من هو الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

من هو الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

من هو الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

مَنْ هو الله الكلمة:

في الفكر اللاهوتي لكل من الخلقيدونيين وغير الخلقيدونيين، يسوع المسيح هو الله الابن الذي تجسد وصار إنساناً، والله الابن هو “الواحد من الثالوث”. وكان كلا الجانبان قد ورث الفكر اللاهوتي الكبادوكي الخاص بعقيدة الثالوث ولكنهما لم يتفقا كثيراً مع تعاليم ق. أغسطينوس.

ويؤكد الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني على وجه الخصوص (بحسب المفهوم الكبادوكي) أن الله هو ’أوسيا‘ واحد وثلاثة ’هيبوستاسيس‘، بما يعني أن اللاهوت الواحد يتفرد ويتخصخص (individuated) أزلياً وبالتساوي والكمال في الأشخاص الثلاثة الآب والابن والروح القدس. وبما أن الأوسيا بكليته يتفرد ويتخصخص في كل واحد منهم، لذلك فإن الآب هو إله كامل والابن هو إله كامل والروح القدس هو إله كامل، ولكن مع ذلك هم ليسوا ثلاثة آلهة لأن كل منهم له نفس الأوسيا فيه.*

والأوسيا أي اللاهوت هو غير منقسم، ولا يوجد بنفسه بعيداً عن الثلاثة أشخاص (هيبوستاسيس).

ومع ذلك لم يكن هذا التفسير لعقيدة الثالوث، في نظر اللاهوتيين غير الخلقيدونيين، كافياً تماماً لشرح سر الله المكنون، لذلك نرى البطريرك ساويروس على سبيل المثال يصر على أن “الثالوث القدوس لا يخضع للتعريفات الطبيعية، أو الأبحاث العقلانية، لأن ماهيته هي فوق إمكانية المعرفة”. فهو أبعد من كل شيء، ويعلو على كل فكر، ولا يمكن لعقولنا أن تدرك الثالوث القدوس.

وحتى المصطلحات ’أوسيا‘ و ’فيزيس‘ و ’هيبوستاسيس‘ وغيرها، هي غير كافية في الحقيقة لتشرح المعنى الحيقي لله، إلا أننا نستخدمها فقط لمساعدتنا على شرح بعض المفاهيم الفائقة.

والله هو الثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس. والعلاقة الأولية للابن مع الآب هي الوحدانية في ’الأوسيا‘، وهو الابن الفريد المولود من الآب وولادته هي في الأزل. والابن بلا بداية وقبل الزمن، وهو “حكمة الله وقوة الله”. وهو “مولود من الآب ـ مثل ’الكلمة‘ ـ بلا بداية وبلا ألم أو أي قيود جسدية”.

والابن مولود من الآب “قبل الزمن وقبل كل الدهور ومنذ الأزل”، وهو “بهاء مجده وصورة شخصه”. وهو “المولود الوحيد، والفريد من الفريد، والذي له في كيانه كل ما للآب دون أي نقصان. ولأنه مولود على هذا النحو، “فهو يسكن (أو كائن)” في أبيه بكونه “صورته غير المتغيرة”.[1]

إذن فالابن مولود من الآب والروح القدس ينبثق من الآب منذ الأزل، ولا يعني هذا أن الآب سابق على الابن والروح القدس، ولا أن الابن والروح القدس لاحقان للآب في الزمن، فالثلاثة أشخاص أزليون معاً ومتساوون معاً.

والآب والابن والروح القدس مشتركون في الطبيعة والإرادة والسلطة، ولذلك فإن الابن والروح القدس حاضران مع الآب في كل ما يفعله، وعلى نفس النحو يكون الآب والروح القدس حاضرين مع الابن في كل ما يفعله، ويكون الاب والابن حاضرين مع الروح القدس في كل ما يفعله. والآب يخلق بواسطة الابن ويكمِّل الخليقة في الروح القدس.

والآب يختلف عن الابن وعن الروح القدس فقط في كونه وحده هو آب، أو في كونه وحده له الأبوة؛ والابن يختلف عن الآب والروح القدس فقط كونه وحده له البنوة؛ والروح القدس يختلف عن الآب والابن فقط في كونه الرب الذي يسكن في الخلائق ويلهمهم لكي يعرفوا الله.*

والله غير قابل للتغير، ولذلك لا يخضع لأي تحول في طبيعته؛ وهو كامل في ذاته ولذا لا يقبل أية إضافة في كيانه؛ وهو يخلق ليس بسبب اضطرار موضوع عليه، ولكن كتعبير عن حبه اللانهائي.

وبعيداً عن الزمان والمكان وكافة القيود الأخرى يتصل الله بخلائقه وبالعالم. أما العالم فكائن في الزمان والمكان وبقية القيود الطبيعية، وقد صنعه الله شيئاً حقيقياً وخطط ليقوده نحو الكمال الذي قصده له، والعالم لم يضف أي شيء إلى الله الكامل أزلياً، والذي هو بالحقيقة وحده المستقل (غير الاعتمادي) والكائن ذاتياً (independent and self-existent).

وكان اللاهـوتيون غير الخلقـــيدونيين قد استبعدوا كلاً من: (1) السابلية، حيث أكــــدوا على أزلـــــية وكمـــال الثلاثة أقانيم؛ (2) الديناميزم (Dynamism) التي كان ينادي بها بولس السموساطي،# حيث اعترفوا أن الآب والابن والروح القدس هم ثلاثة أشخاص حقيقية أزلية؛ (3) الأريوسية، إذ قد إعترفوا مع آباء نيقية بأن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب؛ (4) المقدونية، حيث قد أكدوا أن الروح القدس له ذات الجوهر الواحد مع الآب والابن.

وكما أدان غير الخلقيدونيين هذه الهرطقات التي كانت ضد عقيدة الثالوث القدوس قبل مجمع خلقيدونية، فقد تصدوا كذلك لموقف الذين نادوا بثلاثة آلهة في القرن السادس ومحاولتهم لنشر هذا الفكر الخاطئ.[2]

وهكذا نجحوا في مقاومة كل من هرطقة الثلاثة آلهة من ناحية، والهرطقة السابلية ـ والتي تُعرف ايضاً بالشكلية (modalism) ـ من الناحية الأخرى، ففي مواجهة الأولى أصر غير الخلقيدونيين على أن الله أوسيا واحد وطبيعة واحدة وإرادة واحدة وسيادة واحدة، وفي مقاومة الثانية أكدوا أنه متى فكرنا في الآب أو الابن أو الروح القدس، فإننا يجب أن نقر أن كل واحد منهم هو أوسيا وطبيعة وإرادة وسيادة في ذاته.

 

هو صار إنساناً:

كان التأكيد الدائم المتكرر لكل اللاهوتيين غير الخلقيدونيين هو أن الله الابن، الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس، قد صار إنساناً. ويؤكد مار فيلوكسينوس أسقف منبج على سبيل المثال أن الله الكلمة أو الله الابن “صار جسداً في رحم العذراء”.[3] وهي قد حملته وهو صار جسداً؛ أو بصورة أدق: هو صنع لنفسه جسداً من رحم العذراء، جسداً له روح عاقلة ومدركة، وجعله جسده الخاص.[4]

ويصر مار فيلوكسينوس أنه (أي الابن) لم يتخذ لنفسه جسداً كان قد تكوّن من قبل؛ لأن هذا لا يعتبر تجسداً.[5] ومن هنا فإن الجسد ـ الذي كان يعني بالنسبة لأسقف منبج ’إنساناً كاملاً‘ ـ قد أُخذ من رحم العذراء.

وهناك أمران واضحان في كلام مار فيلوكسينوس: أولاً، كان تعبير ’صار جسداً‘ لا يعني أن الله الكلمة قد تغير إلى إنسان، ولكنه كان يعني فقط أنه قبل في نفسه وبإرادته إخلاءً ذاتياً، وولد من أم إنسانية.[6]

وهكذا فإن الذي وُلد أزلياً من الآب بحسب الطبيعة، وُلد كإنسان تحت ظروف الزمان والمكان لأجل خلاصنا،[7] ولكي يولد هكذا صنع الله الكلمة لنفسه جسداً من رحم العذراء. ثانياً، كان تعليم مار فيلوكسينوس يشير إلى تدبير إلهي حقيقي مطلق، اتخذ فيه الله الابن ناسوتاً، يتكون من كل شيء إنساني، بكل ما في ذلك من معنى حقيقي، باستثناء الخطية وحدها.[8]

وبالتالي فقد حُبل به، وولد كرضيع، ونما كطفل؛ وكان خاضعاً لكل قوانين الطبيعة، وتحمل الألم، والسخرية والخزي والعذاب ومات وقام ثانية من بين الأموات.[9]

وفي تأكيده على تجسد الله الابن، أوضح أسقف منبج أن أحد أهداف التجسد هو أن يعطينا معرفة عن طبيعة الله الحقيقية، ويقول مار فيلوكسينوس أنه بالتجسد عرفنا أنه يوجد (من يُدعى) الله الابن،* فلو لم يتجسد الابن لما كانت هذه الحقيقة قد كُشفت لنا.[10]

وكان للبطريرك ساويروس الأنطاكي فهماً أكثر تطوراً لعقيدة التجسد، فقد أكد أن الله الابن خصخص له ناسوتاً في الإتحاد معه، واتخذه ناسوته الخاص.[11] وقد تخصخص (individuated) ناسوت المسيح بنفس الطريقة التي تحدث بالنسبة لأي إنسان آخر، ماعدا أن الجسد في تلك الحالة أخذ وجوده في معية الله الكلمة.[12]

وقد تكوَّن الجسد أو الناسوت بالفعل من جسد الأم العذراء، وعندما “أكمل الوقت كجنين”[13] وُلد كطفل بشري. وفي تأكيده على أن الكلمة “صار جسداً”، كان ساويروس مهتماً بالاعتراف أن “الجسد اتخذ وجوده في ذات الطبيعة المتجسدة لله الكلمة”، وأن الجسد “خضع للنمو التدريجي” في أخذه صورة الإنسان.[14]

ومن الجدير بالذكر أن البطريرك ساويروس كان قد أكد نقطتين هامتين بخصوص ميلاد المسيح، النقطة الأولى هي أن الميلاد كان من عذراء بدون تدخل رجل، وقد ذُكرت هذه النقطة فيما قبل.[15]

والنقطة الثانية هي أن هذا الميلاد كان ميلاداً حقيقياً وتلا حبلاً حقيقياً ونمواً للجنين في رحم الأم. ولذلك كتب ساويروس خطاباً إلى أنطونينو أسقف أليبو[16] (Antonino of Aleppo) يقاوم فيه رجلاً كان يعلِّم أن “العذراء القديسة لم تحس بالولادة”، واحتوى هذا الخطاب على تأكيد البطريرك ساويروس أن “العذراء ولدت وهي تشعر” بحقيقة الولادة، وأن “هذه الولادة لم تكن خيالية”.

“وإذ أراد أن يشترك بالحقيقة في كل شيء يخصنا مقدِّماً نفسه كواحد منا نحن أخوته في كل شيء ما خلا الخطية، وُلد باليقين في الجسد ميلاداً ظاهراً حقيقياً، جاعلاً تلك التي ولدته أن تشعر (بحقيقة الولادة)، وإن كانت قد تحررت من كل آلم أو معاناة”.

وأكد البطريرك ساويروس على أمرين بخصوص أم ربنا، أولاً أنها ولدته وهي عذراء، وثانياً أنها ثيؤطوكس (والدة الإله)، وحيث إننا قد تعرضنا للأمر الأول، فسنناقش الأمر الثاني باختصار في السياق التالي.

يعلق البطريرك ساويروس على فقرة من رسالة ق. كيرلس إلى الرهبان، ويؤكد أن السر الخاص بميلاد المسيح يشبه ذلك الخاص بميلادنا[17] فيقول: “حينما تقضي الأمهات على الأرض فترة حملهن الطبيعية، يتكون في أرحامهن الجسد الذي يأخذ شكله تدريجياً”، ويضع الله فيه روحاً بطريقة لا يعلمها إلاّ هو وحده، وبفعل الله ينمو الجسد إلى قوامه الكامل.

وفي الأساس الجسد مختلف عن الروح، “ولكن على الرغم من أن الأمهات على الأرض هن أمهات للأجساد فقط، فإنهن يلدن الكيان المركب من الجسد والروح بأكمله”. ولذلك لا يقول أحد أن “أليصابات حملت الجسد وليس الروح”. ونفس الشيء حدث بالنسبة لميلاد عمانوئيل، فالله الابن صار مثلنا “وولد في الجسد بواسطة امرأة. وبالرغم من أن العذراء كانت أماً لناسوت المسيح وحده، فلأن الناسوت قد أتى إلى الوجود وتكوَّن فقط، داخل الاتحاد مع الله الابن، فقد ولدت الله المتجسد، ولذلك صارت هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘”.

ولم يكن بالقطع تأكيد البطريرك ساويروس على الميلاد البتولي ولا على الاعتراف بالعذراء كثيؤطوكس، بقصد الانتقاص من حقيقة أو كمال ناسوت المسيح، بل كان القصد هو التأكيد على وحدة المسيح.

وكانت هناك أيضاً خمس أمور على الأقل أكدها البطريرك ساويروس الأنطاكي بخصوص ناسوت المسيح نوردها فيما يلي:

  • إن الناسوت لم يتغير إلى اللاهوت، وقد أصر ساويروس على أن “الجسد لم يتخلى عن طبيعته كجسد، بالرغم من أنه صار جسد الله”.[18]

  • إن اتحاد الطبيعتين لم يؤثر على الحـالة المخلوقية (creaturely status) للناسوت أو خواصه وملكاته.

  • إن الله الابن في حالته المتجسدة سمح للناسوت أن يمارس كل وظائفه المخلوقية من (داخل) حالة الاتحاد. وعلى هذا النحو نما الجنين في الرحم واكتمل كطفل بشري، وعندما حان الوقت وُلد في العالم. وبعد ولادتـــه نما الطفل وتقوّى، وامتلأ بالحكمة “وكانت نعمة الله عليه”.[19] كما كان للناســوت وعيه الذاتي (self-consciousness)، وحريته المخلوقة بكاملها، ولكن لأن الناسوت كان متحداً بغير انفصال مع اللاهوت، فالحقيقة في واقع الأمر أن تلك الملكات (الخاصة بالناسوت) لم تُستخدم على نحو خاطئ في عصيان الله.

  • كان للناسوت كل القيود الخاصة ببشريتنا ماعدا كونه بغير خطية، ولذلك أصبح من الممكن أن يكون محكوماً بوجود محدود؛ وأن يجوع ويعطش ويتعب جسمانياً؛ وأن يُرفض من خاصته ويُسلم إلى السلطة السياسية في عصره كمجرم؛ وأن يعاني التعذيب والألم والموت. وكانت كل خبرة من هذه الخبرات شديدة الوطأة جداً، ولم تكن لا خيالية ولا خادعة، بل في الواقع كانت حقيقة تلك الخبرات أمر أساسي لخلاصنا الذي أتى الرب لتتميمه.

  • كل الحقائق البشرية قد أخذها الله الابن كخاصته (أي جعلها خاصة به) في التدبير الخلاصي.

وفي محاولة البطريرك ساويروس توضيح التعليم الخريستولوجي لغير الخلقيدونيين، كانت له إجابة هامة على سؤال يختص بما حدث لناسوت المسيح بعد القيامة. وقد رد البطريرك ساويروس على هذا التساؤل في رسالته إلى كنيسة حمص[20] (Homs)، حيث كان هناك شخص يروج فكرة أن الله الكلمة الذي صار متجسداً، أصبح بعد القيامة بدون جسد لأنه “خلع ما كان متحداً به هيبوستاسياً”. وقد فند البطريرك ساويروس هذه الفكرة وأصر على أنها “أبعد من كل تقوى وأكبر من كل تجديف”.

وفي رسالته إلى كليدونيوس (Cledonius)، كتب البطريرك ساويروس أن غريغوريوس النزينزي كان قد أدان بالفعل الذين يقولون إن “الجسد قد طُرح (تُرك) الآن، وأصبح اللاهوت بدون الجسد”، وأضاف البطريرك ساويروس: إن الله الكلمة في طبيعته هو بدون لحم ودم، ولكن في تدبيره الخلاصي اتخذ لحماً ودماً، ولا يعني هذا أنه كان يعاني قصوراً في الكمال (ليأخذ شيئاً لم يكن فيه)، ولكنه أخذ لحماً ودماً لكي يتمم خلاص الجنس البشري في جسد بشري.

وهكذا فإن الطبيعة البشرية التي اتخذها لم تُبتلع (أو تتلاشى) في ’أوسيا‘ اللاهوت. ولذلك أصر البطريرك ساويروس على أن “الجسد بقي جسداً حتى بعد القيامة والصعود الإلهي، وهو يضيء في المجد الخاص بالابن الذي له هذا الجسد. وبكونه جسد الله فهو (جسد) إلهي، ولكنه لم يتغير إلى ’أوسيا‘ اللاهوت”. فالناسوت الذي أخذه الله الابن وجعله خاصاً به في التجسد هو ناسوت مخلوق، وسيبقى هكذا إلى الأبد وهو لم يمتص في الطبيعة الإلهية.

 

الكلمة صار إنساناً في يسوع المسيح:

إذاً كان المفهوم الذي شدد عليه غير الخلقيدونيين هو أن واحداً من الثالوث القدوس وهو الله الابن، قد صار متجسداً ومتأنساً. وكانت الفقرة الكتابية الحاسمة التي يُشار إليها هي التي جاءت في إنجيل يوحنا: “الكلمة صار جسداً وحل بيننا”،[21] وكان يُذكر معها أيضاً كلمات بولس الرسول: “الله أرسل ابنه مولوداً من امرأة”.[22]

وبينما كان البابا تيموثاؤس إيلوروس يؤكد على أن الناسوت كان حقيقياً، كان يصر أيضاً على أن الله الابن في التجسد صار “واحداً مع الجسد”. وقد عبَّر البابا تيموثاؤس عن وجهة نظره بصورة أوضح بواسطة فقرة اقتبسها ـ وهو متفق معها ـ من الأعمال الزائفة المنسوبة ليوليوس أسقف روما (Pseudo-Julius of Rome)، حيث قال:[23]

“إذاً، فإن كان الذي وُلد من العذراء يُدعى يسوع، فهو نفسه الذي بواسطته دُعيت كل الأشياء إلى الوجود. فالطبيعة هي واحدة، لأن الشخص هو واحد، وهو الذي لا يمكن أن ينفصل إلى إثنين: لأنه في التجسد، لم توجد طبيعة الجسد قائمة بذاتها (مستقلة)، ولم توجد طبيعة اللاهوت منفصلة عنها”.

لقد كان ناسوت المسيح حقيقياً، ولكنه لم يوجد قائماً بذاته منفصلاً عن اللاهوت.

ولكي يؤكد البابا تيموثاؤس حقيقة بشرية المسيح، أقتبس فقرة من يوحنا أسقف أورشليم ـ وهي التي قام البطريرك ساويروس باستخدامها مرة ثانية في كتابه ضد يوليان أسقف هاليكارنيســوس ـ  وتبدأ هذه الفقرة بذكر أن ربنا وُلد من مريم العذراء بفعل الروح القدس، ثم تستمر كما يلي:[24]

“وأخذ جسداً حقيقياً وليس خيالياً من جسدها، وهذا الجسد له نفس طبيعة جسدنا. وفي (هذا) الجسد تحمل الآلام بالحقيقة لأجلنا، وتعب من السفر مثلنا بدون أي خداع، ومثلنا (أيضاً) نام وشعر بآلام الجروح التي أصابته بواسطة بيلاطس. وعندما لُطم على خديه تحمل الوجع؛ وحينما ثُقبت يداه ورجلاه بالمسامير، كان يشعر بالألم… ونحن نعترف كذلك أن له نفساً عاقلة تحملت (هي الأخرى) المعاناة مثلنا ولأجلنا. وقد تحمَّل حقيقة آلام النفس أي الحزن والكرب والتنهد”.

وقد أكد الكاتب ـ ومعه البطريركان تيموثاؤس وساويروس ـ أن كل هذا كان حقيقياً (وليس وهماً أو خيالاً أو خداعاً)، وهكذا فإن المسيح ذاته كان ـ في آنٍ واحد ـ له ذات الجوهر الواحد مع الله الآب ومع الله الروح القدس، وله ذات الجوهر الواحد معنا. وحيث إنه كان وحدة (unity)، فإن الناسوت لم يوجد فيه في حالة استقلال أو انفصال عن اللاهوت.

أما مار فيلوكسينوس فيقر أن قانون الإيمان النيقاوي يشرح الإيمان الإنجيلي بتأكيده على أن الله الابن نفسه هو الذي نزل من السماء، وولد من العذراء، وتألم، ومات، وقُبر، وقام ثانية… وينسب كل هذه الحقائق لله الابن المتجسد، وليس بعضاً منها إلى الله الابن وبعضاً منها إلى الطبيعة البشرية. فالإيمان إذاً هو أن الله الابن “بحلوله في الرحم وتجسده، فإن نفس الواحد قد أُعلن ـ في آنٍ واحد ـ أنه هو الكلمة والجسد، الله والإنسان، المُخفى والظاهر، صورة (هيئة) الله وصورة الإنسان”. وبكونه صورة الله، فهو الكلمة الأزلي الواحد مع الآب في الجوهر، وبكونه صورة الإنسان فإنه هو نفسه قد صار واحداً معنا في الجوهر.[25]

ويؤكد مار فيلوكسينوس أن التجسد هو عمل الله، وهو عمل من خلاله أصبح الله الكلمة “أحد أشخاص الثالوث” وبالتحديد “الشخص الأوسط (middle person)، وسيطاً بين الله والإنسان”.

وقد فعل ذلك “بتجسده في رحم العذراء”، و”بتأنسه لكي يخلق كل إنسان في نفسه من جديد”. ويؤكد مار فيلوكسينوس أنه طبقاً لذلك، فإن الله الذي خلق آدم في البداية خارجاً عن شخصه، قد قام الآن بإعادة خلقة طبيعة الإنسان في ذاته.[26] وهذا سر نعترف به بالإيمان وليس بالمنطق، فيسوع المسيح بالنسبة للعين المجردة هو إنسان عاش على مستوى التاريخ، ولكن بالنسبة لعين الإيمان فهو الله الكلمة الذي صار متجسداً.

وإذا انتقلنا إلى البطريرك ساويروس الأنطاكي فسنجد أنه قد ذكر خمسة ملاحظات في معرض تأكيده على أن يسوع المسيح هو الله الكلمة المتجسد سنوردها فيما يلي:

  • في التجسد، “لم تتغير الطبيعة الإلهية للكلمة إلى ما لم تكن عليه”، ولكنه (أي الكلمة) ظل كما هو. وحينما صار الكلمة جسداً، فإنه هو نفسه كان الإله الكامل والإنسان الكامل. فالكلمة الذي لا يُرى قد أصبح مرئياً. لأن ما كان هو عليه وما أصبح عليه ليسا اثنين، لأنه هو واحد.

  • لقد قبل الله الابن حالة التجسد كتدبير لأجل خلاص العالم. وقد اتخذ حياة بشرية كاملة، وجعل نفسه بالحقيقة مع الإنسان الساقط، وحقق خلاصه إلى الأبد.

  • إن تدبير الخلاص هو عمل إلهي، قبل فيه الله الابن ميلاداً ثانياً من أم بشرية، بالإضافة إلى ولادته الأزلية من الله الآب. ولكن هذا لم يؤثر على كيانه الأزلي، فبكونه الله هو يملأ كل شيء وفعله مدرك في كل مكان في الطبيعة وأيضاً في الإنسان. وهذه الأعمال تمثِّل ضبط الله وتوجيهه (للخليقة)؛ ولكن في التجسد تم إعلان الله عن ذاته.

  • إن التأكيد بأن الله الابن صار إنساناً لا يعني أن الكون أصبح محروماً من عنايته الإلهية أثناء حياته على الأرض. وكان البطريرك ساويروس ـ مثل مار فيلوكسينوس وبقية اللاهوتيين غير الخلقيدونيين ـ يصر على أن الله الابن لكي يصبح متجسداً كان لابد أن يقبل في نفسه إخلاءً ذاتياً، وهذا المفهوم له دلالاته الهامة التي سنلتفت إليها فيما بعد.

  • إن أساس مفهومنا عن التجسد هو اعتراف الكنيسة بأنه سر ينبغي قبوله بالإيمان. ونحن نؤمن أن “هيبوستاسيس الله الكلمة ذاته صار متجسداً، بحسب التقليد الرسولي للكنيسة الذي تسلمته منذ القديم”.

وهذا التأكيد على أن يسوع المسيح هو ابن الله المتجسد وأنه في آن واحد إله كامل وإنسان كامل، يمكننا أن نجده في أي عبارة لاهوتية تشير إلى شخص المسيح عند قادة الجانب غير الخلقيدوني. ونستطيع أن نذكر هنا عبارتين من تلك العبارات وضعهما الجانب غير الخلقيدوني في القرن السادس. وتظهر العبارة الأولى في الاعتراف الذي قدَّمه القادة غير الخلقيدونيين للإمبراطور جوستنيان عام 531م.[27]

فبعد التعبير عن إيمانهم بالثالوث القدوس، أكدوا أن واحداً من أشخاص الثالوث القدوس وهو الله الكلمة ـ بإرادة الله الآب ولأجل خلاص البشر ـ اتخذ في الأيام الأخيرة جسداً من القديسة العذراء مريم والدة الإله (ثيؤطوكس) بالروح القدس، وهذا الجسد له روح عاقلة مفكرة. ولأنه له نفس الطبيعة معنا، فقد كان الجسد قابلاً للألم.

وقد صار الله الكلمة إنساناً ولكنه “لم يتغير عما كان عليه، لذلك فهو واحد مع الآب في الجوهر فيما يخص اللاهوت، وأصبح واحداً معنا في الجوهر فيما يخص الناسوت. وبهذه الطريقة، أصبح الذي هو الكلمة الكامل ابن الله، إنساناً كاملاً بغير تغيير”.

وأكد القادة (في هذا الاعتراف) أن التجسد كان حقيقياً وليس ظاهرياً. “وقد تحمل عنا إرادياً الآلام البريئة الطبيعية في جسده القابل للألم، الذي هو واحد معنا في نفس الجوهر، وقبل كذلك موتنـــا لأجلــنا. كما وهب لنــــــا أيضاً الحيــــاة بقيامـــته اللائقــة بالله (God-befitting)، واستعاد لأول مرة عدم الفساد وعدم الموت للجنس البشري”.

وأضاف القادة أنه لا ينبغي أن نقسِّم الرب المتجسد إلى شخصين أو طبيعتين، كما فعل نسطوريوس ومؤيدوه، ولكنه “وهو الذي مثل الآب في كل شيء ماعدا الأبوة، قد صار له نفس الطبيعة معنا وأصبح يُسمى ابن الإنسان. وهو واحد، لأن هو نفسه أُظهر بكونه إلهاً وإنساناً (في آنٍ واحد)، وولد كما هو كطفل من أجلنا”. ولذلك “فإن الذي كان في السابق بسيطاً وليس مركباً، أي الله الكلمة، صار متجسداً من العذراء مريم والدة الإله، ووحد بنفسه (to himself) جسداً مُحيَاً بروح عاقلة، وأصبح مركباً في التجسد”.

وهذه العبارة في الحقيقة واضحة تماماً، وهي تؤكد في كلمات بسيطة جداً أن يسوع المسيح هو في آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل، وأنه وحدة (unity)، وأنه هو الله الابن الذي صار متجسداً بالمعنى الحقيقي الكامل.

أما الوثيقة الثانية فقد كُتبت عام 536م، لأنه بعد فشل المباحثات بين البطريرك ساويروس وجوستنيان طُرد الأول من المدينة، وقبل مغادرته تبادل هو وأنثيموس وثيؤدوسيوس الرسائل التي تعبر عن اتفاقهم في الإيمان.[28] وفيما يلي ملخص الرسالة التي بعث بها البطريرك أنثيموس إلى البطريرك ساويروس:

ذكرت الرسالة أن قانون إيمان نيقية حسبما فهمه وأقره مجمعا عام 381م وعام 431م، وكذلك حروم ق. كيرلس الإثني عشر، بالإضافة إلى منشور الإتحاد (هينوتيكون) لزينو ـ كلها وثائق إيمانية مقبولة. واستمر أنثيموس بعد ذلك يقول:

“إن الله الكلمة المولود من الآب قبل العالمين، الذي له ذات الطبيعة الواحدة وذات الأزلية الواحدة مع الآب، الذي به عُملت (خُلقت) كل الأشياء، هذا قد صار في الأيام الأخيرة متجسداً من العذراء مريم والدة الإله بالروح القدس”. “وقد وحَّد هيبوستاسياً (hypostatically) بنفسه جسداً له ذات الطبيعة معنا وله روح عاقلة مفكرة. وقَبِلَ أن يشابهنا بغير تغيير أو اختلاط أو خطية”، مجتازاً ميلاداً ثانياً.

والأم العذراء هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘، “والذي وُلد منها في الجسد هو إله كامل وإنسان كامل. وهو ابن واحد ورب واحد ومسيح واحد وطبيعة واحدة متجسدة للكلمة”. وتعبير ’طبيعة واحدة‘ لا يعني أن أي من الطبيعتين قد فُقد في الإتحاد. “لقد صار إنساناً بالتمام، بينما ظلت كل من الطبيعتين بدون اختلاط طبقاً للمبدأ (الأصل) الذي عليه كل من هاتين اللتين إلتقيتا معاً في اتحاد غير قابل للانفصال”. وبالتالي فإن كلاً من الطبيعتين استمرت في الإتحاد (ولم تُفقد).

وأصر أنثيموس على أن التجسد لم يحول الثالوث إلى ’رابوع‘ (Quaternity)، ولكن حيث إن الله الكلمة هو فوق التألم بطبيعته فقد اتخذ جسداً له ذات الطبيعة معنا لكي يشترك في معاناتنا. وقد تألم في الجسد، وبالرغم من أنه غير قابل للألم بلاهوته، إلاّ أنه تألم فيما اتخذه (أي في الجسد).

“إنه تألـــم بالحقيقة ـ وليس ظاهرياً ـ في الجسد الذي هو بالطبيعة قابل للألم”. وأكد أنثيموس أننا مع ذلك لا نفصل هاتين اللتين إلتقيتا معاً في الاتحاد؛ “ولا نتحدث عن من هو واحد، وفوق كل تعبير، بأنه طبيعتين أو نَصِفه بأنه في طبيعتين”. وفي نفس الوقت “لا نُدخِل أي اختلاط (في الاتحاد) بإلغاء الاختلاف بين اللاهوت والناسوت”.

 

التعليم عن المسيح (الخريستولوجي) والتعليم عن الخلاص (السوتيريولوجي):

لقد أجمع اللاهوتيون غير الخلقيدونيين على التأكيد بأن القصد من التجسد هو خلاص العالم، وقد حققه الله في ومن خلال حياة إنسانية. ومن أجل تتميم خلاص العالم، صار الله الابن ـ الذي بواسطته خُلق العالم ـ متجسداً حسب مشيئة ومشاركة الله الآب والله الروح القدس.

ويسوع المسيح الابن المتجسد هو الوسيط بين الله والإنسان، وهو يقف في الوسط لأنه في آنٍ واحد متواصل (في وحدانية الجوهر) مع الله الأزلي ومع الإنسان المخلوق، ولذلك فهو فريد في خواصه (sui generic)، وهو المخلِّص الواحد والوحيد للعالم. ولأنه الوسيط، فقد تمت فيه خلقة الجنس البشري من جديد، وهو آدم الثاني وأول عضو في البشرية الجديدة وسيستمر رأساً لها إلى الأبد.

وقد عالج البطريرك ساويروس بشكل مختصر جداً موضوع القصد من التجسد في كتابه “ضد النحوي” ، ونورد منه هنا هذه الفقرة الحاسمة:[29]

“لقد صار ابن الله الوحيد واحداً معنا في الجوهر، من خلال اتحاده هيبوستاسياً بجسد مُحيَ بروح عاقلة. وبسبب هذا، أصبح ’أوسيا‘ البشرية بكامله وكل الجنس البشري متحداً بالحب مع الطبيعة الإلهية التي كان غريباً ومُبعداً عنها فيما سبق. ولذلك ـ كما هو مكتوب ـ فنحن الذين جُبلنا مؤهلين للتوافق الأصلي (مع الأصل)، أصبحنا شركاء الطبيعة الإلهية. وبالمشاركة، تقبلنا العطايا الإلهية وعدم الموت الذي كان قد فُقد منا بسبب معصية آدم”.

ومن خلال هذه الفقرة يمكننا أن نضع تعليم البطريرك ساويروس على النحو التالي: لقد خلق الله الإنسان لكي يظل الإنسان في علاقة وثيقة معه ـ علاقة الحب. ولكن بسبب السقوط، لم يستطع الإنسان أن يحتفظ بهذه العلاقة ولم يكن من الممكن له أن يسترد حالته المفقودة مع الخالق.

وفي ذلك المأزق، عبَّر الله بنفسه عن حبه نحو الإنسان، وأعاد إلى الحياة عضواً من الجنس البشري متحداً به هيبوستاسياً، ومن خلال ذلك حقق الله الابن في وبواسطة هذا العضو الذي من العائلة البشرية خلاص الجنس البشري كله. وجعل الله الابن نفسه ـ في اتحاده بالناسوت ـ وسيطاً بين الله والإنسان لأنه هو نفسه وفي آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل. فبكونه إله هو الله الابن الواحد من الثالوث القدوس، وبكونه إنسان هو نفسه متواصل مع الجنس البشري كله.

ومرة أخرى نقول أن يسوع المسيح كإنسان هو فرد بشري، وبما أن كل الناسوت بكماله قد تفرد وتخصخص فيه، فهو يمثل كل البشر بشكل فردي وكل الجنس البشري بأجمعه. ويسوع المسيح، الوسيط، لم يتم ابتلاعه في الله الثالوث بل ظل في اتحاد غير قابل للانحلال مع الله، كما أن لاهوت الابن لم يُستنفذ (أو يتغير) في التدبير الإلهي الذي أُظهر في ذلك الوسيط.

*   انظر: توماس. ف. تورانس، الإيمان بالثالوث، ترجمة المترجم، مراجعة د. جوزيف موريس، دار باناريون للنشر القاهرة، ط1 2007، صفحة 294. انظر أيضاً الملحق الموجود في نهاية الكتاب.

[1] Contra Grammaticum, op. cit., I, pp. 154-7; P.O., vol. VIII, p. 216.

*  إن الروح القدس يختلف عن الآب والابن فقط في كونه وحده له الإنبثاق.

