ولادة المسيح في بيت لحم – عظة 1 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
ولادة المسيح في بيت لحم – عظة 1 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
وُلد المسيح في بيت لحم في الوقت الذي أمر فيه أوغسطس قيصر أن يتم الاكتتاب (الإحصاء) الأول. ولكن ربما يسأل واحد، ما هي الضرورة التي جعلت البشير الحكيم جدًّا أن يذكر هذا الأمر بنوع خاص؟ أجيب: نعم، إنه كان أمرًا نافعًا كما أنه أمر ضروري أن يُحدِّد الفترة التي وُلد فيها المخلِّص. لأنه قد قيل بصوت رئيس الآباء: ” لا يزول رأس من يهوذا، ولا مشترع من بين رجليه حتى يأتي الذي جعل له. وهو انتظار الشعوب” (تك10:49 سبعينية).
وذُكِرَ هذا الأمر أيضًا لكي نعرف أن الإسرائيليين لم يكن لهم في ذلك الوقت مَلِك من عشيرة داود، وأن حكامهم الذين من أمَّتهم قد سقطوا. فهو لسبب مناسب يذكر أوامر قيصر. فإن اليهود وبقية الأمم كانوا تحت سلطان حكمه. فهو إذ كان حاكمًا لهم أَمَر أن يُجرى هذا الإحصاء.
إن الأناجيل المقدسة بإرجاعها نسب المسيح إلى يوسف، الذي من بيت داود، قد أثبتت من خلال يوسف أن العذراء أيضًا كانت من نفس عشيرة داود. ذلك أن الناموس الإلهي قد أمر أن التزاوج ينبغي أن يكون محصورًا بين أشخاص من نفس العشيرة. ومُفسِّر التعاليم السماوية، الرسول العظيم بولس يُعلن الحق بوضوح، فهو يشهد أن الرب خرج من سبط يهوذا (عب14:7).
إن الطبائع التى اجتمعت إلى هذا الاتحاد الحقيقى هي مع ذلك مختلفة عن بعضها، ولكن من الاثنين معًا (أي من الطبيعتين) هو واحد، أي الله الابن دون أن يُضيع تمايز الطبيعتين بسبب الاتحاد. لأنه قد صار اتحاد من الطبيعتين، ولذلك فنحن نعترف بمسيح واحد، ابن واحد، ونحن بالإشارة إلى فكرة الاتحاد هذه بدون اختلاط، فإننا نعترف بالقديسة العذراء أنها والدة الإله. لأن الله الكلمة أخذ جسدًا وصار إنسانًا، وبالحبل به في بطنها وجد الهيكل الذي اتخذه منها بنفسه.
فإننا نرى أن طبيعتين ـ بواسطة اتحاد لا انفصال فيه ـ قد اجتمعتا معًا فيه بدون اختلاط وبدون انقسام، لأن الجسد هو جسد وليس لاهوتًا رغم أنه قد صار جسد الله، وبنفس الطريقة أيضًا فإن الكلمة هو إله وليس جسدًا رغم أنه بسبب التدبير قد جعل الجسد جسده. ولكن رغم أن الطبائع التى اجتمعت في تكوين الاتحاد هي مختلفة إحداها عن الأخرى كما أنها غير متساوية بعضها مع بعض، إلا أن ذلك الذي تكوَّن من الطبيعتين معًا هو واحد فقط. ونحن لا نفصل الرب الواحد يسوع المسيح إلى إنسان وحده وإله وحده، بل نحن نؤكد أن المسيح يسوع هو واحد، وهو نفسه، معترفين بالتمايز بين الطبيعتين بدون أن نخلطهما الواحدة مع الأخرى.
يقول القديس البشير إنَّ مريم كانت مخطوبة ليوسف، لكي يُبيِّن أن الحمل حدث وهي مخطوبة فقط، وأن ولادة عمانوئيل كانت معجزية، ولم تكن بحسب قوانين الطبيعة. لأن العذراء القديسة لم تحمل من زرع إنسان. والسؤال هو لماذا حدث هذا؟
المسيح، الذي هو باكورة الجميع، وهو آدم الثاني حسب الكُتب، قد وُلد من الروح لكي ينقل هذه النعمة (نعمة الولادة الروحية) إلينا نحن أيضًا. فنحن أيضًا قد أُعد لنا أن لا نحمل فيما بعد اسم أبناء البشر بل بالأحرى نولَد من الله وذلك بحصولنا على الميلاد الجديد من الروح الذي تم في المسيح نفسه أولاً، لكي يكون هو “متقدمًا بين الجميع” (كو15:1) كما يُعلن بولس الحكيم جدًّا. إن فرصة الإحصاء كانت سببًا مناسبًا جدًّا لكي تذهب العذراء إلى بيت لحم لكي نرى نبوة أخرى تتحقق.
لأنه مكتوب: “وأنتِ يا بيت لحم أفراتة وأنتِ صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطًا على إسرائيل” (ميخا2:5)، ولكن أولئك الذين يجادلون ويقولون، إن كان هو قد جاء في الجسد فتكون العذراء قد فسدت، وإن لم تكن قد فسدت فإنه يكون قد جاء بطريقة خيالية فقط. هؤلاء نقول لهم إن النبي يُعلِن ” أن الرب إله إسرائيل قد دخل وخرج، والباب يظل مغلقًا” (حز2:44)، وأيضًا إن كان الكلمة قد صار جسدًا بدون تزاوج جسدي، إذ أنه حُمل به بدون زرع بشر، فإنه إذن وُلد دون أن تُمس عذراويتها.
(لو2: 7،6) ” وبينما هما هناك تمَّت أيامها لتلد، فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته في المزود“
ما هو معنى بكرها؟ إنَّ معنى البكر هنا ليس أنه الأول بين إخوة عديدين، بل هو ابنها الأول والوحيد، فإن هذا هو المعنى من بين المعاني التي تُفسَّر بها كلمة “البكر”. لأن الكتاب المقدس أحيانًا يسمِّي الوحيد بالأوَّل كما هو مكتوب: ” أنا الله، أنا الأوَّل وليس هناك آخر معي” (إش6:44 سبعينية).
فلكي يتَّضح أن العذراء لم تلد مجرد إنسان، لذلك أُضيفت كلمة “البكر”، وحيث أنها ظلت عذراء فلم يكن لها ابن آخر إلاَّ ذلك هو من الله الآب، والذي بخصوصه أعلن أيضًا الله الآب بصوت داود ” أنا أيضًا أجعله بكرًا، أعلى من ملوك الأرض” (مز27:89).
ويقول عنه بولس الكلِّي الحكمة أيضًا: ” متى أَدخل البكر إلى العالم يقول، ولتسجد له كل ملائكة الله” (عب6:1) فكيف إذن دخل إلى العالم؟ لأنه منفصل عن العالم، ليس من جهة المكان بقدر ما هو من جهة الطبيعة. فإنه يختلف عن سكان العالم في الطبيعة، ولكن دخل إلى العالم بأن صار إنسانًا، وبذلك صار جزءًا من العالم بالتجسد. ورغم أنه هو الابن الوحيد من جهة ألوهيته، إلاَّ أنه لكونه صار أخًا لنا، فقد أصبح له اسم ” البكر”، ولكي يصير هو الباكورة لتبنِّي البشرية، فإنه يمكنه أن يجعلنا أيضًا أبناء الله.
لذلك لاحظوا، أنه يُدعى البكر من جهة التدبير[1]، لأنه من جهة ألوهيته هو الابن الوحيد. وأيضًا فإنه الابن الوحيد من جهة كونه كلمة الآب الذي ليس له إخوة بالطبيعة ولا يوجد أي كائن مشترك معه. لأن ابن الله المساوي للآب، هو واحد ووحيد، ولكنه يصير بكرًا بتنازله إلى مستوى المخلوقات.
لذلك حينما يُدعى الابن الوحيد، فإنه يُدعى هكذا دون أن يكون هناك سبب آخر لكونه الابن الوحيد إذ هو الإله الوحيد الجنس الذي في حضن الآب (يو18:1) ولكن حينما تدعوه الكتب الإلهية ” بالبكر” فإنها تضيف حالاً علَّة السبب الذي من أجله حمل هذا اللقب فتقول الكتب ” البكر بين إخوة كثيرين” (رو29:8)، وأيضًا ” البكر من الأموات” (كو18:1)، ففي المرَّة الأولى دُعي ” بكرًا بين إخوة كثيرين” بسبب أنه صار مثلنا في كل شيء ما عدا الخطية، وفي المرة الثانية دُعي ” البكر من الأموات” لأنه هو الأول الذي أقام جسده إلى حالة عدم الفساد.
وأيضًا هو كان دائمًا منذ الأزل الابن الوحيد بالطبيعة، لكونه الوحيد المولود من الآب، إله من إله، وحيد من وحيد، إله أشرق من إله، نور من نور، ولكنه هو “البكر” لأجلنا نحن حتى عندما يُدعى بكرًا للمخلوقات فإن كل مَنْ يشابهه يخلص بواسطته.
فإن كان هو بالضرورة يصير “البكر” فبالتأكيد لابد أن يكون هناك أولئك الذين يكون هو بكرًا لهم. ولكن إن كان ـ كما يقول يونوميوس ـ إنه يُدعى بكر الله المولود الأول بالنِّسبة لكثيرين، وإنَّه هو أيضًا بكر العذراء، ففي هذه الحالة إذن يلزم أن يصير هو الأول قبل طفل بعده بالنسبة لها. ولكن إن كان يُدعى بكر مريم باعتباره الابن الوحيد وليس هناك من يأتون بعده، إذن فهو أيضًا بكر الله لا كالأول بين كثيرين، بل هو المولود الواحد الوحيد.
وبالإضافة إلى ذلك إن كان الأول يُعترف به أنه عِلَّة الثاني، فإن الله هو الأول، وحينئذ فالابن هو علَّة أولئك الذين نالوا لقب الأبناء، لأنهم بواسطته قد حصلوا على هذه التسمية، لذلك وهو علَّة وجود الأبناء الذين أتوا بعده فإنه يُدعى البكر بحق، لا لأنه هو أولهم، بل لكونه العلَّة الأولى لحصوله على لقب التبنِّي.
وكما أن الآب يُدعى الأول لأنه يقول: ” أنا الأول وأنا بعد هذه الأشياء” (إش4:41)، وهو بالتأكيد لا يريدنا أن نعتبره أنه مشابه في الطبيعة لأولئك الذين يأتون بعده، هكذا أيضًا فرغم أن الابن يُدعى بكر الخليقة، أو البكر قبل كل خليقة، فهذا ليس معناه أنه واحد من الأشياء المخلوقة، بل كما أن الآب قال ” أنا الأول” لكي يُوضح أنه أصل كل الأشياء، فبنفس المعنى يُدعى الابن أيضًا بكر الخليقة “ فإن كل الأشياء خُلقت به” (يو3:1). فكخالق وصانع للعالم، هو بداية كل الأشياء المخلوقة وأصلها.
لقد وجد أن الإنسان قد تدنَّى إلى مستوى الحيوانات، لذلك فإنه وُضع مثل علف في المزود، لكي حينما نخلع حياتنا الحيوانية، نرتفع إلى درجة العقل والبصيرة التي تليق بطبيعة الإنسان. وبينما كنا متوحشين في نفوسنا، فإننا الآن باقترابنا من المزود، أي “مائدته الخاصة”[2]، فإنا لا نجد علفًا بعد، بل الخبز الذي من السماء الذي هو جسد الحياة.
[1] اصطلاح “التدبير” يستعمله القديس كيرلس وكل الآباء ليعبِّروا عن خطة الله وقصده لتتميم خلاص الإنسان عن طريق مجيء ابن الله في الجسد واتحاده بطبيعتنا وتتميمه الفداء بالموت والقيامة.
[2] واضح أن القديس كيرلس يتحدث عن تناول الإفخارستيا التي يشترك فيها المؤمنون نتيجة التجسد.
ولادة المسيح في بيت لحم – عظة 1 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
إن السيد المسيح هو ملك الملوك، ورب الأرباب. وقد أراد بميلاده في بيت لحم أن يعلمنا الاتضاع، وأن الكرامة الحقيقية تنبع من الداخل وليس من المظاهر الخارجية. فالحب مجد، والكراهية عار. فليس المجد في الملابس الثمينة الغالية الثمن أو الذهب. فالإنسان الأصيل هو الذي معدنه مثل الذهب، هذا هو الإنسان الذي له المجد الداخلي. وهذا هو أول درس يعلمه لنا السيد المسيح من ميلاده في حظيرة للأغنام. وهناك دروس أخرى هامة من الممكن أن نتعلمها من قصة الميلاد.
هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم
لقد ولد السيد المسيح في وسط الأغنام لأنه هو حمل الله، وكما قال يوحنا المعمدان “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو1: 29). فكان من الطبيعي أن الخروف الذي سيحمل خطية العالم، والذي سيذبح من أجل خلاصنا؛ أن يولد في وسط الأغنام أو الخرفان. وبالأخص في مدينة بيت لحم حيث المراعى الكثيرة.
فبيت لحم كانت تُربَى فيها الأغنام حيث المراعى الكثيرة. كما أنها كانت قريبة من أورشليم. وأيضاً يوجد بها هيكل سليمان الذي كانت تقدم فيه ذبائح لغفران خطايا الشعب في العهد القديم. وهذا الغفران كان رمزاً للغفران الحقيقي الذي تم بذبيحة الصليب، وذلك عندما سفك المسيح دمه على الصليب، ومات من أجل خطايانا، ثم قام من الأموات، وصعد إلى السموات. فكان من الطبيعي أن الحمل يولد في وسط الحملان. وهذه نبوة واضحة جداً عن أنه حمل الله الذي يحمل خطية العالم كله.
معنى الفداء
أمر الله إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده إسحق، فأخذ إبراهيم ابنه إسحق وربطه، ووضعه على الحطب حتى يذبحه، فمنعه الله وأرسل إليه خروفاً، فأخذه إبراهيم وذبحه عوضاً عن إسحق حسب أمر الرب. أي أنه قد فدى إسحق بهذا الخروف، وهذا هو معنى الفداء.
إن السيد المسيح قد جاء لكي يقدم نفسه فدية أو ذبيحة من أجلنا. وكان الدافع لهذه التضحية هو محبته لنا. وذلك لكي يوفى الدين الذي علينا بسبب الخطية. فبميلاد السيد المسيح في وسط الحملان، أراد أن يوضح لنا من أول لحظة لميلاده في العالم، أنه لم يأتِ لكي يتنعم بالحياة على الأرض، بل لكي يقدم نفسه ذبيحة. ففي الميلاد نرى الصليب بطريقة رمزية واضحة في الأحداث المحيطة بالميلاد.
الرب راعيّ فلا يعوزني شيء
إن السيد المسيح هو الراعي، وهو الحمل أيضاً. فمن الطبيعي أن يكون الراعي في وسط الأغنام. لأنه إن لم يولد في وسط الغنم فمن الذي سوف يرعاهم؟!! إن وجوده في وسط الحملان أو الغنم؛ يعلن أنه هو الراعي الحقيقي، وكما يقول المزمور “الرب يرعاني فلا يعوزني شيء. في مراع خضر يربضني، على مياه الراحة يوردني، يرد نفسي، يهديني إلى سُبُل البر من أجل اسمه” (مز22: 1-3).
فمن الذين بشرهم الملاك بميلاد السيد المسيح في ليلة ميلاده؟ إن المجوس قد أتوا بعد فترة عندما ظهر لهم النجم في المشرق، وأتوا وقدموا هداياهم. فمن الذين احتفلوا بميلاد السيد المسيح في ليلة ميلاده؟!! إلى جوار السيدة العذراء القديسة مريم والدة الإله، وخطيبها القديس يوسف النجار الذي كلفه الله برعاية السيدة العذراء والطفل المولود، وطبعاً لم يكن متزوجاً من العذراء بمعنى الزواج الجسدي؛ لكنه كان حارساً وخادماً للطفل المولود لكي يؤدى رسالته، وإلى أن يكبر هذا الطفل وتبدأ فيما بعد خدمته من أجل خلاص العالم.
بشارة الملاك للرعاة
“وكان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم. وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم، فخافوا خوفاً عظيماً. فقال لهم الملاك: لا تخافوا؛ فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب. إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب. وهذه لكم العلامة تجدون طفلاً مقمطاً مضجعاً في مذود. وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين. المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة” (لو2: 8-14).
فالذين بُشروا بميلاد السيد المسيح، ونظروا هذه المناظر السماوية العظيمة، وسمعوا البشارة المفرحة بميلاد المخلص؛ هم الرعاة الذين يرعون الغنم. لأن هؤلاء هم زملاء السيد المسيحراعى الخراف العظيم وراعى الرعاة ومن الطبيعي أن يحتفل السيد المسيح بميلاده في وسط زملائه.
أنا هو الراعي الصالح
لقد ولد السيد المسيح في وسط الأغنام. لأنه هو الراعي. والذين أتوا لكي يباركوا لولادته هم زملاؤه الرعاة. فمسألة أن السيد المسيح هو الراعي مسألة خطيرة جداً، وهامة جداً. لأنه هو نفسه قال “أنا هو الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو10: 11). وأيضاً قال “لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسى لآخذها أيضاً” (يو10: 17).
وقد كرر السيد المسيح أنه هو الراعي الصالح، وأكد أنه قد أتى لكي يقدم الرعاية الحقيقية باعتباره أنه هو الله الظاهر في الجسد. وهو الله الراعي الحقيقي. كما قال داود النبي “الرب يرعاني فلا يعوزني شئ” (مز22: 1). فكان لابد أن السيد المسيح يكون هو الراعي. لأن الرعاة الذين هم كهنة إسرائيل كانوا قد أهملوا الرعاية. فكان لابد أن يأتي رئيس كهنة جديد يكون هو الراعي.
إن رعاة إسرائيل هم الذين صلبوا السيد المسيح. لذلك تغير الكهنوت من كهنوت العهد القديم الهاروني إلى كهنوت العهد الجديد على رتبة ملكي صادق. أي كهنوت السيد المسيح الذي يقدم فيه جسده ودمه في العهد الجديد بعد إتمام الفداء. خبز وخمر حاضر على المذبح، نتناول منه من أجل غفران خطايانا، ونيل الحياة الأبدية. فالسيد المسيح هو نفسه الذي أسس سر العشاء الرباني في ليلة صلبه، وأعطاه لتلاميذه وقال “اصنعوا هذا لذكرى” (لو22: 19) أي تذكاراً حياً معاشاً لموته على الصليب وقيامته من بين الأموات.
لماذا اختار الملاك الرعاة؟
إن هناك فرق بين راعٍ ساهرٍ على حراسة الرعية؛ وبين راعٍ يبدد الرعية. وهنا نسأل ما هو السبب في اختيار الملاك لهؤلاء الرعاة إلى جوار أنهم كانوا ساهرين؟السبب إن هؤلاء الرعاة كانوا يبحثون عن الخلاص. والدليل على ذلك؛ أنه عند ذهاب السيدة العذراء مريم إلى الهيكل لكي تقدم السيد المسيح بعد أربعين يوماً من ميلاده، وقفت حنّة النبية بنت فنوئيل، وتكلمت عن المسيح مع جميع المنتظرين فداءً في أورشليم.
أي أن روح الله قد أعلن لها أن هذا هو المخلص.. بمجرد دخول السيد المسيح الهيكل، تكلم روح الله على فم حنّة النبية، وبدأت تتحدث عن أنه هو خلاص إسرائيل، وخلاص العالم “وكانت نبية حنّة بنت فنوئيل من سبط أشير.. فهي في تلك الساعة وقفت تسبح الرب وتكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداءً في أورشليم” (لو2: 36-38).
إن الروح القدس كان يحرك بعض الأشخاص في وقت ميلاد السيد المسيح، فكما بشر الملاك العذراء مريم والروح القدس حل عليها، كذلك امتلأت أليصابات من الروح القدس وقالت للسيدة العذراء “مباركة أنت في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك. فمن أين لي هذا أن تأتى أم ربى إلىَّ” (لو1: 42- 43).
وكذلك امتلأ زكريا من الروح القدس عند ميلاد يوحنا المعمدان، وفتح فمه وقال “مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداءً لشعبه. وأقام لنا قرن خلاص في بيت داود فتاه” (لو1: 68- 69). فالروح القدس كان يعمل في أشخاص كثيرين وقت أحداث الميلاد، قبله وخلاله وبعده.
إن حدث ميلاد السيد المسيح، ومجيئه إلى العالم، هو بداية تحقيق وعد الله لخلاص البشرية. فقال زكريا أبو يوحنا المعمدان “مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه” (لو1: 68) لأن الله قد تذكر وعده المقدس، لذلك فإن كلمة زكريا تعنى “الله تذكّر”، واسم يوحنا يعنى “الله تحنن” واسم يسوع يعنى “الله يخلص”. أي أن الله قد تذكّر.. الله قد تحنن.. الله قد خلّص. فعندما قال زكريا “مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه” (لو1: 68). أكمل وقال “ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدس” (لو1: 72).
