يسوع المسيح له أسماء الله وألقابه، فهل تؤمن بلاهوته؟

يسوع المسيح له أسماء الله وألقابه، فهل تؤمن بلاهوته؟

يسوع المسيح له أسماء الله وألقابه، فهل تؤمن بلاهوته؟

 

إن اقوى دليل على ألوهية المسيح هو ما أثار سخط معاصريه أنفسهم. فقد اتخذ لنفسه كل الأسماء والألقاب التي ينسبها العهد القديم لله، وسمح للآخرين ايضاً أن يدعوه بنفس الأسماء والألقاب. وعندما أطلق يسوع على نفسه الأسماء الخاصة بالذات الإلهية، غضب رؤساء اليهود لدرجة أنهم حاولوا قتله بتهمة التجديف. ولم يكن للسلطات اليهودية أي شك فيما رمى إليه المسيح؛ فقد فهموا أن هذا المعلِّم الجليلي يدّعي أنه الله العلي. ويمكن للمرء أن يعترض هنا قائلاً بأن اتخاذ يسوع لهذه الألقاب الإلهية لم يجعله واحداً مع الله او الله نفسه. 

كفقد يكون لعدة أشخاص نفس الاسم أو اللقب.  وقد يكون ((فوزي)) مثلاً رجلاً وزوجاً وصديقاً ومساعداً لمدير المبيعات في نفس الوقت، غير أن بعض الأسماء والألقاب مقصورة على شخص واحد فقط. فمثلاً لا يمكن أن يكون هناك في نفس الوقت إلا رئيس واحد للولايات المتحدة الأمريكية. وهناك كثير من الأسماء والألقاب التي يطلقها الكتاب المقدس على يسوع من النوع الذي لا يحق إلا لشخص واحد ان يدعيه لنفسه-وهو الله.

 

يهوه

اتخذ يسوع لنفسه اسماً من أسماء الله يوفِّره اليهود أكثر من غيره، ويعتبرونه مقدساً لدرجة لا يجرؤ معها اليهودي على النطق به. ألا وهو يهوه. والاسم “أهيه” ليس نفس الاسم “يهوه” غير أنه مشتق من صيغة الفعل “يكون” الذي يشتق منه ايضاً اسم “يهوه” في خروج 3: 15، وهكذا فإن لقب “أهيه” الذي أهيه الذي كشفه الله لموسى تعبير أشمل عن كينونته الأبدية، اختُّصِر في العدد 15 إلى الاسم الإلهي “يهوه”. وفي الترجمة السبعينية، وهي الترجمة اليونانية للعهد القديم العبري.  تُرجم أول استخدام لتعبير أتيه في خروج 3: 14 إلى ego eimi. كانت اللغة اليونانية هي لغة الحديث في زمن يسوع وهي اللغة التي كُتب بها العهد الجديد.

وقد كشف الله لشعبه معنى هذا الاسم في الأصحاح الثالث من الخروج؛ فعندما سأل موسى الله بأي اسم يدعوه أجاب الرب “أهيه الذي أهيه”. وقال: “هكذا تقول لبني إسرائيل أهيه الذي ارسلني اليكم” (خروج 3 :13، 14). وهكذا فقد كانت الصيغة التوكيدية لأهيه ego eimi في اللغة اليونانية في زمن يسوع معادلة لكلمة يهوه العبرية.  واعتماداً على السياق فإنها يمكن أن تكون طريقة توكيدية لقول” أنا هو”(كما في يوحنا 9: 9). او يمكن أن تكون أسم لله نفسه. أهيه الأبدي.

استخدم يسوع تعبير ego eimi عدة مرات عن نفسه بطريقة لا تليق إلا بالله. وأوضح مثال لذلك هو عندما قال اليهود ليسوع “ليس لك خمسون سنة بعد. أفرأيت إبراهيم؟ ” قال يسوع لهم” الحق الحق اقول لكم.  قبل أن يكون إبراهيم “انا كائن” ego eimi. فرفعوا حجارة ليرجموه (يوحنا 8: 57، 59).

لقد سعى اليهود إلى قتله لأنهم فهموا ادعاءه الألوهية، فالعهد القديم كان واضحاً في هذا الأمر.  إذ كان عقاب التجديف هو الرجم حتى الموت (لاويين 24: 16).

 

أتخذ يسوع لنفسه هذا اللقب في مواضع أخرى، فقد صرّح في موضع سابق من نفس الأصحاح “إن لم تؤمنوا أني أنا هو ego eimi تموتون في خطاياكم” (يوحنا 8: 24). ولا تظهر كلمة هو في النص اليوناني، حيث جاءت كالتالي؛ “إن لم تؤمنوا أني انا تموتون في خطاياكم”. كما قال لليهود: “متى رفعتم أبن الإنسان. فحينئذ تفهمون أني أنا هو ego eimi” ومرة أخرى فإن النص اليوناني الأصلي لا يحتوي على كلمة هو.

لقد أكد يسوع باستمرار ألوهيته.  فعندما جاء حراس الهيكل مع الجنود الرومانيين ليقبضوا عليه في الليلة السابقة لصلبه سألهم يسوع “من تطلبون؟ أجابوه يسوع الناصري.  فقال لهم يسوع أنا هو ego eimi…  فلما قال لهم إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض” (يوحنا 18: 14، 16). إذ لم يتمكنوا من الصمود أمام قوة تصريحه عن نفسه. وقوة شخصه.

 

لم يجد كُتّاب العهد الجديد الذين اقتنعوا بأن يسوع المسيح هو الله أية مشكلة في أن ينسبوا ليسوع كل فقرات العهد القديم التي تشير إلى يهوه.

ففي بداية أنجيله يستشهد مرقس بإشارة إشعياء إلى الله “صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب (يهوه) قوّموا في القفر سبيلاً لإلهنا” (اشعياء 40: 3). ولقد فسر مرقس هذه الفقرة على أنها نبوءة تحققت في يوحنا المعمذان الذي يُعّد الطريق ليسوع (مرقس1: 2-4: قارن مع يوحنا1: 23).

 

كما استشهد بولس بيوئيل 2: 32 “ويكون أن كل مَنْ يدعو بإسم الرب ينجو.” وطبّق بولس هذا القول على الرب يسوع عندما قال “لأن كل مَنْ يدعو باسم الرب يخلص” (رومية 10: 13).

كذلك استشهد بطرس بنفس العدد في أعمال 2: 21 “ويكون كل مَنْ يدعو باسم الرب يخلُص”. ثم عندما سأله الناس ماذا ينبغي أن يفعلوا حتى يخلُصوا وأجابهم: “توبوا وليعتمد كل واحد منكم على أسم يسوع المسيح” (أعمال 2: 38). فبعد أن ذكر بطرس أن الدعوة باسم الرب (أي الاعتماد عليه) شرط لازم تُسبق للخلاص.  قال لهم إنه عليهم أن يعتمدوا باسم يسوع المسيح. ولو لن يكن بطرس يعتبر أن يسوع المسيح هو الله.  لتوقعنا منه أن يعتمدوا بأسم يهوه.  وهو الأمر الذي يتمشى مع الإيمان اليهودي. والممارسات اليهودية.

 

 

وما يفوق حقيقة إعطاء التلاميذ هذه الصفة ليسوع أهمية هو أن أعداءه أدركوا أنه يقول إنه الله. ومن المعروف أن شاهد الإدعاء هو دائماً دليل قوي في آية محكمة. فمثلاً قال يسوع:

 

“أنا والآب واحد. فتناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه. أجابهم يسوع: أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أي منها ترجمونني؟ أجابه اليهود قائلين: لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً (الله)” (يوحنا ١٠: ٣٠-٣٣)

 

لم يساور قادة اليهود أي شك في أن يسوع جعل نفسه الله. ولم يجعل نفسه أقل من ذلك. وهكذا فإن الاتهام الرئيسي الذي ركّز عليه أعداؤه لم يكن حول هُويته التي ادعاها لنفسه، أي الوهيته.

 

الله

 

الكلمة اليونانية المستخدمة مئات المرات في العهد الجديد للدلالة على الله هي كلمة” ثيوس” (وهي تقابل إلوهيم العبرية في العهد القديم). ويدعى يسوع بهذا الاسم تمييزاً له عن الآلهة الزائفة في عدة مواضع.

 

وتناقض النظرة الكتابية اليهودية / المسيحية لله الواحد النظرة الهندوسية والبوذية. فالهندوسية تنظر إلى ذات الإنسان الحقيقية على أنها واحدة مع الحقيقة المطلقة. وليست هناك مشكلة بالنسبة لمعظم رجال الدين الهندوسي في أن يقولوا” أنا الله”، وفي تعليم الآلاف من تابعيهم يقولون نفس الشيء. ومن الواضح أن الإنسان الذي يعتقد أنه داخلياً الله بالفعل، لا يحتاج إلى أن يطلب الله بالمعنى المسيحي لهذه الكلمة، ولا إلى قبول مخلِّص شخصي. وهذا لا ينطبق على العهد الجديد قي إطاره اليهودي التوحيدي الذي يرسم خطوطاً واضحة فاصلة بين الله وخليقته. فمن الناحية الحضارية الثقافية، ما كان يمكن أن يُدعى يسوع باسم الله ما لم يكن معتبراً” الله الوحيد”(تثنية ٦: ٤)؛ لأنه لا توجد آلهة أخرى بحسب الاعتقاد اليهودي.

 

كتب سي. إس. لويس:

” تقول إحدى محاولات إنكار لاهوت المسيح بأن يسوع لم يقل في حقيقة الأمر كل هذه الأشياء عن نفسه، لكن أتباعه بالغوا في القصة، وهكذا تطورت الأسطورة بأنه أطلق هذه التصريحات. ويصعب علينا تصديق هذا التفسير لأن كل أتباعه كانوا يهوداً، أي إنهم انتموا للأمة التي تؤمن إيماناً مطلقاً -أكثر من أية أمة أخرى -بأنه ليس هناك إلا إله واحد وبأنه لا يمكن أن يوجد إله آخر. ومن الغريب جداً أن تظهر مثل هذه البدعة الشنيعة بين آخر شعب من بين كل الشعوب يُحتمل فيه ارتكاب مثل هذا الخطأ. بل على العكس من ذلك، فإنه يتكون لدينا الانطباع، ونحن نقرأ الإنجيل، أنه لم يكن من أتباعه المباشرين أو حتى كُتّاب العهد الجديد من اعتنق هذه العقيدة بسهولة مطلقة. “

الله يقف دائماً منفصلاً عن خليقته فليس البشر امتداداً لله. وفيما يلي أحد عشرة مثالاً لمواضع في العهد الجديد يُدعى فيها يسوع” الله”.

 

(١) في الإصحاح الأول من الرسالة إلى العبرانيين عدد ٨ الذي يُظهر تفوق المسيح على الملائكة والأنبياء، تقول كلمة الله:” وأما عن الابن (يقول الله) كرسيك يا الله (ثيوس) إلى دهر الدهور”. إن هذا الشاهد الكتابي يستشهد استشهاداً مباشراً بمزمور ٤٥: ٦-٧ حيث يخاطب الله” الآب “الله” الابن”، وهي ترجمة صحيحة للنص اليوناني.

 

(٢) دعا بطرس المسيح” الله”(ثيوس)، حيث كتب” سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله إلى الذين نالوا معنا إيماناً ثميناً مساوياً لنا ببر إلهنا (ثيوس) والمخلص (الذي هو مخلصنا) يسوع المسيح” (٢بطرس ١: ١). واسم يسوع المسيح مُستخدم هنا لغوياً كبدل من الله والمخلص حسب النص اليوناني (ويمكن استخدام البدل في اللغة اليونانية كشرح لاسم سابق أو كمساوٍ له). وذلك بحسب قاعدة Granville Sharpe في اليونانية. أما حرف العطف” و”(Kai في اليونانية) فيربط الاسمين بدون أي أنفصام؛ وهذا يعني أن البدل (الكلمة التي تعطي اسماً جديداً للأسم السابق) يسوع المسيح يعود بالضرورة على كل من “الله”و”المخلص” أي إن يسوع المسيح هو إلهنا ومخلّصنا.

ويؤكد المتخصصون في قواعد اللغة اليونانية أن شخصاً واحداً فقط هو المقصود يقوله إلهنا و”المخلص” لا شخصين.  يقول “واينر شميدل”في كتابه قواعد اللغة اليونانية (ص 158): تفرض القواعد فرضاً أن المقصود هو شخص واحد فقط. ويصرّح “أي. تي. روبرستون” في مؤلفه “صورة لفظية في العهد الجديد” (المجلد السادس ص 147) “شخص واحد لا شخصان.” (قارن هذا مع ما يقوله “مولتون” في مؤلفه “قواعد العهد الجديد” المجلد الثالث ص 181. و”دانا وماني”في كتابهما “دليل قواعد اللغة اليونانية” ص 147). فهم يتفقون جميعاً بأن يسوع المسيح هو الله والمخّلص. أي الله المخلصّ.

 

(3) أستخدم بولس نفس قاعدة Granville Sharpe عندما طلب من تيطس أن ينتظر ظهور مجد الله العظيم ومُخلّصنا يسوع المسيح (تيطس 2: 13).

 

(4) قال توما الذي شك في قيامة يسوع “إن لم أبصر في يديه أثر المسامير… وأضع يدي في جنبه، لا أومن” (يوحنا 20: 25). وعندما ظهر يسوع لتوما قال له: “هات اصبعك إلى هنا وأبصر يدّي، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً”. أجاب توما وقال له: “ربي وإلهي”(يوحنا 20: 27 ،28). ليس هناك شك في أن كلمات توما كانت موجهة إلى يسوع. وقد استخدم توما كلا اللقبين للعبير عن فهمه لألوهية المسيح وربوبيته. لم يوّبخ يسوع توما على تجديف قام به. وإنما قبِل اللقبين الدالين على ألوهيته. (عدد 29)

 

(5) يقول أعمال 2: 36 “الله جعل يسوع… رباً ومسيحاً” ويعَزّز العدد 39 عن الله على أنه الرب إلهنا. ويتتي أعمال 10: 36 هذه النقطة فيقول إن “يسوع المسيح هذا هو رب الكل”.

 

(٦) يشير أعمال ١٦: ٣١، ٣٤ إلى الإيمان بالرب يسوع والإيمان بالله.

 

(٧) تقول رؤيا ٧: ١٠-١٢، ١٧” وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين”: الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف، وجميع الملائكة كانوا واقفين حول العرش، والشيوخ والحيوانات الأربعة وخروا أمام العرش على وجوههم وسجدوا لله قائلين: آمين! البركة والمجد والحكمة والشكر والكرامة والقدرة والقوة لإلهنا إلى أبد الآبدين. آمين… لأن الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية (ماء الحياة) ويمسح الله كل دمعة من عيونهم”. لاحظ في العدد العاشر أن الله هو الذي يجلس على العرش، وأن الخروف يسوع هو الذي يجلس وسط العرش في العدد ١٧. فمٓن هو الذي في وسط العرش؟ فإذا قلنا إن يسوع يجلس في وسط العرش مع إنكارنا لألوهيته فإن معنى هذا إننا نُجرد الله من مكانه الأبدي في السماء، وهو ادعاء لا يمكن الدفاع عنه.

 

(٨) يتحدث أعمال الرسل ١٨: ٢٥ عن طريق الرب، وهو نفس الطريق الموجود في العدد ٢٦ الذي يليه. غير أن الكلمة المستخدمة في العدد ٢٦ في الأصل اليوناني هي” الله”.