#  كان بولس السموساطي ينادي بأن الابن هو قوة الآب دون أن يكون شخصاً حقيقياً، وأن هذه القوة سكنت في يسوع الإنسان، كما كان يرى أن الروح القدس ليس أقنوماً إلهياً، وإنما فقط نعمة الله التي أُعطيت للرسل.

[2]  انظر صفحة 297.

[3]  انظر المرجع رقم 15 صفحة 396. حيث تجد اعتراض مار فيلوكسينوس على الأوطيخية.  وقد انتقد أسقف منبج الأوطيخية على أساس أنها رفضت التسليم بأن الله الابن قد اتخذ الجسد من رحم العذراء.

[4]  يؤكد مار فيلوكسينوس: “وبالضبط مثل كل جسد يتم تكوينه إذ يحضر إلى الوجود في الرحم وينمو هناك ، فهكذا وبنفس الطريقة حينما أراد الكلمة بإعجاز أن يتجسد فإنه لم يأخذ جسده من أي مكان آخر سوى الرحم، حيث حُبل به فيه. لأنه لم يتحد بجسد أي واحد آخر ولكن بجسده الخاص”. (Tractatus…., op. cit., p. 40) .

ويقول مرة أخرى: “لأنه أخلى ذاته، ونزل بنفسه، ودخل في (رحم) العذراء؛ وقد أصبح متجسداً منها وصار إنساناً؛ وحُبل به وولد، وصار واحداً منا في كل شيء ماعدا الخطية. وكان هذا هو جسده هو وليس جسد أي واحد آخر”. (المرجع السابق صفحة 53).

[5]  هذه النقطة كررها كل من مار فيلوكسينوس والبطريرك ساويروس مرات عديدة. وعلى سبيل المثال، أكد مار فيلوكسينوس: “إن إخلاء الذات (للابن) قد حدث أولاً، وعندئذ صار متجسداً. وذاك الذي أخلى ذاته، هو الذي صار جسداً”. (المرجع السابق صفحة 57).

[6]  كتب مار فيلوكسينوس: “لقد تعلمنا أن لابن الله ميلادين، واحد بالطبيعة والآخر بالإرادة. واحد من الآب، والآخر من الأم. واحد أزلي يتجاوز الزمن، والآخر بشري وفي الزمن”. (المرجع السابق صفحة 70).

[7]  إن الغرض الحقيقي للتجسد هو خلاصنا، وقد أكد مار فيلوكسينوس هذه الفكرة من خلال ربطها بالعماد. وقد كتب يقول: “وحيث إن ذاك الذي هو الابن بالطبيعة قد ولد من العذراء، فإننا صرنا أبناء الله بالنعمة بواسطة العماد”. (المرجع السابق صفحة 87).

[8]  كان مار فيلوكسينوس يؤكد مراراً أن الله الابن وحَّد بنفسه ناسوتاً حقيقياً وكاملاً. وقد كتب إلى رهبان (Senoun) قائلاً: “إن الإنسان الكامل قد تم فداءه في الله. فحيث إن آدم كله قد صار تحت اللعنة والفساد، فقد اتخذه الله كله وجدده. إن الرب الذي صار متجسداً قد أعطى جسده للموت من أجل كل جسد، وروحه من أجل خلاص كل الأرواح. وبهذه الطريقة أُعيد خلقة كل طبيعتنا فيه لتكون إنساناً جديداً”.

(Lettre Aux Moines de Senoun, C. S. C. O. vol. 231, ed. Andre de Halleux, 1963, p. 9)

[9]  انظر صفحة 460.

*   لأن الله هو الذي أعلن لنا ذاته بذاته، وهذا قد تم في التجسد إذ كشف لنا الله عن ذاته بكونه ثالوث.

[10]  Tractatus…., op. cit., pp. 84f.

[11]  كتب البطريرك ساويروس: “لم يتكون الطفل مستقلاً بذاته في رحم العذراء مريم، والدة الإله (ثيؤطوكس)، كما يظن الهراطقة بغرور. فالكلمة الذي قبل الدهور وحَّد بنفسه جسداً ذو روح وعقل منذ أول بداية تكوينه في الرحم”. (Contra Gr., op. cit., I, p. 184)

[12] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 183.

[13]  المرجع السابق صفحة 183.

[14]  إن الطفل الذي حبلت به العذراء قد أخذ في الرحم نموه (التدريجي) الطبيعي. فالاعتراف بأنه قد صار متجسداً إنما يعني أن الجسد قد تكون في ذات (تجسد) الكلمة الذي هو بالطبيعة غير متجسد. وقد نما بالتدريج وأخذ شكل البشر. لكن الجسد لم يأتِ إلى الوجود بمعزل عن الإتحاد مع الكلمة. (المرجع السابق صفحة 183).

[15]  انظر صفحة 412.

[16]  للإطلاع على الخطاب انظر: (P.O., vol. XII, pp. 260-61)

[17] للإطلاع على هذه المناقشة انظر: (Philalethes, op. cit., pp. 136-7). ونستطيع أن نرى من خلال هذا الفهم لمعنى لقب ’ثيؤطوكس‘ أن تخوف المدرسة الأنطاكية مردود عليه.

[18] ذكر البطريرك ساويروس هذا في: (Letter to Oecumenius, P.O. XII, p. 176)

[19]  لو 2: 52.

[20] P.O. XII, pp. 266f.

[21] يو 1: 14.

[22] غل 4: 4.

[23] Zacharia Rhetor, op. cit.,

[24] La Polemique…. I, p. 138.

[25] المرجع السابق صفحة 131.

[26] المرجع السابق صفحة 38.

[27] للرجوع إلى هذا الاعتراف انظر صفحة 258 وما يليها.

[28] للرجوع إلى هذه الرسائل انظر صفحة 266.

[29] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 200.

من هو الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

الجزء الأول: الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

4. اليوليانية:

لقد ذكرنا فيما سبق[1] الخلاف الذي نشأ بين البطريرك ساويروس الأنطاكي ويوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘ (Halicarnassus)، ونستطيع أن نقول إن البطريرك ساويروس، من خلال رده على الأمور التي أثارها يوليان، قد نجح في التعبير عن بعض من أعمق تعاليمه الخريستولوجية. ولكي نتمكن من فهم تلك التعاليم ينبغي علينا أولاً أن نستعرض باختصار أفكار يوليان التي قام البطريرك ساويروس بتفنيدها.

يذكر يوليان في خطابه الثاني[2] لساويروس، أن المسيح بإرادته تألم ومات (suffered and died) لأجل الجنس البشري وأعطى حياة للمائتين. ولكن يوليان كان حريصاً أن يتجنب الاضطرار للتسليم بأن ناسوت الفادي كان محتاجاً لهذا العمل الخلاصي. وفي نفس الوقت، كان يوليان واضحاً في إصراره على أن آلام المسيح وموته كانا حقيقيين، وأنه اختارهما بفعل إرادته الحرة، بدون أي يكون مجبراً بالطبيعة، وذلك لكي يمنحنا عدم قابلية الفساد (incorruptibility) بواسطة القيامة.

وزعم أسقف ’هاليكارنيسوس‘ أن بعض الناس اعتبروا أن هذه الآلام الإرادية علامة على أن جسد المسيح كان قابلاً للفساد، ولكن يوليان أكد أن الحقيقة هي أنه “من أجل أن يدبر عدم الفساد بالقيامة، أخذ عدم الفساد حتى في حياته”.[3]

وادعى يوليان أن جسد المسيح كان غير قابل للفساد، ليس منذ وقت القيامة فقط، ولكن حتى منذ تكوينه في رحم الأم، وهنا ذكر يوليان الحبل البتولي لتأييد موقفه. كما أكد يوليان كذلك أنه لا يوجد فرق بين جسد المسيح بعد القيامة وجسده قبل القيامة، فيقول: “وبنفس الحال الذي كان عليه ذلك الجسد حين تألم، قام في اليوم الثالث بدون أي تغيير”.[4]

لا يعني هذا ـ على الرغم من ذلك ـ أن يوليان كان يرى أن ناسوت المسيح لم يكن هو ناسوتنا، أو أن آلامه وموته ليسا حقيقيين. وقد كتب يوليان ـ كما جاء في اقتباس البطريرك ساويروس ـ ما يلي:[5]

“ولذلك نحن نعترف أن الرب تحمل بإرادته الآلام والموت، في جسده الذي (أخذه) منا والذي له نفس الطبيعة معنا. ولا نقــر أنــــه فعـــــــل ذلك بســبب ضــــــــرورة طبيــعـــية (natural necessity)، لأن المسيح كما يقول بطرس قد تألم لأجلنا في الجسد. وذاك الذي تألم لأجلنا لم يسلِّم نفسه (عن ضعف)، بل حرَّر آخرين دون أن يكون هو تحت الضرورة.

ومرة أخرى (أقول) إنه لا ينبغي على من يسمع أن المسيح تألم من أجلنا في الجسد، أن يعتقد أنه تألم من أجل نفسه. لأنه إذا كان تألمه وموته هو بسبب ضرورة طبيعية، لكان قد سعى بالتأكيد إلى تحرير نفسه”.

واعترف يوليان أن ناسوت المسيح كان غير قابل للفساد لأن الله الابن اتخذ ناسوت آدم قبل السقوط. وتعتبر هذه الفكرة من أساسيات تعليم يوليان، حيث قال إن الفساد والموت قد حلا بالجنس البشري نتيجة السقوط، ولذلك لم يكن ناسوت آدم قبل السقوط خالياً من الخطية فقط ولكن كان أيضاً غير قابل للألم والفساد.[6]

ألم يتخذ الله الابن ناسوتاً من مريم؟ فإذا كان ناسوت العذراء هو من نفس الناسوت الساقط لآدم، وبالتالي قابلاً للفساد، فكيف يمكن لجسد المسيح أن يكون غير قابل للفساد؟. ويجيب يوليان عن هذا السؤال بإسلوب إيضاحي،[7] فيقول أن أطفال الآباء العميان أو المصابين بأي نوع، عادة ما يكونون خاليين من نوع العجز الذي كان عند سلفهم، وأكد يوليان أنه بنفس الطريقة وُلد المسيح من مريم بدون أن يتأثر بالعجز الناتج عن السقوط من خلال والدته.

والخلاصة إذن هي أن تركيز يوليان الخاص كان في تأكيده على أن ناسوت المسيح هو ناسوت آدم قبل السقوط؛ وبالتالي كان المسيح في إنسانيته واحداً معنا في الجوهر بمعنى أن ناسوته كان هو الناسوت الأساسي الذي فينا؛ ولكن تألمه وموته كانا باختياره الإرادي لأجلنا، دون أي ضرورة طبيعية بالنسبة إلى ناسوته.

وحيث إن تلك النقطة كانت هي النقطة الحاسمة في تعليم يوليان، فيجدر بنا في هذا السياق أن نشير إلى ما قدمه ر. دراجيه[8] (R. Draguet) عن الفكر اللاهوتي لأسقف ’هاليكارنيسوس‘. وقد توصل دراجيه إلى أن رؤية يوليان كان لها من يؤيدها في كلا الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، وهذا استنتاج يحتاج إلى وقفة.

وفي الحقيقة ـ كما رأينا ـ قيل أن الإمبراطور جوستنيان نفسه آمن بمعتقدات يوليان وهو في سن متقدمة،[9] وسوف نرى فيما بعد أن أفكار يوليان دخلت في الفكر اللاهوتي للجانب الخلقيدوني أكثر مما حدث مع الجانب غير الخلقيدوني.[10] كما ينبغي أيضاً التسليم دون أي تردد بأن اهتمام يوليان كان هو التأكيد على خلو المسيح المطلق من الخطية، ومن المؤكدأنه انطلاقاً من هذا الاهتمام أقر أن ناسوت المسيح هو الناسوت الأساسي (essential)، وهو ناسوت آدم قبل السقوط.

ومع ذلك فإن رأى دراجيه في أن نظرية يوليان لا يمكنها أن توضح حقيقة ناسوت المسيح، هو رأي لا يمكن قبوله إلاّ بشروط، ولكن وجهة نظره (أي دراجيه) التي تقول أن الفرق بين يوليان والبطريرك ساويروس لا يتعدى الاختلاف اللفظي في المصطلحات، فهي بالقطع وجهة نظر خاطئة تماماً.[11]

وإذا انتقلنا إلى التفنيد الذي قدَّمه البطريرك ساويروس، فسنبدأ بالسؤال الذي وجهه إلى يوليان قائلاً: “كيف يمكنه (أي المسيح) وهو لم يتألم في الجسد مثلنا ـ بالرغم من كونه بغير خطية ـ أن يكون قد اشترك بالفعل في آلامنا؟”.[12] فإذا كان ذلك مستحيلاً، فينبغي على يوليان أن يسلِّم ـ على الرغم من أنه كان يؤكد عكس ذلك ـ أن تألُّم المسيح كان وهمياً. ولكن الأسفار المقدسة تعلِّمنا أن المسيح كان البكر من الأموات، مما يعني أنه تألَّم ومات مثلنا في  الجسد.

وعند الإشارة إلى السؤال عن: هل كان جسد المسيح قابلاً للفساد أم غير قابل للفساد؟، بدأ البطريرك ساويروس كلامه بتعريف معنى كلمة ’عدم قابلية الفساد (incorruptibility)‘،[13] حيث أكد إنها تتضمن معنيين متباينين.

أولاً: تعني ’الخلو من الخطية (sinlessness)‘، وبما أن كلاً من يوليان والبطريرك ساويروس كانا يتفقان على أن المسيح كان خالياً تماماً من الخطية، فمن الضروري أن ننظر في المعنى الآخر.

ثانياً: تشير ـ كما ذكر ساويروس ـ “إلى عدم امتلاك إمكانية الخضوع للآلام البريئة (guiltless) مثل الجوع، العطش، التعب من السفر….. وباختصار التألم والموت”.* وينبغي علينا هنا أن نتذكر أنه بالنسبة للبطريرك ساويروس كانت كل تلك الأمور هي خواص طبيعية للناسوت.

وعلق البطريرك ساويروس بأنه لم يوجد أحد من الذين علَّموا بأرثوذكسية، أقر أن “عمانوئيل تألم ومات بجسد غير قابل للموت وغير قابل للألم”.[14] ويؤكد الآباء على العكس من ذلك، أن المسيح تألم في الجسد الذي كان قابلاً لأن يعاني الشعور بوجع وعذاب الآلام، وأنه تحمل حزن وكمد الروح،[15] ومن هنا فإن جسد المسيح كان بالطبيعة قابلاً للألم وقابلاً للموت، ولكنه أصبح غير قابل للألم وغير مائت فقط بعد القيامة.

وبالتالي فبحسب المعنى الثاني لكلمة ’عدم قابلية الفساد (incorruptibility)‘، كان جسد المسيح قابلاً للفساد قبل القيامة، ولكنه نال عدم قابلية الفساد مع القيامة. وكتب البطريرك ساويروس: “كان جسد المسيح ربنا على الدوام مقدساً وغير مدنس بالخطية. ولكنه صار غير قابل للألم وغير قابل للموت منذ وقت القيامة. لأن الكلمة غير القابل للألم وحَّد بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) جسداً قابلاً للتألم والموت”.[16]

وبالنسبة لادعاء يوليان أن ناسوت المسيح كان هو ناسوت آدم قبل السقوط، أوضح البطريرك ساويروس نقطتين هامتين: النقطة الأولى، لم يذكر ساويروس أي تمييز أساسي بين الناسوت قبل وبعد السقوط (من جهة المعنى الثاني الذي ذكره لكلمة قابلية الفساد، أي قابلية الخضوع للآلام البريئة)، وذلك على عكس ما فعله يوليان. ويقول البطريرك ساويروس:[17]

“عرف آدم الأول ـ وهو قابل للموت* ـ زوجته حواء: وأصبح أباً لنا نحن الأولاد، القابلين للموت، الذين وُلدنا منه. ولكن آدم الثاني……… أخذ جسداً قابلاً للألم، حيث وحَّده بنفسه للشفاء بدون أي عيب أو خطية. وقد تركه ليظل قابلاً للألم والموت حتى يمكن أن يبدد سلطان الموت بكلمات العدل وليس بالقوة الخاصة بالله”.

أي أن الله الابن وحَّد بنفسه الناسوت الذي كان يحتاج إلى شفاء.

النقطة الثانية، رفض البطريرك ساويروس نظرية يوليان بأن آدم قبل السقوط كان غير قابل للألم وغير قابل للموت، وأنه أصبح قابلاً للموت وللفساد كنتيجة لعدم الطاعة والخطية. وأكد البطريرك ساويروس أن الإنسان خُلق منذ البداية قابلاً للألم وللموت،[18] ولكنه أُعطي وعداً بعدم الموت وعدم الألم كهبة إلهية تُمنح له بنعمة الله، وبالسقوط فقد الإنسان هذه النعمة الإلهية، على الرغم من أنه لم يُجرد من طبيعته.[19]

ولم تكن حقيقة أن ربنا وُلد من عذراء، تحمل ضمنياً أن جسده كان منذ البداية غير قابل للفساد. وقد أصر البطريرك ساويروس[20] أن “كون المسيح إلهنا ومخلصنا وُلد في الجسد من الدائمة البتولية مريم بالروح القدس، لا يعني أن ننكر الطبيعة التي هي واحدة معنا في الجوهر، ولا أن ننكر (عليه) آلام مثل التي لنا.

كما لا يعتبر هذا الأمر سبباً في أن ننسب النجاسة أو تلوث الخطية للزواج أو العلاقة الجسدية بين الزوج والزوجة، ولكنه يدلنا ـ نحن الذين وُلدنا من الروح القدس في العماد المقدس ـ أننا مُنحنا بغسيل التجديد ثقة الولادة الثانية في القيامة، وهي الكامنة في الولادة الروحية الذي كان هو أول من أخذها. وحيث إنه هو الذي وُلد أولاً، فقد صار آدم الثاني من أجلنا نحن الذين ولدنا ثانية وأُعيد تشكيلنا”. ومن هنا لا يمكن التسليم بإشارة يوليان إلى الولادة البتولية (للمسيح) كتأييد لنظريته.

وكان هدف التجسد، بحسب البطريرك ساويروس، هو استعادة النعمة الإلهية للإنسان، ومن ثم يمكنه أن يستعيد الوعد بعدم قابلية الموت وعدم قابلية الألم الذي فقده آدم بالسقوط. ويقول البطريرك ساويروس: ولذلك “فإن الله الكلمة، الابن المولود الوحيد، غير المخلوق الذي هو قبل كل العالمين، أخذ جسداً مخلوقاً له روح عاقل، من زرع داود وإبراهيم”.[21]

ومع ذلك يؤكد البطريرك ساويروس “أنه ليس كافياً لنا، أن الله صار إنساناً بدون تغيير “، ولكن من الضروري أيضاً أن “المسيح ينبغي أن يتألم ويموت من أجلنا، وبذلك يصير أول الذين قاموا من الأموات”.[22] فالتألم والموت كانا الضرورة المسبقة لقيامته، والأمور الثلاثة (أي التألم والموت والقيامة) هي كلها أساسية لأجل خلاصنا. لقد فقد آدم الأول النعمة الإلهية من خلال فشله في طاعة الله؛ ولكن آدم الثاني استعادها من خلال نجاحه.[23]

إن الله الابن في طبيعته هو غير قابل للموت وغير قابل للألم، وقد تجسد بأن وحَّد بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) جسداً مُحيَاً بروح عاقل، وهذا (الجسد) هو بالطبيعة قابل للألم وقابل للموت، وذلك لكي يمكنه أن ينتصر على التألم والموت. ومن هنا ترك الله الابن الجسد حراً ليخضع لكل ما هو طبيعي بالنسبة للجسد، كما تركه ليتألم ويموت.[24] وقد أخذ الله الابن التألم والموت اللذين اجتازهما الجسد ـ الذي جعله جسده الخاص ـ باعتبارهما أمرين خاصين به في حالته المتجسدة. ويؤكد البطريرك ساويروس أنه “على هذا الأساس نعترف أن الله الابن الذي تجسد، قد تحمل الآلام والموت من أجلنا”.[25]

ويقر البطريرك ساويروس أنه كان بالفعل عملاً من (أعمال) التنازل الإرادي من جانب الله الابن، أن يتخذ ناسوتاً ويجعله خاصاً به، وأن يدع التألم والموت يُنسبان إليه في حال تجسده. ومع ذلك حين نقول أن المسيح تألم بإرادته فنحن لا نرجع ذلك إلى ناسوته ولكن إلى الله الابن (المتجسد).[26]

لأنه قبل على نفسه الإخلاء وصار متجسداً، وبذلك يُتمم التدبير الفدائي لأجل الجنس البشري. وعندما نتأمل في ناسوت المسيح في فكرنا، سوف نرى أنه خضع للآلام الطبيعية البريئة (sinless). ويقول البطريرك ساويروس في ذلك:[27]

“لأنه ليس بسبب أنه (أي الله الابن) غير قادر أن يجعله (أي الجسد) فجأة غير قابل للموت وغير قابل للألم، فلذلك تركه قابلاً للألم وللموت، ولكن لأنه رأى أنه لا ينبغي أن ينتصر على الموت بممارسة القوة الخاصة بالله، فأراد أن يقبل في ذاته معركتنا في (الجسد) الذي هو بالطبيعة قابل للألم.

وقد فعل هذا بخلط القوة مع الحكمة، ومن ثم نضمن هذا الانتصار من خلال موت حقيقي وقيامة حقيقية. وبهذه الطريقة أمكن استعادة آدم الأول الذي سقط بواسطة انتصار آدم الثاني”.

إن خلاص الإنسان هو عمل الله، ولكنه لم يتم بفعل إلهي محض (بعيداً عن الإنسان)، لأن هذا يتعارض مع مبدأ عدل الله، لأن الإنسان خُلق وله هبة الحرية. وحيث إن الإنسان أساء استخدام تلك الهبة الإلهية وسقط من نعمة الله، فلذلك ينبغي أن يتم الخلاص داخل حياة إنسانية حقيقية وكاملة.

ولكي نوضح الأمور بإيجاز نقول أن الله خلق الإنسان منذ البداية ومنحه حرية مخلوقة فأساء أبونا الأول استخدام هذه الحرية. وبتجسد الله الابن أصبح ممكناً لواحد من الجنس البشري أن يمارس عطية الحرية بالطريقة الصحيحة، ومن ثم يفتح طريق الخلاص لكل الجنس البشري.[28] وهكذا ترك الله الابن للناسوت ـ الذي وحَّده بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) ـ أن يقوم بدوره الطبيعي حتى في العمل الفدائي الذي أتمه من أجل الجنس البشري.[29]

وفي الإجمال كان هذا هو ما قدَّمه البطريرك ساويروس في معارضته لتعليم يوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘. ويمكننا أن نذكر ما قصده ساويروس كما يلي: كان ناسوت المسيح هو ناسوتنا في حقيقته وكماله وسلامته؛ وبالرغم من أنه لم يُمس بالخطية إلا أنه كان متضمَّناً في أثر الخطية المشتركة للجنس البشري؛* وقد اكتسب (الناسوت) عدم قابلية الألم وعدم قابلية الموت، بواسطة القيامة فقط، بعد حياة من الطاعة الكاملة والتألم والموت.[30]

وكانت هذه بالفعل هي الحياة البشرية الخاصة بالله الابن في حالته المتجسدة، والتي من خلالها مُنحت الحياة الأبدية للجنس البشري. ولذلك كان يسوع المسيح هو الله المتأنس، الذي هو في آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل، المخلص الأزلي للجنس البشري.

ومن الجدير بالذكر، أننا لا نجد في كتابات البطريرك ساويروس الأنطاكي أو أي من قادة التقليد الكنسي غير الخلقيدوني، ما كان نورمان بيتنجر (Norman Pittenger) يبدو أنه مقتنعاً به،[31] لأنه كان يرى أن غير الخلقيددونيين كانوا في معارضتهم لمجمع خلقيدونية وطومس ليو، يحركهم “الشعور بأنه لم يكن لائقاً بالمسيح على نحو ما”، أن تكون له طبيعة بشرية “بأقصى ما في الكلمة من كمال المعنى”.

ولكن الحقيقة ـ على العكس من ذلك ـ أن ناسوت المسيح عند أولئك الرجال، كان (ناسوتاً) حقيقياً وديناميكياً تماماً “بأقصى ما في الكلمة من كمال المعنى”، ولم يكن الناسوت مجرد مستقبِل سلبي للمجد الإلهي. وقد قام غير الخلقيدونيين ـ كما رأينا ـ بمعارضة مجمع خلقيدونية وطومس ليو لأنهم كانوا قد ورثوا تقليداً لاهوتياً أُعتبرت فيه عبارة “طبيعتان بعد الاتحاد” أنها عبارة هرطوقية وتمت إدانتها.

5. الفكرة التي تعارض إدراك مبدأ الإختلاف (بين اللاهوت والناسوت) في المسيح الواحد:

إن يسوع المسيح هو واحد، مركب من اللاهوت والناسوت، وكل منهما بكامل حقيقته وكماله. وكان المقصود من كلمة ’واحد‘ في عبارة ’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘ وكذلك في عبارة ’هيبوستاسيس واحد‘، هو تجنب خطر تقسيم الطبيعتين بين الله الكلمة والإنسان يسوع، ورؤية إتحادهما في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘ فقط؛ ولكن لم يتضمن ذلك المفهوم خطأ الخلط بين الطبيعتين.

وقد تكرر هذا التأكيد مراراً وبدون استثناء من كافة القادة غير الخلقيدونيين أمثال الآباء ديسقوروس وتيموثاؤس إيلوروس وفيلوكسينوس وساويروس، ومن كل الذين تمسكوا بتقليدهم اللاهوتي منذ ذلك الحين.

ومع ذلك كان هناك رجال في الشرق، حاولوا أن ينشئوا فكراً لاهوتياً يتجاهلون فيه هذا المفهوم. وفي الحقيقة، كان القادة غير الخلقيدونيين ـ في أغلب الحالات ـ هم الذين يبادرون باستبعاد أولئك الرجال وتعاليمهم، وقد رأينا بالفعل كيف قاموا بذلك العمل في القرنين الخامس والسادس. ومن أمثلة هذه الحالات ما حدث في أيام البابا داميان (Damian) بطريرك الإسكندرية.[32]

كان هناك رجل سوفسطائي أسمه ستيفن (Stephen)، بدأ يعبر عن وجهة نظره بأن اللاهوت والناسوت كانا متحدين في المسيح الواحد إلى درجة أنه لا ينبغي أن نصِّر على مبدأ (وجود) إختلاف بين الأشياء التي تخص اللاهوت والأشياء التي تخص بالناسوت. وقد عارض البابا داميان هذا التعليم ونصح ستيفن بالتراجع عن موقفه لأنه يتعارض مع تعليم الكنيسة. ولكن الرجل لم يرغب في الاستجابة للنصيحة فتمت إدانته مع كل الذين يتفقون معه في الرأي.

وقد أوضح البابا داميان أن في المسيح اللاهوت هو اللاهوت والناسوت هو الناسوت، ولا أحد منهما قد تغير إلى الآخر أو ابتُلع في الآخر، ولذلك فإن اللاهوت والناسوت يستمران (ديناميكياً) في المسيح الواحد. وكان تأكيد مبدأ وجود اختلاف بين اللاهوت والناسوت (في المسيح الواحد) هو جزء من التقليد العقائدي للكنيسة.

6. كلمة ختامية:

قام الجانب غير الخلقيدوني في رفضه للهرطقات المتنوعة، بالمحافظة على الأمور الآتية:

  • في التجسد، وحَّد الله الابن بنفسه ناسوتاً مأخوذاً بالحقيقة من أم بشرية، وهذا الناسوت كان واحداً معنا في الجوهر.
  • كان لهذا الناسوت كل الخصائص والملكات الطبيعية، بدون أي نقصان أو تغيير أو اختلاط.
  • إن الخصائص والملكات البشرية استمرت في المسيح الواحد ديناميكياً.
  • كان المسيح ـ من الوجهة التاريخية ـ عند غير الخلقيدونيين إنساناً مثل أي إنسان آخر يعاني الألم والموت بالحقيقة.

وهنا نأتي إلى السؤال التالي: هل حافظ اللاهوتيون الأنطاكيون أو اللاهوتيون الخلقيدونيون في أي وقت من الأوقات، على مفهوم يخص ناسوت المسيح أفضل من المفهوم الذي حافظ عليه غير الخلقيدونيين؟.

[1] انظر صفحة 250 وما يليها.

[2] خطابات يوليان إلى ساويرس موجودة في:

(Severe D’Antioche, La Polemique Antijulianiste, C. S. C. O., vol. 244, ed. Robert Hespel, 1964).

[3] هذه العبارة مأخوذة من مخطوطة المتحف البريطاني، الرقم الإضافي: 12158، صفحة 31.

[4]  British Museum M.S., op. cit., p. 38.

[5]  La Polemique Antijulianiste, II B, ed. Robert Hespel, C. S. C. O., p. 183.

[6]  كان هذا تأكيد هام في تعليم يوليان وقد ذكره البطريرك ساويروس بشكل متكرر.

[7]  British Museum M.S., op. cit., p. 30.

[8] R. Draguet: Julien D’Halicarnasse et sa Controverse Avec Severe D’Antioche Sur L’incorruptibilite du Corps Du Christ, Louvain, 1924.

[9]  انظر صفحة 276.

[10]  انظر صفحة 522 وما يليها.

[11]  يبدو أن دارجيه كان متأثراً بصورة مفرطة بفكرة أن الألم والموت قد أتيا على الإنسان كنتيجة للسقوط، ومن ثم فإن ناسوت آدم قبل العصيان والخطية كان أساساً غير قابل للفساد. وعلى الرغم من أن هذه الرؤية كان لها من يؤيدها في آباء ما قبل خلقيدونية، وبرغم أن اللاهوتيين الخلقيدونيين قاموا بتطويرها بعد ذلك منذ القرن السادس، لكن البطريرك ساويروس لم يكن يشاركهم في ذلك.

[12]  اقتبس البطريرك ساويروس  فقرة من يوليان يقول فيها: “وهو لم يكن قابلاً للفساد قبل (القيامة)، ولكنه بدا فقط كأنه قابل للفساد. وبعد القيامة أظهر ذاته فقط بكونه بالحقيقة غير قابل للفساد”. Polemique…. I, p. 50). (La وفي رده على ذلك، تساءل ساويروس: ” لو أنه كان غير قابل للفساد، وغير قابل للألم، وغير مائت، فكيف تقول أنت أنه قد تألم؟، لقد كان يجب عندئذ أن يكون موت ربنا هو نوع من الخيال وغير حقيقي”. (La Polemique… I, p. 51)

[13]  ذكر ساويروس هذه النقطة عدة مرات. (Ibid., pp. 80-1, 233, II A, p. 27).

*   يوجد معنيان آخران لكلمة ’عدم قابلية الفساد‘ بالإضافة للمعنيين اللذين ذكرهما البطريرك ساويروس، ولكن يوليان لم يكن يقصد أي منهما في تعاليمه. المعنى الثالث يُقصد به أن جسد المسيح بعدما قُبر لم يخضع للتحلل والفساد بل قام ثانية من الأموات ، وهذا المعنى ورد في العهد الجديد (أنظر مز 10:16، أع 2: 27، 35:13)، وكان هذا هو تعليم الكنيسة المعترف به شرقاً وغرباً.

أما المعنى الرابع فيأتي في شرح الآباء لطبيعة آدم، حيث إن هذه الطبيعة قد فسدت بالخطية (يا الله العظيم الأبدي الذي خلق الإنسان على غير فساد)، والمقصود هنا بفساد الطبيعة هو تشوه الصورة الإلهية في الإنسان بالإضافة إلى عجز تلك الطبيعة الساقطة عن البقاء بعدما فقدت علاقتها مع الله مصدر وجودها (وهذا هو الفساد الطبيعي لأنها مخلوقة من العدم). وهذا الفساد ليس هو الخطية ولكنه نتيجة الخطية والسقوط، وهو الذي انتقل من آدم إلى كل الجنس البشري (انظر هذا المعنى عند ق. أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة).

[14]  المرجع السابق صفحة 226.

[15]  كتب البطريرك ساويروس: “فلو أن عمانوئيل أراد أن يتحد بجسد غير قابل للموت وغير قابل للألم ليخوض فيه المعركة لأجلنا، وإذا كان بالطبيعة هو الله الذي يملك عدم التألم وعدم الموت، فماذا كانت الحاجة عندئذ للتجسد؟ لذلك فقد وحَّد بنفسه جسداً كان واحداً معنا في الجوهر وتألم مثلنا، وكان عرضة للتألم وللموت ومات كمحارب منتصر”

(La Polemiqueop. cit., p. 130)

[16]  British Museum M.S., op. cit., p. 26.

[17]  المرجع السابق صفحة 30.

 *  قابلية الموت هنا هي بسبب مخلوقية آدم من العدم (وهي تعني قابليته للفناء أي الفساد الطبيعي) والذي كان من الممكن أن ينجو منه، كما يقول ق. أثناسيوس، إذا أبقى الله في معرفته (تجسد الكلمة 4: 6).

[18]  كتب البطريرك ساويروس: “إن الإنسان فانٍ بالطبيعة، لأنه أتى إلى الوجود من العدم…. ولكنه مع ذلك لو كان قد استمر موجهاً نظره نحو الله، لكان قد تجاوز قابليته الطبيعية للفساد وبقي غير فاسد”.

(La Polemique…. I, p. 30). ويؤكد البطريرك ساويروس أن كل شئ مخلوق بما في ذلك الملائكة هو قابل للتغير، وقدم البابا ساويروس مثال الشيطان ليدعم وجهة نظره. وبالنسبة للإنسان، أشار إلى الكلمات التى تكلم بها الله مع آدم “أنت تراب، وإلى التراب تعود”، وأكد أن الله لم يقل لآدم “لقد صرت الآن تراباً” مما يعني ضمناً أن آدم قد خلق في الأصل قابلاً للموت والفناء. (La Polemique…. I, p. 34).

[19] A. Sanday: Anti Julianistica, Beyrout, 1931, Syriac, p. 69.

[20]  هذه الفقرة مأخوذة من: (La Polemique…. I, pp. 166-7). وقد ذكر ساويروس هذه النقطة عدة مرات. انظر:

(La Polemique …. II A, pp. 35-6; II B, p. 222).

[21] يؤكد البطريرك ساويروس أن الإنسان سقط من نعمة الله، وأن الله الكلمة تجسد لكي يستعيد النعمة الإلهية الخاصة بعدم الموت للجنس البشري. واقتضى العدل الإلهي أن “الذي سقط ينبغي يحارب معركته مرة ثانية وأن يحرز الانتصار”. (La Polemique…. I, pp. 36-7)

[22] “لقد ترك الجسد هكذا بحيث يمكنه أن يعاني الآلام البريئة والموت، لأنه كما قلنا أراد أن يحسم أمر هزيمتنا بعدل، و’كأول‘ يبدأ بقيامته بالجسد الذي وحَّده بعدم التألم وعدم الموت وعدم قابلية الفساد والمجد، من أجل الجنس البشري كله هذا الذي صار هو باكورته”.

