تفسير الآيات التي تلقى هجوما من سفر النشيد

تفسير الآيات التي تلقى هجوما من سفر النشيد

تفسير الآيات التي تلقى هجوما من سفر النشيد

 

 

61- كيف يمكن أن نفسر الآيات التي تلقى هجومًا من سفر النشيد؟

سادسًا: آيات عسرة الفهم:

ج- وما زال هذا السفر يلقى هجومًا شرسًا حتى أن بعضهم بعد أن أورد بعض الآيات من السفر في أحد مواقع شبكة الانترنت قال “أن الذي يضع هذا النص في كتاب مقدَّس هو زنديق، ومن يفسره ويحاول أن يقنع به الجهلة هو محتال ومن يصدقهما هو متخلف عقليًا”. والحقيقة أن بعض الآيات التي رأى فيها هؤلاء الجسديون عثرة، قد حملت إلينا أعماقًا روحية، وغمر ينادى غمرًا “أي قول أو أي سمع يقدر أن ينطق باللجة التي لا تُوصف، التي لمحبتك للبشر يا الله”(1) فمن يفهم ومن يدرك جمال العلاقة الروحية مع الله؟! والآن إلى بعض هذه الآيات:

1- ليقبلني بقبلات فمه، ليتك كأج لي الراضع ثدييّ أمي فأجدك في الخارج وأقبلَك ولا يخزونني
2- لأن حبك أطيب من الخمر،أدخلني إلى بيت الخمر
3- مَا أَجْمَلَ خَدَّيْكِ بِسُمُوطٍ، وَعُنُقَكِ بِقَلاَئِدَ، خَدُّكِ كَفِلْقَةِ رُمَّانَةٍ تَحْتَ نَقَابِكِ
4- صُرَّةُ الْمُرِّ حَبِيبِي لِي. بَيْنَ ثَدْيَيَّ يَبِيتُ
5- هَا أَنْتَ جَمِيلٌ يَا حَبِيبِي وَحُلْوٌ، وَسَرِيرُنَا أَخْضَرُ
6- شِمَالُهُ تَحْتَ رَأْسِي وَيَمِينُهُ تُعَانِقُنِي
7- فِي اللَّيْلِ عَلَى فِرَاشِي طَلَبْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي. طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ
8- أَدْخَلَنِي الْمَلِكُ إِلَى حِجَالِهِ، فَأَمْسَكْتُهُ وَلَمْ أَرْخِهِ، حَتَّى أَدْخَلْتُهُ بَيْتَ أُمِّي وَحُجْرَةَ مَنْ حَبِلَتْ بِي
9- شَفَتَاكِ كَسِلْكَةٍ مِنَ الْقِرْمِزِ، وَفَمُكِ حُلْوٌ، شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُ تَقْطُرَانِ شَهْدًا. تَحْتَ لِسَانِكِ عَسَلٌ وَلَبَنٌ، خَدَّاهُ كَخَمِيلَةِ الطِّيبِ وَأَتْلاَمِ رَيَاحِينَ ذَكِيَّةٍ. شَفَتَاهُ سُوْسَنٌ تَقْطُرَانِ مُرًّا مَائِعًا
10- ثَدْيَاكِ كَخِشْفَتَيْ ظَبْيَةٍ، تَوْأَمَيْنِ يَرْعَيَانِ بَيْنَ السَّوْسَنِ، ثَدْيَاكِ كَخَشْفَتَيْنِ، تَوْأَمَيْ ظَبْيَةٍ، قَامَتُكِ هذِهِ شَبِيهَةٌ بِالنَّخْلَةِ، وَثَدْيَاكِ بِالْعَنَاقِيدِ. قُلْتُ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى النَّخْلَةِ وَأُمْسِكُ بِعُذُوقِهَا. وَتَكُونُ ثَدْيَاكِ كَعَنَاقِيدِ الْكَرْمِ، وَرَائِحَةُ أَنْفِكِ كَالتُّفَّاحِ وَحَنَكُكِ كَأَجْوَدِ الْخَمْرِ، لَنَا أُخْتٌ صَغِيرَةٌ لَيْسَ لَهَا ثَدْيَانِ. فَمَاذَا نَصْنَعُ لأُخْتِنَا فِي يَوْمٍ تُخْطَبُ؟، أَنَا سُورٌ وَثَدْيَايَ كَبُرْجَيْنِ
11- حَبِيبِي أَبْيَضُ وَأَحْمَرُ
12- ما أجمل رجليك بالنعلين يا بنت الكريم. دوائر فخذيك مثل الحلي صنعة يدي صناع. سرتك كأس مدورة. بطنك صبرة حنطة مسيجة بالسوسن
13- تعال يا حبيبي لنخرج إلى الحقل ولنبت في القرى. لنبكرن إلى الكروم. لننظر هل أزهر الكرم؟ هل تفتح القعال؟ هل نور الرمان؟ هناك أعطيك حبي

1- “ليقبلني بقبلات فمه” (نش1: 2).. “ليتك كأج لي الراضع ثدييّ أمي فأجدك في الخارج وأقبلَك ولا يخزونني” (نش8: 21).

ليقبلني.. بينما تخاطب العروس العريس فأنها تطلب قبلات آخر، وهذا ما يؤكد أن القبلات هنا ليست أمور جسدية، إنما هي قبلات الله الآب الذي أحب النفس وخلقها على صورته ومثاله، وعندما سقطت وعدها بالخلاص، وأعطاها الناموس عونًا، والأنبياء يؤكدون لها وعد الخلاص، ومع ذلك فهي تطلب قبلاته أي تعاليمه في الناموس والأنبياء.

ليقبلني.. مع أن الله ليس جسد وليس له فم وشفاه. إنما كما أن الشفاه بها الأعصاب المرهفة، هكذا القبلات هنا تعبر عن قمة إعلان حب الله لنا.

ليقبلني.. ولم تذكر أسمه خشوعًا ووقارًا واحترامًا، كما أن الحبيب هو واحد لا يوجد في العالم كله غيره، كما قالت مريم المجدلية للبستاني “أن كنت قد حملته فقل لي أين وضعته وأنا آخذه” (يو20: 15) ولم تذكر أسمه.

ليقبلني.. فالنفس لا تكتفي بالاقتراب منه، أو الحديث معه، إنما تطلب قبلات فمه أي تعاليمه ومحبته الفياضة، ولا تطلب قبلة ولا بضع قبلات إنما تطلب كل القبلات، فاختبارها لمحبة العريس الغير محدودة شجعها على هذا.

ليقبلني بقبلات فمه.. تلك القبلات التي أختبرها الابن الضال في توبته، فبعد أن أختبر قبلات العالم وأدرك تمامًا أنها “غاشة قبلات العدو” (أم27: 6).. “فقام وجاء إلى أبيه وإذ كان لم يزل بعيدًا رآه أبوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله” (لو15: 20) أنها قبلات أبوية كما هي قبلات أبوية كما هي قبلات أخوية “ليتك كأخ لي.. وأقبلَّك ولا يخزونني”.

