المعمدان والمسيح – عظة 8، 9، 10 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المعمدان والمسيح – عظة 8، 9، 10 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المعمدان والمسيح – عظة 8، 9، 10 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عظة (8، 9)

(لو 3: 10ـ 14) ” وَسَأَلَهُ الْجُمُوعُ قائِلِينَ: فَمَاذَا نَفْعَلُ؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: مَنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيُعْطِ مَنْ لَيْسَ لَهُ، وَمَنْ لَهُ طَعَامٌ فَلْيَفْعَلْ هكَذَا. وَجَاءَ عَشَّارُونَ أَيْضًا لِيَعْتَمِدُوا فَقَالُوا لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، مَاذَا نَفْعَلُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: لاَ تَسْتَوْفُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكُمْ. وَسَأَلَهُ جُنْدِيُّونَ أَيْضًا قَائِلِينَ: وَمَاذَا نَفْعَلُ نَحْنُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: لاَ تَظْلِمُوا أَحَدًا، وَلاَ تَشُوا بِأَحَدٍ، وَاكْتَفُوا بِعَلاَئِفِكُمْ “.

إن لوقا المغبوط قد قدم ثلاث أنواع من الناس يسألون يوحنا المعمدان وهم الجموع، والعشارون وثالثاً الجنود، وكما أن الطبيب الماهر يقدم لكل نوع من المرض العلاج المناسب والملائم له، هكذا أيضًا المعمدان قد أعطى لكل طريقة في الحياة مشورة نافعة ولائقة طالبًا من الجموع في طريق توبتهم أن يمارسوا الرحمة المتبادلة. والعشارون يمنعهم من الطمع ومن أخذ ما هو أكثر من المفروض، وبحكمة عظيمة يخبر الجنود ألاَّ يظلموا أحداً وأن يكتفوا بأجورهم. 

 

عظة (10)

المعمدان والمسيح

(لو 3: 15ـ 17) ” وَإِذْ كَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظِرُ، وَالْجَمِيعُ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ الْمَسِيحُ، أَجَابَ يُوحَنَّا الْجَمِيعَ قِائِلاً: أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ، وَلكِنْ يَأْتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ الْقَمْحَ إِلَى مَخْزَنِهِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ “.

من المسلّم به أن ” الأب البار يربي أولاده حسنًا جدًا“. لأن أولئك الذين يكتسون بمجد البـِر الذي بواسطة المسيح ويعرفون وصاياه المقدسة، سوف يدربون أولاده في الإيمان بتقوى وبطريقة ممتازة، إذ يعطونهم ليس الخبز المادي الأرضي بل الخبز الذي من فوق، أي من السماء. وهذا الخبز يذكره المرنم العجيب حيث يقول ” خبز يسند قلب الإنسان، وخمر تفرح قلب الإنسان” (مز104: 15). لذلك تعالوا بنا الآن لنسند قلوبنا، وليكن إيماننا بالمسيح يقينيًا وذلك بفهمنا لمعنى هذه الكتابات الإنجيلية التي قُرئت علينا الآن فهمًا صحيحًا فيقول الإنجيل: “إذ كان الشعب ينتظر والجميع يفكرون في قلوبهم عن يوحنا ألعلَّه المسيح” أجابهم بالكلمات التي قرأناها حالاً.