(La Polemique…. I, p. 70)

[23] وتساءل البطريرك ساويروس: “لو أن الجسد الذي تجسد به، كان غير قابل للفساد وغير قابل للتألم وغير مائت، فكيف أمكنه إذاً أن يدمر سلطان الموت؟ وعندئذ سيكون صلب المسيح بلا مبرر، ويصبح قول الرسول “لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت” بلا أي معنى، لأنه (أي الشيطان) لا يمكن أن يُهزم بالكامل إلا فقط إذا تألم الجسد ومات بدون خطية” (المرجع السابق صفحة 51).

ومن الجدير بالذكر أن السؤال عن أين بدأت الخليقة الجديدة، قد أجاب عليه يوليان بالإشارة إلى الميلاد البتولي لربنا، أما البطريرك ساويروس فقد أرجعه إلى القيامة. انظر: (La Polemique…. II B, pp. 222f)

[24] “وليس السبب أن الله الكلمة لم يكن قادراً على جعل الجسد غير قابل للموت وغير قابل للتألم منذ لحظة إتحاده بنفسه ولذلك تركه ليبقى قابلاً للتألم وللموت، ولكن بسبب أنه أراد أن يأخذ في نفسه معركتنا نحن”. (La Polemique…. I, p. 235)

[25] “لأنه أخذ جسداً قابلاً للموت وقابلاً للفساد، والذي لهذا السبب كان قابلاً للتألم. ومن خلال الجسد جعل آلامه (أي آلام الجسد) خاصة به أيضاً. فبينما كان الجسد يتألم، صار يقيناً أن الكلمة ذاته يتألم (أي نُسب هذا التألم للكلمة ذاته)، وعلى هذا النحو نحن نعترف أنه (أي الكلمة المتجسد) صُلب وأنه مات. فعندما تحمل الجسد الآلام، لم يكن الكلمة (بعيداً) هناك وحده”

(La Polemique…. I, p. 233)

[26] “وبالرغم من أن آلام وموت الله مخلصنا كانت إرادية وتهدف إلى شفاء أمراضنا، فإنها كانت مع ذلك تنتمي بالطبيعة للجسد الذي كان قابلاً للتألم والذي تألم بالحق”. (المرجع السابق، صفحة 133).

[27] الفكرة التي وراء هذه الفقرة، عبَّر عنها البطريرك ساويروس مرات ومرات. وهذه الفقرة مأخوذة من مخطوط المتحف البريطاني: (British Museum M.S., op. cit., p. 30). والنص السرياني للعبارتين اللتين في الوسط غير ملائم للمعنى، ولكننا نعتقد أن الترجمة التي قدمناها هنا تبين النقطة التي كان يقصدها الكاتب.

[28]  واحدة من الأفكار التي كررها البطريرك ساويروس بكثرة في كتابه ’ضد النحوي‘ هي أن ناسوت المسيح كان ناسوتاً مخصخصاً ومتفرداً ومن ثم فهو كإنسان كان إنساناً محدداً. انظر صفحة 441.

[29]  هذه الفكرة أيضاً شدد عليها البطريرك ساويروس مرات عديدة.

*   يقول ق. أثناسيوس: “لهذا فمن الصواب أن يُدعى أيضاً ’أخانا‘ و’بكرنا‘ لأنه بما أن البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان أول من خُلِّص وحُرر بكونه جسد الكلمة، وهكذا نحن من خلال إتحادنا بجسده نخلص على مثال هذا الجسد” (ضد الأريوسيين، 2: 61).

[30]  من الجدير بالذكر هنا أن البطريرك ساويروس كان يصر على أن الخليقة الجديدة قد بدأت في القيامة، على عكس نظرية يوليان الذي كان يرى أنها تبدأ بالميلاد البتولي. انظر المرجع رقم 59 صفحة 413.

[31] Norman Pittenger: The Incarnate Word, Harper and Brothers, New York, 1959, pp. 12-3.

[32] Michael Le Syrien, op. cit., p. 379.

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

الجزء الثاني: الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

حينما كان الجانب غير الخلقيدوني يقوم بمعارضة مجمع خلقيدونية وطومس ليو، كان يهتم أيضاً (في نفس الوقت وبنفس الحماس) بإدانة عدد من الهرطقات المتنوعة.

وقد شملت قائمة الهراطقة عند غير الخلقيدونيين نفس الرجال الذين رفضهم الجانب الخلقيدوني قبل مجمع عام 451م ـ بسبب تعاليمهم غير الأرثوذكسية ـ كما شملت أيضاً أولئك الذين جاءوا لاحقاً ولم تكن أفكارهم تطابق التقليد العقائدي لغير الخلقيدونيين. ولكي نتعرف على ذلك التقليد العقائدي، ينبغي علينا أن ننظر إلى المواقف (اللاهوتية) التي رفضوها، والأسباب التي ذكروها في تبنيهم لهذة التصرفات.

وقد كانت الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ـ والمتعلقة بدراستنا هذه ـ هي الهرطقات المتصلة بعقيدة الثالوث وبعقيدة التجسد. وبالنسبة للنوع الأخير كان غير الخلقيدونيين قد استبعدوا بعضاً منها بسبب أنها لا تؤكد وحدة المسيح بشكل صحيح، ورفضوا البعض الآخر لأن تفسيرها للاستمرار الديناميكي للاهوت والناسوت في المسيح الواحد كان تفسيراً معيباً.

وقد اهتم اللاهوتيون في الكيان غير الخلقيدوني ـ في كل البيانات العقائدية التي أصدروها ـ بأن يذكروا قائمة بالرجال الذين يعتبروهم من الهراطقة بدءاً من سمعان الساحر وانتهاءً بنسطوريوس من ناحية، ومن فالنتينوس إلى أبوليناريوس وأوطيخا من الناحية الأخرى. وكان غير الخلقيدونيين هم الذين بادروا باستبعاد وتفنيد مجموعة من التعاليم الخاطئة التي ظهرت بعد مجمع خلقيدونية والمتعلقة بعقيدة الثالوث وعقيدة التجسد.

2. الأوطيخية:

كان أوطيخا قد نُفي إلى (Doliche) بشمال سوريا ـ كما ذكرنا ـ فور تولي بولخريا السلطة عام 450م، ولم يُعرف أي شيء عن الرجل منذ ذلك الحين. وسواء كان أوطيخا بالفعل يؤمن بالأفكار التي رأها فيه الذين أدانوه أم لا، فالحقيقة أنه كان هناك رجال في الشرق في ذلك الوقت يتمسكون بمثل هذه الأفكار.

ويذكر زكريا المؤرخ[1] أنه في أيام ثيؤدوسيوس أسقف أورشليم (تنيح عام 457م)، قام رجل خطيب من الإسكندرية يُدعى يوحنا بتقديم نظرية أُشير إليها بـ ’الأوطيخية‘، حيث سعى يوحنا بحكم دراسته الفلسفية أن يربط تخميناته الغيبية ببعض الأفكار المستعارة من المسيحية، ليقدم تفسيراً عن شخص المسيح. وقد اعتبر يوحنا ناسوت المخلص ’ظاهرة فريدة‘ لا توجد طبيعة من نفس نوعها، على أساس أنه وُلد من عذراء،[2] وبالتالي فإذا كان يسوع المسيح هو إنسان بدون طبيعة ’بشرية‘، فقد زعم يوحنا أنه كان طبيعة وحيدة.

ويذكر المؤرخ أن يوحنا الخطيب كتب عدداً من المقطوعات الأدبية ونسبها إلى أشخاص مثل بطرس الأيبيري وثيؤدوسيوس نفسه الذي عندما سمع بأفكار يوحنا وتصرفاته قام بإدانة الرجل وتعاليمه،[3] وأرسل حكمه هذا إلى فلسطين وسوريا والإسكندرية.

ومما يُذكر بواسطة نفس المؤرخ أنه بينما كان ثيؤدوسيوس في السجن اتصل به الخلقيدونيون والأوطيخيون ليحاول كل منهما أن يستميله إليه ولكن هذه المحاولات لم تأتِ بفائدة. ويقال إن ثيؤدوسيوس أخبر الأوطيخيين أن أفكارهم هي نفس تعاليم فالنتينوس وماني وماركيون، ويجب أن تُعرف أنها هرطقة أسوأ من هرطقة “بولس السموساطي، وأبوليناريوس ونسطوريوس”.[4]

أما بالنسبة للبابا تيموثاؤس إيلوروس بطريرك الإسكندرية، والذي يعد أكثر مَن عبَّروا عن انتقادهم لمجمع خلقيدونية بعد وقت ثيؤدوسيوس، فقد عارض أيضاً الموقف الأوطيخي بشدة. ويُذكر أنه عندما كان في نفيه، كتب رسائل إلى الإسكندرية وفلسطين يعارض فيها أولئك الذين يرفضون أن يؤكدوا أن المسيح، الذي هو واحد مع الآب في الجوهر بحسب اللاهوت، هو أيضاً وفي نفس الوقت واحد معنا في الجوهر بحسب الناسوت.[5]

وبالإضافة إلى ذلك، هناك حادثتان في حياة البابا تيموثاؤس إيلوروس تؤكدان معارضته للأوطيخية. الحادثة الأولى أثناء منفاه، حيث كان هناك رجلان من الإسكندرية ـ إشعياء من هرموبوليس، وقس يُدعى ثيؤفيلوس ـ اتخذا إقامتهما في القسطنطينية وزعما أن لهما نفس رؤية البابا تيموثاؤس أيلوروس،[6] ولكن في الحقيقة كانت الأفكار التي ينشرانها هي نفس الأفكار التي اعتُقد أن أوطيخا كان يتمسك بها.

وحينما وصلت هذه الأنباء إلى البابا تيموثاؤس في منفاه أرسل خطابات إلى كل من الإسكندرية والقسطنطينية، يحذر فيها الناس مما يفعله هذان الرجلان.[7] وأرسل البابا تيموثاؤس خطابين إلى القسطنطينية، ينصح في الأول منهما الرجلين (إشعياء وثيؤفيلوس) بالإقلاع عن تلك الأفكار، وعندما لم يتقبل الرجلان الخطاب بصورة جيدة أرسل خطابه الثاني[8] الذي كان عملاً عقائدياً يشرح الإيمان ويحتوي على عدد كبير من الاقتباسات من كتابات الآباء.

ورفض إشعياء وثيؤفيلوس هذا الخطاب أيضاً فقام البابا تيموثاؤس في النهاية بحرمهما بعلة الهرطقة.[9]

وقد ناقش البابا تيموثاؤس في خطابه الثاني موضوع الإيمان بهدف فضح تعاليم إشعياء وثيؤفيلوس اللذان روَّجا أفكارهما في ربوع القسطنطينية. ولذلك أكد البابا تيموثاؤس في خطابه أن ربنا يسوع المسيح في التجسد كان واحداً في الجوهر معنا، وأصر أن “أي واحد يجل الله لن يسمح (لنفسه) أن يحتقر رحمته برفضه الإخلاص لتعليم آبائنا القديسين الذين اعترفوا أن ربنا يسوع المسيح صار واحداً معنا في الجوهر في الجسد”.[10]

وكما فعل البابا ديسقوروس، استمر البابا تيموثاؤس ـ معتمداً على الرسالة إلى العبرانيين ـ ليؤكد أنه “إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما، لكي يبيد بموته سلطان الموت أي ابليس……. وهو لم يأخذ الطبيعة من الملائكة، ولكن من نسل إبراهيم. و (من ثمَّ) كان ينبغي أن يشبه أخوته في كل شيء لكي يكون رحيماً……. لأنه فيما هو قد تألم وجُرب يقدر أن يعين المجربين”.

ويعلق البابا تيموثاؤس على عبارة ’ يشبه أخوته في كل شيء‘ ويقول: إن الأسفار “تعلم كل أولئك الذين يرغبون في بركات السماء وفي الخلاص، أنه ينبغي عليهم أن يعترفوا أن تجسد ربنا يسوع المسيح كان من مريم…….؛ وهو الذي له ذات الطبيعة مع الآب بحسب لاهوته، صار كذلك له ذات الطبيعة معها (أي مع العذراء مريم) ومعنا في الجسد”.

وبهذه الطريقة شرح البابا تيموثاؤس في خطابه إيمان الكنيسة بخصوص التجسد مفنداً تعاليم إشعياء وثيؤفيلوس الخاطئة. وقد أرسل نسخة من هذا الخطاب إلى الإسكندرية، ووجهه “إلى الإكليروس، والرهبان، والأخوات الراهبات في المسيح، والمؤمنين……. لكي تعرفوا أنني قد كتبت هذه الأشياء”.[11]

ثم حذرهم بأن “الذي لا يؤمن بحسب التقليد الخاص بربنا يسوع المسيح ابن الله ، كما علَّم به آباؤنا القديسون، فليكن محروماً”.[12] ويتضح من هذه الحادثة أن البابا تيموثاؤس إيلوروس لم يكن مؤيداً لوجهة النظر التي أدانها ليو بابا روما ومجمع خلقيدونية على أنها تعليم أوطيخا، كما أن معارضته للمجمع وللطومس لم تكن نتيجة تردده في الاعتراف بكمال بشرية ربنا.

أما الحادثة الثانية التي تثبت أن البابا تيموثاؤس إيلوروس كان يرفض التعليم المنسوب إلى أوطيخا، فقد حدثت في القسطنطينية عام 475م. وكان الإمبراطور باسيليسكوس ـ كما ذكرنا ـ قد أعاد البطريرك تيموثاؤس من منفاه، وعندما زار البابا تيموثاؤس القسطنطينية[13] شجع الإمبراطور ليصدر منشوره العام الذي يلغي مجمع خلقيدونية.

وقد أدان هذا المنشور أولئك الذين يتمسكون بفكرة أن التجسد كان شبهاً خارجياً فقط، فعارض بعض الرجال في القسطنطينية هذا الأمر، واتصلوا بتيموثاؤس ليتفقوا معه لكي يعارض هو الآخر هذه الفكرة، ولكن على عكس توقعاتهم ثار البابا تيموثاؤس ضدهم قائلاً:[14]

“إن الأسفار تعلمنا عن المسيح أنه تشابه معنا في كل شيء، وأنه صار بالكمال بنفس الطبيعة (البشرية) معنا ما عدا الخطية. وهو قد وُلد بطريقة فائقة بدون اتصال زيجي، ولكنه صار إنساناً كاملاً، إذ حُبل به في مريم العذراء وولد منها بالروح القدس، وهو نفسه ظل باستمرار الله المتجسد بدون أي تغيير”.

ومن الواضح هنا أن البابا تيموثاؤس إيلوروس قد أكد أن ناسوت ربنا كان حقيقياً وكاملاً، وأنه (أي البابا تيموثاؤس) استبعد الأوطيخية بنفس التصميم والحماس الذي كان لدى الجانب الخلقيدوني.

وإذا انتقلنا إلى مار فيلوكسينوس أسقف منبج، فسنجد أنه كان ـ كما ذكرنا ـ معارضاً قوياً للنسطورية، وكان يؤمن أنها قد عادت من جديد بمكر من خلال مجمع خلقيدونية وطومس ليو. ويتضح من كتابات مار فيلوكسينوس أنه كان يرفض الأوطيخية أيضاً بنفس الحماس الذي كان يعارض به النسطورية.

ويؤكد مار فيلوكسينوس أن الأوطيخية تؤمن فقط أن الله الابن أخذ لنفسه مظهر وشبه الإنسان[15] بدون أن يأخذ أي شيء من العذراء، وهذا التعليم يضعف من مدلول التجسد ولهذا ينبغي أن ترفضه الكنيسة. وكان فلافيان أسقف القسطنطينية وليو بابا روما قد وجدا ـ كما ذكرنا ـ في أوطيخا نفس هذه الرؤية، وقد عبَّر مار فيلوكسينوس عن موافقته لكليهما أثناء اعلانه عن هرطوقية هذه الأفكار.

وفي الحقيقة ذهب مار فيلوكسينوس في شرحه إلى القول بأن التعليم الأوطيخي لم يقع فقط في خطأ الدوسيتية* ـ كما هو شائع عنه ـ ولكنه وقع أيضاً في الثنائية المانية التي تعتبر أن المادة شر،[16] لأنه إذا كانت الأوطيخية تنكر أن ربنا قد صار متجسداً من العذراء وأنه واحد معنا في الجوهر، أفلا يتضمن هذا رفضاً منها (أي من الأوطيخية) بالاعتراف أن الله من الممكن أن يصير إنساناً على أساس الفرض المسبق بأن الطبيعة البشرية هي شر؟

ويرى مار فيلوكسينوس أن هناك تشابهاً بين النسطورية والأوطيخية حيث يقول:[17]

“وقد يبدو أن الموقف النسطوري والموقف الأوطيخي يضاد كل منهما الآخر، ولكنهما في الواقع يتمسكان بنفس وجهة النظر، لأن كليهما ينكر أن الله وُلد من مريم. فلو كان الله قد اتخذ فقط مظهر وشبه الجسد ولم يأخذ بالحقيقة جسدنا من العذراء، فلا تكون الحقيقة القائلة أن والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ قد ولدت، هي أمر واقعي (على الإطلاق)”.

وبينما يستنكر أسقف منبج الأوطيخية على هذا النحو، نجده أيضاً يكتب عن النسطورية قائلاً:[18]

“إن النسطورية لا تعترف أن الكلمة صار جسداً، ولكنها تعترف فقط أن الجسد تكون (أولاً) ثم أتُخذ بواسطة الكلمة. وبالتالي فلا تكون مريم هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘، بل هي فقط والدة الجسد أو بالتحديد الإنسان الذي سكن فيه الله”.

وعند مار فيلوكسينوس ـ كما سنرى بصورة أوضح فيما بعد ـ كان الله الابن قد تجسد بالفعل بأن وحَّد بنفسه ناسوتاً حقيقياً وكاملاً من رحم العذراء، وأي عقيدة تنكر أو تقلل من هذه الحقيقة كانت بالنسبة له هرطقة ينبغي إدانتها.

أما بالنسبة للبطريرك ساويروس الأنطاكي، فقد كان ناقداً قوياً للموقف (اللاهوتي) الذي سُمي بـ ’الأوطيخية‘. وفي إشارته إلى عبارة أن المسيح ’طبيعتان قبل‘ و ’طبيعة واحدة بعد الاتحاد‘[19] كتب البطريرك ساويروس: “لم يقم أحد على الإطلاق من الذين يتمسكون بالتفكير السليم ـ ولا حتى على مستوى الخيال ـ بإقرار تعبير: طبيعتين قبل الإتحاد”.[20] لأن ذلك يعني من وجهة نظر ساويروس أن الطفل الإنساني قد تكوَّن في رحم العذراء قبل اتحاد الطبيعتين.

وبالنسبة لكافة القادة غير الخلقيدونيين، كانت فكرة أن الطفل قد تكوَّن في الرحم قبل الإتحاد لا تعني إلا نفس تعليم نسطوريوس ومؤيديه. وقد عارض البطريرك ساويروس هذه الفكرة في أماكن عديدة في كتاباته ـ بالإضافة إلى ما أوردناه قبلاً ـ ونذكر على سبيل المثال ما كتبه إلى أكيومنيوس (Oecumenius)[21] حيث قال:

“بالرغم من أن هيبوستاسيس (أقنوم) الله الكلمة كائن قبل كل الدهور والأزمنة وهو منذ الأزل مع الله الآب والله الروح، فإن الجسد ذو الروح العاقل (الذي أخذه) لم يوجد قبل اتحاده به”. ومرة ثانية يؤكد البطريرك ساويروس في إحدى عظاته: “ولم يكن الأمر أن هناك طفلاً قد تكوَّن أولاً في رحم العذراء ثم على الفور وحَّد الله الكلمة نفسه به من خلال اتحاد الإرادة واقتران الحب”.[22]

ويتضح من كل ما سبق، أنه بينما كان الجانب غير الخلقيدوني يعارض مجمع خلقيدونية وطومس ليو، إلا أنه كان واعياً تماماً أيضاً للهرطقة ’الأوطيخية‘، وقد قام باستبعادها بمنتهى القوة والحماس مثلما فعل الجانب الخلقيدوني. ومن ثم لم يكن رفض الجانب غير الخلقيدوني لمجمع خلقيدونية هو بسبب تعاطف سري أو علني مع الموقف الذي سُمي بـ ’الأوطيخية‘ في مجمع عام 451م.

ويبقى سؤال هام ينبغي علينا أن نواجهه في إطار هذا السياق، وهو:

إذا كان البابا ديسقوروس والجانب غير الخلقيدوني يعارضون ’الأوطيخية‘ بالفعل، فكيف قام مجمع عام 449م بتبرئة أوطيخا الذي عُرفت تلك الهرطقة باسمه؟. وهذا السؤال في الحقيقة له أهميته من وجهة النظر التاريخية، فالبطريرك ساويروس الأنطاكي ـ الذي كان يعتبر أوطيخا هرطوقياً بشكل مؤكد ـ لا يجد صعوبة في الاعتراف بأن البابا ديسقوروس هو “شهيد المسيح، الذي لم يحنِ وحده ركبته للبعل في مجمع الشر”.[23]

وكما أظهرنا قبلاً، كان البابا ديسقوروس قد أقر في مجمع خلقيدونية أن الأفكار التي قيل عنها أنها لأوطيخا هي بالفعل أفكار هرطوقية، ولكنه أقر أيضاً أنه لا يوجد أي سند في محاضر الجلسات المسجلة لمجمع عام 448م يفيد أن أوطيخا كان بالفعل يتمسك بتلك الأفكار.[24] ومن الجدير بالذكر أن الأساقفة المصريين لم يذكروا أوطيخا بالاسم كهرطوقي في التماسهم الذي قدموه لمجمع خلقيدونية يوم 17 أكتوبر عام 451م.[25]

وحتى بعد مجمع خلقيدونية، لم يتضمن منشور باسيليسكوس اسم أوطيخا في قائمة الهراطقة التي أوردها على الرغم من أن المنشور أدان الهرطقة المنسوبة إليه.[26] أما منشور الإتحاد (الهينوتيكون) الذي أصدره زينو عام 482م فقد أعلن أوطيخا كهرطوقي،[27] وكان ذلك المنشور مقبولاً من الكيان غير الخلقيدوني.

وقد ناقش البطريرك ساويروس الأنطاكي هذا الأمر في عدد من رسائله، فإذا نظرنا إلى هذه الرسائل معاً سنجد أنه أورد فيها ثلاث نقاط أساسية:

أولاً، ذكر البطريرك ساويروس أن مجمع أفسس الثاني عام 449م كان قد أبرأ أوطيخا على أساس أمرين:

-قام المجمع (عام 449م) بإصدار حكمه بعد فحص “محاضر الجلسات التي دُونت في المدينة الملكية (القسطنطينية) والتي تضمنت الشهادات (الأقوال) التي بُنيت عليها إدانة أوطيخا”. وقد حكم المجمع بأنه لم يكن مستحقاً الإدانة.

-قام أوطيخا نفسه بتقديم التماس يحرم فيه ماني وفالنتينوس وأبوليناريوس، وأولئك الذين يقولون أن جسد ربنا قد نزل من السماء، كما أضاف أوطيخا أيضاً بعض النقاط التي ـ كما أشار ساويروس ـ لم تتم قراءتها في مجمع خلقيدونية، وذكر البطريرك ساويروس أنه أورد هذه الكلمات في رسالته إلى سرجيوس الطبيب والمفكر.[28]

وقد فُقدت هذه الكلمات من رسالة البطريرك ساويروس التي نُشرت في ’كتابات الآباء الشرقيين‘ (Patrologia Orientalis)، ومن المحتمل أن تكون هذه العبارات هي نفس العبارات التي سبق أن ذكرناها فيما قبل.[29] وعلى أي حال، فإن دفاعات البطريرك ساويروس انتهت إلى تأكيده بأن أوطيخا لم يُبرَّأ في مجمع عام 449م على أساس نفس الأسباب التي تمت إدانته بسببها في مجمع خلقيدونية.

ثانياً، يؤكد البطريرك ساويروس أنه “بعد هذه الأمور، رجع أوطيخا نفسه إلى قيء رأيه الشرير”.

ثالثاً، إن ارتداد أوطيخا هذا لا “يأتي باللوم” على مجمع عام 449م، ولا على البابا ديسقوروس.[30]

ونستطيع أن نستنبط ملاحظتين على الأقل من الرأي الذي كان يصر عليه البطريرك ساويروس:

الملاحظة الأولى هي أن البطريرك ساويروس لم يذكر بوضوح متى قام أوطيخا بالفعل بتعليم الأفكار التي نُسبت إليه. كما أن كلمات البطريرك ساويروس “رجع إلى رأيه الشرير” تحمل ضمنياً معنى أن أوطيخا كان من الأصل هرطوقياً، ولكننا رأينا أن مجمع عام 449م قد برَّأه وحكم بأن الأساس الذي تمت عليه إدانته في مجمع عام 448م لا يمكن تبريره، كما أعلن أن اعتراف الإيمان الذي قدَّمه أوطيخا كان أرثوذكسياً؛ ومع ذلك وعلى الرغم من هذه الرأفة عاد أوطيخا (بحسب رأي ساويروس) إلى آرائه الأولى.!

وفي الحقيقة، أنه لا يمكن أن يُستنتج تفسير من هذا النوع من محاضر جلسات مجمع عام 449م، لأن فحص المجمع لقضية أوطيخا ـ كما رأينا[31] ـ لم يُظهر أنه كانت لدى الوفود المجتمعة أي شبهة تتعلق بالموقف اللاهوتي (السابق) للرجل، وبالتالي فإن اتهام أوطيخا بأنه عاد إلى رأيه الشرير، لا يمكن ـ لو كان قد حدث ـ أن يكون قد تم قبل وقت انعقاد ذلك المجمع، فإذا افترضنا أنه حدث في الفترة بين وقت انعقاد المجمع عام 449م ونفي أوطيخا عام 450م فيكون من الغريب حقاً أن هذه الأخبار لم تصل في حينها إلى البابا ديسقوروس والأساقفة المصريين، ولا حتى إلى أولئك الذين وضعوا مسودة منشور باسيليسكوس عام 475م.*

وفي الواقع لم يقم البطريرك ساويروس بالإجابة على هذه التساؤلات في تقييمه لأوطيخا، ولا يوجد أمامنا غير احتمال واحد في مواجهة هذه الملابسات التاريخية وهو أنه كان يوجد رجال في تلك الأيام الماضية يعتنقون الأفكار التي نُسبت لأوطيخا، وأن بعضاً منهم على الأقل كان يعتبر الراهب العجوز رائداً لهم. وهكذا يظل السؤال عن هل قام أوطيخا نفسه بتعليم الأفكار التي نُسبت إليه، سؤالاً مطروحاً. أما فيما يخص الأفكار نفسها، فإننا لدينا دلائل قاطعة على أن كلا الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني قد استبعدها منذ بداية الصراع بينهما.

الملاحظة الثانية، هي أن البطريرك ساويروس لم يقدم في دفاعه عن مجمع أفسس الثاني عام 449م أي تبرير للطريقة التي عالج بها المجمع تردد أوطيخا في الإقرار بعبارة “واحد معنا في الجوهر”. وعلى الرغم ـ كما ذكرنا[32] ـ من أن المعنى الذي وراء تلك العبارة كان متضمناً في اعتراف أوطيخا بالإيمان إلاّ أنه كان متردداً في الإقرار بالعبارة نفسها، ولكن مجمع عام 449م لم يعطِ اهتماماً كافياً لتلك النقطة.

وما يهمنا هنا ـ من وجهة نظر هذا البحث ـ هو التأكيد على حقيقة أن الجانب غير الخلقيدوني كان منذ البداية يدين الأفكار التي يصفها الجانب الخلقيدوني بـ ’الأوطيخية‘. وإذا أضفنا إلى ذلك ما قدَّموه في هذه الأثناء من شروحات لموقفهم اللاهوتي، فسوف يتضح بأجلى بيان أن غير الخلقيدونيين يؤمنون بأن الطبيعتين اللتين اتحدتا في المسيح قد استمرتا فيه بدون أي إضمحلال.

3. فكرة أن المسيح له خصوصية واحدة:

ظهرت هذه الفكرة في أيام البطريرك ساويروس الأنطاكي بواسطة رجل يُدعى سرجيوس النحوي، حيث كتب خطاباً حول هذا الأمر وأرسله إلى البطريرك ساويروس يسأله عن رأيه.[33] وقد أكد النحوي:

“إن اللاهوت والجسد ’هما جوهران‘. الأزلية هي خصوصية الأول، وإمكانية الفساد هي خصوصية الأخير*“، وحين صار الله الابن إنساناً، اتخذ جسداً “وولد بطريقة فائقة للطبيعة (supernaturally)” كما أنه “لم يرى فساداً”. ومن هنا يؤكد سرجيوس أنه “بسبب الاتحاد، زالت خصوصية الجسد”، ولذلك “من الأفضل أن نقول أنه توجد خصوصية واحدة (للمسيح)”، ويكمل سرجيوس بقوله “فلماذا إذن نقول أنه توجد هناك خصوصيتان؟”.[34]

وبدأ البطريرك ساويروس مناقشته للأمر بقوله أن التأكيد على وجود فرق في الخصوصيتن هو تعليم الآباء، فقد أكدوا على أن الطبيعتين اللتين اتحدا في المسيح الواحد هما مختلفتان “لأن واحدة غير مخلوقة، والأخرى مخلوقة”.[35] ولكن بينما “يظل الاختلاف بين خواص الطبيعتين قائماً”، “فإن الطبيعتين اللتين يتكون منهما المسيح الواحد” اتحدتا “بدون اختلاط”، وبهذه الطريقة “يُقال إن كلمة الحياة قد أصبح مرئياً وملموساً”.*

ويؤكد البطريرك ساويروس إننا عندما نفكر في عمانوئيل سنرى أن اللاهوت والناسوت هما مختلفان، وبينما نعترف بالاتحاد فإننا لا ننكر الاختلاف الذي بين الطبيعتين اللتين يتكون منهما المسيح الواحد”، وهذا بالرغم من أننا نستبعد وجود أي انقسام بسبب ’الاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)‘.[36]

وهكذا ظلت خواص كلتا الطبيعتين باقية في المسيح الواحد مع الطبيعتين نفسيهما، بدون اختلاط ولا انقسام. وحيث إن الطبيعتين اتحدتا، فقد حدث تبادل للخواص والذي به أصبح “الكلمة يُعرف في خواص الجسد”، كما أن الخواص البشرية أصبحت “تنتمي للكلمة، وخواص الكلمة (تنتمي) للجسد”.[37] وهذا الاتحاد هو بدون اختلاط، حيث لم تُفقد فيه أي من الطبيعتين ولا أي من خواصهما أو ملكاتهما.

ويمكننا أن نميِّز هذا الموقف ذاته ،الذي تبناه البطريرك ساويروس، عند كل القادة المعترف بهم في الجانب غير الخلقيدوني من الكنيسة. وهذا يُظهر أنهم لم يؤكدوا فقط على استمرار الطبيعتين في المسيح الواحد وإنما حافظوا أيضاً على مبدأ عدم فقدان أو اضمحلال أي خصوصية أو ملكة من أي من هاتين الطبيعتين.

 

[1] Zacharia, op. cit., I, pp. 161f.

[2]   لقد أكد يوحنا ـ كما يقول زكريا المؤرخ ـ أن “الله الكلمة ذاته أصبح الجسد وتألم فيه، هذا إذا كان قد تألم، وبهذا أنكر أنه كان متحداً بجسد بشري”. (المرجع السابق، 1: صفحة 163).

[3] Zacharia, op. cit., I, p. 164.

[4] المرجع السابق صفحة 162.

[5] المرجع السابق صفحة 186.

[6] المرجع السابق صفحة 186.

[7] للإطلاع على الخطابات انظر (المرجع السابق صفحة 186).

[8]   للإطلاع على هذا الخطاب انظر (المرجع السابق صفحة 186-202).

[9]   للإطلاع على خطاب البابا تيموثاؤس الذي يحرم فيه إشعياء وثيؤفيلوس انظر (زكريا الخطيب، المرجع السابق صفحة 202-205). وقد كتب البابا تيموثاؤس أن إشعياء وثيؤفيلوس يؤمنان بأن “جسد ربنا كان واحداً في الجوهر مع نفسه وليس معنا. وأنه (أي الكلمة) لم يصر إنساناً بالحقيقة”. (نفس المرجع صفحة 203). وفي هذا الخطاب ثبَّت البابا تيموثاؤس مدة التوبة للعائدين من الهرطقة بسنة واحدة متتبعاً في ذلك وصية سلفيه البابا كيرلس والبابا ديسقوروس.

[10] Zacharia, op. cit., I, p. 188.

[11] المرجع السابق صفحة 201-202.

[12] المرجع السابق صفحة 201.

[13] المرجع السابق صفحة 209 وما يليها.

[14]  المرجع السابق صفحة 215-216. وهذه الحادثة مذكورة في دراستنا الحالية صفحة 207.

[15]   كتب مار فيلوكسينوس: “إن الأوطيخيين يؤمنون فقط بأن الله اتخذ شكل وشبه الإنسان، بينما يرفضون تأكيد أنه أخد أي شيء من مريم حينما أخذ الجسد. وظنوا أنهم إذا افترضوا شيئاً مثل هذا (أي إذا افترضوا أنه أخذ جسداً من مريم العذراء) فإن ذلك سيقودهم إلى القول بأن التجسد قد أحدث إضافة إلى الثالوث” انظر: (Philoxenos, op. cit., p. 154)

*  الدوسيتية (أي الخيالية) هي بدعة تنادي بأن جسد المسيح لم يكن جسداً حقيقياً بل قد بدا كذلك، أي كان جسداً وهمياً (أو خيالياً).

[16]  أكد مار فيلوكسينوس أنه “لو كان الأوطيخيون يؤمنون مثلنا بأن كل شيء عُمل وخاصة طبيعة الإنسان هو خليقة الله، فما كانوا قد تحدثوا مثل المانيين (Manichaean) بأن جسد الله هو ليس من طبيعتنا…. إن خليقة الله حسنة، ولهذا صار الخالق إنساناً منها. فإذا كانوا مترددين في التسليم بذلك، فدعهم يقولون بوضوح أن طبيعة الإنسان هي من الشر، ليظهروا أنفسهم أنهم ليسوا فقط خياليين ولكن أيضاً مانيين”. (المرجع السابق، صفحة 42-43).

[17] Philoxenos, op. cit., p. 141.

[18]  المرجع السابق صفحة 141.

[19]  انظر صفحة 59.