إن الله لم ينس وعده، لكنه كان ينتظر الوقت المناسب. وذلك بعد أن يكون قد أعد كل شئ. وقد كُتبت نبوات كثيرة في الكتب المقدسة تمهد لمجيء المخلّص، ورموز كثيرة. لأن تجسد كلمة الله، أو ظهور الله الكلمة في الجسد، لم يكن شيئاً بسيطاً لكي يقدر الإنسان أن يفهمه، أو أن يستوعبه. فكان لابد أن يمهد الله برموز وأحداث كثيرة. كما أنه كما ينبغي أن ينتظر حتى يجد الإنسانة المباركة جداً التي تستحق أن تكون والدة الإله وهي القديسة العذراء مريم. ولأسباب كثيرة انتظرت البشرية عدة آلاف من السنين حتى أتم الله وعده.
يقول الكتاب “القسم الذي حلف لإبراهيم أبينا” (لو1: 73).
فالقسم قد أعطاه الله لإبراهيم؛ فكان لابد أن ينتظر حتى يأتي إبراهيم، وعندما أتى إبراهيم. كان قد مر عدة آلاف من السنين. فهذا يوضح أنه كان لابد من حدوث بعض المراحل لكي عندما يتم الخلاص، يكون إتمام الخلاص هو تحقيق لوعود قالها الله، ونبوات كتبها الأنبياء القديسون، وسجلوها في كتب العهد القديم.
إن الروح القدس كان يعمل في شخصيات كثيرة. ومن بين هذه الشخصيات الرعاة الساهرون على حراسة رعيتهم. ولكن ليس فقط لأنهم كانوا ساهرين، ولكن يوجد أسباب أخرى.. فزكريا أبو يوحنا المعمدان عندما تكلم عن ما ذكرته الكتب المقدسة قال “كما تكلم بفم أنبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر. خلاص من أعدائنا ومن أيدى جميع مبغضينا. ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدس. القسم الذي حلف لإبراهيم أبينا” (لو1: 70-73). أي أنه كان شخصاً يعيش ويدرس نبوات الأنبياء التي تتحدث عن مجيء المخلّص.
وأيضاً الأرملة القديسة التي عاشت في الهيكل أربع وثمانين سنة، وذلك بعد ترملها بسبعة سنين من زواجها. فهذه الأرملة كانت خلال هذه الأربع والثمانين سنة لا تفارق الهيكل. وكما يقول الكتاب “وهي أرملة نحو أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً” (لو2: 37).
فقد ظلت أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل. وذلك في المكان المخصص للنساء، وليس في الأماكن الخاصة بالكهنة. وقد كانت أثناء هذه السنين تدرس، وتستمع إلى الصلوات اليومية، والقراءات المقدسة، وتقرأ في الأسفار المقدسة. أي أنها كانت متفرغة للعبادة أربع وثمانين سنة. لذلك عمل الروح القدس في داخلها، في نفس الوقت الذي كانت تعيش فيه كل هذه المعاني التي تتكلم عن مجيء المخلص، وميلاد السيد المسيح.
إن الحدث الذي رأته بعينها قد عاشته بقلبها. أي إنها قد رأته بعينى قلبها قبل أن تراه بعينيها الطبيعية. فتقابل الإحساس الذي عاشته في داخلها مع المنظر الذي رأته بعينيها. وعندما يتقابل شيئان يسرى التيار. مثلما يحدث عند غلق الدائرة الكهربية يصير من الممكن أن يسرى التيار. فالروح هو الذي تكلم على لسانها بدون أن يعلمها أحد.
الرعاة كانوا ينتظرون الخلاص
إن هؤلاء الرعاة كانوا ينقادون بالروح القدس، فما الذي كان من الممكن أن يتحدثوا فيه أثناء سهرهم ليلاً؟ من المؤكد أنهم كانوا يتحدثون في النبوات وفى الأسفار المقدسة. فمثلاً من الممكن أن يقولوا إنهم يرعون الأغنام التي تقدم منها ذبائح كثيرة في الهيكل، وهذه الذبائح ترمز إلى الخلاص الذي وعد به الله. لكن متى سيأتي المخلص؟!
يقول الكتاب إن حنّة بنت فنوئيل تكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداءً في أورشليم. إن الله يعلن لمن ينتظره، ولكن الذي لا يهمه لماذا يعلن له؟!! فهؤلاء الرعاة كانوا ينتظرون مجيء المخلّص لذلك يقول الكتاب “وكان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم” (لو2: 8). وبالأخص أنهم كانوا في بيت لحم اليهودية مدينة داود، ومن المعروف أن المسيح هو من نسل داود حسب الجسد، لذلك فهؤلاء الناس كانت المزامير هي تسليتهم.
إن التسبحة التي نقولها في كل ليلة في الكنيسة مليئة في أجزاء كثيرة بالمزامير والتسابيح والنبوات التي تتحدث عن الخلاص، وعن عمل الله في حياة البشر. والتسبحة نفسها غير المزامير بها أجزاء من الأسفار المقدسة. فمثلاً الهوس الأول تسبحة موسى النبي وأخته مريم النبية مع شعب إسرائيل عند عبور البحر الأحمر. وقد كانت رمزاً للخلاص، ورمزاً للمعمودية.
إن الرعاة بكل تأكيد كانوا يسبحون، لذلك عندما كانت هناك تسبحة على الأرض، كان هناك تسبيحاً في السماء فيقول الكتاب “وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين: المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة” (لو2: 13-14).
إن كلمة “بالناس المسرة” معناها باللغة اليونانية “المسرة في قلوب الناس الصالحين”. فالملائكة فرحوا بما حدث في قلب الرعاة عندما سمعوا بشرى الخلاص. والمسيح هو رئيس السلام، وهو صانع السلام. لأنه هو الذي سيصالح الله مع البشر، ويصالح الإنسان مع أخيه الإنسان، ويصالح الإنسان مع نفسه. وكذلك هو الذي قال “طوبى لصانعى السلام لأنهم أبناء الله يدعون” (مت5: 9).
إن الرعاة كانوا يسبحون ويتأملون ويصلون، لذلك ظهر لهم الملائكة. فمن يريد أن يحيا مع الملائكة حياة الصداقة والعشرة الحقيقية، يجب أن تمتلئ حياته بالصلاة، والتسبيح، والتأمل في الأسفار المقدسة.
يقول سفر أشعياء “ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه” (أش53: 7). ولذلك نقول في القداس الغريغوري [أتيت إلى الذبح مثل حمل حتى إلى الصليب] ويقول الكتاب أيضاً “أما الرب فسُرَّ بأن يسحقه بالحزن ان جعل نفسه ذبيحة إثم يرى نسلاً تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح” (أش53: 10). وأيضاً “حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين” (أش53: 12).. “وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا” (أش53: 5). فالرعاة كانوا قد قرأوا هذا الكلام ويرددونه. وكانوا يسألون الرب متى سيرسل الحمل الحقيقي الذي يحمل خطايا العالم كله؟
أهمية السهر الروحي
إن هذه القلوب الساهرة المنتظرة المترقبة عمل الله؛ هي التي سيرسل الله إليها ملائكته. فالله لم يرسل ملائكته إلى الأشخاص المترفهين أو المتنعمين. بل أرسل إلى أناس يجلسون في العراء، وهم ساهرين على رعاية أغنامهم. وهذه هي أهمية السهر في الحياة الروحية، وأهمية السهر في الصلاة، وأهمية السهر في الكنيسة والتسبيح.
إن هؤلاء كانوا رعاة للأغنام. والله كان يريد أن يرى رعاة للشعب. ويرى رعاية حقيقية. فيقول بفم نبيه حزقيال “يا ابن آدم تنبأ على رعاة إسرائيل، تنبأ وقل لهم هكذا قال السيد الرب للرعاة: ويل لرعاة إسرائيل الذين كانوا يرعون أنفسهم. ألا يرعى الرعاة الغنم؟! تأكلون الشحم وتلبسون الصوف وتذبحون السمين ولا ترعون الغنم.
المريض لم تقووه والمجروح لم تعصبوه والمكسور لم تجبروه والمطرود لم تستردوه والضال لم تطلبوه بل بشدة وبعنف تسلطتم عليهم. فتشتتت بلا راعٍ وصارت مأكلاً لجميع وحوش الحقل وتشتتت. ضلّت غنمى في كل الجبال وعلى كل تلٍ عالٍ وعلى كل وجه الأرض تشتتت غنمى ولم يكن من يسأل أو يفتش” (حز34: 2-6). فالله كان حزيناً أن رعاة بنى إسرائيل كانوا قد أهملوا الغنم، وأهملوا الرعاية، وبحثوا عن ملذاتهم الشخصية، وظلموا الخراف. لذلك قال بطرس الرسول للرعاة “ولا كمن يسود على الأنصبة بل صائرين أمثلة للرعية” (1بط5: 3).
أنا أرعى غنمي وأربضها يقول السيد الرب
يقول الرب للرعاة “هكذا قال السيد الرب هأنذا على الرعاة وأطلب غنمي من يدهم وأكفهم عن رعى الغنم ولا يرعى الرعاة أنفسهم بعد فأخلص غنمي من أفواههم فلا تكون لهم مأكلاً. لأنه هكذا قال السيد الرب هأنذا أسأل عن غنمي وأفتقدها. كما يفتقد الراعي قطيعه يوم يكون في وسط غنمه المشتتة هكذا أفتقد غنمي وأخلصها من جميع الأماكن التي تشتتت إليها في يوم الغيم والضباب.. أنا أرعى غنمى وأربضها يقول السيد الرب” (حز34: 10-15).
إذن الرب هو الراعي الحقيقي وقال السيد المسيح “أنا هو الراعي الصالح والراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو10: 11). فقد جاء السيد المسيح لكي يشفى الجراح، ويقيم البشرية من سقطتها. ويعيد آدم إلى الفردوس مرة أخرى. ولكن ذلك لمن يقبل محبته، ويقبل خلاصه. كما هو مكتوب “وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه” (يو1: 12).
وهنا يظهر العلاقة الوثيقة بين ليلة ميلاد السيد المسيح، وبين إعلان الرب عن نفسه أنا هو الراعي. وذلك سواء في العهد القديم عندما قال “أنا أرعى غنمي وأربضها يقول السيد الرب” (حز34: 15)، أو كلام السيد المسيح عندما بدأ خدمته الخلاصية وعندما بدأ يتكلم عن نفسه باعتباره أنه هو الراعي الصالح وقال “وأنا أضع نفسي عن الخراف” (يو10: 15).
الأدلة أن الرعاة كانوا مرشدين من الروح القدس
ومن الأدلة أن هؤلاء الرعاة كانوا مرشدين من الروح القدس؛ إنهم استجابوا لإعلان الملاك عندما قال “لا تخافوا فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب” (لو2: 10-11). أي أن الذي تنتظرونه قد حدث فاذهبوا وانظروا بأنفسكم “وهذه لكم العلامة تجدون طفلاً مقمطاً مضجعاً في مذود” (لو2: 12).
فهل من الممكن أن يوضع طفل في مذود للغنم؟!! إن المذود هو المكان الذي يوضع فيه أكل الأغنام. فلماذا يوضع الطفل في المذود؟!! لقد وضع في المذود لأنه لم تجد العذراء مريم مكان في البيت. فعندما ذهبت مع يوسف إلى بيت لحم لكي تكتتب يقول الكتاب “وبينما هما هناك تمت أيامها لتلد. فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته في المذود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل” (لو2: 6-7).
إن الله لم يجد له مكاناً في قلوب البشر، فولد في وسط الأغنام لكي يقول للبشر أنتم الذين رفضتمونى في حياتكم من الممكن أن الحيوانات تكون أكثر قبولاً لي إذا جلست في وسطهم. لكن أنا قد جئت لتحويل حياتكم من حيوانات إلى بشر لأن الإنسان قد خلق على صورة الله، فأنا أريد أن أحول هذه الحظيرة إلى كنيسة في العهد الجديد.
وبالفعل فإن كنيسة بيت لحم قد بُنيت في مكان المذود الذي ولد فيه السيد المسيح وأصبحت كنيسة عظيمة ضخمة في بيت لحم اسمها كنيسة المهد. فلم تعد حظيرة للخراف غير الناطقة لكن أصبحت حظيرة للخراف الناطقة أي البشر من شعب الله.
“ولما مضت عنهم الملائكة إلى السماء قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض لنذهب الآن إلى بيت لحم وننظر هذا الأمر الواقع الذي أعلمنا به الرب. فجاءوا مسرعين ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعاً في المذود” (لو2: 15-16).
فكيف عرف الرعاة في أي حظيرة وُلد السيد المسيح؟!! إن بيت لحم كلها هي مدينة الأغنام، فقد كان كل عمل داود هو رعاية الغنم فكيف عرفوا أين هي الحظيرة إن كان لم يظهر لهم نجم، أو ذهب معهم ملاك؟!!
إن المجوس قد احتاجوا للنجم لكي يرشدهم إلى مكان وجود الطفل يسوع، وكان ذلك بعد فترة من ميلاد السيد المسيح، بدليل أن هيرودس عندما حسب المدة وتحقق زمان النجم الذي ظهر حسب المدة من ساعة ظهور النجم حتى ذهاب المجوس فوجد هذه المدة حوالي سنتين فأرسل وذبح كل الأطفال من سن سنتين فما دون. فالمجوس لم يأتوا في ليلة ميلاد السيد المسيح. ولكن في بعض صور الميلاد يضعوا المجوس بها.
لكن هذا ليس أكثر من تجميع لأحداث الميلاد في صورة واحدة، وفى بعض الأحيان يقوم البعض بعمل مذود به تماثيل في ليلة عيد الميلاد وذلك من أجل فرحة الأطفال الصغار، ولكن يجب أن يوضع هذا المذود خارج الكنيسة لأن الكنيسة القبطية لا يجب أن يدخلها أي تماثيل بل أيقونات فقط بما في ذلك مغارة الميلاد التي تُعمل من أجل الأطفال.
ولكن الرعاة ذهبوا في نفس ليلة ميلاده، فكيف عرفوا مكان الحظيرة؟!! لقد عرفوا لأن الروح القدس كان يرشدهم “فجاءوا مسرعين ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعاً في المذود. فلما رأوه أخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبي” (لو2: 16-17).
ولي خراف أخر ليست من هذه الحظيرة
وكما أعلن الله عن ميلاد ابنه الوحيد للرعاة الذين يمثلون الشخصيات التي كان من الممكن أن يتعامل معها الله نظراً لأمانتهم في وسط شعب إسرائيل المنتظر الخلاص. أيضاً بدأ الله يتعامل مع الأمم، إذ قال السيد المسيح “ولى خراف أخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتى بتلك أيضاً فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد” (يو10: 16).
فهنا يتكلم عن نفسه أنه هو الراعي الصالح. والمقصود هنا بالخراف الأُخر الأمم وليس اليهود، ولا نسل يعقوب أبو الأسباط الأثنى عشر، ولا نسل اسحق، ولا نسل إبراهيم، لكن الأمم. وكما قال سمعان الشيخ “نور إعلان للأمم ومجداً لشعبك إسرائيل” (لو2: 32).
فليس الخلاص الذي أتى الله لكي يعلنه مسألة تخص شعب إسرائيل فقط. وإن كان قد قال “لأن الخلاص هو من اليهود” (يو4: 22) لكن المقصود في هذه العبارة الأخيرة أن الله كان قد وعد إبراهيم أن بنسله تتبارك جميع قبائل الأرض. فالسيد المسيح من نسل إبراهيم. لكن البركة لجميع قبائل الأرض. وفى سفر أشعياء “أنا الرب قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهداً للشعب ونوراً للأمم. لتفتح عيون العمى لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة” (أش42: 6-7).
نوراً تجلى للأمم
إن السيد المسيح في نظر الآب هو الابن الوحيد الذي سُرّت به نفسه وكما يقول الكتاب “هوذا فتاى الذي اخترته حبيبي الذي سُرّت به نفسي. أضع روحي عليه فيخبر الأمم بالحق” (مت12: 18). وأيضاً في سفر الأعمال قال “ولتُجرَ آيات وعجائب باسم فتاك القدوس يسوع” (أع4: 30).
فكلمة “نوراً للأمم” تعنى أن الخلاص ليس لشعب إسرائيل فقط، وإن كان الله قد ذكر هذا الكلام في العهد القديم. وكان اليهود يعتبرون أنفسهم أنهم شعب الله الخاص. والله نفسه كان يتحدث إليهم باعتبارهم شعبه الخاص. ويقول الكتاب “والآن هكذا يقول الرب خالقك يا يعقوب وجابلك يا إسرائيل لا تخف لأني فديتك، دعوتك باسمك، أنت لي. إذا اجتزت في المياه فأنا معك، وفى الأنهار فلا تغمرك. إذا مشيت في النار فلا تلذع واللهيب لا يحرقك. لأني أنا الرب إلهك قدوس إسرائيل مخلصك” (أش43: 1-3).
فكان الكلام موجهاً لإسرائيل. لكن في خلال كلامه في الإصحاح السابق بنفس السفر يقول “نوراً للأمم”. وكذلك عند حمل سمعان الشيخ السيد المسيح قال “نوراً تجلى للأمم ومجداً لشعبك إسرائيل” (لو2: 32). فمن الواضح أن الله له قصد في أن يدعو الأمم إلى ميراث الحياة الأبدية، وإلى أن يكونوا رعية مع شعب إسرائيل الذي يقبل ويؤمن بمسيحه. فتكون رعية واحدة لراعٍ واحد.
تعامل الله مع الأمم
لقد بدأ الله يتعامل مع الأمم في وقت ميلاد السيد المسيح بطريقة لطيفة جداً. فقد كان يوجد أشخاص حكماء في بلاد المشرق أي ناحية فارس، ويسمون المجوس. وهم حكماء المملكة. وكان عملهم رؤية الأفلاك، وحساب الأزمنة.. وكان بعضهم يعمل في التنجيم. فعندما أُخذ شعب إسرائيل إلى السبي من مملكة بابل، وأصبحوا تحت حكم مملكة فارس، كان دانيال النبي موجوداً في البلاد في ذلك الوقت.
وقد اختاره الملك لأنه وجد فيه “روح الآلهة القدوسين” على حسب قوله، والمقصود روح الله. وعيَّنه كبيراً للمجوس أي كبيراً للحكماء. وفى هذه الأيام كتب دانيال النبي السفر وبه نبوات كثيرة عن السيد المسيح. مثل النبوة التي قال فيها “سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليؤتى بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القدوسين” (دا9: 24).
المجوس يترقبون مجيء المخلص
إن النبوات التي في سفر دانيال كانت تتكلم عن ميعاد ميلاد السيد المسيح. فيقول سبعون أسبوعاً أي 490 سنة ونطرح منها أسبوع فيكون 483 سنة والسيد المسيح كان يجب أن يبدأ خدمته الكهنوتية وعمره 30 سنه وذلك حسب الشريعة، وبهذه الطريقة يمكن حساب ميعاد ميلاد السيد المسيح. والمجوس حسب النبوات كانوا يترقبون ظهور علامة لهم. لذلك ظهر لهم ملاك في صورة نجم. أي كائن سماوي كان يتحرك وغير ثابت. فإن كان هذا نجماً عادياً في السماء، سيكون بعيداً جداً وكان غير ممكن أن يحدد المكان بالتحديد.
ولكن هذا النجم جاء ونزل فوق حيث كان الصبي. لقد كان هذا ملاكاً وليس نجماً عادياً. ولكن لأنهم يرصدون حركة النجوم، فقد رأوا هذا النجم أنه نجم غريب. ورأوا علامات مميزة ففهموا أنه نجم لملك عظيم، أو أنه ملك كبير في الأرض. وبالنسبة للنبوة التي كانت عندهم في سفر دانيال. فإن دانيال النبي كان كبيراً للمجوس. أي أن المجوس كانوا تلاميذاً له ومع تسلسل الأجيال. وعندما رأوا المنظر بدأوا يفهمون.
إن الروح القدس كان لا يعمل في المجوس بنفس الصورة التي كان يعمل بها مع الرعاة ولكن ليس معنى هذا أنه لا يعمل نهائياً. ولكنه كان يتدرج معهم وذلك من خلال الأمور التي كانوا يستطيعون فهمها. فبالنسبة لهم كان سفر دانيال مثل أسفار الحكمة، أي أحكم الحكماء. فعندما نتذكر قصة نبوخذ نصر الملك عندما أخبره دانيال النبي بالحلم، وفسّر له الحلم وعيّنه كبيراً للمجوس فكل هذه الأمور تجعلهم يثقون في نبوات دانيال النبي.
إن الله كان يتعامل مع المجوس على حسب تفكيرهم. لذلك ظهر لهم الملاك على هيئة نجم وعندما قادهم إلى بلاد اليهودية، ذهبوا إلى العاصمة أورشليم وإذا النجم قد اختفى. وهنا بدأوا يسألون الناس، وذهبوا إلى هيرودس الملك يسألون أين هو المولود ملك اليهود فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له.
وبدأ هيرودس الملك يضطرب وأرسل لإحضار رؤساء الكهنة ليسألهم أين يولد المسيح “فقالوا له في بيت لحم اليهودية لأنه هكذا مكتوب بالنبي وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل” (مت2: 5-6).
