثم نفترض أن هذا التفاعل يعقبه تفاعل ثان يطلق عليه تفاعل ذاتي التحفيز Autocatalytic:
2 – أ + ب >> 2ب
حيث (ب) مادة محفزة بما أن كل جزيء في (ب) على اليمين يعاود الظهور على اليسار. ولكن الكمية الناتجة من (ب) أكثر من الكمية التي بدأنا بها بحيث إن سرعة التفاعل الثاني تعتمد على كمية الناتج المتكون، وبذلك نحصل على حلقة ارتجاع إيجابية Positive feedback Loop تسرع من التفاعل، ومن هنا أتى مصطلح ذاتي التحفيز. والآن سنزيد الموقف تعقيداً وإثارة بإضافة تفاعلين آخرين:
3 – ب + ج >> 2ج
4 – ج >> د
والتفاعل الثالث هو تفاعل آخر ذاتي التحفيز، ولكنه هذه المرة ينقص كمية (ب)، وهو بذلك يعمل في الاتجاه المعاكس للتفاعل الثاني. ويمكننا أن نتخيل أن التفاعل الرابع ينتج مادة مهدرة هي (د). والمكونات النهائية التي نحتاجها لإكمال الصورة هي مؤشر يتحول إلى اللون الأحمر في وجود (ب) وإلى الأزرق في وجود (ج). الآن نبدأ التفاعل بحيث يكون تركيز (أ) أعلى من تركيز (ج). وبما أن سرعة التفاعل تتناسب مع تركيزات المواد المتفاعلة، ففي البداية سيسيطر التفاعل الثاني على الثالث. ومن ثم، سيرتفع تركيز (ب) وسيكون لون الخليط أحمر. ولكن التفاعل الثالث ذاتي التحفيز سيحتل مكانه في النهاية ويقلل تركيز (ب) ويتحول اللون إلى الأزرق بسبب سيطرة (ج). ولكن الآن يظهر التفاعل الرابع على الساحة ويتغلب على (ج)، وهكذا تعود (ب) للسيطرة مرة أخرى ويتغير اللون ثانية. وستتوقف العملية عندما تنفذ (أ) أو تعطل (د) النظام. ويمكننا بالطبع أن نجعل العملية تستمر، أي أن نحافظ على النظام بعيداً عن التوازن، وذلك بإضافة المزيد من (أ) واستبعاد (د).
وهكذا، في كل من هذه الأنظمة يتولد نوع من الترتيب، ويعتقد البعض أن هذه العمليات يمكن أن تعرفنا بكيفية نشأة الحياة.
وعلى صعيد مشابه يقترح “روبرت شابيرو” Robert Shapiro وغيره سيناريو أولياً لأصل الحياة يقوم على “الأيض” أو “الجزيء الصغير”، أي سيناريو لا يحوي من البداية آلية وراثية، ومن ثم يشتمل على جزيئات صغيرة وليس جزيئات كبيرة حاملة للمعلومات مثل DNA أو RNA. ويتحدث “شابيرو” عن بدء «نوع من الحياة…. يعرّف بأنه إنتاج نظام أكبر من مواضع محددة بواسطة دورات كيميائية تسير بتدفق من الطاقة». إلا أن “لسلي أورجل” Leslie Orgel، وهو أحد خبراء أصل الحياة البارزين، أجرى تقييماً تحليلياً دقيقاً لهذه الدورات، ولا سيما فيما يختص بأبحاث “كوفمن”. وهو يبني حجته على أساس كيميائي ويقول إن وجود هذه الدورات غير معقول أساساً. وقد كتب قائلاً: «واضح أن وجود سلسلة من التفاعلات المحفزة التي تشكل دورة ذاتية التحفيز شرط أساسي لاستمرار عمل الدورة، إلا أنه ليس شرطاً كافياً. فمن الضروري أيضاً تفادي التفاعلات الجانبية التي تعطل الدورة. وليس من المستحيل تماماً وجود محفزات معدنية محددة كافية لكل تفاعل في دورة حمض الستريك العكسية Reverse Citric Acid Cycle، إلا أن احتمالية حدوث مجموعة كاملة من هذه المحفزات في موضع واحد على الأرض البدائية في غياب المحفزات التي تنتج تفاعلات جانبية معوقة تبدو أمراً بعيداً بما لا يقال. وعندئذ قد يكون عدم التحديد وليس قلة التحفيز من أي نوع تقريباً.» ثم يستطرد قائلاً: «ما الذي يدعو المرء ليصدق أن مجموعة من المعادن القادرة على تحفيز كل خطوة من الخطوات الكثيرة في دورة حمض الستريك العكسية وجدت في أي مكان ما على الأرض البدائية، أو أن الدورة نظمت نفسها تضاريسياً بشكل سرى غامض على سطح معدني من الكبريتيد؟»
