بعد ست وثلاثين ساعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

بعد ست وثلاثين ساعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

بعد ست وثلاثين ساعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

بعد ست وثلاثين ساعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

كان مفروضاً، حسب التفكير البشري العادي، أن ينتهي السر الغامض الذي اكتنف حياة يسوع بموته ودفنه. أما كونه مات بالمعنى الجسماني الكامل فقد قلنا إنه من حقائق التاريخ التي لا يتسرب إليها شك، ورأينا كيف تتابعت الحوادث تتابعاً طبعياً حتى انتهت بتكفين الجسد ودفنه دفناً لائقاً بكرامته.

وأنا لا أجد في سياق حوادث قصة الصلب والدفن ما لا يتفق مع الأوضاع البشرية للأشياء. فالقصة كلها ترسم لنا صورة حقة من صور الحياة لا تعمّل فيها لا تكلُّف. ولكن حين نقلب الصفحة لقراءة حوادث الأيام التالية، نرانا في موقف لا يسلّم به الباحث الملّم بحوادث التاريخ والواقف على مجريات الفكر الحديث.

ولأني أعتقد أن وراء النصوص اللفظية للقصة، أشياء عميقة خفية لها تأثيرها في تعديل وضعها، أراني مضطراً لأن أبحث أولاً مع القارئ الكريم تسلسل الحوادث من الساعة السادسة بعد ظهر يوم الجمعة إلى ذهاب النسوة إلى القبر في فجر يوم الأحد.

وقد استطعنا أن نتعقب خطى سبعة من صحابة يسوع التسعة الأخصاء الذين شهدوا المأساة يوم الجمعة في أورشليم. فالرسول يوحنا كان مع مريم أم يسوع عند قدمي الصليب، وقد غادر المكان بعد النزع الأخير ليُعنى بالأم التي عُهد أمر رعايتها إليه، ويأخذها إلى مكان هادئ أمين بعد الذي أصابها من هول الكارثة وتحطيم الأعصاب. والنسوة الثلاث، مريم المجدلية ومريم زوجة كلوبا، وسالومة، كنّ أيضاً على مقربة من الصليب. كذلك رأينا يوسف الرامي، والحبر اليهودي نيقوديموس في ساعة متأخرة من بعد الظهر يقومان بتكفين الجسد ومراسم الدفن.

هؤلاء سبعة من الأصدقاء التسعة الذين بقوا في أورشليم. أما الاثنان الآخران الغائبان، فهما بطرس. ويمكن تعليل غيابه بما طغا عليه من موجة الحزن والندم والتحسر بعد إنكار سيده، واضطراره إلى الانزواء عن عزلة للتفكير الحزين النادم. وأما التاسع فهو المرأة يونّا التي تعود فيما بعد إلى الظهور في موكب النسوة الذاهبات إلى القبر في فجر الأحد. وقد قلنا إنها ربما كانت منهمكة في القيام بواجباتها كزوجة وكيل هيرودس في إعداد معدّات العيد.

وبرهة من التفكير الهادئ تبين لنا من كان الأفراد العاملون “المتحركون” من صحابة يسوع الذين بقوا داخل أسوار أورشليم – وهنَّ النسوة الثلاث مريم المجدلية ومريم زوجة كلوبا وسالومة، وتعاونهن على قدر ما تسمح به أعمالها الرسمية المرأة يونّا.

وحين ندرك العبء الثقيل المضني الذي وقع على أولئك النسوة الثلاث أو الأربع، اللائي قمن بأوقر نصيب من التبعات التي اقتضاها الموقف الرهيب، نتبين مدى الحوادث الأليمة التي تتابعت في آخر ذلك الأسبوع، ونتميز معنى كثير من الأشياء التي لولا هذا التتابع لظلت خافيه غامضة. والحق أن القصة تكتب في إيضاح وجلاء ما عانته أولئك النسوة من شديد الألم وحسن القيام بالواجب في الظرف الدقيق، من تلقاء أنفسهن، وهنّ مقطوعات عن كل عون خارجي، ما خلا بعض المعونة التافهة يؤديها بطرس المضطرب المهموم، ويوحنا المشغول البال.
والآن لنحاول رسم صورة للمشهد كله. مستندين في ذلك إلى أقدم بشائر الإنجيل وهو بشارة مرقص. ومن دواعي الارتياح أن قصته من هذه الناحية صريحة واضحة. قد كتب في وصف المشهد الأخير للصلب:

“وكان أيضاً نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي وسالومة”.

ثم بعد أن يصف الدفن بعبارات موجزة يقول:

“وكانت مريم المجدلية ومريم أم يوسي تنظران أين وضع….”.

“وبعد ما مضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطاً ليأتين ويدهنّه. وباكراً جداً في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس”.

وفي القصة شيئان جديران بالنظر والعناية:

1 – الأسبقية التي تفوز بها مريم المجدلية كأنها زعيمة الجماعة والشخصية البارزة فيها.

2 – اختفاء اسم سالومة من قصة الدفن.

ويصح أن نتغاضى إلى حين عن النقطة الخاصة بريم المجدلية. أما الإشارات إلى سالومة فإنها تحمل في طياتها بعض المعاني وتُلقي نوراً على القصة. ومرقص يدقق كثيراً في ذكر الأسماء والأماكن، فيضع اسم سالومة بين الواقفات عند الصليب، ثم يذكرها أيضاً بين اللائي أتين إلى القبر في الصباح الباكر، ولكن لم يذكر إلا المريمتين اللتين وقفتا “تنظران من بعيد”.

وحذف اسم سالومة من مشهد الدفن لم يكن عرضاً، ولا بد أن الكاتب أراد أن يبين لقارئيه أن سالومة كانت قد مضت في مهمة عاجلة.

أما هذه المهمة فيمكن استنتاجها من طريق الاحتمال الذي يكان يبلغ حد اليقين. ونحن نعلم أن مريم أم يعقوب وسالومة كانتا بنات خؤولة. وكانتا تعملان في هذه المحنة باتفاق وتعاون مع مريم المجدلية. ثم أن الاثنتين تمتّان بصلة قرابة إلى مريم أم يسوع، وكانت سالومة نفسها أم الرسول يوحنا.

ولا شك أن هذه الجماعة الأمينة المتفانية قد شغلها في ساعات الصلب الأخيرة الرهيبة أمران خطيران – الأول: الجزع الممضّ على زعيمهن وهو يعاني سكرات الموت في عذاب أليم خانق. والثاني: القلق على قريبتهن أم يسوع. وما بقيت نبضات الحياة مترجرجة في الجسد المعلق على الصليب كان عواطفهن مغمورة بالهّم والشجن والحرقة من أجله. ولكن بعد أن أدركه الموت الرحوم بصرخة داوية من النفس المعذبة، غلب عليهن ذلك الهمّ الآخر من أجل القريبة التي تحطم قلبها المتوجّع.

ولسنا نعرف، ولا نقدر أن نعرف، مبلغ الجهود العقيمة التي بذلت في ذلك اليوم لإبعاد مريم أم يسوع عن مشهد الصلب. فهي لم تكن يومئذ شابة في عنفوان الحياة، ولم يكن هيناً على من كان في سنها أن تقف أمام هذا المشهد الدمويّ، مشهد صلبان ثلاثة، عُلّق على أحدها ولدها وفلذة كبدها. ولا شك أن جماعة الصحابة من رجال ونساء قد أنفقوا من النصح والإقناع لإبعادها عن هذه المشهد كل ما استطاعوا. ولكن غريزة الأمومة قوية جبّارة تغالب الضعف والوهن وتستعذب الألم والضّنى، فأصرّت على أن تكون إلى جانب ولدها حتى المنتهى، ومن ذا الذي ينكر على الأم هذا الحق إذا هي ألحّت وأصرت؟

وأظنّنا لا نجد، بين غير المشتغلين بمهنة الطب، من يقدّر مدى الأخطار الجسمانية التي تعرضت لها الأم في ذلك الموقف الرهيب، ولا مبلغ الانسحاق والتصدّع الذي عاناه قلب الأمومة أمام هذا المشهد الجلل. وما أخال الأم التي اقتادها يوحنا بعد أن أسلم المصلوب روحه إلاّ امرأة خائرة القوى، محطّمة القلب، فاقدة الوعي، لا تلبث طويلاً حتى تهوي وتنهار تحت هذا العبء الذي لا يقوى عليه قلب الأم.

وكانت النسوة الثلاث على مقربة من الصليب، فلما سمعنَ الصرخة الداوية عرفن أن النهاية قد جاءت، ورأينّ يوحنا يقود الأم المحطّمة القلب وسط الجموع الواقفة. ثم إلى داخل المدينة وهو يسندها بذراعه في بطء وألم. وعندئذ يتشاور ثلاثتهن، ويقررن أن تذهب إحداهن إلى جانب الأم الثكلى، وتبقى الأخريات على مقربة من جسد الميت. وتتطوع سالومة لهذه المهمة لأن ولدها يوحنا هو الذي تولى رعاية الأم الحزينة ومرافقتها إلى داره. 

هذا هو منطق الحوادث كما أفهمه. وهو منطق سليم نستنتجه حتى ولو لم يكن في الإنجيل إي إشارة إليه. على أن رواية مرقص تجعل هذا الاستنتاج حاسماً.

ومن ثمّ نجد في أقدم بشائر الإنجيل – التي أجمعت المصادر التاريخية على قربها من زمن الحوادث – صورة رائعة للبقية الباقية من صحابة يسوع، يستجمعون فيها على الرغم من هول فاجعة الصلب، قوامهم للعمل على قدر ما تسمح به الظروف في هذه الطوارئ المفزعة – فبطرس وقد غالبه وخز الضمير والخجل من نفسه يبقى في عزلته كئيباً مهموماً، ويوحنا يتولى مع سالومة رعاية الأم المنكوبة المتفجعة التي أُوكل إليهما أمرها. ومريم المجدلية ومريم الأخرى – تعاونهما على قدر ما تسمح به الطاقة يونّا وسالومة – يتّخذان الأهبة لإعداد ما يتطلبه الموقف لتكريم جسد الميت وأداء آخر خدمة تفرضها واجبات المحبة والصداقة.

هكذا كان الموقف كما أفهمه عند غروب الشمس يوم الجمعة، أي عند بداية يوم السبت الذي تقف فيه كل الأعمال. وفيه نرى صورة بشرية تصدق على الحياة كل الصدق، وصورة يفهمها تماماً كل إنسان، بل كل امرأة خبرت شيئاً من هذا.

واضح من تسلسل الوقائع أنها وقفت وقوفاً تماماً طوال يوم السبت، وإن النسوة خلدن إلى الراحة والهدوء على أن يبدأن في صباح اليوم التالي للذهاب إلى القبر.

