كتاب تجسد الكلمة (كتاب صوتي) للقديس أثناسيوس الرسولي كتاب صوتي

كتاب تجسد الكلمة (كتاب صوتي) للقديس أثناسيوس الرسولي كتاب صوتي

الاستماع للكتاب

 

كتاب تجسد الكلمة (كتاب صوتي) للقديس أثناسيوس الرسولي كتاب صوتي

كتاب تجسد الكلمة (كتاب صوتي) للقديس أثناسيوس الرسولي كتاب صوتي

 

رابط الكتاب الصوتي: كتاب تجسد الكلمة للقديس أثناسيوس صوتيا

 

تقديم الناشر [1]

أول كتاب من كتابات الآباء، صدر مترجمًا باللغة العربية في القرن العشرين هو كتاب ” تَجَسُّد الكَلِمَة ” للقديس أثناسيوس الرسولي. وقد ترجمه عن الإنجليزية القس مرقس داود 1942م، وكان وقتها اسمه حافظ داود (قبل الكهنوت)، وقد نشرته جمعية نشر المعارف المسيحية وأعيد طبعه عدّة مرّات. وعلى مدى ستين عامًا استمر الكثيرون ينهلون من فكر القديس أثناسيوس بواسطة أسلوب القس مرقس داود نيح الله نفسه.

لكن بعد مرور أكثر من خمسين عامًا على الترجمة القديمة، وبعد الدراسات الكثيرة التي جرت في العالم كله حول نصوص كتابات وتعاليم القديس أثناسيوس الرسولي اللاهوتية وحول كتابه هذا عن ” تَجَسُّد الكَلِمَة ” بصفة خاصة، أصبح هناك احتياج لعمل ترجمة جديدة عن اليونانية تكون أكثر وضوحًا في عرض تعاليم القديس أثناسيوس.

وهذا هو العمل الذي انشغل به الدكتور جوزيف موريس فلتس في السنوات الأخيرة، لإعداد هذه الترجمة عن اللغة اليونانية التي كتب بها القديس أثناسيوس، إذ أن كتاب ” تَجَسُّد الكَلِمَة ” كان أحد النصوص التي قام الدكتور جوزيف بدراساتها في رسالته للدكتوراه عن القديس أثناسيوس والأسقف بولس البوشى، بجامعة أثينا عام 1994م.

هذه الترجمة الجديدة تتميّز بمقدمة وافية، وبملاحظات كثيرة في الهامش، من إعداد الدكتور جوزيف. وألحق بها في نهاية الكتاب فهارس متعددة للكلمات والمصطلحات والأماكن… إلخ. وقد كان لى نصيب من البركة أن أشترك معه في ترجمة النصف الثاني من هذا الكتاب.

هذا الكتاب للقديس أثناسيوس يستحق اهتمامًا كبيرًا ومدققًا من كل مسيحى مثّقف، ويحتاج للقراءة المتأنية، وأن تُعاد قراءته أكثر من مرّة، فهو يعالج قلب الإيمان المسيحى ومحوره ” المسيح الإله المتجسّد “.

فليبارك الرب في هذا العمل، ويعوض الدكتور جوزيف عن المجهود الضخم الذي بذله في ترجمة وإخراج هذا الكتاب بهذه الصورة الجيدة.

بصلوات السيدة العذراء ” ثيئوتوكس ” والدة الكلمة المتجسد وصلوات القديس البابا أثناسيوس الرسولي وجميع الآباء القديسين، وصلوات قداسة البابا الأنبا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.

ولإلهنا القدوس المحب، الآب والابن والروح القدس،

كل مجد وسجود وتسبيح، الآن وإلى الأبد. آمين

19 أغسطس 2002م

الموافق 13 مسرى 1817ش

عيد تجلي السيد المسيح

على جبل طابور

دكتور نصحي عبد الشهيد

مؤسسة القديس أنطونيوس

المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية

 

مقدمة المُترْجِم

الآباء هم أعضاء حيّة في الكنيسة جسد المسيح. والكنيسة عاشت وتعيش تعاليمهم الأرثوذكسية الأصيلة مقتفية آثار تقواهم، إذ أنها رأت فيهم بوعيها العميق استمرارًا وامتدادًا للرسل. فقد سلّم الرسل الاثنا عشر خدمتهم الشخصية وهي التعليم لآباء الكنيسة، كما يقول القديس إيريناؤس[2]. وهذا ما دعا كنيستنا المُلْهَمَة بالروح أن تُلَقِّب أبًا ومعلّمًا عظيمًا فيها، وهو القديس أثناسيوس، بلقب “الرسولي”، أي أنه امتداد للرسل في القول والفعل، فترتل له قائلة: ” أيها الراعى الأمين الذي لقطيع المسيح، البطريرك المُكَرَّم أثناسيوس رئيس الكهنة، الذي بتعاليمه المقدسة مَلأْت العالم كله، الذي صار رسولاً مثل التلاميذ في القول والفعل”[3].

ولقد تنبهت الكنيسة كلها ومنذ وقت مبكر جدًا لقيمة إسهامات القديس أثناسيوس اللاهوتية بكتاباته وتعاليمه، في تحديد وصياغة مضمون الإيمان والمحافظة على ذلك التقليد الرسولي الذي استلمته الكنيسة من تلاميذ الرب نفسه، بل ولترتيبه ” للمعرفة الإلهية ” كما يذكر القديس كيرلس عنه[4]. فلهذا دعته بلسان القديس غريغوريوس اللاهوتي “بعمود الكنيسة”[5].

لقد كانت محبة القديس أثناسيوس للسيد المسيح، ويقينه من صلاح الله ومحبته للبشر، هما المفتاح ليس لكل حياة هذا الأب والمعلّم فقط، بل لكل كتاباته[6]. ولهذا نجد أن شخص السيد المسيح الكلمة المتجسد، يحتل مكان الصدارة في كل تعاليمه، ومعرفته والإيمان به هو ” أسمى من أى شئ آخر على الاطلاق “[7].

فالواقع كان هدف كتابات القديس أثناسيوس إثبات ألوهية السيد المسيح، الكلمة المتجسد. فهو الذي خُلق به العالم وبه جُددت الخليقة كلها ” وهكذا يستطيع المرء أن يدرك أن تجديد الخليقة قد تم بواسطة الكلمة الذي هو خالق الخليقة في البدء”[8]. وفي إيضاحه لهذه الحقيقة، يشرح لماذا اتخذ الكلمة الأزلى طبيعتنا البشرية، ثم أخذ يعدّد أهداف التجسد شارحًا إياها بأسلوب أخضع فيه العقل للإيمان. فقد كان اهتمامه الأساسى هو التعبير عن التقليد الكنسى الذي استلمه، وليس الخوض في أمور ميتافيزيقية افتراضية.

لقد كان شاغله الأول هو النمو الروحى للإنسان المسيحى، وتوضيح أن معرفة الله، تأتى فقط من خلال الإيمان بالمسيح، لهذا كان يركّز في تعاليمه على عقيدة تجسد ابن الله والفداء الذي قدّمه للبشرية، وهذا حسب تعاليم القديس أثناسيوس يستلزم الإيمان السليم بألوهية السيد المسيح وإنسانيته معًا، وذلك في مقابل الفكر الآريوسى الخاطئ الذي كان يحاول أن يلغى حقيقة الفداء وأهميته. فلو لم يكن السيد المسيح هو الله بالحقيقة كما أن الآب هو الله بالحقيقة (بسبب وحدتهما في الجوهر ÑmooÚsioj) لما كان في الإمكان أن يفدى البشرية من الموت والفساد. ولو لم يكن الابن هو الإله الذي تجسد، لما كان ممكنًا أن يؤلّهنا نحن عندما اتحد بطبيعتنا[9]، كما يقول القديس أثناسيوس ” لأن كلمة الله صار إنسانًا لكى يؤلّهنا نحن”[10].

ومن الجدير بالذكر، أن مقالة ” تجسد الكلمة ” تقدم ردًا حاسمًا في مواجهة الهرطقة الآريوسية، بل نستطيع أن نقول إن القديس أثناسيوس لم يُعطِ جوابًا أكثر وضوحًا ضد الآريوسية مثلما أعطى في هذا المقال.

فالقديس أثناسيوس يعلّم عن كلمة الله (LÒgoj) في ملء لاهوته، وأيضًا يقدمه كمخلّص العالم، وذلك فقط وحصرًا لأنه الله، أى أنه هو مخلّص العالم بسبب ألوهيته. بينما علّم آريوس بأن الآب هو مصدر وجود الابن، ولذلك فهو سابق عليه، وأن الابن له بداية زمنية والآب وحده هو بلا بداية. لقد وصل آريوس بتعاليمه الخاطئة إلى القول، بأن الابن من طبيعة مختلفة عن طبيعة الآب، وبالتالى قال إن الابن مخلوق وذلك لأنه فهم آية سفر الأمثال ” الرب خلقنى أول أعماله ” (22:8)، فهمًا خاطئًا.

تُقدّم مقالة ” تَجَسُّد الكَلِمَة ” في مواجهة مثل هذه البدعة شرحًا واضحًا لتعاليم الكنيسة اللاهوتية، فأولاً يأتى الإعلان الإلهى بتجسُّد الله الكَلِمَة، وفقط بعد ذلك يمكننا أن نحاول صياغة إيماننا بالله مثلث الأقانيم أو إيماننا بالله في ذاته. فليست هناك تعاليم مسيحية عن الله، لا تبدأ بالتعليمٌ عن المسيح يسوع حسب الإنجيل وخبرة الكنيسة، وإلاّ سيكون لدينا مناقشات وتعاليمًا عن الله مثل تعاليم الفلاسفة أو غير المسيحيين.

فمَن يُقدّم تعاليم مسيحية لاهوتية وكنسيّة، ينبغى أن يبدأ بالحديث عن تَجَسُّد الكَلِمَة الابن الوحيد، قبل الخوض في الحديث عن ميلاد الابن أزليًا من الآب.

وبفضل القديس أثناسيوس، أصبح هذا التعليم، هو منهج الكنيسة وتقليدها من القرن الرابع فصاعدًا. فالتجسد الإلهى بالنسبة للقديس أثناسيوس يعنى وقبل كل شئ أن الله قد أتى بذاته إلى عالمنا، كى يعلّمنا كل ما يمكن أن نفهمه عنه وعن خلاصه الإلهى. وليس العقل هو الذي يجعل الكلام عن الله (qeologˆa) أو ما يُسمى علم اللاهوت المسيحى، أمرًا ممكنًا، بل الذي يجعل هذا ممكنًا هو إعلان الله عن نفسه.

فيذكر ق. أثناسيوس: ” لهذا فإن محب البشر ومخلّص الجميع كلمة الله أخذ لنفسه جسدًا ومشى بين الناس، وجذب أحاسيس كل البشر نحو نفسه”[11]. ثم يتابع الشرح فيقول: ” فطالما إن فكر البشر قد انحط كليةً إلى الأمور الحسيّة فالكلمة أيضًا تنازل وأخفى نفسه بظهوره في الجسد، لكى يجذب البشر إلى نفسه، كإنسان ويوجّه إحساساتهم نحوه “[12].

وهكذا فإن التجسد الإلهى يعنى بالنسبة للقديس أثناسيوس إعلانًا جديدًا عن الله، واختبارًا حسيًا لكل المؤمنين به. ومن خلال روايات الإنجيل يمكن أن نبصر كيف يتصرف الكلمة المتجسد، فيمكن للإنسان أن يلمسه، أى يلمس جسده، ويمكن أن يسمع صوت الحق الأبدى، ويمكن أن ينجذب إليه المرء عندما يراه، ويتعامل معه، فينصت إلى رسالته وبالإيمان يقبله ربًا ومخلّصًا، إذ هو الإله المتجسد.

وحقيقة التجسد تُعاش في الكنيسة، فالكنيسة تتيح مجالاً أمام المؤمنين، ليعيشوا حقيقة الإله المتجسد، كما هى معلنة وواضحة في الإنجيل. لهذا فإن القديس أثناسيوس هو أب ليس للتعليم عن ماهية سرّ التجسد الإلهى فقط، بل أيضًا للتعليم عن ماهية الكنيسة إذ أن التعليم عن سرّ التجسُّد الإلهى هو في الوقت نفسه تعليم عن الكنيسة. فالكنيسة بالنسبة له تحقق في كل الأوقات وكل الأزمنة، الإعلان العملى والحسى، إعلان الكلمة المتجسد.

كما أن مقالة ” تَجَسُّد الكَلِمَة ” تشهد بأن القديس أثناسيوس قد واصل بحق، تقليد الكنيسة الذي استلمه وأيضًا تعاليمها الآبائية، عن خلاص الإنسان. فعندما يتحدّث عن سقوط الإنسان وفدائه، فإنه يتبع تعاليم القديس بولس الرسول بخصوص هذا الموضوع، وأيضًا ما علّم به الآباء الذين سبقوه، وعلى الأخص القديس ايريناؤس. فبداية المقالة ونهايتها تشهدان أن القديس أثناسيوس كان لا يُعلّم إلاّ ما تَعلّمه من الآباء، وأن تعليم الآباء نفسه يفسر الكتاب المقدس بدرجة واضحة للغاية، تجعل أى تفسير آخر هو تفسير غريب ليس له أية أهمية.

تحمل هذه المقالة في بعض المخطوطات عنوان ” عن تَجَسُّد الرّب”[13]، أو ” عن تَجَسُّد كَلِمَة الله “[14]. وبالتالى فهى تتحدّث عمّا يدعوه القديس أثناسيوس نفسه ” ظهوره الإلهى بيننا ” ذلك الذي ” يَسخَر منه اليهود ويهزأ به الأمم “[15].

وتوضح المقالة ما علّم به القديس أثناسيوس عن الحقائق الإيمانية التالية:

 

الخلق:

الله خالق وصالح، وبكلمته يسوع المسيح ربنا، خَلَق الخليقة كلها من العدم. ولأنه بالحرى هو مصدر الصلاح، خلق الإنسان معطيًا إياه نعمة خلقته على صورة الله ومثاله، مانحًا إياه الحياة الأبدية، إن أبقى الله في معرفته ولم يخالف الوصية.

 

السقوط ونتائجه:

السقوط هو نتيجة فعل حُرّ للإنسان دون سائر الخليقة عندما خالف الوصية، ومن عواقبه الموت والفساد الذي عمّ البشرية كلها وساد عليها سيادة شرعية. فمع أن البشر قد خُلقوا ليحيوا في سعادة، إلاّ أنهم انتهوا إلى حالة التعاسة، لأنهم أهملوا كل ما هو صالح وانجذبوا إلى كل ما هو مادى. وتنكروا لله ولمحبته، وأسلموا أنفسهم لشهواتهم الذاتية. وهكذا فبابتعادهم عن الله وصلوا إلى الفناء، إذ أن غياب الشركة مع الله تعنى الموت المطلق.

ويصف القديس أثناسيوس الحالة التي وصلت إليها البشرية بعد السقوط، والتي من أجلها نزل كلمة الله إلى عالمنا فيقول: إن الكلمة ” إذ رأى الجنس (البشري) العاقل يهلك، وأن الموت يملك عليهم بالفناء، وإذ رأى أيضًا أن عقوبة التعدي (الموت) قد خلّدت الفناء فينا، وأنه من غير اللائق أن يُبطل الناموس قبل أن ينفذ، وإذ رأى أيضًا عدم اللياقة فيما هو حادث بالفعل؛ وهو أن الخليقة التي خلقها هو بنفسه، قد صارت في طريقها إلى الفناء، وإذ رأى في الوقت نفسه شر البشر المفرط، وأنهم يتزايدون فيه شيئًا فشيئًا إلى درجة لا تطاق وضد أنفسهم، وإذ رأى أن كل البشر تحت سلطان الموت، فإنه رحم جنسنا وأشفق على ضعفنا وتراءف على فسادنا”[16].

 

الخلق والتَجَسُّد:

لقد كان في علم الله السابق إمكانية سقوط الإنسان ونتائجه، كذلك أيضًا عملية التَجَسُّد وحتميتها. فلقد خلق الله العالم بالكلمة وأيضًا لابد أن يخلّصه بالكلمة، الذي به خلق العالم أولاً، وذلك لأن صفات الله التي لا يمكن أن تتغير أو تتبدل، لا تسمح بأن يؤخذ قرار التَجَسُّد والخلاص بعد أن يكون الإنسان قد سقط.

 

التَجَسُّد والتدبير الإلهى للخلاص:

إن نتائج السقوط هى موت الإنسان الذي ابتعد عن الله مصدر الحياة، وفقده لكل معرفة عن الله. لهذا كان لائقًا بصلاح الله أن يتدّخل لإصلاح ما أفسده الإنسان ” فلأجل قضيتنا تَجَسَد كي يخلّصنا، وبسبب محبته للبشر قَبِل أن يتأنس ويظهر في جسد بشرى “[17].

لقد صار الموت حتمية والتجسد ضرورة:

فلم يكن ممكنًا لله أن يتراجع عن حُكمِه على الإنسان بالموت إن أخطأ، ولم يكن أيضًا ممكنًا أن يُهمِل الله ولا يبالى بهلاك البشرية وفنائها. فعدم الاهتمام كان سيُظهر الله وكأنه ليس صالحًا، والتراجع كان سَيُبيّن وكأن طبيعة الله غير ثابتة.

فإن كان الأمر هكذا، فقد صار الموت حتميًا، وتجسد كلمة الله وحده ضرورة.

 

وهنا يوضح القديس أثناسيوس لماذا كان لائقًا أن يتخذ الكلمة جسدًا بشريًا كأداة ليخلّص بها الإنسان، ويستبعد أى وسيلة أو طريق آخر، يمكن أن تكون وسيلة لفداء الإنسان وخلاصه:

فأولاً: يوضح عدم كفاية التوبة كى يعود الإنسان إلى عدم الفساد والخلود فيقول: ” التوبة تعجز عن حفظ أمانة الله، لأنه لن يكون الله صادقًا إن لم يظل الإنسان في قبضة الموت، (لأنه تَعَدى فحُكم عليه بالموت كقول الله الصادق). ولا تَقْدِر التوبة أن تُغَيّر طبيعة الإنسان، بل كل ما تستطيعه هو أن تمنعهم عن أعمال الخطية “[18].

إن مأساة سقوط الإنسان تَكْمُن في أن ما فعله لم يكن مجرّد عمل خاطئ، بل كان بالحرى عملاً خاطئًا تبعه الموت والفساد، لأنه وكما يقول القديس أثناسيوس: ” لو كان تعدى الإنسان مجرد عمل خاطئ ولم يتبعه فساد؛ لكانت التوبة كافية “[19]. إن ما جعل التَجَسُّد ضرورة؛ هو أنه بعدما حدث التعدى على وصية الله ” تورط البشر في ذلك الفساد الذي هو طبيعتهم، ونُزِعَت منهم نعمة مماثلة صورة الله “[20]. هذه النعمة التي كانت تمكنهم من أن يَبْقوا في شركة الحياة وعدم الفساد.

ثانيًا: في موضع آخر يُجيب القديس أثناسيوس على الذين لا يرون ضرورة لتَجَسُّد الله الكلمة، بل ويهزأون من ظهوره الإلهى بيننا، ويقولون: لماذا لم يُتمم الله أمر خلاص البشرية بإصدار أمر بدون أن يتخذ كلمته جسدًا، أى بنفس الطريقة التي أَوجَدَ بها البشرية؟ على هؤلاء يَرُّد القديس أثناسيوس قائلاً:

” في البدء لم يكن شئ موجودًا بالمرّة، فكل ما كان مطلوبًا هو مجرّد نطق مع إرادة (إلهية) لإتمام الخلق، ولكن بعد أن خلق الإنسان وصار موجودًا استدعت الضرورة علاج ما هو موجود، وليس ما هو غير موجود “[21].

ثم يستطرد قائلاً:

” لأن الأشياء غير الموجودة لم تكن هى المحتاجة للخلاص (للتجسد)، بل كان يكفيها مجرد كلمة أو صدور أمر، ولكن الإنسان (المخلوق) الموجود فعلاً والمنحدر إلى الفساد، والهلاك هو المحتاج إلى أن يأتى الكلمة[22].

ثالثًا: يشير القديس أثناسيوس إلى أن لا البشر ولا الملائكة، كانوا قادرين على تجديد خلقة الإنسان على مثال الصورة، وذلك لأن الإنسان هو مجرد مخلوق على مثال تلك الصورة، وليس هو الصورة نفسها، كما أن الملائكة ليسوا هم صورة الله[23].

رابعًا: وأخيرًا يوضّح القديس أثناسيوس أنه كى يصير كلمة الله معروفًا مرة أخرى بين البشر وبه يُعرف الآب، لم يكن التناسق بين أعمال الخليقة كافيًا، ولم تَعُد الخليقة وسيلة مضمونة بعد فيقول: ” لو كانت الخليقة كافية، لما حدثت كل هذه الشرور الفظيعة، لأن الخليقة كانت موجودة بالفعل، ومع ذلك كان البشر يسقطون في نفس الضلالة عن الله “[24]. لقد سبق وأن أعطى الله البشر إمكانية أن يعرفوه عن طريق أعمال الخليقة. أما الآن وبعد السقوط، فإن ” هذه الوسيلة لم تَعُد مضمونة وبالتأكيد هى غير مضمونة لأن البشر أهملوها سابقًا، بل إنهم ما عادوا يرفعون أعينهم إلى فوق بل صاروا يشخصون إلى أسفل “[25].

وبعد أن أوضح القديس أثناسيوس عجز كل من هذه الوسائل عن تحقيق الخلاص للبشرية، يكشف عن قدرة الكلمة وحده الذي ظهر في الجسد على إتمام هذا الفداء العظيم فيقول: ” إنه لم يكن ممكنًا أن يُحوَّل الفاسد إلى عدم فساد إلاّ المخلّص نفسه، الذي خلق منذ البدء كل شئ من العدم، ولم يكن ممكنًا أن يعيد خَلقْ البشر، ليكونوا على صورة الله إلاّ الذي هو صورة الآب، ولم يكن ممكنًا أن يجعل الإنسانَ المائت غير مائت إلاّ ربنا يسوع المسيح الذي هو الحياة ذاتها. ولم يكن ممكنًا أن يُعلّم البشر عن الآب، ويقضى على عبادة الأوثان إلاّ الكلمة الذي يضبط الأشياء، وهو وحده الابن الوحيد الحقيقى “[26].

وفي عبارات رائعة يعطى مفهوم الفداء المعنى العميق حسب ما تُعلّم به الكنيسة الشرقية فيقول: ” ولما كان من الواجب وفاء الدين المستحق على الجميع، إذ كان الجميع مستحقين الموت فلأجل هذا الغرض جاء المسيح بيننا. وبعدما قدّم براهين كثيرة على ألوهيته بواسطة أعماله في الجسد، فإنه قدّم ذبيحته عن الجميع، فأسلَم هيكله للموت عوضًا عن الجميع، أولاً: لكى يبرّرهم ويحرّرهم من المعصية الأولى، ثانيًا: لكى يثبت أنه أقوى من الموت، مُظهرًا جَسَدَه الخاص أنه عديم الفساد، وأنه باكورة لقيامة الجميع”[27].

 

لمَن كتب القديس أثناسيوس مقالة تجسد الكلمة؟

مقالة ” تَجَسُّد الكَلِمَة ” هى الجزء الثانى من كتاب كتبه القديس أثناسيوس ليكمل به الجزء الأول الذي يحمل عنوان ” ضد الوثنيين “. المقالتان دفاعيتان كبيرتان ورد ذكرهما معًا في الكتابات الآبائية، فعلى سبيل المثال يذكر القديس جيروم (ق4) أنهما كتاب واحد من فصلين[28] “ Adversus genetes Libri dou “

وفي الواقع، أنه رغم أن كلتا المقالتين تحمل عنوانًا مختلفًا، إلاّ أنه توجد علاقة بين محتوى هاتين المقالتين. ويشير القديس أثناسيوس نفسه إلى هذه العلاقة في بداية هذه المقالة الثانية عندما يقول ” اكتفينا بما أوضحناه في بحثنا السابق مع أنه قليل من كثير، ببيان ضلال الأمم في عبادة الأوثان وخرافاتها … وأيضًا بعد أن أشرنا قليلاً لبعض الأمور عن ألوهية كلمة الآب وتدبيره لكل الأشياء “[29]، كما يقول أيضًا لمَن يكتب له: ” يلزم أن تستحضر للذاكرة كل ما سبق أن قيل (يقصد المقالة ضد الوثنيين)، حتى تستطيع أن تدرك سبب ظهور كلمة الآب، كُلىَّ العظمة والرفعة في الجسد “[30].

يُوجّه القديس أثناسيوس كلامه في مقالة ” تَجَسُّد الكَلِمَة ” لقارئ ما لا يذكر اسمه بالتحديد بل يدعوه ” بالطوباوى “[31]، و” بالمحّب للمسيح “[32] ويصفه بأن لديه غِيرة للدراسة والتعلّم[33]. ويخصه بالتعاليم التي تضمنتها الفصول من (132)، لذا يدعوه في بداية الفصل الأول قائلاً:” تعال أيها الطوباوى يا محبًا للمسيح بالحقيقة، لنتتبع الإيمان الحقيقى، ونتحدّث عن كل ما يتعلّق بتأنس الكلمة، ونبيّن كل ما يختص بظهوره الإلهى بيننا”[34].

غير أن الظهور الإلهى أو التَجَسُّد الإلهى كان موضوع سخرية واستهزاء لكل من اليهود واليونانيين (الأمميين)، لذا نجد أن القديس أثناسيوس يخصص الفصول (3340) لدحض عدم إيمان اليهود بالمسيح كلمة الله الذي قد جاء في الجسد. والفصول (4155) للرد على دعاوى اليونانيين وهم مَن كان يدعوهم القديس أثناسيوس ” غير المؤمنين “[35] بعدم إمكانية تَجَسُّد كلمة الله باعتباره عملاً غير لائق بالله.

وربما توقع القديس أثناسيوس أن يقرأ كتابه هذا ليس غير المسيحيين فقط، بل والمسيحيون أيضًا، إذ يقول في مطلع الفصل25 [ وهذا يكفى للرّد على الذين هم من خارج الذين يحشدون المجادلات ضدنا، ولكن لو أراد أحد من شعبنا أن يسأل، لا حبًا في الجدل، بل حبًا في التعليم..إلخ ][36].

لذلك يمكننا القول إن هذا العمل لم يوجهه القديس أثناسيوس لأحد بالتحديد، مثلما فعل في رسائله اللاحقة الموجهة إلى أشخاص بعينهم مثل سرابيون ومكسيموس وابكتيتوس وأدلفيوس وغيرهم، بل كان موجهًا لجمهور من الشعب داخل الكنيسة وخارجها. وفي توجيه مقاله إلى كل من المسيحيين واليهود والوثنيين، لم يكن القديس أثناسيوس هو أول مَن وسّع نطاق الدفاع المسيحى التقليدى وتفنيد الوثنية، إذ إنه بعد مرسوم التسامح الصادر عام 313م والمعروف بمرسوم ميلانو، كانت الغالبية العظمى من شعب الإمبراطورية الرومانية مازالت تنتمى للوثنية. فكتب أوسابيوس أسقف قيصرية (260339م) العديد من الكتب، بهدف أن يربح هذا الشعب.

ومن أشهر هذه الكتب ” التمهيد للإنجيل ” و” برهان الإنجيل “، وكان الغرض من هذه الأعمال أن يقرأها مَن قد اعتنق المسيحية. وكان تأثير أوسابيوس على القديس أثناسيوس واضحًا وذلك في تفاصيل معينة، وأيضًا في طريقة مناقشة وعرض الأفكار[37]. لكن الاختلاف في الرأى بينهما كان عنيفًا حول المسائل المتعلّقة بدور الإمبراطور في الكنيسة وأيضًا استقامة آراء آريوس، وتعاليم وقرارات مجمع نيقية. فلقد كان يوسابيوس صديقًا للامبراطور ومؤيدًا لتدخله في الأمور الكنسية ومناصرًا لآريوس في تعاليمه، ورفضه لتعبير هوموسيوس. بل إنه لم يوقع على قرارات مجمع نيقية إلاّ بأمر الإمبراطور نفسه[38].

لذلك يرى بعض المهتمين بالدراسات الآبائية أن القديس أثناسيوس قد تَعَمَّد محاكاة أسلوب كتابات يوسابيوس الواسعة الانتشار، وخصوصًا كتاب ” الظهور الإلهى “[39] الذي عرض فيه يوسابيوس وبشكل دفاعى عمل كلمة الله قبل التَجَسُّد حسب فكره وتعاليمه. ولهذا أراد القديس أثناسيوس من خلال مقاله هذا عرض التعليم الأرثوذكسى عن شخص السيد المسيح ومفهوم الفداء.

 

متى كتب القديس أثناسيوس مقاله تَجَسُّد الكَلِمَة؟

يعتبر معظم العلماء تقريبًا أن كتاب ” ضد الوثنيين ” و” تجسد الكلمة ” هو أول ما كتبه القديس أثناسيوس، غير أن الآراء تختلف حول زمن كتابته. فبسبب عدم وجود أى ذكر فيه للهرطقة الآريوسية تلك التي دحضها البابا أثناسيوس الرسولي بكل قوة في كتاباته العقيدية الأخرى، فقد افترض الكثيرون أن هذا الكتاب قد كُتب قبل عام 323م. غير أنه توجد شواهد كثيرة تناهض هذا الرأى منها:

أولاً: أن القديس أثناسيوس يشير في كتابه هذا إلى ” أولئك الذين يريدون أن يُقسَّموا الكنيسة “[40]. وقد تشير هذه العبارة إلى الانشقاق الذي حدث قبل مجمع نيقية والذي تَزَعّمه ميليتوس مطران أسيوط، إلاّ أن القديس أثناسيوس كان يستخدم هذه العبارة دائمًا في كتاباته الأخرى مشيرًا بها إلى الآريوسية. وترتبط هذه العبارة في مقالة ” تَجَسُّد الكَلِمَة ” بمفهوم جسد المسيح غير المنقسم[41]، وهو موضوع نجده فقط في الرسائل الفصحيّة التي كتبت قبل وبعد نفى البابا أثناسيوس لأول مرّة وذلك في عام (335م)[42].

ثانيًا: لقد قَصَدَ القديس أثناسيوس أن تكون طريقة الكتابة ومناقشة الأفكار في كتابه ” ضد الوثنيين ” و” تَجَسُّد الكَلِمَة “، مشابه لكتاب الثيوفانيا الذي كتبه يوسابيوس أسقف قيصرية، كما سبق القول. وكان يوسابيوس قد كتب كتابه هذا قبل عام 335م، وبعد أن كان الإمبراطور قسطنطين قد انفرد بالامبراطورية في عام 323م[43].

وأخيرًا فهناك عبارة ذكرها القديس أثناسيوس في كتابه ” ضد الوثنيين ” و” تَجَسُّد الكَلِمَة “[44]، تدل على أن هذه المقالة قد كُتِبَت قبل وفاة قسطنطين في عام 337م، وكان قسطنطين هو آخر إمبراطور صدر الحكم رسميًا باعتباره إلهًا.

ثالثًا: يَذْكُر القديس أثناسيوس في بداية الجزء الأول من كتابه هذا، أنه لم يكن بين يديه ” في الوقت الحاضر مؤلفات معلّمينا لنبعث إليك كتابة ما تعلّمناه منهم عن الإيمان “[45]. يقود هذا القول إلى التساؤل: إن كان القديس أثناسيوس قد كَتَبَ هذه المقالة وهو شماس للبابا الكسندروس، فكيف لم يكن متاحًا له إمكانية الوصول لمثل هذه الكتب الهامة وهو الشماس الواعد في الكنيسة؟

الأرجح أنه يكون قد كَتَبَ هذه المقالة وهو بطريرك وفي فترة نفيه الأول ما بين عامى 335 إلى 337م، وكان النفى هو السبب في عدم توافر هذه المؤلفات بين يديه عند كتابته لهذه المقالة وهو في المنفى. وهذا الرأى يؤيده ليس العالِم Tillemont في القرن 18، بل أيضًا كثيرون من العلماء المحدثين مثل Schwartz ، Ch. Kannengiesser[46].

النص اليوناني في المخطوطات:

بعد انتقال القديس أثناسيوس، حاول الكثيرون من أتباع الهراطقة استغلال اسمه وكتاباته لترويج أفكارهم المضلّلة[47]. لهذا تداولت بعضًا من كتابات هذا الأب المعلّم في نسختين. النسخة الأصليّة التي تعكس فكره وتعاليمه السليمة، ونسخة أخرى أجريت عليها تعديلات بالزيادة أو الحذف لخدمة أفكار وتعاليم معيّنة. فبالإضافة إلى رسالته إلى ابكتيتوس، والتي تداولت منها نسخة أخرى محرّفة بواسطة الأبوليناريين[48]. نجد أيضًا أن المخطوطات العديدة قد احتفظت لنا بنصين لمقاله عن ” تَجَسُّد الكَلِمَة “. نص مطول وهو المشهور والثابت نَسَبُه للقديس أثناسيوس والذي أجريت عليه دراسات نقدية عديدة، وتمّ نَشرُه وترجمته لكثير من اللغات، ونص آخر مختصر وقصير[49]، بَيّنتْ الأبحاث عدم أصالته، وأنه قد أضيفت له بعض الكلمات والعبارات، وحذفت الأخرى لتعضيد تعاليم لم يعلّم بها القديس أثناسيوس[50].

 

النص اليوناني المنشور

تمّ نشر النص المطوّل لمقالة ” تَجَسُّد الكَلِمَة ” في عدة طبعات نقدية، وأيضًا تم نشر دراسات وترجمات لها بعدة لغات منها اليونانية الحديثة والإنجليزية والفرنسية والألمانية؛ وذلك بالإضافة إلى النص المنشور في مجموعة باترولوجيا مينى مجلد 25، باللغة اليونانية.