واضطرب هيرودس وقرر أن يقتل هذا الطفل المولود الذي سوف يأخذ الملك منه وذلك حسب نظرته للعالم. ولكن السيد المسيح قال “مملكتي ليست من هذا العالم” (يو18: 36). فعندما خرج المجوس من عند الملك ظهر لهم النجم مرة أخرى. وهنا بدأ الإعلان السماوي يرجع إلى قيادتهم مرة أخرى.
وعندما وصلوا إلى البيت نزل النجم الذي كان يقودهم ثم اقترب من البيت. فعرفوا أن المولود هو ملك اليهود أو ملك ملوك الأرض أو ملك الملوك ورب الأرباب في السموات وما على الأرض حسب تفسير حلم الملك نبوخذ نصر الذي فسّره له دانيال النبي وكتبه في السفر المعروف باسمه.
الروح القدس يرشد المجوس إلى أنواع الهدايا
عندما بدأ المجوس يستعدون لرحلتهم اختاروا بعض الهدايا لكي يقدموها للملك المولود فاختاروا ثلاث هدايا وهي: ذهب ولبان ومر. فالمر له مذاق مر، ولكن رائحته عطرية. واعتبروا أن هذه أنواع من الهدايا التي أحياناً تقدم لبعض الناس في بعض المناسبات. ولكن بالنسبة للسيد المسيح كان لها مدلول عقائدي، ومدلول لاهوتي، ومدلول روحي، ومدلول نبوي.
فمن الواضح أن الروح القدس هو الذي أرشد المجوس إلى اختيار هذه الهدايا. ونلاحظ في صورة الميلاد أنها تكون بها ثلاثة من المجوس فقط. لكن من الممكن أن يكونوا أكثر من ثلاثة أشخاص لأن الكتاب لم يذكر أنهم ثلاثة مجوس. ولكن الهدايا فقط هي التي ثلاثة. فهم مجموعة من الحكماء أتت من بلاد فارس من رحلة طويلة. ولكن الذين قدموا الهدايا هم ثلاثة أشخاص.
لماذا ثلاث هدايا؟
إن اختيار عدد الهدايا ثلاثة هي إشارة إلى أن هذا المولود واحد من الأقانيم الثلاثة التي لإله واحد في الجوهر مثلث الأقانيم. فعدد الهدايا رمز وإشارة إلى السيد المسيح، ونوع الهدايا ذهب يرمز إلى أن السيد المسيح هو ملك، واللبان يرمز إلى إن السيد المسيح هو كاهن، والمر يرمز إلى أن السيد المسيح سوف يتألم من أجل خلاص العالم.
فهو ملك وكاهن ونبي ولكن ليس نبي مثل باقي الأنبياء الذين سبقوه. ولكن هو رب الأنبياء. فهو ظهر في الهيئة كإنسان، ولكن في نفس الوقت هو ملك الملوك ورب الأرباب فإذا تكلمنا عنه كملك فهو ليس ملكاً عادياً. ولكنه ملك الملوك ورب الأرباب. وإذا قيل عنه نشيد فلا يقال نشيد عادى، بل يقال نشيد الأناشيد. وإذا كان هو كاهن فهو رئيس الكهنة الأعظم. الذي كهنوته كهنوت أبدى لا يزول.
وإذا كنا نتكلم عنه كنبى فهو ليس مجرد نبى عادى. فمثلاً تنبأ عن موته, وعن خراب أورشليم، وعن قيامته في اليوم الثالث. وقد تحققت كل هذه النبوات في حينها. وتنبأ أيضاً عن نهاية العالم. وسيتم ذلك لأن السيد المسيح هو الذي تنبأ بها.
وأهم نبوة قيلت “ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه إلى الأمم. فيهزأون به ويجلدونه ويتفلون عليه ويقتلونه وفى اليوم الثالث يقوم” (مر10: 33-34).
وكانت هذه هي أهم نبوة قالها السيد المسيح. وهذه النبوة كانت عن آلامه لذلك ارتبط المر بمعنى النبوة عند السيد المسيح أي أن المر إشارة إلى أنه نبى. أو أنه قد تنبأ عن موته وعن آلامه الخلاصية. فاللبان يرمز إلى الكهنوت لأن الكاهن يقدم ذبيحة البخور. وحتى عند الوثنيين فهم يبخرون للأوثان.
لذلك فإن مسألة التبخير وارتباطها بالكهنوت، مسألة معروفة من العهد القديم عند شعوب كثيرة. ولكن عندنا نحن لها مدلول روحى خاص. بل إن السيد المسيح نفسه كان رائحة بخور عطرة ونقول عنه أيضاً }هذا الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة عن خلاص جنسنا فاشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة{ (لحن “فى إيتاف إنف vaietafenf” الذي يقال يوم الجمعة العظيمة ويقال بلحن آخر في تسبحة يوم الأحد).
فالسيد المسيح أصعد ذاته رائحة رضا وسرور لله الآب في طاعة كاملة. وفى سيرته العطرة كرئيس كهنة قدم الذبيحة المقبولة التي قبلها الآب السماوى، وبها كفَّر عن كل خطايا البشرية لكل الذين يؤمنون باسمه ويؤمنون بخلاصه ويقبلون أن يتشبهوا بموته وقيامته عندما يدفنون في المعمودية مع المسيح ويقومون فيها أيضاً معه.
إن السيد المسيح عندما يتكلم من حيث إنه قد تنبأ فلابد أن نتذكر أنه ليس مجرد نبى، ولكنه الله الكلمة المتجسد، وهو ابن الله الوحيد. لكن من الطبيعي إذ ظهر في الهيئة كإنسان أن يقول بعض الأمور التي تنبأ بها. وحينما تحدث نتأكد أنه كان يتكلم كلام الله. وليس مجرد كلاماً عادياً مثل أي إنسان عادى. فقد كانت نبوته عن موته على الصليب وقيامته من بين الأموات شيئاً هاماً جداً بالنسبة للكنيسة لهذا فحينما ظهر السيد المسيح بعد القيامة قال لتلاميذه “أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده” (لو24: 26).
كيف تعامل الروح القدس مع المجوس؟
إن الروح القدس قد تدرج مع المجوس. ففي البداية أرشدهم إلى اختيار أنواع الهدايا التي يقدمونها ثم ظهر لهم نجم لكي يرشدهم إلى الطريق. ولكن بعد أن سجدوا للسيد المسيح الإله الكلمة ومخلّص العالم. بدأت علاقة الله معهم تكون أقوى من الأول، وبدأ الله يتعامل معهم بإعلانات سماوية واضحة فيقول الكتاب “ثم إذ أوحى إليهم في حلم أن لا يرجعوا إلى هيرودس انصرفوا في طريق أخرى إلى كورتهم” (مت2: 12).
وذلك لأن هيرودس كان يريد قتل الطفل، ولكن الله أوحى إليهم أن ينصرفوا في طريق آخر. وبذلك نرى الروح القدس قد بدأ يعمل في حياتهم بصورة أقوى عن طريق الوحي. وهذا معناه أن الله يدعو الأمم إلى معرفته عن طريق مجيء السيد المسيح إلى العالم. ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.
حددت نبوات العهد القديم، وبكل دقة، أنساب المسيح الذين تناسل منهم من آدم وحتى داود النبي، كما حددت ميلاده من عذراء ومكان ميلاده في بيت لحم، وحددت، وبكل دقة، زمن مجيئه وتجسده وصلبه (قطعه حسب تعبير الملاك جبرائيل لدانيال النبي)، سواء بالحكم الذي سيتجسد في زمنه أو بعدد سنوات محددة تبدأ من تاريخ معلوم وتنتهي بتاريخ معلوم وترتبط بأحداث معلومة لم يخطئها لا علماء اليهود (الراباي – الرابيين – Rabbi) ولا آباء الكنيسة المسيحية وعلمائها، من بعدهم، بل عرفها علماء اليهود وعلى ضوئها انتظروه وكانوا متوقعين مجيئه أثنائها، كما سنبين حالا من أقوال علماء اليهود (الربيين):
1- مجيئه كنسل المرأة:
النبوّة
إتمامها
” فقال الرب الإله للحيّة لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية. على بطنك تسعين وترابا تأكلين كل أيام حياتك. وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه ” (تكوين 3: 14و15).
” ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس ” (غل4: 4).
” وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع … الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو1 :34و35).
وعبارة ” نسلها = seed (offspring) “، في النبوّة تشير إلى نسل يأتي من المرأة فقط دون مشاركة من الرجل، أي من عذراء وبدون زرع بشر، كما تنبأ بذلك اشعياء النبي، بعد ذلك (اش7 :14). حيث تقول النبوّة أن نسل المرأة سيولد، فقط، من المرأة من دون الرجل، وهذا النسل هو الذي سيسحق رأس الحية، والحية هي إبليس نفسه؛ فيقول القديس بولس: ” ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة مولودا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني ” (غل4 :4و5).
ويشرح عملية التجسد بقوله: ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفا من الموت كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية ” (عب2 :14و15). ويقول القديس يوحنا: ” من يفعل الخطية فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطئ. لأجل هذا أظهر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس ” (1يو3 :8)
ويشرح لنا الإنجيل القديس متى كيفية الحبل بالمسيح من المرأة، العذراء، من دون الرجل، وبدون زرع بشر، فيقول بالروح: ” أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان بارا ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سرّا. ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك. لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس ” (مت1 :18-20).
كما يقدم لنا سفر الرؤيا وصفا تصويرياً لتطبيق هذه النبوّة في شخص الرب يسوع المسيح، فيقول: ” وظهرت آية عظيمة في السماء امرأة (إسرائيل = العذراء مريم) متسربلة (مُلتَحِفَةٌ) بالشمس (المسيح شمس البر) والقمر تحت رجليها وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبا (أسباط إسرائيل) وهي حبلى (بالنبوات والمسيح) تصرخ متمخضة (مِن أَلَمِ المَخاض) ومتوجعة لتلد. وظهرت آية أخرى في السماء.
هوذا تنين عظيم احمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى رؤوسه سبعة تيجان. وذنبه يجر ثلث نجوم السماء فطرحها إلى الأرض. والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتى يبتلع ولدها متى ولدت. فولدت ابنا ذكرا عتيدا أن يرعى جميع الأمم بعصا من حديد. واختطف ولدها إلى الله والى عرشه … فطرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان (الَّذي يُقالُ لَه إِبْليسُ والشَّيطان) الذي يضل العالم كله طرح إلى الأرض وطرحت معه ملائكته. وسمعت صوتا عظيما قائلا في السماء الآن صار خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه لأنه قد طرح المشتكي على أخوتنا الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهارا وليلا ” (رؤ12 :1-10).
والمرأة المتسربلة بالشمس هنا هي رمز لمملكة إسرائيل التي كانت تحمل نبوات العهد القديم وسيأتي منها المسيح المنتظر، شمس البر ” شمس البرّ والشفاء في أجنحتها ” (ملا4 :2)، كما ترمز للعذراء التي تجسد منها الرب يسوع المسيح وولدته، والتنين هو الشيطان أو الحية القديمة الذي سحقه المسيح وطرده من السماء، كقول الكتاب: ” واله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعا ” (رو16 :20)،
وقد أكد علماء اليهود (الراباي – Rabbi)، خاصة في ترجوم يوناثان المنحول وترجوم أورشليم، أن هذه النبوة، نبوة نسل المرأة، خاصة بالمسيح المنتظر، ويسبقها ما جاء في (تك1 :2) ” وروح الله يرف على وجه المياه “، والتي ربطوها بقول النبوة في اشعياء عن المسيح ” ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب ” (اش11 :2)، وقالوا أن روح الله يتحرك على وجه عمق التوبة. ويقولون أنها روح الملك المسيا. كما يربطون نبوة نسل المرأة بما جاء (راعوث4 :18) ” وهذه مواليد فارص. فارص ولد حصرون “. ويركزون على فارص باعتباره أحد أجداد المسيح من راعوث الموآبية لدرجة أن سفر راعوث له كتاب كبير يسمى مدراش راعوث.
ويقول ترجوم يوناثان (Jonathan Ben Uzziel): ” الملك المسيا (المسيح) الذي جرح ليشفي “، ويربط الرابي ديفيد كيمي (rabbi David Kimchi) هذه البنوة بالمسيح الذي من نسل داود ويقول: ” أنت جلبت الخلاص لشعبك بالمسيا (المسيح)، بيد ابن داود الذي سيجرح الشيطان الذي هو رأس وملك وأمير الشر “.
وفي مدراش شيموت راباه (Shemot Rabbaa 30) يوضح أن مجيء المسيح من فارص من سبط يهوذا بعد سقوط الإنسان وفساد كل الشعوب سيصحح حالة الإنسان النهائية ويدمر الموت للأبد، كما قال القديس بولس: ” آخر عدو يبطل هو الموت ” (1كو 15 :26)، وما جاء في رؤيا ” وسمعت صوتا عظيما من السماء قائلا هوذا مسكن الله مع الناس وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعبا والله نفسه يكون معهم إلها لهم.
وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم والموت لا يكون فيما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد لان الأمور الأولى قد مضت ” (رؤ21 :3و4)، فيقول ” هذا هو تاريخ فارص وله مغزى عميق (…) عندما خلق روح الله عالمه، لم يكن هناك ملاك الموت بعد (…)، ولكن عندما سقط آدم وحواء في الخطية، فسدت كل القبائل. وعندما نهض فارص بدأ التاريخ يكون صحيحا بواسطته، لأنه منه سيتناسل المسيا (المسيح)، وأثناء أيامه سيختطف الله القدوس الموت، كما قيل: أنه سيدمر الموت إلى الأبد “.
ويقول ترجوم يوناثان أيضاً: ” وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. وعندما يحفظ نسل المرأة وصايا الناموس فإنهم يصوبون نحوك تصويباً صحيحاً، ويضربونك على رأسك، ولكن عندما يتركون وصايا الناموس فإنك تصوبين نحوهم تصويباً صحيحاً وتجرحين عقبهم. لكن هناك علاجاً لهم، أما لك أنت فلا علاج. وفي المستقبل يصنعون سلاماً مع العقب، في أيام الملك المسيح “[1].
ويقول ترجوم على التوراة: ” وسيكون عندما يدرس نسل المرأة التوراة باجتهاد ويطيعون وصاياها، سيضربونك على الرأس ويقتلونك؛ ولكن عندما يهجر نسل المرأة وصايا التوراة ولا يطيعون أوامرها، فستوجهين نفسك للدغهم في العقب وتؤلميهم، وعلى أية حال فهناك علاج لأبناء المرأة، ولكن بالنسبة لك، أيتها الحية، فلا علاج، سيعملون سلام مع احد آخر في النهاية، في نهاية الأيام، في أيام الملك المسيا “[2].
ويقول ترجوم أونكيلوس على (تكوين 3: 15): ” وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين ابنك وابنها وهو سيذكر ما فعلته معه منذ البدء، وأنت ستراقبينه حتى النهاية “[3].
مريم العذراء
2 – ولادته من عذراء:
النبوّة
إتمامها
” ولكن يعطيكم السيد نفسه آية ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل ” (أش7:14). وعذراء في العبرية هنا (עלמה- عُلماْه)، وتعني عذراء بكر وفتاه. وقد ترجمت في اليونانية السبعينية (παρθενος -Parthenos)،أي عذراء.
” فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست اعرف رجلا. فأجاب الملاك وقال لها. الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو1 :34و35).
يقول القديس متى بالروح: أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان بارا ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سرّا. ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك.لان الذي حبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت1 :18-23).
والنبوة هنا تركز على أربعة نقاط هامة:
1 – آية ” يعطيكم السيد نفسه آية “.
2 – العذراء .. من هي؟
3 – العذراء تحبل وتلد ابناً.
4 – المولود هو عمانوئيل.
1 – الآية: والآية المقصودة في هذا الفصل الإلهي أو المعجزة مزدوجة، فهي أولا: تعنى أن ” عذراء ” أو ” العذراء ” ستحبل وتلد ومع ذلك تظل ” عذراء ” لأنه يتكلم عنها كعذراء سواء قبل الحبل أو إثناؤه أو بعد الميلاد ” ها العذراء تحبل وتلد ” فالآية تنص على أن العذراء ستحبل وان العذراء ستلد وبذلك تنص ضمناً على أنها ستظل بعد الحبل والولادة عذراء أيضاً لأنه يدعوها ” بالعذراء ” معرفة بأداء التعريف.
والآية ليست معطاة من بشر أو بواسطة بشر ولكن معطاة من الله ذاته ” ولكن السيد نفسه يعطيكم آية “، السيد نفسه وليس مخلوق هو معطى الآية. ولكن كيف تتم هذه الآية؟ وهذا ما سألته العذراء مريم نفسها للملاك قائله: ” كيف يكون لي هذا وأنا لست اعرف رجلاً “؟ (لو1 :34). أي كيف أحبل وأنا عذراء وقد نذرت البتولية وليس في نيتي التراجع؟ ويجيب الملاك أن هذا الحبل لن يمس بتوليتك ولن يضطرك للتراجع عما نذرتيه وسوف تظلين بتول إلى الأبد. وأما عن الكيفية فهذا عمل الله وحده: ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو1 :35).
الروح القدس هو الذي سيتولى هذه المهمة الإلهية لأن المولود هو القدوس ذاته. وقوه الله هي التى تظللها أي تحل عليها، تسكن فيها، لذلك لن تحتاج إلى رجل، لن يكون المولود من زرع بشر لأنه القدوس، بل لابد أن يولد من عذراء بحلول الروح القدس على العذراء. وكان برهان المعجزة، معجزة حبل العذراء، هو حبل اليصابات العاقر المتقدمة في الأيام وزوجها الشيخ (لو1 :18) والتي لم تنجب في شبابها ولكن أراد الرب أن تحبل وتنجب في شيخوختها عبر هنا على قدرته التى ليست لها حدود.
2 – العذراء: وكلمه ” العذراء ” المستخدمة هنا فضلاً عن أنها تشير إلى دوام البتولية جاءت في اللفظ العبري ” hm’ªl.[;h’ = ها عُلماه = Alma ” وال – ” h’ = ها = ال = the “، أي أداة التعريف، أي العذراء، وتعنى فتاه ناضجة، وهي مشتقة من أصل بمعنى ” ناضج جنسياً ” كما يعنى عذراء كاملة الأنوثة، كما تشير إلى امرأة في سن الزواج (of marriageable age) ويرادفها في اليونانية (neanis) نيانيس = فتاه)[4]. وقد تكررت هذه ألكلمه سبع مرات في الكتاب المقدس وكلها ترجمت بمعنى فتاه (أو عذراء) غير متزوجة. وهى كالأتي:
(1) جاء في (تك24 :43و44) ” فها أنا واقف على عين الماء وليكن أن الفتاه (عُلماه = hm’ªl.[;h’ = of marriageable age) التى تخرج … هي المرأة التى عينها الرب لأبن سيدي “. والفتاه المقصودة هنا هي التى ستكون عروس لأسحق، أي أنها عذراء غير متزوجة.
(2) وجاء في (نش1: 3) ” 00 أسمك دهن مهراق لذلك أحبتك العذارى “، والعذارى هنا جمع (عُلماه = tAmïl'[] = عُلموت).
(3) وجاء في (نش8 :5) ” أحلفكنّ يا بنات (tAmïl'[] = عالموت = al-maw) أورشليم أن وجدتنّ حبيبي “. وبنات هنا جمع (عُلماه = tAmïl'[] = عُلموت) والمقصود عذارى في مرحله الحب قبل الزواج.
(4) وقيل عن أخت موسى العذراء ” فذهبت الفتاه (عُلماه = hm’ªl.[;h’) ودعت أم الولد ” (خر8:2) والفتاه هنا (عُلماه).
(5) وجاء في (أم 30: 19) ” وطريق رجل بفتاة (hm'(l.[;. = عُلماه) “، والفتاه هنا (عُلماه) والمقصود بها العروس التى أحضرت توا[5] ولم يدخل بها العريس ” أي ما زالت عذراء.
(6) وجاء في مزمور(68 :25) عن ضاربات الدفوف أثناء التسبيح للرب ” في الوسط فتيات (tAmªl'[]÷ = عالموت = al-maw) ضاربات الدفوف ” والفتيات هنا جمع (عُلماه) والمقصود بهن العذارى[6] أو الفتيات غير المتزوجات.
والكلمة السابعة هي ما جاء عن العذراء نفسها في نبوّة أشعياء النبي. وهذا يدل على أن كلمة ” hm’ªl.[;h = عُلماه ” المقصود بها في اللغة العبرية على الأقل في زمن الآيات المذكورة والتي يرجع تاريخ أحداثها إلى ما قبل سنة 1… قبل الميلاد – الفتاة العذراء غير المتزوجة ولكنها في سن النضوج والزواج كرفقة عروس اسحق وعذارى سفر النشيد وأخت موسى العذراء التى لم تكن قد تزوجت بعد وعروس النشيد وضاربات الدفوف في فريق التسبيح للرب.