 

(٩) هناك اسم آخر للمسيح المنتظر وهو عمانوئيل (إشعياء ٧: ١٤)، المترجم حرفياً إلى” الله معنا”. وينسب هذا اللقب بكل وضوح في متى ١: ٢٣ إلى يسوع” هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويُدعى اسمه عمانوئيل الذي تفسيره:” الله معنا”.

 

(١٠) يقول إشعياء ٩: ٦” لأنه يولد لنا ونعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً (الله القدير)، أباً أبدياٌ، رئيس السلام”. تشير هذه النبوءة المختصة بيسوع -المسيّا-إلى أن أحد أسمائه سوف يكون (الله القدير)، وفي العبرية El Gibbor وهو نفس التعبير المستخدم عن يهوه في إشعياء ١٠: ٢١. ما نقصده هو أن الروح القدس ميّز يسوع بمثل هذه الأسماء؛ ولو لم يكن مقصوداً لهذه الأسماء أن تعبّر عن طبيعة الطفل المولود لكان ذلك خداعاً. وتعبير” يدعى اسمه”معناه أن هذه هي طبيعته وهذا هو شخصه، لأن هذا ما يعنيه اسمه دون أن يكون للطفل المولود الطبيعة التي يدل عليها هذا الاسم.

 

يقول” هيربيرت سي. ليوبولد”: هذه هي الطبيعة التي سوف يتمتع بها الطفل المولود، فهو يُدعى بهذه الأسماء لأنه في حقيقة الأمر يتمتع بنفس الطبيعة التي يدل عليها اسمه. ” فلو لم يكن يسوع هو الله القدير، لن يكون هو” مشيراً عجيباً “أو ” رئيس السلام”، ولو لم تكن هذه كلها تنطبق عليه فلماذا يُدعى بها أصلاً؟ لماذا يخبرنا عن معنى الاسم لو لم تكن له علاقة به؟ لكن المسيا المنتظر، كما توضح بقية نصوص سفر إشعياء والعهد الجديد،” مشير عجيب ورئيس السلام”(إشعياء ٤٢، ٤٩؛ قارن زكريا ٩: ٩، ١٠؛ ميخا ٥: ٤). وهو أيضاً الله القدير كما يبرهن العهد الجديد (يوحنا ١: ١، تيطس ٢: ١٣).

 

(١١) يقول يوحنا ١: ١، ١٤ “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله (ثيوس) والكلمة صار جسداً وحل بيننا”. لا توجد فقرة أكثر شيوعاً في الإستخدام، أو أكثر إثارة للجدل حول ألوهية المسيح من يوحنا ١: ١، ولا شك في أن الكلمة تشير إلى يسوع؛ لأن العدد ١٤ يقول ” والكلمة صار جسداً وحل بيننا”. لذلك إذا أخذنا العددين ١، ١٤ كما هما، فإنهما يعلّمان ألوهية المسيح ويصرّحان بأن الكلمة كان عند الله، وأن الله صار جسداً.

 

إذا أنكر المرء لاهوت المسيح بعد قراءتنا لهذين العددين فسوف يكون مضطراً لترجمة يوحنا ١:١ ترجمة خاطئة أو محاولة إعادة تفسيرها. وإحدى هذه الطرق الخاطئة في ترجمتها هي القول، وكان الكلمة” إلهاً” بدلاً من” وكان الكلمة الله”. ومشكلة هذه الترجمة أن النص اليوناني لا يجيز هنا مطلقاً استخدام الله كنكرة في هذا السياق.

 

يشير” بروس ميتسجر”. أحد دارسي اللغة اليونانية، إلى بحث علمي كتبه الدكتور” إيرنست كادمن كولويل”من جامعة شيكاغو. كتب كولويل يقول:

” الخبر المرفوع يأخذ “الـ” التعريف في اليونانية عندما يتبع الفعل، ولا يأخذ “ال” التعريف عندما يسبق الفعل (في الأصل اليوناني تستخدم الكلمة مبتدأ وتسبق الفعل ثم يأتي لفظ الله خبراً) “والكلمة الله” بدلاً من الترجمة العربية “وكان الكلمة الله”. والعدد الأول من انجيل يوحنا هو أحد الأعداد الكثيرة التي تنطبق عليها تلك القاعدة، وتدل على أن الخبر (الله) اسم مُعرّف حتى بدون استخدام ال التعريف، وغياب ال التعريف قبل كلمة “ثيوس” لا يجعل الخبر نكرة أو صفة عندما يسبق الفعل، وهو لا يكون نكرة إلا عندما يحتم السياق ذلك. لكن السياق هنا لا يدع مجالاً لذلك في الإنجيل بحسب يوحنا، لأن مثل هذا التصريح عن لاهوت المسيح لا يمكن أن يُعتبر غريباً عن روح إنجيل يوحنا الذي يصل إلى قمته باعتراف توما بألوهية المسيح وربوبيته. “

 

ويقول ” ف. ف. بروس” وهو خبير في لغات الكتاب المقدس، إن ترجمة عبارة” وكان الكلمة الله “في الإنجليزية مثلا باستخدام The خطأ مخيف في الترجمة لأن حذف ال التعريف أمر شائع مع الأسماء التي تأتي في تركيب خبري.

 

وهكذا فإن يوحنا ١: ١ من أوضح الأعداد في العهد الجديد التي تُعبّر عن لاهوت المسيح المطلق، ولقد ناقش هذا التركيب عدد كبير من عظام علماء اللغة اليونانية والكتاب المقدس. ويمكننا إعادة صياغة هذا العدد كما يلي:” قبل أن يوجد أي شيء كان الكلمة موجوداً أصلاً، وكان يتمتع بعلاقة وثيقة مع الله (الآب)، كان الكلمة كل ما كأنه الله. “

 

يقول” ف. ف. بروس “إن التركيز ينصب على أن الكلمة” كان الله نفسه”.

 

يسأل بعض الناس أحياناً كيف يمكن أن يكون يسوع هو ” الله” و” عند الله “في نفس الوقت. والجواب موجود في مفهوم الثالوث: إله واحد في ثلاثة أقانيم أبدية. لقد كان” الكلمة “المذكور في يوحنا ١: ١ مع الأقنومين الآخرين من أقانيم الثالوث، وهو الله نفسه بطبيعته.

 

هناك مجموعة كبيرة تُعرف باسم ” الطريق الدولي” تقول بأن يسوع هو الكلمة بمعنى أنه كان تعبيراً عن الله، كما تُعبر كلماتنا عن أنفسنا. ولا تؤمن هذه المجموعة بأن يسوع الكلمة بمعنى أنه الله. ودعماً لوجهة نظرهن قالوا بأن يوحنا ١: ١-١٨ تتكلم أساساً عن الله وليس عن يسوع؛ لأنها إن كانت تتكلم عن يسوع، فسوف تنسب له صفات لا يجوز أن تكون إلا لله. وهكذا، وبقدر الإمكان فإنهم يحاولون إخراج يسوع من دائرة الضوء زاعمين أن الاصحاح الأول من يوحنا هو عن الله.

 

غير أن هناك نقائص ومشاكل كثيرة في تفسيرهم هذا. أولاً: لو كان المُتحدث عنه بضمير الغائب “هو” في الأصحاح الأول من يوحنا هو الله وليس يسوع، يصبح كل الأصحاح الأول بلا معنى؛ لأن هدف إنجيل يوحنا هو أن يؤمن البشر بيسوع.

يقول يوحنا في العدد الرئيسي من أنجيله: “وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح أبن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه” (يوحنا 20: 31). ولهذا يبدو منطقياً أن ترتبط مقدمة إنجيل يوحنا بالهدف الذي قصد إليه.

ثانياً: كل ما تتحدث عنه الأعداد الثمانية عشر الأولى من إنجيل يوحنا ينسب ليسوع في أماكن أخرى من الإنجيل أو في فقرات العهد الجديد. فيما يلي بعض الأمثلة:

الأصحاح الأول

فقرات موازية

العددان 3، 10: خلق يسوع العالم

كان له دور رئيسي في خلق العالم (عبرانيين 1:1، 2، 8-13؛ كولوسي 1: 16-18

العدد 4:

قال يسوع إنه هو؛” القيامة والحياة” “الطريق والحق والحياة” (يوحنا 6: 35، 48، 51؛ 11: 25؛ 14: 16). ويقول يوحنا 20: 31 إنه يمكن للبشر أن يحصلوا على الحياة بالإيمان بيسوع.

 

 

الأصحاح الأول

فقرات موازية

العدد 12:” وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه”

ضح يوحنا في إنجيله أنه على الناس أن يؤمنوا بيسوع (يوحنا 3: 16-18؛ 5: 24؛ 12: 44؛ 20: 31 … إلخ)

ويسوع يمنح الحياة الأبدية (يوحنا 10: 28)

العددان 4، 9 كان هو” نور الناس”و” النور الحقيقي”

قال يسوع إنه” نور العالم” (يوحنا 8: 12 ؛ 9: 5)

العدد 10″ كان في العالم”

مَنْ؟ من المنطقي أن يشير هذا العدد إلى يسوع. فالتوكيد يتركز على مجيء يسوع إلى العالم. (يوحنا 3: 17؛ 6: 23… الخ)

العدد 11″ إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله”

رفض اليهود يسوع، لا الله كما فهموا الله (يوحنا 3: 32).

لقد إعتقدوا أنهم برفضهم ليسوع يحققون إرادة الله.

 

الألف والياء .. الأول والآخر

 

هذان التعبيران” الألف والياء” يقدمان وصفاً جميلاً لله يبعث على الخشوع. فالله كان موجوداً قبل وقت طويل جداً من وجود النجوم في السماء ووجود عالمنا، وهو أزلي أبدي. يقول تكوين ١: ١” في البدء … الله”. والله وحده يستحق لقبي الألف (الأول) والياء (الآخر).

 

وهكذا فإن هذين الإسمين يعبِّران عن طبيعة الله الأبدية، إنه مصدر كل الخليقة وهدفها، ولا يستطيع إي كائن مخلوق أن يدّعي أنه الأول وأنه الآخر وأنه سابق كل ما هو موجود. لذلك يُدعى كل من يسوع والله “الألف والياء، الأول والآخر” في الكتاب المقدس.

الله

يسوع

إشعياء 41: 4″ أنا الرب (يهوه) الأول ومع الآخِرين أنا هو”.

رؤيا 1: 17، 18″ أنا هو الأول (بروتوس) والآخر (إسكاتوس)، والحي وكنت ميتاً، وها أنا حي إلى أبد الآبدين”.

إشعياء 48: 12″ أنا هو. أنا الأول والآخر”.

رؤيا 2: 8″ وإلى ملاك كنيسة سميرنا. هذا يقوله الأول والآخر، الذي كان ميتاً فعاش”.

رؤيا 1: 8″ أنا الألف والياء، البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء”.

رؤيا 22: 12-16″ وها أنا آتي سريعاً …انا الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر … أنا يسوع، أرسلت ملاكي لأشهد لكم بهذه الأمور. ..”.

لا يمكن التقليل من أهمية الفقرات السابقة من سفر الرؤيا ودلالاتها. فهي بعض من أقوى الأمثلة وأوضحها لتصريحات المسيح بألوهيته. إذ لا يمكن أن يكون هناك أوّلان وآخران أو بدايتان ونهايتان.

 

الرب

 

يستخدم الكتاب المقدس بعديه القديم والجديد لقب” الرب”بحرية للإشارة لله وليسوع المسيح. والكلمة التي يستخدمها العهد القديم لتشير إلى الرب هي أدوناي، بينما تستخدم الترجمة السبعينية والعهد الجديد كلمة” أدوناي”و” كيريوس”للإشارة إلى الله.

 

استخدم العهد الجديد كلمة” كيريوس”بمعنيين .. معنى شائع عام، وآخر مقدَّس. كان الاستخدام الشائع تحية إحترام تعني” سيدي” أو” سيد”، أما المعنى المقدس فكان يفيد الألوهية. ومن الواضح أن بعض فقرات العهد الجديد تستخدم كلمة” رب”كتعبير يدل على تبجيل يسوع، كما في يوحنا ٤: ١١” قالت له المرأة: يا سيد، لا دلو لك والبئر عميقة، فمن أين لك الماء الحي؟ “. ولأن المسيحيين الأوائل كانوا يؤمنون بإله واحد (كاليهود)، كان استخدامهم لكلمة” رب”بالمعنى المقدس في مخاطبة يسوع دليلاً قوياً على إعتقادهم بأن المسيح هو الله. يقول” هوج”و” فاين”في كتابتهما حول رسالتي بولس إلى أهل تسالونيكي:

” نرى الدلالة الكاملة لربط يسوع مع الله بلقب واحد هو” الرب”عندما ندرك أن هؤلاء الرجال كانوا ينتمون إلى الأمة الوحيدة الموحدة في العالم. وكان ربط اليهودي للخالق بشخص مخلوق مهما بلغ تعظيمه له، أمراً مستحيلاً على الرغم من أنه كان أمراً ممكناً بالنسبة لشخص وثني. “

 

وكان الرومانيون الذين عبدوا الإمبراطور كإله يُحيّون بعضهم بعضاً بقولهم:” قيصر رب”. لذلك كان أحد أسباب اضطهاد الرومان للمسيحيين الأوائل واليهود هو رفضهم تقديم هذا النوع من الإجلال للإمبراطور. وتوضح هذه الممارسة الدلالة او الأهمية التي ينطوي عليها استخدام المسيحية لتعبير” يسوع رب”أي رب بمعنى” الله”.

 

هناك عدة أمثلة واضحة يُشار فيها إلى يسوع بكلمة” رب”بالمعنى المقدَّس. كتب بولس قائلاً:” وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس” (١كورنثوس ١٢: ٣). قد يعترض البعض فيقولون:” أنا أؤمن أن يسوع هو ربي، ولكني بالتأكيد لا أعتقد أنه الله.” والسؤال المهم هو ما المقصود بكلمة رب؟ ويستطيع أي شخص أن يتفوه بعبارة “يسوع رب”، كما يقولها بعضهم بمعنى أن يسوع “سيد”، لكن ليس هذا هو ما قصده بولس! فهناك عدة دلائل تشير إلى أن بولس يتحدث عن ألوهية يسوع.

 

(١) بدأ بولس الإصحاح الثاني عشر بالتحدث عن المواهب الروحية، وحقيقة أن أهل كورنثوس كانوا منقادين سابقاً إلى عبادة الأوثان كآلهة. ويظهر بولس الفرق الشاسع بين هذه الآلهة الزائفة (العددان ١، ٢). وبين يسوع عندما يقول إنه لا يمكن لمن يتكلم بالروح القدس أن يقول أنا يسوع أناثيما (أي ملعون) ولا يستطيع أحد أن يعترف بأن يسوع رب إلا بالروح القدس، وهو بذلك يقصد أن يسوع الرب هو الله الحقيقي المستحق العبادة.

 

(٢) تعامل بولس في العدد ٣ مع الروح القدس ويسوع والله على أسس متساوية. كما تُظهر الأعداد ٤-٦ الأمور التالية:

 

العدد ٤: فأنواع مواهب، ولكن الروح واحد.

العدد ٥: وأنواع خِدم موجودة، ولكن الرب واحد (أي يسوع كما في العدد الأول)؛

العدد ٦: وأنواع أعمال موجودة، ولكن الله واحد. فإذا لم يكن المسيح هو الله، فلماذا يُعامل على قدم المساواة معه في العدد الخامس؟ كما يتحدث العددان الحادي عشر والثامن عشر عن الروح القدس والله على أنهما متساويان.

