مثل الابن الضال – مينا كرم

مثل الابن الضال – مينا كرم

مثل الابن الضال – مينا كرم

 

 

مثل الابن الضال – مينا كرم

مقدمة مثل الابن الضال

يضع القِدِّيس لوقا هذه النُصوص كمقدمة لِلثَّلاثة أمثال التي قالها الرب يسوع في هذا الإصحاح “1.وكان جميع العشارين والخطاة يدنون منه ليسمعوه. 2. فتذمر الفريسيون والكتبة[1] قائلين هذا يقبل خطاة وياكل معهم.” (لوقا 15: 1-2). العشارين أو جباه الضرائب (tax collectors) تضع نسخة KJV مُصْطَلَح أخر (publicans)، كانت هذه الفئة في أَسافِل الْمُجْتَمَع اليهُودي، على الرغمِ من كونهم يهودًا، ولكن كان مجتمعهم وأبناء جلدتهم يحمل لهم في قلبه الكراهية وذلك له دوافعه، فمثلا اعتياد العشارين على الْغِشِّ في جمع الضريبة والعمل لِصَالِح السُّلْطَة الرومانية الظَّالِمَة والقمعية وتواصلهم الْمُتَوَاتِر مع الأمم.[2]

يقول يواقيم إرمياس: كَانت وَظِيفة جباه الضَّرَائِب هي عِلَّة اعتبارُهُم منبوذين مِن المُجتمع لِكَوْنِ هذه الوظيفة غيْر شَرِيفة[3]وعن الخطاة فيقول كارل رينغستورف: كان يُنظر للخطاة أنهم فقدوا علاقتُهُم بالله بِسبب سُلُوك حياتِهم غير المُخلِص للشَّريعة اليهُوديَّة[4]

ومن الملحوظ أن لوقا لم يستخدم هنا أداة تعريف واحدة لكل من الجباة والخطاة للتميز بينهم، وأيضًا يستخدِم لوقا تعبير “خطاة” ليوضح ازدراء الفريسيون لعوام النَّاسِ الَّذين لم يُرَاعُون بِشَكل صارم أدق تفاصيل التفسيرات التَّقلِيدِيَّة للشَّريعة.[5] ولذلك فترجمة NIV تضع على نحو مُلَائِم تعبير خطاة (sinners) بين علامات الاقتباس لإيضاح طريقة تفكير الآخرين تُجَاه هؤلاء ولم يكن هذا التعبير وصف القدَّيس لوقا لهم.

فكل منبُوذ ومرفوض من هذا المُجتمع يُواصل ليله بنهاره تحت نظرات الاحتقار دون عِتقٍ أو رحمةٍ ولم يكن هناك من ينظُر لهم نظرة قبول ومحبّة، فهم في نظر المجتمع يتسموا بسوء الخلق فغاب عنهم الأمل وإرتَحلَ عنهم الرجاء فهكذا هم وهكذا هو مجتمعهم فلم يَكُن هذا الشُّعُور مُجرد شُعُور عابِر ولكن هذه هي حياتهم يعيشون مع الرفض ويعيش معهم وفيهم، وبظهور الرب يسوع اشتعلت نار المحبة الإلهية في قلوبهم، فهو رجاء من ليس له رجاء والحضن والحصن للمطروحين، وكما أن الرب اعتاد عمل المُعجزات يوم السبت ليكسر السبت كذلك يصنع المُعجزة لهؤلاء المنبوذين فمُجرد قبولهم هو مُعجزة شفاء لنُفوسِهم المكسورة المجروحة والمريضة فما اعظم جلوسه معهم على مائدة واحدة يُشاركهم العطّية الإلهيَّة!، وبلا شك قد أثر هذا الفعل عليهم أيما تأثير وكان له عظيم وعميق وبالغ الأثر على نفوسهم المُحطمة. ولنعم الطبيب هو!

بأهتمام صلاحك طاطأت السموات ونزلت إلينا .كمثل طبيب حقيقى ومُشفٍ داويت جميع أمراضنا. (إبصالية الأثنين)

فعلاقة الرب يسوع بالأشخاص المهمشين ( انظر مت 19:11، لو 1:15) تسير بالتوازي مع شفاء الناس وطرد الأرواح الشريرة منهم، فكانت علاقات يسوع مع المنبوذين مجتمعيًا ودينيًا هي نوع من الشفاء لأنه يجتذب هؤلاء المجروحين إلى دائرة القبول ويقتل شعورهم بالأغتراب، وعلى هذا النحو أيضا مُعاملته مع النساء ( لو 8: 1-3)، والسامريون (لو 17: 11-19) والأمم (مر 7: 24-30، مت 8: 5-13) كما هو الحال مع قصص الشفاء، فهذه الأعمال تعلن الطّبيعة الكاملة والخلاصية لملك الله وشيك الحدوث[6]

ولذلك يستخدم لوقا تعبير “جميع\كل – πάντες” والذي ربما يُقصد منه حشد جميع جباة الضرائب والخطاة الموجودين في مكان معين، ولكن الأرجح أن هذا التعبير يُقصد به المبالغة والغلو وبالتالي يُشير إلى كثرة العدد[7] يقول كينيث باركر: يُشير تَعْبِير “جميع” إلَى حضور عدد وفير من الخطاة عادةً بينَ الجمُوع الَّتي جاءت لتسمتع إلى يسوع.[8]

يقول لينسكي:كانت لخدمة يسوع أمر يتميَّز به، وهو، انجذاب المنبوذين إليه، وقد غابت هذه السمة في خدمة الفريسيون والكتبة الَّذِينَ لم يعطوا للمنبوذين سوى اللّعن ونظرات الإحتقار فقط، لكن الرب يسوع فتح لهم طريق الخلاص، وعلى الرغم أن أدانة يسوع لخطاياهم هي من أوضح الواضِحات، ولكنّهُ في نفس الوقت فتح لهم طريق الغفران الإلهي، لذلك احتشدوا حوله (لاحظ تعبير –πάντεςكل)[9]

فقد جذبت قداسة المسيح ولُطفه المُحب الذي دعا به الخطاة إليه فتجمعوا بكثرة حوله، وقد وعد التائبين بالخلاص والغُفران لأنّ كرازته تمحورت حول التَّوبة والملكُوت “من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول توبوا لانه قد اقترب ملكوت السموات” (مت 17:4)[10]

 وبِحسب النَّص اليوناني ففعل الاقتراب (يقتربون\يدنون منه) هو ماضي مُتَّصِل يُشير إلى حادث مُتكرَّر ومألوف فهؤلاء الخطاة وجدوا مع الرَّب يسوع لمسات القبول الَّتي اختفت عند الفريسيون والكتبة، ومن الملحوظ هو استخدام نفس الفعل للاقتراب من الله (عب 19:7، يع 8:4)، كما أن فعل “تذمر” هو ماضي مُتَّصِل مبني للمعلوم خبري، ما يُشير إلى عمل تكرَّر في الماضي (لو 30:5)، وهذا الفعل ورد في الترَّجمة السبعينية عن تذمر بني إسرائيل على موسى وهارون بل وحتَّى على الرَّب (خر 16: 8،7،2)

أسس القديس لوقا سياق الأمثال الثَّلاثة الواردة في هذا الإصحاح على تجمع العشاريين والخطاة المُتكرر والمعتاد لسماع يسوع، هذا الاهتمام بِسماع يسوع يربط هذا النص مُباشرة بِالنص السابق”لا يصلح لارض ولا لمزبلة فيطرحونه خارجا. من له اذنان للسمع فليسمع” (لو 35:14).[11]

بعبارة أخرى هؤلاء هم الذين أخذوا كلام المسيح على محمل الجد ويسيرون في طريق التلمذة ولكن في المقابل تمسَّك الفريسيون بالقاعدة الحاخامية القائلة “لا تُخَالط رجل آثم”.

وقد أعرب الفريسيون والكتبة عن غضبهم الجارف والشديد لمخالطة يسوع بالعشاريين والخطاة وهذا الفعل يُخالف نظرتهم للناموس فقد اعتَبرُوا أن هؤلاء الناس يجِب الابتعاد عنهُم بصورة مُطلقة ولا يجب على الشخص المُتمسَّك بالناموس أن يُرافق هؤلاء ولربَّما لا يرفُق بهم.

وصحيح أن العهد القديم به بعض النصوص تحذرنا من قضاء وقتنا مع الخطاة (أمثال 15:1، 20:13، 7:14) ولكن ما يجب أن ننتبه إليه هو أن هذا النص يُخبرنا بشكل مُبِين أن التّأثِير الأخلاقي يقع من يسوع على الخطاة وليس العكس، ومن الواضح في حديث اليهود المُتديِّنين أنهم لا يتركون فرصة إلَّا ويتحدثون عن الناموس، ورغم ذلك فلا يستطِيعُون أن يثبتوا شِكاية قانونية على يسوع الذي يُوصل الرسالة الإلهية لسامعيه اثناء مُشاركة الطعام.[12]

وهذا هو هدف المسيح أن يأخذ بِيد هؤلاء كطبيب يطبب جرحُهُم ولا يحتقرهم ولذلك فهذا الغضب والتذمر مِن الفريسيون هو غضب أحْمق جَهُول، لدرجة أنَّ طريقة حديثهم كانت مزدرية فقد أشاروا إلى الرب بـ”هذا الرجل- οὗτος” وهي غالبًا ما تُستخدم بشكل ازدرائي كطريقة لعدم تَلفَّظ أسم الشخص (انظر مر 71:14، مت 3:9) ولا عجب في ذلك لِأنهُ مشربهُم.

يقول الْقِدِّيس كيرلس السَّكَنْدَرِي: “أبلغني أيها الفريسي لماذا تتذمر ألعل سَبَبٌ تذمرك هو عدم احتِقار المسيح للخطاة والعشارين وقصد أن يُعْطِيَهُمْ الخلاص ؟ ولأجل خلاص البشر أَخْلَى ذاته وصار بشر ومُكْتَسٍ بِالْفَقْرِ البشري”[13]

هنا يتمركز كلام الْقِدِّيس كيرلس السَّكَنْدَرِي حول هدف الرب يسوع الواضح المُعلن، فقد تجسَّد ابن الله مقتحمًا عالمنا ومتخذ ثوب بشريتنا ليغيرها ليخلصها ليحيها ويُبارك طبيعتنا فيه ويُداوي جُرح الخطيَّة وليس لكي يحتقر الخطاة وهذا ما حاول أن يُعلنه الرب بكل طريقة وشكل ويفسره بِكُلّ أُسلُوب ولكن منتقديه لا يسمعون.

علينا أن نتذكَّر حينما أمسك هؤلاء خطأ على تلاميذ يسوع حِينما وجدوهم يأكُلُون ويشربُون مع العشارين والخطاة (لو 30:5) لكن الآن وبشجاعة جسورة ينتقدون يسوع نفْسه لكونه رفيق لهؤلاء! يبدو واضحًا أنَّهم لم يتعلَّموا الدرس الذي اعطاهُم ايَّاه المسيح (لو 5: 32،31) فقد آتى الرب للعالم لخلاص الهالكين، لكنهُم لم يصدّقُوا ذلك (لو 10:19)[14]

“فتذمر كتبتهم والفريسيون على تلاميذه قائلين لماذا تاكلون وتشربون مع عشارين وخطاة . فاجاب يسوع وقال لهم لا يحتاج الاصحاء الى طبيب بل المرضى” (لو 5: 31-32) هذا التَّذمُر الناتج عن تحجر القلب يتأسس على فهم الفريسيون لِلشَّريعة، حيث تنُص الشَّريعة على وجود تمييز بين الطاهر والنجس وبالتالي فلا يُخالط المقدس المدنس فسرعان ما يتهموه بتجاوز الشَّريعة ويُحاولون بِكل الطرق إثبات وجود علَّة فيه فهُمْ صَيَّادي شر يبحثُون عن كلمة، لكن ما غاب عنهم هو أن الرب لم يأتي كقاضي بل كطبيب وكان يتوجب عليه بصفته ينبوع الرَّحمة أن يُخالط المُحتاجين إلى يداه الشافية الحانية والمبسوطتان لكل شخص.

فبالنسبة لتشريعات الطعام (انظر لاويين 11) لكون الطعام شيء أساسي في الحياة اليومية فقد اعتنى به الإسرائيليين لدرجة أنهم انفصلوا عن العالم، لقد أخذوا تشريعات الطَّعام على محمل الجد لكونها أمر إلهي، وهكذا نستطيع معرفة سبب انزعاج الكثيرين من تجاهل المسيح لِلتَّفسير الموجود لهذه الوصايا، وبالتالي لم ينتاب المسيح أي تردد في مُشاركة الطعام مع جباه الضَّرائب والخطاة ( مت 11:9، مر 16:2، لو 30:5، 34:7)[15]

كما يقول هانس هوبنر “أن يسوع طرح جانبًا علانية التشريعات الخاصة بالطعام الطاهر والنجس وهذا ما أدى إلى أسلوب معاملته مع الأشخاص المنبوذين من المجتمع، لذلك حينما جلس يسوع مع جباة الضرائب والخطاة (مر 2: 15-17، لو 15: 1-2) رفض بطريقة مثيرة الحد الفاصل بين الطعام الطاهر والنجس حسبما اعتقدوا هم.”[16]

فالرب يسوع كان قادرا على التقرب الشديد مع أولئك الساقطين دون أن يسقط هو وهذا ما لم يقدر عليه الفريسيون رغم صرامتهم، ولذلك فقد اختاروا الطريق اليسير الآمن وفصلوا أنفسهم بالكامل عن العشارين والخطاة، ولأن تمحورت نظرتهم حول وضعهم وحالهم فلم يفرحوا بمن جاء أخيرًا لدعوة الخطاة إلى التوبة الصادقة بل اعتبروا ذلك خطأ يُمسك عليه[17]

يقول داريل بوك “لم يشترِك المسيح في العقليَّة الانفصالية التي للكتبة والفريسين ( مر 15:2، لو 32:5،10:19) لكنَّه مُكترِث بمصادقة هؤلاء المبغضين غير مُبالي بكيف إحتسبهم الناس، منطلقاً من منطقٍ بسيط حيث أنه يرغب في توجِيههُم نحو الله”[18]

فلم يهتم الرب يسوع بنظرة المجتمع لهؤلاء، فمهما كانوا في نظر الآخرين فهو ينظُر إليهم وعيونه تُومِض بالمحبَّة الإلهية، ومهما قسا النَّاس فالرب يُعطي للمقسو عليهم رقة حب وقلب وشعور ومهما ابتعد النَّاس فهو قرِيب ولو ذهب من قلوب النَّاس الرَّحمة فلا تغيب سُحُب الرَّحمة الإلهيَّة عنهم.

فالرب فعل ما لم يكن في تصور الفريسين والكتبة من قبول هؤلاء بل والاشتراك معهم في المائدة فقد ابتعدوا عن المقصد الكتابي في العهد القديم، وقد غاب عن عيونهم أن ما فعله الرَّب يسوع هو ما كان يجب أن يقوم به بأعتباره المسيا.[19] يقول بوب أوتلي “أن قبول يسوع للمنبوذين والمُعوزين والمرضى هو إحدى الإشارات المسيانية في العهد القديم التي كان يَجِب على هؤلاء القادة الدَّينين أن ينتبهوا لها”[20] ولكن ما كان يدور في ذهن الفريسيون والكتبة هو أدنى وأقل من ذلك التَّصوُّر فكانت نظرتهم سطحية كل ما يَهُمهُم هو الشَّكل الظاهري للمُعلَّم اليهودي، فناهيك عن كون يسوع هو المسيا أو ابن الله فهو في نظرهم ليس معلمًا حقيقيًا لليهوديَّة أو اللاهوت اليهودي ووجوده مع هؤلاء الخطاة يجعله مثلهم، فيقولون بداخلهم لو كان هذا معلمًا يهوديًا بِه التَّقوى اليهوديَّة لم يكُن لهُ أن يفعل هذا الفِعل، فالبرهان النيَّر عندنا هو أن الفريسيين والكتبة مكفوفين روحيًا، لديهِم رؤية ضَبابيَّة مشوشة للعهد القديم وأيضاً للتعليم الرَّبَّاني الذي أسَّس العهد الجديد، وحينما يكون تعْليمنا مُقيد بِتعليم الرِّب فهذا يُنجينا من التَّفتُت والتَّشتُّت والتشرزم الفِكري في حاضرنا، وهذا التعليم كان مُستعصٍ على الكل ليس فقط على الكتبة والفريسيين لأن أيضًا الخطاة لا يمتلكون رؤية صحيحة لفهم قلب الله فحاولوا أن يجدوا انفُسهم من خلال ارتباطُهم بالعالم ومن ناحيةٍ أخرى حاول الفريسيون والكتبة تكوين صورة ذاتية شخصية من خِلالِ أعمالهِم ولكن ما غاب عن الكل هو المحبَّة والنَّعمة الإلهية، المحبَّة الَّتي لم تقف عند أبواب الموت، ولذلك بدأ الرَّب يسوع في سرد ثلاثَّة أمثال ليضع أمامهم التَّعليم الرَّبَّاني، وكان يجب على هؤلاء القادة الدَّينَين بالخصوص أن يَجلِسون كأن على رُؤوسِهِم الطَّير. ليس فقط لأن الحديث عن المحبَّة الإلهيَّة بصُورة عامَّة ولكن لأن الحديث هو عبارة عن تصوير ملموس لِمحبَّة الله التي تتجلى في افعال الرب يسوع مع الخطاة.

 ولِكون الرَّب يسوع ليس مُجرد حكواتيًا وأن هذه الأمثال تُشكل رد فعلٍ على موقف الفريسيون والكتبة تُجاة تصرفات الرَّب مع الخطاة فيجب أن ننظُر إلى هذه الأمثال بِصفتها تعليماً ربانياً منيراً يُسيرنا ونسير في ضَوءُه، وأمام هذا التَّعليم تنفتِح تساؤلات وفيرة كُلُّها تدور حول طريقة فهم ما قصد أن يقوله المسيح بِالضَّبط والوصول إلى الرسالة التي تحمِلُها هذه الأمثال، وعلى الرّغم أن الثلاثَّة أمثال الواردة في هذا الإصحاح لهم نفس الرسالة العامة، ولكن في مثل الابن الضَّال-موضوع مقالتنا- يُوجد به أكثر من نقطة محورية وأحداث مُختلفة بقدر كبير عن مثل الخروف الضَّائع والدرهم المفقود.

 

تفسير مثل الابن الضال

  • خروج الابن الأصغر من بيت أبيه
  • (11) وقال[21]. انسان كان له ابنان. (12) فقال اصغرهما لابيه يا ابي اعطني القسم[22] الذي يصيبني من المال[23]. فقسم[24] لهما معيشته.

على الرَّغْم من شهْرة هذا الْمثل بأسم “الابن الضال” في الوعظ المسيحي لِلحديث عن التًّوبة، ولكِن في الحقيقة هذه التسمية لا تفي بِالغرض الْحقيقي لهذا الْمثل، وهكذا هو الحال في تسمية الأمثال الأخرى الواردة في هذا الإصحاح، ففي مثْل الخروف الضَّائع أو الدَّرهم المفقود لم يكُن الخروف هو محور الْمثل ولكِن الرَّاعي الَّذي ذهب لِيبحث عنه وفرح ووضعه على منْكبيه حين وجده، ولم يكُن الدَّرهم هو محور الْمثل أيضًا بل المرأة التي فتَّشت عنه ودعت جِيرانها ليفرحوا معها.يقول داريل بوك: “افتتاحية هذا الْمثل هي “رجل ما” مثل العدد 4 وأيضًا العدد 8 نجد المرأة هي الشَّخصيَّة المركزيَّة في الْمثل، ولذلك يتمحور هذا الْمثل حول شخصيَّة الأب”[25] ويُضيف ويليام باركلي: “لكون الابن الضَّال ليس هو محور المْثل ما كان بجب أن يُسمى هذا المثل باسمه، بل كان يتوجَّب أن يُطلق على هذا المْثل “الأب المُحب” لِأنَّه يُحدثنا عن محبَّة الأب أكثر من خطيئة الابن”[26]

وهكذا يجب أن تكون تسمية هذا الْمثل “الأب المحب” أو حتى “الابنين الضالين” وليس “الابن الضال”، وعلى ضوء المُقدمة الًّتي وضعها القدَّيس لوقا نعرف جيداً أن الحديث في هذا الْمثل يتكلَّم عن اتَّجاهين مُختلفين لِكُل من الابنان فالابن البكر[27] ضل والأصغر هكذا ضل فالأفعال تعود إليهما ورد الفعل يعود لِلأب الَّذي أظهر من خلال ردود أفعاله محبَّة وفرح لمن ضل ولمن تغرب بغض النَّظَر عن نوع هذا التغرب.

لذلك يقول لينسكي: “يرمز الابن الأصغر للخاطيء الذي ابتعد وهرب من الله إلى الانغماس في أمور الدنيا، كما يرمز الإبن الأكبر إلى الشَّخص البار في عيني نفسه يهتم بما بالخارج ولكنَّه بدون إيمان من الدَّاخل، فكلاهُما ضاع وكلاهُما يجب أن يرجع، ولذلك فالْمثل في حقيقته يتحدث عن “الابنين الضالين” رغم تسميته بالابن الضَّال.”[28]

فإن العشار إخترته، والزانية خلصتها، واللص اليمين، يا سيدي ذكرته. (لحن مراحمك يا إلهي)

ولكن بمن قصد المسيح الابن الأصغر والأكبر؟ قد عرض الْقِدِّيس كيرلس الْكَبِير بعْض التَّفسيرات واعترض ورد عليها فقال: “فالبعض يرى أن الابنين في المْثل يُشيران إلى الملائكة القديسين، من ناحية وإلينا نحن من الناحية الأخرى. فالابن الأكبر، الذي عاش بتعقّل، يُمثل مجموع الملائكة القديسين، بينما الابن الأصغر المنحرف يمثل الجنس البشري. وهناك آخرون بيننا يعطون تفسيرًا مختلفًا، قائلين: إن الابن الأكبر السالك حسنًا يشير إلى إسرائيل حسب الجسد، بينما الابن الأصغر الذي اختار أن يعيش في الشهوات والملذات والذي ابتعد بعيدًا عن ابيه، إنما يشير إلى جمهور الأمم الوثنييين. هذه الشروحات أنا لا أوافق عليها وأرجو ممن يحب التعلّم، أن يبحث ما هو حقيقي وما ليس عليه اعتراضات[29]

ولكن الْقِدِّيس كيرلس الْكَبِير قد رجع إلى المناسبة التى كانت سبب قول المْثل نفسه، فقال: “فما هو موضوع المْثل إذن؟ دعونا نفحص المناسبة التي قادت إليه، فإننا بذلك سنتعَّلم الحقيقة. لذلك فإن لوقا المبارك نفسه قد تكلم قليلاً عن المسيح مخلَّصنا قبل هذا المثل فقال “وكان جميع العشارين والخطاة يدنون منه ليسمعوه. فتذمر الفريسيون والكتبة قائلين هذا يقبل خطاة وياكل معهم.” (لوقا 15: 1-2). لذلك، فلأن الفريسيين والكتبة اعترضوا على رحمته ومحبته للإنسان، وبِشَرٍ وبعدم تقوى لاموه على قبول وتعليم الناس الذين كانت حياتهم مدنَّسة، فكان من الضروري أن يضع المسيح أمامهم هذا المْثل، ليريّهم هذا الأمر ذاته بوضوح: إن إله الكّل يريد من الإنسان الثابت والراسخ، والذي يعرف أن يعيش حياة مقدّسة وقد وصل إلى ما يستحق أعلى مديح لأجل تعقله في السلوك، يريد من هذا الإنسان أن يكون مُخْلِصًا في إتباع مشيئته، لكن حينما يُدعَى أي واحد إلى التوبة حتى إن كان من الذين يعيشون حياة ملومة جدًا، فإنه ينبغي بالحري أن يفرح ولا يكون عنده غيظ مضاد للمحبة من جهة التائبين”[30] فالمسيح هو هذا الأب الحاني، والابن الأصغر يُمثل الخطاة والعشارين، والأبن الأكبر يُمثل الفريسيين والكتبة.

يقول كريج إيفانز “من المُرجح جدًا أن الابنان يُشيران في سياقهما الأصلي إلى اليهود غير المُتدينين (الخطاة،الزواني،جباة الضرائب) يُرمز إليهم بالابن الأصغر، واليهود المُتشددين دينيًا (الكهنة،مُعلَّمي الشَّريعة،الفريسين) يُرمز إليهم بالابن الأكبر، فالموقف الَّذي أظهره الفريسيين في لو 2:15 يتشابه لِلغاية مع موقف الابن الأكبر، فبدلًا من الثَّناء على خدمة المسيح النَّاجحة بين المنبوذين في المُجتمع الدَّيني اليهودي يتزمر الفريسيون!”[31]

ومن الواضح في سرد المْثل أن الرَّب يسوع لم يذكُر شيء عن أسباب ودوافع طلب الابن الأصغر في استقلاله عن بيت ابيه ودخل مُباشرة إلى الطَّلب نفسه رُبَّما ينظُر الرَّب إلى هذه التفاصيل بكونها تُشتت المُستمع، ولكن رُبَّما يكون الابن الأصغر في أواخر سن المُراهقة.

يرى جوزيف فيتزماير[32] أن عمره حوالي 20 عام لأن في الغالب يتم الزَّواج بين 18-20 عام، ولم يذكر الْمثل أي شيء عن زواجُه ولذلك سيكون عمره من المُفترض 20 عام.

فقد ضجر الابن الأصغر من بقاءهُ في البيت وخَانه الصَّبْر، هكذا هو حال الشَّباب أنذاك وحتى يومنا هذا!، أراد هذا الابن أن يُحلق في سماء الحُرَّيَّة مُحطَّمًا ما ظنَّ أنه قيود والديه، كانت لديه قناعه أن ابتعاده عن والديه (على الرَّغم من عدم ذكر الأم في المْثل) سيُمكنه من فعل ما يُريد وبالتالي سيُصبح سعيدًا، وبالطبع ليبدأ في هذا المُخطَّط كان بحاجةٍ إلى المال، رُبَّما كان على علم أن نصيبهُ الشَّرعي في الميراث هو الثُّلُثُ بحسب (تث 17:21) ومن الطَّبيعي أن يأخذ ميراثه بعد وفاة الوالد ولكِنَّهُ لم يقدر على الانتظار وطلب حقه في ظل حياه ابوه.[33]

ولم يسمعْ سامع في العصور القديمة بأنَّ ابن يطلب من ابيه ميراثه في حياته، فكأنَّه يقول له “أتمنى موتك”!، وهذا الطَّلب صعب القبول حتى يومنا هذا، وفي ظِلَّ مُجتمع يُشدد على طاعة الأب فهذا الطَّلب يُعتبر عصيان وتمرَّد (انظر تث 21: 18-21) وفي هذه الحالة من المُمكن للأب أن يفعل في ابنه ما يفعل مثل أن يضربه أو ما هو أسوأ![34]

ولكن حقَّق الأب ما كان يرْجُوه الابن الأصغر ونفذ له طلبه دون أن يُظهر أي من مظاهر الغضب وهذا على غير المُتوقَّع، ولَكِنَّ النَّص اليوناني يُبين ما كان عليه الأب من ألمٍ عاطفي، فنقرأ حرفيًا “قسم لهُم الحياة” كُلُّ ما عاش من أجلِهِ الأب والَّذي أخذ منِهُ الجهد الجهيد ونتاج كُلُّ ما بذله الأب من طاقةٍ ومجهود طيلة حياته كُلُّ هذا أصبح الآن في أيدي أبنائه.[35] فموافقة الأب على هذا الطلب جديرة جداً بالملاحظة، لأن تنفيذ هذا الطلب سيكون معناه المخاطرة بالوقوع في رعاية شخص أخر، كما أن (سيراخ 33: 19-23) يُحذر من هذا الفعل! فموافقة الآب على هذا الطلب يعطي تصور لأب يترك الخاطي يسلك في طريقه الخاص.[36]

يقول كوستي بندلي: “امّا كيفية انتقال الأملاك من الوالد الى الابن، فقد كان الشرع اليهودي يحددها بطريقتين: الوصية أو الهبة، وفي حالة الهبة كانت القاعدة أن يحصل الابن على الرأسمال فوراً ولكنه لا يحصل على الايراد إلا بعد وفاة الوالد، أن الإبن كان يتملك لكن دون أن يتاح له التصرف بملكه أو التمتع بإيراد هذا الملك، إلا أن الأبن الاصغر يطلب هنا ليس حتى الملكية فحسب بل حق التصرف بها أيضاً، ولذلك لكي يتسنى له أن يعيش حياة مستقلة، ونرى الوالد يوافقه على طلبه فيمنحه أكثر مما يعطيه الشرع.”[37]

وعلى الرغم أن المصادر اليهودية تسمح للأب بالتصرف في الميراث ووضعت قواعد لهذا التصرف[38] ولكن الابن الأصغر في هذا المْثل أخذ حقَّهُ بالكامل وله مُطلق الحُرَّيَّة في التَّصرف فيه لذلك فكَّر فيما بعد أن يعود لأبِيه كمُجرَّد أجير فهو على معرفة جيدة بأنَّه ليس له أي حقوق أُخرى، (ولكن كما سنعرف كانت للمحبَّة الأبويَّة الحقيقية رأيٍ آخر). ولكن الابن الأكبر ما زال في بيت أبيه ومن الواضح في المثْل أنَّ الأب يمتلك حق التَّصرُّف، ولكن حتَّى لو ظلَّ هذا الابن الأكبر في بيت أبيه، ولكن قلبه قد ضاع في برية اضطراب الفهم للمحبَّة الأبويَّة.

 

  • حياته في الْغُربة
  • (13) وبعد ايام ليست بكثيرة[39] جمع[40] الابن الاصغر كل شيء وسافر الى كورة بعيدة وهناك بذّر[41] ماله بعيش مسرف.

لم يطلب الابن الأصغر ميراثه لكي يقوم بأي عمل تُجاري أو حتَّى خيري لِمُساعدة الفقير والمُحتاج ولكن ذهنه كان فارغًا من أي شيء يُمكن أن يُنفق فيه ميراثه إلا الْملذات الدنيويَّة غير المُقدسة.يُحدثنا يواقيم إرمياس عن وجود عدد هائِل من اليهود ذهبوا بعيدًا عن وطنِهِم، ولكن كان هدفهم كسب الْمال عن طريق الهجرة للمدن الكُبرى بسبب المجاعات المُتكرَّرة في فلسطين حيث عاش نصف مليون يهودي في فلسطين وفي المقابل أربعة ملايين يهودي في الشَّتات في القرن الأوَّل![42]

ولكن من الواضح وجود هدف آخر عند الابن الأصغر، فقد سافر في لحظة تهوَّر ويبدد الْمال بِشكل مُسرِف، ولم يرد تعبير ἀσώτως”- مسرف” في كُلَّ العهد الجديد إلا هنا فقط، وقد اِنشغل العُلماء بِتحديد معناها بالضَّبط، هل يُقصد منها فقط الإسراف؟ بغض النَّظر عن صرف الأموال في أمور أخلاقيَّة أو غير أخلاقيَّة، أم المقصود منها العيش بِشكل غير أخلاقي؟

 يقول ليون موريس: “الكلمة الَّتي تُرجمت “مسرف” في ترجمة RSV يجب أن تفهم أنها “تهور”[43] كما يرى رايلينج&سويلينجريبيل أن هذا التعبير يُترجم “إسراف، مُفرط، تهور”[44]. ولكن أيضًا يربط روبرت شتاين& جوزيف فيتزماير& كريج إيفانز[45] هذا التعبير بما ورد في العدد 30 على لسان الابن الأكبر، فقد بدَّد الابن الأصغر أمواله على الزَّواني!

 كما يُضيف مارفين فينست أنَّ الاسم النظير لهذه اللفظة (ἀσωτία)الذي ورد ثلاث مرات في العهد الجديد (1بط4:4، اف18:5،تي6:1) يُعني الخلاعة![46] كما أن الترجمة القبطية تُترجم تعبير (ἀσώτως) خلاعة[47]

يقول جون نولاند “الأسم النظير (ἀσωτία) مُرتبط بإهانة الأب في أمثال 7:28، يتم تقديم مرحلة المغادرة وتبديد المال في حياة خليعة كمرحلة مُنفصلة عن المُطالبة بالميراث، وبهذه الطريقة يُدرك سامع الْمثل شناعة الجرم الذي يفعله الابن في حق أبيه بصورة تدريجيَّة.”[48]

فلو أردنا التَّحدُث بالضَّبط عن نوع هذا الإسراف فهو يَخُص الخطيَّة نفسها، فالخطية تُكلفك أكثر مما تستطيع أن تدفع!، وهذه كانت الدَّرجة الأخيرة في سلم التَّهوُر، فقد بدأ هذا الابن أولاً بطلب نصيبه في الميراث في حياة ابوه، هذا الطلب الْغريب! ثم حوَّل ممتلكاته إلى نقود، ثم ذهب إلى كورة بعيدة، فقد ابتعد بقدر ما تجرَّأ على ذلك، ثم تبدأ كارثة الكوارث وطامة الطوام فقد بدَّد ما يملكه دون حساب في الْملذات، رُبَّما ظنَّ أن هذه هي الحرَّيَّة! لكن في الحقيقة هذه هي شباك العبوديَّة نفسها، عبوديَّة لكل شهوة شخصيَّة، عبوديَّة الْخطيَّة! فالحرَّيَّة من البر هي عبوديَّة للخطيَّة، العبودية التي تُدمر الجوهر وتتلف الروح، فالحرَّيَّة عطيَّةٍ من الله وكُلَّما تستطيع أن تقول”لا” لكل خطية وشهوه كُلَّما تشعر بالحريَّة وتشعر بالعطيَّة الإلهيَّة والبُنوة لله.

رُبَّما في كثيرٍ من الأحيان ينخدع الإنسان بِبعض التَّصورات السَّرِيعة والمغرية والسهلة فيُفضل العيش في زنا بدلاً من الزَّواج أو لعب القمار بدلاً من الْعمل، أو الغش بدلاً من المذاكرة…إلخ، ولكن كُلَّ هذه الأشياء تستعبد الإنسان لا تحرره، يا أخي لا تُبدد الحريَّة!، فالأموال التي ملئت جيوب الابن الأصغر لم يحصُل عليها من خلال عملٍ يقوم به بنفسهِ ولم يحصُل على هذه الأموال لكونه عبقري أو مُجتهد، بل حصل عليها فقط لأن له أب كريم ومحب يعرف المحبَّة الحقيقيَّة المحبَّة التي تُعطي وتُعطي بِسخاء، تُعطي حتى الحرَّيَّة التي جعتله يسلُك في طريقه الخاص.

  • (14) فلما انفق[49] كل شيء حدث جوع شديد[50] في تلك الكورة فابتدأ يحتاج[51].

بعدما فعل الابن ما فعله، الأن يتضوَّر ويتلوّى من الجوعِ صَائحًا بين أيدي الْغُربة الَّتي لا تعرف لِلرَّحمة طريق، وفي هروب الابن الأصغر من أبيه قبلًا نتذكَّر بالتمام هروب يونان النَّبي إلى ترشِيش الذي ظَنَّ أنَّه يهرُب من وجه الله، والعجيب أن النَّوء العظيم حدث بينما كان يونان في جوف السَّفِينة ونام نومًا ثقيلًا!، كذلك الْمجاعة الشَّديدة تضرِب تلك الكورة البعيدة التي ذهب لها الابن الأصغر وهو في ملء نومه في احضان الخطيَّة وبعدما أنفق وأنفق على كُلَّ شهواته حتَّى صار في أمس الاحْتياج، هكذا تأتي الْمصائِب من اليمين واليسار وغمراليأس أيَّامه، فبعدما كان في شَرِكة مع ابيه الآن ليس له أي صديق إلَّا المُعاناة.

