في البداية يجب أن نلاحظ أن الترجمة العربية للعهد القديم ترجمت في كل مرة ورد فيها اسم يهوه יְהוָ֥ה بكلمة: الرب.. وهذه الترجمة تعد قاصرة عن توصيل معنى النص العبري الأصلي، ففي جميع النصوص العبرانية القديمة نجد أن النص ورد يهوه صديق יהוה צדקנו والتي تعني يهوه برنا أو يهوه الذي فيه تبريرنا، وهذا ما نجده في مخطوطة ليننجراد ومخطوطة حلب:
في ع٥، المسيا يدعى غصن (أو ابن) داود. في زكريا ٣: ٨ هو «عبدي الغصن»، وفي زكريا ٦: ١٢ «الرجل… الغصن»، وفي إشعياء ٤: ٢ هو «غصن الرب». هذه تقابل الأربعة أوجه للرب يسوع كما تقدِّمه الأناجيل: كالملك، الخادم، ابن الأنسان، وابن الله.
»الرب برنا» أو“يهوه تسيدكينو”(ع٦) هو أحد سبعة أسماء مركبة ليهوه؛ فسيكون الله معروفًا بأنه هو الذي أرجع شعبه إلى الأرض. الأسماء الأخرى التي يظهر فيها اسم يهوه مركبًا (بحسب العبرية) هي: «يَهْوَهْ يِرْأَهْ» (تك٢٢: ١٣، ١٤)، «الرب شافيك» “يهوه رافا” (خر١٥: ٢٦)، «يَهْوَهْ نِسِّي» “الرب رايتي” (خر١٧: ٨-١٥)، «يَهْوَهَ شَلُومَ» “الرب سلام” (قض٦: ٢٤)، «الرب راعي» “يهوه راعا” (مز٢٣: ١)، «يَهْوَهْ شَمَّهْ» “الرب هناك” (حز٤٨: ٣٥).[1]
تتناول هذه الآيات في المقام الأول المجيء الثاني للمسيح، ولكن هناك جانبًا منها يتعلق بمجيئه الأول أيضًا. تتحدث الآية 5 عن الرجل الذي سيكون ابنًا لداود، والذي سيملك كملك. إن ملكية المسيح لم تأت بعد، ولكن هذه الآية تتحدث بوضوح عن المسيح باعتباره من نسل داود، وبالتالي تؤكد على إنسانيته. ولكن في الآية 6، يُعطى هذا الرجل اسمًا ينطبق على الله وحده: “الرب برنا”.
الترجمات الحديثة عمومًا تجعل هذا على أنه الرب. يهدف هذا إلى نقل الأحرف الأربعة YHVH التي تُقرأ على أنها يهوه (بالعبرية יְהוָ֥ה القراءة من اليمين إلى اليسار هي الحروف yod heh vav heh). في جميع أنحاء العهد القديم، يُعطى الاسم الإلهي YHVH لله وحده، ولكن هنا يُعطى الرجل الوارد ذكره في الآية 5 اسم الله بوضوح في الآية 6. وهذا يقدم لنا مرة أخرى مفهومًا واضحًا عن المسيح باعتباره الله الإنسان.[2]
وهنا يؤكد الوحي الإلهي أن ابن داود الآتي،
غصن البر،
سيملك على الأبد وليس ملكا وقتياً،
وهذا ما أكده الملاك للعذراء: ” هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية ” (لو1 :32و33).
ولذا فاسمه الرب برنا.
(1) وكونه الرب ” يهوه = Yahweh ” فهو كامل في لاهوته؛
(2) و ” برنا ” لأنه بررنا من خطايانا لكونه البار فهو الرب يهوه غير المحدود بلاهوته، والقدوس البار بناسوته: ” قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات ” (عب6 :27)، ” وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها ” (اش53 :11)، ” فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح ” (رو5 :1)، ” بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرا وقداسة وفداء ” (1كو1 :30).
وقد وصف هنا بعبد الرب بسبب تجسده، ظهوره في الجسد، اتخاذه صورة العبد، لكنه في حقيقته هو الرب، يهوه برنا:
”الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا للّه لكنه أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله أيضاً وأعطاه اسما فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب” (في2 :6-11).
كيف قرأه اليهود؟
إحدى الحجج التي قدمتها اليهودية الحاخامية لدحض هذا التعليم هي الإشارة إلى أنه في جميع أنحاء الكتاب المقدس توجد أمثلة لأسماء تحتوي على اسم الله. على سبيل المثال، الاسم ارميا يعني «يهوه سيثبت» او «يهوه سيلقي». أو مرة أخرى، اسم إشعياء يعني “يهوه خلاص”، وهناك أسماء أخرى كثيرة تحتوي على الاسم “يهوه”.
ومع ذلك، يجب أن ندرك أنه في أي من هذه الحالات لم يتم العثور على جميع الأحرف الأربعة YHVH. عادةً ما يتم استخدام حرفين فقط، وأحيانًا ثلاثة، ولكن لم يتم استخدام الأحرف الأربعة لاسم الله مطلقًا فيما يتعلق بالإنسان. وعلى الرغم من ذلك، فإن إرميا 23: 5 يتحدث بوضوح عن رجل – وهو إنسان من نسل الملك داود – وفي 23: 6 يُعطى اسمًا هو اسم خاص بالله وحده وبأحرف كاملة وبشكل واضح، فمن الواضح أنه ليس اسم شخص بل وصف لعمل الله المبرر.
وهذا أمر لم يكن في الواقع محل خلاف بين الرابيين القدماء، الذين كانوا يفسرون هذا دائمًا على أنه مقطع مسياني. ولم يحاول الحاخامات القول بخلاف ذلك إلا مؤخرًا نسبيًا. ويمكن تقديم اقتباسات من الكتابات الرابينية لإظهار ذلك:[3]
فهم الغالبية العظمى من علماء اليهود مغزى هذه النبوّة وطبقوها في مناسبات أخرى على المسيح؛ ففي مدراش تهليم عن المزامير في تفسير (مزمور21: 1):
”الله يدعو الملك المسيا باسمه هو. لكن ما هو اسمه؟ الإجابة: الرب (يهوه) رجل الحرب” (خروج 15: 3).[4]
وفي مصدر يهودي آخر، إيكاراباتي (200- 500م) ” المراثي في شرح التوراة واللفائف الخمس ” يقول في تعليق على (مراثي1: 16):
” ما هو اسم المسيا؟ يقول أبا بن كاهانا (200- 300م): اسمه يهوه كما نقرأ في إرميا 23: 6 ” وهذا هو اسمه الذي يدعونه به الرب (يهوه) “.[5]
فالمقصود هُنا هو المسيح، بحسب جون جيل[6] فإن هذا ما قال به اليهود قديمًا وحديثًا.[7]
ورد في مدراش على سفر الأمثال:
قال الحاخام هونا: “ثمانية أسماء أُعطيت للمسيح وهي: ينون، شيلوه، داود، مناحيم، يهوه…”.[8]
وفي المدراش على مراثي إرميا، يقول:
ما هو اسم المسيح؟ قال راف آفا بن كاهانا، “يهوه هو اسمه”، وقد اثبت رأيه باستشهاده بإرميا 23: 6.[9]
وجاء مثل ما سبق أيضًا في التلمود البابلي على لسان رابي يوحنان.[10]
وورد في ميتزودات داود:
في أيامه أي في أيام المسيح، سيتم إنقاذ كل من يهوذا وإسرائيل، وسيعيشون في أرضهم بالتأكيد، وليس كما في الهيكل الثاني.[11] وهذا هو اسمه: للمسيح الذي سيدعى إسرائيل.[12]
اسمه الذي سيُدعى به سيُدعى بعد ذلك “الرب برنا” لأنه برنا هو الرب، كما يقول “… يا إله بري…” (مز-تهليم 4: 2) بمعنى أن بري يأتي من الله – فكما هو موجود كذلك إسرائيل يتبرر ويخلص به.
تتكرر هذه النبوءة أكثر في 33: 15، مع بعض التغييرات. يقول “سأنبت لداود غرسة بر” لكنه لا يذكر “فيملك ملكًا وينجح”. هناك مكتوب “في تلك الأيام يخلص يهوذا وتسكن أورشليم آمنة وصالحة”. هذا هو الاسم الذي يدعوه به يهوه برنا.لأن هناك نوعين من الفداء. إذا جاء من خلال استحقاقنا “فسأسرع به”، إذا لم يكن من خلال استحقاقنا “في وقته”.[14]
وكتب في منشات تشاي:
وهذا هو اسمه الذي يدعوه: يهوه؛ عزرا كتب في ريش بارشات يثرو כתב ן’ עזרא בריש פרשת יתרו أنه باسم المسيح الله نحن أبرار، تمامًا كما دعا موسى إلى مذبح الله، وقال أن الاسم يلتصق بالكلمة التي سيقرؤونها واسم المسيح هو برنا.[15]
وقال رابي راداك:
وهذا هو اسمه الذي سيدعوه الله برنا. سيُدعى إسرائيل، ويُدعى المسيح بهذا الاسم: يهوه.[16]
كما دُعي السيد المسيح بالغصن للسببين التاليين:
أ. لأن الغصن مرتبط بالأصل، فمع أنه رب داود لكنه من نسله، مرتبط به حسب الجسد.
ب. صار بالحقيقة إنسانًا ينمو كالغصن.
أُستخدم هذا اللقب “الغصن” في مجتمع قمران ليشير إلى المسيا الملك.[17] وقد أُدخل إلى الصلاة اليهودية التي تُدعىEsreh Shemoneh (الثمانية عشر بركة):
[ليبرز غصن داود عبدك سريعًا، وليتمجد قرنه بخلاصك].[18]
[1] William MacDonald and Arthur Farstad, Believer’s Bible Commentary: Old and New Testaments (Nashville: Thomas Nelson, 1997, c1995). Je 23:1-8.
[2] Arnold G. Fruchtenbaum, Messianic Christology: A Study of Old Testament Prophecy Concerning the First Coming of the Messiah (Tustin, CA: Ariel Ministries, 1998). 62.
[3] Arnold G. Fruchtenbaum, Messianic Christology: A Study of Old Testament Prophecy Concerning the First Coming of the Messiah (Tustin, CA: Ariel Ministries, 1998). 62.
[4] Lartsch, Bible Commentary: Jeremiah, 193; Midrash on Psalm 21:1; Arnold G. Fruchtenbaum, Messianic Christology: A Study of Old Testament Prophecy Concerning the First Coming of the Messiah (Tustin, CA: Ariel Ministries, 1998). 63.
تسعى هذه المقالة في تقديم ما عناه حقًا الرسول بولس في تيطس2:13 “منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح” ، حيث من غير الواضح في الترجمات العربية التركيب اللغوي اليوناني في هذا النص، لذا فربما يعتقد القاريء أن المقصود هنا بتعبير ” الله العظيم ” هو الله الآب، والمقصود بتعبير ” مخلصنا ” هو الرب يسوع المسيح.
لكن بالقراءة والدراسة المتأنية للنص اليوناني فيكون الرب يسوع المسيح هو محور الحديث هنا، فهو ” الله العظيم- τοῦμεγάλουΘεοῦ “ وهو أيضاً ” ومخلّصنا يسوع المسيح- καὶΣωτῆροςἡμῶνἸησοῦ “، فهذا النص هو أحد النصوص التي تلقب الرب يسوع بلقب “الله”[1]
يوجد بعض الآراء في تفسير هذا النص ولكن الرآي الرئيسي والغالب والصحيح وما نتبناه هنا، هو أن الرب يسوع هو ” الله العظيم ومخلصنا” وهذا الرآي له من الحجج التي يسيل لها لعاب الأذهان، ولعل القاريء لم يعرف بالقاعدة-جرانفيل شارب- محور مقالتنا لذلك سنبدأ بشرحها ثم ننتقل إلى شرح موسع للنص وشرح أدلة التفسير الذي نتبناه والتعليق على الآراء الأخرى.
عرض وشرح لقاعدة جرانفيل شارب وتطبيقها على تيطس 2: 13
قاعدة جرانفيل شارب هي قاعدة نحوية في اللغة اليونانية يعود اسمها لصاحبها، يُشار لها غالبًا بــ TSKS، هذه القاعدة تقول ببساطة في حال وجود أسم أو أكثر من الأسماء “الشخصية Personal” (وليس أسماء العلم)[2]، المفردة، ولهم نفس الحالة، ويربطهم حرف καί، ولهم أداة تعريف واحدة، فالأسم الثاني أو الفاعل فهو يرتبط بالأسم الأول الذي له فقط أداة التعريف[3] وبسبب أن شارب لاحظ أن عند تطبيق هذه القاعدة على بعض النصوص يتجلى بها ألوهية المسيح، فنشر عام 1798 كتابه بعنوان ” Remarks on the Definite Article in the Greek Text of the New Testament ” ليُشير إلى الكثير من الأدلة الجديدة على ألوهية المسيح في ضوء بعض النصوص الكتابية المُترجمة بشكل خاطيء.
أحد هذه النصوص هو تيطس2:13:منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح
فشارب يقول ببساطة أن الأسم الثاني يُشير إلى نفس الشخص المذكور بالأسم الأول حينما يتم هذه الشروط الثلاثة، وهم: 1. أن تكون الأسماء شخصية Personal ولا يكون أحدهم غير شخصي impersonal، 2. كل الأسماء مفردة وليست جمع Plural، 3. لا يوجد أسم علم a proper name. [4]
وبحسب تيطس 2: 13 (θεοῦ-الله) ليس أسم علم ومفرد يربطه الحرف (و-καὶ) مع (مخلص σωτῆρος) بأداة تعريف واحدة τοῦ)) ولهم نفس الحالة فتنطبق قاعدة شارب على تيطس 2: 13، فيصبح كل من “الله والمخلص” إشارة لشخص واحد، وبهذا لا يُفهم من النص أن تعبير الله العظيم يُشير للآب وتعبير المخلص يُشير للمسيح[5]
وعلى الرغم من القبول الحافل لما قاله شارب بين العلماء الآن ورسوخها[6] ولكن قد هاجم تطبيقها على تي 2:13 أحد أكبر النحويين في القرن التاسع عشر، فقد كان ثالثة الأسافي ما قاله النحوي الكبير G. B. Winer فقد قال ” لأسباب خاصة بالنسق العقائدي لبولس لا أعتبر أن “مخلص σωτῆρος”مفعول ثاني مع “الله θεοῦ ” ويقول أيضاً ” في الملاحظات التي كتبتها أعلاه لم أنوي بها رفض “σωτῆρος ἡμῶν- مخلصنا” كمفعول ثاني بالاعتماد على أداة التعريف τοῦ، ولكن القناعة المستمدة من كتابات بولس يجعلني أقول أنه لا يمكن أن يسمي يسوع بلقب الإله العظيم وهذا هو الدافع لتبيان عدم وجود حائل لغوي لأعتبار أن كلمة –مخلص- σωτῆρος مفعول به ثاني [7]
من الملحوظ هنا أنWiner لا يُقدم أي شيء عدا اعترافه هو أن القضية ليست نحوية من الأساس بالنسبة له ولكن عقائدية، فهذا الرأي اللاهوتي الخاص به ليس له أي علاقة على الإطلاق بالشق النحوي ( على الرغم أنه نحوي) فمن الغريب أنه يبني اعتراضه على أسس عقائدية، وهي مسألة لا تهم في حد ذاتها النحوي، وعلى الرغم أن وينر تكلم في غير تخصصه.
ولكن بأعتباره نحوي كبير فقد كان لكلماته عظيم الأثر حتى أن Moulton, J. H رغم أنه قدم أدلة أن “الله والمخلص” يُشيران إلى شخص واحد لكنه قد تحاشى الحديث عن الشق النحوي قائلاً “لا نستطيع مناقشة تيطس 2: 13 من جهة النحو ولكن نترك باب النقاش في هذا الآمر مفتوح على مصراعيه”[8]!
وبحسب تعبير دانيال والاس أن أشد معارضي شارب Calvin Winstanley لم يستطيع بكل ما بذل من جهد في 55 صفحة أن يفعل ما فعله Winer في حاشية واحدة فقط! ولكن سوء الفهم والتشويه هذا لم يُغير من الآمر شيء فنحن نمتلك حوالي 80 نص في العهد الجديد ينطبق عليه قاعدة شارب وتُشير الأسماء إلى نفس الشخص وهذا ليس به أي استثناء فالكل قد اعترف بصحة القاعدة بما في ذلك معارضي شارب[9] ويظل اعتراض وينر وغيره مبني على رأي لاهوتي وليس نحوي، لذلك يقول Dana & Mantey ” إن قاعدة جرانفيل شارب التي مر عليها قرن من الزمان لا زالت تثبت صحتها” [10]
ويُضيف والاس:
قد أسيء فهم قاعدة شارب وحصيلة ذلك هو التردد في تطبيقها على تيطس 2: 13، 2 بطرس 1:1 في القرنين الماضيين، ولكن فهم القاعدة بشكل صحيح يُظهر أن هذه القاعدة تتمتع بأعلى درجات الصحة حين تطبيقها على نصوص العهد الجديد ولذلك تعلن هذه النصوص( تي 2:13 ، 2 بط 1:1) عن هوية يسوع بأعتباره “الله θεός”[11] ويُضيف بروس باكر “هؤلاء الرافضين لقاعدة شارب لم يفهموا ما تنص عليه القاعدة بالفعل!، ولكن حين تطبيق القاعدة بدقة فتصبح أداة تفسيرية قوية، بالإمكان تطبيقها على تيطس 2: 13 ، 2 بطرس 1:1 دون أي تحفظ، كما قال جرانفيل نفسه “أن هذه القاعدة تُعزز أدلة ألوهية المسيح”[12]
هذا التركيب اللغوي ليس من اختراع شارب، لكنه فقط لاحظ هذا النمط في اللغة وصاغه في صورة قاعدة، لذلك تقريبًا يُجمع اباء الكنيسة اليونانيون الأوليين في رؤية أن تعبير “الله والمخلص” يخص يسوع[13] والغريب أن الآباء غير اليونانين لم يفهموا هذه القراءة للنص مثل إمبروسيوس[14]كذلك الترجمات القديمة مثل اللاتيني والسرياني والأرميني والمصري![15]،هذا علته ببساطة أن هذا التركيب يخص أسلوب اللغة اليونانية، فالآباء اليونان فهموا هذا الشكل لطبيعية هذه القراءة[16].
لقب الله
لما سبق شرحه حول خلفية دراسة هذا النص من الجهة النحوية فالتفسير الطبيعي للنص أن يكون يسوع هو “الله والمخلص” فبحسب التحليل النحوي لــ Max Zerwick أن أداة التعريف الواحدة تجعل النص بكامله يُشير للمسيح[17] ولا يوجد أي اعتراضات نحوية على هذا التركيب اللغوي فقط وينر هو الذي هَجَر استقامته المعتادة بإنكاره قوة أداة التعريف الواحدة في هذا النص إستناداً على فكره اللاهوتي حول كريستولوجية بولس[18]
ولكن لم ينتهي الآمر هنا فقد كتب العالم Gordon Feeفي كتابه Pauline Christologyتعليقاته حول الكثير من النصوص الهامة المختصة بالفكر الكريستولوجي لبولس، وهو يرى أن النص محل نقاشنا ( تيطس 2: 13) يتحدث عن شخص واحد وليس شخصان، وهذا الشخص هو الله الآب وليس يسوع المسيح، فهو يرى أن بولس لم يُلقب الرب يسوع بلقب ” ثيؤس” حيث أنه يرى أيضاً بحسب ( رو 9:5)[19] لا يُلقب بولس الرب يسوع بلقب ” ثيؤس”، فهذا موقف ثابت عند جوردن يتحرك به ويتعامل على أساسه في جميع النصوص التي تُعطي لقب ” ثيؤس” ليسوع في كتابات بولس.
لكن يجب أن لا نخرج خارج حدود النقاش فحديثنا ليس عن ألوهية المسيح من عدمها، يؤكد جوردن على ألوهية المسيح وعقيدة الثالوث..إلخ، لكن يتمحور الخلاف حول سؤال واحد، وواحد فقط، وهو، هل تيطس 2: 13 يقول عن المسيح أنه “إلهنا العظيم ومخلصنا”؟.