ومما جرت به العادة، حين يحاول امرؤ سبك حوادث قصة ما، وحبك مشاهدها، بعد مضيّ قرون طوال كما في القصة الموجزة في بيانها، أن يلجأ إلى كثير من التفاصيل الدقيقة ليكتشف مفتاح الحقائق التي تشرح الموقف كله. أما في موقفنا الحالي فالروايات ذاتها صريحة حاسمة، فالكُتاب الأربعة يشهدون أن موعد الزيارة كان عند طلوع الفجر – أي قبل أن تحين الساعة التي يصحو فيها النائمون. فيقول البشير مرقص “باكراً جداً …. إذ طلعت الشمس”. ويقول متى “عند الفجر”، ويقول لوقا “أول الفجر”، بينما يقول كاتب البشارة الرابع (ولشهادته هنا قيمتها وقدرها) “باكراً والظلام باقٍ”.

ولست أجد على الرغم مما بين هذه الأقوال من اختلاف طفيف في اللفظ من حيث طلوع الشمس أو عدم طلوعها. ما يلقي ظلاً من الشك على الحقيقة البارزة في الموضوع كله، وينبغي ألاّ نغفل أن الشمس تطلع مبكراً في مناطق العرض الجنوبية، وأن النساء يتأخرن عادة لأسباب وطوارئ غير منظورة حين يعزمن على العمل جماعات. وهنّ بلا شك قد استيقظن والظلام باقٍ ولكنهن حين وصلن إلى القبر كانت الشمس قد طلعت من وراء الأفق في الشرق. وعلى أي حال فقد أجمع الرواة في الوثائق الأربع على أن الوقت كان باكراً جداً، وبعد انتهاء السبت اليهودي.

هذا فيما يتعلق بالزمن. ولنعُد الآن إلى الأشخاص الذين تألفّ منهم الموكب. ولو أننا نضع الروايات الأربع تجاه بعضها، نراها تُجمع على شيء واحد، هو أن مريم المجدلية نهضت قبيل طلوع الشمس ومضت من فورها نحو القبر.

وهذه الحقيقة قد أثبتها بعبارة صريحة كاتب البشارة الرابعة التي نالها من النقد والتمحيص أكثر مما نال أي سفر آخر من أسفار التاريخ: “وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر والظلام باقٍ. فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر. فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه، وقالت لهما: أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه!”.

وما الذي نستنتجه من هذه العبارة؟ هل مضت مريم المجدلية وحدها إلى القبر؟ أن هذا السؤال خطير، وخليق بنا أن نفكر طويلاً قبل الإجابة عليه. فلو أن كاتب البشارة الرابعة أدرك يومئذٍ أن ملايين القراء في العصور المتعاقبة ستشغلهم مسألة النسوة اللائي ذهبن إلى القبر، ويجعلونها موضعاً للبحث والاستقراء، لكان عدّل الصيغة اللفظية لهذه العبارة بحيث تتفق الأفعال التي وردت بصيغة المفرد في أولها مع صيغة الجمع “لسنا نعلم” التي جاءت في آخرها.

وليس من عادة كاتب البشارة الرابعة أن يلجأ عمداً إلى الغموض أو الإبهام عند وصف الحقائق، بل هو على نقيض ذلك يتوخّى في بشارته أسلوباً وصفياً صريحاً لا يقل في صفاء ألفاظه وجلاء معانيه عن أرقى المؤلفات التي عرفها عالم الأدب، ويمتاز بصياغة أدبية يعبّر بها عن أدق المعاني في عبارة صافية نيّرة.

ولكنه في هذه العبارة – إما لسهو غير مقصود، أو لأن ذكر صويحبات مريم لم يكن في نظره أمراً ذا بال، لا أدري أيهما – جنح إلى شيء من الغموض، فيبدأ بوصف ذهاب مريم إلى القبر في ساعة ينقطع فيها المارة إلاّ من صويحباتها اللائي استيقظن في الصباح لمرافقتها. ثم يصفها تركض مسرعة جزعة مضطربة لتنبئ بطرس ويوحنا بما رأت. وهنا يذكر عبارة من العبارات التي تفوهت بها لاهثة: “أخذوا السيد ولسنا نعلم أين وضعوه”.

وليت شعري لماذا يثبت الكاتب العبارة بصيغة الجمع فيقول “لسنا” لو لم يكن عالماً أن مريم لم تذهب وحدها، وأنها أنبأت بما رأته أو بما لم تره مع فريق من زميلاتها! وبين بقايا المؤلفات القديمة التي تعتزُ بها المتاحف، قطعة منثورة يُقال أنه جزء من بشارة منسوبة إلى بطرس، تضمّنت بياناً يلقي نوراً شاعّاً على هذه المسألة، وذلك لأن الكاتب يجعل مريم المجدلية في مقدمة الزائرات صاحبة الفضل الأكبر، ولكنه يضيف عبارة تزيل تماماً الغموض الذي وقع فيه يوحنا فيقول الكاتب:

“باكراً في صباح يوم الرب، مضت مريم المجدلية، إحدى تلاميذ السيد إلى القبر، آخذة معها نساء من صاحباتها، وذلك لأنها خافت اليهود لشدة غضبهم، فلم تتمكن من القيام وحدها بما تفرضه التقاليد على النساء نحو الذين يموتون من أحبائهن.

وهنا صورة تمثل المشهد أصدق تمثيل: مريم المجدلية هي المحرك الأول في زيارة القبر، ولكنها تصحب معها، على الأقل للاطمئنان في تلك الساعة الباكرة، وحرصاً على الكرامة واللياقة، صديقاتها المخلصات ممن يفضلنها في نضوج السنّ وحكمة الاختبار.

وحين نعود إلى روايات البشائر الثلاث الأخرى، يأخذنا إجماعها واتفاق أقوالها من هذه الناحية، فيقول ثلاثتهم، في يقين وفي جلاء، إن مريم زوجة كلوبا ذهبت مع مريم المجدلية إلى القبر. ويقول مرقص إن سالومة رافقتهما، بينما يقول لوقا إن يونّا كانت العضو الثالث في هذه الجماعة.

وكلما دقق الباحث في دراسة الأحوال الخاصة التي أحاطت بحياة هؤلاء القوم البسطاء في تلك الساعات الخطيرة، استطاع أن يصّور لنفسه ذلك المشهد، وأن يرى، حين يعود بخيالاته إلى أورشليم في ذلك الفجر الداكن من يوم الأحد الخالد في تاريخ العصور، مريم المجدلية ومريم الأخرى، تصاحبهما سالومة أو يونّا، يخطرن متثاقلات حزينات في طرقات المدينة القديمة المظلمة في طريقهن ليقمن بالواجب الأخير نحو زعيمهن المائت.

وأنه لعلى جانب من الأهمية أن نقتنع اقتناعاً لا تشوبه ريبة، ونعرف من زار القبر قبل أي إنسان آخر في صباح الأحد، وذلك لأن النسوة حينما وصلن هناك لم يجدن الجسد موضوعاً في مكانه.

وأول ما يسترعي النظر في هذا الصدد، أن الغرض الذي مضى من أجله النسوة إلى القبر كان أمراً طبيعياً مألوفاً تفرضه العادات والعرف. وأن الساعة التي مضين فيها تتفق تماماً وهذا الغرض. ومن المسلّم به إجماعاً في الشرق أن انحلال جسد الميت يبدأ حوالي اليوم الثالث من تاريخ الوفاة. ولذلك كان لزاماً أن يقوم النسوة بالطقوس والمراسم في أقرب ساعة بعد نهاية يوم السبت اليهودي. وكانت تلك الساعة عند إشراق الشمس في صباح الأحد. وطبيعي أن يختزن ساعة مبكرة اجتناباً للتشهير. ولم يستطعن الذهاب قبل إشراق الشمس خشية الظلام، وربما لأن أبواب المدينة لم تكن تُفتح قبل هذا الميعاد.

إذن نحن أقرب ما نكون إلى الاحتمالات التاريخية الطبيعية حين نتخيل صورة النسوة الثلاث أو الأربع، سائرات في طريقهن نحو القبر في غبشة ذلك الصباح.  على أن هذه ليست الحقيقة الوحيدة التي دوّنها الإنجيل والتي رسخت رسوخ الطود في أذهان العصور المتعاقبة، وأقصد بذلك تفكير النسوة ومشغوليتهن إزاء الصعاب التي كنّ يتوقعنها في إزاحة الحجر الكبير الذي وضع على باب القبر بإجماع كل والوثائق التاريخية.

ولا شك أن مسألة إزاحة الحجر من على باب القبر شغلت أذهان النسوة وأقلقت بالهنّ طول الطريق، فإن اثنتين منهنّ على الأقل شهدتا الدفن وعرفتا الأشياء كما وقعت، فكانت الصعوبة أمامهن إزاحة ذلك الحجر الذي كان كبيراً وثقيلاً. وحين نقرأ في بشارة مرقص – وهي أقدم بشائر الإنجيل هذه الكلمات: “وكن يقُلْنَ فيما بينهن: مَن يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟” لا يسعنا الشعور إلاّ أن قلق بال أولئك النسوة من هذه الناحية لم يكن فقط ضرورة نفسية في ذلك الموقف، بل عنصراً تاريخياً تحدثنا عنه فعلاً طول الطريق إلى ساعة وصولهن إلى القبر.

ويتبين لكل من تستحثّه رغبة للوقوف على الحق التاريخي، لا مجرد تفنيد الأدلة، أن الذكريات القليلة، التي تحدّرت إلينا مما حدث فعلاً في اللحظات اللاحقة لوصولهن إلى القبر، تصور لنا اختباراً غريباً فوق المألوف. وليس الأمر هنا أن الروايات اتفقت على قول معين. فلو كانت قد اتفقت لأقبلنا نحو المشكلة من وضع آخر. ولكن الروايات لم تحاول إيجاد هذا التوافق ولم تتظاهر به، وإنْ تكن أقدم الروايات جميعاً التي سطرها مرقص معروفة قبل أن يكتب كلُّ من متى ولوقا بشارته. كما أن البشائر الأولى الثلاث كانت ملكاً مشاعاً حين وضع يوحنا بشارته الرابعة. والشيء المؤكد في هذه كلها أن النسوة حين بلغن القبر، أصابتهن صدمة عنيفة لم يكنّ متأهبات لها.