ليقبلني بقبلات فمه.. تلك المحبة الفياضة التي أختبرها يوحنا الحبيب الذي كان يتكئ على صدر يسوع وقال “لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج” (1يو4: 18) ، وإن كان بمجرد أن نرى صورة للعريس السمائي نقبَّلها، أفلا يطبع هو قبلاته على النفوس المحبة؟! ويقول نيافة الأنبا يؤانس الأسقف العام “تزوقت العروس محبة مسيحها الأطيب من الخمر، فاشتعل قلبها حبًا واشتياقًا، وطفقت – بدالة النبوة- تطلب قبلات الآب السماوي كي ما تروى محبة قلبها واشتياقاته”(2).. ” فيا ليتك -مع إني غير مستحقة- أن ترفعني إلى مستوى أحضان أبيك السماوي، فأتمتع معك بأحضانه الحانية، وأشبع وارتوي بقبلات فمه”(3).

2- “لأن حبك أطيب من الخمر” (نش1: 4).. “أدخلني إلى بيت الخمر” (نش2: 4).

قال الرب يسوع “أنا هو الكرمة الحقيقية” (يو15: 1) ومن عصير الكرم يُصنع الخمر، فالخمر هو تعبير مجازى عن محبة السيد المسيح التي دفعته إلى سفك دمه من أجلنا، وبيت الخمر هو مخدع الصلاة حيث الخلوة مع الله وتسبيح أسمه القدوس، وكما أن الخمر تملك المشاعر والأحاسيس، وتنسى الإنسان همومه، وتمنحه النشوة، هكذا الحب الإلهي ” عند كثرة همومي في داخلي تعزياتك تلذذ نفسي” (مز94: 19) والتشبيه مع الفارق لأن الخمر تذهب بعقل الإنسان، أما الحب الإلهي فأنه يسمو بعقل الإنسان للأمور السمائية التي تفوق الإدراك، وإن كان تأثير الخمر وقتيًا فإن تأثير الحب الإلهي دائم ويعبر بالإنسان من هذه الحياة للحياة الأخرى.

ويقول القديس يوحنا سابا (الشيخ الروحاني) “فكل عقل كثير الكلام، إن دخل هذا البيت (بيت الخمر) يلتزم السكوت ويمتنع عن الكلام والحركات لاندهاشه بالأسرار.. ههنا يُظهر الله جماله لمحبيه.. ههنا تبصر النفس ذاتها ورب المجد المُشرق فيها.. بالحقيقة أن الأرض وكل ما عليها قد ذهبت من قدامى، وقد استضاءت عينا قلبي بجمال إلهي. دهش ذهني بعجب أسراره، وقد أشتعل لهيب محبته بعظامي.. أنه نعيم وطوبى أرفع من كل تطويب. وليس للذتها مثيل.. السبح لك يا إلهي. فكما أنك عجيب، عجيبة هي أيضًا أسرارك.. فطوبى لمحبيك الذين بجمالك وبهائك يضيئون..”(4).

وقال أحد الرهبان “أنها لحظات تخرج النفس فيها عن هذا الزمان المحدود، وتحلق بعيدًا في خفة الروح حتى تتلامس بتلامس خفى -حلو للغاية- مع الغير المحدود.. مع أصل وغاية وجودها رب المجد، فتسكب فيها تيارات المحبة الإلهية الفياضة.. فتضحى النفس سكرى بمحبة إلهها الأطيب من الخمر.. وقد استقرت تمامًا في بيت الخمر السماوي..

إنها لحظات إشراق إلهي عجيب ومضيء للغاية.. إشراق إلهي خفي, يجذب النفس في ومضة فكر من هذا المجال المادي المحدود إلي ذلك المجال الإلهي غير المحدود, وأضحت سكري بإشراقات الحب الإلهي.. وقد استفزت تمامًا في بيت الخمر..

إنها لحظات تتفتح فيها مدارك النفس لتعي تمامًا وجود الله الذي السموات وسماء السموات لا تسعه.. لحظات تنفتح فيها أعين القلب لتعاين جمال الحبيب، وكأن النفس في وسط محيط لا حدود له.. ليس مجرد مجال روحاني، لكنه هو الله الذي لا حد له، والنفس تنعم بسرور مفرط، وتظفر فرحًا مع تموجات هذا المحيط الإلهي.. يكسوها خشوع روحاني عجيب.. وقد أمتلك رب المجد كل خلجة من خلجات القلب الصغير.. وأضحت النفس سكري بمفاعيل الحب الإلهي العجيب.. داخل بيت الخمر السماوي الذي للحبيب.. هي لحظات لا تنسي.. أنها تلك اللحظات المقدَّسة التي تسمو فيها النفس، وترفع أجنحتها كالنسور، فيجذبها رب المجد بعيدًا عن هذا المجتمع الضيق الذي للمنظورات ويدخلها إلي بيت الخمر السماوي.. وتقترب النفس إلي غير المقترب إليه.. وتسري في داخلها روحانية تفوق الوصف”(5).

وحتى غير المؤمنين الذين لم يتذوقوا محبة المسيح شعر المتصوُّفون منهم بمحبة الله وشبهوها بالخمر، فقالت رابعة العدوية:

 ” كأسي وخمري والنديم: ثلاثة         وأنا المشوقة في المحبة: رابعة

كأس المسرة والنعيم يديرها         ساقي المُدام علي المدى متتابعة

فإذا نُظرتُ فلا أرى إلاَّ له         وإذا حضرت فلا أري إلاّ معه”(6)

وقال الأستاذ مأمون الغريب عنها: (أن رابعة العدوية كانت تريد أن تشرب وتشرب من هذه الكأس الربانية، هذه الكأس التي يصعب وصفها، بل أن عمر بن الفارص كان وصفهُ رغم ما فيه من رقة المشاعر، يبدو غامضًا ما فيه من جمال وجلال دون أن تفهمه فهمًا حرفيًا، أنك تستشعر عمق هذا الحق لله، وإن صعب شرحه:

يقولون لي صفها فأنت بوصفها خبير أجل عندي بأوصافها علم

صفاءُ ولا ماءُ، ولطفُ ولا هوي ونورُ ولا نارُ، وروحُ ولا جسمُ

ومن المعروف أن الخمر بمفهومها الحرفي والتي حرَّمها الإسلام في هذه الأرض، قد حلّلها القرآن في الجنة “يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين، لا يصدعون عنها ولا يُنزفون (تذهب عقولهم)” (سورة الصافات 45) “يتنازعون فيها كأسًا لا لغو فيها ولا تاثيم” (سورة الطور 23) وفسرها النسفي وابن كثير علي أنهم يتعاطون الخمر.

3- “مَا أَجْمَلَ خَدَّيْكِ بِسُمُوطٍ، وَعُنُقَكِ بِقَلاَئِدَ!” (نش 1: 10).. “خَدُّكِ كَفِلْقَةِ رُمَّانَةٍ تَحْتَ نَقَابِكِ.” (نش 4: 3).