 

لو أننا سألنا شخصاً ينكر ألوهية المسيح عما إذا كان” يصلي إلى الرب” أم لا، فإنه سيسأل” مَنْ الذي تقصده؟ “وهذا هو محور الموضوع. فنحن نجد في الكتاب المقدس أن الله ويسوع يُدعيان الرب. والجواب الذي يحتمل أن نحصل عليه هو” أنا أصلي إلى الله، لكني لا أؤمن بالصلاة ليسوع”. وجواباً على مثل هذا القول، فإن هناك خمسة أمثلة في العهد الجديد تُقدَّم فيها الصلاة ليسوع في السماء كالرب (أو ابن الله).

 

(١) في أعمال ٧: ٥٩، ٦٠ دعا استفانوس يسوع رباً. صلّى أثناء رجمه فقال ” أيها الرب يسوع، اقبل روحي. “وهذا يشير إلى إيمانه بأن يسوع أكثر من مجرد إنسان، وأنه قادر إلى درجة تكفي لقبول روحه، ثم جثا على ركبتيه وصرخ بصوت عظيم قائلاً:” يارب، لا تُقِم لهم هذه الخطية”ومن المعروف أنه لا يمكن ليهودي يوناني تقي أن يصلي لأي شخص أقل من الله.

 

(٢) كتب بولس الرسول في ١كورنثوس ١: ٢ إلى” المقدَّسين… الذين يَدْعون باسم ربنا يسوع المسيح في كل مكان، لهم ولنا (أي ربهم وربنا) “.

 

(٣) وتحدث بولس الرسول في ٢كورنثوس ١٢: ٨، ٩ عن شوكة في الجسد فقال” من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني. فقال لي” تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تُكمَل، فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل عليّ قوة المسيح”.

 

(٤) ونقرأ في رسالة يوحنا الأولى ٥: ١٣-١٥” كتبت هذا إليكم، أنتم المؤمنين باسم ابن الله، لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية، ولكي تؤمنوا باسم ابن الله. وهذه هي الثقة التي لنا عنده: أنه إن طلبنا شيئاً حسب مشيئته يسمع لنا. وإن كنا نعلم أنه مهما طلبنا يسمع لنا، نعلم أن لنا الطلبات التي طلبناها منه”. إن كل الضمائر الموصوله والمستترة (وهي ضمائر غير مستترة باللغة اليونانية الإصلية) تشير إلى ابن الله (عدد ١٣).

 

(٥) قال سيمون في أعمال ٨: ٢٤ ” اطلبا (صليا) إلى الرب…”  (يذكر العدد ١٦ أن يسوع هو “الرب”).

 

لقد أكد بطرس وبولس أن يسوع هو” رب الكل”(أعمال ١٠: ٣٦؛ رومية ١٠: ١٢)، كما قال بولس: “لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد” (١كورنثوس ٢: ٨). مَنْ هو رب المجد؟ يخبرنا مزمور ٢٤: ١٠” رب الجنود هو ملك المجد”(انظر أيضاً مزمور ٩٦: ٧، ٨).

 

كما دعا بولس يسوع رباً في ٢كورنثوس ٤: ٤، ٥ فقال” إله هذا الدهر (الشيطان) قد أعمى أذهان غير المؤمنين، لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله. فإننا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع رباً، ولكن بأنفسنا عبداً لكم من أجل يسوع”. وهكذا فإن المسيح الذي هو صورة الله، رب.

 

وقد استخدم بولس نفس اللغة والمجاز الذين استخدمهما إشعياء في العهد القديم عن يهوه ليُطبقهما على المسيح.

 

الله

يسوع

” … أنا الله وليس آخر … لي تجثو كل ركبة، يحلف كل لسان” (إشعياء ٤٥: ٢٢-٢٤)

” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممَن في السماء ومَن على الأرض ومَن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب المجد الله الآب” (فيليبي ٢: ١٠، ١١)

 

ولم يكن بولس الفريسي والعالِم بالعهد القديم ليستخدم هذا التماثل أو التطابق صدفة. أشار يسوع إلى نفسهِ على أنه” رب السبت”وهي إشارة إلى نفسه كخالق للسبت. قال الله في خروج ٣١: ١٣، ١٧ “سبوتي تحفظونها. لأنه علامة بيني وبينكم… بيني وبين بني إسرائيل علامة إلى الأبد”. لقد نظر اليهودي إلى يهوه على أنه بادئ السبت (خالقه) وربه. وعندما وبّخ بعض الفريسيين يسوع لأنه سمح لتلاميذه بأن يقطفوا السنابل في السبت-كاسرين بذلك الناموس لأنهم عملوا في هذا اليوم المقدس-قال لهم يسوع إنه لا بأس بذلك لأنه” رب السبت” (متى ١٢: ٨). يقول “سي. إس. لويس. “:

” نجد هنا ملاحظة أخرى غريبة: توجد في كل ديانة شعائر غير مريحة مثل الصيام. فيأتي هذا الإنسان يوماً ما ليقول:” ليس مم الضروري أن يصوم أحد ما دمت هنا. “فمَنْ هو هذا الإنسان الذي يقول إن مجرد حضورة يعلّق كل القوانين العادية؟ مَن هو الشخص الذي يستطيع فجأة أن يُعلن للمدرسة أنَّ بإمكان الهيئة التدريسية والطلاب أن يأخذوا عطلة لنصف يوم؟ “

 

لقد اعتبر اليهود الذين سمعوا كلامه هذا تجديفاً، ثم دخل يسوع في نفس يوم السبت إلى مجمعهم مؤكداً مرة أخرى نقطة العمل يوم السبت والذي تمثل في شفائه لرجل ذي يد يابسة، مما زاد من حنقهم عليه. لأن هذا العمل كان بمثابة كسر للسبت حسب فهمهم له. كذلك عندما صرّح بأن له سلطاناً لا يمكن أن يكون إلا لله، زاد سخطهم عليه وحاولوا قتله (متى ١٢: ١٤).

نعود فنقول بأنه لا يمكن أن يوجد إلا إله واحد حسب تثنية ٦: ٤، ومرقس ١٢: ٢٩.

 

المخلّص

 

لقد صرح إله العهد القديم بشكل حاسم بأنه وحدة المخلّص” أنا أنا الرب (يهوه) وليس غيري مخلّص”(إشعياء ٤٣: ١١)، غير أن الكتاب المقدس يوضح أن يسوع هو أيضاً مخلّص.

 

يسوع

 

متى ١: ٢١” وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم”.

يوحنا 1: 29 ” وفي الغد نظر يسوع… فقال، هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم”.

 

 

يوحنا ٤: ٤٢” هذا هو بالحقيقة المسيح مخلّص العالم”.

عبرانيين ٥: ٩” صار لجميع الذين يُطيعونه سبب خلاص أبدي”.

 

لوقا ٢: ١١” إنه وُلد لكم اليوم في مدينة داود مخلص. هو المسيح الرب”.

طلب بولس من تيطس أن ينتظر” الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومُخلصنا يسوع المسيح”(تيطس ٢: ١٣). والسياق العام لهذا العدد هام، لأنه كان قد ذُكر قبل ثلاثة أعداد أن الله هو المُخلّص” مخلصنا الله”(عدد ١٠). ويقول في تيطس ٣: ٤” مخلصنا الله”وفي العدد ٦ “يسوع المسيح مُخلصنا”. فهو يستخدم في اثني عشر عدداً كلمتي المسيح والله بشكل تبادلي بحيث يمكن أن تحل الأولى محل الثانية.

 

الملك

 

” الملك”لقب يُعبر عن جلالة الله. كتب داود صاحب المزامير” لأن الرب إله عظيم”ملك كبير على كل الآلهة”(مزمور ٩٥: ٣). وقال الله” أنا الرب قدوسكم… ملككم”(إشعياء ٤٣: ١٥). يتحدث الكتاب المقدس أكثر من ثلاثين مرة في أسفار المزامير، وإشعياء، وأرميا، ودانيال، وزكريا، وملاخي عن الله بوصفة الملك أو ” الملك العظيم” أو” ملك إسرائيل”.

 

وعلى الرغم من أن مصطلح الملك لقب بشري غالباً، فإن العهد الجديد لا يتحدث عن المسيح كملك بنفس المعنى الذي يتحدث فيه العهد القديم عن الله فحسب، لكن يسوع يُدعى أيضاً” ملك الملوك”. إذ نقرأ في رؤيا ١٧: ١٤” …والخروف يغلبهم، لأنه رب الأرباب وملك الملوك”. وستكون الكلمات التالية مكتوبة علو فخذ يسوع عند مجيئه الثاني” ملك الملوك ورب الأرباب”(رؤيا ١٩: ١٦). ويُشار إلى الرب يهوه في العهد القديم على أنه” إله الآلهة ورب الأرباب”(تثنية ١٠: ١٧).

 

كذلك هناك أهمية خاصة لتيموثاوس الأولى ٦: ١٤-١٦ تقول” …إلى ظهور ربنا يسوع المسيح، الذي سيُبينه في أوقاته المبارك العزيز الوحيد؛ ملك الملوك ورب الأرباب، الذي وحده له عدم الموت (الأبدية) ساكناً في نور لا يُدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه، الذي له الكرامة والقدرة الأبدية، آمين. “

يمكن أن يشير” ملك الملوك ورب الأرباب”إلى المسيح أو الله. فإذا كانت تتحدث عن المسيح في حالته الممجدة (رؤيا ١: ١٢-١٨)، فقوله” العزيز (صاحب السيادة) الوحيد وملك الملوك ورب الأرباب، والذي له وحده عدم الموت (الأبدية) وساكناً في نور لا يدنى منه” يصبح كله القاباً تدل على ألوهيته. وإن كانت هذه الفقرة تتحدث عن الله فمعنى ذلك أن كلاً من المسيح والله يشتركان في اللقبين المتطابقان” ملك الملوك ورب الأرباب”كما تبين الفقرات الأخرى التي أشرنا إليها (رؤيا ١٧: ١٤ مثلاً) وفي كلتا الحالتين فهي تقدم دليلاً على ألوهية المسيح.

 

الديّان

 

لم يترك العهد القديم مجالاً للشك بأن الله هو ديّان كل نفوس الناس. ” يدعو السماوات من فوق و الأرض إلى مداينة شعبه… لأن الله هو الديّان”(مزمور ٥٠: ٤، ٦). وهناك إشارات كثيرة إلى يهوه كديّان (تكوين ١٨: ٢٥؛ مزمور ٩٦: ١٣؛ عبرانيين ١٢: ٢٣، ٢٤؛ بطرس ١: ١٧). غير أننا نجد في العهد الجديد أن الله الآب أعطى” كل الدينونة للابن”(يوحنا ٥: ٢٢). ويوضح لنا العدد ٢٣ سبب إعطاء الله كل الدينونة للابن” لكي يُكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب، من لا يُكرم الابن لا يُكرم الآب الذي ارسله”. هل الآب مُكرم بوصفه الله؟ بالطبع. إذاً يجب أن يُكرم الابن بنفس الطريقة.

 

يوحنا ٥: ٧-٣٠ واحدة من أقوى الفقرات في كل الكتاب المقدس التي تؤكد ألوهية المسيح. ويسوع هو” العتيد أن يدين الأحياء والأموات ” (٢تيموثاوس ٤: ١). وسوف يمثُل كل المؤمنين أمام” كرسي المسيح ” (٢كورنثوس ٥: ١٠). وتتحدث رومية ١٤: ١٠ عن أن الوقوف أمام كرسي المسيح هو إعطاء حساب عن أنفسنا لله نفسه. كما أن يهوه والمسيح كليهما يفحصان قلوب المؤمنين” أنا هو الفاحص الكلى والقلوب ” (رؤيا ٢: ٢٣؛ إرميا ١٧: ١٠). وهكذا يتضح لنا أن يسوع ويهوه ديان واحد.

 

النور

 

يستخدم تعبير” النور” غالباً للإشارة بشكل مجازي لله وحضوره أو إعلانه .. فالله هو” النور”، و”النور الأبدي”، “ونور الأمم”، والسراج”، وهو الذي يُضيء الظلمة (مزمور ٢٧: ١؛ إشعياء ٤٢: ٦؛ ٦٠: ١٩، ٢٠؛ صموئيل ٢٢: ٢٩).

 

قدم يسوع تصريحاً قوياً عن نفسه بأنه النور، لا مجرد شخص يشير إلى النور. إذ قال:” أنا هو (ego eimi) نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة، بل يكون له نور الحياة”( يوحنا ٨: ١٢). وقال أيضاً مُشيراً إلى نفسه:” وهذه هي الدينونة، أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور”. (يوحنا ٩: ٥). كما وصفه الرسول يوحنا بأنه” نور الناس”و” النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان ” (يوحنا ١: ٤، ٩)، فكما أن الله هو النور الأبدي فيسوع هو أيضاً كذلك (إشعياء ٦٠: ١٩، ٢٠؛ رؤيا ٢١: ٢٣؛ ٢٢: ٥).

 

الصخرة

 

كلمة ” الصخرة ”  يمكن أن تعني أشياء كثيرة. لكن عندما تصبح اسماً لله فإنها ترمز إلى تعزية الله لنا، وثباته وصلابته وقوته. لقد ترك موسى قبيل موته لأبناء أمته ترنيمة تذكرهم بطبيعة الله وبما فعله من أجلهم. استخدم في هذه الترنيمة اسمين لله هما: يهوه والصخرة ” إني باسم الرب أنادي. أعطوا عظمة لالهنا. هو الصخر الكامل صنيعته !” (تثنية ٣٢: ٣، ٤؛ انظر تثنية ٣٢: ١٥، ١٨، ٣٠، ٣١). وقد دعا داود صاحب المزامير الله إلهي و ” صخرة خلاصي” (مزمور ٨٩: ٢٦؛ ٩٥: ١)، كما قدَّم داود له العبادة كصخرة له “الرب صخرتي” و “صخرة اسرائيل” (٢صموئيل ٢٢: ٢، ٣، ٤٧؛ ٢٣: ٣). ونجد في ٢صموئيل ٢٢: ٣٢ سؤالاً استنكارياً:” لأنه مَن هو إلى آله غير الرب ومَن هو صخرة غير إلهنا ؟”

 

وفي العهد الجديد يعطى يسوع لقب ” الصخرة”. فقد أشار بولس إلى بني إسرائيل في البرية مع موسى فقال ” وجميعهم أكلوا طعاماً واحداً روحياً، وجميعهم شربوا شراباً واحداً روحياً. لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح “(١كورنثوس ١٠: ٣، ٤؛ انظر خروج ١٧: ٦؛ نحميا ٩: ١٥). كان بولس يشير رمزياً هنا إلى بني إسرائيل الذين يقوتهم الله -فكان يهوه يعطيهم المَن من السماء (العدد ٣)، وكان المسيح يعطيهم الشراب (العدد ٤). فمن الواضح إذاً أن بولس كان يؤمن بأن المسيح هو يهوه.

كما تحدّث بولس عن يسوع بوصفه” صخرة عثرة”( رومية ٩: ٣٣). وأشار له بطرس على أنه” حجر حي”، و” حجر صدمة”، و” صخرة عثرة”، و ” حجر مختار”، و”حجر زاوية كريم”، و”الحجر الذي رفضه البناؤون”.