 ولكن بالرَّغم إنهُ الآن يشكو العوز وتملّكه اليأس لكِنَّهُ ما زال ابنًا! وكان يجِب أن يعود في هذه اللحظة إلى بيت الأبوَّة الذي خرج منه بمحض إرادته، لأن لا يُمكن أن تُمحى علاقة البنوَّة ببعض التَّصرُّفات، فعندما كان في بيت ابيه كان ابنًا وحينما تركه وذهب إلى كورة بعيدة ما زال كذلك ابنًا وحتَّى حينما أنفق ما له ووقع فيما وقع كان ابنًا، وحتَّى بعدما سيذهب للعمل في احد حقول الخنازير هو ابنًا. نجد إشارة لامعة في مثل الخروف الضال لهذه النقطة حينما قال الرب “وجدت خروفـــي الضال” فالخروف الذي ضلَّ ما زال ضمن رعيَّته ويملِكُه، وهذا الابن هو بالحق في وسط كُلَّ هذه الأحداث ابنًا، حتى وهو يرى نفسه مُجرَّد عبد، لكن لا يُمكن أن يراه ابوه إلَّا ابن.

 يقول القدَّيس فيلوكسينوس أسقف منبج: عاش الابن الأصغر بين الزَّواني يُبدد مال أبيه، لَكِنَّه لم يفقد لقب الكرامة، أي لقب الابن. في وسط أرض العبوديَّة كان جاحدًا لأبيه، لَكِنَّه تذكَّر وقال”كم من أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلك جوعًا؟”، فقد كان خاطئًا وبدَّد ميراث أبيه، لَكِنَّه دعا الله”أبا” فنعمة الروح الَّتي تُعطيه أن يدعو الله “أبا”لم تفارقه رغم كُلُّ هذا![52]

 وبالتأكيد لعبت المجاعة دورها في خلفيَّة مثل الابن الضَّال لِأنَّها دفعت الابن لما هو أسوء، فبعدما انفق ميراثه بحماقه ضُربت البلدة الَّتي يعيش فيها بِالمجاعة ممَّا ذهب به إلى أسوء الأحوال وعند هذه النُقطة عاد إلى رُشدِهِ ووضع قدميه على طريق العودة لأبيه، وليس من الحكمة أن نحاول أن نوظف كُلَّ تفاصيل المثل لنخرج بأهميَّة رُوحيَّة، ولكن من المُؤكَّد أن يسوع قد أشار هنا أننا عند ادراكنا باحتياجاتنا الرُوحيَّة نكون في حالة استعدادٍ للتفكير في التَّوبة[53]فقد لعبت المجاعة دور زمنى لِتقصير النَّتيجة الَّتي كانت تنتظر الابن الأصغر نتاج نمط حياته المُسرف لَكِنَّها لم تكُن هي نقطة التحوَّل في حياته، لَكِنَّه دخل في مُحاولة يائسة أخيرة يُحاول فيها تخطَّي محنته بطريقته الخاصَّة.

يقول القدَّيس أمبروسيوس: ما حل على هذه البلدة لم يَكُن قِلَّة طعام بل الأعمال الصَّالحة والفضائل، أنعرف ما هو أشد منها جوع وبؤس؟ الذي يترُك كلمة الله يجوع لأن “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله” (لو 4:4) من يبتعد عن الينبوع يعطش، ومن ابتعد عن الكنز يشكو الفقر، ومن ترك الحكمة صار جاهل[54]

مجرى الماء هو مخلصنا يسوع المسيح. والملازمون له تحيا نفوسهم. (إبصالية الأربعاء)

  • (15) فمضى والتصق[55] بواحد من اهل[56] تلك الكورة فارسله الى حقوله ليرعى خنازير.

هكذا ضرب سهم الْمذلَّة حياته وأذلته الخطيَّة أقبح الذُل!. ولكن لكي نبني تصوُّرًا صحيحًا لما اُضطُرَّ الابن الأصغر أن يذهب إليه علينا ان نتصوَّر فكرة عقد “παραμονή باراموني” اعتقد أن هذا هو الشَّكل الأقرب الذي يُوضَّح الوضع الاقتصادي الضَّعيف للابن، وهذا بدوره أن يُزيد من شأن قبول أبوه له، وبهذا يصير قصد المثل واضحًا أكثر باعتباره جزءًا مهمًا من الموضوع اللاهوتي الرئيسي في المثل والمتمثل في العلاقة مع المهمشين والفقراء وهذا ما تم التَّعبير عنه بلُغةٍ اقتصاديَّة. لاحظ أن عقد باراموني ليس مجرَّد أن شخص يستأجر شخص آخر كمثل فعلة الكرم (مت 20: 1-16) بل يشترط في حالتنا بقاء الابن مع هذا المواطن، فهي عمالة إجبارية إلزاميَّة بعقود طويلة الأجل (Indentured labor).و علينا أن نفصل بين رغبة الابن في البحث عن أي عمل مهما كان لإيجاد ما يعتقد أنه راحة حيث العمل مع هذا الشَّخص وبين ذهابه إلى المُهمَّة الأولى وهي رعاية الخنازير، بمعنى:

المقطع الأول: καὶ πορευθεὶς ἐκολλήθη ἑνὶ τῶν πολιτῶν τῆς χῶρας ἐκείνης- فمضى والتصق بواحد من اهل تلك الكورة

المقطع الثاني: καὶ ἔπεμψεν αὐτὸν εἰς τοὺς ἀγροὺς βόσκειν χοίρους- فارسله الى حقوله ليرعى خنازير

فالتَّغيير المُفاجيء لموضوع الخطاب هنا يُوضح الفصل بين حدثين مُختلفين، فذهاب الابن للبحث عن عمل ربما يُعني رغبته في العمل المقيد لكنه يأخذ مهمته الأولى -رعاية الخنازير- مع هذا الرَّجُل، وهو في استعداد لأي شيء يُطلب منه فقد ألزم نفسه بطريقة غير محدَّدة أو مشروطة لهذا الشَّخص وهذا بالضَّبط ما يُسمى بعقد باراموني وهذا ما نستطيع به فهم تعبير “التصق”[57]

ومن الواضح أن هذا الأمر مرفوض ومُحرّم على الإنسان بحسب الفكر اليهودي ( اع 28:10)وهذه الحقيقة تنعكس في نظرتهم للعشارين، وكذلك تربية الخنازير (تث 8:14، لا 7:11)وبحسب القول الحاخامي المشهور “ملعون الرَّجُل الذي يُربَّي الخنازير أو يُعلم ابنه الفلسفة اليونانية”[58]

إقتتنا لك يا الله مخلصنا لأننا لا نعرف أخر سواك (اوشية السلام-القداس الباسيلي)

 

  • (16) وكان يشتهي ان يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله. فلم يعطه احد.

 كانت هذه هي القطرة الأخيرة في الكأس المرة! فهو لم يتأرجح بين عُلوّ وهبوط لَكِنَّة ينتقل من هُبُوط إلى هُبُوط، بينما كان قبلًا يُشارك أبيه المائدة الأن يشتهي أن يشارك الخنازير، حتى هذه الشَّهوة لم تتحقَّق فتعبير ” كان يشتهي – ἐπεθύμει” يُمثل رغبة لم تتحقَّق (انظر لو 21:16، 22:17، 15:22)، فهذا النُّقصان يُوضح درجة اليأس الَّتي وصل لها الابن، فكان يتوق دائمًا إلى الشَّبع من طعام الخنازير، رغبة عجيبة بالحقيقة!، كيف يستطيع حتى من الناحية السيكولوجية أن يأكل طعام الخنازير!؟ والأعجب هو”لم يعطيه احد”! يرى يواقيم إرمياس أن الابن الأصغر اُضطُر أن يسرق الطَّعام[59] ولكن موافقته على هذا الرأي تحتاج إلى ما يدعمه أكثر. ببساطة نحن لا نعرف كيف حصل الابن على الطَّعام لأن المثل لم يُخبرنا!.شجرة الخروب غالبًا تُسمى خبز القدَّيس يوحنا المعمدان والموجودة في كُلَّ أنحاء منطقة البحر الأبيض المُتوسَّط، وتحتوي على لب حلو ولكن بذوره غير قابله للهضم وهي ما يعيش عليه الحيوانات وفي بعض الأوقات يأكله الإنسان[60] ولَكِنَّه في الاساس ليس للإنسان فقد كان الفقراء يأكلونه في الأوقات الصَّعبة والمجاعات من شدَّة الجوع، بل ورُبَّما يكون النوع المقصود هنا كما يقترح كينيث بيلي ليس هو طعام القدَّيس يوحنا، لكن الصَّنف البري المر منه الذي يُؤكل في حالة اليأس[61] وبحسب القول الحاخامي “يتوب اسرائيل عندما لا يجد إلا الخرنوب”[62] وبالفعل بعدما وصل الابن إلى هذه النُّقطة بدأ في تغيير مساره.

 

 

 

  • عودة الابن الأصغر
  • (17) فرجع الى نفسه وقال كم من اجير[63] لابي يفضل عنه الخبز[64] وانا اهلك جوعا.

في خمسة أمثال أخرى للرَّب يسوع في إنجيل لوقا نجد هذا المونولوج الدَّاخلي الذي يكشف لنا لحظات المُواجهة مع اتَّخاذ القرار (انظر 12: 16-20، 12: 42-46، 16: 1-8، 18:2-5، 20: 9-16) وفي هذا الحديث الدَّاخلي نجد العودة إلى النَّفس أي العودة إلى الكيان الإنساني ليكتشف الابن خلقته ورتبتُه الأُولى الَّتي سقط منها وبعودته إلى نفسه يستطيع أن يعود إلى الله، وبالتالي نستطيع أن نفهم أن الخطية هي ترك هذه الرُّتبة، فكان يجب أن يعود الابن إلى نفسه لِأنها بداية التَّوبة، والتَّوبة ليست فقط أن نكُفّ عن فعل الشّر ولكن أن نعود عودة حقيقيَّة إلى الله، فهي حتَّى ليست مجرد تغيير الفكر او طريقة التَّفكير ولَكِن الرُّجوع إلى الأصل وأن نُدرِك حقيقة كياننا ورتبتنا الأُولى.

 يقول نورفال جيلدنهويز “القدم الأُولى في طريق التَّوبة الحقيقيَّة هي أن يُدرك الإنسان ما عليه من بؤس في معيشته في بلد الخطيَّة وأن يرى نفسه على حقيقتها حيث الفقر والدنس”[65]

 يقول داريل بوك “يتفكر الابن في حالته ويُدرك أنَّ عبيد أبيه أفضل حالًا مِنه وهكذا يكتشف الخاطيء حاله الميؤوس بسبب الخطيَّة!، فمعنى أن تكون خارج عائلة الله أن تكون بمفردك تمامًا”[66]

 يقول القدَّيس يوحنا ذهبي الفم: بعدما عانى الابن من ما يستحقُّه أهل الشَّر في الكورة البعيدة، وقع تحت المصائب ونقصد الجوع والعوز واشتم رائحة الموت مُدركًا أنَّه ألقى بنفسه بين أيدي الغُرباء مُغتربًا عن أبيه فأصبح في منفى بدلًا من بيت أبيه وفي احتياج بدلًا من الغنى وفي جوع بدلًا من الشَّبع، هذا ما قصدهُ الابن بِقوله “أهلك جوعًا” كأنَّه يقول مُستنكر أنا ابن لأب صالح وأخ لابن مُطيع ولست غريبًا، أنا الحُر النَّبيل أصبحت الآن أشد بؤسًا من الأجراء، وسقطت من الرتبة العاليّة إلى أدنى رتبة”[67]

الله هو عمانوئيل الطعام الحقيقي شجرة الحياة العديمة الموت. (إبصالية الأثنين)

وبينّما يرى أرلاند هولتجرين أن عبارة “رجع إلى نفسه” ما هي إلا رجوع الابن إلى رُشده، وأن الابن لم يُقَدَّم توبة[68] يرى يواقيم إرمياس أن هذه عبارة سامية تُشير إلى التَّوبة[69] يقول روبرت شتاين “أن عبارة رجع إلى نفسه هي عبارة عن مُصطلح عبري\آرامي يُعني “تاب” لذا لا يُشير فقط إلى مُجرد عمليَّة عقلِيَّة تدفع الابن في التَّفكير في وضعه الحالي ولكن أيضًا إلى تجديد أخلاقي يتضمن التَّوبة لاحظ عدد 21،18،10،7 من نفس الإصحاح”[70]

 يقول بوب أوتلي“هذا التَّعبير العبراني (رجع إلى نفسه) يُشير إلى (1) قبول المسؤوليَّة والتَّوبة (2) عمليَّة التَّفكير الشَّخصِي الداخلي (بالضبط كما في لو 4:18) تُرشدنا الأعداد 19،18، أن المعنى المقصود هو التَّوبة.”[71]

ضرورة التَّوبة هي موضوع مركزي في كتابات القدَّيس لوقا (اع 38:2،19:3) صحيح أن توبة الابن بل وتوبتنا ناقصة لكن لا السَّرد الكتابي بصورة عامَّة ولا هذا المثل يضع هذه النقطة موضع اهتمام ولم يشترِط أن التَّوبة يجب ألا تشوبها شائبة، ولكن يتم التركيز دائمًا على الصرخة الإنسانيَّة إلى الله والعوده وطلب الغُفران والمُصالحة.

يرى كينيث بيلي إن الابن لم يتوب إلا عندما تقابل مع أبيه [72] وفي الحقيقة هذا الرأي يُلغي الكثير من التَّصوُّرات الموجودة في المثل حيث يتم في المثل تصوير الخطيَّة في أبشع الصور في الانفصال عن الأب وتبديد المال والعيش في كورة بعيدة وإطعام الخنازير والوصول لحافة الموت، وبعد كُلَّ هذا كما أراد الابن قبلًا ترك أبوه يرجع إلى نفسه مرَّة أخرى ويُقرر أن يعود، فلو أن الابن لم يتوب حتَّى يُواجه أبوه فهذا يتضمَّن أن المثل يفترض أن الله بجب أن يقوم بالخطوة الأُولى لِلحث على التَّوبة، ولكن ما يسرده المثل هو العكس، الابن هو الَّذي يأخُذ زمام المُبادرة ويقوم ويذهب إلى أبوه، وبالتأكيد كانت فكرة الابن عن ما سيحدُث عندما يذهب لأبوه مُرتبطة بالناموس، ولكن الأب لم يضع عقبات وشروط صارمة على الابن بل قبله ببساطه لأنَّه عاد، وهنا بيت القصيد أنَّه كان يتوجب على الابن أن يعود، في مثل الخروف الضَّائع يذهب الراعي ويبحث عن الضال ولكن هنا الأب ترك أبنه لحُرَّيَّة اختياره أن يترك البيت وينتظر الأب عودته، ولا أعرف بأي طريقة يجب أن نفهم أن الله يقبل كل من يعود إليه ولكن التَّوبة ليست شرط!؟ كيف يستطيع الإنسان فهم هذا التَّناقُض اللَّفظي؟ بأي معنى أن يعود الإنسان إلى الله ويترُك الخطيَّة لَكِنَّه لا يتوب؟، لو اتبعنا هذه النمط في التَّفكير سنصل أن الله يقبل اللذين لم يتوبوا حقًا ولكن ما يدفعهم هو الأنانيَّة فقط، وهذا ما يتعارض مع الإعلان الكتابي بكامله.[73]

 فلا يُمكن أن نغفل هذا الجزء من المثل حيث يتَّضح لنا عدم الانفصال بين ما يصفُه المثل وبين ما يُعلم به، فكيف نفصل الجوع عن التَّوبة؟ فعودة الابن إلى نفسه حدثت حينما كان يَهيمُ شاردًا في تيار الحياة دون تفكير جاد وعلى غير ما كان يحتسب وجد أن الموت يُحدق في وجهِهِ، فقد كان الابن في طياشة ولكن الحاجة الماسة – لا سِيَّما الجوع-الَّتي وجد نفسه فيها جعلته يعود إلى نفسه مرَّة أخرى، هكذا من يعيش على مستوى الجسد لا يستطيع فهم الدُّروس الحياتية إلا عندما يُواجهها من جهة الاحتياج الجسدي أو الألم، وحينما رجع إلى نفسه بدأ يُدرك حماقته وأصبح الآن يتمنَّى أن يعود ولو أجير، لاحظ هنا فهؤلاء ليسوا عبيد بل اجراء لكن الابن الآن هو عبد، فمن النَّاحية العمليَّة هم أفضل منه ويفيض منهم الخبز، ومن جهة أُخرى فمهما كان مقدار ما فعله سيرحمه أبوه أكثر من هذا الشخص الذي اسعتبد نفسه عنده.

  • (18) اقوم واذهب [74]الى ابي واقول له يا ابي اخطأت الى السماء[75] وقدامك.

يُوضح تعبير “اقوم-ἀναστὰς” عن استيقاظ الابن من سُباته ونُعاسه ويأسه (قارن اع 9:18،6، 17:5)[76] فعليه أن يعود للتو لِأبيه وعلى شفتيه عبارة تبجيليَّة لِلخطأ الَّذي فعله”إلى\ضد السماء εἰς τὸν οὐρανόν” ينعكس فيها حقيقة إدراكه لما فعله، فهو لم يعتدي على أبيه فحسب بل انتهك الوصيَّة الخامسة (تث 16:5)، فالحديث لا يخُص فقط طريقة العيش في الكورة البعيدة بل كُلُّ أفعاله مع أبوه مثل طلب الميراث وبيعه، تركه للبيت، ووقوع نصيبه في الميراث بين أيدي الغرباء. فهكذا اخطأ إلى الله وإلى أبوه. ويجب النظر في التمييز بين “إلى- εἰς” للحديث عن الخطأ إلى السماء وبين “قدامك- ἐνώπιόν σου” للحديث عن الخطأ في حق الأب، أنه مُجرد مُتغيَّر ترجمي لمُجرد أسباب أسلوبية بحتَّة يرجع لحرف جر واحد عبراني (ל) يُقدم في النص السبعيني لحروف الجر. ولكن أعتبر الابن أن ما فعله هو خطية ضد أبيه وضد الله (انظر مز 4:51) وبالرجوع إلى النَّفس أدرك أنه اخطأ إلى الله لكونه “ابن” ونال نعمة البُنُوَّة فهو قد اخطأ بالتَّرك والابتعاد. والاعتراف بالخطية أو بمسؤولية الإنسان عن الخطية هو الخطوة الأولى نحو المُصالحة بين الله والإنسان، ومن الواضح أن الابن لم يخطر بباله أن يختلق أي عذر أو يُلقي حمل المسؤوليه على أبوه ويلومه لأي سبب، لم يُلقي المسؤولية على آخر بل ألقى هو نفسه تحت ظلال الرحمة الأبوية، هذه الرحمة التي تحمل الإنسان من العيش غير الإنساني بين الخنازير إلى عيشة البنوة، وبدلًا من أكل الخرنوب الذي لا يُشبع النفس تُشبعه من الحب الإلهي الأبوي ما يتعجب له الإنسان.

يقول القدَّيس يوحنا ذهبي الفم: بِمُجرَّد أنَّ قال “سأعود إلى أبي” أتت له كُلَّ البركات، أو بالأحرى ليس مُجرَّد القول بل ما فعله بعدما تكلَّم، لأنَّه لم يقُل “سأعود إلى أبي” ثُمَّ نام في سرير الخطيَّة، بل سلك في طريق عودته إلى أبيه، يجب أن نفعل مثل هذا الابن، حتَّى لو حطمنا كُلّ الجسور الَّتي بيننا وبين بيت الأب وذهبنا في الكورة البعيدة، علينا أن نرجع إلى بيت الأب مُسرعين ولا يضربنا التَّردُّد لأننا لو أردنا العودة فستكون أسهل وأسرع جدًا، كُلُّ ما علينا فعله هو ترك الكورة البعيدة الغريبة لِأنَّ هذه هي الخطيَّة التي تُسيرنا بعيدا عن بيت أبينا، فلنهجر الخطيَّة إذًا لنعود إلى بيت الأب، أبينا الذي فيه بالطَّبيعة شوق يحمِلُه لنا[77] يقول القدَّيس أمبروسيوس: هذا هو الاعتراف الأوَّل قُدَّام خالق الطَّبيعة وسيَّد الرَّحمة وديَّان الإثم، الله يعلّم كُلَّ شيءٍ لَكِنَّه ينتظر اعترافك، اعترف لكي يشفع لك المسيح فهو شفيع لنا عند الله الآب، اعترف لكي تُصلَّي الكنيسة من أجلك ويبكي الشَّعب عليك ولا تجذع لأنَّك ستنال، الشَّفِيع يُقدم النَّعمة، والمُؤيَّد يهب الغفران، والمدافع يعدك بالمُصالحة، آمن أنَّه الحق وثق، لك من يشفع لك عند الآب وإلَّا فيكون المسيح مات لأجلك بلا معنى، للآب سبب أن يعطي الغفران فأن ما يُريده المسيح يُريده الآب[78]

أخطأت أخطأت يا ربي يسوع اغفر لي لانه ليس عبد بلا خطية ولا سيد بلا غفران (لحن ربنا يسوع المسيح)

  • (19) ولست مستحقا بعد ان ادعى لك ابنا. اجعلني[79] كاحد اجراك.

لم تكُن كلمات الابن عن عدم استحقاقه للبنوة تُعبر عن ومضة حزن وقتيَّة على الماضي المُرّ والمُوجِع بل توبة حقيقيَّة تُعبر عن إدراكه بِوضعه الحالي، يقول ليون موريس “لقد أدرك أنَّه فقد كل حقًّ لِمعاملته كابن، وما يتمنَّاه أن يُعامل كمُجرَّد أجير ضمن الأجراء في بيت أبيه، فصار مطلبه الوحيد هو طلب وظيفة في بيت أبيه وحينها على الأقل سيحصُل على أجر يتعايش به”[80] ولكن الحديث ليس فقط عن حق الابن من جهة التشريع، صحيح أنَّه بدَّد ميراثه وليس له أي حق عند أبوه، ولكن أيضًا من جهة البُنوَّة، أي إن الابن نظر لِأفعال المحبَّة التي فعلها أبوه ووضعها أمام ما فعله هو، يرى روبرت شتاين أن عبارة “لست مستحقا بعد ان ادعى لك ابنا” غير مُتعلَّقة بوضع الابن القانوني بل بوضعه البنوي، بمعنى أن الابن يقول إن أب مثلك يستحق أن يكون له ابن أفضل مني[81] فهو حتَّى ليس له الحق أن يكون أجير هو فقط يطلب أن يكون كأحد الأجراء لِأنَّه متأكد أنَّه قد هدم كُلّ الجسور بينه وبين أبيه، وهكذا تغيرت طريقة حديث الابن مع أبوه، في الفقرة (12) “اعطني” ولكن هنا “اجعلني”، لاحظ: كـ اجير “ὡς ἕνα τῶν μισθ” فهو لا يُريد أن يكون له أي تمييز بينه وبين أصغر أجير عند أبوه، ولَكِنَّه يثق ثقة قلبيَّة ترتكز على ما يعرفه عن أبوه أنه سيقبل طلبه، وهذه الثقة الَّتي دفعت بالابن أن يعود ليس لها أن توجد إلَّا بوجود معرفة حقيقيَّة لأبيه.

  • (20) فقام وجاء الى ابيه. واذ كان لم يزل بعيدا رآه ابوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبّله.

هذا النَّص يُدعَم وجهة النَّظر الَّتي تقول أن الرَّب يسوع لا يسرد مثل من واقع الحياة لَكِنَّه بِالتَّأكيد يسرد مثل به تفاصيل غير مألوفةٍ أو مقبولةً لدى كُلَّ من يسمعه، فما فعله الأب هنا بِحسب يواقيم إرمياس هو كسر وتحطيم لِكُل البروتوكولات[82] ومن بداية سرد المثل، سيسأل أي قارِئًا مُدقَّق الكثير من الأسئلة، هل كان سيتجرأ ابن يهودي في القرن الأوَّل الميلادي على أنَّ يطلُب نصيبه من الميراث بينما أبوه لا يزال على قيد الحياة؟ هل من الطَّبيعي أن يُعطِيه أبوه نصيبة بهكذا سهولة؟ هل لو وضع قاريء القرن الواحد والعشرين نفسه مكان هذا الأب وهو يرى عودة ابنه مرَّةً أُخرى مهما بلغت منه السَّعادة هل سيستقبله بهذه الطَّرِيقة؟ فكم وكم يكون تصرُّف أب شرق أوسطي يمتلك ما يمتلك ويفعل هذه الأفعال الغير معقولة والغير مُتوقَّعة حتى من الابن نفسه!. فالرب يسوع يستخدم كُلَّ الوسائل الأدبيَّة لِإبراز التَّناقُض الصارِخ بين موقف الله تُجاه الخطاة وبين الفريسيين (الأخ الأكبر).

لذلك يقول كريج بولمبرج“مهما تملَّكت السَّعادة من قلب هذا الأب حينما رأى ابنه مرَّةً أُخرى فمن المُتَّفق عليه أن كُلَّ ما حدث بينهُما كان بِالتَّأكيد أمرًا غير مُعتادٍ، فليس هُناك رب أسرة شرق أوسطي كبير السَّن ذو وقار يركُض إلى ابنه، ويُقاطع ابنه وهو يعترف أنه أخطأ ليُظهر توبة كاملة (فقرة 21،19،18)، أو يأمُر للتو بِكُلَّ ما ورد في (فقرة23،22)، كُلَّ هذة التَّفاصيل تُشير بِقُوَّة إلى أن يسوع أراد أن يُسمع سامعيه ما هو أكثر من مُجرَّد صورة بسيطة وواقعية للحياة الأسرية، بل قدَّم لهُم قصة غير مألوفةٍ ليُظهر مدى صبر الله المُذهِل والبديع ومحبَّته لِأولاده الجاحدين”[83]

وبِالرَّغم من بدأ تمركز دور الأب هنا في المثل، ولكِن هذه ليست بداية رحلة الحب، المحبَّة لم تبدأ عِند التَّوبة ولم تختفي عندما ترك الابن البيت، فلم تُفارِق المحبَّة قلب الأب في أي لحظة لِذا فقد أعطى ابنه الحُرِّيَّة في أنَّ يترُك البيت، فمحبَّة الأب لا يحُدَّها شئ بل هي محبَّة دُون قَيدٍ أو شرط، الابن بِالتَّأكيد لا يستحق هذه المحبَّة ولكِن لم يكُن الاستحقاق هو المعيار التي تُعطى على أساسه المحبَّة، وبالتأكيد لم يتوقَّع الابن كُلُّ هذا الحب. رُبَّما كان أعظم ما يتوقَّعُه هوترحيب فاتِر، لم يكُن للابن أن يتصوَّر أن أبوه حينما سيراه ستحن احشائه اليه أو سيركض قلبه إليه قبل قدميه.

 يقول دوايت بينتكوست “لم تبدأ محبَّة الأب بِعودة الابن ولم يتوقَّف عن حُب ابنه، لقد أحب ابنه في ظِل عدم استحقاقه لِلحب، ولقد أحبه حينما كان بعيدًا عنه، وأحبه وهو يُبدَّد مِيراثُه، وأحبُّه وقت سقُوطِه حيث يرعى الخنازير، أحب الأب ابنه وقتما كان لا يستحق أي محبَّة، وهذه المحبَّة دفعت الأب أنَّ يركُض ويحتضن أبنه ويقبله، فقد امتلأ الابن بِمحبَّه أبوه المسكوبة عليه عفويّاً. ففي مثل الابن الضَّال يؤكد المسيح أن الله يُحب الخطاه وينتظر بِكُل لهفة عودتهم إليه”[84]

 

 

 

فما نراه بِكُلّ وضوح هنا هو سيادة الرَّحمة والشفاء والمحبَّة وهذه السيادة يتم التعبير عنها بهذه التعبيرات:

  1. “رآهُ- εἶδεν αὐτὸν: هذه الرؤية كانت على بُعدٍ، ما زال الابن على مسافة بعيدةٍ من أبوه، “لم يزل على مسافة بعيدةٍ بعد- ἔτι δὲ αὐτοῦ μακρὰν ἀπέχοντος” هنا في حالة (المضاف المطلق- Genitive absolute)هذا يُفهم إنَّ الابن بينه وبين أبيه مسافةٍ بعيدةٍ بعد، وهذا يَدُل على أن الأب كان يبحث عنه ليعود[85] كما يقول دوايت بينتكوست “يؤكد النَّص اليوناني أن الابن كان على مسافة بعيدةٍ من الأب مِمَّا يَدُل أن الأب لم يبقى في بيته يعيش على أمل عوده الابن، لّكِنَّه يعرف من داخله أن ابنه سيعود، فمن الجليّ أن الأب كان يقطع يوميًّا مسافة كبيرة من المنزل إلى نقطة رؤية ما حيث يتمكَّن من رؤية ابنه العائد في أقرب وقت، وهكذا الأب في غاية الشَّوق وينتظر أبنه على أحر من الجمر”[86] ورُبَّما أكثر مشهد مُماثِل لهذا التَّصور في العهد القديم هو (طو 11: 5-6)”وَأَمَّا حَنَّةُ فَكَانَتْ كُلَّ يَوْمٍ تَجْلِسُ عِنْدَ الطَّرِيقِ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ حَيْثُ كَانَتْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْظُرَ عَلَى بُعْدٍ. فَلَمَّا كَانَتْ تَتَشَوَّفُ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ ذلِكَ الْمَوْضِعِ، نَظَرَتْ عَلَى بُعْدٍ، وَلِلْوَقْتِ عَرَفَتْ أَنَّهُ ابْنُهَا قَادِمًا، فَبَادَرَتْ وَأَخْبَرَتْ بَعْلَهَا قَائِلَةً: هُوَذَا ابْنُكَ آتٍ.” وفي أبسط التَّصوُّرات لهذه الرؤية كمُجرَّد وقوع النَّظر فأنها ستكون مُحاطة بِالحب، لأننا لو تصوَّرنا أن الأب كان يجلس امام بيته ورأى أبنه في طريقه للبيت فهو لم يظل جالسًا مُنتظرًا دخول الابن إلى البيت ثم يُعاتبه بعبارات سلبية أو يفعل ما يفعل، بل تحرَّك نحوه مُبادرًا بِالمُصالحة. فالانتظار يُعبر عن الانشغال بمن يأتي، هذا ما جعل هلموت تيليك أن يُسمي المثل بـ “الأب المنتظر- “The Waiting Fatheهكذا يجب أن نفهم أنَّ الله مشغُول بالخطاة!.
  2. تحنن: وهكذا نستطيع أن نرى في خلفية تحنن الأب ما يقوله المزمور “كما يترأف الاب على البنين يترأف الرب على خائفيه‎.” (مز13:103). يرى جون نولاند أنَّنا نستطيع أن نرى معنى التحنن هنا في ضوء ما فعله الرَّب مع أرملة نايين وما حدث في مثل السامري الصَّالِح[87] الفعل “تحنن –σπλαγχνίζομαι”، “فلما رآها الرب تحنن عليها وقال لها لا تبكي” (لو 13:7)،”ولكن سامريا مسافرا جاء اليه ولما رآه تحنن” (لو 33:10)يُعبر عن قلب المثل الذي ينبض بِالشُّعور الأبوي الَّذي سبق أي اعتراف بالتَّوبة من الابن، وهذا ما يتوافق مع البحث والتفتيش في مثل الخروف الضائع والدَّرهم المفقود.[88] لاحظ أن في هذه المُعجزة (لو13:7) أنها المُعجزة الأُولى الَّتي يستخدم فيها لوقا تعبير “الرب “ὁ κύριος- ليسوع، وتعبير “تحنن- ἐσπλαγχνίσθη” المستخدم أيضًا في لو 78:1 “باحشاء رحمة الهنا التي بها افتقدنا المشرق من العلاء.” إذا أخذناها بحرفيتها فهي تُشير إلى تحرك الاحشاء، كما نجد بعض الكلمات العبرانيَّة في العهد القديم التي تُشير لِلشَّفقة والرَّحمة والتحنن مثل רִחַם\ רַחֲמִים\ מֵעִים نجد هنا اشتقاق مُماثِل، كما نجد في نصوص لوقا أيضًا أن تعبير “تحنن” يُشير إلى فيض الرَّحمة، وهذا ما يظهر مع السَّامري الصالح (لو 33:10) والابن الضَّال أيضًا، فالتحنن هو إحدى سمات الرب عندما يشفي ويُحرر من العبوديَّة وهذا هو العمل المسياني الَّذي تحدث عنه الرب بِنفسه “روح الرب عليّ لانه مسحني لابشر المساكين ارسلني لاشفي المنكسري القلوب لانادي للمأسورين بالاطلاق وللعمي بالبصر وارسل المنسحقين في الحرية، واكرز بسنة الرب المقبولة.” (لو 4: 18-19) وهذا التحنن هو الدَّافع للمعجزة.[89]
  3. ركض: هكذا قد كسر الأب كُلّ الأعراف السلوكية ولا يوجد ما يمنعه أن يركُض إلى ابنه هكذا هو الله أبينا لا يُدانيه أي أبٍ في الأرض في أبوَّته الحانيّة، الله أبينا الَّذي يُفيض قلبه حُبًّا وشفتيه غُفرانًا، فقد ركض الأب نحو ابنه وهو عالم بِحال هذا الابن، ركض إليه ليُخرجه من بندُقة الخطيَّة الَّتي خنقت حُرَّيَّته إلى الحياة الرَّحبة الواسعة ومن طبقات الظَّلمة إلى نور المحبَّة حيث الحُرَّيَّة والغُفران، وبعدما كان الموت يكشر عن أنيابه في وجه الابن الأصغر يعود ليرى وجه أبوه المتشوق إليه، يرى أبوه الَّذي لم يقدر على الانتظار وهو يرى ابنه متعبًا بائسًا يُحاول أن يجر خطواته، يجر قدميه في الطَّريق نحو أبوه مما فعلته فيه الخطيَّة. يقولكلينتون أرنولد “نحن نقف امام صورة تُذهل المرء في أي زمن إلى يومنا هذا، فلا يُمكن لِأب شرق أوسطي يركُض وهو يرتدي جِلبابه، بل تمتاز خطواتة بالرصانة والتَّبجيل، فقد كان يُنظر للركوض كتصرٌّف مُهين ولكن فرح ومحبَّة الأب الغير محدودة لم يتقيَّد بهذه النَّظرة، وهذا يكشف لنا عن نعمة ومحبة الله الغامرة للخاطيء والفرح الذي يتذوقه ويختبره الإنسان التَّائب، وبهذا تتجلى النَّعمة والغُفران الإلهي للخطاة في مثل الابن الضال، يُخبرنا المثل أيضًا أنَّنا رغم ابتعدنا عن الله وتبديد مراثنا، ولكن أذرُع الله لا تنغلق يوما وقبوله لا يختفي يومًا لِكُلَّ من يعود، وبما أنَّ الله أبينا غفر لنا بهذه الطَّريقة فعلينا أن ينعكس فينا شخصيَّة أبينا ونحتفي بمن يعودون إليه”[90]
  4. وقع على عنقه وقبّله: رُبَّما ردَّد الابن طوال رحلته الطَّويلة من الكورة البعيدة العبارة الَّتي سيقولها لأبيه حينما يقف أمامه، وكلماتِه تخطو مع خطُوات قدَّمه، ولَكِن احتضنه أبوه وقبلّه قبل أن ينطق الابن ببنت شفةٍ، ولكن حال الابن المؤسف كان أبلغ من أي كلمات سيقولها، كما نستطيع أن نرى في خلفيَّه ركُوض الأب ومعانقتُه لِابنه وتقبيله ما فعله عيسو في العهد القديم “فركض عيسو للقائه وعانقه ووقع على عنقه وقبّله. وبكيا” (تك 4:33)،”ثم وقع على عنق بنيامين اخيه وبكى. وبكى بنيامين على عنقه. وقبّل جميع اخوته وبكى عليهم. وبعد ذلك تكلم اخوته معه” (تك 45: 14-15) وقد كانت القبلة علامة المغفرة واستعادة العلاقة “فجاء يوآب الى الملك واخبره. ودعا ابشالوم فأتى الى الملك وسجد على وجهه الى الارض قدام الملك فقبّل الملك ابشالوم” ( 2صم 33:14)، كما أن التَّعبير المُركَّب κατεφιλησεν يدُل أنَّ الأب قبلّه مرارًا وتكرارًا. يقول الأب بطرس الخريسولوغوس: بِالعناق والتَّقبيل هذّب وعاقب الأب ابنه الضَّال،لم يضربه بل قبلّه، محبَّة الأب الشجاعة تغاضت عن ذلات الابن،لم يفضح الأب أفعال الابن، ولم يُذله لَكِنَّه برأه من خطاياه بقُبلة وسترها بِحضنه، بهكذا طريقة شفى الأب جراح ابنه دون أن يترُك فيه ندبًا أو عيبًا، يقول الكتاب “طوبى للذين غفرت آثامهم وسترت خطاياهم.” (رو 7:4)[91]

 

لأنه ُغلَب من تحننه وأرسل لنا ذراعه العالية. ( ثيؤطوكية الاثنين)

(21)فقال له الابن[92] يا ابي اخطأت الى السماء وقدامك ولست مستحقا بعد ان أدعى لك ابنا[93].