السموط هو الخيوط التي تجمع الجواهر، فتُكوّن عقود أو صفوف من الجواهر، ومفردها سمط أي عقد أو صف، وسبب جمال خدي العروس هنا هو السموط أي صفوف الجواهر، ومن صاحب هذه الجواهر؟ أنه العريس.. في القديم أرسل إسحق العريس الجواهر إلي رفقة العروس فازدانت بها، فالله هو الذي يُزيّن النفس البشرية “زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدام الله كثير الثمن” (1بط 3: 4) فيظهر علي النفس ثمار الروح القدس فتتحلي بالمحبة والفرح والسلام وطول الأناة واللطف والصلاح والإيمان والوداعة والتعفف مثل جواهر عديدة، ولكل جوهر بريقه ولمعانه.

وفي الترجمة السبعينية “ما أجمل خديك كحمامة ” وخدا الحمامة يشيران للبساطة والوداعة “فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ.” (مت 10: 16) وقال السيد المسيح “فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا” (مت 6: 22) كما يشير الحمام للطهارة فالزيجة لدي الحمام تتم مرة واحدة فقط، ولا ننسي أن الحمامة تشير للروح القدس كما رأينا في معمودية المسيح.

وعنقك بقلائد.. والقلادة هي العقد أو الكردان، فعندما رفع الله يوسف “وَخَلَعَ فِرْعَوْنُ خَاتِمَهُ مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَهُ فِي يَدِ يُوسُفَ، وَأَلْبَسَهُ ثِيَابَ بُوصٍ، وَوَضَعَ طَوْقَ ذَهَبٍ فِي عُنُقِهِ” (تك 41: 42).

وعندما وهب الله الحكمة لدانيال “حِينَئِذٍ أَمَرَ بَيْلْشَاصَّرُ أَنْ يُلْبِسُوا دَانِيآلَ الأَرْجُوانَ وَقِلاَدَةً مِنْ ذَهَبٍ فِي عُنُقِهِ،” (دا 5: 29) وفي سفر حزقيال يقول الله للنفس البشرية “وَحَلَّيْتُكِ بِالْحُلِيِّ، فَوَضَعْتُ أَسْوِرَةً فِي يَدَيْكِ وَطَوْقًا فِي عُنُقِك…. وَجَمُلْتِ جِدًّا جِدًّا، فَصَلُحْتِ لِمَمْلَكَةٍ.” (حز 16: 11، 13).

وعنقك بقلائد.. والقلادة كما علمنا الكتاب المقدَّس هي حفظ الوصية “يَا ابْنِي، احْفَظْ وَصَايَا أَبِيكَ وَلاَ تَتْرُكْ شَرِيعَةَ أُمِّكَ.اُرْبُطْهَا عَلَى قَلْبِكَ دَائِمًا. قَلِّدْ بِهَا عُنُقَكَ.” (أم 6: 20، 21) والقلادة هي السلوك بالرحمة والحق “لاَ تَدَعِ الرَّحْمَةَ وَالْحَقَّ يَتْرُكَانِكَ. تَقَلَّدْهُمَا عَلَى عُنُقِكَ.” (أم 3: 3) والقلادة هي تأديبات الرب لنا “اِسْمَعْ يَا ابْنِي تَأْدِيبَ أَبِيكَ، وَلاَ تَرْفُضْ شَرِيعَةَ أُمِّكَ،لأَنَّهُمَا إِكْلِيلُ نِعْمَةٍ لِرَأْسِكَ، وَقَلاَئِدُ لِعُنُقِكَ.” (أم 1: 8، 9) والقلادة هي حمل نير المسيح “اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ….. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ” (مت 11: 29، 30) أما العنق الذي بلا قلادة فهو عنق صلب الرقبة كما كان اليهود “رَأَيْتُ هذَا الشَّعْبَ وَإِذَا هُوَ شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ.” (خر 32: 9).

خدك كفلقة رمانة.. فمن الخدين يظهر جمال الإنسان أو قبحه، والخدان كجزء رئيسي في الوجه نستشف منهما انفعالات الإنسان إذا كانت انفعالات فرح أو حزن.. سلام أو ضيق.. سعادة أو ضجر، ودائمًا نجد الكنيسة مشرقة لأن خداها كفلقتي رمانة.

خدك كفلقة رمانة.. فالرمان يشير للحياة الغنية بسبب كثرة البذور، وأيضًا الرمان علامة الزينة، ولذلك زُين به ثوب رئيس الكهنة “وَتَصْنَعُ جُبَّةَ الرِّدَاءِ كُلَّهَا مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ… وَتَصْنَعُ عَلَى أَذْيَالِهَا رُمَّانَاتٍ مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوانٍ وَقِرْمِزٍ” (خر 28: 31، 33) وعمودا ياكين وبوعز لهما تاجان “وَعَمِلَ لِلْعَمُودَيْنِ صَفَّيْنِ مِنَ الرُّمَّانِ فِي مُسْتَدِيرِهِمَا عَلَى الشَّبَكَةِ” (1 مل 7: 18).

كفلقة رمانة.. أي إظهار ما في باطنها من بذور حمراء بحمرة الدم، فسر جمالها هو دم المسيح الذي تحيا به.

تحت نقابك.. ليس النقاب بقصد الإخفاء ولكن بقصد الحشمة والحياء لأن كل مجد ابنة الملك من داخل، وهذا يتمشي مع مبادئ الموعظة علي الجبل مثل ممارسة الأمور الروحية من صوم وصلاة وصدقة في الخفاء.

4- “صُرَّةُ الْمُرِّ حَبِيبِي لِي. بَيْنَ ثَدْيَيَّ يَبِيتُ” (نش 1: 13)

 المر سائل لزج يسيل من أشجار شوكية في بلاد العرب والهند ويُسمي Balsamo Dendron myrrha المر القاطر، وكان من العادات القديمة أن تُعلّق الفتاة سلسلة بها صرة مر قاطر فتستقر تحت الملابس بين الثديين وتفيح رائحته الذكية(7).

وصرة المر تشير لآلام المسيح العبد المتألم الذي قدم له المجوس في طفولته مرًّا، وعلي الصليب قدموا له خلًا ممزوجًا بمرارة “مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ” (أش 53: 3) وعند تكفينه أحضر نيقوديموس مر وعود نحو مئة منًا. كما أن صرة المر تشير للتعاليم الخاصة بالتجسد الإلهي كما قال العلامة أوريجانوس.

صرة المر حبيبي لي.. فهو الذي قال “لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي.) (يو 15: 15)

حبيبي لي.. وقد امتلكته وسأحتفظ به في أفضل مكان في قلبي بين ضلوعي، ومتى ملك حياتي.

بين ثديي يبيت.. تشبيه مأخوذ من العادات القديمة حيث كانت تُعلِق الزوجة صورة زوجها الغائب في عنقها علامة لمحبتها وإخلاصها له.

بين ثديي.. قال الله للإنسان “يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ” (أم 23: 26)

وفي القديم قال الله علي لسان هوشع النبي “حَاكِمُوا أُمَّكُمْ حَاكِمُوا، لأَنَّهَا لَيْسَتِ امْرَأَتِي وَأَنَا لَسْتُ رَجُلَهَا، لِكَيْ تَعْزِلَ زِنَاهَا عَنْ وَجْهِهَا وَفِسْقَهَا مِنْ بَيْنِ ثَدْيَيْهَا” (هو 2: 2) فالنفس يجب أن تتطهر من الفسق والآِثام حتي يجد الله موضعًا مريحًا فيها.