 

عن هذه الترجمة:

دَبَرَ الله في صلاحه أن يكون عنوان الرسالة التي قدّمتُها وحصلتُ بها على درجة الدكتوراه من كلية اللاهوت بجامعة أثينا عام 1994، هو:

القديس أثناسيوس الرسولي – مصدر التعاليم اللاهوتية للأسقف بولس البوشى أسقف مصر (ق13) (عن التَجَسُّد) [51].

تطلّب الإعداد لهذه الدراسة القراءة الدقيقة لكتابات القديس أثناسيوس باللغة اليونانية، وخصوصًا ما كَتَبَه عن تَجَسُّد الكلمة، بالإضافة إلى الدراسات التي تمّت على هذه النصوص، وحول هذا الموضوع العميق سواء ما جاء باللغة اليونانية أو بلغات أخرى.

ولأن الدراسة اعتمدت في الجزء الثانى منها على مقارنة النصوص وتحليلها لاهوتيًا ولغويًا، لإيضاح تأثير تعاليم القديس أثناسيوس اللاهوتية على تعاليم الأسقف بولس البوشى. فقد كان لزامًا علىَّ أن أنقل إلى اليونانية كل ما كَتَبهُ البوشى باللغة العربية عن التجسد. وهكذا انشغلت لفترة كافية بنص مقالة ” تَجَسُّد الكلمة ” للقديس أثناسيوس ومقالة ” التَجَسُّد ” للبوشى.

كانت الترجمة التي قام بها الأب الموقر المتنيح القمص مرقس داود لمقالة ” تَجَسُّد الكلمة ” للقديس أثناسيوس[52] عن الإنجليزية من ضمن النصوص التي قرأتها أثناء الدراسة. وكان قد سبق لى قراءتها قبل ذلك بسنوات عديدة، غير أن القراءة هذه المرّة كانت مختلفة، فقد كان أمامى النص الأصلى باللغة اليونانية، وليس النص الإنجليزى الذي صدر عام 1891م والذي تَرجَم عنه وبكل إتقانٍ ودقة المتنيح القمص مرقس داود هذه المقالة.

والترجمة التي بين أيدينا هى محاولة أمينة لنقل النص اليوناني المحقق لهذه المقالة الهامة،إلى اللغة العربية. وقد دعّمنا الترجمة بهوامش وتعليقات على النص كنا قد سجلناها أثناء إعداد الرسالة. وقد احتفظنا بمقدّمات الفصول التي جاءت في ترجمة القمص مرقس داود، إذ هى ملخصات جيّدة لفصول المقالة، كما أبقينا أيضًا على تقسيم وترقيم الفقرات بدون تغيير.

 

 

الترجمة العربية الحالية:

تمّت ترجمة هذه المقالة عن النص اليوناني المنشور في مجموعة آباء الكنيسة اليونانية (EPE) الصادرة في تسالونيكى 1973 المجلد رقم 1 ص226375.

 كما أننا رجعنا لهذه النصوص:

  • BEP 30, 75-121. (نص يوناني)
  • G. 25,96-197. (نص يوناني)

وأيضًا رجعنا للنصوص والترجمات التالية، كما استعنا بالدراسات المصاحبة لها لكتابة التعليقات على النص المترجم:

  • Charles Kannengiesser: Athanase d’ Alexandrie, sur L’ Incarnation Du Verbe, introduction, texte critique, traduction notes et index. Sources Chretiennes, vol. 199. Paris 1973.
  • P.Meijering: Athanasius, De incanation verbi,einleitung – ubersetzung – kommentar. Amsterdam 1989.
  • P.N.F, second series, vol 4, USA 1994, pp.36-67
  • Robert W. Thomson: Athanasius, Contra Gentes and de Incarnatione, Edition, and translation, Oxford

 

س: الترجمة السبعينية للكتاب المقدس.

م: مقدمة الكتاب.

ف: فهارس.

 

عرض لمحتويات المقالة:

تشمل المقالة على 57 فصلاً يمكننا تقسيمها حسب مضمونها والعناصر الرئيسية التي جاءت بها إلى مقدمة وخمسة أقسام كالآتى:

مقدّمة النص

 

وجاءت في الفصل الأول وهى تلخيص لما سبق أن كَتَبَه القديس أثناسيوس في الجزء الأول من الكتاب وهى مقاله ” ضد الوثنيين “. ثم عرض هدف الجزء الثانى الذي هو مقاله ” تَجَسُّد الكلمة “.

 

I القسم الأول:

الخلق والسقوط

(فصول 2 5)

  1. دَحضْ الأفكار الكاذبة للأبيكوريين عن الخلق والتعاليم الأفلاطونية الخاطئة عن الخليقة والماركونية عن الخالق (فصل2).
  2. لقد خَلَقَ الله بسبب صلاحه العالم وخَلَقَ الإنسان على صورته ومثاله، وأعطاه إمكانية الحياة الأبدية، لو أنه أبقى الله في معرفته ولم يخالف الوصية (فصل3).
  3. بالسقوط فقد الإنسان هبة خلقته على صورة الله ومثاله وصار مصيره إلى الموت والهلاك (فصل4).
  4. وبعد السقوط تكاثرت الخطية جدًا (فصل5).

 

II القسم الثانى (القسم الرئيسى)

التَجَسُّد والفداء: موت الكلمة بالجسد على الصليب وقيامته. (فصول 6 32)

 

1 بالتَجَسُّد هُزم الموت (الفصول 610)

  • أ بعد السقوط كان لابد لله أن يتدخل ليس بسبب صلاحه فقط، بل بسبب مسئوليته عن رعاية خليقته، ولو كان الله قد ترك البشر في الموت والهلاك لتعارض هذا مع صلاحه (فصل6).
  • ب كأن الله غير صادق، إذا الإنسان لم يمت بعد أن قال الله أنه سيموت إن أخطأ. والتوبة لا تصلح لخلاص الإنسان، فهى لا تغير طبيعته التي فسدت بالموت بعد السقوط. كلمة الله وحده هو القادر أن يأتى بالفاسد إلى عدم فساد، وهو وحده القادر أن يصون صدق الآب من جهة الجميع (فصل7).
  • ج لكى يستعيد للإنسان كينونته على صورته ومثاله اتخذ الكلمة جسدًا من العذراء مريم، لكى يقبل الموت فيه نيابة عن الكل وبهذا ينتصر على الموت (فصول 89).
  • د الكلمة اتخذ الجسد كأداة لإبطال الموت فيه. البراهين الكتابية على تجسد الكلمة (فصل10). 

 

2 التَجَسُّد جعل الله معروفًا مرّة أخرى بين البشر (فصول 11 19)

  • أ فخِلقة البشرية على صورة الله ومثاله، كانت تمكّنها من معرفة الله، لكنها بالسقوط استبدلت معرفة الله وخدمته بخدمة الآلهة الغريبة (فصل11).
  • ب وبواسطة التوافق والتناسق الحادث في الطبيعة، وعن طريق الأنبياء، فتح الله طرقًا أخرى تساعد الإنسان على معرفته، غير أن الإنسان لم يستخدم هذه الطرق ولا استغلها لمعرفة الله (فصل12).
  • ج فلو لم يستطع الإنسان أن يتعرف على الله، لكانت خلقة الإنسان على صورة الله ومثاله بدون هدف. ولهذا فكلمة الله إذ هو صورة الآب وهو الخالق، كان قادرًا على أن يعيد للإنسان معرفته بالله (فصل13).
  • د وكان ذلك مستحيلاً أن يتم لا بواسطة البشر؛ لأنهم هم خُلقوا على مثال تلك الصورة، ولا بواسطة ملائكة لأنهم ليسوا صورًا لله، لهذا أتى كلمة الله بشخصه، كى يستطيع وهو صورة الآب، أن يُجدّد خلقة الإنسان على مثال تلك الصورة (فصل13).
  • ه لم تَعُدْ شهادة الخليقة لخالقها ذات نفع للإنسان بعد أن طُمست بصيرته (فصل14).
  • و التَجَسُّد هو تنازل الله إلى ضعف البشرية، لكى يستطيع كل مَن يفكر أن الله قد حلّ في جسد مادى أن يُدرك الحق عن طريق الأفعال التي يقوم بها الرب بواسطة جسده الخاص، وعن طريق الابن يُدرِك الآب (فصل15).
  • ز كلمة الله حاضر في كل الخليقة (فصل16).
  • ح الكلمة عندما اتخذ جسدًا، لم يُحدّ في هذا الجسد، ولم ينتقص بحلوله فيه (فصل17).
  • ط الكلمة اتخذ جسدًا حقيقيًا واستخدمه كأداة، وبه ظهر أنه الخالق الحقيقى من خلال الأعمال المعجزية التي أتمّها به (فصول 1819).
  • ى تلخيص لما سبق عن أسباب ظهوره في الجسد (فصول20 21أ).

 

3 ضرورة وحتمية الموت والقيامة في اليوم الثالث (فصول 21ب 26)

  • أ الموت علانية (فصل21). جسد المسيح لم يَرَ فسادًا بسبب اتحاد الكلمة به (فصل 21 ب).
  • ب السيد المسيح لم يهرب من الموت الذي فرضه عليه اليهود، بل قبل الموت بإرادته لأجل البشرية (فصل22).
  • ج ضرورة الموت علانية على الصليب لإعلان حقيقة القيامة (فصل23).
  • د ضرورة احتمال الموت بالصليب، حتى يمكن البرهنة على أنه أقوى من كل صور الموت (فصل24).
  • ه موت السيد المسيح على الصليب وحّد في شخصه كل من اليهود والأمم … وفَتَحَ لنا الأبواب الدهرية (فصل25).
  • و القيامة في اليوم الثالث هو الوقت المناسب؛ لا قبل ذلك ولا بعد ذلك (فصل26).

 

4 إثباتات من الواقع على نصرة السيد المسيح على الموت بموته على الصليب وبقيامته (فصول 2732).

  • أ بصليب السيد المسيح انتهى فزع الموت لدى المسيحيين، وأصبحوا مستعدين للموت إذا لزم الأمر (فصول 2729).
  • ب التغيير في حياة المسيحيين نتيجة إيمانهم بالقيامة (فصول 3032).

 

III القسم الثالث:

أدلة أخرى لحقيقة التَجَسُّد ضد دعاوى اليهود (فصول 33 40).

 

  1. نبوات من العهد القديم عن ميلاد المسيح (فصل33).
  2. نبوات من العهد القديم عن موت المسيح (فصل34).
  3. نبوات من العهد القديم عن موت المسيح على الصليب (فصل 35أ).
  4. إثباتات أن النبوات التي جاءت في العهد القديم عن ميلاد الرب كانت تشير إلى ميلاد المسيح (فصول 35ب 36).
  5. أدلة أن الأعمال التي أتمّها السيد المسيح والتي جعلت الله معروفًا لدى البشر، قد تنبأ عنها العهد القديم (فصل38).
  6. أدلة بوقائع على أن النبوات قد تمّت، وأنها لم تكن تشير إلى المستقبل. فأورشليم قد خربت، والتنبؤ قد بَطُل، ولا يوجد في إسرائيل اليهود كهنوت ولا مملكة. والأمم قد آمنوا (فصول 3940).

 

IV القسم الرابع:

إثباتات على حقيقة التجسد ضد دعاوى اليونانيين (فصول 41 55)

 

 

1 إثباتات ببراهين معقولة (فصول41 45)

  • أ كَون أن الكلمة ظاهر في كل الخليقة يجعل ظهوره في جزء من الخليقة الذي هو الجسم البشرى أمرًا معقولاً (فصول2142).
  • ب ظهور كلمة الله في جسد بشرى كان أمرًا حتميًا؛ لأن الإنسان وحده هو الذي أخطأ (فصل43).
  • ج لو كان الموت قد أُبعِدَ عن الجسد بمجرّد أمر من الكلمة، لبقى الجسد قابلاً للموت بحسب طبيعة الأجساد (فصل44).
  • د تَجَسُّد الكلمة أبطل أعمال الآلهة الكاذبة التي أضلت الإنسان (فصل45).

2 إثباتات مبنيّة على أمور تحدث بالفعل (46 55)

  • أ منذ ظهور المسيح فإن عبادة الأوثان بَطُلَت والشياطين طُردت، والسحرة والعرافين فُضحوا والفلسفة اليونانية كُشفت (فصول 4648أ).
  • ب المسيح ليس مجرّد إنسان وليس ساحرًا ولا شيطانًا، لكنه بألوهيته قد أبطل تعاليم الشعراء وضلالات الشياطين وحكمة اليونانيين (فصل 48ب).
  • ج أعمال السيد المسيح وهو في الجسد فاقت كل أعمال أسكيليبوس وهيرقل (فصل 49).
  • د المسيح فعل ما لم يفعله الفلاسفة: فقد أنقذ البشر من الهلاك والضلالات (فصل50).
  • ه المسيح وحده هو الذي غيّر طباع البشر الوحشية وميلهم للقتل والحرب، إلى محبة السلام والفضيلة (فصول 5152).
  • و أعمال السيد المسيح في الجسد تشهد لألوهيته (فصل53).
  • ز كلمة الله صار إنسانًا لكى يؤلهنا نحن وأظهر نفسه في جسد لكى نحصل على معرفة الآب غير المنظور (فصل54).
  • ح ملخص لأعمال السيد المسيح القائم (فصل55)

 

V القسم الخامس

ختام

(فصول 56 57)

1 أهمية الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة والتي منها نتكلّم عن تَجَسُّد المسيح وأيضًا عن ظهوره الثانى المجيد (فصل 56).

2 طهارة النفس والحياة الصالحة تؤهّلنا لدراسة ومعرفة الكتب المقدسة معرفة حقيقية (فصل 57).

 

 

[1] للطبعة الأولى سنة 2002م.

[2] إيريناؤسG 3,1 œlegcoj.

[3] ذكصولوجية في يوم تذكار الآية العظيمة التي صنعها الرب مع القديس أثناسيوس يوم 30 توت، أنظر: “كتاب الذكصولوجيات” المخطوط بالكنيسة المرقسية بالأزبكية.

[4] رسائل القديس كيرلس ج2: مركز دراسات الآباء بالقاهرة 1989. الرسالة الأولى، ص9.

[5] P.G 35: 1081.

[6] IeromÒnacoj A…milianÒj N. tsirpan£lhj: `H qe…a ™ns£rkwsh e…j t»n skšyin tÒn A’g…on Aqanas…ou, e„j: ™kklhs…a, Ar…q 24. 20 Dekembr…ou. Aq»nai, 1963 s.572.

[7] ضد الوثنيين 10/7.

[8] تجسد الكلمة فصل 1/4.

[9] يشدّد القديس أثناسيوس على هذا الأمر وبكل وضوح في دفاعه عن ألوهية الابن في مقالاته الثلاثة ضد الآريوسيين. انظر: المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين. ترجمة وإصدار المركز الأرثوذكسى لدراسات الآباء بالقاهرة، مايو 1998م: 1/39 ، 2/47 ، 2/59 ، 2/70 ، 3/33.

[10] تَجَسُّد الكلمة 54/3. وهذا التعبير عند الآباء لا يعنى أن الإنسان يصير بطبيعته إلهًا ، بل يعنى أنه يشترك في الحياة الإلهية، حياة البّر والقداسة.

[11] تجسد الكلمة 15/2.

[12] تجسد الكلمة 16/1.

[13] ‘Adriavoà rèmhj , Mansi 12, 1067.

[14] Fwt…ou, ™gkèmion, P. G. 102, 576.

[15] تجسد الكلمة فصل 1.

[16] تجسد الكلمة فصل 8/2.

[17] تجسد الكلمة فصل 4/3.

[18] تجسد الكلمة فصل 7/3.

[19] تَجَسُّد الكَلِمَة فصل 7/4.

[20] المرجع السابق.

[21] تَجَسُّد الكَلِمَة فصل 44/2.

[22] تَجَسُّد الكَلِمَة فصل 44/3.

[23] انظر تَجَسُّد الكَلِمَة فصل 13/7.

[24] تَجَسُّد الكَلِمَة فصل 14/5.

[25] تَجَسُّد الكَلِمَة فصل 14/7.

[26] تَجَسُّد الكَلِمَة فصل 20/1.

[27] تَجَسُّد الكَلِمَة فصل 20/2.

[28] De viris illustribus 87.

[29] تَجَسُّد الكَلِمَة فصل 1/1.

[30] تَجَسُّد الكَلِمَة فصل 1/3.

[31] تَجَسُّد الكَلِمَة فصل 1/1.

[32] تَجَسُّد الكَلِمَة فصل 1/1.

[33] تَجَسُّد الكَلِمَة.

[34] تَجَسُّد الكَلِمَة فصل 1/1.

[35] المرجع السابق فصل 2.

[36] فصل 25/1.

[37] M . J . Rondeau, “ une nouvelle preuve de l’influence littéraire d’Eusèbe de Césarée sur Athanase: l’interprétation des psaumes “ Recherches de Science religieuse 56 (1968) 385-434.

[38] معظم محتوى هذا الكتاب هو اعادة لما جاء في الكتابين الدفاعيين ” التمهيد للإنجيل ” و” برهان الإنجيل “.

[39] S . papadÒpoulou, patrolog…a B/. AqÁnai 1990.s.126.

[40] تَجَسُّد الكَلِمَة فصل 24/4.

[41] المرجع السابق.

[42] Ch. Kannengiesser, “ L’témoignage des Lettres Festales de Saint Athanase sur La date de L’apologie Contre les paiens, sur L’incarnation du verbe “, Recherches de science religieuse 52 (1964), 91-100.

[43] R.W. Thomson, Athanasius, Contra Gentes and De Incarnatione. Oxford 1971. P.xxii.

[44] ” ولا تعجب، بل لا تظن أن ما نقوله صعب التصديق، إذا ما قررنا أنه إلى عهد قريب ولو لم تستمر هذه الحالة للآن كان مجلس الشيوخ في الإمبراطورية الرومانية يُصوّت للأباطرة الذين حكموهم من البداية، لكلهم أو لمَن يشاءون ويقرّرون ليعطوهم مكانًا بين الآلهة ويأمرون بعبادتهم ” ضد الوثنيين فصل 5:9.

[45] ضد الوثنيين 3:1.

[46] Bl. P. Cr»stou: Ellhnik» Patrolog…a. tÒmoj G/. qessalonok» 1987. s. 501.

[47] bl: S. papadÒpoulou, patrolog…a b/, Aqhnai 1990, s: 310.

[48] R.W. Thomson. Ibid.p. xxviii.

[49] cf: J. Quasten, Patrology. vol III. P.25.

[50] Ch. Kannengiesser, Athanase d ‘Alexandrie sur L’incarnation du verbe, sources Chrétiennes. Nº.199. Paris 1973.p32.

[51] جوزيف موريس فلتس: القديس أثناسيوس الرسولي مصدر التعاليم اللاهوتية للأسقف بولس البوشى. أسقف مصر (ق13) عن التجسد. رسالة دكتوراه باللغة اليونانية، أثينا 1994م.

[52] تَجَسُّد الكَلِمَة للقديس أثناسيوس الرسولي نقله إلى العربية القمص مرقس داود. صدر عن دار التأليف النشر للكنيسة الأسقفية بالقاهرة. الطبعة الثانية يناير 1960م (الطبعة الأولى كانت سنة 1942).

التدبير الإلهي في تجسد الكلمة – د. أنطون جرجس عبد المسيح

التدبير الإلهي في تجسد الكلمة – د. أنطون جرجس عبد المسيح

التدبير الإلهي في تجسد الكلمة – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

التدبير الإلهي في تجسد الكلمة

عند القديس أثناسيوس

 

ملخص البحث

هو استعراض لأهم النقاط والمفاهيم اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية للتدبير الإلهى في سر التجسد الإلهي عبر كتابات ق. أثناسيوس لمعرفة عمق أسرار التدبير الإلهي والحكمة الإلهية من هذا السر العظيم الذي للتقوى؛ أي ظهور الله بالجسد.

المقدمة

لقد واجه القديس أثناسيوس الرسولى الأريوسيين منكري ألوهية السيد المسيح ومنكري التدبير الإلهي العجيب في سر التجسد الإلهي، لذا هبَّ ق. أثناسيوس للدفاع عن ألوهية السيد المسيح ضد الأريوسيين الهراطقة في العديد من الكتابات التي تعد المرجع الأساسي في فهم عقيدة ألوهية السيد المسيح وتجسد الكلمة، ولقد أظهر ق. أثناسيوس الرسولي جوانب عميقة وسرية في هذا التدبير الإلهي العجيب السري الذي كان مكتومًا منذ الأزل وقبل كل الدهور، وصار معلنًا في شخص الكلمة المتجسد في التاريخ البشري..

وسرد ق. أثناسيوس الخطة الإلهية العجيبة بمنتهى البراعة والحنكة معتمدًا على خبرات إيمانية حية وحقيقية، فصارت كتاباته تعبيرًا عن خبرته الحقيقية والسرية لبركات سر التجسد الإلهي. لقد شرح ق. أثناسيوس عمق أعماق التدبير الإلهي في تجسد الكلمة عبر كتاباته العظيمة، وسنقوم بعمل تحليل وإستنباط لمفاهيم وأسرار التدبير الإلهي للتجسد في كتابات هذا العملاق العظيم ومعيار الأرثوذكسية في كل العصور.

منهجية البحث وإطاره النظري

منهجية البحث هي منهجية تحليلية واستدلالية بالتحليل والاستدلال لكتابات ق. أثناسيوس. سوف أستعرض في هذا البحث النقاط الرئيسة والمفاهيم اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية العميقة للتدبير الإلهي في تجسد الكلمة عبر كتابات ق. أثناسيوس، وسأسلط الضوء على رؤية ق. أثناسيوس لسر التدبير الإلهي في تجسد الكلمة، وكيف كانت هذه الرؤية نابعة من خبرة إيمانية حقيقية ودراسة لاهوتية جادة ودقيقية لكتابات الآباء السابقين عليه أمثال ق. ايرينيؤس، والعلامة أوريجينوس، وق. دينسيوس السكندري، والعلامة ثيؤغنستس، وغيرهم.

لقد كان ق. أثناسيوس مرجعاً رئيسياً ومحطة أساسية في الفكر الآبائي المسيحي الممتد من قبله ومن بعده.

إشكالية البحث

هناك العديد من المفاهيم اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية الخفية والعميقة في التدبير الإلهي لتجسد الكلمة عند ق. أثناسيوس لم تظهر بعد، سنقوم الآن بقدر الإمكان بفحص وتحليل هذه النقاط الخفية والعميقة واستعرضها بأسلوب متخصص ودقيق لإظهار هذه النقاط وتوضيحها في كتابات ق. أثناسيوس.

 فروض وتساؤلات البحث

  1. ما هي المفاهيم اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية للتدبير الإلهي لتجسد الكلمة في كتابات ق. أثناسيوس؟
  2. ما هي المصطلحات اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية الدقيقة التي استخدمها ق. أثناسيوس للتعبير عن التدبير الإلهي في تجسد الكلمة؟
  3. ما هي الأثار والنتائج المترتبة عن المفاهيم اللاهوتية لسر التجسد الإلهي من منظور ق. أثناسيوس على خلاص البشرية؟

أهداف البحث

  1. دراسة وتحليل أبعاد ومفاهيم التدبير الإلهي لتجسد الكلمة في كتابات ق. أثناسيوس.
  2. محاولة الوصول إلى النقاط الخفية والعميقة في سر التجسد الإلهي في مفهوم ق. أثناسيوس.
  3. تحديد الرؤية اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية والمنهج الاختباري الذي انتهجه ق. أثناسيوس في شرح وعرض المفاهيم الأساسية في التدبير الإلهي لتجسد الكلمة.
  4. توضيح التأثر الكبير للقديس أثناسيوس بالآباء السابقين عليه في صياغة مفاهيمه ورؤيته للتدبير الإلهي لتجسد الكلمة.

أهمية البحث

يُعتبر البحث دراسة آبائية ولاهوتية استقصائية شاملة للمضامين والمفاهيم اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية للتدبير الإلهي في التجسد عبر كتابات ق. أثناسيوس الرسولي.

 مصطلحات وتحديدات البحث

التأله θεοποίσις

هو المصطلح اليوناني الذي اعتاد ق. أثناسيوس استخدمه للتعبير عن أسمى بركات سر التدبير الإلهي لتجسد الكلمة ومعناه ”حياة عدم الفساد وعدم الموت“، وهو مفهوم التآله بالنعمة ويختلف تمامًا عن التآله بالطبيعة الخاصة بالله. ولقد استخدمه ق. أثناسيوس في العديد من كتاباته مثل: تجسد الكلمة، ومقالاته ضد الأريوسيين، ودفاعه عن عقيدة مجمع نيقية، وفي رسائله عن الروح القدس لسرابيون الأسقف وغيرها.

الاتحاد الأقنومي ένωσις

هو المصطلح اليوناني الذي استخدمه ق. أثناسيوس في رسالته المشهورة إلى العذارى عن البتولية وفضائلها معبرًا به عن اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص المسيح الواحد.

اللوغوس – ساركس λόγος- σάρξ

هي الصيغة الاسكندرانية المعتادة للتعبير عن اتحاد الكلمة بالجسد في المسيح الواحد والمأخوذة من (يو1: 14) ”والكلمة صار جسدًا“، ولقد استخدمها ق. أثناسيوس في العديد من كتاباته للتعبير عن تجسد الكلمة في المسيح الواحد.

التدبير οικονομία

هو المصطلح الذي استخدمه ق. أثناسيوس والعديد من الآباء للتعبير عن مجمل العمل الخلاصي المُقدَّم من الله نحو البشرية، والمُستعلَن من خلال تجسد الكلمة، وحياته على الأرض، وموته، وقيامته، وصعوده، وجلوسه عن يمين الآب، ومجيئه الثاني، والقيامة العامة للبشرية. ولقد استخدم ق. أثناسيوس هذا المصطلح في العديد من كتاباته للتعبير عن مضمون ومجمل الخلاص المُقدَّم من الله للبشر.

إجراءات البحث

سوف نبدأ في عرض النقاط والمفاهيم اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية للتدبير الإلهي في تجسد الكلمة عبر كتابات ق. أثناسيوس المتنوعة كالتالي:

يتحدث ق. أثناسيوس في ”رسالته الثانية إلى سرابيون الأسقف“ عن أن:

”الخاصية التي تميز الإيمان بالمسيح هي هذه: أن ابن الله هو كلمة الله، لأن ’في البدء كان الكلمة […] وكان الكلمة الله‘ (يو1: 1) وهو حكمة الآب وقوته ’لأن المسيح هو قوة الله وحكمة الله‘ (1كو1: 24). هذا الذي صار إنسانًا في أخر الدهور لأجل خلاصنا، لأن يوحنا نفسه الذي قال ’في البدء كان الكلمة‘ ما لبث بعد قليل أن قال ’والكلمة صار جسدًا‘ (يو1: 14) (اللوغوس-ساركس)، هذا القول يعني أنه قد صار إنسانًا، والرب أيضًا يقول عن نفسه ’لماذا تطلبون أن تقتلونى و أنا الإنسان الذ] قد كلمكم بالحق‘ (يو8: 40).

وبولس الرسول الذي تعلم منه اعتاد أن يقول ’إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان المسيح يسوع‘ (1تي2: 5) فالإنسان الذي كوَّن الأجناس البشرية ودبرها، طرد الموت وأبطله عنا، يجلس الآن عن يمين الآب وهو كائن في الآب والآب كائن فيه، كما كان دائمًا وسيكون إلى الأبد“.[1]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على حقيقة خريستولوجية تخص التدبير الإلهي في التجسد؛ وهي أن الكلمة الخالق اتحد بالإنسان ثم ينسب إلى هذا الإنسان المتحد بالكلمة خلق الأجناس البشرية، وتدبيرها، وإبطاله الموت، وجلوسه عن يمين الآب كوسيط بين الله والناس، وأنه كائن في الآب.

لقد جلس الكلمة متحدًا بالإنسان عن يمين الآب صانعًا لنا نحن البشر الطريق والوسيلة للجلوس معه عن يمين الآب، كما يقول معلمنا بولس الرسول: ”وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع“ (أف2: 6). وهذه بركة عظيمة من بركات تجسد الكلمة.

ويفسر ق. أثناسيوس جهل المسيح عن معرفة اليوم والساعة الخاصة بنهاية العالم في نفس ”الرسالة الثانية إلى سرابيون الأسقف“ كالتالي:

”إذ بما أنه قد صار إنسانًا، كما هو مكتوب، فإنه يكون مشابهًا للبشرية تمامًا فى عدم المعرفة، كما في الجوع وغيره من الصفات البشرية (لأنهم لا يعرفون إن لم يسمعوا و يتعلموا) من أجل هذا أيضًا، فإنه إذ قد صار إنسانًا فقد أظهر جهل البشر في نفسه، أولاً، لكي يظهر أن له جسدًا بشريًا حقًا، وثانيًا: لكي -عندما يكون له في جسده جهل البشر، يقدم للآب جنسًا بشريًا مُفتدَى من بين الجميع وطاهرًا وكاملاً ومقدسًا“.[2]

ويؤكد هنا ق. أثناسيوس ما قلناه في الفقرة السابقة أن المسيح يؤكد على حقيقة تأنسه، واتحاده بالجسد، ويكمل ضعفاتنا في جسده لكي نكون أمام الآب كاملين ومقدسين، وهذا بعد آخر من أبعاد التدبير الإلهي لتجسد الكلمة.

كما يرد ق. أثناسيوس فى ”رسالته إلى أدلفيوس المعترف“ على بدعة نسطور قبل نسطور نفسه بسنوات طويلة، ولكن تعاليم نسطور هي تعاليم قديمة للمدرسة الأنطاكية التي تؤكد على خريستولوجية (الكلمة-الإنسان)، وهي تعاليم ديدور الطرسوسي وثيؤدور الموبسوستي بفصل الكلمة عن الإنسان، فيرد ق. أثناسيوس مؤكداً على وحدة شخص المسيح كالتالي:

”نحن لا نعبد مخلوقًا، حاشا! لأن مثل هذا الضلال إنما هو خاص بالوثنيين والأريوسيين. ولكننا نعبد رب الخليقة كلمة الله المتجسد. لأنه إن كان الجسد نفسه في حد ذاته هو جزء من عالم المخلوقات، إلا أنه صار [جسد الله]. فنحن من ناحية، لا نفصل الجسد عن الكلمة [ضد نسطور]، ونعبد مثل هذا الجسد في حد ذاته، ومن ناحية أخرى، عندما نريد أن نعبد الكلمة، فإننا لا نفصل الكلمة عن الجسد [ضد نسطور]، ولكننا -كما سبق وقلنا- إذ نعرف أن ’الكلمة صار جسدًا‘ (اللوغوس-ساركس) فإننا نعرفه كإله أيضًا، بعد أن صار فى الجسد.

وتبعًا لذلك، فمَّن هو أحمق إلى هذه الدرجة حتى يقول للرب ’انفصل عن الجسد لكى أعبدك‘؟ أو مَن هو عديم التقوى لدرجة أن يقول له مع اليهود الحمقى: ’لماذا وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا‘ (يو10: 33). […] (لأن الجسد كان جسده، وكان الكلمة في الجسد)“.[3]

وهنا كما قلت يؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة خريستولوجية خطيرة وهي وحدة شخص المسيح الإله والإنسان.

كما يقول ق. أثناسيوس في نفس ”الرسالة إلى أدلفيوس المعترف“ التالي:

”لأن الجسد لم يقلل من مجد الكلمة ، حاشا! بل بالحري فإن الجسد نفسه قد تمجَّد بالكلمة. والابن الكائن في صورة الله، أخذ صورة عبد، وهذا لم ينقص من ألوهيته، بل هو بالحري قد صار بذلك مخلصًا لكل جسد ولكل خليقة. وإن كان الله قد أرسل ابنه مولودًا من امرأة. فإن هذا الأمر لا يسبب لنا عارًا، بل على العكس مجدًا ونعمة عظمى.

لأنه قد صار إنسانًا لكي يؤلهنا في ذاته (التآله). وقد صار جسدًا من امرأة ووُلِد من عذراء كي ينقل إلى نفسه جنسنا (نحن البشر) الذين ضللنا. ولكي نصبح بذلك جنسًا مقدسًا. ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط1: 4)“.[4]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا أيضًا على أن هدف اتحاد الكلمة بالجسد هو تمجيد جسدنا فيه لكي يؤلهنا فنصير في ذاته شركاء الطبيعة الإلهية مقدَّسين، وهذا أسمى وأعلى بركة من بركات تجسد الكلمة.

ويؤكد ق. أثناسيوس على بركات تجسد الكلمة فى نفس ”الرسالة إل أدلفيوس“، حيث يقول التالي:

”إذًا، الكلمة أخذ جسدًا، لأجل تحرير البشر. ولإقامة الجميع من بين الأموات، لكي يصنع فداءً من الخطايا“.[5]

يؤكد ق. أثناسيوس هنا على أنه بتجسد الكلمة صار تحرير البشر، إقامة الجميع من الأموات، الفداء من الخطايا. ويستطرد موبخاً الهراطقة:

”ولا نرغب في أن يصير في الجسد لئلا يصير بهذا الجسد وسيطًا لنا للدخول إليك فنسكن في المنازل التي في السموات. فلتغلق أبواب السماوات، لكيلا يكرس لنا كلمتك الطريق في السماوات بواسطة الحجاب الذي هو جسده. هذه هي الأقوال التي يتفوه بها أولئك الناس بجرأة شيطانية، وهي إدعاءات اخترعوها لأنفسهم نابعة من حقدهم. لأن الذين يرفضون أن يعبدوا الكلمة الصائر جسدًا هم جاحدون لنعمة صيرورته إنسانًا“.[6]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا أيضًا على الكلام السابق بأن الكلمة بتجسده جعل الطريق إلى السماوات مفتوحًا أمامنا لنسكن هناك، والذي يرفضه الهراطقة الجاحدون.