[20]  Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 239.

وهناك موقف مشابه اتخذه البابا تيموثاؤس إيلوروس ضد عبارة أوطيخا. انظر:

(The Council of Chalcedon, op. cit., p. 262).

[21] Patrologia Orientalis, vol. XII, pp. 190-1.

[22] Ibid., vol. VIII, p. 221.

[23] Ad Nephalium, C. S. C. O., Tomus VII, ed. J. Lebon, 1949, p. 141.

[24] انظر صفحة 111.

[25] انظر صفحة 152.

[26] انظر صفحة 206.

[27] انظر صفحة 215، 216.

[28] Patrologia Orientalis, vol. XII, pp. 264-268.

وهذا مشار إليه في الدراسة الحالية صفحة 75. وعن سرجيوس هذا انظر صفحة 262.

[29] انظر صفحة 75.

[30] Patrologia Orientalis, vol. XII, pp. 267-268.

[31]  انظر صفحة 71 وما يليها.

*   لأن منشور باسيليسكوس لم يتضمن اسم أوطيخا في قائمة الهراطقة التي أوردها على الرغم من أن المنشور أدان الهرطقة المنسوبة إليه.

[32]  انظر صفحة 55 وما يليها والمرجعان 156، 157 صفحة 81.

[33]  للإطلاع على الخطابات المتبادلة بين سرجيوس والبطريرك ساويروس انظر:

(Ad Nephalium, op. cit., pp. 70f)

*   كان سرجيوس يفهم ’خصوصية‘ بأنها تعني التميز المتفرد للشيء ككل (أو للطبيعة ككل)، وبالتالي فكل طبيعة لها تميز محدِّد واحد. ويقول سرجيوس حيث إن الله له تميزه الخاص وهو الأزلية والإنسان له تميزه الخاص وهو إمكانية الفساد، فبما أن المسيح ليس أزلياً (حيث ولد في الزمن بطريقة فائقة) كما إنه لم يرى فساداً، فلذلك تكون له خصوصيته الفريدة التي ليست هي خصوصية الله ولا خصوصية الإنسان ولكنها خصوصية فريدة تخص المسيح وحده. وكما أن المسيح هو طبيعة واحدة من طبيعتين لذلك يمكننا أن نقول أيضاً أنه خصوصية واحدة من خصوصيتين.

[34] Ad Nephalium, op. cit., pp. 71-72.

[35]  المرجع السابق صفحة 74-77.

*  يذكر إيان تورانس في كتابه “التعليم عن المسيح بعد مجمع خلقيدونية” والذي يحتوي على ترجمة إنجليزية للمراسلات بين ق. ساويروس الأنطاكي وسرجيوس النحوي، أن ق. ساويروس كان يفهم الخصوصية بثلاث معانٍ متباينة ظهرت في خطاباته الثلاث إلى سرجيوس: (1) خواص الشيء (2) سمة مخصوصة بشيء معين ـ أو طبيعة معينة ـ تخصه وحده دون غيره، مثل أن الضحك سمة مخصوصة بالإنسان دون غيره (3) الهوية الخاصة بشيء ما، فالجسد هو جسد وليس حجراً وذلك ببساطة لأنه هو جسد، وقد يَسوَّد لونه أو يتحطم أو يتم طهيه، ولكنه مع ذلك يظل جسداً، أي يظل محتفظاً بهويته الخاصة كجسد وليس شيئاً آخراً.

[36] Ad Nephalium, op. cit., p. 79.

[37]   المرجع السابق صفحة 79. ويقر البطريرك ساويروس بما هو أكثر من ذلك إذ يقول:

“ولذلك فبينما نحرم أولئك الذين يؤكدون أن عمانوئيل بعد الاتحاد هو طبيعتين بما لهما من فعلين وخواصين، فإننا لا نضعهم تحت الإدانة بسبب قولهم بالطبيعتين أو الفعلين أو الخواصين؛ ولكن لأنهم بينما يؤكدون على الطبيعتين بعد الاتحاد، ينسبون الأفعال والخواص لكل طبيعة على حدة، وبذلك هم يفصلونهما”. (المرجع السابق، صفحة 80).  

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج2

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج2

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج2

الجزء الأول: الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج1

(د) البطريرك ساويروس الأنطاكي:

يعتبر البطريرك ساويروس الأنطاكي بالفعل هو اللاهوتي الأبرز في الجانب غير الخلقيدوني في القرن السادس، وربما أيضاً في كل الكنيسة في الشرق، إذا لم يكن في الكنيسة بأكملها في عصره.

وفي اثنين من أكبر كتبه ـ ’محب الحق‘ (philalethes) و’ضد النحوي غير التقي‘ (Contra Impium Grammaticum) ـ وكذلك في العديد من رسائله وعظاته العقائدية، دافع البطريرك ساويروس بشدة وبثبات ضد كل من طومس ليو ومجمع خلقيدونية. وقد ذكر البطريرك ساويروس لتأييد موقفه اللاهوتي، حججاً من التقليد ومن الأسس اللاهوتية، وأصر على أن المفهوم الأنطاكي ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ ـ الذي تبناه المجمع من خلال استخدامه لعبارة ’في طبيعتين‘ ـ هو مفهوم بغيض ومرفوض.

أولاً: في ضوء التقليد

لقد أقر البطريرك ساويروس أنه من الممكن أن نجد دليلاً على استخدام تعبير ’طبيعتين‘[1] في أعمال الآباء الأولين، ولكنه دفع بأن استخدام أولئك الآباء لم ينطوي على أي فكرة للتقسيم؛ ولكنهم كانوا يقصدون فقط من ذلك أن المسيح هو إله وإنسان في آنٍ واحد. ومع ذلك فمنذ ظهور النسطورية تغيرت الأمور تماماً، فتم استبعاد التعبيرات غير المحددة والبريئة التي كانت تُستخدم في الماضي (قبل ظهور النسطورية)، وتم ترسيخ تقليد لاهوتي مؤسس على قانون الإيمان النيقاوي حسبما أكده وفسره مجمع عام 381م، ومجمع عام 431م.[2]


ورغم هذا الموقف، أصر ليو بابا روما ـ وبدون أن يعير أي اهتمام للتقليد الذي اتُفق عليه في الكنيسة ـ على استخدام عبارة ’في طبيعتين‘ في الطومس الخاص به، وتبناها مجمع خلقيدونية بعد ذلك معتمداً على مرجعية هذا الطومس.[3] ومن هنا كان البابا ليو ومجمع خلقيدونية مذنبين في تعديهما على التقليد العقائدي المستقر في الكنيسة.

وفي ضوء هذا السياق، نستطيع أن نفهم الاقتباسات من كتابي’محب الحق‘ و’ضد النحوي غير التقي‘ اللذين وضعهما البطريرك ساويروس في وضعها الصحيح. وقد أكد البطريرك ساويروس في كلا الكتابين ـ مستشهداً بآباء الكنيسة من ق. إغناطيوس الأنطاكي وق. إيرينيوس أسقف ليون وصولاً إلى ق. كيرلس السكندري ـ أن الفكرة التي وراء عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ تتعارض بشدة مع تعاليم الآباء.

وأكد البطريرك ساويروس[4] أن جميع الآباء قد أقروا أن المسيح هو وحدة (unity)، وفي كتابه ’محب الحق‘ على سبيل المثال، اقتبس ساويروس فقرات من عدد من هؤلاء الآباء وانتهى إلى قوله:[5]

“انظر إلى آباء الكنيسة، فإن جميعهم يعترفون باتفاق، أن الله الكلمة قد حُبل به في رحم العذراء ’والدة الإله‘، وأنه اتحد هيبوستاسياً (أقنومياً) مع الجسد الذي كان يُحبل به في ذلك المكان. وبينما ظل هو نفسه بلا تحول ولا تغيير، فإنه جعل الجسد خاصاً به (جسده الخاص)، دون أن يكون هناك أي وقت كان فيه هذا الجسد منفصلاً عنه”.

ولهذا فإن المسيح هو شخص واحد، الله الكلمة المتجسد. وكان هذا هو تعليم الآباء الذي أكد بنفس القوة أن الكلمات والأعمال التي سُجلت عنه في البشائر ينبغي أن تُنسب كلها للشخص الواحد. ولذلك كتب البطريرك ساويروس:[6]

“فأن يمشي جسدياً على الأرض ويتحرك من مكان لمكان فهذا بالفعل (أمر) بشري، ولكن أن يجعل أولئك العرج الذين لا يستطيعون أن يستعملوا أرجلهم يمشون فهذا (أمر) لائق بالله. ورغم ذلك فإنه نفس الله الكلمة المتجسد* هو الذي كان يعمل في كليهما. وكان هذا هو الأساس المنغرس في التقليد والذي وضعه الآباء، وهو ما قد تم انتهاكه في عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘”

وكان البطريرك ساويروس ـ كما ذكرنا ـ قد وضع مؤلفه ’محب الحق‘[7] لكي يفند كتاباً خلقيدونياً يحتوي على اقتباسات من كتابات البابا كيرلس السكندري جُمعت من أجل إظهار أن اللاهوتي السكندري الكبير كان قد سبق مجمع خلقيدونية[8] (في تبنيه لنفس الفكر والتعبير اللاهوتي الذي تبناه المجمع).

وأوضح البطريرك ساويروس في كتابه ’محب الحق‘ أمرين رئيسين، أولاً أكد على أن مؤلف الكتاب الخلقيدوني بذل جهده في وضع الكتاب وهو متوهم أن الجانب غير الخلقيدوني لا يقبل مبدأ وجود اختلاف بين اللاهوت والناسوت في المسيح الواحد، وهذا ليس بالأمر الصحيح على الإطلاق؛[9] لأننا بالفعل لا نقول أن الله الكلمة قد تغير إلى إنسان مكوَّن من جسد وروح.

ولكننا على العكس من ذلك نعترف أنه بينما يظل كما هو، وحَّد بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) جسداً له روح عاقل،[10] وبالتالي فإن اتحاد الطبيعتين لم يؤثر على حقيقة وكمال وسلامة أي من الطبيعتين اللتين استمرتا بصورة ديناميكية[11] في المسيح الواحد.

وقد اتفق الآباء على هذه النقطة بدون الإقرار بـ ’طبيعتين بعد الإتحاد‘، وبالتالي لا يكون ضرورياً بأي حال من الأحوال استخدام عبارة “في طبيعتين” من أجل التأكيد على تلك الفكرة، ويكون إدعاء الخلقيدونيين أن البابا كيرلس قد سبق المجمع (في قوله هذا) ليس له أساس من الصحة.[12]

أما الأمر الثاني الذي دفع به ساويروس في كتابه، فهو أن المؤلف الخلقيدوني في محاولته إثبات نظرية أن ق. كيرلس قد سبق المجمع في تبنيه لنفس الفكر والتعبير ـ والتي هي بالفعل أبعد من أي دليل ـ قام في مواضع عدة بتشويه أو تحوير الفقرات التي اقتبسها، عن أصلها الموجود في كتابات البابا كيرلس.[13]

وماذا إذاً عن صيغة إعادة الوحدة عام 433م، والتي اعترف فيها البابا كيرلس بتعبير ’طبيعتين‘؟ ألا يعد هذا الموقف تغييراً عن التقليد الراسخ الذي أشار إليه ساويروس؟.

لقد اهتم البطريرك ساويروس في إجابته على هذه النقطة بالسياق التاريخي لتلك الوثيقة بالإضافة إلى المعنى الفعلي للفقرة موضع التساؤل التي ورد فيها ذلك التعبير. وقد أكد البطريرك ساويروس[14] أن صيغة إعادة الوحدة عام 433م كانت قد وضعت في ظروف وجود شقاق في الكنيسة، وكان هذا الشقاق نفسه نتيجة عدم استطاعة الجانب الأنطاكي فهم الإيمان على نحو سليم.

وفي هذا السياق ومن أجل استعادة الوحدة في الكنيسة ـ وبالتالي مساعدة الأنطاكيين لكي يدركوا تدريجياً التقليد الآبائي في تفسير العقيدة ـ قام ق. كيرلس، كطبيب حكيم، بقبول الوثيقة التي أُرسلت إليه من يوحنا الأنطاكي. وكانت تلك الوثيقة هي التي تحوي العبارة محل السؤال، والتي أيَّدها البابا كيرلس من أجل السلام داخل الكنيسة.

وأكد البطريرك ساويروس أن ق. كيرلس على الرغم من ذلك، لم يوافق على تلك الصيغة إلا بعد صون كل المبادئ الأساسية التي يتعين المحافظة عليها. وهكذا رأى البابا كيرلس فيها أن الأنطاكيين قبلوا مجمع عام 431م دون أي شروط، ووقعوا على إدانة نسطوريوس بتعبيرات قاطعة وواضحة، وأكدوا أن العذراء هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ بدون إضافة أنها كانت أيضاً والدة الإنسان ’أنثروبوطوكس‘ أو والدة المسيح ’خريستوطوكس‘.

وبناءً عليه لا تكون صيغة إعادة الوحدة قد قدمت أي أساس لاستخدام عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘، وبتعبير آخر فإن البطريرك ساويروس أصر على أنه لا يمكن الاستشهاد بمرجعية وسلطة صيغة إعادة الوحدة، إلاّ بعد أن نأخذ في الاعتبار بنود الاتفاق الأخرى التي رافقتها.

وأضاف البطريرك ساويروس[15] أن هذه الحقيقة ستتضح أكثر إذا نظرنا إلى المعنى الفعلي للعبارة موضع التساؤل، فقد ذكرت أن اللاهوتيين يأخذون بعضًا من أقوال وأعمال ربنا باعتبارها تشير إلى البروسوبون الواحد، ويقسّمون الأخرى بين الطبيعتين.

ولم يكن القصد هنا هو تقسيم الأقوال والأفعال “بين الطبيعتين بحيث أن بعضاً منها تُنسب إلى الطبيعة اللاهوتية بمفردها، وبعضاً منها تُنسب إلى الطبيعة البشرية وحدها: لأنها كلها للطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة، وإنما نحن ندرك الاختلاف في الكلمات والأفعال؛ فالبعض لائق بالله والبعض لائق بالإنسان والبعض يليق باللاهوت والناسوت معاً”.[16]

والحقيقة أن تلك العبارة الواردة في صيغة إعادة الوحدة لا تتعارض مع المبدأ الكيرلسي في رؤية الفرق بين اللاهوت والناسوت في المسيح الواحد ’على مستوى الفكر والتأمل فقط‘. وكان البطريرك ساويروس يريد أن يؤكد أن مجمع خلقيدونية قد ذهب إلى أبعد مما يتضمنه هذا الفكر بإقراره لعبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘.

ثانياً: في ضوء الأساس اللاهوتي

كان البطريرك ساويروس قد أكد مرات ومرات أن عبارة “’طبيعتين بعد الإتحاد‘ تحمل ضمنياً مفهوم أن الجنين البشري قد تكوَّن بذاته أولاً في الرحم ثم اتخذه الله الكلمة فيما بعد.”[17]

وطبقاً لهذا المفهوم، فإن الإنسان يظل إنساناً والله الابن يظل الله الابن في حالة من التواجد المشترك، ولكن بدون أن يكونا متحدين بالمعنى الحقيقي في يسوع المسيح. وقد أكد ساويروس والقادة غير الخلقيدونيين الآخرين أن هذا الموقف اللاهوتي كان هو الموقف الذي أقره رجال مدرسة أنطاكيا والذي أُعلن أنه موقف هرطوقي بواسطة مجمع عام 431م.[18]

ولكي يثبت البطريرك ساويروس أن الأنطاكيين كانوا بالحقيقة يتمسكون بذلك الموقف نفسه، اقتبس بصورة مكثفة من كتابات رجال أمثال ديودور الطرسوسي، وثيؤدور الموبسويستي، ونسطوريوس، وثيؤدوريت أسقف قورش وغيرهم. وسنقوم فيما يلي بعرض فقرة واحدة من كتابات كل من أولئك الرجال:

من ديودور الطرسوسي[19]

“وحيث إن الجسد كان من مريم قبل أن يُتخذ، فهو من الأرض وغير مختلف عن أي جسد آخر بأي شكل من الأشكال. ومثل لاوي الذي أخذ الأعشار بينما كان في صلب أبيه ثم تقبل هذه الكرامة حين وُلد،* فإن الرب أيضاً حين كان في رحم العـــذراء كان من جـوهرها   (her ousia) ولم يكن له كرامة البنوة، ولكن حين تكوَّن وأصبح هيكل الله الكلمة واقتبل المولود الوحيد، فقد مُنح كرامة الاسم وبالتالي استلم أيضاً منه المجد”.

وذكر البطريرك ساويروس أن البابا كيرلس السكندري كان قد عارض هذه الفقرة في الكلمات التالية:[20]

“إنك تعبِّر بكلمات تدل على الجهل وهي ضارة جداً، فذلك الجسد المقدس كان بالفعل من مريم، ولكنه منذ أول بداية تكوينه، أي منذ (لحظة) وجوده في الرحم، كان مقدساً بكونه جسد المسيح، ولا أحد يتصور أنه كانت هناك لحظة واحدة لم يكن فيها (ذلك الجسد) جسده. ولكن مع كل ما ذكــرت، فإنه ـ كما تقول أنت ـ كان (جسداً) عاماً مثل أي جسد آخر”.

ومن الواضح أن كلاً من ق. كيرلس والبطريرك ساويروس قد فهم الفقرة المأخوذة من ديودور على أنها تؤكد أن الطفل البشري قد تكوَّن في رحم العذراء بمعزل عن اتحاده مع الله الكلمة، ومن ثم كان هناك وقت ـ بصرف النظر عن قصر فترة ذلك الوقت ـ كان فيه ذلك الطفل في الرحم كائناً (مستقلاً) بذاته بدون أن يكون متحداً مع الله الابن.

ولا يستطيع موقف لاهوتي مثل هذا أن يعترف باتحاد إلاّ في نطاق (أو على مستوى) البروسوبون فقط، كما أنه لا يعتبر موقفاً لاهوتياً كافياً لتأكيد المفهوم الحقيقي للتجسد. وفي ضوء هذه النظرة (للتجسد) قام الأنطاكيون برفض تعبير والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ عند الإشارة إلى العذراء مريم. وقد وجد البطريرك ساويروس نفس الفكرة عند كل من ثيؤدور الموبسويستي ونسطوريوس وثيؤدوريت أسقف قورش.

من ثيؤدور الموبسويستي:[21]

“وعندما يسألون هل كانت مريم ’والدة الإنسان – أنثروبوطوكس‘ أو ’والدة الإله – ثيؤطوكس‘، نجيب بأنها كانت كلتيهما ـ (اللقب) الأول بسبب طبيعة ما حدث بالفعل، أما الثاني فعلى أساس الإعلاء. فبالطبيعة كانت ’أنثروبوطوكس‘ لأن ذاك الذي كان في رحم مريم كان إنساناً وهو قد وُلد من هناك، كما أنها كانت ’ثيؤطوكس‘ لأن الله كان في الإنسان الذي وُلد. وهذا ليس معناه أن الله انحصر فيه بالطبيعة، وإنما كان فيه بواسطة شركة الإرادة”.

من نسطوريوس:[22]

“إن مريم لم تلد اللاهوت، ما أعظمه. فالذي وُلد من الجسد هو جسد، والمخلوق لا يلد غير المخلوق. والآب لم يلد الله الكلمة ثانية من العذراء، ولكنها ولدت الإنسان الذي كان أداة للاهوت. والروح القدس لم يخلق الله الكلمة حيث إن الذي كان فيها قيل إنه من الروح القدس، ولكن الروح القدس كوَّن من العذراء هيكلاً لله الكلمة. والله لم يمت بكونه صار إنساناً، ولكنه أقام ذاك الذي فيه صار إنساناً”.

من ثيؤدوريت أسقف قورش:[23]

“ومن الصحيح بنفس الطريقة أن نعترف ببروسوبون واحد، المسيح والابن، ولكن (بـ) هيبوستاسين إثنين وهما اللذين اتحدا،أي الطبيعتين”.

“نحن نشير إلى المسيح بكونه إنساناً يلبس الله، ليس بمعنى أنه تقبل العطية الإلهية جزئياً، ولكن بكونه واحداً اتحد به كل اللاهوت”.

وبناءً على تلك الفقرات والعديد من الفقرات الأخرى المقتبسة من كتاباتهم، توصل البطريرك ساويروس إلى أن رجال التقليد الأنطاكي لم يقروا بإتحاد حقيقي للطبيعتين؛ ولكنهم اعترفوا فقط بالوجود المشترك لله الابن والإنسان، في المسيح، ولكي يؤكدوا هذا الموقف أصروا على ’طبيعتين بعد الإتحاد‘. ومن ثم لا يمكن لمجمع خلقيدونية ـ في سياقه التاريخي هذا ـ أن يكون قد عني بعبارة ’في طبيعتين‘ أي شيء أكثر مما أكده التقليد الأنطاكي.[24]

ومن الجدير بالذكر أننا هنا لسنا بصدد الدفاع عن وجهة نظر ساويروس، ولكن ما أردنا تأكيده فقط هو أن البطريرك ساويروس والقادة غير الخلقيدونيين في انتقادهم لعبارة ’في طبيعتين‘ ـ الواردة في تعريف الإيمان الخلقيدوني ـ لم يكونوا متبنين موقفاً ’مونوفيزايت‘ (أي موقفاً ينادي بطبيعة وحيدة للمسيح). ويتضح لنا من السياق التاريخي لمجمع خلقيدونية أن القادة الذين تربوا على التقليد اللاهوتي السكندري كانت لديهم الفرصة ليعبِّروا عن اعتراضهم على عبارة ’طبيعتين بعد الاتحاد‘ أو عبارة ’في طبيعتين‘، ولكن الحقيقة الجلية هي أن الجانب الخلقيدوني لم يتعامل مع تلك الاعتراضات بصورة جدية على الإطلاق.

وقد أكد البطريرك ساويروس أنه على أحسن الأحوال يمكن لعبارة مجمع عام 451م ’في طبيعتين‘ أن تعني ’طبيعتين متحدتين بعد الاتحاد‘،[25] وكان هذا التفسير مقبولاً حتى من نسطوريوس نفسه ومن مؤيديه. ولذلك لا يستطيع مجمع خلقيدونية ـ الذي يزعم بأنه قد استبعد النسطورية ـ أن يبرر نفسه في تبنيه لعبارة ’في طبيعتين‘.

وماذا أيضاً عن الاتحاد الهيبوستاسي، والهيبوستاسيس الواحد؟ هل لم يوافق مجمع خلقيدونية عليهما، مع أن النسطورية كانت قد رفضتهما؟.

يقول البطريرك ساويروس، إنه من الصحيح أن مجمع خلقيدونية تكلم عن ’هيبوستاسيس واحد‘، ولكن ماذا كان يعني المجمع بذلك التعبير؟، وهنا يصر ساويروس أن تعبيري ’الاتحاد الهيبوستاسي‘ و ’الهيبوستاسيس الواحد‘ لا يمكن أن يتفقا مع عبارة ’في طبيعتين‘ أو ’طبيعتين بعد الإتحاد‘.[26]

ولهذا السبب فإن مجمع خلقيدونية في تأكيده على هذين التعبيرين (أي الإتحاد الهيبوستاسي والهيبوستاسيس الواحد) لم يستطع أن يحافظ على المعنى الحقيقي الذي قصده الآباء منهما. وأشار البطريرك ساويروس كتأييد لحجته إلى خطاب أرسله ثيؤدوريت أسقف قورش إلى يوحنا أسقف (Agae)، كما أشار كذلك إلى طومس ليو.

ويُظهر خطاب ثيؤدوريت إلى يوحنا أسقف (Agae)[27] كيف كان كاتبه يفهم معنى تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ الوارد في تعريف الإيمان الخلقيدوني. وكان يوحنا هذا متمسكاً بالتقليد الأنطاكي، لذلك اعترض على تبني مجمع خلقيدونية لتعبير ’هيبوستاسيس واحد‘. فكتب له ثيؤدوريت خطاباً جاء فيه:

“ومن هنا فإن أولئك الذين أشاروا إلى طبيعتين، (قد أكدوا) الاتحاد غير المختلط. ومن الواضح أيضاً أنهم لم يأخذوا تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ بمعنى الجوهر (الأوسيا) ولا بمعنى الطبيعة (الفيزيس)، ولكن بمعنى البروسوبون”. وفي فقرة ثانية كتب ثيؤدوريت: “وهكذا أكد المجمع المقدس على تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘، ولكنه ـ كما قلت ـ لم يأخذ كلمة ’هيبوستاسيس‘ بمعنى ’الطبيعة‘ ولكن بمعنى ’البروسوبون‘، وهذا يتضح من تعريف الإيمان لأن ’بروسوبون‘ و’هيبوستاسيس‘ هما مصطلحان شقيقان”.[28]

ويذكر البطريرك ساويروس أن “طومس ليو قد أشار إلى ’الإتحاد‘ ثلاث مرات، ولكنه لم يصون في أي مرة منها المعنى الذي يفيد الاتحاد الهيبوستاسي أو أن الطبيعتين الإلهية والبشرية قد إنجمعا معاً في وحدة، ولم يقر الطومس إلا بالاتحاد في (نطاق) البروسوبون فقط.[29] ومن الواضح على أية حال أن طومس ليو لم يُظهر فهمه للإتحاد الهيبوستاسي، وبالتالي ناقض التقليد العقائدي للكنيسة.

وارتكب مجمع خلقيدونية نفس الخطأ، لأنه من غير الممكن تبرير استخدامه لعبارة ’في طبيعتين‘ لا في ضوء التقليد ولا في ضوء المبادئ اللاهوتية المستقرة.

ولم تكن حجج البطريرك ساويروس التي ساقها ضد مجمع خلقيدونية ـ كما ذكرنا قبلاً ـ هي نتيجة تمسكه بهرطقة ’المنوفيزايت‘ (أو هرطقة الطبيعة الوحيدة)، ولكن أي واحد في القرنين الخامس والسادس من الذين تربوا على التقليد السكندري ـ وغير منساق في الدفاع عن مجمع خلقيدونية ـ كان يستطيع أن يتبنى بسهولة نفس وجهة النظر التي تمسك بها البطريرك ساويروس.

(هـ) القادة غير الخلقيدونيين الآخرين:

وبعد عصر البطريرك ساويروس وحدوث الانقسام الدائم بين الخلقيدونيين وغير الخلقيدونيين، صدرت سلسلة من الوثائق من جانب غير الخلقيدونيين.[30] ونجد أنه في جميع تلك الوثائق، حينما كانت تأتي الإشارة إلى مجمع خلقيدونية، كان أحد أسباب رفض المجمع التي يذكرها الشخص أو المجموعة أن المجمع تعدى تقليد الكنيسة الثابت. وكان الدليل الذي يُذكر على ذلك هو تبني عبارة ’في طبيعتين‘ وطومس ليو الذي أعلنه المجمع كوثيقة للإيمان.

(و) بعض الملاحظات الختامية:

إن الفحص الدقيق للشروح اللاهوتية وتصريحات الإيمان التي أصدرها القادة غير الخلقيدونيين منذ وقت مجمع خلقيدونية، يُظهر بوضوح الحقائق التالية:

  • لا يمكن لأي ناقد أن يشير إلى فقرة واحدة في الإنتاج الضخم لغير الخلقيدونيين، ويثبت من خلالها أنه في وقت ما كان هناك واحد من القادة ـ الذين يعتبرهم التقليد غير الخلقيدوني لاهوتيين وآباء للكنيسة ـ قد انتقد مجمع خلقيدونية بسبب تأكيد المجمع على كمال وحقيقة ناسوت المسيح.

     

  • لقد عارض القادة غير الخلقيدونيين عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ بسبب خوفهم الصادق من كونها عبارة غير كافية لتأكيد وحدة المسيح.
  • لم يزد اعتراض غير الخلقيدونيين عن مجرد طلب تعديل في الصياغة العقائدية التي تبناها مجمع خلقيدونية. ولكن لا القوى التي سيطرت على المجمع، ولا القيادة الخلقيدونية بعد ذلك، أظهرت من طول الأناة ما يسمح بالاستماع لما تعين على غير الخلقيدونيين أن يقولوه ثم اقتراح طريقة لعلاج انقسام الكنيسة.

     

  • وأمام النقد الذي واجهه الخلقيدونيون من معارضيهم، شرعوا في إعطاء تفسير لعبارة’في طبيعتين‘، وأوضحوا أن تلك العبارة إنما تؤكد: الاستمرار الديناميكي للطبيعتين ـ مع كمال وحقيقة وسلامة خواصهما وملكاتهما ـ في المسيح الواحد بغير اختلاط. وحيث إن هذا التفسير كان هو نفس الموقف الذي طالما أكده الجانب غير الخلقيدوني، فلم يرى القادة غير الخلقيدونيين أي داعٍ لعبارة ’في طبيعتين‘ التي وضعها المجمع.

3. الاعتراضات الأخرى على المجمع:

أما الأسباب الأخرى التي أشار إليها الجانب غير الخلقيدوني في رفضه لمجمع خلقيدونية، فكانت تؤخذ في الأغلب كدليل إضافي يؤيد حجتهم في أن المجمع كان مخطئاً بالفعل ومتسرعاً في قراراته. وكانت هذه الأسباب تدور حول:

– قبول المجمع لطومس ليو

– صياغة المجمع لتعريف (جديد) للإيمان

– تبرئة المجمع لثيؤدوريت أسقف قورش وإيباس

وقد قام الجانب الخلقيدوني بالتسليم ضمنياً بقناعته بكل تلك الاعتراضات، فعلى سبيل المثال أدى التفسير الذي قدَّمه الجانب الخلقيدوني لعبارة ’في طبيعتين‘، إلى توضيح المعنى الذي يجب أن يؤخذ عليه طومس ليو. كما أظهرت حقيقة كون الجانب الخلقيدوني لم يحاول على الإطلاق استبدال قانون إيمان نيقية بصيغة مجمع خلقيدونية، أن خوف الجانب غير الخلقيدوني في هذا الشأن لا ينبغي أن يدوم.

هذا بالإضافة إلى أن قرار مجمع عام 553م بخصوص ’الثلاثة فصول‘، كان إقراراً واضحاً بأن مجمع عام 451م قد ارتكب خطأ في قضية ثيؤدوريت وإيباس. ولو كان الجانب الخلقيدوني والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية، مستعدون فقط للاعتراف صراحة بأن مجمع خلقيدونية يحتاج إلى مراجعة، لكان من الممكن لتاريخ الكنيسة في الشرق أن يكون مختلفاً.

[1]  Contra Grammaticum, op. cit., III, p. 12.

[2]  يشير البطريرك ساويروس إلى التعبيرات غير المحددة التي استخدمها الآباء أمثال ق. أثناسيوس وق. غريغوريوس النزينزي وحتى ق. كيرلس قبل إندلاع الجدل النسطوري. انظر:

(Severi Antiocheni Orationes ad Nephalium, C. S. C. O. Tomus VII, ed. J. Lebon, 1949, Syriac, pp. 3f and Contra Grammaticum, op. cit., III, pp. 1f).

[3]  هذه النقطة يكررها البطريرك ساويروس بإستمرار في كل كتاباته تقريباً التي تتعرض لهذا الموضوع.

[4]  يرى الباحثون المعاصرون أن الفقرات التى اقتبسها البطريرك ساويروس والقادة غير الخلقيدونيين الآخرين هي من مصادر أبولينارية ملفقة. وهذا الأمر لم نتجاهله هنا، ويمكن الرجوع إلى تعليقاتنا عليه في صفحة 350 وما يليها.

[5]  Philalethes, op. cit., p. 137.

[6]  Ad Nephalium, op. cit., p. 83.

*  انظر نفس هذا المفهوم عند ق. كيرلس في الحاشية صفحة 507.

[7]  للرجوع إلى مناقشة حول الكتاب الخلقيدوني وكتاب ساويروس ’محب الحق‘، انظر:

(R.V. Sellers, The Council of Chalcedon, op. cit., pp. 284f, with the notes).

[8] النسخة السريانية لكتاب ’محب الحق‘ (Philalethes) التي نُشرت في (C. S. C. O.) غير كاملة، حيث إنها تفتقد لأجزاء عديدة منه.

[9] وهذا يُظهر أنه كان يتم الدفاع عن مجمع خلقيدونية من خلال تحريف موقف منتقديه.

[10] Philalethes, op. cit., p. 187.

[11]  لقد كرر البطريرك ساويروس هذه النقطة مراراً، ففي كتابه ’محب الحق‘ على سبيل المثال، وبعد شرحه لعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، كتب البطريرك ساويروس: “وهذا يدل على الوحدة غير المنقسمة، لأن الجسد استمر على ما هو عليه بدون أن يتحول إلى طبيعة الكلمة؛ ولا تغيرت طبيعة الكلمة إلى الجسد، ولكن التجسد حدث حقاً بدون أي تغيير أو خيالية”. (المرجع السابق صفحة 133).

وفي كتابه ’ضد النحوي‘ حينما كان يناقش معنى مصطلحي ’هيبوستاسيس‘ و’بروسوبون‘، وبعد إشارته إلى تشبيه ’الجسد – الروح‘، كتب البطريرك ساويروس: “وبنفس الأسلوب، من اللاهوت والناسوت، أي من الجسد البشري المحيَّ بنفس عاقلة، وكل (منهما) بكماله وحسب أصل مبدأه، فإن عمانوئيل هو ’بروسوبون‘ واحد من خلال الوجود المتزامن لكليهما في الإتحاد بدون تغيير أو اختلاط”. (مرجع سابق، 1: صفحة 77).

[12]  ينبغي أن نتذكر أن جهود المؤيدين لخلقيدونية في القرن السادس من أجل الدفاع عن مجمع عام 451م، كانت ترتكز على الإدعاء بأن مجمع خلقيدونية قد تبنى نفس تعليم ق. كيرلس الذي كان قد استبق المجمع بهذا التعليم.

[13]  لقد شكا البطريرك ساويروس “أن مؤلف الكتاب قد شوّه بمكر كلمات ق. كيرلس، حيث قام في بعض المواقف بإضافة أشياء وفي البعض الآخر بحذف أشياء أخرى”. انظر:

(Philalethes, op. cit., p. 129)

[14] ناقش البطريرك ساويروس مسألة إعادة الوحدة عام 433م بالتفصيل في كتابيه ’محب الحق‘ و’ضد النحوي‘، وأشار إلى رسائل البابا كيرلس إلى أكاكيوس أسقف ميليتين وفالريان أسقف إيقونيوم وسكسينسوس أسقف ديوقيصرية. انظر:

(Philalethes, pp. 197f, and Contra Grammaticum, II, pp. 10f) 

[15]  للرجوع إلى هذا الموضوع انظر صفحة 36 وما يليها. وقد اقتبس البطريرك ساويروس الفقرة محل التساؤل في كتاب ’محب الحق‘ صفحة 201 وفي كتاب ’ضد النحوي‘ 2: صفحة 33.