لقد لاحظوا بإعجاب جمال طريقة حياة يوحنا الذي لا يقارن، ولمعان سلوكه، وتقواه الفائقة التي لا تجارى، لأنه كان عظيمًا جدًّا ومثيرًا للإعجاب حتى أن الجمهور اليهودي بدأوا يفكرون عنه هل هو المسيح نفسه الذي وصفه الناموس لهم في ظلال وسبق الأنبياء القديسين فأخبروا عنه. ولأن البعض تجرأوا أن يُفكروا هكذا لذلك نرى المعمدان يقطع ظنونهم في الحال مقدمًا كعبد، الكرامة التي تليق بالسيد وناسبًا المجد لذلك الذي يفوق الكل أي المسيح، لأنه كان يعرف أن المسيح أمين لأولئك الذين يخدمونه، وما يعترف به يوحنا إنما هو الحق تمامًا لأن المسافة التي تفصل بين الله والإنسان تفوق القياس. لذلك فهو يقول “أنتم أنفسكم تشهدون لي أني قلت لست أنا المسيح، بل إنِّي مُرسَل قدامه” (يو3: 28). ولكن أين سنجد القديس المعمدان يتكلم هكذا؟ هذا نجده في إنجيل يوحنا الذي كتب عنه هكذا “وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل الكتبة والفريسيون في أورشليم ليسألوه إن كان هو المسيح؟ فاعترف ولم ينكر وأقر أني لست أنا المسيح. ولكنني مُرسل أمامه” (يو1: 19). لذلك فإنه عظيم بالحقيقة ومثير للإعجاب هو يوحنا السابق للمسيح الذي ظهر كنور الفجر قبل ظهور نور المخلص الساطع، وهو المقدمة لنور النهار الروحي. وهو جميل كنجم الصبح ويدعى مصباح الله الآب (انظر إش62: 1).

وبعد أن أعلن عن نفسه أنه ليس هو المسيح، فإنه الآن يقدم براهين ـ ينبغي أن نتناولها بالضرورة ـ ومن هذه البراهين يمكن أن نعرف المسافة الشاسعة جدًّا التي تفصل بين الله والإنسان، بين العبد والرب، بين الذي يخدم وذاك الذي تُقدم له الخدمة، بين الذي يتقدم كخادم والذي يضئ ساطعًا بالكرامة الإلهية. والآن ما هو البرهان؟

أولاً: يقول المعمدان: “أنا أعمدكم بماء، ولكن يأتي بعدي من هو أقوى مني الذي لست مستحقًّا أن أنحني وأحل سيور حذائه”.

وكما قلت فإن الاختلاف لا يمكن مقارنته، والعلو لا يمكن قياسه، وذلك لأن المعمدان المبارك، وهو عظيم جدًّا في الفضيلة يُعلن أنه غير مستحق حتى أن يلمس حذاءه. إن إعلان المعمدان هذا هو حق وصدق، لأنه إن كانت القوات العقلية في السماء: الرئاسات والعروش، والربوبيات، والسيرافيم المقدسين أنفسهم الذين يقفون حول العرش الإلهي وهم رتبة الخدام، كل هؤلاء يباركونه بتسابيح بلا انقطاع كرب الكل، فهل يستحق ساكن الأرض حتى أن يقترب من الله؟ فرغم أنه يحب الإنسان وهو حليم لطيف لكن ينبغي أن نعترف بضعف طبيعتنا.

وبعد هذا يقدم المعمدان برهانًا ثانيًا قائلاً أنا أعمدكم بماء، أما هو فسيعمدكم بالروح القدس ونار.