كما يؤكد ق. أثناسيوس قائلاً:

”في الواقع، إن كان الجسد غير منفصل عن الكلمة، ألا يكون من اللازم، أن يتخلى هؤلاء الناس عن ضلالهم“.[7]

تأكيد القديس أثناسيوس على وحدة المسيح كحقيقية خريستولوجية واضحة. حيث يؤكد أيضًا:

”وليعلموا أنه بعبادة الرب في الجسد، فلا نعبد مخلوقًا، بل كما قلنا قبلاً، نعبد الخالق الذى لبس المخلوق“ داحضاً بذلك تعاليم نسطور و أوطاخي. كما يقول أيضًا: ”وإن كان الأمر هكذا فكيف لا ينبغي أن يُعبَد جسد الرب الكلي القداسة والكلي الوقار حقًا، والذي بشر به رئيس الملائكة جبرائيل، لكي يتم تشكيل الجسد من الروح القدس ويصير رداءً للكلمة“.[8]

 وهكذا يدحض هنا تعاليم نسطور وأوطاخي مؤكدًا على حقيقة استمرار الجسد؛ أي الطبيعة البشرية (ضد أوطاخي)، ويؤكد على عدم فصل الجسد عن الكلمة (ضد نسطور).

ويعطي أمثلة على وحدة شخص المسيح، حيث يقول التالي:

”فالكلمة بمد يده الجسدية أقام حماة سمعان التي أخذتها الحمى الشديدة (لو4: 39) وبصراخه بصوت بشري أقام لعازر من بين الأموات (يو11: 43)، مرة أخرى حينما بسط ذراعيه على الصليب، فقد قهر رئيس سلطان الهواء، الذي يعمل في أبناء المعصية (أف2: 2)، وجعل لنا الطريق إلى السموات نقيًا ومفتوحًا“.[9]

ويؤكد ق. أثناسيوس كذلكم على أمر خطير حيث يقول:

”إذًا، الذي يهين الهيكل، فإنما يهين الرب في الهيكل، والذي يفصل الكلمة عن الجسد، إنما يبطل النعمة المعطاة لنا في جسده […] فلا تدعهم يحسبون أنه، بما أن الجسد مخلوق، يكون الكلمة مخلوقًا أيضًا، وكذلك لا تدعهم أيضًا يحتقرون جسد الكلمة (اللوغوس-ساركس) بسبب أن الكلمة غير مخلوق“.[10]

ويؤكد ق. أثناسيوس أيضًا:

”إننا نعبد ذاك الذي صار هو نفسه أيضًا إنسانًا لأجل خلاصنا، لا كما لو كان هذا الذي صار جسدًا هو مساوٍ للجسد بالمثل، بل نعبده كسيد آخذًا صورة عبد، كصانع وخالق صائرًا في مخلوق؛ أي الجسد لكي بعد تحرير كل الأشياء به، يقرب العالم إلى الآب، ويصنع سلامًا لكل المخلوقات سواء التي في السموات أو التي على الأرض. ولذلك نعترف أيضًا بألوهيته التي من الآب ونعبد حضوره المتجسد“.[11]

وبالتالي يعترف ق. أثناسيوس هنا بأنه باتحاد الكلمة بالجسد، أولاً، قرب العالم إلى الآب، ثانيًا، صنع سلام للسمائيين مع الأرضيين، ويعترف بالحضور المتجسد للكلمة الذي ألوهته من الآب؛ مظهرًا ضرورة هذا الاعتراف كسر من أسرار التدبير الإلهي لتجسد الكلمة.

وهكذا يدحض ق. أثناسيوس المزاعم الدوستية عن جسد المسيح الخيالي التي ظهرت في الهرطقات الغنوصية والمانوية، والتي ستظهر بعد ذلك في الهرطقة الأوطاخية؛ حيث يقول في رسالته إلى أبكتيتوس أسقف كورنثوس مُستنكرًا:

”ولكن من أين خرجت هذه الأمور قط؟ وأي عالم سفلي تقيأ القول بأن الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة؟ أو بأن الكلمة قد تحول إلى لحم، وعظام، وشعر، وكل الجسد، وتغير عن طبيعته الخاصة؟ أو مَن سمع في الكنيسة أو من بين المسيحيين على العموم، بأن الرب لبس جسدًا خياليًا وليس طبيعيًا؟“.[12]

ويستنكر ق. أثناسيوس أيضًا التعاليم النسطورية التي ستأتي بعده، حيث يقول:

”مَن هم إذن هؤلاء الذين تجاسروا هكذا حتى يقولوا بأن المسيح المتألم بالجسد والمصلوب، ليس هو الرب، والمخلص، والإله، وابن الآب. أو كيف يريدون أن يدعوا هؤلاء الذين يقولون بأن الكلمة قد حل على إنسان قديس كما كان يحل على أى واحد من الأنبياء (ضد نسطور)، ولم يصر هو نفسه (الكلمة) إنسانًا باتخاذه الجسد من مريم، ويقولون إن المسيح هو شخص وأن كلمة الله الموجود قبل مريم، وهو ابن الآب من قبل الدهور، هو شخص آخر؟ (ضد نسطور القائل بشخصين في المسيح)“.[13]

ويدحض ق. أثناسيوس هنا تعاليم مدرسة أنطاكية التي كان يمثلها ديدور الطرسوسي، وثيؤدور الموبسوستي، وتلميذهما نسطوريوس بوجود شخصين في المسيح مُستنكرًا هذه التعاليم. حيث يرد قائلاً:

”لأن تلك الأشياء التي كان يتألم منها، جسد الكلمة البشري، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة“.[14]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على حقيقة جسد الكلمة البشري، وسكنى الكلمة في هذا الجسد المنسوب لذاته لكي يعطينا الشركة في لاهوته (التآله)، وهي أسمى وأعلى بركات التدبير الإلهي في التجسد.

كما يرد ق. أثناسيوس على هرطقة أبوليناريوس أسقف لاودكية الذي كان ينادي بالصيغة الاسكندرانية (اللوغوس-ساركس)، ولكن بمعنى خاطئ حيث قال بحلول اللاهوت محل النفس الإنسانية في الكلمة المتجسد، فكأن الكلمة اتحد بالجسد الإنسانى فقط دون النفس الإنسانية، وهذا ما يستنكره ق. أثناسيوس قائلاً:

”إلا أن خلاصنا في واقع الأمر، لا يُعتبر خيالاً، فليس الجسد وحده هو الذي حصل على الخلاص، بل الإنسان كله من نفس وجسد حقًا، قد صار له الخلاص في الكلمة ذاته“.[15]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على حقيقية خريستولوجية خطيرة، وهي أن الخلاص حدث للإنسان كله نفسًا وجسدًا وليس الجسد وحده كما أدَّعى أبوليناريوس، ولقد أتبع الآباء الكبادوك نهج معلمهم ق. أثناسيوس في محاربتهم للهرطقة الأبولينارية خاصةً ق. غريغوريوس النزينزي وق. غريغوريوس النيسي قائلين العبارة الشهيرة: ”بأن الذي لا يُؤخذ لا يُخلَص“، وبأن المسيح لم يأت لخلاص الحيوانات بل الإنسان، مؤكدين على أن مسيح أبوليناريوس بلا عقل، وهذا ما علَّم به أبوليناريوس، وهذا ما دحضه ق. أثناسيوس حيث يقول:

”لأن الوعد لم يكن ممتدًا إلى الحيوانات غير الناطقة، بل هو للبشر الذين من أجلهم قد صار الرب إنسانًا“.[16]

ويدحض ق. أثناسيوس أيضًا التعاليم الأوطاخية التي جاءت بعده قائلةً بالجسد السماوي، والوجود الأزلي للجسد مع الكلمة قبل تجسده في ملء الزمان، ولقد كانت هذه أصداء الهرطقة الأبولينارية، فيقول بكل وضوح:

”فإنهم يدينون أنفسهم أولئك الذين يظنون أن الجسد المولود من (مريم) كان موجودًا قبل مريم، وأن الكلمة كانت له نفس بشرية قبلها (قبل مريم)، وأن هذه النفس كانت فيه دائمًا حتى قبل مجيئه“.[17]

ويؤكد على أحد بركات سر التدبير الإلهي في التجسد قائلاً:

”أن الكلمة صار جسداً ليس لأجل إضافة شيء ما إلى اللاهوت، بل من أجل أن ينال الجسد قيامة. ولم يأت الكلمة من مريم ليرتقي هو، بل لكي يفدي الجنس البشري.

فكيف إذن يفكرون أن الجسد وهو الذي افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شيء ما من ناحية اللاهوت إلى الكلمة الذي أحياه؟ بل بالعكس، فإن الجسد البشري ذاته هو الذي حدثت له زيادة كبيرة، بسبب شركة الكلمة معه واتحاده به، لأنه (الجسد) صار غير مائت بعد أن كان مائتًا، ورغم أن الجسد كان حيوانيًا (نفسانيًا) فقد صار روحانيًا، ورغم أنه من تراب الأرض فقد اجتاز الأبواب السماوية“.[18]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على أن الجسد لم يضف شيئًا للكلمة، بل الكلمة أعطى للجسد قيامة باتحاده به، حيث أخذ الجسد عدم الموت (الخلود)، والروحانية، وصار سماويًا، ويفسر هذه الحقيقة بوضوح أكثر فيقول:

”ولكن الجسد نفسه هو من طبيعة مائتة، قام بطبيعة تفوق طبيعته بسبب الكلمة الذي فيه، وتوقف فساده وإضمحلاله الطبيعي، إذ قد لبس الكلمة الذي يفوق الإنسان هذا الجسد، فصار الجسد غير فاسد وغير مضمحل“.[19]

ويؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة خريستولوجية خطيرة جدًا وضرورية جدًا فى الخلاص حيث يقول:

”لأن ما تألم به هذا الجسد يُعتبر أن الكلمة قد تألم به .لأن هذه هى الآلام الخلاصية المحيية التى تألم بها الكلمة ذاته فى جسده ليحيى و يخلص بها الإنسان المائت“.[20]

ويشرح ق. أثناسيوس في ”الدفاع عن قانون إيمان مجمع نيقية“ تدبير تجسد الكلمة فيقول:

”أن الرب بينما هو موجود دومًا، وأخيرًا تأنس في ملء الزمان، وبينما هو ابن الله، صار ابنًا للإنسان أيضًا. وأما فيما يخص الهدف، سيُفهَم أن الرب إذ كان يريد أن يبطل موتنا، اتخذ لنفسه جسدًا من العذراء مريم، لكي بتقديم هذا إلى الآب ذبيحة عن الجميع، يخلصنا جميعًا، نحن الذين خوفًا من الموت، كنا كل حياتنا تحت العبودية (عب2: 15). وأما عن الشخصية، فهي بالتأكيد شخصية المخلص، لكن قيلت عنه عندما أتخذ لنفسه جسدًا، وقال: ’الرب قناني أول طرقه من قبل أعماله‘ (أم8: 22 ).

فكما يخص ابن الله بلياقة أن يكون أزلي وفي حضن الآب، كذلك عند تأنسه لاقت به الكلمات ’الرب خلقني‘ إذ عندئذ تُقال عنه مثلما يُقال عنه أيضًا أنه جاع، وعطش، وسأل أين يرقد لعازر، وتألم، وقام ثانيةً. […] وإذا أردنا أن نعرف الهدف الذي يتحقق من وراء هذا، سنجد أنه كما يلي: إن الكلمة تجسَّد ليقدم هذا الجسد عن الجميع، ونحن عندما نشترك في روحه (أي الروح القدس)، يمكن أن نتقدس، وهي عطية لم نكن لننالها بأية طريقة أخرى إلا بأن يكتسي هو بجسدنا المخلوق.

لذلك نأخذ اسمنا ’أناس الله‘ و ’أناس في المسيح‘ لكن كما أننا بنوالنا الروح القدس لا نفقد جوهرنا الخاص بنا، كذلك الرب عندما تأنس لأجلنا وحمل جسدًا، ظل إله كما هو، لأن حجاب الجسد لم ينتقص منه، بل بالحري هو ألَّهه (التآله) وجعله غير مائت“.[21]

حيث يؤكد ق. أثناسيوس هنا على عدة حقائق هامة في تدبير تجسد الكلمة، أولاً، تجسَّد الكلمة ليقدم جسده عن الجميع، ثانيًا، منحنا بتجسده الشركة في روحه؛ أي الروح القدس لتقديسنا، وهذه العطية لا نستطيع الحصول عليها من دون تجسد الكلمة، واكتسائه أو لبسه جسدنا المخلوق.

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا أيضًا على خصوصية وعمومية جسد الكلمة في نفس الوقت، فالجسد الخاص بالكلمة هو جسدنا أيضًا؛ أي جسد البشرية المفتداة في الكلمة المتجسد، ثالثًا، صرنا نُدعَى أناس الله وأناس في المسيح بعد تجسده المبارك؛ أي صرنا كائنات إلهية في الكلمة المتجسد، ولكن بالرغم من الحلول الأقنومي للروح القدس فينا، لم نفقد جوهرنا البشري الخاص، مثلما ظل الرب إلهًا فى الجسد بالرغم من تجسده، بل بتجسده ألَّه الجسد وجعله أبديًا.

ويؤكد ق. أثناسيوس في نفس الدفاع على أنه:

”إذ بهذا الابن صنع الآب كل الأشياء، ومدَّ عنايته الإلهية لتشمل سائر الأشياء، وبه يمارس محبته للإنسان، وهكذا ’هو والآب واحد‘، الآب يمارس محبته للإنسان، ويصنع ويدبر جميع الأشياء بالابن بحسب وحدة الجوهر، الآب أعلن محبته وعنايته بالإنسان بالكلمة المتجسد الذي أعلن محبة وتدبير وعناية الله الآب للبشر فيه“.[22]

كما يؤكد ق. أثناسيوس في نفس السياق أيضًا:

”لأن جميع الأشياء المبتدأة تشترك فيه (في الكلمة) كما تشترك في الروح القدس“.[23]

حيث يؤكد ق. أثناسيوس هنا على شركتنا في الكلمة والروح القدس، وبالنتيجة الشركة مع الآب؛ أي شركة الإنسان مع الثالوث القدوس التي تحققت من خلال تجسد الكلمة وسكنى الروح القدس فينا.

وهكذا يؤكد ق. أثناسيوس في نفس الدفاع على حقيقة خلاصية مهمة جدًا:

”لأنه قد أمرنا أن نعتمد، ليس باسم غير المبتدئ والمبتدئ، وليس باسم المخلوق وغير المخلوق، بل باسم الآب والابن والروح القدس، إذ بمثل هذا الطقس نصير نحن أيضًا أبناء فعلاً، وباستخدام اسم ’الآب‘، نعترف بهذه الطريقة بالكلمة الذي في الآب.

لكن إن كان يريد أن ندعو أباه أبانا، فيجب ألا نعتبر أنفسنا مساويين للآب بحسب الطبيعة بسبب ذلك، إذ بسبب الابن ندعو نحن الآب هكذا. فإذ قد حمل الكلمة جسدنا وحل فينا، لذلك -لأن الكلمة حل فينا- يُدعَى الله أبانا. لأن روح الكلمة الذي فينا يدعو أباه هو أب لنا، وهذا ما كان يعنيه الرسول عندما يقول: ’أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا: يا آبا الآب‘ (غلا4: 6)“.[24]

حيث يشدد ق. أثناسيوس هنا على عدة حقائق خلاصية وهي: أننا نصير أبناءً للآب بطقس المعمودية على اسم الثالوث، حيث ندعو آب الكلمة أبانا لا بحسب الطبيعة، بل بالنعمة والتبني، مقرين ومعترفين بحلول الكلمة فينا بروحه القدوس الذي يصرخ فينا للآب قائلاً: أبانا، يا لا عمق وغنى النعمة الإلهية التي أعطانا سر التدبير الإلهي بتجسد الكلمة، فقد صار آب الكلمة أبونا، وصرت أجسادنا مقدسة بروحه القدوس الساكن فينا بأقنومه صارخًا بنا وفينا لله أبونا.

ويفسر ق. أثناسيوس قول الرب، ”أنا الكرمة وأبي الكرَّام، وأنتم الأغصان“ (يو15: 1) في سياق دفاعه عن القديس ديونيسيوس السكندري ضد الأريوسيين كالتالي:

”حين قال المخلص: ’أنا الكرمة وأنتم الأغصان، وأبى الكرَّام‘، لأننا مرتبطون به بحسب الجسد، ولهذا قال: ’أخبر باسمك إخوتي‘ (عب2: 12؛ مز22: 22). وكما أن الأغصان هي من الكرمة ولها نفس جوهرها، وهكذا فإن أجسادنا هي مثل جسد الرب تمامًا، و ’تأخذ من ملئه‘ (يو1: 16)، وهذا الجسد هو أساس قيامتنا وخلاصنا.

لكن قد دُعِي الآب بالكرام، لأنه هو الذي يغرس الكرمة بكلمته، و يعني بالكرمة هنا ناسوت المخلص، وهو الذي أعد لنا الطريق إلى الملكوت بواسطة كلمته الذاتي، ’ولا يستطيع أحد أن يأتي إلى الابن إلا مَن يجتذبه الآب‘ (يو6: 44) […] على أن المقصود هنا هو الكرمة، لأنه عندما أخذ هذا الجسد من مريم العذراء لكي يقدمه عنا، […] وسجدت الأمم للمسيح ومن خلاله عرفوا الآب. ولأن الكلمة أتى في شكل الكرمة فلذلك دُعِي بالكرمة بسبب صلته بالأغصان؛ أي بنا جسديًا“.[25]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على حقيقة جسد الكلمة أنه مثل جسدنا تمامًا، وأننا نأخذ من ملء النعمة الإلهية في أجسادنا، وأن هذا الجسد الإلهي هو أساس قيامتنا وخلاصنا، وأن ناسوت المسيح هو الذي فتح الطريق أمامنا إلى الملكوت من خلال عمل الآب الخلاصي الذي أتمه بكلمته الذاتي في الجسد، وأن المؤمنين بالابن هم مَنْ يجتذبهم الآب، وقد قدم الكلمة جسده المأخوذ من العذراء مريم عنا، وأنه بتجسد الكلمة عرفت الأمم الآب، وسجدت للمسيح ربًا وإلهًا.

ويتحدث ق. أثناسيوس عن الرابطة غير القابلة للإنقسام بين اللوغوس والعذارى في رسالته ”إلى العذارى“، حيث يقول التالي:

”فكم بالحري إذا جمع اللوغوس العذارى، فينبغي أن تصير مثل هذه الرابطة غير القابلة للفصام ولا الموت“.[26]

ويشدد ق. أثناسيوس على هذه الرابطة الطوباوية مشيرًا إلى الأفكار الخلاصية الحقيقية النابعة من هذه الرابطة، قائلاً التالي:

”فإنه من هذه الرابطة الطوباوية تخرج أفكار حقيقية غير مائتة للخلاص“.[27]

ويضيف أيضًا:

”وإن كان من المستحيل أن يتحد الإنسان بالله، إلا إنه هو الذى جعل هذا ممكنًا أن يحدث ، بأن صار إنسانًا“.[28]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على رابطة الاتحاد غير المنفصل بين الله والإنسان في اللوغوس المتجسد، ويضيف ق. أثناسيوس بعدًا جديدًا لأبعاد سر التدبير الإلهي لتجسد الكلمة فيقول التالي:

”والآن عريسكن هو الله وابن الله الوحيد، وهو كلمة (لوغوس) الآب، وحكمته، وقوته؛ لأنه هو وأباه واحد، وهو صورة الآب ومماثل له من كل وجه، وهو الكائن حسب جوهر الآب. […] وفي أخر الزمن ولكي يبطل الخطية، صار من العذراء مريم، متخذًا منها جسدًا، وصار إنسانًا. لذلك، فقد قيل عنه أنه خُلِقَ، بالرغم من أنه هو الخالق.

ولكنه اتخذ الجسد الذي تبرر، لكي يسلم ذلك الجسد للموت، لكي يعتق كل الذين كانوا يعيشون كل زمان حياتهم في خوف الموت، خاضعين للعبودية“.[29]

ويضفي ق. أثناسيوس هنا بعدًا جديدًا للتدبير الإلهي، حيث البتول هي عروس الكلمة المتجسد الذي جاء ليبطل الخطية، ويبرر الجسد، ويعتق الذين يرزحون تحت عبودية الموت، ويتحدث ق. أثناسيوس هنا عن اتحاد الإنسان بالله في المسيح، وبالتالي تكون بركات هذا الاتحاد هي كما يستطرد قائلاً:

”والآن، إذًا، هذا هو الذي أنتن ملتصقات، وعنده ماكثات، ومعه ساهرات، وله متفرغات، وهو يكيفكن في كل أمر. فلا تتلكن على سواه، لأنه يتكفا بسماعكن حين تصلين، ويشفكن حين تمرضن، وكذلك ينقذكن ممَّن يتآمرن عليكن، ويخلصكن حين تكن في خطر. لأنه هو الذي أعان بطرس حين كاد يغرق في لجة البحر، وهو الذي رد الشيطان الذي يريد التآمر على التلاميذ.

فإذًا، وأنتن تملكنه في أفئدتكن، لن تعثرن في أفكار قلوبكن. لأن نورًا حاضرًا عندكن بشأن وصاياه، وأنتن تنفذنها، وسوف ترثن التطويب في ملكوت السموات“.[30]

يعطي الكلمة المتجسد العريس السماوى هنا لعروسه النفس البشرية، أو الكنيسة في صورة المرأة المُتبتلة المُلتصقة به، الماكثة معه، الساهرة معه، الكفاية في كل شيء. حيث يسمعها في الصلاة، يشفيها من الأمراض، يعطيها المعونة، ينقذها من مؤمرات إبليس.

ويشرح ق. أثناسيوس أبعاد لاهوتية أخرى في كتابه المنسوب إليه ”تجسد ربنا يسوع المسيح“ للرد على تعاليم أبوليناريوس الهرطوقية، فيقول:

”لأن الرب أختبر الألم وهو في الجسد، وكشف عن لحمه وعظامه، ونفسه الإنسانية التي تألمت، وعانت الأحزان والضيقات. ولايمكن لأحد أن يدّعى بأن آلام الناسوت هي أمور عادية وطبيعية بالنسبة للاهوت ولكنها صارت تُنسَب للاهوت، لأن الكلمة سُر أن يُولَد ميلادًا إنسانيًا؛ لكي يعيد خلق الإنسان من جديد في ذاته، صائرًا صورة ومثال التجديد لكي تشترك فيه صنعة يديه التى فسدت بالشر والفساد والموت.

فأزال من على الأرض حكم الخطية، وعلى خشبة الصليب أزال اللعنة، وفي القبر افتدى الفاسد، وفي الجحيم أباد الموت. وهكذا افتقد كل مكان وكل حالة، لكي يؤسس خلاص الإنسان كله، ويعلن بذلك صورة جديدة لطبيعتنا“.[31]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على ناسوتية المسيح الكاملة وضرورة ذلك في تدبير الخلاص لإعادة خلق الإنسان في ذاته من جديد، لكي يكون الكلمة بتجسده صورة ومثال التجديد للإنسان في جسده، حيث قد أزال حكم الخطية واللعنة على الصليب، افتدى الفاسد وأباد الموت في الجحيم، ويضيف أيضًا:

”فكيف حُسِبَ الرب في عداد الموتى وهو في الجحيم؟ إنه لم يذهب الجحيم بجسده، بل ذهب الجحيم ليبشر النفوس التي كانت في سلاسل العبودية، وذهب وبشر بصورة إنسانيته التي لم تخضع لسلطان الموت، بل غلبت الموت ودحرته. وهكذا كان حاضرًا مع الموتى لكي يصور أساس القيامة، ويحطم السلاسل التي كانت تربط النفوس الأسيرة في الجحيم.

وهكذا أعلن أنه خالق الإنسان ومصوره، والذي حكم على الإنسان بالموت، جاء وبحضوره في الصورة الإنسانية، وبإرادته وحده، حرَّر الإنسان من حكم الموت، لأن الموت لم يستطع أن يقوى على نفس المسيح الإنسانية التي اتحدت باللوغوس، بل عجز الموت أن يستعبدها، ولا استطاع الفساد أن يذلها أو يأسرها. ومع أن الموت فصل النفس عن الجسد، إلا أن الفساد لن يتجاسر على أن يقترب من أيهما، لأن كل الذي حدث إنما كان تحت السيطرة الإلهية وعنايتها. وأي فكر يخالف ذلك ضلال“.[32]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على فكرة ”المسيح المُنتصر“ (خريستوس فيكتور) الذي انتصر على الموت وقوات الجحيم، وفك أسر الأرواح التي في الجحيم بنفسه الإنسانية المُتحِدة بلاهوته.

ويؤكد ق. أثناسيوس فى ”رسالته الأولى إلى سرابيون الأسقف“ في سياق حديثه عن الروح القدس المُعطَى للبشر بعد تجسد الكلمة في المعمودية كإحدى بركات التدبير الإلهي كالتالي:

”فأي روح آخر أخذه هؤلاء غير الروح القدس الذي يُعطَى للذين يؤمنون ويُولَدون ثانيةً بغسل الميلاد الثاني. […] لأن لوقا قد سبق وقال: ’ولما اعتمد الشعب اعتمد يسوع أيضًا وإذ كان يصلي، انفتحت السماء، ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة‘ (لو3: 21: 22). وواضح هنا، أنه عندما يقول الروح فالمقصود هو الروح القدس.

وهكذا أيضًا حيث يكون الروح القدس مع البشر. حتى وإن ذكرت كلمة الروح بدون أية إضافة، فليس هناك شك أنها تعني الروح القدس وعلى الأخص، عندما تُذكَر الكلمة مُقترنة بأداة التعريف“.[33]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على حقيقية الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر كإحدى بركات التدبير الإلهي في تجسد الكلمة، وأننا ننال الروح القدس في المعمودية.

ويؤكد ق. أثناسيوس على حقيقية توحيدنا مع الآب من خلال الابن بحلول الروح فينا، وتتميم كمالنا الخاص به كالتالي:

”لكي يكمِّل فيه كل معرفتنا عن الله (أي كل تعليم عن الله)، ويتمم كمالنا الخاص الذي به وحَّدنا مع شخصه ومن خلاله مع الآب، أوصى تلاميذه: ’اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس‘ (مت28: 19)“.[34]

ويؤكد ق. أثناسيوس أيضًا على حقيقة توحيدنا مع الآب والابن بالروح القدس قائلاً:

”فإنه لم يوحّدنا معه ومع الآب بواسطة مخلوق، بل بواسطة الروح القدس“.[35]

ويتحدث أيضًا عن سكنى الله فينا بالروح القدس قائلاً:

”وحينما يُعطَى لنا الروح القدس كقول المخلص: ’اقبلوا الروح القدس‘، يقيم الله فينا، لأنه هكذا كتب يوحنا: ’إن أحب بعضنا بعضًا فالله يقيم فينا، بهذا نعرف أننا نقيم فيه وهو فينا، لأنه قد أعطانا من روحه‘ (1يو4: 12، 13). وحيث أن الله يوجد فينا، يكون الابن أيضًا فينا. لأن الابن نفسه قال: ’الآب وأنا نأتي ونصنع عنده منزلاً‘ (يو14: 23)“.[36]

ويستطرد ق. أثناسيوس مؤكدًا على سكنى الثالوث داخلنا بسكنى الروح القدس فينا، حيث يقول:

”فإن كان أحد يسأل ويبحث أيضًا قائلاً: كيف حيث يوجد الروح فينا، يُقال أن الابن فينا؟ وحينما يكون الابن فينا فكيف يُقال إن الآب فينا؟ وعندما يكون الثالوث حقًا ثالوثًا، فكيف يُفهَم أنه واحد. أو لماذا حينما يكون أحد أقانيم الثالوث فينا، يُقال إن الثالوث موجود فينا؟ فعلى السائل أن يفصل أولاً الشعاع عن النور، أو يفصل الحكمة عن الحكيم، أو فليخبرنا كيف تكون هذه الأمور؟ ولكن إن كانت هذه الأمور مستحيلة الحدوث، فتوجيه مثل هذه الاسئلة عن الله يكون جرأة جنونية، لأن الألوهة لا تُسلَّم لنا ببراهين كلامية، بل بالإيمان مع التفكير بتقوى ووقار“.[37]

ويؤكد ق. أثناسيوس أنه بسكنى الروح القدس في البشر يصيرون شركاء الله كالتالي:

”فإنه يُقال عنا إننا ’شركاء الله‘ لأنه يقول: ’أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم؟ إن كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله، لأن هيكل الله مقدس الذي أنتم هو‘ (1كو3: 16، 17). فلو كان الروح القدس مخلوقًا، لما كان لنا اشتراك في الله بواسطته.

فإن كنا قد اتحدنا بمخلوق فإننا غرباء عن الطبيعة الإلهية، حيث أننا لم نشترك فيها. أما الآن فلكوننا نُدعَى شركاء المسيح وشركاء الله، فهذا يوضح أن المسحة والختم الذي فينا، ليس من طبيعة المخلوقات بل من طبيعة الابن، الذي يوحدنا بالآب بواسطة الروح الذي فيه […] وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه، يتألهون (التآله). وإن كان يؤله البشر، فلا ينبغي الشك في أن طبيعته هي طبيعة إلهية“.[38]

حيث يؤكد ق. أثناسيوس هنا بكل وضوح على أن سكنى الروح القدس بأقنومه في البشر هو بركة من بركات سر التدبير الإلهي لتجسد الكلمة، وبناءً عليه يصير لنا التآله بالنعمة، وشركة الطبيعة الإلهية، وسكنى الثالوث القدوس فينا. يا لها من بركات ونعم عميقة وغنية جدًا؛ تلك التي نلناها من تجسد الكلمة.

ويشرح ق. أثناسيوس في ”الرسالة الفصحية الأولى“ أبعاد جديدة للتدبير الإلهي في التجسد، وأهمها البعد الشفائي الخلاصي، حيث يقول:

”فإن إله الكل، خالق الأوقات والأزمنة، الذي يعرف أحوالنا أكثر مما نعرفها، وكطبيب صالح، يحثنا على الطاعة في الوقت المناسب، وهو الوقت الوحيد المناسب لشفائنا (أي ملء زماننا). لهذا فهو أيضًا قد أرسل ابنه في الوقت المناسب، وليس في أي وقت، قائلاً: ’في وقت مقبول استجبتك وفي يوم خلاصك أعنتك‘ (إش 49: 8)؟“.[39]

وكما قلنا، يؤكد ق. أثناسيوس هنا على البعد الشفائي لتدبير الخلاص، فالابن تجسد كطبيب صالح في الوقت المناسب لشفائنا من الخطايا، ثم يضيف ق. أثناسيوس بعدًا آخر لسر التجسد، حيث يقول:

”وكما أن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الخبز السماوي، هو طعام القديسين، كما قال في إنجيل يوحنا: ’إن لم تأكلوا جسدي وتشربوا دمي […]‘ (يو6: 53). هكذا الشيطان هو طعام الدنسين، والذين لا يفعلون شيئًا مما هو النور، بل يقومون بأعمال الظلمة“.[40]

حيث يؤكد ق. أثناسيوس هنا على اتحادنا وتغذيتنا بالرب مخلصنا؛ الخبز السماوي، في سر الأفخارستيا، والبعد عن طعام إبليس وهو الشر وأعمال الظلمة، ويشدد على نفس النقطة قائلاً:

”وهكذا يا أحبائي، فإذ تغذت نفوسنا بالطعام الإلهي ’بالكلمة‘، وبحسب مشيئة الله، وصمنا جسديًا عن الأمور الخارجية، فإننا نحفظ هذا العيد الخلاصي كما يليق بنا“.[41]

وهكذا يؤكد ق. أثناسيوس هنا على تغذيتنا واتحاد نفوسنا بالكلمة في سر الأفخارستيا، وأننا بالصوم جسديًا عن الماديات ننال بركات التدبير الإلهي والعيد الخلاصي؛ أي قيامة ربنا من الأموات وقيامتنا معه من موت الخطية.

ويعطي ق. أثناسيوس بعدًا خلاصيًا آخر في ”الرسالة الفصحية الرابعة“، حين يقول:

”فلا نقترب إلى عيد كهذا بثياب رثة، بل لتلتحف عقولنا بثياب نقية. فنحن نحتاج أن نلبس ربنا يسوع في هذا العيد، لكي نستطيع أن نحتفل بالعيد معه. ونحن نلبسه الآن عندما نحب الفضيلة ونبغض الشر، وعندما ندرب أنفسنا على الاعتدال ونكبح شهواتنا، عندما نحب البر أكثر من الإثم، عندما نكرم القناعة ونكون ناضحين في الفكر. حينما لا ننسى الفقير، بل نفتح أبوابنا لجميع البشر، عندما نعين الضعفاء، ونبغض الكبرياء“.[42]

ويطلب ق. أثناسيوس هنا من كل واحد فينا أن نلبس المسيح؛ أي نتحد به، من خلال محبة الفضيلة وبغض الشر، والتدريب على الاعتدال، وكبح الشهوات، ومحبة البر أكثر من الإثم، وبالقناعة، والنضوج الفكري، والعطف على الفقراء، ومحبة الإنسانية جمعاء، وإعانة الضعفاء، وبغض الكبرياء.