وهو يقول في تعليق لافت للنظر على إحدى الدارسات المتعلقة بالتنظيم الذاتي الكيميائي: “غاديري” Ghadiri وزملاؤه…. أظهروا التنظيم الذاتي في شبكات تفاعلات الإدماج Ligation reactions عند استخدام أكثر من اثنين من مدخلات الببتايد المصممة بدقة. ولكن هذه النتائج لا تؤيد نظرية “كوفمن” إلا إذا أمكن تفسير تركيبات ما قبل ظهور الحياة Prebiotic synthesis من الروابط الببتايدية المحددة من نوع 15mer وكذلك 17mer الناتجة عن الأحماض الأمينية المونومر Monomeric amino acids. وإلا تصبح تجارب “غاديري” تعبيراً عن “التصميم الذكي” للمدخلات الببتايدية، وليس تعبيراً عن التنظيم الذاتي التلقائي للأحماض الأمينية المبلمرة Polymerizing amino acids... ولا يمكن لأي من هذه الاحتمالات أو غيرها مما هو مألوف لدي أن يفسر كيفية نشأة عائلة من الدورات المعقدة المتشابكة القادرة على التطور، ولا أن يفسر ما يحافظ على استقرارها.»
والخلاصة التي يتوصل إليها هي أن «التركيبات التي تكونت في فترة ما قبل الحياة Prebiotic Syntheses التي خضعت للبحث التجريبي تؤدي في كل الحالات تقريباً إلى تكوين أنواع من الخليط المعقد. ومخططات تكرار إنتاج البوليمرات Polymer Replication المقترحة لا يحتمل أن تنجح إلا في وجود مدخلات نقية بما يكفي من المونومرات. فلا يمكن العثور على حل لمشكلة أصل الحياة إلا إذا أغلقت الفجوة بين نوعي الكيمياء. وتبسيط أنواع الخليط الناتجة عن طريق التنظيم الذاتي لسلاسل التفاعلات العضوية، سواء أكانت في صورة دورة أم لا سيكون عظيم الفائدة، تماماً مثل اكتشاف البوليمرات البسيطة جداً القابلة للتكرار. إلا أن الحلول التي يقترحها مؤيدو سيناريوهات الوراثة أو الأيض التي تعتمد على كيمياء افتراضية وهمية لن تفيد».
إن الموقف القائل بأن هذه العمليات حتى وإن كانت قد حدثت بالفعل رغم كل العوائق التي يفترضها الكيميائيون تعطينا فكرة نوعاً ما عن أصل الحياة نفسها لا بد أن يصادف في النهاية تحديات أكبر بكثير تتعلق بطبيعة التعقيد الذي يظهر في بنية البروتينات التي ذكرناها في نهاية الجزء السابق. وذلك لأن جوهر المشكلة لا يكمن في إنتاج نوعية التنظيم الذي نراه في بلورة أو قرص عسل أو حتى تفاعل بلوسوف جابوتينسكي. ولكنه تنظيم ينتج بنى مختلفة نوعياً كالتي نراها في المنتجات اللغوية التي تتكون بتنظيم معقد للأحماض الأمينية المكونة للبروتين. ويعبر “بول دافيز” عن الفرق بكل وضوح قائلاً: «الحياة فعلياً ليست نموذجاّ للتنظيم الذاتي. ولن الحقيقة أن الحياة محددة، أي أنها تنظيم موجه وارثياً. فالكائنات الحية تتلقى تعليماتها من البرنامج الوراثي المشفر في الـ DNA (أو الـ RNA) الخاص بها. وخلايا الحمل الحراري تتكون تلقائياً بواسطة التنظيم الذاتي. ولكن خلية الحمل الحراري ليس لها جين وارثي. فمصدر التنظيم ليس مشفراً في برنامج، ولكن يمكن إرجاعه إلى الشروط الحدثة Boundary Conditions في السائل… أي تنظيم خلية الحمل الحراري مفروض عليها من الخارج، من بيئة النظام. وعلى العكس من ذلك، تنظيم الخلية الحية يشتق من ضبط داخلي…. فنظرية التنظيم الذاتي الذي ما زال يشتمل على بنى بسيطة نسبياً حتى في أعقد النماذج غير البيولوجية إلى التنظيم الوراثي للكائنات الحية الذي يقوم على المعلومات ويتميز بشدة تعقيده.»