بين ثديي يبيت.. أي يستريح، ففي وسط الظلمة الخطية لا يجد السيد المسيح مكانًا يستريح فيه إلاّ قلوب المؤمنين، ومن يستريح المسيح في قلبه يحب أن يعتزل عن شهوات العالم ولا يحن ويشتاق إليها.

بين ثديي يبيت.. كقول بولس الرسول “لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ” (أف 3: 17).

5- “هَا أَنْتَ جَمِيلٌ يَا حَبِيبِي وَحُلْوٌ، وَسَرِيرُنَا أَخْضَرُ” (نش 1: 16)

ها أنت جميل يا حبيبي.. في الآية السابقة قال العريس للعروس “هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي، هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ. عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ.” (نش 1: 15) فلم تنشغل بجمالها ولم تتباهي به، إنما انشغلت بالعريس ونظرت إليه قائلة ها أنت جميل يا حبيبي.

ها أنت جميل يا حبيبي وحلو.. كنت فيما سبق أعرف عنك أما الآن فعرفتك “أَنْتَ أَبْرَعُ جَمَالًا مِنْ بَنِي الْبَشَرِ.” (مز 45: 2) أما بالنسبة لليهود الذين لم يعرفوك فكنت بالنسبة لهم “كَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ.” (أش 53: 2) عرفتك وتذوقتك فإذ أنت حلو “ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!” (مز 34: 8).. “طَيِّبٌ هُوَ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يَتَرَجَّوْنَهُ، لِلنَّفْسِ الَّتِي تَطْلُبُهُ.” (مرا 3: 25) حلو في رعايتك.. حلو في محبتك.. حلو في صبرك وطول أناتك.. حلو في افتقادك لأولادك.. حلو في مراحمك للخطاة.. حلو في عطاياك.

وسريرنا أخضر.. السرير يرمز للراحة، فبعد عناء يوم طويل يجد الإنسان راحته علي سريره، والسرير يرمز للهدوء والاسترخاء والسكينة والطمأنينة “اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ، فِي ظِلِّ الْقَدِيرِ يَبِيتُ.أَقُولُ لِلرَّبِّ: «مَلْجَإِي وَحِصْنِي. إِلهِي فَأَتَّكِلُ عَلَيْه»… بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ، وَتَحْتَ أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي.” (مز 91: 1-4) واللون الأخضر علامة الحياة والإثمار.

سريرنا أخضر.. كقول مرنم إسرائيل الحلو “فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي.” (مز 23: 2).. “أَمَّا أَنَا فَمِثْلُ زَيْتُونَةٍ خَضْرَاءَ فِي بَيْتِ اللهِ.” (مز 52: 8).

سريرنا.. رمز للشركة الهادئة معه “تَعَالَوْا أَنْتُمْ مُنْفَرِدِينَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَاسْتَرِيحُوا قَلِيلًا” (مر 6: 31) وقول العروس “سريرنا ” إشارة للسرور المتبادل فالنفس تفرح بالله، وهو يقول “لَذَّاتِي مَعَ بَنِي آدَمَ.” (ام 8: 31).. “فَيَلَذُّ لَهُ نَشِيدِي، وَأَنَا أَفْرَحُ بِالرَّبِّ.” (مز 104: 34) وهكذا نالت السامرية الخلاص، وخلاصها كان طعامًا للسيد المسيح، فبعد أن أحضر التلاميذ الطعام له قال لهم “أَنَا لِي طَعَامٌ لآكُلَ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ أَنْتُمْ” (يو 4: 32) وكما يجد الخاطئ شبعه في الرب، فإن الرب يجد شبعه في عودة الخاطئ “فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ،لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالًا فَوُجِدَ” (لو 15: 23، 24) وكما قال السيد المسيح “يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ.” (يو 15: 11) وقال عمن يقبله “أَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي.” (رؤ 3: 20)

سريرنا أخضر.. إشارة إلي جسد السيد المسيح، فبعد أن أخذ طبيعتنا البشرية جسدًا وروحًا استرحنا فيه كما في حديقة خضراء، وأيضًا إشارة إلي جسدنا بعد الفداء والذي استراح فيه روحه القدوس “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟” (1كو 3: 16).. “فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: «إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا.” (2كو 6: 16).

6- “شِمَالُهُ تَحْتَ رَأْسِي وَيَمِينُهُ تُعَانِقُنِي” (نش 2: 6)

إذ قالت العروس في الآية السابقة “أَسْنِدُونِي بِأَقْرَاصِ الزَّبِيبِ. أَنْعِشُونِي بِالتُّفَّاحِ، فَإِنِّي مَرِيضَةٌ حُبًّا” (نش 2: 5) فجاءت لها الإجابة سريعًا حتى أنها قالت ” شماله تحت رأسي “.. ترفعني من ضعفاتي، وتصير كوسادة نستريح عليها رأسي بالمواعيد الإلهية، فالرأس المثقلة بالانشغالات والانفعالات والهموم والمشاكل والمخاوف تستريح علي ذراع المسيح.

ويمينه تعانقني.. كقول أبينا يعقوب في بركته لبنيامين “حَبِيبُ الرَّبِّ يَسْكُنُ لَدَيْهِ آمِنًا. يَسْتُرُهُ طُولَ النَّهَارِ، وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ يَسْكُنُ” (تث 33: 12).

ويمينه تعانقني.. اليمين التي اختبرنا داود النبي فقال “تُعَرِّفُنِي سَبِيلَ الْحَيَاةِ. أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى الأَبَدِ” (مز 16: 11) وتضرع لله قائلًا “احْفَظْنِي مِثْلَ حَدَقَةِ الْعَيْنِ. بِظِلِّ جَنَاحَيْكَ اسْتُرْنِي” (مز 17: 8) وسبح الله قائلًا “أُعَظِّمُكَ يَا رَبُّ لأَنَّكَ نَشَلْتَنِي وَلَمْ تُشْمِتْ بِي أَعْدَائِي.” (مز 30: 1).. “مَا أَكْرَمَ رَحْمَتَكَ يَا اَللهُ! فَبَنُو الْبَشَرِ فِي ظِلِّ جَنَاحَيْكَ يَحْتَمُونَ.” (مز 36: 7).. “اِلْتَصَقَتْ نَفْسِي بِكَ. يَمِينُكَ تَعْضُدُنِي.” (مز 63: 8).