[16] Philalethes, op. cit., pp. 200-201.

[17]  كتب البطريرك ساويروس: “إن عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ تعني بالنسبة للمتمسكين بها أن الإنسان قد تكوَّن بنفسه أولاً في الرحم، ثم سكنه الكلمة فيما بعد. وهم يصفون هذه السكنى  بكلمة ’الاتحاد‘، وطبقا لهذا هم ينسبون طبيعتين لعمانوئيل، ويستخدمون عبارة “طبيعتين بعد الإتحاد” للتعبير عن ذلك”. انظر: (Philalethes, op. cit., p. 138).

[18]  ولم تكن نظرة البطريرك ساويروس للموقف الأنطاكي ـ كما سنرى ـ نظرة خاطئة.

[19] Philalethes, p. 140 and Contra Grammaticum, I, p. 182.

*   يشير ديودور في هذه العبارة إلى (عب 7: 7 – 10)، حيث قيل أن لاوي قبل ولادته كان له نفس وضعه الذي ناله فيما بعد، لأنه أُعتبر أنه كان في صلب أبيه إبراهيم حتى قبل الولادة.

[20] Philalethes, p. 140.

[21] Contra Grammaticum, I, pp. 134-135.

[22] Philalethes, pp. 140-141.

[23]  المرجع السابق صفحة 148-149.

[24]  يؤكد البطريرك ساويروس أنه إذا أُخذ تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ الذي ورد في تعريف الإيمان الخلقيدوني بمعنى ’بروسوبون واحد‘، فلن يكون هناك عندئذ أي شيء يمكن أن يرفضه نسطوريوس.

[25] Contra Grammaticum, I, pp. 118f.

اقتبس البطريرك ساويروس قول نسطوريوس: “أنا أجسد الكنيسة، وأتحدث عن نفس الشيء لكل واحد. أنا، المسيح، إله كامل وإنسان كامل، ليس كطبيعتين مختلطتين الواحدة مع الأخرى، ولكن كطبيعتين متحدتين”. (ص 119).

[26] هذا التأكيد كان البطريرك ساويروس قد شدد عليه في أماكن عديدة. انظر على سبيل المثال: (Contra Grammaticum, I, pp. 178f)

[27]  للإطلاع على إشارة البطريرك ساويروس للخطاب انظر: (Philalethes, pp. 177-78).

[28]  يشير سيلرز إلى خطاب ثيؤدوريت إلى يوحنا أسقف (Agae)، في كتابه:

(The Council of Chalcedon, op. cit., p. 213, n. 2).

وقد علق بأن ثيؤدوريت حاول أن يقنع يوحنا بأن مصطلح ’هيبوستاسيس واحد‘ الخلقيدوني لم يعني ’جوهر واحد‘ (one substantia)، ولكن سيلرز مع ذلك لم يبين ماذا كان يعني هذا المصطلح عند أسقف قورش. ويرى شارلز موللر أن محاولة ثيؤدوريت لجعل معنى ’هيبوستاسيس‘ يتوازى مع معنى ’بروسوبون‘ هي مساهمة لاهوتية منه. انظر: (Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., I, p. 658)

[29] Contra Grammaticum, I, p. 294.

[30]  عدد كبير من هذه الوثائق تضمنته أعمال ’زكريا الخطيب‘، و’يوحنا أسقف أفسس‘، و’ميخائيل السرياني‘. وقد ذكرنا العديد منها في دراستنا الحالية.

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج2

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج1

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج1

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثاني: الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج2

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

إن الحقيقة التي لا تقبل الشك هي أن مجمع خلقيدونية كان قد فُرض على المجتمعات المسيحية الرافضة في الشرق بشكل جعل لمعارضي المجمع ما يكفي من الأسباب لكي يشعروا بعدم الرضا التام تجاهه، ولكن الاعتراض الفعلي على المجمع ـ كما ذكر المعارضون له ـ لم يكن نتيجة ذلك فحسب، ولكنه كان في الحقيقة بسبب عوائق لاهوتية.

ومن الضروري في فحصنا لوجهة نظر المعارضين للمجمع، أن نبحث بالفعل إذا كانوا قد قاموا في أي وقت بانتقاد المجمع من منطلق هرطقة المونوفيزايت أي ’هرطقة الطبيعة الوحيدة‘. ولهذا الأمر أهمية قصوى في ضوء حقيقة أنه حتى العلماء الذين أقروا بأرثوذكسية الفكر اللاهوتي للمعارضين للمجمع، قد أُقنعوا (رغم ما أقروا به) باعتبار المعارضين للمجمع مونوفيزايت (Monophysite).[1]

ومن هنا يتعين علينا أن نطرح السؤال التالي: هل في أي وقت ما، قام أي واحد من المعارضين لمجمع خلقيدونية ـ من الذين اعترف بهم التقليد الكنسي غير الخلقيدوني كلاهوتيين وآباء للكنيسة[2] ـ بإظهار أدني ميل نحو الموقف الذي يتجاهل حقيقة أو كمال بشرية المسيح أو سمتها الديناميكية، أو أي مَلَكَة أو خاصية لناسوته؟.

وعلى نفس القدر من الأهمية يأتي السؤال التالي: ما هو بالضبط الخلل أو النقص اللاهوتي الذي رآه المعارضون، في الموقف العقائدي الذي تبناه مجمع خلقيدونية؟ وهل كان اعتراضهم هذا بغير أساسٍ تماماً؟

ومن الجدير بالذكر أن القادة غير الخلقيدونيين كانوا قد أثاروا بالإجمال خمسة اعتراضات على مجمع خلقيدونية، وكان الاعتراض المركزي فيها هو تقنين المجمع لعبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ من خلال استخدامه لتعبير “يُعتَرف به في طبيعتين” داخل الصيغة العقائدية للمجمع.

 

2. تعبير ’طبيعتين بعد الإتحاد‘:

لقد كان هناك اعتراض دائم من جميع قادة الحركة غير الخلقيدونية على القول بأن المسيح هو ’طبيعتين بعد الإتحاد‘، وأصروا كلهم على أن نسطوريوس نفسه أُدين في مجمع أفسس عام 431م  بسبب هذا الادعاء ذاته. وستتضح لنا هذه النقطة عندما نستعرض باختصار بعضاً من كتابات أولئك القادة:

 

(أ) البابا تيموثاؤس إيلوروس:

قام البابا تيموثاؤس إيلوروس، خليفة البابا ديسقوروس، بإرسال خطاب إلى الإمبراطور ليو يذكر فيه اعتراضاته على مجمع خلقيدونية وطومس ليو.[3] وبالنسبة للطومس، دفع البابا تيموثاؤس بأن الأفكار التي تضمَّنها الطومس تشبه إلى حد بعيد التعاليم المدانة لنسطوريوس، لأنه مزَّق وقسَّم التجسد “إلى طبيعتين، وشخصين، وخواصين، واسمين، وفعلين، ونسب كلمات الأسفار المقدسة إلى اثنين”.

ولم يكن هذا هو التقليد الذي حفظه الآباء الثلاثمائة والثمانية عشر في قانون الإيمان، ولكن آباء نيقية أكدوا ـ على العكس من ذلك ـ أن ابن الله الوحيد ” الذي له ذات الطبيعة الواحدة مع أبيه، نزل (من السماء) وتجسد وتأنس؛ وأنه تألم وقام ثانية وصعد إلى السموات؛ وأنه سيأتي ليدين الأحياء والأموات”.

وأكد البابا تيموثاؤس أن آباء نيقية لم يذكروا في صيغة الإيمان “طبيعتين أو شخصين أو فعلين؛ ولا قاموا بأي تقسيم. بل اعترفوا أنه في التجسد كانت كلا الأشياء الإلهية والبشرية هي لـ (المسيح) الواحد”. وبالنسبة لمجمع خلقيدونية أيضاً، أخبر البابا تيموثاؤس الإمبراطور في خطابه بأنه لن يقبل هذا المجمع لأنه يجد أن قراراته تنطوي على وجود تقسيم وفصل في تدبير تجسد ربنا.

وفي تقييمنا للنقد الذي قدَّمه البابا تيموثاؤس، يمكننا أن نتفق مع العلماء الخلقيدونيين على أن الجانب الخلقيدوني لم يأخذ لا طومس ليو ولا تعريف الإيمان الخاص بالمجمع بنفس المعنى الذي كان يراه فيهما البابا تيموثاؤس.

ولكن بعيداً عن هذا الأمر، كل ما يعنينا هنا هو ملاحظة أن البابا تيموثاؤس لم يكن يعترض على مجمع عام 451م بسبب تأكيد المجمع على كمال بشرية المسيح، ولكن كانت وجهة نظره أن عبارة ’في طبيعتين‘ التي أخذها المجمع من طومس ليو لا تستطيع أن تعبِّر عن وحدة المسيح بأي شكل حقيقي.

وكان هذا هو نفس المفهوم الذي شدَّد عليه البابا تيموثاؤس في تفنيده لمجمع خلقيدونية، حيث أكَّد ـ كما ذكر سيلرز[4] ـ  أن عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ التي تبناها المجمع، كانت هي ذات تعليم نسطوريوس، الذي بسبب تمسكه بذلك التعليم أُدين في مجمع أفسس عام 431م. وعلى الرغم من أن سيلرز تغاضى عن هذه الحجة كما لو كانت بلا سند، إلا أننا ينبغي أن نوليها عناية أكبر ونرى إذا كانت غير مقنعة (كما يرى سيلرز) أم أن لها بالفعل ما يؤيدها.

ومن أجل ذلك يتعين علينا أن نسترجع الحجج التي جاءت في رسالة البابا كيرلس الثانية إلى نسطوريوس، ومن أهم النقاط التي جاءت في تلك الوثيقة أن ’الاتحاد البروسوبي‘ الأنطاكي ليس كافياً ولا مرضياً، وهذه النقطة بلا شك تتضمَّن رفضاً لمفهوم ’طبيعتين بعد الإتحاد‘. ومن الجدير بالذكر أن رسالة ق. كيرلس الثانية إلى نسطوريوس كان قد أُعلن عن قبولها رسمياً (في الكنيسة) حتى من قبل الجانب الأنطاكي نفسه. ومن هنا يتضح أنه في السياق التاريخي لمجمع خلقيدونية، لا يقدر أحد أن يعترف رسمياً بـ ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ ويظل يزعم تواصله مع تقليد الكنيسة الراسخ.

 

(ب) مار فيلوكسينوس أسقف منبج:

كان مار فيلوكسينوس أسقف منبج (Mabbogh) الذي رقد في عام 523م، قد أخذ نفس الفكرة التي شدد عليها البابا تيموثاؤس إيلوروس وطورها، فقد نظر إلى ’الطبيعة‘ على أنها كيان ذاتي مستقل،[5] وبالتالي فإذا اعترفنا أن المسيح هو ’طبيعتين‘، من الممكن أن يعني أنه كيانان واقعيان اتحدا في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘، وهذا هو فكر نسطوري بحت.

وكانت المدرسة النسطورية تؤمن أن الله الابن صار متحداً مع طبيعة أخرى،[6] ووفقاً لذلك يرفض رجال التقليد الأنطاكي إطلاق لقب والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ على العذراء مريم، ويتكلمون عن ’طبيعتين بعد الاتحاد‘. وقد عارض مار فيلوكسينوس وجهة النظر هذه مؤكداً أن الكنيسة تعترف أن ابن الله ـ الذي هو إله كامل له ذات الجوهر الواحد مع الله الآب ـ صار إنساناً من الأم العذراء حسب التدبير الذي اتخذه من أجل خلاص الجنس البشري.

وحيث إن الناسوت لم يتكون في الرحم مستقلاً (بعيداً) عن الاتحاد مع الله الابن، فهو ليس طبيعة موازية للطبيعة الإلهية، ولهذا فإن مريم هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘. وعندما صار الله الابن إنساناً بهذه الطريقة، فقد ظل كما هو قبل وبعد التجسد.[7] وقد صار إنساناً حقيقياً وكاملاً من رحم العذراء بدون أن يتحول أي من اللاهوت أو الناسوت أحدهما إلى الآخر.[8]

كما أكد مار فيلوكسينوس أنه لو كان المسيح طبيعتين، لما كان هو الله الابن المتجسد، ولكن فقط الله الابن الساكن في إنسان.[9] وكان التجسد يعني بالنسبة لمار فيلوكسينوس أن نفس الشخص هو إله وإنسان في آنٍ واحد.[10] وهذا الذي هو إله وإنسان في آنٍ واحد ليس هو شخصين أو طبيعتين، لأن العلاقة بين اللاهوت والناسوت في المسيح لا تشبه علاقة الصداقة التي تربط بين رجلين معاً. والتجسد في الحقيقة فريد للغاية حتى أنه لا يوجد أي مثال يمكننا أن نقدِّمه لكي يشرح التجسد إلاّ مثال علاقة الجسد بالروح في الإنسان.

وبتحديد أكثر، كان مار فيلوكسينوس ـ مثل البطريرك ساويروس الأنطاكي ـ يرى أن تعبير ’في طبيعتين‘ يحمل ضمنياً فكرة أن كائن بشري واقعي (مستقل) قد تكوَّن بذاته أولاً في رحم العذراء، ثم اتخذه الله الابن لنفسه فيما بعد، وحيث إن هذا المفهوم لا يؤكد حقيقة التجسد،فقد رفضه مار فيلوكسينوس تماماً باعتباره ضد تعليم الآباء.

وفي إنكاره لهذا الفكر أوضح أسقف منبج أنه لا يعترض على تأكيد كمال وحقيقة ناسوت المسيح، بل أكد في الحقيقة بتعبيرات جلية ـ كما سنرى ـ على الطابع الحقيقي للناسوت، وعلى الخزي والألم والموت الذي تحمله المسيح. وهكذا لم يكن اعتراض مار فيلوكسينوس على عبارة ’في طبيعتين‘ هو بسبب عدم رغبته في تأكيد حقيقة الناسوت، كما لم يكن رفضه لقبول مجمع خلقيدونية ناتج عن تمسكه بهرطقة ’الطبيعة الوحيدة (مونوفيزيتيزم)‘.[11]

وحينما أكد مار فيلوكسينوس أن الكلمة صار جسداً بدون أي تغيير وأنه ظل كما هو قبل وبعد التجسد، ميَّز أسقف منبج ـ كما فعل البطريرك ساويروس الأنطاكي أيضاً ـ بين الكلمة قبل والكلمة في التجسد، فقد أقر مار فيلوكسينوس أن الكلمة قبل التجسد كان بغير جسد، بسيط، غير مرئي، وفوق كل إدراك حسي؛ ولكنه في التجسد صار ملموساً ومركباً ومتحداً بجسد،[12] وكان الجسد عند مار فيلوكسينوس يعني ’إنساناً كاملاً‘.[13]

ويأسف أندريه[14] (Andre de Halleux) لأن مار فيلوكسينوس رفض الإقرار بوجود بعض الأمور المشتركة بين موقفه اللاهوتي وبين مجمع خلقيدونية. ورغم أننا نتفق مع هذا الرأي إلاّ أنه ينبغي علينا أن نشير إلى أن رفض محاولة فهم موقف الجانب الآخر كان أمراً متبادلاً من كلا الطرفين.

ونستطيع في الواقع أن نجد اتفاق حقيقي بين مار فيلوكسينوس وحتى البابا ليو بالنسبة لشرح علاقة التجسد بالأسرار، لأن كل منهما يقر بأن حقيقة ناسوت المسيح هي أمر أساسي ولا غنى عنه لأجل خلاصنا، ولكن الأمر الذي يفترقان فيه يتصل فقط بوحدة المسيح، فأسقف منبج لم يكن مقتنعاً أن الصورة التي عبَّر بها البابا ليو عن وحدة المسيح كانت كافية أو مرضية، أو أنها تتطابق مع التقليد الذي قدَّمه الآباء في مواجهة النسطورية.

وبالتالي لم تكن مشكلة خلقيدونية تكمن في أن معارضي المجمع رفضوا الاعتراف بوجود اتفاق أساسي بين موقفهم اللاهوتي وبين موقف المجمع، ولكن المشكلة تمثلت في أن كل جانب من الجانبين لم يكن يرغب في الاستماع للآخر بصبر، ويقر بوجود اتفاق فيما بينهما في بعض الأمور. وينبغي علينا في هذا الصدد أن نوضح أن الجانب الخلقيدوني، باعتباره الجانب الأقوى والمسانَد حكومياً، كان هو الذي يتحتم عليه أن يُظهر قدراً أكبر من رحابة الصدر تجاه معارضيه الذين لديهم صعوبات حقيقية مع وجهة نظر المجمع.

 

(ج) قادة الحركة غير الخلقيدونية في عام 531م:

كان الإمبراطور جوستينيان ـ كما ذكرنا فيما قبل[15] ـ قد عقد سلسلة من المشاورات مع رجال من الجانب غير الخلقيدوني بين عامي 531م و 532م. وعند وصول هؤلاء الرجال إلى القسطنطينية قدَّموا إلى الإمبراطور اعترافاً للإيمان[16] احتوى بالفعل على نفس النقاط التي ذكرها البابا تيموثاؤس إيلوروس ومار فيلوكسينوس في كتاباتهما.

وقد جاء في ذلك الاعتراف أن إصرار مجمع خلقيدونية ـ معتمداً على مرجعية طومس ليو ـ بأن المسيح يُعترف به ’في طبيعتين‘ إنما يُشكِّل انتهاكاً للإيمان النيقاوي في كونه لم يحافظ على تأكيد وحدة المسيح،  فآباء مجمع نيقية اعترفوا أن الله الابن صار متجسداً، مما يعني أن ذاك الذي كان منذ الأزل ’بسيطاً‘ قد أصبح ’مركباً‘ حيث وحَّد بذاته جسداً ممنوحاً روحاً عاقلة.

ولا تعتبر عبارة مجمع خلقيدونية ’في طبيعتين‘ أنها كافية للإقرار بهذا الفهم عن يسوع المسيح، ومن هنا يكون مجمع خلقيدونية قد تعدى على إيمان الكنيسة.

ومن الجدير بالذكر أن السبب الذي عبَّر عنه هؤلاء الرجال بوضوح في انتقادهم لمجمع خلقيدونية، لم يكن هو أن لديهم شكوك حول ما أكده المجمع عن حقيقة وكمال ناسوت المسيح، ولكن السبب هو أن هؤلاء القادة لم يكونوا مقتنعين أن المجمع قد أكد على وحدة ربنا بصورة مرضية وكافية. وبعبارة أخرى لم تكن هرطقة ’الطبيعة الوحيدة (المونوفيزيتيزم)‘ هي أساسهم في معارضتهم لمجمع خلقيدونية.

 

[1]   ويذكر أندريه (Andre de Halleux) في دراسته عن مار فيلوكسنوس الأسباب التي جعلته يقول عن مار فيلوكسينوس أنه مونوفيزايت (أي من أصحاب الطبيعة الوحيدة). للرجوع إلى تعليقاتنا على هذه النظرة، انظر صفحة 559 وما يليها.

[2]   ينبغي التأكيد على هذه النقطة في مواجهة ميل الكتاب الموالين لخلقيدونية ـ على الأقل منذ عهد يوحنا الدمشقي ـ لأن يضموا معاً كل الذين رفضوا مجمع خلقيدونية بإعتبارهم متمسكين بهرطقة ’الطبيعة الوحيدة‘ بدرجات متفاوتة.

[3] للإطلاع على الخطاب انظر (Zacharia, op. cit., I, pp. 175-178)

[4] The Council of Chalcedon, op. cit., p. 262.

[5]   على خلاف البطريرك ساويروس لم يقدِّم مار فيلوكسينوس تعريفاً للمصطلحات التي استخدمها. وقد أكد مع ذلك على أن الله الابن صار إنساناً حقيقياً وكاملاً، ولكنه لم يتخذ طبيعة أخرى أو شخصاً آخر. انظر:

(Philoxeni Mabbugensis, Tractatus Tres De Trinitate Et Incarnatione, C. S. C. O. vol. 9, ed. A. Vaschalde, 1961, pp. 181 – 182)

وقد أخذ أندريه هذه العبارة كدليل على تمسك مار فيلوكسينوس بهرطقة الطبيعة الوحيدة، ولكن الحقيقة كما رأينا هي أن مصطلح ’طبيعة‘ عند مار فيلوكسينوس كان يعني كائن محدد.

[6]   كان واحد من إعتراضات مار فيلوكسينوس المتكررة على الهرطقة النسطورية هو أنها تتمسك بأن الناسوت قد تكون بذاته (مستقلاً) في رحم العذراء، ثم اتخذه الله الابن بعد ذلك. وهنا يرى مار فيلوكسينوس أن هذا التعليم يتضمن وجود طبيعتين وشخصين هما الله الابن والإنسان يسوع.

[7]   يقول مار فيلوكسينوس: “إن الكلمة ظل هو نفسه سواء قبل أو بعد التجسد”. انظر (مرجع سابق، صفحة 44-45).

[8]   يؤكد مار فيلوكسينوس: “نحن نؤمن أن الكلمة صار جسداً، وأن الكلمة لم يتحول إلى جسد، ولا تحول الجسد إلى الكلمة”. انظر (المرجع السابق، صفحة 46).

[9]   يقول مار فيلوكسينوس: “ولم يكن الأمر أن الكلمة سكن في إنسان ـ كما يثرثرون ـ ولكنه يسكن فينا نحن البشر بمعنى (أنه أخذ) طبيعتنا (البشرية) المشتركة وليس إنساناً واحداً محدداً. وسكنى الله في الأفراد كانت تحدث على الدوام كما في حالة في الأنبياء والقديسين”. (المرجع السابق، صفحة 168). ويبدو أنه إعتماداً على هذه الفقرة وما يشابهها، رأى أندريه أن مار فيلوكسينوس لم يكن يفهم أن ناسوت المسيح هو (كيان) محدد. (انظر مرجع سابق صفحة 375 وصفحة 420).

ولكن هذه النظرة لم تكن في الحقيقة نظرة سليمة، لأن مار فيلوكسينوس لم يكن يرفض الوجود المتفرد (المحدد) لناسوت المسيح، ولكنه كان فقط يرفض فكرة أن الناسوت قد تكوَّن كشخص محدد بعيداً (أو مستقلاً) عن التجسد. وكان هذا الموقف يؤكده كلا الجانبان الخلقيدوني وغير الخلقيدوني في الشرق.

[10] يؤكد مار فيلوكسينوس أن: “الذي هو واحد مع الآب في الجوهر، قد صار هو نفسه واحداً معنا في الجوهر من خلال التجسد”. (Tractatus….,op. cit., p. 131). وهكذا فإن يسوع المسيح هو الله وإنسان في آن واحد.

[11] يقول مار فيلوكسينوس: “فإن لم يكن قد صار إنساناً قبل أي شيء، فما كانت هناك إمكانية له لأن يموت، لأن الله روح ولا يجتاز الموت”. (Tractatus…. Ibid., p. 98). وعلينا أن نتذكر هنا أن القضاء على الموت بالنسبة لمار فيلوكسينوس كان هو الهدف المحوري للتجسد. ولهذا فإذا لم يكن الناسوت حقيقياً وديناميكياً فما كان من الممكن ليسوع المسيح أن يكمل رسالة حياته الأرضية. والواقع أن هذا المفهوم لا يمكن أن يصدر من شخص يؤمن بهرطقة ’الطبيعة الوحيدة‘.

[12] Philoxenos, Tractatus…. Op. cit., p. 52.

[13] يقول مار فيلوكسينوس: “لأنه مكتوب، أن الكلمة صار جسداً، والذي يعني إنساناً كاملاً” (المرجع السابق صفحة 39). فإذا كان تعبير جريلماير عن ’خريستولوجي (الكلمة – جسد)‘ يهدف إلى تجاهل هذا المفهوم (الذي ذكره مار فيلوكسينوس)، فإن نظريته ستكون بالتأكيد موضع شك.

[14] Andre de Halleux, op. cit., p. 514.

[15] انظر صفحة 257 وما يليها.

[16] للإطلاع على ملخص للاعتراف الذي قدَّمه هؤلاء الرجال إلى الإمبراطور انظر:

(Zacharia, op. cit., II, pp. 115-123)

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج1

تعاليم البابا ديسقوروس الخريستولوجية

تعاليم البابا ديسقوروس الخريستولوجية

تعاليم البابا ديسقوروس الخريستولوجية

تعاليم البابا ديسقوروس

يحتفظ لنا زكريا ’الخطيب‘ (Rhetor) بقصة عن البابا ديسقوروس ملخصها أن يوحنا رئيس موظفي البوابة (silentarii) * حاول أن يقنع البابا ديسقوروس بقبول تعريف الإيمان الخلقيدوني ليستعيد كرسيه مرة أخرى، ولكن البابا ديسقوروس أجابه بقوله “ليرى ديسقوروس يديه مقطوعة والدم يتساقط على تلك الورقة قبل أن يفعل ’شيئاً مثل هذا‘”.[1]

فهل كان هذا الرفض يعني أن البابا ديسقوروس يتمسك بأي من المواقف الإيمانية التي شجبها تعريف الإيمان الخلقيدوني؟. وكان تعريف الإيمان كما ذكرنا قد رفض خمسة مواقف (إيمانية)، فهل كان البابا ديسقوروس يتمسك بأي من تلك المواقف؟. وعلى الرغم من أن البابا ديسقوروس لم يترك لنا ورائه كثيراً من الكتابات، إلا أن لدينا ما يكفي من عباراته المكتوبة والمنطوقة[2] التي يمكننا الاعتماد عليها للتحقق من توجهه الفكري اللاهوتي.

 من الواضح أن البابا ديسقوروس كان يعارض عبارة “طبيعتين بعد الإتحاد” وكذلك عبارة “في طبيعتين”. وبالنسبة للأنطاكيين، كانت عبارة “طبيعتين بعد الإتحاد” تعبر عن مفهومهم أن الله الابن الهيبوستاسيس الأزلي، ويسوع الإنسان الهيبوستاسيس المخلوق، قد اتحدا في بروسوبون واحد، ومن المحتمل أن يكون البابا ديسقوروس والقادة الذين على شاكلته لم يروا غير تلك الفكرة عينها في عبارة “في طبيعتين”.

ولم يبرر مجمع خلقيدونية استخدامه لهذه العبارة الأخيرة بواسطة الحوار اللاهوتي حول القضية المثارة، ولكن كل ما فعله ـ كما رأينا ـ أنه أقحم تلك العبارة اعتماداً على مرجعية طومس ليو وتحت ذريعة الهرطقة الأوطيخية. ومن هنا نرى أن رفض البابا ديسقوروس لعبارة “في طبيعتين” لم يكن يتضمن أي مواقف إيمانية رفضها تعريف الإيمان الخلقيدوني، ولكنه فقط يتضمن طلب التعديل في صياغة التعريف.

وكانت العباراتان اللتان أقرهما البابا ديسقوروس هي عبارة “من طبيعتين” وعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، وبالإضافة إلى ذلك كان البابا ديسقوروس يستطيع أيضاً أن يؤكد مع مجمع خلقيدونية أن المسيح هو هيبوستاسيس واحد وبروسوبون واحد، وأن اتحاد الطبيعتين كان اتحاداً هيبوستاسياً.

وعلى الرغم من تمسك البابا ديسقوروس بعبارة “من طبيعتين”، إلا أنه لم يقر بعبارة “طبيعتين قبل وطبيعة واحدة بعد، الاتحاد” التي رأها كل من البابا ليو والبابا تيموثاؤس إيلوروس والبطريرك ساويروس الأنطاكي عند أوطيخا، لأن البابا ديسقوروس ـ كما ذكرنا[3] ـ قد أكد بوضوح أنه يقبل عبارة “من طبيعتين بعد الإتحاد”.

وهكذا كانت عبارة “من طبيعتين” تعني بالنسبة للبابا ديسقوروس الوجود المستمر للاهوت والناسوت في المسيح الواحد حتى بعد الإتحاد، وأنه لم تُفقد أو تضمحل إحدى الطبيعتين نتيجة للإتحاد، ولكن إتحادهما كان حميماً وحقيقياً جداً حتى إنه عند الإشارة إلى الرب المتجسد لا يكون صحيحاً أن نقول أنه يُعترف به كائناً “في طبيعتين” أو أنه “طبيعتين بعد الإتحاد”؛ ولكننا ينبغي فقط أن نقول عنه في كل لحظة من حياته أنه (أي المسيح) “من طبيعتين”. وهكذا كان المسيح بالنسبة للبابا ديسقوروس يتألف من طبيعتين.

وفي الواقع كانت النقطة الفاصلة بين البابا ديسقوروس ومجمع خلقيدونية تقع في حرفي الجر ’من‘ و ’في‘ (المستخدمين قبل لفظة طبيعتين)، فبينما أصر المجمع على استخدام حرف الجر ’في‘ لم يكن البابا ديسقوروس يقبل إلا حرف الجر ’من‘ فقط.

ولم يكن موقف البابا ديسقوروس هذا يتضمن أي تعليم خريستولوجي عن الامتصاص أو الابتلاع (أي ابتلاع الطبيعة البشرية في الطبيعة الإلهية)، لأن البابا ديسقوروس ـ كما ذكرنا سابقاً ـ أقر بصورة قاطعة في مجمع خلقيدونية أنه يعارض ’الاختلاط‘ و’الانقسام‘ و’التغيير‘ و’الامتزاج‘ (في اتحاد الطبيعتين)، وفي الحقيقة كان البابا ديسقوروس قد استبق تعريف الإيمان الخلقيدوني في ذكره لهذه الكلمات الأربعة الشهيرة.

ويتضح من كلمات البابا ديسقوروس هذه أنه في معارضته لعبارة “في طبيعتين” أو “طبيعتين بعد الإتحاد” لم يكن إهتمامه على الإطلاق أن يؤكد موقفاً لاهوتياً يتجاهل أو يقلل من كمال وحقيقة ناسوت المسيح.

وهناك عرض واضح لوجهة نظر البابا ديسقوروس بالنسبة لإعادة الوحدة عام 433م في خطاباته المرسلة إلى دُمنوس بطريرك أنطاكيا. ويُظهر البابا ديسقوروس في هذه الخطابات أنه يعتبر ’إعادة الوحدة‘ حدثاً تم بواسطته قبول الأنطاكيين غير المشروط لمجمع أفسس عام 431م وقراراته، وعلى هذا الأساس يناشد البابا ديسقوروس، بطريرك أنطاكيا أن يحترم بنود الاتفاق التي توصل إليها البابا كيرلس بطريرك السكندرية ويوحنا بطريرك أنطاكيا قبل إعادة الوحدة عام 433م.

وهذه في الحقيقة كانت وجهة النظر التي أكدها البابا ديسقوروس في مجمع عام 449م، وكان هذا هو موقف الجانب السكندري الذي ورثه البابا ديسقوروس ليس من أحد غير البابا كيرلس نفسه. وهكذا كان البابا ديسقوروس يقف على أسس راسخة في موقفه الذي اتخذه في النزاع مع الجانب الأنطاكي قبل مجمع عام 449م.

وفي معارضته لصيغة “طبيعتين بعد الإتحاد”[4] ذكر البابا ديسقوروس عبارة في مجمع خلقيدونية كنا قد أشرنا إليها من قبل،[5] إذ أكد أنه يعتمد (في اعتراضه) على تقليد الآباء. وقد علق العلماء المعاصرون* على هذه النقطة بأن الدليل الذي استشهد به البابا ديسقوروس (ليثبت أن اعتراضه مبني على تقليد الآباء) لم يكن مقتبساً من آباء أرثوذكس، ولكن من فقرات مأخوذة من اقتباسات أبولينارية.

وهنا ينبغي علينا أن نتذكر أنه لم يوجد أحد في خلقيدونية رد على البابا ديسقوروس بأن الكتابات التي ذكرها كانت كتابات هراطقة وليست من كتابات آباء الكنيسة. وعلاوة على ذلك كما ذكرنا، لم يكن اللاهوتيون السكندريون أمثال البابا كيرلس ـ الذين استعملوا هذه الاقتباسات بكثافة شديدة ـ يأخذون الأفكار المتضمنة فيها بأي معنى غير أرثوذكسي، هذا بالإضافة إلى أن البابا ديسقوروس لم يُتهم بهذه التهمة في أي وقت من الأوقات.

ومن هنا لا يمكننا إغفال العبارة التي قالها البابا ديسقوروس كأنها بلا قيمة، فقد أشار إلى تقليد يتعارض مع عبارة “طبيعتين بعد الإتحاد”، وكان هذا هو التقليد الذي نشأ فيه سائراً وراء سلفه الشهير (ق. كيرلس). وقد تجاهل العلماء المؤيدون لمجمع خلقيدونية هذه الحقيقة تماماً ، فنجد أن جريلماير على سبيل المثال يقول:[6]

“إن إجراءات ديسقوروس الاستبدادية قد حققت نجاحاً، ولكنه كان نجاحاً قصير الأمد. ولم يكن من الممكن التخلص من الارتباك الذي تسبب فيه إلاّ من خلال بيان صادر من الكنيسة كلها وبواسطة الجهود المشتركة للكنيسة والدولة. وجاءت الساعة حينما وجب على الكنيسة أن تنطق بالكلمة الحاسمة”.

وأمام هذه الرؤية، ينبغي على الإنسان أن يسأل: لماذا لم يقم أحد في مجمع خلقيدونية بالرد على النقاط التي قدمها البابا ديسقوروس؟ ولماذا تجنبت القوى المشتركة ’للكنيسة والدولة‘ أن تناقش موضوع الإيمان بصورة ملائمة في حضوره؟ وفي قولها ’للكلمة الحاسمة‘، لماذا كانت الكنيسة مضطرة لاستبعاد بطريرك الإسكندرية قبل النطق بها؟.

ومن هنا يُعد حكم جريلماير في هذه النقطة جهداً متحيزاً آخراً للدفاع عن مجمع خلقيدونية بدون مواجهة صادقة لحقيقة الأمر. وقد أنشأ الجانب الخلقيدوني في الشرق منذ القرن السادس ـ كما سنرى فيما بعد ـ تعليماً خريستولوجياً لم يكن بأي حال من الأحوال مختلفاً عن الموقف الذي حافظ عليه البابا ديسقوروس وخلفاؤه.

إذن فالحقيقة أن الدفــــاع عن مجمع خلقيدونية ـ الذي قام به العلماء أمثال جريلماير ـ لم يعتمد على تقييم صحيح للقضايا التي أثارها المعارضون للمجمع، ولا على ما قد حدث بالفعل في الثلاثة مجامع الكنسية أعوام 448م و449م و451م.