وهذا أيضًا له أهمية عظيمة لكي يبرهن ويوضّح أن يسوع هو الله والرب. لأن هذه هي الخاصية الوحيدة والمميزة للجوهر الذي يفوق الكل[1]. وهي أن يكون في استطاعته أن يمنح للناس سكنى الروح القدس، ويجعل أولئك الذين يقتربون منه شركاء للطبيعة الإلهية. وهذه الخاصية موجودة في المسيح لا كشيء اكتسبه أو انتقل إليه من آخر، بل كخاصيته التي يملكها وهي التي تخص جوهره وهي أن يعمِّد بالروح القدس. إذًا فالكلمة، الذي صار إنسانًا يتضح أنه الله، ومن جوهر الآب، ولكن ربما يعترض على هذا (التعليم) أولئك الذين يقسمون المسيح الواحد إلى ابنين، وأنا أعني بهم أولئك الذين يقول عنهم الكتاب: إنَّهم “نفسانيون، ومعتزلون، ولا روح لهم” (يه19:1)، فيعترضون بالقول إن الذي يعمِّد بالروح هو كلمة الله وليس هو الذي من نسل داود. فأي جواب نقدم على هذا؟ نعم! ونحن أيضًا نؤكد، بدون أن نخاف أي تناقض، أن الكلمة لكونه إله يعطي من ملئه الروح القدس لأولئك الذين يستحقونه، ولكنه لا يزال يفعل هذا حتى حينما صار إنسانًا، لكونه الابن الوحيد مع الجسد المتحد به بطريقة تعلو على الفحص وتفوق الفهم. ولذلك فإن المعمدان المبارك بعد أن قال أولاً ” لست مستحقاً أن أنحني وأحل سيور حذائه“، أضاف بعدها مباشرة “هو سيعمدكم بالروح القدس ونار“. وهو هنا يستعمل لفظ الحذاء ليعني به القدمين، لأن ليس أحد له عقل يقظ يمكن أن يقول إنَّ الكلمة حينما كان بدون جسد ولم يكن قد صار مثلنا بعد يمكن أن يكون له قدمان وحذاء. ولكن صار له هذا فقط حينما صار إنسانًا، لكنه استمّر إلهًا كما هو. وحينما صار في الجسد عمل الأعمال اللائقة باللاهوت وذلك بأن أعطى الروح لأولئك الذين يؤمنون به لأنه هو نفسه بشخصه الواحد هو إله وإنسان في نفس الوقت.

لكنه يعترض[2]قائلاً: إن الكلمة عمل أعمال اللاهوت بواسطة ذلك الذي هو من نسل داود. فإن كنت تجادل هكذا فنحن سنرد عليك بكلمات يوحنا نفسه لأنه قال لليهود: “ يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي وأنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي، الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًّا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس، وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله” (يو1: 30، 33، 34). انظروا إذًا كيف يدعوه إنسانًا بكل وضوح إذ يقول: “رجُل قدامي” وأنه كان قبله لأنه بكل وضوح يسبقه بطبيعته الإلهية والتي بمقتضاها أيضًا قال هو نفسه بكل وضوح لليهود ” الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” (لو8: 58). ثم يقول يوحنا أيضًا إن الروح أتى عليه من السماء، فهل هم يدّعون أن الروح أتى على كلمة الله حينما كان مجردًا وبدون جسد؟ وهل يعتبرون الذي يعطي الروح (أي كلمة الله)، أنه يحصل على روحه الخاص؟ أم بالحري فإن المعنى أنه قد حصل على الروح في طبيعته البشرية، وأنه في طبيعته الإلهية يعمِّد بالروح القدس؟ لأنه هو نفسه فريد ووحيد وحده، وهو بالحقيقة ابن الله الآب كما شهد عنه المعمدان المبارك متعلمًا من الله وقائلاً: ” وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله“.

وهل تريدون برهانًا ثالثًا، بالإضافة إلى ما سبق؟ انظروا أنه يقول: ” رفشه في يده، ويجمع القمح إلى المخزن وأما التبن، فيحرقه بنار لا تطفأ“. لأنه يقارن أولئك الذين على الأرض بسنابل القمح أو بالحرى ببيدر الدراسة والقمح الذي فيه. لأن كل واحد منا ينمو مثل سنبلة القمح. والرب حينما كان يكلِّم الرسل القديسين عمل مقارنة مماثلة عن حالتنا، إذ قال: ” الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده” (لو10: 2)، لذلك فنحن الذين على الأرض نُدعى سنابل قمح ونسمَّى بالحصاد. وهذا الحصاد هو مِلكٌ لله فوق الكل لأنه هو رب الكل. ولكن انظروا! فإن المعمدان المبارك يقول إنَّ البيدر يخص المسيح إذ هو ملك له، ولذلك فهو الذي ينقيه إذ يزيل ويفصل التبن من القمح لأن القمح يشير إلى الأبرار الذين لهم إيمان ثابت وراسخ. أما التبن فيشير إلى ضعاف الفكر والذين يُغوى قلبهم بسهولة. وهم خائفون وجبناء ويُحمَلون بأي ريح، ويقول إنَّ القمح حينئذ يُجمع في المخزن أي يحسب مستحقًّا للأمان في يد الله ومستحقًّا للرحمة والحماية والحب، أما التبن فيُحرق في النار كمادة لا نفع لها.