ويمينه تعانقني.. مثل الحمل الصغير في حضن الراعي “هُوَذَا السَّيِّدُ الرَّبّ…. كَرَاعٍ يَرْعَى قَطِيعَهُ. بِذِرَاعِهِ يَجْمَعُ الْحُمْلاَنَ، وَفِي حِضْنِهِ يَحْمِلُهَا، وَيَقُودُ الْمُرْضِعَاتِ” (أش 40: 10، 11)

ويمينه تعانقني.. أي تعضدني وتكشف لي عن محبته الأبدية كما كشفت ليوحنا وهو في المنفي بجزيرة بطمس “فَلَمَّا رَأَيْتُهُ سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَيَّ قَائِلًا لِي: «لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ” (رؤ 1: 17) فاليد التي رآها مسمَّرة علي الصليب، هي التي رآها بعد القيامة تحمل آثار المسمار وتوما يلمسها بأصبعه، هي التي رآها صاعدة إلي السماء ومرفوعة بالبركة، وهي التي عاد ينظرها وقد وضعت عليه بحنان بالغ عندما سقط كميت لتقيمه.

ويقول نيافة الأنبا يؤانس الأسقف العام “وعندما نتذوق نحن هذه الأحضان الإلهية.. عندما يأتي إلهنا القدوس، ويسند رؤوسنا المثقلة علي شماله.. ويمينه المباركة تعانق نفوسنا بملء حبه وحنانه.. لست أدري يا أخوتي ماذا ستكون مشاعرنا آنذاك..؟ أخال أننا سننسي العالم كله بأنينه وأوجاعه وأفراحه، وندخل في حالة سبي روحاني فائق للغاية.. يا تري كم ستتهلل أرواحنا؟! وكم ستبتهج نفوسنا بعظيم صنيع الرب معنا..؟! يا تري كم ستختلج قلوبنا بالكثير والكثير، ونحن في أحضان إلهنا الحبيب..؟! لست أدري يا إخوتي.. كل ما أدريه أننا سنتهلل وننشد مع عروس النشيد بنشيدها الجميل شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني”(8).

7- “فِي اللَّيْلِ عَلَى فِرَاشِي طَلَبْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي. طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ” (نش 3: 1)

فبعد أن قالت العروس “حَبِيبِي لِي وَأَنَا لَهُ. الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ.إِلَى أَنْ يَفِيحَ النَّهَارُ” (نش 2: 16، 17) فقدت الإحساس بقربه فدخلت في ظلمة الليل.

في الليل.. أي في ظلمة الخطية، وعلي فراشي.. أي في كسلي وتهاوني ورقادي وبعدي عن إلهي.

طلبت من تحبه نفسي.. فرغم تهاوني وخطيتي إلاّ أنني مازلت أحب إلهي، مثلما أنكر بطرس سيده وقت ظلمة الليل وفي لحظات الضعف، وبعد القيامة لم يسأله سيده عن سبب الإنكار، إنما سأله: أتحبني يا بطرس؟، فأجاب: نعم.. يا رب أنت تعلم كل شيء.. أنت تعلم أنني أحبك.

طلبته فما وجدته.. العروس طلبت العريس ولم تجده لأنه في حالة تراخي وخطية “تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ.” (يع 4: 3).

طلبت من تحبه نفسي، طلبته فما وجدته.. هذا لسان حال الكنيسة وعريسها في القبر، والمريمات والتلاميذ يلتمسونه ولا يجدونه، ولكن بعد فترة وجيزة التقوا معه في فجر القيامة.

8- “أَدْخَلَنِي الْمَلِكُ إِلَى حِجَالِهِ” (نش 1: 4).. “فَأَمْسَكْتُهُ وَلَمْ أَرْخِهِ، حَتَّى أَدْخَلْتُهُ بَيْتَ أُمِّي وَحُجْرَةَ مَنْ حَبِلَتْ بِي” (نش 3: 4).

أدخلني الملك إلي حجاله.. عندما طلبت العروس أن يجذبها وراءه فتجري هي وبقية العذاري جاءت الإجابة السريعة إذ أدخلها الملك إلي حجاله، وبتعبير المزمور “قُصُورِ الْعَاجِ” (مز 45: 8) وكشف لها عن مجد ألوهيته، فوقفت في صمت ووقار وخشوع تتأمل في جمال الحبيب وتنبهر بطلعته البهية.

أدخلني الملك.. فالنفس لا تقدر بقوتها الذاتية أن تدخل إلي حجال الملك، وتحتاج للعريس الذي يلتقطها، كما ألتقط نوح الحمامة بعد عودتها ولم تجد مستقرًا علي الأرض “فَمَدَّ يَدَهُ وَأَخَذَهَا وَأَدْخَلَهَا عِنْدَهُ إِلَى الْفُلْكِ.” (تك 8: 9).

أدخلني الملك إلي حجاله.. والحجال هو الكنيسة بيت مقدسه التي اشتاق إليها داود النبي “وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ.” (مز 27: 4) وكما قال المرنم “مَا أَحْلَى مَسَاكِنَكَ يَا رَبَّ اتَشْتَاقُ بَلْ تَتُوقُ نَفْسِي إِلَى دِيَارِ الرَّبِّ. قَلْبِي وَلَحْمِي يَهْتِفَانِ بِالإِلهِ الْحَيِّ….لأَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا فِي دِيَارِكَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ.” (مز 84: 1 – 10).

فأمسكته ولم أرخه.. كما حدث مع مريم المجدلية ومريم الأخرى “فَتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ.” (مت 28: 9) وكما حدث مع تلميذيّ عمواس “فَأَلْزَمَاهُ قَائِلَيْنِ: «امْكُثْ مَعَنَا، لأَنَّهُ نَحْوُ الْمَسَاءِ وَقَدْ مَالَ النَّهَارُ». فَدَخَلَ لِيَمْكُثَ مَعَهُمَا.” (لو 24: 29)

أدخلته بيت أمي وحجرة من حبلت بي.. فالعروس دخلت إلي حجال الملك من خلال مخدع الصلاة وتمتعت بجماله وجلاله، وها هي تدعوه إلي سكني قلبها..أدخلت عريسها إلي بيت أمها بيت النعمة، وحجرة الأم هي حجرة المحبة.

9- “شَفَتَاكِ كَسِلْكَةٍ مِنَ الْقِرْمِزِ، وَفَمُكِ حُلْوٌ.” (نش 4: 3).. “شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُ تَقْطُرَانِ شَهْدًا. تَحْتَ لِسَانِكِ عَسَلٌ وَلَبَنٌ” (نش4: 11).. “خَدَّاهُ كَخَمِيلَةِ الطِّيبِ وَأَتْلاَمِ رَيَاحِينَ ذَكِيَّةٍ. شَفَتَاهُ سُوْسَنٌ تَقْطُرَانِ مُرًّا مَائِعًا” (نش 5: 13)

 

تفسير الآيات التي تلقى هجوما من سفر النشيد

الآراء الخاطئة التي ترفضها الكنيسة بالنسبة لتفسير سفر النشيد

الآراء الخاطئة التي ترفضها الكنيسة بالنسبة لتفسير سفر النشيد

الآراء الخاطئة التي ترفضها الكنيسة بالنسبة لتفسير سفر النشيد

 

57- ما هي الآراء الخاطئة التي ترفضها الكنيسة بالنسبة لتفسير سفر النشيد؟

رابعًا: آراء مرفوضة في تفسير السفر:

ج: رغم صغر سفر نشيد الأناشيد فإنه لقى معارضة كبيرة على مدار التاريخ لم يلقاها سفر مثله، وكثيرون أخذوا السفر بالمعنى الحرفي، ثم تساءلوا إن كان السفر هكذا، فلماذا أُدرج ضمن الأسفار المقدسة، وفيما يلي نعرض لبعض هذه الآراء الخاطئة:

1- في سنة 250م قال “أوريجانوس” بأن هذا السفر هو عبارة عن نشيد زفاف كتبه سليمان على شكل قصة، ولكن قوله هذا لم يجد قبولًا حينذاك.