والذي اكتشفنه أن القبر قد حدث به بعض الاضطراب، وأن جسد يسوع لم يكن هناك، على عكس ما كنّ يتوقعن. ويُجْمِل لوقا البشير شهادة كُتّاب البشائر الثلاث في عبارة موجزة بقوله: “لم يجدن الجسد”. وكأنما في سبيل تأييد هذا الحديث المتواتر واثباته، يذكر يوحنا البشير في بشارته عبارة صريحة تختلف عن روايات البشائر الأخرى، ويضعها في وضع يستأثر كل قارئ مهما تكن نزعته، فيقول: “فركضت (أي مريم المجدلية) وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه وقالت لهما: آخذوا السيد م القبر ولسنا نعلم أين وضعوه”.

ولست أريد هنا التأثير في غير ضرورة على مَن يؤثرون البشائر الثلاث القديمة الأولى على بشارة يوحنا عند البحث في حقيقة من الحقائق التاريخية. لست أريد شيئاً من هذا، ولكن لا مندوحة من القول إن هذه العبارة في المقام الذي وردت فيه، تترك عندي أبلغ أثر. وكأنني أراها سهماً من نور الشمس يشقُ طريقه في غبشة ذلك الفجر الداكن.

وما لم نعمد إلى إغفال كل ما لدينا من الوثائق والروايات الباقية على الزمن، وهو مسلك أربأ بكل قارئ منصف مدقق أن يتّخذه. فإننا مسوقون إلى أن نسلّم أن أولئك النسوة أيضاً حين بلغن القبر اصطدمن بما لم يكنّ له متأهبات، وهو أن الجسد لم يكن هناك. وأظنه أيضاً استنتاجاً معقولاً أن أقول أن هذا الكشف الذي وقف عليه النسوة قد بعث فيهن حالة من التوتر العصبي، وذلك لأنه وقع في ساعة مبكرة من الفجر، وفي ظروف مفزعة، ولعقول لم تكن متأهبة له. ويزداد فينا هذا اليقين حين نعلم أن اثنتين من النسوة قد جاوزتا سنّ الشباب.

وليس لدينا ما نستدل به على عمل يونّا، ولكن المفهوم أن مريم زوجة كلوبا وسالومة لا بد أن تكونا قد أشرفتا، إن لم يكن قد جاوزتا، العقد الخامس من العمر.

وقد يبدو لنا لأول وهلة أن هذه المسألة ليست ذات بال، ولكن لها معناها الخطير من الناحية النفسية. فأولئك النسوة قد أحسسن وفعلن ما تحسّ به وتفعله جماعة من النسوة في هذا العصر، لو أنهن فوجئن في ساعة مبكرة غير طبيعية مثل هذه، وفي مقبرة حديثة، بمظهر مثل هذا في غرابته وبُعده عن المنتظر.

وأول تأثير يبدو عليهن هو بلا شك شعور الذهول يعقبه سراعاً تفكير وتشاور عاجل فيما عسى أن يعملن. وأن كانت مريم المجدلية، كما هو المرجح، قد تبرعت وهي أصغرهن وأقواهنّ للذهاب مسرعة إلى المدينة وإخبار التلميذين بطرس ويوحنا تاركة النسوة الأخريات يسرن على مهل، إن كان هذا هو الذي حدث، وهو المرجح جداً كما قلنا، فإننا نشهد صورة تتفق تماماً والقصة التي روتها البشارة الرابعة، وفيها تعليل كافٍ لقول مريم بصيغة الجمع وبصوة لاهث متقطع: “لسنا….”

على أن هذا الاستنتاج سنوفيه حقه من البحث في فصل تالٍ، وحسبنا القول هنا أن الحقيقة الجوهرية في هذه القصة الغريبة لا تشوبها شبهة من الريب، فإن أولئك النسوة قد دبّرن القيام بخدمة لسيدهن المائت في أول ساعة من بكور النهار بعد انقضاء السبت اليهودي. وتنفيذاُ لهذا الغرض قمنَ مبكرات في صباح الأحد ومضين إلى القبر. أما الحقيقة التاريخية الهامة هنا فهي أن هذه الخدمة لم تؤدّ قط. ومهما يكن من أمر الحوادث التي وقعت في بستان القبر في صبيحة ذلك اليوم، فإن دليلاً حاسماً بين أيدينا يثبت لنا أنهن لم يجدن الجسد هناك.

فصول كتاب من دحرج الحجر

بعد ست وثلاثين ساعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

الموقف بعد ظهر يوم الجمعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

الموقف بعد ظهر يوم الجمعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

الموقف بعد ظهر يوم الجمعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

الموقف بعد ظهر يوم الجمعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

إذا أردنا الوقوف على سير الحوادث التي وقعت عقيب موت المسيح، تعيّن علينا أن نبحث بتدقيق الموقف كما كان حوالي الساعة الرابعة من عصارى يوم الجمعة.

وإلى هنا كان بحثنا في الموضوع دائرً كله أو جلّه من وجهة النظر الرسمية الكهنوتية، وقد كان لوجهة النظر هذه شأنها وخطورتها في الأدوار الأولى من هذه القضية. فالذين أقاموا الدعوى هم الكهنة، ولم يكن بدُّ من معرفة ما كان ورائها من العوامل.

ولكن بعد أن نالوا أربهم، يختفي مؤقتاً أولئك الممثلون الرسميون لليهودية، ويحلّ محلهم على مسرح الحوادث قوم آخرون هم صحابة يسوع وأصدقاؤه المخلصون الذين نُعنى بهم في الفصلين أو ربما الفصول الثلاثة التالية. ولنبدأ الآن ببحث مَن كان أولئك الصحابة، وما الذي تقوله عنهم الوثائق التي بين أيدينا:

وإذا استثنينا مريم ومرثا من بيت عنيا وأخاهما لعازر الذين لم يرد لهم ذكر في الحوادث الأخيرة من هذه المأساة لأسباب سنبحثها فيما بعد، فإنه يبقى بعد هؤلاء نفر قوامه ستة عشر شخصاً. كلهم من أصدقاء يسوع اصطفاهم أعواناً خلصاء:

الأحد عشر رسولاً.

مريم أم يسوع.

مريم زوجة كلوبا.

سالومة زوجة زبدي.

مريم المجدلية.

يونا امرأة خوزي وكيل هيروس.

وقد يصح أن نضيف إلى هؤلاء رجلين آخرين من طبقة اجتماعية رفيعة ذات شأن، لم يعترفا جهرة بتلمذتهما ليسوع، ولكنهما كانا يعطفان على قضيته كل العطف – وهما يوسف الرامي، والمشير اليهودي نيقوديموس، أحد أعضاء مجلس السنهدريم.

ويؤخذ من رواية الإنجيل أن كلاً من هؤلاء الثمانية عشر شخصاً كان حاضراً في أورشليم أو في ضواحيها في ذلك العيد. ولدينا في الوثائق ما نستطيع به أن نقفو خطى كل منهم، ولا سيما فيما يتعلق بالنساء. وسنرى أن لأدلتهن قيمة خاصة في الحوادث الطارئة فيما بعد.

والسؤال الذي يتعيّن علينا بحثه هو: كيف تلقّى أولئك الصحابة الصدمة العنيفة بعد إلقاء القبض على المسيح وصلبه؟ وما الظروف الدقيقة التي عرفوا فيها ما كان يجري من الحوادث، وكيف تلقوا هذه الحوادث كلها التي أدَّت، لا إلى موت زعيمهم فقط، بل إلى اضطراب عميق في حياتهم الخاصة؟

من الميسور أن نجيب على هذا السؤال في غير عناء عن التلاميذ أنفسهم. وما من شك أنهم لم يدركوا خطورة الأمر تماماً إلى في ساعة متأخرة من يوم الخميس. ونحن لا نذكر أن رنات أقوال يسوع الرزينة الخطيرة خلال تناول العشاء في العلية قد أعدّتهم لتوقّع فاجعة من نوع ما، ولكنهم لم يدركوا تماماً حقيقة الأمر الرهيب إلاّ حين أقبل يهوذا الخائن ومعه الجند للقبض على سيدهم، ولم يكن في وسع نفر ضعاف مقاومة القوة المسلحة التي جاءت للقبض عليه.

وبعد محاولة عقيمة غير مجدية من جانب بطرس، هرب الأكثرون منهم لا يلوون على شيء. وانقضى الليل كله ويسوع بين أيدي أعدائه وأتباعه المخلصون قد تبعثروا وارتاعوا من هول ما رأوا!

على أن اثنين من أتباعه، وهما بطرس ويوحنا، ظهرا ثانية في الهزيع الأخير من الليل في أفنية دار رئيس الكهنة، ويخيّل إلينا أنهما دخلا المدينة في أعقاب الشرذمة التي ألقت القبض على يسوع. وقد كان أولئك الذين كُلفوا بالقبض عليه، على قول رواية الإنجيل، خليطاً غير متجانس من الناس صحبوا جنود السنهدريم إلى بستان جثسيماني.

وأغلب الظن أنه قد وُضعت التدابير اللازمة للسماح لهذه الحملة بالعودة إلى المدينة من أحد أبوابها. ولم يكن متعذراً على بطرس ويوحنا أن يندسّا في الظلام وسط الهرج والمرج ويدخلا المدينة مع الداخلين دون أن يعرفهما أحد. وما أن دخلا باب المدينة حتى اقتفيا خُطى الحملة إلى دار رئيس الكهنة، حيث أفاد يوحنا بما كان بينه وبين البوابة من تعارف، وتمكّنا من الوقوف على بعض ما كان يجري.

أما التسعة التلاميذ الآخرون فإني أشك كثيراً في أنهم قضوا الليلة في أورشليم. والظاهر أنهم ارتاعوا وارتعبوا فولّوا الأدبار خوفاً من القبض عليهم. ومع تسليمنا بأن قوانين الدخول من أبواب المدينة بعد مغيب الشمس كان يصيبها شيء من التراخي والتساهل في ليالي الأعياد، حينما كان يبيت كثيرون من الحجاج في مظلات وأعشاش فوق أكتاف التلال، فإنه لم يكن محتملاً أن يجازف التلاميذ الذين عراهم الخوف والرعب بالدخول في ساعة مريبة معرّضين أنفسهم لافتضاح امرهم وسَوقهم موثقين مع زعيمهم. والأرجح كثيرً أنهم اتخذوا طريقاً آخر سنفصلّه في فصل تالٍ.

أما النساء، فأغلب الظن أنهن جهلن كل هذه الحوادث وخفيت عليهن الأمور حتى انتهت أدوار المحاكمة الليلية. ولا يفوتنا أن ذيوع الأخبار في أورشليم القديمة لم تكن على شيء من هذه السرعة التي نشهدها الآن بعد انتشار الصحف والأجهزة اللاسلكية. ولم يكن قد بُتّ في أمر القبض على يسوع إلاّ في ساعة متأخرة من اليوم السابق بعد أن هجع أغلب سكان المدينة في مخادعهم. وربما عادت الحملة بالمتهم من طريق لا يغشاها إلاّ قليل من المارة في تلك الساعة المتأخرة. وكأن الظروف كلها قد هيأت للكهنة فرصة ملائمة لتنفيذ فعلتهم بعيداً عن أعين الرقباء كما كانوا يرغبون.