 

الفادي

 

تعني كلمة الفادي الشخص الذي يُعيد شراء شيء. وعندما كان الجنس البشري مفلساً روحياً وعاجزاً عن تخليص نفسه، بذل الله عن طيب خاطر حسب علمه السابق (أعمال ٢٣: ٢) ابنه من أجل فداء الجميع، فاتحاً الباب لأي شخص للمصالحة مع الله. تقول كلمة الله ” عنده فديً كثير”  ( مزمور ١٣٠: ٧، ٨)، وإنه “الفادي” (إشعياء ٤٨: ١٧؛ ٥٤: ٥؛ ٦٣: ٩)، وهو الذي يفدي من “الحفرة” حياتنا (مزمور ١٠٣: ٤)، ولا يمكن أن يأتي الفداء النهائي من الخطية إلا من الله.

 

يسوع المسيح هو فادينا من الخطية” لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا”(أفسس ١: ٧). فيسوع هو الذي اشترى لنا فداءاً أبدياً (عبرانيين ٩: ١٢). كما طلب بولس من شيوخ أفسس أن يرعوا” كنيسة الله التي اقتناها “(اشتراها وافتداها) بدمه” (أعمال ٢٠: ٢٨). ولا يمكن أن يشير هذا إلا إلى موت المسيح على الصليب. فيسوع هو الله الابن فادينا.

 

الرب برنا

 

تنبأ العهد القديم، نظراً لحاجة البشرية للبر وعجزنا عن الوصول إلى مستوى القداسة الذي يطالبنا الله به (رومية ٣: ٢٣)، بأن يهوه سوف يقيم يوماً” غصن بر “من أصل داود يكون اسمه” الرب برنا “( إرميا ٢٣: ٦؛ ٣٣: ١٥، ١٦). وهذا الغصن حسب تعليم العهد القديم هو المسيا المنتظر أو المسيح (قارن مع لوقا ١: ٣٢). وهكذا فإن أحد أسماء يسوع هو الرب (يهوه) برنا. ويقول لنا إشعياء ٤٥: ٢٤ إنه ليس أي بر إلا في يهوه الرب” إنما بالرب البر”.

 

الزوج العريس

أحد الجوانب الجميلة للقب” الزوج “عندما يستخدم للدلالة على الله. هو أنه يذكرنا بأن الله يحبنا ويشتاق إلى أن يملأ الفراغ والوحدة الموجودين في قلوب الناس -كما يفعل الزوج المحب ليسدد احتياجات زوجته (والعكس صحيح أيضاً). ذكر إشعياء بنو إسرائيل بقوله:” لأن بعلك (زوجك) هو صانعك”( إشعياء ٥٤: ٥). وفي سفر هوشع نجد أن الله يقارن محبته لإسرائيل بمحبة زوج أمين لزوجة غير مخلصة. لقد أعطى الله وعداً بأنه على الرغم من أن الدينونة قادمة. فإن إسرائيل سوف يدعو الله مرة أخرى” رَجُلي ” ( هوشع ٢: ١٦)- أي زوجي أو عريسي.

 

وكما ينظر العهد القديم إلى الله كزوج لإسرائيل، فإن العهد الجديد يرى في يسوع زوج (عريس) الكنيسة. قال يسوع إن تلاميذه كانوا محقّون في عدم الصوم لأن” العريس “معهم (مرقس ٢: ١٨؛ ١٩). ويطلب المسيح في متى ٢٥: ١ من العذارى (الكنيسة) أن ينتظروا العريس أي المسيح نفسه. ويقول بولس في ٢كورنثوس ١١: ٢ إن الكنيسة مخطوبة للزواج من المسيح. ويشير يوحنا في رؤيا ٢١: ٢، ٩ إلى الكنيسة بوصفها عروس مهيأة لرجلها والعروس امرأة الخروف. والعروس الجديدة هي أورشليم السماوية. وهكذا فإن المسيح، مثل الله، هو الزوج الإلهي.

 

الراعي

 

” الراعي “مصطلح جميل يشير إلى الله في رعايته للبشر. ولقد رنم داود قائلاً: ” الرب راعيّ فلا يعوزني شيء ”  ( مزمور ٢٣: ١)، ويقول في مزمور ٨٠: ١: “يا راعي إسرائيل، اصغ الي يا قائد يوسف كالضأن”. ويشير تكوين ٤٩: ٢٤ إلى الله” الراعي صخر إسرائيل”، كما خصص حزقيال اصحاحاً كاملاً للتحدث عن الله كراعٍ لبيت اسرائيل الضال ” غنم مرعاه “(حزقيال ٣٤).

 

وعلى الرغم من أن استخدام كلمة الراعي لا يبرهن على الوهية المسيح، فقد دعي بطرس وبولس المسيح” رئيس الرعاة “” وراعي الخراف العظيم “” وراعي نفوسكم وأسقفها ” (١بطرس ٥: ٤؛ عبرانيين ١٣: ٢٠؛ ١بطرس ٢: ٢٥). كما أن يسوع دعا نفسه راعياً مؤكداً أنه ” لراعي الصالح ” ( يوحنا ١٠: ١١)، وأنه الراعي “الوحيد” (يوحنا ١٠: ١٦).

 

الخالق

 

يقول أول عدد في الكتاب المقدس: ” في البدء خلق الله السموات والأرض” (تكوين ١: ١)؛ فالله يُعرف بوضوح على أنه الخالق. وقول أي شيء آخر مختلف عن هذا كان يعتبر تجديفاً بالنسبة لليهود. يقول الكتاب المقدس مرة تلو الأخرى على أن الله هو الذي خلق العالم (أيوب ٣٣: ٤؛ مزمور ٩٥: ٥، ٦؛ ١.٢: ٢٥، ٢٦؛ الجامعة ١٢: ١؛ إشعياء ٤٠: ٢٨). يؤكد العهد الجديد ألوهية المسيح بالتحدث عنه كخالق:

” هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان، وبغيرة لم يكن شيء مما كان… كان في العالم وكُوَّن العالم به. ولم يعرفه العالم ” (  يوحنا ١: ٢، ٣، ١٠).

ومن الواضح أن هذه الفقرة تتحدث عن يسوع، ولقد عبّر بولس عن نفس الفكرة:

” فأنه فيه خُلق الكل، ما في السموات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، سواء كان عروشاً أم سياداتً أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خُلق. الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل” ( كولوسي ١: ١٦-١٨).

 

يشير النص إلى أن بولس يتحدث عن يسوع، والضمائر المستخدمة تشير إلى شخص واحد. وتتحدث الفقرة عن شخص واحد به خُلقت كل الأشياء. إنه رأس الكنيسة، وهو ” البداءة” (موجود منذ البدء وبادئ كل شيء) و”بكر من الأموات”. ولقد جمع يسوع كل هذه الأمور، وذلك بحسب أفسس ٥: ٢٣؛ يوحنا ١: ١؛ كورنثوس ١٥: ٢٠.

 

ولقد أكد كاتب الرسالة إلى العبرانيين على نفس النقطة بقوله” الله… كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه. الذي جعله وارثاً لكل شيء. الذي به أيضاً عمل العالمين ” (عبرانيين ١: ١، ٢). وفي نفس الاصحاح الذي يخاطب الابن في العدد الثامن يقول:” وانت يا رب (يسوع) في البدء أسست الأرض. والسموات هي عمل يديك ” (عبرانيين ١: ١٠).

يقول لويس سبيري شيفر:

” عملية الخلق في حد ذاتها أمر لا يمكن مقارنته بأي شيء آخر، فعندما خلق الله الأشياء المادية، دعاها إلى الوجود من العدم. وهذا التصريح لهو بعيد كل البعد عن فكرة إن لا شيء أنتج شيئاً. فمن الواضح أنه لا يمكن أن ينتج أي شيء من العدم واللاشيء”.

فالكتاب المقدس يقول بأن كل شيء قد ظهر الى الوجود من موارد الله اللانهائية. فالله هو مصدر كل ما هو موجود. لقد تسببت إرادة الله الذاتية الحرة في خلق العالم المادي، كما هو مذكور في رومية ١٠: ٢٦ ” لأن منه وبه كل الأشياء، له المجد إلى الأبد آمين”. يقول هذا العدد بأن الخلق عمل الله، فلا يعزى إلى غيره، لكن في كولوسي ١: ١٦، ١٧ يؤكد -مستخدماً نفس التعبيرات العامة- أن كل الأشياء قد خُلقت بالمسيح وله، وأنه موجود قبل كل الأشياء، وبه خُلقت كل الأشياء.”

 

مُعطي الحياة

 

لقد كانت أروع لحظات الخلق تلك التي خلق فيها الله الإنسان، إذ يقول الكتاب” ونفخ في أنفه نسمة حياة “(  تكوين ٢: ٧). ويقول الله في تثنية ٣٢: ٣٩، بعد تصريحه” أنا هو وليس إله معي”، بإنه هو الذي يعطي الحياة ” أُحيي ” ( قارن مع مزمور ٣٦: ٩).

 

قال يسوع: ” لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضاً يُحيي مَن يشاء ” (يوحنا ٥: ٢١). قال يسوع قبيل إحيائه لعازر من بين الأموات: “أنا هو القيامة والحياة” (يوحنا ١١: ٢٥). كما أنه ذهب إلى حد قال معه إنه مُعطي الحياة الأبدية. ” أنا والآب واحد ” (يوحنا ١٠: ٢٨-٣٠). قال يسوع بأن الكتب (مشيراً إلى العهد القديم) تشهد له: “… تشهد لي، ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة” (يوحنا ٥: ٣٩، ٤٠).

 

غافر الخطايا

 

الله هو غافر الإثم والمعصية والخطية (خروج ٣٤: ٧، انظر أيضاً نحميا ٩: ١٧؛ مزمور ٨٦: ٥؛ ١٣٠: ٤؛ إشعياء ٥٥: ٧؛ إرميا ٣١: ٣٤؛ دانيال ٩: ٩؛ يونان ٤: ٢)، ويسوع ابن الله يستطيع أن يغفر الخطية. يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل كولوسي ٢: ١٣؛ ٣: ١٣ إن يسوع هو الذي يغفر الخطايا. وقال يسوع لبولس إنه يجب عليه أن يؤمن به لينال غفران الخطايا (أعمال ٢٦: ١٨).

كذلك جاء إليه بعض الأشخاص طالبين الشفاء لصديق مفلوج لهم (مرقس ٢: ١-١٢). ولما لم يستطيعوا الدخول إلى البيت الذي كان يسوع يُعلّم فيه، ثقبوا السقف ودلّوا صديقهم المفلوج. قدّر يسوع إيمانهم وتأثر به، لذلك قال للمفلوج: ” يا بني مغفورة لك خطاياك”.

كان تفكير بعض الأشخاص الموجودين: شيئاً مثل: ” يا للغطرسة ووقاحة الافتراض! “كيف يمكن ليسوع أن يعرف خطايا الرجل المفلوج؟ وكيف يمكن أن يقدم الغفران كما لو كانت الخطايا التي ارتكبها هذا الشخص موجهة ضده كما هي ضد الله؟ كيف يغفرها وكأن لديه سلطاناً على هذا، كان جواب يسوع واضحاً. فهو لم يكن متغطرساً، وانما كان يقول الصدق، وها هو الدليل: ” لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا… قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك”. وهذا ما حصل. فدهشوا جميعاً ومجدوا الله!

 

كتب” أ. ت. روبرتسون “عالم اللغة اليونانية، معلقاً على (مرقس ٢: ٧): ” لقد اعتقد هؤلاء أن افتراض يسوع لهذا الامتياز أو الحق المقصور على الله وحده هو تجديف، وكان منطقهم صحيحاً. لكن العيب الوحيد هو استبعادهم إمكانية أن يكون ليسوع علاقة معينة مع الله تبرر تصريحه، وهكذا فإن الصراع هنا يدور حول قدرة يسوع على إثبات ألوهيته. لقد أدرك يسوع أنه مارس امتيازاً مقصوراً على الله بغفرانه خطايا الرجل المفلوج، فقام بشفائه مُقدماً تبريراً كافياً لادعائه. “

 

يقول ” روبرت ألان كول ” في تعليقه على هذه الفقرة من إنجيل مرقس، بأنه يمكن النظر إليها من عدة زوايا، لكنها تلتقي جميعاً لتعطي معنى واحداً وهو في شرحه للفقرة يعيد صياغتها:

” هناك طريقتان للنظر إلى هذه الفقرة، وأسلوبا التفسير مثمران (لهما معنى) لأننا إذا تابعناهما إلى مداهما فسيتداخلان ويصبحان خطأ واحداً. يقول الخط الأول: هل تقولون إن الله وحده هو القادر على غفران الخطايا؟ لكني أريد أن أثبت لكم أن أمامكم إنسانا يملك نفس القوة. وبهذا المنطق يقود الكتبة المفكرين إلى المعادلة والربط بين يسوع الإنسان والله. “

يؤكد ” جوش ماكدويل” أحد مؤلفي هذا الكتاب، في محاضرة له حول الغفران:

” لقد أزعجني مفهوم الغفران مدة طويلة من الزمن، لأنني لم أفهمه.  كنت يوماً أعطي محاضرة لطلاب الفلسفة، ووجّه إليَّ أحد الطلبة سؤالاً حول لاهوت المسيح، فاستشهدت بالأعداد السابقة من الأصحاح الثاني من مرقس. عندما شكك أحد الطلبة في صحة الاستنتاج الذي توصلت إليه بأن غفران المسيح للرجل يُثبت ألوهيته، وذلك بأن قال إنه في إمكانه أن يسامح شخصاً دون أن يكون ذلك إثباتاً أنه يدّعي الألوهية.

عندما فكرت فيها قاله الطالب الجامعي، عرفت السبب الذي جعل القادة الدينيين يثورون بهذه الحدة على يسوع. أجل، يستطيع المرء أن يقول: “اسامحك”، ولكن لا يمكن أن يقول ذلك إلا الشخص الذي وُجهت إليه الإساءة. فإذا أخطأت ضدي، بإمكاني أن اقول لك: “أسامحك”، لكن هذا لم يكن ينطبق على يسوع. فلقد أخطأ المفلوج ضد الله الآب، ثم جاء يسوع بسلطانه الخاص ليقول له مغفورة لك خطاياك.  من المؤكد أننا نستطيع أن نغفر الإساءات الموجهة ضدنا، لكن لا يستطيع أحد بأي حال من الأحوال أن يغفر الخطايا المرتكبة ضد الله إلا الله وحده، وهذا ما قاله يسوع. “

لقد كان سلطان يسوع على مغفرة الخطايا مثالاً مذهلاً لممارسة امتياز يخص الله وحده.

 

الرب شافيك

 

يقول الرب يهوه في خروج ١٥: ٢٦: ” أنا الرب شافيك”. على الرغم من أن الله أعطى موهبة الشفاء لعدة أشخاص عبر العصور، فإن أحداً لم يدع قط أنه يشفي بسلطانه الشخصي كما فعل يسوع. وقد آمن التلاميذ الأوائل بذلك السلطان، وشفوا أشخاصاً وأخرجوا شياطين باسم يسوع (متى ١٠: ١؛ مرقس ٩: ٣٨؛ لوقا ١٠: ١٧). أصاب هذا الأمر أعداءه بالذعر (يوحنا ٩: ٢٤). فمَن هو الشخص العاقل الذي يمكن أن يقول إنه كان يشفي ويخرج الشياطين باسمه (سلطانه) الخاص؟ فهذا يكون بمثابة نزع المجد الذي يخص الله وحده.