والسؤال الذي يتعين الإجابة عليه هنا هو: هل كان البابا ديسقوروس أو الجانب غير الخلقيدوني يرفض بالفعل المدلول الذي يراه العلماء المؤيدون لخلقيدونية في عبارة “في طبيعتين”؟.

وهذا المدلول بحسب جريلماير هو الحرص على تأمين مفهوم الاستمرار الديناميكي للطبيعتين في المسيح الواحد، فهل يوجد أي دليل على أنهم أخفقوا في الوصول إلى تأكيد هذه الحقيقة في أي وقت من الأوقات؟.

ولكي نجيب على هذا السؤال بالرجوع إلى البابا ديسقوروس، سننظر في خطابه إلى رهبان منطقة الدخيلة (Enaton)، حيث تضمن الأفكار التالية:

  • يسوع المسيح هو ابن الله الأزلي، وهو نفسه الإله الحقيقي في حالته المتجسدة. وقد كتب البابا ديسقوروس: “وأنا مدرك تماماً أنه مولود من الآب بكونه الله، وكذلك مولود من مريم بكونه إنسان”. ولذلك هو في نفس الوقت، واحد في الجوهر مع الله الآب وواحد في الجوهر معنا نحن البشر.

  • ومع ذلك، لا ينبغي أن تؤخذ الوحدانية المزدوجة في الجوهر على أنها تعني اضمحلال لاهوته، لأن الآباء “أبعدوا ـ عن الرجاء الذي للمسيحيين ـ أولئك الذين لا يعترفون بأن الله الكلمة له ذات الجوهر مع الله الآب لأنه صار له ذات الجوهر مع البشر”.

  • يسوع المسيح هو الله وإنسان في آنٍ واحد، ولذلك “رآه البشر يمشي على الأرض (بكونه إنسان)، ورأوه بكونه الله الخالق للأجناد السمائية. رأوه نائماً في السفينة كإنسان، ورأوه ماشياً على المياه كإله. رأوه جائعاً كإنسان، ورأوه يطعم (الآخرين) كإله…”.

  • وهذه الصورة المزدوجة لا تنطوي على تقسيم للمسيح الواحد إلى طبيعتين.

وإذا نظرنا إلى خطاب البابا ديسقوروس إلى سيكوندينوس (Secundinus) ـ الذي كتبه إليه من منفاه في غنغرا ـ سنجد أنه كان أيضاً قوياً جداً في تأكيده على حقيقة وكمال ناسوت المسيح. وقد أعلن البابا ديسقوروس فيه أن “لا أحد يمكنه أن يقول عن الجسد المقدس الذي أتخذه ربنا من العذراء مريم بالروح القدس ـ بطريقة لا يعلمها إلاّ هو وحده ـ أن هذا الجسد مختلف أو غريب عن جسدنا.

وحيث إنه كذلك، فإن الذين يقولون أن المسيح لم يصر متجسداً منا (أي من نفس جوهرنا) يكذبون بولس الرسول الذي أكد أنه لم يأخذ من الملائكة لكن من نسل إبراهيم”،[7] وتعلمنا الأسفار المقدسة أن مريم لم تكن غريبة عن نسل إبراهيم. واستمر البابا ديسقوروس يقتبس من الرسالة إلى العبرانيين حيث أكد إنه “كان من الضروري أنه في كل شيء ينبغي أن يكون مثل أخوته”، وذهب ليقول أن عبارة “في كل شيء” لم تستبعد أي جزء من طبيعتنا ليكون مفقوداً أو ناقصاً في المسيح.

ولذلك ذكر البابا ديسقوروس عدداً كبيراً من الأعضاء (البشرية) التي كانت لجسد ربنا، وأصر على أن “الجسد الحي الذي لفادينا ـ الذي وُلد من مريم بروح عاقل مفكر ـ قد أتى إلى الوجود بكل الأشياء التي تخص طبيعتنا، بدون زرع رجل”.[8]

ويتساءل البابا ديسقوروس: وإذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يكون أخاً لنا؟ وإذا اتخذ جسداً مختلفاً عن جسدنا، فكيف تكون كلماته ’أنا سوف أظهر اسمي لإخوتي‘ التي وجهها إلى أبيه صحيحة؟. وأكد البابا ديسقوروس أن الحق هو أنه افتقر لأجلنا ـ كما قال بولس ـ لكي ما نغتني بخزيه، وصار إنساناً بدون أن يتخلى عن طبيعته بكونه الله الابن.

وفي ضوء ما عرضناه من تعاليم البابا ديسقوروس التي قدمها بنفسه، نستطيع أن نقول بكل يقين أن البابا ديسقوروس أكد بوضوح على اتحاد طبيعتين في المسيح؛ اتحاد للاهوت ـ من خلال الله الابن ـ مع الناسوت. وأن الله الابن واحد في الجوهر مع الله الآب، كما أن الناسوت الذي وحده بنفسه هو واحد في الجوهر معنا وأنه أخذه ـ كما هو ـ من أمه العذراء.

وهو إتحاد بصورة لم ينتج عنها فقدان أو نقصان لأي طبيعة من الطبيعتين، ولم يسبب اختلاطاً أو امتزاجاً لهما؛ ولم يدع هذا الإتحاد أي طبيعة تتغير إلى الأخرى، كما لم يترك لأي من الطبيعتين أن توجد أو تعمل بذاتها منفصلة أو منقسمة عن الأخرى.

إذن كان هذا هو تعليم البابا ديسقوروس حسب الأدلة المتاحة، وبناءً على هذا التعليم نستطيع أن نقول بغير تحفظٍ أنه كان تلميذاً أميناً للبابا كيرلس السكندري، وأنه لم يكن يتمسك بأي من المواقف الخمسة (الإيمانية) التي أدانها تعريف الإيمان الخلقيدوني.[9]

كما أنه في رفضه الإقرار بعبارة “في طبيعتين” أو “طبيعتين بعد الإتحاد” لم يكن همه التأكيد على تعليم خريستولوجي عن الامتصاص أو الابتلاع (ابتلاع الطبيعة البشرية في الطبيعة الإلهية)، ولكن على العكس كان همه استبعاد التقسيم النسطوري للمسيح الواحد إلى مركزين للوجود والفعل.

وهكذا كانت نقطة النزاع بين البابا ديسقوروس ومجمع خلقيدونية تتلخص في السؤال التالي: هل كان لمجمع خلقيدونية مبرر في تجاهله للتقليد اللاهوتي الذي بناه الآباء السكندريون أمثال البابا كيرلس على أساس مجمع عام 431م، وهل كان له مبرر في تقنينه للعبارة الأنطاكية “طبيعتين بعد الإتحاد” بالاعتماد فقط على سلطة ليو بابا روما وحسب؟.

 

*  الحاجب أو الموظف (الدليل) المسئول عن إرشاد الحاضرين إلى مواقعهم.

[1]  Zacharia Rhetor, op. cit., I, p. 150.

وتُظهر هذه القصة، التي لا تحتمل دقتها الشك، أن البابا ديسقوروس كان منقاداً بقناعته الحقيقة الثابتة، والتي من أجلها كان مستعداً للمعاناة.

[2]  إن العبارات التى قالها البابا ديسقوروس سواء فى مجمع عام 449م أو مجمع عام 451م كلها موجودة في: (ACO. II, i.)، وقد قمنا بالإشارة إلى العديد منها. وبالنسبة للتراث الأدبي الباقي للبابا ديسقوروس الذي وصل إلينا، يوجد إثنان من خطاباته الموجهة إلى دومنوس أسقف أنطاكيا. انظر الترجمة الإنجليزية فى:

(S.G.F. Perry: The Second Synod of Ephesus, Dartford, 1881, pp. 327- 343)

وهناك أيضاً خطاب إلى رهبان منطقة الدخيلة (Enaton). انظر (المرجع السابق صفحة 392-394)، وخطاب إلى سكوندينوس (Secundinus). انظر (زكريا الخطيب: مرجع سابق 1، صفحة 151-152).

[3] انظر صفحة  118.

[4] انظر صفحة 117.

[5] انظر صفحة 117. 

* الذين تولوا الدفاع عن مجمع خلقيدون

[6] See: Christ in Christian Tradition, op. cit., p. 459.  

[7] إقتبس البابا ديسقوروس من الرسالة إلى العبرانيين 2: 16.

[8] وكتب البابا يسقوروس فى الخطاب: “وبكل شيء (أي) بالأعصاب، والشعر، والأوردة، والبطن، والقلب، والكلى والكبد والرئتين. وبإختصار، فإن الجسد الحي الذي لفادينا الذي ولد من (القديسة) مريم بروح عاقلة مدركة، قد أتى إلى الوجود بكل الأشياء التى تخص طبيعتنا بدون زرع بشر.”

[9] انظر صفحة 338.

تعاليم البابا ديسقوروس الخريستولوجية

تعريف الإيمان الخلقيدوني

تعريف الإيمان الخلقيدوني

تعريف الإيمان الخلقيدوني

كان مجمع خلقيدونية ـ كما رأينا ـ قد رفض مسوَّدة التعريف الذي قدَّمه الأساقفة الشرقيون في جلسة يوم 22 أكتوبر، وذلك على أساس أنه لا يتوافق مع طومس ليو. وتم تكليف لجنة من المجمع لكتابة صيغة جديدة غير تلك المسوَّدة. وسوف نرى من خلال فحصنا لهذا التعريف أنه لم يكن من الضروري على الإطلاق أن يكون البابا ديسقوروس والذين تبعوه في رفض مجمع عام 541م، من أصحاب “بدعة الطبيعة الوحيدة” حتى يتبنوا هذا الموقف.

 

(أ) ملخص مختصر لتعريف الإيمان الخلقيدوني:

بدأ تعريف الإيمان الخلقيدوني[1] بمقدمة توضح السياق الذي كُتب فيه، وبعد ذلك أورد التعريف نص قانون نيقية متبوعاً برمز (قانون) الإيمان المنسوب إلى مجمع عام 381م، ثم أشارت الوثيقة إلى “رسائل المطوَّب كيرلس المجمعية إلى نسطوريوس وإلى الشرقيين”، ولم تعلق على رسالة البابا كيرلس إلى نسطوريوس التي تحوي الحروم الإثني عشر، كما أشارت كذلك إلى “رسالة رئيس الأساقفة الأقدس ليو”، باعتبارها كلها وثائق إيمانية متفق عليها.

وبعد ذلك ذكرت الوثيقة أن: المجمع يرفض “أولئك الذين … يمزقون سر التجسد إلى ثنائية في البنوة (ينادون بابنين)”؛ “أولئك الذين يجترئون أن يقولوا إن لاهوت المولود الوحيد قابل للتألم”؛ “أولئك الذين يتخيلون (وجود) امتزاج أو اختلاط لطبيعتي المسيح”؛ و”أولئك الذين يتوهمون أن شكل العبد الذي أخذه منا هو من طبيعة مختلفة أو طبيعة سماوية”؛ كما أن المجمع يحرم “أولئك الذين يتصورون طبيعتين للرب قبل الاتحاد وطبيعة واحدة جديدة الشكل بعد الاتحاد”.

وبصورة إيجابية استمر تعريف الإيمان ليقول أن “ربنا يسوع المسيح هو بالنسبة لنا نفس الابن الواحد، هو نفس الكامل في اللاهوت، ونفس الكامل في الناسوت؛ إله حقيقي وإنسان حقيقي…؛ هو نفس المسيح الواحد، والابن الواحد، والرب الواحد، والمولود الوحيد؛ يُعترف به في طبيعتين بغير اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال؛ ولم يلغِ الاتحاد اختلاف الطبيعتين أبداً بل بالأحرى حُفظت خواص كل طبيعة.

و(هما) يتواجدان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد؛ وليس كما لو كان قد تجزأ أو انقسم إلى بروسوبونين، ولكنه نفس الابن الواحد والمولود الوحيد، الله الكلمة الرب يسوع المسيح …”. وأكد تعريف الإيمان أن ربنا يسوع المسيح هو إله تام كامل وإنسان تام كامل، وهو كإله له ذات الجوهر الواحد مع الله الآب، وكإنسان أيضاً له ذات الجوهر الواحد معنا. وهو يختلف عنا فقط في كونه بدون خطية على الإطلاق.

كان تعريف الإيمان الخلقيدوني يحوي عناصراً مأخوذة من كلا التقليدين السكندري والأنطاكي، ومع ذلك ذهب أبعد من حدود التقليد الأنطاكي في تأكيده أن “الطبيعتين متواجدتان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد”، كما ذهب أبعد من حدود التقليد السكندري في إصراره أن المسيح ينبغي “أن يُعترف به في طبيعتين”.[2]

وكانت عناصر التقليد السكندري التي أقرها تعريف الإيمان الخلقيدوني هي في الأساس أربعة:

  • أن ’الرسائل المجمعية‘ للقديس كيرلس هي وثائق إيمانية مقبولة.
  • أن مجمع عام 431م هو مجمع رسمي له سلطته (الكنسية).
  • أن اتحاد الطبيعتين هو اتحاد أقنومي ’هيبوستاسي‘ (hypostatic).
  • أن المسيح هو هيبوستاسيس واحد، وأنه واحد في ذات الجوهر مع الله الآب وواحد في ذات الجوهر معنا في آنٍ واحد.

وسوف نقوم بمناقشة هذه العناصر بتناول العنصرين الثالث والرابع قبل النظر إلى العنصرين الأول والثاني.

لم يكن تعريف الإيمان الخلقيدوني نفسه يحتوي على عبارة ’الاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)‘ (hypostatic union)، ولكن يمكننا أن نفترض حقيقة أن المجمع كان يقبل هذا المصطلح من خلال تأكيده أن الطبيعتين متواجدتان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد،* وكذلك من خلال تأييد المجمع لرسائل ق. كيرلس. وكما رأينا كانت كلتا الرسالتان إلى نسطوريوس تصران على أن اتحاد الطبيعتين في المسيح هو ’اتحاد هيبوستاسي‘ (أقنومي).

وكان هذا الإصرار (على الاتحاد الهيبوستاسي) هو أحد الأمور التي يشدد عليها التقليد السكندري، وهو ما كان يعارضه الأنطاكيون بقوة إلا أنهم اضطروا للإقرار به منذ وقت صيغة إعادة الوحدة عام 433م حيث اعترفوا برسالة كيرلس الثانية إلى نسطوريوس بدون أي تحفظ.

ولكن إذا كان الأنطاكيون في قبولهم لعبارة ’الإتحاد الهيبوستاسي‘ في خلقيدونية قد أخذوا ’الهيبوستاسيس‘ بالمعنى المحض ’للبروسوبون‘ وحسب ـ كما فعل ثيؤدوريت[3] بالتأكيد ـ فإن هذا يعني بوضوح أنهم رأوا في الاتحاد ’الهيبوستاسي‘ مجرد مدلول الاتحاد ’البروسوبي‘ (prosopic) فقط.

وفيما يتعلق بالعنصر الرابع، لم يوضح تعريف الإيمان ما هو المقصود بعبارة “بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد”. وقد أكد التعريف أن الطبيعتين تتواجدان معاً في تكوين البروسوبون الواحد والهيبوستاسيس الواحد، ومع ذلك لو أُخذت الكلمتين ’بروسوبون‘ و’هيبوستاسيس‘ كمترادفتين، فهذا يعني أن تعريف الإيمان لم يذهب إلى أبعد من الموقف الأنطاكي.

أما العنصر السكندري الأول (في تعريف الإيمان) فيعتبر أوضح مثال على غموض المجمع، لأن المجمع قبل “رسائل المطوَّب كيرلس المجمعية إلى نسطوريوس وإلى الشرقيين” وأكد تعريف الإيمان الخلقيدوني ذلك، فهل كانت رسالة كيرلس التي تحوي الحروم متضمنة هنا أيضاً؟.

الحقيقة أن تعريف الإيمان لم يكن واضحاً، ويمكننا مقارنة ذلك مع كلمات مندوبي الإمبراطور في مجمع خلقيدونية عن “الرسالتان القانونيتان لكيرلس”.[4] والمعروف أنه في خلقيدونية ـ وكذلك في مجمع عام 448م ـ تم تجاهل حروم البابا كيرلس، والإشارة الوحيدة التي وردت عليها في هذين المجمعين جاءت في مطلب أتيكوس أسقف نيكوبوليس (Nicopolis) في عام 451م عندما طالب بوقت ليقارن طومس ليو مع هذه الحروم.

ولكن مجمع عام 553م سار على الافتراض أن مجمع خلقيدونية قد أعلن أن تلك الحروم هي وثيقة مقبولة من المجمع، ولذلك حكم بإدانة كتابات ثيؤدوريت وإيباس ـ التي حاولت تفنيد تلك الحروم ـ واعتبرها كتابات هرطوقية.[5] وعلى الرغم من إنكار كثير من العلماء الغربيين في الوقت المعاصر لقبول مجمع خلقيدونية لتلك الحروم،[6] فإن الموقف الذي تبناه مجمع عام 553م لاحقاً كان له مؤيدون منذ مجمع عام 451م.

فكما هو واضح أن أتيكوس أسقف نيكوبوليس لم يكن يعتبر حروم كيرلس مجرد وثيقة رسمية ذات سلطة وحسب وإنما وثيقة تحوي المعيار اللاهوتي التي يمكن أن يُحكم من خلالها حتى على طومس ليو، وكان أتيكوس بالفعل أحد الرجال الذين تشكلت منهم اللجنة المجمعية التي وضعت تعريف الإيمان الخلقيدوني.

والاستنتاج الذي يصعب تجاهله من كل هذه الحقائق هو أن تلك الكلمات الخاصة برسائل كيرلس قد تُركت غامضة عن عمدٍ، لكي ترضي مختلف الأطراف ولكي تُمكِّن أناس مثل أتيكوس من أن يدافعوا عن وجهة نظرهم لاحقاً حين تتاح لهم الفرصة لذلك.

وكان الغموض المتضمن في عبارة: “الرسائل المجمعية” لكيرلس إلى نسطوريوس، ممتداً أيضاً إلى العنصر الثاني الخاص بتصديق خلقيدونية على مجمع أفسس عام 431م، حيث أقر تعريف الإيمان أن المجمع يحفظ “النظام والقوانين الخاصة بالإيمان التي أقرها المجمع المقدس” في أفسس عام 431م. والسؤال الذي يحتاج إلى إجابة هنا هو:

ماذا كانت تعني تلك العبارة؟، فكما رأينا أنه بعد إعادة الوحدة عام 433م صار مجمع أفسس عام 431م مقبولاً رسمياً من كلا الجانبين السكندري والأنطاكي على الرغم من وجود معارضة في بعض الجماعات الأنطاكية. ولكن الجانبان لم يفسرا مجمع عام 431م بنفس الطريقة، وكانت هذه هي المشكلة القائمة بين الطرفين والتي تحتاج بالفعل إلى حل جذري.

ولكن مجمع خلقيدونية لم يعر هذا الأمر أدنى اهتمام، وترك المسألة الخاصة برسائل ق. كيرلس غامضة كل الغموض، وبدون أية محاولة لحل المشكلة الفعلية التي تواجه الكنيسة في الشرق.[7]

ويتبين من الحقائق السابقة أنه لا يوجد هناك تفسير واحد متفق عليه بالنسبة لأي من العناصر السكندرية الأربعة التي تضمنها تعريف الإيمان الخلقيدوني. ومن المحتمل أن يكون بعض الأساقفة الذين ينتمون للفكر اللاهوتي السكندري ـ داخل اللجنة المجمعية التي صاغت التعريف ـ هم الذين نجحوا في وضع تلك العناصر، آملين أن يكونوا بهذا قد حافظوا على موقفهم التقليدي. ولكن يبدو أن مندوبو روما والوفود المنتمية للتقليد اللاهوتي الأنطاكي قد أخذوا معاني تلك العبارات في ضوء التفسير الأنطاكي لمجمع عام 431م وصيغة إعادة الوحدة عام 433م.

وعلى الجانب الآخر تبنى تعريف الإيمان الخلقيدوني عنصراً واحداً فقط من التقليد الأنطاكي وهو أن المسيح “يُعترف به في طبيعتين”. ويتفق سيلرز مع الرأي القائل أن المجمع قد تبنى هذا التعبير من باسيليوس أسقف سلوكيا الذي كان قد اقترحه في مجمع عام 448م،[8] بينما يعتقد جريلماير أن هذا التعبير كان بالفعل موجوداً في التقليد اللاهوتي الآبائي.[9]

ومع ذلك فإننا إذا نظرنا بتدقيق في السياق الذي تم فيه إقناع الوفود الشرقية باستبدال مسودة الوثيقة التي كانت معهم ـ والتي كانت تحوي تعبير “من طبيعتين” ـ بوثيقة إيمان أخرى، فسنجد أن مصدر تعبير “في طبيعتين” كان هو طومس ليو نفسه،[10] حيث أكد البابا ليو في الطومس أن وحدة شخص المسيح “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين” (unitatem personae in utraque naturam intelligendam).

وتعتبر الطريقة التي كافح بها الأساقفة الشرقيون، في سبيل إقرار مسوَّدة الوثيقة التي كانت معهم، مؤشراً واضحاً على أن تعبير “في طبيعتين” ـ أينما كان مصدره ـ لم يكن قد أصبح جزءاً من مفردات لغتهم اللاهوتية.

ولا ننسى في نفس الوقت حقيقة أن الجانب الخلقيدوني كان يتمسك بعبارة “طبيعتين بعد الاتحاد”، وأن تعبير “في طبيعتين” لم يكن إلا طريقة أخرى للتعبير عن نفس المعنى. ومن هنا كان العنصر الأنطاكي داخل تعريف الإيمان الخلقيدوني هو بمثابة تبني مباشر للموقف اللاهوتي الذي يؤيده التقليد الأنطاكي. وإذا أُخذ تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ كمرادف لـ ’بروسوبون واحد‘ وتعبير ’طبيعتين‘ كمرادف لـ ’هيبوستاسيسين‘ فإن تعريف الإيمان الخلقيدوني يكون بهذا قد أكد التقليد الأنطاكي وحفظه.

ومن الصعب علينا أن نخمن الطريقة التي فسَّر بها القادة المنتمون للتقليد السكندري تعريف الإيمان الخلقيدوني، ولكن أغلب الظن أن ما حدث في خلقيدونية هو أنه استناداً فقط على مجموعة واحدة من العبارات التي قالها أوطيخا، تم تصوير تعليمه على أنه يحمل خطر مهلك على إيمان الكنيسة. ومع تغير السلطة الإمبراطورية لم يعد هناك للذين كانوا يتبنون قراءة مختلفة للحقائق (الخاصة بأوطيخا) أي قوة، لذلك استطاع مجمع خلقيدونية أن يؤكد ـ ومنذ بدايته تماماً ـ على أن أوطيخا هو بالفعل هرطوقي وأنه أنكر حقيقة ناسوت المسيح.

وفي ذلك السياق كان من السهل على قادة المجمع أن يزعموا بأن ليو بابا روما هو الرجل الذي نجح في استبعاد الأوطيخية من خلال إصراره على عبارة ’في طبيعتين‘. وهكذا أخذ القادة المنتمون للجانب السكندري هذه العبارة كأداة فعالة ضد الهرطقة المنسوبة للراهب العجوز، حيث من المحتمل أن يكونوا قد رأوا في عبارة ’في طبيعتين‘ نفس فكرة استمرار اللاهوت والناسوت بصورة ديناميكية في المسيح الواحد.

ومن هنا نستطيع أن نقول أنه إذا كان تصورنا لما حدث في خلقيدونية صحيحاً، فسنجد أنه لم يكن هناك اختلاف في الأساس اللاهوتي ـ في هذا الأمر بالذات ـ بين البابا ديسقوروس ومجمع خلقيدونية على الرغم من عدم اتفاقهم في المصطلحات اللاهوتية المستخدمة، لأن الاستمرار الديناميكي للاهوت والناسوت في المسيح بلا اختلاط ولا انقسام كان هو الموقف الذي أكده البطريرك السكندري ديسقوروس بتعبيرات واضحة في مجمع خلقيدونية نفسه.

وكانت الحسنة الكبرى في تعريف الإيمان الخلقيدوني تكمن في أنه بتبنيه لبعض عناصر التقليد السكندري استطاع أن يرضي معظم المشاركين في المجمع. فيمكن للسكندريين على سبيل المثال، أن يجيزوا ذلك التعريف ويبنوا عليه فكرهم اللاهوتي الخاص، كما فعل الخلقيدونيون الشرقيون في القرن السادس.

كما يمكن أيضاً للأنطاكيين وبنفس المقدار أن يؤيدوا التعريف وهم متمسكون تماماً بتقليدهم كما فعل رجال مثل ثيؤدوريت أسقف قورش. والغرب كذلك يمكنه أن يشعر بالرضا لأن تشديده على أن ’الشخص الواحد‘ كائن ’في طبيعتين‘ قد تم إدراجه في تعريف الإيمان الخاص بالمجمع.

وكانت تلك المرونة هي نفسها نقطة الضعف الواضحة في تعريف الإيمان الخلقيدوني. ففي الشرق، كان هناك قادة متأصلون بعمق في التقليد السكندري، وهؤلاء قد وجدوا أن التعريف الخلقيدوني غير كافٍ للحفاظ على تراث الكنيسة العقائدي الراسخ، كما رأوا كذلك نقائصاً كثيرة في مجمع خلقيدونية فقرروا أن يرفضوه ويقاوموه.

 

(ج) الدفاع عن تعريف الإيمان الخلقيدوني:

قدَّم كل من ر. ف. سيلرز[11] (R. V. Sellers) وأ. جريلماير[12] (Aloys Grillmeier) دفاعاً معاصراً شديداً عن مجمع خلقيدونية وعن تعريف الإيمان الخاص به. وحيث إنه لدينا تحفظات قوية على استنتاجاتهما حول الموضوع، فنرى أنه من المناسب أن نعرض وجهة نظرنا أثناء تقديمنا للنتائج التي توصلا إليها.

وكان الدفاع الذي قدمه كل من هذين العالمين يعتمد في الأساس على ثلاثة افتراضات مشكوك فيها.

أولاً: لقد زعما أن أوطيخا كان بالحقيقة هرطوقياً بصورة مؤكدة. وقد أوضحنا فيما قبل أنه بالرغم من أن التحالف بين روما والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية ـ بتأييد من الجانب الأنطاكي وفريق فلافيان ـ كان يؤكد في كل الأوقات أن الراهب العجوز كان بالفعل هرطوقياً وجعل كل واحد يصدق أن هذه هي الحقيقة، إلا أن مجمع خلقيدونية لم يحاول على الإطلاق مجرد تأكيد تلك الحقيقة تجاه الرجل.

وبالتالي فإن أي عرض للتعاليم التي نُسبت لأوطيخا على مدى التاريخ منذ زمن مجمع خلقيدونية، ينبغي أن يتضمن أولاً إثبات صحة نسبها له. وبدون أخذ هذه الحقيقة في الاعتبار، لا يكون لدينا الحق ونحن في القرن العشرين ـ حيث نطلب الدقة العلمية في تقييمنا حتى للمعلومات الكتابية ـ أن نفترض أن أوطيخا كان هرطوقياً. ومن ثم يجب علينا أن نرفض الافتراض الأول لسيلرز وجريلماير لأنه يعتبر تأكيد غير مثبت أو محقق.

ثانياً: يفترض هذان العالمان أن تعريف الإيمان الخلقيدوني قد قُبل بالإجماع من أعضاء المجمع من خلال قرار تلقائي توصلوا إليه بسبب ضرورة لاهوتية. والحقيقة الواضحة من استنتاج سيلرز وجريلماير، أنهما لم يجهدا نفسيهما في (فحص وتحليل) وقائع المجمع عند مناقشته لتعريف الإيمان، لأن الأغلبية العظمى من المشاركين في المجمع ـ كما رأينا ـ كانت تتمسك بشدة بمسودة الوثيقة التي تحوي عبارة ’من طبيعتين‘.

وقد كافحوا بكل قوتهم من أجل تبني الوثيقة بدون تغيير تلك العبارة، ولكن مندوبو الإمبراطور أجبروهم في النهاية على التخلي عن مقاومتهم، بل وأصروا على أنه ينبغي على الأساقفة أن يختاروا بين البابا ديسقوروس الذي صدَّقوا على عزله وبين ليو الذي أيَّدوا الطومس الخاص به.* ولم يكن لدى هؤلاء الأساقفة ـ الذين كان كثير منهم قد أقر أن أوطيخا هرطوقي ـ أي تحفظ على تفسير الإيمان بطريقة تحافظ على وحدة المسيح من جهة، وتميز بين اللاهوت والناسوت فيه من جهة أخرى.

والحقيقة أنه إذا أخذنا ما حدث يوم 22 أكتوبر عام 451م بجدية (وحيادية)، فإن الشيء المنطقي الوحيد الذي يمكننا قوله هو أن تعريف الإيمان الخلقيدوني كان من صنع الفريق الذي تسانده الدولة، وتحت قيادة مندوبي روما الذين أرادوا أن يكون (ذلك التعريف) متفقاً مع طومس ليو. ومن أجل إرضاء الغالبية من أعضاء المجمع ـ الذين ظلوا يؤيدون مسودة الوثيقة الأولى من الجهة اللاهوتية ـ وافق الجانب الأقوى (في المجمع) على إدراج عدد من عناصر التقليد السكندري داخل تعريف الإيمان.

وكانت هذه العناصر في الحقيقة، هي نفس العناصر التي أيدها الجانب الأنطاكي بالفعل وقت إعادة الوحدة عام 433م حسب تفسيرهم الخاص لتلك العناصر.  ولم يكن مندوبو روما وحلفاؤهم بهذا التصرف يعيرون أي انتباه لشروط الاتفاق التي رافقت صيغة إعادة الوحدة عام 433م.

وعلى أي الأحوال، فمن المحتمل أن يكون أعضاء المجمع (المنتمون للتقليد السكندري) قد أحسوا أنه يمكنهم لاحقاً أن يبنوا فكراً لاهوتياً يتفق مع تقليدهم، استناداً على الأفكار السكندرية التي تم إدخالها في اعتراف الإيمان، ولعلهم بهذا الأمل وافقوا على قبول اعتراف الإيمان مع قدر من التحفظ.

ثالثاً: تستند الجهود الحديثة في الدفاع عن تعريف الإيمان الخلقيدوني على زعم قوي مفاده أن المنتقدين لمجمع خلقيدونية يتخذون موقفهم المعارض من خلال الاعتماد على اقتباسات آبائية مزيفة هي في الحقيقة فقرات أبولينارية الأصل. وكان هذا في الواقع أحد المزاعم الدائمة لسيلرز، لذلك ينبغي علينا أمام هذا الادعاء أن ننتبه للحقائق التالية:

  • من الناحية العملية، لم يرى أي أحد في القرنين الخامس والسادس أن هذه الاقتباسات ـ محل التساؤل ـ ذات أصل هرطوقي. وكان كلا الجانبين يقتبسان نفس هذه الفقرات.

  • كان قادة الجانب غير الخلقيدوني أمثال البطريرك ساويروس الأنطاكي يشيرون إلى تقليدهم باعتباره تقليد راسخ ومتأصل من خلال اقتباس فقرات مأخوذة من الآباء بدءاً من إغناطيوس الأنطاكي ونهاية بكيرلس السكندري، لكي يُظهروا أن مجمع خلقيدونية ابتعد عن ذلك التقليد لمصلحة موقف هو في جوهره نسطوري.
    وحتى لو افترضنا جدلاً أنه كانت هناك فقرات أبولينارية (في تلك الاقتباسات)، فلا يمكن ولا لسيلرز نفسه أن يزعم أن كل الفقرات التي اقتبسها القادة غير الخلقيدونيين أُخذت من تلك المصادر.

  • لم يكن هناك على الإطلاق أحد من القادة، الذين يقبلهم الجانب غير الخلقيدوني، تمت إدانته بالتمسك بتعليم خريستولوجي أبوليناري. وهذه الحقيقة يقرها سيلرز نفسه مع كثيرين غيره.

وهكذا فإن الحقيقة هي أن قادة الكيان غير الخلقيدوني في رفضهم لمجمع خلقيدونية كانوا يعتمدون على تقليد لاهوتي بناه آباء الكنيسة في الشرق ـ في مواجهة الهرطقة النسطورية ـ على أساس مفاهيم: ’من طبيعتين‘ و’إتحاد هيبوستاسي‘ و’هيبوستاسيس واحد مركب‘ و’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘. وأياً كان مصدر هذه العبارات، فإن الآباء الشرقيين قد فسَّروها بمفهوم بعيد عن كل معنى هرطوقي ممكن.

ومن وجهة نظرهم، كان مجمع عام 451م ـ تحت قيادة الوفد الروماني والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية ـ قد تجاهل وأهمل كل هذه العبارات (أو المفاهيم) وأنشأ تعريفاً للإيمان يمكن حتى لنسطوريوس أن يقبله كتأييد لتعليمه اللاهوتي. وكانت هذه هي النقطة التي أثارها منتقدو مجمع خلقيدونية، ولا نعتقد أن أياً من سيلرز أو جريلماير قد قام بالإجابة عليها.

وكان جريلماير يتفق مع الرأي القائل أن “مجمع خلقيدونية قد سعى لاكتشاف وتقديم الإجابة على سؤال واحد فقط متنازع عليه وهو: كيف يتم التوفيق بين الاعتراف بـ ’مسيح واحد‘ وبين الإيمان (في نفس الوقت) بأنه ’إله حقيقي، وإنسان حقيقي‘ وبأنه ’كامل في اللاهوت وكامل في الناسوت‘”. ويصر جريلماير على أن خلقيدونية قد عالج تلك المشكلة:

فبالنسبة لمسألة ’المسيح الواحد‘، فقد أقرها من خلال الاعتراف بأن “ربنا يسوع المسيح هو نفس الابن الواحد”؛ وبالنسبة لمسألة أنه ’إله حقيقي، وإنسان حقيقي‘، فعالجها من خلال عبارة “في طبيعتين”. ويضيف جريلماير قائلاً: أن اعتراف الإيمان توصل إلى هذه الصياغة بالاعتماد على:

(1) رسالة البابا كيرلس الثانية إلى نسطوريوس؛ (2) صيغة إعادة الوحدة عام 433م؛ (3) طومس ليو؛ (4) اعتراف الإيمان (Professio fidei) الخاص بفلافيان[13]؛ (5) خطاب خاص بثيؤدوريت. ويعترف جريلماير بعد ذلك أن “الصياغات السكندرية …. قد تعين تقليل أهميتها وإزاحتها إلى الوراء”، وحل محلها “طومس ليو، وقد لعب الأنطاكيون دوراً خاصاً بصيغة إعادة الوحدة عام 433م”، والسبب ـ في رأي جريلماير ـ وراء تصرف مجمع خلقيدونية بهذا الشكل كان هو الخوف من الأوطيخية.