فلما انفتحت الأبواب عند شروف الشمس، وبدأ الناس يغدون ويروحون، ذاعت بينهم شائعات عن حوادث الليلة، وانتقل النبأ إلى بعض أنحاء المدينة. ولكن يبدو لنا من تضاعيف القصة أن الكهنة حاولوا كتمان الحوادث ما استطاعوا، ولم يقف الناس على تفاصيل الرواية كلها إلا بعد أن بلغت المأساة دورها الأخير الحاسم.

وأخالنا لا نبعد عن الحق كثيراً إذا افترضنا أن النساء في جماعة الصحابة لم يبلغهن نبأ هذه الحوادث الرهيبة التي تعاقبت سراعاً قبل بكور يوم الجمعة، إلا عن طريق الشائعات التي ذاعت في المدينة، أو (وهو الأرجح) نقلاً عن بطرس أو يوحنا. وكان فرضاً على من أحبّوا يسوع أن يبلغوا الخبر لأمه مهما كان الأمر ثقيلاً عليهم.

وإن كان هذا الذي أسلفنا هو التقدير الصحيح لسير الحوادث، فتكون جماعة صحابة يسوع في أورشليم قد نقص عددها في صباح يوم الجمعة من ستة عشر شخصاً إلى سبعة، بينهم خمس من النساء. ولم أن أحداً من التسعة الآخرين أفلح في الانضمام إلى بطرس ويوحنا أو إلي النساء، لكنّا سمعنا عنه في القصة.

ومما يرجّح اختفاء التلاميذ التسعة، أن الأشخاص الذين ذًكروا في المشهد الأخير أمام الصليب كانوا من بين هؤلاء السبعة فقط. وكانوا كلهم هناك، ما عدا اثنين لهما أعذار تبرر غيابهما وهما بطرس وأظنه قد اختلى إلى مكان منعزل إنساناً كسير القلب موجعه، نادماً مستغفراً، ذليلاً متحسراً. ويونّا وأظنها كانت مشغولة بأداء واجباتها الرسمية لأن هيرودس كان مقيماً في أورشليم مؤقتاً في تلك الفترة.

ومهما برح الألم بقلب الأم، فما من شدة تستطيع أن تحول بينها وبن الوقوف في ساعة النزع الأخيرة، ومن ثّم نراها هناك واقفة عند قدمي الصليب. كذلك نرى هناك يوحنا على أهبة أن يتلقّى وصية البنوة للأم الثكلى، ومريم زوجة كلوبا، ومريم المجدلية، على مقربة من الصليب أيضاً.

كل هذا يتسق تماماً مع الذي نتوقعه. فحتى لو كان الأحد عشر تلميذاً شهوداً للحادث يشاطرون معاً تبعاته وآلامه وأحزانه في ذلك الصباح الرهيب، لكنّا ننتظر أيضاً أن يكون النسوة هناك، وذلك لأن أضعف النساء بنية وأهزلهنّ جسداً، ينجذبن بقوة غالبة إلى خدمة الموتى والعناية بهم، ولو كان ذلك في ظروف رهيبة مريعة تهدّ أعصاب أقوى الرجال هدّاً. وأن وقوف النسوة في هذا المشهد الرهيب، ووقوف التلميذ الحبيب يوحنا في ساعة الضيق والشدة، من الأمور البشرية الطبيعة. هنا صورة من صور الحياة الحقة. ولم كتب المؤرخون المدققون وصفاً لهذه المأساة، لما كتبوا غير هذا.

ثم انظر الآن إلى الحوادث التي تعاقبت سراعاً: وعندي أن موت المسيح على الصليب، بالمعنى الجسماني الكامل، حتى قبل أن يخرق الجندي الروماني جنبه بحربته، من الحقائق التاريخية التي لا يتناولها ريب أو شبه ريب. فإن الوثائق والروايات كلها تؤيدها. ويقول كاتب بشارة مرقص، وهي أقدم بشائر الإنجيل، إن بيلاطس نفسه أيقن هذا الأمر بسؤاله قائد الجند الذي عُهد إليه بالصلب، قبل أن يعطي الإذن بنقل الجسد من فوق الصليب. ولم يكن يخطر ببال أحد أن يرتاب في هذه الحقيقة أو يخامره شك في أمرها في العصر الذي عاش فيه شهود العيان.

ولم يجسر أحد في خلال أجيال التاريخ على إثارة شبهة، إلى أن قامت جماعة العقليين في أوائل القرن التاسع عشر، وأبرزت للناس ذلك الزعم الغريب السقيم بقولهم إن يسوع لم يمت ولكنه أُغمي عليه فقط، ثم استفاق من هذا الإغماء حين أحسّ ببرودة القبر المنحوت في الصخر. وقد فنّد العلامة “ستروس” هذه النظرية تفنيداً شاملاً، وسنعود إليها في فصل تالٍ من هذا الكتاب.

وقد أجمع كُتّاب البشائر الأربعة أن يوسف الرامي طلب إلى بيلاطس عقب موت يسوع أن يأذن له بدفن الجسد. وهنا نرى رجلاً في مكانة اجتماعية ممتازة، وفي وظيفة رسمية محترمة، يقطع نفسه من كل علاقة بحزب الكهنة، ويلتمس إذناً من الوالي الروماني لدفن المتهم المصلوب دفناً كريماً لائقاً.

ومما يقوله بعضهم إن الباعث الذي دفع ذلك الرامي إلى هذا العمل، هو رغبته في احترام الشريعة اليهودية والقيام بشعائر الدفن التي أوجبتها. ولا يسعني أن أقبل تعليلاً كهذا وأمامي من الأدلة من ينقضه. فقد كان هناك على الصلبان ثلاثة أجساد يجب مواراتها قبل مغيب الشمس، لا جسد واحد. ولم يُذكر، لا تلميحاً ولا تصريحاً، أن يوسف الرامي التمس الإذن بدفن اللصين الآخرين، إنما كان غرضه الأوحد أن يؤدي واجب التكريم والاحترام لجسد يسوع. ورواية الإنجيل الكريم تؤيد هذا الرأي كل التأييد. فقد قيل إنه لم يكن راضياً في مجلس السنهدريم عن قتل يسوع.

ويقول البشير لوقا عنه إنه “كان ينتظر ملكوت الله”. ويفصح يوحنا بأسلوب غير هذا فيقول إنه “تلميذ يسوع ولكن خفية بسبب الخوف من اليهود”. ولكن الحوادث الجسام تفتق في أخلاق الرجال البسالة والإقدام. وبعد أن قضى يسوع ولم يعد لأعدائه أرب ضده، ارتفع يوسف الرامي إلى مستوى الآمال الخفية التي جاشت في نفسه، وتذرّع بالشجاعة فذهب إلى بيلاطس ليأذن له بدفن الجسد.

على أن البشير يوحنا يضيف إلى قصته معلومات أخرى ترجحها الحوادث كل الترجيح. فقد قال إنه بعد الحصول على إذن بيلاطس بدفن الجسد، أحضر الراميّ معه نيقوديموس – وهو الحبر اليهودي الذي جاء إلى المسيح ليلاً على قول هذا البشير نفسه. وقد كان لذينك الرجلين تفكير مشترك وآمال مشتركة. فكلاهما من الطبقة الحاكمة، وكلاهما أضمر ليسوع خفية كل معاني الاحترام والإخلاص.

فلم يكن من المستبعد أن ينضما معاً آجلاً أو عاجلاً. وهي هناك ساعة يحق لهما فيها أن يتواعدا ويتآلفا غير هذه الساعة التي خشيا أن يوارى فيها جسد من كان موضع احترامهما وتقديرهما في لحد لا يليق بكرامته؟ حقاً كانت تلك الفرصة الأخيرة والوحيدة التي يستطيعان فيها أن يؤديا للمسيح جهراً بعض معاني الإخلاص الذي أنكراه عليه في حياته.

وجدير بنا أن نذكر هنا أن شهود العيان المسيحيين الذين راقبوا ما حدث في ذلك الدور من المأساة، كانوا على الأرجح النسوة الثلاث فقط – وهنّ مريم زوجة كلوبا وسالومة ومريم المجدلية. ويكاد يكون مؤكداً أن أم يسوع قد تحطمت أعصابها تحت ضغط الحوادث. وفي رواية الإنجيل ما يُلمح إلى هذا.

وطبيعي ألا تقوى على الوقوف صاحبة ذلك القلب المعذب التي ذاقت مرارة الكأس الرهيبة وهي تشهد متوجعة متفجعة آلام ابنها وهو ينازع الموت على الصليب. ولا عجب أن تنهار قواها الجسمانية ويدركها الإعياء والكلال بعد أن تقف ساعات عند قدمي الصليب تشاهد ابنها المعذّب المائت، فيأخذها يوحنا التلميذ الذي أودعت إلى عنايته مسنداً إياها وسط الجموع الخشنة الفظّة إلى الدار التي اتخذها مقاماً مؤقتاً في أورشليم.

ولكن في رواية الإنجيل شهادة ثابته تؤيد أن اثنتين من النسوة على الأقل بقيتا إلى آخر مشاهد هذه المأساة، وقد ذكر أسماءهن كُتّاب البشائر الثلاث الأولى. وقد أجمعت الروايات الثلاث على شيء غريب، وهو بقاؤهن يشهدن مراسم الدفن من بعيد. وكأن الظروف قد قضت بألا يشتركن اشتراكاً فعلياً فيها.

وهذا وحده يعبّر أصدق تعبير عن احتمالات الموقف، فلو صحّ ما ذهب إليه كُتّاب البشائر الأربع – وهو صحيح – من أن يوسف الرامي الذي قام بالدفن، رجل من ذوي النعمة والثراء، وغريب عن أولئك النسوة، فإنه طبيعي أن يتمنّع النساء عن الاشتراك معه لأنه غريب عنهن، فضلاً عن مكانته الاجتماعية التي تجعل فارقاً بينه وبينهن.

وهناك اعتبار آخر نضعه في مرتبة الحقائق التاريخية، ذلك أنه لم يكن معقولاً أن يقوم يوسف الرامي وحده بكل إجراءات الدفن دون معونة آخرين. فإن لف الجسد في أقمطة من الكتان طولها ثمانية أقدام (حسب التقاليد اليهودية) يحتاج على الأقل إلى أربع أيد ثم أن نقل الجثة من تلّة الإعدام إلى بستان القبر – وإن تكن المسافة قريبة – لا بد يحتاج إلى رجلين قويين لحمل جسد لم يكن من الهين حمله بسبب الجروح التي أثقلته وأثخنته ونلاحظ أن البشائر الثلاث الأولى التي لم تشر إلى نيقوديموس في هذا المقام، قد صمتت أيضاً، فلم تذكر أحداً من المساعدين.