قال يسوع إن له سلطاناً على القوى الشيطانية لأن هذا جزء من قدرته الشفائية (متى ١٢: ٢٢-٢٩)، وهي حقيقة أقرت بها الشياطين المهزومة معترفة بأنه ” قدوس الله “و” ابن الله”(مرقس ١: ٢٤؛ ٥: ٧؛ لوقا ٤: ٣٤). وقد اتفقت الكنيسة الأولى وعلّمت بأن كل الملائكة والرياسات والقوات خاضعة له (١بطرس ٣: ٢٢). وعندما تقابل بطرس في أعمال ٩: ٣٤ مع رجل مفلوج، دعا الرجل باسمه وقال له: ” يا اينياس، يشفيك يسوع المسيح “فشفاه فعلاً. وهنا نجد أن يسوع الموجود في السماء يعمل عمل الشفاء-تماماً مثل الله.

وهكذا يتكلم الكتاب المقدس بصوت قوي ونبرة عالية. لقد اتخذ يسوع لنفسه أسماءً وألقاباً لا يمكن أن تنطبق بحق إلا على الله، وبهذه الأسماء والألقاب دعاه آخرون: يهوه والله، والألف والياء، والأول والآخر، والرب، والُخلص، والملك، والديّان، والفادي، والرب برنا. يشترك يسوع مع الله في ألقاب مثل” النور”، و ” الصخرة “، و ” الزوج “(العريس)، و ” الراعي”، و ” الخالق”، و ” معطي الحياة”، و “غافر الخطايا”، و “الشافي”.

طالما يسوع هو الله، فهو يحمل -بالإضافة إلى ألقاب الله وأسمائه -صفاتاً لا يمكن أن تكون إلا لله وحده. فهل حَمَل هذه الصفات؟ وهل يُعلِّم الكتاب المقدس ذلك؟

يسوع المسيح له أسماء الله وألقابه، فهل تؤمن بلاهوته؟

فريق اللاهوت الدفاعي | كتب مسيحية | دراسات مسيحية

يسوع المسيح هو الله – هل يسوع هو الله؟

يسوع المسيح هو الله – هل يسوع هو الله؟

يسوع المسيح هو الله

يسوع المسيح هو الله

لو طلب أحدهم من مجموعة من الخبراء الدينيين الذين ينتمون إلى عقائد أو ديانات مختلفة أن يشاركوا في ندوة عن طبيعة الله وكيفية إعلانه عن ذاته، لحصل على آراء مختلفة تصل في عددها إلى عدد هؤلاء الأشخاص، وسوف تتناقض إجابات البعض مع إجابات الآخرين. وإذا افترضنا أن الحقيقة غير نسبية، فلا يمكن أن تكون جميع هذه الإجابات صحيحة. على سبيل المثال إذا قال أحدهم بأن الله إله شخصي، وقال آخر بأنه غير شخصي فمن الواضح أن أحدهما مخطئ. فمَنْ يستطيع أن يقول القول الفاصل عن طبيعة الله؟ لابد أن يكون هذا الشخص الوحيد هو الله نفسه.

لكن ماذا يحدث لو وقف أحد هؤلاء الأعضاء المشاركين في الندوة وقال: “حتى أُزيل كل هذا الارتباك وسوء الفهم حول الله، فأنا أُعلن لكم أني أنا الله! أنا هو الطريق والحق والحياة!”

يدخل بنا مثل هذا الزعم إلى دائرة الأمور التي يمكن التحقق منها. فإما أن يكون هذا الشخص مصاباً باضطراب عقلي – مثل أن يعاني من جنون العظمة – وإما أن يكون مخادعاً يحاول أن يجعل الناس يصدقون أكبر كذبة في التاريخ، وإما أن يكون هو الله بالفعل.

هذا هو ما قاله يسوع عن نفسه تماماً، فليس بمقدورنا أن نقول إن يسوع كان ((مجرد)) إنسان صالح، أو ((مجرد)) معلِّم صالح. فالمعلِّمون الأخلاقيون الصالحون لا يكذبون، سواء كانوا متعمدين أو غير متعمدين خاصة إذا كان الموضوع يتعلق بكونهم الله العلي. كذلك هؤلاء لا يجعلون أنفسهم موضوعاً للإيمان والعبادة، ويجعلون ألوفاً لا تُحصى من الناس تموت من أجل إيمانها باسمهم. دعونا نضع هذه الأفكار نصب أعيننا ونحن ندرس بعض الطرق التي يمكننا بواسطتها أن نقرر ما هو حق بالنسبة لله.

الله معلَن

يؤمن مؤلف هذا الكتاب بأن الله أعلن عن نفسه بطرق متنوعة، لكن يمكن اختبار كل طريقة منها اختباراً موضوعياً من خلال أسمى إعلانين له، وهما: الكتاب المقدس، وشخص يسوع.

فيما يتعلق بالكتاب المقدس، فإنه يختلف عن غيره من الكتابات المقدسة الأخرى في أنه يقول بشكل قاطع لا يحتمل اللَّبس إنه وحده كلمة الله. ومعظم الأشخاص المهتمين بموضوع ألوهية المسيح يقبلون الكتاب المقدس كوحي من الله، ولهذا سوف نفترض، لأغراض كتابنا هذا، أن الكتاب المقدس موثوق به تاريخياً، وأنه كلمة الله لنا، وانه الدليل الوحيد الصادق لتحديد ما إذا كان المسيح بالفعل هو الله المتجسد أم لا.

لنكن صريحين حول سبب إحساسنا بأهمية هذه النقطة بالذات .. فالغالبية العظمى من الجماعات التي تُنكر لاهوت المسيح، على الرغم من امتداحها للكتاب المقدس امتداحاً شفوياً غير قلبي، تضع عادة كُتبها المقدسة في نفس مركز الكتاب المقدس أو فوقه. وبهذا يفكر هؤلاء نفس ما يدّعون الإيمان به، ألا وهو المصدر التاريخي الرئيسي لكل تعاليم يسوع، العهد الجديد.

لماذا تدّعي انك مسيحي، أو متعاطف مع المسيحية إلا إذا كنت مستعداً لتصديق ما علّمه يسوع حقاً؟

يقول بعضهم بأنه تم تلطيف أو تخفيف الكتاب المقدس عبر القرون مما خلق حاجة لظهور إعلانات جديدة ضرورية. غير أن هذا موقف لا يمكن الدفاع عنه أيضاً. فهناك ما يزيد عن 24600 مخطوطة جزئية أو كاملة من مخطوطات العهد الجديد. (ثاني افضل مخطوطة تاريخية موثقة هي ((الإلياذة والأوديسا)) التي كتبها هوميروس. وليس هناك منها إلا 643 مخطوطة فقط).

وحتى لو دُمرت كل مخطوطات العهد الجديد، فإنه بإمكاننا إعادة تجميع أو صياغة كل العهد الجديد، باستثناء حوالي إحدى عشر آية، من كتابات آباء الكنيسة الأولى قبل عام 325م. كذلك فحتى المؤرخون غير المسيحيين ملزمون للاعتراف بأن الكتاب المقدس، حسب كل المقاييس العلمية والتاريخية المطبقة على أية وثيقة تاريخية، دقيق بنسبة تزيد عن تسع وتسعين في المائة .. فيمكن لأي شخص أن يختلف مع رسالته، لكن ليس مع صحته تاريخياً.

يصرّح الكتاب المقدس بأنه صاحب السلطان الأخير في تقرير الأمور العقائدية الصحيحة؛ إذ يقول الوحي الإلهي في رسالة تيموثاوس الثانية 3: 16-17 ((كل الكتاب هو موحى به من الله، ونافع لتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر، لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح.))

ويعتقد المسيحيون أنه يجب رفض أي كتاب أو تعليم من شأنه تغيير مضمون الكتاب المقدس. وتؤكد كلمة الله هذه النقطة، إذ كتب يهوذا (آية 3) قائلاً: ((أكتب إليكم واعظاً أن تجتهدوا لأجل الإيمان المسَلَّم مرة للقديسين.)) ولا يسمح الكتاب المقدس بوجود أية تعاليم أخرى من شأنها أن تغير من الكتاب المقدس أو تضيف إليه. يقول بولس رسول المسيح: ((ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم به، فليكن أناثيما (ملعوناً))) (غلاطية 1: 8) قارن أيضاً رؤيا 22: 19، مع تثنية 4: 3) ((وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة، ومن المدينة المقدسة، ومن المكتوب في هذا الكتاب.))

فإذا أرادت مصادر أخرى أن تدّعي لنفسها الوحي الإلهي كما يفعل الكتاب المقدس، فإن عليها قبول أن تقاس في ضوء الكتاب المقدس، فالله لا يمكن أن يناقض نفسه. وهكذا لا يجب أن يتناقض أي شئ مما كتبه أو قاله الأشخاص الذين جاءوا بعد المسيح مع ما قاله الكتاب المقدس الذي نعرف أنه صحيح. وإذا حدث مثل هذا التناقض، فإنه يصبح واضحاً لنا أنهم لا يتكلمون بوحي من الله سواء كان ذلك كتابةً أو شفاهةً.

وفي دراستنا لألوهية المسيح، فإن القضية ليست ما إذا كانت ألوهية المسيح أمراً يسهل الإيمان به أو حتى فهمه، لكن القضية هي ما إذا كانت كلمة الله تُعلّم هذا الأمر أم لا. فإذا بدت لنا الفكرة لأول وهلة غير متفقة مع المنطق أو الفهم البشري فذلك لا يلغي بشكل تلقائي إمكانية صحتها. فعالمنا ملئ بأشياء يصعب علينا كبشر فهمها الآن (كالجاذبية الأرضية وطبيعة الضوء) لكنها تظل صحيحة وحقيقية.

يُعلِّم الكتاب المقدس أن العقل البشري لا يستطيع أن يستوعب الله (أيوب 11: 7؛ 42: 2-6؛ مزمور 145: 3؛ إشعياء 40: 13؛ 55: 8، 9)؛ ((لأن أفكاري ليست أفكاركم، ولا طرقكم طرقي يقول الرب. لأنه كما علت السموات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم، وأفكاري عن أفكاركم.))، كما يقول في رومية 11: 33-36: ((يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه، ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء؛ لأن مَنْ عرف فكر الرب أو مَنْ صار له مشيراً أو مَنْ سبق فأعطاه فيكافأ؛ لأن منه وبه وله كل الأشياء له المجد إلى الأبد … آمين.)) لهذا يجب أن يسمح لله بأن يقول الكلمة الفاصلة عن نفسه، سواء استطعنا أن نفهم ما يقوله فهماً كاملاً أم لا.

يقول الكتاب المقدس فيما يتعلق بإعلان الله عن نفسه في شخص يسوع في عبرانيين 1: 1-3:

((الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثاً لكل شئ، الذي به أيضاً عمل العالمين، الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته)).

يسوع المسيح هو كلمة الله الحي، وهو في شخصه يعلن الآب لنا ويجعله أكثر وضوحاً. فعندما طلب منه أحد أتباعه قائلاً: ((أرنا الآب وكفانا)) أجاب يسوع: ((أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني …؟ الذي رآني فقد رأى الآب)) (يوحنا 14: 8-9). كما دعى بولس الرسول يسوع ((صورة الله غير المنظور)) (كولوسي 1: 15). وهكذا فإن النظر والاستماع إلى يسوع بمثابة النظر والاستماع إلى الله.

ما هي القضايا المطروحة؟

إذا كان المسيح هو الله في هيئة إنسان، فإنه دون غيره من رجال التاريخ، يستحق إصغاءنا وإجلالنا بل عبادتنا. فهذا يعني أن الله الذي خلق المجرات والسديم والنجوم ونثر ألوف الشموس في الفضاء، أصبح إنساناً عاش ومشى على أرضنا، ومات على أيدي خليقته. وهذا يعني أيضاً أن موته أكثر بكثير من مجرد موت إنسان صالح. لأنه سيكون اسمى ذبيحة على مر العصور تُظهر محبة لا يمكن سبر غورها، أو استقصاء أبعادها. وأن تعاملنا مع يسوع على أنه مجرد إنسان (أو حتى إله) تحت هذه الظروف سيكون تجديفاً. وإذا لم يستطع المرء أن يُكيف حياته حسب تعاليمه، فإن هذا يعني أن معنى الحياة سيفوته.

ومن ناحية أخرى، إذا لم يكن يسوع هو الله، وكان مجرد كائن أدنى من الله فيمكن للمرء أن يشعر بالعرفان له من أجل حياته وموته وتعاليمه.

لكن توجيه العبادة له سوف يكون خطأً جسيماً؛ لأنه في هذه الحالة سيصبح صنماً يحتل مكان الله.. والكتاب المقدس واضح حول موضوع عبادة الأصنام والأوثان. فالله يقول بأنه لا يعطي مجده لآخر ((أنا الرب هذا اسمي، ومجدي لا أعطيه لآخر، ولا تسبيحي للمنحوتات)) (إشعياء 42: 8؛ 48: 11)، وبأنه ليست هناك أية آلهة غيره (إشعياء 45: 5، 21، 22؛ إرميا 10: 6؛ 1كورنثوس 8: 4-6)، وبأن علينا أن نعبد الله وحده (تثنية 6: 13، 14؛ متى 4: 10). إذاً، فإما أن يكون يسوع هو الله أو لا يكون، وإما أن يكون الإيمان به على نحو خاطئ سيكون إما شكلاً من أشكال التجديف أو عبادة الأوثان.

كذلك يمكن أن يصبح النقاش أكثر تعقيداً اعتماداً على ما تعلّمه الشخص، ويمكن أن تُقدم الحجج على ألوهية المسيح أو ضدها. فمثلاً إذا عُلِّم شخص بأن الله هو شخص، أو أقنوم واحد، وأن يسوع المسيح كائن مخلوق فسوف يخبر هذا في قراءته الأولى للكتاب المقدس نصوصاً تدعم هذا الموقف. لكن، إذا عُلّم هذا الشخص بأن الله كائن سامٍ له أقانيم الآب والابن والروح القدس، وبأن الابن تخلى عن مركز المساواة ضمن الذات الإلهية ليصبح إنساناً في شخص يسوع المسيح، فسوف يجد فقرات كتابية تُدعِّم هذا الموقف.

إذاً القضية ليست أي منهما يمكن الدفاع عنه بوضوح، بل هي بالأحرى أي موقف منهما تدعمه أفضل الأدلة، وأي موقف منهما هو ما يعلمه لنا الكتاب المقدس.

وفي اعتبارنا لكلا الموقفين، فإننا نؤمن بأننا قادرون على إعطاء ردود أكثر من كافية على جميع الآيات المستخدمة للتدليل على أن يسوع هو الله. وسنُظهر أن الكتاب المقدس ينسب للمسيح كل اسم رئيسي وصفه ولقب مما ينسبه لله، ومن الكتاب المقدس نثبت أن يسوع قَبِل العبادة، ووُجهت إليه الصلوات، ونقدِّم ردوداً على كل الحجج المضادة الرئيسية. وسنُوَثق من تاريخ الكنيسة (قبل مجمع نيقية في عام 325م، وأصبح الإيمان بألوهية المسيح منذ انعقاده هو الفكر الرسمي للكنيسة) بأن الإيمان بألوهية المسيح كان دائماً وأبداً هو الفكر التقليدي المستقيم.