لذلك فبكل طريقة يمكن أن نلاحظ ونعرف أن الله، حتى حينما صار إنسانًا فإنه مع ذلك استمر كما هو ابنًا واحدًا لأنه يمارس الأعمال التي تخص اللاهوت، إذ هو يملك جلال ومجد اللاهوت بغير انفصال. فإن كنا نؤمن هكذا فسيكلِّلنا بنعمته، الذي به وله مع الله الآب المجد والسلطان مع الروح القدس إلى الدهر الدهور آمين.

[1] أي جوهر الله.

[2] غالباً يقصد بالمعترض نسطور.

المعمدان والمسيح – عظة 8، 9، 10 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أعدوا طريق الرب – عظة 6، 7 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أعدوا طريق الرب – عظة 6، 7 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أعدوا طريق الرب – عظة 6، 7 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عظة (6)

أعدُّوا طريق الرب

 (لو2:3ـ6) ” كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي الْبَرِّيَّةِ. فَجَاءَ إِلَى جَمِيعِ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ يَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً. كُلُّ وَادٍ يَمْتَلِئُ وَكُلُّ جَبَلٍ وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ وَتَصِيرُ الْمُعْوَجَّاتُ مُسْتَقِيمَةً وَالشِّعَابُ طُرُقاً سَهْلَةً. وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ “.

إن إشعياء المبارك لم يكن يجهل هدف كرازة يوحنا، بل منذ القديم قَبْل مجيء الزمان بكثير شهد عن هذا الهدف إذ دعا المسيح رباً وإلهاً. أما يوحنا فقد وصفه إشعياء بأنه خادم المسيح، وقال عنه إنه سراج يتقدم أمام النور الحقيقى، أي نجم الصباح الذي يُبشِّر بإشراق الشمس، معلنًا مقدمًا مجيء اليوم الذي سيشرق بأشعته علينا. وقال عنه إنه صوت وليس كلمة، يأتى سابقًا ليسوع كما يسبق الصوت الكلمة.

 (لو4:3) ” أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً “.

يوحنا قد أُختيرَ ليكون رسولاً ولكنه أيضًا آخر الأنبياء. ولأن الرب لم يكن قد أتى بعد، لذلك فهو يقول: ” أعدُّوا طريق الرب“. وما معنى أعدُّوا طريق الرب؟ المقصود هو استعِدُّوا لقبول أي شيء يريد المسيح أن يفعله، حرِّروا قلوبكم من ظل الناموس، وكفُّوا عن الرموز، ولا تفكروا فيما بعد تفكيرًا منحرفًا. “ اصنعوا سبل الله مستقيمة” لأن كل طريق يقود إلى الصلاح هو مستقيم وممهد وسهل، ولكن الطريق الآخر المعوج فإنه يقود الذين يسيرون فيه إلى الشر والضلال.

الذين كُتب عنهم ” الذين طرقهم معوجة وهم ملتوون في سبلهم” (أم15:2). لذلك فاستقامة العقل هي مثل طريق مستقيم ليس فيه اعوجاج. وهكذا كانت صفة المرنم الذي كان يرتل قائلاً: ” لا يلصق بي قلب معوج ” (مز4:101). ويشوع بن نون عندما يحث الشعب يقول لهم: ” اجعلوا قلوبكم مستقيمة مع إله إسرائيل” (يش23:24 سبعينية). بينما يوحنا يصرخ ” اجعلوا سبلكم مستقيمة“.

وهذا معناه أن النفس ينبغي أن تكون مستقيمة فتُظهِر إدراكها الطبيعي كما خُلق، وهي قد خُلقت جميلة ومستقيمة، ولكن حينما تنحرف جانبًا وتنقلب حالتها الطبيعية فإن هذا يُسمَّى رذيلة وانحراف للنفس. لذلك فالأمر ليس صعبًا، لأنه إن كنا نستمر كما خُلقنا فإننا سنكون فاضلين، ولكن حينما يصيح بنا أحدهم معترضًا قائلاً: كيف نُعد طريق الرب؟ أو كيف نجعل سبله مستقيمة؟ فإنه توجد عوائق كثيرة في طريق أولئك الذين يسعون أن يعيشوا حياة مستقيمة ـ فهناك الشيطان الذي يبغض كل ما هو جميل.