على أن وجودهم مع يوسف الرامي أمر مسلّم به، ولعلّ نيقوديموس كان واحداً منهم، وهو أيضاً كان غريباً عن النسوة اللاتي وقفن من بعيد يشهدن التكفين.

ومسألة المعونة في حدّ ذاتها تافهة القدر. ولا يعنينا كثيراً أن يكون يوسف الرامي قام بالتكفين وحده أم قام به مع آخرين، على أن للمسألة وجهاً آخر يتصل بالمشكلة اتصالاً مباشراً كما سنرى فيما بعد.

تلك كانت الأزمة التي أدركت صحابة يسوع في ذلك اليوم المأثور في التاريخ البشري، يوم الجمعة العظيمة. ونحن حين نلقي اليوم نظرة على هذه الاعتبارات كلها، نتأثر أيما تأثير بتلك الحادثة البعيدة في التاريخ القديم، التي لا تنسجم فقط مع نصوص الوثائق التي بأيدينا، بل تتمشى مع أحوال الحياة البشرية وأطوارها. ثم تعود هذه القطع المبعثرة المحطمة إلى التجمع والتساند في كلّ لا يقبل التجزئة. ولسنا نغلو حين نقول أن هذه القصة الهادئة في سردها، المقتصدة في لغظها، تمثل الحقائق كاملة في تلك المأساة الخطيرة التي لا مثيل لها في التاريخ من حيث نتائجها وثمارها.

ومن ثم نرى مصداقاً لقانون الإيمان المسيحي القديم، إن يسوع “تألم في عهد بيلاطس البنطي، وصُلب، ومات، وقبر…… ” وهنا وضعت نقطاً سوداء في هذا الفراغ بدل النص المشهور، وذلك لأني كنت أقف عنده متمنعاً في أيام شبابي عند تلاوة قانون الإيمان في الكنيسة، فلا لساني كان يطاوعني على النطق، ولا عقلي كان يتساهل في التسليم. والقارئ الذي يعرف نصّ قانون الإيمان يفهم علّة هذا الإحجام. أما الآن فإني أحسُّ إحساساً مغايراً. لقد تصارعت مع هذه فوجدتها أصلب عوداً مما كنت أظن. ومن الهيّن أن تقول إنك لن تؤمن بشيء لا يتّسق والفكر العقلي في الكون.

ولكن هب أن الحقائق لن يمكن صبّها في ذلك القالب العقلي، فماذا يكون موقفك؟ إن المنصف الأمين لا يسعه إلا بحث هذه الحقائق في صبر وهوادة، في إنصاف وغير تحيز، ليرى إلى أين يؤدي به البحث. وهذا ما سأفعله في الفصول التالية.

فصول كتاب من دحرج الحجر

الموقف بعد ظهر يوم الجمعة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

تواز نفسي في القوى – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

تواز نفسي في القوى – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

تواز نفسي في القوى – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

تواز نفسي في القوى – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

يخطئ كل من يزعم أنه يواجه أمراً هيناً عند بحث محاكمة يسوع الناصري أمام بيلاطس الوالي الروماني. فإن الأمر غامض دقيق. ولا نرى في ظاهره إلا المياه الهادئة تجري في هدوء وسكون، ولكن هذا السكون يخفي تحته تيارات عميقة متدافعة، مما يجعل هذه القضية من أعمق البحوث النفسية وأكثرها لذة وإمتاعاً في تاريخ المحاكمات كله. ونحن لا نتخلص من الأسرار التي أحاطت بالمسيح حين نجيء به إلى ساحة القضاء الرومانية، بل إنّا نزيدها عشرة أضعاف.

والشيء الغريب حقاً في هذه القصة الذي لم يكشف عنه الرواة، لا نجده في مسلك اليهود ولا في مسلك المتهم نفسه، بل في مسلك بيلاطس. وأذكر أني قرأت الروايات التي كتبها البشيرون الأربعة جنياً إلى جنب. قرأتها لا مرة بل مرات، وأنا أحاول أن أتكشف ذلك الطابع الخفي الذي امتازت به هذه المحاكمة. وكل مرة قرأتها يرسخ فيّ اليقين أني أجد العنصر الخفي الدفين عند محاولتي تخطيط مسلك بيلاطس كما دونه الإنجيل، ومقارنته بما عرفناه من أخلاقه وسوابقه.

ونحن نعلم بعض الشيء عن التاريخ السابق لذلك الجندي الروماني الفظّ غير المثقف. وتقول بعض التقاليد التي قد لا يركن تماماً إلى صحتها، إنه ولد في مدينة سـيفل من أعمـال اسـبانيا، وإنه تحدر من أسرة محاربة، وكان عضواً في جماعة من جماعات الفرسان، وخدم بعض الوقت تحت إشراف جرمانيكوس في ألمانيا. ثم أقام بعد ذلك مدة طويلة في روما، أولع فيها بحبّ فتاة رومانية من بنات الطبقة الرفيعة وهي “كلوديا بروشلا” التي قُدّر له أن يتزوجها فيما بعد، والتي سنسمع عنها بعد قليل في هذه القصة.

وكانت هذه الفتاة ابنة غير شرعية لكلوديا، الزوجة الثالثة للإمبراطـور طيـباريوس. فكأن “كلوديـا بروشـلا” هي حفـيدة أغسـطس قيصـر. وظاهر من تسلسل هذا النسب، ومن علاقة الفتاه بالبيت المالك الروماني، أن هذا الزواج كان له الفضـل الأكبر في ترقية مصالح بيلاطس الخاصة. وقد تعين في سنة 26 ب.م. بتوصية سيجانوس والياً على اليهودية. وبعد نيله هذه الوظيفة السامية طلب أن يؤذن له بامتياز لم يكن مصرحاً له لولاة الرومان، أن يأخذ زوجته معه.

هذه هي الحقائق القليلة، القوية في دلالتها، التي نعرفها عن بيلاطس قبل مجيئه إلى اليهودية. وحين نقرأ تاريخه في خلال السنين العصيبة العشر التي قضاها في اليهودية، تشع على سيرته أنوار من نواح أخرى. وقد حفلت تلك الفترة العاصفة من الزمن بأحدث ثلاثة: هي إدخال الأعلام الرومانية إلى أورشليم وعليها تمثال الإمبراطور، وحادث النذر أو الكنز المقدس، وحـادث اللوحات المنذورة. وإلى هذه الأحداث الثلاثة يضاف حادث النصب والاحتيال السامري الذي كان علّة استدعائه من منصبه وإقصائه نهائياً. وكل من هذه الحـوادث يرسـم صــورة للرجل الذي نقف أمامه الآن.

ومن يقرأ بإمعان وفي غير تحيّز الروايات القديمة التي وضعها المؤرخون المعاصرون في وصف هذه الحوادث، ويدقق النظر في مسلك بيلاطس، دون البواعث المعزوة إليه، يقدر أن يرسم لنفسه صورة واضحة الخطوط لرجل فظّ خشن، تعوزه الحنكة السياسية، وتطغى على عقله عوامل العناد والقسوة – صورة رجل أعطي سلطاناً فلم يحسن سياسته، ولم يرَ فيـه غير قـوة لتنـفيذ مشيئته، دون أي اعتبار لتبعاته نحو الآخرين. وإنك لا ترى في مسلكه أثراً للحنكة وسعة الحيلة في معاملة الشعوب الغريبة الخاضعة للإمبراطورية، مما امتاز به يوليوس قيصر مثلاً او غيره من الولاة الرومان البعيدي النظر الذي تحدروا من أسر عريقة.

بل على نقيض ذلك قد تجسم في شخصه العدوان الأثيم الطاغي، مما تراه عادة في الرجال الذين تطُوح بهم المقادير إلى مراكز من السلطة دون قدرتهم وكفايتهم، فلا يطلبون شيئاً غير بلوغ مآربهم.

أما عناده ورعونته ونقص حنكته في الشؤون السياسية العامة فقد بدت بأجلى مظاهرها في مشكلة الأعلام الرومانية ولسنا ندري ما الذي حفزه إلى إرسال الأعلام الرومانية وبيارق الكتائب الرومانية إلى أورشليم، حاملة تماثيل قيصر التي يعدّها اليهود أوثاناً. وكونه أرسلها خلسة في الليل دليل على أنه توقع حدوث الاضطراب.

ولما وقع هذا الاضطراب كان هو محاصراً في مدينة قيصرية مدة ستة أيام وست ليال، ولكنه لم يبذل أقل جهد لحل المشكلة بطريق المفاوضة أو الحجة. وكان جوابه الوحيد في اليوم السادس أن حاصر الوفد القـادم إليه بالقوة المسلحة. ولما وجد على أثر هذه التجربة البطيئة أن المخرج الوحيد لن يتم إلى بمذبحة هائلة (وكان تعصب اليهود شديداً ضد هذه التماثيل) عدل عن المقاومة وسلّم أمام هذا الضغط، وسحب الأعـلام والبيارق من أورشليم.

ومن حسن الحظ أنه يمكـننا أن نـوازن بـين مسـلك بيلاطـس في هذه المشـكلة وبين موقـف والٍ روماني أخر – يدعى بترونيوس – في موقف أشبه بهذا في دقّته وتعقده. وقد روي يوسيفوس المؤرخ القصة كاملة مسهبة. والمظهر البارز في القصة هو ذلك الاعتراف الصريح الذي يبديه بترونيوس في تسلميه بأن وراء المظاهرات اليهودية الوطنية قوى أدبية متأصلة لا يصلح أن تتجاهلها السلطات السياسية الرومانية، بل تحسـب لها كل حسـاب. وإذ وُجـد في موقـف كهذا، عمد إلى إزالة العقبات بالمحاجّة المعقولة والمفاوضات الهادئة في مؤتمر خاص.

وقد كان له من حافز القوة والبطش لتنفيذ مشيئته أكثر مما كان لبيلاطس، وذلك لأنه كـان مكلـفاً مـن قبـل إمبراطور مجنون أن يضع تمثال الإمبراطور في هيكل اليهود. وكان تقصيره في القيام بهذا الأمر يجلب عليه عواقب وخيمة. فلما اصطدم بالصخرة عينها التي اصطدم بها بيلاطس كتب تقريراً إلى كايوس دلّ، لا على شجاعته فقط، بل على يقظـته لـرفع سـمعة روما وإعلاء كلمتها في الشرق.