على الرَّغم من كُلَّ هذا التَّرحيب البهيح الحار من الأب فلم يردع الابن من قول الاعتراف الذي عزم أن يقوله، ولكن تختفي عبارة “اجعلني كأحد اجرائك”، وهنا يوجد رأيين، الأوَّل هو أن الأب قد قاطع حديث الابن ولم يجعله ينطق بهذه العبارة، وهذا الرَّأي يميل له الكثير من العلماء أو الغالبية[94]، فمثلاً يقول لينسكي “لاحظوا أن الأب يُقاطع ابنه قبل أن يُكمِل اعترافه، هذه إحدى اللمسات الرَّقيقة في هذا المثل حيث خَلَّص الابن من توسله الجارح المهين”[95] أما الرَّأي الثَّاني ويتبناه عدد قليل يرى أنَّ الابن هو الَّذي لم يستطيع أن ينطق بمثل هذه العبارة في ظل هذه المحبَّة الأبويَّة، فيرى مثلا جون نولاند أن طلب الابن بعودته مثل الأجير سيكون إهانة لمحبَّة الأب[96]

على الرَّغم أن اغلب العلماء يتبنون الرَّأي الأوَّل، ولكِنَّني أميل إلى الرَّأي الأخير، لأنه لا يوجد شيء أقوى من تذوق المحبَّة يجعل الإنسان يُدرك خطيته، فعلاقة الحب وإعلان المحبَّة المختبرة الَّتي سكبها الأب في ترحيبه الشّجي على ابنه قد ايقظت في الابن وعي بُنوَّتِه، والثَّقه البنوية الَّتي فيه قد استيقظت لذلك لم يقل اجعلني كالاجراء. وهذا نتاج كُلُّ ما فعله الأب، هذا الأب الَّذي حاوطت اللهفة انتظاره والشَّوق ركوضه، ويتحنن ويخرج قلبه حينما يرى الابن الضَّال، ويعانقه بقُوَّه ويقبله بحرارة، امام كُلَّ هذا قد شعر الابن بخيبة أمل نحو فاعلية كلماته الباردة، فقد أدرك أن الأب بما فعله قد أعطاه علاقة جديدة. ولا يوجد في النَّص ما يُشير أنَّ رجوع الابن مُفتعل، لَكِنَّه يضع لنا صورة توبة حقيقيَّة لضال عاد إلى أبوه.

  • الاحتفال بعودة الضَّال
  • (22)فقال الاب لعبيده[97] اخرجوا[98] الحلّة الاولى والبسوه واجعلوا خاتما في يده[99] وحذاء في رجليه. (23) وقدّموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح. (24) لان ابني هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد. فابتدأوا يفرحون.

لم يُخبرنا المثل عن أي رد من الأب على كلام الابن الأصغر، ولَكِن من الجلّي أن الأب له سُلطة التَّصرُّف في الممتلكات وقد طلب من العبيد أن يفعلوا بعض الأشياء:

  1. الحلّة الاولى: البعض حاول (مثل رينغستورف) اعتبار معنى كلمة “الأولى – πρώτην” أي نفس الثَّوب القديم الَّذي كان يرتديه الابن قبل أن يترُك البيت، والفكرة هنا هو “إعادة الوضع” فهذا التَّفسير يرى أن معنى الثَّوب “الأول- πρώτην” أي “الأسبق”، مثل “الكلام الاول انشأته يا ثاوفيلس عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلّم به” (اع 1:1) ولَكِن يرى هوارد مارشال أنَّ هذا التَّفسير سيستقيم بوجود الضمير الشخصي αὐτοῦ لِلإشارة أنَّ هذا الرداء هو رداء الابن القديم لّكِنَّه غير موجود في النَّص[100]، فالمعنى الأدق هو “الثوب الأفضل” أي أفضل ما لدينا، فلم يعطيه الأب الرداء القديم الَّذي تركه بل يُعطيه أفضل وأفخر ثوب موجود، لأن هذا التَّعبير الكلاسيكي يعني “الأفضل” بِحسب النَّص السبعيني للعهد القديم، “الشاربون من كؤوس الخمر والذين يدهنون بافضل الادهان ولا يغتمّون على انسحاق يوسف.” (عا 6:6)، “تجار شبا ورعمة هم تجارك. بافخر كل انواع الطيب وبكل حجر كريم والذهب اقاموا اسواقك.” (حز 22:27)، “ناردين وكركم. قصب الذريرة وقرفة مع كل عود اللبان. مر وعود مع كل انفس الاطياب.” (نش 14:4)، وقد اقترح كينيث بيلي أن يكون هذا الثَّوب هو ثوب الأب نفسه، حيث أن أفضل وأفخر ثوب في البيت كُلّه هو ثوب الأب[101]، “يأتون باللباس السلطاني الذي يلبسه الملك وبالفرس الذي يركبه الملك وبتاج الملك الذي يوضع على راسه” (أس 8:6)
  2. الخاتم: هو إشارة لعضوية الابن في الأسرَّة، ولَكِنَّه ليس خاتم الأب نفسه وليس المقصود هو نقل السُّلطة أو اعتبار الابن مُفَوَّض عن أبوه، فالابن لا يتولَّى أي منصب فوق أخوه، فالابنان على قدم المساواة، وعلى الرَّغم أنَّ الكثير من المُفسَّرين يفهم هذا الفعل في ضوء (تك 42:41) ولكن يُفضل جون نولاند صورة التَّكريم الموجودة في (أس 6: 6-11)[102]
  3. الحذاء: هنا يُعلن الأب أنَّه لن يضع عودة الابن إلَّا في صورة البُنوَّة، بهذا التَّصرُّف يقول عمليًا لابنه لن أقبل وجودك في البيت إلَّا بصفتك “ابن”، فمن المعتاد أن عبيد البيت لا يلبسون الأجذية.  
  4. ذبح العجل المثمن: من النَّادر تناول اللُّحوم في فلسطين في القرن الأوَّل ولذلك فهذه مناسبة خاصَّة مُميَّزة[103] وبالكاد أن تتكرَّر مناسبة خاصَّة كهذه ولذلك أمر الاب العبيد أن يذبحوا هذا العجل على شرف الابن ليفرح الكُلّ بعودته. على الرَّغم أن البعض يرى أنَّ ذبح العجل المسمن هو رمز لموت المسيح لكن يبدو صعوبة قبول هذا التَّفسير في ظل اجواء الاحتفال الموجودة في سياق تكريم الأب لابنه التَّائب. ولَكِن الحديث عن هذه الوليمة وضع الَّذين تزمروا في مُشكلة، لِأنَّ كُلَّ هذه الوليمة الضَّخمة تُقام لأجل هذا الابن الَّذي تمرَّد على أبوه وترك ليس فقط البيت بل انخلع من كُلَّ اليهوديَّة لأن رعاية الخنازير تكون في المدن الأمميَّة وبذبح هذا العجل المسمن سيشارك الكُل في هذه الوليمة، والشّركة في المائدة هي استعارة يهوديَّة للدلالة على السماء، فالصدمة هنا أن هذه الوليمة هي للابن الأصغر وهو رمز للخطاة والعشاريين فهم موضوع هذه الوليمة، ولكن الابن الاكبر الذي هو رمز القادة الدَّينين يرفضون الحضور! بل ويقولوا ليس لنا وليمة، وبهذا يُقدم المثل الاسلوب المُعتاد والنمطي في تعليم الرَّب يسوع وهو قلب الأدوار.

 

وبهذا المشهد البيت كُلُّه يتلألأ من الفرح بعودة الابن الأصغر وهذا الفرح هو الرَّابط الذي يربط مثل الابن الضال بالمثليين السابقين (انظر فقرة 9،6) وبهذا يطرح الرب يسوع على الفريسين سؤال خفي، كيف يتفق تذمرهم (انظر فقرة 2،1) مع فرح الله؟ وبالتأكيد هذا السؤال هو للخطاة والعشارين أيضا، هل الله يفرح بكم؟.كما يستخدم الرَّب تعبيرات مُترادفة لها نفس المدلول، فعودة الضَّال كالميَّت الَّذي عاش تربط هذا المثل بِفقد الدَّرهم وضياع الخروف في الأمثال السابقة، وبهذه العبارة (كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد) يضع الرَّب الاساس المحوري لدفاعه عن تصرُّفه تُجاه الخطاة، فعودة هؤلاء الموتى إلى الحياة هو استعلان مجد الله، يقول القدَّيس اثناسيوس الرسولي “لأن مجد الله الآب هو: أن يوجد الإنسان الَّذى كان قد خلق ثم هلك، وهو: أن يحيا الذي مات، وهو: أن يصير الإنسان هيكل الله”[104] وموقف الرَّب يسوع مع الخطاة يتناسب مع مشيئة الله، وبأفعاله مع الخطاة يعلنها صراحة أنا ابن الله الأزلي وممثله أرسلني الأب لأطلب الضَّال، وعندي كُلّ الحق أنَّ أتصرَّف بما يَتََّفق مع طبيعة الله. لا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن المسيح يُدافع عن تصرفاته بهذا المثل، والأب في هذا المثل هو الله.

يقول القدَّيس اثناسيوس الرسولي “وعن ذاك الابن الَّذي ذهب إلى كورة بعيدة وبدَّد أمواله في عيشٍ مُسرِف لما رجع لنفسه قائلاً “كم أجير لأبي يفضُل عنه الخبز وأنا أهلك جوعا”، وللتو قام وذهب إلى أبيه معترفًا “أخطأت إلى السَّماء وقدامك ولست مُستحق أن ادعى لك ابنا اجعلني كأحد أجراك”، لما اعترف هكذا صار مؤهلاً ليأخُذ أكثر مما صلَّى من أجله، لأن الأب لم يقبله كأجير ولم يُعامله كغريب، بل قبله ابنا، قبله كميِّت عاد إلى الحياه نظر إليه كمستحق للوليمة الإلهيَّة، وألبسه الثَّوب الفاخر الَّذي كان يلبسُه ذات يومٍ، وامتلأ بيت الأب من الفرح، ما حدث هو ثمرة نعمة الأب ولطفه وتحننه، فالابن لم يرجع من الموت فحسب، بل ظهرت له بالروح نعمته، بدلا من الفساد ألبسه ثوب عدم الفساد، ولسد جوعه ذبح له العجل المسمن، وألبسه حزاء لكي لا يغترب مرَّةً أُخرى، وعجيب العجاب أنَّ الأب ألبسه خاتم الختم الإلهي، وبهذا كُلَّه يلده من جديد على صورة مجد المسيح[105]

 

  • غضب الابن الأكبر
  • (25) وكان ابنه الاكبر في الحقل. فلما جاء وقرب من البيت سمع صوت آلات طرب[106] ورقصا. (26) فدعا واحدا من الغلمان[107] وسأله[108] ما عسى ان يكون هذا. (27) فقال له. اخوك جاء فذبح ابوك العجل المسمن لانه قبله سالما. (28) فغضب ولم يرد ان يدخل. فخرج ابوه يطلب اليه.[109] (29)فاجاب وقال لابيه ها انا اخدمك سنين هذا عددها وقط لم اتجاوز وصيتك وجديا لم تعطني قط لافرح مع اصدقائي. (30)ولكن لما جاء ابنك هذا الذي اكل معيشتك مع الزواني ذبحت له العجل المسمن. (31) فقال له يا بنيّ انت معي في كل حين وكل ما لي فهو لك. (32)ولكن كان ينبغي ان نفرح ونسرّ لان اخاك هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد.[110]

 فشل الابن الأكبر أن يُخاطب أبيه ولو مرَّةً واحدة بكلمة “أب”، وينتج هذا عن نظرته لشكل هذه العلاقة الَّتي دامت سنين، وبِسبب الاحتفال بِعودة الابن الأصغر نظر بتأمُّل لِكُلَّ ما فعله كعبد، ومن وجهة نظرة أنَّه صار أقل مكانة من الابن الأصغر لأنه لم يأخُذ ولو حتَّى جدي وليس عجل مُسمن، في الحقيقة لم يُدرك الابن الأكبر طبيعة العلاقة بينه وبين أبوه، فكان الأب يُعامله بِصفته ابن، لكن الابن يُعامل أبوه بِاعتباره سيَّد وهو يخدم هذا السيد من مُنطلق الشُّعور بأداء الواجب وليس من مُنطلق المحبَّة، فهو يعمل كعبد ليس لأنَّه يُحب بل لكي يحصل على ما يُريده، ومُشكلة العمل لم تكُن فقط مُشكلة الابن الأكبر بل كذلك الابن الأصغر فكلاهما اعتبر أن مفتاح قبول الأب هو العمل، كعبد (في حالة الابن الأكبر) أو العودة إليه كأجير! (في حالة الابن الأصغر) بل وكلاهما اعتبر أن معنى الوجود والسَّعادة يكمن في الانفصال عن الله (الأب)، لأن الأصغر أخذ نصيبه وترك البيت، والأكبر يُريد أن ينفصل عن العائلة ويحتفل مع اصدقاءة ولو حتَّى بجدي، فمن يكون له صديق أفضل من الله؟.

وهكذا الأب يُظهر محبَّته للابنان على قدم المُساواة ويُعامل كُلًّا منهُم بحنان متساوٍ، نعم الله يُحب الفريسين والخطاة!. ولكن هذه المحبَّة وهذا الفرح المُعلن بِسبب عودة الخطاة لم يروق للأبن الأكبر ولم يُريد أن يشترِك في هذا الفرح، فبدأ يتخذ موقف مُناقض، فغضب (لاحظ غضب الفريسيون والكتبة فقرة 2) ولم يُريد أن يدخُل، وهكذا يتكرَّر المشهد، الأب يخرج بيته لأجل الضَّال حيث كما ركض الأب إلى الابن الأصغر يخرُج إلى الابن الأكبر، نرى هنا مرَّةً أخرى يأخُذ الأب زمام المُبادرة! يتوسل إليه لكي يدخُل معه، لَكِن ذلك لم يُجدي نفعًا!

وبِغضب جارف ينخلِع من علاقة الإخوة قائلاً “ابنك هذا” هذه الطَّريقة المزدرية الَّتي تُعبر عن عدم إدراك الابن الأكبر بِحقيقة تصرُّفاته، فلو لم تكن أخطائة أكثر بشاعه من أخوه لكنها أكثر خطورة!، ثم يعود الأب ليضع العلاقة في شكلها الصَّحيح يُخاطبه “يا بنيّ” أن “أخاك” ليس فقط ابني لَكِنَّه أيضًا أخاك، عاد من الموت وبنبغي أن نفرح بعودته!. وتظل القصَّة مفتوحة تحتاج إلى تصرف عملي من الابن الأكبر لتنتهي، هل سيظل الابن الأكبر في الهروب من الله بـ الله ويظل عبد؟ هل سيدخُل للاحتفال؟ هل سينظر إلى الابن الأصغر نظرة قبول ويتحلى بِشجاعة المحبَّة؟ هل ستكون نظرته للابن الأصغر أنَّه تخرَّق وليس له مرقعًا هي التي تتملَّك فكره وقلبه؟ 

وفي الحقيقة رغم أنَّ المثل يتحدَّث عن ابنان، ولكن لا يجب أن ننظر إلّا للابن الثَّالث، نعم فمحور المثل عن الابن الثَّالث وهو ابن الله الأزلي الَّذي كان بلا خطية والَّذي لم يهرُب إلى كورة بعيدة بل جاء إلى كورتنا نحن البعيدة مبادرًا بالمُصالحة، وعمل بحق مشيئة أبيه حتَّى الموت الطوعي، ومن يقبله يصير ابن الله، “واما كل الذين قبلوه فاعطاهم سلطانا ان يصيروا اولاد الله اي المؤمنون باسمه.” (يو 21:1) ولو كان يُمثلنا الابن الأصغر فنقدر أن نعود إلى حضن الأب، ولو كان يُمثلنا الابن الأكبر فالله يقول “كل ما هو ي فهو لك” فباب الشّرِكة مفتُوحًا على مِصراعيه.

[1] في الغالب يُوضع تعبير “الكتبة” قبل “الفريسيون” (لو 21:5، 7:6، 53:11، متى 38:12) ربما سبب اختلاف الترتيب هنا هو تولي الفريسيون زمام المُبادرة.

[2]Taylor, M. D. (2005). The complete book of Bible basics.P.230

[3]Joachim Jeremias, Parables of Jesus, P. 132

[4] Theological dictionary of the New Testament. 1964 (G. Kittel, G. W. Bromiley, G. Friedrich, G. W. Bromiley & G. Friedrich, Ed.) Vol.1, P.327

[5]Richards, L. O. The Bible readers companion. P.666

[6]Komonchak, J. A., Collins, M., & Lane, D. A. (2000, c1991). The New dictionary of theology. P.857

[7] Reiling, J., & Swellengrebel, J. L. A handbook on the Gospel of Luke. P.541

[8] Barker, K. L. (1994). Expositor’s Bible Commentary (Abridged) P.263

[9] Lenski, R. C. H. (1961). The Interpretation of St. Luke’s Gospel. P.793  

[10]Cornelius à Lapide. (1908). The Great Commentary of Cornelius à Lapide, Volume 4: S. Luke’s Gospel (T. W. Mossman, Trans.) (Fourth Edition) P.365

[11] David L. Tiede, Luke. Augsburg Commentary on the New Testament.P.273.

[12] Keener, C. S., & InterVarsity Press. (1993). The IVP Bible background commentary : New Testament (Lk 15:1).

[13] Just, A. A. (2005). Vol. 3: Luke. Ancient Christian Commentary on Scripture NT, Vol. 3.P.243

[14] Hendriksen, W., & Kistemaker, S. J. (1953-2001): New Testament commentary. Vol.11. P.744

[15] Rooker, M. F. (2001, c2000): Leviticus; The New American Commentary. Vol. 3A .P.207

[16] Hübner, H. (1996). Unclean and Clean: New Testament R. B. Thomas, Jr., Trans.). In D. N. Freedman (Ed.), The Anchor Yale Bible Dictionary (D. N. Freedman, Ed.) 6:P.742.

[17]Geldenhuys, N. (1977). Commentary on the Gospel of Luke: The English Text with Introduction, Exposition and Notes. The New International Commentary on the Old and New Testament P.402

[18]Bock, D. L. (1996). Luke Volume 2: 9:51-24:53. Baker exegetical commentary on the New Testament. P.1298

[19] انظر (تث 14: 28-29، 16: 11-14، 26: 11-13، اش 29: 18-19، 35: 5-6، 7:42، ار 8:31)

[20] Utley, R. J. D. (2004). Vol. Volume 3A: The Gospel According to Luke. Study Guide Commentary Series (Lk 15:2). Marshall, Texas: Bible Lessons International.

[21] ليُصبح النَّص أكثر وضوحاً تضع بعض الترجمات مثل NET اسم يسوع بِالرَّغم من عدم وجوده في النَّص اليوناني فتصير التَّرجمة “قال يسوع”

[22] اللفظ اليوناني μέρος من الممكن أن يُترجم جزء (Part) ويأتي بهذا المعنى في كثير من النصوص (لو 36:11،42:24، اع 5:2، يو 23:19) كما أن جون نولاند وجوزيف فيتزماير وداريل بوك يُترجمونها “حصة” (Portion) ولكنها تأتي بمعنى نصيب (Share)، (انظر مت 51:24، لو 46:24، يو 8:13) واغلب الترجمات تتُرجمها هكذا.

[23] اللفظ اليوناني οὐσία يُشير في غالب السياقات غير الكتابية إلى أملاك أو ثروة وبالتالي سيكون من الملائم أن يكون معناه في النَّص هو “أملاك” أو “تركة” (estate) انظر Louw, J. P., & Nida, E. A. (1996). Greek-English lexicon of the New Testament: Based on semantic domains. Vol.1, P.558

[24] الفعل διαιρέω له على الأقل خمسة معانٍ في الاستخدام العلماني، ولكن الاستخدام الغالب في النص السبعيني لهذا الفعل يأتي بمعنى التقسيم والتوزيع ( تك 7:4، 10:15، 7:32، لا 12:1، يش 4:18، قض 24،16، 1مك 6:1، 35:6) وهكذا في العهد الجديد (1كو 11:12) انظر Theological dictionary of the New Testament. 1964 (G. Kittel, G. W. Bromiley, G. Friedrich, G. W. Bromiley & G. Friedrich, Ed.) Vol.1, P. 184

[25]Bock, D. L. (1996). Luke Volume 2: 9:51-24:53. Baker exegetical commentary on the New Testament, P.1309

[26] Barclay, W. (2001). The Gospel of Luke. The New Daily Study Bible. P.242

[27] بالتَّأكيد معرفة المُستمعين بالقصص التوراتية عن الاخوَّة لعبت دور هام، لدينا في العهد القديم تاريخ طويل مُحوَّط بالعهود الإلهيَّة، فمثلًا، تتجلى أهميَّة البكورية في العهد الإبراهيمي حيث كان لإبراهيم ولدان، إسماعيل وإسحاق، لم يختار الله إسماعيل (البكر) ولكن اختار الله إسحاق، هكذا كان لإسحاق ولدان، عيسو ويعقوب، لم يختار الله عيسو (البكر) ولكن اختار الله يعقوب ليكون له حقُّ البكورية وتم تغيير اسم يعقوب إلى إسرائيل وصار أب لأمَّة اسرائيل وهذه الأمَّة صارت الابن البكر لله ( خر 22:4) وهكذا طوال تاريخ عهود الله مع إسرائيل تم تنحية البكر من جهة ترتيب الولادة ويصير ابن آخر هو المستحق للبكورية، و يتلاشي معنى ترتيب الولادة لمصطلح بكر، وبُرُوز معنى آخر وهو “حق البكورية”، هكذا نرى في النهاية الابن الأصغر يرجع لحضن وبيت أبيه بينما الابن الأكبر كان خارج البيت!

[28] Lenski, R. C. H. (1961). The Interpretation of St. Luke’s Gospel. P.807

[29] القديس كيرلس الكبير، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة الدكتور نصحى عبد الشهيد صــ518، انظر ردود القديس كيرلس حتى صــ520 على هذه التَّفسيرات!

[30] المرجع السابق صـــ 520

[31] Evans, C. A. (1990). New International biblical commentary: Luke. P.233 

[32]Fitzmyer, J. A., S.J. (2008). The Gospel according to Luke X-XXIV: Introduction, translation, and notes, P. 1087

[33] Hendriksen, W., & Kistemaker, S. J. (1953-2001): New Testament commentary. Vol.11. P.752

[34] Keener, C. S., & InterVarsity Press. (1993). The IVP Bible background commentary : New Testament (Lk 15:11-12).

[35] Butler, T. C. (2000). Vol. 3: Luke. Holman New Testament Commentary; Holman Reference. P.254

[36]Bock, D. L. (1996). The NIV Application Commentary: Luke. P. 412

[37] كوستي بندلي، أمثال الملكُوت، منشورات النور صـ 24-25

[38] The Babylonian Talmud, Original Text, Edited, Corrected, Formulated, and Translated into English. 1918 (M. L. Rodkinson, Trans.) Vol.14, P.295,297. (Mishna: Baba Batra 8:7,8)

[39] استخدم القِدَّيس لوقا تعبير οὐ πολλὰς ἡμέρας لِيضع صيغة خطابيَّة تُسمى litotes وهي تُسنخدم لِتقديم تعبير إيجابي عن طريق تقديم عبارة نفي لطيفة، مِثْلما نقول he’s not bad looking وننفي سُوء الْمظهر لِيصبح الْمعنى he’s handsome (إنه وسيم) انظر Trites, A. A., & William J. Larkin. (2006). Cornerstone biblical commentary, Vol 12. P.219، لذلك يُترجمها داريل بوك وبعض الترجمات مثل NET, TEV بالصيغة الإيجابية “بعد أيام قليلة –after a few days” ويبدو أن الْقدَّيس لوقا مغرم بهذا الِاستخدام وقد اسْتخْدمه سبعة عشر مرَّةً، انظر ( لو 9:21،اع 5:1، 18:12، 28:14، 2:15، 12،4:17، 24،23،11:19، 12:20، 39:21، 26،19:26، 14،20:27، 2:28)

[40] الفعل συνάγειν، يأتي بمعنى التحويل إلى المال وهكذا ورد عند بلوتارخ للإشارة الى تحويل الميراث الى نقود، انظر Arndt, W., Gingrich, F. W., Danker, F. W., & Bauer, W. (1996, c1979). A Greek-English lexicon of the New Testament and other early Christian literature, P.782

[41] الفعل Διασκορπίζω، يأتي بمعنى التَّشتُّت والتَّفْريق والتبعثر، ولكن هنا في الاستخدام مع الممتلكات يأتي بمعنى التَّبذير والإسراف، انظر Friberg, T., Friberg, B., & Miller, N. F. (2000): Analytical lexicon of the Greek New Testament. Vol. 4. P.112

[42] Joachim Jeremias, Parables of Jesus, P.129

[43] Morris, L. (1988).Luke: An introduction and commentary.Vol. 3. P.258

[44] Reiling, J., & Swellengrebel, J. L. (1993], c1971). A handbook on the Gospel of Luke. P.547  

[45] Stein, R. H. (2001, c1992): Luke. The New American Commentary. Vol. 24.P.405&Fitzmyer, J. A., S.J. (2008). The Gospel according to Luke X-XXIV: Introduction, translation, and notes. P.1088&Evans, C. A. (1990). New International biblical commentary: Luke .P.236

[46] Vincent, M. R. (2002). Word studies in the New Testament.Vol.1. P.385

[47] The Bohairic Coptic New Testament in English. 1898 (G. Horner, Trans.) Vol.2. P.213.” 13 And after not many days the younger son gathered everything, he went to (the) foreign (land) to a distant country; and he scattered his substance there, living dissolutely

[48] Nolland, J. (2002).Luke 9:21-18:34. Word Biblical Commentary.Vol. 35B.P.783 

[49] يُستخدم هنا الفعل δαπανησαντος بالمعنى السَّيء له كما في (يع 3:4)، رُبَّما يكون له دلالة على الإسراف في الإنفاق

[50] الصفة “ἰσχυρὰ– قوي” تُستخدم هنا مجازيًا يمعنى “شديد أو عظيم”

[51] بحسب ترجمة NCV“كان الابن مُعدم وجائع – the son was poor and hungry” وبحسب رايلينج&سويلينجريبيل: إن الابن افتقر إلى الأشياء الأساسيَّة لِلعيش وخاصَّة الطَّعام. 

[52] Just, A. A. (2005). Vol. 3: Luke. Ancient Christian Commentary on Scripture NT, Vol. 3.P.249

[53]Ryken, L., Wilhoit, J., Longman, T., Duriez, C., Penney, D., & Reid, D. G. (2000, c1998). Dictionary of biblical imagery. P.267

[54] Just, A. A. (2005). Vol. 3: Luke. Ancient Christian Commentary on Scripture NT, Vol. 3.P.249

[55] الفعل κολλάω يأتي في العهد الجديد بصور مجازيَّة وحقيقية مُتنوّعة، “ملتصقين بالخير” (رو 12:9) أي مُتمسكين بِالْخير، “حتى الغبار الذي لصق بنا” (لو 11:10) أي الشَّيء العَالِق بالأرجل، “لان خطاياها لحقت السماء” (رؤ 5:18) بمعنى وصولها إلى السَّماء بسبب كثرتها، “يترك الرجل اباه وامه ويلتصق بامرأته” (متى 5:19) بمعنى أن يتَّحد بزوجته، وهكذا الاتحاد مع الله “واما من التصق بالرب فهو روح واحد” (اكو 17:6)، وأيضاً بمعنى التلمذة ” ولكن اناسا التصقوا به وآمنوا” (اع 34:17)، وهنا– لو 15:15- يأتي بمعنى الضَّغط على شخصٍ ما لكي يلتصق به، ليس لمُجرَّد بدأ عمل جديد، لم يكن هذا الرَّجل يُريد أن يُوظف هذا الابن عنده، وهذا أمر طبيعي في ظل وجود مجاعة!

ولكن الابن فرض نفسه عليه وتوسل إليه بصورة مستمرة، ولذلك أعطاه أن يعمل هذا العمل الوضيع الَّذي يُعتبر عار بالنسبة لأي يهودي، ورُبَّما بدون مُقابِل مادي فقط يعمل لكي يجد طعام، انظر. Balz, H. R., & Schneider, G. (1990-c1993). Exegetical dictionary of the New Testament. Vol. 2, P.306& Lenski, R. C. H. (1961). The Interpretation of St. Luke’s Gospel. P.811& Reiling, J., & Swellengrebel, J. L. (1993], c1971). A handbook on the Gospel of Luke. P.548&Vincent, M. R. (2002). Word studies in the New Testament. Vol 1, P.386

[56] كلمة “πολιτης-مواطن” المُشتقة من كلمةπολις” -مدينة” غير موجودة في كُلَّ العهد الجديد إلَّا في كتابات لوقا (لو 15:15،14:19، اع 39:21) باستثناء (عب 11:8) حيث نُقلت من (ار 34:31)، ولكن بالتَّأكيد لا يُستخدم تعبير مواطن بالمعنى السياسي.

 

[57] للتوسع انظر J. Albert Harrill, The Indentured Labor Of The Prodigal Son (Luke 15:15),Journal of Biblical Literature. Vol. 115,P. 715

[58] Baba Qamma 82b

[59] Joachim Jeremias, Parables of Jesus, P.130

[60] Fitzmyer, J. A., S.J. (2008). The Gospel according to Luke X-XXIV: Introduction, translation, and notes. P.1088

[61] Kenneth E. Bailey, Poet & Peasant and Through Peasant Eyes. P.171

[62] Rabbi Acha (c. a.d.320) in Lev. Rab. 35.6 on 26.3; cited by Marshall, I. H. (1978). The Gospel of Luke : A commentary on the Greek text. P. 609

[63] يُستخدم μίσθιος كأسم فقط بمعنى عامل باليومية وليس خدم المنزل وردت في العهد الجديد فقط في هذا النص والعدد 19 (قارن لا 50:25، اي 1:7 طو 14:5) انظرTheological dictionary of the New Testament. 1964 (G. Kittel, G. W. Bromiley, G. Friedrich, G. W. Bromiley & G. Friedrich, Ed.) Vol.4,P.701& Fitzmyer, J. A., S.J. (2008). The Gospel according to Luke X-XXIV: Introduction, translation, and notes. P.1089

[64] المقصود هنا الطعام من أي نوع وليس الخبز بالتحديد ولكن يتم استخدام لفظ الخبز مجازيًا فقط للتعبير عن ما يؤكل.

[65] Geldenhuys, N. (1977). Commentary on the Gospel of Luke: The English Text with Introduction, Exposition and Notes. The New International Commentary on the Old and New Testament P.407

[66] Bock, D. L. (1994). Luke. The IVP New Testament commentary series (Lk 15:11).

[67] Thomas Aquinas, S., & Newman, J. H. (1843). Catena Aurea: Commentary on the Four Gospels, Collected out of the Works of the Fathers, Vol.3, P.536

[68] Arland J. Hultgren. The Parables of Jesus A Commentary.P.76&113

[69] Joachim Jeremias, Parables of Jesus, P.130

[70] Stein, R. H. (2001, c1992) Luke The New American Commentary, Vol. 24. P. 406

[71] Utley, R. J. D. (2004). Vol. Volume 3A: The Gospel According to Luke. Study Guide Commentary Series (Lk 15:17). Marshall, Texas: Bible Lessons International.

[72] Kenneth E. Bailey, Poet & Peasant and Through Peasant Eyes. P.183

[73] للتوسع انظر Greg Forbes, Repentance And Conflict In The Parable Of The Lost Son (Luke 15:11-32) Journal of the Evangelical Theological Society. Vol. 42, P. 210 

 

[74]بحسب يواقيم إرمياس تعبير ἀναστὰς πορεύσομαι هو تعبير آرامي يُعني “سأذهب في الحال” (قارن 2 صم 21:3 بحسب ترجوم يوناثان (אְקוּם וְאִיזֵיל)، اع 9: 18،6، 17:5) بينما يعتبره جوزيف فيتزماير أنَّه يوناني وليس آرامي (قارن بحسب السبعينية، تك 22: 19،3، 10:24، 8:43، طو 10:8) ما نستطيع أن نراه هو الاتَّصال الثَّقافي المُشترك لهذا التعبير، وعلى أيَّ حال فدلالة هذا التَّعبير الشَّائع هو الدُّخول في عمل ما وهنا على وجه الخصوص يُعني إن الابن نوى العودة فوراً ويجب أن يكون هذا هو شعور كُلَّ شخص يُدرك خطر العيش البعيد عن الله انظر Fitzmyer, J. A., S.J. (2008). The Gospel according to Luke X-XXIV: Introduction, translation, and notes. P.1089&Joachim Jeremias, Parables of Jesus, P.130

[75] في هذا الموضع وفي الفقرة 21 يُستخدم تعبير “السماء- οὐρανός(انظر أيضًا مت 25:21) لِلإشارة إلى الله وهذا الاستخدام مبني على النَّزعة اليهوديَّة لتجنُّب استخدام اسم الله بِشكل مُباشر، ولا يجب فهم هذا التَّعبير إنه إشارة لكثرة الخطايا او لتعاظم الآثام إلى السماء كما ورد في (عز 6:9) بل للخطأ إلى الله مباشرةً، كما ورد في (خر 16:10) ولتجنب هذا الفهم الخاطيء جاءت ترجمة CEV على هذا النحو ” I have sinned against God in heaven- اخطأت إلى الله الَّذي في السماء” انظر Louw, J. P., & Nida, E. A. (1996). Greek-English lexicon of the New Testament: Based on semantic domains Vol1, P.140&Marshall, I. H. (1978). The Gospel of Luke : A commentary on the Greek text. P.609

[76]Plummer, A. (1896). A critical and exegetical commentary on the Gospel According to S. Luke. P. 374

[77] John Chrysostom. (1997). Homilies of St. John Chrysostom, on the Epistle of St. Paul to the Romans, The Nicene and Post-Nicene Fathers, Vol.11, P.406

[78] Just, A. A. (2005).Luke. Ancient Christian Commentary on Scripture NT.Vol. 3.P.250

[79] من الممكن ان يُترجم الفعل ποίησόν “عاملني كــ- treat me as” (كما يُترجمها فيتزماير والترجمات CEV,REB,TEV)، أو “عاملني مثل- treat me like” ( (NET,NRSV

[80] Morris, L. (1988).Luke: An introduction and commentary.Vol. 3,259

[81] Stein, R. H. (2001, c1992) Luke: The New American Commentary.Vol. 24, P.406

[82]Joachim Jeremias, Parables of Jesus, P.130

[83] Blomberg, C. (1990). Interpreting the parables. P.176

[84] Pentecost, J. D. (1998). The parables of Jesus : Lessons in life from the Master Teacher. P.99

[85] Robertson, A. (1997). Word Pictures in the New Testament. Vol.V (Lk 15:20)

[86] Pentecost, J. D. (1998). The parables of Jesus : Lessons in life from the Master Teacher. P.99

[87] Nolland, J. (2002). Word Biblical Commentary: Luke 9:21-18:34. Vol. 35B, P.784

[88] Marshall, I. H. (1978). The Gospel of Luke : A commentary on the Greek text. P.610 

[89] Just, A. A. (1997, c1996). Luke 1:1-9:50. Concordia commentary P.308.

[90] Arnold, C. E. (2002). Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary Volume 1: Matthew, Mark , Luke. P.448

[91]Just, A. A. (2005) Luke: Ancient Christian Commentary on Scripture NT. Vol. 3, P.250  

[92] يُمكننا ترجمة عبارة εἶπεν δὲ ὁ υἱὸς αὐτῷ” إلى “ولكن ابنه قال له” أي بالرَّغم من كُلَّ هذا التَّرحيب المُفاجيء الغير مُتوقع قرَّر أيضًا الابن أن يقول هذا الاعتراف، انظر Reiling, J., & Swellengrebel, J. L. (1993], c1971). A handbook on the Gospel of Luke.P. 551

[93] المخطوطات الَّتي لا تُضيف باقي الاعتراف الَّذي عزم الابن أنَّّ يقوله في فقره 19 (اجعلني كأحد اجرائك) لها توزيع مخطوطي واسع، مثل البردية 75، السكندرية، واشنطن، كُلّ مخطوطات الترجمة اللاتينية إلَّا واحدة فقط ومُعظم مخطوطات الفولجاتا، مُعظم مخطوطات التَّرجمة السُّريانيَّة، التَّرجمة القبطيَّة الصعيديَّة والبحيرية، لَكِن يدعم قراءة الإضافة المخطوطة السينائية والفاتيكانية وبيزا، اعطت لجنة GNT القرار A للقراءة الأُولى، أي أنهم متأكدين أنَّها القراءة الأصليَّة.