الإجابة هي نعم!، هذا ما يُعلنه تيطس 2: 13، وهذه هي المشكلة بالفعل! -وهي أن بولس يُلقب يسوع بــ” ثيؤس”-، ولذلك سيكون أي تفسير آخر لهذا النص هو ناتج صعوبة تقبل تلقيب بولس للمسيح بلفظ “الله”، وهذا من العجب العجاب، بما أن بولس يؤمن أن المسيح هو الله وجوردن (وغيره) يؤمن أن بولس يؤمن أن المسيح هو الله فهل من غير المتوقع أن بولس يكتب أن المسيح هو الله!؟
يستطيع بولس أن يكتب أن يسوع هو الله، صحيح أن بولس في الغالب يُطلق على الآب لقب ” الله” والمسيح لقب “الرب” ولكن هذا لا يمنع أنه يقوم بتبديل أي من هذه الألقاب، فحينما يكتب بولس “ورب واحد يسوع المسيح” هذا لا يلغي ربوبية الآب، وكذلك تلقيب المسيح أنه “الله” لا يلغي تميز الله الكلمة عن الآب، فما هي المُشكلة اللاهوتية المستعصية إذا قال بولس عن المسيح أنه الله؟[20]
فهنا نحن أمام دعم من جهة قواعد النحو مقابل اعتراض لاهوتي يكمن في عدم إطلاق لقب “الله” على المسيح في كتابات بولس لندرة هذا الاستخدام، هذه الندرة في الاستخدام عند بولس تعود إلى الخلفية التوحيدية التي في ذهن المؤمنين التي ربما تجعلهم لا يُميزون بين الابن والآب، ولكن بولس قد آمن أن يسوع هو الله دون إنكار أن الله واحد، وعزو لقب الله للمسيح لا ينتهك الفكر اليهودي لوحدانية الله، والسبب في ذلك ببساطة أن بولس لم يقل بوجود أكثر من اله، لكنه أشار أن الطبيعة الالهية اكثر تعقيد مما يظن البعض[21]
ولو كانت المشكلة أدبية، فتكون هذه هي إحدى مشكلات تطبيق النقد الأدبي، فالأسلوب المعتاد لبولس أنه يلقب المسيح بلقب “الرب” هذا ما يتفق فيه الجميع، ولكن لماذا لا يكتب بولس أي استثناء؟، هذا من باب الافتراض أنه لم يلقب المسيح بلقب “ثيؤس” بحسب رومية 9:5، ناهيك عن عب 8-9 :1، لماذا يتم تقييد أي كاتب بما يستخدمه في الغالب؟، من حق أي كاتب أن يُنشيء استثناء اسلوبي.
يُحاجج بذلك Harris ويرى أن من مخاطر البحث الأدبي أنه يجعل التعبيرات المعتادة لدى أي كاتب هي معيار خانق لدرجة لا تسمح للكاتب بوجود مساحة حرة يستخدم فيها أساليب وألفاظ لاهوتية متنوعة[22]، بكلمات أخرى في حين وجود أدلة قوية تدعم أي صياغة كتبها أحد كتبة العهد الجديد، بغض النظر عن وجودها في مواضع أخرى أو لا، ما الذي يُجبرنا أن نتجاهل هذه الأدلة!، ما الذي يمنع وجود استثناء؟، وما العلة التي تجعنا نجر خطواتنا نحو التفسير الأكثر طبيعية؟ لا سيما لو كانت هذه الصياغة تتناسب مع الفكر اللاهوتي الذي يُقدمه الكاتب نفسه، بما أننا نمتلك أدلة أن أحد الكتبة قد كتب شيئًا ما فهو قد كتبه!، هذا كله على افتراض أن تي 2:13 هو الموضع الوحيد الذي يُلقب بولس فيه المسيح بهذا اللقب، لكن لو اعتبرنا رومية 9:5 هو موضع آخر يرد فيه هذا اللقب للمسيح فهذا سيدعم تفسيرنا!، لا سيما بالمقارنة مع كولوسي 15-20 :1 ،فيلبي 6-11 :2 وغيره.
ولكن حتى مع اعتبار أن تي 2:13 هو استثناء، فهذا ليس معضل من كل الجوانب وأولها هو ما سبق عرضه من التوافق المناسب لــ تي 2:13 للتطبيق الصارم لقاعدة جرانفيل شارب وعزو لقبي “الله والمخلص” للمسيح، والآن ننتقل إلى اسباب أخرى.
لقب الله والمخلص
من الشواهد التي تدعم هذا التركيب اللغوي أنه يُشير إلى شخص واحد هو ما ذكره مولتون، فهو يقول أن هذه الصيغة (الله والمخلص) وردت في العصر البطلمي وقيلت للملوك المؤلهين وطبقت على بطليموس للحديث عن شخص واحد، وأيضا الألوهيه الأبدية المفتخرة بذاتها في البرديات والنقوشات الموجودة في العصر البطلمي والامبراطوري[23] وعلى الرغم أن مولتون لم يناقش هذا التركيب من جهة النحو لكنه اعتقد أنه يُشير إلى شخص واحد وليس شخصين لأن اللغة الهيلينة في هذا العصر استخدمت هذه الصيغة لتُشير إلى شخص واحد.
يقول توماس لي” بشكل عام تم الجمع بين مصطلحي “الله و المخلص” في الديانات الوثنية في ذلك الوقت للإشارة إلى شخص إلهي واحد، ولذلك فمن المنطقي أن يُشير هذا المصطلح إلى شخص واحد في ضوء السياق التاريخي”[24] ويقول مايكل موس ” أن هذا الازدواج بين لقبي “الله و المخلص” شائع الاستخدام في العالم الوثني للإشارة إلى شخص واحد[25]ويُضيف فيليب تاونر “أن لقب “الله و المخلص” شائع في الخطاب الهلنستي واليهودي عادة يُشير إلى شخص واحد، مستخدم في الكتابات اليهودية للإشارة إلى يهوه، وكذلك في ادعاءات الحكام اليونانيين والرومان مثل بطليموس ويوليوس قيصر” [26]
هنا نحن أمام تركيب لغوي قوي من جهة النحو وتطبيق قاعدة جرانفيل شارب على النص محل النقاش، وأيضاً اللقب “الله والمخلص” يُشير إلى شخص واحد بحسب السياق التاريخي، وهنا لم تنتهي حجج الرأي القائل بأن يسوع هو الله والمخلص، ولكننا ننتقل من نقطة إلى نقطة حسب رؤيتي لارتباط هذه النقاط ببعض، فبعض العلماء اقر بالفعل أن هذا التركيب اللغوي يُشير إلى شخص واحد ولكنهم قالوا هذا الشخص هو الآب وليس الرب يسوع وعلى سبيل المثال:
يرى جوردن أن هذا اللقب(الله و المخلص)يخص شخص واحد وليس شخصان، وهو-هنا- الآب، مع العلم أن جوردن يعتقد أن رسالة تيطس هي أحد الرسائل التي كتبها بولس ( رسائل بولس الرعوية تختلف في اسلوبها عن باقي رسائله)، يُقر جوردن أيضًا أن الرأي السائد في الوسط الأكاديمي يقول عكس ما يعتقد هو، هذا يجعل عب الإثبات ثقيل بدرجة ليست هينة على جوردن!، على عكس الرأي المكتسح “حرفيًا”، والذي يتبناه أغلبية علماء العهد الجديد، ويتبناه معظم التراجم الإنجليزية، يُقدم جوردن تفسيره لهذا النص على هذا النحو، يضع عبارة “يسوع المسيح ἸησοῦΧριστοῦ ” كمقابل لـ”المجد- τῆςδόξης.” فيصبح يسوع هو “المجد” نفسه.[28]
يبدأ جوردن بالقول أننا لو افترضنا أن بولس قدم شكل اخر للنص ويختزله إلى “ظهور مجد الله، يسوع المسيح” لم يكن أحد يظن أن “يسوع المسيح” سيكون مقابل للفظ “الله”، والدليل على ذلك كو 2:2 ” كيما تتشدد قلوبهم وتتوثق أواصر المحبة بينهم فيبلغوا من الإدراك التام أعظم مبلغ يمكنهم من معرفة سر الله، أعني المسيح” (الترجمة اليسوعية) بشكل حرفي النص يقول ” سر الله المسيح- “The Mestery of God, Christ لكن المفسريين يفهمون ما يقصده بولس بطريقة صحيحة، وهو أن المسيح هو “سر الله” وليس هو “الله”، استخدام لقب “الله” للمسيح هو أمر شاذ في كتابات بولس [29]
تكمن مشكلة طرح جوردن، في الابتعاد عن مناقشة ما قاله بولس بالفعل!، فهو افترض ما يعتقد أنه جوهر رسالة تيطس 2: 13 يجب أن يكون هو معيار لما كتبه بولس، ولكن هذا الشكل الأبسط والمختصر للنص حتى لو فهمناه على هذا النحو – يسوع المسيح=مجد الله- هذا لا يعني أننا يجب أن نفهم ما قاله بولس بنفس الطريقة لأن واقعيًا لم يكتب بولس هذا الشكل من الأساس، وفي الغالب عدد قليل من الناس سيفهمون هذا الشكل الذي افترضه جوردن أو ما كتبه بولس حتى، أن يكون يسوع مقابل لقب “الله”، هذا متوقع لعدم تقليدية هذا اللقب للمسيح، وبالتالى حينما يرى القاريء نص يدعو المسيح بـ”الله” بشكل غريزي وطبيعي يبحث عن طريقة أخرى في فهم هذا النص، وهذا ما يفعله جوردن!، والدليل على ذلك أننا سنفترض شكل آخر للنص كما افترض جوردن، تخيل معي عزيزي القاريء لو كتب بولس “الرب العظيم ومخلصنا يسوع المسيح”
فقط بتغيير لقب “الله” إلى لقب “الرب” هل كان سيفهم أي قاريء أن يسوع ليس هو “الرب”؟، بالطبع لا، بل ولم يكن جوردن وغيره قالوا تفسيرهم هذا!.
وبالنسبة للنص الذي يستخدمه جوردن(كو 2:2) فهو بعيد للغاية وليس من المنطق مقارنة النصيين ببعض، ففي الغالب لم يُفهم تعبير “معرفة سر الله” أنه إشارة إلى معرفة الله نفسه، لأن “السر” لا يُشير إلى أحد مظاهر الكيان الإلهي، ولكن في المقابل، في الغالب يُفهم ” ظهور مجد الله” أنه إشارة إلى الله الذي يظهر نفسه، لأن” المجد” في الغالب يُشير إلى أحد مظاهر الكيان الألهي نفسه، وبالتالي من غير الطبيعي أن نفهم”ظهور مجد الله” للإشارة إلى أي شيء آخر غير الله الذي يظهر في مجده، ولكن على النقيض من ذلك، “معرفة سر الله” تنقل إلى الذهن بصورة طبيعية معرفة سر الله مهما كان هذا السر ولكنه شيء متميز عن كيانه.
أما عن اعتبار استخدام لقب الله للمسيح هو أمر شاذ في كتابات بولس(un-Pauline) هو مشكلة في الاستدلال، لأن جوردن يستخدم 1 كو 6:8 “لكن لنا اله واحد الآب الذي منه جميع الاشياء ونحن له. ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الاشياء ونحن به.” في محاولة لاعتبار استخدام مطلق للقب “الله” أو “الرب” لأن بولس ميز بين اللقبين، هذا صحيح من وجه واحد وهو تخصيص هذه الالقاب بالفعل، ولكن هذا التخصيص هو عام لكنه ليس مطلق!.
على سبيل المثال اقتبس بولس من العهد القديم(اش 52:11، 2 صم 7:14) فيقول “لذلك اخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجسا فاقبلكم، واكون لكم ابا وانتم تكونون لي بنين وبنات يقول الرب القادر على كل شيء”(2كو 17-18 :6)، ولكن التعبيرات “الرب القدير” أو “الرب” ليست جزءًا من الأقتباس، هذه كلمات بولس نفسه، والمتحدث هنا هو الله الآب الذي سنكون أولاده، وهنا بولس قد استخدم لقب “الرب” مرتين للآب، هذا اللقب الذي يخص في الغالب المسيح!، لو كان بولس يستخدم لقب “الرب” للآب، حتى لو مرات قليلة، فيستطيع أن يفعل العكس ويستخدم لقب “الله” للمسيح، المخرج الوحيد هو أن يكون استخدام هذا الالقاب عند بولس مطلق وليس عام، ولكن هذا التخصيص هو عام،كما في باقي كتابات العهد الجديد، فمثلاً إنجيل يوحنا استخدم كلمة “الله”81 مرة من ضمنهم 3 مرات فقط للمسيح ( يو 1:1، يو 20:28، يو 1:18 حولها بعض الجدل النصي)، ما اُريد أن أقوله ببساطة أن من المعروف للكل أن استخدام لقب “الله” للمسيح في كل العهد الجديد هو نادر لكنه موجود.
يدعم جوردن فكرته بأن تعبير “مخلصنا” يعود على الله وليس المسيح في هذا النص، بالطبع هذا التعبير مستخدم في رسالة تيطس للإشارة للآب وللمسيح، ولكن هذا التعبير في العدد 13 هو مدعوم –bookended- بالإشارة إلى “الله مخلصنا” في الفقرات 2:10، ،3:4 وبما أن “نعمة” و “مجد” الله هو الذي سيظهر، فهذا سبب سياقي للاعتقاد بأن بولس في هذا النص يُشير إلى العدد 10 إلى “الله مخلصنا” للتأكيد على ظهور مجده( مع العلم أن جوردن يرى بحسب العدد 14الذي يتحدث عن عمل المسيح الخلاصي يُمكن اعتبار أن “مخلصنا” تعود للمسيح في العدد 13لكنه لا يتبنى هذا)[30]
بكلمات أخرى جوردن يحاول أن يكون التركيب السياقي بهذا الشكل.
2:10
2:13
3:4
غير مختلسين بل مقدمين كل امانة صالحة لكي يزيّنوا تعليم مخلّصنا الله في كل شيء
منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح
ولكن حين ظهر لطف مخلّصنا الله واحسانه
وفي الحقيقة هذا الشكل خادع!،لأن لو بحثنا في تكرار تعبير “مخلصنا” سنجد أن جوردن جانبه الصواب.
تعبير “مخلصنا” للإشارة إلى الله:
3:4
2:10
1:3
ولكن حين ظهر لطف مخلّصنا الله واحسانه
غير مختلسين بل مقدمين كل امانة صالحة لكي يزيّنوا تعليم مخلّصنا الله في كل شيء
وانما اظهر كلمته في اوقاتها الخاصة بالكرازة التي اؤتمنت انا عليها بحسب امر مخلّصنا الله
وهنا في الثلاث نصوص يستخدم بولس نفس الصياغة بشكل حرفي”τοῦ σωτῆρος ἡμῶν θεοῦ”
تعبير “مخلصنا” للمسيح مع ثلاث صياغات مختلفة
3:6
2:13
1:4
الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلّصنا–ἸησοῦΧριστοῦτοῦσωτῆροςἡμῶν
منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح-τοῦμεγάλοῦθεοῦκαὶσωτῆροςἡμῶν
الى تيطس الابن الصريح حسب الايمان المشترك نعمة ورحمة وسلام من الله الآب والرب يسوع المسيح مخلّصنا-ΧριστοῦἸησοῦτοῦσωτῆροςἡμῶν
هذا هو النمط الصحيح، فيكون تي 2:13 ليست شواهده هي 2:10 ، 3:4 ، ولكن 1:4، 3:6 مع الأخذ في الاعتبار أن كل النصوص (1:3،2:10،3:4) كلمة “الله” تعقب “مخلصنا” لأنها تُشير إلى الله، لكن تيطس 2: 13 يأتي بعد “مخلصنا” يسوع المسيح، فيسوع المسيح هو “إلهنا ومخلصنا” وليس “المجد”، كما يقول نايت “أن هذا النص ينتهي بــ”يسوع المسيح” هذه إشارة دقيقة تحدد عن هوية الشخص الذي يُلقب بأنه “إلهنا” هذه هي أحد المرات القليلة في العهد الجديد التي تُشير ليسوع بهذا اللقب”[31]، هذا التفسير-تفسير جوردن- هو محاولة للخروج من الجدل بشكل آمن، بعض العلماء اعتبر أن تيطس 2: 13 يُشير إلى شخصين وليس شخص واحد(انظر نقطة الله والمخلص) ولكن هذا التفسير له الكثير من الثغرات لقوة التركيب النحوي الذي يُشير إلى شخص واحد، فنتج هذا التفسير الذي ناقشناه وهو أن يسوع هو “المجد”[32] ما أعتقده هو أن كل منهما نتج عن صعوبة تلقيب المسيح بلقب “الله” ولكن بطرق مختلفة، فقد جادل التفسير الآخر أن تعبير “مخلصنا” ليس نكرة في اليوناني وبالتالي لا ينطبق عليه قاعدة جرانفيل شارب.
يسوع مخلصنا
يُقال أن أداة التعريف قبل “مخلص” غير ضرورية بسبب إضافة الضمير “لنا – ἡμῶν”، وبهذا يكون هناك سبب لعدم وجود أداة التعريف قبل “مخلص” وبهذا لا ينطبق هنا قاعدة جرانفيل شارب.
ولكن يقول دانيال أرشيا ” نحويًا، لا يوجد سوى أداة تعريف واحدة قبل تعبير “الله” كذلك هي متضمنة قبل تعبير “مخلص” فالكلمتين لهم أداة تعريف واحدة فقط، ولذلك فالنص اليوناني يقول حرفياً “الله ومخلصنا” تكون هذه الحجة أقوى إذا تفحصنا تعبير “مخلص” في رسالة تيطس وعدد ورودها 5 مرات وفي كل هذه الحالات الخمس يوجد أداة تعريف قبل كلمة “مخلص”[33].
وبالتالي إن كل الحالات في رسالة تيطس سبق كلمة مخلص أداة تعريف، فلماذا فقط في تيطس 2: 13 لا نجد أداة التعريف قبل كلمة “مخلص”!؟، ليست مجرد صدفة، بل أن بولس كتب كل العبارة برمتها تخص المسيح، يسوع هو “الله و المخلص”.