والذي أبغيه من إيراد هذه القصة بيان الفارق الصارخ بين معالجة بترونيوس لمشكلة دقيقة وبين مسلك بيلاطس في مشكلة من نوعها. وهذا الفارق المميّز لخصـال رجليـن، يبـين أيضـاً فارقاً بين عقلين متباعدين كل البعد عن بعضهما. والحق أن بيلاطس عالج كل المشاكل التي عرضت له بنقص في المرونة العقلية وقلّة في الإدراك والفهم.

خذ مثـلاً مشـكلة “النـذر” أو الكـنز المقـدس: أن الغـرض الذي أخـذ بيلاطـس من أجله المال لا غبار عليه في حدّ ذاته – وهو تدبير المال اللازم لحفر قناة من بركة سلوام إلى داخل المدينة. وكان يهمّ اليهود طبعاً، أكثر من غيرهم، توفر ماء الشرب النقي في أورشليم. وقد شغلت هذه المشكلة أفكار كثرين من الملوك والساسة مدى أجيال التاريخ، وقد بذل زعماء اليهود جهودهم أكثر من مرة لحلّ هذه المشكلة.

ولم يكن عسيراً تدبير المال لهذا المشروع الحيوي العام، لو بسطه الوالي صراحة أمام السلطات. ولكن بيلاطس بأساليبه المعوجة الملتوية يسطو على “النذر” وهو المال المفرز كله للأغراض الدينية. ولما ثار عليه الشعب وهو أمر طبيعي، عمد إلى خلق اضطراب دموي خطير بإرساله الجنود متنكرين في ملابس مدنية وسط الغوغاء للإيقاع بالشعب.

ونرى هذه الرعونة عينها وذلك العقل المعوج التفكير في حادثة “اللوحات المنذورة” (أي التقدمات للآلهة الرومانية) التي وضعها في القصر الهيرودسي وهو مقام الوالي في أورشليم على مقربة من الهيكل، وهو غير القصر الذي كان يسكنه هيرودس والي الجليل الذي يقع الآن على مقربة من باب يافا. والظاهر أن تفكيره خلا من أي تقدير أو فهم للاعتبارات الدينية، وتجردت نفسه من أي رغبة للتفاهم والمفاوضة. ولم يرجع عن غيّه في هذه المسألة إلا بعد أن تلقى توبيخاً قوياُ من الإمبراطور طيباريوس على أثر رسالة تلقّاها من زعماء اليهود.

وجاء في الإنجيـل إشـارة إلى حـادث دمـوي مزج فيه بيلاطـس دماء بعض الجليليين “بذبائحهم” (لوقا 13: 1). ولسنا ندري إلى أي شيء تشير هذه العبارة، ولكنها تنسجم تماماً مع المزاج الذي عرفناه في بيلاطـس، وتتشـابه كل التشابه مع طريقة معالجته للمشكلة التي ذكرها فيلو الفيلسوف الإسكندري في كتابه.

هذه هي ملامح بيلاطس البنطي كما نتمثلها في بعض الروايات المستقلّة عن بعضـها التي أبقاها لنا التاريخ العالمي. وكلها روايات منسجمة مع بعضها تصور الرجل المستبد العاتي كما هو في خصاله وعقله ومزاجه.

ولكن حين نعود إلى قصة الإنجيل عن محاكمة يسوع على يد هذا الوالي ينطبع في نفوسنا أثر عميق يحملنا على الاعتقاد أن الشخصية التي لعبت دورها في المحاكمة لا تنسجم تماماً مع الشخصية التي عرفناها وكُونا الفكرة عنها. ذلك لأننا لا نرى في هذا الموقف بيلاطس الحقيقي المنتفخ، المتجّبر، العاتي، الشرس، القاسي. الذي يحاكم “إنسان الموت”. وهو يبدو لنا راغباً شديد الرغبة في مهادنة اليهود ومراضاتهم، ولكنه شديد التمتع في الاستسلام لرغباتهم. ونتمثله في موقف المحاكمة إنساناً تتنازعه قوتان مختصمان متعارضتان.

وأنا أحسّ احساساً قوياً أن بيلاطس لم يرد أن يمس هذه القضية. فإن فكرة معينة تسلطت عليه وتمكّنت منه – أن يطلق المسيح بريئاً بأي حال ومهما كلّفه ذلك. ونرى هذا الباعث متمشياً في كل الإجراءات – في محاولته نقل القضية إلى هيرودس. وفي إعلانه ثلاث مرات براءة المتهم، وفي غسل يديه، وفي محاولته اليائسة الأخيرة لإحلال باراباس محل المتهم كلقمة يسدّ بها الأفواه الصارخة ويهدئ الحناجر الصاخبة. ولم تعتره رعشة من الخوف غلبت عليه أمره إلا حين سمع الصرخة الداوية المشئومة: “لست محباً لقيصر”.

فما هو تعليل هذا التناقض الظاهر في مسلك رجل عُرف عنه قوة الإرادة وصلابة الرأي؟ ولم يبدو بيلاطس الذي وصمه التاريخ العالمي بطابع الظلم والقسوة، رجلاً حائراً متذبذباً في قصة الإنجيل؟

لا أظن أننا واصلون إلى التعليل الصحيح لهذه الظاهرة الغريبة، إلا حين نُدخل في تقديرنا بعض الحوادث الشخصية من ناحية بيلاطس، لا سيما ما حدث منها داخل بيته في مساء اليوم السابق للمحاكمة:

قلنا بعد استنتاج الأسباب والعوامل التي أدت إلى تأخير القبض على يسوع بضع ساعات، أن بيلاطس لابد أن يكون قد أبلغ ما سوف يحدث في الغداة، وأن المقابلة التي تمت بينه وبين رئيس الكهنة لا يمكن حدوثها قبل الساعة الحادية عشرة في المساء.

ومع قوة الدليل الذي يثبت هذه المقابلة التي لم تدّونها القصة، فإن هناك شيئاً آخر يؤيدها ويسندها – ذلك أن كلوديا بروشلا زوجة بيلاطس كانت في القصر الهيرودسي تلك الليلة. ومما له مغزاه الخطير ان يسجل التاريخ عن كلوديا بروشلا هذه الإشارة الوحيدة التي تناقلتها الأجيال عنها في هذه المأساة، فيقال عنها: “أنها حلمت عن يسوع المسيح في الليلة السابقة لموته”. وإذ نفكر في المحاكمة الرومانية سائرة حسب الأصول التقليدية التي بموجبها قدّم اليهود المتهم إلى بيلاطس في صباح الجمعة دون تدبير سابق، فإننا لا نجد معنى للإشارة إلى بروشلا.

وتبدو لنا القصة في هذه الحالة عارية عن المنطق، بعيدة عن كل احتمال. أما حين نضع الأمور في نصابها ونرتّب الحوادث في تسلسلها الطبيعي، فلا نلبث حتى ينجلي الحق أمامنا. وإليك تسلسل الحوادث في تلك الليلة المأثورة:

كان بيلاطس ليلتها في “المدينة” أي أورشليم، لا لزيارة قصيرة عاجلة، بل للإقامة مدة أيام العيد العشرة. ومن المحتمل جداً أن تكون كلوديا قد قدمت معه حتى ولو لم يكن لدينا رواية متى التي تدل على أن هذا هو الذي حدث (متى 27: 19). وقد كان أصدقاء بيلاطس وزوجته قليلين بلا شك في العاصمة الأجنبية. وكان لزاماً على رجل رسمي في مركز بيلاطس أن يضيق دائرة أصحابه الأخصاء إلى أقل عدد ممكن. وطبيعي في حال كهذه أن يطيل الرفيقان – الزوج وزوجته – التسامر معاً في مدينة كأورشليم.

ولا نبعد عن الصواب كثيراً، إذا تصورناهما في تلك الليلة جالسين معاً أمام المدفأة يصطليان في قاعة فسيحة بالجناح الخاص في قصر الولاية، لأن الليلة كانت قارسة البرد، بدليل دخول بطرس إلى فناء دار رئيس الكهنة ليدفئ يديه. ولكي نستتبع سير الحوادث تماماً، علينا أن نذكر قيود الزمن التي تثيرها هذه القضية. فإننا نعلم من رواية الإنجيل أن بيلاطس نظر القضية في بكور يوم الجمعة، وأن زيارة يهوذا العاجلة لرئيس الكهنة تمّت على الأرجح فيما بين الثامنة والتاسعة من مساء الخميس، لأن حفلة العشاء استمرت بعض الوقت بعد خروجه.

وبقي علينا أن نعلل سبب الانتظار ساعتين في البستان. فإذا كان قرار القبض على يسوع قد صدر على أثر المعلومات التي حملها يهوذا إلى الكهنة (ولدينا من الأدلة القوية ما يؤيد هذا الرأي)، فلا بدّ أن تكون المقابلة مع الوالي قد جرت فيما بين التاسعة والحادية عشرة مساء. وإلا فكيف تمكّن رؤساء الكهنة من تقديم القضية إلى الوالي في صباح اليوم التالي، وحملّه على النظر فيا بكور اليوم؟

وكما قلت من قبل لم يكن في أورشليم كلها إلا رجل واحد يستطيع بحكم وظيفته الرسمية أن يقتحم آمناً الدار الخاصة التي يقيم فيها ممثل روما في ساعة متأخرة من الليل، ولأسباب سياسية عاجلة، وذلك الرجل هو قيافا رئيس الكهنة. لست أدري كيف حصل اليهود على رضاء الوالي الروماني للنظر في القضية على وجه السرعة بعد إخطار قصير الأجل، إلا إذا سلمنا أن قوة شخصية وسلطة يهودية عليا لعبت دورها في الإلحاح والإقناع.

وأعتقد أننا لا نبعد كثيراً عن نطاق الاحتمالات التاريخية، إذا نحن افترضنا أن زائراً ممتازاً ذا مقام خطير يمّم وجهه صوب القصر الهيرودسي فيما بين الساعة التاسعة والحادية عشرة، ولعل ساعة المقابلة كانت أقرب كثيراً إلى الأخيرة منها إلى الأولى. ومن الممكن أن يكون قد سُمح للزائر أن يدخل الجناح الخاص الذي يقيم فيه الوالي، وإن كنا نرجح أن بيلاطس نفسه خرج للقائه في قاعة خارجية من قاعات القصر.