ويعبر “ستيفن ماير” عن المسألة على هذا النحو: «أصحاب نظريات التنظيم الذاتي يجيدون شرح ما لا يحتاج إلى شرح. فما يحتاج إلى شرح ليس أصل التنظيم… بل أصل المعلومات». إن مفهوم المعلومات هو جوهر المشكلة، وهو ما لا بد أن ينصب عليه اهتمامنا في معظم الجزء المتبقي من الكتاب.
واحد من أبرز العلماء المشتغلين بأصل الحياة، وهو “لسلي أورجل” أوجز الموقف قائلاً: «لدينا الكثير من النظريات المعقولة عن منشأ المادة العضوية على الأرض البدائية، ولكن ما من نظرية واحدة تقدم دلائل مقنعة. ولدينا كذلك عدة سيناريوهات تفسير التنظيم الذاتي في كيان قادر على إعادة إنتاج نفسه من المادة العضوية السابقة لظهور الحياة، ولكن كل هذه السيناريوهات ذات الصياغة الجيدة تقوم على تكوينات كيميائية افتراضية تمثل مشكلة في ذاتها».
ومن ثم، يردد “أورجل” رأي “كلاوس دوس” Klaus Dose وهو أيضاً من أبرز العاملين في أبحاث أصل الحياة الذي خلص قبل “أورجل” بعشر سنوات إلى أن: «أكثر من ثلاثين سنة من التجريب في أصل الحياة في مجالي التطور الكيميائي والجزيئي زودتنا بفهم أفضل لضخامة مشكلة أصل الحياة على الأرض بدلاً من أن تزودنا بحل لها. وفي الوقت الحالي كل المناقشات المختصة بالنظريات والتجارب الرئيسية في المجال ينتهي بها الأمر إما إلى طريق مسدود أو الاعتراف بجهلها».
والسير “فرانسيس كريك” الذي لا يعرف عنه إيمانه بالمعجزات كتب يقول: «يبدو أن أصل الحياة معجزة، فالشروط اللازم توافرها للحياة كثيرة للغاية».
وكل هذا يقود المرء إلى الاعتقاد بأن حكم “ستيورات كوفمن” من “معهد سانتا فيه” Santa Fe Institute في محله: «أي شخص يخبرك أنه يعرف كيف بدأت الحياة على الأرض منذ حوالي 3،45 مليار سنة إما أحمق أو مخادع. لا أحد يعلم». وقد صرح بعده “فرانسيس كولينز” بالرأي نفسه قائلاً: «ولكن من الإنصاف أن نقول إننا في الوقت الحالي لا نعرف. فليست لدينا فرضية واحدة حتى الآن تقترب من تفسير ما قامت به بيئة ما قبل الحياة التي وجدت على كوكب الأرض من إنشاء الحياة في غضون 150 مليون سنة فقط. وهو ما لا ينفي وجود فرضيات منطقية، ولكن الاحتمالية الإحصائية لقدرتها على تفسير نشأة الحياة ما زالت ضعيفة للغاية».
[1] Geochemistry هو العلم الذي يعنى بدراسة التركيب الكيميائي للأرض وصخورها ومعادنها (المترجم).