هذه هي الطريقة التي أراد بها بولس أن يكتب هذا التصريح الكريستولوجي الواضح لو كان يُريد أن يفصل بين التعبيران كان سيكتب بطريقة أخرى، وقد اعطى مونس صيغتين في اليوناني يستطيع بولس أن يكتبهم للتحدث عن شخصين وليس شخص واحد،
الصيغة الأولى : τοῦ μεγάλου θεοῦ καὶ Ἰησοῦ Χριστοῦ τοῦ σωτῆρος ἡμῶν ،
الصيغة الثانية : τοῦ μεγάλου θεοῦ ἡμῶν καὶ τοῦ σωτῆρος Ἰησοῦ Χριστοῦ
لكن بدلاً من هذه الصيغ التي تتحدث عن شخصين قد أختار بولس أن يكتب الصيغة التي تُقرأ بصورة طبيعية أنها تُشير إلى شخص واحد “يسوع المسيح” لو كان بولس لا يؤمن بأن يسوع هو الله فمن المستبعد أن يكتب ذلك، ولكن بما أن بولس يؤمن بأن يسوع هو الله فليس من المفاجيء أن يقل ذلك لقراءه[34]
ظهور الله العظيم
يستخدم العهد الجديد كلمة “ظهور -ἐπιφάνεια” بشكل خاص للحديث عن مجي الرب في المجيء الثاني،”وحينئذ سيستعلن الاثيم الذي الرب يبيده بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه”(2تس 2:8)، ” ان تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم الى ظهور ربنا يسوع المسيح”(1تي 6:14)،” انا اناشدك اذا امام الله والرب يسوع المسيح العتيد ان يدين الاحياء والاموات عند ظهوره وملكوته”(2تي 4:1)،” واخيرا قد وضع لي اكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره ايضا”(2تي 4:8)[35] هذا من شأنه أن نعتبر هذا النص لا يتحدث عن الله الآب بل عن الابن الذي سسأتي في مجده ومجد أبيه في نهاية التاريخ، فالكنيسة تنتظر الرب يسوع الذي سيأتي في اليوم الآخير ولا يتحدث كل العهد الجديد وعلى وجه الخصوص رسائل بولس أن الآب هو الذي سيظهر بل يسوع، يقول بين ويزرينجتون “نحن أمام حقيقة أن العهد الجديد لا يتكلم في أي موضع عن “إبيفانيا” الله الآب[36] يتحدث السياق بالكامل (تيطس 11-14 :2) عن عمل المسيح من التجسد إلى مجيئه الثاني والحديث عن عمل الفداء لذلك فهو العظيم هنا أيضاً، يقول دونالد ماكلويد “إن صفة العظمة تفقد معناها لو طُبقت على الآب ولكن ثقل دلالاتها يتجلى حين تُطبق هذه الصفة على المسيح، ليس لمجرد التركيز على مجده في المجيء الثاني ولكن لأنها تُشير ايضاً لبذله لذاته من اجلنا(فقرة 14)”[37]
ملحق اقوال العلماء
نحويًا، فظهور المجد هو خاص إما بالمسيح أو بالمسيح والآب، ولكن الكفة الراجحة هي التفسير الأول، وذلك لعدة أسباب: أولاً. هذا الرأي هو الأكثر طبيعية، حيث أن كلا الاسمين يربطهم أداة تعريف واحدة لتكون الإشارة لشخص واحد. ثانياً: كان الجمع بين لقبي “الله والمخلص” مألوفًا لدى الديانات الهلنستية. ثالثاً: الفقرة 14 تُشير إلى الرب يسوع ومن الطبيعي أن يكون السياق بالكامل إشارة للمسيح. رابعاً: في الرسائل الرعوية يُشار للإبيفانيا لمجي المسيح وحده. خامساً: صفة “عظيم” فارغة المعنى حين تطبيقها على الآب ولكن ذروة دلالتها حين يُوصف بها المسيح. سادساً: هذا الرأي متناغم بالتمام مع نصوص أخرى مثل (يو 20:28،رو 9:5، عب 1:8، 2بط 1:1).[38]
يمكن ترجمة عبارة “إلهنا العظيم ومخلصنا” بطريقتين، إما أن تكون تُشير للمسيح وحده، أو أنها تُشير إلى مجد “إلهنا العظيم” و “مخلصنا يسوع المسيح” للإشارة إلى شخصيين، ولكن يبدو أن الترجمة الأولى هي الأصح، وبالمقارنة مع 2 تيم 4:8 يتبين أن فعل “الظهور” الذي يخبرنا بولس عنه يخص المسيح وحده في مجيئه، وأيضاً تيطس 2:14 تتحدث عن عمل الرب يسوع في الزمن، فهو قد بذل نفسه لاجلنا، وهكذا يمكننا القول أن تيطس 2: 13 هي تصريح واضح لألوهية المسيح.[39]
بالرجوع للغة اليونانية لفهم عبارة “إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح” نجد أن الاسمين “الله”،”المخلص” لهم أداة تعريف واحد، وهكذا فالنص يتحدث عن شخص واحد وليس شخصين، وبهذا الأسلوب قد أكد بولس بإستحكام ألوهية المسيح[40]
نحن نمتلك بعض الحجج لآخذ عبارة “إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح” للإشارة لشخص واحد، وبالتالي التأكيد على ألوهية المسيح. 1: لا يوجد سوى أداة تعريف واحد للاسمين “الله”،”المخلص”، 2: كان لقب “الله والمخلص”شائع الاستخدام في القرن الأول للإشارة لإلهًا واحدًا، 3: “الإبيفانا” في العهد الجديد هي لشخص واحد وهو المسيح وليس شخصين(انظر 1 تي 6:14، 2 تي 1:10ـ4:8)، 4: في مواضع أخرى في العهد الجديد يتمركز الرجاء في المسيح وعودته، 5: تيطس 2:14 تُشير إلى عمل المسيح الخلاصي، 6: خارج رسالة تيطس ورسالتي تيموثاوس يدعو بولس المسيح بلقب المخلص( أف 5:23،في 3:20)، مع الوضع في الاعتبار التشابه بين تيطس 2: 13 و فيلبي 3:20 من جهة المضمون، وعلى الرغم بتسمية الله أنه “مخلص” في الرسائل إلى تيموثاوس وتيطس، لكن في تيطس يُدعى يسوع أنه “المخلص” بجانب هذه النصوص(3-4 :1، 2:10،13، 3:4،6)، ولذلك نستطيع القول كما يقول موراي هاريس أن يسوع المسيح يُدعى “إلهنا العظيم ومخلصنا”، لذلك فهذا النص –تيطس 2: 13- هو أحد النصوص القليلة في العهد الجديد التي تدعو يسوع “الله” مما يُبرهن على ألوهية المسيح، بجانب ذلك انظر الترجمات الإنجليزية التي تفسر النص أنه يُشير إلى ألوهية المسيح (NIV, RSV, NRSV, NJB, and TNIV)، وكذلك انظر هذه النصوص( رو 9:5، يو 1:1،18، 20:28، كو 1:15،19،2:9، في 2:6، عب 8-13 :1 ، بط 1:1)[41]
لقد أحدث البناء النحوي الخاص بعبارة “إلهنا ومخلصنا ” بعض الاختلاف في الرأي بين العلماء، ولكن الإجماع هو أن يسوع المسيح هو “إلهنا ومخلصنا”، الذي هو الله (انظر يو 10:30)، هذه حجة قوية لألوهية المسيح، وحتى العلماء المخالفون لهذا الرأي يعترفون بأن وجهة نظرهم لا تقلل من البرهنة على ألوهية المسيح.[42]
العبارة الاستثنائية –الله العظيم- الواردة هنا فقط(تيطس 2: 13) أفضل تفسير لها أعتبارها تطبيق كريستولوجي لوصف العهد القديم لله، ما أقصده هو أن الرسول بولس يتحدث ظهور ومجد شخص واحد،”الهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح”[43]
أن عبارة “إلهنا العظيم ومخلصنا” هي أحد التصريحات اللامعة في الكتاب المقدس على ألوهية الرب يسوع(انظر أيضاً يو 1-18 :1 ، رو 9:5، عب 1-3 :1 ) يرى بعض المفسرين أن هذه العبارة تُشير إلى شخصين، أي أن تعبير “الله العظيم” يُشير للآب، وتعبير “المخلص” يُشير للابن، ولكن هذا التفسير له العديد من المشكلات الصعبة، مع الأخذ في الاعتبار النصوص الأخرى في العهد الجديد التي تُشير بقوة لألوهية المسيح، توجد عدة أسباب نحوية موجودة في هذا النص نفسه أيضاً –تيطس 2: 13-، أولاً وجود أداة تعريف واحدة تربط الاسمين “الله،المخلص”، ثانياً: الضمائر المفردة في النص التالي يُشير إلى شخص واحد فقط، وبالرغم أن العهد القديم مكتظ بالإشارات إلى الله الآب أنه عظيم، لكن هذا الوصف في العهد الجديد يستخدم فقط لله الابن ( انظر مت 5:35 لو 1:32،7:14 عب 10:21، 13:20) والأهم من ذلك أن العهد الجديد لا يُخبرنا فأي موضع عن ظهور الله الآب أو المجيء الثاني للآب، ولكن عن المجيء الثاني لله الابن فقط.[44]
تقدم عبارة “إلهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح” ما نستطيع أن نعتبره أحد التصريحات الجلية الخاصة بألوهية المسيح في الكتاب المقدس، يوجد أداة تعريف واحدة تربط تعبير “الله العظيم” بــ تعبير ” مخلصنا” وعلى عكس ترجمة KJV يعطي هذا التركيب فهم أخر، وهو أن المسيح هو “إلهنا ومخلصنا”، ويدعم ذلك الفهم حقيقة أن مصطلح “الإبيفانيا” لا يُستخدم أبداً لوصف الآب، كما أن لقب “الله والمخلص” شائع الاستخدام في الدوائر الهلنستية في ذلك الوقت، ولذلك يقول Mounce إن هذه القراءة الكريسولوجية لازمة لأن هذه القراءة هي الأكثر طبيعية للنص، وتتفق مع استخدام بولس لمصطلح “الظهور”، كذلك الاستخدام الفردي لعبارة “الله والمخلص” في الفكر العلماني، وملائمة هذه القراءة للسياق بشكل جيد.[45]
العبارة الأخيرة من تيطس 2: 13 تُثير بعض الغموض، وتطرح سؤالاً، هل قصد بولس أن يُشير إلى شخصين في الثالوث بفصل عبارة “إلهنا العظيم” عن “المخلص يسوع المسيح” أم أنه يمدح ألوهية المسيح ويربط اللقبين معاً “إلهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح”؟ على الرغم من إمكانية قراءة النص بالطريقتين ولكن القواعد تدعم الرأي القائل بأن هذا النص يدعم ألوهيه المسيح، هذا البناء موجود أيضاً في 2 بط 1:1، فكل من النصيين يؤكد ألوهيه المسيح( انظر كذلك يو 20:28، رو 5:9 ،عب 1:8 ، 1يو 5:20)[46]
كان هناك نقاش كبير في هذا الخلاف الذي على النحو التالي، هل “الإبيفانيا” هنا جوهرها شخصين أم شخص واحد؟ لو كان شخص واحد هذا يُعني أن هذا النص يحوي الأعلان الأكثر وضوحًا في العهد الجديد عن ألوهية المسيح، من الغريب أن ترجمة AV تتبنى الخيار الأول ولكن NIV,NRSV,REB يختارون الثاني، هذا الأخير نُبرهن عليه بخمسة حجج، أولاً وجود أداة تعريف واحدة قبل “مخلص” والأسماء في اللغة اليونانية المربوطة بأداة تعريف واحد تُشير إلى الشيء ذاته، ثانياً: قد فهم غالبية الآباء اليونان هذه العبارة بهذه الطريقة وهم بالفعل كانوا قادرين على ذلك، ثالثاً: يدعم الشق اللاهوتي الشق النحوي حيث أن كل إشارات العهد الجديد عن الإبيفانيا تخص الابن ولا تخص الآب على الإطلاق، رابعاً من جهة السياق بطريقة طبيعية يُشير للمسيح للنقل مباشرةً من مجده إلى آلامه موته، خامساً: كان تعبير “الله والمخلص” صيغة دينية نمطية وشائعة في القرن الأول وهي عادةً تُشير إلى إله واحد أو تطلق على الإمبراطور الروماني[47]
إلى هنا أعاننا الرب
16\3\2023
[1] نحن نمتلك تسعة نصوص يُلقب فيها الرب يسوع بلقب ” الله ” ( يو 1:1 ، يو 1:18 ، يو 20:28 ، اع 20:28، رو 9:5 ، تي 2:13 ، عب 8-9 : 1 ، 2 بط 1:1 ، 1 يو 5:20 )، ولكن يوجد في غالب هذه النصوص إما خلاف نصي أو جدل لغوي، لكن يجب أن نضع في الاعتبار أننا لا نتحدث عن قضية فقهية ونتعارك على الألفاظ، لأن عقيدة لاهوت المسيح واضحة في العهد الجديد وبالتالي فوضوح أحد هذه النصوص لا يُمكن اعتباره هو البناء العقيدي والإيماني نفسه، ولذلك مهما كان التفسير الأفضل لــ تيطس 2: 13 فهو بالتأكيد يُعلن ألوهية الرب يسوع، وبكلمات هندريكسن&كيستميكر ” بأي حال من الأحوال هذا النص لا يدعم محاولة الأريوسيين بقولهم أن الابن أقل من الآب في الألوهية” انظر Hendriksen, W., & Kistemaker, S. J. New Testament commentary : Exposition of the Pastoral Epistles,Vol. 4, P.373
[2] من الهام ذكره أن أسم θεός ليس أسم علم في اللغة اليونانية ولذلك فهو ضمن الأسماء التي ينطبق عليها قاعدة شارب، الأسماء العلم في اللغة اليونانية لا يمكن أن تُجمع لكن θεός يُجمع- على سبيل المثال انظر يوحنا 10:34- لذلك فهو ليس أسم علم.
[3] DeMoss, M. S. (2001). Pocket dictionary for the study of New Testament Greek ,P.64 & Blackwelder, B. W. (2005; 2005). Light from the Greek New Testament ,P.145 & McKnight, S. (1989). Vol. 1: Introducing New Testament interpretation. Guides to New Testament exegesis ,P.80
[4] بكلمات شارب نفسه تكون القاعدة بهذا الشكل article-substantive —καί—substantive
[5] يُطبق Young قاعدة شارب بشكل صحيح على تي 2:13 ، 2 بط 1:1 على عكس بعض العلماء الذين لم يفهموها أنظر Young, R. A. (1994). Intermediate New Testament Greek : A linguistic and exegetical approach, P.62&63
[6] وأيضاً قبول Middleton للقاعدة وفهم قيودها واعتبرها قوية وموثوقة ببساطة لأنه قد فهم قيود القاعدة فقط!، كان هذا قبل كابوس وينر!
[7]G. B. Winer, A Treatise on the Grammar of New Testament Greek, Regarded as A Sure Basis for New Testament Exegesis, trans. and rev. W. F. Moulton, 2d,P.162, ..Cited by Wallace, D. B. (1999; 2002). Greek Grammar Beyond the Basics – Exegetical Syntax of the New Testament ,P.272
[8] Moulton, J. H. (2006). A Grammar of New Testament Greek, Vol.1,P.84
[12] Bruce A. Baker, Granville Sharp’s Rule, Journal of Ministry and Theology, Vol. 1, Page 45
[13] Mounce, W. D. (2002). Vol. 46: Word Biblical Commentary : Pastoral Epistles. Word Biblical Commentary ,P.429 & Guthrie, D. (1990). Vol. 14: Pastoral Epistles: An Introduction and Commentary,P.221
[14] Olshausen, H., Ebrard, J. H. A., & Wiesinger, A. Biblical Commentary on the New Testament,Vol.5,P.595
[16] نقلاً عن إليكوت قدم Wordsworth قائمة من اباء الكنيسة اليونانيون مثل هيبوليتوس واكليمندس السكندري والسواد الأعظم من اباء ما بعد نيقية، انظر. Ellicott, C. J. (2008). The Pastoral Epistles of St. Paul : With a critical and grammatical commentary, and a revised translation ,P.201
[17] Zerwick, M., & Grosvenor, M. (1974). A grammatical analysis of the Greek New Testament, P.649
[18] Robertson, A. T. (2009). A Short Grammar of the Greek New Testament,P.74
[19] انظر دفاع متزجر عن نسب لقب “الله” ليسوع B. M. Metzger, The Punctuation of Romans 9:5
انظر ايضاًCranfield, C. E. B. (2004). A critical and exegetical commentary on the Epistle to the Romans ,P.464-70
انظر ايضاً Macleod, D. (2000). Jesus Is Lord: Christology yesterday and today, P.15-18
[21] Schreiner, T. R. (2008). New Testament theology: Magnifying God in Christ, P.337
[22] Murray J. Harris, Jesus as God, The New Testament Use of Theos in Reference to Jesus, P.177-78
[23] Moulton, op. cit, P.84& See also Mounce, W. D, op. cit, P. 427& Arndt, W., Gingrich, F. W., Danker, F. W., & Bauer, W. A Greek-English lexicon of the New Testament and other early Christian literature, P.800
[24] Lea, T. D., & Griffin, H. P. (2001, c1992). Vol. 34: 1, 2 Timothy, Titus, The New American Commentary ,P.313
[25]Moss, C. M. (1994). 1, 2 Timothy & Titus. The College Press NIV commentary (Tit 2:14)
[26] Towner, P. H. (2006). The Letters to Timothy and Titus. The New International Commentary on the New Testament, P.756
[27] للتوسع في هذه النقطة انظر Robert M. Bowman, Jr, Jesus Christ, God Manifest: Titus 2:13 Revisited
[31] Knight, G. W. (1992). The Pastoral Epistles : A commentary on the Greek text ,P.325
[32] بعض العلماء جادلوا أن ترجمة النص بدل من “ظهور مجد” إلى “الظهور المجيد”، ودلالة ذلك لو صحت هذه الترجمة فسيكون كل تفسير جوردن مبني على القش، لكني غير مقتنع بهذه الترجمة وأرى أن الترجمة الأكثر طبيعية هي “ظهور مجد”، ثانياً: حتى لو جادلت بصحة الترجمة الأخرى كان يجب علي أن افترض ترجمة “ظهور مجد” أيضاً وأناقش هذا التفسير في النهاية!، انظر Arichea, D. C., & Hatton, H. (1995). A handbook on Paul’s letters to Timothy and to Titus,P. 293
كيف أصبح المسيح إله؟ لاري هورتادو – ترجمة: أمير جرجس
كيف أصبح المسيح إله؟ لاري هورتادو – ترجمة: أمير جرجس
لدينا أقدم المصادر التاريخية التي تتحدث عن المجتمع المسيحي في قرونه الأولي، وهي رسائل بولس حيث كتب بداية من 49م، أي بعد القيامة بحوالي عشرون عاماً. فلذلك تشكل هذه الرسائل جزءًا كبيرًا من العهد الجديد. ففي تلك الفترة لدينا علم بالمسيح أكثر مما لدينا في السبعمائة عام اللاحقة من تاريخ الكنيسة. وأن بولس أيضًا يعتبر من أشهر من الشخصيات التي دخلت المسيحية في عصورها المبكرة.
يجب علينا بشكل خاص أن نفسر تحول بولس الغريب على أنه ناتج عن وحي إلهي، أعلنه له يسوع “ابن الله الفريد” (غلاطية 1 :15). وهذا يشير إلى أن بداية إيمان بولس كان إدراكه أن كان يسوع (الذي كان يعتبره بولس معلم مخادع في البداية) يمتلك عقيدة فريدة ومميزة، وهذا ما يجب أن نفسر به إيمانه. فإننا يمكننا استنتاج أن في تلك المرحلة، لابد أنهم كانوا مؤمنين بيسوع بدرجة عالية جدا لدرجة أنهم تمكنوا من جذبوا جهود هذا الفريسي المتحمس سابقًا لتدمير ما اعتبره بدعة غير مقبولة في الديانة اليهودية.
حتى بولس بعد إيمانه لم يقول إنه أسس تلك الممارسات الدينية التي كان يؤكدها في رسائله، لكنه على العكس من ذلك يقول في رسالة (1 كور 15: 1-11) أنه يشترك هو والمسيحيين اليهود في إيمان مشترك وممارسات إيمانية ثابتة. فهنا جميع الأدلة تشير أن الإيمان بيسوع الذي أكده بولس في رسائله كان واضحًا بالفعل لدي المسيحيين اليهود.
فمن المقبول على نطاق واسع بين العلماء أنه لدينا حتى جزء لغوي أو قطعة أثرية فعلية من ممارسات المسيحين اليهود الناطقين باللغة الآرامية المحفوظة في كورنثوس الأولى 16 :22.
فالتعبير الغير المترجم الموجود هنا، “ماران أثا”، يُؤخذ عادةً على أنه صلاة، وأن ترجمته “يا رب، تعال!” وأيضًا من المسلم به أن يسوع هو الذي تم مخاطبته على أنه الرب في هذه الصيغة. وأيضًا إذا ركزنا جيداً فسنلاحظ أن بولس لم يترجم هذا التعبير للكنيسة الناطقة باليونانية في كورنثوس، فهذا يؤكد أن ذلك التعبير كان معروفاً لمعظم الناطقين باللغة الآرامية من المسيحيين قبل وقت طويل من تاريخ 1 كورنثوس، يبدو على الأرجح أن هذا النوع من التكريس ليسوع انتشر بقوة وسرعة مذهلة. أن الفترة الحاسمة حقًا لأصل تلك التعبيرات المهمة عن يسوع هي «السنوات الأربع أو الخمس الأولى» من الحركة المسيحية الأولى!
وسبب نقلها إنها بداية لتضامنهم الديني مع المؤمنين في يهودا، الذين يشير إليهم بولس على أنهم أسلاف.
ومن الأمثلة الأخرى على التعبيرات التعبدية التي تنبثق من الدوائر المسيحية الناطقة بالسامية والتي قام بولس بتعميمها بين الجماعات التي أسسها تشمل كلمة “أبا” كتعبير يستخدم لمخاطبة الله في الصلاة (رومية 8 :15؛ غلاطية 4: 6) و “آمين”.
مثل هذه الفترة الزمنية المبكرة والقصيرة جداً لا تسمح بأي تطور، على عكس التأثيرات الوثنية التي عندما تتسرب فأن تأُثيرها يبدأ بعد عدة عقود. لكن يبدو أن المؤشرات الزمنية تتطلب منا التفكير في أن عبادة يسوع التي انعكست في رسائل بولس جاءت على أنه انفجار أكثر من كونها تطور. باختصار، تتطلب الطريقة التاريخية الصحيحة منا أن نأخذ البيانات التسلسل الزمني على محمل الجد.
على الرغم من أن هذا قد يكون غير مريح بالنسبة لبعض المفاهيم الشائعة، ومهما كان من الصعب تفسير ذلك، فقد ظهرت عبادة يسوع بشكل واضح في وقت مبكر وكانت منتشرة على نطاق واسع في السنوات الأولى للحركة المسيحية.
يسوع هو يهوه – كما تجمع الدجاجة فراخها (متى 23 : 37)
يسوع هو يهوه – كما تجمع الدجاجة فراخها (متى 23 : 37)
يسوع هو يهوه – كما تجمع الدجاجة فراخها (متى 23 : 37)
فى انجيل متى (23: 37) نَسَبَ يسوع الى نفسه نصا مشهورا يشير الي يهوه وهذا النص نجد فيه ان الله يصف نفسه بانه يحمي شعبه تحت جناحيه ]و بشكل ملحوظ يظهر هذا النص فى عدة مواضع في سفر المزامير.
مزمور 17 : 8 احفظني مثل حدقة العين بظل جناحيك استرني:
مزمور 36 : 7 ما أكرم رحمتك يا الله! فبنو البشر في ظل جناحيك يحتمون
مزمور 57 : 1 ارحمني يا الله ارحمني لأنه بك احتمت نفسي وبظل جناحيك أحتمي إلى أن تعبر المصائب
مزمور 61 : 4 لأسكنن في مسكنك إلى الدهور. أحتمي بستر جناحيك. سلاه
يرى الكثيرون فى قول يسوع فى انجيل متى اذا ما قورن بما هو مكتوب فى سفر المزامير مرجعية مقنعة لوجوده الازلي الواقعي كيهوه فى العهد القديم. فالكلام ليس عن زمن المسيح وليس خدمة الثلاث سنوات بل يتكلم عن تاريخ اليهود الطويل في رفض الأنبياء . فسياق الكلام المسيح لا يكلم الكتبة والفريسيين الجيل الحالي فقط بل يكلمهم انهم أبناء أجيال سابقة شريرة.
يرى فى هذا النص رثاء من يسوع على الخراب الآتى على الهيكل فذكر الآتى:
“هذة الآيات تلعب دورا فى شرح الايات التي فى الاصحاحات من 23 الى 25 من انجيل متى وهذا الدور يشبه الى حد ما الدور الذي يلعبه ما جاء فى رومية (9: 1-5) فى سياق رومية الاصحاحات من 9 الى 11. فيوضح يسوع، مثلما وضح بولس الرسول، عمق معرفته مع شعبه ومدى تماهيه معهم على الرغم من الكلمات القاسية التى تلقاها منهم فى الأماكن الأخري. يذكرنا كلام يسوع أيضا برثاء داود المأسوي لأبشالوم فى سفر صموئيل الثاني (18: 33) و(1: 24).