ومن الواضح أنه لا يمكن أن يكون كلا الموقفين صحيحاً. وكان من الممكن أن يكون الأمر أكثر سهولة لو كانت القضية مجرد فضية إخلاص، لكنها ليست كذلك. فهي قضية أي الموقفين هو الصحيح.. ((لأنني أشهد لهم أن لهم غيرة لله، ولكن ليس حسب المعرفة)) (رومية 10: 2).

تعريف المصطلحات

إن وجود تعريفات صحيحة لطبيعة الله، وطبيعة الثالوث، وشخص يسوع المسيح وطبيعته شرط مُسبق ضروري لفهم كثير من الفقرات الكتابية المتعلقة بألوهية المسيح.

  • الله: يقول الكتاب المقدس بأن الله كائن ذو وجود شخصي، وهو عاقل ومحب وعادل وأمين وأبدي وخالق، وأنه في تفاعل حيوي مع خليقته. ويمكن تلخيص صفات الله إلى مجموعتين: صفات جوهرية، وصفات أدبية أخلاقية. يقول روبرت باسا نتينو: “إن الله (حسب صفاته العامة) فريد، وأبدي، وغير متغير، وكُلي القدرة، وكُلي العلم والوجود، وثالوثي الأبعاد، وهو روح، وذو وجود شخصي.” ويضيف بأن “صفات الله الأدبية الأخلاقية تتضمن قداسته وبره ومحبته وحقه.” وتُعلّم المسيحية بأن الله يحفظ الكون ويضبطه بشكل كامل السيادة وأنه، كما سنُبين، تجسد في شخص يسوع الناصري.
  • الثالوث: من بين ما هو واقع وموجود الله وحده ثلاثي الشخصية أو ثالوثي. وحين نقول إن الله ثالوث فإننا بذلك نعطي وصفاً لنظرة الكتاب المقدس إلى الله، تلك النظرة المشتقة من مشاهد متلاحقة من الفقرات الكتابية التي تصف طبيعة الله الشخصية. ونعني بكلمة ثالوثي، التي نشتق منها مصطلح الثالوث الأقدس، بأن الله يُعلن ذاته باستمرار على أنه موجود منذ الأبد في ثلاثة أقانيم (أشخاص): الآب، والابن، والروح القدس. وتكون الأقانيم الثلاثة الذات الإلهية أو الله، غير أنه لا يوجد إلا إله واحد.

بذلك نحن لا نعني ما يلي:

  • هناك إله واحد وثلاثة آلهة.
  • هناك إله واحد وأقنوم واحد بثلاثة أسماء، أو حالات يتجلى فيها.
  • هناك إله واحد وأقنوم واحد صار ثلاثة أقانيم منفصلة متتابعة.
  • هناك ثلاثة آلهة يشكلون عائلة واحدة.
  • هناك إله واحد مصاب بانفصام الشخصية.

ويمكن تلخيص عقيدة الثالوث الأقدس الكتابية كما يلي: الله الحقيقي الواحد كما هو واضح في إشعياء 43: 10؛ تثنية 6: 4، هو الآب والابن والروح القدس، وكل عضو في الذات الإلهية هو “الله”.. فالآب يحمل اسم “الله” (غلاطية 1: 1؛ تيطس 1: 4). والابن أو الكلمة يُسمى بشكل متكرر “الله” في يوحنا 1: 1، 14؛ أعمال 20: 28؛ تيطس 2: 13؛ عبرانيين 1: 8، والروح القدس يُعرّف على أنه “الله” في مواضيع مختلفة من الكتاب المقدس (أعمال 5: 3، 4؛ 1يوحنا 4: 2، 3؛ عبرانيين 10: 15، 16). ونرى مفهوم الوحدة ضمن الثالوث في آيات مثل متى 28: 19، حيث يشكل الآب والابن والروح القدس “اسمًا واحدًا” (بصيغة المفرد في اللغة اليونانية).

لكن هدف هذا الكتاب، لا ان نحاول الدفاع عن عقيدة الثالوث الأقدس، فعندما يؤمن المرء بلاهوت المسيح، لا يصبح الإيمان بوجود الله كالآب والابن والروح القدس في العادة مشكلة. أما بالنسبة للشخص الذي يريد أن يبحث فيما يقوله الكتاب المقدس عن الثالوث فهناك آيات كثيرة يمكن دراستها، ونذكر منها عدداً قليلاً (متى 3: 16، 17؛ مرقس 1: 9-11؛ أعمال 2: 32، 33، 38، 39؛ رومية 15: 16، 30؛ 1كورنثوس 12: 4-6؛ 2كورنثوس 3: 4-6؛ 13: 14، أفسس 1: 3-14؛ 2: 18-22؛ 3: 14-17؛ 4: 4-6؛ 2تسالونيكي 2: 13، 14؛ 1تيموثاوس 3: 15، 16؛ عبرانيين 9: 14؛ 10: 7، 10-15؛ 1بطرس 1: 2).

  • يسوع المسيح: ((يسوع المسيح)) اسم ولقب في نفس الوقت. اسم يسوع مشتق من الصيغة اليونانية للاسم ((يشوع)) الذي يعني ((الله المُخلِّص))، أو ((الرب يُخلص)). ولقب المسيح مشتق من الكلمة اليونانية للمسيا (أو يسوع المسيح: مشتق من الصيغة العبرية – دانيال 9: 26) وتعني ((الممسوح)). ويتضمن استخدام لقب المسيح وظيفتين هما الملك والكاهن. ويُشير هذا اللقب إلى يسوع كالكاهن الموعود، والملك في نبوءات العهد القديم.

كما نؤمن أن ليسوع طبيعتينك بشرية وإلهية، وهكذا فإننا نؤمن بأن يسوع كامل الألوهية (في طبيعته) وكامل الإنسانية.. فهو الله الذي ظهر في هيئة بشرية.

ويصف الكتاب المقدس طبيعة يسوع كإله وإنسان معًا على النحو التالي:

((فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضاً، الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسةً أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس. وإذ وُجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممَنْ في السماء ومَنْ على الأرض ومَنْ تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب)) (فيليبي 2: 5-11).

سنحاول بعد هذه التعريفات لله والثالوث ويسوع، أن نجيب عن سؤال آخر قبل أن نبدأ في دراسة البراهين الكتابية على ألوهية المسيح.

لماذا أصبح الله إنساناً؟

كيف يمكن لكائنات بشرية محدودة مثلنا أن تفهم الله غير المحدود؟ من الصعب على أي منا أن يستوعب معاني أو أفكاراً مجرد مثلك الحق، أو الخير (الصلاح)، أو الجمال بدون وجود أمثلة منظورة لها. فنحن نعرف الجمال عندما نراه في شئ جميل، والصلاح عندما نراه مُركّزًا في شخص صالح، وهكذا. لكن بالنسبة لله، كيف يمكن لأي شخص أن يفهم طبيعته

يمكننا ذلك إلى حد ما إذا قام الله بطريقة ما بتحديد نفسه في شكل إنسان يمكن للكائنات البشرية أن تفهمه. وعلى الرغم من أن هذا الإنسان لن يعبِّر عن أبدية الله ووجوده الكُلي لعدم توفر الوقت، أو المجال لذلك فإنه سيستطيع أن يُعبِّر تعبيراً منظوراً عن طبيعة الله. هذه هي رسالة العهد الجديد، قال بولس عن المسيح: ((فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا)) (كولوسي 2: 9). لقد أصبح يسوع إنسانًا حتى يتمكن البشر من أن يفهموا الله اللامتناهي، ولو بقدر محدود.

هناك سبب آخر جعل الله يختار أن يصبح إنسانًا، وهو أن يعبر الهوة بين الله والجنس البشري. فإذا كان يسوع المسيح إنسانًا فقط، أو مجرد كائن مخلوق، لبقيت تلك الهوة الواسعة السحيقة بين الله والإنسان، بين اللامحدود والمحدود، بين الخالق والمخلوق، بين القدوس والفاجر. فما كان لنا أن نعرف الله لو لم ينزل إلينا، وما كان في مقدور أي كائن مخلوق أن يعبر الهوة الهائلة بين الله والبشر، أكثر مما هو في مقدور قطعة فخار أن تطمح إلى  فهم الفخاري الذي صنعها، زالوصول إلى مستواه. لقد نزل الله إلينا مدفوعاً بمحبته، لأنه أراد أن يفتح طريقاً به يعطي مجالاً لجميع الناس أن يعرفوه.

 

هل يسوع هو الله؟

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

الاعتراضات على ألوهية المسيح والرد عليها

الاعتراضات على ألوهية المسيح والرد عليها

بعض الاعتراضات على ألوهية المسيح والرد عليها

يقدم بعض الناس اليوم عدداً من الاعتراضات الشائعة حول مسألة لاهوت المسيح، او بالأحرى يواجهون صعوبات عقلية في فهمها، لذلك دعونا نناقش باختصار في هذا الفصل بعضا من هذه الاعتراضات أو الصعوبات، خاصة تلك التي تصدر عن أشخاص مطلعين على تصريحات ومصطلحات كتابية.

“أبي أعظم مني”

قال يسوع: ” أبي أعظم مني” (يوحنا 14: 28) قد يقول بعضهم: “لابد أن ذلك يثبت أن مكانة يسوع هي – نوعاً ما – أقل من مكانة الله.” وهذه هي إحدى الصعوبات التي تُثار.

صحيح أن يسوع، في دوره كعبد أثناء وجوده على الأرض، أخذ منزلة أقل من الله، غير أن هذه المنزلة لا تنفي طبيعته الإلهية: ففي ذلك الأصحاح نفسه قال يسوع لفيلبس: “الذي رآني فقد رأى الآب. فكيف تقول أرنا الآب؟” (يوحنا 14: 8، 9).

يوضح هذا التصريح أن يسوع والآب واجد في الطبيعة، وأن رؤيتنا لواحد منهما تعني رؤيتنا للآخر قارن (يوحنا 12: 44، 45). لهذا كان قول يسوع إن الآب أعظم منه يشير إلى مركزه المؤقت لا إلى كينونته ووجوده.

وفيما يلي نستشهد بما قاله “آثر و. بينك” في شرحه لإنجيل يوحنا: ” “أبي أعظم مني”. هذا هو العدد المفضل لدى من يرفضون الإيمان بالثالوث الأقدس، وينكرون لاهوت المسيح المطلق ومساواته الكاملة للآب. عندما قال المخلص ذلك كان قد أخبر التلاميذ لتوه بأنه عليهم أن يفرحوا لأنه ذاهب إلى الآب، ثم شرح سبب قوله مصرحا بقوله “لأن أبي أعظم مني”.

لنضغ هذا الأمر نصب أعيننا بشكل واضح، وستختفي كل صعوبة، فكون الآب أعظم من المسيح هو السبب المحدد الوقتي الذي يوجب على التلاميذ أن يفرحوا لأن سيدهم ذاهب إلى الآب. هذا هو الذي يحدد فورا معنى كلمة “أعظم” المختلف عليها، ويظهر لنا السياق والمعنى الذي استخدمت فيه. لم تكن المقارنة التي أجراها بين الآب وبينه تتعلق بالطبيعة، وإنما بالصفة الرسمية والمركز الرسمي.

لم يتحدث المسيح عن نفسه في كينونته الجوهرية، فالذي لم يتشبث بمساواته لله “لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله” أخذ شكل عبد، وليس هذا فحسب بل صار في شبه الناس. لقد كان المسيح من هاتين الناحيتين، ناحية وضعه الرسمىي كوسيط وناحية اتخاذه للطبيعة البشرية، أقل منزلة من الآب. يقدم لنا الرب يسوع في حديثه هذا وفي الصلاة التي تلته في الأصحاح السابع عشر على انه عبد الآب الذي تلقى منه مأمورية، وعليه أن يُقدم له حساباً عنها، لأنه عمل من أجل مجده وتكلم تحت سلطانه.

لكن هناك ناحية أخرى ذات صلة أكثر بالموضوع. فعندما تجسد الابن وحل بين الناس، وضع نفسه بشكل كبير، وذلك باختياره النزول إلى العار والآلام في أشد أشكالها. لقد أصبح الآن ابن الإنسان الذي ليس له مكان يسند فيه رأسه. فالذي كان غنيا افتقر لأجلنا، صار رجل الأوجاع والأحزان ومختبرا الأسى. على ضوء هذا، أجرى المسيح مقارنة بين وضعه ووضع الآب في السماء.

فقد كان الآب جالسا على عرش الجلالة الفائق السمو، لم يخسف بريق مجده، كان محاطا بالجند المقدسين الذين يقدمون له العبادة والتسبيح باستمرار. اما الأمر بالنسبة للابن المتجسد، فكان الوضع مختلفا جدا – إذ كان محتقرا ومرفوضا من الناس، محاطا بأعداء حقودين قساة القلوب، منتظرا أن يُسمر قريبا على صليب المجرمين. بهذا المعنى أيضا. كان الابن أقل من الآب، وبذهابه إلى الآب سيتحسن وضعه إلى درجة هائلة، ويكون ذلك كسبا او ربحا لا يمكن التعبير عنه.

لقد كانت المقارنة إذا بين وضعه الحالي المتسم بالتواضع وحالته الممجدة القادمة لدى الآب. ولهذا كان يجب على الذين يحبونه أن يتهللوا للخبر السار عن ذهابه إلى الآب، لأن الآب أعظم منه، أعظم من حيث وضعه الرسمي ومن حيث الظروف المحيطة. فقد كان المسيح يتحدث عن وجوده في وضعية العبد مقارنة بالعظمة التي للآب الذي أرسله.”

الله الآب هو “رأس” المسيح

نجد أن نفس علاقة “أعظم وأقل” موضحة في 1كورنثوس 11: 3 “ولكن أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح، واما رأس المرأة فهو الرجل، ورأس المسيح هو الله”. نجد في هذا العدد ثلاث مقارنات: الرجل مع المسيح، والرجل مع المرأة، والمسيح مع الله. والمقارنة الثالثة بين المسيح والله هي موضوع المناقشة هنا.

قد يقول قائل: “رأس المسيح هو الله! ألا يبدو أن ذلك يتحدث عن تفوق؟” علينا أن نلاحظ أن المقارنة تتعلق بأنماط سلطة لا عن نقص أو تفوق؛ بمعنى أن المسيح قد اختار الخضوع لقيادة الآب أثناء وجوده على الأرض حتى يستطيع أن يتوحد مع الجنس البشري.

خضوع يسوع للآب

هناك عدد آخر يظهر علاقة المسيح مع الآب. وهو أيضا يثير اسئلة. “ومتى أخضع له (يسوع) الكل، فحينئذ الابن نفسه أيضا سيخضع للذي أُخضع له الكل، كي يكون الله الكل في الكل” (1كورنثوس 15: 28). فعل “أخضع” هنا لا يعني عدم المساواة بين الأقانيم وإنما فرقاً في الأدوار. فالخضوع لا يشير إلا إلى الوظيفة، ولا تعنى الطاعة مستوى أدنى.

دعونا نفكر في الأمر جيداً. حتى يكفر الله عن خطايا الإنسان، كان لابد لأحد ما أن يُخضع نفسه للموت. لكن لا يمكن أن يقوم بذلك إلا من كانت له قدرة غير محدودة على التكفير عن الخطية، أي شخص كامل. كان لابد أن تتوفر لديه قدرة غير محدودة على التكفير، لأنه سيبذل دمه عن كل البشر. كذلك كان لابد أيضا أن يتصف بالكمال لأن الله لا يقبل إلا الذبائح غير المعيبة. ومن يستطيع أن يقوم بذلك؟ الله وحده. وهكذا فقد سفك الله الابن دمه من أجلنا (أعمال 20: 28). والطاعة هنا هي الكلمة المحورية.