وهناك لفظ عبري أخر هو ” בּתוּלה = بتوله ” وهو مشتق من لفظ عبري بمعنى يفصل، وتعنى عذراء منفصلة لم تعرف رجلاً قط، ومرادفها باليونانية ” παρθένος = parthenos = بارثينوس “[7]. ولكن استخدمت عدة مرات لتعبر عن امرأة متزوجة، أو غير عذراء، مثلما جاء في ” نوحي يا ارضي كعروس (hl’îWtb.Ki) مؤتزرة بمسح من اجل بعل صباها ” (يوئيل1 :8)، والتي ترجمت في اليونانية السبعينية (nu,mfhn) كعروس، متزوجة من بعل صباها، عذراء لم تتزوج.
وقد اختار الوحي الكلمة الأولى ” عُلماه ” للعذراء مريم في سفر اشعياء النبي للدلالة على أنها كانت فتاة ناضجة وفي سن الزواج، كما إنها كانت ستكون تحت وصاية خطيب – وذلك حسب الترتيب الإلهي – لحمايتها عند الحمل والولادة.
ولكن الوحي الإلهي أيضاً ألهم مترجمي الترجمة السبعينية فترجموا كلمة ” ها العذراء (hm’ªl.[;h = عُلماه) ..” إلى ” ها العذراء (παρθένος =parthenos = بارثينوس) ..” أي ترجموها ” παρθένος = بارثينوس ” أي عذراء منفصلة لم تعرف رجلاً قط ولم يترجموها ” نيانيس ” للدلالة على أنها ستكون عذراء دائماً ولن تعرف رجلاً قط لأن محتوى الآية يدل ويؤكد على هذا المعنى وأن الفتاة المقصودة وإن كانت ستكون ناضجة وتحت وصايا خطيب إلا إنها ستكون عذراء لم ولن تعرف رجلاً قط ” παρθένος = بارثينوس ” رغم خطبتها ليوسف.
3 – العهد الجديد والعذراء: وقد سار العهد الجديد على هذا النهج وأطلق على العذراء لقب ” بارثينوس ” واقتبس القديس متى فصل نبوّة اشعياء النبي وكتبها هكذا: ” هوذا العذراء (παρθένος = بارثينوس) تحبل وتلد ” (مت1 :23). وكذلك القديس لوقا لم يستخدم عن العذراء مريم سوى ” العذراء = παρθένος = بارثينوس “، فيقول بالروح: ” أرسل جبرائيل إلى عذراء (παρθένος = بارثينوس) مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف. وأسم العذراء (παρθένος = بارثينوس) مريم ” (لو1 :27).
وهكذا أيضاً دعا آباء الكنيسة القديسة مريم بالعذراء ” παρθένος = بارثينوس ” والدائمة البتولية ” إيبارثينوس “. وهذا يبطل ما زعمه اليهود ومن سار على دربهم بقولهم لم يكتب في نبوّة اشعياء ” عذراء ” بل كتب ” فتاة ” محاولين النيل من بتولية العذراء سواء قبل الحبل أو بعده.
والدة الإله العذراء – د. سعيد حكيم (2)
3 – عمانوئيل، الله معنا:
النبوّة
إتمامها
” ولكن يعطيكم السيد نفسه آية ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل (עמּנוּאל – עמנו אל) ” (أش7:14). وعمانو (עמנו) = معنا، و (إيل- אל) = الله، وفي اليونانية (Εμμανουηλ = Immanuel). (اش7 :14).
” فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. هوذا العذراء (παρθενος -Parthenos) تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت1 :21-23).
وقد كان الرب يسوع المسيح هو الله معنا كقول الكتاب: ” والكلمة صار جسدا وحلّ بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا ” (يو1 :14). وقد يعترض البعض ويقول أن الرب يسوع المسيح دعي ” يسوع ” وليس ” عمانوئيل “! والإجابة هي أن اسم يسوع يعبر عن كينونته ” كيهوه المخلص ” والذي يحمل اسم يهوه والذي هو اسم الله الوحيد الدال على كينونته كالموجود خالق كل وجود، بينما عمانوئيل هو لقب للمسيح ” الله معنا = عمانو (עמנו) = معنا، و (إيل– אל) = الله “، ويتكون من لقب يعبر عن كون الله إله ليعني الخالق والمعبود والذي سيكون معنا بحلوله وسطنا. اسم يسوع يدل على لاهوته كالموجود الدائم الوجود والواجب الوجود وعمله الخلاصي، واسم عمانوئيل يدل على كونه المعبود الذي حل وسط شعبه.
4 – دعي باسمه وهو في بطن أمه:
النبوّة
” اسمعي لي أيتها الجزائر وأصغوا أيها الأمم من بعيد. الرب من البطن دعاني من أحشاء أمي ذكر اسمي ” (اش49 :1). والذي يذكره الرب من أحشاء أمه يكون قد تسمى قبل أن حبل به في البطن. وهذا ما حدث مع المسيح.
إتمامها
” ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك. لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم ” (مت1 :20و21).
وهنا تعلن لنا النبوّة أن المسيح المنتظر والآتي سيدعى باسمه من البطن، ويقول الإنجيل للقديس لوقا: ” ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع كما تسمى من الملاك قبل أن حبل به في البطن ” (لو2 :21). وكان الملاك قد بشر العذراء قائلاً: ” فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع ” (لو1 :30و31).
5 – سيكون من نسل سام:
النبوّة
إتمامها
” وقال مبارك الرب اله سام. وليكن كنعان عبدا لهم. ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام ” (تك9 :26و27).
” يسوع … بن إبراهيم … بن سام بن نوح ” (لو3 :36).
لم يبق بعد الطوفان على الأرض سوى نوح وأولاده الثلاثة سام وحام ويافث، وحددت النبوّة أن نسل المرأة الآتي سيأتي من نسل سام بن نوح: ” وقال مبارك الرب اله سام. وليكن كنعان عبدا لهم. ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام ” (تك9 :26و27). وكان سام جدا لإبراهيم الذي جاء المسيح من نسله، كما يقول الكتاب: ” هذه مواليد سام.
لما كان سام ابن مئة سنة ولد ارفكشاد بعد الطوفان بسنتين. وعاش سام بعدما ولد ارفكشاد خمس مئة سنة وولد بنين وبنات … وعاش تارح سبعين سنة وولد إبرام وناحور وهاران ” (تك11 :9-26)، وإبرام هو إبراهيم: ” إبرام وهو إبراهيم ” (1أخ1 :27)، لأن الله غير اسمه من إبرام إلى إبراهيم ” فلا يدعى اسمك بعد إبرام بل يكون اسمك إبراهيم. لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم ” (تك17 :5).
6 – نسل إبراهيم:
النبوّة
إتمامها
” وقال الرب لإبرام اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي اريك. فأجعلك امة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة. وأبارك مباركيك ولاعنك العنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض ” (تك12 :1-3)، وحدد الله الوعد لإبراهيم بقوله: ” ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض ” (تك22:18)
” والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم … لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح … وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول وفي الانسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد وفي نسلك الذي هو المسيح ” (غل3 :8و14و16).
طلب الله من إبراهيم أبي الآباء أن يترك أرضه وعشيرته، في أور الكلدانيين فيما بين النهرين، ويذهب إلى أرض كنعان ليكوّن فيها أمة ويأتي منه نسل تتبارك به جميع الأمم ويرد العالم إلى عبادة الله الحي ويعود به إلى الفردوس الذي سبق أن خرج منه ” وقال الرب لإبرام اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك. فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة. وأبارك مباركيك ولاعنك العنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض ” (تك1:12-3).
وكان مرتبا في علم الله السابق ومشورته الأزلية أن يأتي النسل الآتي والمسيح المنتظر من ابن وعد الله به إبراهيم وفي الوقت المعين، ولكن لما شاخ إبراهيم وسارة دون أن ينجبا أشارت سارة على إبراهيم أن ينجب من هاجر فأنجب إسماعيل، ولكن هذا كان رأي سارة ومشورتها البشرية وليس ترتيب المشورة الإلهية الأزلي، وفي الوقت المعين قال الله لإبراهيم: ” سارة امرأتك تلد لك ابنا وتدعو اسمه اسحق. وأقيم عهدي معه عهدا أبديا لنسله من بعده. وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا. اثني عشر رئيسا يلد واجعله أمة كبيرة. ولكن عهدي أقيمه مع اسحق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية ” (تك19:17-21).
ثم أمتحن الله إبراهيم وطلب منه أن يصعد ابنه اسحق محرقة على جبل المريا وأطاع إبراهيم الله ومد يده وأخذ السكين ليذبح أبنهُ اسحق ظهر له ملاك الرب وقال له لا تمد يدك إلى الغلام وقدم له كبشا فدية عن اسحق ” وقال بذاتي أقسمت يقول الرب. أني من اجل انك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيرا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر. ويرث نسلك باب أعدائه. ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض. من اجل انك سمعت لقولي ” (تك15:22-18). وهنا يتكلم الله عن اسحق باعتباره ابن الموعد وحامل مواعيد الله: ” بالإيمان قدم إبراهيم اسحق وهو مجرب. قدم الذي قبل المواعيد وحيده الذي قيل له انه باسحق يدعى لك نسل ” (عب17:11و18).
وأكد العهد الجديد أن هذا النسل الآتي هو الرب يسوع المسيح فقال القديس بطرس بالروح لشيوخ وعامة اليهود: ” انتم أبناء الأنبياء والعهد الذي عاهد به الله آباءنا قائلا لإبراهيم وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض. إليكم أولا إذ أقام الله فتاه يسوع أرسله يبارككم برد كل واحد منكم عن شروره ” (اع25:3و26).
وقال القديس بولس بالروح ” والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم. إذا الذين هم من الإيمان يتباركون مع إبراهيم المؤمن … لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح. أيها الأخوة بحسب الإنسان أقول ليس أحد يبطّل عهدا قد تمكن ولو من إنسان أو يزيد عليه. وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول وفي الانسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد وفي نسلك الذي هو المسيح. وإنما أقول هذا أن الناموس الذي صار بعد أربع مئة وثلاثين سنة لا ينسخ عهدا قد سبق فتمكن من الله نحو المسيح حتى يبطّل الموعد ” (غل8:3-17).
7 – نسل اسحق:
” ولكن عهدي اقيمه مع اسحق الذي تلده لك سارة ” (تك17 :21).
النبوّة
إتمامها
” فقال الله بل سارة امرأتك تلد لك ابنا وتدعو اسمه اسحق. واقيم عهدي معه عهدا ابديا لنسله من بعده ” (تك17 :19). وقال لإسحق: ” وتتبارك في نسلك جميع أمم الأرض ” (تك2:26 – 4).
” يسوع … ابن اسحق ” (لوقا 3: 23و34). ما أنطبق على إبراهيم من جهة النسل الموعود أنطبق على إسحق ومن بعده يعقوب.
كان الوعد وكانت المواعيد الإلهية، بحسب ترتيب الله الإلهي ومشورته الأزلية وعلمه السابق، خاصة بإسحق ابن الموعد والذي أعطاه الله لإبراهيم في سن وزمن لم يتوقع فيه الإنجاب وليس لابن الجسد والمشورة الإنسانية التي ظنت أن الله لن يحقق وعوده!! يقول الكتاب: ” فانه مكتوب انه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد.
وكل ذلك رمز لان هاتين هما العهدان إحداهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعا فهي حرة. لأنه مكتوب افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. اهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض فان أولاد الموحشة أكثر من التي لها زوج. وأما نحن أيها الأخوة فنظير اسحق أولاد الموعد ” (غل4 :22-28).
وبعد وفاة إبراهيم أكد الله هذا الوعد عينه لإسحق حيث يقول الكتاب: ” وكان بعد موت إبراهيم أن الله بارك اسحق ابنه ” (تك11:25)، وأكد له الوعد من جديد: ” وظهر له الرب وقال لا تنزل إلى مصر اسكن في الأرض التي أقول لك. تغرب في هذه الأرض فأكون معك وأباركك لأني لك ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد وأفي بالقسم الذي أقسمت لإبراهيم أبيك وأكثر نسلك كنجوم السماء وأعطينسلك جميع هذه البلادوتتبارك في نسلك جميع أمم الأرض ” (تك2:26-4).
8 – نسل يعقوب:
ومن نسل إسحق اختار الله يعقوب:
النبوّة
إتمامها
وقد جدد الله الوعد ليعقوب قائلاً: ” أنا الرب اله إبراهيم أبيك واله اسحق … ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض ” (تك 28 :13و14).
قال الملاك للعذراء: ” هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية ” (لو1:32و33).
وأنجب أسحق يعقوب وعيسو من رفقة في بطن واحدة وكان الله في سابق علمه ومشورته الأزلية قد أختار يعقوب وحدة ليأتي منه النسل الموعود وتمتد في ذريته النبوة، ومن ثم قال لرفقة وهي حامل بيعقوب وعيسو: ” في بطنك أمّتان. ومن أحشائك يفترق شعبان. شعب يقوى على شعب. وكبير يستعبد لصغير ” (تك25 :23)،
وأيضا يقول الكتاب: ” أليس عيسو أخا ليعقوب يقول الرب وأحببت يعقوب وأبغضت عيسو ” (ملا1 :2و3)، ” رفقة أيضا وهي حبلى من واحد وهو اسحق أبونا. لأنه وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرا أو شرا لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو. قيل لها أن الكبير يستعبد للصغير. كما هو مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسو ” (رو9 :10-13). ومن ثم فقد جدد الله الوعد ليعقوب قائلاً: ” أنا الرب اله إبراهيم أبيك واله اسحق الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك. ويكون نسلك كتراب الأرض وتمتد غربا وشرقا وشمالا وجنوبا ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض ” (تك28 :13، 14).
9 – كوكب يعقوب:
وبعد يعقوب بعدة أجيال تنبأ بلعام بن بعور عن هذا النسل الموعود والفادي المنتظر قائلاً بالروح القدس: ” أراه ولكن ليس الآن أبصره ولكن ليس قريبا يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفي موآب ويهلك كل بني الوغى ” (عد17:24). ورأى علماء اليهود أن هذا الكوكب هو المسيح المنتظر، فيقول ترجوم أونكيلوس: ” أراه وليس الآن، أنظره ولكن ليس قريباً. يبرز ملك من يعقوب، ويقوم المسيح من إسرائيل “.
النبوّة
إتمامها
ثم قالت البنوة عن مجيء المسيح من يعقوب أيضاً: ” أراه ولكن ليس الآن. أبصره ولكن ليس قريبا. يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفي موآب ويهلك كل بني الوغى ” (عدد24 :17).
” وعندنا الكلمة النبوية وهي اثبت التي تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم ” (2بط1 :19).
ويؤكد لنا العهد الجديد أن المسيح هو هذا الكوكب: ” وعندنا الكلمة النبوية وهي اثبت التي تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم ” (2بط1 :19)، ” أنا يسوع أرسلت ملاكي لأشهد لكم بهذه الأمور عن الكنائس. أنا أصل وذرية داود. كوكب الصبح المنير ” (رؤ22 :16).
10– نسل يهوذا الذي تخضع له الشعوب:
النبوّة
إتمامها
” لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلوه وله يكون خضوع شعوب ” (تك49 :10).
” ربنا قد طلع من سبط يهوذا ” (عب7 :14)، ووصف في سفر الرؤيا بـ ” الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ” (رؤ5 :5).
في نهاية أيام يعقوب أجتمع بأبنائه الأثني عشر وباركهم وتنبأ عن مستقبل نسل كل واحد منهم وعندما جاء إلى يهوذا قال: ” يهوذا إياك يحمد إخوتك. يدك على قفا أعدائك يسجد لك بنو أبيك. يهوذا جرو أسد. من فريسة صعدت يا ابني. جثا وربض كاسد وكلبوة. من ينهضه. لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلوه وله يكون خضوع شعوب ” (تك49 :8-10).
وتعني النبوّة هنا أن الحكم والتشريع سيستمران في يهوذا وفي إسرائيل إلى أن يأتي المسيح المنتظر، فكلمة القضيب هنا هو الصولجان، عصا الحكم، والمشترع هو الذي يطبق الشريعة، ومن بين رجليه أي من صلبه، صلب يهوذا، وشيلوه هو الذي له، أي الذي له الصولجان والتشريع والحكم. وقد تم ذلك حرفيا بعد ميلاد المسيح بسبع سنوات (أنظر الفصل التالي).
وقد بدأ الإتمام الحرفي لهذه النبوة منذ أيام داود النبي والملك كأول حاكم وملك لبني إسرائيل من سبط يهوذا فقد ” رفض (الله) خيمة يوسف ولم يختر سبط افرايم. بل اختار سبط يهوذا جبل صهيون الذي أحبه ” (مز78 :67 و68)، ومن ثم فقد بدأ تطبيق هذه النبوة من داود النبي الذي هو من سبط يهوذا ” وداود هو ابن ذلك الرجل الافراتي من بيت لحم يهوذا الذي اسمه يسّى ” (1صم17 :12). واستمر بعد ذلك حتى جاء المسيح وانتهى الحكم من يهوذا وإسرائيل نهائيا منذ ذلك الوقت.
وقد أعتقد كل علماء اليهود الرابيين القدماء أن شيلوه هو لقب المسيا الآتي: وعلى سبيل المثال قال ترجوم أونكيلوس تفسيرا لهذه النبوّة: ” أن انتقال الحكم من يهوذا لن يتوقف من بيت يهوذاولا الكاتب من أبناء أبنائهم حتى يأتي المسيا “(3). وقال ترجوم يوناثان المنحول ” الملك والحكام لن يتوقفوا من بيت يهوذا … حتى يأتي الملك المسيا “(5). ويقول ترجوم أورشليم: ” لن يتوقف الملوك من بيت يهوذا … حتى مجيء الملك المسيا … الذي ستخضع له كل سيادات الأرض “(6).
وأكد العهد الجديد أن الرب يسوع المسيح هو هذا الآتي من سبط يهوذا: ” ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي … بن داود بن يسّى … بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ” (لو3 :23-34)، ” فانه واضح أن ربنا قد طلع من سبط يهوذا ” (عب7 :14)، ” هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ” (رؤ5 :5).
11 – أصل يسىَّ وغصن البر:
النبوّة
إتمامها
” ويخرج قضيب من جذع يسىَّ وينبت غصن من أصوله … ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسىّ القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ويكون محله مجدا ” (اشعياء 11: 1و10).
” يسوع … ابن داود ابن يسَّى ” (لوقا 3: 23و32 ومت1: 6).
وأيضا يقول اشعياء ” سيكون أصل يسّى والقائم ليسود على الأمم عليه سيكون رجاء الأمم ” (رو15 :12).
” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب. ولذته تكون في مخافة الرب فلا يقضي بحسب نظر عينه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه. بل يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالأنصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه. ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معا وصبي صغير يسوقها. والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معا والأسد كالبقر يأكل تبنا.
ويلعب الرضيع على سرب الصل ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان. لا يسوؤون ولا يفسدون في كل جبل قدسي لان الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر. ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ويكون محله مجدا ويكون في ذلك اليوم أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه التي بقيت من أشور ومن مصر ومن فتروس ومن كوش ومن عيلام ومن شنعار ومن حماة ومن جزائر البحر ” (اش11 :1-11).
وهذا النبوّة تتكلم عن المسيح كالقضيب الذي سيخرج من نسل يسى والد داود وكونه الغصن، غصن البر، الذي سيحل عليه روح الرب ويقوم بعمله المسياني (المسيحي) سواء من جهة التعليم والمعرفة والمعجزات ومن جهة السلام الروحي الذي سيحل في قلوب المؤمنين به، والذي فهمه بعض علماء اليهود ومن شايعهم من أمثال السبتيين وشهود يهوه خطأ وظنوا أن المقصود به هو ما سيكون على الأرض في الملك الألفي!! وأن كان بعضهم فهموه بالمعنى الصحيح للفكر المسياني للمسيح المنتظر فيقول ترجوم اشعياء: ” يخرج ملك من نسل يسَّى، ومسيح من ذريته يقوم. وعليه يستقر روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب “[8].
كما تنبأ العهد القديم عدة مرات عن هذا الغصن، المسيا، الذي سيخرج من نسل داود ويحل عليه روح الرب ليجري الحق والعدل: ” في ذلك اليوم يكون غصن الرب بهاء ومجدا وثمر الأرض فخرا وزينة للناجين من إسرائيل ” (اش4 :2)، ” ها أيام تأتي يقول الرب وأقيم لداود غصن بر فيملك ملك وينجح ويجري حقا وعدلا في الأرض ” (ار23 :5)، ”
في تلك الأيام وفي ذلك الزمان انبت لداود غصن البر فيجري عدلا وبرا في الأرض ” (ار33 :15)، ” لأني هأنذا آتي بعبدي الغصن ” (زك3 :8)، ” هوذا الرجل الغصن اسمه ومن مكانه ينبت ويبني هيكل الرب ” (زك6 :12). وقد وصف بالعبد لأن الرب يسوع المسيح ” أخلى نفسه أخذ صورة عبد ” (في2 :7)، ظهر في الجسد (1تي3 :16)، ” صار جسدا ” (يو1 :14). كما أن هذا الغصن هو أيضاً ” أصل يسى “، أي خالقه كما قال الكتاب عن المسيح أنه ” من سبط يهوذا أصل داود ” (رؤ5 :5)، وكما قال المسيح عن نفسه ” أنا أصل وذرية داود ” (رؤ22 :16).