والباحث المشهور بيشوب رايت يقول انه يرى صورة لدجاجة تحمى صغارها من حريق فى المزرعة فيقول: “عندما تنتهى النار، سيتم العثور على دجاجة ميتة، محترقة ومسودة، ولكن مع فراخ حية تحت جناحها، بدا أن يسوع يشير الى أمله فى أن يحمل على عاتقة الدينونة التى كانت معلقة على الأمة والمدينة.” (كتاب تحدي يسوع لعام 2000 صفحة 62).
لذلك من المنطقي بالنسبة ليسوع، ليس فقط كممثلا ليهوه لكن كالابن الوحيد المولود من الآب، ان يتولى الدور الالهى كمخلصاً لشعبه. فاسمه على أية حال “يهوه يخلص” كما فى متى (1: 21). ليس لأن يسوع كان بطريقة ما الها كائنا مسبقا ومن ثم “تجسد” ناهيك عن وجود صورة ثانية ليهوه. لكن لأنه “كلمة الله المتجسد”، وعلى هذا النحو فانه لا يجسد فقط ملء اللاهوت كما فى رسالة بولس الرسول لأهل كولوسي (2: 9) بل والأهم من ذلك أنه جسَّد المحبة والرحمة الذي يستمر فى اظهارهما لكل البشرية.
يسوع هو يهوه – كما تجمع الدجاجة فراخها (متى 23 : 37)
عبادة يسوع في القرن الأول – جيمس دن – ترجمة: مينا مكرم
عبادة يسوع في القرن الأول – جيمس دن – ترجمة: مينا مكرم
جيمس دن يعترف بعبادة المسيحيين ليسوع في القرن الأول
التقدير العالي جدًا ليسوع والذي سرعان ما أصبح راسخًا في الإيمان المسيحي
تركز البيانات هنا على حقيقة مذهلة مفادها أنه في غضون سنوات قليلة كان المسيحيون الأوائل يتحدثون عن يسوع بمصطلحات إلهية. تأتي أكثر الشهادات صراحة من إنجيل يوحنا. يبدأ بالحديث عن “الكلمة” الذي (لغير العاقل) / الذي (للعاقل) كان في البدء عند الله وكان الله، والذي بواسطته “صُنع كل شيء” والذي / الذي صار جسداً في يسوع المسيح (يوحنا 1: 1-3؛ 14).
تنتهي مقدمة الإنجيل بدعوة يسوع “الابن الوحيد” أو “الله الوحيد” (يوحنا 1: 18)؛ هناك قراءات مختلفة في المخطوطات اليونانية القديمة، ولكن الأخيرة مرجحة. وعلى نفس المنوال، يبلغ الإنجيل ذروته في اعتراف توما الموقر، “ربي وإلهي!” (يوحنا 20: 28). بالإضافة إلى ذلك، يمكننا ببساطة أن نتذكر النظرة السامية جدًا ليسوع التي قدمها يوحنا الإنجيلي. إن احتمال أن تكون هذه وجهة نظر مطورة ليس له أي نتيجة هنا. إن حقيقة حدوث مثل هذا التطور خلال سبعين عامًا من خدمة يسوع هي التي كانت مدهشة للغاية.
لكننا نرى بالفعل في الجيل الأول من المسيحية أنه يتم التحدث عن يسوع بلغة إلهية. ما إذا كان يُدعى “إله” في (رومية 5: 9) لم يتضح أخيرًا من النص. لكنه يُدعى “الرب” طوال الوقت بواسطة بولس. تظهر أهمية هذا اللقب عندما نتذكر أن كلمة “الرب” كانت طريقة الإشارة إلى الله بين اليهود الذين يتحدثون اليونانية في زمن بولس، على الأقل أولئك الذين كان على بولس التعامل معهم.
تشير آية أخرى في رسالة رومية إلى مقدار الوزن الذي يضعه بولس على هذا اللقب – “كل من يدعو باسم الرب يخلص” (رومية 10: 13). في السياق من الواضح أن “الرب” هو يسوع (رومية 9: 10). لكن الآية 13 هي في الواقع اقتباس من العهد القديم (يوئيل 2: 32)، حيث “الرب” هو الله نفسه. افترض إذن أن هناك دمجًا ما بين الله ويسوع أو على الأقل وظائفهما في نظر بولس.
لا ينبغي المبالغة في تقدير هذا الدليل (وقد ذكرنا جزءًا منه فقط). لكي نشعر بثقل شهادتها، علينا أن نتذكر أنه في العالم القديم لم يكن معروفًا بأي حال من الأحوال أن يُنظر إلى الرجال المشهورين (الملوك وأبطال الإيمان والفلاسفة) على أنهم مؤلهون بعد الموت (انظر أدناه ص 71). لكن لا ينبغي التقليل من قيمة البيانات هنا. لأن الشهادة لا تأتي من الوثنيين الذين كان تأليه الإمبراطور أشبه بالصعود إلى “الغرفة العليا”. إنها تأتي من اليهود.
وكان اليهود أكثر السلالات التوحيدية ضراوة في ذلك العصر. لقد كان إصرارهم حازمًا لدرجة أن الله واحد وليس غيره، لدرجة أنهم كانوا يُنظر إليهم غالبًا على أنهم ملحدين! – لأنهم رفضوا الاعتراف بأن إلههم كان مجرد إله واحد من بين آخرين، أو طريقة واحدة للتحدث عن إله شاركوه في الواقع مع الآخرين. بالنسبة لليهودي أن يتحدث عن الإنسان، يسوع، بعبارات تظهره كمشارك في ألوهية الله، كان سمة مدهشة جدًا للمسيحية الأولى.
فيلبي 2: 9-11: ‘… باسم يسوع يجب أن تنحني كل ركبة… وكل لسان يعترف أن يسوع المسيح هو رب… ‘. الأمر المذهل هو أنه يلمح بوضوح إلى أشعياء 23: 45: “لي ستجثو كل ركبة، ويحلف كل لسان”. وهذا يأتي كجزء من واحدة من أقوى التأكيدات التوحيدية في العهد القديم – ‘… أنا الله وليس غيره.. “. (أشعياء 22: 45). “أنا” الآية 23 هو الإله الوحيد الذي لا يوجد غيره.
ومع ذلك، يشير بولس المقطع إلى يسوع. بعبارة أخرى، في غضون ثلاثين عامًا أو نحو ذلك من موت يسوع، تم التحدث عن يسوع بعبارات تشير إلى أن ثورة جذرية كانت جارية بالفعل في المفهوم اليهودي عن الله.
إذا كنا إذن نعمل في مجال تتبع سلاسل السبب والنتيجة، فعلينا أن ندرك هنا “التأثير” المهم للغاية. يتمثل جزء مهم من وزن الدليل في التحقق مما إذا كان بإمكاننا الكشف عن سبب كافٍ لشرح هذا التأثير. من المنظور المسيحي، يجب أن يكون جزء أساسي من السبب هو “قيامة يسوع”. بالنسبة لبولس المسيحي، من الواضح أن الاعتراف بيسوع ربًا قد نشأ عن الإيمان بأن الله أقام يسوع من بين الأموات (رومية 10: 9).
James. D. G. Dunn, The Evidence for Jesus, 61 – 62.
عبادة يسوع في القرن الأول – جيمس دن – ترجمة: مينا مكرم
عبادة يسوع في القرن الأول – جيمس دن – ترجمة: مينا مكرم
قبل ان يكون ابراهيم انا كائن – الدكتور مايكل كروجر
قبل ان يكون ابراهيم انا كائن – الدكتور مايكل كروجر
قبل ان يكون ابراهيم انا كائن – الدكتور مايكل كروجر
أحد أكثر المشاهد المذهلة في انجيل يوحنا ما تم في الاصحاح الثامن من مناقشة القادة اليهود ليسوع. وأعلن لهم الاتي
58 قال لهم يسوع: «الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن».
ليس هناك اي شك ان هذه الآية هي اشارة للاهوت المسيح وذلك بسبب اقترانها بالآية التي تليها.
59 فرفعوا حجارة ليرجموه. أما يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازا في وسطهم ومضى هكذا.
فاليهود فهموا ادعاء يسوع كونه الله. لكن لماذا اعتقدوا بهذا؟ يفترض ان الرب يسوع استخدم ما جاء في خروج 3: 14. اكون الذي اكون
لكن بعيداً عن التحليل اليوناني هناك احتمال آخر لكلمة انا في استخدام يسوع هو ما جاء في سفر اشعياء خصوصا من الاصحاح 40 الي 55.
فهذه الفصول تحتوي على استخدامات مماثلة لكلمة انا للتعبير عن الهوية الالهية لله الواحد الحقيقي. بعض الامثلة
اشعياء 41
4 من فعل وصنع داعيا الأجيال من البدء؟ أنا الرب الأول، ومع الآخرين أنا هو».
اشعياء 43
10 أنتم شهودي، يقول الرب، وعبدي الذي اخترته، لكي تعرفوا وتؤمنوا بي وتفهموا أني أنا هو. قبلي لم يصور إله وبعدي لا يكون.
اشعياء 48
12 «اسمع لي يا يعقوب، وإسرائيل الذي دعوته: أنا هو. أنا الأول وأنا الآخر،
هذه الحالات في لغة اشعياء نجد استخدام كلمة انا للتأكيد على مركزية الله باعتباره الاله الحقيقي. فكلمة انا تعني انا الرب انا واحد في هذه الحالات.
وعلينا ان ننظر نظرة ثاقبة لاستخدام يوحنا لتعبير انا ايجو ايمي لماذا عندما سمع الجنود ايجو ايمي سقطوا على وجههم.
في الدليل السياقي يسوع كان يتكلم مثل الله ما كان يتكلم في اشعياء. من ناحية اخري اجاب الرب يسوع انا هو الشخص الذي تبحث عنه ولكن يقول انا هو الله الوحيد.
في النهاية استخدم يوحنا كلمة انا كاستخدام اشعياء في اعلان الله عن نفسه. فيسوع لا يصور نفسه كاله اخر بل هو ويهوه واحد.
المرجع
Why Does Jesus Use the Phrase “I Am”? Michael J. Kruger
6 أسباب يتطلبها انكار الوهية يسوع – ترجمة جان كرياكوس
6 أسباب يتطلبها انكار الوهية يسوع – ترجمة جان كرياكوس
6 أسباب يتطلبها انكار الوهية يسوع – ترجمة جان كرياكوس
اشراف فريق اللاهوت الدفاعي
يتطلب ذلك رفض ان يسوع كان يصنع المعجزات، والذي هو امر مشهود له بالمصادر القديمة.
يتحتم علينا رفض ذلك رغم قوة البراهين. فهذا امر مشهود له في كل مستويات الطبقات بدءا من مصادر ما قبل العهد الجديد Q, L, M، اثار ما قبل انجيل مرقس، اثار ما قبل انجيل يوحنا، وبمصادر العهد الجديد بإنجيل مرقس، انجيل متي، انجيل لوقا، انجيل يوحنا، ورسائل بولس الرسول، وايضا بطبعة الانجيل الاضافية للكاتب Josephus Flavius.
توجد شهادة عن ذلك برسالة بولس الرسول الاولي الي اهل كورنثوس بالاصحاح 15 تؤسس تقليد يرجع الي خمسة سنوات بعد موت يسوع والذي يتضمن ايضا معجزة قيامة يسوع من الموت. تسجيلات هذا التقليد تضم القبر الفارغ، وظهورات يسوع بعد قيامته للتلاميذ وليعقوب وايضا لبولس. ان عمل يسوع كثير من المعجزات يفسر سبب احتشاد الناس حوله وانجذابهم اليه، ويوضح ذلك Marcus Borg قائلا: “ان احتشاد الجموع حول يسوع يرجع لسمعته كشافي” (1)
في الحقيقة، نحن لو رفضنا المعجزات التي قام بعملها يسوع، فنحن اذن سوف نرفض كل شيء اخر نعرفه عنه. فما أسس مكانته كصانع للمعجزات هو البراهين التي تثبتها. فيما قد يجادل البعض رافضا ذلك فقط لكونهم ضد كل ما هو خارق للطبيعة وخاصة الذي ليس له ادلة تاريخية.
“من الناحية التاريخية، فلا يمكن عمليا انكار ان يسوع كان شافيا ومخرجا للأرواح الشريرة.”
– Marcus Borg (2).
“ان الموروثات القديمة عن يسوع التي تضم روايات للمعجزات التي صنعها. قد تطابقت مع الموروثات الشفهية القديمة. بالإضافة الي تفرد اثباتات المعجزات التي صنعها يسوع من حيث التنوع والعدد.”
– Christopher Price (3)
“معظم المؤرخين والدارسين عن يسوع اليوم، بغض النظر عن توجهاتهم الشخصية لعلم اللاهوت، يقبلون ان يسوع اجتذب اليه الجموع الذين صدقوا انه يشفي ويخرج الارواح الشريرة.
– Craig Keener (4)
“فما عاد حقا يثير الجدل حقيقة ان المعجزات قد لعبت دورا في خدمة يسوع.”
– Craig Evans (5)
قد نحتاج لرفض حقيقة ان قيامة يسوع هي الي حد بعيد أفضل تفسير للحقائق الصغيرة، مثل القبر الفارغ، ظهورات يسوع بعد موته للمتشككين والتابعين، ولـ 500 شخص اخر، واستعدادهم للموت والمعاناة من اجله. كل هذا يشار له “بالحقائق الصغيرة” لأنها مقبولة من الغالبية العظمي من الخبراء في مجالات البحث.
بكل الاحوال، نظرية القيامة توضح بشكل دقيق الحقائق الصغيرة المدرجة أعلي، في حين ان النظريات الواقعية مثل نظرية القبر الخاطئ، نظرية الاغماء، نظرية الهلوسة، نظرية الجسد المسروق؛ جميعهم قد فشلوا في تفسير حقيقتين او أكثر من الحقائق الاربعة. هذا ما يجعل من معجزة قيامة يسوع واحدة من أفضل ان لم تكن أفضل معجزة تاريخية موثقة.
“الاكثر من ذلك، انه لم تقدم اي نظرية واقعية تفسيرا لتلك الحقائق الثلاث التي اجمع على اتباعها عدد كبير من الباحثين.”
– William Craig (6)
قد نحتاج الي انكار حقيقة بولس مضطهد المسيحيين الذي قام بقتل العديد من المسيحيين الأولين، بما فيهم اسطفانوس كما ورد بسفر أعمال الرسل، الذي تحول الي المسيحية بعد ما شاهد المسيح القائم من الموت. قد نعتقد بأنه أخطأ. ولكن ما الذي يمكن ان يؤدي الي هذا التغيير المفاجئ لهذا الرجل الذي كان فريسيا مخلصا في معاداة المسيحية كل ما يرغب فيه هو القضاء على الحركة المسيحية الأولى؟ على الاقل نحن يجب علينا ان نفترض انه صدق انه قد شاهد بالفعل يسوع القائم من الموت في طريقه الي دمشق عندما كان ذاهبا ليقضي على اي وجود للمسيحيين هناك. هذه لم تكن تجربة منعزلة لبولس ولكن قد شاهدها اخرون كانوا في الطريق مع بولس وقد سمعوا ايضا الصوت ولكن لم يستطيعوا رؤية ما شاهده بولس (أعمال الرسل 9: 4). ولقد عانى بولس ايضا بسبب ايمانه بيسوع وقد استشهد من اجله.
“ربما تكون حقيقة ظهور يسوع لبولس من أكثر الحقائق الصادمة. فبولس كان يكره المسيحيين وكان يعتزم القضاء على الكنيسة. فماذا حوله من مضطهدا للمسيحيين الي مبشرا بالمسيحية، احتمل كل ألم من اجل اعلان الانجيل؟ قال بولس ان السبب هو القيامة.”
– Christ Price (7)
قد نحتاج لرفض شهادة يعقوب ابن خالة المسيح نفسه. بدت عائلة يعقوب ويسوع رافضة يسوع كشخص مختل بسبب تعاليمه. انجيل مرقس 3: 21 يخبرنا “ولما سمع اقرباؤه خرجوا ليمسكوه لأنهم قالوا: «انه مختل!». على اي حال، قد ظهر يسوع بعد موته ليعقوب (كورنثوس الاولي 15: 7) الذي انتهي به الآمر قائدا للكنيسة. مما أدي لموت يعقوب رجما. نحن على الاقل يجب ان نستنتج ان يعقوب أمن ان يسوع ظهر حقا له ومن ثم قد عانى ومات من اجله راضيا. يجب ان نحتسب هذه الحقيقة وان القيامة تبررها.
“ربما يؤكد التاريخ ان يسوع قد ظهر لبطرس والتلاميذ بعد قيامته من الموت.”
– GerdLudemann (8)
قد نحتاج لرفض حقيقة التغير الجذري الذي حدث لتلاميذ يسوع أنفسهم الذين كانوا يهود. فليس من الطبيعي ان مجموعة كاملة من اليهود المتشددين، كما هو الحال في التابعين الاوائل ليسوع (وايضا بولس ويعقوب)، ان يختلقوا أمر مخزي كصلب وقيامة المسيح إذا لم يكن قد حدث هذا بالفعل وهم أنفسهم اقتنعوا بحدوثه. فاليهود لديهم نظرة اخري عمن سيكون المسيح. فيجب ان يكون هذا المسيح منتصرا، يسقط قيود حكم وبطش الرومان، ويملك بالقوة. ولكن جاء المسيح في هيئة يسوع، الفلاح البسيط ذو التعليم المحدود، ليس أكثر من مجرد نجار. هذا المسيح الذي مات في النهاية معلقا على صليب – الشيء الذي كان يعتبر رفضا من الله له بحسب الفكر اليهودي (ولهذا السبب كان يضطهد بولس المسيحيين الذين كانوا يدعون ذلك قبل تحوله للمسيحية لان ذلك يعتبر تجديفا بحسب الفكر اليهودي). يخبرنا بولس الرسول ان “ملعون كل من علق على خشبة،” (غلاطية 3: 13) وان “ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبا: لليهود عثرة، ولليونانيين جهالة.” (كورنثوس الاولي 1: 23) قد يحتاج المرء لكثير من الايمان ليفترض فكرة ظهور المسيح مصلوبا من القرن الأول لليهودية.
“ان وصمة العار والخزي المرتبطان بالصلب في العالم الروماني وقتها يصعب التعبير عنه.”
– Martin Hengel (9)
“ان مركز وذروة قصة يسوع ترتكز على الطريقة المخزية لإعدامه وموته، والتي لما كان لها معني لو اخرجناها من إطار توقعات اليهود حول المسيح، بما انهم لم يكن لديهم فكرة عنها.”
– Tim O’Niell (10)
هكذا فنحن على الاقل يجب ان نستنتج ان ظهورات يسوع لتلاميذه بعد موته، ولبولس ويعقوب المتشككان، قد اقنعتهم. حدثت هذه الظهورات في مواقف متعددة، كانت ذات طبيعة جسدية (توما لمس يسوع، تناول يسوع الطعام مع التلاميذ وهكذا)، وقد ظهر لمجموعات منهم. هذا يحتاج توضيحا.
“لقد أمنوا بهذا، لقد عاشوه، ولقد ماتوا من اجله.”
– E. P. Sanders (11)
“لذلك السبب، انا كمؤرخ، لا أستطيع ان أفسر ظهور المسيحية الأولى إذا لم يكن يسوع قد قام بالفعل تاركا قبره فارغا.”
– N. T. Wright (12)
يجب ان نعتقد بأن يسوع كان رجلا مختلا. الحقيقة ان يسوع لم يترك لنا اي اختيارات اخري مفتوحة لنا، كما علق مختصرا S. Lewis الملحد الذي تحول الي المسيحية:
“انا احاول هنا ان امنع اي شخص من قول الشيء الاحمق الذي غالبا ما يردده الناس عنه: انا مستعد ان اقبل يسوع كمعلم اخلاقي عظيم، ولكن لا اقبل ادعاءه بكونه الله. هذا هو الشيء الذي يجب ان لا نقوله. ان رجلا لم يكن سوي رجلا عاديا وقال مثل هذه الاشياء التي قالها يسوع الا يكون معلما اخلاقيا عظيما. انه اما ان يكون مجنونا – على نفس مستوي الرجل الذي قال انه بيضة مسلوقة – اوان يكون الشيطان. يجب عليك ان تختار.
اما ان يكون هذا الرجل هو ابن الله، اوان يكون رجلا مختلا او ما هو اسوأ. يمكنك ان تنعته بالأحمق، يمكنك ان تبصق عليه وان تقتله اوان تسجد عند قدميه وتدعوه السيد والله، ولكن دعونا لا نستخف بكونه معلما عظيما. فهو لم يترك لنا هذا الامر محل جدال. لم يعتزم ذلك” (13).
ما علينا تقبله هواننا إذا رفضنا الوهية يسوع هوانه كان شخصا مختلا. هل يستطيع شخصا مختلا ان يؤثر في اليهود المتدينين حوله حتى يجعلهم يتبعونه، وان يعتنق بعض منهم المسيحية بدلا من ديانتهم اليهودية؟ هل يستطيع يسوع ان يصنع كل المعجزات والاشياء الملهمة التي فعلها في ثلاث سنوات لوكان شخصا مختلا؟ هل يستطيع شخصا مختلا ان يحدث كل ذلك الاضطراب في وسط المجمع الديني اليهودي حتى يصل به الحال ان يصلب؟ ان تصديق هذا كتفسير يعتبر من السذاجة.
الخلاصة.