وأتصور أن ذلك الزائر الكبير قصّ على الوالي خلاصة القضية وقال له إنه سيقيض الليلة على مهيج سياسي خَطِر، ومن الصالح العام ان تتم المحاكمة في صباح اليوم التالي، وأن يكون الحكم بأقصى العقوبة. وسأل الزائر بيلاطس: أيرضى أن ينظر القضية في ساعة مبكرة ليمكن إصدار الحكم وتنفيذه قبيل مغيب الشمس قبل حلول الفصح اليهودي؟

وأفترض أن حديثاً آخر جرى بين الإثنين عن مشكلة التدنيس الدقيقة. وذلك لأنه لم يكن مصرحاً لذوي الوظائف الكهنوتية في الهيكل أن يدخلوا فناء الأجنبي الغريب في ذلك اليوم. ولكن المسألة عاجلة، فهل يتنازل بيلاطس في هذا الظرف الخاص، ويخرج من ساحة القضاء إلى مقابلة الوفد الذي سيجيء إليه بالمتهم وبقرارات المحكمة اليهودية؟

جرى الحديث في شؤون من هذا القبيل زهاء عشرين أو ثلاثين دقيقة. وبعد خروج الضيف عاد بيلاطس إلى المدفأة. فهل يفترض أي إنسان له بعض الإلمام بأخلاق المرأة وخصائصها أن تمر هذه الحادثة دون أن تحاول كلوديا الوقوف على بعض ما جرى؟ إنها لا تكون امرأة لو لم يدفعها حب الاستطلاع إلى أن تقف على جليّة الخير. وأكاد أوقن أن حديثاً جرى قبل الذهاب إلى مخادع النوم بين الوالي وزوجته عن تلك الزيارة المفاجئة وعن هويّة المتهم، وعن أسباب القبض عليه. وكل شيء يُشتم منه رائحة سوء التفاهم بين اليهود وبين زوجها كانت تهتم به “كلوديا بورشلا” كل الاهتمام.

وحينما آوت كلوديا إلى مضجعها في تلك الليلة كان التفكير في يسوع هذا ملأ عقلها وفكرها. فلما استيقظت في الصباح بعد حلم أليم مزعج ورأت زوجها وقد غادر القصر، عرفت أين ذهب، وعرفت القضية الدقيقة التي تحتّم عليه اليوم أن يفصل فيها. وفي تلك اللحظة، على رواية كاتب بشارة متى، بعثت إليه برسالة – تكاد تكون أشبه برسالة برقية في قِصَرها وسرعتها – نقلت فيها إليه أفكارها ومخاوفها، وما ينبغي عليه أن يفعل في القضية:

“إياك وذلك البار. لأني تألمت اليوم كثيراً في حلم من أجله”.

على هنا نقدر أن نتتبع تسلسل الحوادث بطريقة منطقية مفهومة. وأعتقد أن القارئ يقّرني على هذا الرأي، ومن الخواص البارزة في رسالة كلوديا، كما رواها متى، تلك العَجَلة التي امتازت بها. وتدل الألفاظ في ظاهرها وقلّتها على أنها كتبت بسرعة فائقة، أرادت بها صاحبتها أن تنقل نبأ خطيراً عاجلاً بأقل ما يمكن من الألفاظ.

والحق أنه ليس من الميسور أن نبتكر عبارة غيرها في إيجاز يماثلها تنقل الأفكار والمعلومات التي أرادت بروشلا إبلاغها إلى زوجها في صباح ذلك اليوم. فهي قد أرادت أن تحذره حتى لا يمس ذلك الإنسان بسوء، وأن يمتنع عن التدخل في القضية. والظاهر أنها كانت متأثرة بفكرة أن بيلاطس اعتزم أن يسلّم المسيح إلى أعدائه في الدور الأول من أدوار الإجراءات. لذلك أسرعت فأنذرته كي لا يفعل.

ولست أريد الإطالة هنا في القول إنه متى سلّمنا بأن كلوديا قد علمت في الليلة الفائتة بظروف القبض على المتهم، فإن هذا العلم السابق يعلل تعليلاً كافياً الحلم الذي أزعجها بالليل. ولكنني أريد أن ألفت النظر إلى أمر هام، وهو أن الحلم ما كان ليزعج بروشلا على هذا النحو عند يقظتها في الصباح الباكر لو لم تكن قد عرفت أو توفرت لديها الأسباب بأن بيلاطس معتزم تسليم المتهم إلى إعدائه.

ومضمون الرسالة ونصها يؤيدان هذا الرأي:

“إياك وذلك البار، لأني تألمت كثيراً في حلم من أجله”.

وعلى أي وجه قلّبنا هذه الألفاظ، فإنه لا يسعنا إلا الجزم بأنها كتبت بيد امرأة متلهفة أرادت أن تحول دون أمر كان على وشك الحدوث. والحقائق كلها تنبئ أن كلوديا أيقنت أن بيلاطس كان مصمماً على إجازة قرارات المحكمة اليهودية دون بحث مسهب في القضية، أو على الأقل بعد مراعاة القليل من الإجراءات الرسمية التي يتطلبها الموقف. وبعبارة أخرى كان معتزماً فعلاً أن يؤيد القرار اليهودي. ومن المحتمل أنه أبدى هذا الاستعداد من جانبه في حديث الليلة الفائتة مع رئيس الكهنة.

وأني أميل إلى هذا الاستنتاج بعد دراسة دقيقة للموقف السياسي الذي ساق رؤساء الكهنة إلى اتخاذ التحّوط الدقيق الذي اتخذوه. وأحسّ أن أول شيء أراد قيافا التأكد منه قبل إصدار الأمر بالقبض على المتهم هو وجهة نظر بيلاطس ومدى استعداده للتصديق على ما يفعلون. وإذا كان بيلاطس قد رضي إقرار إجراءات السنهدريم بعد أن بسطها له رئيس الكهنة في زيارته الخاصة بأن الجرم يستحق عقوبة الموت، فإنه لا يصعب السير بالإجراءات سريعاً وتنفيذ الحكم قبل غروب الشمس.

أما إذا لم يرض بيلاطس فإن الإجراءات تطول، ولا يدري أحد ما سيحدث بعد ذلك. ولو لم يضمن رئيس الكهنة هذا القبول من الوالي، لعدل حتماً عن القبض على المتهم، وآثر التربص إلى موسم آخر. أما وقد نفذ القبض عليه حسب التدبير الذي وضعه اليهود، فإني لا أشك أنهم قد استرضوا الوالي أولاً فيما هم فاعلون.

وما كنت أنتظر مطلقاً أن أتبين من دراسة القضية أن الروايات المدونة عن المحاكمة الرومانية ذاتها تؤيد تأييداً قاطعاً هذا الرأي الذي أذهب إليه.

خذ روايات البشائر الأربع عن محاكمة يسوع أمام بيلاطس البنطي، وضعها أمامك قبالة بعضها في صفحة واحدة، ثم قارن بينها، تجدها مجمعة على شيء واحد وهو أن بيلاطس سأل يسوع: “أأنت ملك اليهود؟”.

والمهم في الأمر هنا أن البشارتين المتقدمتين في التاريخ لم تشيرا قط إلى نوع التهمة التي أقامها اليهود أمام بيلاطس. فمتى ومرقص بما عُهد فيهما من الإيجاز في القول والبُعد عن التبسيط في تفاصيل الحوادث ذكرا أن بيلاطس سأل هذا السؤال الهام مباشرة، دون أن تسبقه مقدمات تدعو إليه:

رواية مرقص

“وَلِلْوَقْتِ فِي الصَّبَاحِ تَشَاوَرَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْكَتَبَةُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ، فَأَوْثَقُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ وَأَسْلَمُوهُ إِلَى بِيلاَطُسَ. فَسَأَلَهُ بِيلاَطُسُ: «أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» ” (مرقص 15: 1و2)

 

 

رواية متى

“وَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ تَشَاوَرَ جَمِيعُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْب عَلَى يَسُوعَ حَتَّى يَقْتُلُوهُ، 2فَأَوْثَقُوهُ وَمَضَوْا بِهِ وَدَفَعُوهُ إِلَى بِيلاَطُسَ الْبُنْطِيِّ الْوَالِي…… فَوَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْوَالِي. فَسَأَلَهُ الْوَالِي قِائِلاً: «أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» ” (متى 27: 1و2و11).

وظاهر أنه لا يمكن أن تكون هذه بداية الإجراءات. وقد قفز ذانك الكتابان وتخطّيا أموراً هامة نراها ضرورية، على الأقل في هذا البحث الذي نحن بصدده – وأعني بذلك كيف سيق الوالي إلى أن يسأل هذا السؤال الخطير، وما المقدمات التي أدت إليه.

ومن حسن التوفيق أن لدينا في الإنجيل الكريم روايتين أخريين تشفيان لنا هذا الغليل، وها أنا أوردهما أما القارئ للدرس والموازنة:

رواية لوقا

“فَقَامَ كُلُّ جُمْهُورِهِمْ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى بِيلاَطُسَ، وَابْتَدَأُوا يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: «إِنَّنَا وَجَدْنَا هذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ، وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ، قَائِلاً: إِنَّهُ هُوَ مَسِيحٌ مَلِكٌ». فَسَأَلَهُ بِيلاَطُسُ قِائِلاً: «أَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» ” (لوقا 23: 1-3)

رواية يوحنا

“فَخَرَجَ بِيلاَطُسُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «أَيَّةَ شِكَايَةٍ تُقَدِّمُونَ عَلَى هذَا الإِنْسَانِ؟» أَجَابُوا وَقَالُوا لَهُ: «لَوْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلَ شَرّ لَمَا كُنَّا قَدْ سَلَّمْنَاهُ إِلَيْكَ!» فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاحْكُمُوا عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِكُمْ». فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: «لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا». لِيَتِمَّ قَوْلُ يَسُوعَ الَّذِي قَالَهُ مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ. ثُمَّ دَخَلَ بِيلاَطُسُ أَيْضًا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَدَعَا يَسُوعَ، وَقَالَ لَهُ: «أنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟»” (يوحنا 18: 29-33).

ونرى من هاتين الروايتين أمرين: أولاً – أنهما تقدمان لنا بياناً أوفى وأدق لما حدث. وثانياً وهو الأهم، أن سؤال بيلاطس لم يكن إلاً بعد محاجّة تمهيدية مع اليهود. وإلى هذه المحاجّة التمهيدية أوجه الآن نظر القارئ:

لو لم يكن لدينا غير رواية لوقا وشهادته، لجاز لنا أن نفترض أنه بمجرد أن قدّم الكهنة المتهم أمام محكمة بيلاطس، أقاموا ضده دعواهم قائلين:

“إننا وجدنا هذا يفسد الأمة ويمنع أن تُعطى جزية لقيصر، قائلاً إنه هو مسيح ملك”

لنسلّم هنا لحظة أن هذا هو الافتتاح الطبيعي الذي بُدئت به القضية. ولو لم يكن لدينا بيانات أخرى لجاز لنا في غير حرج، بل لاضطررنا، إلى أن نفترض أن جلسة الاتهام افتُتحت بهذا القول من المدّعين. ولكن في البشارة الرابعة شيئاً آخر يسترعي النظر، وذلك لأنها تشرح الطريقة التي تقدّم بها الاتهام اليهودي أمام بيلاطس. وليس معنى هذا أن رواية يوحنا تناقض روايات البشائر الثلاث الأخرى. بل على نقيض ذلك هي تكملها وتؤيدها. أن البشير يعود إلى الوراء لذكر وقائع سابقة، ويقدم لنا الحلقة المفقودة في قصة البشيرين الآخرين.