“فإذا كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا ببر واحد صارت الهبة إلى جميع الناس، لتبرير الحياة. لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة، هكذا أيضا بإطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبراراً” (رومية 5: 18، 19).

كان لابد للمسيح بوصفه إنساناً كاملاً أن يكون مطيعاً لله ويحقق خطة الله لفداء البشرية. لذلك خضع طوعاً – بمقتضى تلك الخطة – لله الآب حتى ينقذ البشرية من انفصال أبدى عن الله.

يسوع مولود

يقول بعضهم إن تعبير “ابنه الوحيد”، وهو أصلا ابنه المولود الوحيد، الوارد في يوحنا 3: 16 أيضاً (1: 14، 18؛ 3: 18) ينفي لاهوت المسيح، لأنه يوحي بأنه مجرد كائن مخلوق كغيره. غير أن تعبير المولود الوحيد لا يعني “المخلوق”؛ فكلمة مولود، كما هي مستخدمة في إنجيل يوحنا، تعني الفريد أو المبارك بشكل خاص أو المفضل. يوضح “سي. إس. لويس” معنى “مولود” إيضاحاً وافياً فيقول:

تقول إحدى العقائد الإيمانية إن يسوع المسيح هو ابن الله وإنه “مولود غير مخلوق” وتضيف مولود من الآب قبل كل الدهور (لعل يقصد قانون الإيمان). وأرجو منكم أن تفهموا فهماً واضحاً أن هذا الأمر لا علاقة له إطلاقاً بحقيقة ولادة المسيح على الأرض كإنسان وكونه ابنا من عذراء. فنحن لا نتحدث هنا عن الميلاد الذراوي. نحن نتحدث عن شيء حدث قبل أن تُخلق الطبيعة نفسها، وقبل بدء الزمان. فالمسيح مولود، غير مخلوق “قبل كل الدهور” فما الذي يعنيه ذلك؟

كلنا نعرف معنى كلمة “يلد” و “مولود”. فكلمة “يلد” أو “ينجب” تعني أن يصبح الكائن أبا لمن يلده، أما كلمة يخلق فتعني يصنع. والفرق هو ما يلي: فعندما تلد أو تنجب، فإنك تلد شيئاً من نفس نوعك. فالإنسان ينجب اطفالاً بشريين، والأرانب تنجب أرانب صغيرة، والطير يضع بيضا يتحول إلى طيور صغيرة. لكنك حينما تصنع، فإنك تصنع شيئا مختلفا في نوعه عن ذاتك.

فالطير يصنع عشا، والقنغدس سدا، والأنسان جهاز تليفزيون – أو ربما يصنع شيئاً أقرب شبهاً بذاته من التليفزيون، ولنقل إن هذا الشىء هو تمثال. فإذا كان نحاتا بارعا، فإنه قد يستطيع أن يصنع تمثالاً قريبا جدا في شبهه من الإنسان. لكنه بطبيعة الحال لن يكون إنسانا حقيقيا، فهو سيبدو فقط مثل الإنسان ولن يستطيع أن يتنفس أو يفكر ولن تكون فيه حياة.

يجب أن يكون هذا واضحاً تماماً في أذهاننا. فما يلده الله هو الله، تماماً كما أن ما يلده الإنسان هو إنسان. وما يخلقه الله ليس الله، تماماً كما أن ما يصنعه الإنسان ليس الإنسان. ولهذا فإن البشر ليسوا أولاد الله بنفس المعنى الذى به المسيح ابن الله. قد يكونون مثل الله من نواح معينة، لكنهم ليسوا أشياء من نفس النوع فهم أقرب إلى أن يكونوا تماثيل أو صوراً لله.

للتمثال شكل الإنسان، لكنه ليس كائناً حياً. وبنفس الطريقة، للإنسان (بمعنى سأشرحه فيما بعد) شبهاً بالله، لكنه لا يملك نفس الحياة التي يملكها الله. لنأخذ الآن النقطة الأولى (شبه الإنسان بالله). أولاً، لكل شىء خلقه الله شبهاً به. فالفضاء يشبه في ضخامته واتساعه – ولا نقصد بذلك أن عظمة الله هي نفس عظمة الفضاء – ولكنها نوع من الرمز لها أو ترجمة لها بتعايير غير روحية.

والمادة تشبه الله في تمتعها بالطاقة، على الرغم من أن الطاقة المادية تختلف بالتأكيد اختلافاً كاملاً عن قوة الله. والعالم النباتي يشبه الله لأنه حي، والله هو “الإله الحي”، لكن الحياة بهذا المعنى البيولوجي، ليست نفس الحياة الموجودة في الله، بل مجرد رمز أو ظل لها. وعندما نأتي إلى الحيوانات، نجد أنواعاً أخرى من الشبه بالإضافة إلى الحياة البيولوجية كما نجد – على سبيل المثال – في النشاط المكثف والتكاثر في الحشرات شبهاً ضعيفاً جداً بنشاط الله وإبداعه الدائمين، كما نجد في الثدييات العليا بدايات المحبة الغريزية.

وهي ليس نفس المحبة الموجودة في الله، لكنها تشبهها بنفس الطريقة التي يمكن لصورة مرسومة على ورقة مسطحة أن تشبه منظراً طبيعياً. وعندما نأتي إلى أسمى الثديفنسانيات، الإنسان، فإننا نكون أمام أكمل شبه نعرفه بالله. (وقد تكون هناك عوالم أخرى أو كائنات أخرى، أكثر شبهاً بالله من الإنسان لكننا لا نعرف عنها). فالإنسان لا يحب فحسب ولكنه يفكر أيضاً، والحياة البيولوجية تصل فيه إلى أعلى مستوى معروف.”

نقرأ في عبرانيين 11: 17 أن إسحق يدعى وحيد إبراهيم (حرفياً ابنه المولود الوحيد) على الرغم من أنه كان لإبراهيم ابنان إسحق وإسماعيل. وهكذا نجد أن كاتب الرسالة إلى العبرانيين يستخدم تعبير “مولود” ليعبر عن معنى “أنه فريد، ومبارك بشكل خاص أو مفضل”. وينطبق نفس الأمر على يوحنا 3: 16 (والفرق الوحيد هو أن لله ابناً واحدا بينما كان لإبراهيم ابنان).

وتعبير “المولود الوحيد” مترجم عن كلمة “مونوجينيس” المكونة من كلمتين: الكلمة الأولى هي مونو وتعني “ذرية، ابن، نوع، جنس، فصيلة”. إنها كلمة مركبة وتعني أنه “نوع فريد” أو “الابن الوحيد من جنسه”.

يسوع كان انساناً

قد يشكل قول الكتاب المقدس الواضح إن يسوع كان انساناً حجر عثرة يمنع البعض من قبول لاهوته. فنحن نقرأ مثلاً: “لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح” (1تيموثاوس 2: 5). كما تتحدث رومية 5: 12-21 عن الخطية التي كفر عنها الإنسان يسوع المسيح (عدد 15).

على الرغم من أن الكتاب المقدس يُعلم فعلاً أن يسوع كان إنساناً، فإنه يُعلم أيضا أنه الله. كان إنساناً، ولد من العذراء مريم، لكنه كان أيضا الله (يوحنا 1: 1؛ 14: 20-28؛ كولوسي 2: 9؛ تيطس 2: 13؛ 2بطرس 1: 1؛ عبرانيين 1: 8). وقد أكد بولس على لاهوت يسوع عندما قال إنه لم يأخذ رسالته من إنسان، وإنما من يسوع المسيح (غلاطية 1: 1). لقد كان يسوع إنساناً، ولكنه كان أيضا “يهوه” و”ابن الله” و”رب الأرباب” و”ملك الملوك” و”الألف والياء” و”الأول والآخر”.

دُعي يسوع بكر الخليقة

تسبب كلمة “بكر” الارتباك لبعض الناس، إذ يعتقدون أنها لابد أن تعنى “المخلوق الأول”. وهذا يعني لهم أن يسوع لم يكن إلا كائناً مخلوقاً، غير أزلي أو أبدي مثل الله. غير أن كلمة “بكر” لا تعني أول مخلوق. فعندما صرح بولس أن المسيح هو “بكر كل الخليقة” (كولوسي 1: 15)، استخدم الكلمة اليونانية “بروتوتوكوس” التي تعني الوريث الأول رتبة، ولو قصد أن يقول “أول مخلوق” لاستخدم الكلمة اليونانية التي تفيد ذلك المعنى وهي “بروتوكتستوس”. والكتاب المقدس لا يقول في أي موضع منه أن الله “خلق” يسوع.

كتب “لويس سبري شيفر” في كتابه لاهوت شخص المسيح: “يشير هذا اللقب الذي يترجم أحياناً “بكر”إلى أن يسوع هو البكر الرئيس في علاقته مع كل الخليقة، لا أول شىء مخلوق، وإنما السابق والمتقدم لكل الأشياء وسببها أو علتها أيضاً (كولوسي 1: 16). لم يكن ممكناً أن يكون أول كائن مخلوق وفي نفس الوقت العامل الذي ظهرت كل الخليقة به إلى الوجود كما تقول كلمة الله. فإذا كان هو العامل في كل الخليقة، لا يمكن أن يكون هو نفسه مخلوقاً.”

يسوع والله واحد في الاتفاق أو القصد

قال يسوع: “أُعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي. أبي الذي اعطاني إياها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي. أنا والآب واحد.” (يوحنا 10: 28-30). هل كان يسوع يقول إنه واحد مع الله أو أنه نفس الله، أي إنه يحمل نفس جوهر الله (كما أن الثلج والماء واحد في الطبيعة)؟ أم كان يقول إن وحدته مع الله هي وحدة اتفاق أو انسجام في القصد أو الهدف؟ لا شك أن النص يشير إلى الفرضية الأولى.

أولاً: لقد فهم اليهود الذين كان يسوع يخاطبهم –والذين كانوا ثقافياً في وضع يسمح لهم بتفسير كلماته أفضل من أي شخص يعيش بعد ألفي سنة – أنه يعني أنه الله. “فتناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه… لأجل تجديف. فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً (حرفياً الله)” (يوحنا 10: 31، 33)

ثانيا: كلمة “واحد” المستخدمة في قوله: “أنا والآب واحد” هي في اليونانية كلمة “هن” التي تدل على الحيادية من ناحية الجنس، ولا تدل على المذكر كما تدل كلمة “هيس”. هذا يشير إلى أن يسوع والآب واحد من حيث الجوهر، فلو استخدم يسوع صيغة المذكر “هيس” لقصد أنهما شخص (أقنوم) واحد، مما كان ينفي التمييز الشخصي بين الآب والابن.

يعكس لنا ما تبقى من الأصحاح العاشر من أنجيل يوحنا رد فعل يسوع على تهمة التجديف. بالنسبة ليهودي متمرس في الشريعة كانت كلمات يسوع تعني شيئاً، أما بالنسبة لأي شخص غير مطلع على الفهم اليهودي للعهد القديم، فقد تكون الفقرة صعبة عسرة الفهم، خاصة فيما يتعلق بقضية لاهوت المسيح. تقول كلمة الله:

“أجابهم يسوع: أليس مكتوبا في ناموسكم أنا قلت إنكم آلهة؟ إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن يُقض المكتوب، فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم أتقولون له: إنك تُجدف، لأني قلت: إني ابن الله؟ إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي، ولكن إن كنت أعمل، فإن لم تؤمنوا بي فأمنوا بالأعمال، لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب في وأنا فيه. فطلبوا أيضا أن يمسكوه فخرج من أيديهم” (يوحنا 10: 34-39).

يرجع قدر كبير من الارتباك إلى استخدام يسوع كلمة آلهة. فهل كان يقصد، “مادام أن هناك أشخاصاً آخرين قد دُعوا آلهة، فما الذي يمنع أن أدعو نفسي ابن الله؟” (وعندما يؤكد بنفسه بشكل غير مباشر أنه إنسان لا إله؟)

نجد عبارة “أنا قلت إنكم آلهة” في مزمور 82: 6، وكلمة آلهة المستخدمة في المزمور هي الكلمة العبرية “إيلوهيم” في العهد القديم لا تعني أن الكتاب المقدس يُعلم بوجود آلهة متعددة، فالكتاب المقدس يستخدم دائماً الصيغة المفردة من الفعل مع كلمة إيلوهيم عند الإشارة إلى الله. (على سبيل المثال قوله: في البدء خلق (صيغة الفعل مفرد) الله (صيغة الجمع: ألوهيم) السنوات والأرض. تكوين 1: 1).

والكتاب المقدس ثابت ومتوافق مع نفسه في تعليمه عقيدة الثالوث الأقدس، إذ نحن نجد في متى 28: 19 “باسم الآب والابن والروح القدس” أن كلمة اسم (وهي تدل على المفرد في اللغة اليونانية) مستخدمة للتعبير عن الآب والابن والروح القدس، الذين يشكلون اسماً واحداً. وتعبير آلهة (إيلوهيم) المستخدم في مزمور 82: 6 يشير إلى القضاه اليهود الذين يفترض فيهم أن يتصرفوا “كالله” مع الشعب، بمعنى أن يكونوا عادلين ومنصفين وما إلى ذلك.

ومن الواضح أنهم لم يكونوا آلهة بالمعنى الحرفي للكلمة. كذلك نجد نفس التعبير مستخدماً في خروج 21: 6؛ 22: 9، 28، ويُلاحظ أن الكلمة العبرية المستخدمة هنا هي إيلوهيم (المترجمة إلى الله في اللغة العربية) مترجمة إلى قضاهJudges في اللغة الإنجليزية.

هذا هو سياق العهد القديم الذي كان يسوع يشير إليه. لماذا؟ كان يسوع على ما يبدو يسألهم: لماذا غضبوا كثيراً لاستخدامه تعبير ابن الله. فقد عرفوا مثل هذا التعبير في الماضي، (أى إن هناك أشخاصاً سبق أن دعوا آلهة في مزمور 82). فالمسألة المطروحة أمامهم كانت كما يلي: “لا تتوقفوا عند استخدام هذا التعبير. انظروا إلي أنا. انظروا إلى أعمالي؟ هل هي من الله؟ فإذا كانت كذلك، صدقوا ما أقوله بما في ذلك الأسماء التي أُطلقها على نفسي.”

من الواضح أن يسوع لم يكن يُنكر ما سبق أن نسبه لنفسه من ألوهية. لكنه قدم لليهود تصريحاً شجاعاً، وتحداهم أن يفحصوا أعماله ليروا إذا كانت تُعطي مصداقية لقوله: “أنا والآب واحد”.

يتدرج الجدل هنا من الأدنى إلى الأعلى. إذا كان الله قد دعا أشخاصاً آلهة (بصورة رمزية)، فكم بالآحرى يكون مناسباً “للذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم” (وهذا لا ينطبق بالتأكيد على قضاة العهد القديم) أن يدعو نفسه ابن الله، وهو الذي يعمل أعمال الله: فيقيم الموتى، ويمنح الحياة الأبدية، ويحفظ الخليقة ويغيرها (محولاً الماء إلى خمر، ومهدنا العواصف… إلخ).