كما يؤكد ق. أثناسيوس في ”الرسالة الفصحية الخامسة“ على الاشتراك باستعداد والتناول باستحقاق من الأسرار المقدسة في القداسات بنقاوة اليد وطهارة الجسد، وحفظ العقل من الشر، وعدم الإسراف في الشهوات، بل الإنشغال الكلي بالرب وتعاليمه الإلهية، لنكون طاهرين بالكامل، لأنه بذلك تتحقق شركة الكلمة كالتالي:

”لذلك ليتنا لا نتقدم لمجرد إتمام طقوس عيد الفصح، بل لنستعد للاقتراب من الحمل الإلهي ولكي نلمس الطعام السماوي. لننق أيدينا، ولنطهر الجسد. لنحفظ عقولنا كليًا من الخداع غير مسلمين أنفسنا للإسراف في الشراب والشهوات، بل منشغلين بكليتنا بربنا وبالتعاليم الإلهية، حتى إن كنا طاهرين بالكامل، نستطيع أن نكون شركاء الكلمة“.[43]

ويشرح ق. أثناسيوس بشكلٍ مجملٍ بركات التجسد الإلهي في رسالته ”إلى أساقفة مصر و ليبيا“، حيث يقول:

”إن التعاليم والمواهب التي أودعها الرب فينا لهي كثيرة، وتسمو على الفكر البشري، مثل: رسم المواطنة السماوية، القدرة على محاربة الشياطين، التبني؛ النعمة الفريدة والفائقة لكل عظمة، معرفة الآب واللوغوس نفسه، وأيضًا عطية الروح القدس. ولكن مال عقل الإنسان إلى الشر بإفراط، فضلاً عن أن الشيطان عدونا لما كان يحسدنا على تلك العطايا العظيمة، شرع طالبًا أن يغتصب بذار اللوغوس التى زُرَعت فينا“.[44]

ويؤكد ق. أثناسيوس على أن إبليس أراد إغتصاب بذار اللوغوس المزروعة فينا، لذا ينصحنا ق. أثناسيوس في عظته ”حول آلام الرب وصليبه“ قائلاً:

”لكي يجاهدوا ضد الشيطان، حتى ينالوا بذار اللوغوس نقية من الأشواك“.[45]

ويؤكد ق. أثناسيوس على فكرة ”المسيح المنتصر“ لحسابنا على الشيطان قائلاً في نفس العظة:

”لأن رب الصباؤوت كما يقول إشعياء النبي، قد طارد التنين، الحية القديمة، الشيطان الذي رحل، لذلك تحديدًا أخذ الرب ترياقه منه، حتى أنه بإضعاف الشيطان بأسلحته، يتقوى البشر بأسلحة الرب“.[46]

ويقارن في نفس العظة بين أساليب الشيطان في الحرب على المسيح، وأساليب المسيح في مواجهته والقضاء عليه قائلاً:

”لكن هذا المسلك قد أتى بنتيجة عكس ما أراده (إبليس). لأنه عندما نشط بين أولئك الذين كانوا يصرخون ضد المخلص، تجاهل أو لم يفهم، بأن صمت الرب كان المقاوم له. ومن حيث تحريضه لبيلاطس، لم يفهم، أنه بهذا، أثار الشجاعة، وبينما حرك الجنود ليجلدوا الرب، إلا أنه أنخدع وأخطأ، لأن الرب أظهر غفرانه تجاه جلاديه.

وأخيرًا، أثار البلبلة في نفوس الناس ضد المخلص، ولم ير أنه سلح الفضيلة في مواجهة الشر ’يا لها من حرب روحية شديدة خاضها مخلصنا الصالح مع هذا العدو اللئيم وأنتصر الرب فيها لا بالقوة، بل بالبر والفضيلة، وأعطنا سلاح البر والفضيلة لننتصر به على إبليس وتجاربه الشنيعة‘“.[47]

ويرسم ق. أثناسيوس لوحة فنية غاية في الروعة والجمال للانتصار العظيم للكلمة المتجسد على إبليس بالصليب لحسابنا، حيث يقول:

”لأنه كان يجب على المنتصر الذي سحق الشيطان، ألا يسمح لأي أحد آخر برفع هذه الراية، بل أن يمسكها هو نفسه. وأخذ من هؤلاء الثوب الأرجواني مع الراية، متجهًا نحو الموت، لكي يخلعه مع الموت […] أتى سريعًا إلى المكان الذي كان ينبغي أن يصعد فيه على الصليب، لكي يُسمَّر عليه، حتى يمزق الصك المكتوب علينا من قبل العدو. وبعدما جرَّد الرؤساء والسلاطين، وظفر بهم جهارًا على الصليب، أنتصر عليهم، ورد الإنسان، وأنتزعه من فم الأسد سالمًا“.[48]

نحمدك ونشكرك إلهنا القدير الذي جعلنا بموته ننتصر على قوات الشر الروحية، جعلنا نظفر بهم بموته بنا على الصليب وبقيامته بنا من الموت.

ويستعرض ق. أثناسيوس أسباب التدبير الإلهي لتجسد الكلمة في كتابه ”تجسد الكلمة“ كالتالي:

1- فساد الإنسان واختراعه للشر:

لقد خلق الله الإنسان لكي يعيش في غير فساد، أما الإنسان بسبب فساد تفكيره أبتعد عن الخير بإرادته وأبتدع الشر فحُكَم عليه بالفناء والعدم، كما خلقه الله من العدم يعود إلى العدم بحسب طبيعته، فكان ممكن للإنسان أن يقاوم الفناء ويعيش للأبد لو أبقى نفسه في معرفة الله، ويعيش للأبد في عدم فساد كمايقول الكتاب المقدس (مز7)، و (حك 2)، و (مز 82)، ”الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله على صورة أزليته لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم“، وبدأ الفساد يسود عليهم أقوى من سيادته الطبيعية نتيجة عصيان الوصية .

2- استفحال الشر في البشر:

رؤية الله لشر البشر المفرط، فلم يقفوا عند حد معين من الخطية، بل ظلوا يتوغلوا فى الظلم والخطية، حتى أصبحوا نهمين في فعل الشر، وصار كل واحد يتنافس مع الآخر في اختراع وفعل الشر، كما ذكر القديس بولس الرسول: ”لأن أناثهم أستبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة، وكذلك الذكور تاركين استعمال الأنثى الطبيعي أشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكور بذكورٍ ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق“ ( رو 1 : 26 ،27).

3- إنقاذ البشرية من الفناء والهلاك:

لئلا تفنى الخليقة ويتلاشى عمل الله، فقد كان الجنس البشري سائر نحو الهلاك وصورة الله فيه سائرة إلى التلاشي، لأن الموت صارت له سيادة شرعية علينا، لأن الله الذي وضعه بسبب التعدى على الوصية.

 

 

4- إعلان صلاح الله:

من غير اللائق أن يبطل الناموس قبل أن ينفذ، ولأنه من غير اللائق أن يظهر الله أبو الحق كاذبًا من أجلنا، ويتنازل عن كلمته بأن يتعدى الإنسان الوصية ولا يموت، وسيصبح الله وقتها غير صادق وغير متمسك بكلمته.

5- إظهار قوة الله:

أو أن يهلك الإنسان الذي كان له شركة مع الله ويفشل قصد الله بسبب غواية الشياطين للبشر وإهمالهم. كلا الأمرين السابقين ضد صلاح الله وضد سبب خلقه الإنسان ودليل على ضعف الله لا على صلاحه.

6- فشل التوبة في تغيير طبيعة الإنسان الفاسدة:

ولايمكن أن الله يدعو البشر للتوبة عن تعدياتهم فهذا لايليق بالله، لأن التوبة تعجز عن حفظ أمانة الله، ولاتقدر أن تغير طبيعة الإنسان القابلة للفساد بالموت بسبب تعديه الوصية، لا يستطيع أن يعيد الإنسان إلى النعمة وحالته الأولى إلا الكلمة؛ الله القادر أن ياتي بالفاسد إلى عدم الفساد، ويصون صدق الله، فهو كلمة الآب وفوق الكل وشفيعًا عن الكل لدى الآب.

7- إعلان محبة الله:

ليظهر محبته لنا ويفتقدنا لأجل ذلك نزل الكلمة كلمة الله الغير المادي، الغير الفاني، الغير الجسدي، المالىء الكل إلى عالمنا رحمةً لجنسنا، وإشفاقًا على ضعفنا، وتراءفًا على فسادنا.

8- عجز الخليقة عن معرفة خالقها:

العجز الكبير في قدرة المخلوقات على إدراك خالقها، فالله غير مخلوق، وروح لا جسد له، أما البشر كائنات مخلوقة من العدم في جسد أرضي من التراب، لذلك الله بسبب صلاحه، تحنن على البشر، ولم يتركهم بعيدًا عن معرفته، حتى لايكون وجودهم في الحياة بلا هدف أو منفعة، فأية منفعة للمخلوقات لو لم تعرف خالقها؟

وكيف تكون مخلوقات عاقلة ولا تعرف كلمة الآب الذي به خُلِقوا؟ فلن يمتازوا عن الحيوانات غير العاقلة، ولماذا خلقهم الله لو لم يكن يريد لهم أن يعرفوه؟ ولهذا عندما يروا كلمة الآب يصلوا عن طريقه إلى معرفة الآب، ويعرفون خالقهم فيحيون حياة حقيقية سعيدة.

9- إعلان الله عن ذاته للبشر في ابنه المتجسد:

لقد أعلن الله ذاته للبشر بطرق وأشكال كثيرة من خلال الناموس والانبياء، فالناموس لم يكن لليهود فقط، بل للمسكونة كلها ليعرفوا الله، وبالرغم من ذلك أنغمس البشر في شهواتهم وضلالاتهم وغوايات إبليس، وتمردوا على الله، ولم يكترثوا بالنعمة المعطاة لهم، ورفضوا الله كليةً، وأخترعوا أوثانًا كثيرةً، وعبدوا المخلوق دون الخالق (رو 1: 25)

عبدوا الحيوانات والكائنات المخلوقة والأشياء المادية كالحجر والخشب، بل ولجحودهم عبدوا الشياطين، وقدموا لها محرقات حيوانية وذبائح بشرية، وتعلموا أعمال السحر والتنجيم، وأصبح الله وحده وكلمته غير معروفين للبشر، لقد حُجِبت معرفة الاله الحقيقي بسبب غواية الشيطان في كل مكان، وصار البشر كحيوانات غير عاقلة.

10- تجديد الخليقة على صورة الله الأصلية:

كان لابد من تجديد الخليقة مرةً أخرى، لكي يستطيع البشر أن يعرفوا الله مرةً أخرى، وذلك مستحيل أن يتم بواسطة البشر، لأنهم مثال الصورة وليسوا الصورة نفسها، ولا بواسطة الملائكة لأنهم ليسوا صورة الله، لذلك آتى كلمة الله صورة الآب غير المنظور ليجدد خلقة الإنسان، ويبيد الموت والفساد، فكان من اللائق أن يأخذ الكلمة جسدًا قابلاً للموت ليبيد فيه الموت، ويجدد خلقة الإنسان الذي خلقه على صورته.

11- عجز البشر عن مقاومة إبليس بأنفسهم:

لم يكن يستطيع الإنسان أن يطوف المسكونة كلها لكي يعرف عن الآب، فلا يستطيع البشر من تلقاء أنفسهم مقاومة غواية وحيل الأرواح الشريرة، فقد ضلوا جميعًا بأنفسهم بغواية الأرواح الشريرة والأوثان، فكيف لهم أن يغيروا نفوس وعقول الآخرين وهم عاجزون عن معرفة العقل والنفس؟ والخليقة ليست كافية، لأنها كانت موجودة بالفعل ومع ذلك سقط البشر في الشرور والضلال عن الله.

 

 

12- الحاجة إلى كلمة الله الخالق:

كانت الحاجة إلى كلمة الله الذي يعرف العقل والنفس، والمحرك لكل الخليقة، لأن يأخذ جسدًا شبيهًا بجسد البشر، حتى الذين لايعترفوا به بواسطة أعمال الخليقة وسلطانه على كل شيء أن يبصروا الأعمال التي عملها بجسده على الأرض، ويعرفون الآب من خلال الكلمة المتجسد.

13– غرق البشر في الماديات وعجزهم عن إدراك الروحيات:

لأن البشر يفهمون كل شيء بطريقة بشرية حسية مادية، يستخدمون أحساساتهم لتفسير الأفعال، هنا تنازل الله لمستواهم وفكرهم ليعلمهم الأمور ببساطة، فأخذ جسدًا لنفسه، ومشى كإنسان بين البشر ليجذب أحاسيس البشر نحوه، وليدركوا الحق عن طريق جسده وعن طريقه يعرفون الآب، فإذا نظروا الخليقة يرونها تعترف للمسيح ربًا…

وإذا عبدوا البشر كآلهة فلم يقم بين البشر قط أي عمل من أعمال كلمة الله، وإذا عبدوا الشياطين، فيرون كلمة الله يطردها فيعترفون بألوهيته، وإذا عبدوا الأبطال المائتة في أشعارهم يكذبونهم، عندما يرون قيامة المخلص الذي له سلطان على الموت، فبتجسده، وموته، وقيامته أظهر أعمال فاقت أعمال الذين سبقوه من البشر.[49]

يجيب ق. أثناسيوس على عدة أسئلة مهمة جدًا في كتابه ”تجسد الكلمة“: هل كان كلمة الله محصورًا في الجسد؟ وهل كان العالم محرومًا من أعمال قدرته أثناء تجسده؟ وهل كان هناك مكان آخر خاليًا منه؟ وكيف كان في الجسد ويدير الكون كله؟

يرد القديس أثناسيوس أن هذا هو السر العجيب بينما كان يتصرف كإنسان كان ككلمة الله الذي يحيي كل الأشياء وكابن كائن مع أبيه، لذلك عند ولادته من العذراء لم يتدنس بحلوله في الجسد بل قدس الجسد، ولم يعتريه أي تغير من جهة طبيعته الإلهية، ورغم وجوده في كل الأشياء، لم يستمد منها شيئًا، بل كل الأشياء تستمد منه الحياة وتعتمد عليه في بقائها، كالشمس لا تتدنس عندما تلمس أشعتها الأجسام الأرضية، ولا تفقد نورها بسبب ظلمة الأجسام، بل بالعكس تنيرها وتطهرها..

فبالأولى كلمة الله كلي القداسة خالق الشمس، لا يتدنس بمجيئه في الجسد، بل لكونه عديم الفساد أحيا الجسد المائت وطهَّره، وهو الكلمة الذي لا يحويه شيء وهو يحوي كل الأشياء، فكونه حاضرًا في كل جزء من الخليقة بقدرته فهو خارج كل شىء بجوهره، ضابطًا كل شيء، وسيادته على كل شيء، وواهبًا الحياة لكل شيء، وهو كائن كليةً في أبيه وحده، وصار معروفًا بأعماله في الجسد وفي نفس الوقت ظاهرًا بأعماله في الكون كله.

ويؤكد القديس أثناسيوس أن عمل النفس هو إدراك الأشياء الخارجة عن جسدها بأفكارها، ولاتعمل خارج نطاق جسدها، ولا تحرك الأشياء البعيدة عن جسدها، أو تنقلها بمجرد التفكير فيها، أما كلمة الله فلم يكن كذلك في جسده البشري لم يكن مقيدًا بالجسد، بل يستخدمه، ولم يوجد في جسده فقط، بل في كل شيء.

وبعدما عجز البشر عن أن يدركوا الله في عنايته بالكون ومن أعماله في الخليقة فبمشاهدتهم أعماله في الجسد يستردوا بصيرتهم ويعرفوا الآب عن طريقه، فمَّن يرى سلطانه على الأرواح النجسة وأعترافها بأنه سيدها، ويساوره الشك بعد ذلك في أنه هو ابن الله وحكمته وقوته؟ فقد جعل الخليقة تخرج عن صمتها، فالشمس توارت، والأرض تزلزلت، والجبال تشققت، وأرتعب كل البشر، جميع هذه الأمور أوضحت أن المصلوب هو الله، وأن الخليقة كلها خاضعة له كعبد، وهكذا أظهر الله الكلمة نفسه للبشر بأعماله.[50]

ويرد القديس أثناسيوس أيضًا على سؤال: كيف يكون الله ويأكل ويشرب ويُولَد؟ وكيف أظهرت أعمال السيد المسيح بالجسد للإنسان قوة كلمة الله وقدرته؟

فيقول: أنه عندما يتحدث الكتاب عن أنه يأكل، ويشرب، وأنه وُلد، فإنه يقصد الجسد كجسد يُولَد، ويقتات بالطعام، أما كلمة الله المُتحد بالجسد، فإنه يضبط كل الأشياء وكل أعماله في الجسد تظهر أنه الله الكلمة المتجسد، أما الأمور الجسدية تُذكَر عنه لتؤكد أنه جسد الرب نفسه جسدًا حقيقيًا لا خيالياً كتعاليم فالنتينوس وماركيون والمونارخيين وليس جسد أحد آخر.

حيث بواسطة الأمور الجسدية عُرِفَ حضوره جسديًا، أما بواسطة أعماله المعجزية في الجسد أعلن نفسه أنه ابن الله، فلا يستطيع إنسان أن يعمل أعماله في الجسد، كما أنه هو غير منظور يعرف من أعماله في الخليقة..

كذلك أيضًا عندما تأنس أمر الأرواح الشريرة بالخروج فكانت تخرج في الحال، وشفى الأمراض التي يخضع لها الجنس البشري، وطرد منه كل مرض وكل ضعف، وفتح عيني المولود أعمى، وكوَّن لنفسه جسدًا من عذراء وحدها من دون رجل، وتغييره طبيعة المياه إلى خمر، ومشى على البحر كسيد له، وأشبع خمسة آلاف نفس من خمسة أرغفة وسمكتين شبعوا وفضل عنهم الكثير، كل هذه الأعمال وغيرها برهانًا على سلطانه على كل الأشياء، وأنه المُعتني بالجميع ورب جميع الأجساد وسيد تكوين البشر.[51]

ويستعرض ق. أثناسيوس أيضًا في كتابه ”تجسد الكلمة“ النتائج المترتبة على التدبير الإلهي لتجسد الكلمة كالتالي:

1- القضاء على سلطان الموت في جسد الكلمة:

ولأنه أخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا أستنفذ سلطان الموت في جسده، فلم يعد للموت سلطان على أجسادنا، كما يؤكد الرسول بولس ذلك ”فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم، أشترك هو أيضًا كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت؛ أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية“ (عب 2 : 14-15).

2- إعطاء الخلود وعدم الفساد للبشر:

أعاد البشر الفاسدين بالمعصية إلى عدم فساد، وأحياهم في جسده الخاص وبنعمة قيامته بدَّد الموت كما تبيد النار القش.

3- إيقاف فساد الجنس البشري:

أدرك الكلمة أنه لا يمكن أن يوقف الفساد إلا بالموت، فأخذ جسدًا قابلاً للموت، وبإتحاد الكلمة بالجسد أصبح نائبًا عن البشرية كلها، وإشتراك الجسد في عدم موت الكلمة أوقف فساد الجنس البشري بنعمة القيامة من الأموات.

4- الانتصار على الموت بذبيحة جسده عنا:

ولكونه فوق الجميع، جعل جسده ذبيحةً لأجل الجميع، ولكونه واحدًا معنا ألبسنا عدم الموت، كالملك عندما يسكن في أحد البيوت، فيجعل المدينة كلها عظيمة مُكرَّمة، فلايجرؤ عدو أن يدخل إليها، وتكون جديرة بالعناية والأهمية بسبب سكنى الملك في أحد بيوتها، كذلك لو لم يكن رب الكل ومخلص الجميع ابن الله قد جاء ليضع حدًا للوت.

5- إبطال الموت والفساد:

إن كلمة الآب كلي الصلاح لم يتخل عن الجنس البشري الذي خلقه، ولم يتركه إلى الفناء، بل أبطل الموت بتقديم جسده الخاص، ثم قوَّم إهمال البشر بالتعاليم، وبقوته أصلح أحوالهم، كالملك الذي ينتقم من اللصوص الذين أستولوا على مدينة أسَّسها، بغض النظر عن إهمال أهلها، لأنها صنعة يديه فبالأكثر كلمة الآب.

وبذلك الله الكلمة نفسه وليس سواه بتجسده وحده لايقدر أحد غيره أن يسترد البشر من الفساد غير الذي خلقهم في البداية، كمايقول الرسول بولس: ”لأنه لاق بذاك الذي من أجله الكل وبه الكل وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد أن يكمِّل رئيس خلاصهم بالآلام“ (عب 2: 10).

6- وضع بداية جديدة للبشرية بقيامة المخلص:

بذبيحته قد وضع نهايةً لناموس الموت القائم ضدنا وبدايةً جديدةً لنا برجاء القيامة، ”فإنه إذا الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات“ (1كو 15 :21).

فلانموت بعد كمُدانيين، بل سنقوم من الموت في القيامة العامة التي وهبنا الله إياها. إذ قد مات مخلص الجميع نيابةً عنا، فنحن المؤمنين بالمسيح لن نموت بحكم الموت بحسب الناموس، لأن الحكم قد أُبطِلَ، وبما أن الفساد قد اُبطِل وأُبيد بنعمة القيامة، وبهذا نموت في الوقت الذي حدَّده الله، لكي ننال قيامة أفضل كالبذور التي تُلقَى في الأرض، هكذا نحن لانفنى بالموت، بل نزرع في الأرض لنقوم ثانيةً، فقد أُبيد الموت بنعمة قيامة المخلص.[52]

ويشرح ق. أثناسيوس أسباب موت المسيح على الصليب مؤكدًا أن الموت على الصليب هو حقًا عمل إلهي ولائق بلاهوت الكلمة لأسباب كثيرة، وهي:

1- لإظهار قوة الله في إعطاء الحياة والشفاء للجميع:

الموت الذي يصيب البشر بسبب ضعف طبيعتهم، حيث يموتون في الميعاد المحدَّد حينما تنتابهم الأمراض فيمرضون ويموتون، أما الرب فهو ليس ضعيفًا، بل هو قوة الله، وهو الحياة عينها، فلم يكن لائقًا أن يمرض ويضعف ذلك الجسد الذي به قوى وشفى أمراض وضعفات الآخرين، فلا يصدق المرء أنه كان يشفي أمراض الآخرين، وقد تعرض جسده الخاص للمرض.

2- إعلان موته النيابي عن البشرية كلها:

لو كان مات في مكان خاص وعلى فراش كما يموت البشر، فيظن الناس أنه ذاق الموت بسبب ضعف طبيعته، وبالتالي ما يميِّزه عن سائر البشر، أما وهو الحياة وكلمة الله كان لابد أن يموت نيابةً عن الجميع.

3- لإظهار قوته على هزيمة الموت وعدم الخوف منه:

لم يكن لائقًا بكلمة الله وهو الحياة أن يوقع الموت على جسده بنفسه، كذلك لم يكن لائقًا أن يهرب من الموت الذي يوقعه اليهود عليه، بل بالأحرى يتعقبه ليقضي عليه، ولهذا السبب لم يسلم جسده من نفسه، كما لم يهرب من مؤمرات اليهود.

فالموت على الصليب لم يظهر الكلمة ضعيفًا، بل بيَّن أنه المخلص وهو الحياة، إذ أنتظر أن يأتيه الموت ليبيده، لذلك لم يضع جسده ليموت بموتٍ خاصٍ به، إذ هو الحياة لا موت فيه قَبِلَ في الجسد الموت الآتي من البشر، لكي يبيده عندما يلتقي به في جسده، وعجَّل بإتمام موته لأجل خلاص الجميع.

4- كبرهان على القيامة العامة أمام الجميع:

كان الرب مهتمًا بقيامة الجسد ليتمِّمها كدليل أمام الجميع على انتصاره على الموت، ولكي يؤكد للجميع زوال الفساد، وأنه منح أجسادهم عدم الفساد، وكضمان وبرهان على القيامة العامة المُعدة للجميع حفظ جسده من دون فساد.

 

 

5- كدليل قاطع على موته الحقيقي وقيامته الحقيقية:

ولو لم يكن به مرض أو جوع، وأفترضنا أنه قام بإخفاء جسده في أي مكان، ثم بعد ذلك ظهر فجأةً وأعلن قيامته من الأموات، لظن الجميع أنه يتكلم بكلام هذيان، لأنه لم يكن هناك أي شاهد على موته، فالموت لابد أن يسبق القيامة فلو كان موته سرًا في أي مكان، ولم يكن الموت ظاهرًا أمام شهود، لكانت قيامته أيضًا مخفية لا دليل عليها.

6- إظهار أعمال الله في الموت والقيامة:

لماذا يجعل موته سرًا، إن كان بعدما قام أعلن قيامته جهارًا، وطرد الشياطين أمام الجميع، وشفى المولود أعمى، وحوَّل الماء إلى خمر ليؤمن الجميع أنه كلمة الله بواسطة معجزاته، ومنها عدم فساد جسده الذي كان قابلاً للموت، لكي يؤمن الجميع أنه هو الحياة.

7- إعطاء التلاميذ والرسل البرهان القاطع على موته وقيامته عند الكرازة:

كيف يكون لتلاميذه الجسارة أن يعلنوا قيامته دون قولهم بموته أولاً؟ وكيف يصدق أحد قولهم إن الموت حدث أولاً ثم القيامة لو لم يكن شهود على موته بين الذين يكلمونهم؟ فرغم أن موته وقيامته حدثا أمام الجميع مع ذلك لم يؤمن الفريسيون، وأجبروا الذين رأوا القيامة أن ينكروها، فلو أن هذه الأمور حدثت سرًا، فما أكثر الحجج التي سيخترعونها ليبرِّروا عدم إيمانهم.

8- رد الشبهات حول موته وقيامته في مختلف العصور:

لو لم يكن مات على الصليب لأعطى فرصة للتشكك في شخصه، وكأنه لايقوى على كل أشكال الموت، بل فقط الموت الذي أختاره بنفسه، ولكانت هذه حجة لعدم الإيمان بالقيامة، وهكذا أتى الموت بمشورة أعدائه وليس بتدبيره، حتى أن أي شكل من أشكال الموت يأتون به إلى المخلص يبيده كليةً، كالمصارع العظيم الشجاع أي مصارع يضعونه أمامه ينتصر عليه، فيؤمنون أنه فاق الجميع، وبذلك حوَّل هذا الموت المرعب المهين إلى علامة النصرة على الموت ذاته.

9- الموت على صليب يجعله لعنة لأجلنا:

لقد جاء ليحمل اللعنة الموضعة علينا فكيف يصير لعنةً من دون موت اللعنة على الصليب، لأنه مكتوب ”ملعون كل مَن عُلِّق على خشبة“ (أف 2: 14).

10- توحيد اليهود والأمم بالصليب:

مات المسيح فديةً عن الجميع ناقضاً ”حائط السياج المتوسط“ (أف2 :14)، وصارت الدعوة للأمم، لأنه على الصليب وحده يموت باسطًا ذراعيه، لكي بأحدهما يجتذب الشعب القديم (اليهود) وبالذراع الآخر يجتذب الأمم، ويوحِّد الاثنين في شخصه، وأشار إلى الصليب كوسيلة الفداء، إذ قال: ”وأنا إن أرتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع“ (يو12: 32).

11- هزيمة الشيطان في مركز سيادته وسلطانه:

إن الشيطان عدو جنسنا لما سقط من السماء، وصار يجول في أجوائنا السفلية متسلطًا على الأرواح الأخرى المماثلة له في المعصية، يعوق الذين يرتفعون إلى فوق، كمايقول الرسول بولس عنه: ”حسب رئيس سلطان الهواء الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية“ (أف2: 2). فجاء الرب ليطرح الشيطان إلى أسفل، ويطهِّر الهواء، ويعد لنا الطريق إلى السماء، لذلك تم الموت على الصليب مُعلقًا في الهواء ليتمم ذلك.

12- شهادة الطبيعة كلها على موت خالقها:

لأنه على الصليب لم يجعل نفسه مختفيًا، بل بالحري جعل الطبيعة تشهد لحضور خالقها، ولم يدع جسده يظل طويلاً ميتًا، بل بعد أن أظهر احتكاك جسده بالموت، أقامه حالاً في اليوم الثالث حاملاً عدم الفساد وعدم التألم في جسده كعلامة الظفر والانتصار على الموت.[53]

ثم يشرح ق. أثناسيوس أسباب القيامة في اليوم الثالث كالتالي:

1- لإثبات حقيقة موته واضحة أمام الكل:

لقد كان يستطيع أن يقيم جسده بعد الموت مباشرةً، ولكن المخلص بحكمةٍ وبعد نظر لم يظهر قيامته في الحال، حتى لا يقول أحدهم أنه لم يمت بالمرة، أو أن الموت لم يلمسه كاملةً.

2- لإثبات مجد عدم فساد جسده:

لكي يظهر مجد عدم فساد جسده أمام الجميع ولكي يتأكد موت الجسد أقامه في اليوم الثالث.

3- دحض الشك باليقين:

لو أنه أقام الجسد بعد ثلاثة أيام فقد يشك فيه، كأنه أستبدل جسده بجسد آخر، لأن الإنسان بمرور الزمن يشك فيما سبق أن رآه وينسى ماقد حدث فعلاً.

 

 

4- منع اليأس عن تلاميذه:

كما أنه لم يترك الذين سبق وأخبرهم بالقيامة معلقين لفترة طويلة، بينما لازالت أقواله ترن في آذانهم وعيونهم في حالة توقع وعقولهم حائرة معلقة.

5- إعلان قيامته بشهود كثيرين:

إذ كان الذين قتلوه مازالوا أحياء على الأرض في نفس المكان، ويمكن أن يشهدوا بموت جسد الرب، وقد أتضح للجميع أن الجسد قد مات، ليس بسبب أي ضعف في طبيعة الكلمة الذي أتحد بالجسد، بل لكي يُباد في الجسد بقوة المخلص.[54]

يسرد ق. أثناسيوس في كتابه ”تجسد الكلمة“ أدلة وبراهين نصرة المسيح على الموت بموته وقيامته كالتالي:

1- إزدراء تلاميذ المسيح بالموت:

ويواجهون الموت بقوة ولم يعودوا يخشونه، بل بعلامة الصليب وبالإيمان بالمسيح يطأونه كميت، فالموت قد أُبيد وصار الصليب هو الغلبة عليه، والموت لم يعد له سلطان، بل قد مات حقًا.

2- يقين المؤمنين في قيامة رب المجد من الموت:

حيث قديمًا قبل مجيء المخلص كان الموت مرعبًا حتى بالنسبة للقديسين، وكان الجميع ينوحون على الاموات كأنهم هلكوا، أما الآن بعد قيامة المخلص لم يعد الموت مخيفًا، لأن جميع المؤمنين بالمسيح يدوسونه كأنه لاشيء، بل بالحري يفضِّلون الموت عن إنكار إيمانهم بالمسيح، لأنهم متيقنون حينما يموتون فهم لايفنون، بل يحيون عن طريق القيامة، ويصيرون عديمي الفساد.

3- إندفاع المسيحيين نحو الاستشهاد:

فرح الشيطان قديمًا بموت الإنسان، أما الآن وقد نُقِضَت أوجاع الموت، فالوحيد الذي يبقى ميتًا هو الشيطان، والبرهان؛ الناس قبل الإيمان بالمسيح كانوا يرون الموت مفزعًا، وبعد إيمانهم بالمسيح وتعاليمه، صاروا يحتقرون الموت، ويندفعون نحوه بحماس، ويصبحون شهودًا للقيامة، بينما يزالون صغار السن يدرِّبون أنفسهم بجهادات ضد الموت رجالاً، ونساءً، وأطفالاً، وشبانًا، وشابات، فقد صار الشيطان ضعيفًا حتى أن النساء اللواتي انخدعن منه قديمًا، صرن يسخرن منه كميت عديم الحركة..

فإنهم يدوسونه وفي شهادتهم للمسيح يهزأون ويسخرون منه مردِّدين: ”أين غلبتك ياموت؟ أين شوكتك يا هاوية؟“ (هو 13: 14).

4- إيمان المشككين والمستهزئين بموت الرب وقيامته:

لأن كثيرين ممَّن كانوا فيما مضى متشككين ومستهزئين قد آمنوا فيما بعد، وهكذا أحتقروا الموت لدرجة أنهم صاروا شهداءً لأجل المسيح، لأنه ليس أحد آخر سوى المسيح نفسه غلب الوت، وأنتصر عليه كما أن الشمس تشرق بعد الليل وتنير الأرض كله، هكذا أيضًا الموت قد أحتُقِرَ ووُطِيء تحت أقدام المخلص على الصليب.

5- انتشار الكرازة بالمسيح في المسكونة كلها:

لأنه عندما يكون المرء ميتًا، لايستطيع فعل شيء، وهل يمكن لشخص ميت أن ينخس ضمائر الآخرين، حتى يرفضون نواميس آبائهم الموروثة، أما المسيح يعمل الآن بقوة بين البشر، ولايزال كل يوم بكيفية غير منظورة، يقنع الجموع الغفيرة من كل المسكونة للإيمان به وبتعاليمه، فمَّن يتطرق لذهنه الشك أن المخلص قد أتم القيامة بقيامته وأنه حي بل هو نفسه الحياة؟

6- تغيُّر المؤمنين بالمسيح للأفضل:

كيف أستطاع أن يجعل الزاني يكف عن الزنا، والقاتل عن القتل، والظالم عن الظلم، ويصير الكافر تقيًا، ولو أنه لم يقم فكيف يحطِّم تلك الآلهة الكاذبة التي يدَّعي غير المؤمنين أنها حية؟ وكيف يطرد الأرواح الشريرة التي يعبدونها؟ لأنه حيث يُذكر اسم المسيح تتلاشى كل عبادة وثنية، وتنفضح كل أضاليل الأرواح الشريرة، وهذا مستحيل أن يكون عمل شخص ميت، بل هو عمل شخص حي، وبالأحرى عمل الله.

7- إعلان عجز الشياطين الكاذبة:

إعلان الشياطين عجزهم عن طرد المسيح وإيقاف انتشار تعاليمه، مما يثبت ألوهية المسيح.

8- إعلان عجز الفلسفة اليونانية وحكمائها:

أعلنت الفلسفة اليونانية وحكماؤها عجزها عن أن تجذب البشر لحياة الفضيلة، مثلما فعل الإيمان بالمسيح.

9- وضوح البرهان على قيامة المسيح كوضوح الشمس:

إن كانوا لايصدقون أنه قام بسبب أنه لم يكن منظورًا بعد القيامة، فيلزمهم أن ينكروا ما يخص الطبيعة الإلهية ذاتها أنها غير منظورة، ولكن يُعرف الله بأعماله، إن كان الأعمى يشعر بحرارة الشمس رغم أنه لايراها، فيعرف أنه توجد شمس على الأرض، هكذا أيضًا مقاومونا لا يزالون عميانًا عن رؤية الحق، فإنهم على الأقل يعرفون قوته في المؤمنين به، فلا ينكروا ألوهية المسيح وقيامته.