وكذلك حشد الأرواح الشريرة، وأيضًا هناك ناموس الخطية نفسه الذي يعمل في أعضائنا الجسدية، والذي يقاوم ميول العقل نحو الصلاح، وشهوات أخرى كثيرة تسيطر على عقل الإنسان ـ إذن فماذا نفعل ـ وهناك مِثل هذه الصعوبات العظيمة تضغط علينا؟ إن كلمة النبوة ترُدُّ على هذه الاعتراضات قائلة: ” كل وادٍ يمتلئ، وكل جبل وأكمة ينخفض وتصير المعوجات مستقيمة والشعاب طرقًا سهلة، ويبصر كل بشر خلاص الله“.

 (لو6:4) ” وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ “.

وكل جسد يبصر خلاص الله أي الخلاص الذي من الآب، لأنه أرسل ابنه ليكون مخلِّصًا لنا. وعبارة “كل جسد” يقصد بها الإنسان عمومًا أي كل الجنس البشرى، لأنه هكذا سيُبصر كل جسد خلاص الله، ليس إسرائيل فقط بل كل بشر، لأن لطف المخلص رب الكل ليس له حدود. وهو لم يخلَّص أمَّة واحدة فقط، بل بالحري احتضن العالم كله في شبكته، وقد أنار على كل الذين في الظلمة. وهذا ما رتَّلت به قيثارة المرنِّم: ” كل الأمم الذين صنعتَهُم يأتون ويسجدون أمامك يا رب” (مز9:86). وفي نفس الوقت فإن بقية إسرائيل تخلص، وذلك كما سبق أن أعلن موسى العظيم منذ القِدَم قائلاً: ” تهللوا أيها الأمم مع شعبه ” (تث43:32).

عظة (7)

كرازة يوحنا المعمدان

(لو7:3) ” وَكَانَ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ الَّذِينَ خَرَجُوا لِيَعْتَمِدُوا مِنْهُ: يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي؟ “.

 

نحن نؤكد أن المعمدان المبارك ـ لأنه كان ممتلئًا من الروح القدس ـ لذلك لم يكن يجهل الأعمال الجسورة التى كان الشعب اليهودى سيجرؤ على القيام بها ضد المسيح. لأنه سبق فعرف أنهم سوف لا يؤمنون به وأنهم سيستخدمون ألسنتهم المملوءة سمًا، ليسكبوا شكاواهم واتهاماتهم ضده، متَّهمينه مرة بأنه مولود من زنى، ومرة أخرى أنه يجرى المعجزات بقوة بعلزبول رئيس الشياطين (لو15:11)، ومرة أخرى أيضًا أنَّ به شيطان وأنه ليس أفضل مِن سامرى. لذلك فإذ كان يعرف هذا فإنه يدعو حتى أولئك الذين يتوبون أشرارًا. وهو يوبِّخهم لأنهم رغم أن عندهم الناموس الذي يتكلم إليهم بسر المسيح، ورغم نبوات الأنبياء عنه، إلا أنهم رغم ذلك صاروا ثقيلي السمع، وغير مستعدين للإيمان بالمسيح مخلِّص الجميع. لأنه يقول ” من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي؟” أليس الكتاب الموُحىَ به هو الذي يخبر بسعادة أولئك الذين يؤمنون بالمسيح، ولكنه يحذر مسبقًا أولئك الذين لا يؤمنون والذين هم أصحاب الجهالة، أنهم سوف يدانون بعقاب شديد لا مفر منه؟

(لو8:3) ” فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ “.