12 – نسل داود ورب داود وابن الله:
النبوّة
إتمامها
” أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك واثبت مملكته هو يبني بيتا لاسمي وأنا اثبت كرسي مملكته إلى الأبد. أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا … ويأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك. كرسيك يكون ثابتا إلى الأبد ” (2صم13:7، 14و16مع 1أخ17 :11-13).
” يسوع … ابن داود ” (لو3: 23و31 ومت 1: 1). ” أنا أصل وذرية داود ” (رؤ22 :16). ” لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا. وأيضا متى ادخل البكر إلى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله ” (عب1:1 – 6).
أختار الله داود بن يسى من أبناء سبط يهوذا الذي قال عنه ” وجدت داود بن يسى رجلا حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي ” (أع22:13)، ويقول الله لداود بالروح ” اقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه. من ثمرة بطنك اجعل على كرسيك … هناك انبت قرنا لداود. رتبت سراجا لمسيحي ” (مز132 :11و17)، ” قطعت عهدا مع مختاري حلفت لداود عبدي إلى الدهر اثبت نسلك وابني إلى دور فدور كرسيك … وجدت داود عبدي بدهن قدسي مسحته … إلى الدهر أحفظ له رحمتي وعهدي يثبت له واجعل إلى الأبد نسله وكرسيه مثل أيام السموات … مرة حلفت بقدسي أنى لا اكذب لداود نسله إلى الدهر يكون وكرسيه كالشمس أمامي مثل القمر يثبت إلى الدهر والشاهد في السماء أمين ” (مز3:89، 4، 20، 28، 29، 35، 37، 38).
وأيضا: ” متى كملت أيامك واضطجعت مع آبائك أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك واثبت مملكته هو يبني بيتا لاسمي وأنا اثبت كرسي مملكته إلى الأبد. أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا … ويأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك. كرسيك يكون ثابتا إلى الأبد ” (2صم13:7، 14و16مع 1أخ17 :11-13). هذا الابن أو النسل الآتي ليس مجرد بشر بل يقول عنه الروح القدس لداود ” يكون اسمه إلى الدهر قدام الشمس يمتد اسمه ويتباركون به كل أمم الأرض يطوبونه ” (مز17:72).
وقد تحقق هذا الوعد جزئيا في سليمان الحكيم ابن داود الذي جلس على كرسيه بعده مباشرة، ولكنه تحقق فعليا وعمليا في شخص الرب يسوع المسيح كقول القديس بولس بالروح ” الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثا لكل شيء الذي به أيضا عمل العالمين.
الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي صائرا أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسما أفضل منهم. لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا. وأيضا متى ادخل البكر إلى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله “ (عب1:1 – 6).
فمن هذا الذي تسجد له جميع ملائكة الله؟ أنه الذي تنبأ عنه أيضا قائلاً ” فيثبت الكرسي بالرحمة ويجلس عليه بالأمانة في خيمة داود قاض ويطلب الحق ويبادر بالعدل ” (اش5:16)، وأيضا ” واجعل مفتاح بيت داود على كتفه فيفتح وليس من يغلق ويغلق وليس من يفتح ” (اش22:22)، ويقول الكتاب بالروح أن الذي له مفتاح داود هو ” القدوس الحق الذي له مفتاح داود الذي يفتح ولا أحد يغلق ويغلق ولا أحد يفتح ” (رؤ7:3)، وأيضا ” أميلوا آذانكم وهلموا إليّ اسمعوا فتحيا أنفسكم واقطع لكم عهدا أبديا مراحم داود الصادقة ” (اش3:55). كما تنبأ عنه أيضا كابن يسى والد داود.
وكان اشعياء النبي قد سبق وتنبأ عن مضمون هذه النبوّات بقوله عن المسيح: ” لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد ” (اش9:7)، ” ويسكن شعبي في مسكن السلام وفي مساكن مطمئنة وفي محلات أمينة ” (اش32:17).
ويمتلئ التلمود بالإشارات عن المسيا باعتباره ” ابن داود “. وفي كتابه ” عالم موسى بن ميمون ” يقدم چاكوب مينكين وجهة نظر هذا العالم اليهودي: ” إن في رفضه للأفكار الصوفية عن المسيا وأصله وعمله والقوات العجيبة الفائقة المنسوبة إليه، يؤكد موسى بن ميمون أنه ينبغي النظر إلى المسيا كبشر قابل للموت، لكنه يختلف عن باقي الناس في أنه سيكون أوفر حكمة وقوة وبهاء منهم. وينبغي أن يكون من نسل داود وينشغل مثله بدراسة التوراة وحفظ الشريعة “[9].
13 – جلوسه على عرش داود كالإله القدير:
النبوّة
إتمامها
” لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا أبا أبديا رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد ” أش9 :6و7).
قال الملاك للعذراء: ” وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية ” (لو1 :31-33).
وهنا في هذه النبوة التي سنشرحها تفصيليا لاحقاً يؤكد الوحي الإلهي بفم اشعياء النبي أن ابن داود هذا هو المسيا الذي سيجلس على عرشه لا كإنسان بل كالإله القدير الآب الأبدي.
14 – ميلاده في بيت لحم مدينة داود:
النبوّة
إتمامها
” أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (مي 5: 2).
” ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم … فقالوا له في بيت لحم اليهودية. لأنه هكذا مكتوب بالنبي. وأنت يا بيت لحم ارض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا. لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل ” (مت2 :1و5و6).
وهنا يوضح لنا الكتاب أن رؤساء اليهود، بل وهيرودس الملك الآدومي، كانوا يعرفون بل ومتأكدون أن المسيح المنتظر سيولد في تلك الأيام، أيام هيرودس وهؤلاء الرؤساء، لذا سأل هيرودس: ” أين يولد المسيح؟ “، مما يدل على أنه كان يعرف أنه سيولد في تلك الأيام، وهم بدورهم كانوا يعرفون أنه سيولد في بيت لحم، فقالوا لهيرودس: ” في بيت لحم اليهودية. لأنه هكذا مكتوب بالنبي. وأنت يا بيت لحم ارض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا.
لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل ” (مت2 :5و6). وهكذا بقية اليهود الذين كانوا يعرفون الكتاب فقالوا: ” ألم يقل الكتاب انه من نسل داود ومن بيت لحم القرية التي كان داود فيها يأتي المسيح ” (يو7 :42).
15 – مجيء المجوس وتقديمهم له الهدايا:
وتنبأ العهد القديم عن مجيء المجوس للخضوع للمسيح رمزا لخضوع جميع الأمم له.
النبوّة
إتمامها
” ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة، ملوك شبا وسبأ يقدمون هدية ” (مز72 :10).
” تغطيك كثرة الجمال بكران مديان وعيفة كلها تأتي من شبا. تحمل ذهبا ولبانا وتبشر بتسابيح الرب “(اش60 :6).
” ولما ولد يسوع في بيت لحم … إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين أين هو المولود ملك اليهود. فإننا رأينا نجمه في المشرق واتينا لنسجد له … وأتوا إلى البيت ورأوا الصبي مع مريم أمه. فخروا وسجدوا له. ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا ذهبا ولبانا ومرّا ” (مت2 :1و2و11).
وقد طبقت هذه النبوّة تاريخيا وبشكل مباشر على سليمان الحكيم وتم تطبيقها نبويا على المسيح، خاصة أن الآيات من مزمور72 :12-14 لا تنطبق إلا على المسيح فقط: ” ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة. ملوك شبا وسبإ يقدمون هدية. ويسجد له كل الملوك. كل الأمم تتعبد له. لأنه ينجي الفقير المستغيث والمسكين إذ لا معين له. يشفق على المسكين والبائس ويخلص أنفس الفقراء. من الظلم والخطف يفدي أنفسهم ويكرم دمهم في عينيه ” (مز72 :12-14).
فكل هذه الصفات لا تنطبق إلا على المسيح وليس على غيره فهو الذي تتعبد له جميع الشعوب والأمم والألسنة (دا7 :14) وهو الفادي الوحيد الذي قدم الفداء للبشرية؛ ” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ” (في2 :10).
16 – وجوده الأزلي وميلاده في بيت لحم:
النبوّة
” أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (مي5 :2).
وهنا يعلن الوحي الإلهي أنه برغم أن بيت لحم مجرد قرية صغيرة من ضمن ألوف القرى التي تضمها يهوذا إلا أنه سيأتي منها المخلص الموجود منذ القدم الأزلي بلا بداية.
إتمامها
” الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل ” (كو1: 17)، ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله ” (يو1:1).
ويقول ترجوم اشعياء على اشعياء (44: 6): ” هكذا يقول الرب، ملك إسرائيل، ومخلِّصه رب الجنود. أنا هو، أنا هو القديم الأيام، والأزمنة الأزلية عندي، ولا إله غيري “[10].
17 – قتل هيرودس لأطفال بيت لحم:
النبوّة
إتمامها
” هكذا قال الرب. صوت سُمع في الرامة نوح بكاء مر. راحيل تبكي على أولادها وتأبى أن تتعزى عن أولادها لأنهم ليسوا بموجودين ” (ار31 :15).
” حينئذ لما رأى هيرودس أن المجوس سخروا به غضب جداً. فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل. صوت سمع في الرامة نوح وبكاء وعويل كثير. راحيل تبكي على أولادها ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين ” (مت2: 16و17).
يتحدث ارميا النبي هنا عن أحزان السبي التي عاشها إسرائيل في بابل ” ويوجد رجاء لآخرتك يقول الرب. فيرجع الأبناء إلى تخمهم سمعا سمعت أفرايم ينتحب. أدبتني فتأدبت كعجل غير مروض ” (ار31 :17و18). فما صلة هذا بقتل هيرودس لأطفال بيت لحم؟ وما الذي قصده الوحي في الإنجيل للقديس متى؟ وهل يرى أن قتل الأطفال يشبه قتل أبرياء يهوذا وإسرائيل؟
يقول أحد الدارسين ويدعى لايتش: ” كلا بكل يقين! إن الحديث في أرميا 30: 20 إلى 33: 26 حديث نبوي عن المسيا، تتحدث الإصحاحات الأربعة عن اقتراب خلاص الرب، وعن مجيء المسيا الذي سيقيم مملكة داود على عهد جديد أساسه مغفرة الخطايا (31: 31- 34). وفي هذه المملكة ستجد كل نفس حزينة متعبة تعزيتها (أعداد 12- 14 و25). وكنموذج لهذا يعطي الله تعزية للأمهات اللاتي فقدن أطفالهن لأجل المسيح. (Laetsch, BCJ, 250)
18 – لجوءه لمصر وعودته منها:
النبوّة
إتمامها
” لما كان إسرائيل غلاما أحببته ومن مصر دعوت ابني ” (هو11 :1).
” فقام واخذ الصبي وأمه ليلا وانصرف إلى مصر. وكان هناك إلى وفاة هيرودس. لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني ” (مت2 :14و15).
تكلم هوشع النبي عن خروج بني إسرائيل من مصر بعد أن تركهم هناك حوالي 210 سنين حتى يحين الوقت المعين حسب المشورة الأزلية لخروجهم من مصر، حيث يقول: ” لما كان إسرائيل غلاما أحببته ومن مصر دعوت ابني ” (هو11 :1).
وهنا استخدمها الوحي الإلهي كنبوّة لعودة المسيح من مصر بعد أن مات هيرودس الذي كان يريد أن يقتله: ” وبعدما انصرفوا (المجوس) إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك. لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه. فقام واخذ الصبي وأمه ليلا وانصرف إلى مصر. وكان هناك إلى وفاة هيرودس. لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني ” (مت2 :12-15).
وهكذا يؤكد لنا الوحي الإلهي أن الله أعلن مسبقاً وجعل أنبياءه يعلنون بروح النبوة عن كل ما يختص بسلسلة نسب المسيح وأمه ومكان ميلاده وما سيحدث وقت ميلاده بكل دقة وتفصيل!!
1 Bowker, TRL, 122 – Webster, William. “Behold Your King: Prophetic Proofs that Jesus is the Messiah.” Christian Resources Inc. 2003.
2 Fragmentary Targum to the Pentateuch; emphasis added) [Webster (4): 156.
المجوس هم كهنة زرادشت فى بلاد مادى وفارس. وكانوا معروفين بلباسهم الخاص وسكناهم المنفرد عن بقية الناس. وكانوا أيضًا علماء الأمة الفارسية يعلّمون الفلسفة والفلك، كما اشتغلوا بالتنجيم ورصد حركات النجوم وعلاقتها بأحداث الأرض. وقد وصفهم دانيال بالحكمة (أنظر دا20:1). ويُرجح أنهم عرفوا عن ولادة المسيح :
أ ـ إما من اليهود وقت أن كانوا مسبيين فى بلاد فارس من (القرن 6 ق.م). أو من دانيال النبى الذى صار رئيسًا للمجوس مدة من الزمن أثناء السبى (أنظر دا8:4ـ9، 11:5). وعرفوا نبوته القائلة: ” إنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعًا” (25:9) أى حوالى 490 عامًا حين يُحسب اليوم بعام. وبناء على هذه المعرفة كانوا ينتظرون مجيئه فى تلك الأيام. ولذا أظهر الله لهم علامة مجيئه فى شكل نجم[2].
ب ـ أو بسبب أنهم ـ حسب رأى يوسابيوس القيصرى ـ من نسل بلعام بن بعور الذى استدعاه الموآبيون لكى يلعن بنى إسرائيل، فنطق بنبوة عن مجيء المسيا: ” أراه ولكن ليس الآن أبصره ولكن ليس قريبًا، يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفى موآب ويهلك كل بنى الوغى” (عد17:24). ولذلك كانوا يراقبون النجوم ويعتقدون أن كوكبًا سيظهر عند ميلاده بظهور هذا النور العجيب[3].
ج ـ وربما كان المجوس أساسًا من اليهود الذين بقوا فى بابل بعد السبى، وكانوا يعرفون نبوات العهد القديم عن مجيء المسيح[4].
د ـ ومن المحتمل أنهم من الشرقيين المهتمين بالتنجيم ودراسة المخطوطات القديمة وقد وقعت بين أيديهم نسخ من العهد القديم بعد سبى اليهود لبلادهم[5].
هـ ـ كما من الجائز أن تكون قد وصلتهم رسالة خاصة من الله قادتهم إلى المسيح.
2 ـ زمن زيارة المجوس للطفل يسوع :
بعض الآباء والكُتّاب الكنسيين في القرن الرابع (إبيفانيوس ـ يرونيموس ـ يوسابيوس) يأخذون بالرأى القائل إن المجوس أتوا فى السنة الثانية لميلاد السيد المسيح، أما القديس يوحنا ذهبى الفم فيقول إن النجم ظهر للمجوس قبل الميلاد بسنتين وإنهم وصلوا أورشليم وقت الميلاد[6].
والرأى الأول يرتب الحوادث هكذا :
1 ـ أن الطفل وُلد فى بيت لحم (أنظر مت4:2ـ6).
2 ـ وفى نفس الوقت ظهر نجمه فى المشرق للمجوس (انظر مت1:2ـ2)
3 ـ وأن الطفل خُتن بعد ميلاده بأسبوع (أنظر لو21:2).
4 ـ ثم قُدم إلى الهيكل بأورشليم بعد أربعين يومًا من ولادته (انظر لو22:2).
5 ـ ثم ذهبت الأسرة إلى الناصرة كما فى (لو39:2).
6 ـ وإن أفراد الأسرة ربما كانوا يزورون بيت لحم لكونها مسقط رأسهم (انظر لو4:2) من وقت إلى آخر.
7 ـ والمجوس أتوا إلى أورشليم بعد الميلاد بسنتين حيث كانت الأسرة فى ذلك الوقت فى أحد بيوت بيت لحم وكان الطفل يسوع ابن سنتين. ولذا قال الإنجيلى متى إن المجوس أتوا إلى “البيت” ولم يقل “المذود” (انظر 11:2) وأنهم رأوا “الصبى” ولم يقل “الطفل” (انظر 11،9:2)، وأن هيرودس قتل جميع الصبيان الذين فى بيت لحم من ابن سنتين فما دون (انظر مت16:2).
8 ـ ثم أن الأسرة بعد هذه الزيارة مباشرة، هربت إلى مصر.
أما الرأى الثانى فيرى صاحبه ـ ذهبى الفم ـ أن التسميات: البيت، المذود، الصبى، الطفل هى مجرد استبدالات لفظية ويفترض الآتى :
1 ـ أن النجم قد ظهر للمجوس قبل ميلاد المسيح بزمن طويل (سنتان على الأقل) لأنه كان ينبغى أن يقضى المجوس وقتًا طويلاً فى رحلتهم. فلو ظهر لهم النجم فى المشرق عند ولادة المسيح فى فلسطين لما استطاعوا أن يروه فى المهد إذ المسافة التى يلزم أن يقطعوها هى بعيدة جدًا. كما أن الطاغية هيرودس قتل الأطفال من ابن سنتين فما دون بحسب زمان ظهور النجم الذى تحققه من المجوس وليس حسب زمن الميلاد، كما أن غضب هيرودس ورعبه جعلاه يضيف الكثير على الزمان المحسوب من أجل أن يضمن عدم نجاة أحد (أنظر مت16،7:2).
2 ـ أن المجوس جاءوا إلى بيت لحم وقت الميلاد وزاروا الطفل وهو رضيع.
3 ـ أن العائلة توجهت فورًا إلى مصر.
4 ـ ثم إلى الناصرة بعد موت هيرودس (أنظر مت19:2ـ23). أما قول إنجيل لوقا أنهم ذهبوا إلى مدينتهم الناصرة بعدما أكملوا كل شئ حسب ناموس الرب (أنظر 39:2) فلا يعنى حتمًا أنهم ذهبوا إليها بعد الأربعين، بل بعد رجوعهم من مصر.
ويبدو لنا أن الرأى الأول هو الأرجح بسبب الدقة التاريخية فى ترتيب الأحداث. وغالبًا أن المجوس جاءوا فى موكب عظيم يتقدمهم ثلاثة من كبارهم يحملون الهدايا للملك العجيب ولذلك أحدث دخولهم أورشليم حركة غير عادية فى المدينة (أنظر مت3:2). هذا وإن كان بعض المفسرين يقدر عددهم بقدر هداياهم الثلاث (الذهب واللبان والمر) ويذكرونهم بالاسم: ملخيور وبلتاصار وكاسبار.
ثانيًا: الهروب إلى مصر :
بالعودة إلى الإنجيل حسب متى (1:2ـ13) نرى أن المجوس بعد دخولهم أورشليم وسؤالهم عن مكان المولود ملك اليهود، استدعاهم هيرودس سرًا ـ لأنه كان فى حسبانه أن اليهود يهتمون بأمر هذا الطفل المولود ـ واستعلم منهم عن زمن ظهور نجم الطفل، ثم أرسلهم إلى بيت لحم بعد معرفته أنها مكان مولد المسيح ـ وفقًا للنبوات ـ من رؤساء الكهنة ليبحثوا بالتدقيق عن الصبى وأن يخبروه بعد ذلك عن مكان وجوده.
ومرة أخرى نجد أن النجم الذى قادهم من بلاد المشرق إلى أورشليم، هو نفسه يقودهم من أورشليم إلى بيت لحم وبالتحديد إلى البيت الذى كان فيه الصبى مع مريم أمه. فلما رأوا الصبى خروا وسجدوا له، ثم فتحوا كنوزهم وقدّموا له هدايا ذهبًا ولبانًا ومرًا. ثم إذ أُوحى إليهم فى حلم أن لا يرجعوا إلى هيرودس انصرفوا فى طريق أخرى إلى كورتهم. وبعدما انصرفوا إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف فى حلم قائلاً: “ قم وخذ الصبى وأمه وأهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه ” (مت13:2).
هذا هو الحلم أو الرؤيا الثانية التى تلقاها يوسف من الله، كشف الله له فى الحلم الأول أن خطيبته مريم حُبلى من الروح القدس وأن مولودها هو المسيا الذى سيخلص شعبه من خطاياهم (انظر مت20:1ـ21). أما الحلم الثانى فقد عرّفه كيف يحافظ على حياة الصبى من الشر المزمع أن يرتكبه هيرودس الملك.
ومع أن يوسف لم يكن هو الأب الطبيعى ليسوع، إلاّ أنه كان هو المسئول عن حماية الصبى وسلامته، إذ نلاحظ أن الملاك هنا لا يخاطب مريم وإنما يخاطب يوسف. كما أنه يقول: ” قم خذ الصبى وأمه واهرب…“، ولا يضيف ” امرأتك ” كما فى الحلم الأول، وإنما قال ” أمه ” فقط، فطالما أن الولادة قد تمت، وانتفى الشك من جهة يوسف، وأشرق فى قلبه نور الإيمان، فإن الملاك يتكلم معه بصراحة مؤكدًا كلامه فى الحلم الأول.