10- اعتراف الشياطين بالرب وشهادة أعماله:

فمن الواضح أن المخلص قد أقام جسده، وأنه هو ابن الله المولود من الآب، وكلمته، وحكمته، وأنه اتخذ جسدًا لأجل خلاص الجميع، وعلَّم العالم عن الآب، وأبطل الموت، ووهب عدم الفساد للجميع بوعد القيامة، إذ قد قام كباكورة للراقدين مظهرًا الصليب كعلامة الغلبة على الموت والفساد.[55]

كما يشرح ق. أثناسيوس أبعادًا أخرى في سر التدبير الإلهي في المقالة الأولى من كتابه ”ضد الأريوسيين“، حيث يقول التالي:

”وبما أن الكلمة وهو صورة الآب، وهو غير مائت، قد اتخذ صورة عبد، وكإنسان عانى الموت بجسده لأجلنا.

لكي بذلك يبذل نفسه للآب بالموت من أجلنا، لأجل هذا السبب يُقال عنه أنه كإنسان مُجِّد أيضًا نيابةً عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدنا مجدًا عاليًا، مُقامين من بين الأموات، وصاعدين إلى السموات، ’حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا‘ (عب6: 20)، ’لأن المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقة، بل إلى السماء عينها، ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا‘ (عب9: 24).

فإن كان المسيح قد دخل الآن إلى السماء عينها لأجلنا، رغم أنه من قبل هذا الحديث، كان هو دائمًا الرب وخالق السماوات، فتبعًا لذلك، تكون هذه الرفعة الحالية، قد كُتِبت أيضًا من أجلنا نحن“.[56]

حيث يؤكد ق. أثناسيوس هنا على وجودنا الكياني في المسيح أثناء معاناة الكلمة للموت كإنسان من أجلنا، وتقديمه لذاته نيابةً عنا، وكأننا بموت المسيح قد متنا معه جميعًا، نحن البشر، وبقيامته قومنا معه من بين الأموات، وبصعوده إلى السماوات صعدنا معه إلى السماوات، وبتمجيده ورفعته للجسد نلنا المجد العالي والرفعة الحالية، لأننا جلسنا عن يمين الآب مع المسيح وفي المسيح المتحد بجسدنا اتحادًا أبديًا دون إنفصال

 وهكذا سنظل معه وبه في حضن الآب، يا له من غنى وسمو ومجد قد أعطاه الكلمة لنا بتجسده لأجلنا.

وهكذا يوضح القديس أثناسيوس في المقالة الثانية من مقالاته ”ضد الأريوسيين“ جوانب أخرى من سر التدبير الإلهي في التجسد، فنراه في تفسيره لآية ”كونه أمينًا للذي أقامه“ يقول التالي:

هكذا عندما أراد الآب أن تُقدَّم فديةً عن الجميع، و تُعطَى النعمة للكل، أخذ الكلمة جسدًا من العذراء مريم ليقدم ذاته للآب، ويطهِّرنا من الخطايا، ويقيمنا من الأموات، فالرب بعد التجسد لم يصر شخصًا آخر، بل ظل كما هو قبل التجسد، وقد صارالكلمة إنسانًا لتقديس الجسد، ودُعِيَ أخًا لنا“.[57]

وبالتالي يوضح ق. أثناسيوس هنا أن الفداء تم بإرادة إلهية لتطهير خطايانا، وإقامتنا من الأموات، وتقديس الجسد بتجسده، وهذا هو مفهوم الفدية عند القديس أثناسيوس، وعلى العكس من مفهومها في اللاهوت المدرسي والبروتستنانتي.

يُفسِّر القديس أثناسيوس فقرة (أم8: 22) في سياق شرح التدبير الإلهي لخلاص البشرية بتجسد الكلمة، حيث يقول التالي:

”إن الابن كما لو كان يقول: ’الآب هيأ لي جسدًا‘ (عب10: 5)، وخلقني للبشر لأجل خلاصهم، فعندما نسمع ’صار لعنةً لأجلنا‘ (غلا3: 13)، و’جعل الذي لم يعرف خطية، خطيةً لأجلنا‘ (2كو5: 21)، فلا نفهم أنه لعنة وخطية، بل حمل لعنتنا، ومثلما قال إشعياء: ’حمل خطايانا‘ (إش 53: 4)“.[58]

ويوضح ق. أثناسيوس هنا خلقة الآب للجسد الذي اتحد به الكلمة بالروح القدس لخلاص البشر، وأنه قد صار لعنةً وخطيةً لأجلنا، لأنه حمل خطايانا وهو القدوس البار بلا خطية.

ثم يستطرد ق. أثناسيوس قائلاً:

”واضح إن بيت الحكمة هو جسدنا الذي أتخذه الكلمة وصار إنسانًا، فالكلمة تحدَّث من خلال سليمان مشيرًا لناسوته وتدبير خلاصنا“.[59]

ثم يؤكد ق. أثناسيوس على أزلية التدبير الإلهي في التجسد، وإنه كان في خطة الله الأزلية لخلاص البشرية من الفساد والموت، حيث يقول:

”وقوله ’خلقني من أجل الأعمال‘ بمعنى أن الأعمال كانت موجودة قبل تجسده من أجلها، فإنه عندما أخذ صورة عبد ولبس الجسد المخلوق“.[60]

ويؤكد ق. أثناسيوس أيضًا على الحاجة الماسة لتجديدنا؛ لذا يقول:

”لكنه أُرسِلَ لأجل الأعمال وتدبير التجسد لأجل خلاصنا، لأنه قبل خلق الأعمال كان الابن كائن دائمًا، وصارت الحاجة ماسة لتدبير إصلاحها“.[61]

ويؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة تجديد الخليقة وإعادة خلقتها بتجسد الكلمة، لأنه هو خالقنا والمسئول عن تجديدنا كخليقته كالتالي:

”فقدَّم الكلمة ذاته وصار مشابهًا للأعمال، كقول إشعياء: ’والآن هكذا يقول الرب الذي جبلني من الرحم لأكون له عبدًا لأرجع إليه يعقوب وإسرائيل، وسأجتمع إليه وأتمجَّد أمام الرب‘ (إش49: 5)، وهنا لفظ ’جبل‘ مثل لفظ ’خلق‘ تأتي بعد وجود الكلمة، والأسباط التي لأجلها جُبِلَ كانت موجودة والأعمال التي من أجلها ’خُلِقَ‘ كانت موجودة.

إذًا، كلمات مثل: خلق، وجبل، وأقام لها نفس المعنى وهو التجديد لأجلنا كعمل خير منه وليس أن جوهره مخلوق فهو كائن قبل الأشياء’قبل أن يكون ابراهيم أنا كائن‘ (يو8: 58)، ’ولما هيأ السموات كنت أنا موجودًا هناك معه‘ (أم8: 27)، وبالتالي الجبل يعني بداية تأنسه لتجميع أسباط إسرائيل، لذا لفظ ’خلق‘ لاتعني بداية وجوده، بل لأن الكلمة هو خالقنا فهو المتكفل بتجديدنا“.[62]

ويشرح ق. أثناسيوس سبب تأنس الكلمة أيضًا، حيث يقول:

”فكان سبب تأنس المخلص من أجل الشهادة للحق، وليقاسي الموت، وليقيم البشر، ’لأنه لم يرسل الله ابنه ليدين العالم بل ليخلص به العالم‘ (يو3: 17)، فالمخلص لم يأت لأجل ذاته، بل ليدين الخطية، ويبطل الموت ويخلصنا، فهو إذًا لم ’يُخلِقَ‘.

الكلمة رغم أنه خالق احتمل لقب المخلوقين الخاص بنا نحن المخلوقين بواسطته، ليكون لنا في داخلنا لا خارجنا كما لو كنا نقبل منه التعليم كمعلِّم، وبالتالي لما فقدت الخطية سلطانها على الجسد، بل ظلت ملتصقة به، لذلك قال: ’الرب خلقني‘ ليطرد الخطية بعيدًا عن الجسد بسكناه ونحصل نحن على فكر حر من الخطية“.[63]

ويعدِّد ق. أثناسيوس هنا أسباب التدبير الإلهي وهي من أجل الشهادة للحق، ولمقاساة الموت، ولإقامة البشر، ولإدانة الخطية، ولإبطال الموت والخلاص، فاحتمل لأجلنا لقب المخلوق، لكي بسكناه داخلنا مؤكدًا على وجوده الكياني الداخلي فينا لكي ما نحصل على فكر نقي طاهر بعيد عن الخطية.

يستطرد ق. أثناسيوس شارحًا الفرق بين الولادة بالطبيعة والولادة بالتبني والنعمة كإحدى بركات سر التدبير الإلهي في التجسد قائلاً:

”فإن الله دعا البشر أبناءً لأنه ولدهم كقوله ’ولدت بنينًا ونشأتهم‘ (إش1: 2)، و’أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أبناء الله أي المؤمنين باسمه‘ (يو1: 12)، لفظ ’يصيروا‘ تعني بحسب النعمة وليس بالطبيعة، فهذه محبة الله للبشر أنه صار لهم أبًا بحسب النعمة، فلايقدرون أن يصيروا أبناءً إلا بقبول الابن الحقيقي حسب الطبيعة، وليحدث هذا ’صار الكلمة جسدًا‘ ليجعل الإنسان قادرًا على تقبل الألوهية ’روح ابنه في قلوبهم صارخًا: يا أبانا الآب‘ (غل4: 6)،..

وفي ملاخي ’أ لم يخلقكم إله واحد؟ أليس لكم أب واحد‘ (مل1: 2)، وضع لفظ’خلق‘ قبل ’أب‘ لإثبات أننا مخلوقات بحسب طبيعتنا..

وبعدما خلقنا الله بواسطة الكلمة جعلنا أبناءً، وصار الله أبونا، فالآب هو خاص بالابن وليس بالخليقة، والله ليس أبانا بالطبيعة، بل آب الكلمة الساكن فينا. من الواضح أن الكلمة حينما صار إنسانًا بفضل النعمة قال: ’الرب خلقني‘، وبعدما لبس الجسد المخلوق، وصار مشابهًا لنا، فمن الصواب أن يُدعَى ’أخانا‘ و ’بكرنا‘، لأن البشر هلكوا لمخالفة آدم، وجسد الكلمة نفسه كان أول ما تم تخليصه وتحريره، وباتحادنا بجسده قد خلصنا على مثال جسده..

 وصار الرب قائدنا لملكوت السموات، ودُعِي ’البكر بين الأموات‘، لأنه أول إنسان قائم أقام جسد لأجلنا لننال القيامة من الأموات منه وبسببه“.[64]

ويشرح ق. أثناسيوس هنا أعماق أخرى من سر التدبير الإلهي في التجسد، حيث نلنا البنوة لله بحسب التبني والنعمة بسكنى آب الكلمة فينا، وكيف أن جسده كان أول جسد قد تم تخليصه وتحريره، وكيف أنه على مثاله وباتحادنا به قد خلصنا، وقادنا إلى الملكوت.

ثم يؤكد ق. أثناسيوس على نفس المعنى السابق قائلاً:

”لذلك بنزول الكلمة صار به تبني الخليقة، ليصير هو بكرها في كل شيء سواء في الخلق أو تجسده، ’متى أُدخِلَ البكر إلى العالم يقولون لتسجد له كل ملائكة الله‘ (عب1: 6)، فهو بكر الخليقة لتبنيه الجميع، وقام من بين الأموات ليكون باكورة الراقدين“.[65]

ثم يؤكد القديس أثناسيوس على أن المسيح هو آدم الثاني والبداية الجديدة للخليقة المتجدِّدة فيه، وهذا في سياق تفسيره لعبارة ”أول الطريق“، حيث يقول التالي:

”أن الطريق الأول من خلال آدم قد ضاع، وانحرفنا للموت بدل الفردوس، لذا تجسد الكلمة ليحيي بدم جسده الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، ’الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدًا‘ (2كو5: 17)، وبعدما صار كل شيء خليقة جديدة، صار المسيح هو بداية الخليقة الجديدة، وأول الذين صاروا من جديد، وأخذ باكورتنا جسده البشري الذي أخذه..

وخُلِقَ ليكون ’أول الطريق‘، ويكون متقدمًا في كل شيء، ويكون هو ’الطريق‘ و ’خُلِق أول الطرق‘ لنتبعه ونشترك في معرفة الآب، ولن نسمع بعد ’يوم تأكل منها موتًا تموت‘ (تك2: 17)، بل ’حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا‘ (يو14: 3). لقد كُشِفت لنا معرفة الآب بتجسد الكلمة وبإتباعه كطريق لنا نحو الملكوت“.[66]

ويؤكد القديس أثناسيوس أنه بتجسد الكلمة أكمل نقائصنا نحن البشر كالتالي:

”’لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة‘ (أف2: 10)، لأن عمل الإنسان قد صار ناقصًا بسبب المخالفة، وصار ميتًا بالخطية، فلم يكن من اللائق أن يظل عمل الله ناقصًا، لذلك تجسد الكلمة ’خُلِق من أجل الأعمال‘، لكي يكمِّل بنفسه ما هو ناقص في الإنسان وهو الخلود والطريق للفردوس، ويكون ’الأعمال التي أعطاني الآب لأكملها […] هي تشهد لي‘ (يو5: 36)، الأعمال التي أعطاها له الآب ليكمِّلها هي التي من أجلها ’خُلِق أول الطرق‘“.[67]

ويتساءل ق. أثناسيوس قائلاً:

”وإن كان الكلمة مخلوقًا، فكيف يمكن أن يبطل حكم الله، ويصفح عن الخطيئة، وهو أمر خاص بالله؟ لأنه مكتوب ’مَن هو إله مثلك غافر الإثم وصافح عن الذنب‘ (مي7: 18). والواضح أن الابن هو الذي أبطل الحكم قائلاً: ’إن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا‘ (يو8: 36)، بل الكلمة هو الذي أصدر الحكم في البداية وهو الذي صفح عن الخطايا وتحققت الحرية فيه، وبطلت الدينونة به“.[68]

ونجد هنا بعدًا خلاصيًا هامًا يؤكد عليه ق. أثناسيوس وهو أن الابن هو الله الذي أصدر الحكم على البشر في البداية، وبالتالي كان لا بد أن يصفح هو بنفسه عن خطايانا، ويعطينا الحرية، ويبطل الدينونة بموته. وهكذا ينفي ق. أثناسيوس فكرة أن الله صفح عن الخطايا عندما أخذ ابنه ثمنًا لهذا الغفران والصفح بحسب مفاهيم العصر الوسيط وعصر الإصلاح، بل يغفر ويصفح الله الابن في المسيح عن الخطايا بلا مقابل.

ثم يشرح ق. أثناسيوس الضرورة الحتمية جدًا لتجسد الكلمة، حتى لو لم يخطأ آدم، فيما يعرف بـ ”التجسد غير المشروط“، الذي لمح إليه ق. أثناسيوس قائلاً:

”لو قال الله كلمة واحدة، وأبطل اللعنة لظهرت قوته، وظل الإنسان كما كان آدم قبل العصيان، لأنه سيحصل على النعمة من خارجه، دون أن تكون متحدة مع الجسد، وهذه حالته كما كان في الجنة، بل وتصير حالته أسوأ مماكان في الجنة، لأنه تعلَّم كيف يعصي، فلو كانت حالته هكذا وأغوي مرةً أخرى بواسطة الحية، لصارت الحاجة مرةً أخرى لله ليبطل اللعنة، وهكذا تستمر الحاجة بلا نهاية، ولظل البشر تحت الذنب لإستعبادهم للخطية، ولظلوا يحتاجون على الدوام لمَّن يعفو عنهم ولما خلصوا قط، ويظلون مقهورين حسب الناموس لضعف الجسد.

ولو كان الابن مخلوقًا لظل الإنسان مائتًا كما كان قبلاً، وليس في وسع جزء من الخليقة أن يخلصه، لأنه نفسه في حاجة للخلاص، وحيث الجميع خاضعين للموت، وكان هو مختلف عن الجميع قدَّم جسده الخاص للموت لأجل الجميع“.[69]

يشرح ق. أثناسيوس هنا ويؤكد على حقيقة أنه حتى آدم قبل العصيان كان يحصل على النعمة من خارجه دون أن تكون متحدة بجسده، وهذه كانت حالته في الجنة، وهكذا يؤكد ق. أثناسيوس هنا على مبدأ ”التجسد غير المشروط“ بخطيئة آدم، لأن آدم كان يحتاج إلى تجسد الكلمة حتى لو لم يكن قد أخطأ، لتسكن النعمة في جسده وتتحد به؛ أي نعمة الخلود والحياة الأبدية، لأن آدم كائن عدمي مخلوق من العدم، وكان سيؤول للعدم من دون تجسد الكلمة لأجله واتحاد الكلمة بجسده المخلوق ليهبه الأبدية.

ولكن الوضع صار أسوأ بعد عصيان وتعدي آدم للوصية، وسقوطه فى الخطيئة، لأنه تعلَّم العصيان، وبالتالي سيكون الوضع أسوأ لو أغوته الحية ثانيةً، وهكذا سيحتاج الله لإبطال اللعنة ثانيةً، وهكذا تستمر الحاجة إلى ما لا نهاية، ويظل الإنسان مقهورًا بحسب الناموس بسبب الضعف الجسدي، ولكن بتقديم الابن جسده الخاص للموت، صار الخلاص الدائم الأبدي لجنس البشر.

ثم يُعدِّد ق. أثناسيوس نتائج هذا الخلاص العظيم كالتالي:

  1. يصير الجميع أحرارًا من الخطية واللعنة الناتجة عنها بواسطة المسيح.
  2. يبقى الجميع دائمًا قائمين من الأموات ولابسين عدم الموت وعدم الفساد.
  3. ينقض أعمال إبليس من الجسد، لأننا تحرَّرنا بسبب علاقتنا بجسده.
  4. يبطل الموت الذي يتبع الخطية.
  5. نصير متحدين بالله الكلمة، فلن نمكث كثيرًا على الأرض، بل نكون حيث يكون.
  6. لا نخاف الحية بعد لأنها أُبطِلَت بواسطة الجسد وطُرِدَت من الفردوس في النار.
  7. لن نحترس بعد من المرأة التي خدعتنا، لأنه ”في القيامة لايزوجون ولايتزوجون، بل يكونون كملائكة الله في السماء“ (مت22: 30).
  8. سنكون خليقة جديدة في المسيح يسوع، ويكون المسيح الكل فى الكل.

ثم يشرح ق. أثناسيوس العواقب الوخيمة من عدم تجسد الكلمة قائلاً:

”لو كان الكلمة مخلوقًا، لواصل الشيطان المخلوق الحرب دائمًا ضد المخلوق، وصار الإنسان وسط الصراع خاضعًا للموت، ولن يستطيع أن يتحد بالله، ولكن بعد أن يجدِّد الكلمة الجسد المخلوق كخالق، فإنه يؤلِّه (التآله) هذا الجسد في ذاته، وهكذا يدخلنا الملكوت على مثال صورته، لأنه ما كان يتأله (التآله) الإنسان لو اتحد بمخلوق، ولو لم يكن الابن إلهًا حقيقيًا، ما كان للإنسان أن يقف في حضرة الآب.

كلمة الله مختلف عن المخلوقات، لأنه هو الذي يدين الخليقة، وحيث أن كل الخليقة تئن لأجل التحرُّر من عبودية الفساد، فلو كان الابن مخلوقًا، لكان واحدًا من الذين يئون، ويحتاج مَن يعطيه التبني، ويحرره مع الكائنات الأخرى، ولكن الابن ليس منهم، بل هو الذي يعطي الحرية والتبني للجميع، ’فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا‘“.[70]

ونرى هنا أن العواقب الوخيمة من عدم تجسد وتأنس الكلمة هي كالتالي: مواصلة الشيطان الحرب ضد الإنسان، بقاء الإنسان خاضعًا للموت في وسط الصراع مع إبليس؛ أي مهزوم تمامًا، من دون أية مقاومة أو حماية، وبالتالي إستحالة اتحاد الإنسان بالله، ولكن نتائج تجسد الكلمة كانت كالتالي: تجديد الكلمة للجسد المخلوق كخالق، وتآله الجسد البشري (أي تأله ناسوت المسيح) في الكلمة ذاته، وبالتالي دخول الجسد البشري للملكوت على مثال صورة جسد الكلمة، والوقوف في حضرة الآب.

كما يفسر ق. أثناسيوس معنى تأسيس البشرية في جسد الكلمة، حيث يقول:

”’أسَّسني‘ في الأمثال ليس عن نفسه، بل ليوضح الذين يبنون فوقه، فإنه ’لايستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذي وُضِعَ الذي هو يسوع المسيح‘ (1كو3: 11)، فإنه تأسس حسب بشريته، لكي يمكننا أن نبني فوقه كحجارة كريمة، ونصير هيكلاً للروح القدس الساكن فينا، ويكون الكرمة ونحن الأغصان بحسب بشريته. التأسيس يكون بنقل الحجارة من الجبل ثم تُوضَع في عمق الأرض […]

لفظ ’أسَّس‘ لا تعني بدايه وجوده، بل عندما أخذ جسدنا كقطعة من جسد مريم، كما لو كان يقول: ’لكوني الكلمة ألبس جسدًا ترابيًا‘، لكي بإتحادنا معه في الجسد نبقى غير مائتين وغير قابلين للفساد، ونصل للإنسان الكامل (أف4: 13)“.[71]

بالتالي نرى هنا وصول البشرية إلى الإنسان الكامل في جسد الكلمة، لأنه من المستحيل على الإنسان الوصول إلى الكمال الحقيقي من دون تجسد الكلمة.

وهكذا يفسر ق. أثناسيوس عبارات مثل: ”قبل الدهر“، و ”قبل أن يصنع الأرض“، و ”قبل أن ترسي الجبال“ (أم8: 23-25) موضحًا أزلية تدبير الخلاص الإلهي للبشرية، فالله لم يتفاجئ بالأمور المتعلقة بالبشر، ولم يتفاجئ بعصيان البشر وخطاياهم، بل أعد تدبير الخلاص من أجلهم منذ الأزل، حيث يقول:

”أنها تعني أن النعمة التي صارت نحونا من المخلص؛ قد أُعِدت قبل خلق العالم، فلم يكن من اللائق أن يفكر الله بخصوصنا بعد خلقنا، فيظهر أنه يجهل الأمور المتعلقة بنا، بل لأنه يعرف مقدمًا أمورنا أكثر منا، وأننا سنصبح مخالفين للوصية، وسنُطرَد من الجنة بسبب العصيان، ولأنه صالح ومحب للبشر أعد تدبير خلاصنا بكلمته الذاتي مسبقًا لنقوم من جديد ونظل غير مائتين..

كقول بولس الرسول: ’الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة لابمقتضى أعمالنا، بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية، وإنما أُظهِرت الآن بظهور مخلصنا يسوع المسيح الذي أبطل الموت وأنار الحياة‘ (تي1: 8-10)، والنعمة والخلاص كانا مودعين في المسيح قبل خلقنا في الزمن..

لذا ففي الدينونة يقول الرب: ’تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم قبل تأسيس العالم‘ (مت25: 34)، فالملكوت تأسس بواسطة الرب ’الذي تأسس قبل الدهر‘ لكي ببنياننا كحجارة ملتئمة نحيا معه في النعمة. فالإرادة والتخطيط أُعِدا منذ الأزل، والعمل تحقق عندما استدعت الحاجة وجاء المخلص للعالم، ولأن الرب سيكون في السماء من أجلنا وسيأخذنا معه إلى الحياة الأبدية“.[72]

ثم يؤكد ق. أثناسيوس على امتلاء كل الأرض بمعرفة الآب بتجسد الكلمة، وهذه كانت أحد بركات تجسد الكلمة، حيث يقول:

”سُرَّ الله أن تتنازل حكمته لمستوى الخليقة، وتطبع الحكمة صورتها على الجميع حتى يتضح أن حكمة المخلوقات هي صورة الحكمة التي هي الابن، وكلمتنا على صورة الكلمة الذي هو ابن الله، وبهذه الحكمة يكون لنا المعرفة والفهم لنصير مستقبلين للحكمة الخالقة، وحيث أنه خلق فينا نموذجًا للحكمة موجود في الأعمال، فمن الطبيعي أن يأخذ الحكمة الحقيقي ما يخص نموذجه؛ أي الجسد، وبسبب نموذج الحكمة في الأعمال يعرف العالم بواسطتها الكلمة خالقه وبواسطته يعرف الآب..

والدليل قول بولس الرسول: ’إذ معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم، لأن منذ خلق العالم، تُرى أموره غير المنظورة وقدرته السرمدية ولاهوته مُدرَكة بالمصنوعات‘ (رو1: 19-20)، وقوله: ’لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة‘ (1كو1: 21)، لذا ما جاء في الأمثال يشير لما هو بداخلنا المُسمَى ’حكمة‘. إذًا، كل الأرض امتلأت بمعرفة الآب من خلال الابن والابن من خلال الآب، لأن المعرفة واحدة والآب يفرح بالابن والابن بالآب قائلاً: ’كنت أنت موضع فرح، وكنت أفرح كل يوم قدامه‘ (أم8: 30)“.[73]

يفسر ق. أثناسيوس في المقالة الثالثة ”ضد الأريوسيين“ فقرة ”أنا في الآب والآب فيَّ“ (يو14 : 10)، حيث يقول:

”المخلوقات باشتراكها في الابن تتقدس في الروح، أما الابن ليس ابن بالمشاركة لأنه المولود الذاتي من الآب، وهو الحياة الآتية من الآب، ومعطي الحياة لكل الأشياء“.[74]

فالخليقة باشتراكها في الابن تنال التقديس بالروح القدس، وتنال الحياة الأبدية باشتراكها في الابن بالروح القدس.

ثم يشرح ق. أثناسيوس أن أعمالنا الصالحة هي بمشابهة الآب، كما يعطينا السيد المسيح نماذج من الأمور الإلهية لنتمثل بها، مؤكدًا على أن ما نأخذه بالنعمة بتجسد الكلمة، لا يتساوى ويتطابق مع ما هو أصيل في الابن بالطبيعة، حيث يقول:

”المخلص يتخذ من الأمور الإلهية نماذج يقدمها للإنسان، كقوله: ’كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل‘ (لو6: 36)، ليس لكي نصير مثل الآب، بل كما أمرنا: ’لا تصيروا كالحصان‘ لئلا نكون كالحيوانات غير الناطقة، قال: ’كونوا رحماء مثل الآب‘ لنتطلع لأعماله الصالحة، فالأعمال الصالحة التي نفعلها ليس لأجل الناس، بل لأجله هو لنأخذ مكأفاتنا منه وليس من الناس، فكما يوجد ابن واحد بالطبيعة..

هكذا نصير نحن أبناء ليس مثله بالطبيعة وبالحق، بل بحسب نعمته ورغم كوننا بشر نصير آلهة (التآله)، ليس كالإله الحقيقي أو كلمته، بل حسب مسرة الله الذي وهبنا هذه النعمة أن نصير رحماء مثل الله لا مساويين لله. نصير صانعي خيرات، لأن صُنع الخير في ذاته ليس منا، بل من الله لنوزع الخيرات الممنوحة لنا من الله على الآخرين بالنعمة دون تفرقة بين الناس ومقدمين الرحمة باتساع للجميع، بهذه الطريقة فقط نصير متشبهين به.

مستحيل أن نصير مثل الابن في الآب، فنحن جُبِلنا من الأرض والابن هو بالطبيعة وبالجوهر الكلمة والإله الحقيقي، كقول يوحنا: ’ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية‘ (1يو5: 20)، فنحن نصير أبناء بالتبني والنعمة مشتركين في روحه، ’وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه‘ (يو1: 12).

فنحن بالتمثل به نصير أبناءً ونصير واحدًا فيما بيننا في الوفاق ووحدة الروح، يكون لنا قلب واحد ونفس واحدة، فنحن طبعًا لسنا أبناءً كالابن ولسنا آلهةً مثله، ولسنا مثل الآب، بل بحسب مايتفق مع طبيعتنا الخاصة واضعين أمامنا مثال الوحدة الطبيعية للابن مع الآب، فهو يجعل نفسه مثالاً لنا، لكي تكون لنا تلك الطبيعة غير المنقسمة لنظل غير متغيرين، فسلوك الناس قابل للتغيير، ولكن بنظرهم لغير المتغير، يتجنبوا الرديء، ويعيدوا تشكيل أنفسهم حسب الصورة الأفضل“.[75]

ويضيف ق. أثناسيوس شارحًا معنى الاتحاد الكياني والوحدة الأنطولوجية (الوجودية) مع الله في المسيح، حيث يتحدث عن ماهية هذه الوحدة الكيانية الحقيقية قائلاً:

”أن الرب لأجلنا يطلب شيئًا أعظم وأكمل، وكأنه يقول: ’لأني أنا كلمتك وحيث إنك فيَّ بسبب كوني كلمتك، وأنا فيهم بسبب الجسد، ومنك يتحقق خلاص البشر فيَّ، فأسأل أن يصيروا واحدًا بسبب الجسد الذي فيَّ وبحسب كماله يصيرون كاملين، ولهم وحدة مع الجسد، ولأنهم صاروا واحدًا في هذا الجسد محمولين فيَّ، يصيرون جميعًا جسدًا وروحًا واحدًا، لأننا جميعًا باشتراكنا فيه نصير جسدًا واحدًا، لأننا نحصل على الرب الواحد في أنفسنا“.[76]

يا لا عمق غنى النعمة المعطاة لنا باشتراك الكلمة في جسدنا ونحن فيه، فالكلمة يوحدنا كلنا كجسد واحد، نحن شعبه وكنيسته؛ جسده، وهو الرأس، كما يؤكد ق. أثناسيوس أيضًا على وحدة الشخص في الكلمة المتجسد.

ثم يصف ق. أثناسيوس حالة البشر من دون تجسد الكلمة، بأنهم سيظلوا فاسدين، ولن يستطيعوا أن يكونوا كاملين من دون تجسد الكلمة، حيث يقول:

”لأنه لو لم يأت الابن في الجسد لما أستطاعنا أن نكون كاملين، وظل الفساد فينا. نحن كاملون في المسيح كلمة الآب الذي افتدانا من الخطية“.[77]

كما يحذر القديس أثناسيوس أنه من دون سكنى الروح القدس فينا بأقنومه، نصير غرباء عن الله، ولكن بالحلول الأقنومي للروح القدس داخلنا نثبت في الله والله يثبت فينا، حيث يقول:

”أما نحن من دون الروح القدس، نكون غرباء عن الله، وباشتراكنا في الروح نصير أقرباء الله، فوجودنا في الآب ليس منا، بل بالروح الساكن فينا بالإقرار ’مَنْ اعترف أن يسوع هو ابن الله، فالله يثبت فيه وهو في الله‘ (1يو4: 15)“.[78]

ويؤكد القديس أثناسيوس على أن مفاعيل تدبير التجسد تصير فينا بسكنى الروح القدس داخلنا، وإنه بالتوبة تستمر نعمة الروح القدس فينا، بينما بالسقوط نفقد النعمة بسبب هجرة الروح القدس وسكنى الأرواح الشريرة، فيقول:

”إن الكلمة هو مُعطِي الروح، وكل ما هو للروح أخذه من الكلمة، وأنه طلب إلى الآب ليهب الروح بواسطته للمؤمنين به الذي به نصير في الله، وأن تصير نعمة الروح المعطاة للتلاميذ ثابتة لا تزعزع بلا رجعة، ونصير أبناءوآلهة (التآله) بالكلمة الذي فينا، وبالتالي سنصير في الآب، ونُحسَب واحدًا في الابن والآب بسبب وجود الروح القدس فينا الذي في الكلمة الكائن في الآب، فعندما يسقط الإنسان ويتوب ويرجع، فالنعمة تظل مستمرة فيه، بينما الساقط لا يعود الله ساكنًا فيه بسبب هجر الروح القدس له، ويصير في الروح الشرير الذي أخضع نفسه له“.[79]

ويؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة هامة فى تجسد الكلمة بأنه:

”لو لم تكن أعمال ألوهية الكلمة قد حدثت في الجسد، لما كان الإنسان تأله (التآله)، ولو لم تُنسَب ضعفات الجسد للكلمة، لما تحرَّر منها الإنسان تمامًا وظلت الخطية والفساد في الإنسان كما كان مع البشر قبل التجسد“.[80]

ويؤكد القديس أثناسيوس على حتمية التجسد الإلهي، وإحتياج البشر لتجسد الكلمة، بالرغم من بر البعض من البشر كالأنبياء. حيث يؤكد ق. أثناسيوس على وجود أبرار في العهد القديم مثل إرميا ويوحنا المعمدان، تقدسوا من كل خطية من الرحم قبل ولادتهم من الروح القدس، وهكذا ينفي ق. أثناسيوس فكرة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بين البشر بسبب الشهوة، حيث يُعتبر هذا التعليم في فكر أثناسيوس هو تعليم غنوصي ومانوي صرف، لم يعلم به ق. أثناسيوس أبدًا، والدليل وجود أبرار في العهد القديم كإرميا ويوحنا المعمدان كانوا مقدسين بالروح القدس من الرحم قبل ولادتهم، حيث يقول:

”إن هناك أمثلة لكثيرين تقدَّسوا من كل خطية، مثل: أرميا الذي تقدَّس من الرحم، ويوحنا المعمدان ارتكض بابتهاج وهو جنين في بطن أمه عند سماع صوت مريم والدة الإله، ومع ذلك ’ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم‘ (رو5: 14)، وظل البشر مائتين قابلين للفساد ومعرضين للأوجاع الخاصة بطبيعتهم“.[81]

بينما يصف ق. أثناسيوس حالتنا بعد تجسد الكلمة مشيرًا إلى بركات التدبير الإلهي في التجسد كالتالي:

”وبعدما صار الكلمة إنسانًا، وجعل الأمور الخاصة بالجسد خاصة به، لم تعد هذه الأمور تمسك بالجسد، فأنهزمت الأوجاع، ولم يعد الناس خطاةً وأمواتًا بسبب أوجاعهم، بل قاموا بقوة مع الكلمة، وصاروا غير مائتين وغير فاسدين وأقوياء دائمًا، وبارتباطنا بالكلمة الذي من السماء نُحمَل إلى السماء بواسطته، وبطريقة مماثلة نقل أوجاع الجسد لنفسه، ليكون لنا شركة في الحياة الأبدية ليس كبشر، بل صرنا خاصين بالكلمة (لوغوسيين)..