ونحن نعتقد أن استنتاجات جريلماير تلك، ينبغي أن تكون قد قادته ليظهر تعاطفاً أكبر ، على الأقل تجاه الصعوبة التي يمكن لرجال مثل البابا ديسقوروس أن يكونوا قد شعروا بها نحو تعريف الإيمان الخلقيدوني.

ويحتاج دفاع جريلماير عن صيغة ’في طبيعتين‘ ـ التي احتواها تعريف الإيمان ـ إلى بعض التعليقات من جانبنا، فقد زعم أن السكندريين كانوا يصيحون في المجمع مطالبين بعبارة ’طبيعة واحدة‘ الخاصة بهم، وكذلك كان الأنطاكيون ينادون بعبارة ’طبيعتين‘، وهنا قدَّم المجمع صيغة ’في طبيعتين‘ لكي يعبِّر عن كلا ’التمايز‘ و’الكمال‘ اللذين للاهوت والناسوت.

وعلى الرغم من أن هدف المجمع من وراء صيغة ’في طبيعتين‘ ـ الذي ذكره جريلماير ـ ليس محل جدال، إلاّ أن شرح جريلماير لخلفيات مجمع خلقيدونية كان غير دقيق تماماً. فمن ناحية لم يكن السكندريون يصرون على مجرد عبارة ’طبيعة واحدة‘، ولكنهم كانوا يصرون على تقليدهم اللاهوتي الذي كانت عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” تشكل عنصراً أساسياً فيه.

ومن ناحية أخرى ـ وبنفس القدر من الأهمية ـ لم يكن مفهوم التمايز في المسيح، المبني على تأكيد الاستمرار الديناميكي للطبيعتين في المسيح الواحد بدون اختلاط ولا انقسام، هو موضع خلاف بين البابا ليو والبابا ديسقوروس أو بين الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، ولكن نقطة النزاع بينهما كانت تدور حول كيفية التعبير عن هذا الاستمرار الذي للطبيعتين بطريقة تتناغم مع الاعتراف بالاتحاد الهيبوستاسي.

وكان البابا ديسقوروس يرى أن عبارة “من طبيعتين” هي الصيغة السليمة، ولكن المجمع ـ بدون أن يناقش الأمر على الإطلاق، واعتماداً فقط على سلطة طومس ليو ـ قام بتبني صيغة “في طبيعتين”. ويحتاج هذا التصرف بالفعل إلى تفسير مقنع مصحوب بالدليل، وهذا هو ما لم يقم به أحد على الإطلاق حتى الآن.

 

[1]   للاطلاع على تعريف الإيمان انظر: (ACO. II, i. p. 326: 30-34.). الأصل اليوناني مع الترجمة الإنجليزية موجودة في (T. H. Bindley, op. cit.).

[2]   يذكر جريلماير في (op. cit., p. 458, n. I) أن عبارة “في طبيعتين” قد استُخدمت بواسطة بعض الآباء حتى قبل زمن مجمع خلقيدونية. وهذه الحقيقة لم يجادل فيها اللاهوتيون غير الخلقيدونيين أمثال ساويروس الأنطاكي، ولكن البطريرك ساويروس أكد أن تلك كانت عبارات عشوائية لم ينتج عنها أي تقليد راسخ (انظر المرجع رقم 18 صفحة 374).

ولكن مع نشوب الجدال النسطوري، تم ترسيخ التقليد المؤسس على عبارة “من طبيعتين” في الكنيسة. وقد انتهك مجمع خلقيدونية هذا المبدأ بدون أي داع حقيقي، لأن الهرطقة الأوطيخية كان من الممكن تجنبها في ضوء التقليد الموجود نفسه.

*   هناك فرق بين مفهوم الإتحاد الهيبوستاسي عند ق. كيرلس والبطريرك ساويروس من ناحية وعند يوحنا الدمشقي من الناحية أخرى. انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب.

[3]  كما ذكرنا قبلاً (انظر صفحة 43) كان ثيؤدوريت لا يأخذ مصطلح ’هيبوستاسيس واحد‘ الخاص بخلقيدونية إلا بمعنى ’بروسوبون واحد‘. ويشير شارلز موللر إلى هذه الحقيقة باعتبارها المساهمة اللاهوتية لثيؤدوريت. انظر مقال:

(Le Chalcedonisme…, in Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., vol. I, p. 658f)

[4]   انظر صفحة 121.

[5]   للإشارة إلى مجمع عام 553م انظر صفحة 272. ونستطيع أن نقول في ضوء الأدلة المتاحة، أنه بعد مجمع 451م رأى القادة الشرقيون الذين كانوا يشاركون أتيكوس (Atticus) في نفس التقليد أنهم يتفقون مع المنتقدين للمجمع في تلك النقطة.

وقد عبَّر عن هذه الحقيقة مرسوم زينو ’هينوتيكون‘ عام 482م ـ الذي من المحتمل ألا يكون قد صاغه غير أكاكيوس بطريرك القسطنطينية ـ حيث يؤكد أن حروم ق. كيرلس كانت وثيقة رسمية. وبعد هذا الموقف، أعلن الجانب الخلقيدوني في الشرق قبوله للوثيقة الكيرلسية. وكانت هذه هي وجهة النظر التي أكدها مجمع عام 553م.

[6]  يتمسك شارلز موللر بأن حروم ق. كيرلس لم تكن مقبولة في مجمع خلقيدونية، وأن المجمع كان يؤيد الفكر اللاهوتي للقديس كيرلس بقدر ما قد تقنن في صيغة إعادة الوحدة عام 433م، وأن روما كانت قد تجاهلت تلك الحروم حتى عام 519م. وقد أظهر شارلز أيضاً أن كل هذه الأمور قد تغيرت مع مجمع عام 553م.

(انظر المقال في مرجع سابق صفحة 645). وتدعيماً لهذه النظرة، يمكن الرجوع إلى الموقف الذي كان يتبناه بثبات ممثلو الإمبراطور في مجمع عام 451م. ومن الجدير بالملاحظة أنه إذا كان هذه هو الموقف الذي فُرض في خلقيدونية، فإن المجمع لم يصل بالفعل إلى الإجماع الذي كان يبتغيه، لأن قسماً كبيراً من أعضاء المجمع كانوا تابعين مخلصين لتعليم ق. كيرلس.

وأولئك هم الذين تركوا (عن قصد) بعض الأمور مبهمة وغامضة في خلقيدونية، ومكنوا خلفاءهم من إعادة تأكيد موقفهم في القرن السادس.

[7] إن الموضوع الخاص بحروم ق. كيرلس، هو بالفعل موضوع خطير للغاية، والحقائق التالية حولها جديرة بالانتباه:

(1) لقد أرسل ق. كيرلس تلك الوثيقة إلى نسطوريوس في صورة إنذار، وحيث إن ق. كيرلس كان هو المنتصر فى مجمع عام 431م، لذلك فعلى الأرجح أن تلك الوثيقة لم تكن مهملة من قبل المجمع.

(2) قام المجمع المضاد الذي ترأسه يوحنا الأنطاكي بإدانة ق. كيرلس وممنون أسقف أفسس وكل الذين قبلوا حروم البابا كيرلس (مما يعني أنها كانت بالفعل مقبولة).

(3) كتب إيباس أسقف الرها بوضوح في رسالته إلى ماريس أن مجمع عام 431م قبل حروم ق. كيرلس، وأن إيباس نفسه كان كراهب مصاحباً للوفد السرياني الذي حضر المجمع.

(4) إن جهود الأنطاكيين في وقت المفاوضات التي سبقت إعادة الوحدة عام 433م لكي تجعل ق. كيرلس يتنازل عن الحروم لا يمكن تفسيرها ما لم تكن الوثيقة قد تم بالفعل تقنينها بواسطة المجمع.

(5) كان هناك رجال من الذين حضروا مجمع خلقيدونية مثل أتيكوس أسقف نيكوبوليس اعتبروا الوثيقة لها سلطة ملزمة، كما أن الذين قاموا بانتقادها لم يشككوا على الإطلاق في تلك النظرة.

(6) لم يحدث في الأزمنة القديمة أن أحداً من الذين انتقدوا الحروم، حاول أن يتجاهلها بحجة أنه ليس لها تقنين مجمعي.

(7) أقر نسطوريوس أيضاً في كتابه ’بازار‘ أن مجمع عام 431م قد صدق على تلك الحروم.

[8] The Council of Chalcedon, op. cit., p. 216.

[9] انظر المرجع رقم 6 صفحة 340.

[10] انظر صفحة 155 وما يليها.

[11] للإطلاع على مناقشة سيلرز المفصلة لهذا الموضوع انظر:

(R.V. Sellers, The Council of Chalcedon, op. cit., pp. 207f).

[12] See Christ in Christian Tradition, op. cit., pp. 480f.

*  انظر أحداث يوم 22 أكتوبر عام 451م في الفصل الثالث.

[13] انظر المرجع رقم 37 صفحة 49.

تعريف الإيمان الخلقيدوني

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

 

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

عندما نقوم بفحص الأسباب التي جعلت المسيحيين في مصر وفي أجزاء كثيرة في الشرق يعارضون مجمع خلقيدونية، ستتضح أمامنا حقيقة واحدة من خلال وثائق القرنين الخامس والسادس، ألا وهي أنهم رفضوا الاعتراف بذلك المجمع على أسس لاهوتية جوهرية.

وبالرغم من أنه ليس من المستبعد أن يكون لدى أولئك المسيحيين شكوى عنيفة ضد مجمع عام 451م بسبب الطريقة التي عُومل بها البابا ديسقوروس وبسبب القرار الخاص بالقسطنطينية، إلا أن تلك الأمور لم يأتِ ذكرها في أي من الوثائق سوى بطريقة غير مباشرة، حيث ظل السبب الرئيس المعلن لرفض المجمع هو سبب لاهوتي.

وفي محاولتنا لفهم وجهة نظر أولئك المعارضين، يتعين علينا أن نتذكر حقيقة أنهم كانوا يتمسكون بإخلاص بالتقليد اللاهوتي السكندري الذي كان بالنسبة لهم هو التقليد الأرثوذكسي الوحيد.

ولم يكن هذا التقليد يقتصر على الإسكندرية أو مصر، ولكنه في الحقيقة كان منتشراً في جميع المناطق في الشرق، ومنذ إدانة نسطوريوس ازداد التقدير لهذا التقليد بصورة كبيرة كما صار البابا كيرلس ـ أكثر من أي شخص آخر ـ هو الرجل اللاهوتي الذي يعبِّر عن الأرثوذكسية بكل إمتياز.

وهذه الشعبية التي نالتها تعاليم آباء الإسكندرية لم تكن شعبية مطلقة أو كليةً إذ كان لها معارضون في الجانب الأنطاكي. وكان المؤيدون للتقليد الأنطاكي ـ كما رأينا ـ يحاولون بشتى الطرق تقوية موقفهم، وكانوا في سعيهم هذا يحرِّفون ـ عن قصدٍ أو عن غير قصدٍ ـ وجهة نظر الجانب السكندري.

وكانت هذه بالفعل هي طبيعة التوتر في الشرق التي على خلفيتها عُقدت المجامع الكنسية الثلاثة عام 448م وعام 449م وعام 451م. وبالنسبة للمنتمين للتقليد السكندري، اعتُبر مجمع عام 448م أنه دافع عن التقليد الأنطاكي وقد تم تصحيح ذلك من خلال مجمع عام 449م، ولكن مجمع خلقيدونية عام 451م قام بإلغاء قرارات مجمع عام 449م.

ولكي نستطيع تقدير وجهة النظر تلك، لابد أن نقوم ببحث الموقف اللاهوتي الذي أقره مجمع خلقيدونية. ومن أجل هذا، سنقوم بفحص الفكر اللاهوتي الذي أكده طومس ليو من جهة، والفكر اللاهوتي الذي أكده تعريف الإيمان الخلقيدوني من الجهة الأخرى. وبعد ذلك سنناقش تعليم البابا ديسقوروس لكي نرى ما هي بالتحديد الأمور التي كان يريد التشديد عليها.

 

2. الفكر اللاهوتي لطومس ليو:

كان الأمر المركزي في مجمع خلقيدونية ـ كما سبق وأوضحنا ـ هو قبول أو عدم قبول طومس ليو. ولذلك سيكون من المناسب هنا أن نعطي ملخصاً مختصراً لهذه الوثيقة، لكي نرى مدى الصعوبة التي يمكن أن يجدها (الشخص) اللاهوتي السكندري في تقبل وهضم الفكر اللاهوتي لتلك الوثيقة.

 

(أ) ملخص مختصر لطومس ليو:

كانت الوثيقة مؤلفة لغرض محدد هو تأييد إدانة أوطيخا التي أعلنها مجمع عام 448م. وقد أخذ الطومس في عرض الموضوع من بدايته الأولى،[1] حيث ذكر أنه: بدلاً من أن يتعلم أوطيخا من أولئك الأكثر منه حكمة اعتمد على فهمه الناقص للإيمان، ولو كان قد توقف فقط ليفحص بعناية العبارة الواردة في قانون الإيمان “أؤمن بالله الآب الضابط الكل، وبابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا الذي وُلد من الروح القدس ومن مريم العذراء”،[2] لما كان قد وقع في تلك الهرطقة الحمقاء.

وعندئذ بدأت الوثيقة تقدم أدلة من الأسفار لتبين بها أن “المولود الوحيد الأزلي نفسه الذي من الآب الأزلي، هو ذاته الذي وُلد من الروح القدس ومن مريم العذراء”.

وبهذه الطريقة أخذ الله الابن طبيعتنا لأجل شفائنا، ولكن أوطيخا ـ على عكس هذا التعليم الواضح ـ استعمل “كلمات مضللة” وقال إنه “قد حُبل به في رحم العذراء”، وأن المسيح “أخذ شكل إنسان بدون جسد حقيقي مأخوذ من أمه”. والحق هو أن “الروح القدس جعل العذراء تحبل وتلد، ولكنه كان جسد حقيقي مأخوذ من جسدها” ذاك الذي ولدته.

وقد اتخذ الله الابن الأزلي ناسوتاً بحيث إن “خواص كلتا الطبيعتين والجوهرين محفوظة ومتواجدة معاً في شخص واحد”. إن ابن الله “نزل من عرشه السماوي” ولكنه في نفس الوقت “بدون أن يتنحى عن مجد الآب”، ودخل في هذا العالم وولد بطريقة جديدة.

وبهذا الميلاد (الزمني) لم يتغير اللاهوت إلى ناسوت، ولا ابتُلع الناسوت في اللاهوت، ولكنهما كانا متحدين تماماً بحيث إن “كل طبيعة تقوم بما هو ملائم (proper) لها (أو مختص بها) وهي في شركة (communion) مع الأخرى؛ فعلى سبيل المثال كان الكلمة يقوم بما هو ملائم للكلمة، وكان الجسد ينفذ ما هو ملائم للجسد”.

فكإنسان كان يمكنه أن يشعر بالجوع والعطش وأن يتعب وينام؛ ولكن كإله أشبع الآلاف من الناس بخمس خبزات كما صنع معجزات أخرى. والحق أنه “في الرب يسوع المسيح، يوجد شخص واحد لله والإنسان، ومع ذلك فإنه من حيث التألم الذي هو مشترك لكليهما فإن هذا شيء، ومن حيث المجد الذي هو مشترك (أيضاً) لكليهما فإن هذا شيء آخر؛ لأن الناسوت الذي أدنى من الآب هو له منا، واللاهوت المساوي للآب هو له من الآب”.

ومن هنا فإن وحدة الشخص “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين”، ولذلك يمكننا أن نقول أن ابن الإنسان أتى من السماء، وأن ابن الله أخذ جسداً وولد من العذراء.

واستمر الطومس ليبين أنه طبقاً لشهود العهد الجديد، فإن المسيح هو إنسان وإله معاً، والرسول بطرس على سبيل المثال أوضح ذلك بصورة جلية في اعترافه التاريخي في قيصرية فيلبس، وبالتالي كان هناك سبب وجيه لكي “يعلن الرب طوباويته” وأن “يشتق (الرب) ثبات قوته واسمه من الصخرة الأصلية”.

وكانت ظهورات ربنا بعد القيامة من أجل تأكيد هذه الحقيقة العظمى للتلاميذ. وقد فشل أوطيخا في إدراك هذا، لأنه لم يميِّز “طبيعتنا في (الابن) المولود الوحيد، لا في حالة تواضع الموت ولا في حالة مجد القيامة”، وبهذه الطريقة تجاهل حقيقة الصليب وبالتالي أنكر المعنى الحقيقي لخلاصنا.

وقام البابا ليو بتوبيخ فلافيان أسقف القسطنطينية لأنه لم يُسكِت الراهب أوطيخا حين قال: “أنا أعترف أن ربنا من طبيعتين قبل الاتحاد، ولكن بعد الاتحاد أنا أقر أنه بالحق طبيعة واحدة”.[3]

(ب) بعض الملاحظات على طومس ليو:

كان البابا ليو قد وضع هذا الطومس في ضوء افتراضٍ مبدئي بأن أوطيخا قد فشل في تأكيد حقيقة ناسوت المسيح وميلاده البشري، ولذلك ركز البابا ليو في الطومس على ثلاثة نقاطٍ بقصد استبعاد الخطر المتضمَّن في الموقف الذي نُسب لأوطيخا. وهذه النقاط هي:

(1) إن ناسوت المسيح كان حقيقياً ـ فقد وُلد كإنسان من الأم العذراء، وكان له كل الخواص الإنسانية الجوهرية، ومات وقام ثانية من بين الأموات.

(2) من خلال ميلاد وحياة وتدبير يسوع المسيح، دخل الله الكلمة ـ الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس ـ بنفسه في الوجود التقليدي للجنس البشري وتمم خلاصه.

(3) إن لاهوت الكلمة والناسوت الذي اتخذه، قد استمرا في شخصه الواحد بدون تغيير.

وفي الحقيقة كان التقليدان اللاهوتيان السكندري والأنطاكي يقران بكل هذه التأكيدات (الواردة في الطومس) بدون أي تحفظ. ولكن الصدام بينهما كان قد حدث نتيجة تخوف الجانب السكندري من أن الجانب الآخر لا يؤكد على وحدة شخص المسيح بالمعنى الحقيقي، وكذلك تخوف الجانب الأنطاكي من أن الجانب الآخر يتجاهل حقيقة ناسوت المسيح. وكان طومس ليو بالفعل يقدم العقيدة بالطريقة التي تحقق الرضاء التام للجانب الأنطاكي.

فماذا إذن عن اهتمامات الجانب السكندري؟. لقد تحدث طومس ليو عن ’شخص واحد‘، فماذا كان يعني البابا بهذا التعبير؟ ولكي نقدم السؤال بهذا الشكل ينبغي علينا أن نتذكر أولاً أنه في السياق التاريخي للقرن الخامس كان اللاهوتيون الشرقيون يستخدمون الكلمتين ’بروسوبون‘ و ’هيبوستاسيس‘ اليونانيتين كمرادف يكافئ كلمة ’برسونا‘ عند اللاتين. وكان الأنطاكيون ـ كما ذكرنا سابقاً ـ يؤكدون على اتحاد الطبيعتين في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘، وعلى هذا الأساس كانوا يعلِّمون أن المسيح هو طبيعتين متحدتين في بروسوبون واحد.

ولكن السكندريون أصروا على أن اتحاد الطبيعتين كان بحسب ’الهيبوستاسيس‘ وأن المسيح هو هيبوستاسيس واحد وبروسوبون واحد،* لأن الطبيعتين الإلهية والإنسانية كانتا متحدتين إلى درجة أن المسيح لم يكن “طبيعتين بعد الاتحاد”؛ وهو كان دائماً “من طبيعتين” ولكنه مع ذلك “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.

وفي الحقيقة كانت تلك الرؤية السكندرية هي الأساس اللاهوتي الذي تمت على أساسه إدانة نسطوريوس كهرطوقي في مجمع عام 431م. ومن ثم يصبح السؤال عن المعنى الذي كان البابا ليو يقصده من تعبير ’شخص واحد‘، هو سؤال وثيق الصلة بالموضوع. فهل كان يعني بتعبير ’شخص واحد‘ أنه ’هيبوستاسيس واحد‘ أم ببساطة مجرد ’بروسوبون واحد‘؟.

من الواضح من الطومس أن البابا ليو لم يتطرق إلى تلك الأمور (أو الفروق) الدقيقة الخاصة بالشرق، وفي أغلب الظن أنه لم يكن ملماً بها، ولذلك حينما كان يؤكد وحدة شخص المسيح أصر على أن “كل طبيعة تقوم بما هو ملائم (proper) لها (أو مختص بها) وهي في شركة (communion) مع الأخرى؛ فعلى سبيل المثال كان الكلمة يقوم بما هو ملائم للكلمة، وكان الجسد ينفذ ما هو ملائم للجسد”، وأن وحدة الشخص “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين”.

ورأى القادة الذين تربوا على التقليد اللاهوتي السكندري في عبارة ’شخص واحد كائن في طبيعتين‘ ما يتضمن فقط معنى ’البروسوبون‘، كما رأوا في عبارة ’أن كل طبيعة تقوم بما هو ملائم لها وهي في شركة مع الأخرى‘ ما يحمل معنى ’الهيبوستاسيس‘، وهذا بالتحديد ما كان الأنطاكيون يعلِّمون به طوال الوقت. وهكذا فهم السكندريون أن ليو يؤمن أن ’الهيبوستاسيسين‘ أي الله الابن ويسوع الإنسان اتحدا في ’بروسوبون‘ واحد.

وإذا قارنوا الطومس مع رسائل البابا كيرلس التي أرسلها إلى نسطوريوس وبالأخص الرسالة التي احتوت على الحروم، فسيجدون تناقضاً حقيقياً بين تعليم اللاهوتي السكندري وتأكيدات البابا ليو. لأن ق. كيرلس على سبيل المثال كان قد أوضح تماماً أن الأقوال والأفعال يقوم بها الهيبوستاسيس المتجسد الواحد، بينما يذكر الطومس أن الأقوال والأفعال تقوم بها الطبيعتان،[4] فإذا أُخذ مصطلح ’الطبيعة‘ بمعنى ’الهيبوستاسيس‘ ـ وهو المعنى الوحيد المعقول والمنسجم مع سياق النص ـ سيكون هذا الموقف بالتحديد هو ما لا يمكن قبوله على الإطلاق.

 

[1]   للاطلاع على الطومس انظر: (ACO. II, i. pp. 10f.). الأصل اللاتيني مع الترجمة الإنجليزية موجودة في (T. H. Bindley, op. cit.).

[2] هنا اقتبس ليو بابا روما من قانون الإيمان الروماني القديم وليس من قانون نيقية.

[3]   يذكر طومس ليو أن كلمات أوطيخا هي:

Confiteor ex duabis naturis fuisse Dominum nostrum ante adunationem post adunationem vero unam Confiteor”  

والحقيقة أن الأصل اليوناني الذى عبَّر فيه الراهب عن هذه الكلمات ليس فيه كلمة تتطابق مع كلمة (vero) التي ذُكرت باللاتينية التي كتب بها الطومس. (وهذه الكلمة تعني بالحق أو بالتأكيد أو في الواقع)

*   انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب عن “التطور التاريخي لمدلول المصطلحات المستخدمة في الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى”.

[4]   كان هذا هو الاختلاف بين البابا كيرلس والبابا ليو، والذي يبدو أن بول جالتييه قد تجاهله في محاولته التوفيق بين الرجلين. وكما سنرى فلم تكن صيغة إعادة الوحدة تبرر التعليم الذي قدمته روما أثناء النزاع. انظر:

(Galtier’s essay on Le Saint Cyrile d’Alexandrie et Saint Leon le Grand a Chalcedon, in Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., vol. I)

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

 

عهد الإمبراطور هراقليوس وتأثيره على مجمع خلقيدونية

عهد الإمبراطور هراقليوس وتأثيره على 

 

عهد الإمبراطور هراقليوس وتأثيره على مجمع خلقيدونية

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

بمجرد أن انتهى الإمبراطور هراقليوس من توطيد أموره في القسطنطينية، قام بتوجيه اهتمامه إلى استعادة الأراضي المحتلة التي فقدتها الإمبراطورية نتيجة غزوات الفرس. ويسجِّل المؤرخ ميخائيل السرياني أن هراقليوس حاول في البداية أن يسترجع تلك الأراضي بطريقة ودية حيث أرسل خطاباً إلى كسرى الثاني إمبراطور فارس يخبره فيه أن الرجل الذي أهلك الإمبراطور موريس وعائلته قد قُتل، وبالتالي يمكن أن يكون هناك سلام بين الدولتين.[1]

ولم يأتِ هذا الخطاب بأية نتيجة مع كسرى الثاني، فاضطر هراقليوس أن يدخل في حرب مع الفرس، وكان الانتصار حليف الفرس في كل المعارك التي دارت بين عام 611م وعام 620م حيث أصبحت مصر وكل الشرق تحت سيطرتهم. وكتب فاسيليف عن ذلك قائلاً: “إن السهولة التي احتل بها الفرس سوريا وفلسطين يمكن تفسيرها جزئياً من خلال الظروف الدينية لتلك المناطق، فمعظم السكان ـ وبالأخص في سوريا ـ كانوا من غير المؤيدين للإيمان الأرثوذوكسي الرسمي للحكومة.

كما أن النساطرة وأصحاب الطبيعة الوحيدة (Monophysites) الذين يقطنون تلك المناطق كانوا يعانون من الاضطهاد العنيف من الدولة البيزنطية، ولهذا كان من الطبيعي أن يفضِّل أولئك السكان سيادة الفرس عبدة النار عليهم، لأن النساطرة كانوا يتمتعون في بلاد الفرس بحرية دينية نسبية”.[2] وقد أيد المؤرخون السريان وجهة نظر فاسيليف الذي أضاف مؤكداً أنه لا يمكننا أيضاً إهمال الجزء الخاص بالدور الذي لعبه الكيان الخلقيدوني في تحريض الأباطرة على الاضطهاد.

 

2. انتصارات هراقليوس:

لم يستطع هراقليوس تحقيق أي شيء يُذكر في التسع سنوات الأولى من حكمه، بل تمكن الفرس من التوسع في الأراضي التي اغتصبوها دون أية إعاقة. ففي عام 613م احتلوا (Cilicia)، كما نهبوا فلسطين في العام الذي يليه وسجنوا البطريرك زخارياس وأخذوا الصليب المقدس إلى عاصمتهم المداين (Ctesiphon). وفي عام 615م وصل الفرس إلى مدينة خلقيدونية وضاعت شبه الجزيرة اليونانية في أيدي السلافيين (Slaves). وبدأ الفرس غزوهم لمصر عام 617م وسقطت الإسكندرية على الفور في أيديهم.

وأمام هذه الكوارث أعلن هراقليوس خطته للانسحاب إلى قرطاج (Carthage) في شمال أفريقيا، ولكن الشعب لم يدعه يقوم بهذا ونجح البطريرك سرجيوس (Sergius) في أن يجعل الإمبراطور يغير رأيه وقدمت له الكنيسة كل الدعم مع الرجال والأموال. ووسط هذا التأييد قام هراقليوس ببناء جيش وأسطول جديد، وفي ليل الخميس 7 أغسطس عام 626م هُزم الأسطول السلافي شر هزيمة.

وحقق هراقليوس أيضاً في الشرق سلسلة من الانتصارات الرائعة على الفرس بلغت ذروتها في المعركة الحاسمة التي جرت قرب نينوى (Nineveh) عام 627م، وقتل هراقليوس بيده فيها ثلاثة من قواد الفرس، كما قُتل رئيس الجيش الفارسي رازاتاس (Razatas). ومات كسرى الثاني على يد ابنه، وتم التوصل إلى سلام بين الدولتين في عام 628م، كما أُعيدت خشبة الصليب المقدسة إلى أورشليم.

وهكذا نجح هراقليوس في أن يعيد للإمبراطورية الرومانية مجدها السابق، وقد صارت في الحقيقة منذ ذلك الوقت ’الإمبراطورية البيزنطية‘. واتخذت تلك الإمبراطورية سمتها المميزة التي تتكون من ملمحين أساسيين ساهما معاً في توحيدها وهما بالتحديد التمسك بالتوجه الخلقيدوني واللغة اليونانية.

ولم تأخذ الإمبراطورية في حسابها حقيقة أن المسيحيين الأقباط والسريان الذين لن يقبلوا هذين الأمرين يستحقون معاملة عادلة، ولذلك لم تلائم تلك الإمبراطورية وكنيستها التي تحت قيادة القسطنطينية إلاّ فقط الرجال والنساء الذين ولدوا ونموا في البيئة الثقافية اليونانية. وعلى هذا لم تستطع الكنيسة ـ التي حاولت الإمبراطورية توطيدها ـ أن ترى البعد الجامعي (الكاثوليكي) من منظوره الصحيح.

وبالرغم من أن هراقليوس استعاد سوريا ومصر عام 628م، إلاّ أنه اضطر للتخلي عن سوريا للعرب بعد ذلك بسنوات قليلة، كما فُقدت مصر كذلك فور موته عام 641م. ويعتقد المؤرخون السريان أن هذا كان من عمل الله رداً على “الشر الذي ارتكبه الرومانيون (أي المنتمون للإمبراطورية الرومانية)، الذين كانوا كلما أمسكوا بالسلطة، سرقوا كنائسنا وأديرتنا وحكموا علينا دون رحمة”.[3]

وكان هراقليوس قد تبنى إجراءات قاسية جداً ضد الكيان غير الخلقيدوني في الفترة التي كانت فيها مصر وسوريا وأسيا الصغرى وفلسطين تحت سلطته الإمبراطورية، ولكن هذا لم يحدث إلا بعد فشل محاولته الخاصة لتوحيد الجانبين.

 

3. جهود في سبيل إعادة الوحدة:

وكان هراقليوس بعد تلك الانتصارات في سوريا، وعندما قام بزيارة الرها رحب به رجال الكنيسة والرهبان والشعب ترحيباً حاراً وكانوا ينتمون إلى الجانب غير الخلقيدوني، فأسعد ذلك الإمبراطور جداً.[4]

وفي غضون ذلك الوقت أصدر هراقليوس خطاباً دورياً موجهاً إلى (diakrinomenoi)[5] أي ’المُفرزين‘ أو ’المُنشقين‘[6] جاء فيه: “إن الابن كلمة الله الذي مع الآب والروح القدس قبل الدهور، هو واحد من الثالوث القدوس المحيي والواحد في ذات الجوهر. ولكي يفدي الجنس البشري أراد أن يصير متجسداً من مريم ’والدة الإله‘ وأن يولد منها.

وهو إله كامل، الذي هو نفسه قد صُلب في أيام بيلاطس البنطي. وإذ هو الله الكلمة الغير قابل للتألم فإنه ظل الله وإنسان كطبيعتين اتحدتا في فعل واحد (one operation)، أي الطبيعة الواحدة لله الكلمة المتجسد كما أقر كيرلس الطوباوي. والقول بطبيعتين لا يعني الفصل بينهما”، واختُتم الخطاب بإعلان الحرم لأي واحد يتمسك “بإيمان مخالف، سواء كان ذلك مجمع نيقية أو القسطنطينية أو أفسس أو خلقيدونية”.

ويؤكد الفكر اللاهوتي لهراقليوس ـ كما يعكسه هذا الخطاب ـ أن المسيح هو إله وإنسان اتحدا في فعل واحد (one operation)، وهذا الفكر لم يكن بأي حال من الأحوال أفضل من التعليم المنسوب لنسطوريوس والذي تمت على أساسه إدانته. وثمة نقطة أخرى نلاحظها في هذا الخطاب، وهي أنه استخدم كلمة ’طبيعة‘ بمعنيين مختلفين، ففي تأكيده على الطبيعتين يشير الخطاب بأنهما الله الابن وإنسان، ولكن في الصيغة الكيرلسية (التي يذكرها) جعل الطبيعة تعني فقط ’الفعل‘.

وإذا وضعنا هذه الحقائق في الحسبان، نستطيع القول بأن هراقليوس لم يكن يريد أن يصدر صيغة وسطية يقبلها الجانبان، وإنما كان يقدم إعادة تفسير للتعليم الخريستولوجي، ولكن هذا التفسير لم يكن مع الأسف جدير بالتقدير على الإطلاق.

 

4. هراقليوس والإضطهاد:

لم يكن خطاب هراقليوس العقائدي مقبولاً لدى الكيان غير الخلقيدوني إلا عند بعض الفصائل، وقد أثار ذلك عداوة هراقليوس ضدهم فبدأ برنامجاً من الاضطهاد الوحشي جعل المسيحيين في مصر وسوريا يشعرون بالضجر الشديد.

وكان في مصر في ذلك الوقت اثنين من البطاركة واحد خلقيدوني وآخر غير خلقيدوني، وكان للبطريرك الخلقيدوني كورش (Cyrus) سلطة سياسية على البلاد بجانب سلطته الدينية، فاستخدم وضعه هذا في اضطهاد الكيان غير الخلقيدوني الذي كان تحت قيادة البطريرك أندرونيكوس (Andronicus) ـ خليفة أناستاسيوس ـ مما تسبب في كراهية الشعب الشديدة له. وهنا ينبغي علينا أن نذكر أن البابا بنيامين (Benjamin) الذي جاء بعد أندرونيكوس قد رحب بالعرب عندما قاموا بغزو مصر.

أما في سوريا فكان هراقليوس نفسه متداخلاً في الاضطهاد الدائر هناك، فبينما كان يقيم في الرها حضر إلى الكنيسة في أحد أيام الأعياد مع غير الخلقيدونيين، وتقدم ليأخذ سر الشركة، ولكن إشعياء أسقف المدينة رفض ذلك قائلاً للإمبراطور أنه ما لم يعلن تخليه عن مجمع خلقيدونية وطومس ليو فلن يستطع أن يعطيه من الأسرار. وهنا شعر هراقليوس بالإهانة وأمر في غضبه بأن يُطرد الأسقف وتؤخذ الكنيسة وتُعطى للخلقيدونيين، وبهذه الطريقة صارت كاتدرائية الرها في أيدي الجانب الخلقيدوني بتدخل من هراقليوس نفسه.

وبعد مغادرة هراقليوس لمدينة الرها ذهب إلى منبج (Mabbogh) حيث قابله هناك البطريرك أثناسيوس مع اثني عشر أسقفاً، ومكث قادة الكنيسة السريانية مع الإمبراطور اثني عشر يوماً يناقشون فيها معه موضوع الإيمان. وقدم له هؤلاء القادة ـ بناء على طلبه ـ موقفهم العقائدي مدوناً في بيان أعده البطريرك.[7]

وجاء في ذلك البيان أن قانون إيمان نيقية كما أقره مجمع القسطنطينية ومجمع أفسس هو الرمز الوحيد للإيمان، وبخصوص التجسد أكد البيان:

(1) أن كلمة الله الآب، المساوي والواحد في ذات الجوهر مع الآب والروح القدس، أخذ ـ بالحقيقة وفي الواقع ـ جسداً له روح وعقل من والدة الإله.