وأيضًا فإن ثمر التوبة هو بالدرجة القصوى، الإيمان بالمسيح، ثم يأتى بعده منهج الحياة الإنجيلية. وعلى وجه العموم كل أعمال البِر المضادَّة للخطية، التي ينبغي على التائب أن يصنعها كثمار لائقة بالتوبة.

ثم أضاف قائلاً: ” لا تبتدئوا تقولون في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا لأنى أقول لكم إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم“.

ها أنتم ترون كيف يحطُّ من كبريائهم الرديء بمهارة عظيمة، ويُبيِّن أن ولادتهم من إبراهيم حسب الجسد هي بلا فائدة ولا منفعة. لأن أيَّة منفعة هناك مِن نُبل المولد إن كان الناس لا يمارسون نفس الأعمال الحسنة التي لوالديهم ولا يتمسكون بفضيلة أجدادهم؟ لأن المخلِّص يقول لهم ” لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم” (يو39:8). إن علاقة القرابة التي يطلبها الله هي في الصفات والأخلاق، ولذلك فإنه أمْر باطل أن يفتخر أحد بقداسة وصلاح والديه، بينما هو نفسه مختلف عنهم وقاصر عن فضيلتهما.

ويتساءل اليهود قائلين إن كان الأمر هكذا، فبأية طريقة يتكاثر نسل إبراهيم، وكيف يكون الوعد الذي أعطاه له الله صحيحًا عندما قال له إنه سوف يكثّر نسله كنجوم السماء؟ الجواب أيها اليهودى هو بدعوة الأمم، لأنه قيل لإبراهيم نفسه إنه ” بإسحق يُدعى لك نسل” (تك12:21)، وأيضًا ” قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة” (تك4:17)، ولكن عبارة “بإسحق” تعني، بحسب الوعد. لذلك فهو قد جُعل أبًا لأمم كثيرة بالإيمان، أي في المسيح. وعن هؤلاء أيضًا تكلم الله بصوت حزقيال قائلاً: ” وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم، لكي يعرفوا أنِّي أنا الرب” (حز19:11) والمعمدان المبارَك يدعو الأمم بوضوح “الحجارة”، لأنه لم يكونوا بعد يعرفون الذي هو بالطبيعة الله، بل كانوا في ضلال، وفي حماقتهم العظيمة قد عبدوا المخلوق بدل الخالق. ولكنهم مع ذلك قد دُعوا من الله وصاروا أبناء إبراهيم. وبإيمانهم بالمسيح اعترفوا بالذي هو إله بالطبيعة.

ولكن لكي يفيد سامعيه بدرجة أكبر فإن المعمدان المبارك يقول لهم شيئًا أكثر: “ والآن قد وُضعت الفأس على أصل الشجرة” (لو9:3)، ولكنه في هذه العبارة يشير بكلمة “الفأس” إلى غضب الله الشديد الذي أنزله الله الآب على اليهود بسبب شرهم ضد المسيح وعنفهم وتهوُّرهم، لأن الغضب أتى عليهم مثل فأس. وهذا ما شرحه لنا زكريا النبي بقوله: “ويكون النوح في أورشليم كالنوح على بستان الرمان المقطوع في الوادي” (زك12: 11س). وإرميا يخاطبها هكذا “دعا الرب اسمكِ زيتونه خضراء جميلة الصورة. وعند امتلائها أوقد ناراً عليها فانكسرت أغصانها وكان النواح عليها عظيماً. ورب الجنود غارسك قد تكلم عليكِ شرًّا” (إر11: 16، 17).

ويمكن أن نضيف إلى هذا أيضًا المَثَل الوارد في الإنجيل عن شجرة التين غير المثمرة ولم تعد من نوع جيد، فإن الله قطعها. ومع ذلك فهو لا يقول إن الفأس قد وُضع في أصل الشجرة، بل على أصل الشجرة أي بالقرب من الأصل. لأن الأغصان قد قُطعت أما الشجرة فلم تُخلع من جذورها، ذلك لأن بقية إسرائيل قد خلصت ولم تهلك بالمرة.

أعدوا طريق الرب – عظة 6، 7 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version