 فقد أبطل لعنة الخطية، وصار لعنةً لأجلنا، وكنا نموت في آدم، هكذا نُولد من فوق من الماء والروح، في المسيح نحيا جميعًا، فلا يعود الجسد أرضيًا، بل يكتسب قوة من الكلمة المتجسد، وهكذا نحن البشر نتأله (التآله) باتحادنا بالكلمة بواسطة جسده فنرث الحياة الأبدية، وعندما نعرف ما هو خاص بكليهما (أي الله والإنسان) نفهم أن الأمور التي تجري من كليهما تتم بواسطة واحد“.[82]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا أيضًا على بركات التدبير الإلهي في التجسد، حيث بارتباطنا كبشر بالكلمة، صارت أجسادنا سماوية، ونلنا الشركة في الحياة الأبدية، وهكذا ننال حياة عدم الفساد وعدم الموت (الخلود) أي التأله بالنعمة، كما يؤكد على حقيقة خريستولوجية مهمة ألا وهي وحدة شخص الكلمة المتجسد.

كما يقرر ق. أثناسيوس حقيقة عدم إحتياج الكلمة للتجسد، ولكنه تجسد لخلاصنا، ولتبقى النعمة التي أعطاها في الجسد أبدية، وأنه آلَّه الجسد بوجوده فيه، فالجسد لم يضيف له شيئًا، بل هو أضاف وأعطى للجسد الكثير من النعم والبركات كانت تنقص الجسد، ولكنه احتمل ضعفات ونقائص الجسد ليكملها فيه، ويمنحنا المعرفة الإلهية عوضًا عن الجهل، حيث يقول:

”ولكن الكلمة يعرف كل الأشياء قبل وجودها، وعندما صار إنسانًا، لم يكف أن يكون الله، ولكونه الله أخذ جسدًا لنفسه ليؤله (التآله) الجسد بوجوده فيه، فكما سأل أسئلة بالجسد، هكذا أقام الموتى، ويستدعي النفس ثانيةً، ويعرف خفايا الكل بالجسد، وأحتمل جهلنا ليمنحنا معرفة أبيه الوحيد، فرغم أنه ليس محتاجًا للتجسد، تجسد لأجل خلاصنا، لكي تبقى النعمة غير قابلة للضياع، كما أضاعها آدم، بل محفوظة للبشر“.[83]

ويفسر ق. أثناسيوس طلب الابن التمجيد من الآب في إطار تدبير التجسد، قائلاً:

”وهو الذي يمجِّد الآخرين، ليظهر أن له جسدًا يحتاج هذه الأمور وينالها بجسده الخاص.

لو كان أخذ وتمجَّد لأجل نفسه بحسب لاهوته، فلا رجاء للبشر وكانوا ظلوا عرايا، وتعساء، ومائتين، ولماذا جاء الكلمة في الجسد ليأخذ الأمور التي يقول إنه أخذها، والتي كان بدونها قبل التجسد، فيكون مديونًا بالشكر للجسد، لأنه لما تجسد أخذ هذه الأمور من الآب، فيكون قد أرتقى بسبب الجسد، وليس الجسد الذي أرتقى به، وهذه فكرة يهودية، ولكن الكلمة جاء ليفدي ويقدس ويؤله (التآله) جنس البشر، وبالتالي الذي أخذه ليس لأجل نفسه بل لأجل الجسد، فالعطايا المعطاة بواسطته من الآب تخص الجسد المتحد به.

كان هو رب جميع الأشياء قبل قوله: ’كل شيء دُفِعَ إليَّ‘، وكان رب المجد عندما طلب المجد وغفران الخطايا. أقام الموتى وفتح عيني المولود أعمى، وكل هذا فعله، لأنه يملك السلطان وليس منتظره، وصار إنسانًا، وقام من الموت ليصير البشر عن طريقه شركاء الطبيعة الإلهية، ولهم سلطان على الأرواح الشريرة، ويملكون للأبد في السموات، لأنهم تحرروا من الفساد“.[84]

هنا يطلب الكلمة المجد لأجلنا في جسده الخاص لا في لاهوته، لأن العطايا المعطاة بواسطته من الآب في جسده هي خاصة بنا نحن، فنحن الذين نتمجد في المسيح ونتآله فيه، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية، ونأخذ السلطان على الأرواح الشريرة، والملك الأبدي في السماوات بعد التحرر من الفساد والموت.

ويفسر ق. أثناسيوس تقدم المسيح في الحكمة، والقامة، والنعمة في سياق تدبيري، من أجل إظهار أعمال اللاهوت فيه، وبالتالي يستمر نمو الطبيعة البشرية به في التآله، والحكمة، والنعمة، والقامة الروحية كالتالي:

التقدم هنا هو التأليه والنعمة المعطاة من الحكمة للبشر بإبطال الخطية والفساد منهم بحسب مشابهتهم وانتسابهم لجسد الكلمة، وهكذا بإزدياد الجسد في القامة، كان ظهور اللاهوت يزداد فيه، ويظهر للكل والجسد هو هيكل الله، والجسد تقدم في الله وهو يُدعَى جسده..

فيظل تقدم البشر مستمرًا لوجود الكلمة في الجسد والناسوت كان يتقدم في الحكمة بالارتفاع فوق الطبيعة البشرية ليتأله (التآله)، ويصير ظاهرًا للجميع كأداة الحكمة لأجل عمل اللاهوت وإشراقه، ولذا دُعِيَ ’يسوع‘ وهو الاسم الإنساني للرب، فيكون التقدم للطبيعة البشرية“.[85]

ويوضح القديس أثناسيوس أن الكلمة بتجسده نزع الخوف من البشر، وصيرهم شجعانًا لا يهابون الموت، بل تسارعوا نحو الاستشهاد ليقينهم الكامل في الحياة الأبدية التي أعطاها لهم الكلمة بتجسده، وأنهم وارثون بالحقيقة الملكوت السماوي مع المسيح، كما يؤكد ق. أثناسيوس على الموت الإرادي للكلمة في الجسد، حين فصل روحه الإنسانية عن جسده الإنساني بقوة لاهوته.

كما يؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة عدم فساد جسد المسيح بالموت الإكلينكي، ثم إنعكاس هذا الموت المحيي علينا، حيث سننال قيامة الجسد واتحاده بالجسد، كما صنع الكلمة فى جسده، ويهبنا بذلك الخلود، حيث يقول:

”ولما تجسد أخذ جسدًا يخاف، وربط إرادته الخاصة بالضعف البشري، لكي بإبادته للضعف يجعل الإنسان شجاعًا أمام الموت. المسيح جعل الرسل يستهينون بالموت قائلين: ’ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس‘ (أع5: 29)، والشهداء القديسون كانوا شجعانًا، مؤمنين أنهم ينتقلون إلى الحياة أكثر من الموت. خوفنا نزعه المخلص، فكما أباد الموت بالموت وبوسائل بشرية، أبطل كل ضعفات الإنسان. فالذي قال إنسانيًا: ’نفسي قد اضطربت‘، قال إلهيًا: ’لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضًا‘.

فهذا أمر ليس خاص بالبشر الذين يموتون بإضطرار الطبيعة ورغم إرادتهم، ولكن الرب أخذ جسدًا مائتًا، فله السلطان لكونه الله فصل النفس عن الجسد، ويعيدها أيضًا حينما يريد، كقول داود: ’لن تترك نفسي في الجحيم، ولا تدع قدوسك يرى فسادًا‘ (مز15: 10) فالجسد القابل للفساد يبقى غير قابل للفساد لإتحاده بالكلمة، وكما صار في جسدنا وشابهنا، فنحن إذ نقبله ننال منه عدم الموت“.[86]

خلاصة البحث

نستخلص من هذه الجولة العميقة والشيقة في كتابات عملاق الأرثوذكسية، وعمود من أعمدة الكنيسة الجامعة في المسكونة كلها، بعض النقاط الهامة بخصوص سر التدبير الإلهي في تجسد الكلمة، وهي كالتالي:

  1. تحرر الجميع من الخطية واللعنة الناتجة عنها بواسطة المسيح.
  2. بقاء الجميع دائمًا قائمين من الأموات ولابسين عدم الموت وعدم الفساد بتجسد الكلمة.
  3. نقض أعمال إبليس من الجسد، وتحررنا بسبب علاقتنا بجسد الكلمة.
  4. إبطال الموت الذي يتبع الخطية.
  5. الاتحاد بالله الكلمة والتآله بالنعمة، وعدم المكوث طويلاً على الأرض، بل الجلوس عن يمين الآب في السماويات.
  6. نوال الخليقة الجديدة في المسيح يسوع، ويكون المسيح الكل في الكل.
  7. سكنى الروح القدس فينا بأقنومه، وبالتالي سكنى الثالوث بداخلنا، لننال التقديس والتطهير اللائق بالسماويات.

+++ ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد أمين +++

[1] المسيح في رسائل ق. أثناسيوس، الرسالة الثانية إلى سرابيون، ترجمة: د. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية)، طبعة ثالثة 2017، ص 17.

[2] المرجع السابق، ص19.

[3] المرجع السابق، ص 25.

[4] المرجع السابق، ص 27.

[5] المرجع السابق، ص27.

[6] المرجع السابق، ص27.

[7] المرجع السابق.

[8] المرجع السابق.

[9] المرجع السابق.

[10] المرجع السابق، ص29.

[11] المرجع السابق، ص30.

[12] المرجع السابق، ص31.

[13] المرجع السابق.

[14] المرجع السابق.

[15] المرجع السابق.

[16] المرجع السابق.

[17] المرجع السابق.

[18] المرجع السابق.

[19] المرجع السابق.

[20] المرجع السابق.

[21] أثناسيوس (قديس)، الدفاع عن قانون إيمان مجمع نيقية، ترجمة: القمص أثناسيوس فهمي جورج، الفصل الثالث، ص35، 36.

[22] المرجع السابق، ص50.

[23] المرجع السابق، ص51.

[24] المرجع السابق، ص61.

[25] القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة: أمجد رفعت، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية)، رسالة الدفاع عن ق. دينسيوس بقلم ق. أثناسيوس، طبعة ثانية2016، ص32.

[26] إطلالات على تراث الأدب القبطي مج1، رسالة إلى العذارى بقلم ق. أثناسيوس، ترجمة: د. صموئيل القس قزمان، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2018)، ص128.

[27] المرجع السابق، ص129.

[28] المرجع السابق، ص148.

[29] المرجع السابق، ص149.

[30] المرجع السابق.

[31] أثناسيوس (قديس)، ضد أبوليناريوس (تجسد ربنا يسوع المسيح)، ترجمة: د. جورج حبيب بباوي، طبعة 2016، ص28.

[32] المرجع السابق، ص42.

[33] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس، ترجمة: د. موريس تاوضروس ود. نصحى عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية)، طبعة رابعة2018، ص40، 41.

[34] المرجع السابق، ص44.

[35] المرجع السابق، ص59.

[36] المرجع السابق، ص75.

[37] المرجع السابق.

[38] المرجع السابق.

[39] أثناسيوس (قديس)، الرسائل الفصحية ج1، ترجمة: د. وهيب قزمان، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية)، طبعة2006، ص 20.

[40] المرجع السابق، ص 27.

[41] المرجع السابق.

[42] المرجع السابق، ص29.

[43] المرجع السابق.

[44] أثناسيوس (قديس)، ضد الأريوسيين (خطاب إلى أساقفة مصر وليبيا)، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية)، طبعة 2018، ص 22.

[45] أثناسيوس (قديس)، عظة حول آلام الرب وصليبه، ترجمة: د. سعيد حكيم، ص64.

[46] المرجع السابق، ص68.

[47] المرجع السابق، ص70.

[48] المرجع السابق.

[49] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. جوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية)، طبعة ثالثة 2003، فصول متعددة.

[50] المرجع السابق، عدة فصول.

[51] المرجع السابق ، عدة فصول.

[52] المرجع السابق، عدة فصول.

[53] المرجع السابق، عدة فصول.

[54] المرجع السابق، عدة فصول.

[55] المرجع السابق، عدة فصول.

[56] أثناسيوس (قديس)، ضد الأريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد و د. مجدي صموئيل، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية)، طبعة ثانية2017، المقالة الأولى، ص109.

[57] المرجع السابق، المقالة الثانية، عدة فصول.

[58] المرجع السابق، عدة فصول.

[59] المرجع السابق، عدة فصول.

[60] المرجع السابق، عدة فصول.

[61] المرجع السابق، عدة فصول.

[62] المرجع السابق، عدة فصول.

[63] المرجع السابق، عدة فصول.

[64] المرجع السابق، عدة فصول.

[65] المرجع السابق، عدة فصول.

[66] المرجع السابق، عدة فصول.

[67] المرجع السابق، عدة فصول.

[68] المرجع السابق، عدة فصول.

[69] المرجع السابق، عدة فصول.

[70] المرجع السابق، عدة فصول.

[71] المرجع السابق، عدة فصول.

[72] المرجع السابق، عدة فصول.

[73] المرجع السابق، عدة فصول.

[74] المرجع السابق، المقالة الثالثة، عدة فصول.

[75] المرجع السابق، عدة فصول.

[76] المرجع السابق، عدة فصول.

[77] المرجع السابق، عدة فصول.

[78] المرجع السابق، عدة فصول.

[79] المرجع السابق، عدة فصول.

[80] المرجع السابق، عدة فصول.

[81] المرجع السابق، عدة فصول.

[82] المرجع السابق، عدة فصول.

[83] المرجع السابق، عدة فصول.

[84] المرجع السابق، عدة فصول.

[85] المرجع السابق، عد فصول.

[86] المرجع السابق، عدة فصول.

 

التدبير الإلهي في تجسد الكلمة – د. أنطون جرجس عبد المسيح

المنظور الخلاصي عند القديس أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة – القس مينا القمص إسحق – موريس وهيب

المنظور الخلاصي عند القديس أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة[1] – القس مينا القمص إسحق – موريس وهيب

ترجمة: القس مينا القمص إسحق سعدÅ

الإكليريكي موريس وهيبÅÅ

المنظور الخلاصي عند القديس أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة – القس مينا القمص إسحق – موريس وهيب

 

لتحميل البحث بصيغة PDF

‌أ. تمهيد

في كثير من الأحيان يُفسر التجسد بطريقة ترى أن حالة إخلاء المسيح كافية لتتميم الخلاص. في حين أن قوله المعروف جيدًا: “إنه [أي الابن] أصبح إنسانًا حتى يُمكننا أن نصير آلهة” قد يوحي بهذا بسهولة، فإن العمل ككل يحتوي على نسيج غني يدرك الخلاص الذي يتحقق فقط من خلال التدبير الخلاصي بأكمله- أي، تجسده بجانب جميع أعمال الخلاص أثناء وجوده على الأرض بما في ذلك موته على الصليب وقيامته غير الفاسدة. في محاولة لتقديم رؤية القديس أثناسيوس المتعددة الأوجه للخلاص، نأمل في هذا المقال تقديم مساهمة في الفهم الحديث للخلاص في اللاهوت النظامي الذي يميل إلى عزل الأحداث المختلفة.

في تاريخ اللاهوت المسيحي، يمكن للمرء أن يكتشف اختلافًا كبير في فهم الخلاص، ولكن ليس بالضرورة أن يكون متعارضًا. في حين أن الفهم الغربي للخلاص هو الموت الذبائحي والفدائي للمسيح[2]– بصرف النظر عن تنوع النماذج ضمن هذا الإطار التأويلي المُعبر عنه في بعض الأحيان في مصطلحات “البدلية العقابية”[3] أو “الكفارة”[4] على سبيل المثال لا الحصر[5]– يُزعم أن الشرق يميل لربط الخطاب الخلاصي بحدث تجسد المسيح مما يجعل من الممكن تأليه الإنسان[6].

وهكذا، عندما يُنظر إليه من داخل مثل هذه المصطلحات الجدلية المتعارضة، فإن أولئك الذين يؤيدون النهج السابق، على سبيل المثال، يسارعون إلى الإشارة إلى أن ربط الخلاص فقط مع حدث التجسد دون الإشارة إلى موت المسيح يمكن أن يؤدي بسهولة إلى فهم عملية الخلاص بطريقة ميكانيكية مما يؤدي إلى ما وصفه أورمرود Ormerod بأنه “نوع من deus ex machina، النتيجة التلقائية للتجسد نفسه”[7].

ومع ذلك، فإن قصور كلا النهجين هو أن الأحداث المختلفة لحياة المسيح تكون معزولة النتائج في التماسك الداخلي لتدبير المسيح الخلاصي بأكمله– والتي لا تتضمن فقط موته على الصليب مع ولادته غير القابلة للفساد فحسب، بل أيضا تجسده، وبشارته الأرضية بالكامل- يتم تجاهلها إن لم يتم إهمالها كليًا. لا يوجد اليوم سوى القليل من الدراسات المعنية بتقديم عرض شامل أو موحد للخلاص، وهو ما يمثل علاقة متأصلة وعلاقة متبادلة بين تدبير المسيح الخلاصي بأكمله. وحجة هذا المقال هو طرح أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة، والذي له أهمية خاصة في هذا الصدد من حيث أنه يقدم رؤيا متعددة الأبعاد عن الخلاص بقوة وفاعلية، مما يفتح آفاقًا جديدة لرؤية أكثر شمولية ووضوح للخلاص في اللاهوت النظامي اليوم، في الواقع أنه يتميز بشمولية جذرية غير متوقعة[8].

 

‌ب. التأكيد الخلاصي لكتاب تجسد الكلمة

لطالما عُرف القديس أثناسيوس الكبير[9] كأحد أعظم المفكرين المسيحيين في الكنيسة الأولى. إن تأثيره الممتد عبر العصور واضح من حقيقة أن التراث الأثناسيوسي لا يزال ينعكس في الدراسات حتى يومنا هذا[10]. إن دوره في تشكيل هوية الإيمان النيقاوي والدخول في موجة جديدة وحاسمة من التأمل في التعاليم الأساسية للأسرار المسيحية هو على وجه العموم لا شك فيه من خلال الدراسات الحديثة بغض النظر عن تقييم شخصيته التي تقدم في ضوء مناسب أو غير مناسب[11].

فيما يتعلق بمساهمته اللاهوتية، أشار غوين Gwynn إلى أنه “لا يمكن لتاريخ العقيدة المسيحية أن يتغافل عن اسم أثناسيوس الإسكندري […] فقد نما تأثيره العقائدي مع تقدم الزمن ووضع الأسس للاهوتيين من الأجيال اللاحقة”[12]. بالإضافة إلى عنصرها التكويني للعقيدة المسيحية، فإن كتابات ق. أثناسيوس ككل تركز بشكل خلاصي، وتهتم في المقام الأول بإظهار الآثار الوجودية والخلاصية للرسالة المسيحية.

وبشكل أكثر تحديدًا، يمكن القول إن القديس أثناسيوس صاغ معظم كتاباته اللاهوتية، إن لم يكن جميعها، بطريقة تهتم بدرجة أكبر بتعزيز المغزى الخلاصي لحدث المسيح. ويظهر هذا بشكل خاص في واحد من أعماله الرئيسة المبكرة، وهو تجسد الكلمة[13]، والذي يتم دعمه اليوم باعتباره عملًا كلاسيكيًا من الأدب المسيحي، حيث تظهر الموضوعات الخلاصية أكثر وضوحًا من أي مكان آخر. وفي هذا الصدد، أشار بيترسن Pettersen إلى أن “اهتمامه الرئيس [أي القديس أثناسيوس] هو خلاص الله الكامل للبشرية الذي تم تأمينه من خلال التجسد”[14].

في الواقع، هذا التأويل الخلاصي على وجه التحديد هو الذي يجسد بشكل أفضل القصد العام للمقال ومناسبة العمل بالإضافة إلى خطوط تفاصيل النص. وبالفعل في الفصل الافتتاحي، يُوضح هذا بشكل صريح بواسطة القديس أثناسيوس حيث يرتبط التجسد ارتباطًا مباشرًا بالخلاص: “بسبب صلاح أبيه ومحبته للبشر، ظهر لنا في جسد بشري لأجل خلاصنا” (διά την ημών σωτηρίαν, έν άνθρωπίνω σώματι πεφανέρωται)[15].

ومن منظور عام، يتجه العمل نحو إظهار كيف أمكن خلاص الإنسان والعالم المخلوق من خلال الحياة المتجسدة لابن الله الوحيد. وفقًا لذلك، فإن الموضوع الرئيس الذي يسود النص بأكمله هو مركزية حياة الكلمة المتجسد على الأرض باعتبارها الذروة والتي لم تكشف فقط عن القوة الخلاصية للكلمة غير القابل للفساد، بل مكنت العالم أيضًا من قبول الحياة الإلهية والمشاركة فيها. ومن ثم يُفهم الكتاب على أفضل وجه عندما يُرى من إمكانية الخلاص التي يولدها التجسد- وفي الواقع، حياة المسيح كلها- بواسطة سد الفجوة الوجودية بين العوالم المخلوقة وغير المخلوقة[16].

إن الاهتمام الخلاصي الشامل الذي يقوم عليه النص بأكمله يتم تلخيصه بشكل مشهور بعبارة: “لقد صار إنسانًا لكي يؤلهنا” (αυτός γαρ ένηθρώπησεν, ινα ημεις θεοποιηθώμεν)[17]. في حين أن هذا قد يشير للوهلة الأولى إلى كفاية التجسد وحده للخلاص، فإن القراءة المتأنية للكتاب ككل لا تسمح بمثل هذا التفسير. في التفكير مليًا في فهم القديس لمصطلح “التجسد” (ένανθρώπησις)، على سبيل المثال، لاحظ Behr بقوة، أنه كان يجب فهمه من منظور أوسع لا يشمل فقط الحمل والولادة لابن الله من مريم، ولكن أيضًا آلامه على الصليب. ومما لا شك فيه أن هذا له آثار مهمة على لاهوت الخلاص اليوم لأنه يرتفع فوق المناقشات الحديثة في هذه العقيدة التي تميل إلى الرغبة في تمييز لحظات معينة من حياة المسيح- سواء الحبل به وولادته أو آلامه وصلبه أو قيامته- على أنها محددة حصريًا للخلاص.

ومع ذلك، من المثير للاهتمام أن Behr يبدو أنه يركز تركيزًا كبيرًا على تلك الفقرات التي تتعامل مع الصليب، مما يعطي الانطباع بأن الرؤية الأثناسيوسية الخلاصية مرتبطة حصريًا وفقط بالصليب[18]. هذا جدال هذا المقال في أن رؤية ق. أثناسيوس هي رؤية أكثر شمولية. في حين يمكن للمرء أن يقدر التركيز على فقرات الصليب عند Behr -وبالتحديد الرغبة في إثبات أهميتها خاصة ضد بهارناك Harnak وهانسون Hanson وغيرهم اللذين اتهموا القديس بجعل الخلاص عملية ميكانيكية دون أي حاجة لعمل المسيح الخلاصي على الصليب- إلا أن الرؤية الإثناسيوسية للخلاص تمتد إلى حياة المسيح وخدمته بأكملها حيث يجب النظر إلى الأحداث المختلفة من حياة المسيح من منظور سردي واحد موحد[19]. يتجه اهتمامنا الآن إلى بعض الفقرات المحددة التي تقدم رؤية متكاملة للخلاص.

 

‌ج. علم الخلاص وعلاقته بالتدبير الكامل لحياة المسيح

في الفصل الأول من كتاب تجسد الكلمة، نرى أن التجسد والصليب– وبالطبع حياة المسيح كلها- مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، وبالتالي لهما القدر نفسه من الأهمية للخلاص:

تعال- أيها الطوباوي، يا محبًا للمسيح بالحقيقة- لنتتبع الإيمان الحقيقي ونتحدث عن كل ما يتعلق بتأنس الكلمة ونبين كل ما يختص بظهوره الإلهي بيننا، ذلك الذي يسخر منه اليهود ويهزأ به اليونانيون، أما نحن فنسجد له رغم ضعفه الظاهري وذلك حتى تتقوى وتزداد تقواك به (أي بالكلمة). فكلما ازداد الاستهزاء من غير المؤمنين، بالكلمة، يُعطي هو شهادة أعظم عن ألوهيته، وكل ما يظْن البشر أنه مستحيل، فإن الله يثبت أنه ممكن، وكل ما يسخر منه البشر، كأمر غير لائق، هذا يجعله بصلاحه لائقًا. وكل ما يهزأون به- وهم يدعون الحكمة- على أنه أعمال بشرية فهذا كله يُظهره بقوته أنه أعمال إلهية. وهكذا، فمن ناحية يُحطم عن طريق الصليب- الذي يُظن أنه ضعف- كل ضلالات عبادة الأوثان، ومن ناحية أخرى يُقنع بطريقة خفية أولئك الهازئين وغير المؤمنين، حتى يدركوا ألوهيته وسلطانه[20].

تُقدم رؤية القديس الخلاصية هنا بقدر كبير من الوضوح والترابط والشمولية: لم يتم تحقيق الخلاص فقط من خلال الحمل والولادة لابن الله من قبل مريم، بل شمل حياة المسيح بأكملها، أي “ظهوره الإلهي” والذي بلغت ذروته بالصليب والقيامة[21]. يدمج القديس أثناسيوس حياة المسيح وعمله كله في خطته الخلاصية، وبذلك يقدمها في أوسع نطاق لها. بدأ التجسد عملية الخلاص من خلال منح البشرية “تقوى” متنامية بيسوع المسيح.

على الجانب الآخر، عمل الصليب على إقناع أولئك الذين لم يؤمنوا بأهمية التجسد. في موضع آخر من الكتاب، أشار القديس أثناسيوس إلى أنه من خلال التجسد عُرف الله وبذلك فتح الطريق نحو المعرفة الإلهية، بينما في موته، دمر المسيح الموت والفساد، تحت التأثير الذي يدور حوله العالم وبالتالي مكنه من الشركة في حياة الله[22]. وبغض النظر عن العواقب الخلاصية المختلفة التي تم التأكيد عليها، فإن المغزى واضح: كان القديس أثناسيوس أكثر اهتمامًا بدمج جميع جوانب حياة المسيح في رؤيته للخلاص.

وبالتالي، يمكن القول إن أعمال المسيح الخلاصية المتميزة، سواء كانت تجسده أو ظهوره الإلهي أو موته الكفاري على الصليب، شكلت وحدة موحدة، بحيث يكون من الأصح أن نتحدث ليس من حيث الأفعال المختلفة أو المتباينة- ناهيك عن عزل عمل واحد- ولكن من حيث التعبيرات المختلفة لعمل واحد متكامل للخلاص.

وما زلنا في الفصل الأول من الكتاب، ويمكن أيضًا إثبات أن الفهم الاختزالي الذي يريد تحديد أهمية الصليب وحده- أو بالنسبة لهذه المسألة التجسد- للخلاص لا يمكن الدفاع عنه. اعتبر القديس أثناسيوس التجسد والصليب معًا على وجه التحديد ليُبين أنهما لا يمكن فصلهما. يقدم النص قيد الفحص حدث التجسد استنادًا إلى الصور الكتابية التي وضحها القديس بولس بشكل خاص بالإشارة إلى الصليب. إذ بالإشارة إلى التجسد كحدث “يسخر منه اليهود ويهزأ به اليونانيون”، أراد القديس أثناسيوس عمدًا أن يربط التجسد بالصليب بهذه الطريقة مؤكدًا عدم انفصالهما عن الخلاص. وعلاوة على ذلك، فإن استخدام القديس أثناسيوس لمصطلح “يُحطم” (ευτέλεια) مرتين في مثل هذا المقاربة، أولًا بالإشارة إلى التجسد وثانيًا إلى الصليب، يجعل الارتباط والتوافق بين الحدثين أكثر وضوحًا.

لقد كان هذا التجاور بين أحداث التجسد والصليب على التوالي هو الذي جعل كل شيءأكثر تأكيدًا باستخدام المصطلح الوصفي نفسه- أي كلمة “يُحطم”- الذي قاد Behr بشكل صحيح إلى استنتاج أن مصطلح “التجسد” لا “يشير ببساطة إلى ولادة يسوع من مريم […] بل بالأحرى […] إلى ولادته عندما يُنظر إليه من منظور الصليب، ومن ثم يُصف فيه”[23]. وفقًا لـ Behr، كان الصليب هو الذي ألقى الضوء على الآثار الخلاصية الكاملة للتجسد، وأعطى معنى لها. وبعبارة أخرى، فإن الخلاص، وفقًا لرؤية ق. أثناسيوس، هو الأفضل تقديرًا عندما يُرى التجسد والصليب معًا.

هذا مفسر أكثر في مكان آخر في الكتاب حيث شدد القديس أثناسيوس على أهمية خدمة المسيح الأرضية من حيث تقديم الشهادة لألوهيته وتأكيدها، وبالتالي لا غنى عنها للخلاص. في الفصل 18، يُذكر القديس أثناسيوس، على سبيل المثال، قُراءه بأن المسيح “طهر البرص، جعل العرج يمشون، والصم يسمعون، والعمي يبصرون […] من أجل أن يرى أي شخص ألوهيته”[24] (την θεότητα θεωρείν). الفكرة نفسها المتعلقة بأهمية خدمة المسيح الأرضية قد تم التعبير عنها في عدة فصول من قبل:

ولهذا السبب أيضًا فإنه لم يتمم ذبيحته عن الكل بمجرد مجيئه مباشرة، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانية. لأنه لو فعل ذلك لجعل ذاته غير ظاهر، ولكنه صير نفسه ظاهرًا جدًا بتلك الأعمال التي عملها وهو في الجسد والمعجزات التي أظهرها، وبذلك صار معروفًا أنه ليس بعد مجرد إنسان فقط بل أنه هو الله الكلمة[25].

وفقا للقديس أثناسيوس، لو كان ابن الله قد صُلب فور تجسده، فإن هذا لم يكن ليعطي الفرصة للعالم المخلوق أن يميز تدريجيًا الصفات الإلهية للمسيح المتجسد. وبالتالي، فقد كان الأفضل أن يصبح إنسانًا ويبقى كذلك ليتمم كل الإشارات المتوقعة من المسيا كما هو مُبين في أسفار العهد القديم، كي يمكن للعالم أن يتعرف على ألوهية يسوع وبالتالي يكون منفتحًا للخلاص.

بعد التأكيد على رؤية ق. أثناسيوس للخلاص على أنه يحتوي على نسيج غني يدرك الخلاص من منظور تدبير المسيح الخلاصي بأكمله، فإن هذا لا يعني التقليل من أهمية الصليب. بالفعل في هذا الفصل التمهيدي قيد الفحص، أُظهر الصليب على أنه مهم للغاية لأنه أظهر ألوهية المسيح بطريقة أكثر مثالية. ووفقًا للقديس، كلما ازدادت مهانة الأحداث المتعلقة بحياة المسيح، كلما اتضحت مفارقة تمييز مجد المسيح وألوهيته- المجد والإلوهية اللذين كانا له منذ الأزل مع الآب. لذلك، من هذا المنظور، أصبح الصليب هو أكمل عمل للخلاص لأنه كان بالتأكيد الحدث الأكثر إهانة لخدمة المسيح الأرضية.

وهكذا، بينما كان الصليب مهمًا جدًا للخلاص، وفقًا لفهم ق. أثناسيوس، إلا انه مع ذلك كان يجب رؤيته في التدبير الخلاصي بأكمله. ومن هذا المنطلق، يجب التعامل مع وصف ق. أثناسيوس لذبيحة المسيح على الصليب بأنها مهينة “على ما يبدو”- مرة أخرى، وصف يستخدم مرتين مع للإشارة إلى التجسد والصليب. بعيدًا عن الفهم بأي طريقة دوسيتية[26]، فإن هذين الحدثين على وجه الخصوص يوصفان بأنهما مهينان فقط في الظاهر بسبب أهميتهما الخلاصية الكامنة وراء المظهر الخارجي لهذه الأحداث. في مكان آخر يؤكد الكتاب بعبارات لا لبس فيها على حقيقة التجسد والصليب. وهكذا، على سبيل المثال، كتب القديس أثناسيوس في الفصل الثامن:

فقد أخذ لنفسه جسدًا لا يختلف عن جسدنا. لأنه لم يقصد أن يتجسد أو أن يظهر فقط، وإلا لو أنه أراد مجرد الظهور لأمكنه أن يتمم ظهوره الإلهي بطريقة أخرى اسمى وأفضل[27].

وفقًا لذلك، بينما كانت هذه في الواقع مهينة حقًا على المستوى الظاهري، فعلى المستوى اللاهوتي الأكثر عمقًا، كانت هذه الأحداث تحديدًا هي التي خُلص العالم من خلالها حيث أظهر المسيح أنه ليس سوى الابن الحقيقي وكلمة الآب. وبهذه الطريقة، لوصف القديس أثناسيوس التجسد والصليب بأنه “مهين ظاهريًا”، أراد أن يقدر قراءه الأهمية الخلاصية لهذه الأحداث معًا. وبالتالي، فإن الرؤية الخلاصية الأثناسيوسية قد اشتملت بشكل عام على حياة المسيح بأكملها: فهم تجسده بشكل صحيح من منظور الصليب، وحياته الأرضية جنبًا إلى جنب مع ذبيحته على الصليب كعلامات حقيقية لـ “ألوهيته وسلطانه”.