[94] Arland J. Hultgren. The Parables of Jesus A Commentary.P.79 &Marshall, I. H. (1978). The Gospel of Luke : A commentary on the Greek text.P.610& Fitzmyer, J. A., S.J. (2008). The Gospel according to Luke X-XXIV: Introduction, translation, and notes. P.1089 &Pentecost, J. D. (1998). The parables of Jesus : Lessons in life from the Master Teacher. P.100

[95] Lenski, R. C. H. (1961). The Interpretation of St. Luke’s Gospel. P. 816

[96] Nolland, J. (2002) Word Biblical Commentary: Luke 9:21-18:34 Vol. 35B, P.785

[97] لاحظ هنا “العبد- δοῦλος” وليس “الأجير- μίσθιος “، والمقصود هنا العبيد المُقيمين بِشكل دائم في البيت وليس عمال باليومية، وعن كيف دخل العبيد في هذا المشهد، من المُمكن أن بِمُجرَّد رأى العبيد الأب يركُض تَبِعُوه مباشرةً، أو يكون هذا المشهد حدث لمَّا رجع الأب والابن إلى البيت.

[98] بعض المخطوطات القليلة تحذف “بسرعة\أسرعوا – ταχύ”، ولَكِن النُّصوص اليونانيَّة المُحقَّقة تضعها. وبهذا لا ينبغي تضييع الوقت ولا اعطاء فرصة للتردد.

[99] تعبير χείρ يعني اليد أو أي جُزءٍ منها، وهنا يجب أن تترجم أُصبع، “ضعوا خاتمًا في إصبعه”، Louw, J. P., & Nida, E. A. (1996). Greek-English lexicon of the New Testament .Vol.1, P97

[100] Marshall, I. H. (1978). The Gospel of Luke : A commentary on the Greek text.610

[101] Kenneth E. Bailey, Poet & Peasant and Through Peasant Eyes. P.183

[102] Nolland, J. (2002).Word Biblical Commentary. Luke 9:21-18:34. Vol. 35B. P.785

[103] Joachim Jeremias, Parables of Jesus, P.130

[104] القديس اثناسيوس الرسولي، ضد الأريوسيين، المقالة الأولى، الفصل الحادي عشر، فقرة 42، صـــ 111

[105] Just, A. A. (2005).Luke. Ancient Christian Commentary on Scripture NT. Vol. 3. P. 251

[106] ” سيموفونية – συμφωνίας” انسجام موسيقي.

[107] لاحظ أنَّه ليس “عبد- δοῦλος “، وقد أجابه “ذبح أبوك” وليس “ذبح سيدي“، رُبَّما كان صبيًا صغيرًا ولم يكُن خادمًا شابًا أو خاصًا، كما أجابه أيضًا “أخوك” وهذا صحيح، قد حاول الابن الأكبر أن يستنكر هذه العلاقة (فقرة 30)

[108] “ἐπυνθανετο” بحسب اليوناني في صيغة Imperfect middle، أي أن الأبن سأل مراراً وتكراراً، سأل عدة اسألة واستقصى عن كل شيء، فمن الأفضل تُترجم “راح يسأل”

[109] نرى هنا التوسل الرقيق اللطيف “يتوسل إليه” الله يطلب من الفريسيين لكي يشتركوا الاحتفال بعودة الخطاة،”اذا نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله.” (2كو 20:5) 

[110] بِالنسبة للرَّأي القائل أن الأعداد 25-32 لم تكُن جُزء من هذا المثل في الأصل لا يدعمه أي دليل مُعتبر على الإطلاق، وأي قارئًا ينظُر بِدقَّة للفقرات 10،7،2،1 سيُدرك أنَّ هذا الخِتام كان ضرُوري لإبراز معنى المثل ورغبة المسيح في وضع رفض الابن الأكبر للاحتفال وغضبه في السَّرد رغم قبول الأب للضَّال الذي عاد، كما أنَّ الابن الأكبر يُذكر في بداية المثل وهذا سيكون حشو لا لُزوم له إذا لم يلعب أي دور آخر في المثل، ولو كانت الفقرات 25-32 من كتابة القدَّيس لوقا كهجوم على الفريسيين من الطَّبيعي أن نجد تصرُّفات أكثر قسوة من الأب تُجاة الابن الأكبر كما أنَّه ليس من الطَّبيعي أن تترك نهاية المثل مفتوحة!.

 

مثل الابن الضال – مينا كرم

الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح – قراءة تيطس 2: 13 في ضوء قاعدة جرانفيل شارب – مينا كرم

الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح – قراءة تيطس 2: 13 في ضوء قاعدة جرانفيل شارب – مينا كرم

الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح – قراءة تيطس 2: 13 في ضوء قاعدة جرانفيل شارب – مينا كرم

لتحميل البحث بصيغة PDF

الهدف

تسعى هذه المقالة في تقديم ما عناه حقًا الرسول بولس في تيطس2:13 منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح” ، حيث من غير الواضح في الترجمات العربية التركيب اللغوي اليوناني في هذا النص، لذا فربما يعتقد القاريء أن المقصود هنا بتعبير ” الله العظيم ” هو الله الآب، والمقصود بتعبير ” مخلصنا ” هو الرب يسوع المسيح.

لكن بالقراءة والدراسة المتأنية للنص اليوناني فيكون الرب يسوع المسيح هو محور الحديث هنا، فهو ” الله العظيم- τοῦ μεγάλου Θεοῦ وهو أيضاً ” ومخلّصنا يسوع المسيح- καὶ Σωτῆρος ἡμῶν Ἰησοῦ، فهذا النص هو أحد النصوص التي تلقب الرب يسوع بلقب “الله” [1]

يوجد بعض الآراء في تفسير هذا النص ولكن الرآي الرئيسي والغالب والصحيح وما نتبناه هنا، هو أن الرب يسوع هو ” الله العظيم ومخلصنا” وهذا الرآي له من الحجج التي يسيل لها لعاب الأذهان، ولعل القاريء لم يعرف بالقاعدة-جرانفيل شارب- محور مقالتنا لذلك سنبدأ بشرحها ثم ننتقل إلى شرح موسع للنص وشرح أدلة التفسير الذي نتبناه والتعليق على الآراء الأخرى.

عرض وشرح لقاعدة جرانفيل شارب وتطبيقها على تيطس 2: 13

قاعدة جرانفيل شارب هي قاعدة نحوية في اللغة اليونانية يعود اسمها لصاحبها، يُشار لها غالبًا بــ TSKS، هذه القاعدة تقول ببساطة في حال وجود أسم أو أكثر من الأسماء “الشخصية Personal” (وليس أسماء العلم)[2]، المفردة، ولهم نفس الحالة، ويربطهم حرف καί، ولهم أداة تعريف واحدة، فالأسم الثاني أو الفاعل فهو يرتبط بالأسم الأول الذي له فقط أداة التعريف[3] وبسبب أن شارب لاحظ أن عند تطبيق هذه القاعدة على بعض النصوص يتجلى بها ألوهية المسيح، فنشر عام 1798 كتابه بعنوان ” Remarks on the Definite Article in the Greek Text of the New Testament ” ليُشير إلى الكثير من الأدلة الجديدة على ألوهية المسيح في ضوء بعض النصوص الكتابية المُترجمة بشكل خاطيء.

أحد هذه النصوص هو تيطس2:13:منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح

προσδεχόμενοι τὴν μακαρίαν ἐλπίδα καὶ ἐπιφάνειαν τῆς δόξης τοῦ μεγάλου θεοῦ καὶ σωτῆρος ἡμῶν Ἰησοῦ Χριστοῦ,

فشارب يقول ببساطة أن الأسم الثاني يُشير إلى نفس الشخص المذكور بالأسم الأول حينما يتم هذه الشروط الثلاثة، وهم: 1. أن تكون الأسماء شخصية Personal ولا يكون أحدهم غير شخصي impersonal، 2. كل الأسماء مفردة وليست جمع Plural، 3. لا يوجد أسم علم a proper name. [4]

وبحسب تيطس 2: 13 (θεοῦ-الله) ليس أسم علم ومفرد يربطه الحرف (و- καὶ) مع (مخلص σωτῆρος) بأداة تعريف واحدة τοῦ)) ولهم نفس الحالة فتنطبق قاعدة شارب على تيطس 2: 13، فيصبح كل من “الله والمخلص” إشارة لشخص واحد، وبهذا لا يُفهم من النص أن تعبير الله العظيم يُشير للآب وتعبير المخلص يُشير للمسيح[5]

وعلى الرغم من القبول الحافل لما قاله شارب بين العلماء الآن ورسوخها[6] ولكن قد هاجم تطبيقها على تي 2:13 أحد أكبر النحويين في القرن التاسع عشر، فقد كان ثالثة الأسافي ما قاله النحوي الكبير G. B. Winer فقد قال ” لأسباب خاصة بالنسق العقائدي لبولس لا أعتبر أن “مخلص σωτῆρος”مفعول ثاني مع “الله θεοῦ ” ويقول أيضاً ” في الملاحظات التي كتبتها أعلاه لم أنوي بها رفض “σωτῆρος ἡμῶν- مخلصنا” كمفعول ثاني بالاعتماد على أداة التعريف τοῦ، ولكن القناعة المستمدة من كتابات بولس يجعلني أقول أنه لا يمكن أن يسمي يسوع بلقب الإله العظيم وهذا هو الدافع لتبيان عدم وجود حائل لغوي لأعتبار أن كلمة –مخلص- σωτῆρος مفعول به ثاني [7]

من الملحوظ هنا أنWiner لا يُقدم أي شيء عدا اعترافه هو أن القضية ليست نحوية من الأساس بالنسبة له ولكن عقائدية، فهذا الرأي اللاهوتي الخاص به ليس له أي علاقة على الإطلاق بالشق النحوي ( على الرغم أنه نحوي) فمن الغريب أنه يبني اعتراضه على أسس عقائدية، وهي مسألة لا تهم في حد ذاتها النحوي، وعلى الرغم أن وينر تكلم في غير تخصصه.

 ولكن بأعتباره نحوي كبير فقد كان لكلماته عظيم الأثر حتى أن Moulton, J. H رغم أنه قدم أدلة أن “الله والمخلص” يُشيران إلى شخص واحد لكنه قد تحاشى الحديث عن الشق النحوي قائلاً “لا نستطيع مناقشة تيطس 2: 13 من جهة النحو ولكن نترك باب النقاش في هذا الآمر مفتوح على مصراعيه”[8]!

وبحسب تعبير دانيال والاس أن أشد معارضي شارب Calvin Winstanley لم يستطيع بكل ما بذل من جهد في 55 صفحة أن يفعل ما فعله Winer في حاشية واحدة فقط! ولكن سوء الفهم والتشويه هذا لم يُغير من الآمر شيء فنحن نمتلك حوالي 80 نص في العهد الجديد ينطبق عليه قاعدة شارب وتُشير الأسماء إلى نفس الشخص وهذا ليس به أي استثناء فالكل قد اعترف بصحة القاعدة بما في ذلك معارضي شارب[9] ويظل اعتراض وينر وغيره مبني على رأي لاهوتي وليس نحوي، لذلك يقول Dana & Mantey ” إن قاعدة جرانفيل شارب التي مر عليها قرن من الزمان لا زالت تثبت صحتها” [10]

ويُضيف والاس:

قد أسيء فهم قاعدة شارب وحصيلة ذلك هو التردد في تطبيقها على تيطس 2: 13، 2 بطرس 1:1 في القرنين الماضيين، ولكن فهم القاعدة بشكل صحيح يُظهر أن هذه القاعدة تتمتع بأعلى درجات الصحة حين تطبيقها على نصوص العهد الجديد ولذلك تعلن هذه النصوص( تي 2:13 ، 2 بط 1:1) عن هوية يسوع بأعتباره “الله θεός”[11] ويُضيف بروس باكر “هؤلاء الرافضين لقاعدة شارب لم يفهموا ما تنص عليه القاعدة بالفعل!، ولكن حين تطبيق القاعدة بدقة فتصبح أداة تفسيرية قوية، بالإمكان تطبيقها على تيطس 2: 13 ، 2 بطرس 1:1 دون أي تحفظ، كما قال جرانفيل نفسه “أن هذه القاعدة تُعزز أدلة ألوهية المسيح”[12]

هذا التركيب اللغوي ليس من اختراع شارب، لكنه فقط لاحظ هذا النمط في اللغة وصاغه في صورة قاعدة، لذلك تقريبًا يُجمع اباء الكنيسة اليونانيون الأوليين في رؤية أن تعبير “الله والمخلص” يخص يسوع[13] والغريب أن الآباء غير اليونانين لم يفهموا هذه القراءة للنص مثل إمبروسيوس[14]كذلك الترجمات القديمة مثل اللاتيني والسرياني والأرميني والمصري![15]،هذا علته ببساطة أن هذا التركيب يخص أسلوب اللغة اليونانية، فالآباء اليونان فهموا هذا الشكل لطبيعية هذه القراءة[16].

لقب الله

لما سبق شرحه حول خلفية دراسة هذا النص من الجهة النحوية فالتفسير الطبيعي للنص أن يكون يسوع هو “الله والمخلص” فبحسب التحليل النحوي لــ Max Zerwick أن أداة التعريف الواحدة تجعل النص بكامله يُشير للمسيح[17] ولا يوجد أي اعتراضات نحوية على هذا التركيب اللغوي فقط وينر هو الذي هَجَر استقامته المعتادة بإنكاره قوة أداة التعريف الواحدة في هذا النص إستناداً على فكره اللاهوتي حول كريستولوجية بولس[18]

ولكن لم ينتهي الآمر هنا فقد كتب العالم Gordon Feeفي كتابه Pauline Christologyتعليقاته حول الكثير من النصوص الهامة المختصة بالفكر الكريستولوجي لبولس، وهو يرى أن النص محل نقاشنا ( تيطس 2: 13) يتحدث عن شخص واحد وليس شخصان، وهذا الشخص هو الله الآب وليس يسوع المسيح، فهو يرى أن بولس لم يُلقب الرب يسوع بلقب ” ثيؤس” حيث أنه يرى أيضاً بحسب ( رو 9:5)[19] لا يُلقب بولس الرب يسوع بلقب ” ثيؤس”، فهذا موقف ثابت عند جوردن يتحرك به ويتعامل على أساسه في جميع النصوص التي تُعطي لقب ” ثيؤس” ليسوع في كتابات بولس.

 لكن يجب أن لا نخرج خارج حدود النقاش فحديثنا ليس عن ألوهية المسيح من عدمها، يؤكد جوردن على ألوهية المسيح وعقيدة الثالوث..إلخ، لكن يتمحور الخلاف حول سؤال واحد، وواحد فقط، وهو، هل تيطس 2: 13 يقول عن المسيح أنه “إلهنا العظيم ومخلصنا”؟.

الإجابة هي نعم!، هذا ما يُعلنه تيطس 2: 13، وهذه هي المشكلة بالفعل! -وهي أن بولس يُلقب يسوع بــ” ثيؤس”-، ولذلك سيكون أي تفسير آخر لهذا النص هو ناتج صعوبة تقبل تلقيب بولس للمسيح بلفظ “الله”، وهذا من العجب العجاب، بما أن بولس يؤمن أن المسيح هو الله وجوردن (وغيره) يؤمن أن بولس يؤمن أن المسيح هو الله فهل من غير المتوقع أن بولس يكتب أن المسيح هو الله!؟

يستطيع بولس أن يكتب أن يسوع هو الله، صحيح أن بولس في الغالب يُطلق على الآب لقب ” الله” والمسيح لقب “الرب” ولكن هذا لا يمنع أنه يقوم بتبديل أي من هذه الألقاب، فحينما يكتب بولس “ورب واحد يسوع المسيح” هذا لا يلغي ربوبية الآب، وكذلك تلقيب المسيح أنه “الله” لا يلغي تميز الله الكلمة عن الآب، فما هي المُشكلة اللاهوتية المستعصية إذا قال بولس عن المسيح أنه الله؟[20]

فهنا نحن أمام دعم من جهة قواعد النحو مقابل اعتراض لاهوتي يكمن في عدم إطلاق لقب “الله” على المسيح في كتابات بولس لندرة هذا الاستخدام، هذه الندرة في الاستخدام عند بولس تعود إلى الخلفية التوحيدية التي في ذهن المؤمنين التي ربما تجعلهم لا يُميزون بين الابن والآب، ولكن بولس قد آمن أن يسوع هو الله دون إنكار أن الله واحد، وعزو لقب الله للمسيح لا ينتهك الفكر اليهودي لوحدانية الله، والسبب في ذلك ببساطة أن بولس لم يقل بوجود أكثر من اله، لكنه أشار أن الطبيعة الالهية اكثر تعقيد مما يظن البعض[21]

ولو كانت المشكلة أدبية، فتكون هذه هي إحدى مشكلات تطبيق النقد الأدبي، فالأسلوب المعتاد لبولس أنه يلقب المسيح بلقب “الرب” هذا ما يتفق فيه الجميع، ولكن لماذا لا يكتب بولس أي استثناء؟، هذا من باب الافتراض أنه لم يلقب المسيح بلقب “ثيؤس” بحسب رومية 9:5، ناهيك عن عب 8-9 :1، لماذا يتم تقييد أي كاتب بما يستخدمه في الغالب؟، من حق أي كاتب أن يُنشيء استثناء اسلوبي.

يُحاجج بذلك Harris ويرى أن من مخاطر البحث الأدبي أنه يجعل التعبيرات المعتادة لدى أي كاتب هي معيار خانق لدرجة لا تسمح للكاتب بوجود مساحة حرة يستخدم فيها أساليب وألفاظ لاهوتية متنوعة[22]، بكلمات أخرى في حين وجود أدلة قوية تدعم أي صياغة كتبها أحد كتبة العهد الجديد، بغض النظر عن وجودها في مواضع أخرى أو لا، ما الذي يُجبرنا أن نتجاهل هذه الأدلة!، ما الذي يمنع وجود استثناء؟، وما العلة التي تجعنا نجر خطواتنا نحو التفسير الأكثر طبيعية؟ لا سيما لو كانت هذه الصياغة تتناسب مع الفكر اللاهوتي الذي يُقدمه الكاتب نفسه، بما أننا نمتلك أدلة أن أحد الكتبة قد كتب شيئًا ما فهو قد كتبه!، هذا كله على افتراض أن تي 2:13 هو الموضع الوحيد الذي يُلقب بولس فيه المسيح بهذا اللقب، لكن لو اعتبرنا رومية 9:5 هو موضع آخر يرد فيه هذا اللقب للمسيح فهذا سيدعم تفسيرنا!، لا سيما بالمقارنة مع كولوسي 15-20 :1 ،فيلبي 6-11 :2 وغيره.

ولكن حتى مع اعتبار أن تي 2:13 هو استثناء، فهذا ليس معضل من كل الجوانب وأولها هو ما سبق عرضه من التوافق المناسب لــ تي 2:13 للتطبيق الصارم لقاعدة جرانفيل شارب وعزو لقبي “الله والمخلص” للمسيح، والآن ننتقل إلى اسباب أخرى.

لقب الله والمخلص

من الشواهد التي تدعم هذا التركيب اللغوي أنه يُشير إلى شخص واحد هو ما ذكره مولتون، فهو يقول أن هذه الصيغة (الله والمخلص) وردت في العصر البطلمي وقيلت للملوك المؤلهين وطبقت على بطليموس للحديث عن شخص واحد، وأيضا الألوهيه الأبدية المفتخرة بذاتها في البرديات والنقوشات الموجودة في العصر البطلمي والامبراطوري[23] وعلى الرغم أن مولتون لم يناقش هذا التركيب من جهة النحو لكنه اعتقد أنه يُشير إلى شخص واحد وليس شخصين لأن اللغة الهيلينة في هذا العصر استخدمت هذه الصيغة لتُشير إلى شخص واحد.

يقول توماس لي” بشكل عام تم الجمع بين مصطلحي “الله و المخلص” في الديانات الوثنية في ذلك الوقت للإشارة إلى شخص إلهي واحد، ولذلك فمن المنطقي أن يُشير هذا المصطلح إلى شخص واحد في ضوء السياق التاريخي”[24] ويقول مايكل موس ” أن هذا الازدواج بين لقبي “الله و المخلص” شائع الاستخدام في العالم الوثني للإشارة إلى شخص واحد[25]ويُضيف فيليب تاونر “أن لقب “الله و المخلص” شائع في الخطاب الهلنستي واليهودي عادة يُشير إلى شخص واحد، مستخدم في الكتابات اليهودية للإشارة إلى يهوه، وكذلك في ادعاءات الحكام اليونانيين والرومان مثل بطليموس ويوليوس قيصر” [26]

هنا نحن أمام تركيب لغوي قوي من جهة النحو وتطبيق قاعدة جرانفيل شارب على النص محل النقاش، وأيضاً اللقب “الله والمخلص” يُشير إلى شخص واحد بحسب السياق التاريخي، وهنا لم تنتهي حجج الرأي القائل بأن يسوع هو الله والمخلص، ولكننا ننتقل من نقطة إلى نقطة حسب رؤيتي لارتباط هذه النقاط ببعض، فبعض العلماء اقر بالفعل أن هذا التركيب اللغوي يُشير إلى شخص واحد ولكنهم قالوا هذا الشخص هو الآب وليس الرب يسوع وعلى سبيل المثال:

يسوع هو المجد[27]

 يرى جوردن أن هذا اللقب(الله و المخلص)يخص شخص واحد وليس شخصان، وهو-هنا- الآب، مع العلم أن جوردن يعتقد أن رسالة تيطس هي أحد الرسائل التي كتبها بولس ( رسائل بولس الرعوية تختلف في اسلوبها عن باقي رسائله)، يُقر جوردن أيضًا أن الرأي السائد في الوسط الأكاديمي يقول عكس ما يعتقد هو، هذا يجعل عب الإثبات ثقيل بدرجة ليست هينة على جوردن!، على عكس الرأي المكتسح “حرفيًا”، والذي يتبناه أغلبية علماء العهد الجديد، ويتبناه معظم التراجم الإنجليزية، يُقدم جوردن تفسيره لهذا النص على هذا النحو، يضع عبارة “يسوع المسيح Ἰησοῦ Χριστοῦ ” كمقابل لـ”المجد- τῆς δόξης.” فيصبح يسوع هو “المجد” نفسه.[28]

يبدأ جوردن بالقول أننا لو افترضنا أن بولس قدم شكل اخر للنص ويختزله إلى “ظهور مجد الله، يسوع المسيح” لم يكن أحد يظن أن “يسوع المسيح” سيكون مقابل للفظ “الله”، والدليل على ذلك كو 2:2 ” كيما تتشدد قلوبهم وتتوثق أواصر المحبة بينهم فيبلغوا من الإدراك التام أعظم مبلغ يمكنهم من معرفة سر الله، أعني المسيح” (الترجمة اليسوعية) بشكل حرفي النص يقول ” سر الله المسيح- “The Mestery of God, Christ لكن المفسريين يفهمون ما يقصده بولس بطريقة صحيحة، وهو أن المسيح هو “سر الله” وليس هو “الله”، استخدام لقب “الله” للمسيح هو أمر شاذ في كتابات بولس [29]

 تكمن مشكلة طرح جوردن، في الابتعاد عن مناقشة ما قاله بولس بالفعل!، فهو افترض ما يعتقد أنه جوهر رسالة تيطس 2: 13 يجب أن يكون هو معيار لما كتبه بولس، ولكن هذا الشكل الأبسط والمختصر للنص حتى لو فهمناه على هذا النحو – يسوع المسيح=مجد الله- هذا لا يعني أننا يجب أن نفهم ما قاله بولس بنفس الطريقة لأن واقعيًا لم يكتب بولس هذا الشكل من الأساس، وفي الغالب عدد قليل من الناس سيفهمون هذا الشكل الذي افترضه جوردن أو ما كتبه بولس حتى، أن يكون يسوع مقابل لقب “الله”، هذا متوقع لعدم تقليدية هذا اللقب للمسيح، وبالتالى حينما يرى القاريء نص يدعو المسيح بـ”الله” بشكل غريزي وطبيعي يبحث عن طريقة أخرى في فهم هذا النص، وهذا ما يفعله جوردن!، والدليل على ذلك أننا سنفترض شكل آخر للنص كما افترض جوردن، تخيل معي عزيزي القاريء لو كتب بولس “الرب العظيم ومخلصنا يسوع المسيح”

ما كتبه بولس

ما أفترضه

προσδεχόμενοι τὴν μακαρίαν ἐλπίδα καὶ ἐπιφάνειαν τῆς δόξης τοῦ μεγάλου θεοῦ καὶ σωτῆρος ἡμῶν Ἰησοῦ Χριστοῦ

 προσδεχόμενοι τὴν μακαρίαν ἐλπίδα καὶ ἐπιφάνειαν τῆς δόξης τοῦ μεγάλου κυρίου καὶ σωτῆρος ἡμῶν Ἰησοῦ Χριστοῦ

 

 فقط بتغيير لقب “الله” إلى لقب “الرب” هل كان سيفهم أي قاريء أن يسوع ليس هو “الرب”؟، بالطبع لا، بل ولم يكن جوردن وغيره قالوا تفسيرهم هذا!.

وبالنسبة للنص الذي يستخدمه جوردن(كو 2:2) فهو بعيد للغاية وليس من المنطق مقارنة النصيين ببعض، ففي الغالب لم يُفهم تعبير “معرفة سر الله” أنه إشارة إلى معرفة الله نفسه، لأن “السر” لا يُشير إلى أحد مظاهر الكيان الإلهي، ولكن في المقابل، في الغالب يُفهم ” ظهور مجد الله” أنه إشارة إلى الله الذي يظهر نفسه، لأن” المجد” في الغالب يُشير إلى أحد مظاهر الكيان الألهي نفسه، وبالتالي من غير الطبيعي أن نفهم”ظهور مجد الله” للإشارة إلى أي شيء آخر غير الله الذي يظهر في مجده، ولكن على النقيض من ذلك، “معرفة سر الله” تنقل إلى الذهن بصورة طبيعية معرفة سر الله مهما كان هذا السر ولكنه شيء متميز عن كيانه.

أما عن اعتبار استخدام لقب الله للمسيح هو أمر شاذ في كتابات بولس(un-Pauline) هو مشكلة في الاستدلال، لأن جوردن يستخدم 1 كو 6:8 “لكن لنا اله واحد الآب الذي منه جميع الاشياء ونحن له. ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الاشياء ونحن به.” في محاولة لاعتبار استخدام مطلق للقب “الله” أو “الرب” لأن بولس ميز بين اللقبين، هذا صحيح من وجه واحد وهو تخصيص هذه الالقاب بالفعل، ولكن هذا التخصيص هو عام لكنه ليس مطلق!.

على سبيل المثال اقتبس بولس من العهد القديم(اش 52:11، 2 صم 7:14) فيقول “لذلك اخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجسا فاقبلكم، واكون لكم ابا وانتم تكونون لي بنين وبنات يقول الرب القادر على كل شيء”(2كو 17-18 :6)، ولكن التعبيرات “الرب القدير” أو “الرب” ليست جزءًا من الأقتباس، هذه كلمات بولس نفسه، والمتحدث هنا هو الله الآب الذي سنكون أولاده، وهنا بولس قد استخدم لقب “الرب” مرتين للآب، هذا اللقب الذي يخص في الغالب المسيح!، لو كان بولس يستخدم لقب “الرب” للآب، حتى لو مرات قليلة، فيستطيع أن يفعل العكس ويستخدم لقب “الله” للمسيح، المخرج الوحيد هو أن يكون استخدام هذا الالقاب عند بولس مطلق وليس عام، ولكن هذا التخصيص هو عام،كما في باقي كتابات العهد الجديد، فمثلاً إنجيل يوحنا استخدم كلمة “الله”81 مرة من ضمنهم 3 مرات فقط للمسيح ( يو 1:1، يو 20:28، يو 1:18 حولها بعض الجدل النصي)، ما اُريد أن أقوله ببساطة أن من المعروف للكل أن استخدام لقب “الله” للمسيح في كل العهد الجديد هو نادر لكنه موجود.

يدعم جوردن فكرته بأن تعبير “مخلصنا” يعود على الله وليس المسيح في هذا النص، بالطبع هذا التعبير مستخدم في رسالة تيطس للإشارة للآب وللمسيح، ولكن هذا التعبير في العدد 13 هو مدعوم –bookended- بالإشارة إلى “الله مخلصنا” في الفقرات 2:10، ،3:4 وبما أن “نعمة” و “مجد” الله هو الذي سيظهر، فهذا سبب سياقي للاعتقاد بأن بولس في هذا النص يُشير إلى العدد 10 إلى “الله مخلصنا” للتأكيد على ظهور مجده( مع العلم أن جوردن يرى بحسب العدد 14الذي يتحدث عن عمل المسيح الخلاصي يُمكن اعتبار أن “مخلصنا” تعود للمسيح في العدد 13لكنه لا يتبنى هذا)[30]

بكلمات أخرى جوردن يحاول أن يكون التركيب السياقي بهذا الشكل.

2:10

2:13

3:4

غير مختلسين بل مقدمين كل امانة صالحة لكي يزيّنوا تعليم مخلّصنا الله في كل شيء

منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح

ولكن حين ظهر لطف مخلّصنا الله واحسانه

 

وفي الحقيقة هذا الشكل خادع!،لأن لو بحثنا في تكرار تعبير “مخلصنا” سنجد أن جوردن جانبه الصواب.

  • تعبير “مخلصنا” للإشارة إلى الله:

3:4

2:10

1:3

ولكن حين ظهر لطف مخلّصنا الله واحسانه

غير مختلسين بل مقدمين كل امانة صالحة لكي يزيّنوا تعليم مخلّصنا الله في كل شيء

وانما اظهر كلمته في اوقاتها الخاصة بالكرازة التي اؤتمنت انا عليها بحسب امر مخلّصنا الله

 

وهنا في الثلاث نصوص يستخدم بولس نفس الصياغة بشكل حرفي”τοῦ σωτῆρος ἡμῶν θεοῦ”

تعبير “مخلصنا” للمسيح مع ثلاث صياغات مختلفة

3:6

2:13

1:4

الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلّصنا Ἰησοῦ Χριστοῦ τοῦ σωτῆρος ἡμῶν

منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح- τοῦ μεγάλοῦ θεοῦ καὶ σωτῆρος ἡμῶν

الى تيطس الابن الصريح حسب الايمان المشترك نعمة ورحمة وسلام من الله الآب والرب يسوع المسيح مخلّصنا- Χριστοῦ Ἰησοῦ τοῦ σωτῆρος ἡμῶν

 

 

 هذا هو النمط الصحيح، فيكون تي 2:13 ليست شواهده هي 2:10 ، 3:4 ، ولكن 1:4، 3:6 مع الأخذ في الاعتبار أن كل النصوص (1:3،2:10،3:4) كلمة “الله” تعقب “مخلصنا” لأنها تُشير إلى الله، لكن تيطس 2: 13 يأتي بعد “مخلصنا” يسوع المسيح، فيسوع المسيح هو “إلهنا ومخلصنا” وليس “المجد”، كما يقول نايت “أن هذا النص ينتهي بــ”يسوع المسيح” هذه إشارة دقيقة تحدد عن هوية الشخص الذي يُلقب بأنه “إلهنا” هذه هي أحد المرات القليلة في العهد الجديد التي تُشير ليسوع بهذا اللقب”[31]، هذا التفسير-تفسير جوردن- هو محاولة للخروج من الجدل بشكل آمن، بعض العلماء اعتبر أن تيطس 2: 13 يُشير إلى شخصين وليس شخص واحد(انظر نقطة الله والمخلص) ولكن هذا التفسير له الكثير من الثغرات لقوة التركيب النحوي الذي يُشير إلى شخص واحد، فنتج هذا التفسير الذي ناقشناه وهو أن يسوع هو “المجد”[32] ما أعتقده هو أن كل منهما نتج عن صعوبة تلقيب المسيح بلقب “الله” ولكن بطرق مختلفة، فقد جادل التفسير الآخر أن تعبير “مخلصنا” ليس نكرة في اليوناني وبالتالي لا ينطبق عليه قاعدة جرانفيل شارب.

يسوع مخلصنا

 يُقال أن أداة التعريف قبل “مخلص” غير ضرورية بسبب إضافة الضمير “لنا – ἡμῶν”، وبهذا يكون هناك سبب لعدم وجود أداة التعريف قبل “مخلص” وبهذا لا ينطبق هنا قاعدة جرانفيل شارب.

ولكن يقول دانيال أرشيا ” نحويًا، لا يوجد سوى أداة تعريف واحدة قبل تعبير “الله” كذلك هي متضمنة قبل تعبير “مخلص” فالكلمتين لهم أداة تعريف واحدة فقط، ولذلك فالنص اليوناني يقول حرفياً “الله ومخلصنا” تكون هذه الحجة أقوى إذا تفحصنا تعبير “مخلص” في رسالة تيطس وعدد ورودها 5 مرات وفي كل هذه الحالات الخمس يوجد أداة تعريف قبل كلمة “مخلص”[33].

 

 

تيطس 1:3

ἐφανέρωσεν δὲ καιροῖς ἰδίοις τὸν λόγον αὐτοῦ ἐν κηρύγματι, ὃ ἐπιστεύθην ἐγὼ κατʼ ἐπιταγὴν τοῦ σωτῆρος ἡμῶν θεοῦ

تيطس 1:4

Τίτῳ γνησίῳ τέκνῳ κατὰ κοινὴν πίστιν, χάρις καὶ εἰρήνη ἀπὸ θεοῦ πατρὸς καὶ Χριστοῦ Ἰησοῦ τοῦ σωτῆρος ἡμῶν.

تيطس 2:10

μὴ νοσφιζομένους, ἀλλὰ πᾶσαν πίστιν ἐνδεικνυμένους ἀγαθήν, ἵνα τὴν διδασκαλίαν τὴν τοῦ σωτῆρος ἡμῶν θεοῦ κοσμῶσιν ἐν πᾶσιν.

تيطس 3:4

ὅτε δὲ ἡ χρηστότης καὶ ἡ φιλανθρωπία ἐπεφάνη τοῦ σωτῆρος ἡμῶν θεοῦ

تيطس 3:6

οὗ ἐξέχεεν ἐφʼ ἡμᾶς πλουσίως διὰ Ἰησοῦ Χριστοῦ τοῦ σωτῆρος ἡμῶν

 

وبالتالي إن كل الحالات في رسالة تيطس سبق كلمة مخلص أداة تعريف، فلماذا فقط في تيطس 2: 13 لا نجد أداة التعريف قبل كلمة “مخلص”!؟، ليست مجرد صدفة، بل أن بولس كتب كل العبارة برمتها تخص المسيح، يسوع هو “الله و المخلص”.