اعتقد اننا قمنا بتصور ما كان قد يحدث إذا رفضنا ادعاءات يسوع والوهيته. هذه القائمة ليست كاملة ولكنها كافية لغرضنا. فنحن نحتاج ان نرفض مكانة يسوع كصانع معجزات وهذا سوف حتما يكون بسبب انحيازنا لرفض كل ما هو خارق للطبيعي. سوف نحتاج ان نرفض نظرية القيامة حتى لو كانت تفسر الحقائق الصغيرة. سوف نحتاج لان نرفض الحقائق الواضحة لشهادة بولس ويعقوب، حتى لو كانوا ضد يسوع نفسه.
ان بولس نفسه كان يقتل المسيحيين قبل ان يصبح هو نفسه مسيحيا بعد ظهور يسوع له. فأن بولس ويعقوب قد استشهدوا نتيجة لإيمانهم بيسوع. سوف يكون علينا رفض شهادة التلاميذ، ثم افتراض ان حادثة صلب المسيح أطلقها الفكر اليهودي بالقرن الاول. وايضا سوف نحتاج لان نرفض استعداد التلاميذ لاحتمال المعاناة من اجل المسيح وان نعتبر انهم ارادوا التضحية من اجل كذبه اووهم. واخيرا، نحتاج لان نستنتج ان يسوع كان مختلا وان نثبت ذلك من تعاليمه إذا لم تكن حقيقية.
المراجع.
1. Borg, M. The Mighty Deeds of Jesus.
2. Borg, M. 1991. Jesus, A New Vision: Spirit. P. 61.
3. Price, C. 2004. The Miracles of Jesus: A Historical Inquiry.
4. Keener, C. Will the Real Historical Jesus Please Stand Up?
5. Evans, C. 1993. Life-of-Jesus Research and the Eclipse of Mythology. P. 34
6. Craig, W. 2012. Stephen Law on the non-existence of Jesus of Nazareth.
7. Price, C. 2015. Resurrection: Making Sense of Historical Data.
8. Ludemann, G. 1996. What Really Happened? P. 80.
9. Martin, H. 1977. Crucifixion.
10. Tim in an answer to “Do credible historians agree that the man named Jesus, who the Christian Bible speaks of, walked the earth and was put to death on a cross by Pilate, the Roman governor of Judea?”
11. Sanders, D. 1993. The Historical Figure of Jesus. P. 279-280
12. Wright, N. 1993. “The New Unimproved Jesus” in Christianity Today. P. 26.
13. Lewis, C. 1952. Mere Christianity. P. 54-56.
6 أسباب يتطلبها انكار الوهية يسوع – ترجمة جان كرياكوس
هل المسيح هو الله حقّاً؟ فحص أقواله وأفعاله وشهود العيان
هل المسيح هو الله حقّاً؟ فحص أقواله وأفعاله وشهود العيان
هل المسيح هو الله حقّاً؟ فحص أقواله وأفعاله وشهود العيان
رئيس أساقفة كانتربري: “يسوع المسيح هو ابن الله حقًّا”.
جاين فوندا: “ربَّما كان هكذا في نظرك. أمّا في نظري فلا!” رئيس الأساقفة: “حسناً، إمَّا هو ابن الله، وإمَّا ليس ابنه”.
محادثة في برنامج حواريّ (في “البحث عن الإيمان”، سي استيفان إيفانز)
“عندما يكفُّ المرء عن أن يؤمن بالله، فهو لا يؤمن بلا شيء. إنَّه سيؤمن بأيِّ شيء”. الأديب البريطانيُّ ج. ك. شسترتُن
لقد واجه المسيح مهمَّة فائقة الصعوبة. فإنَّه وُلد في عائلة يهوديَّة قبل ألفَي سنة، وتربَّى في بلدة الناصرة الصغيرة في فلسطين، تلك الولاية النائية وغير المهمَّة بين ولايات الإمبراطوريَّة الرومانيَّة آنذاك. ودلَّ كلُّ مؤشِّر معروف على أنَّه نشأ صبيٍّ سويٍّ “كان يتقدَّم في الحكمة والقامة والنِّعمة عند الله والناس”.[1] على أنَّه لمَّا كان في نحو الثلاثين من العمر، وقف في مجتمع بلدته وأعلن ما فحواه: “لطالما كنتُ أنوي أن أقول لكم أمراً: إنِّي أنا الله!”.
لو أنَّ أحدًا من أصدقائي أو زملائي صرَّح تصريحًا كهذا، لكنتُ إمَّا أضحك وإمّا أبكي. إذ كنتُ أفترض أنَّه يمزح أو فقدَ صوابه! فماذا يجعل تصريح المسيح هذا مختلفًا أيَّ اختلاف؟ إن الطريقة الوحيدة التي تُتيح لي أن أنظر جدِّيًّا في تصريحٍ كهذا هي أن يُقدِّم لي قائلُه دليلاً قويًّا يؤيِّده. فلا بدَّ أن تُقدَّم لي بعضُ الأسباب التي تُبرهِن صدقيَّة الرجل.
هذا هو موقعُنا في فحصنا أيضًا. فقد تبيَّن لنا في الفصل الثاني أنَّ لدينا كلَّ سبب يحملنا على أن نثق بما رواه الإنجيل عن حياة المسيح باعتباره مصدرًا ثقةً لوقائع تاريخيَّة. وعليه، ففي وسعنا أن نستخدم مضمون الإنجيل للنظر في الدعوى المسيحيَّة القائلة إنُّ المسيح هو الله.
وما أنا بصدده ميدانٌ مألوفٌ لديَّ. ففي خبرتي المهنيَّة في حقل عِلم التبيُّؤ (دراسة علاقة الكائنات الحيَّة ببيئتها)، أصطحب طُلّابي أحيانًا إلى الميدان لتزويدهم بمعرفة مباشرة بشأن موضوع الدَّرس. وهذا ما أنوي أن أقترح القيام به بالنسبة إلى دعوى كون المسيح هو الله: القيام برحلة ميدانيَّة. ففي وسعنا أن نفحص بأنفسنا صدقيَّة هذه الدعوى بمرافقة شهود العيان عبرَ مَرويَّاتهم، وبسماعنا بآذاننا ما صرَّح به المسيح، ورؤيتنا بعيوننا ما فعله.
إنَّ الكلمات التي استخدمتُها آنفاً للتعبير عمَّا أعلنه المسيحُ في بلدته لم تكن اقتباسًا مباشرًا من كتاب العهد الجديد. وفي الواقع أنَّه يمكن الاحتجاج بأنَّ المسيح لم يُصرَّح في تلك المناسبة قطٌّ بأنَّ له طبيعةً إلهيَّة. فالحادثة كما هي مُدوَّنة في رواية الطبيب لوقا تُبيِّن أنَّ يسوع قرأ من سِفر إشعياء في كتاب العهد القديم.[3] وقد كانت هذه نبوَّةً معروفة جيِّدًا اعتقد اليهود أنَّها سوف تتمُّ في شخصِ المسيح، عند مجيئه. وقد ختم يسوع كلامه بقوله: “إنَّه اليوم قد تمَّ هذا المكتوب، في مسامعكم”. بعبارة أُخرى، قال المسيح: “ها أنذا هنا، مُستعدِّين كنتم أم لا!” فإنَّه كان يُصرِّح بأنَّه المسيحُ المُتنبَّأ به.[4]
لقد كان هذا تصريحًا قويًّا، تصريحًا تفوَّه به المسيح أيضًا في مناسبات أُخرى.[5] تُوضح هذا استجابةُ الذين سمعوه في ذلك اليوم: “أليس هذا ابن يوسف؟” وقد حفزت تساؤلاتهم يسوع على توقُّع ما من شأنه أن يكون توقُّعًا منطقيًّا في تلك الظروف، إذ قال: “على كلِّ حال، تقولون لي هذا المثل: “أيُّها الطبيب اشفِ نفسك…” وكان هذا مُوازيًا لقولنا اليوم: “بَرهِنْ ما تقوله!” ويتَّضح من سياق النصِّ أنَّ الناس رفضوا، وقتيًّا على الأقلّ، دعوى يسوع بأنَّه هو المسيح. فمَن كان على حقّ؟ البيِّنات الإضافيَّة وحدها يمكن أن تُجيب عن هذا السؤال.
الربُّ الإلَه
ومهما يكُن، فإنَّ كون يسوع هو المسيح أو لا، مقارنةً بالمسألة التي أُثيرت في محاورة حصلت بين يسوع والفرِّيسيِّين، بدا أمرًا شاحبًا. ففي تلك المحاورة تحدَّى تعليمهم أنَّ المسيح ستكون له فقط طبيعةٌ بشريَّة. ويسجِّل متَّى تعليل يسوع صراحةً:
وفيما كان الفرِّيسيُّون مجتمعين، سألهم يسوع قائلاً: “ماذا تظنُّون في المسيح: ابنُ مَن هو؟” قالوا له: “ابنُ داود”. قال لهم: “فكيف يدعوه داود بالروح “ربًّا”، قائلاً: “قال الربُّ لربِّي”… فإن كان داود يدعوه “ربًّا”، فكيف يكون ابنه؟” فلم يستطع أحد أن يجيبه كلمة…[6]
إنَّ بيت القصيد في هذا السؤال هو أنَّ إذا كان داود في المزمور الذي يتضمَّنه كتابُ العهد القديم يُشير إلى المسيح بوصفه ربًّا، فلا بدَّ إذًا أن يكون المسيح أكثر من مجرَّد سليل طبيعيٌّ لداود. والعبارة التي استعملها داود هي “يهوه قال لأدوناي” (الربُّ قال لربِّي). وكِلا الاسمين من أسماء الله، بحيث يمكن ترجمة العبارة هكذا: “الله قال لإلَهي”. ويُطلِق داود اللفظة الثانية على المسيح، الآتي من نسله. فإنَّ المسيح كان يُريهم كيف يكون غيرَ مناسب وغيرَ صحيح أن يُشير داود إلى أيِّ كائن بشريٍّ آخر مستخدمًا اللقب الإلهيّ “الربّ”. وكما يقول العالِم تاسكر: “إنَّ المسيح – بعبارةٍ أخرى – رُغم كونه من نسل داود، هو أيضاً ذو أصلٍ إلَهيّ”.[7] ولماذا يتطرَّق يسوع إلى هذا الأمر إلَّا لكي يُصحِّح غلطةً في تعليمهم عن طبيعة المسيح؟ من الواضح أنَّه أراد لهم أن يفهموا أنَّه الله وإنسانٌ معًا من حيث كونُه مسيحهم أو مُخلِّصهم الموعود به.
ولكنْ لماذا كان المسيح متخفّيًا؟ هل قام مرَّةً وقال توًّا إنَّه هو الله؟ لقد حصل ذلك فعلاً في إحدى المناسبات، إذ سأله القادة الدينيُّون صراحةً: “مَن تجعل نفسك؟” فقال في ما قاله: “الحقَّ الحقَّ أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم، أنا كائن“. وحين نعلم أنَّ إبراهيم عاش قبل المسيح بنحو ألفَي سنة، يمكننا أن نفهم سؤالهم: “ليس لك خمسون سنةً بعد، أ فرأيتَ إبراهيم؟” فإنَّ المسيح كان هنا يُصرِّح بسَبْق وجوده، أي بأنَّه عاش قبل إبراهيم. وولادته طفلاً في بيت لحم لم تكن هي بدايته. وبالحقيقة إنَّ صياغته لجوابه بصيغة المضارع المستمرّ تُلمِّح أنَّه لم تكن له أيَّة بداية على الإطلاق.
وأهمُّ من هذا بكثير أنَّ يسوع استخدم لقب ” أنا كائن” (أو “أنا هو”) بالإشارة إلى ذاته. فقد كان هذا أحد أسماء الله التي يتضمَّنها كتابُ العهد الجديد.[9] وأنْ يفعل أيُّ إنسانٍ هذا كان أمرًا غير مسبوق. فقد كان معاصرو يسوع من اليهود يتهيَّبون أن يلفظوا اسم الله مجرَّد لفظ، خشية أن تدنِّسه شفاهُهم غيرُ الطاهرة. غير أنَّ يسوع لم يكتفِ بأن يلفظه بشفتيه، بل أيضًا استخدمه في بطاقة هويَّته الشخصيَّة، إن جاز التعبير.
ثمَّ إنَّ سياق الكلام في النصّ يدعم هذه النظرة أيضًا. فإذ سمع القادة الدينيُّون جواب المسيح، حاولوا أن يرجموه بالحجارة حتَّى الموت. وفي هذا دليلٌ واضح على أنَّهم فهموا ممّا قاله أنَّه ينسب الأُلوهة إلى نفسه، بما أنَّ مثل هذه الدعوى وحدها تُعتبر تجديفيَّة وتستوجب الموت بمقتضى شريعتهم.
طُلب إلى يسوع أو يُوضح هويَّته، في مناسبات أُخرى أيضًا. ففي عيد التجديد (تدشين الهيكل) شتاءً، سُئِل أيضاً: “إلى متى تُعلِّق أنفسنا؟ إن كنتَ أنت المسيح، فقُل لنا جهرًا”. وتضمَّن جوابُه هذه العبارة: “أنا والآب واحد”. فماذا عنى بذلك، يا تُرى؟
أحدُ الإحتمالات أنَّ الآب ويسوع هما “الشيءُ نفسُه تمامًا”. ومن شأن هذا أن يعني أنَّه بينما كان يسوع على الأرض، لم يكن في السماء أيُّ شخصٍ يعتني بالكون. فهما الشخصُ نفسُه. وهنا تفيدنا قواعدُ اللغة اليونانيَّة. كانَ يجب أن تكون الكلمة “واحد” بصيغة المذكَّر لو كان هذا هو المعنى المقصود. ولكنَّها ليست كذلك، فهي حِياديَّة الجنس (لا مذكَّر ولا مؤنَّث).
ويمكن أن تعني حياديَّة الجنس “على وفاق” أو “في انسجام”. ومن شأن هذا أن يكون موازيًا بعض الشيء لقولي إنِّي كنتُ في مشيئة الله. ولكنَّ سياق النص يُعارِض هذا. فلو كان هذا هو ما عناه المسيح، ما كان في وسعهم تسويغ عقوبة الإعدام الذي سعَوا إليه بوضوح إذ حاولوا رجمه بالحجارة. وكون المرء على وفاقٍ مع الله أو في إنسجام معه أمرٌ كان ينبغي لهم جميعاً أن يرغبوا فيه.
إنَّ مُعاصِري يسوع الذين تكّلَّموا اللغة عينها وشاركوه في الحضارة حينها كانوا في أحسن موقع يمكِّنهم من أن يعرفوا ما قصده بالتعبير “واحد”. وما فهموه واضحٌ في ما قالوه: “لسنا نرجمك لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديف: فإنَّك، وأنت إنسان، تجعل نفسك إلَهًا”. فالكلمة “واحد” هنا تعني “وحدة الجوهر”، أي أنَّ يسوع والآب متساويان. فإنَّ ليسوع جميعَ سجايا الآب الإلهيَّة. وهذا يوافق قواعد اللغة وسياق الكلام تمامًا، كما يفسِّر ردَّة فعل الفرِّيسيِّين العنيفة.
في أثناء سِني بحثي عن أجوبة، أتذكَّر تفكيري أنَّ يسوع كان، إلى أبعد الحدود، مثلَ أيِّ إنسانٍ آخر تمامًا. مثلاً، كان حديثه ينمُّ عن حكمة، إلَّا أنَّه لم يبدُ دالاًّ على انتسابٍ إلى الأُلوهة. وقد ساءلتُ نفسي عمَّا يدفع أيُّ امرئٍ إلى الإعتناء بإضفاء الأُلوهة عليه. ثمَّ أدركتُ لاحقًا أنَّني وقفتُ ذلك الموقفَ بدافعٍ من الجهل؛ أعني أنَّني لم أكن وافيَ الإطِّلاع على تعليم المسيح بحيث أعرف أفضل من ذلك. وفي ما بعد، حين بدأتُ أقرأ قِصَص الإنجيل، أدركتُ أنَّ قدرًا كبيرًا من تصريحاته لا يمكن أبدًا أن يكون على نحوٍ صحيح جزءًا من حديث أيِّ شخصٍ آخر.
حاول مثلاً أن تستخدم بعضًا من كلمات يسوع على أنَّها كلماتُك الخاصَّة في حديثك مع جارك المقيم في جوارِك: “أنتم من أسفل، أمّا أنا فمن فوق…” فلا بدَّ أن تسترعي انتباهه حتمًا، إلاَّ إذا كنتُ تسكن في شقَّة تقع في طابقٍ أعلى. وإذا أضفت ما قاله يسوع بَعد: “أنتم من هذا العالم، أمَّا أنا فلستُ من هذا العالم”، فقد تَضطرُّ جارك إلى الإسراع طلبًا للنجدة! ليست هذه تصريحات إنسان عاديّ. فأنْ تدَّعيَ أنَّك من عالَم آخر، ثم تُردِف قائلاً إنَّه إن لَمْ يؤمنِ الناس بأنَّك أنت الله (“أنا كائن”) يموتون في خطاياهم وينفصلون عنِ الله إلى الأبد إنَّما هو مجلبةٌ للهزء والسخرية… إلاَّ إذا استطعتَ بطريقةٍ مّا أن تؤيِّد دعواك بالبرهان.
تصوَّرْ نفسك جالسًا في استراحةٍ وسط مركز تجاريٍّ مزدحم. وإذا بك تُومئ لبضعة أشخاص كي يأتوا إليك، وتسألُهم بحرصٍ هل يرغبون في أن يعيشوا إلى الأبد. فإذ يؤخذون على حين غِرَّة، يُحدِّقون إليك في وجوم. ثمَّ تؤكِّد لهم أنَّهم إذا راقتهم فكرة حيازة الحياة الأبديَّة، بعد انعدام النظر فيها، يستطيعون أن يطلبوك فتمنحهم إيّاها. فأنا أشكُّ في أن يخلبَ لبَّك الزِّحامُ أمام مدخل بيتك!
غير أنَّ ذلك بعينه هو ما قاله يسوع: أنَّ في وسعه إعطاءَ الحياة الأبديَّة لمن شاء هو أن يُعطيَه إيَّاها. فلمرثا ومريم المكتئبتين لفقدان أخيهما العزيز لعازر، قال الربُّ يسوع: “أنا هو القيامة والحياة: مَن آمن بي – ولو مات – فسَيحيا؛ وكُلُّ مَن كان حيًّا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد”. فماذا يُحدِث الفرقَ بين قوله هو هذا وقولك أو قولي إيّاه؟ لا شيءَ سوى أن يتمكن واحدٌ منّا من تقديم الدليل على كونه يستطيع ذلك فعلاً! وذلك بعينه هو ما فعله يسوع، إذ أقام لعازر من الموت حيًّا أمام عددٍ كبير من شهود العِيان.
تخيَّل أنَّك ذهبت إلى مؤتمرٍ يجتمع فيه رؤساء دُوَل العالم كلُّهم، ثُمَّ نظرتَ إليهم وجهًا لوجه وقلتُ: “لقد أُعطِيتُ كلَّ سلطةٍ في السماء وعلى الأرض”. إنَّ هذا تصريحٌ آخر من تصريحات يسوع البشريَّة “العاديَّة”، ومفهومٌ أنَّ لا بدَّ أن يُشكِّل تحدِّيًا مُهينًا للإمبراطوريَّة الرومانيَّة العظيمة في أيَّامه. وأعتقد أنَّني لا أُجافي الحقيقة إذا ارتأيتُ أنَّه لو جرى بعضٌ ممَّا قاله يسوع على ألسنتنا اليوم، لكُنَّا مُرشَّحين رئيسيِّين لأنْ نُحتجَز أو نُعالَج بسبب الاضطرابات النفسيَّة. وفي الحقيقة أنَّ المسيح مات فعلاً بسبب تصريحاته. فعلى مرِّ التاريخ حُكم على أشخاصٍ بالإعدام بسبب ما فعلوه، كجريمةٍ ارتكبوها مثلاً. غير أنَّ المسيح صُلب بسببِ ما نسبه إلى نفسه: ” … يجب أن يموت، لأنَّه جعل نفسه ابن الله”.[14]
من رحلتنا الميدانيَّة حتّى هذا الحدّ، لا يمكن أن يُخامِرنا كثيرٌ من الشكّ في أنَّ أحد الأسباب التي تحمل المسيحيِّين اليوم على أن يعتقدوا أنَّ المسيح هو الله يكمن في أنَّ أولئك الذين رافقوه قبل ألفَي سنة أخبرونا أنَّه صرَّح بأنه هو الله. ومُعطَيات حياته التي دوَّنها شهود العيان مُقنِعة للغاية. حتَّى إنَّ ألبرت شفايتزر، رغم كونه اعتقد أنَّ يسوع أساء فهم طبيعته الخاصَّة، أقرَّ بأنَّ البيِّنات المؤيِّدة لدعواه بأنَّه الله كانت جيِّدة. وقد كان إشكاليِّة أُطروحته التي قدَّمها كي يُمنَح شهادة الأستاذيَّة، في ستراسبورغ بفرنسا، كيف يمكن أن يكون المسيح سليم العقل ومع ذلك يقول إنَّه الله.[15] والرسم 1 يُلخِّص بيِّنات دعاوي المسيح.