كانت ليسوع معرفة محدودة

كانت ليسوع كإنسان معرفة محدودة فعندما تحدث عن مجيئه ثانية قال: “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن، إلا الآب” (مرقس 13: 32) كما ناقشنا سابقاً، اختار يسوع في دوره كعبد أن يعيش الحياة هنا حسب الشروط والمعطيات البشرية على الأرض، واضعاً ثقته في قدرة أبيه، لا قدرته. فقد قال مثلاً: “لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً” (يوحنا 5: 30) و “الآب الحال في هو يعمل الأعمال” (يوحنا 14: 10).

قال يسوع في هيئته كإنسان إنه لا يعرف ساعة عودته، وسبب ذلك أنه حدد نفسه وفرض عليها حدوداً كعبد. ليس أنه لم يكن معادلاً لله، لكن لأنه اختار بمحض إرادته ألا يمارس كل امتيازاته الإلهية.

“ليس أحد صالحاً إلا الله وحده”

اقترب أحدهم من يسوع وقال له: “أيها المعلم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال له يسوع، لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله” (مرقس 10: 17، 18). قد يبدو للوهلة الأولى أن يسوع بقوله هذا ينفي لاهوته، لكن واقع الأمر مختلف. فقد كان يسوع يؤكد على أن الله وحده صالح. الكتاب المقدس واضح حول صلاح المسيح، إذ يدعوه “القدوس” و”البار” و”البرىء” و”المنفصل عن الخطاة” و”بلا عيب” (أعمال 3: 14؛ 2كورنثوس 5: 21؛ عبرانيين 4: 15؛ 7: 26؛ 1بطرس 2: 22؛ 1يوحنا 3: 5).

إذاً يسوع صالح بكل مقاييس الصلاح الحقيقية، وبهذا يشترك يسوع في إحدى صفات الله – وهي الصلاح. هناك سبب محتمل دعا يسوع لأن يقول ما قاله للرجل، ألا وهو قياس عمق وعي الرجل لهوية المسيح وشخصه، ومدى جديته تفي اتباعه. فبعد أن أعلم يسوع الرجل أنه لا صالح إلا الله وحده، طلب منه أن يبيع كل ممتلكاته ويتبعه كتلميذ. لاحظ أنه لم يقل له: “اتبع الله” وإنما: “اتبعني” وهكذا تنتهي هذه الفقرة بانطباع مخالف للانطباعات الأولى لبدايتها، فهي تدعم لاهوت المسيح دعماً قويا.

وتلخيصاً لما قيل، فإن كل الأسباب تقريباً التي تُقدم لإنكار أن يسوع هو الله، تنبع من سوء فهم لرسالة فيلبي 2: 6-11 التي تعلم أن ليسوع طبيعتين بشرية وإلهية. فقد “وُجد” يسوع في هيئتين: الله (عدد 6) وإنسان عبد (عدد 7). يقول لنص إن حالته الأولي كانت مركزاً من المساواة أو المعادلة لله، أما حالته الثانية فكانت مركزاً من الاتضاع.

فكل الأعداد تقريباً التي تستخدم لمحاولة القول بإن يسوع لم يكن معادلاً لله الآب، وأنه لذلك ليس واحدً مع الله، تقارن يسوع في حالته المتضعة كإنسان بمركز الله الممجد في السماء. لكن الحقيقة التي يحاول القائلون بهذا تجاهلها هي أن يسوع ترك مركزه المجيد من المساواة مع الله الآب لكي يصبح إنساناً، ويموت عن خطايا الناس، ويقوم من بين الأموات، ويُمجد مرة أخرى.

الاعتراضات على ألوهية المسيح والرد عليها

يسوع المسيح له سلطان الله

يسوع المسيح له سلطان الله

يسوع المسيح له سلطان الله

 

نرى سلطان الله في يسوع عندما تحدث المسيح عن نفسه كشخص يستحق العبادة، وعندما قال إن له سلطانا أن يقيم نفسه من الأموات. لقد تحدث يسوع بسلطان مهيب كالله نفسه.

 

قبول يسوع المسيح للعبادة

إن موضوع العبادة في الكتاب المقدس هو أحد المواضيع الواضحة تماماً فالعهدان القديم والجديد يؤكدان أن العبادة هي لله وحده. لذلك قال يسوع لإبليس عندما حاول أن يجربه: ” للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (متى 4: 10؛ لوقا 4: 8). ولا يصح لبشر أو ملاك أن يقبل العبادة (متى 4: 1؛ رؤيا 91 :2 ؛22 :8, 9). إذ لا يمكن أن يعطي الله مجده لآخر (إشعياء 24: 8)

يستخدم الكتاب المقدس بشكل رئيسي كلمة واحدة للعبادة وهي الكلمة اليونانية ” بروسكونيو”, وهي الكلمة التي استخدمها يسوع في حديثه مع إبليس وإيضاحه وجوب عبادة الله وحده, واستخدمت  أكثر من غيرها في وصف عبادة الله (يوحنا 4: 42 ؛ رؤيا 5: 41 ؛ 7: 11؛ 11: 61 …الخ).

كذلك قال رجل ليسوع بعد أن شفاه ” أؤمن يا سيد، وسجد له أي (عبده)”، والفعل المستخدم هنا هو صيغة الماضي من كلمة ” بروسكونيو”، (يوحنا 9: 83)، وهي نفس الكلمة التي استخدمت

في متى 41: 33 عندما سجد التلاميذ ليسوع (بمعنى عبدوه) بعد أن رأوه ماشياً على الماء. وفي مرة أخرى عندما رأى التلاميذ يسوع قبل القيامة وبعدها، نجد في كل هذه الحوادث ان نفس يسوع الذي سبق أن انتهر الشيطان لمحاولته أن يجربه بالعبادة الخاطئة لم يرفض العبادة مظهراً استنكاره ورفضه التام لتقديم العبادة للشيطان، على أساس أن العبادة هي لله وحده بل يسوع َقبـِل العبادة كحق له.

نجد في عبرانيين 1 :6 أن الله يطلب من الملائكة أن تسجد إياه ليسوع (بروسكونيو) أي تعبده.

كما نجد في رؤيا 5: 8-41 فقرة كاملة من التسبيح والعبادة مخصصة ليسوع “الحمل” والله. كذلك صرح بولس في فقرة قوية بان كل ركبة في السماء وعلى الأرض سوف تجثو للعبادة لاسم يسوع، ويعترف كل إنسان بأن يسوع رب (فيليبي 2 :1, 11).

 لقد قدمت العبادة لابن الله من خلال أعمال لا حصر لها في العهد الجديد عندما أصبح ابن الانسان نفسه هو موضوع الايمان، والرجاء، والتوقير، والمحبة.

إن الشهادة الموحدة لكنيسة العهد الجديد وللكنيسة عبر القرون هي أن الله المثلث الأقانيم الآب والابن والروح القدس مستحق للعبادة.

 

سلطان يسوع لإقامة نفسه من الأموات

حتى عندما كان يسوع خاضعاً كإنسان للموت، قال بان له سلطاناً لإقامة نفسه من بين الأموات، وهذه قوة لا يملكها إلا الله. قد يتساءل بعضهم: “إذا كان يسوع هو الله، فكيف يمكن أن يقيم نفسه؟ قال يسوع في يوحنا 2: 91 “انقضوا هذا الهيكل (مشيراً إلى جسده-ال عدد12) وفي ثلاثة أيام أقيمه”.

أما عن حياته فقال “لي سلطان ان أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً” (يوحنا 1: 81).

 

يسوع يتكلم كالله

لم يكتف يسوع أن ينسب لنفسه اسماء الله، وألقابه وصفاته، وسلطانه بإقامة نفسه من بين الأموات وتلقي العبادة، لكنه نطق بأشياء لا يحق إلا لله أن ينطق بها. فعندما أرسل الفريسيون اشخاصاً للقبض عليه عاد هؤلاء خاليي الوفاض، فسالهم الفريسيون عن السبب الذي منعهم من إلقاء القبض عليه، فكان جوابهم: ” لم يتكلم إنسان قط هكذا مثل هذا الانسان”. وكانوا على حق فيما قالوه.

من الصعب أن يقرأ المرء روايات الانجيل دون أن يدهشه سلطان يسوع الالهي؛ فقد دعا الناس أن يتبعوه، حتى إلى درجة التضحية بحياتهم من أجله. لقد تحدث بسلطان شخصي فريد.

كان المعلمون الآخرون في أيامه – كالكتبة والفريسيون -يستشهدون بالناموس والأنبياء (العهد القديم) لتثبيت ما يريدون قوله، لكن يسوع قال: “الحق الحق أقول لكم….” و” أما أنا فأقول….” كذلك أكدت الأحداث سلطانه… فقد هربت الشياطين بكلمة منه، كما سكنت الريح، وهدأ البجر خضوعاً لأمره, وأقام الموتى وجعل المقعدين يمشون, وفتح أعين العمي, لذلك كتب “سي. إس. لويس” في كتابه المسيحية الخالصة “:

“إن شخصاً عادياً – مجرد إنسان-لم يكن ليقول مثل هذه الأمور التي تفوه بها يسوع، ولو حدث لما كان معلماً أخلاقياً عظيماً فإما أن يكون مجنونا ًعلى مستوى جنون شخص يقول إنه بيضة مقلية – أو أن يكون شيطان الجحيم نفسه. عليك أن تقرر بنفسك ما إذا كان هذا الشخص ابن الله، أو مجنوناً أو شيئاً أسوأ. تستطيع ان ترفضه كشخص أحمق، أو تبصق في وجهه وترفضه كشيطان، أو تسقط عند قدميه وتدعوه رباً وإلهاً. لكن لا تتنازل فتقول كلاماً فارغاً مثل أنه معلم أخلاقي عظيم؛ فهو لم يترك هذا كخيار أمامنا، ولم يكن ذلك قصده”.

مفردات كتابية بالأسماء، والألقاب، والصفات التي تثبت ان يسوع ويهوه واحد “لكن لنا إله واحد….” 1كورنثوس 8: 6

 

الوصف

استخدامه إشارة الله

انطباقه على يسوع

 

 

يهوه “أنا هو” أو ” أنا كائن”

خروج 3: 14؛

تثنية 32: 39؛

إشعياء 43؛10

يوحنا 8: 24؛

يوحنا 8: 58؛

يوحنا 18: 4-6

 

 

الله

 

تكوين 1:1؛

تثنية 6: 4؛

مزمور45: 6 ,7

 

إشعياء 7: 14؛9: 6؛

يوحنا 1: 1, 14؛ 20: 28

أعمال20: 28؛

تيطس 2: 13؛

عبرانيين 1: 8؛

2بطرس 1:1

 

الوصف

استخدامه إشارة الله

انطباقه على يسوع

 

الألف والياء

(الأول والآخر)

إشعياء 41: 4؛ 48: 12؛

رؤيا 1 :8

رؤيا 1: 17, 18 ؛2: 18؛

رؤيا 22: 2-16

 

 

الرب

 

إشعياء 45: 23

متى 12: 8؛

أعمال 7: 59, 60؛

أعمال 10: 36؛

رومية 10: 12؛

1كورنثوس 2: 18؛12: 3؛

فيليبي 2: 10, 11

 

المخلص

إشعياء 43: 3 ,11؛63: 8

لوقا 1: 47؛

1تيموثاوس 4: 10؛

متى 1: 21؛ لوقا 2: 11؛

يوحنا 1: 29؛ 4: 42؛

تيطس 2: 13

عبرانيين 5: 9

 

الملك

مزمور 95: 3

إشعياء 43: 15

تيموثاوس 6: 14-16

رؤيا 17: 14؛19: 16

 

الديان

تكوين 18: 25؛

مزمور50: 4, 6؛

مزمور96: 13؛

رومية 14 :10

يوحنا 5: 22

2كورنثوس 5: 10

2تيموثاوس 4 :1

 

النور

2صموئيل 22: 29؛

مزمور 27: 1؛

إشعياء 42: 6

يوحنا 1: 4, 9؛ 3: 19؛

يوحنا 8 :12؛ 9: 5

 

 

            الصخرة

تثنية 22: 3, 4؛

مزمور 89: 26؛

صموئيل 22: 32

رومية 9: 33؛

1بطرس 2: 4-8؛

1كورنثوس 10: 3, 4

الوصف

استخدامه إشارة الله

انطباقه على يسوع

الفادي

مزمور130: 7, 8؛

إشعياء 48: 17؛ 54: 5؛ 63: 9

أعمال 20: 28؛

أفسس 1: 7؛

عبرانيين 9: 12

برّنا

إشعياء 45: 24

إرميا 23: 6؛

رومية 3: 21, 22 

الزوج (العريس)

إشعياء 54: 5؛

هوشع 2: 16

متى 25: 1؛

مرقس 2: 18, 19؛

2كورنثوس 11: 12؛

أفسس 5: 25-32؛

رؤيا 21: 2, 9

الراعي

تكوين 49: 24؛

مزمور23: 1؛ 80: 1

يوحنا 10: 11, 16

عبرانيين 13: 20؛

1بطرس 2: 25؛ 5: 4

الخالق

تكوين 1: 1؛

أيوب 33: 39؛

مزمور 102: 25, 26؛

إشعياء 40: 28

يوحنا 1: 2, 3, 10؛

كولوسي 1: 15-18؛

عبرانيين 1: 1-3 ,10

معطي الحياة

تكوين 2: 7؛

تثنية 32: 39؛

1صموئيل 2 :6

مزمور 36 :9

يوحنا 5: 21؛10: 28؛

يوحنا 11: 25

 

غافر الخطايا

خروج 34: 6, 7

نحميا 9: 17؛

دانيال 9: 9؛

يونان 4 :2؛

مرقس 2: 1-12؛

أعمال 26: 18؛

كولوسي 2: 13؛3: 13

 

الرب شافينا

خروج 15: 26

أعمال 9: 34

 

كلي الوجود

مزمور139: 7-12؛

أمثال 15 :3

متى 18: 20؛ 28: 20؛

أفسس 3: 17؛4: 10

 

كلي القدرة

إشعياء 40: 10-13؛

45: 5-13, 18

متى 28: 18؛

يوحنا 10: 18؛

مرقس 1: 29-34؛

يهوذا 24

 

الوصف

استخدامه إشارة الله

انطباقه على يسوع

 

 

كلي العلم

1 ملوك 8: 39؛

 

إرميا 17: 9, 10, 16

متى 11: 27؛

لوقا 5 :4-16؛

يوحنا 2 :25 ؛16: 30؛

يوحنا 21: 17؛

أعمال 1: 24؛

 

الوجود السابق

تكوين 1: 1

يوحنا 1: 15 ,30؛ 3: 13؛ ،  31, 32؛6: 62؛ 16: 28؛ 17: 5

 

سرمدي (أزلي أبدي)

مزمور 102: 26, 27

حبقوق 3: 6

 

إشعياء 9: 6؛

ميخا 5: 2؛

يوحنا 8: 58؛

 

 

عدم التغيير

إشعياء 64: 9, 16؛

ملاخي 3 :6

يعقوب 1: 17

عبرانيين 13: 8

 

متلق للعبادة

متى 4: 10؛

يوحنا 4: 24؛

رؤيا 5: 14؛7: 11؛11: 16

 

متى 14: 33؛28: 9؛

يوحنا 9: 38؛

فيليبي 2: 10, 11

عبرانيين 1: 6

 

متحدث بسلطان إلهي

“هكذا يقول الرب….”

مستخدمة ً مئات المرات

متى 5: 21, 27, 32, 34, 39, 44؛ 23: 34-37؛

يوحنا 7: 46

“الحق الحق أقول لكم…”

 

               

يسوع المسيح له سلطان الله

Exit mobile version