(2) أن الله الكلمة وحَّد مع نفسه الجسد من جهة الطبيعة والفعل.

(3) أن الجسد أخذ وجوده فقط في التقائه (واتحاده) مع الكلمة، ولذلك فهو لم يتكون قبل الاتحاد.

(4) أنه (أي الكلمة) صار إنساناً، ليس من خلال تحول أي من الطبيعتين إلى الأخرى.

(5) أن كلمة الله له ميلادان، واحد أزلي من الآب والآخر في الزمن من الأم البشرية.

(6) أن الذي كان قبل التجسد استمر كما هو في التجسد بدون إدخال أي إضافة إلى الثالوث.

(7) أنه مركب من اللاهوت والناسوت، وكل منهما كامل بحسب أصل مبدأه وكل منهما يحتفظ بخصائصه الطبيعية، ويسوع المسيح هو واحد، طبيعة واحدة، أي شخص واحد، وهو ليس منقسم إلى طبيعتين، أو شخصين، أو ابنين، أو مسيحين من بعد الاتحاد الذي يفوق الوصف.

(8) أن الانقسام من جهة والخيالية* من الجهة الأخرى مرفوضتان تماماً، حيث إن الأولى هي خطأ نسطوريوس والثانية هي هرطقة أوطيخا.

(9) أن المسيح الواحد هو في نفس الوقت، واحد في ذات الجوهر مع الله الآب والروح القدس في اللاهوت، كما أنه واحد في ذات الجوهر معنا في الناسوت.

(10) ولذلك فإن كل الأمور الإلهية وكل الأمور البشرية، الأمور السامية والأمور المتواضعة، هي كلها لنفس الشخص الواحد، الذي احتمل بالحقيقة ـ وهو بلا أدنى لوم ـ الآلام التي تخص الطبيعة البشرية بينما ظل هو بلا ألم من جهة لاهوته؛ لأننا كنا نحتاج إلى إله متجسد يجوز الموت كما قال ق. غريغوريوس النزينزي.

وقد ذكر البيان خمسة أسباب تفسر إصرارهم على رفض مجمع خلقيدونية، واختتم بقوله: إن هذه هي الأشياء “التي تزعجنا والتي تسبب انقسام الكنيسة، وعندما يتم تصحيح هذه الأمور فلن يكون هناك شيء يمنعنا من الذهاب إلى بيت الله سوياً والتمتع بالفرح الروحي. والله الذي يعرف الخفايا شاهد بأن اهتمامنا فقط هو الحفاظ على الإيمان، وبأننا لسنا منقادين بروح النزاع أو بالغرور الشخصي كما يظن بعض الناس”.

وعندما قرأ الإمبراطور هذا البيان قام بإدانته ـ كما يقول المؤرخ السرياني ـ وطلب من البطريرك والأساقفة الذين معه أن يعطوه الشركة (الإفخارستية) وأن يؤيدوا رسالته العقائدية، فرفض قادة الكنيسة السريانية الإذعان لأي من المطلبين وانتهى الأمر عند هذا الحد.

وثار غضب الإمبراطور مرة أخرى على الكيان غير الخلقيدوني، فكتب إلى كل المناطق التي تحت سيادته يأمرهم بأنه “يتحتم على كل الذين لا يقبلون مجمع خلقيدونية، أن تُقطع أنوفهم وآذانهم، وتتم مصادرة ممتلكاتهم”.[8] واستمر هذا الاضطهاد الرسمي لفترة من الزمن اضطر أثناءها كثير من الرهبان أن يؤيدوا مجمع خلقيدونية بسبب سوء المعاملة والظلم الشديد، أما الذين رفضوا الاستسلام فقد أُجبروا على الموافقة على المجمع بأساليب شتى.

ويذكر المؤرخ السرياني أن غير الخلقيدونيين أمام هذه الآلام الشديدة قاموا بإرسال استغاثاتهم إلى الإمبراطور، ولكنه لم يظهر حتى مجرد الرغبة في سماع توسلاتهم. وفي خضم هذه الأحداث بدأ الغزو العربي، فقابله أولئك المسيحيون بكل ترحاب. ومن هنا فإن اللوم في امتناع المسيحيين في مصر وسوريا عن المقاومة وبقائهم محايدين أثناء الفتح العربي لتلك الأراضي يقع على هراقليوس نفسه الذي كان قد استطاع في الماضي أن يستعيد الإمبراطورية البيزنطية.

وحينما وصل العرب إلى السلطة فعلوا أمراً واحداً أفاد الكيان الخلقيدوني جداً، حيث سمحوا لكل جانب بالاحتفاظ بمباني الكنائس والمؤسسات التي كانت في حوزته وقت الفتح العربي، وبهذه الطريقة بقيت الكنائس التي كان هراقليوس قد أخذها من غير الخلقيدونيين في حوزة الكيان الخلقيدوني.

ولكن الجانب غير الخلقيدوني ـ كما يذكر المؤرخ السرياني ـ استطاع على الأقل أن يتخلص من الاضطهاد غير الإنساني الذي مارسه ضده المسيحيون الخلقيدونيون. وهكذا أظهر عهد هراقليوس في التاريخ البيزنطي خطأ رؤية الإمبراطورة بولخريا في منتصف القرن الخامس، حيث اعتقدت أن تلك الرؤية يمكنها أن تتحقق من خلال اضطهاد المسيحيين في الشرق لأنهم وجدوا أن قوانين مجمع خلقيدونية تختلف عن فهمهم لتقليد الكنيسة العقائدي الراسخ لديهم، ولأنهم رأوا كذلك عدم ملائمة ادعاءات السيادة التي فرضها كرسي روما.

 

5. بعض الملاحظات الختامية:

ويتبادر إلى الذهن هنا سؤال هام جداً وهو: لماذا لم يقتنع المسيحيون الأقباط والسريان بقبول مجمع خلقيدونية؟. والإجابة الجاهزة لدى المؤيدين للجانب الخلقيدوني هي أن ذلك يرجع إلى أوطيخية أولئك المسيحيين والتي حاولوا تطويرها في الأزمنة اللاحقة لتبدو مشابهة للموقف الخلقيدوني. ولكن الحقيقة أن تلك الإجابة لا تجد أبداً ما يساندها في التقليد غير الخلقيدوني إلاّ في فهم جزافي وأحادي الجانب لبعض الحوادث المتفرقة.

وكانت القوى التي تسيطر على مجمع خلقيدونية قد رأت في أوطيخا بعض الأفكار (الخاطئة) وأقرت إدانته كهرطوقي، ولكن البابا ديسقوروس الذي عزلته هذه القوى ـ معتقدة أنه هو القائد الفعلي للهرطقة الأوطيخية ـ فلم تكن لديه بالفعل أية صعوبة في الإقرار بأن الموقف الذي نُسب لأوطيخا هو موقف هرطوقي واضح.

ومن هنا يتضح أن اعتراض غير الخلقيدونيين على مجمع عام 451م لم يكن من منطلق أوطيخي، وحتى لو سلمنا جدلاً بأنه قد حدث تطور في الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني يتناغم مع أحداث الأزمنة اللاحقة، فإن القول بأن موقفهم هذا قد نبع من الهرطقة الأوطيخية يعتبر قمة المجافاة للحقيقة. ولذلك فإن انقسام الكنيسة بسبب الجدال الخريستولوجي في القرن الخامس والقرون اللاحقة يحتاج بالفعل إلى تفسير أكثر قبولاً.

ولا يُعد هذا الأمر من وجهة نظرنا مهمة مستحيلة، فعندما سنأتي لشرح مدخلنا لهذا الموضوع سوف نشير إلى أن المسيحية كانت لها منذ البداية قاعدة إيمان تُظهر معيارها العقائدي المميَّز. وفي الجدال الخريستولوجي على سبيل المثال، كانت (جميع) التقاليد الإيمانية في الشرق تُرجع مواقفها اللاهوتية إلى إيمان نيقية حسبما أقره مجمع القسطنطينية عام 381م، أي قانون الإيمان النيقاوي في صيغته التي زيدت أثناء الربع الثالث من القرن الرابع والتي نسبها مجمع خلقيدونية لمجمع عام 381م.

ولكن هذا القانون صار يُفسر ويُفهم، على الأقل بطريقتين متباينتين في الشرق، وبدأ الصدام بين هذين الجانبين منذ موسم عيد الميلاد لعام 428م. وحاول ق. كيرلس السكندري ـ وهو يمثل أحد هذين التقليدين ـ أن يؤكد من خلال مجمع أفسس عام 431م أن الموقف السكندري هو فقط الموقف الأرثوذكسي، ولكنه مع ذلك لم يستطع النجاح بشكل كامل، لأنه على الأقل منذ الربع الأخير من القرن الرابع كان الأنطاكيون ـ وهم لا يزالون داخل الكنيسة الأرثوذكسية ـ قد كوَّنوا تقليداً (فكراً) لاهوتياً خاصاً لم يكن من الممكن تحطيمه في ’انقلاب‘ (coup d’etat) عام 431م.

وكان السكندريون كذلك قد بنوا تقليدهم اللاهوتي الذي لم يكن من الممكن أيضاً التخلص منه بالمناورات الدبلوماسية ليوحنا الأنطاكي أو بالاتفاق غير المرغوب فيه الذي تم التوصل إليه مع البابا كيرلس عام 433م.

وهكذا في سياق هذا التوتر الناشئ تم انعقاد مجمع خلقيدونية، وبدون مواجهة الأمور المختلف عليها (بين التقليدين) بشكل مباشر سعى هذا المجمع لتوطيد سيطرة تحالف روما مع السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية، لكي تؤكد روما في النهاية سلطانها الشامل على الكنيسة ولكي تضع القسطنطينية نظاماً كنسياً للشرق تحت قيادة عاصمة الإمبراطورية.

ونظر كل جانب من الجانبين في الشرق إلى تقييم مجمع عام 451م بكونه محاولة من الجانب الآخر للتعدي على التقليد الخاص به، وقد تفاعل الجانبان مع المجمع بالاعتراض من جانب السكندريين وبالتجاهل من جانب الأنطاكيين. وكانت النتيجة الحتمية هي انقسام الكنيسة، واستطاع كل من الجانبين أن يزعم بأنه هو وحده المتواصل مع الكنيسة الأرثوذكسية التي كانت قبل مجمع خلقيدونية.

[1] Michael le Syrien, op. cit., p. 403.

[2] History of the Byzantine Empire, op. cit., p. 196.

[3] Michael le Syrien, op. cit., p. 410.

[4] المرجع السابق صفحة 408 وما يليها.

[5] كان هذا هو الاسم الذي يشير به الكيان الخلقيدوني إلى غير الخلقيدونيين.

[6] للإطلاع على الخطاب انظر (المرجع السابق صفحة 403 وما يليها).

[7] للإطلاع على البيان انظر (ميخائيل السرياني: مرجع سابق صفحة 405 وما يليها).

* يُعنى بالخيالية أن المسيح لم يكن له جسد واقعي حقيقي، بل مجرد جسد وهمي أو خيالي

[8] المرجع السابق صفحة 410.

عهد الإمبراطور هراقليوس وتأثيره على مجمع خلقيدونية

عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج2

عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج2

عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج2

الجزء الأول:عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج1

2. فترة حكم الإمبراطور موريس:

عندما مات تيبريوس في 13 أغسطس عام 582م، جلس مكانه الإمبراطور موريس، وكان موريس رجلاً كبادوكياً أقامه تيبريوس حاكماً على الشرق. وقد عُيّن موريس قيصراً في يوم 5 أغسطس وأُعطي أوغُسطا (Augusta) ابنة تيبريوس زوجة له، وقد تغير اسمها في الزواج إلى قسطنطينا (Constantina).

وكان الإمبراطور موريس متمسكاً بالإيمان الخلقيدوني، ولكنه رغم ذلك لم يصدر أوامره لتعزيز مجمع خلقيدونية بسبب وقوعه تحت نوعين من القيود، فمن ناحية كان لديه ما يكفي من المشاكل الأخرى التي تتطلب كل تركيزه والتي لم تترك له الحرية ليقوم بذلك، ومن الناحية الأخرى لم يكن بطريرك القسطنطينية يرغب في اضطهاد زملائه من المسيحيين (غير الخلقيدونيين).

ومن الجدير بالذكر أن سلف موريس الإمبراطور تيبريوس كان رجلاً مسرفاً ترك الخزائن ورائه خاوية، فكان على موريس أن يواجه مشكلة الحرب مع الفرس مع بقية الالتزامات المالية الأخرى، هذا بالإضافة إلى أنه في ذلك الوقت كانت ديانات منطقة البحر الأبيض المتوسط القديمة قد بدأت في النمو في أماكن عديدة من الإمبراطورية.

 

(أ) الإمبراطور موريس والاضطهاد:

مات البطريرك أوطيخا في نفس السنة التي جلس فيها الإمبراطور موريس على العرش، وكان خليفته هو البطريرك يوحنا الرابع الذي كان يتمتع بروح رقيقة فلم يوافق على أي برنامج للاضطهاد ضد الكيان غير الخلقيدوني.

وقد كتب يوحنا أسقف أفسس يخبرنا أن الشعب ورجال الكنيسة في الجانب الخلقيدوني ـ والذين اعتادوا على الاستفادة من أوامر الاضطهاد الإمبراطورية ليسلبوا ثروة الشعب غير الخلقيدوني ـ وصلوا إلى الإمبراطور وحاولوا أن يقنعوه بإصدار أوامره لهذا الغرض، وبالفعل سأل الإمبراطور البطريرك ليقوم بالقبض على قادة الكيان غير الخلقيدوني وتفريق تجمعاتهم، ولكن يوحنا الرابع لم يوافق على ذلك وقال له “هل يمكن أن يسر الله بهذا”[1]

وأضاف أيضاً “لقد قمنا بتبرئة الوثنيين وإطلاقهم ومسامحتهم، فهل نريد الآن أن نضطهد المسيحيين؟، ثم ما هو الذي يقوله أو يعمله ’غير المتوافقين معنا‘ حتى يستحقوا الاضطهاد؟، وإذا كان عهدكم قد اشتهر بالرأفة على الوثنيين، فكيف تطالبني باضطهاد المسيحيين الذين بلا لوم في تمسكهم المسيحي، ولهم إيمان حار وغيور أكثر مما لدينا؟”. وقد منعت كلمات البطريرك هذه، الإمبراطور من إصدار أوامر الاضطهاد في القسطنطينية على الأقل.

وعلى الرغم من ذلك، كانت هناك حالات من سوء المعاملة لغير الخلقيدونيين، في أماكن أخرى من الشرق في فترة حكم الإمبراطور موريس. ومن هذه الحالات حادثة ذكرها المؤرخون السريان، حيث كان الإمبراطور موريس يفعل كل شيء في استطاعته لكي يرفع من شأن أقاربه ويقلدهم أعلى المناصب، ومن بين أولئك الأقارب دوميتيان (Domitian) ابن أخيه بطرس الذي رُسم أسقفاً على مدينة ميليتين (Melitene) أحد أهم الكراسي في شمال سوريا حيث كان الكيان غير الخلقيدوني قوياً هناك.

ولم تنجح جهود دوميتيان في فرض مجمع خلقيدونية في هذه المنطقة، فأعطى الإمبراطور للأسقف في عام 599م أوامره بالاستيلاء على الكنائس والمؤسسات الأخرى في منطقة ما بين النهرين (Mesopotamia) وبقية الأماكن في الشرق وتسليمها للكيان الخلقيدوني.

وطلب الأسقف من الرهبان في تلك المناطق أن يقبلوا الشركة الإفخارستية منه أو من رجال كنيسته كتعبير عن خضوعهم له، فلما وجدهم غير طائعين[2] قام بطردهم من أديرتهم فمات منهم أربعمائة شخص، فشيَّد غير الخلقيدونيين في ذلك المكان كنيسة بعد ذلك إحياءً لذكراهم.

ومن الجدير بالذكر أن الإمبراطور موريس كان رجلاً دبلوماسياً، حيث استطاع أن يُظهر كياسته مع الذين يدينون بغير المسيحية فأقام علاقة صداقة مع كسرى الثاني (Chosroes II) ملك الفرس، وأعطاه ابنته ماريا (Maria) زوجة له. لكنه على الرغم من ذلك كان داخل إمبراطوريته يرى أن الكيان غير الخلقيدوني هو قوة جامحة حاول أن يكبحها بمختلف الوسائل رغم نصيحة البطريرك يوحنا الرابع له بوقف هذه الإجراءات.

 

(ب) النزاع بين مصر والشرق:

كانت قضية بولس الأسود التي سبق أن أشرنا إليها قد سببت اضطراباً داخل الكنيسة، ليس فقط في سوريا وبين المسيحيين العرب، ولكنها أحدثت أيضاً تأزماً في العلاقة بين سوريا ومصر. وحاول المنذر قائد المسيحيين العرب أن يسوي الموقف بينهما، فعندما كان في القسطنطينية عام 580م عقد مجموعة من اللقاءات بين ممثلي الطرفين السوري والمصري،[3] وبالفعل توصل الجانبان في يوم 2 مارس إلى اتفاق بينهما.

ولكن كانت هناك جماعة من مثيري المشاكل حاولت تدمير ذلك الاتفاق، وساندهم في ذلك دميان البطريرك السكندري الذي عيَّنه المصريون خلفاً لبطرس أثناء رفضهم لثيؤدور (الذي كان بولس الأسود قد ساعد على رسامته). ولأن دميان كان سرياني الأصل، فقد سافر إلى الشرق من أجل إقامة بطريرك لأنطاكيا مكان بولس الأسود الذي كان لا يزال على قيد الحياة.

وعندما رفض الأساقفة السريان أن يتفقوا معه في الرأي، حاول دميان أن يرسم شخصاً بسيطاً يُدعى ساويروس داخل الكنيسة الأنطاكية معطياً مبلغاً من المال لحارس الكنيسة لكي يفتحها له في الليل، ولكن الخبر تسرب فاضطر دميان إلى الفرار عائداً إلى الإسكندرية بعد أن قضى بعض الوقت بالقسطنطينية ليداري خجله.

وبعد محاولات دميان الفاشلة في سوريا رُسم بطرس الذي من الرقة (Callinicus) بطريركاً على أنطاكيا في عام 581م، وكان بالفعل رجلاً مقتدراً. وفي أيام يعقوب البرادعي كان بطرس قد رفض كرامة البطريركية على أساس أنه لا يمكنه أن يقبلها قبل أن تتم تسوية قضية بولس الأسود قانونياً، ولكن بطرس عاد بعد ذلك وقبل الرسامة رغم أن بولس كان لا يزال حياً وقضيته لم تُحسم بعد.

وندم بطرس على هذا الأمر، فسافر إلى الإسكندرية ليعمل على مصالحة بولس مع المصريين، ولكن بولس مات في ذلك الوقت فتثبت بطرس كبطريرك لغير الخلقيدونيين في أنطاكيا.

وعلى الرغم من أن بطرس (البطريرك الأنطاكي) ودميان (البطريرك السكندري) قد تبادلا رسائل الوحدة والشركة في الإسكندرية، إلا إن هذا الوفاق كان قصير الأمد.

ولم يكن دميان بالرجل المقتدر لاهوتياً، فحين قابله بعض الرجال الذين مالوا إلى هرطقة الثلاثة آلهة وقدموا له بعض الأسئلة، قام دميان بإعداد رسالة تجيب على النقاط التي أثاروها، وقبل أن ينشر تلك الرسالة أرسل نسخة منها إلى بطرس البطريرك السرياني ليعرف تعليقه عليها، فرد بطرس على دميان ذاكراً له العديد من الجمل غير الدقيقة وغير الواضحة التي احتوتها الرسالة، واعتبر دميان هذا الرد إهانة موجهة إلى شخصه فانقطعت العلاقات بينهما طوال فترة حياتهما. ومات بطرس عام 591م، وخلفه سكرتيره يوليان (Julian) الذي مات هو الآخر بعد ثلاث سنوات فقط من رسامته، فجلس بعد ذلك البطريرك أثناسيوس على الكرسي الأنطاكي.

ومات دميان البطريرك السكندري أيضاً وجلس مكانه أناستاسيوس (Anastasius)، وعاد الكرسيان مرة أخرى إلى الوحدة بفضل مبادرة قام بها أثناسيوس البطريرك الأنطاكي.

وكان أثناسيوس هذا بحق رجلاً عظيماً[4] ينحدر من عائلة في سموساطا (Samosata)، وقد فقد والده في بداية حياته فربته أمه التقية هو وأخوه ساويروس، وعندما كبرا جعلتهما ينضمان إلى أحد الأديرة. وبعد موت البطريرك يوليان في عام 594م، اجتمع الأساقفة ليختاروا خليفة لكرسي البطريركية في الدير الذي كان يقيم فيه الأخوان (أثناسيوس وساويروس).

وحسب العادة، صام الأساقفة ثلاثة أيام، وفي اليوم الأخير شعر بعض منهم أنه ينبغي أن يتحدثوا مع أول راهب يقابلوه في صباح اليوم التالي، وبالفعل عندما خرجوا من غرفهم في ذلك اليوم رأوا أثناسيوس يعد جمال الدير للأعمال اليومية، فتحدثوا إليه ووجدوه رجلاً ذو علم جديراً بكرسي البطريركية.

وعندما قام المجمع أيضاً بفحصه، اقتنعوا به وقرروا أن يختاروه على عكس إرادته تماماً، ومع ذلك جعل أثناسيوس الأساقفة يوافقون على السماح له بإكمال سنة الخدمة التي تعهد بها للدير. وعاد أثناسيوس إلى عمله بالدير دون أن يبوح بمسألة اختياره للبطريركية حتى إلى أخيه، وعندما أكمل سنة خدمته جاءه وفد من المجمع فذهب معهم ليتولى وظيفته الجديدة.

وبسبب أن عمله بالدير أثناء تلك السنة كان إحضار المؤن للجماعة من الخارج على ظهر الجمال، فلُقِّب أثناسيوس بالجمَّال (Gamolo). وبعد رسامته بطريركاً زار أثناسيوس الإسكندرية وحاول تسوية النزاع القائم بين الكرسيين، فقابل البابا أناستاسيوس السكندري هذه المبادرة بالترحاب، وتبادل الرجلان رسائل الوحدة فيما بينهما.[5]

 

(ج) انهيار مملكة المسيحيين العرب:

كانت مملكة المسيحيين العرب الغساسنة في غاية الازدهار والشهرة في أيام الحارث وابنه المنذر. وكان كلاهما يتبع التيار الديني غير الخلقيدوني وقد لعب كل منهما دوراً هاماً في فترة حكمه أثناء القرن السادس. وكانت هذه المملكة تتبع أباطرة القسطنطينية المسيحيين وتدعم مصالحهم ضد الفرس، ولكن الإمبراطور موريس قام بنفي المنذر وابنه النعمان (Naaman) وطُمست مملكتهم من على وجه الأرض.

وبالطبع كان ولاء أولئك الرجال للجانب غير الخلقيدوني له دوره المؤثر في خلق هذا البغض الشديد داخل الإمبراطور الخلقيدوني موريس تجاههم.

وفي فترة حكم يوستين الثاني، كان المنذر يساعد الجانب الروماني في نزاعه مع الفرس، ولذا طلب من الإمبراطور يوستين أن يمده بالعون ليحافظ على تفوقه العسكري، ولكن الإمبراطور لم يكن فقط غير راغب في تلبية طلبه بل كان أيضاً حانقاً عليه، حتى أنه قرر في الحقيقة أن يدبر مؤامرة لقتله.

وكتب يوستين خطابين واحد إلى المنذر نفسه، والآخر إلى مركيان قائد قواته في الشرق، ففي الخطاب الأول طلب من المنذر أن يذهب ويقابل مركيان في دارا (Dara) ليناقشه في بعض المسائل الملحة، وفي الخطاب الثاني كتب يأمر رئيس الجيش أن يتخلص من القائد العربي الذي سيحضر لمقابلته. وحدث خطأ في إرسال الخطابين فاستلم المنذر الخطاب المُرسل إلى مركيان، فقام بقطع كل الاتصالات مع الرومانيين.

وحين وصل تيبريوس إلى الحكم عادت علاقات الصداقة بينهما، وذهب المنذر إلى القسطنطينية في فبراير عام 580م واستقبل هناك بمنتهى الحفاوة والمودة حتى أن الإمبراطور الجديد اعترف بلقبه الملكي. وكان هذا هو الوقت الذي تقابل فيه المنذر مع الفريقان المتنازعان في الكيان غير الخلقيدوني وحاول أن يوفق بينهما.

وفي ذلك الحين كان موريس هو الحاكم على الشرق، وعند عودة المنذر من القسطنطينية تعاون مع موريس في التخطيط لحملة في منطقة الفرس، وبينما يقودان الجيوش وجدا الجسر الذي يعبر النهر الذي على الحدود محطماً، فشك موريس في أن يكون المنذر هو الذي قام بذلك، ولم يفلح أي شيء في تغيير رأيه وإزالة هذا الشك من داخله.

وكتب موريس عن هذا الأمر إلى تيبريوس فتغير موقف الإمبراطور هو الآخر تجاه الملك العربي. وتم القبض على المنذر وأُخذ بغدر إلى القسطنطينية حيث احتُجز في السجن هناك، أما أولاده الأربعة فقد قاموا تحت قيادة الأخ الأكبر النعمان بالثأر لأبيهم من خلال سلسلة من الغارات الانتقامية على الأراضي الرومانية، وعلى الرغم من أن محاولة القبض عليهم لم تنجح إلا إن سمعتهم قد تأثرت بشدة.

وكان جلوس الإمبراطور موريس على العرش خلفاً لتيبريوس في عام 582م له تبعات مأساوية على الملك العربي الذي كان في النفي. وجاء النعمان ابن المنذر إلى القسطنطينية يحاول أن يلتمس الحرية لأبيه، فرد الإمبراطور موريس عليه بأنه على استعداد لقبول طلبه بشرط أن يشترك مع القوات الرومانية ضد الفرس وأن يتبنى الفكر الديني الخلقيدوني.

فوافق النعمان على الشرط الأول ولكنه رفض الثاني بحجة أنه إذا قبله فقد يتعرض للقتل من شعبه، وعند مغادرة النعمان حضرة الإمبراطور قال أنه لن يرى وجه الرومان مرة ثانية. وتم القبض على النعمان وهو في طريقه ونُفي مع والده، وعندئذ انقسمت مملكة المسيحيين العرب إلى خمسة عشر إمارة مما أدى إلى انضمام الواحدة تلو الأخرى إلى الفرس[6] الذين تزعموا المنطقة خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن السابع.

وكان وجود مملكة قوية للمسيحيين العرب أمراً نافعاً لأباطرة القسطنطينية، حيث أوقفت تلك المملكة بشكل فعال التوسع الاستعماري الفارسي في سوريا وفلسطين ومصر ـ والذي تم (بعد انهيار مملكة المسيحيين العرب) في أوائل القرن السابع ـ كما أنها منعت أثناء وجودها الاجتياح العربي للإمبراطورية والذي قد تحقق أيضاً فيما بعد.

وقد أدت السياسة القصيرة النظر للإمبراطور موريس ـ والتي قد تكون بدافع من الغيرة والتعصب الديني ـ إلى تلك الأفعال الطائشة (تجاه مملكة المسيحيين العرب) بالإضافة إلى كل ما جلبته تلك الأفعال على تاريخ الشرق الأوسط بصفة عامة وعلى المسيحية في تلك المنطقة بصفة خاصة.

 

(د) الإمبراطور موريس يلقى حتفه:

كان موريس في الواقع إمبراطوراً مميزاً، فكجندي كان شجاعاً وماهراً، وكحاكم قام بعدد من الإصلاحات التنظيمية المؤثرة. وفي علاقته مع الفرس كان موريس بالفعل ناجحاً جداً في ضوء حقيقة أن الإمبراطورية الرومانية كان عليها أن تواجه في تلك الفترة ما بين عام 531م وعام 628م الإمبراطورين الطموحين كسرى الأول (Chosroes I) وحفيده كسرى الثاني (Chosroes II)، وكانا كلاهما له نزعة توسعية جامحة.

ولم يستطع الإمبراطور جوستينيان أن يحقق طموحه في إعادة إخضاع الغرب للإمبراطورية إلا من خلال إبرام اتفاقية سلام مع كسرى الأول كلفته مبلغاً ضخماً من المال يُدفع كإتاوة سنوية. وكان الحاكم الفارسي يكسر هذا الاتفاق مرات ومرات، وفي كل مرة يطلب أموالاً أكثر وامتيازات على أراض أكبر، وقضت الاتفاقية الأخيرة بينهما أن تدفع القسطنطينية لفارس مائتين ألف قطعة من الذهب الروماني سنوياً.

وبعد وفاة جوستينيان لم يتم الوفاء بهذا الاتفاق في أحوال عديدة، فكان الفرس يقومون بحملات عسكرية كلما تمكنوا من ذلك لكي يحصلوا على المال. وورث موريس هذه المشكلة مع استلامه للحكم عام 582م، ولكن أثناء السنوات العشر الأولى من حكمه نجح قائدا الجيش الشجاعين فيليبيكوس (Philippicus) وهراقليوس (Heraclius) في الحفاظ على حدود الإمبراطورية من أي اعتداء فارسي.

ومنذ عام 591م أصبحت العلاقة بين موريس وكسرى الثاني وطيدة جداً، لأن موريس أمد كسرى الثاني بالعون أثناء نزاعه مع بهرام (Bahram) الذي كان يقود ثورة ضد الإمبراطور الفارسي. وبالفعل استعاد كسرى الثاني وضعه مرة أخرى، وأصبح موريس وكسرى الثاني صديقين، ولو صدقت رواية المؤرخين السريان فإن موريس أعطى ابنته ماريا لكسرى الثاني زوجه له.[7] وحينما رأى موريس أنه لم يصبح هناك أي تهديد من جهة الشرق، كافأ هراقليوس على خدماته بتعيينه حاكماً على شمال أفريقيا.

وكانت لدى موريس مشاكل في الشمال على حدود الدانوب، وكان يحتاج في مواجهتها للتعاون المخلص من كل جيوشه، ولكنه لم يستطع أن يتحصل على تلك المساندة الكاملة أبداً، لأنه منذ وصوله إلى الحكم لم يهتم بالتواصل معهم، كما أن خزائنه الخاوية منعته من دفع رواتبهم. هذا بالإضافة إلى أنه كانت هناك شكوى من أن موريس يستخدم وضعه الإمبراطوري في تسهيل حصول أقاربه على الثروة والنفوذ، ويبدو أن صداقته مع كسرى الثاني قد جعلته يهمل قواته الحربية.

وعلى أية حال فقد قام الجيش بتمرد ضد موريس عام 602م وخذلته الحامية التي كانت معه في المدينة، وحاول موريس الهرب إلى خلقيدونية لكنه قتل هو وأولاده الأربعة يوم 26 نوفمبر، وأجلس الجيش الضابط فوكاس (Phocas) إمبراطوراً على العرش.

 

3. فترة حكم الإمبراطور فوكاس:

واجه الإمبراطور فوكاس أياماً عصيبة أثناء حكمه، فقد تأثر كسرى الثاني جداً بمقتل الإمبراطور موريس وعائلته وحاول أن يثأر لصديقه فاحتل منطقة ما بين النهرين (Mesopotamia) وسوريا وكبادوكيا وبافلاجونيا (Paphlagonia)، ولم يستطع فوكاس أن يفعل أي شيء ليوقف الجيش المعتدي، ولكنه أظهر فشله في التصدي للموقف بإرغام اليهود في أورشليم على قبول الإيمان المسيحي.

ولكي يدمج كسرى الثاني المناطق التي انتزعها معاً، وضع في اعتباره معارضة الشعوب المسيحية هناك للجانب الخلقيدوني، فأرسل لهم أسقفاً من فارس ينتمي للكنيسة السريانية الشرقية التي كانت توقر ذكرى نسطور،[8] وعندما لم يقبله الشعب هناك ترك كسرى الثاني المنطقة بكاملها تحت رئاسة الأساقفة غير الخلقيدونيين.

ويسجل المؤرخ السرياني أنه نتيجة هذا الموقف لم يصبح هناك وجود للمناصرين للجانب الخلقيدوني في الشرق من منطقة حدود نهر الفرات، كما عاد كذلك إلى الشرق الأساقفة غير الخلقيدونيين المنفيين في مصر.

ولم يستطع فوكاس أن يحافظ على تماسك الإمبراطورية لوقت طويل، فقد كان عليه أن يواجه الغزو الفارسي بالإضافة إلى أعداء الإمبراطورية الأوروبيين في الشمال، وقد فشل بالفعل في كلا الأمرين، وحاول أن يداري عجزه هذا بقانون للإرهاب داخل الإمبراطورية. وأدى تزايد الاستياء من عجز فوكاس إلى قيام هراقليوس حاكم شمال أفريقيا بتمرد عليه كما انضمت مصر أيضاً إلي ذلك التمرد.

ورتب هذا الحاكم المنشق مع ابنه هراقليوس وابن أخيه نكيتاس (Nicetas) أن يقود الأول أسطولاً والثاني جيشاً ويتجها إلى العاصمة على أساس أن الذي يصل إليها أولاً يكون هو الإمبراطور والآخر يكون مساعداً له. ووصل هراقليوس أولاً في سبتمبر عام 610م فرحب به الشعب جداً وتولى زمام الحكومة وقبض على فوكاس يوم 4 أكتوبر. وسأل هراقليوس فوكاس قائلاً “أبهذه الطريقة قمت بقيادة الإمبراطورية؟”، فأجابه فوكاس: “وهل أنت متأكد أنك تستطيع أن تفعل ما هو أفضل؟”، وفي النهاية حُكم على فوكاس بالقتل.

 

[1] John of Ephesus, op. cit., V: 15.

[2] للإطلاع على هذه القصة انظر (Michael le Syrien, op. cit., pp. 386f).

[3] John of Ephesus, op. cit., IV: 39f.

[4] للإطلاع على حياة البابا أثناسيوس انظر (Michael le Syrien, op. cit., pp. 387f).

[5] للإطلاع على هذه الرسائل انظر (Michael le Syrien, op. cit., pp. 392f).

[6] إن قصة تدمير مملكة المسيحيين العرب الغساسنة بواسطة أباطرة القسطنطينية، محفوظة في: (يوحنا أسقف أفسس، مرجع سابق: الجزء الخامس).

[7] C. S. C. O., vol. 81, pp. 215f.

ويُقال أن كسرى قام ببناء كنيستين لزوجته المسيحية، واحدة على اسم سرجيوس والأخرى على اسم والدة الإله.

[8] Michael le Syrien, op. cit., pp. 389f.

عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج2

Exit mobile version