خلاصة لدعاوٍ مُختارة أطلقها المسيح
لوقا 4: 14-21؛
يوحنّا4: 25 و 26
أنَّه المسيح (المُخلِّص المُنتَظَر)
يوصف المسيح أيضًا بكونه “إلهًا قديرًا”
و “أبًا أبديًا” في إشعياء 9: 6.
1
متّى 22: 41-42
أنَّه الرب الإلَه
المسيح من نسل داود وذو أصل إلهيّ.
2
يوحنّا 8: 53- 59
أنّه “أنا الكائن”
كان موجودًا قبل إبراهيم ويمكنه بحقٍّ أن يُسمَّى “الله”.
3
يوحنّا 10: 30-33
أنَّه والآب واحد
هو واحدٌ “في الجوهر” ، له جميعُ السجايا الإلهيِّة.
4
يوحنّا 8: 23 و 24
أنَّه من فوق وليس من هذا العالم
هو ذو أصل سماويّ.
5
يوحنّا 5: 21؛ 10: 27 و 28
أنَّه يستطيع إعطاء أيِّ إنسانٍ الحياة الأبديَّة
له الحقّ في إعطاء أتباعه الحياة الأبديَّة والسلطان والقدرة على إعطائها.
6
متّى18: 28؛
يوحنّا19: 7
أنَّه صاحب كلِّ سلطان في السماء وعلى الأرض
هو ابن الله المُطلَق السلطان في كلِّ مجال.
7
الرسم 1
بيَّنة أفعال المسيح
كثيرون زعموا أنَّهم آلهة. حتَّى إنَّ القدِّيسين الهندوسيِّين يستطيعون اجتذاب جماهيرَ بقوًى سحريَّة مزعومة. ولكنَّ حياتهم، دائمًا أبدًا، تُقصِّر عن مستوى الأُلوهة، فيفقدون مصداقيَّتهم لدى أتباعهم. ولكنَّ يسوع هو الاستثناء. فكلَّما طال الوقت الذي قضاه الناس معه، ازدادوا يقينًا بأنَّ دعاويه صحيحة. في هذه النقطة تُضفى على فكرة رحلتنا الميدانيَّة أهميَّةٌ خاصَّة. ففي وسعنا أن نرى يسوع بعيون أولئك الذين مشَوا معه. وقد دوَّن لوقا تاريخ ما فعله يسوع على مدى سنتين تقريبًا في أعقاب رفض الشعب لتصريحه في الناصرة. وفي أثناء تَينِكَ السنتين غيَّر كثيرون أفكارهم فيه. وتحوُّلهم من الشكوكيَّة إلى القبول مؤثِّرٌ ورائع. فماذا غيَّر أفكارهم؟
إنَّ الجواب عن هذا السؤال واضحٌ جليًّا لكلِّ من يأخذ على مَحمِل الجِدَّ تاريخ روايات الكتاب المقدَّس لسيرة حياة يسوع. فشهود العيان يروون أمورًا فعلها كانت مُذهِلة. وكثيرون من معاصريه اقتنعوا من هذه الأحداث فآمنوا بطبيعته الإلهيَّة، رغم أنَّهم كانوا مُعَدِّين سلفاً للوقوف ضدَّ هذا الاستنتاج. وإذا شئنا، ففي وسعنا الآن أن ننظر بأنفسنا إلى ما رأوه يفعله. فإنَّنا سنكمل رحلتنا الميدانيَّة.
تأسرنا عدَّة أحداثٍ مما رواه لوقا في إنجيله. فبعدما أعلن يسوع في الناصرة أنَّه هو المسيح، ذهب إلى كفرناحوم الواقعة على الشطِّ الشماليِّ الغربيِّ من بحر الجليل. وهُناك، في بيتٍ يُرجَّح أنَّه كان للرسول بطرس، اجتمع كثيرون من القادة الدينيِّين المقتدرين جدًا، من فرِّيسيين وعُلماء شريعة (كَتبة). ولأنَّ الحشود حالت دون الاقتراب من الموقع، عمد بعض الرجال الحاملين مفلوجًا على نقّالة إلى تقديمه ليسوع من خلال نقرةٍ أحدثوها في سقف البيت. وفي الحال إستجاب يسوع للمفلوج بالقول: “يا صاح، خطاياك مغفورةٌ لك!” فاستاء الفرِّيسيُّون والكتبة من ذلك: “مَن هذا الإنسان الذي ينطق بتجاديف؟ مَن يقدر أن يغفر الخطايا إلاَّ الله وحدَه؟ “فما الذي حملهم على وقوف هذا الموقف الهجوميّ؟
تصوَّرْ أنَّه بينما كنت أُكلِّم جماعةً، هبَّ أحدُهم واقفًا، واندفع نحو المنصَّة، ثمَّ ألقاني أرضًا بضربةٍ قاسية. ثمَّ ما لبث أن تغيَّر قلبُه، فاعتذر مرارًا وتكرارًا، وتوسَّل إليَّ طالبًا المغفرة. فإذا غفرتُ له، فهل يُرجَّح أن باقيَ مُستمِعيَّ يتَّهمونني بالتجديف أو الكُفر، لاغتصابي حقًا من حقوق الله؟ لن يكون ذلك مستبعدًا فحسب، بل يُرجَّح أن يُطروني على خيَّريتي أيضًا. ولكنْ، على نحوٍ ما، كانت الظروف في وضع يسوع مختلفةً فعلاً عنها في مشهدي الخياليّ. فلأُحاول مرَّةً أُخرى بعد .
بيت بطرس
عبرَ الشارع تمامًا، مقابل مجمع كفرناحوم، بُني الأساس السُداسيُّ الأضلاع لمبنًى يعود إلى القرن الخامس م على الخرائب التي ما تزال ظاهرة والتي بقيت من بيت الرسول بطرس .
يكاد شخصٌ أخر من مُستمِعيَّ أن يصرعني مرَّةً ثانية، فيعتذر إليَّ عن ذلك. ولكنْ قبل أن أتمكَّن من الإجابة، يتقدَّم شخصٌ آخر غيره و يقول للذي ضربني: “أُريد منك أن تعرف أنَّني أغفر لك ضربَك لِدُن!” فحتَّى في حال ضعضعتي، لا بدَّ أن أسأل عن علاقة هذا الفريق الثالث بالمسألة. ذلك أنَّ الإساءة وُجهَّت إليَّ، ومن حقِّي أنا وحدي فقط أن أُبديَ المغفرة. فهذا الفريق الثالث ليس في موقعٍ يخوِّله أن يغفر ولا حقَّ له بأن يفعل ذلك. والآن، بالنسبة إلى الفرِّسيِّين وعلماء الشَّرع، كان يسوع هو هذا الفريق الثالث. فمن غير المرجَّح أنَّه رأى هذا الرجل سابقًا ذات مرَّة. وبحسب عِلمنا، لم يكن ذلك الرجل قد فعل ليسوع ما يستوجب أن يطلب منه المغفرة عنه. ومهما كانت الخطيَّة التي وُجدت في حياة هذا المفلوج فهي إنَّما كانت معصيةً موجَّهةً ضدَّ الله. وعليه، فإنَّ الله ينبغي أن يبذل الغفران! وبما أنَّ القادة الدينيِّين لم يكونوا قد فهموا أو قبلوا أنَّ يسوع هو الله، فقدِ استنتجوا منطقيًّا أنَّه أذنب بالتجديف، لكونه – وهو فريقٌ ثالثٌ – قدِ اغتصب الموقع والحقَّ الخاصَّين بالله وحده دون سواه.
أضِف إلى ذلك أنَّهم بلا شكِّ كانوا يفكِّرون بأنَّ هذا كان مجرَّد كلام باطل. فهم لم يصدِّقوا أنَّه قد أزال فعلاً خطايا المفلوج. وبعدُ، فإنَّه لأمرٌ صعبٌ بالحريِّ أن تُثبِت بصورةٍ مرئيَّة أنَّك قد غفرت خطايا إمرئٍ ما. ولكنْ في هذه الحادثة وُجِدت طريقة. فإنَّ لوقا يُسجِّل ردَّ يسوع للتحدِّي:
“ولكِنْ لكي تعلموا أنَّ لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا” – قال للمفلوج – “قم واحمِل فِراشك، واذهب إلى بيتك”. ففي الحال قام أمامهم وحمل ما كان مضظجعًا عليه، ومضى إلى بيته وهو يمجِّد الله. فأخذت الجميعَ حيرةٌ ومجَّدوا الله وامتلأوا خوفًا، قائلين: “إنَّنا قد رأينا اليوم عجائب!”[17]
إنَّ شفاء مشلولٍ في الحال وصرفَه إلى بيته حاملاً فِراشَه هو في ذاته أمرٌ مُذهِل. ولكنْ كيف برهن هذا أنَّ يسوع قد نزع خطايا الرجُل؟ لقد بدا أنَّ الجماعة الواسعي المعرفة اقتنعوا تمامًا. ويكمن الجواب في فهم مُعتقَد معيَّن كان يعتنقه اليهود يومذاك. ذلك أنَّهم كانوا يَرون علاقةً مباشرة بين الخطيَّة وما يعقبها من قصاص في صورة الألم والمعاناة ونحوهما.
فعلى صورة معادلة كان من شأنهم أن يقولوا:
وجود الخطيَّة يؤدِّي إلى عاقبة الخطيَّة
بعبارةٍ أُخرى، لو كنت أصعد درجًا مع جماعة من أترابي اليهود في القرن الأول م، وتأذّيت بسبب زلَّة لأحتشدوا حولي وسألوني أيَّةَ خطيَّة إرتكبتُ مؤخَّرًا! وهذا التوجُّه العقليُّ يوضحه أيضًا تلاميذ المسيح في مناسبة أُخرى، لمَّا سألوه عن كون بلوى المولود أعمى ناتجةَ من خطيَّة أبويه أو خطيَّته هو.[18] وعليه، فلما جيء بالمفلوج إلى يسوعٍ على نقَّالة، رأى القادة الدينيُّون في شلله عاقبةً لخطيَّته. وقد يسَّر ذلك فرصةً ليسوع كي يُبرهِن إزالة خطيَّة الرجل على نحوٍ كفيل بأن يُقنِعهم، أي بشفائه إيّاه. فإذا كان وجود الخطيَّة قد سبَّب وجود الشلل، فإنَّ إزالة الشلل تعني إزالة الخطيَّة التي سبَّبته.
إزالة عاقبة الخطيَّة تُبرهِن إزالة الخطيَّة التي سبَّبتها
وكان ردُّ الفرِّيسيين وعُلَماء الشرع: “إنَّنا قد رأينا اليوم عجائب”. ولئنِ استخدم المسيح مثل هذا المنطق لتلبية احتياجهم إلى برهانٍ صريح على سلطته الإلهيَّة في ذلك اليوم، فإنَّه لم يُشارِكهم فعلاً في نظرتهم التبسيطيَّة بشأن العلاقة بين الخطيَّة وعواقبها.[19]
السُّلطة على الموت
في قرية نايين بجنوب الجليل، لاقى يسوع موكب جنازة متوجَّهًا إلى دفن ابن وحيدٍ لأُمِّه الأرملة. وما فعله يسوع إذ ذاك مدوَّن في إنجيل لوقا:
فلمَّا رآها الربّ، تحنَّن عليها وقال لها: “لا تبكي!” ثمَّ تقدَّم ولمس النعش، فوقف الحاملون. فقال: “أيَّها الشابّ، لك أقول: قُم!” فجلس الميت وابتدأ يتكلَّم. فدفعه إلى أمِّه. فأخذ الجميعَ خوفٌ ومجَّدوا الله …..[20]
أمرٌ مخيفٌ حقًّا. فلو كنتُ حاضرًا حين جلس هذا الشابُّ في نعشه،لاستدعى الأمرُ أن أبحث عن مكانٍ أقعد فيه! لقد فاض قلب يسوع حنانًا على الأرملة، وأقام ابنها من الموتِ حيًّا. وكثيرون آخرون من الذين شهدوا ذلك اليوم تحنَّنوا أيضًا. ولكنْ كان البكاء هو كلَّ ما استطاعوا فعله. فالهوَّة بين الطَّرفين هائلة. والطريقة الوحيدة لمنع الحادثة أن تُغيِّر نظرة كل شخص في يسوع تغييرًا جذريًّا هي إنكارُ ما حدث فعلاً. ولكنْ على أيِّ أساس؟ إنَّ الأناجيل هي الأكثر موثوقيَّةً وصدقيَّةً بين جميع المدوَّنات القديمة. وقد أدرك الذين شاهدوا هذه المعجزة يومذاك أنَّ يسوع شخصٌ فريد، كما تُبيِّن تعليقاتُهم من قبيل “قد قام فينا نبيٌّ عظيم” و”افتقد الله شعبه!” فإنَّ ابن يوسف لم يفعل قطُّ أمرًا كهذا من قبل. وبات أصعبَ فأصعبَ على مُعاصِريه أن يُشيروا إليه بوصفه ابن النجّار فحسب. وفي الفصل الأوَّل تبيَّن لنا أنَّ الموت يكون الظافرَ الأقصى في حياتنا إذا كان المُثلَّثُ المُتناهي كلَّ ما هو موجود. ولكنَّ المسيح أثبت أنَّه إنْ توكَّلنا عليه لكونه الله اللامُتناهي والمتجسِّد فالموتُ عندئذٍ لن يكون هو الظافرَ بعدُ بالنسبة إلينا.
“جوهريًا، تدور مشكلة معنى التاريخ حول هذا السؤال: “مَن هو الإنسان ذاتُه، وما هو أصله، وما مصيرُه النهائيّ؟”
وخارج إطار الإعلان المركزيِّ في الكتاب المقدَّس عن الخلق والسقوط في الخطيَّة والفداء بيسوع المسيح، ما من جوابٍ حقيقيٍّ يمكن أن يُوجَد عن هذا السؤال…“
كان يسوع وتلاميذه يعبرون عبر الجليل في قارب صَيدٍ من النوع الشائع يومذاك، مُجهَّزٍ بحُجرة للنوَّم والخَزن تحت غطاءٍ متنيٍّ، إذ هبَّت ريحٌ شديدة وخطر العاصفة هددت حياتهم، ما زال الصيَّادون الجليليُّون يعرفونها حتَّى اليوم. وفي حضمِّ ذُعر التلاميذ، أيقظوا يسوع. “فقام وانتهر الريح وتموُّج الماء، فانتهيا وصار هدوء”. ولكوني عالِمًا، فإنَّ نواميس الطَّبيعة معروفةٌ عندي. وإذ ننظر إلى يسوع نقف وجهًا لوجه أمام واضع النواميس. فقد كانت سيطرته على عناصر الطبيعة فوريَّة وحاسمة، حتَّى إنَّ الذين كانوا برفقته سألوا سؤالاً في محلِّه: “مَن هو هذا، فإنَّه يأمر الرياح أيضًا والماء فتطيعه؟” سؤالٌ جيِّدٌ جدًا.
إنَّ الأحداث المسروده آنفًا هي أربعة فقط من الأحداث الأربعة والثلاثين التي دوَّنها في الأناجيل شهود العيان الذين رافقوا المسيح. فإن كان يسوع مجرَّد معلِّم بشريٍّ، فهل كان يستطيع أن يغفر الخطيَّة المُرتكبة بحقِّ الله، ويشفيَ الجسد المادِّيَّ، ويُقيم الموتى أحياءً، ويأمر الطبيعة كي تُطيعَه؟ ربَّما قال بعضٌ إنَّه فقط النبيِّ إيليّا الذي أجرى أفعالاً معجزيَّةً أيضًا مع كونه إنسانًا.
ولكنْ كان هنالك فرقٌ أساسيٌّ بين الإثنين لا بدَّ أن يراه بجلاء تامٍّ ولا سيِّما اليهودُ الذين عاشوا في زمن المسيح. فقد كان من مزايا جميع الأنبياء أن يُصدِّروا أو يختموا كلَّ ما يفعلونه بالقول “هكذا يقول الربّ” أو “هكذا فعل الربّ” ونحوهما. وما من نبيٍّ واحدٍ ادّعى مرّةً أنَّ له سلطةً لإجراء معجزة بمعزلٍ عن الله. غير أنَّ يسوع قال: “أنا هو القيامة والحياة”، و”أنا أُعطي حياةً أبديَّة”، و”أنا هو نور العالم”. فلو كان مجرَّد نبيّ، لكان إذ ذاك كافرًا أو كاذبًا.[22]
براهين مُقنِعة أُخرى كثيرة
قضت استراتيجيَّة يسوع بإعطاء الناس أسبابًا لتصديق دعواه بأنَّه الله. وقد كانت دعوة واضحة: “إن كنتُ لست أعمل أعمال أبي، فلا تؤمنوا بي. ولكنْ إن كنتُ أعمل، فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال…”[23] ذلك هو ما قد عكفنا على النظر فيه، أعني معجزات يسوع. ثُمَّ إنَّني، بعد بحثٍ قريب العهد، لاحظتُ أيضًا مؤشِّرات أُخرى تدلُّ على أُلوهيَّة المسيح في ما تضمَّنته الوثائق التاريخيَّة، أي الأناجيل الأربعة.
قبل مباشرة المسيح خدمته العلنيَّة، قاسى تجارب شتَّى في البريَّة طوال أربعين يومًا. ولمَّا دُعي إلى التعبُّد للشيطان لقاء الحصول على مملكة أرضيَّة، اقتبس ما قالته التوراة: “للربِّ إلَهك تسجد وإيَّاه وحده تعبد”.[25] وفي أثناء خدمته لاحقًا، وجَّه أتباعُه عبادتهم إليه، فتقبَّلها دون أيِّ تلميح إلى الاعتراض. بل إنَّه بالحقيقة أبدى استحسانه تجاهها. فلا بُدَّ أن يستنتج المرء أنَّ يسوع إمَّا كان مُنافِقًا بغيضًا وإمَّا عدَّ نفسه مستحقًّا أن يتقبَّل ما هو من حقِّ الله وحده. وفي مناسبة أُخرى، تقبَّل يسوع الحَمد والتسبيح وسوَّغهما باقتباسه من مزمور في كتاب العهد القديم ينصُّ أنَّ الله أعدَّ مثل هذا التسبيح لنفسه.[26]
في مدينة كفرناحوم، واجه يسوعَ إنسانٌ تسكنه أرواح شرِّيرة. فزجر المسيحُ الروحَ الشيطانيَّ قائلاً: “اخرس واخرج منه!” وحصلت طاعةٌ فوريَّة لا شكَّ فيها. فمَن يحوز سلطةٌ كهذه؟ ليس لدينا خِياراتٌ كثيرة. وقد أدرك القادة الدينيُّون اليهود ذلك، فاتهموا يسوع ذات مرَّة بأنَّه هو نفسه يسكنه شيطان ولذلك يطرد الأرواح الشرِّيرة ببعلزبول رئيسها. أمَّا الخِيار الآخر فهو أنَّه كان صاحب سلطان لأنَّه هو الله. وقد كانت ردَّة فعل أهل كفرناحوم قولهم: “ما هذه الكلمة؟” أو: ماذا يُبيِّن لنا هذا الفعل بشأن مَن هو فاعلُه؟ لقد أدركوا أنَّ سلطةً كهذه كانت دليلاً على كونه أكثَر من مجرَّد إنسانٍ عاديٍّ.
دعوى كون المسيح بلا خطيِّة والطريقَ الوحيد وفديةَ البشر
إنَّ صورة المسيح التي تطلع من مثل هذه الرحلة الميدانيَّة عبر الوثائق التاريخيِّة غالبًا ما تكون مدهشةً لمن كانوا شكوكيِّين. هكذا كانت لي قبل سنين كثيرة عندما شككتُ في صدقيِّة الوثائق المكوِّنه للكتاب المقدَّس. وفي حين أنَّ جُملةً من الملاحظات التي أوردتُها آنفًا هي حصيلة بحثٍ أحدث عهدًا، فإنَّ المعرفة المحدودة التي حزتُها آنذاك فعلاً اضطرَّتني إلى إعادة النظر في موقفي من المسيح. ففضلاً عن كلِّ ما تبقَّى، صرَّح يسوع تصريحات محدَّدة إذا صحَّت تجعله فريدًا. ذلك أنَّه صرَّح بأنَّه بلا خطيَّة: “مَن منكم يُبكِّتني على خطيَّة؟”[28] كما قال حصرًا إنَّه هو الطريق الوحيد إلى الله: “أنا هو الطريق والحقُّ والحياة: ليس أحدٌ يأتي إلى الآب إلاَّ بي”.[29] كذلك أيضًا قال إنَّ لحياته قيمةً فائقة بحيث تفدي البشر وتعيدهم إلى الله، الأمرُ الذي لا يستطيع أن يفعله أيُّ كائنٍ بشريٍّ آخر.[30] فبالنظر إلى هذا كلِّه، لا يُفاجئُنا أن يكون المسيح قد أحدث تغييرًا جذريًّا هائلاً في حياة تلاميذه.
خلاصة لأفعالٍ مختارة قام بها المسيح
لوقا 5 : 17 – 26
برهن سلطته في غفران الخطايا
غفر معاصي لا يقدر أن يغفرها أحدٌ غير الله أزال عواقب الخطيَّة الوقتية والأبديَّة.
1
لوقا 7 : 11 – 16
برهن سلطته على إقامة الموتى
كسر طوق العبودية الذي فيه أمسك الموت بجميع الناس.