هذه هي الطريقة التي أراد بها بولس أن يكتب هذا التصريح الكريستولوجي الواضح لو كان يُريد أن يفصل بين التعبيران كان سيكتب بطريقة أخرى، وقد اعطى مونس صيغتين في اليوناني يستطيع بولس أن يكتبهم للتحدث عن شخصين وليس شخص واحد،

الصيغة الأولى : τοῦ μεγάλου θεοῦ καὶ Ἰησοῦ Χριστοῦ τοῦ σωτῆρος ἡμῶν ،

الصيغة الثانية : τοῦ μεγάλου θεοῦ ἡμῶν καὶ τοῦ σωτῆρος Ἰησοῦ Χριστοῦ

لكن بدلاً من هذه الصيغ التي تتحدث عن شخصين قد أختار بولس أن يكتب الصيغة التي تُقرأ بصورة طبيعية أنها تُشير إلى شخص واحد “يسوع المسيح” لو كان بولس لا يؤمن بأن يسوع هو الله فمن المستبعد أن يكتب ذلك، ولكن بما أن بولس يؤمن بأن يسوع هو الله فليس من المفاجيء أن يقل ذلك لقراءه[34]

ظهور الله العظيم

يستخدم العهد الجديد كلمة “ظهور -ἐπιφάνεια” بشكل خاص للحديث عن مجي الرب في المجيء الثاني،”وحينئذ سيستعلن الاثيم الذي الرب يبيده بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه”(2تس 2:8)، ” ان تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم الى ظهور ربنا يسوع المسيح”(1تي 6:14)،” انا اناشدك اذا امام الله والرب يسوع المسيح العتيد ان يدين الاحياء والاموات عند ظهوره وملكوته”(2تي 4:1)،” واخيرا قد وضع لي اكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره ايضا”(2تي 4:8)[35] هذا من شأنه أن نعتبر هذا النص لا يتحدث عن الله الآب بل عن الابن الذي سسأتي في مجده ومجد أبيه في نهاية التاريخ، فالكنيسة تنتظر الرب يسوع الذي سيأتي في اليوم الآخير ولا يتحدث كل العهد الجديد وعلى وجه الخصوص رسائل بولس أن الآب هو الذي سيظهر بل يسوع، يقول بين ويزرينجتون “نحن أمام حقيقة أن العهد الجديد لا يتكلم في أي موضع عن “إبيفانيا” الله الآب[36] يتحدث السياق بالكامل (تيطس 11-14 :2) عن عمل المسيح من التجسد إلى مجيئه الثاني والحديث عن عمل الفداء لذلك فهو العظيم هنا أيضاً، يقول دونالد ماكلويد “إن صفة العظمة تفقد معناها لو طُبقت على الآب ولكن ثقل دلالاتها يتجلى حين تُطبق هذه الصفة على المسيح، ليس لمجرد التركيز على مجده في المجيء الثاني ولكن لأنها تُشير ايضاً لبذله لذاته من اجلنا(فقرة 14)”[37]

 

ملحق اقوال العلماء

  • نحويًا، فظهور المجد هو خاص إما بالمسيح أو بالمسيح والآب، ولكن الكفة الراجحة هي التفسير الأول، وذلك لعدة أسباب: أولاً. هذا الرأي هو الأكثر طبيعية، حيث أن كلا الاسمين يربطهم أداة تعريف واحدة لتكون الإشارة لشخص واحد. ثانياً: كان الجمع بين لقبي “الله والمخلص” مألوفًا لدى الديانات الهلنستية. ثالثاً: الفقرة 14 تُشير إلى الرب يسوع ومن الطبيعي أن يكون السياق بالكامل إشارة للمسيح. رابعاً: في الرسائل الرعوية يُشار للإبيفانيا لمجي المسيح وحده. خامساً: صفة “عظيم” فارغة المعنى حين تطبيقها على الآب ولكن ذروة دلالتها حين يُوصف بها المسيح. سادساً: هذا الرأي متناغم بالتمام مع نصوص أخرى مثل (يو 20:28،رو 9:5، عب 1:8، 2بط 1:1).[38]
  • يمكن ترجمة عبارة “إلهنا العظيم ومخلصنا” بطريقتين، إما أن تكون تُشير للمسيح وحده، أو أنها تُشير إلى مجد “إلهنا العظيم” و “مخلصنا يسوع المسيح” للإشارة إلى شخصيين، ولكن يبدو أن الترجمة الأولى هي الأصح، وبالمقارنة مع 2 تيم 4:8 يتبين أن فعل “الظهور” الذي يخبرنا بولس عنه يخص المسيح وحده في مجيئه، وأيضاً تيطس 2:14 تتحدث عن عمل الرب يسوع في الزمن، فهو قد بذل نفسه لاجلنا، وهكذا يمكننا القول أن تيطس 2: 13 هي تصريح واضح لألوهية المسيح.[39]
  • بالرجوع للغة اليونانية لفهم عبارة “إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح” نجد أن الاسمين “الله”،”المخلص” لهم أداة تعريف واحد، وهكذا فالنص يتحدث عن شخص واحد وليس شخصين، وبهذا الأسلوب قد أكد بولس بإستحكام ألوهية المسيح[40]
  • نحن نمتلك بعض الحجج لآخذ عبارة “إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح” للإشارة لشخص واحد، وبالتالي التأكيد على ألوهية المسيح. 1: لا يوجد سوى أداة تعريف واحد للاسمين “الله”،”المخلص”، 2: كان لقب “الله والمخلص”شائع الاستخدام في القرن الأول للإشارة لإلهًا واحدًا، 3: “الإبيفانا” في العهد الجديد هي لشخص واحد وهو المسيح وليس شخصين(انظر 1 تي 6:14، 2 تي 1:10ـ4:8)، 4: في مواضع أخرى في العهد الجديد يتمركز الرجاء في المسيح وعودته، 5: تيطس 2:14 تُشير إلى عمل المسيح الخلاصي، 6: خارج رسالة تيطس ورسالتي تيموثاوس يدعو بولس المسيح بلقب المخلص( أف 5:23،في 3:20)، مع الوضع في الاعتبار التشابه بين تيطس 2: 13 و فيلبي 3:20 من جهة المضمون، وعلى الرغم بتسمية الله أنه “مخلص” في الرسائل إلى تيموثاوس وتيطس، لكن في تيطس يُدعى يسوع أنه “المخلص” بجانب هذه النصوص(3-4 :1، 2:10،13، 3:4،6)، ولذلك نستطيع القول كما يقول موراي هاريس أن يسوع المسيح يُدعى “إلهنا العظيم ومخلصنا”، لذلك فهذا النص –تيطس 2: 13- هو أحد النصوص القليلة في العهد الجديد التي تدعو يسوع “الله” مما يُبرهن على ألوهية المسيح، بجانب ذلك انظر الترجمات الإنجليزية التي تفسر النص أنه يُشير إلى ألوهية المسيح (NIV, RSV, NRSV, NJB, and TNIV)، وكذلك انظر هذه النصوص( رو 9:5، يو 1:1،18، 20:28، كو 1:15،19،2:9، في 2:6، عب 8-13 :1 ، بط 1:1)[41]
  • لقد أحدث البناء النحوي الخاص بعبارة “إلهنا ومخلصنا ” بعض الاختلاف في الرأي بين العلماء، ولكن الإجماع هو أن يسوع المسيح هو “إلهنا ومخلصنا”، الذي هو الله (انظر يو 10:30)، هذه حجة قوية لألوهية المسيح، وحتى العلماء المخالفون لهذا الرأي يعترفون بأن وجهة نظرهم لا تقلل من البرهنة على ألوهية المسيح.[42]
  • العبارة الاستثنائية –الله العظيم- الواردة هنا فقط(تيطس 2: 13) أفضل تفسير لها أعتبارها تطبيق كريستولوجي لوصف العهد القديم لله، ما أقصده هو أن الرسول بولس يتحدث ظهور ومجد شخص واحد،”الهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح”[43]
  • أن عبارة “إلهنا العظيم ومخلصنا” هي أحد التصريحات اللامعة في الكتاب المقدس على ألوهية الرب يسوع(انظر أيضاً يو 1-18 :1 ، رو 9:5، عب 1-3 :1 ) يرى بعض المفسرين أن هذه العبارة تُشير إلى شخصين، أي أن تعبير “الله العظيم” يُشير للآب، وتعبير “المخلص” يُشير للابن، ولكن هذا التفسير له العديد من المشكلات الصعبة، مع الأخذ في الاعتبار النصوص الأخرى في العهد الجديد التي تُشير بقوة لألوهية المسيح، توجد عدة أسباب نحوية موجودة في هذا النص نفسه أيضاً –تيطس 2: 13-، أولاً وجود أداة تعريف واحدة تربط الاسمين “الله،المخلص”، ثانياً: الضمائر المفردة في النص التالي يُشير إلى شخص واحد فقط، وبالرغم أن العهد القديم مكتظ بالإشارات إلى الله الآب أنه عظيم، لكن هذا الوصف في العهد الجديد يستخدم فقط لله الابن ( انظر مت 5:35 لو 1:32،7:14 عب 10:21، 13:20) والأهم من ذلك أن العهد الجديد لا يُخبرنا فأي موضع عن ظهور الله الآب أو المجيء الثاني للآب، ولكن عن المجيء الثاني لله الابن فقط.[44]
  • تقدم عبارة “إلهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح” ما نستطيع أن نعتبره أحد التصريحات الجلية الخاصة بألوهية المسيح في الكتاب المقدس، يوجد أداة تعريف واحدة تربط تعبير “الله العظيم” بــ تعبير ” مخلصنا” وعلى عكس ترجمة KJV يعطي هذا التركيب فهم أخر، وهو أن المسيح هو “إلهنا ومخلصنا”، ويدعم ذلك الفهم حقيقة أن مصطلح “الإبيفانيا” لا يُستخدم أبداً لوصف الآب، كما أن لقب “الله والمخلص” شائع الاستخدام في الدوائر الهلنستية في ذلك الوقت، ولذلك يقول Mounce إن هذه القراءة الكريسولوجية لازمة لأن هذه القراءة هي الأكثر طبيعية للنص، وتتفق مع استخدام بولس لمصطلح “الظهور”، كذلك الاستخدام الفردي لعبارة “الله والمخلص” في الفكر العلماني، وملائمة هذه القراءة للسياق بشكل جيد.[45]
  • العبارة الأخيرة من تيطس 2: 13 تُثير بعض الغموض، وتطرح سؤالاً، هل قصد بولس أن يُشير إلى شخصين في الثالوث بفصل عبارة “إلهنا العظيم” عن “المخلص يسوع المسيح” أم أنه يمدح ألوهية المسيح ويربط اللقبين معاً “إلهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح”؟ على الرغم من إمكانية قراءة النص بالطريقتين ولكن القواعد تدعم الرأي القائل بأن هذا النص يدعم ألوهيه المسيح، هذا البناء موجود أيضاً في 2 بط 1:1، فكل من النصيين يؤكد ألوهيه المسيح( انظر كذلك يو 20:28، رو 5:9 ،عب 1:8 ، 1يو 5:20)[46]
  • كان هناك نقاش كبير في هذا الخلاف الذي على النحو التالي، هل “الإبيفانيا” هنا جوهرها شخصين أم شخص واحد؟ لو كان شخص واحد هذا يُعني أن هذا النص يحوي الأعلان الأكثر وضوحًا في العهد الجديد عن ألوهية المسيح، من الغريب أن ترجمة AV تتبنى الخيار الأول ولكن NIV,NRSV,REB يختارون الثاني، هذا الأخير نُبرهن عليه بخمسة حجج، أولاً وجود أداة تعريف واحدة قبل “مخلص” والأسماء في اللغة اليونانية المربوطة بأداة تعريف واحد تُشير إلى الشيء ذاته، ثانياً: قد فهم غالبية الآباء اليونان هذه العبارة بهذه الطريقة وهم بالفعل كانوا قادرين على ذلك، ثالثاً: يدعم الشق اللاهوتي الشق النحوي حيث أن كل إشارات العهد الجديد عن الإبيفانيا تخص الابن ولا تخص الآب على الإطلاق، رابعاً من جهة السياق بطريقة طبيعية يُشير للمسيح للنقل مباشرةً من مجده إلى آلامه موته، خامساً: كان تعبير “الله والمخلص” صيغة دينية نمطية وشائعة في القرن الأول وهي عادةً تُشير إلى إله واحد أو تطلق على الإمبراطور الروماني[47]

 

إلى هنا أعاننا الرب

16\3\2023

 

[1] نحن نمتلك تسعة نصوص يُلقب فيها الرب يسوع بلقب ” الله ” ( يو 1:1 ، يو 1:18 ، يو 20:28 ، اع 20:28، رو 9:5 ، تي 2:13 ، عب 8-9 : 1 ، 2 بط 1:1 ، 1 يو 5:20 )، ولكن يوجد في غالب هذه النصوص إما خلاف نصي أو جدل لغوي، لكن يجب أن نضع في الاعتبار أننا لا نتحدث عن قضية فقهية ونتعارك على الألفاظ، لأن عقيدة لاهوت المسيح واضحة في العهد الجديد وبالتالي فوضوح أحد هذه النصوص لا يُمكن اعتباره هو البناء العقيدي والإيماني نفسه، ولذلك مهما كان التفسير الأفضل لــ تيطس 2: 13 فهو بالتأكيد يُعلن ألوهية الرب يسوع، وبكلمات هندريكسن&كيستميكر ” بأي حال من الأحوال هذا النص لا يدعم محاولة الأريوسيين بقولهم أن الابن أقل من الآب في الألوهية” انظر Hendriksen, W., & Kistemaker, S. J. New Testament commentary : Exposition of the Pastoral Epistles,Vol. 4, P.373

[2] من الهام ذكره أن أسم θεός ليس أسم علم في اللغة اليونانية ولذلك فهو ضمن الأسماء التي ينطبق عليها قاعدة شارب، الأسماء العلم في اللغة اليونانية لا يمكن أن تُجمع لكن θεός يُجمع- على سبيل المثال انظر يوحنا 10:34- لذلك فهو ليس أسم علم.

[3] DeMoss, M. S. (2001). Pocket dictionary for the study of New Testament Greek ,P.64 & Blackwelder, B. W. (2005; 2005). Light from the Greek New Testament ,P.145 & McKnight, S. (1989). Vol. 1: Introducing New Testament interpretation. Guides to New Testament exegesis ,P.80

[4] بكلمات شارب نفسه تكون القاعدة بهذا الشكل article-substantive —καί—substantive

[5] يُطبق Young قاعدة شارب بشكل صحيح على تي 2:13 ، 2 بط 1:1 على عكس بعض العلماء الذين لم يفهموها أنظر Young, R. A. (1994). Intermediate New Testament Greek : A linguistic and exegetical approach, P.62&63

[6] وأيضاً قبول Middleton للقاعدة وفهم قيودها واعتبرها قوية وموثوقة ببساطة لأنه قد فهم قيود القاعدة فقط!، كان هذا قبل كابوس وينر!

[7]G. B. Winer, A Treatise on the Grammar of New Testament Greek, Regarded as A Sure Basis for New Testament Exegesis, trans. and rev. W. F. Moulton, 2d,P.162, ..Cited by Wallace, D. B. (1999; 2002). Greek Grammar Beyond the Basics – Exegetical Syntax of the New Testament ,P.272

[8] Moulton, J. H. (2006). A Grammar of New Testament Greek, Vol.1,P.84

[9] Wallace, op. cit,P.273

[10] Dana&Mantey, A Manual Grammar of the Greek New Testament.,P.147

[11] Wallace, op. cit,P.290

[12] Bruce A. Baker, Granville Sharp’s Rule, Journal of Ministry and Theology, Vol. 1, Page 45

[13] Mounce, W. D. (2002). Vol. 46: Word Biblical Commentary : Pastoral Epistles. Word Biblical Commentary ,P.429 & Guthrie, D. (1990). Vol. 14: Pastoral Epistles: An Introduction and Commentary,P.221

[14] Olshausen, H., Ebrard, J. H. A., & Wiesinger, A. Biblical Commentary on the New Testament,Vol.5,P.595

[15] Mounce, W. D, op. cit, P. 427

[16] نقلاً عن إليكوت قدم Wordsworth قائمة من اباء الكنيسة اليونانيون مثل هيبوليتوس واكليمندس السكندري والسواد الأعظم من اباء ما بعد نيقية، انظر. Ellicott, C. J. (2008). The Pastoral Epistles of St. Paul : With a critical and grammatical commentary, and a revised translation ,P.201

[17] Zerwick, M., & Grosvenor, M. (1974). A grammatical analysis of the Greek New Testament, P.649

[18] Robertson, A. T. (2009). A Short Grammar of the Greek New Testament,P.74

[19] انظر دفاع متزجر عن نسب لقب “الله” ليسوع B. M. Metzger, The Punctuation of Romans 9:5

 انظر ايضاًCranfield, C. E. B. (2004). A critical and exegetical commentary on the Epistle to the Romans ,P.464-70

انظر ايضاً Macleod, D. (2000). Jesus Is Lord: Christology yesterday and today, P.15-18

[20] Mounce, W. D, op. cit, P. 427

[21] Schreiner, T. R. (2008). New Testament theology: Magnifying God in Christ, P.337

[22] Murray J. Harris, Jesus as God, The New Testament Use of Theos in Reference to Jesus, P.177-78

[23] Moulton, op. cit, P.84& See also Mounce, W. D, op. cit, P. 427& Arndt, W., Gingrich, F. W., Danker, F. W., & Bauer, W. A Greek-English lexicon of the New Testament and other early Christian literature, P.800

[24] Lea, T. D., & Griffin, H. P. (2001, c1992). Vol. 34: 1, 2 Timothy, Titus, The New American Commentary ,P.313

[25]Moss, C. M. (1994). 1, 2 Timothy & Titus. The College Press NIV commentary (Tit 2:14)

[26] Towner, P. H. (2006). The Letters to Timothy and Titus. The New International Commentary on the New Testament, P.756

[27] للتوسع في هذه النقطة انظر Robert M. Bowman, Jr, Jesus Christ, God Manifest: Titus 2:13 Revisited

[28] بدأ هذا التفسير من العالم Hort وتبناه البعض.

[29]Gordon D. Fee, Pauline Christology: An Exegetical-Theological Study, P.444-45

[30] Gordon D. Fee,op. cit, P. 446

[31] Knight, G. W. (1992). The Pastoral Epistles : A commentary on the Greek text ,P.325

[32] بعض العلماء جادلوا أن ترجمة النص بدل من “ظهور مجد” إلى “الظهور المجيد”، ودلالة ذلك لو صحت هذه الترجمة فسيكون كل تفسير جوردن مبني على القش، لكني غير مقتنع بهذه الترجمة وأرى أن الترجمة الأكثر طبيعية هي “ظهور مجد”، ثانياً: حتى لو جادلت بصحة الترجمة الأخرى كان يجب علي أن افترض ترجمة “ظهور مجد” أيضاً وأناقش هذا التفسير في النهاية!، انظر Arichea, D. C., & Hatton, H. (1995). A handbook on Paul’s letters to Timothy and to Titus,P. 293

[33] Ibid, P.293

[34] Mounce, W. D, op. cit, P. 427

[35] Moulton, J. H., & Milligan, G. (1930). The vocabulary of the Greek Testament, P.250

[36] Witherington, B., III. (2006). Letters and Homilies for Hellenized Christians, Vol.1, P.145

[37]Macleod, D. (2000). Jesus Is Lord: Christology yesterday and today,P.19

[38] Barker, K. L. (1994). Expositor’s Bible Commentary (Abridged),P.929.

[39]Adeyemo, T. (2006). Africa Bible commentary, P.1511.

[40] Andrews Study Bible Notes. 2010 (J. L. Dybdahl, Ed.) ,P.1594.

[41]Zehr, P. M. (2010). 1 & 2 Timothy, Titus. Believers Church Bible Commentary, P.283.

[42] Nicholson, R. S. (1966). The Wesleyan Bible Commentary, Vol. 5, P.650

[43]Tom Constable. (2003; 2003). Tom Constable’s Expository Notes on the Bible (Titus 2:13)

[44] MacArthur, J. (1996). Titus ,P.119

[45]Kitchen, J. A. (2009). The Pastoral Epistles for Pastors, P.536

[46]Barton, B. B., Veerman, D., & Wilson, N. S. (1993). 1 Timothy, 2 Timothy, Titus. Cover title: 1 & 2 Timothy & Titus. Life application Bible commentary ,P.277

[47] Stott, J. R. W. (1996). Guard the truth : The message of 1 Timothy & Titus, P.194

الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح – قراءة تيطس 2: 13 في ضوء قاعدة جرانفيل شارب – مينا كرم

سيظهر المسيح للعالم ثم يختفي عنه – مينا كرم

سيظهر المسيح للعالم ثم يختفي عنه – مينا كرم

سيظهر المسيح للعالم ثم يختفي عنه – مينا كرم

عندما ظهر موسى لاسرائيل فإنه اختفى عنهم لبعضاً من الوقت ومن هذا استنبط آباء اليهود ان المسيح (الذي سيأتي مثالاً لموسى) حسب الوعد (تث 18: 15-18) سيتشابه مع موسى حتى في هذا، فقالوا ان المسيح عندما يظهر للعالم فهو سيمكث فترة ثم يختفي ثم يعاود الظهور. وقد سُجِل هذا التقليد في كثير من كتب التراث.

– مدراش رباه للعدد  [1]

[الرابي براخيا بإسم الرابي ليڤي قال: كالمخلص الأول هكذا يكون المخلص الأخير، المخلص الاول هو موسى ظهر لهم ثم عاد وأختفى عنهم، فكم من الوقت اختفى عنهم؟ – الرابي تنحوما قال: ثلاثة اشهر كما قيل “وصادفوا موسى وهرون..” (خروج 5: 20) هكذا ايضاً فالمخلص الأخير (المسيح) سيظهر لهم ثم يعود ويختفي عنهم … ] [2]

بالحقيقة ظهر المسيح للعالم منذ نحو الالفي عام في ثوبه الكهنوتي ثم صعد للسماء وها نحن  ننتظر مجيئه وظهوره مرة أخرى بثوبه الملوكي حيث يقضي على الشر للأبد.

(اع 1: 11) ” .. ما بالكم واقفين تنظرون الى السماء. ان يشوع هذا الذي ارتفع عنكم الى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقا الى السماء‏‎.”

________________________________

[1] מדרש רבה במדבר פרשה יא פסקה ב [ר’ ברכיה בשם רבי לוי אמר כגואל הראשון כך גואל האחרון הגואל הראשון זה משה נגלה להם וחזר ונכסה מהם כמה נכסה מהם רבי תנחומא אמר שלשה חדשים הה”ד (שם ה) ויפגעו את משה ואת אהרן וגו’ אף גואל האחרון נגלה להם וחוזר ונכסה מהם כמה יהא נכסה מהם]

[2] أيضاً تجد نفس القطعة مُكررة في [مدراش رباه لراعوث (5: 6)، بسيكتا دراب كهنا (9:6).

سيظهر المسيح للعالم ثم يختفي عنه – مينا كرم

الدور الكهنوتي وامتداده في المسيح – مينا كرم جابالله

الدور الكهنوتي وامتداده في المسيح – مينا كرم جابالله

الدور الكهنوتي وامتداده في المسيح – مينا كرم جابالله

❶ كهنوت آدم (اول بشر)

يُعتبر آدم هو أول كاهن في البشرية هو تلقى الوصية (تك 2: 16- 17) وكان دوره أن يصون الوصية ويوصلها بكمال لحواء وهو ما فشل فيه (تك 3: 3) ، عندما اخطأت حواء وأكلت من الشجرة المحرمة لم تنتهي القصة، الشر الذي دخل لحواء قد غلب برّ آدم الكاهن اذ شاركها في الخطية [1]. يبدو الأمر وكأن آدم قد حمل من خطية حواء عليه فشاركها فيها وفي نتيجتها. وانتهت قصة سقوط آدم الكاهن بالتوبيخ الالهي (تك 3: 8-19).

❷ كهنوت هارون (الفرد المُختار من الأمة)

أول من رُسِم كاهناً من اسرائيل هو هارون وكان هذا باختيار إلهي (خر 28: 1) وكان دوره هو ان يكون في وضع طهارة بشكل دائم وان يُقدم عن نفسه وعن كل الأمة تقدمات وذبائح للكفارة ولمغفرة الخطايا. هذا الكاهن العظيم لم تخلو حياته من المصاعب ولعل اشهر ما تعرض له هو ضغط اليهود عليه لكي يبني لهم العجل الذهبي (خر 32: 1)، سقط هارون تحت ضغط شعبه وشاركهم الخطية بدل من ان يقوّمهم ويذكرهم بالشريعة حيث يتحتم عليه بسبب دوره الكهنوتي.

وتكررت السقطة عند ماء مريبة (عد 20)، من هاتان القصتان نرى بوضوح ان شر اسرائيل قد غلب برّ هارون الكاهن، وكأن هارون قد حمل شر شعبه عليه فصار متشبهاً بهم وحاملاً للخطية ومعرضاً لنتيجتها ، تعرض هارون الكاهن البار للتوبيخ الالهي الشديد وبالحرمان من دخول الارض الموعود بها مثله مثل باقي الشعب المتمرد (عد 20: 12).

❸ كهنوت اسرائيل (الأمة المُختارة من بين الأمم)

على مستوى أعلى نرى أنه من بين كل امم العالم اختار الرب اسرائيل ليكهنوا له (تث 7: 7)، فهم الربوات أن دور اسرائيل بين امم العالم هو دور كهنوتي بمعنى ان يكونوا نوراً ومرشاداً لكل الأمم المحيطة وهو ما حدث في نطاق ضيق [2] كما أن اسرائيل قد قدمت عن الأمم ذبائح كفارية [3].

وبالرغم من ان دور اسرائيل الكهنوتي كان يجب ان يكون موضع امتنان وشكر من امم العالم ، حدث عكس هذا وصاروا موضع بُغضة منهم، وتفننت الامم المحيطة في الضغط على اسرائيل لتوقيعهم في الخطية (مثلاً عد 25: 1- 3)

وبالفعل انحرفوا وخرجوا من السياج التوراتي الذي وضعه لهم الرب وسقطوا تحت ضغط الامم المجاورة فتشبهوا بهم وانزلقوا معهم في الخطية بدل من ان يقوِّموهم ويعرّفوهم بالشريعة، وهذا كان موضع غضب من الرب والذي بسببه تعرضت اسرائيل لمآسي تاريخية كثيرة وبالسبي لفترات متعاقبة وطويلة (حز 11: 9).

❹ كهنوت المسيح (الكاهن المثالي والمُختار من قبل تأسيس العالم)

هذا الدور الكهنوتي نرى امتداده في المسيح، هذا الذي تنبأ الانبياء عنه قائلين انه سيأتي كنور وكمرشد للجميع (اش 42: 1-6 ، 49: 6)، وبالفعل اتى المسيح في المجئ الاول في ثوبه الكهنوتي يُعلم بما اتى في الشريعة وقد فاق عما اتى فيها، وفيما اخفق السابقين قد انتصر المسيح اذ انه لم يرتكب خطية قط (يو 8: 45) ولم يسقط أبداً تحت أي ضغط (مت 21: 12-13) ولم يتخلى في اي لحظة عن دوره الكهنوتي المنوط به (مت 26: 42).

لم يتلقى المسيح الامتنان والعرفان ممن حوله وانما ابغضه العالم، رُفِض من الكل فاليهود طالبوا بصلبه افتراءاً (مت 26: 59) والامم نفذوا الحكم عليه ظلماً (مت 27: 24) أما هو فقام بعمله الكهنوتي في اتم وجه حتى النهاية (في 2: 8)، اذ حمل الخطية على نفسه فذاق الآلام التي استحققناها نحن بعصياننا وقدم نفسه ذبيحة حية مقبولة طواعيةً، كفارةً عن الجميع لمغفرة الخطايا ولزوال الاثم.

وبعدما انهى عمله الكهنوتي قام من بين الأموات علامة انتصاره وبعدما صعد نال المجد الإلهي (1بط 1: 11، عب 2: 9).

❺ كهنوت الكنيسة

بعد عمل المسيح الكفاري صارت الكنيسة أمة كهنة (رؤ 1: 6) فكل فرد فيها هو بمثابة كاهن وعليه ان يقوم بدوره الكهنوتي امتداداً للمسيح رئيس كهنتنا (عب 2: 17)، ودورنا ككهنة هو ان نحفظ الوصية ونلتزم بها فنصير كاملين (مت 5: 48) ونعلم بها الآخرين (مت 28: 19)، ان نظل ثابتين متمسكين بالتعليم الصحيح (2تس 2: 15) في ظل عالم شرير يضغط علينا بالخطية من كل اتجاه، ان نصلي لأجل الآخرين ونطلب لهم الغفران والهداية (مت 5: 44)

وان نتحمل ببشاشة الآلام والضيقات التي لابد وأن تأتي ان التزمنا بدورنا (يو 16: 33) لكي نتمجد فنكون مثالاً للمسيح والذي بعد أن نتألم نال المجد (رو 8: 17) “.. ان كنا نتألم معه لكي نتمجد ايضا معه”.

 

✥ ملخص:

جلب آدم الكاهن على نفسه مصير رعيته اي حواء فمات ، جلب هارون الكاهن على نفسه مصير شعبه المتمرد فحرم من دخول الأرض، جلبت اسرائيل على نفسها مصير الشعوب الوثنية الأممية المحيطة فتعرضت للخراب والنهب والسبي ، في كل هؤلاء نرى كيف أن الكاهن قد شارك رعيته في مصيرها، بعد هذة السلسلة الطويلة من الفشل لا نجد انتصارنا إلا في المسيح ، انتصر المسيح في كهنوته وقدم نفسه لنا مثالا ليُحتذي ووعدنا بان من يسير منا في طريقه سيشاركه في المجد الذي ناله.

☜ (اش 53: 4-6)

[.. احزاننا حملها واوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا،وهو مجروح لاجل معاصينا مسحوق لاجل آثامنا تاديب سلامنا عليه وبحبره شفينا، كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد الى طريقه والرب وضع عليه اثم جميعنا.]

[.. חלינו הוא נשא ומכאבינו סבלם ואנחנו חשבנהו נגוע מכה אלהים ומענה והוא מחלל מפשענו מדכא מעונתינו מוסר שלומנו עליו ובחברתו נרפא לנו כלנו כצאן תעינו איש לדרכו פנינו ויהוה הפגיע בו את עון כלנו]

__________________________________________

[1] بحسب بولس الرسول آدم لم يتعرض للإغواء (1تي 2: 14) وهذا امتداداً لما ورد في التقليد اليهودي القديم والذي فيه قيل ان آدم شارك حواء الخطية (الاكل من الشجرة المحرمة) لا عن غواية او عن شك في الوصية ولكن بسبب ضغط حواء عليه، اكل آدم الثمرة حتى يشارك حواء مصيرها بسبب حبه لها وتعاطفه معها (مدراش رباه للتكوين 19: 5، 20: 8، بركي اليعزر 13)

[2] انضم كثير من المصريين لاسرائيل عند خروجهم من مصر وصاروا جزءاً من الأمة (خر 12: 38) وكذلك الجبعونيين الذين احتالوا لكي ينضموا لهم وبعدها حملوا جزءاً هاماً من مهام خدمة الهيكل (1أخ 9: 2)، ايضاً انضمام بعض العائلات لهم مثل عائلة راحاب (يش 6: 25) وغيرها.

[3] مثل تقدمة السبعين ثور والتي كانت تُقدم في خلال اسبوع عيد المظال [[للمزيد راجع موضوع (دور اسرائيل الكهنوتي بين الأمم)]]

الدور الكهنوتي وامتداده في المسيح – مينا كرم جابالله

نمرود نموذجا لضد المسيح – مينا كرم

نمرود نموذجا لضد المسيح – مينا كرم

نمرود نموذجا لضد المسيح – مينا كرم

هناك 3 نماذج شهيرة لشخص ضد المسيح في الكتاب المقدس، اولهم هو نمرود، ثانيهم هو انطيخوس ابيفانيوس الوارد ذكره في سفر دنيال (دا 11) والثالث هو تيتس الروماني الذي دمر اورشليم في القرن الاول ميلادي (دا 9: 26).

هنا سنتحدث عن نمرود والذي لم يذكر الكتاب سوى بضع معلومات عنه، ومع هذا نجده نموذجاً واضحاً لشخص ضد المسيح. واليك عدة نقاط ينبغي الانتباه لها في هذا الموضوع:

1- نمرود لم يرث السلطة او المُلك بل سعى لها ونالها بقوته وهيمنته (تك 10: 8) هكذا فان ضد المسيح دُعيَّ بالقرن الصغير والذي بدأ يتجبر ويتعظم في الارض (دا 8: 9-10)

* (تك 10: 8) “… نمرود الذي ابتدأ يكون جبارا في الارض.”

* (دا 8: 9-10) “… منها خرج قرن صغير وعظم جدا … وتعظم حتى الى جند السماوات …”

2- تميز بهيئة قوية ودُعيَّ بجبار صيد، تحاكى الناس عن قوته وجبروته (تك 10: 9)، هكذا قيل عن ضد المسيح انه سينال قوة وسلطان بآيات وعجائب (تس 2: 9، رؤ 13: 2) وهكذا سيتحاكى الناس عن جبروته وقوته (رؤ 13: 4)

* (تك 10: 9) “…كان جبار صيد أمام الرب. لذلك يقال كنمرود جبار صيد امام الرب.”

* (رؤ 13: 2-4) “… اعطاه التنين قدرته وعرشه وسلطانا عظيما … وسجدوا للوحش قائلين من هو مثل الوحش. من يستطيع ان يحاربه!؟”

3-تميز نمرود بقدرته على الاقناع فهو قد وحدَّ الجميع للتمرد على الله بإقامة البرج (تك 11: 4) [1]، هكذا سيكون لضد المسيح القدرة على الكلام والاقناع لتوحيد الشعوب ضد الرب (رؤ 13: 5-6، دا 7: 20)

* (تك 11: 4) “… هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجا راسه بالسماء. ونصنع لأنفسنا اسما …”

* (رؤ 13: 5-6) “وأعطي فما يتكلم بعظائم وتجاديف … ففتح فمه بالتجديف على الله ليجدف على اسمه وعلى مسكنه وعلى الساكنين في السماء.”

4- حاول نمرود بناء البرج ليسكن هو في رأسه والذي اراد ان يكون واصلاً للسماء معتبراً نفسه مرتفعاً فوق الرب الاله (تك 11: 4)، هكذا فانه قيل عن ضد المسيح انه يتعظم في قلبه (دا 8: 25) وسيعتبر نفسه مرتفعاً متعظماً حتى عن الرب الاله (دا 11: 36، 2تس 2: 4)

* (تك 11: 4) “… هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجا راسه بالسماء. ونصنع لأنفسنا اسما …”

* (2تس 2: 4) ” المقاوم والمرتفع على كل ما يدعى الها او معبودا.. مظهرا نفسه انه إله.”

5- كان نمرود سيداً على الجميع وهو اول من ملك على الناس (تك 10: 10)، وهكذا سيكون سلطان ضد المسيح عالمياً (رؤ 13: 8)

* (تك 10: 10) “وكان ابتداء مملكته بابل و…”

* (رؤ 13: 8) ” فسيسجد له جميع الساكنين على الارض الذين ليست اسماؤهم مكتوبة منذ تأسيس العالم في سفر حياة الخروف الذي ذبح.”

_____________________

[1] بحسب التقليد اليهودي فان نمرود هو صاحب فكرة بناء البرج وهو قائد هذا التمرد الجماعي ضد الله وقد تناولنا هذا الموضوع بشكل مفصل سابقاً.

نمرود نموذجا لضد المسيح – مينا كرم

الصلاة الكهنوتية – ج1 (يوحنا 17 :1-5) – مينا كرم

الصلاة الكهنوتية – ج1 (يوحنا 17 :1-5) – مينا كرم

الصلاة الكهنوتية – ج1 (يوحنا 17 :1-5) – مينا كرم

29\9\2022

مقدمة عامة

من أمتع ما يُمكن أن تقرأه في العهد الجديد بالكامل هي صلاة الرب يسوع المسيح في الإصحاح السابع عشر[1] من إنجيل الرسول يوحنا، يمتلئ هذا الإصحاح بتركيبات إيمانية وإستعلانية صعبة والسبب الجوهري لهذه الصعوبة هي سهولتها في الوقت نفسه، وهذه هي السمة التي يتميز بها إنجيل يوحنا عن باقي الأناجيل بل وعن باقي كل كتابات العهد الجديد.

وهذه – الصعوبة اليسيرة- ستظهر وتتجلى بالتمام عند الضغط على بعض التعبيرات اليوحناوية المملوءة دقة في الشرح اللاهوتي، عن هذا الأصحاح بالتحديد يقول Lange ” أن هذا الإصحاح هو الأبسط والأعمق والأسمى في كل الكتاب المقدس”[2]، وبحسب تعبير Bengel ” من بين كل أصحاحات الكتاب المُقدس هذا الإصحاح هو الأسهل بحسب كلماته، والأعمق بحسب أفكاره” [3]صلاة الرب يسوع في هذا الأصحاح تُعرف باسم ” الصلاة الكهنوتية “[4]وبالرغم من أن هذه التسمية هي من القرن السادس عشر بدايةً من David Chytraeus (1531-1600) العالم الألماني اللوثري فهي قديمة قدم Chytraeus.