ومن الجدير الإشارة إليه هنا أن يوسف لم يتعثر عند سماعه هذا الأمر من الملاك، ولم يقل إن هذا الأمر صعب . قد قلت لى ” إنه سيخلص شعبه..” (مت21:1)، وها هو الآن لا يستطيع أن يخلص نفسه، وها نحن مضطرون إلى الهرب والرحيل إلى بلاد نائية. إن كل هذا جاء على خلاف الوعد.
لم يقل شيئًا من هذا إطلاقًا ولا حتى سأل الملاك عن موعد رجوعه من مصر، على الرغم من أن كلام الملاك له كان مبهمًا ” وكن هناك حتى أقول لك..“. كان هذا الرجل ذو إيمان لا يضعف، ولم يتباطئ فى حمل المسئولية بل أطاع وخضع لساعته متحملاً بفرح كل المحن. وقام ليلاً وأخذ الصبى وأمه وانصرف إلى مصر (مت14:2). إن الله محب البشر الصالح يمزج الأتعاب الشاقة فى حياتنا بحلاوة التعزية.
فلا يشاء أن نظل فى تعب مستمر، ولا فى راحة دائمة، لكنه يسمح لنا بفترات أحزان كما يمتعنا أيضًا بفترات فرح. وهذا ما يجب أن نلاحظه فى يوسف البار: فقد رأى العذراء حاملاً فقلق وبدأ يداخله الشك. ولكن فى الحال وقف به الملاك وبدد شكه ونزع عنه خوفه. وعندما عاين الطفل مولودًا امتلأ فرحًا عظيمًا ثم حلّ به القلق حينما اضطربت المدينة وامتلأ الملك غضبًا عند سماعه بميلاد ملك اليهود.
وبعد الاضطراب جاء الفرح بظهور النجم وسجود المجوس. ثم بعد السرور عاد الخوف والخطر ” لأن هيرودس يطلب نفس الصبى ” بحسب تعبير الملاك. ومن جديد أمر الملاك يوسف أن يهرب ويسير فى طريق المنفى، ويلتزم يوسف بالهروب إلى مصر. هذه هى صورة الحياة التقوية الحقة، هى مزيج مستمر من الضيقات مع الأفراح يسمح بها الرب لأجل تزكيتنا وبنياننا روحيًا[7].
لم يكن الذهاب إلى مصر أمرًا غريبًا، إذ كان بها العديد من الجاليات اليهودية فى كثير من المدن الرئيسية هناك. وقد بدأت هذه الجاليات فى فترة السبى الكبير (ق6 ق.م.) (أنظر مثلاً إر44،43). ووصلت إلى أعداد كبيرة فى القرن الأول الميلادى كانت متركزة فى بابليون مصر القديمة والأسكندرية، وجزء منها فى صعيد مصر.
وهناك تشابه يسترعى النظر بين الهروب إلى مصر؛ وما نجده فى تاريخ إسرائيل.
فعندما كانت إسرائيل أمة ناشئة ـ بنى يعقوب ـ ذهبت إلى مصر على أثر المجاعة الشديدة. وهكذا ذهب يسوع فى طفولته هاربًا من اضطهاد هيرودس. كما أن اضطهاد فرعون ـ الذى لم يكن يعرف يوسف ـ لأطفال بنى إسرائيل وقتلهم، لم يكن إلاّ نبوة على الواقع والتاريخ لاضطهاد هيرودس ـ الذى لم يكن يعرف يسوع ـ وقتله لأطفال بيت لحم.
وحينما قال هوشع النبى: ” من مصر دعوت ابنى” (1:11). كان قوله هذا تاريخيًا عن حدث مضى، وهو ذاته نبويًا عن حدث آتٍ. أى أن الهروب إلى مصر والعودة منها لم يحدث صدفة وبدون غاية، بل تم كل شئ بعناية إلهية ووفقًا للتدبير الإلهى الذى أخبر عنه الأنبياء.
هذه النبوة قالها هوشع النبى متخذًا من عودة إسرائيل من مصر مصدرًا للتعبير المسيانى لدعوة المسيح الابن الوحيد من مصر ” لما كان إسرائيل غلامًا أحببته ومن مصر دعوت ابنى” (1:11)، فهو هنا يعتبر إسرائيل وخروجه من مصر مثالاً لخروج الابن الوحيد المحبوب بعد تغربه فى مصر.
أما الرحلة إلى مصر وتواجد العائلة المقدسة فيها وتحديد المواضع التى عبرت عليها أثناء الرحلة وأقامت فيها، من شمال مصر إلى جنوبها فقد احتفظ لنا التقليد بالكثير منها. وعلى أى حال فقد تباركت أرض مصر بنزول الطفل يسوع فى حضن أمه ويوسف البار. وكما نزل يوسف ابن يعقوب إلى مصر واختزن القمح لإحياء العالم الجائع، هكذا نزل الخبز الحى النازل من السماء ليتغرب فى مصر لتُحفظ حياته من يد الناقمين حتى يضمن الحياة للعالم.
وكما أن نشيد الكرمة الذى قاله داود بالروح عن خروج إسرائيل من مصر وعن تأكيد اختياره كابن له “ كرمة من مصر نُقلت … يا إله الجنود اطلع من السماء وأنظر وتعهد هذه الكرمة والغرس الذى غرسته يمينك والابن الذى اخترته لنفسك” (مز8:80و14و15). هذا الدعاء تحقق عمليًا بنزول المسيح إلى مصر كونه هو “الكرمة الحقيقية” (انظر يو1:15). والابن الوحيد (انظر يو18:1). كذلك كان نزول الحمل الحقيقى وفصحنا المسيح الذى ذُبح لأجلنا (أنظر يو29:1، 1كو7:5)، إلى مصر ما هو إلاّ تطابق مع الفصح الأول الذى تم فى مصر (انظر خر12، ورؤ8:11).
ولما قال الملاك ليوسف ” قم وخذ الصبى وأمه واهرب إلى مصر” لم يعدهما بأن يرافقهما لا فى الذهاب ولا فى الإياب مبينًا أن أعظم رفيق لهما هو الصبى نفسه، الذى عند ظهوره غيّر كل ما فى العالم .
أما السؤال: لماذا هرب السيد المسيح؟[8]
فيمكن الإجابة عليه بالآتى :
1 ـ الملاك نفسه أدلى بسبب الهرب عندما قال ” لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه” (مت13:2). وترجع الأسباب الرئيسية لرغبة هيرودس فى التخلص من الطفل المولود: لعلمه أن كثير من اليهود يكرهونه لأصله الأدومى ويعتبرونه مغتصبًا للحكم. وأن الشعب يتوقع مجيء المسيا (أنظر لو15:3) وأغلب اليهود كانوا ينتظرون المسيح محررًا حربيًا وسياسيًا عظيمًا (أنظر مثلاً يو15:6). وربما سأل سائل ألم يكن من الممكن أن يقع الطفل بين يدى هيرودس ولا يستطيع أن يُجهز عليه؟
بالطبع كان يمكن ولكن لو حدث شئ مثل هذا ما كان يمكن أن يُقال بعد عن السيد إنه اتخذ جسدًا حقيقيًا، ولما ثبتت حقيقة التجسد. بمعنى آخر أنه لو كان المسيح قد صنع فى أول حياته هذه المعجزة لما صدّق أحد بعد أنه إنسان أيضًا. وهكذا فإن هروب السيد المسيح من الشر أكد حقيقة تجسده. وتأمل معى كيف تبدو الألوهية مخفية هنا تحت ظواهر البشرية الوضيعة.
2 ـ كما أن الإنجيلى متى لم يلبث أن قال لنا سبب آخر وهو: ” لكى يتم ما قيل من الرب بالنبى القائل من مصر دعوت ابنى “.
هذا وإن اعترض البعض على هذه النبوة زاعمين أنها عن إسرائيل، نجيبهم بأن الأنبياء كان من عادتهم أن يقولوا أشياء عن أشخاص، ولكنها تتم فى سواهم، خذ مثلاً ما قيل عن شمعون ولاوى: ” أقسمهما فى يعقوب وأفرقهما فى إسرائيل ” (تك7:49).
إلاّ أن هذه النبوة تمت فى ذريتهما لا فيهما بالذات (أنظر عد2:35ـ8، يش1:19ـ9، 3:21ـ8)، وما تنبأ به اسحق ليعقوب بالبركات ” ليُستعبد لك شعوب وتسجد لك قبائل كن سيدًا لأخوتك وليسجد لك بنو أمك ” (تك29:27)، لم تتم إلاّ فى ذريته (انظر 2صم6،2:8، 19:10، 14:8، 1مل15:11 ـ16، تك8:49). وكيف يمكن أن يكون هو المقصود بها وقد كان يخاف من أخيه عيسو وكثيرًا ما كان يسجد قدامه؟. ثم من أحق أن يُدعى ابن الله؟ أذاك الذى سجد للعجل الذهبى وضحى بأبنائه للشياطين أم الذى هو ابنه بالطبيعة .
وأنظر كيف يعبّر الإنجيلى عن فكره، حينما يقول: ” لكى يتم ما قيل…” مبينًا أن هذا القول لم يتم إلاّ بذهاب المسيح إلى مصر وعودته منها.
وليس من قبيل الصدفة، أن هذا الأمر يتسبب في تطويب السيدة العذراء ويزيد كرامتها. لأن الشيء الذى استطاع شعب برمته أن يناله من المديح لنفسه، نالته هى بمفردها. فاليهود كانوا يذكرون بالفخر خروجهم من مصر ويتباهون به (أنظر مثلاً عا7:9)، هذا الفخر الشعبى حازته البتول وحدها.
3 ـ هروبه كممثل للبشرية يقدم لنا منهجًا روحيًا أساسه عدم مقاومة الشر بالشر، بل علينا أن نحب أعدائنا ونبارك لاعنينا وأن نحسن إلى مبغضينا ونصلى لأجل الذين يسيئون إلينا (أنظر مت44:5). فالنار لا تُطفأ بالنار بل بالماء.
4 ـ لكى نتعلم توقع المحن والمكايد فى حياتنا ومنذ البداية. فإذا امعنت النظر معى فيما جرى للمسيح وهو بعد فى اللفائف، حينما وُلِدَ، ثار ثائر طاغية، واضطربت مدينة بأكملها وحدث هرب وانتقال إلى خارج الوطن، فقد هرب مع أمه ويوسف النجار إلى بلاد الأمم دون ذنب ما. دقق النظر فى هذا حتى إذا ما كنت مكلفًا بخدمة روحية، ثم اعترضتك عقبات فلا تضطرب ولا تيأس بل تحملها بصدر رحب.
5 ـ أيضًا كان إرسال الصبى إلى مصر، وعودة المجوس إلى بلاد فارس، مقدمة لتبشير المسكونة. لأن مصر وبابل كانتا تصطليان بنار الوثنية، فأعلن المسيح منذ البدء أنه سيصلحهما كليهما.
وهنا يليق بنا أن نقف قليلاً لنسجل كيف أن كنيستنا القبطية الأرثوذكسية قد وضعت بارشاد الروح القدس هذا الفصل من الإنجيل ـ إنجيل الهروب إلى مصر ـ (مت13:2ـ23) في قراءات الأحد الأول من شهر طوبة (وهو الأحد الذي يلى عيد الميلاد مباشرة 29 كيهك)، وكأنها تريد أن تعلن بذلك أن مجيء السيد المسيح إلى أرض مصر هو إشارة إلى إعلان المخلص المولود حديثًا للأمم. ومما يؤكد هذه الفكرة، أن القراءات الأخرى لذلك اليوم كلها تدور أيضًا حول الإعلان للأمم.
فالبولس يركز على أنه وإن كان يسوع يسوع صار خادم الختان من أجل صدق الله، إلاّ أن الأمم أيضًا قد مجدّوا الله من أجل الرحمة (انظر رو4:15ـ19).
والكاثوليكون بدوره من (1يو1:3ـ11) يكشف عظمة محبة الله التى جعلت كل من يؤمن به من الأمم في آسيا الصغرى الذي كتب إليهم يوحنا الرسول، يصيرون أبناء الله.
أيضًا فصل سفر الأعمال (24:14، 3:15)، يخبرنا كيف أن رجوع الأمم كان سبب سرور عظيم لجميع الاخوة.
ثم يأتى المزمور (2:98ـ3) ليقول صراحة إن كل أقاصى الأرض رأت خلاص إلهنا.
6 ـ وأخيرًا، بلا شك كان يمكن للسيد أن يلتجئ إلى مدينة فى اليهودية أو الجليل، لكنه أراد تقديس أرض مصر وليقيم فى وسط الأرض الأممية مذبحًا له. فى هذا يقول إشعياء النبى: ” هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر فترتجف أوثان مصر من وجهه… فى ذلك اليوم يكون مذبح للرب فى وسط أرض مصر وعمود للرب عند تخمها… فيُعرف الرب فى مصر ويعرف المصريون الرب فى ذلك اليوم ويقدمون ذبيحة وتقدمة وينذرون للرب نذرًا ويوفون به” (إش21،19،1:19). وتأمل معى هذا الأمر المدهش أن فلسطين تتآمر عليه بينما مصر تتلقاه وتجعله بمنجى من الأخطار.
يقول القديس يوحنا ذهبى الفم: [ إذا ما طفت صحراء مصر تجدها أجمل جنات العالم، إنك ترى فيها أجواقًا كثيرة من الملائكة بشكل بشرى، وفرقًا من الشهداء وجماعات من العذراى لا تُحصى، ترى طغيان الشيطان قد كُسرت شوكته، والمسيح يتجلى بكل مجده. مصر هذه أم الشعراء والفلاسفة وعلماء الفلك التى ابتدعت كل ضروب السحر ونقلته إلى سائر الأمم، تراها الآن تجعل فخرها فى الصيادين … والصليب فى طليعة كل شئ … إنك ترى فى كل مكان من تلك البلاد جيش المسيح وقطيعه الملكى وحياة القوات السماوية … فمن يعرف مصر القديمة محاربة الله، الحمقاء … يدرك حق الإدراك قدرة المسيح][9].
لهذه الأسباب.. ولأسباب أخرى استطرد فى ذكرها كُتّاب آخرون، صار دخول السيد المسيح أرض مصر عيدًا عظيمًا تُعيد له الكنيسة القبطية بكل فرح فى 24 بشنس (1 يونيو) من كل عام .
ثالثًا : قتل أطفال بيت لحم : (مت16:12ـ18)
اضطرب هيرودس الملك وغضب جدًا عندما رأى أن المجوس قد سخروا به وعادوا إلى كورتهم ولم يرجعوا إليه ليخبروه عن مكان الصبى. لأنه ربما ظن، إنه إذا كان المسيح هو الوارث الحقيقى للعرش، فسيكون هذا كفيلاً بإثارة المتاعب له، كما أنه ربما خشى من التفاف الشعب اليهودى ـ فى المستقبل ـ حول هذه الشخصية التى تنبأت عنها الكتب.
لم يكن يحق لهيرودس أن يغضب ويُقدِم على أمور لا قِبلَ له على إتمامها، غير أنه لم يحبس عنان نفسه. وهذا الغضب الذى بات يغلى فى صدره ـ من المجوس الذين خدعوه ـ صب جامه على الصبيان الأبرياء. مجددًا فى فلسطين تلك المأساة التى جرت وقائعها قديمًا فى مصر (أنظر خر15:1ـ22) إذ أرسل وقتل جميع الصبيان الذين فى بيت لحم وفى كل تخومها من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذى تحققه من المجوس.
قتل هيرودس ملك اليهود، كل الأولاد دون سن سنتين، فى محاولة مستميتة لقتل يسوع، الملك المولود. لقد لطخ يديه بالدم، أما يسوع فلم يُصبه أى ضرر. كان هيرودس ملكًا معينًا من البشر، أما الرب يسوع فقد كان ملكًا بتعيين إلهى. ولا يمكن لأحد أن يعرقل خطط الله، وكل من يُقدم على هذا، لا يضّر فى النهاية إلاّ نفسه.
كان هيرودس يخشى أن يأخذ عرشه الملك المولود، فهو لم يفهم إطلاقًا السبب الذى من أجله جاء المسيح. لم يكن الرب يسوع يريد أن يأخذ عرش هيرودس، ولكنه أراد أن يكون ملكًا على حياة هيرودس، لم يرد أن يأخذ منه حياته الزمنية بل أن يهبه حياة أبدية.
وإذا كان البعض يتهم العناية الإلهية بأنها لم تبال بأمر قتل الصبيان نقول[10] إن المسيح لم يكن السبب فى قتل أولئك الصبيان، بل قسوة الملك هيرودس، فالمعروف عنه تاريخيًا أنه كان محترفًا القتل ولم يتورّع عن قتل حتى أولاده عندما أحس أنهم ينازعونه فى العرش. فإذا كان هذا الملك جحودًا فليس ذلك ذنب طبيب النفوس الحكيم الذى لم يدع وسيلة ليُصلح بها ما فسد من خُلق هذا المريض، إن النفس متى كانت غبية لا ينفعها الدواء الذى يعطيه الله نفسه.
ألم يعلم هيرودس أن المولود إلهيًا؟ ألم يدعو هو نفسه رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم عن مكان ميلاده؟ وهؤلاء بدورهم ألم يوضحوا له النبوة التى أخبرت من قبل عن هذه الحوادث؟ ألم يرَ الأمور القديمة وكيف تنطبق على الأمور الحديثة؟ ألم يسمع من المجوس أن نجمًا يثبت النبوة؟ ثم لماذا لم يحترم غيرة الأممين؟ ولا شعر بالرهبة أمام صدق النبوة؟ ولماذا لم يستخلص بنفسه من كافة هذه الأمور أن ما جرى له مع المجوس لم يكن خدعة منهم وإنما كان فعل قدرة إلهية قد دبرت كل ما يجب أن يكون؟ وببساطة لماذا لم يدرك النهاية من البداية؟ ولنفرض أن المجوس قد خدعوه فلماذا يقتل الصبيان ولا ذنب لهم؟
ولكن إذا كان هذا الرجل ظالمًا فلماذا سمح الله بالظلم ؟ لماذا سمح ملك السلام أن تحدث هذه الكارثة بسبب ميلاده؟ ولماذا فى الوقت الذى فيه انطلقت الملائكة بالتسبيح تطوب البشرية لتمتعها بالسلام السماوى، وجاء الغرباء يحملون الهدايا إلى طفل المذود ؟ يُسمع صوت نوح وبكاء وعويل كثير فى الرامة وراحيل تبكى على أولادها ولا تريد أن تتعزى؟
أقول إنه تُوجد قاعدة عامة تُطبق على كل ضيقة نتعرض لها مثل هذه. وهى أن كثيرين يظلمون ولا أحد يطيق الظلم. وأن ما نعانيه ظلمًا من أى إنسان يحسبه الله لتزكية إيماننا وزيادة مكافأتنا ـ ولتوضيح هذا الأمر، نقدم هذا المثل: لنفرض أن عبدًا مدين بمال كثير لسيده وأن هذا العبد اعتدى عليه أُناس أشرار فسلبوا جزءً كبيرًا من مقتناياته، فلو أن سيده ـ القادر على صد السالب الطماع، لم يستوف ماله، وحسب مسئولاً عن سداد الأشياء المسلوبة، فهل يكون هذا العبد مظلومًا؟ كلا. وما قولك لو عوض عليه بأكثر مما فقده؟ ألاّ يربح عندئذ ربحًا عظيمًا.
ولعلك تقول أية خطيئة ارتكبها هؤلاء الأطفال؟ ولماذا يحل بهم الظلم؟
قد تقول إنهم كانوا يستطيعون أن يحوزوا مكافآت كثيرة لو أمد الله في عمرهم. لكن ليس بالشيء القليل المكافأة التى استحقوها بموتهم لأجل قضية مثل هذه. ولو كان قد قُيض لهم أن يكونوا فيما بعد رجالاً عظامًا لما سمح الله للموت أن ينتزعهم. فالله الذى يحتمل بطول أناته أولئك الذين تنقضى حياتهم فى الإثم، لا يسمح بالأحرى بأن يهلك أولئك الصبيان قبل الأوان لو كانوا قد أُعدوا لأعمال عظيمة.
كما أن الانتقام لم يلبث أن حلّ بهيرودس، وأنزل به أشد العقوبة، جزاء ما اقترفته يداه. لأن المأساة التى اجتاحت يومئذ بيت لحم ليست أمرًا ضئيلاً إذ أن الصبيان انتُزعوا من ثدى أمهاتهم وأُخذوا إلى تلك المجزرة الظالمة الرهيبة .
هذه هى بعض الأسباب التى لدينا لا كلها. إنما يوجد غيرها بعيدة المنال يعلم بها ذاك الذى يضبط الكل.
ويبدو لنا أن عمل هيرودس الفظيع فى قتل أطفال بيت لحم الذكور يشبه قتل فرعون الذكور من شعب إسرائيل بلا رحمة، (أنظر خر1) فالنية السيئة واحدة والتنفيذ الإجرامى مطابق. وكان الخوف على موسى وهو فى المهد رضيعًا من سيف فرعون هو نفس الخوف على يسوع الطفل من سيف هيرودس.