2- هاجم “ثيؤدور” أسقف موبسويست الذي مات سنة 429م هذا السفر، وقال أنه غزل فاضح وحب شهواني، أنشده سليمان يوم زفافه من ابنة فرعون، ومن الخطأ إدراجه ضمن الأسفار المقدَّسة، ولكن مجمع القسطنطينية الثاني سنة 553 م. أدان ثيؤدور على قوله هذا، بالإضافة إلى هرطقاته الأخرى وحكم بالحرم عليه هو وأوريجانوس، وفي القرن السادس عشر أعاد “سباستيان كاستليو” قول ثيؤدور المبسويستى ولكن جون كالفن رفض هذا، وأمر بطرد سباستيان من جنيف، وللأسف فأنه مازال البعض يؤيدون فكر ثيؤدور، فيقول د.ق. صموئيل يوسف “وربما يكون مثل ثيؤدور على حق في ذلك كما يرى علماء آخرون، لأن السفر يُمجَد الحب الإنساني ويُظهر ماله من قيمة عظمى ونقاوة وطهرًا وقداسة، وهي حقيقة طالما أغفلت من الكثيرين. فالسفر تعليمي أخلاقي، وبهذا المعنى يتحدث إلينا في عالم امتلأ بالخطية والفساد والانحلال والشهوات والتجارب التي تحيط ببني الإنسان، وتدمر العلاقة الزوجية بين الأزواج، وهنا يُقدم السفر نموذجًا رائعًا للعلاقة بين زوجين مخلصين آمنين لبعضهما، كرمز للولاء وتكريس الواحد للآخر”(1).

وربط القس صموئيل يوسف بين ما جاء في هذا السفر وبين ما جاء في الأدب المصري القديم من قصص الحب العاطفي فقال “وهناك تشابه بين سفر النشيد وقصائد الشعر العاطفي في مصر قديمًا (الأسرة 19، و20) ففي سفر النشيد سُمعت أنشودة اليمامة في أرضنا وفصل الربيع هو زمن الحب (2: 12- 13) يقابله في قصائد الحب المصرية قديمًا صوت العصفور الذي ينادى على الفتاة المصرية أن تخرج للتأمل في جمال الطبيعة في الخلاء ليتدفق الحب الحقيقي بلا وجل أو رسميات “مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة والسيول لا تغمرها” (8: 7) كذلك الحال أيضًا مع المحب الإنسان المصري الذي لا تعيقه المياه، ولا التماسيح تقدر أن تفصله عمن أحب {إن غرام حبيبتي يقفز على شاطئ الغدير، في الظلام تمساح رابض، ولكنى أنزل إلى الماء وأواجه الأمواج. ويشتد بأسى فوق الغدير، ويكون الماء هو والأرض تحت قدمي سواء. لأن حبها يملأ قلبي قوة}(2)(3).

ثم يبرَّر القس صموئيل وجود هذا ا لسفر ضمن الأسفار المقدَّسة “وتتردد الأسئلة العديدة مرات ومرات: إذا كان سفر النشيد لا يزيد عن كونه تعبيرًا عن حب إنساني عميق نقى، ملؤه الطهر وخوف الله بين الأزواج، فلماذا وُضع بين الكتب المقدَّسة؟ وفي هذا يقول إدوارد يونج Y. Young طالما وُجدت النجاسة في هذا العالم، فنحن في مسيس الحاجة إلى سفر النشيد، والسؤال الأصوب هو: ماذا يقول الكتاب المقدَّس عن العلاقة بين الزوجين؟ لقد أراد الله أن يعلَم الإنسان نقاوة وقدسية الزواج الذي أسَّسه هو نفسه في جنة عدن حينما قال أثمروا..

وعندما نقرأ سفر النشيد تتطهر قلوبنا أكثر. وندرك حقيقة التجربة وبشاعتها التي يسقط فيها عدد غير قليل من جراء عدم الأمانة بين المتزوجين. فالسفر هدفه أخلاقي تعليمي، وبه ندرك لماذا أعطانا الله إياه، لأن الجميع زاغوا وفسدوا، والمحبة التي يتحدث عنها السفر تعد في ذاتها صدى للمحبة الإلهية، ومحبة الله أساس كل محبة نقية طاهرة بل هو نبعها”(4) ويقف ضد هذا التفسير الحرفي آيات عديدة في السفر تتعارض مع الحب الطبيعي كما سنرى.

3- قال البعض أنها قصة حب فاشلة للملك سليمان، فقالوا “في إحدى رحلات سليمان إلى شمال إسرائيل ولبنان شاهد فتاة جميلة تُدعى شولميث (6: 13) وكانت تعمل في الحقل (6: 11) فأمر جنوده أن يحضروها إلى مركبته (6: 12) قاصدًا أن يأخذها معه إلى أورشليم (4: 8) ليتزوجها وبالفعل ضمها إلى مجموعة نساءه وجواريه وكان عددهن في ذلك الوقت قد وصل إلى ستين ملكة وثمانين سرية (6: 8) ولكن قلب شولميث كان متعلقًا بحبيبها الذي يعمل راعيًا للغنم في لبنان (6: 3) فرفضت أن تتزوج سليمان حتى بعد أن بدأ سليمان في إقامة الاحتفالات الفاخرة استعدادًا للزفاف (3: 11) وحاولت الفتاة الهرب فمنعها الحراس (5: 7) واستمرت مراسم العرس عدة أيام كعادة ذلك الزمان وخلالها حاول سليمان استمالتها تارة بالغزل وتارة بالوعود وبكل الوسائل (6: 4- 11) واشتركت بنات القصر وجواريه في محاولة التقليل من شأن حبيبها (5: 9) إذا قورن بسليمان ولكن نظرًا لشدة حبها له وكثرة كلامها عنه تبدل موقفهن للتعاطف معها (6: 1) وفي كل مرة كان سليمان يحدثها بكلامه الجميل ويبثها أشواقه كانت تجيبه بحبها للراعي وأن قلبها معه، لذلك اضطر سليمان بعد أن فشل في استمالة قلبها أن يطلق سراحها (6: 13) فأسرعت إلى بلدتها وإلى حبيبها الراعي في لبنان، وظهرت مع حبيبها وفرح الناس هناك عندما رأوها لشدة إخلاصها وحبها له ورفضها لسليمان (8: 5) فقالت للناس أن كل ما فعلته هو بسبب الحب الذي يكنه قلبها للراعي وأن ذلك الحب لا تطفئه أي قوة (8: 6-7)(5). ثم يقول هاني ماهر أن شولميث مثال للمؤمن والراعي الغائب مثال للسيد المسيح.