ولكن أيضًا قدم القديس كيرلس الكبير في شرحه لإنجيل يوحنا الرب يسوع باعتباره رئيس الكهنة والوسيط بيننا وبين الأب.[5] يُعد هذا الإصحاح تقرير لما فعله الرب يسوع في الثلاث سنوات الأخيرة بإعطاء نظرة تقيمية مختلفة لمعنى الحياة والخدمة وهذه الذروة كانت بسبب إقترابه من الصلب، هذا التصور الذي جعل جون نوكس المًصلح الاسكتلندي[6] يطلب أن يُقرأ عليه هذا الإصحاح حينما كان مستلقيًا على فراش الموت خلال مرضه الأخير كمصدر للقوة والراحة، ويعطي تقرير لما فعله في الخدمة ايضاً. [7]

وعن هذا فيضع الرب يسوع في الخمسة اعداد الأولى الأساس اللاهوتي الذي ينقلنا الى علاقة التبني التي تجعلنا ورثة ملكوت الله فنحن نناله بالمسيح وبدونه لا ولم ولن نكون ورثة، إن لم يكن لنا الوارث كرأس الجسد، ونحن ورثة وممسكين في الرأس كأعضاء هذا الجسد، كل هذا لا يقوم على أساس أخر الإ علاقة الإبن بالأب،بل وكل ما حدث في التدبير لا يقوم على أساس الجسد الإنساني الذي اتخذه الله الكلمة، فكل ما حدث في التدبير أي في الزمن هو على أساس اللاهوت، ولو كان ما حدث في الزمن هو من فعل الناسوت ويقوم على الناسوت فكل شيء قد ضاع.

فكل ما فعله المسيح في تجسده لم يكن له، وهذا ما نقوله في قانون الإيمان “هذا الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا” فكل ما حدث في التدبير كان لأجلنا نحن، فقد وُلد الرب يسوع من العذراء مريم في اتحاد كامل بين الناسوت واللاهوت، فالجسد الذي اخذه الله الكلمة قد تكون بواسطته ومتحد به، أخذ الجسد الذي لنا القابل للموت – الذي فينا- فالموت والفساد لم يكن خارج الإنسان ” كلطخة” على جسده.

هذا الموت هو في الطبيعة الإنسانية، وباتحاد الكلمة بهذا الجسد القابل للموت التصقت الحياة أيضًا في هذه الطبيعة البشرية، وفي عماده من يوحنا المعمدان لم يكن في احتياج لها، ولا يحتاج أن يقوم من الأموات لأن لاهوته لم يموت، فالذي مات هو الذي قام، فالذي مات هو الجسد الإنساني المتحد باللاهوت والذي قام هو الجسد الإنساني المُتحد باللاهوت، فهو باكورة الأموات لأنه لم يسود عليه الموت، وهو أول من دخل إلى الموضع الذي لم يدخل إليه ذو طبيعة بشرية(قسمة سبت الفرح)، ونحن به لا يسود علينا ونحن به نحيا لأن لا يوجد لنا حياه في ذاتنا، لكنه – المسيح- له حياة في ذاته.

وعلى ضوء صلاة يسوع في هذا الإصحاح فقد اقترب الصلب والموت الذي لم يكن رغمًا ولم يكن الرب يسوع مُجبر ابدأ، لأن له السلطان على ذاته يستطيع أن يضع ذاته ويستطيع أن يأخذها، ولكن كل ما حدث لأن ” التدبير” قد اقتضى هذا، فالتجسد والمعمودية والموت والقيامة والصعود، يقوموا على أساس اللاهوت، فالله الكلمة قد خلق ادم لأنه مُحب، وقد جدد الخليقة الأولى بالخليقة الجديدة-وجود جديد- لأنه مُحب، ليس عن احتياج أو اضطرار، فقد صار يسوع أدم الثاني لتنقطع علاقتنا الى الأبد بأدم الأول وتتكون علاقة جديدة ووجود جديد في شركة مع الله، والدافع لكل هذا هو المحبة الإلهية، وإن كانت أفعال الرب في الجسد تقوم على أساس إنساني فلا يوجد استطاعة لتجديد الخليقة.

 

المجد

يُهيمن على الفقرات الخمس الأولى تعبير ” المجد ” وما يتوافق مع العهد الجديد بأكمله أن قيامة الرب يسوع تُعلن مجد الله لأن القيامة كانت عمل الله، وقد أعطى القديس يوحنا تصور للآلام والموت والقيامة باعتبارهم ” الساعة” وكأن عين القديس يوحنا مُثبتة على موضوع المجد طوال ” الساعة “، “وأما يسوع فأجابهما قائلا قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان، أيها الآب مجد اسمك. فجاء صوت من السماء مجدت وأمجد أيضا.” (23،28:12)، ” ان كان الله قد تمجد فيه فان الله سيمجده في ذاته ويمجده سريعا.”(13:32)، “تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال أيها الآب قد أتت الساعة. مجد ابنك ليمجدك ابنك”(17:1). وكانت صلاة الرب يسوع في مُنتصف الساعة ” والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم”(17:5)[8]

 

  • مُصطلح المجد δόξα

هذه الكلمة وُجدت بالفعل عند هوميروس وهيروديت، ولها معنى أساسي في كل اليونانية غير الكتابية مُرتبطة بــ δοκέω والتي تُعني ما يعتقده الشخص أو ” رأي”، وهنا تأتي على شكلين أما أن تكون ” أنا اعتقد- رأيي”، أو ” رأي الآخرين عني ” سواء كان هذا الرأي-فلسفي أو غير فلسفي – أو التخمين أو الاعتقاد صحيح ام لا.[9] ولكن حينما نقوم بعمل مسح كامل للعهد الجديد لا نجد فيه ولا مثال واحد فقط يعطي لنا هذا المعنى، يُقدم العهد الجديد صورة مُختلفة تماماً عن هذا التعبير، لا يوجد في أي موضع في العهد الجديد استخدام لتعبير δόξα بمعنى ” رأي” أو حتى في كتابات الآباء ما بعد الآباء الرسولين، فالعهد الجديد استخدم مصطلحات أخرى لتعبير عن هذا المعنى القديم – رأي-، فيستخدم مثلا تعبير γνώμη ” ولكنني اطلب اليكم أيها الأخوة باسم ربنا يسوع المسيح ان تقولوا جميعكم قولا واحدا ولا يكون بينكم انشقاقات بل كونوا كاملين في فكر واحد ورأي واحد.” (1كو 1:10)، ” واما العذارى فليس عندي امر من الرب فيهنّ ولكنني اعطي رأيا كمن رحمه الرب ان يكون أمينا.” (1كو 7:25)، أو يستخدم تعبير πρόθεσις “واما انت فقد تبعت تعليمي وسيرتي وقصدي وايماني واناتي ومحبتي وصبري “(2تي 3:10)، ولكن مازال في العهد الجديد معنى ” سمعة ” لتعبير δόξα ” بل متى دعيت فاذهب واتكئ في الموضع الأخير حتى إذا جاء الذي دعاك يقول لك يا صديق ارتفع الى فوق. حينئذ يكون لك مجد أمام المتكئين معك.”(لو 14:10)، وأيضا معنى ” شرف-عفة ” ما زال موجود ” وأما المرأة إن كانت ترخي شعرها فهو مجد لها لان الشعر قد أعطي لها عوض برقع.”(1كو 11:15).

كما يظهر معنى ” المجد، الإشراق ” في العهد الجديد وهذا المعنى غير موجود في كل اليوناني غير الكتابي إلا عند يوسفيوس، ” ثم أخذه أيضًا إبليس الى جبل عال جدا واراه جميع ممالك العالم ومجدها.”(متى 4:8)، “وقال له إبليس لك اعطي هذا السلطان كله ومجدهنّ لانه اليّ قد دفع وانا اعطيه لمن أريد”(لوقا 4:6)، “ولكن أقول لكم انه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها.” (مت 6:29)، ” تأملوا الزنابق كيف تنمو. لا تتعب ولا تغزل. ولكن اقول لكم انه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها.”(لو 12:27)، ومجد النجوم أيضا، ” وأجسام سماوية وأجسام أرضية. لكن مجد السماويات شيء ومجد الارضيات آخر.”(1كو 15:40)، كما يُمكن أن المجد يُعني انعكاس بمعنى صورة εἰκών “فان الرجل لا ينبغي ان يغطي راسه لكونه صورة الله ومجده. وأما المرأة فهي مجد الرجل.” (1كو 11:7)

 ولكل ما هو مشروح اعلاه، فنحن نمتلك معنى جديد لهذا المُصطلح غير مُستحدم تقريبا في كل اليوناني غير الكتابي على الإطلاق، هذا المعنى الجديد كالإشراق الإلهي والسماوي وعظمة الله بل وكيان الله، هذا المعنى ليس من فراغ ولكنه امتداد للعهد القديم [10]

الصلاة الكهنوتية – ج1 (يوحنا 17 :1-5) – مينا كرم
  • مُصطلح المجد δόξα في العهد القديم

يكمن هذا المعنى الجديد وراء التعبير العبري כָּבוֹד والذي ستجده في الترجمة السبعينية δόξα، ويُستخدم في التعبير عن الظهور الإلهي والإعلان المجيد عن ذاته، ويرتبط بشكل كبير بالرؤية ” وفي الصباح ترون مجد الرب لاستماعه تذمّركم على الرب. واما نحن فماذا حتى تتذمروا علينا” (خر 16:7)، ” فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر جميعا لان فم الرب تكلم” (اش 40:5)، وأيضًا الظهور، ” فحدث اذ كان هرون يكلم كل جماعة بني اسرائيل انهم التفتوا نحو البرية. واذا مجد الرب قد ظهر في السحاب.” (خر 16:10)، ” وقلتم هوذا الرب الهنا قد ارانا مجده وعظمته وسمعنا صوته من وسط النار. هذا اليوم قد رأينا ان الله يكلم الإنسان ويحيا.” (تث 5:24)، وربما أن نرى هذا المجد في عمل الخلق ” لإمام المغنين. مزمور لداود‎. ‎السموات تحدث بمجد الله. والفلك يخبر بعمل يديه‎.” (مز 19:1)، والتعبير عن مجد الله في تاريخ الخلاص ” وها انا اشدد قلوب المصريين حتى يدخلوا وراءهم. فأتمجد بفرعون وكل جيشه بمركباته وفرسانه.”(خر14:17)، والحضور الإلهي، ” ثم غطت السحابة خيمة الاجتماع وملأ بهاء الرب المسكن.” (خر 40:34)، وقد كان فقد تابوت الله يُعنى فقد المجد وهذا الحدث قد انعكس على اسم إيخابود الذي يُعني “أين المجد؟ “، ” فدعت الصبي ايخابود قائلة قد زال المجد من اسرائيل لان تابوت الله قد أخذ ولاجل حميها ورجلها.” (1 صم 4:21)[11]

 وهذا يُعني أن السبعينية بترجمتها لتعبير כָּבוֹד إلى δόξα أعطت المًصطلح اليوناني معنى جديد ومميز فقد حولت ” الذوكسا- الرأي” أي شيء ربما يكون موضع خلاف إلى شيء ” موضوعي ” أي حقيقة الله، ومجد الله ليس صفة خاصة به مثل الحكمة بل صفة لطبيعة الله – طبيعة الله مُمجدة ” ولا يوجد شك أن العهد الجديد استمد هذا المعنى من اليونانية السبعينية وليس من اليونانية العلمانية. [12]

 

  • مُصطلح المجد δόξα في الأناجيل الإزائية

 عند فحص الأناجيل يبدو أنهم تتبعوا في استخدامهم لمُصطلح ” المجد” الترجمة السبعينية للعهد القديم، عند قراءتنا للأناجيل سنجد استخدام روتيني مثل عظمة شيء ما على الأرض ” ثم اخذه أيضًا ابليس الى جبل عال جدا واراه جميع ممالك العالم ومجدها.”(مت 4:8)، أو الحديث عن عظمة سليمان “تأملوا الزنابق كيف تنمو. لا تتعب ولا تغزل. ولكن اقول لكم انه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منه”(لو 12:27)، وهذا المعنى قريب للغاية من تمجيد الناس بعضهم البعض ” فمتى صنعت صدقة فلا تصوت قدامك بالبوق كما يفعل المراؤون في المجامع وفي الأزقة لكي يمجّدوا من الناس. الحق أقول لكم انهم قد استوفوا أجرهم.” (مت 6:2) ” كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدا بعضكم من بعض. والمجد الذي من الاله الواحد لستم تطلبونه (يوحنا 5:44) هذا المعنى قريب من التكريم أو الاهتمام، مثلما حدث مع الرب يسوع ” وكان يعلّم في مجامعهم ممجدا من الجميع” (لو 4:15).

ولكن يوجد استخدام أخر وهو الأكثر توافقًا مع العهد القديم، وهو أن التمجيد خاص بالله أو ما يخصه، فيظهر مجد الله بشكل مُتكرر في روايات الميلاد ” وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب اضاء حولهم فخافوا خوفا عظيما.” (لو 2:9)، “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة”(لو 2:14)، وكذلك في حادث التجلي ” اللذان ظهرا بمجد وتكلما عن خروجه الذي كان عتيدا أن يكمله في اورشليم.، وأما بطرس واللذان معه فكانوا قد تثقلوا بالنوم. فلما استيقظوا رأوا مجده والرجلين الواقفين معه. (لو 31-32: 9)، وتمجيد الناس حينما يروا بعض الأعاجيب ” فلما رأى الجموع تعجبوا ومجدوا الله الذي اعطى الناس سلطانا مثل هذا” (مت 9:8)، ” فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الكل حتى بهت الجميع ومجّدوا الله قائلين ما رأينا مثل هذا قط” (مر 2:12)، ” ثم رجع الرعاة وهم يمجدون الله ويسبحونه على كل ما سمعوه ورأوه كما قيل لهم ” (لو 2:20) وكل هذا هو انعكاس لأدب العهد القديم عن المجد مثل ” ‎يا خائفي الرب سبحوه. مجدوه يا معشر ذرية يعقوب. واخشوه يا زرع إسرائيل جميعا‎.” (مز 22:23)، ” اسمعوا كلام الرب أيها المرتعدون من كلامه. قال أخوتكم الذين أبغضوكم وطردوكم من اجل اسمي ليتمجد الرب. فيظهر لفرحكم وأما هم فيخزون” (اش 66:5)

 ولكن النقلة التطورية في لاهوت الأناجيل الإزائية – وهي الأكثر أهمية في الحديث- هو طريقة تصوير مجد الرب يسوع المسيح، فالمسيح بسبب اتحاده بالله الآب يعكس المجد الألوهي، ولكن الحديث عن المجد في الأناجيل الإزائية له دائما لغة ” اسخاتولوجية – أخروية” وهذا واضح في طلب يعقوب ويوحنا ” فقالا له اعطنا ان نجلس واحد عن يمينك والآخر عن يسارك في مجدك” (مر 10:32)، ويضع متى تعبير أخر للمجد في روايته الموازية ويستخدم تعبير ” ملكوت”، ” فقال لها ماذا تريدين. قالت له قل ان يجلس ابناي هذان واحد عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك.” (مت 20:21).

ويبدو أن المجد المسيح- ابن الإنسان- سيظهر عند عودته ” فان ابن الإنسان سوف يأتي في مجد ابيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله.” (مت 16:27)، ” لان من استحى بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فان ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد ابيه مع الملائكة القديسين” (مر 8:38)، ” لان من استحى بي وبكلامي فبهذا يستحي ابن الإنسان متى جاء بمجده ومجد الآب والملائكة القديسين.” (لو 9:26)

 ولكن الاستثناء لهذا النمط الأخروي في الأناجيل الإزائية هو رواية التجلي بحسب إنجيل لوقا (28-36: 9) يُقدم لوقا الرب يسوع أنه كان ” في مجده ” وهذا الحديث ليس اسخاتولوجي على الإطلاق[13]

 

  • مُصطلح المجد δόξα في إنجيل يوحنا

لا يرتكز الحديث عن المجد في إنجيل يوحنا على أساس اسخاتولوجي، يتحدث هذا الإنجيل بقوة عن المجد في سياق خدمة الرب يسوع المسيح على الأرض، صحيح لا يزال مفهوم العهد القديم عن المجد موجود (أنظر 5:44، 7:18، 9:24،11:4،12:43) لكن التركيز الرئيسي ينصب على مجد المسيح، فيتحدث عن مجد المسيح قبل تجسده، ” قال اشعياء هذا حين رأى مجده وتكلم عنه.” (يو 12:41)، ” والآن مجدني انت ايها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم” (يو 17:5)، ” أيها الآب اريد ان هؤلاء الذين اعطيتني يكونون معي حيث اكون انا لينظروا مجدي الذي اعطيتني لانك احببتني قبل انشاء العالم.” (يو 17:24)، ومجده أثناء تجسده لا يزال مرئيًا، ” والكلمة صار جسدا وحلّ بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا.” (يو 1:14)، ” اجاب يسوع ان كنت امجد نفسي فليس مجدي شيئا. ابي هو الذي يمجدني الذي تقولون أنتم انه إلهكم” (يو 8:54)، ” فلما سمع يسوع قال هذا المرض ليس للموت بل لاجل مجد الله ليتمجد ابن الله به.” (يو 11:4)، ” إن كان الله قد تمجد فيه فان الله سيمجده في ذاته ويمجده سريعا.” (يو 13:32)، وبهذا الاهتمام عن المجد في إنجيل يوحنا على تفسير الاستخدام المتكرر لمصطلح ” نور”، غالبًا يظهر النور والمجد معًا في العهد القديم (أنظر اش 1-3:60) بالمُقارنة (يو 4-9:1، 3:19، 8:12، 12:46)، وهذا يتفق مع لاهوت العهد الجديد، حيث لا ينفصل ابن الله عن مجده، ” التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر. لان لو عرفوا لما صلبوا رب المجد.” (1 كو 2:8)، ” الذين فيهم إله هذا الدهر قد اعمى اذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم انارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله.” (2 كو 4:4)، ” الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الاشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الاعالي” (عب 1:3). [14]

الصلاة الكهنوتية – ج1 (يوحنا 17 :1-5) – مينا كرم

الشرح

لكي نسير بخطى سليمة، سوف أستعيد هنا ما قاله الآباء سواء كانوا من قبل نيقية أو بعد نيقية عن الخمس فقرات الأولى في الإصحاح السابع عشر ثم على هذا الأساس ننطلق الى خطوة اخرى في الشرح.

  • التفسير الابائي[15]

  • ترتليان

” أن علاقة الآب بالابن، والابن بالمُعزي الروح القدس تستدعي اتحاد الثلاثة أقانيم، وهم ما زالوا مُتمايزين، الثلاثة اقانيم لهم نفس الجوهر الواحد وليس الأقنوم الواحد، كما قال الرب ” أنا والآب واحد”، هذه الوحدة تتعلق بالجوهر وليس العدد، أنظر الى الإنجيل بالكامل، ستجد أن الذي تعتقد أنت أنه الآب (يوصف بأنه ممثله، على الرغم أنك تفترض أن الأب كونه الكرّام بالتأكيد كان على الأرض) مرة أخرى يعترف به الابن بأعتباره في السماء عندما رفع عيناه اليه” [16]

تحدث ترتليان هنا في رده على Praxeas الذي كان مُهرطق مجهول وربما يكون هو نفسه Noetus ولكن يستخدم لقب أخر، كان يؤمن أن أقنوم الابن والروح القدس مُجرد تسميات للإله الواحد، استهزأ ترتليان بفكر هذه الهرطقة وبحسب تعبيره ” يصلبون الأب “[17] لم تنكر هذه الهرطقة أن المسيح هو الله ولكنها قالت بما أن المسيح هو الله، فهو أيضًا أب!، وإذا مات المسيح فإن الأب مات معه، لأن هرطقات القرن الثاني والثالث مثل الشكلانية والسابلية ظنوا أن الأقانيم هي اعلانات لله تارة كالآب وتارة كالابن وتارة أخرى كالروح القدس.

قدم ترتليان شرح للثالوث بأعتبار أن الله مثلث الأقانيم ويوجد تمايز بين كل اقنوم والثلاثة اقانيم واحد في الجوهر، فأول حديث لنا من جهة الآباء هو ببساطة تمايز أقنوم الأب عن اقنوم الابن ليكون هذا الأساس البسيط والذي يعرفه الجميع نصب اعيننا.

  • ايرينيئوس

“الكلمة يُمجد ابيه والأب يُمجد الكلمة كما قال المسيح بنفسه ” أبها الآب، مجدني بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم” كما أنه غير مُحتاج إلى خدمتنا حينما أمرنا أن نتبعه، لكنه منحنا الخلاص، لأن كونك تتبع المُخلص فأنت تصير شريكًا في الخلاص.. لأنه بقدر ما لا يحتاج الله شيء، فإن الإنسان يحتاج إلى شركة مع الله، لأن هذا هو مجد الإنسان أن يستمر في خدمة الله دائمًا، ولذلك قال الرب أيضًا لتلاميذه “ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم” هنا يُشير إلى أنهم لم يُمجدوه عندما تبعوه ولكنهم بأتباعهم لإبن الله قد تمجدوا هم به” [18]

  • نوفتيان

“لو كان المسيح مجرد إنسان، فعلينا أن نسأل لماذا وضع لنا هذا القاعدة الإيمانية التي تقول ” وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته”؟، لأنه لو يكن راغب أن نفهم أنه الله لكان قد قال ” والإنسان يسوع المسيح الذي أرسلته”، لكنه لم يقل لنا هذا، لأنه لم يرغب أن نعرفه كمجرد إنسان لكنه ربط نفسه بالله وبهذا الربط والاقتران أراد أن يُفهنا أنه الله”[19]

“ولو كان المسيح مُجرد إنسان فكيف يقول ” والآن مجدني أيها الآب بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم!؟، هذا يُعن أنه كان له وجود قبل كون العالم، فكيف يكون له مجد إلا اذا كان هو نفسه موجودًا من قبل، فالمسيح له مجد قبل تأسيس العالم لأنه هو نفسه موجود قبل تأسيس العالم، ولو كان مجرد انسان لن يكون له مجد قبل كون العالم لأنه لم يكن موجودًا فلا يُمكن أن يكون له مجد سابق، ولكن المسيح لم يكن إنسان فقط فهو إذن الله الموجود قبل كون العالم” [20]

  • كبريانوس

” في الأناجيل والرسائل تُغفر الخطايا بأسم المسيح، ولكن ليس على هذا النحو تُغفر الخطايا بالمسيح وحده دون الآب أو في مُقابل الآب، ولكن لكي يظهر لليهود الذين يتفاخروا بأن لهم الآب، أن الآب لن ينفعهم شيئًا ما لم يؤمنوا بالابن الذي أرسله الآب، فأولئك الذين يعرفون الله الآب الخالق، عليهم أيضًا أن يعرفوا المسيح الذي قال “ليس احد يأتي الى الآب الا بي” ويقول أيضًا أن معرفة الابن والآب هي التي تُخلص ” هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته”، ومن ثم فكرازة وشهادة المسيح نفسه، تقوم أن يُعلن الآب الذي أرسله ثم بعد ذلك المسيح الذي اُرسِل، ولا يُمكن أن يوجد رجاء بالخلاص إلا بمعرفة الإثنين” [21]

  • اوريجانوس

 “الله ذاتي الألوهية، ولذلك يقول المُخلص في صلاته للأب ” أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك” لأن كل مُشارك في الوهيته الذاتية يتأله، ويُدعى “إله” لكن لا يُدعى “الله”[22]

  • هيلاري اسقف بواتية

لقد مجده الآب في ذاته، ومن أجل ذلك ينبغي أن يُعترف به في مجد الآب، وقد مجده الآب في ذاته، أفليس واضحًا أن له كل ما لأبيه، لأن الآب قد مجد الإبن في ذاته ويتوجب الاعتراف به في مجد الآب!؟، عليك أن تتأمل، إنه ليس في مجد الله فقط، بل في مجد الله الآب، الآب يُمجد الإبن ليس بمجد خارج ذاته، بل يُمجده في ذاته، الآب يُمجده في ومع ذاته بإعادته للمجد الذي يخص ذاته، والذي كان له معه من قبل، ولذلك فهذا الاعتراف ليس منفصلاً عن المسيح حتى وهو في خضوع الناسوت، لأنه يقول “وهذه هي الحياة الابدية ان يعرفوك انت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي ارسلته”، أولاً لا توجد حياة أبدية في الاعتراف بالله الآب بدون يسوع المسيح، ثانيًا فالمسيح يتمجد “في الآب”، وبطريقة مُحددة ودقيقة فإن معرفة الإلة الحقيقي وحده، والذي أرسله، الذي هو يسوع المسيح، أنكر أن المسيح إله حقيقي، إن كنت تقدر أن تحصل على الحياة بالإيمان بالله بدونه، أما من جهة حقيقة أن الآب هو الإله الحقيقي وحده فلن يكون المسيح إله حقيقي إلا إذا كان مجد المسيح بالكامل في الله الآب الحقيقي وحده، فإذا كان الآب يُمجد الإبن في ذاته، والآب هو الإله الحقيقي وحده، فبذلك يكون المسيح غير منفصل عن الإله الحقيقي الوحيد.[23]

  • يوحنا ذهبي الفم

 ” يُظهِر لنا المسيح مرة أخرى أنه جاء إلى الصليب برغبته، فكيف يكون قد صلّى أن ليتم الصليب وقد وصفه أنه مجد أن لا يكون المصلوب وحده بل الآب أيضًا؟، هذا ما قد حدث، فالابن تمجد والآب تمجد، فقبل الصليب لم يعرفه اليهود فإسرائيل ” لم يعرفني”(اش 1:3)، ولكن بعد الصلب قد ركض كل العالم إليه، ثم يشرح كيف سيكون المجد وكيف سيُمجده الآب”[24]

 “حينما يقول، “الاله الحقيقي وحدك” هُنا يهدف إلى أن يُميزه عن الإلهة الغير حقيقية، لأنه كان مزمع أن يرسلهم إلى الأمم، ولكن لو كانوا لا يقبلوا ذلك (يقصد الهراطقة)، ويرفضون الألوهية الحقة للابن بسبب لفظة “وحدك” وبالتالي يرفضون ألوهية الآب، لأنه يقول ” والمجد الذي من الاله الواحد لستم تطلبونه”، حسنًا، أليس الابن هو الله؟، فإن كان الابن هو الله ويُدعى ابن الآب، فقد أوضح أنه الإله الحق وحده، لماذا؟، عندما قال بولس ” ام انا وبرنابا وحدنا”(1كو 9:6)، فهل استثنى بولس برنابا؟، لا على الإطلاق، لأن لفظة “وحدنا” هي لتمييزه عن الآخرين، ولو لم يكن المسيح الإله الحق فكيف يكون هو ” الحقيقي” فهل الحق يختلف عن ما هو حقيقي؟ فهل الحق يختلف عن ما هو حقيقي؟، وماذا نُسمي الإنسان غير الحقيقي؟ أخبرني ألا نُسمية ليس انسان؟، فإن لم يكن الابن الاله الحق فكيف يكون الله؟، وكيف يجعلنا ألهة وأبناء إذا لم يكن الاله الحق؟[25]

  • اثناسيوس الرسولي

إذًا فإن الآب قد دُعيَ الإله الحقيقي الوحيد فهذا لا يعني إنكار هذا الذي قال ” أنا هو الحق ” بل يعني إنكار اولئك الذين ليسوا بطبيعتهم حقيقيين، مثل الآب وكلمته، ولهذا فقد أضاف الرب مباشرةً ” ويسوع المسيح الذي أرسلته” وعلى هذا فلو كان مخلوقًا لما كان قد أضاف هذه الكلمة ولما كان قد أحصى نفسه مع الخالق، فأية شركة توجد بين الحقيقي وغير الحقيقي؟!

ولكن الابن إذ أحصى نفسه مع الآب، فقد أظهر أنه من طبيعة الآب نفسها، واعطانا أن نعرف أنه المولود الحقيقي، وهكذا أيضًا تعلّم يوحنا وعلّم هذا كاتبًا في رسالته ” ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية”، وحينما يقول النبي عن الخليقة ” الباسط السماوات وحده ” وأيضًا حينما يقول الله ” ناشر السماوات وحدي ” يصير واضحًا للجميع أن لفظة (وحده) تشير أيضًا إلى الكلمة الخاص بالوحيد، الذي به خُلقت كل الأشياء وبغيره لم يُخلق شيء لذلك إن كانت كل الأشياء قد خُلقت بالكلمة، ومع ذلك يقول ” أنا وحدي” فإنه يعني أن الابن الذي به خُلقت السموات، هو مع ذلك الوحيد.

هكذا إن قيل “إله واحد”، ” أنا وحدي”، ” أنا الأول ” فهذا يعني أن الكلمة كائن في نفس الوقت في ذلك الواحد الوحيد والأول مثل وجود الشعاع في النور. وهذا لا يمكن أن يُفهم عن أي كائن آخر سوى الكلمة وحده. لأن كل الأشياء الأخرى خُلِقت من العدم بواسطة الابن، وهي تختلف اختلافًا كبيرًا جدًا فيما بينها من جهة الطبيعة، أما الابن نفسه فهو مولود حقيقي وطبيعي من الآب. [26]

 

  • الشرح فقرة بفقرة

  • (1)”تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال ايها الآب قد أتت الساعة. مجد ابنك ليمجدك ابنك[27] ايضا”

  • تكلم يسوع بهذا

من الأفضل أن نقترح بعض الترجمات الأفضل لهذا التعبير، مثل، ” بعد أن قال هذا “، ” بعدما قال هذه الكلمات”، وإذا حاولنا الترجمة الحرفية من النص اليوناني فستكون قراءة النص هي ” قال يسوع هذه الأشياء”، أي أن هذه الصلاة مُرتبطة بشكل وثيق بما يسبقه (يو 16:33، بل بالأحرى أصحاحات 14-16)، وعلى الرغم أن غالبية الترجمات تضع فاصلة بين ” بعدما قال يسوع هذه الكلمات” و ” ورفع عينه إلى السماء..”، لكن بحسب النص اليوناني يتم الربط بين هاتين العبارتين، بتعبير أخر فقد ربط القديس يوحنا بين كلام/ἐλάλησεν الرب يسوع للتو برفع/ ἐπῆρε عينه إلى السماء باستخدام الحرف ” و – καὶ ” فالصلاة قد تلت مباشرةً كلامه مع التلاميذ، وبالتالي فالصلاة قد كانت أمام التلاميذ[28] وهكذا فقد قصد يوحنا الوصل والربط، الانتقال لا الانفصال وبحسب تعبير ويستكوت فإن الرب يسوع قد أنتقل من الأرض إلى السماء، من التلاميذ إلى الآب، من التعليم إلى الصلاة[29]، وبهذا يُمكن أن نصيغ النص كالتالي، ” بعدما انتهى يسوع من حديثه مع التلاميذ رفع عينه…” فقد كان أخر ما قاله الرب يسوع ” ولكن ثقوا. انا قد غلبت العالم” هذه الغلبة هي من أجلنا نحن، خُلق الإنسان ليكون شريك الطبيعة الإلهية فقد اعطانا الرب يسوع هذه الغلبة في موته وقيامته، وبهذه الغلبة ننتقل من العالم المغلوب بالمسيح إلى الله. ” من يغلب فسأعطيه ان يجلس معي في عرشي كما غلبت انا أيضًا وجلست مع ابي في عرشه” (رؤ 3:21)

  • ورفع عينيه نحو السماء

الرب يسوع يوجه عينيه إلى أعلى نحو السماء، ثم يتحدث عن عمله الذي أكمله (عدد 4)، من الواضح أن صلاة يسوع للآب كانت على الأرض مُنذ بدايتها، ولكن تتعقد وتصعب الأمور فيما بعد، نجد في العدد 11 يسوع يقول ” ولست انا بعد في العالم” (صيغة المُضارع وليس المُستقبل بحسب NIV) هذا يُعني أن يسوع في مُنتصف الطريق، حسنًا، لكننا نجده في العدد 13 يقول “واتكلم بهذا في العالم” وبالتالي يسوع ما زال في على الارض، أي يسوع “في العالم” و ” ليس في العالم ” في نفس الوقت![30] أي أن يسوع قد تجاوز حيز المكان.

  • وقال ايها الآب

هذا هو التعبير المُعتاد للرب يسوع في كل صلواته، قد قام J. Jeremias بفحص كل صلوات الرب يسوع المسيح واكتشف أن جميع صلوات يسوع يُخاطب الله “كأب”، فقد كان هذا الأسلوب يُمثل ” شرخ ” للتقليد، وكان هذا الفعل المُتكرر هو الدافع لغضب معاصروه – الفريسيون- [31]ومن أوضح الأمثلة على ذلك هو يو 5: 17،18 “فأجابهم يسوع ابي يعمل حتى الآن وانا اعمل، فمن اجل هذا كان اليهود يطلبون اكثر أن يقتلوه. لانه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضًا ان الله ابوه معادلا نفسه بالله”، هنا الرب يسوع يقول ” ابي ” وليس ” ابانا ” هذه الطريقة الفردية لم تكن هي الطريقة المُعتادة عند اليهود للكلام عن الله أو في الصلوات المُشتركة، فقد أعلن الرب يسوع أن أبوه الله له تختلف عن معناها عندهم، هذه الأبوه التي للمسيح لا يشترك فيها أي أنسان آخر فهو أبن الله بالطبيعة وليس بالتبني[32]

فقد كانت كل صلوات الرب يسوع لله يُخاطبه كأب، بأستثناء” الهي الهي لماذا تركتني. “(مرقس 15:34، متى 27:46)، هذه الكلمات كانت صدى لــــ مزمور 22:1، ولكن كل مواضع الصلاة التي ورد فيها تعبير ” الآب” هي صدى لتعبير “ابا – abba” هذا التعبير الأرامي المكتوب بحروف يونانية والذي ورد فقط ثلاث مرات في العهد الجديد (مرقس 14:36، غلاطية 4:6، رومية 8:15)، وبمقارنة صلاة يسوع في مرقس 14:36، بالموضعين الآخرين، فسيكون من الواضح أن هذا الاستخدام الأرامي “abba” قد استمر منذ استخدام يسوع لها إلى الكنائس الناطقة باليونانية، فهذه اللفظة المُدللة التي يقولها الاطفال لأبائهم لم تقتصر عليهم، فباستخدام يسوع هذا التعبير عن وعيه بوجود علاقة فريدة مع الله، قد فوض لتلاميذه مُخاطبة الله أيضًا هكذا أي أنه منحهم نصيب في علاقته مع الله[33] فهذه اللفظة ترتبط بشكل خاص بيسوع، فكون أنك تقول “abba” أنك تصبح ابن ووارث ولكن ليس بشكل مُستقل عن المسيح فروح البنوة قد اخذناها منه، وبه نرث الله (ملكوت الله).