وكنيستنا المقدسة إذ وضعت أمامها كل ما سبق جعلت يوم 3 طوبة (11 يناير) تذكارًا لاستشهاد أطفال بيت لحم.
” حينئذِ تم ما قيل بإرميا النبى القائل صوت سُمع فى الرامة نوح وبكاء وعويل كثير. راحيل تبكى على أولادها ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين ” (مت17:2ـ18).
إذ وصف الإنجيلى متى لقرائه تلك المجزرة الهائلة الظالمة الوحشية، يعود ويعزيهم قائلاً إن تلك الحوادث لم تتم بدون إذن من الله وبغير علمه بل سبق فعرفها وأخبر عنها بواسطة نبيه. فلا نضطرب ولا تهن عزيمتنا إبان المحن بل بالحرى علينا أن نحوّل بصرنا إلى عنايته التى يتعذر وصفها فهو يعلم ما نعانيه ويُدرك استعدادنا ويعتنى بنا، ويتدخل فى الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة.
والإنجيلى أيضًا إذ يبين لنا أن ذلك الجرح كان بليغًا لا يبرأ بقوله: ” .. ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين“. يريد أن يعلمنا كذلك أن لا نضطرب حينما يحلّ بنا ما يخالف وعد الله. فذاك الذى جاء لخلاص شعبه بل لخلاص العالم ماذا كانت أوائله: أمه تلجأ إلى الهرب، وطنه يقع فى شدائد لا يمكن التغلب عليها، قتل أشد مرارة من كل قتل، بكاء وعويل كثير ونحيب فى كل مكان. لكن لا نقلق لأن الله يأذن دائمًا بأن تتم تدابيره بما يناقضها، إذ يعطينا بذلك دليلاً قاطعًا على قدرته.
كانت راحيل زوجة ليعقوب، أب الآباء، الذى من أبنائه الاثنى عشر جاء أسباط إسرائيل الاثنى عشر، وكانت راحيل أم يوسف وبنيامين ولما ماتت أثناء ولادتها لبنيامين دُفنت بالقرب من بيت لحم (أنظر تك19:35). فلما كان قبرها داخلاً فى نصيب ابنها بنيامين (الرامة) (أنظر يش25:18) وبنيامين هو الجد الأكبر لأهل الرامة. كان الإنجيلى على صواب عندما يدعو الصبيان المقتولين، أولاد راحيل (أنظر إر15:31).
وراحيل هنا فى (إر15:31) يصورها النبى وكأنها مازالت حية تعيش وتراقب الجماعة البائسة من الشعب التى جُمعت فى الرامة تمهيدًا لنقلهم إلى السبى فى بابل. وبينما هى تسمع صراخهم وعويلهم، صورها إرميا على أنها أخذت تنوح عليهم وكانت تنوح بمرارة لأن نسلها يُنتزع من أحضانها ولم يعودوا موجودين إذ يُرحلون للأسر (أنظر2مل5:17ـ6 و2أى14:36ـ21).
والآن يأتى القديس متى ليصوّر نحيب راحيل على أولادها أطفال بيت لحم الذين ذُبحوا ولم يعودوا بموجودين ولكن ليس بعد بسيف ملك بابل بل بسيف ملك اليهودية. أما الطفل الذى ركز عليه الطاغية هيرودس فقد نجا من الموت وهرب إلى مصر بإرادته لكي يموت في الوقت المناسب ويخلص العالم بموته وقيامته.
رابعًا: العودة من مصر والسكنى فى الناصرة :
” فلما مات هيرودس إذا ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر قائلاً: قم وخذ الصبي وأمه وأذهب إلى أرض إسرائيل لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي. فقام وأخذ الصبي وأمه وجاء إلى أرض إسرائيل. ولكن لما سمع أن أرخيلاوس يملك على اليهودية عوضًا عن هيرودس أبيه خاف أن يذهب إلى هناك وإذ أوحي إليه في حلم أنصرف إلى نواحي الجليل، وأتى وسكن في مدينة يُقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالأنبياء أنه سيدعى ناصريًا” (مت19:2ـ23).
هذا هو الحلم الثالث ليوسف (أنظر مت20:1و13:2) وفيه يأمره ملاك الرب أن يأخذ الصبى وأمه ويرجع إلى أرض إسرائيل، ذاكرًا السبب لأن الذين كانوا يطلبون نفس الصبى قد ماتوا. ومن المعروف ـ تاريخيًا ـ أن هيرودس بعد مذبحة أطفال بيت لحم، مرض مرضًا خطيرًا وسافر إلى شرقى الأردن للاستشفاء بحماماتها، ثم عاد إلى أريحا أسوأ مما كان عليه قبلاً. ومات هناك سنة 4 ق.م. وهو فى السبعين من عمره، بعد ملك دام أربعًا وثلاثين سنة.
وإذا كان الطفل يسوع قد هرب إلى مصر مع يوسف وأمه فى نفس السنة التى مات فيها هيرودس (ربما قبل الوفاة بشهور) فإن نزوله إلى مصر بعد زيارة المجوس مباشرة وبقائه فيها لم يدم كثيرًا .
ومعروف أنه بموت هيرودس خلفه ثلاثة من أولاده. الأول (أكبرهم) أرخيلاوس[11] على اليهودية والسامرة وأدومية (أنظر مت22:2)، والثانى هيرودس أنتيباس رئيس ربع على الجليل وبيرية (أنظر لو1:3)، والثالث فيلبس رئيس ربع على المناطق الشمالية مثل أيطورية وتراخونيتس (أنظر لو1:3).
كانت طاعة يوسف لأمر الملاك حاضرة دائمًا، فقام وأخذ الصبى وأمه من مصر وعاد إلى أرض إسرائيل . ولابد أن الرحلة كانت ميسّرة بعناية القدير. وربما كانت النية مبيّتة على الاستقرار فى بيت لحم لكون يوسف ومريم من بيت داود وعشيرته (أنظر لو4:2)، ولقربها من أورشليم. ولكن عند وصوله إلى أرض إسرائيل عَلِمَ أن أرخيلاوس يملك على اليهودية عوضًا عن هيرودس أبيه، فخاف. ولكى يتجنب هذا الخطر انصرف إلى نواحى الجليل فى الشمال وأتى وسكن فى مدينة الناصرة[12].
ولعل ذهاب يوسف إلى الناصرة، وهى بلدة ليست بذات قيمة وليس فقط هى وإنما كل منطقة الجليل (أنظر يو46:1، 52:7). بجانب رغبته فى تجنب الشر، أراد الله به أن يحطم من البداية ما اتسم به اليهود من افتخارهم بنسبهم إلى أسباط معينة، وإلى بلاد ذات شهرة. وأن يظهر لنا أنه ليس بمحتاج إلى الأمور الخاصة بالبشر ولكى نعلم أنه لا يجب علينا أن نزدرى بأي شئ.
وهكذا عاد يوسف ومعه الطفل وأمه إلى الناصرة وطنهم السابق. فالإنجيلى لوقا يخبرنا أن يوسف ومريم لم يصعدا إلى بيت لحم لسبب آخر إلاّ للاكتتاب (انظر لو3:2ـ5 ” وبينما هى هناك تمت أيامها لتلد فولدت ابنها البكر“). فضلاً عن أنه لم يكن لهما هناك منزل يقيمون فيه (أنظر لو7:2) ولذا فبعد أن أكملا ما صعدا لأجله عادا إلى الناصرة. كما يذكر لوقا أيضًا أنه بعد أن أكملوا كافة مراسم التطهير فى هيكل أورشليم عادوا أيضًا إلى مدينتهم الناصرة (أنظر لو39:2). وهو يقول هذا مخبرًا عن الزمن الذى سبق النزول إلى مصر لأن يوسف لم يذهب بهما إلى هناك قبل التطهير.
“لكى يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيُدعى ناصريًا “.
لا توجد فى العهد القديم نبوة بهذا النص ولذا لم يذكر القديس متى اسم نبى بالذات، بل قال ” ما قيل بالأنبياء”، وقد يعنى هذا:
أ ـ أنها نبوة شفهية لم ترد مكتوبة فى الأسفار بل تناقلتها الأجيال شفهيًا. وقد أثبت الكتاب أن هناك نبوات نطق بها الأنبياء شفهيًا ولم يسجلها الوحى مثل نبوة يونان عن رد تخم إسرائيل ” من مدخل حماة إلى بحر العربة..” أى استرداد ما كان حزائيل الآرامى قد اغتصبه. ولم ترد هذه إلاّ عند إتمامها إذ قيل ” حسب كلام الرب ـ عن يد عبده يونان بن أمتاى ” (2مل25:14).
كما ورد فى سفر طوبيت أن نينوى ستخرب كما تكلم عنها يونان (أنظر طو4:14) بينما لم يذكر سفر يونان إلاّ تهديد نينوى بالخراب الذى رُفع عنها حين تابت. كما أورد العهد الجديد فى رسالة يهوذا نبوة أخنوخ النبى وهى غير واردة فى العهد القديم ” وتنبأ عن هؤلاء أيضًا أخنوخ السابع من آدم قائلاً: هوذا قد جاء الرب فى ربوات قديسيه ليصنع دينونة على الجميع..” (آية14 ـ15)[13].
ب ـ وهناك رأى آخر يقول إن كلمة “ناصرة” مأخوذة من الكلمة العبرية Natzar ومعناها “غصن”. كما يُقال إن مدينة الناصرة كانت مُحاطة بأشجار قصيرة ولذا سُميت “غصن”. كما أن هناك أيضًا النبوات التى فيها تسمى السيد المسيح “بالغصن”، كقول إشعياء مثلاً: ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ” (1:11). أى أن السيد المسيح سُمى “غصن” والناصرة تعنى “غصن” ولذا دُعى ” ناصريًا” وعليه يكون الأنبياء الذين عناهم متى والذين أوردوا هذه التسمية هم إشعياء(2:4، 1:11) وإرميا(5:23، 15:33) وزكريا(8:3، 12:6)[14].
ج ـ يُضاف إلى كل هذا أن السيد المسيح صرف فى الناصرة الجزء الأكبر من الثلاثين سنة الأولى من حياته (أنظر لو23:3، مر9:1) وربما لهذا السبب لُقب بيسوع ” الناصرى ” نسبة إليها. ولقد جاء هذا اللقب على لسان الشياطين فى اعترافها به أنه قدوس الله (أنظر مر24:1) وسمعه عنه بارتيماوس الأعمى من الجمع الغفير فى أريحا (أنظر مر 46:10ـ47). وعرّفته الجموع بهذا اللقب عندما دخل أورشليم وارتجت المدينة كلها سأله من هذا ؟ (مت11،10:21).
وأيضًا كان عنوان صليبه وعلة موته ” يسوعالناصرى ملك اليهود” (يو19:19). كما أن بطرس الرسول دعا السيد المسيح بالناصرى (أنظر أع22:2)، وكذلك بولس (أنظر أع9:26). بل إن يسوع نفسه استخدم هذا اللقب لنفسه وقت ظهوره لشاول الطرسوسى ” … وسمعت صوتًا قائلاً لى شاول شاول لماذا تضطهدنى فأجبت من أنت يا سيد، فقال لى أنا يسوعالناصرى الذى أنت تضطهده ” (أع7:22ـ8).
كما أن تلاميذ المسيح لُقبوا “بالناصريين” (أنظر أع5:24) وقد شاع هذا اللقب حتى اليوم. فالذى يقبل الإيمان بالمسيح ويعتمد يعتبر أنه “تنصر” والمعنى أنه صار تابعًا ليسوع الناصرى .
———————————-
1 مجوس: كلمة فارسية تعنى كهنة، وبالرغم من أنه فى أيام دانيال كان يُفصل بين المجوس والسحرة (أنظر مثلاً دا10:2)، إلاّ أن لفظ مجوسى كان يُستعمل أحيانًا فى وقت بدء المسيحية ليعنى ساحرًا، وكان منهم سيمون الساحر (أع9:8)، وباريشوع (أع6:13) اللذان يوصف الواحد منهما فى بعض الترجمات بكلمة “ساحر” وفى أخرى بكلمة “مجوسى”. أنظر الأنبا أثناسيوس، إنجيل متى، بنى سويف 1985، ص 103ـ104؛ وأيضًا قاموس الكتاب المقدس ص 842.
2 أنظر الأنبا أثناسيوس، إنجيل متى، بنى سويف 1985، ص104.
3 الأنبا أثناسيوس: المرجع السابق ص 104.
4 أنظر قاموس الكتاب المقدس ص 842.
5 المرجع السابق
6 أنظر القديس يوحنا ذهبى الفم، شرح إنجيل متى، الجزء الأول، ترجمة عدنان طرابلسى، لبنان 1996، ص94.
7 أنظر القديس يوحنا ذهبى الفم، “عظة فى هرب المسيح إلى مصر”، كتاب خطيب الكنيسة الأعظم، للأب إلياس كويتر المخلصى، لبنان 1988، ص 399.
8 أنظر القديس يوحنا ذهبى الفم ، المرجع السابق، ص398ـ400.
10 القديس يوحنا ذهبى الفم: المرجع السابق، ص404ـ406.
11 الكلمة ” أرخيلاوس ” يونانية وتعنى “حاكم الشعب”. وقد حدث عند ارتقائه العرش أن قام اليهود بثورة ضده فى أورشليم، أخمدها هو بالقوة. ويظهر من مثل “الأمناء” (لو12:19ـ27) أن الرب يسوع يشير إلى ما حدث عندما تسلم أرخيلاوس مقاليد الحكم. وبسبب سوء حكمه خلعه أغسطس قيصر من ملكه فى سنة 6 م ونفاه إلى بلاد الغال. وبعد ذلك تولى الحكم فى اليهودية والسامرة ولاة رومانيون من أمثال بيلاطس البنطى وغيره. أنظر قاموس الكتاب المقدس ص 46.
12 الناصرة: هى مدينة فى الجليل (أنظر لو26:1، مر9:1) تقوم على جبل مرتفع (أنظر لو18:4، 29) وتبعد حوالى 86 ميلاً (حوالى 137كم) إلى الشمال من أورشليم. ولم تكن المدينة قديمًا ذات أهمية بل كانت محتقرة ربما لأن موقعها عند تقاطع طرق القوافل التجارية جعل سكانها يختلطون بأناس من الأمم. وربما لأن الحامية الرومانية المنوط بها حماية منطقة الجليل، كانت تعسكر فيها (أنظر يو46:1).
فى الناصرة ظهر الملاك لمريم يبشرها بالحبل الإلهى (أنظر لو26:1) وإليها عادت مريم مع يوسف من مصر (أنظر مت23:2) وفيها نشأ المسيح وترعرع (أنظر لو16:4). ولكنه ما إن بدأ رسالته حتى رفضه أهلها مرتين (أنظر لو16:4ـ30، مت54:13ـ58، مر1:6ـ6). أنظر قاموس الكتاب المقدس ص 946ـ947.
يذكر لنا انجيل متي 2 : 16 حينئذ لما رأى هيرودس أن المجوس سخروا به غضب جدا. فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها، من ابن سنتين فما دون، بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس. وعلي العلم ان المؤرخ الحقيقي يعتبر الاناجيل كمصادر مستقلة لتأريخ السيره الذاتية ليسوع كمثل تأريخ بوليتارخ السيره الذاتية للاسكندر .بل هي افضل بمراحل من تأريخ بوليتارخ في الناحية الزمنية .لكن البعض يعتقد ان الامر يتوقف فقط علي المصادر الخارجية .ويتسائل البعض لماذا لم يذكر يوسيفوس هذه الحادثة .وكأن عدم ذكر الشئ ينفي من حدوثه ومن المعلوم لدي المؤرخين ان عدم ذكر الشئ لا ينتفي من حدوثة او تحقيقة تاريخياً .فقد شكك البعض في وجود شخصية مثل ليسانيوس في انجيل لوقا ووصف لوقا بان ليسانيوس رئيس ربع ابيلية حتي تم اكتشاف نقش ابيلية .فمقياس عدم وجود الشئ لا ينتفي من تحقيقة .فسنتناول الموضوع حيادياً .
اولاً جنون العظمة لدي هيرودس Herod’s Paranoia لا يجعلنا نستعجب هذه الحادثة
في عام 1988 تم القاء محاضره من قبل الدكتور Isaiah Gafni في مركز القدس لدراسات الكتاب المقدس .وهو المتخصص في دراسات عهد الهيكل الثاني في الجامعة العبرية .وكان موضوع الحوار عن حياة هيرودس الكبير .وكان حاضراً هذا الحوار الدكتور Bruce Narramore وهو طبيب نفسي مسيحي من جامعة بيولا .
وقد روي الدكتور اشعياء في المحاضرة انه تم عقد ندوه في الجامعة العبرية منذ سنوات .وكان يحضرها مؤرخين وعلماء اثار الدارسين للهيكل الثاني .وكذلك اطباء وعلماء نفسيين.وقد وضعوا “مجازياً ” هيرودس الكبير علي الاريكة التي توجد عند الاطباء النفسيين .لوضع تحليل نفسي له .وقد لاحظ المؤرخين ان ما كان يعانيه هيرودس هو نمط متكرر من اشخاص يريدون الاستيلاء علي كرسيه وعرشه .فقد سمع هيرودس عن اشاعة عن تصادم شخص معه لاستيلاء علي عرشه .فحتي يتم قتل هذا الشخص يكون مكتئب وألا ان يقتله يذهب الاكتئاب .ويفوق ويبني ويبني وهكذا كانت دورة حياته المتكرره.بما في ذلك زوجته التي قتلها هي وثلاثة من ابنائه ! فيمكن ان نصنف هيرودس الكبير بانه كان يعاني من فصام بارانويدي paranoid schizophrenic. وبعد المحاضره تمازح كلاً من الدكتور Narramore ضاحكاً قائلاً انه لابد انه كان يرتعش . ومؤخراً تم عمل تحليل تاريخي نفسي علي هيرودس الكبير وتم تشخصية بانه كان يعاني من اضطراب الشخصية المرتابة.
المعقولية التاريخية لقتله لاطفال بيت لحم
بالفعل ان يوسيفوس لم يسجل قتل اطفال بيت لحم .لكنه سجل عدد كبير من جرائم القتل التي ارتكبت بلا رحمة علي يد هيرودس لاجل الحفاظ علي عرشه .
قد تم تتويج هيرودس كملك لليهود من قبل مجلس الشيوخ الروماني سنة 40 قبل الميلاد .وكان اول اعماله قتل الحشمونيين وهم اسلافه .واعدام أنتيجونوس بمساعده من مارك انتوني .وقد قتل هيرودس 45 رجلاً من اتباعأنتيجونوس في سنة 37 قبل الميلاد .راجع Antiquities 15:5-10; LCL 8:5-7
وقد اعدم يوحنا هيركانوس الثاني خنقاً وهو مسن لاعتقاده بالتأمر عليه والاطاحة به في سنة 30 قبل الميلاد راجع Antiquities 15:173-178; LCL 8:83-85).
واستمر هيرودس في تظهير الحشمونيين .وازال ارستوبولوس الذي كان في ذلك الوقت 18 عاماً رئيساً للكهنة.واغرق من قبل رجال هيرودس في بركة في اريحا لان هيرودس كان يعتقد ان الرومان يفضلون ارستوبولوس كحاكم بدلاً منه (Antiquities 15:50-56; LCL 8:25-29; Netzer 2001:21-25) .
وقد قتل هيرودس زوجته الثانية Miriamme في سنة 29 ميلادياً . (Antiquities 15:222-236; LCL 8:107-113).
وقد قتل هيرودس ايضاً ثلاثة من ابنائه.فنتم خنق اثنين منهم وهم الكسندر وارستوبولوس .وهم ابناء Miriamme في السامره في سنة 7 قبل الميلاد . (Antiquities 16:392-394; LCL 8:365-367; Netzer 2001:68-70).
وقد اصبح هيرودس الكبير مجنون بجنون العظمة من خلال السنوات الاربعة الاخيره من حياته ما بين 4 : 8 قبل الميلاد فقد اعدم 300 من العسكريين Antiquities 16:393-394; LCL 8:365). وايضاً عدداً من الفريسيين .وحوادث متعدده جداً فلا عجب ان هيرودس كان يريد ان يقضي علي يسوع عندما كشف له الحكماء عن وجود ملك لليهود في انجيل متي 2 : 1 .
لماذا لم يسجل يوسيفوس الحدث ؟
هناك العديد من التفسيرات لهذا الامر
اولاً ان كتابات يوسيفوس جاءة في نهاية القرن الاول الميلادي فربما لم يكن يعلم بذبح اطفال بيت لحم لوجود فجوه زمنية واحداث كثيره مليئة بالحفاوه الدموية لهيرودس عن حادثة صغيره مثل هذه الحادثة.
ثانثا لم يسجل يوسيفوس احداث محورية في القرن الاولي علي سبيل المثال :-
1- حادثة الدروع الذهبية الرومانية في اورشاليم التي كانت سبباً في الدم بين هيرودس انتيباس وبيلاطس البنطي .ولوقا 23 : 12 يتكلم عن ازالة العداوه بينهم بعد ان رد هيرودس انتيباس يسوع الي بيلاطس .ومن سرد هذه الواقعة كان الفيلسوف اليهودي فيلو الاسكندري . (Embassy to Gaius 38:299-305; Maier 1969:109-121).