2
لوقا 8 : 22 -25
برهن سلطته على الطبيعة
أصدر أمره، فأطاعه ناموسُ الطبيعة.
3
متى 14 :33 و
28 :17
تقبُّل العبادة من أتباعه
قبل السجود والعبادة الذين قال إنَّهما واجبان لله وحده دون سواه (لو4 :8).
4
لوقا 4 : 33 -36
برهن سيطرته على الأرواح الشيطانيَّة
أصدر أمره، فأطاعه عالَم الأرواح.
5
يوحنا
8 : 46
عاش حياةً بلا خطيَّة
لم يستطع أحد أن يتَّهمه بأيَّة خطيَّة.
6
يوحنا 14 :6
مرقص10 :45 مزمور 49 : 7-9
كانت لحياته قيمةٌ فريدة أمام الله
قدَّم حياته لله فديةً في سبيل إعطائنا الغفران.
7
الرسم 2
تحديد الخيارات المنطقيَّة
لا بدَّ لأيِّ مَن تعرَّف بالمُعطَيات التاريخيَّة المتعلِّقة بالمسيح من أن يواجه إتِّخاذ قرارٍ بشأنه. وقد طرح يسوع نفسُه السؤال الحاسم على أولئك الذين شاهدوا تلك البيِّنات شخصيًّا طوال مدَّةٍ تخطَّتِ السنتين. ففي خلوةٍ على مقربة من قيصريَّة فيلبُّس، عند سفح جبل حرمون، سأل المسيح تلاميذه: “مَن تقولون إنِّي أنا؟”[31] ومع أنَّ نحو ألفَي سنة من الزمان تفصلنا عن هذا السؤال، فهو مازال وثيق الصِّلة جدًّا بالموضوع. ماذا عساك أن تقول؟ وأيَّة خياراتٍ لدينا؟
يسوع أُسطورة
عُمِّمت هذه الفكرة قبل حلول القرن العشرين، وأُضيفت عليها شرعيَّة لا تستحقُّها، فقط لأنَّ البيِّنات التي تدحضها كانت غير معروفة بعد. وكان هذا الموقف معقولاً عندما كانت وثائق العهد الجديد تُحسَب مُدوَّناتٍ كُتبت في أواخر القرن الثاني م. ولكنْ بعدما ثبت أنَّ أسفار العهد الجديد كلَّها تعود إلى القرن الأوَّل م، إلى عهدٍ باكر في نطاق حياة شهودِ العيان (كما بحثنا في الفصل 2)، فإنَّ هذه الفكرة لم تعُد قابلة للدِّفاع عنها والتمسُّك بها.
يسوع كاذبٌ
لقد صرَّح المسيح بأنَّه الله، وفهم أولئك الذين سمعوه ما كان يقوله. ومن شأن الفحص المنطقيِّ لهذه الدعوى أن يُؤدِّي إلى ثلاثة خِيارات إضافيَّة بخصوصه. فأوَّلاً، إمَّا أن يكون وإمّا لا يكون ما صرَّح بأنَّه هو. وما زالت الاستطلاعات تبيِّن أنَّ نسبة تفوق 90% من أهل أميركا يؤمنون بوجود إلَهٍ أو قوّةٍ عُليا. ولكنْ إذا سُئلوا عن كون المسيح هو الله تحديدًا، فإنَّ كثيرين يتردَّدون في الذهاب إلى ذلك الحدّ. فمن الشائع أن يعتقد المرء أنَّ يسوع هو مجرَّد إنسانٍ عجيب، أو معلِّم أخلاقيّ عظيم. ولكنْ هل هذا الموقف منطقيٌّ بالنظر إلى تصريحه بأنَّه الله؟
وإن صرَّح المسيح بأنَّه الله، وهو ليس من يُصرِّح بكونه إيَّاه، فهو إمَّا علم ذلك وإمَّا لم يعلمه. والآن، إذا ادَّعى أنَّه الله، وهو يعلم أنَّه ليس الله، فعندئذٍ يكون كاذبًا: كذب بشأن هويَّته وتقبَّل العبادة كما لو كان هو الله القدير. وإن كان يسوع كاذبًا، يكون قد خدع جماهير أكثر عددًا ممَّا خدع أيُّ بشريٍّ آخر، لأنَّ الحركة المسيحيّة التي أطلقها هي أكبر ديانة في العالم. ولا يمكن أن يكون أكبر كاذب عاش على الإطلاق، ويكون أيضًا معلِّمًا أخلاقيًّا عظيمًا. ثُمَّ إنَّ من شأنه أن يكون مُغفَّلاً، لأنَّه مات في سبيل تلك الكذبة. فهل كان يسوع كاذبًا؟ كلاَّ، لأنَّ خُلقه المصوف في جميع المُدوَّنات التاريخيَّة يُبرِزه شخصًا ذا فضيلة وكمال.
كلاَّ، لأنَّه أمرٌ لا يمكن تصوُّره أن يتمكَّن يسوع من الاحتفاظ بجماعةٍ من الأتْباع المكرَّسين مدَّةَ بضعٍ سنين بغير أن يضبطه أحد ملتبسًا بالخداع. كلاَّ، لأنَّ قيامته من الموت حيًّا أثبتت صدقيَّته.
يسوع مجنون
أوَّلَ وهلة، قد يبدو الخِيار الآخر معقولاً: أي أنَّ يسوع لم يَدرِ أنَّه ليس هو الله. فيسوع ادَّعى أنَّه الله، وهو لم يكن كذلك، إلاَّ أنَّه فعلاً حسب نفسه كذلك. أمن الممكن أنَّ يسوع كان مخدوعًا؟ إنَّ أُ. كُوينتِن هايدر، الطبيب النفسانيُّ الممارِس في مدينة نيويورك، حلَّل أخبار سلوك يسوع وشخصيَّته وعلائقه بحثًا عن أعراض اضطرابٍ نفسيّ. وقد ختم دراسته مستخلصًا أنَّ البِّينات لا تدعم الفكرة القائلة بأنَّ يسوع كان مجنونًا، بل بالحريِّ تؤكِّد أنَّه كان ذا مزايا تدلُّ على السلامة العقليَّة الفائقة.
المرءُ حرٌّ في أن يقول بأنَّ يسوع، من جرَّاء الانخداع الصادق، انتسب إلى الأُلوهة. ولكنْ إذا وقف المرء هذا الموقف، فإنَّه يَقِفُه بغير أيِّ دليل سيكولوجيّ داعمٍ له، بل إنَّه يقفه فعلاً على الرُّغم من الأدلَّة الوافرة الدَّاعمة لنقيضه.[32]
يسوع هو الربّ
يبقى خِيار واحد فقط. لقد صرَّح يسوع بأنَّه هو الله ــــ وهو كذلك. فإنَّه هو الربّ. ولدينا اعتبارٌ أخير يحمل أهميَّة كبيرة ويجعل هذا الخيارَ هو أفضلَ خيار تدعمه البيِّنات.
الدليل الحاسم: قيامة يسوع
لقد وعد يسوع مرارًا في أثناء خدمته التي دامت ثلاث سنين ونصفًا بأنَّه سيقوم حيًّا من بين الأموات.[33] وبالحقيقة أنَّه لمَّا سأله اليهود البرهان الذي يقدِّمه لإثبات صحَّةَ مايقول عن ذاته، قال: “انقضوا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيام أُقيمه”.[34] وكان في الواقع يتكلَّم عن “هيكل جسده”، أي عن قيامته الفعليَّة من الموت بجسده. ومن شأن هذا الإمتحان الرئيسيِّ أن يُبيِّن كونه صادقًا. فلا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ جميع مؤسِّسي الدِّيانات الأُخرى، كبوذا ومُحمَّد مثلاً، ماتوا. ويتوجَّه الناس إلى أضرحتهم كي يؤدُّوا لهم فروض الإكرام. غير أنَّ الميسحيِّين لا يفعلون ذلك، لأنَّ المسيح ليس في القبر، بل هو حيّ. وليس من عَلَمٍ دينيٍّ آخر يعرفه البشر قدَّم قطعًا أيَّ دليل موضوعيٍّ مُقنع على أنَّه قام من الموت حيًّا. فلستُ أعتقد أنَّه من الممكن أن نتصوَّر أيَّ برهانٍ أعظم من قيامة المسيح لإثبات صحَّة دعواه بالانتساب إلى الأُلوهة. ولكنْ هل حصلت القيامة فعلاً؟ إنَّ اللورد دارلنغ، رئيس المحكمة السابق في بريطانيا والمتمرِّس بديهيًّا بتمحيص البيِّنات، كان مقتنعًا بأنَّ القيامة دعائمَ منطقيَّةً قويَّة:
إنَّ لبَّ القضيَّة في كون يسوع ما أعلَن أنَّه هو، أو عدم كونه كذلك، يجب أن يتوقَّف بالتأكيد على حقيقة القيامة، أو عدمها. فبشأن هذه النُقطة العُظمى، لا يُطلَب منّا فقط أن يكون لنا إيمان. إذ أنَّ لدينا في مصلحتها باعتبارها حقيقةً حيَّة بِّينات دامغةً كثيرة، سلبيَّة وإيجابيَّة، واقعيَّة وظرفيَّة، بحيث لا يمكن لأيِّ قاضٍ ذكيٍّ في العالم أن يُخفِق في إصدار حُكم بأنَّ خبر القيامة صحيح.[35]
فما هي البِّينات التي أقنعت الناس على مدى القرون، من ذوي المِهَن والاختصاصات المختلفة، حتَّى أصحابَ المهارات المصقولة في تمييز الحقِّ من الباطل؟ ثمَّة ثلاث حجج رئيسيَّة.
قبر يسوع وُجِد فارغًا
حتَّى التلاميذُ أنفسُهم ساورتهم الشكوك. وقد تراءت لهم شهادة النساء أنَّهنَّ شاهدن المسيح بعد قيامته حيًا “كالهذيان”.[36] وبعد، فقد كان هنالك حَرَسٌ رومانيٌّ قوامُه ستَّة عشر عسكريًّا، وحجرٌ وزنُه طنٌّ ونصف مختومٌ بختمٍ رومانيّ وسادٌّ لباب القبر. وكان معنى زحزحته الموتَ بأيدي الحرّاس، أو موتَ الحرّاس الذين سمحوا بزحزحته. وقد أُعدَّ جسد المسيح للدفن كمومياء بنحو ثلاثين كلغً من الأطياب الصمغيَّة داخلَ أكفانٍ من القماش.[37] وكانت الأكفان ما تزال في القبر على حالها، إلاَّ أنَّ الجسد لم يعُد موجودًا داخلها.[38] وقد قال توما ما فحواه أنَّه أن لم يَر في يدَي المسيح الدليل المادِّيَّ المتمثِّل في أثر المسامير فلن يُصدِّق أبدًا خبر القيامة. ولمَّا أراه المسيح ذلك، آمن حقًّا.[39]
ثمَّ إنَّ السُلطات اليهوديَّة التي كان أربابُها في أفضل موقعٍ يُتيح لهم فحص الوقائع، لم تحاول قطُّ دحضَ كونِ القبر فارغًا، بل سعت فقط إلى تفسير سبب فراغه.[40] وها هو الدكتور ﭙول مايِر، المؤرِّخ بجامعة ميشيغن الغربيَّة، يلخِّص الوضع الجاري :
وعلى ذلك، فإذا زُرنا جميع البيِّانات بدقَّة وإنصاف، نجد أنَّه من المسوَّغ حقًّا ـــ بمقتضى قوانين البحث التاريخيّ ـــ أن نستنتج أنَّ قبر يوسف الراميَّ، ذاك الذي دُفن فيه يسوع، وُجِد بالفعل فارغًا صبيحةَ أحدَ القيامة. ولم يتمَّ حتَّى الآن اكتشافُ أدنى دليلٍ في المصادر الأدبيَّة أو النقوش أو الآثار من شأنه أن يَدحَض هذا التصريح.[41]
يسوع ظهر بجسده لأشخاصٍكثيرين بعد قيامته
تُسجِّل الأناجيل التاريخيَّة عشرة ظهورات مرئيَّة مختلفة تراءى فيها يسوع للناس في أثناء الأربعين يومًا التالية لموته وقيامته. فإنَّ يسوع “ظهر لصفا (بطرس)، ثمَّ للإثني عشر. وبعد ذلك ظهر دفعةً واحدة لأكثر من خمس مئة أخٍ أكثرهم باقٍ إلى الآن، ولكنَّ بعضهم قد رقدوا…”[42] ويُعلِّق سي.ه.دُد قائلاً: “لا يكاد يوجد أيُّ غرضٍ آخر من ذكر حقيقة كون معظم الخمس مئة أخ ما زالوا على قيد الحياة، سوى أنَّ بولس يقول في الواقع: إنَّ الشهود حاضرون فاسألوهم!”[43] ولم تكن تلك الظهوراتُ هَلوَساتٍ، لأنَّها كانت متفرِّقة و متنوِّعة في الزمان و المكان والشخصيّات. ثمَّ إنَّ الهلوسات لا تكون واحدةً بالنسبة إلى 500 شخص، كما كانت الحالة النفسيَّة المؤاتية للتصديق والتوقُّع غير متوافرة، إذ إنَّ التلاميذ اقتنعوا رُغم إرادتهم. ولم تكن ظهوراتُ الربِّ توهُّماتٍ أو تخيُّلات، لأنَّه وقف بينهم وقال: “انظروا يديَّ ورجليَّ، أنِّي أنا هو؛ جسُّوني و إنظروا، فإنَّ الروح ليس له لحم و عظام كما تَرون لي”.[44] وهو قد أكل معهم أيضًا.[45]
وبعد، فإنَّ شهادة المصادر السلبيَّة هي المُقنِعة على نحوٍ خاصّ. فقد ظهر يسوع لأخيه يعقوب الذي سبق أن رفضه في أثناء خدمته العلنيَّة، ويعقوب صار في ما بعد قائدًا في كنيسة أورشليم التي أذاعت بُشرى القيامة.[46] وقد شهد الرسول بولس أنَّ ظهور المسيح المُقام له لمَّا كان شاولَ الطرسوسيَّ، عدوَّ المؤمنين ومُضطهِدَهم، هو الذي غيَّره وهداه.[47]
حياة التلاميذ تحوَّلت
إنَّها حقيقة معروفة جيِّدًا أن تلاميذ يسوع هجروه، وأنكروا ارتباطهم به، في أثناء اعتقاله ومحاكمته وصلبه.[48] وكان سبب ذلك خوفهم على حياتهم. ثمَّ كانت لهم إختباراتٌ حقيقيَّة صدَّقوا أنَّها ظهورات فعليَّة من جانب المسيح المُقام. عندئذٍ تحوَّلوا من أُناسٍ خائفين مختبئين في العليَّة إلى مُعلِنين جسورين لقيامته. حتَّى إنَّهم باتوا مستعدِّين للموت في سبيل قناعتهم. وفي الواقع أنَّ جميع الرسل الأحد عشر الباقين، ما عدا واحدًا، ماتوا ميتة شهداء، إلاَّ أنَّ أيًّا منهم لم ينكر قطُّ أنَّه رأى يسوع حيًّا بعد قيامته، ولا حتَّى إنقاذًا لحياتهم. فمن شأن الناس أن يموتوا في سبيل ما يؤمنون بأنَّه حقّ، إلاّ أن أحدًا لن يموت في سبيل ما يعرف أنَّه باطل. وقد استنتج غاري هابِرماس، الفيلسوف والمتخصِّص في الدفاع عن العقيدة المسيحيَّة ولا سيَّما حقيقة القيامة، هذا الاستنتاج الهامّ: “إنَّ تحوُّل التلاميذ يُبرهِن أنَّهم آمنوا حقًّا بأنَّ المسيح قد قام من بين الأموات، ويَدحَض نظريَّة الخديعة (سرقة الجسد)، بسبب هذا التحوُّل وأيضًا بسببِ كون الكذبة لا يمضون إلى الاستشهاد طائعين”.[49] وفي فضيحة ووترغيت السياسيَّة في الولايات المتَّحدة، أواسطَ سبعينيَّات القرن العشرين، إيضاحٌ لهذه النقطة. فإنَّ محامين مُحنَّكين، إذ واجههم خطر السَّجن بضع سنوات، لم يكونوا قادرين ولا راغبين أن يُبقوا على تستُّرهم الإحتياليّ.
حذارِ أن تغلط: إن كان قد قام فعلاً، فذلك كان جسده. وإذا كان انحلال الخلايا لم ينعكس، والجُزيئات لم تلتحم من جديد، والأحماض الأمينيَّة لم تضطرم ثانية، فعندئذٍ لا بدَّ أن تسقط الكنيسة …
جان أبدايك
” سبع مقطوعات شعريَّة بمناسبة الفصح”
ويُذكَر أنَّ ج.ن.د. أندرسُن، المدير السابق للدراسات القانونيَّة العُليا في جامعة لندن، قال بحقٍّ أنَّ القيامة هي “إمَّا أسمى حقيقة في التاريخ وإمَّا خدعةٌ كُبرَى…”، وإذا كانت صحيحة فإنَّ “إخفاق المرء في تكييف حياته بمقتضى مضامينها يعني خسارةً يتعذَّر تعويضها”.[50]
حُكمٌ ذو أرجحيَّة عالية
يجب أن يكون القارئ هو القاضي الذي يحكم بموجب البيِّنات. أفمن المنطقيِّ أن نعتبر يسوع إمّا كاذبًا وإمَّا مجنونًا وإمَّا مجرَّد مُعلِّم أخلاقي؟ إنَّ الأُستاذ الأكسفورديَّ سي إس لِويس عدَّ ذلك مُستبعدًا تمامًا:
إنَّني أسعى هنا إلى منع أيِّ شخص أن يقول القول الغبيَّ حقًّا و الذي غالبًا ما يقوله الناس بالنسبة إلى المسيح: “أنا مستعدٌ لقبول المسيح على أنَّه معلِّم أخلاقيٌّ عظيم، ولكنَّني لا أقبل دعواه بأنَّه الله”. ذلك القول هو الأمر الوحيد الذي يجب ألاَّ نقوله. إذ إنَّ إنسانًا يكون مجرَّد إنسان ويقول مثل تلك الإدِّعاءات التي قالها يسوع لن يكون معلِّمًا “أخلاقيًّا” عظيمًا. إنَّه لا بدَّ أن يكون إمَّا مخبولاً، على مستوًى واحد مع مَن يقول إنَّه بيضة مسلوقة، وإمَّا إبليسَ الجحيم! إذ لا بدَّ من أن تحسم خيارك: إمَّا أنَّ هذا الشخص هو ابن الله، وإمَّا أنَّه مجنون، أو أسوأ من ذلك. ولك إمَّا أن تُسكِتَه حاسبًا إيّاه أبله، وتحتقره وتقتله كما لو أنَّه شيطان، وإمَّا أن تجثو عند قدميه وتدعوه ربًّا وإلهًا. إنَّما لا نطلعنَّ بأيِّ فكرة إستعلائيَّة لا قيمة لها، عن كونه معلِّمًا من البشر عظيمًا. فهو لم يترك هذا مُتاحًا لنا، ولا قصد أن يجعله مُتاحًا![51]
ولكنَّ الحجج العقليَّة لمصلحة المسيحيَّة تعزّزت عندي بعدما قرأت “المسيحيَّة المجرَّدة” بقلم سي أس لويس. ففي نهاية الأسبوع لم يكن يمكنني أن أتصوَّر كيف يُعقل ألَّا تؤمن بيسوع المسيح”
شارلز كولسُن
رئيس لجنة “أخويَّة السجون”
إنَّ رحلتنا الميدانيَّة الخياليَّة عبر وثائق الأناجيل، وإن كانت بعيدةً من أن تكون شاملة، استعرضَت فعلاً وفحصت عيِّنة واسعة من المُعطَيات التاريخيَّة المتوافرة. وبقدر ما يمكن أن يكون أيُّ شيء من الأزمنة القديمة وافيًا، أعتقد أنَّ البيِّنات تؤيِّد الدعوى بأنَّ يسوع هو تجسُّد الإلَه الشخصيٍّ اللامُتناهي. وقد شهد الدكتور إدوِن ياموشي، عالِمُ الآثار والخبيرُ البارز، فقال: “إنَّ البيِّنات التاريخيَّة عزَّزتِ انتِذاري ليسوع المسيح على أنَّه ابن الله الذي يُحبُّنا وقد مات لأجلنا وأُقيم حيًّا من بين الأموات. حقًا إنَّ الأمر بهذه البساطة!”[52]
وإنَّ لمضامين هذه الحقيقة إمكانيَّة تغيير نظرتنا إلى الحياة تغييرًا جذريًّا هامًّا. فهذه القضايا تتخطَّى كونها أكاديميَّة، إذ هي أيضًا خُلقيَّة. فأمامك خِيار وقرار يقضي بأن تقبل المسيح أو ترفضه على أنَّه الربّ. ولك الحرِّيَّة بأن تتحول مبتعدًا عنه. ولكنَّ المخاطر المتربِّصة أعظم من أن تُتيح لنا الاستخفاف بالمسألة. فقد قال الربُّ يسوع:
“أنا هو القيامة والحياة: مَن آمن بي، ولو مات، فسيحيا. وكُلُّ مَن كان حيًّا، وآمن بي، فلن يموت إلى الأبد!”[53]
للتركيز و البحث
لماذا يُعَدُّ أمرًا بالغ الأهميَّة في المسيحيَّة أن يكون يسوع هو الله أو لا يكون ؟ هل توافق على أنَّ مسألة كون المسيح هو الله فعلاً هي أهمَّ قضيَّة بالنسبة إلى صحَّة المسيحيَّة؟ لماذا نعم، أو لماذا لا؟
روى شهودُ العِيان الذين عاصروا المسيح أنَّه كان صاحب سلطة على الأرواح الشرِّيرة والموت والمرض والطبيعة، وأنَّه كان يقدر أن يغفر الخطيَّة ويُبطِل عواقبها الأبديَّة. فلماذا تكون هذه التصريحات مهمَّة في تحديد هويَّته؟
على أساس بيِّنة أفعال المسيح المعروضة في هذا الفصل، هل يمكنك أن تُفكِّر في خِيارات أُخرى يمكن أن تُنسَب ألى يسوع، غير الثلاثة المذكورة (كاذب، مجنون، ربّ)؟ إن كان نعم، فوضح وناقش.