  • قد أتت الساعة

كان موت المسيح ضرورة إلهية، يظهر في إنجيل يوحنا اتجاه متطور بالطابع الحتمي لآلام الرب يسوع، يوصف ذلك بتعبير ” الساعة” (بحسب ترجمة NIV الوقت –Time)، يذكر يوحنا الإنجيلي في عده مواضع أن ساعته لم تأت بعد، إلى أن يقول الرب يسوع ” قد أتت الساعة” (يو 17:1) تكلم إنجيل متى عن هذه الضرورة أيضًا في أول نبوءة للآلام (متى 16:21)، يستخدم متى لفظة ” δει ” للتعبير عن هذه الضرورة، أنظر أيضًا ماذا قال الملاك للنساء (لو 24:7)، نفس هذه الفكرة نجدها في (يو 3:14) يُنظر إلى موت المسيح في كل الأناجيل باعتباره قمة عمل المسيح، لا يوجد ما يدعم أن موت المسيح كان صدفة، بل كان موت المسيح جزء من خطة إلهية[34] نحن لدينا مصًطلحات مميزة في إنجيل يوحنا مثل ” الآن”، “ليس بعد”، “ساعة”، وغير ذلك، أحد الجوانب الدلالية لهذه التعبيرات، هو أن الحدث الأخروي من الممكن أن يكون غير مُستقبلي، لا سيما عند حديث المسيح عن موته ” قد أتت الساعة ” (يو 12:23)، فقد ربط بين بزوغ الساعة بإنجاز المهمة التي أخذها من الآب (يو 17:1)، ولكن السمة الرئيسية المُهيمنة على هذه التصريحات ليست ” كرونولوجية – تاريخية” ولكن لاهوتية، أي كانت ” ساعة ” يسوع محسومة وحتمية بالنسبة للتاريخ فهي مربوطة بالمستقبل ويجب أن تتم في المستقبل”[35]

 

  • مجد ابنك ليمجدك ابنك ايضا

تمجيد المسيح هو طلبة لتخويله تميم الخلاص الذي جاء له، فمن الواضح أن المسيح لا يطلب بعض التكريم لنفسه، لأنه في تمجيده بواسطة موته وقيامته فقط يهدف إلى تمجيد الآب[36]

على ضوء ما شرحناه عن تعبير المجد اعلاه، يتبين للكل أن المجد المُتحدّث عنه هنا، لا يُمكن أن يكون اعطاء مجد من الابن للآب أو العكس، فالابن ممجد والآب ممجد، الآب مجده مطلق وكامل وكذلك الابن، وهكذا لا يُمكن أن يكون الابن يطلب من الآب أن يتمجد كطلبه مصبوغة بالأنانية، لأنه من الأصل لا يطلب مجد ذاتي، فما يطلبه الابن هو استعلان مجده وبهذا الاستعلان يتمجد الآب، إذن هذا المجد هو مجد مُتبادل لا يقدر مجرد إنسان أن يطلبه، بل إن استعلان مجد الآب يتم في الابن، فتنكشف ابوه الله الحقيقة للإنسان المُخبر عنها بصورة شحيحة في العهد القديم.

 وقد كان انصراف ورحيل يهوذا بمثابة إشارة إلى حلول ” الساعة ” التي اسلم فيها المسيح نفسه إلى الموت “فلما خرج قال يسوع الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه” (يو 13:31)، مع الأخذ في الاعتبار تجلي مجد الابن من خلال أعماله (يو 1:14، 2:11)[37] بكلمات أخرى لا يُمكن خنق وتحديد مفهوم مجد المسيح في الانتصار على الموت واستعلان بنوته الحقيقة للآب الحقيقي واستعلان ربوبية الابن بعد القيامة، فيستحيل فصل قيامة يسوع عن موت ابن الله المتجسد، فبالصليب يتم استعلان محبة الأب من خلال عمل الابن على الصليب، فتمجيد الابن اولاً هو بالموت في الحياه، وكذلك أيضًا لو كان المسيح ظل متروك في القبر ولم يقوم من الموت لكان موته على الصليب ليس له أي مجد، فكمال استعلان مجد المسيح هو اجتيازه من الموت وانتصاره عليه واتمام عمل الخلاص دون الاخلال بأحد جوانب اقتضاء التدبير الإلهي.

 

  • (2) اذ اعطيته[38] سلطانا على كل جسد ليعطي حياة ابدية لكل من اعطيته.

يقول اغسطينوس ” إن الآب وهب المسيح سُلطانًا على كل جسد، ينبغي أن يُفهم لجهة ناسُوته، أما من جهة ألوهيته فكل شيء به صار مما هو في السماء والأرض مما هو منظور وما هو غير منظُور” [39] هنا عليك أن تُدرك هذه الطبيعة ” المركبة – Composite” فطبيعة الابن المركبة تجعل الابن يعطي الحياه الابديه بسلطان اللاهوت ولكن ليس بمعزل عن الناسوت فالأنفصال بين الناسوت واللاهوت مستحيل فالمسيح يأخذ بأعتباره هو الوسيط بيننا وبين الآب ويعطي الحياه ولكن ليس من ناسوته بل بقوة اللاهوت، فاستحالة انفصال اللاهوت والناسوت تُحتم وحدة العمل، فعمل الرب يسوع الألوهي الذي لا يقدر أن يفعله إنسان تم في تجسده.

فيُعتبر هذا العدد هو مفتاح العدد السابق:

مجد ابنك

اذ اعطيته سلطانا على كل جسد

ليمجدك ابنك

ليعطي حياة ابدية لكل من اعطيته.

 

 

فعندما يطلب الرب يسوع من الآب أن يُمجده فهذا التمجيد مؤسس على الخطة الإلهية المُسبقة فحينما تتم يتمجد الآب، وهنا يجب أن تكون على معرفة أن مجد الله الآب ليس مجد طاووسي كالرؤساء والملوك، فهذا المجد مُستعلن وهذا الاستعلان هو دعوة للمشاركة في المجد.

يقول أثناسيوس الرسولي ” لأن مجد الله الآب هو: أن يوجد الإنسان الذي كان قد خلق ثم هلك، وهو: أن يحيا الذي مات، وهو: أن يصير الإنسان هيكل الله. ولأن القوات السمائية من ملائكة ورؤساء ملائكة كانت تعبده دائمًا، فإنهم الآن أيضًا يسجدون للرب باسم يسوع، فهذه النعمة وهذا التمجيد العالي إنما هو لنا، وإنه بالرغم من أنه صار إنسانًا وهو ابن الله فإنه يُعبَد. لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا ـ المتحدين معه فى نفس الجسد ـ داخلين إلى مناطقهم (السمائية)، وهذا قطعًا ـ لم يكن ممكنًا أن يحدث بأية طريقة أخرى، اللهم إلاّ إذ كان هذا الذي كان موجودًا في صورة الله، قد أتخذ لنفسه صورة العبد، وأذل ذاته، راضيًا بأن يصل جسده حتى إلى الموت.” [40]

فمجد المسيح ومجد الآب الذي هو محور العدد (1) يتم شرحه في العدد (2) وهذا النص يُوضح مدى سلطان المسيح في حالة التجسد، وقدرته على منح الحياة الأبدية لمن يعطيه الآب، فإنجيل القديس يوحنا مليء بالتأكيدات على أن الحياة في المسيح (أنظر 1:4، 15-16: 3، 4:14، 5: 21،26، 6:33،54، 10:10،11:25،14:6) كل هذه النصوص تتحدث بصورة دقيقة عن الهدف الرئيسي للرب يسوع، وهو تمجيد الآب من خلال منح الحياة للبشر.[41]

 فالآب والابن يشتركون في عطاء الحياة الأبدية فيكون العدد الثاني هو الشرح الأول للعد الأول وأما الشرح الثاني فسيكون في العدد الثالث عن ماهية هذه الحياة، وهو ما سنتحدث عنه في شرح الفقرة الثالثة.

 

  • (3) وهذه هي الحياة الابدية ان يعرفوك[42] انت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح[43] الذي ارسلته.

يُثير هذا النص الكثير من التساؤلات رغم بساطته، فللتو تستطيع أن تُدرك المقصود من التعريف الذي وضعه يوحنا للحياة الأبدية وهو ما يأتي بعد – هذه هي الحياة الأبدية- مثلما يقول “وهذه هي الدينونة …”(يو 3:19) أو ” هذه هي وصيتي…” (يو 15:12)[44] استخدم يوحنا تعبير “حياة ابدية” 17 مرة، هذا النص هو الموضع الوحيد الذي يسبق هذا التعبير اداة تعريف!، لا أقصد بذلك أننا نمتلك تعريف للحياه الأبدية ولكن بالتأكيد نمتلك كشف واستعلان عن جوهر هذه الحياة، هذا الكشف الجوهري هو نقيض التصوف الهلنستي حيث ثثميم التأمل في الاتحاد بين الله والشخص العارف، لكن القديس يوحنا يضع المعرفة كتتويج لوجود علائقي وشخصي مع الله بواسطة ابنه (أنظر كذلك ما يقوله بولس الرسول (اكو 12-16:2)، فالمعرفة المسيحية عن الله هي نتيجة اختبار في المسيح وهذا يتناقص بشكل مُطلق مع الحكمة واللاهوت الطبيعي[45] فالمعرفة هي شركة مع الله وليست معرفة فكرية.

 فوجودنا وشركتنا لله قائم على علاقة شركة مع وفي الواحد، وهذا الواحد في اللاهوت المسيحي يقوم على شركة الثالوث، فالثالوث هو أول الوجود والشارح للوحدانية- وليس العكس – فالوجود الحقيقي هو في الشركة ولا وجود بلا شركة، فالشركة هي أساس الوجود وأي كيان حقيقي لا يُمكن معرفته بدون الشركة وبما أن الوجود شركة فلا يمكننا فهمه إلا من خلال علاقة، فالوجود بحد ذاته في حياة عزلة وانفصال لا يُمكن فهمه كما هو في ذاته بل يتوجب فهمه في علاقة، وهكذا الكينونة الإلهية في شركة مع الذات ومع الخليقة. وبهذا تصبح الشركة هي جوهر الوجود، فوجود الله هو ” أبوة الله” فكيان الله ليس جوهر غامض يتمتع بصفة الوجود من اجل الوجود بل هو وجود ” مأقنم – مشخصن ” فالإعلان عن حقيقة الكيان الإلهي يتمحور حول وجوده كــــــ” أب” فالله ليس واجب الوجود فحسب بل واجب الوجود كــــــ ” أب”. [46]

 والمعرفة الكاملة لله الآب تم الاستعلان عنها في الابن، فالله الذي خاطبه اشعياء قائلاً “حَقًّا أَنْتَ إله مُحْتَجِبٌ يَا إله إِسْرَائِيلَ الْمُخَلِّصَ.” (اش 15:45) استعلن في الابن، ولا أحد يستطيع معرفة الآب إلا بالابن والعكس

 وبالتالي يكون العدد الثالث يتفق تماما مع ما سبقه فالمسيح يعطي الهدف من التمجيد، لأن هذا التمجيد هو معرفة الله والمسيح، الذي هو الطريق الوحيد للحياة الأبدية، فالرب يسوع يقول للآب مجدني لكي امجدك ليستطيعوا الناس أن ينالوا الحياة الأبدية لأن الحياة الأبدية تتمثل في معرفتك ومعرفة يسوع المسيح لأن نوال الخلاص قائم على الإيمان بالمسيح[47]وهنا نذهب لأول سؤال، ما هي الحياة الأبدية؟

يقول جوزيف راتسينجر:

” أن الحياة الأبدية ليست كما تخطر في بال القاري الحديث للتو أنها مجرد حياة بعد الموت، في حين أن الحياة التي نعيشها بالتأكيد ستنتهي، فالحياة الأبدية تعني الحياة نفسها، الحياة التي يُمكننا أن نعيشها في حاضرنا ولا تنتهي ومن ثم بالموت بالجسد، وما يُعنينا هو أن نتقبل الحياة من هذه اللحظة الحياة الحقيقية التي لا تُدمّر من أي شيء أو شخص، يظهر بوضوح معنى ” الحياة الأبدية ” في قصة قيامة لعازر”قال لها يسوع انا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيّا وآمن بي فلن يموت الى الابد. أتؤمنين بهذا. (يو 25-26:11) ويقول يسوع لتلاميذه في العشاء الأخير “بعد قليل لا يراني العالم أيضًا وأما أنتم فترونني. أني انا حيّ فأنتم ستحيون.” (يو 14:19) وبذلك فسيكون ما يُميز تلميذ يسوع أنه ” يحيا ” متجاوز مجرد حقيقة الوجود بل يعانق الحياة الحقيقية التي يبحث عنها الجميع وعلى هذا الأساس فقد لُقب المسيحيون الأوائل بــ ” الأحياء-hoi zōntes ” لأنهم وجدوا الحياة، ولكن كيف يحصل المرء عليها؟ تضع الصلاة الكهنوتية الجواب، رغم وجود الجواب في سياق توراتي حيث أن الإنسان يجد ” الحياة الأبدية ” بـــ “المعرفة ” بذلك يتم وضع تصور العهد القديم للفعل ” عرف ” وارتباطه بالمشاركة حيث يصير الإنسان واحد مع ما يعرفه، لكن من المؤكد أن مفتاح الحياة الأبدية ليس أي نوع من أنواع المعرفة ايّ كانت ولكن “ان يعرفوك أنت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته.” (يو 17:3) وهذا نوع من صيغة إيمانية موجزة يظهر فيها المحور الرئيسي لقرارنا أن نكون مسيحين، إنها المعرفة التي يعطيها لنا الإيمان، فالإنسان المسيحي يؤمن يوجود إله حق واحد فقط، ويصير هذا الإله قريب منا بيسوع المسيح الذي أرسله – يسوع المسيح- الذي بلقائنا معه نختبر معرفتنا بالله ونذهب الى الشركة، وبالتالي إلى ” الحياة “، في هذه العبارة المزدوجة ” الله والذي أرسله ” هي صدى ما نقرأه في سفر الخروج، يجب أن يؤمنوا بي – ألله- وبموسى المرسل منه، الله يُظهر وجهه في المُرسل منه، وبصورة نهائية في ابنه، فالحياة الأبدية اذن هي حدث ” علائقي ” لا يحصل عليها الإنسان في انفصال عن الله، بل بعلاقته بالذي هو نفسه الحياة يصبح هو أيضًا حي” [48]

فالرب يسوع ربط الحياة الأبدية بمعرفة الإلة الحقيقي كأمتداد لفكر العهد القديم بعيداً عن المعرفة التأملية والنشوة الصوفية في الفكر اليوناني، فالعهد القديم قدم المعرفة باعتبارها خبرة وعلاقة “ولا يعلّمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد اخاه قائلين اعرفوا الرب لانهم كلهم سيعرفونني ” (ار 31:34) ويتم التأكيد على معنى المعرفة كعلاقة حميمية باستخدام صيغة الفعل للإشارة للعلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة (تك 4:1)، قال الرب يسوع ” اما انا فاني الراعي الصالح واعرف خاصتي وخاصتي تعرفني،كما ان الآب يعرفني وانا اعرف الآب. وانا أضع نفسي عن الخراف”(يو 14-15:10)، العلاقة بين الآب والابن هي نموذج العلاقة بين الابن وتلاميذه، وهذه المعرفة لا تأتي عن طريق التعليم بل عن طريق الكشف بواسطة الابن (أنظر يو 1:18، 14:7)[49]

وقد قال فيلو الإسكندري بشكل واضح أن نهاية طريق الحكمة هي معرفة وفهم الله[50] لكن الرب يسوع يقول ” كل شيء قد دفع اليّ من ابي. وليس احد يعرف الابن الا الآب. ولا احد يعرف الآب الا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له” (مت 11:27) وهذا الكلام قد أتى في سياق الحديث عن “ملكوت الله” (مت 2-26:11) وهو التعبير الذي ورد في الأناجيل الإزائية مقابل تعبير ” الحياة الأبدية”، ففي هذا السياق يتم الحديث عن المعرفة الإستعلانية التي تتخطى المعرفة العقلية لكي تشمل أيضًا العلاقة والشركة، وهذا يستلزم استعلانه بواسطة الإبن لكي يدخل الإنسان في الشركة – koinonia- وهي قلب الحياة في السيادة الخلاصية (أنظر رؤ 21:3، 3-5:22) [51] وبذلك فنقول أن معرفة يسوع المسيح هي الوصول المطلق والكامل لمعرفة الله.

إذن فالرب يسوع المسيح لم يحد مفهوم الحياة الأبدية في قالب الزمن ولكنه وضع الحياة الأبدية في صورة نوعية فأصبحت الحياة الأبدية لها شكل يُميزها، فهي ليست زمن لا ينتهي، لكنها علاقة لا تنتهي، وهذا الشكل لا يتكون بعد الانتقال من هذه الحياة، لا!، بل تبدأ العلاقة مع الثالوث من هنا، علاقة تتخطى حدود المعلومات، فهناك فارق ضخم بين أن تعرف أنك تؤمن بالثالوث وبين أنك لك علاقة مع الثالوث، فالثالوث ليس فكرة في العقل، الثالوث أشخاص، كل شخص بالنسبة للشخص الآخر هو آخر، الآب ليس هو الابن ليس هو الروح القدس، وكل شخص يحب الآخر، إذن يوجد محبة آخر، فإن لم تحب الآخر تضع نفسك خارج صورة علاقة الثالوث!، ولا يُمكن أن تدخل في شركة مع شخص وضعت بينك وبينه فاصل، فالشركة في الثالوث اساسها الإستعلان وهذ الإستعلان دعوة للشركة وليس إجبار عليها، صحيح أن كل شيء حدث للإنسان بسبب التجسد كان بالنعمة وليس بالإرادة الإنسانية ولكن لا يُجبر الإنسان على قبولها ” فاننا نحن عاملان مع الله وانتم فلاحة الله. بناء الله.” (1 كو 3:9)، الإرادة والنعمة كلاهما يعملان ليحصل الإنسان على الخلاص، فليس أنت وحدك وليست النعمة الإلهية وحدها.

يقول الرسول يوحنا “فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الابدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضًا شركة معنا. واما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح.”(1 يو 2-3:1)، فالرسول رأى وشاهد وأخبر بالحياة الأبدية المستعلنة في الإبن لكن نشترك نحن أيضًا، ويقول أيضًا ” ونعلم ان ابن الله قد جاء واعطانا بصيرة لنعرف الحق. ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الاله الحق والحياة الأبدية.” (1 يو 5:20) على نفس طريقة (يو 17:3) الالة الحق والرب يسوع الذي جاء من عند الآب، والحياة الأبدية بمعرفة الآب والإبن لأن انفصال الآب عن الابن مستحيل.

وفي حقيقة الأمر هذا النص – يو 17:3- يُستخدم في كثير من الاوقات لنفي لاهوت الرب يسوع المسيح، وعلى وجه الخصوص من جماعة ” شهود يهوه “، لكن لا يوجد دعم لهذا الإدعاء من أي اتجاه.

يبدأ الخلط عند شهود يهوه من تفسير ما قاله الرب يسوع بأنه يقصد إنه ليس إله حقيقي، والآب فقط هو الإلة الحقيقي، وهنا يجب أن نطرح سؤال، هل إذا كان الآب –شخص\أقنوم- وحده هو الإله الحقيقي الوحيد يمكن أن يكون مع الآب، الابن والروح القدس!؟

الإشكال الأول في تفسير جماعة شهود يهوه لما قاله الرب يسوع هو إنه ليس مجرد تفسير خاطئ فحسب بل هو قراءة خاطئة من الأساس. وهذا حيث أن جماعة شهود يهوه يُغيرون ما قاله الرب يسوع نفسه وبالتالي هم لا يقتبسون كلام الرب ثم يُفسرونه، لا، بل يقتبسون الكلام بطريقة خاطئة ثم يُفسرونه بطريقة خاطئة أيضًا أكثر.

فهم يقولون إن الرب يسوع قد قال إن “الآب وحده هو الإله الحقيقي” وبالتالي يفهمون أن النص ينفي الألوهة الحقيقية عن الابن والروح القدس. ولكن الرب يسوع لم يقل هذا! فتفسيرهم قائم على هذه الصياغة ” الآب وحده هو الإله الحقيقي”، في حين أن الرب يسوع قد قال “الآب هو الإله الحقيقي وحده”.

فالفارق بين الصياغتين هو أن الصياغة الأولى -الخاطئة- حصرت وصف الألوهة الحقيقية في لآب وحده، أمّا ما قاله الرب يسوع فهو قد ميزّ الألوهة الحقيقية والوحيدة التي للآب عن غيرها من الكاذب، بما يعني أن ألوهة الآب هذه هي الألوهة الحقيقة الوحيدة. فالواحدية هنا ليست على الألوهة، بل عن حقانية ألوهة الآب. فليس الآب وحده هو الإله الحقيقي، لكن ألوهة الآب هي الألوهة الحقيقة الوحيدة. ولهذا نجد أن الآباء المتكلمين باليونانية يفهمون النص بهذا الشكل لأنهم يتحدثون اللغة اليونانية أو على الأقل يعرفونها جيدًا.

 

فما قاله الرب يسوع لا مشكلة فيه على وجه الإطلاق فهذا هو الإعلان الإلهي الذي أعلنه الرب يسوع فالله الآب هو الإله الحقيقي وحده، ولكن الخطأ هو البناء المنطقي الذي يستخدمه شهود يهوه في التفسير.

فـأولاً: يضعون صياغة مضللة لأن الاسم هو “الاله θεὸν” والصفة والظرف – وحده\حقيقي-، فبالتالي تنصب الوحدانية على الألوهة وليس على الآب.

ثانياً: يستخدمون صياغتهم المُضللة لبناء حجة مفادها نفس مفاد ما صاغوه. للتوضيح: إذا أرادنا إثبات إن مينا سيموت، سنقول:

1: البشر يموتون (حقيقة)،

2: مينا أحد البشر (حقيقة)،

3: مينا سيموت،

فهنا المُقدمة الأولى والثانية صحيحة فبالتالي الاستنتاج صحيح. ولكن في المقابل ما يفعله شهود يهود هو وضع مقدمات خاطئة بهذا الشكل:

1: الآب -وحده- هو الإله الحقيقي (صياغة خاطئة)،

2: يسوع ليس هو الآب (صحيح)،

3: يسوع ليس الإله الحقيقي (استنتاج خاطئ لخطأ في مقدمة الحجة).

هذه الصياغة الخاطئة ما فعلته ببساطة هي كأنها قالت بما أن مينا ” بشر” إذن “البشر” هم مينا، صحيح مينا بشر ولكن العكس ليس بصحيح، الآب هو الإله الحقيقي وحده، ولكن الآب ليس وحده الإله الحقيقي.

 

الإشكال الثاني- مرتبط بالأول- هو أن نظرة شهود يهوه للنص هي بعينها مغالطة ” المصادرة على المطلوب” فتكون القراءة الطبيعية بحسب نظرتهم أن يكون الآب إله حقيقي والابن لا!، هذا الافتراض يقوم على نظرتهم اللاهوتية الخاصة، فهم يُفسرون بشكل مباشر الكينونة الإلهية الواحدة باعتبارها ” شخص\أقنوم” واحد!

وهنا النقطة الفاصلة، وهي الكلمة المفتاحية في النص، تعبير ” حقيقي”، هل المسيح إله حقيقي!؟ إن كان كذلك وتفسير شهود يهوه لــ يو 17:3 أن الآب هو وحده الاله الحقيقي، إذن يكون شهود يهوه يؤمنون بتعدد الآلهة، وإن كان المسيح ليس إله حقيقي فهذا بلا شك يصنع تناقض داخل الفكر الكريستولوجي لشهود يهوه!

ولحل هذه المُشكلة لجأ البعض للقول بأن لفظة ” حقيقي ” لا تعني حق في مواجهة باطل، أو صواب أمام خطأ، بل تعني “أصل” و “نسخة” من هذا الأصل، وبالتالي يصبح المسيح ليس ضمن الآلهة الزائفة ولا هو إله حقيقي! فيصبح الآب إله حقيقي بمعنى ” نموذج أصلي” والمسيح ليس إله كاذب لكنه ليس ” نموذج أصلي” فلا يكون كاذب ولا يكون حقيقي!، وعجبي! هذا الكلام غير واقعي بالمرة! يوحنا 17:3 يتحدث بشكل واضح عن طبيعة إلهية واحدة وفريدة و ” حقيقية ” ضد الآلهة الزائفة، أنظر ما تقوله المراجع اللغوية.

As an attribute of God, ἀληθινός is again controlled by

אֱמֶת [1] in the JudaeoChristian sphere, Ex. 34:6; 2 Ch. 15:3; ψ 85:15; M. Pol., 14, 2: ὁ ἀψευδὴς καὶ ἀληθινὸς θεός (Herm. m., 3, 1 as an attribute of κύριος), where the meaning hovers between “trustworthy,” “truthful” and “righteous”; cf. alongside one another, 1 Εσδρ. 8:86: κύριε … ἀληθινὸς εἶ, and 2 Esr. 9:15: κύριε … δίκαιος σύ; cf. Jos. Ant., 11, 55: God as ἀληθινός and δίκαιος. As against this, ἀληθινός is also used of God in the sense of “real” or “true” in contrast to the vanity of idols. This usage, too, is determined by אֱמֶת; thus Is. 65:16 (for בֵּאלֹהֵי אמן); 3 Macc. 6:18; Philo Spec. Leg., I, 332 (ἀγνοοῦντες τὸν ἕνα καὶ ἀληθινὸν θεὸν πολλοὺς ψευδωνύμους ἀναπλάττοντες); Leg. Gaj., 366 (the same antithesis); Sib. Fr., 1, 20; 3, 46; and cf. also 1 Th. 1:9: πῶς ἐπεστρέψατε πρὸς τὸν θεὸν ἀπὸ τῶν εἰδώλων δουλεύειν θεῷ ζῶντι καὶ ἀληθινῷ; 1 Cl., 43, 6: εἰς τὸ δοξασθῆναι τὸ ὄνομα τοῦ ἀληθινοῦ καὶ μόνου θεοῦ. In Rev. the word ἀληθινός is sometimes used of God (6:10), sometimes of Christ (3:7, 14; 19:11). The same usage is found in Jn. 7:28; 17:3; 1 Jn. 5:20[52]

[2] ἀληθινόςa: ἵνα γινώσκωσιν σὲ τὸν μόνον ἀληθινὸν θεόν ‘that they may know you, the only one who is really God’ Jn 17:3. In some languages ‘the only one who is really God’ can only be expressed as ‘the only God who exists’ or ‘who is God and there are no other gods[53].’

[3] ALĒTHINOS (ἀληθινός , (228)), akin to No. 1, denotes true in the sense of real, ideal, genuine; it is used (a) of God, John 7:28 (cp. No. 1 in 7:18, above); 17:3; 1 Thess. 1:9; Rev. 6:10; these declare that God fulfils the meaning of His Name, He is “very God,” in distinction from all other gods, false gods[54]

من الممكن الاستشهاد بالكثير من المراجع الأخرى، ولكني فقط أوضح الأفكار الأساسية، فإن ادعاءات شهود يهوه تجاه هذا النص تضعهم في بعض الإشكاليات بسبب الأخطاء المنطقية والمنهجية التي يرتكبونها، فهم يحاولون تغيير التركيب السياقي واللغوي للنص على أساس نظرتهم الإيمانية، وهذه هي الإشكالية الحقيقية في قراءة يو 17: 3 وهي وضع منظور شخصي على النص ومن ثم تحريك النص كما يُحب شهود يهوه بل ولي عنقه، وكل أسلوب خاطئ في التفسير بالتأكيد هو نتاج أخطاء في المنطق لديهم، للارتباط الوثيق بين الاثنين، فتفسيرهم المتطرف هو نتاج خطأ منطقي!.[55]

وهذا المنطق المعوج بالتأكيد سيكون في إشكالية كبيرة حين مواجهته ببعض النصوص الأخرى في العهد الجديد على سبيل المثال يقول الرسول بولس: ” فمن جهة اكل ما ذبح للأوثان نعلم أن ليس وثن في العالم وان ليس إله آخر إلا واحدا. 5 لانه وان وجد ما يسمى آلهة سواء كان في السماء أو على الأرض كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون. 6 لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له. ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الاشياء ونحن به.” (1 كو 4-6:8)، فهنا الآب هو ” الاله الواحد” والمسيح هو ” الرب الواحد”، فهل هذا ينفي الربوبية عن الله الآب لأن المسيح وحده هو الذي وُصِف بالرب الواحد!؟، بالتأكيد لا، بل يقول الرسول يوحنا ” ما مِنْ أحدٍ رأى اللهَ. الإلهُ الأوحَدُ الّذي في حِضنِ الآبِ هوَ الّذي أخبَرَ عَنهُ.” (العربية المشتركة) فالمسيح هو الاله الوحيد!

فالوحدانية هي تخص تفرد الطبيعة، فلا نُعبر عن الله من خلال رقم، فالله ليس واحد من جهة العدد ولا هو ثلاثة أو سبعة، لأن بهذه الطريقة تصير الطبيعة الإلهية كم محدود!، ولكن الطبيعة الإلهية هي بسيطة ومطلقة في نفس الوقت ووحدانيتها تكون من جهة هذه الطبيعة وليست من جهة العد الحسابي، فيكون من المُستحيل أن تكون طبيعة منقسمة، فالله واحد لأنه متفرد يتميز عن كل الآلهه الكاذبة والغير حقيقية، والمسيح واحد مع الآب من جهة هذه الطبيعة الواحدة والفريدة ” أنا والآب واحد ” (يو 10:30) كما في العهد القديم ” اسمع يا إسرائيل. الرب الهنا رب واحد.” (تث 4:6) باعتبار أن المسيح والآب لهم نفس الطبيعة الإلهية الواحدة والفريدة [56]

ولكن لأن المسيح يُريد استعلان الآب فيقول “وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته.” هذا لأن يسوع المسيح من ذات الطبيعة الإلهية فيسوع لا يُضاف إلى الآب بل هو واحد معه وله ذات الطبيعة الإلهية الحقيقية والواحدة والفريدة نفسها، ويتم ربط معرفة الآب والإبن بالحياة الأبدية لأن يسوع المسيح هو الاستعلان الكامل لله الآب فالمعرفة للآب تكون بالإبن لإنه من ذات طبيعته.

 

  • (4) انا مجدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته. (5) والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم

كما يوجد ترابط قوي بين الفقرتين 1،2، كذلك يوجد هنا ترابط من اقوى ما يكون، وكما مجد الابن الآب بعطاءه الحياة الأبدية للناس، فهو كشف عن الآب بكل ما حدث في التجسد، وهذه طريقة أخرى لتمجيد الآب، ” قال لهم يسوع طعامي ان اعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله.” (يو 4:34) فالله الآب يتمجد عند تميم العمل الذي أتى الآبن ليعمله، هذا العمل يتضمن الكشف عن الآب من خلال خدمته على الأرض ويصل إلى ذروته عند الصليب فبالعمل الذي يُتمم في شخص الابن يتمجد الآب[57] إذن يعود الإبن هنا مرة أخرى لطلب التمجيد ولكنه يُقدم الداعي لهذا التمجيد وهو تتميم العمل وانتهاء مهمته على الأرض (أنظر يو 1:14، 8:50)، ولكن من الواضح أن عمل الصليب لم يأتي بعد، والرب يسوع هنا يتحدث كما لو كان اجتازه!، فالرب يتحدث عن الصليب كأنه تم لأنه سيتم بلا أي شك فالصليب لم يتم بعد والحديث هنا كأنه ترقب الحدث لكن هذا الحديث هو بين الآب والابن ولهم المعرفة الكلية إذن هذا الافتراض لا إشكال فيه[58] لكن الأفعال التامة في هذه الفقرات أعطت احتمالية تفسيرية أن تتميم العمل ليس له علاقة بالصليب على أساس تعبير ” الآن ” في الفقرة 5 والتي تُقدم مفهوم تمجيد الابن على أساس موته على الصليب.

صحيح أنه يوجد فارق بين العدد 4و 5، ولكن ليس بين العمل الذي تم والعمل الذي سيتم على الصليب، والمجد الذي يطلبه من الآب في ذاته في السماء (أنظر يو 13: 31-32) وبالتالي يكون أن العمل الذي يُمجد به الابن الله الآب هو كل ما حدث على الأرض بما في ذلك الموت والقيامة (أنظر يو 4: 34، 5: 36، 19: 30) [59]

ثم يطلب الرب يسوع أن يتمجد بما كان له من مجد قبل خلق العالم مع الآب، هذه إشارة أخرى لوجود الرب يسوع مع الآب قبل كل المخلوقات (أنظر يو 1: 1، 16: 28، 8: 58) ومجده الفريد مع الآب ومن خلال القيامة يتمجد الرب يسوع بالمجد الحقيقي الذي للآب ” فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة.” (رو 6: 4) ففي موته وكل ما ارتبط بهذا الحدث يتمجد بالمجد الحقيقي الذي له قبل تأسيس العالم[60]

فكما يُمجد الابن الآب يُمجد الآب الابن، ففي الابن تُستعلن أبوه الآب في الأرض وفي الآب تُستعلن حقيقة بنوة الابن للأب منذ الأزل قبل تكوين العالم، لأنه بإستعلان الوهية الابن تنكشف وحدته مع الآب. فحديث الابن هنا في حالة التجسد فطلبه يخص تجسده والطبيعة الإنسانية التي أخذها لأن المجد الإلهي للإبن لم يفارقه، ولكن ابن الله المتجسد في طريقه للمجد بواسطة الموت والقيامة لينخلع الإنسان المائت ويُعطى للإنسان الحق في ميراث الشركة، فالمجد الذي اُعطي للمسيح كابن الإنسان هو مجد لطبيعتنا الإنسانية فنشترك في مجد المسيح.

متى اظهر المسيح حياتنا فحينئذ تظهرون أنتم أيضًا معه في المجد (كو 3: 4)، فان كنا أولادا فاننا ورثة أيضًا ورثة الله ووارثون مع المسيح. ان كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه (رو 8: 17)، الأمر الذي دعاكم اليه بانجيلنا لاقتناء مجد ربنا يسوع المسيح. (2 تس 2: 14)

 

«إِلَى هُنَا أَعَانَنَا الرَّبُّ».

اغفروا لي كل خطأ وسهو

29\9\2022

 

 

[1] على الرغم من وجود بعض المُتغيرات النصية في المخطوطات، ولكن بشكل عام الإصحاح يخلو من اختلافات نصية تستحق المُناقشة

[2] Lange, J. P., & Schaff, P. (2008). A commentary on the Holy Scriptures: John,P.511

[3] Bengel, J. A. (1860). Gnomon of the New Testament, Volume 2, P.460

[4] مع الأخذ في الأعتبار أن الرسول يوحنا لا يستخدم تعبير صلاة προσεύχεσθαι – praying، لكنه يستخدم تعبير εἰπεῖν- speaking( قال ايها الآب 17:1)، لكن ما فعله يسوع يُشير الى صلاة، وهي اطول وأعمق صلاة للرب يسوع، ولذلك رغم التسميات الكثيرة لهذه الصلاة، ولكن أنا أميل أن تُسمى ” الصلاة الحوارية “، في السابق أتى صوت الآب من السماء ولكن هنا حديث الآب قد تمثل بطريقة عملية، ومن المُلاحظ أن اقصر جزء في الصلاة هو الخمسة فقرات الأولى، وباقي الصلاة هي من أجل التلاميذ ومن أجل اللذين سيؤمنوا في المُستقبل، لك أن تُدرك أن الجزء الأكبر في الصلاة هي من أجل أعضاء جسد المسيح.!