4- وقال البعض أن الملك سليمان رأى امرأة جميلة تحرس الكروم، فهربت من أمامه، فتنكَر في زى راعى وفاز بحبها فجاء في التفسير التطبيقي “ونشيد الأنشاد هو قصة علاقة حميمة بين رجل وامرأة، قصة الحب بينهما وتوددهما وزواجهما. إن نشيد الإنشاد قصة درامية حيَّة، تصوَر حوار المحبة بين فتاة يهودية بسيطة (من شولميث) وحبيبها (الملك سليمان) ويصف السفر بالتفصيل مشاعرهما من نحو أحدهما الآخر، وأشواقهما للالتقاء معًا وطوال الحوار نجد الجنس والزواج في موضعهما الصحيح كما قصدهما الله. لقد دار جدل كثير حول معنى النشيد، فيقول البعض أنها قصة رمزية عن محبة الله لشعبه القديم أو الكنيسة. ويقول البعض الأخر أنها قصة واقعية عن المحبة الزوجية. وهي في الحقيقة تعبر عن كليهما معًا.. كثيرًا ما كان الملك سليمان يزور المناطق المختلفة في مملكته. ويومًا ما عند زيارته لبعض الكروم الملكية في الشمال، وقع بصره فجأة، وهو وسط حاشيته، على امرأة فلاحة جميلة تحرس الكروم، فارتبكت وجرت منهم، ولكن سليمان لم يستطع أن ينساها. وأخيرًا تنكر في شكل راع، ورجع إلى الكروم وفاز بحبها، وأعلن لها حقيقته. وطلب منها أن تعود إلى أورشليم معه، وأن تصبح ملكة معه.. وكانت الفتاة التي استرعت انتباه سليمان، من شولم (يرى الكثيرون أنها شونم) وهي منطقة زراعية تبعد نحو تسعين كيلو مترًا إلى الشمال من أورشليم، وتدل بشرتها السمراء على أنها كانت تعمل في الخلاء في الكروم (1: 6)(6).

وقال جورديس Gordis بأن السفر كُتب بمناسبة إحدى زيجات سليمان من أميرة أجنبية، وقال “ديليش” Delitysh أنها ليست أميرة لكنها فتاة من عائلة متواضعة في مكان أقصى من الجليل(7).

5- اعتبر البعض هذا السفر أنه نشيد من أناشيد الزفاف، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فجاء في التفسير الحديث. وفي سنة 1873م قام قنصل ألمانيا في سوريا (ج. ج. وتزستين Wetzetein) بنشر مقال عن عادات الزواج عند أهل الريف في المنطقة، ووصف العديد من الممارسات التي تشبه ما جاء في النشيد “كتتويج ” العروس والعريس كملك وملكه (1: 4) وأغاني الحرب كجزء من الاحتفالات (3: 6 – 8) ورقص السيوف تقوم به العروس (6: 13) وقصائد وصفية تسمى (الأوصاف) (7: 1-5) تُنشد تكريمًا لهما، كل ذلك كان سمة احتفالات الزواج والتي كانت تمتد لمدة أسبوع.. بالطبع ليس هناك دليل على وجود أي علاقة بين الاحتفالات العربية في القرن التاسع عشر والحياة العبرية القديمة(8)..

وقال البعض أن السفر عبارة عن رواية مسرحيَة، والبعض رفض هذا الرأي، فيقول القس ج. لويدكار أستاذ الدراسات الكتابية واللاهوتية كلية غورنون والذي وضع التفسير الحديث لهذا السفر. وخبرتي الشخصية في مجال الإنتاج والإخراج المسرحي قد أقنعتني أن النشيد بوضعه الحالي غير قابل للتمثيل، ومن المستحيل أيضًا أن يكون النشيد صالحًا لأن يكون رواية مسرحيَة ذات مغزى دون إعادة كتابته ككل من جديد. ثم أنه بحاجة للتأثير الدرامي الذي يجذب الجمهور..”(9) بالإضافة إلى أن الأدب العبري لم يعرف الرواية المسرحيَّة كما عرفها الأدب اليوناني، ولذلك يمكن أن نطلق على السفر شعر مسرحي وليس رواية مسرحيّْة.

كما أدعى البعض أن السفر مجرد رسالة عشق من الملك سليمان إلى عشيقته، وهذا أمر مردود عليه، لأن العشق يتولد من الرغبات بعيدة المنال، بينما سليمان كملك لم تكن هناك رغبة بعيدة المنال بالنسبة له، فهو القائل “اتخذت لنفسي مغَنين ومغنيات وتنعمات من بنى البشر سيدة وسيدات.. ومهما اشتهته عيناي لم أمسكه عنهما” (جا2: 8، 10) فمادام كل شيء سهل المنال بالنسبة له، فلا يوجد الدافع للعشق، ولذلك قالوا أن الملوك لا يعشقون لأنهم عندما يشتهون يملكون، وعندما نرى سليمان الملك يعشق فلابد أنه يعشق العشق الإلهي “أنا لحبيبي وإلىْ اشتياقه” (نش 7: 10).

_____

(1) المدخل إلى العهد القديم ص343.

(2) دول ديورانت قصة الحضارة – ترجمة محمد بدران- المجلد الأول من ج 2 ص113 – 116.

(3) المرجع السابق ص 344.

(4) المدخل إلى العهد القديم ص344.

(5) د. هانى ماهر – دراسات تفسيرية في سفر نشيد الأناشيد ص20، 21.

(6) التفسير التطبيقي ص: 1364-1366.

(7) التفسير الحديث ص15.

(8) التفسير الحديث للكتاب المقدس – نشيد الإنشاد ص25.

(9) المرجع السابق ص23.

الآراء الخاطئة التي ترفضها الكنيسة بالنسبة لتفسير سفر النشيد

التفسير اليهودي لسفر نشيد الأنشاد هل هو رمزي؟ ترجمة: مريم سليمان

التفسير اليهودي لسفر نشيد الأنشاد هل هو رمزي؟ ترجمة: مريم سليمان

التفسير اليهودي لسفر نشيد الأنشاد هل هو رمزي؟ ترجمة: مريم سليمان

التفسير اليهودي لسفر نشيد الأنشاد هل هو رمزي؟ ترجمة: مريم سليمان

 

عندما أعدم الرومان الحاخام عكيفا بلا رحمة قال لطلابه: “طوال حياتي كانت تؤرقني هذه الآية ʼʼتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ … مِنْ كُلِّ نَفْسِكَ‘ – حتى لو أخذ روحك. متى ستتاح لي الفرصة لتحقيق ذلك؟” ثم تلا الحاخام عكيفا الشيما Shema، وصعدت روحه عندما وصل إلى كلمة واحد echad، معلنًا وحدانية الله (Berachot 61b).