ماذا غيَّر فكر معاصري يسوع، حتَّى الكثير من الشكوكيِّين بينهم، من النكران إلى الإيمان بأنَّ المسيح هو الله؟ (راجع حالتَي توما في يوحنّا 20 : 24-28، وشاول الطرسوسيِّ في أعمال الرسل 9: 1-20). ابحث في دور البيِّنات والعقل كأساسٍ للإيمان بيسوع.
كيف أثَّرتِ المعلومات التي يتضمَّنها هذا الفصل في فهمك الخاصِّ لهُويِّة يسوع؟
[4] قد يُحتَجُّ بأنَّ دعوى يسوع بأنَّ المسيح لا تعني بالضرورة انتسابًا إلى الأُلوهة. ولكن بالنظر إلى التحدِّي الذي أطلقه في متَّى22: 41-46، لا شكَ أنَّه قصد بذلك أيضًا أن يُصرِّح بأنَّه الله. وفي لوقا4: 18و19، اقتبس يسوع من إشعياء61: 1و2. فبحسب عين السِّفر الذي يتضمَّنه كتابُ العهد القديم (إش6:9) دُعي المسيح “إلهًا قديرًا، أبًا أبديًّا”. ومعرفة يسوع المؤكَّدة لهذا المقطع لا بدَّ أن تعني أنَّ تصريحه بكونه المسيح هو أيضًا تصريح بكونه الله.
[15] John W. Monrgonery, History or Christianity (Minneapolis: Bethany, 1965), p.63.
راجع لوقا5: 17-26.[16]
لوقا5: 24-26.[17]
يوحنّا 9: 1-3.[18]
على أساس إجابة يسوع بشأن مأساتين وقعتا في زمانه وذُكرتا في لوقا 13: 1-5 (مقتل بعض أهالي الجليل على يد بيلاطس ومصرع 18 شخصًا من جرّاء انهيار برج عليهم) واضحٌ أنَّه لم يعلِّم أنَّ جميع العواقب التي تحصل في الحياة هي نتيجة لخطيَّتنا الشخصيَّة. غير أنَّه قال فعلاً إنَّ الخطيَّة خطيرة جدًّا بحيث تؤدِّي إلى الموت. وبما أنَّنا جميعنا أخطأنا، فقد قال إنَّنا في حاجةٍ إلى التوبة كي نُنقَذ من الموت.[19]
[41] Paul L. Maier, First Easter (San Francisco: Harper + Row, 1973), p.120.
1كورنثوس 5:15و6.[42]
[43] C.H. Dodd, “The Appearances of the Risen Christ: A study in the form criticism of the Gospels”, in More New Testament Studies (Manchester: U. of Manchester Press, 1968), p.128.
لوقا 39:24.[44]
لوقا 24: 41-43.[45]
راجع يوحنّا 5:7؛ 1 كورنثوس 7:15؛ أعمال 13:15.[46]
[47] طلبًا لشهادة الرسول بولس الشخصيَّة راجع أعمال 9: 1-22.
راجع متَّى 56:6، 69-75؛ يوحنّا 19:20.[48]
[49] Gary Habermas, The Resurrection of Jesus (New York: University Press of America, 1984), p.39.
[50] J.N.D. Anderson, The Evidence for the Resurrection (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1966), pp. 3-4.
[51] C.S. Lewis, Mere Christianity (New York: Macmillan, 1952), pp. 55-56.
من هو الرب عند المسيحيين؟ لماذا يؤمن المسيحيون بأن المسيح هو الله؟
من هو الرب عند المسيحيين؟ لماذا يؤمن المسيحيون بأن المسيح هو الله؟
في الواقع إذا رجعنا الى العهد الجديد سنجد أن تلاميذ المسيح وهم أصلا من اليهود المؤمنين بوحدانية الله امنوا بألوهية المسيح بمنتهى السهولة. هم كيهود عندهم الوصية الأولى في تثنية ٦ تقول (اسمع يا إسرائيل، الرب الهنا رب واحد) ومع ذلك امنوا بألوهية المسيح وأعلنوا ذلك. فبطرس أعلن أن المسيح ابن الله الحي.
في الواقع إذا رجعنا الى العهد الجديد سنجد أن تلاميذ المسيح وهم أصلا من اليهود المؤمنين بوحدانية الله امنوا بألوهية المسيح بمنتهى السهولة. هم كيهود عندهم الوصية الأولى في تثنية ٦ تقول (اسمع يا إسرائيل، الرب الهنا رب واحد) تث ٦:٤ ومع ذلك امنوا بألوهية المسيح وأعلنوا ذلك. فبطرس أعلن أن المسيح ابن الله الحي.
وتوما قال (ربي والهي) واستفانوس قال له (أيها الرب يسوع اقبل روحي) وبولس قال عنه انه الله حين تحدث الى قسوس كنيسة أفسس قائلا: (لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه) ألوهية المسيح إذن قد امن بها المسيحيون الأوائل ولا زلنا نؤمن جميعا بثقة ويقين انه هو الله. ولأسباب لذلك كثيرة اذكر بعضها
أولا: لأنه حمل لقب اسم (الله):
لقب المسيح باسم (الله) احدى عشرة مرة في العهد الجديد فيوحنا (1: 1) يقول (في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله) يوحنا 1: 1 وأيضًا (الكلمة صار جسدا وحل بيننا) يوحنا 1: 14
في تيطس نقرأ القول (منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح) تيطس 2: 23 فيسوع المسيح هو الله العظيم (المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلها مباركا الى الأبد آمين) رومية ٩:٥ ومتى يقول (يدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا) مت 1: 23 ويوحنا يضيف (ربي وإلهي) يو 20: 28.
ولقب المسيح بابن الله خمسين مرة في العهد الجديد، وهذا اللقب لا يعني التناسل، حاشا لان الله روح ولا مجال للتناسل في الروح. وهذا اللقب لا يعني أيضًا أسبقية الآب عن الابن وهذا يغاير البنوة في الجسد لأنه في حياة البشر لا يسمى الإنسان أبا إلا لحظة أن يولد له ابن. ابن الله إذا لا يعني تناسلا ولا يعني أسبقية في الزمن، ولكنه يعني الوحدة الكاملة بين الآب والابن، يعني المساواة المطلقة بينهما، ويعني التمثيل الحقيقي للاب في شخصية الابن.
لقب المسيح بالرب ٦٥٠ مرة في العهد الجديد، فهو رب المجد (لو عرفوا لما صلبوا رب المجد) ١كو 2: 8.
يسوع المسيح رب الأرباب (هؤلاء سيحاربون الخروف والخروف يغلبهم لأنه رب الأرباب وملك الملوك) رؤ 17: 14.
يسوع المسيح رب الكل (هذا هو رب الكل) أعمال الرسل 10:36
يسوع المسيح رب السبت (فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا) مت 8:12
لقب المسيح (أنا هو) وهو ذات لقب الله (يهوه): يطلق هذا اللقب على الله وحده كما جاء في خروج 14:3 وتثنية 39:32 وإشعياء 10:43
قد تكلم الرب يسوع عن نفسه بذات اللقب الأمر (بسلطان) الذي معه سقط المخاطبون به للوراء أمام جلال الذات الإلهية فيه يوحنا 6:18 & يوحنا 8: 24، 28، 58 & يوحنا 4: 26 ويوحنا 9: 37
ثانيًا: نؤمن أن المسيح هو الله، لان له الصفات التي تخص (الله) الذات الإلهية فقط:
يسوع المسيح كلي القدرة:
على المرض يشفيه (الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس) أعمال 10: 38
وعلى الطبيعة هدأ عاصفتها (فقام وانتهر الريح وتموج الماء فانتهيا وصار هدوء) لوقا 8: 24
وعلى الأرواح الشريرة طردها (فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان فشفى الغلام من تلك الساعة) متى 17: 18
وعلى الموت إذ أقام الموتى (فقال أيها الشاب لك أقول قم) لوقا 7: 14
وأقام نفسه (انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاث أيام أقيمه) يوحنا 2: 19.
يسوع المسيح كلي العلم، فهو موجود في كل مكان (لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم) مت 18: 20 أينما يكونون، في أي مكان في العالم
يسوع المسيح موجود في كل زمان (ها أنا معكم كل الأيام الى انقضاء الدهر) مت 20: 28
يسوع المسيح أزلي أبدي (أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء) رؤيا 1: 8 (كنت ميتا وها أنا حي الى ابد الأبدين) رؤ 1: 18.
يسوع المسيح لا يتغير (يسوع المسيح هو هو أمسًا واليوم والى الأبد) عبرانيين 13: 8.
ثالثًا: انه عمل أعمال تخص (الله) الذات الإلهية فقط:
يسوع المسيح أوجد الخليقة: (فانه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يرى وما لا يُرى … الكل به ولد وله قد خلق) كولوسي 1: 16
يسوع المسيح يحفظ الخليقة (حامل كل الأشياء بكل قدرته) عبرانيين ١:٣
يسوع المسيح يعطي الحياة (كما أن الآب يقيم الأموات ويحي كذلك الابن أيضًا يحي من يشاء) يوحنا 5: 21 وأيضًا (تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون) يو 5: 25
يسوع المسيح يغفر الخطايا ولا يغفر الخطايا إلا الله وحده (قال للمفلوج يا بني مغفورة لك خطاياك)٢٩ مرقس 2: 5 بينما الخطية أساسا ضد الله (إليك أخطأت والشر قدام عينيك صنعت) مز٥١ وهو غفر الخطية الموجهة الى الله لأنه هو الله
يسوع المسيح يعطي الخلاص (تدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم) متى 21:1
يسوع المسيح يعطي الروح القدس (هذا هو الذي يعمد بالروح القدس) يوحنا 33:1
يسوع المسيح هو الديان: (الرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات)2 تيموثاوس 1:4
رابعًا: انه أقر بنفسه أنه معادلا لله:
شهد المسيح قائلا (أنا والآب واحد) يوحنا 10: 30 وأيضًا (قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن) يوحنا 58:8 وكلمة أنا كائن هي أهيه وهو اسم الله بحسب (خروج 3: 14). وفي سفر الرؤيا قال المسيح (أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء)٣٦ رؤيا 1: 18 وقال أيضًا (أنا هو الأول والآخر) رؤيا ٣٧ ١-١٧وهي صفة لا يتصف بها إلا الله كما نقرأ في سفر إشعياء (هكذا يقول الرب ملك إسرائيل وفاديه رب الجنود. أنا الأول والآخر ولا إله غيري) إشعياء ٣٨ ٤٤-٦
حين يقول (تعالوا الي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم) ٣٩ متى 11: 38 أو حين يقول (أنا هو القيامة والحياة) يوحنا 11: 2 (أنا هو الحق) (أنا هو خبز الحياة) يوحنا 6: 35 (أنا هو الطريق والحق والحياة) يوحنا 6: 14 (أنا هو الباب) يوحنا 9:10 فكل هذه الأقوال لا يقوى على قولها إلا الله.
فاذا لم يكن المسيح هو الله بينما نسب الى نفسه الألوهية فهو لابد أن يكون مجنونا أو محتالا وهو طبعا ليس كذلك ولا يستطيع أحد حتى من أعدائه أن يتهمه بذلك. إذا لم يبق إلا أن يكون هو الله فعلا وحقا.
خامسًا: انه الوحيد المعصوم من الخطأ: وقد شهد بذلك أعداؤه أيضًا قبل أصدقائه.
زوجة بيلاطس قالت لزوجها (إياك وذلك البار) مت٤٤ ٢٧-١٩
بيلاطس نفسه قال (إني لا أجد علة في هذا الإنسان) لوقا ٤٥ ٢٣ -٤
قائد المئة قال (حقا كان هذا الإنسان ابن الله) مرقس ٤٦ ١٥-٣٩
هو نفسه تحدى العالم كل فقال (من منكم يبكتني على خطية) يوحنا 8: 46.
(هو الذي لم يعرف خطية) ٢كورنثوس 21:5
(الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر) بطرس الأولى 2: 22.
سادسًا: تحققت فيه النبوات المتعلقة به، والتي جاءت في العهد القديم:
نبوات عن ميلاده من عذراء (إشعياء ٧: ١٤)
نبوات عن ميلاده في بيت لحم (ميخا ٥: ٢)
عن دخوله أورشليم على جحش (زكريا ٩: ٩)
عن صلبه بين لصين (اشعياء٥٣: ١٢)
عن موته ودفنه في قبر مستعار (إشعياء ٥٣: ٩)
عن قيامته (هو ٦: ٢)
كل هذه النبوات تحققت بحذافيرها فيه، وقد قيلت قبل أن يأتي بمئات السنين، ألا يحق لنا أن نؤمن به الهًا؟
سابعًا: تحققت وتتحقق نبواته هو:
ولقد أعطانا علامات تنبا بها عن نهاية العالم ن ونراها تتم في وسطنا وأمامنا كل يوم لتؤكد لنا انه هو الله الذي يعرف النهاية قبل أن تأتي، الذي يعرف الزمن كله لأنه أكبر من الزمن.
ميلاده العذري، معجزاته الخارقة، قيامته الإعجازية، كل هذه تؤكد لنا ألوهيته، هو الله الذي ظهر في الجسد وقد جاء إلينا في الجسد باحثاً عنا. فدعونا نأتي إليه، دعونا نؤمن به إلهاً نسلطه على حياتنا ونخضع له ونتبعه حيثما يقودنا.
لكن كي نثبت من الكتاب المقدّس للمشكّكين بأن يسوع المسيحهو يهوه الرّبّ إله العهد القديم؟
سنثبت ذلك عن طريق ربط الآيات والنبّوءات في العهد القديم الّتي تتكلّم عن يهوه مع مثيلاتها في العهد الجديد الّتي تتكلّم عن السيّد المسيح.
يسوع يُكلّم الأنبياء:
من هو الإله الّذي كلمَ إبراهيم وموسى وصموئيل والأنبياء في العهد القديم؟ هل من المعقول أن يكون السيّد المسيح؟ كيف ذلك والمسيح لم يكن وقت إبراهيم وموسى وصموئيل وباقي أنبياء العهد القديم كما اعتقد اليهود! (يوحنّا 8: 57-58).
أ- في العهد القديم:
نبدأ من سفر التكوين الإصحاح الثّامن عشر وظهور الرّبّ יְהוָהيهوه لإبراهيم:
كما نرى في هذا الإصحاح ظهر الرّبّ يهوه יְהוָה مع اثنين منالملائكة على شكل رجال عاديين وابتدأ إبراهيم يخاطب الرّبّ يهوه كما يخاطب الرجل صاحبه فماً لفم. ودليلنا أن اللّذين ظهرا مع يهوه كانا ملاكين نراه في بداية الإصحاح التّاسع عشر من سفر التّكّوين:
“فَدَعَا يَعقُوبُ اسمَ المَكَانِ فَنِيئِيلَ قَائِلاً: لأَني نَظَرتُ اللهَ (إيلوهيم) وَجهاً لِوَجهٍ، وَنُجيَت نَفسِي” (التكوين 32: 30). ففي هذا المكان يرى يعقوب الله (إيلوهيم) وجهاً لوجه.
يسمع النبي موسى هنا صوت الله كما يؤكّد ذلك القدّيس مارإستفانوس في خطابه أمام المجمع: فَلَما رَأَى مُوسَى ذلِكَ تَعَجبَ مِنَ المَنظَرِ. وَفِيمَا هُوَ يَتَقَ دمُ لِيَتَطَلع، صَارَ إِلَيهِ صَوتُ الرّبّ (يهوه)” (أعمال الرسل 7: 31).
وهناك الكثير جدّا من الآيات الّتي يظهر فيها الرّبّ (يهوه) أو الله(إيلوهيم) أو السيّد (أدوناي) لأنبيائهِ وشعبه وجها لوجه أو يسمعواصوته ويكلّمهم ويرشدهم وهذا أمر يعرفه كلّ إنسان مؤمن بالله، فاللههو من يكلّم أنبياءه.
ب- في العهد الجديد:
سنربط الآيات السّابقة من العهد القديم بالآيات من العهد الجديد ونكتشف الأسرار العجيبة فالّذي كان يُكلّم الأنبياء قديماً هو الرّبّ يسوع المسيح!
لنقرأ ما يعلنه القدّيس يوحنّا الإنجيليّ في بداية إنجيله، وما يعلنه الرّبّ يسوع المسيح في الإنجيل نفسه:
نرى في هاتين الآيتين أحد أعظم الإعلانات عن شخصية الرّبّ يسوع المسيح عند مقارنتها بالآيات السّابقة في الفقرة “أ” من العهد القديم.
يقول القدّيس مار يوحنّا:
“اَللهُ (إيلوهيم) لَم يَرَهُ أَحَد قَط “! (يوحنّا 1: 18). وقرأنا سابقاً عن: أنبياء وشخصيات كتابيّة أخرى رأت الله ويستطرد القدّيس مار يوحنّا قائلاً: “الابن الوَحِيدُ الّذي هُوَ فِي حِضنِ الآبِ (يهوه) هُوَ خَبَّرَ”. يسوع المسيح الابن الوحيد لأبيه هو الوحيد الّذي يستطيع أن يُخبر عن أبيه.
والملاحظ أ ن كلمة “خَبَّرَ” هي فعل ماضي تشير إلى عمل الابن في العهد القديم.
وفي يوحنّا 5: 37 يعلن الرّبّ يسوع المسيح بفمه المبارك:
“لَم تَسمَعُوا صَوتَهُ قَط، وَلاَ أَبصَرتُم هَيئَتَهُ “. نحن نؤمن بأن الرّبّهو يهوه، وهذا ما يقوله أيضاً شهود يهوه، ويقول الرّبّ يسوع المسيح عن الله “وَلاَ أَبصَرتُم هَيئَتَهُ” ولنلاحظ دقّة التّعبير، فالأنبياء في العهد القديم لم يبصروا حتّى هيئة الله!
إذا من هو الإله الّذي كلَّم الأنبياء والشّعب في العهد القديموالّذي قادهم كلّ الأيام القديمة؟ ليس هناك جواب سوى أ نه الرّبّ يسوع المسيح الابن الوحيد[1] لأنه من “خَبَّرَ” عن الله.
فالرّبّ (يهوه) أو الله (إيلوهيم) الّذي رآه موسى والأنبياء وتكلّموا معه في العهد القديم هو الرّبّ يسوع المسيح الّذي “خَبَّرَ“، فيسوعالمسيح هو نفسه يهوه إله العهدوالّذي ظهر بالجسد كما يعلّمنا الكتاب المقدّس “وَالكَلِمَةُ صَارَ جَسَدا وَحَلَّ بَينَنَا، وَرَأَينَا مَجدَهُ، مَجداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَملُوء اً نِعمَةً وَحَقّاً” (يوحنّا 1: 14).
من الواضح إن المقصود من كلمة “حِينَئِذٍ” هو الحدث العجيب الّذي فيه كلم الله موسى كما قرأنا سابقاً. وبما أن المقصود من آية “الّذي مِنَ السّماء” هو الرّبّ يسوع المسيح إذاً فالّذي كلم موسى على الجبل هو يسوع المسيح، فيسوع هو يهوه ربّ الكلّ!
ونختم بمقارنة ظهور الرّبّ (يهوه) لموسى وايليّا على الجبل وتكلّمه معهما، مع وقت تجلّي الرّبّ يسوع على الجبل بحضور تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنّا، حيث تغيّرت هيئته وصار وجهه كالشّمس وثيابه بيضاء كالنور وكان الرّبّ يسوع المسيح يتكلّم مع موسى وايليا، كما جاء في بشارة القدّيسَين متى 17: 1-7، ومرقس 9: 2-8.
يعلّق القدّيس مار بطرس على ذلك المشهد الرّهيب على الجبل في رسالته (2بطرس 1: 16): “لأَنَّنَا لَم نَتبَع خُرافَاتٍ مُصَنَّعَة، إِ ذ عَرَّفنَاكُم بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ المَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَل قَد كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ “.
[1] للمزيد من الإيضاح بأن يسوع هو الابن الوحيد راجع: يوحنّا 1: 18 و 3: 16 و 3: 18 و1تيموثاوس 6: 15 و 1يوحنّا 4: 9 و يهوذا 1: 4 و 1: 25.
[2] “لاَ تَستَعفُوا“: أي لا ترفضوا أو لا تعرضوا بحسب ال تّرجمات الأخرى.