 

‌د. رواية خلاصية غير منتهية

إن النموذج الذي وضعه القديس أثناسيوس في الفصل الافتتاحي– أي الخلاص الذي تم بواسطة التدبير الكامل لحياة المسيح على الأرض- تكرر في جميع أنحاء الكتاب. وهكذا، وفي أعقاب قوله المعروف عن التجسد وفتح إمكانية الشركة في الحياة الإلهية لله، جادل القديس أثناسيوس بأن عمل المسيح الخلاصي وآثاره تميزت في الواقع بمثل هذه الوفرة إذ كان من المستحيل تعدادها:

[…] وأظهر نفسـه في جسد لكي نحصل على معرفة الآب غير المنظور، واحتمل إهانة البشر لكي نرث نحن عدم الموت […] وباختصار فإن الأعمال التي حققها المخلص بتأنسه عظيمة جدًا في نوعها وكثيرة في عددها، حتى أنه إذا أراد أحد أن يحصيها فإنه يصير مثل الذين يتفرسون في عرض البحر ويريدون أن يحصوا أمواجه[28].

مرة أخرى، فإن النقطة التي تم التشديد عليها هنا هي أهمية حياة المسيح بأكملها للخلاص. يتم شرح السبب الكامل والأساس المنطقي لخدمة المسيح المتجسد الأرضية من حيث توفير فرصة للعالم المخلوق لتحقيق المعرفة أو “فكرة” عن الآب وبهذه الطريقة “يرث عدم الموت (الفساد)”. ومع ذلك في هذه العملية، بعيدًا عن عزل أحداث معينة، ذهب القديس أثناسيوس إلى أبعد من ذلك مشيرًا إلى أن عمل المسيح الخلاصي كان بعيدًا جدًا وموسعًا بحيث لا يمكن تحديده بحدث واحد فقط لأن ما تم التأكيد عليه هو عمل المسيح “ككل”[29]. مرة أخرى، يشير هذا إلى أهمية دمج كل أحداث وأعمال خدمة المسيح على الأرض في الخلاص لأن كل ما فعله المسيح، هو من أجل خلاص العالم المخلوق. في فصل سابق، أوضح القديس سبب استحالة تحديد أعمال المسيح الخلاصية:

لأنه وهو الكائن الكلي القدرة وبارئ كل شيء، أعد الجسد في العذراء ليكون هيكلاً له وجعله جسده الخاص متخذًا إياه أداة ليسكن فيه ويُظهر ذاته به. […] فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفذ في جسد الرب[30].

يمكن بسهولة تفويت أهمية إبطال الفساد الذي يتم تحقيقه (πληρωθείσης) في “جسد الرب” لأنه يُقال فقط بشكل عابر وليس مطورًا على نطاق واسع. ومع ذلك، يمكن القول إنه يأخذ رؤيته الخلاصية الشاملة إلى مستوى آخر غير متوقع تمامًا، باختصار، ليس كل ما فعله المسيح خلال خدمته الأرضية كان مهمًا للخلاص، ولكن في الحقيقة كل ما استمر في عمله في “جسده الرباني”. في حين أن عبارة “الجسد الرباني” يمكن أن تكون مفتوحة لتفسيرات مختلفة- تحليل لا يهمنا هنا- أحد تلك التفسيرات الذي لا يمكن استبعادها بالكامل هو أنه إشارة إلى الكنيسة.

والنقطة التي يتم طرحها هنا ببساطة- وهي فكرة لا تنتقص من الجدل العام- هي أن مثل هذا الإطار الكنسي لن يتعارض مع الرواية الخلاصية للقديس أثناسيوس؛ بل على العكس، فإنه يكمل رؤية القديس للخلاص. بناءً على ذلك، إذا تم قبوله، يمكن تفسير معنى النص على أنه يعني أن عمل المسيح الخلاصي لم ينته بخدمته الأرضية ولكنه يستمر حتى يومنا هذا داخل الكنيسة، التي هي جسده. إن مثل هذا الفهم من شأنه أن يوضح إشارة القديس أثناسيوس إلى المدى الواسع لعمل المسيح الخلاصي، وسيكون ببساطة متوافقًا مع الاستخدام البولسي لصور “الجسد” باعتباره مرجعًا للكنيسة.

حتى لو رُفضت مثل هذه القراءة الكنسية لصالح قراءة أكثر حرفية- أي أن العبارة تعني ببساطة، الجسد الذي ينتمي إلى الرب- فهذا لا يؤثر على الاستنتاجات المقترحة هنا، أي أن عمل المسيح الخلاصي لا يزال مستمر على مر العصور. في هذا، كان من الممكن أن يُنظر إلى القديس أثناسيوس على أنه قد عبر عن رؤية شاملة ومستفيضة بشكل ملحوظ للخلاص، وهي رؤية لا يمكن حساب أفعالها التأسيسية لأنها لا تزال تتحقق حتى يومنا هذا.

بصرف النظر عن مثل هذا التفسير لهذه الفقرة، فإن عمل المسيح الذي لا يزال يتم تنفيذه يؤكد بالفعل الأعمال الخلاصية التي لا تنتهي والتي حققها المسيح- أو الأصح، التي حققها المسيح على مر العصور داخل الكنيسة- مما يوضح مدى رؤيته الشاملة للخلاص. وبالتالي، بعيدًا عن التركيز على عمل واحد في وقتٍ ما، طرح القديس أثناسيوس بشكل رائع رؤية للخلاص تجاوزت الزمن من خلال تضمين عمل المسيح في الماضي والحاضر والمستقبل.

 

‌ه. ملاحظات ختامية

استكشف المقال الرؤية الأثناسيوسية للخلاص، وبذلك أظهر السمة المميزة الشاملة. وبالفعل، في جميع أجزاء النص، تبين أن المرء كان قادرًا على الشعور بنص فرعي عميق، أي أنه كان على وجه التحديد قوة الشمول الراديكالية التي أصبحت معيارًا لخلاصه. على عكس المفاهيم الحديثة التي تميل إلى تحديد اللحظات المنعزلة في حياة المسيح باعتبارها حاسمة للخلاص، وبالنسبة إلى القديس أثناسيوس، فقد تبين أن الخلاص قد تحقق من خلال تدبير المسيح الخلاصي بأكمله- بما في ذلك كل ما فعله من خلال جسده الرباني، وأيضًا كل ما يستمر فعله في جسده الرباني، “الكنيسة”.

من خلال كونه إنسانًا، يعيش في العالم، يتألم ويموت، كان المسيح قادرًا على تدمير الموت بالموت ومن خلال قيامة جسده لاستعادة عدم الفساد وإعطاء العالم المخلوق عبر الزمن الفرصة داخل السياق الكنسي للمشاركة في حياة الله. لذلك، فإن رؤيته الشاملة للخلاص تقدم للمؤمنين اليوم “الحياة في المسيح”، وتمكنهم من العيش كمسيح، وأن يحبوا كمسيح، ويخدموا كمسيح وأن يكونوا واحدًا مع المسيح.

المنظور الخلاصي عند القديس أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة – القس مينا القمص إسحق – موريس وهيب

 

[1] هذه الترجمة لمقال:

Philip Kariatlis, Soteriological Insights in St Athanasius’ On the Incarnation, Phronema, vol. 28 (2), 2013, p. 21-34.

Å كاهن كنيسة مار مينا السراروة، بأبراشية جرجا، وخريج كلية الآداب جامعة سوهاج قسم ترجمة لعام 2013م، وخريج الكلية الإكليريكية بالأنبا رويس القسم النهاري دفعة 2017م، بتقدير عام امتياز، وطالب ماجستير بالكلية الإكليريكية بالأنبا رويس.

ÅÅ خريج كلية التجارة جامعة القاهرة لعام 2012م، خريج الكلية الإكليريكية بالأنبا رويس القسم النهاري دفعة 2017م، بتقدير عام امتياز، وطالب ماجستير بالكلية الإكليريكية بالأنبا رويس، ومُعيد بقسم اللاهوت بالكلية، ومدرس بمعهد الأنبا أثناسيوس بمطرانية ببا والفشن وسمسطا، ومحاضر وخادم بمدرسة تيرانس بالإسكندرية.

[2] الدلالة على هذا التعريف هو عنوان العمل الهام التالي في علم الخلاص بواسطة

John McIntyre, The Shape of Soteriology: Studies in the Doctrine of the Death of Christ (Edinburgh: T&T Clark, 1992). Cf. also Paul S. Fiddes, ‘Salvation,’ in The Oxford Handbook of Systematic Theology, ed. John Webster, Kathryn Tanner and lain Torrance (Oxford: Oxford University press, 2007), 178:

“[…] ربما كان أهم ميزة في الفهم المسيحي للخلاص هو”الكفارة”. […] وللمؤمنين المسيحيين تحدث الكفارة بسبب موت يسوع في الإعدام الروماني بعد ظهر يوم الجمعة […] إنهم يرون أن الصليب ليس مجرد إفشاء للعملية، بل كنقطة حاسمة للخلاص، والتي ينبع منها كل شيء”.

[3] في فصل حول البدلية العقابية، عرفه شرينر Schreiner على النحو التالي: “أُعرف البدلية العقابية على النحو التالي: الأب، بسبب حبه للبشر، أرسل ابنه (الذي قدم نفسه طواعية وبسرور) لإرضاء عدالة الله، ليأخذ المسيح مكان الخطاة. إن العقوبة والجزاء التي كنا نستحقه قد وُضع على يسوع المسيح عوضًا عنا، وهكذا في الصليب تتجسد قداسة الله ومحبته على حد سواء”.

Thomas R. Schreiner, ‘Penal Substitution View,’ in The Nature of the Atonement, ed. James Beilby and Paul R. Eddy (Downers Grove, IL: InterVarsify Press, 2006), 68.

[4] في عرضه للفهم المسيحي للخلاص، لاحظ فيديس Fiddes: “شيء ما في الله يتتطلب الإرضاء قبل أن يدخل الحب الغافر حيز التنفيذ: يقترح أنسيلم أن يكون هذا كرامة الله، وكالفن يؤكد أنه شريعة الله أيضًا. ولأن البشر مخالفين مذنبين، فمن المفترض أنه يجب دفع الدين للعدالة قبل أن يتم العفو عنه”

  1. Fiddes, ‘Salvation’, 179.

[5] هذان النموذجان ليسا شاملين بأي حال من الأحوال. على سبيل المثال، حدد مكلنتيري McIntyre في عمله على الأقل 11 نموذجًا من هذه النماذج: بعضها يشمل: الفدية، الفداء، التضحية، الاسترضاء، الكفارة، البدلية، المصالحة، العقاب، الرضا، التحرر.

Cf. j. McIntyre, The Shape of Soteriology, 29-52.

[6] الأعمال الأدبية هنا هائلة. تشمل بعض الأعمال الكلاسيكية كما يلي:

Norman Russell, Fellow Workers with God: Orthodox Thinking on Theosis, Foundations Series (Crestwood, NY: St Vladimir’s Seminary Press, 2009) and by the same author, The Doctrine of Deification in the Greek Patristic Tradition (Oxford: Oxford University Press, 2004), Georgios Patronos, The Deification ofthe Human Person [in Greek] (Athens: Domos, 1995), Panayiotis Nellas, Deification in Christ: Orthodox Perspectives on the Nature ofthe Human Person, trans. Nor- man Russell (Crestwood, NY: St Vladimir’s Seminary Press, 1987), Georgios Mantzaridis, The Deification of Man, trans. Liadain Sherrard (Crestwood, NY: St Vladimir’s Seminary Press, 1984) and Jules Gross, The Divinization of the Christian according to the Greek Fathers, trans. Paul Onica (Anaheim, California: A&c Press, 2002). Stephen Finían and Vladimir Kharlamov (eds.), Theosis: Deification in Christian Theology (Eugene, Oregen: Pickwick Publica- tions, 2006) and Vladimir Kharlamov (ed.), Theosis: Deification in Christian Theology, vol. 2 (Eugene, Oregen: Pickwick Publications, 2011).

يجب الإشارة إلى أنه على الرغم من أن فكرة التأله كانت مألوفة أكثر في التقليد الأرثوذكسي الشرقي، فمن المرحب به أن نرى مكانتها المتزايدة في اللاهوت الغربي، وتشمل بعض الأعمال الحديثة ما يلي:

Michael j. Christensen and Jeffery A. Wittung (eds.), Partakers of the Divine Nature: The History and Development of Deification in the Christian Traditions (Grand Rapids, Ml: Baker Aeademic, 2007).

أيضًا، المقالات التوضيحية التالية تخون القبول المتزايد للمصطلح في علم الخلاص الغربي:

Myk Habets, “‘Reformed Theosis?” A Response to Gannon Murphy,’ Theology Today 65 (2009): 489-498؛ Bemie A. Voon De Walle, “How High of a Christian Life?” A. B. Simpson and the Classie Doetrine of Theosis,’ Wesleyan Theologies! Journal 43.2 (2008): 136 153, and s. T. Kimbrough, ‘Theosis in the Writings of Charles Wesley,’ Vladimir’s Theological Quarterly 52.2 (2008): 199-212.

[7] Neil Ormerod, Creation, Grace and Redemption, Theology in Global Perspee- tive Series (Maryknoll, New York: Orbis Books, 2007), 94.

كما سيظهر في هذا المقال، تكلم القديس أثناسيوس عن الخلاص ليس فقط في سياق التجسد؛ وهكذا، فإن الاتهام الموجهة إليه بأن رؤيته للخلاص آلية أو تلقائية لا تصمد. كانت هذه التهم الموجهة أولًا ضد القديس أثناسيوس في أوائل القرن التاسع عشر من قبل أدولف فون هارناك Adolf von Harnak – واستمر عليها آخرون، على سبيل المثال هانسون Hanson- الذين اعتقدوا أن الإطار الأثناسيوسي للخلاص لم يكن بحاجة إلى موت المسيح الكفاري.

Cf. Adolf von Hamack, History of Dogma, vol. 3 (New York: Dover, 1961), 165.

[8] يجب أن يُذكر منذ البداية أنه لا يزال يتعين إجراء المزيد من الدراسة لفحص الطريقة التي تعمل بها “لحظات” مختلفة من حياة المسيح معًا كوحدة متكاملة عند القديس أثناسيوس في تجسد الكلمة.

[9] هذه هي الطريقة التي يشار بها إليها في التقليد الليتورجي الأرثوذكسي الشرقي الذي يُحتفل به مع إسكندري عظيم آخر، وهو القديس كيرلس الإسكندري في 18 يناير.

[10] Beyond the classic work on St Athanasius by Khaled Anatolios, Athanasius: The Coherence of his Thought (Eondon: Routledge, 1998), some more reeent works inelude: Thomas Weinandy, Athanasius: A Theological Introduction (Hampshire: Ashgate, 2007), Peter j. Eeithart, Athanasius, Eoundations of Theological Exegesis and Christian spirituality (Grand Rapids, Miehigan: Baker Aeademie, 2011) and Darid Gwynn, Athanasius of Alexandria: Bishop, Theologian, Ascetic, Father, Christian Theology in Context (Oxford: Oxford University ?ress, 2012).

[11] For a brief yet insightihl summary ofthe seholarship dealing with St Athanasius’ character, see D. w. H. Arnold, The Early Episcopal Career of Athanasius of Alexandria (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1991), 9-22.

[12] D. Gwynn, Athanasius of Alexandria, 55.

أيضًا ملاحظة بير Behr: “كتاب تجسد الكلمة، على وجه الخصوص، كان له تأثير كبير على اللاهوت لاحقًا. ويمكن وصفه تقريبًا بأنه تعريف محدد لعلم اللاهوت النيقاوي، وبالتأكيد كما فهمه التقليد البيزنطي المتأخر”.

John Behr, The Nicene Faith, part 1, Formation of Christian Theology, vol. 2 (Crestwood, NY; St Vladimir’s Seminary Press, 2004), 168-9.

[13] هناك الكثير من الجدل حول التاريخ الدقيق الذي كتب فيه كتاب تجسد الكلمة. في حين أنه كان من المتفق عليه في السابق أن الرسالة كتبت في أوائل عام 320م، أي قبل ترقيته للأسقفية، هناك اجماع متزايد اليوم على تأريخ الرسالة في منتصف الثلاثينات من القرن الرابع. للحصول على نظرة عامة عن الكتاب، انظر

Khaled Anatolios, Athanasius: The Coherence of his Thought (New York: Routeledge, 1998), 9-27.

غير أن تأريخ هذه الرسالة لا يؤثر على الحجة المقدمة في هذا المقال.

[14] Alvyn Fettersen, Athanasius (Fondon: G. Chapman, 1995), 109.

[15] On the Incarnation, 1 (PG 25, 97C). Unless otherwise stated the English translation o f the original text of On the Incarnation is that of John Behr from St Athanasius, On the Incarnation (Yonkers, New York: St V ladim ir’s Seminary Fress, 2011).

[16] تسلط بنية الكتاب الضوء على غرضه الخلاصي: بعد فصلين تمهيديين، نجد قسمين شاملين حول الآثار الخلاصية للتجسد (الفصل 3-10، 11-19). عندها فقط يوجه القديس انتباه قرائه إلى عمليتين خلاصيتين محددتين هما: آلام المسيح وذبيحته على الصليب (20-26)، تليها قيامته (26-32). يتبع ذلك قسمين كبيرين وهما دفاعان يدعمان عقلانية خطة المسيح الخلاصية الموجهة تحديدًا إلى اليهود (33-40) والأمم (4-55) على التوالي.

[17] On the Incarnation, 54 (PG 25, 192B).

[18] j. Behr, The Nicene Faith, 184-207.

[19] كما ذُكر أعلاه، فإنه يقع خارج نطاق هذا المقال لدراسة منفصلة عن الحمل والولادة والحياة والموت وإعادة توجيه المسيح من أجل معرفة كيفية دمج هذه الأحداث في علم الخلاص الخاص به. سيشكل هذا أساسًا للدراسة المستقبلية.

[20] تجسد الكلمة 1: 1-2

[21] لهذا السبب، فإن تعليقات هانسون بأن عقيدة القديس أثناسيوس عن التجسد “تكاد تلغي عقيدة التكفير” لا تصمد.

 (R. F. c. Hanson, The Searchfor the Christian Doctrine of God (Edinburgh: T&T Clark, 1988, 450)

في الواقع، ذهب هانسون إلى أبعد من ذلك بالقول إن “عقيدة التجسد التي وضعها القديس أثناسيوس قد ابتلعت تقريبًا أي عقيدة للتكفير، وجعلها غير ضرورية”.

  1. Hanson, The Search, 450.

[22] تجسد الكلمة 8: 3-4 “لأنه وهو الكائن الكلي القدرة وبارئ كل شيء، أعد الجسد في العذراء ليكون هيكلاً له وجعله جسده الخاص متخذًا إياه أداة ليسكن فيه ويُظهر ذاته به. وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفذ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب). ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد، الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تُبيد النار القش”.

[23] j. Behr, The Nicene Faith, 185.

[24] On the Incarnation, 18 (FG 25, 128C).

[25] تجسد الكلمة 16: 4

[26] الدوسيتية Docetism هي فرقة فلسفية مسيحية متأثرة بالغنوصية ظهرت في القرن الثاني للميلاد عارضتها الكنائس المسيحية بشدة واعتبرتها هرطقة لأنها تؤكد على أن ناسوت (جسد) يسوع ليس له وجود حقيقي لأن الجسد مادي والمادة ليس لها وجود فعلي حقيقي في اعتقادهم (المترجم).

[27] تجسد الكلمة 8: 2-3

[28] تجسد الكلمة 54: 3-4

[29] On the Incarnation, 54 (FG 25, 192C).

[30] تجسد الكلمة 8: 3-4

المنظور الخلاصي عند القديس أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة – القس مينا القمص إسحق – موريس وهيب

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

 

أقدم للأحباء بحث بعنوان ”عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي“، هو عبارة عن بحث في عقيدة التأله بالنعمة في نصوص الكتاب المقدس، وفي كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وفي نصوص الليتورجية القبطية والسريانية.
 
يحتوي البحث على النقاط التالية:
١. عقيدة التأله في الكتاب المقدس.
٢. عقيدة التأله عند الآباء اليونانيين.
٣. عقيدة التأله عند الآباء السريان.
٤. عقيدة التأله في الليتورجية السريانية.
٥. عقيدة التأله عند الآباء اللاتين.
٦. التأله غاية خلق الإنسان.
٧. التأله غاية التجسد.
٨. تأله ناسوت المسيح.
٩. الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق.
١٠. الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر.
١١. الهرطقة الأفنومية وإنكار الحلول الأقنومي للروح القدس.
١٢. رد آباء الكنيسة على الهرطقة الأفنومية.
١٣. التأله بالأسرار المقدسة.
١٤. عقيدة التأله في الليتورجية القبطية.

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

تحميل البحث

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

كيف ينال المسيحي التأله بالنعمة؟

سنحاول الإجابة عن ذلك من خلال الكتاب المقدس وكتابات الآباء

قال السيد المسيح لنيقوديموس:

” أَجَابَ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ” (إنجيل يوحنا5:3).

هنا شرط دخول الملكوت والحياة الأبدية (التأله بالنعمة) هو الولادة من الماء والروح أي بالمعمودية ننال الحياة الأبدية والتأله بالنعمة.

قال السيد المسيح أيضًا لتلاميذه واليهود:

“مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (إنجيل يوحنا54:6).

هنا يؤكد السيد المسيح أن شرط الحياة الأبدية هو التناول من جسده ودمه الأقدسين لنوال الحياة الأبدية (التأله بالنعمة).

نستخلص مما سبق أن نوال الخلود والحياة الأبدية وهي حياة الله وصفة خاصة بالله يعطيها للإنسان كعطية من خلال الأسرار الكنسية كالمعمودية والميرون والافخارستيا والتأله بالنعمة هو شركة الطبيعة الإلهية وشركة الحياة الأبدية وشركة في صفات إلهية بالأساس كالقداسة والبر والصلاح والأبدية والحكمة والقوة وهذه كلها صفات إلهية يشترك فيها الإنسان مع الله كعطية وهبة ومنحة من الله للإنسان وهذا هو مفهوم “التأله بالنعمة” الذي تحدث عنه آباء الكنيسة الجامعة الذي يتحقق من خلا الأسرار كالتالي:

يقول ق. أغناطيوس الأنطاكي (الثيؤفوروس) عن الإفخارستيا إنها:

 “دواء الخلود وترياق عدم الموت” (الرسالة إلى أفسس ٢٠).

 فنحن بالتناول من جسد الرب ودمه ننال الخلود وعدم الموت أي ننال التأله بالنعمة من خلال الإفخارستيا.

يقول ق. إيرينيؤس أيضًا:

 “كيف يمكنهم أن يقولوا إن الجسد غير قادر أن يقبل عطية الله التي هي الحياة الأبدية، ذلك الجسد الذي اغتذى من جسد الرب ودمه وصار عضوًا فيه” (ضد الهرطقات ٥: ٢: ٣).

 يؤكد القديس إيرينيؤس أن الحياة الأبدية هي عطية إلهية ننالها من خلال التغذي من الإفخارستيا والحياة الأبدية هي مرادف لمفهوم التأله بالنعمة” كما ذكرنا من قبل.

يقول ق. أثناسيوس الرسولي في نفس السياق:

 “ونحن إنما نتأله لا باشتراكنا السري من جسد إنسان ما، ولكن بتناولنا من (جسد الكلمة) ذاته” (الرسالة إلى مكسيموس ٢).

يؤكد ق. أثناسيوس هنا على أننا ننال التأله بالنعمة من خلال الاتحاد السري بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا وبالتالي الأسرار الكنسية تعتبر ضرورية في نوال نعمة التأله والحياة الأبدية.

يقول ق. كيرلس الأورشليمي:

 “وإذ أنت تشترك في جسد المسيح ودمه، تصبح جسدًا واحدًا ودمًا واحدًا مع المسيح، وهكذا نصبح نحن (حاملي المسيح) بما أن جسده ودمه ينتشران في أعضائنا. وبهذه الكيفية نصبح على حد تعبير الطوباوي بطرس “شركاء الطبيعة الإلهية” (٢بط١: ٤)”

(العظة للموعوظين ٢٢: ٣).

 كما يؤكد ق. كيرلس هنا أيضًا على نوال شركة الطبيعة الإلهية (التأله بالنعمة) وباتحاد جسد ودم المسيح بأعضائنا من خلال الإفخارستيا ونصير نحمل المسيح داخلنا وفي أعضائنا.

يقول ق. غريغوريوس اللاهوتي:

  “بما أننا طبيعة مزدوجة أي من نفس وجسد، وبما أن الطبيعة الأولى غير منظورة (النفس) والثانية منظورة (الجسد) فعملية التطهير هي مزدوجة أيضًا أي بالماء والروح. وهكذا نتطهّر بصورة منظورة جسديًا وبصورة غير منظورة روحيًا، بالماء شكلاً ورسمًا، وبالروح حقيقةً، لأنه يقدر أن يُطهِّر الأعماق. هذا الروح يأتينا منحة إلى خلقتنا الأولى، ويردنا من العتاقة إلى الجِدّة، ومن الحالة التي نحن عليها الآن إلى حالة التأله، ويصهرنا بدون نار، ويعيد خلقتنا بدون إخفاء الجسد”

(عظة ٤٠: ١٠).

ونجد ق. غريغوريوس هنا يؤكد على أننا بالمعمودية ننتقل إلى حالة (التأله) من خلال تطهير الروح القدس لنا في أعماقنا الداخلية وإعادة خلقتنا لنصير من الحالة التي كنا عليها قبل المعمودية إلى حالة (التأله) ونلبس الإنسان الجديد ونترك الإنسان العتيق في جرن المعمودية.

يقول ق. غريغوريوس النيسي:

“كما أن الله الذي أظهر ذاته قد (مزج) نفسه بطبيعتنا المائتة حتى بهذا الشركة مع اللاهوت يتيسر للبشرية أن تصير (مؤلهة) في نفس الوقت. فيزرع ذاته بحسب خطة النعمة الخاصة به في كل المؤمنين بواسطة الجسد، الذي يستمد بقائه من الخبز والخمر، مازجًا ذاته بأجساد المؤمنين حتى أنه بواسطة الاتحاد بذاك الأزلي، يستطيع الإنسان أن يشترك في عدم الفساد”

(العظة التعليمية الكبرى ٣٧).

 يؤكد ق. غريغوريوس على نوال نعمة التأله من خلال سر الإفخارستيا حيث يزرع الله ذاته في كل المؤمنين في الإفخارستيا ويمزج ذاته بأجساد المؤمنين باتحاد حقيقي في الإفخارستيا لينالوا به عدم الفساد (التأله بالنعمة).

يقول ق. يوحنا الذهبي الفم:

“كذلك المسيح والكنيسة يُكوِّنان كيانًا كليًا واحدًا، ويتحقق هذا الاتحاد بالقوت السماوي (الإفخارستيا) الذي منحنا إياه المسيح… لأجل هذا وحَّد نفسه بنا كيانيًا، فمزج جسده ببشريتنا كالخميرة بالعجين، كي نصير كائنًا واحدًا في تماسك الجسد بالرأس”

(عظة ٣٠: ١ على رسالة ١كو).

 ونرى هنا ق. يوحنا يؤكد على اتحادنا الكياني بالمسيح ككيان واحد كلي من خلال الإفخارستيا ويسميها ” القوت السماوي” وهكذا يمزج المسيح جسده بجسد بشريتنا كامتزاج الخميرة والعجين وهكذا يصير الرأس (المسيح) والجسد (الكنيسة) كائن واحد متماسك.

يقول ق. باسيليوس الكبير:

“لذلك نحتاج من الآن فصاعدًا لأن نتغذى بطعام الحياة الأبدية، كما علّمنا ذلك الابن الوحيد الإله الحي… وفي مرة أخرى يكرر كلمة ” الحق” ليؤكد ما يقوله ويعطي الثقة التامة لسامعيه، فيقول:  “فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ”.  (يو56-53:6)”

(شرح المعمودية ٣: ١).

وهكذا يُسمي ق. باسيليوس القيصري الإفخارستيا ب(طعام الحياة الأبدية) الذي به ننال (التأله بالنعمة).

وأخيرًا يؤكد ق. كيرلس عمود الدين على أننا بالإفخارستيا أي “بشركة جسده الخاص الذي دخل فينا، ننال الشركة مع الله” (تفسير يو ٦: ٣٥).

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

حلول أقنومى أم حلول مواهبى؟ – د. أنطون جرجس

حلول أقنومى أم حلول مواهبى؟ – د. أنطون جرجس

حلول أقنومى أم حلول مواهبى؟ – د. أنطون جرجس

هناك دائمًا خوف من القول بأن الروح القدس يسكن البشر بأقنومه وجوهره، لئلا نصير آلهة مثل الله، وهذا بالطبع خطأ فادح جدًا، ﻷننا لانستطيع أن نصير مثل الله في كمال لاهوته بل نصير بالنعمة مشابهين لله وننمو في صورته ومثاله وشبهه، فلابد أن يسكن الروح القدس بذاته وجوهره وأقنومه فينا، ﻷنه مثلا كيف يسكن اﻹنسان مسكنا بمواهبه وقدراته وطاقاته بدون أن يسكن بجوهره وذاته في هذا المسكن، وهناك أدلة كتابية كثيرة على الحلول اﻷقنومى للروح القدس في البشر كالتالي:

يقول رب المجد لتلاميذه أن روح الحق ماكث معهم ويكون فيهم وليست مواهبه في إنجيل يوحنا الأصحاح 14 اية 17

17 رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ.

يقول بولس الرسول أن الله أعطانا روحه ولم يعط مواهبه فقط الرسالة الأولى إلى تسالونيكى الأصحاح 4 اية 8

8 إِذًا مَنْ يُرْذِلُ لاَ يُرْذِلُ إِنْسَانًا، بَلِ اللهَ الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا رُوحَهُ الْقُدُّوسَ.

يقول يوحنا الرسول أن الله أعطانا من روحه للثبات فيه ولم يقل من مواهبه رسالة يوحنا الأولى الأصحاح 4 اية 13

13 بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِينَا: أَنَّهُ قَدْ أَعْطَانَا مِنْ رُوحِهِ.

يقول رب المجد أن الروح القدس روح اﻵب هو المتكلم فينا وليست مواهبه وطاقاته في انجيل متى الأصحاح 10 اية 20

20 لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ.

يقول بولس الرسول أن الروح القدس روح الابن هو الصارخ فينا إلى اﻵب وليست مواهبه وطاقاته ونعمه في الرسالة إلى غلاطية الأصحاح 4 اية 6

6 ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا:«يَا أَبَا الآبُ».

يقول بولس الرسول أن روح الله يسكن فينا ولم يقل مواهبه تسكن فينا الرسالة الأولى إلى كورنثوس الأصحاح 3 اية 16

16 أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟

يقول بولس الرسول أن الروح القدس الذي أقام المسيح من اﻷموات ساكن فينا ولا أعتقد أن مواهب ونعم الروح القدس هى التى أقامت المسيح من اﻷموات كما في الرسالة إلى رومية الأصحاح 8 اية 11

11 وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ.

يؤكد بولس الرسول على ان الروح القدس روح الله وروح المسيح ساكن فينا ولم يقل طاقاته ومواهبه كما في الرسالة إلى رومية الأصحاح 8 اية 9

9 وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ.

يقول بولس الرسول ان جسدنل هو هيكل للروح القدس وليس لمواهب الروح القدس كما في الرسالة الأولى إلى كورنثوس الأصحاح 6 اية 19

19 أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟

يقول بطرس الرسول أن روح المجد والله يحل فينا ولم يقل مواهب روح المجد كما في رسالة بطرس الأولى الأصحاح 4 اية 14

14 إِنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَطُوبَى لَكُمْ، لأَنَّ رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ. أَمَّا مِنْ جِهَتِهِمْ فَيُجَدَّفُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَتِكُمْ فَيُمَجَّدُ.

هناك الكثير من اﻵيات الكتابية التى تؤكد الحلول اﻷقنومى ولكنى أكتفي بهذا القدر.

 

هناك العديد من أقوال آباء الكنيسة الجامعة تؤكد على الحلول اﻷقنومى للروح القدس فينا كالتالى:

– يقول ق.أثناسيوس في رسالته الاولى إلى سرابيون الاسقف (١: ٤):

 “وواضح هنا انه عندما يقول الروح فالمقصود هو الروح القدس. وهكذا أيضًا حيث يكون الروح القدس في البشر، حتى إذا ذكرت كلمة الروح بدون أى إضافة، فليس هناك من شك أنها تعنى الروح القدس وعلى اﻷخص عندما تذكر الكلمة مقترنة باداة التعريف”.

ويقول أيضًا في نفس الرسالة (١: ٢٠):

 “كيف حينما يوجد الروح فينا يقال إن الابن فينا؟ وحينما يكون الابن فينا يقال ان اﻵب فينا؟ وعندما يكون الثالوث بحق ثالوثًا، فكيف يفهم أنه واحد. أو لماذا حينما يكون أحد أقانيم الثالوث فينا، يقال إن الثالوث* موجود فينا؟”

* وهنا يسأل ق.أثناسيوس محاربي الروح القدس كيف إذا كان الروح القدس فينا لا يكون الثالوث ساكن فينا ويقول إن كان أحد أقانيم الثالوث فينا ولم يقل مواهب أحد الاقانيم.

 

يقول ق.كيرلس الاورشليمى في عظاته للموعوظين العظة (١٦: ٢٦) عن الروح القدس:

“لقد نطق بهذا متنبأ ‘حين يجعل الرب روحه عليهم’. العبارة تقول ‘إذ يجعل الرب’ أى يجعله يحل على الكل… إنه سيعطى بسخاء. لقد ألمح في السر إلى ما كان مزمعًا أن يحدث بيننا في يوم الخمسين، ﻷن الروح القدس بنفسه* حل بيننا”

*قال الروح القدس بنفسه حل بيننا وليس بمواهبه ونعمه فقط.

 

يقول ق.غريغوريوس اللاهوتى في عظته عن عيد العنصرة رقم (٣٦: ١١):

“وفي المناسبة الثالثة في وقت توزيع الالسنة النارية عليهم الذي نحتفل بذكراه اليوم ولكن في المناسبة الاولى كان ظهور الروح القدس بطريقة خافتة وفي الثانية بطريقة معبرة وواضحة أما في الثالثة فبطريقة أكثر كمالا، حيث أنه لم يعد حاضرا بالقدرات والطاقات والافعال كما كان فيما سبق، بل حاضرًا بجوهره* يشاركنا ويعايشنا، إذ لا يستطيع أحد أن يقول غير ذلك “.