يقول الحاخام عكيفا: “كان اليوم الذي حصلت فيه إسرائيل على نشيد الأنشاد أعظم يوم. الكون كله غير جدير باليوم الذي أعطي فيه سفر نشيد الأنشاد لإسرائيل. جميع الكتابات في الكتاب المقدس قُدس لكن نشيد الأنشاد هو قدس الأقداس (Yadaim 3,5)

وهذا يعني أن جميع أسفار الكتاب المقدس لها تفسير بسيط وتفسير ديراش derash لكن نشيد الأنشاد ليس له معنى بسيط، بل فقط تفسير ديراش derash (الحاخام شمعون شواب Shimon Schwab في M’ein Bais Hashoeva)[1].

كان نهج الحاخام شواب Schwab في تفسير سفر نشيد الأنشاد شائعًا جدًا في وقت مبكر، وهو السفر المحفوظ في مجموعتي تارجوميم ومدراش. وربما يكون أقرب مصدر هو المشناه في Taanit 4,8. وفي عصرنا الحالي، يتجنب Shir Hashirim / Song of Songs: An allegorical translation based on Rashi with a commentary anthologized from Talmudic, Midrashic and Rabbinic sources لـ Artscroll تفسير بيشات peshat تمامًا لصالح الرمزية، وذلك كما هو موضح في مقدمته.

لكن الحقيقة هي أنه لا يمكن للمرء أن يطلق على شيء ليس له معنى بسيط ديراش derash. عندما تقول أن كتابًا ما ليس له معنى بسيط فإنك تصفه بأنه رمزي. وعندما وصف الحاخام شواب هذا النهج بأنه ديراش derash كان يقصد بلا شك أنه رمزي، وهو ما يمكن أن يكون قد اعتبره نوعًا من تفسير derash. ومع ذلك، بالنسبة لي، فإن الفرق بين الرمزية الحقيقية وderash هو أن الأولى تنفي أي معنى سطحي، في حين أن تفسير derash يتواجد مع  تفسير peshat، أي التفسير البسيط.

إن الرمزية هي في نهاية المطاف امتداد لمفهوم الاستعارة. في الاستعارة، يشير المصطلح إلى مصطلح آخر ولكنه في حد ذاته ليس له معنى. عندما نقول إن عيون الحبيب هي نجوم فإننا نعني أنها تلمع مثل النجوم أو أنها جميلة مثلها. لكننا لا نشير بأي حال من الأحوال إلى أنها نجوم بالفعل.

كلمة نجم هي استعارة، وهي ترمز لصفة ما، مثل اللمعان أو الجمال. والرمزية تعكس هذه العلاقة. في الرمزية، لا يوجد معنى بسيط – فقط المعنى المجازي موجود بالفعل. ومن ناحية أخرى، لا ينفي تفسير derash حقيقة تفسير pshat ولكنه يقترح معنىً ثانويًا أو إضافيًا. عندما تسمح الرمزية بالمعنى البسيط المباشر وتتعايش معه فإنها لا تبقى رمزية – تُسمى derash.

وطريقة التفسير بالرمزية مألوفة لنا من كتابات فيلو Philo الذي تبناها، كما استخدمها آباء الكنيسة، بدءًا من رسالة باراباس، الفصل 10 التي تعبِّر بالرمزية عن القوانين الغذائية. وقد عملت الرمزية على أيديهم على تجريد الكتاب المقدس العبري (التناخ) من معناه ونسبت إليه أي معنى يخدم غاياتهم اللاهوتية بشكل أفضل. لم يعد للوصية الخاصة بعدم أكل الخنازير الآن معنى آخر بالإضافة إلى منع تناول لحم الخنزير، ولكن الآن لها فقط معنى رمزي يمكن بموجبه تناول لحم الخنزير.

بمجرد أن نفهم المصطلحات وما تعنيه سنتذكر أن طريقة الرمزية قد استخدمها المترجمون اليونانيون من أجل جعل أساطيرهم تتوافق مع الفلسفة وإنكار معانيها الحرفية بالضرورة، وهي المعاني التي كانوا محرجين منها. وفي حين أنه من المؤكد أنه استُخدمت أحيانًا في المصادر اليهودية التقليدية أيضًا، وهذا النهج فيما يخص Shir Hashirim هو فقط مثال واحد [2]، فإن طريقة الرمزية لم تكن شائعة الاستخدام في التفسير اليهودي.

قد نرغب بعد ذلك في التفكير في نهج لنشيد الأنشاد لا يكون فقط رمزيًا بشكل صريح بل يدمج ويجمع كلًا من طريقة الرمزية وأسلوب المعنى البسيط. ولحسن الحظ، فإن الطريق قد صار ممهدًا بفضل مترجمين مثل راشي وابن عزرا وراشبام وكثيرين غيرهم [3].

وبدلًا من ذلك فإن ما أقترحه كنهج لهذه السلسلة من المحاضرات هو أن مفتاح هذا السفر الكتابي الفريد والمدهش هو مفهوم النموذج. حب الفتاة الراعية وحبيبها هو نموذج للحب بين الله وإسرائيل وبين الإنسان وخالقه. هناك تفسير peshat وهناك تفسير derash، وأحيانًا هناك حتى رمزية. كل من المعنى السطحي والمعنى المجازي وكل من تفسير peshat وتفسير derash صحيحان في نفس الوقت لأنهما واحد. كما هو الحال في النُهج القبالية kabbalistic، تخترق نفس المفاهيم مستويات متعددة وتغيِّر تعبيرها بناءً على وضع تلك المستويات وموقعها، ولكنها تبقى، في جوهرها، هي نفسها [4]. الحب هو العامل الموحد الذي يغرس كل المستويات الروحية والجسدية، وهو قد عبِّر عن نفسه بكلمات وظلال مختلفة ولكنه يبقى في الأساس كما هو.

 

[1] للدراسات المتقدمة: فيما يخص بعض المشكلات المتعلقة بهذا التعريف، انظر كيف يفهم رمبام Rambam تعبير قدس الأقداس في نهاية قوانين شميتا Shemitta ويوفيل Yovel (أنه يمكن لأي شخص الانتقال من غير المقدس إلى قدس الأقداس)، ومقدمة تفسير الحاخام شلومو الكابتز Shlomo Alkabetz لـ Shir Hashirimm Ayelet Ahavim والتي توضح أن هذا يشير إلى أقسام الهيكل. القدس وقدس الأقداس هما اسمان وليسا صفتين)، وShabbat63a.

[2] https://www.avakesh.com/2009/07/midrash-and-allegory.html

[3] https://thetorah.com/song-of-songs-the-emergence-of-peshat-interpretation/

[4] ومع ذلك، هناك بعض الاختلافات الواضحة في التعبير عن الفكرة بين المستويات، وهي اختلافات تعقِّد هذا النهج. على سبيل المثال، يرتبط الحب هنا على الأرض بالرغبة، في حين أن الحب الإلهي لا يرتبط بالتأكيد بالرغبة. وقد تناول ابن إسحاق أبرابانيل Don Yitshak Abarbanel هذه المشكلة بالفعل في Dialoghi d’Amore، وسنقوم بمناقشتها في الوقت المناسب.

التفسير اليهودي لسفر نشيد الأنشاد هل هو رمزي؟ ترجمة: مريم سليمان

المراجع:

Is the Song of Songs an allegory? Shir HaShirim

Exit mobile version