[5] Jo. xi 8; PG 74:505, Cited By, Brown, R. E., S.S. (2008). The Gospel according to John (XIII-XXI): Introduction, translation, and notes, P.747

[6] أطلق نوكس على هذا الإصحاح أنه ” قدس أقداس الكتاب المُقدس”، بعض العلماء مثل Westcott, Hoskyns, Witherington, Keener أعطوا تسمية ” صلاة التكرس ” كعنوان لهذه الصلاة، بسبب تكريس يسوع نفسه لله (انظر فقرات 1،19)

[7]Courson, J. (2003). Jon Courson’s Application Commentary, P.572, Emmaus Journal, Vol, 7, P.202, Lewis Johnson, Jesus Praying for Himself An Exposition of John 17:1-5

[8]Brown, R. E., S.S. (2008). The Gospel according to John (I-XII): Introduction, translation, and notes, P.503

[9] Liddell, H. G., Scott, R., Jones, H. S., & McKenzie, R. (1996). A Greek-English lexicon. “With a revised supplement, P. 444

[10] Theological dictionary of the New Testament. 1964 (G. Kittel, G. W. Bromiley, G. Friedrich, G. W. Bromiley & G. Friedrich, Ed.), Vol.2 ,P.237

[11] Aalen, S. (1986). New international dictionary of New Testament theology, Vol.2, P.45

[12] Journal of the Evangelical Theological Society, Vol. 27, P. 289, The “Glory” Motif In The Johannine Corpus, By W. Robert Cook

[13] Green, J. B., McKnight, S., & Marshall, I. H. (1992). Dictionary of Jesus and the Gospels, P.269

[14]Ibid

[15] لا أقدم هنا مسح شامل لكل ما قاله كل أب عن الخمس فقرات الأولى، لكني وضعت ما رأيته أنه الشرح المتكامل عند الأباء بشكل عام لشرح هذه النصوص

[16] ANF, Vol.3 ,P.621, Against Praxeas,CH,25

[17]Hart, T. A. (2000). The dictionary of historical theology, P.538

[18] ANF, Vol.1 ,P.478, Against Heresies, Book, IV,Ch.14.1

[19]ANF, Vol.5, P.626, A Treatise of Novatian Concerning the Trinity, Ch.16

[20] Ibid

[21] ANF, Vol.5, P.383, Epistle,72,17

[22] ACCS, Vol.4b, P.232, Commentary on the Gospel of John 2.17

[23] NPNF, Second Series Vol, 9 , P.169, On the Trinity, 9:42

[24] NPNF, First Series Vol, 14, P.296, Homilies on John 80.1

[25] NPNF, First Series Vol, 14, P.297, Homilies on John 80.2

[26] ضد الآريوسيين، المقالة الثالثة، الفصل الرابع والعشرون، فقرة 9، صــ 298-299

[27] من الأفضل أن تكون قراءة النص ” الابن – ὁ υἱὸς” بدلاً من ” ابنك – ὁ υἱὸς σου”، لبعض التفصيل أنظر Omanson, R. L& Metzger, B. M. (2006). A Textual Guide to the Greek New Testament, P.206، لكن من جهة الأسلوب الترجمي لا مانع من أن تُقرأ ابنك

[28] Newman, B. M., & Nida, E. A. A handbook on the Gospel of John, P.524 & Dods, M. The Gospel of St. John ,P.840

[29]The Gospel according to St. John Introduction and notes on the Authorized version. 1908. Greek text and “Revised version” on opposite pages.; Edited by Arthur Westcott. (B. F. Westcott & A. Westcott, Ed.), P.238

[30] Mark W. G. Stibbe, (1993).John. Readings: A New Biblical Commentary, P. 177

[31] Sproul, R. C. (2009). The Prayer of the Lord ,P.18

[32] Lenski, R, C, H. The interpretation of St. john’s gospel. P.373 & Morris, L. (1995). The Gospel According to John. The New International Commentary on the New Testament, P. 273 & Carson, D, A. The Gospel according to john, P.246

[33] Cranfield, C. E. B. (2004). A critical and exegetical commentary on the Epistle to the Romans ,P.399

[34]Silva, M., & Tenney, M. C. (2009). The Zondervan Encyclopedia of the Bible, Volume 3, H-L, P.648

[35]Ibid,P.720

[36] Pfeiffer, C. F., & Harrison, E. F. (1962). The Wycliffe Bible commentary, elctronic, ed (Jn 17:1)

[37] Bruce, F. F. (1979). New International Bible commentary.P. 1258. & Robertson, A. (1997). Word Pictures in the New Testament. Vol.5, elctronic, ed (Jn 17:1).

[38] يوجد تماثل نحوي بين العدد الأول والثاني، يسوع يتمجد لكي يتمجد الآب، للإبن سلطان لكي يعطي الحياة الأبدية، من الواضح أرتباط ἵνα المكررة في العددين بــــــ καθὼς، بمعنى أن إعطاء المسيح للحياة هو عبارة عن طريقة أخرى لقول ليمجدك إبنك، أنظر:

Bernard, J. H. (1929). A critical and exegetical commentary on the Gospel according to St. John. Vol. 2, P.560 & Kysar, R. (1986). John. Augsburg Commentary on the New Testament, P.255

 [39]الأب بيار نجم، التفسير المسيحي القديم، الإنجيل كما دونه يوحنا، الجزء الثاني، صــــ 295

[40] القديس اثناسيوس الرسولي، ضد الأريوسيين، المقالة الأولى، الفصل الحادي عشر، فقرة 42، صـــ 111

[41] Barker, K. L. (1994). Expositor’s Bible Commentary (Abridged) ,P.356, see also, Rosscup, J. E. (2008). An Exposition on Prayer in the Bible: Igniting the Fuel to Flame Our Communication with God ,P.1852

[42] في النص اليوناني ” يعرفوك\ γινώσκωσιν” فعل مضارع مبني للمعلوم في صيغة شرطية (subjunctive)، وبالتالي تكون صيغة المعرفة هنا هي استمراية ودائمة.

[43] يُشير الرب يسوع إلى نفسه بصيغة الغائب ولكن هذا كان شائع في العصور القديمة، أنظر. Arnold, C. E. (2002). Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary Vol. 2, P.152

[44]Plummer, A. (1902). The Gospel According to St John, P. 308

[45] Elwell, W. A., & Comfort, P. W. (2001). Tyndale Bible dictionary. ,P.789

[46] المطران يوحنا زيزيولاس، الوجود شركة صـــــ 17،20

[47] Cornelius à Lapide. (1908). The Great Commentary of Cornelius à Lapide, Vol. 6, P. 192

[48] Ratzinger, J. (2011). Jesus of Nazareth: Part Two: Holy Week: From the Entrance into Jerusalem to the Resurrection, P. 82,83

[49] Elwell, W. A., & Beitzel, B. J. (1988). Baker encyclopedia of the Bible, P.725

[50] Philo of Alexandria, & Yonge, C. D. (1995). The works of Philo: Complete and unabridged, P.170, Unchangeable 143

[51] Beasley-Murray, G. R. (2002). Vol. 36: Word Biblical Commentary, John., P297

[52] Theological dictionary of the New Testament. 1964 (G. Kittel, G. W. Bromiley, G. Friedrich, G. W. Bromiley & G. Friedrich, Ed.) Vol.1, P.249

[53] Louw, J. P., & Nida, E. A. (1996). Greek-English lexicon of the New Testament: Based on semantic domains , Vol.1, P.666

[54] Vine, W., & Bruce, F. . Vine’s Expository dictionary of Old and New Testament words, Vol. 2, P.158

[55] للمزيد من التفصيل أنظر An Exposition Of The Jehovah’s Witnesses’ Argument In Rejecting Christ’s Deity Using John 17:3, By. Aaron Tuazon Shelenberger, Christian Apologetics Journal, Vol. 8, Page 114

[56] Stern, D. H. (1996). Jewish New Testament Commentary: A companion volume to the Jewish New Testament, electronic ed, Jn 10:30

[57] Kruse, C. G. (2003). Vol. 4: John: An introduction and commentary. Tyndale New Testament Commentaries, P. 335

[58] Stallings, J. W. (1989). The Gospel of John (First Edition). The Randall House Bible Commentary, P. 238

[59] Carson, D. A. (1991). The Gospel according to John, P. 556

[60] Morris, L. (1995). The Gospel According to John. The New International Commentary on the New Testament, P.639

الرب يسوع باعتباره “الله” رداً على بارت إيرمان- بريان جيمس رايت – ترجمة: مينا كرم

الرب يسوع باعتباره “الله” رداً على بارت إيرمان- بريان جيمس رايت – ترجمة: مينا كرم

الرب يسوع باعتباره “الله” رداً على بارت إيرمان- بريان جيمس رايت – ترجمة: مينا كرم

يسأل الرب يسوع “وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا” حينما نذهب إلى الكتاب المقدس فنحن نتوقع أن نجد اجابة واضحة على هذا السؤال، في الحقيقة أغلب علماء الكتاب المقدس قد بحثوا في مرحلة ما عن فقرات كتابية تشير بوضوح إلى يسوع باعتباره “الله”، هذه تبدو وكأنها عملية سهلة مع النصوص المحققة، لكن بالرغم من ذلك تظهر العديد من المشاكل.

 

الرب يسوع المسيح لم يستخدم تعبير “الله” في الحديث عن نفسه، وايضًا كل من مرقس ولوقا ومتى، في أناجيلهم لم يعطلوا لقب “الله” للرب يسوع، ولا توجد عظة في سفر أعمال الرسل تنسب لقب “الله” إلى يسوع.

يوجد عدد قليل من مخطوطات العهد الجديد قبل القرن الرابع تحتوي على مقاطع مثل – يسوع الله. افترض العديد من العلماء أن الكنيسة الأرثوذكسية[1] أفسدت أغلب هذه المقاطع. وأخيرا، نستطيع أن نقول إن أكبر عائق في عزو لقب ” الله” إلى يسوع، هو أن كل النصوص التي تنسب هذا اللقب إلى يسوع، هي محل خلاف بين المخطوطات.

 

ما هو الأمر الذي على المحك هنا!؟ للوهلة الأولى هذا يضعف الاعتقاد المسيحي التقليدي في لاهوت المسيح.

 

لماذا هذه القضية مهمة؟ لأنها تساهم في فهمنا عمن هو يسوع!، قد كتب سي اس لويس في كتابه “المسيحية المجردة” تأتي الصدمة الحقيقة، حيث يظهر من بين هؤلاء اليهود رجل يتكلم كما لو كان هو “الله”.

بالإضافة إلى ذلك، يتحدى بعض العلماء المعاصرين المصداقية النصية لهذه النصوص، وهذا يترك الناس في حالة من الشك حول ما إذا كان العهد الجديد يدعو يسوع ” الله” أم لا.

 

ولحسن حظنا، فنحن امام كل هذه التحديات قادرين أيضا أن نذهب إلى الكتاب المقدس!

 

سننظر أولًا إلى تجميع كتابنا المقدس، بعدما يستلم شخص او مجموعة من الاشخاص، نسخة اصلية لاحد الاناجيل او الرسائل يتم نسخها لتتوفر لعدد أكبر من الناس، حتى أن الرسول بولس يطلب ذلك، “وَمَتَى قُرِئَتْ عِنْدَكُمْ هَذِهِ ٱلرِّسَالَةُ فَٱجْعَلُوهَا تُقْرَأُ أَيْضًا فِي كَنِيسَةِ ٱللَّاوُدِكِيِّينَ، وَٱلَّتِي مِنْ لَاوُدِكِيَّةَ تَقْرَأُونَهَا أَنْتُمْ أَيْضًا” (كولوسي ٤:١٦)

 

لكن لسوء حظنا نحن، لم يكن وقتئذ لدى النساخ وسائل الطباعة الحديثة الموجودة اليوم! لم يكن لديهم أي طريقة للنسخ سوى النسخ اليدوي! وهذا أنتج مجموعة من المخطوطات المختلفة مع بعضها البعض، لوجود اخطاء عفوية مثل خطأ في ترتيب الكلمات والاخطاء الاملائية، وأيضا من جهة اخرى حدثت اخطاء مقصودة، كيف نعرف ماذا ولماذا فعلوا؟ وكيف نعرف ماذا تقول النسخة الأصلية؟

 

إنها مهمة علم النقد النصي، حيث يقوم علم النقد النصي بدراسة الوثائق المتاحة للأعمال التي لا نمتلك النسخ الاصلية لها.

 

على الرغم من وجود اكثر من منهج في الوصول إلى النص الأصلي، لكن الغالبية من العلماء اليوم يستندون إلى كل من الادلة الخارجية والادلة الداخلية لاتخاذ قرار بشأن تحديد القراءة الاصلية، في الواقع يُقيِّمون كل شيء: التاريخ، الموقع الجغرافي، الاسلوب، السياق، المفردات..الخ، على الرغم أن هذا يبدو كعملية ميكانيكية، لكن العاملين في هذا المجال يقولون أنه علم وفن.

 

ولذلك فالناقد النصي ليس هو من لديه “موقف نقدي” تجاه الكتاب المقدس، لا، فمهمة الناقد النصي هو تحديد القراءة الاصلية للنص، وهذه المهمة، هامة بالنسبة لنا لعدم امتلاكنا النسخ الاصلية للعهد الجديد، والمخطوطات التي نمتلكها للعهد الجديد مختلفة بين بعضها البعض.

ولذلك فقبل أن نبحث فيما يريد أن يقوله الكتاب المقدس يجب علينا أن نعرف ماذا يقول بالضبط، وهذا هو ما يتحداه بعض النقاد النصيين في الفقرات التي تحتوي على “يسوع-الله”. لنلقي نظرة على بعض الامثلة.

 

قبل أكثر من اربعة عشر عام، نشر البروفيسور والمؤلف الاكثر مبيعا بارت إيرمان، كتابه “الفساد الارثوذكسي”، وقد اتفق علماء العهد الجديد على يقينهم النصي من (وكان الكلمة الله، يوحنا١:١) وهذا الاتفاق قائم إلى يومنا هذا، باستثناء إيرمان!

 

فيما لا يقل عن ثلاثة كتب، وسلسلة مُحاضرات منشورة لإيرمان يستمر في التعليم أن بحسب النص الأصلي لا يُشير حتما إلى لاهوت المسيح، في الأغلب يُشير إيرمان إلى مُشكلات نصية في هذه النصوص، وفي حالتنا هذه (يوحنا 1:1)، لا يزال إيرمان غير مُقتنع بالإجماع العلمي!، هذا الأمر ناتج عن تردد إيرمان في رفض مخطوطة واحدة فقط تعود إلى القرن الثامن، مخطوطة واحدة تعطي إيرمان “انطباع مميز” بأن الكنيسة الأرثوذكسية قد غيرت النص بهدف أن تؤكد على الوهية المسيح الكاملة.

 

لماذا تُريد الكنيسة أن تفعل هذا التغيير؟ في هذه الحالة يُزعم أن هدف التغيير –بحسب إيرمان- هو أن بعد اعلان الكنيسة بهرطقة اريوس بسبب إنكاره لألوهية المسيح الكاملة، غيرت الكنيسة النص لإظهار هوية واضحة ليسوع باعتباره “الله” نفسه.

 

لكن أحد مُشكلات هذه الفرضية، هي أن اريوس لم يكن لديه مُشكلة في عزو لقب “الله” ليسوع! في الحقيقة قد كتبها اريوس بالفعل في رسالته إلى يوسابيوس النيقوميدي، حيث يقول ” لقد كان (اي الابن) موجوداً قبل الازمنة والعصور، مملوء نعمة وحق، الله، المولود الوحيد، غير المُتغير”، في هذه الحالة تظل نظرية إيرمان – الفساد الأرثوذكسي- غير مُبررة.

 

بل وأيضا فإن الاختلاف الوحيد الموجود في مخطوطة من القرن الثامن لا يُعتبر انكار لألوهية يسوع، مُعظم العلماء يُفسرون هذه العبارة على هذا النحو “وكان الكلمة له نفس طبيعة الله”.

 

قد كتب Craig Keener استاذ العهد الجديد في تفسيره لإنجيل يوحنا “فيما يخص يسوع باعتباره مجرد “إلهي” وليس الاله، هذا يكون انتهاك للسياق..” لهذا السبب يُدرك العلماء من كل الاطياف اللاهوتية المعاصر، أن على الرغم من التمييز بين الاب والابن في هذا النص، لكنهما يشتركان في الالوهة بنفس الطريقة.

 

محاولات فهم الدوافع وراء هذا الاختلاف النصي في هذه المخطوطة التي ترجع إلى القرن الثامن لا تُغير حقيقة أن النص ينسب صراحةً لقب الله إلى يسوع “والكلمة كان الله”..

 

والأن ننظر إلى يوحنا 20: 28، وكما يعتقد عالم العهد الجديد N. T. Wright أن هذا النص هو أكملُ اعتراف بالإيمان في الانجيل كله، توما يصرخ قائلاً “ربي والهي”. الأمر المُدهش ان هذه الكلمات من شفاه توما الشكاك صارخاً عند لمسه للمسيح القائم من الاموات.

 

لكن مرة اخرى تعود احتجاجات إيرمان لـ يوحنا 20: 28 بسبب مخطوطة تعود إلى القرن الخامس تحذف اداة التعريف اليونانية قبل لقب “الله”، لكن حتى وإن كان إيرمان على صواب، فأن حجته مردودة عليه!

فلو كانت هذه القراءة -الموجودة في مخطوطة واحدة- هي الاصلية، فإن هذا النص له بنية نحوية يونانية تُسمى عند العلماء Granville Sharp’s Rule، حيث يكون كل من تعبير “الرب” و “الله” بأداة تعريف واحدة ينسب كلا اللقبين إلى يسوع، بعبارة اخرى، لو كان إيرمان مُحق في تبني القراءة الموجودة في هذه المخطوطة، فهي حقاً ستكون أكثر وضوحًا!

 

ولذلك، فبغض النظر عن المخطوطة التي بها الصياغة الاصلية للنص، يوحنا 20: 28 اشارة واضحة لعزو لقب ” الله ” ليسوع.

 

والأن نذهب إلى عبرانيين 1: 8 وَأَمَّا عَنْ الابْنِ: «كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إلى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ.، نص أخر يُحتمل أن يعطي لقبب “الله” ليسوع، الاختلاف النصي الرئيسي هنا هو في طريقة قراءة الجزء الاخير في النص بلغته اليونانية، حينما نعطي جواب في هذا الشأن بالتأكيد هذا سيساعدنا في تحديد ما إذا كان يسوع يُلقب صراحةً “الله” او لا.

 

الاختيار الاولى: كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إلى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ.

الاختيار الثانية: الله، عرشك إلى دهر الدهور قضيب استقامة قضيب ملكه (أي ملكوت الله)

الاختيار الاول يستند على ادلة خارجية اقوى من الاختيار الثاني، وعلى الرغم من ذلك يقول إيرمان “إنه من الغريب أن نُلاحظ أن نفس المخطوطات التي تثبت الفساد في عبرانيين 1: 8 تفعل نفس الشيء في يوحنا 1: 18 (أحد النصوص التي تعطي لقب الله ليسوع)”.

 

في الواقع، رغم صحة هذا التصريح المختصر من إيرمان لكنه يترك للقارئ رؤية مشوهة حول الدليل المخطوطي، في الحقيقة جميع المخطوطات التي استخدمها إيرمان في هذا الموضوع كدليل، هي نفسها تحتوي على نصوص اخرى تُلقب يسوع بتعبير “الله”. أنظر معي.

 

1: المخطوطة d تعود إلى القرن الخامس – وهي مخطوطة غربية – تحتوي على يوحنا 1: 1 وهو نص فاسد بحسب رأي إيرمان تحتوي على يوحنا 20: 28 وهو نص يدعم قراءة إيرمان.

 

2: المخطوطة l تعود إلى القرن الثامن – وهي مخطوطة سكندرية – تحتوي على يوحنا 20: 28 وهو نص فاسد بحسب رأي إيرمان تحتوي على يوحنا 1: 1 وهو نص يدعم قراءة إيرمان.

 

وفي ضوء هذه الامثلة، وهي بالمناسبة تُمثل مجرد عينة صغيرة فقط، نلاحظ نقطة مركزية، الا وهي عدم تلقي أي شخص أي وجهة نظر مشوهة عن الوهية الرب يسوع إّذا قرأ في مخطوطته فقط، وهذا لأن كلتا المخطوطين المذكورين اعلاه تحوي كل منهما -اقل تقدير ممكن- على نص واحد فقط ينسب لقب “الله” ليسوع.

هذا من شأنه تأكيد الالوهية الكاملة للمسيح، ليس من الضروري أن تحتوي كل مخطوطة على كل النصوص التي تعزو هذا اللقب ليسوع، هذا الاستنتاج الواضح يترك اطروحة إيرمان في مشكلة حول نظرية الفساد الارثوذكسي.

 

في النهاية تُشير الافضلية النصية للاختيار الاول ان القراءة الحقيقية لـ عبرانيين 1: 8 هي “وَأَمَّا عَنْ الابْنِ: «كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إلى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ.”، بتعبير أخر، يوجد احتمال كبير أن يكون عبرانيين 1: 8 هو تأكيد صريح اخر ليسوع باعتباره “الله”.

 

إلى يومنا هذا، لا يُجادل أحد في أن العهد الجديد عادة ما يلصق لقب “الله” بالآب، ولكن هذا الاستخدام رغم أنه منتشر في العهد الجديد، لكنه ليس حصرًا للأب.

 

السؤال الأن ليس هل لقب العهد الجديد يسوع بــ”الله” أو لا، ولكن السؤال هو كم مرة لٌقب يسوع بالله صراحةً في العهد الجديد، وهذا النقاش برمته لا يُعرض الكرستولوجيا الارثوذكسية للخطر، علينا أن نكون واثقين في خضم هذا التحدي أن لقب “الله” هو فقط مُجرد توضيح للألقاب الكرستولوجيا مثل “الرب” أو “ابن الله”.

 

يقول موراي هاريس “حتى لو لم تُطلق الكنيسة الاولى لقب “الله” على يسوع، فإن الوهيته ستظل واضحة باعتباره هو غاية العبادة البشرية والملائكية والايمان الخلاصي، وممارسته للأعمال التي تخص الله وحده، وغفرانه للخطايا، والدينونة، وهو المُخاطب في طلبات الصلاة، وحامل القاب كثيرة للرب في العهد القديم.. الخ، لا يرتكز الإيمان بألوهية المسيح على صحة مجموعة من النصوص تنسب لقب “الله” ليسوع، ولكن على الشهادة العامة للعهد الجديد..”

 

ومع ذلك، مع وجود نص واحد على الاقل يدعو يسوع بلا شك “الله” (يوحنا 20: 28) يتم اجابة سؤال: هل لُقب يسوع بالله أم لا في العهد الجديد؟ وهذا لا يُعني اسكات المُشككين، لكن أي استنتاج يخرج عن الدليل النصي الداخلي والخارجي، أو بكلمات اخرى، الدليل النصي يشهد بوضوح على حقيقية أن يسوع باعتباره “الله” هو حقيقة كتابية سواء اختار الانسان أن يؤمن بها أو لا.

[1][1] يقصد الكاتب بمصطلح “الكنيسة الأرثوذكسية” أي “الكنيسة غير المبتدعة” أو “التيار الرسمي القانوني للكنيسة” ولا يقصد الطائفة الأرثوذكسية، حيث أن لفظ أرثوذكسية يعني “المستقيم”.

الرب يسوع باعتباره “الله” رداً على بارت إيرمان- بريان جيمس رايت – ترجمة: مينا كرم

مصدر نبوءة يُدعى ناصريًا – أين هي في العهد القديم؟ – مينا كرم

مصدر نبوءة يُدعى ناصريًا – أين هي في العهد القديم؟ – مينا كرم

مصدر نبوءة يُدعى ناصريًا – أين هي في العهد القديم؟ – مينا كرم

يعرض القديس متى نبوءة من العهد القديم بخصوص الرب يسوع المسيح “وَأَتَى وَسَكَنَ فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالأَنْبِيَاءِ: «إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيًّا ” (متى 2:23)، وهي من أكثر الفقرات التي تُهاجم في إنجيل القديس متى، تكمن المُشكلة الأكبر في هذه النبوءة أننا لا نجد في العهد القديم بالكامل أي فقرة تقول إن المسيح سيُدعى ناصرياً، وهنا يأتي السؤال من أين أتى متى بهذا الاقتباس؟ هل متى يقتبس بالفعل من العهد القديم أم لا؟

 

ماذا قال الآباء؟

عندما بحث البعض عن هذه النبوءة في العهد القديم ولم يجدوها، تم اللجوء إلى نظرية “المصدر المفقود” وهي تقول، أن بالفعل كان يوجد سفر لأحد الأنبياء يحتوي على هذه النبوءة ولكنه فُقد، هذا مجرد افتراض قد قام نتاج صعوبة النص وليس تفسير صحيح لغياب النبوءة في العهد القديم.

القديس يوحنا ذهبي الفم هو أول من أقترح ذلك حيث يقول ” ما هو أسلوب النبي الذي قال ذلك؟ لا تنشغل بذلك ولا تكن فضوليًا، فالكثير من الكتابات النبوية قد فُقدت..”  [1]

 في الحقيقة قد جانب القديس يوحنا ذهبي الفم الصواب في هذا التفسير، وهذا لأسباب عدة:

  1. القديس متى لم يستخدم ولو لمرة واحدة نبوءة خارج أسفار العهد القديم القانونية.
  2. قانون العهد القديم (أقصد جزء كتابات الأنبياء) لم يكن عليه خلاف في زمن ق. متى.
  3. هذا افتراض غير واقعي في ظل وجود النبوة في العهد القديم بالفعل!
  4. إغفال تفرد صياغة القديس متى هنا.

نجد صياغة القديس متى في 2:23 تتميز عن جميع الصيغ الخاصة بتحقيق نبوءات العهد القديم، هذا التميز في الصيغة هو في حد ذاته الذي يُشير إلى وجود غموض في الحصول على مرجع النبوءة في العهد القديم، هذا التميز يجعلنا نتجه بطريقة مختلفة لتتبع ما قصده متى، هذا التميز يظهر في عدة نقاط كما سنوضح.

  • وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. (مت 1:22)
  • وكان هناك الى وفاة هيرودس. لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني (مت 2:15)
  • حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي القائل (مت 2:17)
  • لكي يتم ما قيل بأشعياء النبي القائل (مت 4:14)
  • لكي يتم ما قيل بأشعياء النبي القائل هو اخذ أسقامنا وحمل أمراض (مت 8:17)
  • لكي يتم ما قيل بأشعياء النبي القائل. (مت 12:17)
  • لكي يتم ما قيل بالنبي القائل سأفتح بأمثال فمي وانطق بمكتومات منذ تأسيس العالم (مت 13:35)
  • فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل (مت 21 :4)
  • حينئذ تم ما قيل بأرميا النبي القائل وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل (مت 27:9)

نجد في كل هذه النصوص هذه الصياغة διὰ τοῦ προφήτον لكن فقط في متى 2:23 نجد διὰ τῶν προφητῶν كما نلاحظ أيضا تتابع الصيغة الأولى بــ λέγοντος وهذا غائب أيضاً عن 2:23!، ولذلك فقد أخطأ هنا يوحنا ذهبي الفم فهو أعطى سبب افتراضي فقط لمجرد صعوبة الحصول على مصدر النبوءة في العهد القديم.

يقول دونالد هاجنر ” إن الأطروحة القائلة بأن متى يقتبس من مصدر غير معروف لنا، ليست ضرورية، رغم احتماليتها” [2]

لكننا نجد القديس جيروم يقول “لو كانت هذه الفقرة موجودة في العهد القديم لما قال ” لأنه قيل بلسان الأنبياء ” بل لقال بطريقة مُباشرة ” لأنه قيل بلسان نبي “، وبهذه الطريقة العامة في الحديث عن الأنبياء قد أظهر البشير إنه لا يقتبس لفظيًا لكنه أستخدم المعنى العام للكتاب المُقدس، فكلمة “ناصري ” تُفهم بمعنى ” قدوس “، والكتاب يشهد أيضا أن الرب قدوس، ونستطيع أيضاً أن نُشير إلى ما كُتب بالعبرية في سفر إشعياء، ” يخرج فرع من جذع يسى وينمو غصن من أصوله (أش 1:11)” [3]

ويقول القديس كيرلس الكبير ” إن فُسّرت كلمة ” ناصري” بمعنى ” قدوس” أو بحسب البعض ” زهرة “، فهذه الإشارة موجودة عند الكثيرين فدانيال يُسميه ” قدوس ” أو من ” القديسين”، ونقرأ في إشعياء ” يخرج فرع من جذع يسى، وينمو غصن من أصوله (إش 1:11) [4]

ويقول خروماتيوس ” يُلقب ربنا والمخلص ” ناصريًا “، على أسم مدينة الناصرة، وكأنه على أسم الشريعة، فحسب الشريعة يُسمى الذين ينذرون عفته للرب ” ناصريين” ويُطبون النذر كما قالت الشريعة بخصوص قص الشعر، ولأن المسيح هو فاعل كل عمل مُقدس وكل تقوى هو المسيح ” كونوا قديسين لأني أنا قدوس” فقد دعي المسيح ” ناصريًا” حيث قدم بحسب ما تطلبه الشريعة ذبيحة جسده نذرًا لله الآب”[5]

مصدر نبوءة يُدعى ناصريًا – أين هي في العهد القديم؟ – مينا كرم

بعض أقوال العلماء:

تعليق NET:

بحسب اللغة اليونانية من المُمكن أن يكون الخطاب غير مباشر (كما هو الحال في هذا النص)، أو خطاب مُباشر (“سوف يُدعى ناصريًا”)، وبالحكم على صعوبة العثور على اقتباسات (وليس اقتباس، لأن متى يقول ” الأنبياء”)، من العهد القديم تُطابق صياغة القديس متى، فمن المُمكن أن متى كان يستخدم تعبير له دلالة الازدراء، قد وجد جذوره من ناحية المفهوم وليس من الناحية اللفظية في العهد القديم. [6]

 

روبيرت موونس:

نظرًا لعدم وجود مثل هذه النبوءة في العهد القديم، فإننا نواجه لغز يُثير الاهتمام، ونرى أن أفضل نهج في التفسير، هو أن متى لا يقتبس بطريقة مُباشرة من العهد القديم بل يُقدم ملُخص ما قيل، وهذا يتضح من استخدام تعبير ” الأنبياء ” بصيغة الجمع، فهو لا يقتبس كلام محدد. [7]

 

روبيرت جاميسون:

يبدو أن أفضل تفسير لأصل تعبير “ناصري” هو netzer الذي ود في (أش 1:11)، وربما سُميت الناصرة، التي لم يرد ذكرها في العهد القديم أو في كتابات يوسيفوس بهذا الاسم نتاج هامشيتها، باعتبارها غصن ضعيف، هذا يتوافق مع ما نجده في (يو 1:46) [8]

 

تيد كابال:

لا يتوافق اقتباس متى مع أي فقرة معروفة في العهد القديم، أفضل احتمال هو أن متى قد ألمح إلى أشعياء 11:1 بالعبرية nezer، ولكن اقترح البعض أن ” ناصري” هو لقب للمهانة وبالتالي متى يُلمح إلى النصوص الذي يظهر فيها المسيا المُحتقر (مز 6-8 :22، أش 2-3: 53)، وقد يسير التفسيران معًا. [9] 

 

جيروم ألبريخت:

لا يُمكننا أن نُشير إلى أي نص محدد في كتابات أنبياء العهد القديم نُلقب المسيح بــ ” الناصري”، وبالرغم من ذلك، يذكر لنا متى بوضوح أن بعض الأنبياء تنبأوا عن هذا!، يبدو أن التفسير الأفضل هو أن أكثر من نبي قد تنبأ بهذا، وكان هذا التنبؤ معروف وشائع لدى اليهود أن المسيا سيكون ناصري، حتى ولو يتم تسجيل هذا بطريقة مُباشرة في أي موضع بأسفار العهد القديم. [10]

 

جون بتلر:

لا يوجد نص في العهد القديم يتنبأ عن المسيح بأنه سيدعى ناصري بطريقة حرفية، وتحقيق هذه النبوة في شخص يسوع المسيح ليست في دعوته بطريقة حرفية، لكن في حقيقة أن العيش في مدينة الناصرة قد أدى إلى احتقار المسيح، وهذا يتضح من يوحنا 1:46.[11]

 

ما بين القديس متى والتفسير.

– يسوع الغصن

إذا كان القديس متى ينقل من العهد القديم فمن الطبيعي إنه يُشير إلى فقرات مُعينة الرأي الغالب تقريباً هو متى يقتبس من إشعياء “11:1وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ” اعتمد هذا التفسير على الكلمة العبرية nēṣer باعتبارها المُعادل لكلمة Ναζωραῖος، هذا ما كان يراه القديس جيروم وأيضًا بعض العلماء مثل J. Schniewind,B. Weiss,R. H. Gundry,

لكن المُشكلة هنا كيف يُمكن أن يتعادل الحرف العبري ṣādê مع اليوناني ζ؟ من المُفترض أن يكون ς وليس ζ ولذلك لا يُمكن اشتقاق إحداهما من الأخرى [12]

وأيضا نجد هُنا فقط التركيز على كلمة واحدة وليس على ما ينقله القديس متى، نجد القديس متى في كل اقتباساته الأخرى (المذكورة أعلاه) يقتبس عبارة أو مجموعة كلمات.

أيضا يستند هذا الرأي على مسيانية النص (اش 11:1) نجد في التاريخ المسيحي المُبكر أن القديس يوستينوس الشهيد [13] والقديس إيرينيئوس [14] قاموا بتفسير النص إنه يتحدث عن المسيح وأيضاً الترجوم [15]، بل والعهد الجديد ذاته (انظر: رومية 15:12، 1 بطرس 4:14، رؤيا 5:5)

صحيح إن هذا النص (اش 11:1) يتحدث عن المسيا [16]، ولكن هذا لا يُعني إن القديس متى يقتبسه في مت 2:23.

– يسوع النذير

يُعتبر هذا التفسير ايضاً مُنتشر ويراه دافيز & اليسون إنه شبه مؤكد، حيث يقتبس القديس متى من سفر القضاة 13: 5،7، 16: 17،19

 

قضاه 13:5

النص العبري

כי־נזיר אלהים יהיה הנער מן־הבטן

الترجمة السبعينية يحسب المخطوطة A

ὅτι ἡγιασμένον ναζιραῖον ἔσται τῷ θεῷ τὸ παιδάριον ἐκ τῆς γαστρός

الترجمة السبعينية يحسب المخطوطة B

ὅτι ναζιρ θεοῦ ἔσται τὰ παιδάριον ἀπὸ τῆς κοιλίας

 قضاه 13:7

الترجمة السبعينية بحسب المخطوطة B

ὅτι ναζιραῖον θεοῦ ἔσται τὸ παιδάριον ἀπὸ τῆς γαστρός

 قضاه 16:17 النص العبري:

כי־נזיר אלהים יהיה הנער מן־הבטן

الترجمة السبعينية يحسب المخطوطة A

ὅτι ναζιραῖος θεοῦ ἐγώ εἰμι ἐκ κοιλίας μητρός μου

 الترجمة السبعينية بحسب المخطوطة B

ὅτι ἅγιος θεοῦ ἐγώ εἰμι ἀπὸ κοιλίας μητρός μου

نجد هنا تبادل بين ναζαραῖος θεοῦ وبين ἅγιος θεοῦ، وهذا امر هام لأن يسوع يُعرف بكلاهما، مرقس 1:24 قَائِلًا: «آهِ! مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ (Ναζαρηνέ)؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا! أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ: قُدُّوسُ اللهِ (ὁ ἅγιος τοῦ θεοῦ) وبحسب اش 4:3 ” وَيَكُونُ أَنَّ الَّذِي يَبْقَى فِي صِهْيَوْنَ وَالَّذِي يُتْرَكُ فِي أُورُشَلِيمَ، يُسَمَّى قُدُّوسًا. كُلُّ مَنْ كُتِبَ لِلْحَيَاةِ فِي أُورُشَلِيمَ”

بعد مُلاحظة استبدال كلمة نذير بقدوس إذا قمنا به هنا في هذا النص سيكون ” يُسمى ناصرياً ” قد قام القديس متى باللعب على الكلمات مُعتمد على استبدال كل من قدوس ونذير ومن اللافت جداً أن القديس متى استخدام في صياغته ὅτι بدلا من الطريقة المُعتادة باستخدام اسم الفاعل.

للمزيد من الاطلاع أنظر:

– Gundry, OT: R. H. Gundry, The Use of the Old Testament in St. Matthew’s Gospel, P.97.
– Brown, R. E. (1993). The birth of the Messiah, P.223.
– Menken, M. J. J. (2001). The Sources of the Old Testament Quotation in Matthew 2:23 Vol. 120: Journal of Biblical Literature, P.451.
المراجع:
[1] John Chrysostom.Homilies on Matthew 9.5, NPNF, Vol. 10. P.58.
[2] Hagner, D. A. (2002). Vol. 33A: Word Biblical Commentary: Matthew 1-13. Word Biblical Commentary, P.39
[3] Simonetti, M. (2001). Matthew 1-13. Ancient Christian Commentary on Scripture NT 1a, P.37
[4] Ibid
[5] Ibid
[6] Biblical Studies Press. (2006; 2006). The NET Bible First Edition Notes (Mt 2:23)
[7] Mounce, R. H. (1991). New International Biblical Commentary: Matthew, P.19
[8] Jamieson, R., Fausset, A. R., Fausset, A. R., Brown, D., & Brown, D. (1997). A commentary, critical and explanatory, on the Old and New Testaments. (Mt 2:23)
[9] Cabal, T., Brand, C. O., Clendenen, E. R., Copan, P., Moreland, J., & Powell, D. (2007). The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger Faith, P.1406
[10] Albrecht, G. J., & Albrecht, M. J. (1996). Matthew. The People’s Bible .P.32
[11] Butler, J. G. (2008). Analytical Bible Expositor: Matthew, P.37
[12] Davies, W. D., & Allison, D. C. (2004). A critical and exegetical commentary on the Gospel according to Saint Matthew, p.278
[13] Justin, 1 Apol
[14] Irenaeus, Adv. haer. 3:9:3
[15] Tg. Isa. 11:1
[16] انظر ايضا 4QpIsaa 7–10 iii 11–25

مصدر نبوءة يُدعى ناصريًا – أين هي في العهد القديم؟ – مينا كرم

Exit mobile version