وقد قال البعض انه حصل علي بعض معلوماته من نيكلاوس الدمشقي وهو كان صديقاً لهيرودس .وقد يكون لم يسجل هذا الفعل الفظيع حتي لا يتشوه سمعتة هيرودس اكثر مما كانت لكن هذا مجرد اجتهاد وراي غير مقنع فلم تكن سمعه هيرودس تحتاج الي الاخفاء فافعاله كانت معروفة. (Brown 1993:226, footnote 34).
2- قد بالغ البعض في عدد الاطفال بشكل غير مدروس لكن البروفيسور William F. Albright ييحكي ان عدد السكان كان حوالي 300 شخص وعدد الاطفال الذكور الذي بلغوا اقل من عامين هم سته او سبعة (Maier 1998:178, footnote 25). وبالرغم من عدم اتفاقي في تحديد ارقام بعينها لكن بالفعل كانت بيت لحم بلده صغيره وهذا معروف تاريخياً .فلا نتوقع ان عدد الاطفال الذين هم دون السنتين عدد يزيد عن عشرات .في ظل ثوره الاحداث في هذا الوقت فمن سيرجع للتاريخ سيعلم عن ماذا سنتحدث .
ويذكر لنا احد المراجع قتل هيرودس جميع الصبيان .(وكان العدد هو بضع عشرات بسبب صغر حجم بيت لحم .وعدم تدوين التاريخ لهذه الحادثة لا يدعونا للاستغراب .لكثرة ما فعله هيرودس من اعتداءات متكرره.وقد قتل زوجته وثلاثة من ابناءه .ويوسيفوس يذكر انه اعظم البربريين من كل الرجال (Antiq. xvii. 8.1).
المراجع
The Slaughter of the Innocents: Historical Fact or Legendary Fiction?
Pfeiffer, C. F., & Harrison, E. F. (1962). The Wycliffe Bible commentary : New Testament (Mt 2:16). Chicago: Moody Press.
Robertson, A. (1997). Word Pictures in the New Testament. Vol.V c1932, Vol.VI c1933 by Sunday School Board of the Southern Baptist Convention. (Mt 2:16). Oak Harbor: Logos Research Systems.
Willmington, H. L. (1997). Willmington’s Bible handbook (525). Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers.
1976 Jewish Wars, Books 1-3. Vol. 2. Trans. by H. Thackeray. Cambridge, MA: Harvard University. Loeb Classical Library 203.
1980 Antiquities of the Jews 15-17. Vol. 8. Trans. by R. Marcus and A. Wikgren. Cambridge, MA: Harvard University. Loeb Classical Library 410.
1969 The Episode of the Golden Roman Shields in Jerusalem. Harvard Theological Review62:109-121.
1998 Herod and the Infants of Bethlehem. Pp. 169-189 in Chronos, Kairos, Christos II. Edited by E. J. Vardaman. Macon, GA: Mercer University.
في ايام داود الملك (مزمور 132)، الذي كان يريد ان يبني هيكل الله، وُجِد تابوت العهد -الذي هو يمثل حضور الله -في بيت لحم أفراته. لم يرتاح داود ولم يغفل حتى ذهب ومعه جيشه وإلى تابوت العهد لاسترداده. هذه القصة التاريخية، لا تمثل مجرد قصة تاريخية، ولكن قصة ذات بُعد نبوي وبُعد رمزي ايضا، صدق الكتاب عندما قال ان الكتاب كله نافع للتعليم (2تيموثاوس 3: 16).
تابوت العهد (هو البناء الرمزي) الذي اختاره الله لكي يمثل حضوره في العهد القديم، وهو من خلاله يتكلم (خروج 25: 10-22)، هو رمز واضح للمسيح. لاحظ ان التابوت هو مكان دفن الموتى (خروج 25: 10)، والمسيح قد جاء ليتنفذ فيه حكم الموت (متى 26: 28). لاحظ ايضا ان الله امر بصنع كاروبين على غطاء التابوت ويكون وجههما فى وجه بعض (خروج 25: 17-20)، وهذا حدث حرفيا فى قبر المسيح اذ كان الملاكان حوله عند الرأس وعند القدم (يوحنا 20: 12).
الله في العهد القديم كان يتكلم من بين الكاروبين على غطاء التابوت (خروج 25: 22)، والله في العهد الجديد تكلم وأعلن لنا رسالته من خلال المسيح الذي أعلن انه لم يتكلم من نفسه (يوحنا 12: 49). فإن كان التابوت يمثل -بشكل رمزي-حضور الله في العهد القديم، فإن المسيح يمثل حضور الله في العهد الجديد كما أعلن المسيح نفسه (يوحنا 14: 8-9)، هو الله الظاهر في الجسد.
البُعد النبوي لمزمور 132: داود (المحبوب) لم ينام ولم يرتاح حتى يصل إلى بيت لحم أفراته ليسترد تابوت العهد، وعندما وجده سجد له. وهذا حدث مرة اخرى وبشكل اكبر ، فاليهود كانوا في اشتياق شديد لمجئ المسيح وبالنبوات كانوا يعلمون انه سيولد في بيت لحم ، فعندما جاء المسيح للعالم ، ذهب اليه اليهود الرعاة ليسجدوا له (لوقا 2: 8-20) ، ليس فقط اليهود وانما الامم ايضا اذ عرفوا مكان ميلاد المسيح ليس بنبوة (ميخا 5: 3) وانما بالنجم الذى ظهر لهم واستقر فوق ميلاد المسيح و قد عرفوا عن هذا النجم من قبل (عدد 24: 17) ، ذهب اليه الامم وسجدوا له في بيت الخبز (متى 2: 1-12).
البُعد الرمزي لمزمور 132: يجب علينا نحن المؤمنين (المحبوبين) ان نستقبل المسيح فى بيت لحم (بيت الخبز) الذي في افراته ، ونسجد له بالروح والقلب . بيت لحم هو القلب، فنحن لن نرتاح ولن ننام إلا عندما نسترد المسيح الموجود في قلبنا والمقصود ان نجعله هو الملك على قلبنا فنسجد له، قال المسيح انه لا يقدر أحد ان يخدم سيدين (متى 6: 24)، لذا يجب ان ننحي شهواتنا جانبا ونجعل المسيح هو الرئيس في بيت لحمنا.
نبوءات القديس متَّى بين الوحي والتلفيق، الرد على شبهة “تلفيق القديس متى لنبوة
نبوءات القديس متَّى بين الوحي والتلفيق، الرد على شبهة “تلفيق القديس متى لنبوة
نبوءات القديس متَّى بين الوحي والتلفيق، الرد على شبهة “تلفيق القديس متى لنبوة
يقدم أخينا المسلم إعتراضاً على نبوة القديس متى 2: 6 التي يقول فيها:
Mat 2:1 ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم
Mat 2:2 قائلين: «أين هو المولود ملك اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له».
Mat 2:3 فلما سمع هيرودس الملك اضطرب وجميع أورشليم معه.
Mat 2:4 فجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم: «أين يولد المسيح؟»
Mat 2:5 فقالوا له: «في بيت لحم اليهودية لأنه هكذا مكتوب بالنبي:
Mat 2:6 وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل».
وتتلخص إعتراضاته في الآتي:
متى لم يذكر مكان النبوة بالتحديد.
متى دلس وغير كلمة “متسلط” وجعلها “مدبر”.
لا يمكن أن يكون المسيح متسلط لأنه سيموت.
المسيح لم يزر بيت لحم أي مرة بعد ولادته فيها.
هل كان المسيح ملكً لإسرائيل؟
ونضيف عليها:
مسيانية النبوة عند اليهود أنفسهم.
الإعتراض الأول: يذكر صاحب الشبهة أن متى لم يذكر مكان النبوة، وهذا يعني أنه يظن أن الأسفار على أيام القديس متى كانت بهذه الأسماء الموجودة حاليا وكان لها التقسيم الموجود حالياً، وهذا غير صحيح، فالتقسيم الرئيسي في هذا الوقت يقسم ما نسميه اليوم “العهد القديم” إلى ثلاثة أقسام رئيسية وهم: التوراة (توراة)، الأنبياء (نبييم)، الكتابات (كتوبيم)، وأخذوا الحرف الأول من كل كلمة لتكون: ت ن خ(ك)، وهي الكلمة التي ننطقها اليوم: تناخ.
فلم يكن عند اليهود إستخدام أسماء الأسفار كما اليوم وكانت الإستشهادات تتم بالطريقة التي إستخدمها القديس متى، فلم يكن له أن يقول إن هذه النبوة مذكورة في سفر ميخا، ولكن لأن سفر ميخا هو من ضمن قسم “الأنبياء” فقد قال “مكتوب بالنبي”، ومن هنا يتضح لنا عدم معرفة الأخ المعترض المسلم بأساسيات بسيطة يعرفها كل باحث.
الإعتراض الثاني: يتلخص هذا الإعتراض في أن القديس بدَّلَ ما قاله سفر ميخا لكي يتناسب مع المسيح، فيقول المعترض أن القديس متى كتب “لأن منك يخرج مدبر” بينما ذكر ميخا ” الذي يكون متسلطا على إسرائيل” (ميخا 5: 2)، فيقول إن القديس متى إستبدل كلمة “متسلطًا” بكلمة “مدبر” لكي يتهرب من أن المسيح لم يكن متسلطاً على شيء! ولهذا كتبها “مدبر”! وفي الحقيقة أن هذا الإعتراض يظهر بجلاء مستوى بحث الإخوة المسلمين، فالأخ المسلم المعترض يبني كل إعتراضه على ترجمة الفانديك العربية، وتحديداً على إختلاف اللفظ المترجم إلى “مدبر” عن اللغظ المترجم إلى “متسلط” فطالما: “مدبر” غير “متسلط” فهو إذن تحريف من القديس متى لتلفيق النبوة وجعلها على مقاس الرب يسوع! وربما لا يعرف هذا الشخص أن ميخا النبي لم يُكتب بالعربية، ولا هكذا إنجيل متى! بل الأول بالعبرية والثاني باليونانية، فكيف يقارن لفظة من هنا ومن هناك باللغة العربية؟! حقا لا أعرف، ولكن، لو رجعنا للفظة العبرية التي إستخدمت في سفر ميخا سنجدها מוֹשֵׁ֖ל ولو رجعنا للفظة اليونانية المستخدمة في إنجيل متى سنجدها ἡγεμόσιν، فكيف لا يلجأ لمقارنة معنى الكلمة العبرية بمعنى الكلمة اليونانية؟! كيف يقارن كلمتان عربيتان هما في الأصل ترجمة لكلمتين غير عربيتين؟ لو أردنا معرفة معاني الكلمتين سنجد الكلمة العبرية تعني: يحكم، يتسلط، يملك، يتحكم، يكون له السيادة..إلخ[1]، وهكذا نجد عندما نبحث عن معاني الكلمة اليونانية التي إستخدمها متى الرسول، فنجد أن معناها: يحكم، يتسلط، يملك، يتحكم، يكون له السيادة..إلخ[2]، ومن هنا نعرف أن القديس متى إستخدم كلمة يونانية لها ذات المعنى الذي للكلمة العبرية في سفر ميخا، فمن هذا الذي قال أن القديس متى غير المعنى من “يتسلط” إلى “يدبر”؟! الكلمة العبرية واليونانية تحمل كلا المعنيين!
الإعتراض الثالث: لم يكن تسلط المسيح تسلطاً دنيوياً، ولم يكن تسلطه بأن يكون ملكاً أرضياً، بل أنه رد ذات مرة عليهم وقال لهم “مملكتي ليست من هذا العالم”، فلم يقل لهم أني لست ملكا، أو ليست لي مملكة، بل قال لهم أن مملكته ليست من هذا العالم، فقد أثبت أن له مملكة ولكنها ليست من هذا العالم، وعندما أرادوا أن يختطفوه ليجعلوه ملكاً، ذهب إلى الجبل وحده، فالسيد المسيح هو صاحب السلطان الأبدي الأزلي على الكون كله، فنحن لدينا نصوص حرفية صريحة تقول بأن سلطان المسيح وملكه سيكون أبدي:
Luk 1:33 ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية».
Heb 1:8 وأما عن الابن: «كرسيك يا ألله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك.
Heb 13:21 ليكملكم في كل عمل صالح لتصنعوا مشيئته، عاملا فيكم ما يرضي أمامه بيسوع المسيح، الذي له المجد إلى أبد الآبدين. آمين.
Rev 11:15 ثم بوق الملاك السابع، فحدثت أصوات عظيمة في السماء قائلة: «قد صارت ممالك العالم لربنا ومسيحه، فسيملك إلى أبد الآبدين».
Dan 7:14 فأعطي سلطانا ومجدا وملكوتا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض.
Rev 5:12 قائلين بصوت عظيم: «مستحق هو الحمل المذبوح أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة».
Rev 5:13 وكل خليقة مما في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض، وما على البحر، كل ما فيها، سمعتها قائلة: «للجالس على العرش وللحمل البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الآبدين».
فكل هذه النصوص تؤكد أن رُسل المسيح يشهدون أن للمسيح مُلك، بل وأنه ملك أبدي، فكيف يقول أخينا المسلم أن القديس متى أبدل الكلمة بكلمة أخرى لان المسيح لن يتسلط؟ فكما أوضحنا أن القديس متى لم يغير شيء وأن المسيح هو المتسلط لأنه هو الله فعلاً.
الإعتراض الرابع: في هذا الإعتراض يتأكد لنا أن الأخ لا يجيد قراءة اللغة العربية، فإعتراضه هو أن هذه النبوة لا تنطبق على المسيح بسبب أن السيد المسيح لم يزر بيت لحم ولا مرة بعد ميلاده! وللرد عليه، وبغض النظر عن زيارات المسيح، هل قالت النبوة أن المسيح سيولد في بيت لحم أم أنه سيزور بيت لحم مرات بعد مولده؟ النبوة تقول “اما انت يا بيت لحم …. فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطا على اسرائيل”، فالنبوة، إذاً، تتحدث عن ميلاده في بيت لحم، وليس عن عودته إليها مرة أخرى، فبغض النظر عن كونه عاد أو لم يعد إلى بيت لحم، فالنبوة تحققت فقط بميلاده، فيبطل من هنا إعتراض الأخ المسلم.
الإعتراض الخامس: هل كان المسيح ملكًا لإسرائيل؟ لنضرب أمثلة أن المسيح يسوع هو ملك إسرائيل، لقد قال نثنائيل لليسوع المسيح:
Joh_1:49 فقال نثنائيل: «يا معلم أنت ابن الله! أنت ملك إسرائيل!»
فماذا كان رد السيد المسيح له المجد عليه؟ لقد رد عليه الرب وقال له:
Joh 1:50 أجاب يسوع: «هل آمنت لأني قلت لك إني رأيتك تحت التينة؟ سوف ترى أعظم من هذا!»
فالرب يسوع المسيح أسمى هذا الإعتراف الذي قاله نثنائيل بـ”الإيمان” ولم يذكر له مثلا أنه ليس ملك إسرائيل أو خلاف ذلك، مما يؤكد أن الرب يسوع هو المسيح ملك إسرائيل، وليس هذا فحسب، بل أن جمع غفير عندما دخل المسيح أورشليم قبل صلبه، فإنهم قابلوه بسعف النخل والأغصان:
Joh 12:13 فأخذوا سعوف النخل وخرجوا للقائه وكانوا يصرخون: «أوصنا! مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل!»
وقد أكد القديس يوحنا على هذا بإحضار النبوة الخاصة به حيث قال:
Joh 12:15 «لا تخافي يا ابنة صهيون. هوذا ملكك يأتي جالسا على جحش أتان».
إذن، فالمسيح يسوع هو ملك إسرائيل، لكن وكما أخبرنا، بانه ليس ملك أرضي.
مسيانية النبوة عند اليهود أنفسهم.
لم يكن إقتباس القديس متى لنبوة ميخا وتطبيقها على يسوع المسيح عملاً مخالفا لما كان مستقراً عند اليهود أنفسهم، إذ أن القديس متى حسب ميلاده هو يهودي أيضاً، ولو قرأنا ما قاله اليهود أنفسهم عن نبوة ميخا سنتأكد من هذا، ومن هنا نعرف أنه طالما إعترف المرء أن يسوع هو المسيح فهذه النبوة حتما تنطبق على المسيح، ويتبقى للأخ المسلم أن يتعب قليلاً ليفهم النبوة لا أن يعارض فقط.
يقول ترجوم يوناثان بن عوزيئيل للأنبياء في ميخا 5: 1:
وأنت بيت لحم أفراته صغيرة لتكوني معدودة ضمن ألوف بيت يهوذا، منك يخرج لي المسيح ليكون متسلطًا على إسرائيل، الذي اسمة مذكور منذ القديم منذ أيام الأزل.
وفي متسودات داڤيد، على ميخا 1:5:
מצודת דוד, מיכה ה א ממך לי יצא: ומ”מ יצא לי ממך מלך המשיח להיות מושל בישראל.
والذي ترجمته:
منك يخرج لي: ومنك يخرج لي الملك المسيح ليكون حاكم في إسرائيل.
وفي تفسير رابي داڤيد بن يوسف كمحي (ردا”ك)، ميخا 1:5:
רד”ק, מיכה פרק ה א אתה בית לחם צעיר להיות באלפי יהודה, אעפ”י שהיית צעיר באלפי יהודה, ממך לי יצא שופט להיות מושל בישראל וזהו המלך המשיח. ופירוש להיות להיותך נמנע בערי אלפי יהודה צעיר עתה כנגדם ואע”פ כן ממך יצא לי המשיח, כי מזרע דוד שהיה מבית לחם יהיה וזהו שאמר ומוצאתיו מקדם מימי עולם.
والذي ترجمته:
وأنت بيت لحم صغيره ان تكوني بين ألوف يهوذا، ولكن على الرغم من كونك صغيرة بألوف يهوذا، منك يخرج لي قاضي ليكون حاكم في إسرائيل وهذا هو الملك المسيح. ومعنى كونك غير معدودة لأنك صغيرة الآن بينهم ولكن على الرغم هذا منك يخرج لي المسيح، لأنه من نسل داود الذي من بيت لحم سيكون ولهذا قيل مخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل.
Warren Baker, The Complete Word Study Dictionary: Old Testament (Chattanooga, TN: AMG Publishers, 2003, c2002), 683.
James Swanson, Dictionary of Biblical Languages With Semantic Domains: Hebrew (Old Testament), electronic ed. (Oak Harbor: Logos Research Systems, Inc., 1997), DBLH 5440.
Wilhelm Gesenius and Samuel Prideaux Tregelles, Gesenius’ Hebrew and Chaldee Lexicon to the Old Testament Scriptures, Translation of the Author’s Lexicon Manuale Hebraicum Et Chaldaicum in Veteris Testamenti Libros, a Latin Version of the Work First Published in 1810-1812 Under Title: Hebräisch-Deutsches Handwörterbuch Des Alten Testaments.; Includes Index. (Bellingham, WA: Logos Research Systems, Inc, 2003), 517.
Ernst Jenni and Claus Westermann, Theological Lexicon of the Old Testament (Peabody, MA: Hendrickson Publishers, 1997), 689.
William Lee Holladay, Ludwig Köhler and Ludwig Köhler, A Concise Hebrew and Aramaic Lexicon of the Old Testament. (Leiden: Brill, 1971), 219.
James Strong, The Exhaustive Concordance of the Bible: Showing Every Word of the Text of the Common English Version of the Canonical Books, and Every Occurrence of Each Word in Regular Order., electronic ed. (Ontario: Woodside Bible Fellowship., 1996), H4910.
Robert L. Thomas, New American Standard Hebrew-Aramaic and Greek Dictionaries: Updated Edition (Anaheim: Foundation Publications, Inc., 1998, 1981), H4910.
Spiros Zodhiates, The Complete Word Study Dictionary: New Testament, electronic ed. (Chattanooga, TN: AMG Publishers, 2000, c1992, c1993), G2232.
Barclay Moon Newman, A Concise Greek-English Dictionary of the New Testament. (Stuttgart, Germany: Deutsche Bibelgesellschaft; United Bible Societies, 1993), 80.
James Swanson, Dictionary of Biblical Languages With Semantic Domains: Greek (New Testament), electronic ed. (Oak Harbor: Logos Research Systems, Inc., 1997), DBLG 2450, #2.
Henry George Liddell, Robert Scott, Henry Stuart Jones and Roderick McKenzie, A Greek-English Lexicon, “With a Revised Supplement, 1996.”, Rev. and augm. throughout (Oxford; New York: Clarendon Press; Oxford University Press, 1996), 763.
H.G. Liddell, A Lexicon: Abridged from Liddell and Scott’s Greek-English Lexicon (Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc., 1996), 347.
James Strong, The Exhaustive Concordance of the Bible: Showing Every Word of the Text of the Common English Version of the Canonical Books, and Every Occurrence of Each Word in Regular Order., electronic ed. (Ontario: Woodside Bible Fellowship., 1996), G2232.
Robert L. Thomas, New American Standard Hebrew-Aramaic and Greek Dictionaries: Updated Edition (Anaheim: Foundation Publications, Inc., 1998, 1981), H8674.