 *لا يستطيع أحد أن يقول غير الحلول اﻷقنومى للروح القدس فينا بجوهره.

يقول ق. يوحنا فم الذهب في تفسيره لسفر أعمال الرسل العظة الرابعة:

“أما بالنسبة للانبياء فالوضع مختلف إذ لم يحل الروح القدس على أحدهم بالطريقة التى حدثت مع الرسل. … لكن الذي حل هنا هو الروح القدس. … لكن لم ينل أحد منهم الروح القدس بنفس الطريقة التى حدثت للرسل هنا”.

 

ويقول أيضًا في نفس العظة:

“ليس أنهم نالوا نعمة الروح القدس فقط، * بل امتلأوا منه* وابتدوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا”.

*هنا يؤكد ذهبى الفم على حلول الروح القدس بنفسه على الرسل وليس مثل الانبياء في القديم.

يقول العلامة ديديموس الضرير في كتابه عن الروح القدس (109- 106):

“الروح القدس يسكن في العقل وفي الانسان الباطن بنفس الطريقة التى يسكن بها اﻵب والابن ” هنا لم يتحدث عن سكنى مواهب بل سكنى أقانيم الثالوث

ويقول أيضًا في نفس الكتاب: “وهكذا فأى من كان له شركة في الروح القدس يصير على الفور في شركة مع اﻵب والابن”.

*هنا يتحدث عن شركة مع اﻷقانيم وليست شركة مواهب. والكتاب كله ملئ بالادلة على الحلول الاقنومى ولكنى سأكتفي بهذا.

 

يقول ق.إبيفانيوس أسقف سلاميس في كتابه أنكوراتوس أو المثبت بالمرساة عن الروح القدس:

“فإنه يعطى الخير للكل بشكل مختلف (الرسالة الأولى إلى كورنثوس الأصحاح 12 اية 8 فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ، وَلآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ بِحَسَبِ الرُّوحِ الْوَاحِدِ. …… وهو يظهر لنا الوجود الاقنومى للروح القدس من خلال تلك اﻷشياء”.

*وهنا يؤكد بكل صراحة على الوجود الاقنومى للروح القدس في كل هذه الاشياء المعطاة للبشر من مواهب الروح القدس.

يقول ق.كيرلس عمود الدين في حواره حول الثالوث الحوار السابع عن الروح القدس :

“فمن يعمل في داخلنا ويكمل فينا عمل الله، هل يمكن ألا يكون الله؟ …. قل لى إذن، بأى طريقة كان يوجد الله في القدماء عندما كان الروح داخلهم؟ أو كيف يمكن أن يأتى في داخلنا نحن عندما يكون الروح ذاته في داخلنا؟ لانه لا يمكن أن يتحقق فينا وجود الله حسب طبيعته إن الروح مختلف عن اﻵب في الجوهر”.

*وهنا يقول ق.كيرلس صراحة الروح بذاته في داخلنا ولم يقل مواهبه فقط.

سأختم بقول ق.هيلارى أسقف بواتييه في كتابه عن الثالوث (ك8: 26، 27)حيث يقول  :

“فإن المسيح يسكن فينا وحيثما يسكن المسيح يسكن الله. وحينما يسكن فينا روح المسيح، فإن تلك السكنى لا تعنى أن هناك روحا أخرى تسكن فينا سوى روح الله، فلابد أن نعترف اﻵن بأن روح الله هذا هو أيضا روح المسيح، بما أن الطبيعة تسكن فينا سكنى حقيقي. …فإن معلم اﻷمم يؤكد أنهما ليسا روحيين – روح الله وروح المسيح- هذين اللذين يوجدان في المؤمنين بل روح المسيح الذي هو أيضا روح الله.

هذا ليس سكنى مشترك بل سكنى واحد، ومع ذلك فهو سكنى سرى مشترك. … فإن روح الله فينا وكذلك روح المسيح فينا.  وحينما يكون روح المسيح فينا يكون روح الله أيضا “.

أكتفي بهذا الجزء من الكل.  وأدعو مهاجمى الحلول الاقنومى للروح القدس فينا التروى والتعقل والخضوع بمحبة لتعاليم الكتاب المقدس وآباء الكنيسة الجامعة.

حلول أقنومى أم حلول مواهبى؟ – د. أنطون جرجس

القديس كيرلس عمود الدين والحلول الأقنومي للروح القدس في البشر – د. أنطون جرجس

القديس كيرلس عمود الدين والحلول الأقنومي للروح القدس في البشر – د. أنطون جرجس

القديس كيرلس عمود الدين والحلول الأقنومي للروح القدس في البشر – د. أنطون جرجس

يحارب ق. كيرلس السكندري منكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، حيث يقول أننا نتحد بالله ونصير واحدًا معه وشركاء الطبيعة الإلهية بشركتنا ووحدتنا مع الروح غير المخلوق، حيث يقول التالي:

“هكذا أيضًا ذاك الذي صار شريكًا للروح القدس* يصير واحدًا مع الرب، وبالتالي الروح القدس هو الله، الذي بواسطته، نلتصق بالله ونصير واحدًا معه*، وشركاء الطبيعة الإلهية (أنظر ٢بط ١: ٤)، بشركتنا ووحدتنا مع الروح*. فإذا كان الروح هو الله، فكيف يكون مخلوقًا”.

(الكنوز في الثالوث ٣٤: ٥٠)

يحارب القديس كيرلس عمود الدين الأفنوميين الهراطقة منكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، حيث يقول التالي:

“فإن كان الروح* يحل ويسكن فينا، وبواسطته يسكن المسيح أيضًا فينا، إذن، الروح القدس هو قوة المسيح. فإذا كان الأمر هكذا، فكيف يكون مخلوقًا هذا الذي من طبيعته أن يوجد في الابن؟ إنها ساعة إذن ليقولوا: إن كلمة الله -الذي لا تركيب فيه ولا ازدواج- مركب، وذلك بسبب هذا الشيء الذي يأتي من الخليقة* مضافًا إلى طبيعته. لكن هذا محض عبث، فالروح ليس مخلوقًا ولا مجبولاً، إنما هو يأتي من أعلى، من الجوهر الإلهي، كقوة وفعل طبيعي له*”.

(الكنوز في الثالوث ٣٤: ٥٥)

يحارب القديس كيرلس الكبير منكري الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، والذين يدّعون أن شركتنا مع الروح القدس هي شركة مع مخلوق، حيث يقول التالي:

“إذن، عندما يسكن الروح* في غير المرفوضين، يكون المسيح* هو ذاك الذين يسكن فيهم، وبالتالي يكون من الضروري أن نقول إن هذا هو الجوهر الإلهي* الذي يجعل كل الذين يشاركونه* شركاءً. لأنه ما من أحد يملك عقلاً* يمكنه أن يقول إن شركتنا مع الله* يمكن أن تصير بواسطة مخلوق*، طالما كان هذا المخلوق -بحسب رأي الهرطقة*- لديه طبيعة مختلفة، وهو مختلف تمامًا عن الآب والابن، وإن هناك فرقًا شاسعًا بين الجوهر المخلوق والجوهر غير المخلوق*”.

(الكنوز في الثالوث ٣٤: ٥٦).

يدحض ق. كيرلس السكندري المعتقدين بالحلول المواهبي للروح القدس في البشر، ويقول التالي:

“أما لو كانت النعمة المعطاة لنا بواسطة الروح القدس هي نعمة منفصلة عن جوهره*، فحينئذ لماذا لم يقل موسى النبي (تك٢: ٧) إنه عندما أوجد الخالق الكائن الحي (الإنسان)، إنه نفخ فيه النعمة مع نفخة الحياة، ولماذا لم يقل المسيح لنا: اقبلوا النعمة التي أهبها لكم بعمل الروح القدس؟ والعكس هو الصحيح، لأن موسى قال: نفخة الحياة، ولأننا به نحيا ونتحرك ونوجد.

كما قال بعض شعرائكم أيضًا: لأننا أيضًا ذريته (أع١٧: ٢٨)، بينما دعاه المخلص الروح القدس*، وهكذا سكن في نفوس أولئك الذين يؤمنون بالروح الحقيقي نفسه*، والذي بواسطته وبه يقودهم إلى هيئتهم الأولى. بمعنى أنه يجعلهم مشابهين له عندما يقدسهم، وهكذا يعيدنا إلى صورتنا الأولى أي إلى حالة ختم الآب.

ومن جهة الدقة في وصف وحدة الجوهر، فإن الابن ذاته هو الختم الحقيقي، في الوقت نفسه فإن الروح القدس هو شبه واضح وطبيعي للابن، والذي نتغير نحن بالتقديس بواسطته أي لنأخذ صورة الله […] إذن الروح هو الله الذي يعطينا أن نكون على صورة الله.

وهذا لا يتأتى عن طريق النعمة الخادمة*، لكن بالاشتراك في الطبيعة الإلهية مانحًا ذاته عينها* للمستحقين […] هل يمكن أن تسأل المعاندين: لماذا نُدعى هياكل لله، بل بالحري آلهة*، إن كنا بالفعل شركاء مجرد نعمة بسيطة* لا كيان لها*؟ لكن الأمر ليس كذلك، لأننا هياكل للروح الحقيقي الكائن*، ولهذا فنحن نُدعى أيضًا آلهةً، لأنه من خلال اتحادنا به* نصبح شركاء الطبيعة الإلهية غير الموصوفة”.

(الحوار حول الثالوث، الحوار السابع، ص ٣٥٣- ٣٥٥).

وبذلك يؤكد ق. كيرلس عمود الدين على الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر، وليس مجرد حلول مواهبي أو حلول لنعم مخلوقة كما يدّعي الهراطقة، ويدحض بشدة ويستنكر الهراطقة القائلين بأننا نتحد بنعمة خادمة (مخلوقة)، أو أننا نتحد بمجرد نعمة بسيطة لا كيان لها، بل يؤكد على اتحادنا بالروح الحقيقي الكائن الذي يصيرنا شركاء الطبيعة الإلهية غير الموصوفة.

القديس كيرلس عمود الدين والحلول الأقنومي للروح القدس في البشر – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا موضوع الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق، هذا النور الذي يتسامى على الإطلاق لا على الحواس فقط، بل وعلى العقل نفسه، نور يلاقيه الذهن البشري ويتطابق معه، عندما يخرج الذهن البشري من ذاته ليصير أفضل مما هو عليه، عندما يتجاوز ذاته (أي الذهن البشري) ويتحد بالله.

سأتحدث عن الوصول إلى حالة الدهش والانخطاف الروحي في تعليم آباء الكنيسة، هذا الدهش والانخطاف الذي يحدث عندما تصلي النفس صلاة عقلية حارة*، وتنال مواهب الروح القدس، وتحقق هذه الصلاة بصورة سرية اتحاد النفس بينبوع هذه المواهب. وننوه بإمكانية نوال مواهب الروح هذه حتى في أوقات عمل الجسد، فالصلاة ليست انسلاخًا (أي ترك) عن الجسد.

يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق قائلاً:

“إنه ينزل من الأعالي حيث مقره لكيما تدخل إليه – إلى حد ما – الطبيعة المخلوقة”.

Homily 45: 11. PG 36: 637 B.

يتحدث مار اسحاق السرياني عن خبرة معاينة النور الإلهي غير المخلوق، وكيف ندرك هذا النور الإلهي العجيب بعيون نفوسنا الروحية كالتالي:

“إن لنفسنا حدقتين، ولكن النظر الخاص بكل منهما يختلف استعماله عن الآخر. فبإحدى هاتين الحدقتين نعاين أسرار الطبيعة، أعني قوة الله وحكمته وعنايته بنا، وندركها بفضل الجلال الذي يقودنا به. ونعاين بالحدقة الأخرى مجد طبيعته المقدسة حين يرتضي الله إدخالنا إلى الأسرار الروحية”. (عظة ٧٢)

ثم يتحدث مار اسحاق السرياني عن إشراق نور الثالوث القدوس مثل الشمس في نفس الإنسان النقي من الداخل، واستنشاقه للروح القدس كلي القداسة، وتساكنه الطبائع الروحية المقدسة (أي الملائكة) كالتالي:

“الرجل النقي النفس هي داخله. والشمس التي تشرق داخله هي نور الثالوث القدوس. الهواء الذي يستنشقه سكان تلك البلدة هو الروح القدس المعزي وكلي القداسة. والذين يسكنون معه هم الطبائع المقدسة الروحانية. المسيح هو نور نور الآب، هو حياتهم، وفرحهم، وسعادتهم.

مثل هذا الإنسان يبتهج كل ساعة بالرؤى الإلهية داخل نفسه*، ويسحره جمالها الخاص الذي هو بالحق أبهى مئة ضعف من لمعان الشمس نفسها. هذه هي أورشليم وملكوت الله المختفي داخلنا*، كما يقول الرب. هذا العالم هو سحابة مجد الله التي لا يدخلها إلا أنقياء القلب ليروا وجه سيدهم وليستنير عقلهم بشعاع نوره”.

مار اسحاق السرياني، الميامر النسكية، ترجمة: نيافة الانبا سيرافيم، (وداي النطرون: دير العذراء البراموس، ٢٠١٧)، الميمر ١٥، ص٢٢٣.

 

ويتحدث مار اسحاق السرياني عن كيفية الوصول إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق من خلال الصلاة التي نصليها كالتالي:

“وإذ يتخذ الروح القدس مادة من صلاة الإنسان التي يصليها، يتحرك داخله، وتفقد بذلك صلاة الإنسان حركتها أثناء الصلاة، ويرتبك ذهنه، ويُبتلع في الدهش والانذهال*، وينسى حتى الرغبة فيما كان يتوسل بشأنه*. تغطس حركات العقل في سكر عميق، ولا تعد في هذا العالم في مثل هذا الوقت*، لا يوجد تمييز بين النفس والجسد، كما لا يوجد تذكار لأي شيء، تمامًا كما قال العظيم غريغوريوس اللاهوتي: الصلاة هي نقاوة الذهن*، وهي تنتهي فقط بواسطة نور الثالوث القدوس من خلال الدهش والانذهال*.

هل رأيت كيف تنتهي الصلاة من خلال الدهش بالمفاهيم التي ولدتها الصلاة في العقل، كما قلت في بداية هذا الميمر وفي مواضع أخرى عديدة؟ ويكتب أيضًا نفس هذا القديس غريغوريوس: نقاوة العقل هي التحليق السامي والمرتفع للقدرات الذهنية*، وهي تشبه منظر السماء، وهي التي يشرق عليها ومن خلالها نور الثالوث القدوس وقت الصلاة*”.

المرجع السابق، الميمر ٢٣، ص ٢٧٨، ٢٧٩.

 

وهكذا يتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن معاينتنا للنور الإلهي غير المخلوق، وخبرة إشعياء النبي لهذا النور الإلهي في رؤياه كالتالي:

” وهذا نادى ذاك وقال: قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود. مجده ملء كل الأرض (إش٦: ٢، ٣). بالحقيقة هو قدوس لأنه جعل طبيعتنا مستحقة هذه الأسرار الكثيرة والعظيمة*، وصيرنا شركاء هذه الأمور التي لا تُوصف، لقد استوى عليَّ الفزع والرعدة (المقدسة) في أثناء إنشاد هذه التسبحة، وما يدعو للعجب أن هذا يحدث لي أنا الطين* المصنوع من تراب في اللحظة التي فيها حتى القوات السمائية تأخذها الدهشة العظيمة والدائمة؟ لذلك يديرون وجوههم ويغطونها بأجنحتهم كمثل ساتر، لأنهم لا يستطيعون تحمل اللمعان المنبعث من هناك.

وبالرغم من أن المشهد (الرؤيا) – كما يقال- كان يمثل تنازلاً للطبيعة الإلهية*. فلماذا إذًا لا يحتملون؟ فهل تسألني أنا ذلك؟! سل أولئك الذين يريدون أن يفحصوا الطبيعة غير الموصوفة وغير المقترب منها، أولئك الذين يتجرأون على ما لا يمكن التجرؤ منه […] بينما تجاسر الإنسان أن يتكلم أو بالحري أن يفكر بعقله في أنه يقدر أن يتطلع بدقة وبوضوح إلى تلك الطبيعة الإلهية البسيطة”.

يوحنا ذهبي الفم (قديس)، رؤيا إشعياء، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٢: ٢، ص ١٠٥، ١٠٦.

 

ويقول ق. يوحنا ذهبي الفم في نفس السياق:

“لأنه يقول: باثنين يُغطي وجهه (إش٦: ٢). كأنهما ستارتان يغطيان وجهه، لأنهم لا يتحملون اللمعان المنبعث من ذلك المجد. وباثنين يغطي رجله (إش٦: ٢) تحت تأثير نفس الانبهار، لأننا أنفسنا عندما يُسلط علينا جسم باهر، فإننا ننكمش ونخفي كل مكان في جسدنا.

ولماذا اتحدث فقط عن الجسد، طالما أن النفس ذاتها، عندما يحدث لها ذلك الأمر في تجلياتها السامية، تجذب كل طاقاتها، ثم تجمع ذاتها ضاغطةً إياها بعمق في الجسد كما لو كان هذا الجسد ملبسًا لها؟ وحين يسمع أحد الاندهاش والانبهار لا يظن أننا نتحدث عن صراع مقزز للنفس، لأنه مع هذا الاندهاش توجد نشوة* ممتزجة به لا تُحتمل من عظمتها. وباثنين يطيرون (إش٦: ٢)، وهذا يدل على أنهم دائمًا يشتهون الأمور العلوية (السمائية) ولا ينظرون إلى أسفل أبدًا”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٧٨، ١٧٩.

ويستطرد ق. يوحنا ذهبي الفم في حديثه عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وحالة الاندهاش والانخطاف الروحي كالتالي:

“لأن الأجسادةالبراقة، وإن كانت منيرة بشكل عظيم، حينئذ فإنها عادةً ما تثير ذهولنا لما نشاهدها للمرة الأولى بعيوننا، ولكن إن واصلنا التطلع فيها أكثر فبالتعود سوف ينتهي اندهاشنا، لأن عيوننا قد اعتادت على تلك الأجساد. لذلك فعندما نرى أيقونة ملوكية، وقد تم تكريسها حديثًا (تجهيزها) وهي تزهو بألوانها، فهي تُثير إعجابنا، ولكن بعد يوم ويومين يزول إعجابنا هذا.

ولكن لماذا أتحدث عن أيقونة ملوكية، طالما أن الأمر ذاته يحدث لنا مع أشعة الشمس، على الرغم من أنه لا يوجد جسم أكثر لمعانًا منها؟ وهكذا فأي جسد بسبب الاعتياد على النظر إليه يذهب الإعجاب به. غير أن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بمجد الله، بل على العكس تمامًا، لأنه كما واصلت تلك القوات (السمائية) في النظر إلى ذلك المجد كلما انبهرت بالأكثر وازداد تعجبها.

لذلك فبالرغم من أنهم يرون ذاك المجد منذ خلقتهم وحتى الآن، فلا يتوقفون عن الصراخ بانبهار، لأن ما نعاني منه، ويحدث لنا في برهة قصيرة من الزمن، عندما يأتي علينا ضياء ساطع، يحدث لتلك القوات القائمة قدامه باستمرار وبلا انقطاع، وبالرغم من ذلك يُظهِرون لذةً ما وتعجبًا.

لأنهم لا يصرخون فقط، بل يفعلون ذلك فيما بينهم، وهذه علامة على اندهاشهم الدائم، وهذا نفسه ما يحدث لنا* عندما نسمع رعدًا أو زلزالاً يهز الأرض، لا نقفز ونصرخ فقط، بل نُسرِع بالهرب الواحد تلو الآخر إلى بيته، وهذا هو ما يفعله السيرافيم، لذلك كل واحد يصرخ نحو الآخر قائلاً: قدوس، قدوس، قدوس”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٨٠، ١٨١.

وهكذا بعد جولة روحية عميقة وممتعة بين تعاليم آباء الكنيسة عن حالة الاندهاش والانخطاف الروحي التي تحدث لنا في الصلاة، وكيف تصل الصلاة الذهنية بنا إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وغير المحسوس والفائق الوصف، نصلي دائمًا من كل قلوبنا أن نصل إلى هذه الحالة الروحية الجميلة والطوباوية لنتمتع بلمحات من ملكوت الله ونحن سالكون في هذه الحياة الحاضرة المليئة بالمصاعب والضيقات.

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

أزعجني كثيرًا عندما قرأت أن تعليم الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو بدعة يجب محاربتها، وصدمني جدًا هذا الفكر الغريب. التعليم عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو في صلب الكتاب المقدس والتعليم الأرثوذكسي، فكيف يتجرأ البعض على دعوته بأنه بدعة؟!

نذكر تجلي إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح بنوره الإلهي غير المخلوق على جبل ثابور أمام تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا وإيليا وموسى، حيث يقول الكتاب:

1 وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَل عَال مُنْفَرِدِينَ. 2 وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ. 3 وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. 4 فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقُولُ لِيَسُوعَ: «يَارَبُّ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةٌ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ».  (إنجيل متى4-1:17)

وهكذا ستتجلى أجسادنا بهذا النور العجيب مثل تجلى جسد المسيح أمام تلاميذه في المجد والملكوت.

ولقد اختبر ق. بطرس الرسول النور الإلهي غير المخلوق وشهد عن ذلك قائلاً:

16 لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. 17 لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْدًا، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: «هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ». 18 وَنَحْنُ سَمِعْنَا هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ.  (رسالة بطرس الثانية18-16:1)

كما أختبر ق. بولس الرسول هذا النور الإلهي غير المخلوق وشهد عنه قائلاً:

6 فَحَدَثَ لِي وَأَنَا ذَاهِبٌ وَمُتَقَرِّبٌ إِلَى دِمَشْقَ أَنَّهُ نَحْوَ نِصْفِ النَّهَارِ، بَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلِي مِنَ السَّمَاءِ نُورٌ عَظِيمٌ. (سفر أعمال الرسل6:22)

كما أختبر ق. استفانوس أول شهداء المسيحية مجد هذا النور الإلهي غير المخلوق وشهد عنه قائلاً:

55 وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ. (سفر أعمال الرسل55:7)

واختبره أيضًا ق. يوحنا الرسول وشهد عنه قائلاً:

5 وَهذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَنُخْبِرُكُمْ بِهِ: إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ. 6 إِنْ قُلْنَا: إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ.  (رسالة يوحنا الأولى6-5:1)

 

فكيف بعد كل هذه الإعلانات الإلهية التي كان التلاميذ والرسل شهود عليها واختبروها أن نقول بعد ذلك على الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق بدعة؟! ألسنا في كارثة يا أخوة؟!

لقد تحدث ق. كيرلس السكندري الذي اختبر الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وقال عن هذا الاختبار:

“فنحن دُعينا من الظلمة إلى نوره العجيب. وإذا كان هذا حقًا، فالمخلوق ليس حقًا هو النور، بل الابن وحده بالحقيقة وبالضبط هو النور، أما المخلوقات فهي تصير نورًا باشتراكها فيه، ولذلك فهي ليست من ذات طبيعته”.

كيرلس السكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا ج١، ترحمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص ١٠٥.

ثم يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتى عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

” لنصبح نحن نورًا، كما سمع التلاميذ من النور الأعظم قوله لهم: أنتم نور العالم، بل ولنصر كأنوار في العالم، نضيء بين الأمم كما قال بولس الرسول في (في٢: ١٥): نحن قوة حية للآخرين. فلنتخذ شيئًا من الألوهة* ولنقتبس نورًا من النور الأول. لنسر نحو إشعاع هذا النور قبل أن تحجب بيننا وبينه الظلال”.

غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، ١٩٩٤)، عظة المعمودية والمعمدون، عظة ٤١، ص١٦٠.

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق التالي:

“ولكي تتقدموا أنتم كأنوار كاملة أمام النور الكبير، وأن تدخلوا إلى موكب النور النابع من النور الكبير متخذين* من النور الأبهى والأنقى، نور الثالوث الذي قبلتموه صبحًا من أصباح الألوهة الواحدة لشخص ربنا يسوع المسيح”.

المرجع السابق، عظة الظهور الإلهي في المسيح أو عظة عيد الأنوار، عظة ٣٩، ص ١٧٥.

 

كما يتحدث ق. باسيليوس الكبير عن اختبار النور الإلهي غير المخلوق لفهم وإدراك الإلهيات، وإنه بدون الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق لا يمكن أن تفكر النفس بصورة سليمة كالتالي:

“لأنه تمامًا كما هو النور المحسوس بالنسبة للعين، هكذا الله الكلمة بالنسبة إلى النفس، لأن الكتاب المقدس يقول: كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم (يو١: ٩). وبناءً على ذلك، فإن النفس التي ليس فيها نور، لا تستطيع أن تفكر بشكل صحيح […] وأن يقتربوا من هذه الولادة من خلال إشراقة النور الإلهي”.

باسيليوس الكبير (قديس)، ضد أفنوميوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، ص ١٤٨، ١٤٩.

 

كما يتحدث ق. باسيليوس الكبير في موضع آخر عن اتحادنا وتلامسنا مع بهاء الألوهة والاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“هؤلاء يوصيهم أن يقتربوا من الرب، ويتلامسوا مع بهاء ألوهيته، حتى أنهم بهذا الاقتراب، بعدما يستنيرون بنور الحقيقة، يقبلوا داخلهم هذا النور بواسطة النعمة، وكما هو الحال بالنسبة إلى النور المحسوس، فهو لا يشرق على الجميع بطريقة واحدة، بل يشرق فقط على الذين لهم أعين، وهم في حالة يقظة”.

باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج١، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، العظة السابعة على مز٣٤، ص ٢٢٧، ٢٢٨.

 

وهكذا يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“إن نور الحق يسطع علينا نحن الذين نواصل السير في هذا المساء الهادئ في الحياة، وينير أعين أرواحنا بأشعته. هذا الحق الذي تجلى لموسى بنور غامض لا يُوصف ولا يُنطق به هو الله”.

غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى، ترجمة: مجدي فهيم حنا، مراجعة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، ٢٠٢١)، ٢: ١٩، ص ٥٠.

ثم يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن اختبار القديس اسطفانوس للنور الإلهي غير المخلوق، الذي هو مثال لاتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“كيف رأى اسطفانوس مجد الله؟ مَن الذي فتح له أبواب السماء؟ تُرى هل هذه النعم محصلة قوة إنسانية؟ هل ملاك أصعد طبيعتنا التي كانت تنظر إلى أسفل إلى ذلك السمو؟ لم يحدث أي شيء من كل هذا. فكل ما له علاقة بهذه القصة، لم يذكر شيئًا مثل هذا، بمعنى أن اسطفانوس لم ير ما رأه لأنه كان قويًا للغاية، أو لأنه نال معونة كاملة من الملائكة.

فماذا قال النص الإنجيلي؟ قال: وأما هو فشخص إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأى مجد الله ويسوع قائمًا عن يمين الله (أع٧: ٥٥). لأنه من غير الممكن، كما يقول داود النبي، أن يرى أحد النور، إن لم يكن قائمًا داخل النور: بنورك نرى نورًا (مز٣٦: ٩). لأنه من المستحيل رؤية النور خارج النور.

أي كيف يمكن للمرء أن يرى الشمس، وهو موجود بعيدًا عن أشعتها؟ لأن نور الابن الوحيد الجنس هو داخل نور الآب، أي داخل الروح القدس المنبثق من الآب، لذا بعدما امتلأ (أي اسطفانوس) أولاً من الروح القدس استنار، حينئذ أدرك مجد الآب والابن”.

غريغوريوس النيسي (قديس) ، اسطفانوس أول شهداء المسيحية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، العظة الأولى، ص ٣٦، ٣٧.

 

ويتحدث أيضًا ق. ديونيسيوس الأريوباغي عن خبرة اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

” من جهتي، فهذا ما أصلي به، أما أنت أيها العزيز تيموثاوس، انشغل بشدة بالرؤى السرية، اترك الأنشطة الحسية والذهنية، كل ما يخص الحواس والعقل، كل الموجودات وغير الموجودات (نحيه جانبًا)، وترفع غير مستندًا على معرفة حتى تتحد قدر المستطاع بمَّن هو أعلى من كل جوهر ومن كل معرفة. عندما تصل إلى الدهش*، حيث تتحرر بالكلية من ذاتك، من كل الأشياء، عندما تنزع عنك كل شيء، وتعفي نفسك من كل شيء، سوف ترتفع إلى الشعاع الفائق الجوهر للظلمة الإلهية”.

ديونيسيوس الأريوباغي (المستعار)، اللاهوت الباطني، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، ص ١٠٤، ١٠٥.

وهكذا نجد أن تعليم الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو تعليم كتابي، ورسولي، وآبائي أرثوذكسي سليم اختبره التلاميذ والرسل وآباء الكنيسة على مر العصور.

يُتبع…

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي قراءتنا في فكر الهرطقة النسطورية، ونستعرض كيف يرى نسطوريوس آباء الكنيسة المنادين بالتأله بالنعمة بشكل عام، والقديس كيرلس عمود الدين بشكل خاص، حيث يقول التالي:

“يتميز هؤلاء بالفعل عن المانويين، لأنهم يعترفون حقًا بأن الجسد من طبيعتنا، وإنه لم يكن هيئة schêma الجسد، بل طبيعة الجسد. ولكن البعض من الآخرين الذين يكونون معهم (المشهورين)، لأنهم يعترفون بأن الجسد حقيقي، ولا ينتمي إلى الطبيعة البشرية، بل صار إلهيًا، ومن طبيعة اللاهوت.

فإنهم يتميزون في ذلك، ويسعون بكل قدرتهم إليه. وأولئك الذين يظنون أنهم يخدمون الكنيسة معترفين بأن الجسد من طبيعتنا، ومن أوسيتنا (جوهرنا)، وبالتالي تمييزه معروف لجميع البشر. بشكل عام، فإنهم يتنازعون ويتصارعون مع الجميع: مع المانويين، بخصوص نقطة إنه كان يوجد أوسيا (جوهرًا) وأوسيا (جوهرًا) في الحقيقة، ومع الآخرين، إنه لم يكن من طبيعة الله، بل من طبيعة آبائنا، أما مع الكنيسة، فإنهم يحولون الجسد إلى أوسيا (جوهر) الله.

وبالتالي، لأنهم لا يسمحون للجسد أن يظل في أوسياه (جوهره)، فإنهم يشبهون المانويين بتبديد أوسيا (جوهر) الجسد، ولكنهم يختلفون عنهم في أنهم يقولون أن الله كان بالتمام في هيولي hylê الجسد.

ولكنهم بذلك يحولون فورًا (الجسد) إلى أوسيا (جوهر) الله الكلمة، ويأبون الاعتراف بأن الله كان مع الجسد البشري، ويقبلون بنفس الرأي والشعور، عندما يقصون أوسيا (جوهر) الجسد، كأنما لم يوجد، مصرين سواء على تأليه أوسيا (جوهر) الجسد – أو كما يمكن القول – على جعل أوسيا (جوهر) الله يصير متجسدًا في أوسيا (جوهر) جسد اللاهوت”

(Heraclides 1: 32).

بالطبع هناك العديد من المغالطات في كلام نسطوريوس السالف الذكر، سنبينها ونبين فسادها بحسب اللاهوت الأرثوذكسي بخصوص التأله بالنعمة، والخريستولوجي عامةً:

١. يعترف نسطوريوس أن اللاهوت متحد بالناسوت باتحاد بروسوبوني، أي اتحاد في الهيئة فقط، وليس اتحادًا أقنوميًا كما قال آباء الكنيسة، فيشبه الأرثوذكس الذين يقولون بالاتحاد الأقنومي أنهم مانويون، لأنهم يمزجون ويخلطون الله بالمادة، وهذا بحسب فهمه الخاطئ للاهوت الأرثوذكسي، فلم يقل أحد من آباء الكنيسة باختلاط أو امتزاج الطبائع في المسيح الواحد.

٢. يرفض نسطوريوس فكرة أن يصير الجسد جسدًا إلهيًا، مستنكرًا ذلك، وهو بذلك خالف آباء الكنيسة، لأنه بالفعل في التجسد الإلهي، صار الجسد جسد الله الكلمة كما قال ق. أثناسيوس وغيره من الآباء الأرثوذكس.

٣. يظل نسطوريوس في جهله بسر المسيح كما اسماه ق. كيرلس، ويعتقد بأن القائلين بالتأله بالنعمة يحولون جوهر الجسد إلى جوهر الله، وهذا بعينه ما يقوله البعض في عصرنا الحالي، متهمين زورًا وبهتانًا المؤمنين بعقيدة التأله بالنعمة، أنهم يحولون طبيعة وجوهر الإنسان إلى طبيعة وجوهر الله.

٤.يقول نسطوريوس عبارة في منتهى الخطورة لينكر بها الاتحاد الأقنومي في المسيح، حيث يقول إن “الله كان مع الجسد البشري”، وليس متحدًا به، كما يعتقد. لأنه ينكر الاتحاد الأقنومي الحادث في المسيح الواحد. بل يقول بمجرد مصاحبة الله لجسد بشري.

٥. يتهم نسطوريوس المصرين على عقيدة التأله بالنعمة، إنهم بذلك يفنون ويبددون جوهر الجسد في الاتحاد الأقنومي، وهو مخطئ في ذلك، لأنه مَن مِن آباء الكنيسة قال بذلك، فهذه هي الهرطقة الأوطاخية بعينها. التي ترفضها كنيستنا القبطية الأرثوذكسية بشدة.

٦. وأخيرًا، يستنكر نسطوريوس على الجانب الأرثوذكسي قولهم بأن الله يصير متجسدًا في جسد اللاهوت، أي يستنكر اتحاد الله بالجسد اتحادًا أقنوميًا حقيقيًا، وأن يُنسب الجسد إلى اللاهوت، ويصير جسد اللاهوت. يا له من تخريب وتدمير لسر المسيح!

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

Exit mobile version