ويذكر البشير قبل كل شيء واقعة نحسبها قريبة الاحتمال جداً، وهي أنه عند إحضار المتهم أمام بيلاطس، سيق المتهم نفسه إلى داخل القصر، وبقي الكهنة والمدّعون الآخرون خارجه.

وبعد فترة قصيرة، على قول البشير يوحنا، خرج بيلاطس وسأل اليهود قائلاً: “أية شكاية تقدمون على هذا الإنسان؟” وهذا هو السؤال الذي كانت تستهل به المحاكمة الرومانية إجراءاتها، لأن القضاء الروماني يصرّ على توجيه اتاهم علني، يعقبه تحقيق القاضي، ثم دفاع المتهم.

وكان جواب الكهنة على شيء من الخطورة قلّما نفطن إليها ونحن نقرأ الألفاظ عَرضاً. قالوا:
“لو لم يكن فاعل شر لما كنا قد سلمناه إليك”.

وقبل إمعان الفكر في معنى هذه العبارة، لنعد إلى الروايتين اللتين أوردناهما متجاورتين من لوقا ويوحنا – وواضح حتى لدى القراءة العاجلة أن هناك ثغرة في رواية يوحنا تعقب هذا الجواب الملتبس الذي أجاب به الكهنة. فإنه لا يعقل أن بيلاطس ينتقل من هذا الجواب الذي ينضح مراوغة وتملصاً وحنقاً، إلى سؤال خطير يوجهه إلى يسوع قائلاً: “أأنت ملك؟”. لابد أن بين القولين حديثاً آخر حمل بيلاطس على توجيه هذا السؤال.

ومن حسن الحظ أن العبارة الناقصة قد أوردها البشير لوقا. فنستطيع أن نورد القصة كاملة حسب تسلسلها المنطقي مأخوذة عن روايات بشائر الإنجيل الأربع:

قصة كاملة لافتتاح المحاكمة الرومانية

تقديم المتهم إلى بيلاطس:

“ثم جاءوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية كي لا يتنجسوا فيأكلون الفصح”

طلب بيلاطس إقامة الدعوى:

“فخرج بيلاطس إليهم وقال: أية شكاية تقدمون على هذا الإنسان؟”

تمنّع اليهود عن إقامة الدعوى:

“أجابوا وقالوا: لو لم يكن فاعل شر لما كنا قد سلمناه إليك!”

ردّ بيلاطس:

“فقال لهم بيلاطس خذوه أنتم واحكموا عليه حسب ناموسكم”

جواب الكهنة تهمة مرتجلة:

“فقال له اليهود لا يجوز لنا أن نقتل أحداً. وابتدأوا يشتكون عليه قائلين: إننا وجدنا هذا يفسد الأمة، ويمنع أن تُعطى جزية لقيصر، قائلاً إنه هو مسيح ملك”

سؤال بيلاطس للمتهم:

“ثم دخل بيلاطس أيضاً إلى دار الولاية ودعا يسوع وقال له: أأنت ملك اليهود؟”

وهذه القصة المنسقة الكاملة لا تشمل فقط الحقائق الجوهرية التي رواها البشيرون الأربعة حسب الترتيب الذي أثبتوه، بل هي في الواقع القصة الوحيدة التي بين أيدينا عن الإجراءات. ويثبت لنا عند بحث الوثائق أن أولئك الكتاب الأربعة قد أجمعوا على الوقائع التي اشتركوا في تدوينها. وتبدو لنا القصة في هذا الوضع لمح تاريخية منسقة صادقة.

وبهذا الوصف الذي أجملنا، نقدر الآن أن نتتبع أدوار القصة التي تكاد تكون فريدة من نوعها في تاريخ العالم من ناحيتها التاريخية والنفسية:

وأول حادث في هذه المأساة التي أجملنا تاريخها فيما تقدم هو المجيء بيسوع من مكان اعتقاله (ربما في دار رئيس الكهنة) إلى مكان المحاكمة. وقد استغرق هذا على الأرجح عشرين دقيقة. ولما كانت الساعة مبكرة فمن المحتمل أنه لم يشهد هذا الموكب الصغير وهو سائر في طرقات أورشليم الضيقة إلاّ نفر قليل من النظارة.

وكان الوالي نفسه قد استيقظ باكراً في صبيحة ذلك اليوم وبقي منتظراً مجيء الوفد. وعند الوصول إلى باب القصر، لابد أن يقف القوم دقائق معدودات ريثما تُبحث الوثائق والمستندات، وبعد ذلك يُقاد المتهم، مخفوراً بجندي روماني، إلى قاعة البلاط التي يجلس فيها بيلاطس، أما الوفد والمرافقون له فيبقون خارجاً.

وهنا نجيء إلى نقطة شيّقة. فإنه بعد فترة قصيرة خرج بيلاطس نفسه إلى الوفد اليهودي وسألهم: “أيه شكاية تقدمون ضد هذا الإنسان؟” وقد كان هذا السؤال دليلاً لا شك فيه على أن بيلاطس اعتزم إعادة النظر في القضية، مما أثار حَنق رؤساء الكهنة – لأن جوابهم لم يكن فقط خلواً من اللياقة والاحترام لبيلاطس وهو يقوم بواجبه، بل يُشتمّ منه أيضاً أن في نفوسهم حفائظ ضده في هذه القضية بالذات:

“لو لم يكن فاعل شر، لما كنا قد سلمناه إليك”

ويخيل إليّ أن ليس لهذا الجواب الجاف إلا تعليل واحد، وهو أن الكهنة حنقوا على بيلاطس حين رأوه معتزماً إعادة بحث القضية. وذلك لأنهم جاءوا، على ما يظهر، وهم متأثرون بأن بيلاطس غير مصرّ على إعادة النظر في القضية وبحث وثائقها من جديد. وأظنهم جاءوا دون أن يجهزوا تهمة عامة لإقامتها على المتهم أمامه. ولو أسغنا لأنفسنا وضع هذا الجواب في تعبير آخر لا يبعد عن الصواب، لقلنا إن الكهنة أجابوا “أما تكتفي بالتحقيق الذي أجرته محكمتنا التي اتضح لها أن هذا الإنسان فاعل شر؟ ولماذا تريد البحث من جديد ما دمنا قد وجدناه مستحق الموت؟”

وقد أجاب بيلاطس جواباً ماكراً لبقاً: “خذوه أنتم واحكموا عليه حسب ناموسكم”.

ولم يكن لهذه الهجمة اللبقة الحاذقة إلاّ جواب واحد ينطوي على طلب جديد للتصديق على الحكم: “لا يجوز لنا أن نقتل أحداً”

ثم يبدو لنا بعد ذلك أنهم، وقد يئسوا من نَيل ما يطلبون دون فحص القضية “ابتدأوا يشتكون عليه قائلين: إننا وجدنا هذا يفسد الأمة ويمنع أن تُعطى جزية لقيصر قائلاً إنه هو مسيح ملك”.

وقد كان في ذكر كلمة “ملك” مثاراً لتفكير بيلاطس، فدخل إلى القصر ووجّه إلى المسيح هذا السؤال التاريخي: “أأنت ملك اليهود؟”

وفي هذه القصة شيئان حقيقيان بالنظر الدقيق:

الأول: أنها صورة من صور الحياة.

الثاني: أن دهشة رؤساء الكهنة وحنقهم حين ألمح بيلاطس إلى عزمه على النظر في القضية من جديد، يدلاّن من غير شك على شبه اتفاق سابق بين الفريقين. فهم ما كانوا ليجسروا على مخاطبة بيلاطس بهذه القحة، والإلماع إليه بطلب التصديق على حكمهم، لو لم يكن قد أدخل في روعهم من قبل أنهم نائلون هذا في غير عناء.

وحين نضع هذه الحقيقة إلى جانب رسالة كلوديا العاجلة إلى زوجها – نتبيّن لماذا تلهفت كلوديا على إيصال رسالتها إلى زوجها قبل فوات الفرصة. فإنه إذا كانت الحوادث قد اتخذت سيرها الذي أجملنا، تكون كلوديا قد عرفت حين آوت إلى مخدعها، لا هويّة المتهم فقط، بل عرفت أيضاً أن بيلاطس كان يفكر (إن لم يكن قد وعد) بإقرار الحكم الذي أصدره اليهود. وهنا السرّ في الرسالة العاجلة التي بعثت بها إلى زوجها، ملحّة ألاّ يسير فيما اعتزم عليه من قبل، مهما كلفه الأمر.

وإذا كان هذا هو الاستنتاج الصحيح الذي نستخلصه من القصة، فإننا نستنتج منه أن رسالة كلوديا بروشلا إلى بيلاطس في صباح يوم الصلب غيّرت مجرى التاريخ من بعض الوجوه الخاصة. ولا ريب أن بيلاطس تلقّى الرسالة عقيب وصوله إلى قاعة المحاكمة، لأن المرأة المتوترة الأعصاب تنام عادة نوماً خفيفاً. وما نعرفه من فحوى الرسالة يدلُّ على كُتبت حالاً بعد اليقظة من النوم. ويبدو لي جلياً من هذا أن بيلاطس نزل إلى قاعة المحاكمة وهو معتزم أن يصّدق على الحكم الذي أبرمه اليهود. وقبل أن يجيء الوفد ومعه المتهم، حدث أمر حمله على أن يغيّر رأيه.

وليس هذا كل ما في الأمر. فإن خواص الحالات النفسية، حين تتحداها عوامل خارجة، أن تميل إلى التطرف في ناحية تناقض ما عزمت النفس عليه. ومن ثم نرى بيلاطس في موقفه مع اليهود في صبيحة ذلك اليوم، مُعنياً بشيء واحد، هو أن ينقل تبعة هذه القضية إلى الآخرين ولا يكون له دخل فيها.

ولا يمكن محو هذه الحقيقة من ثنايا القصة التي بأيدينا، فإننا نراها مبدئياً في محاولته إقناع اليهود أن ينفذوا الحكم بأنفسهم، ثم نراها في محاولته إطلاق المتهم ثلاث مرات، ثم نراها في إحالة القضية على هيرودس، ونراها أخيراً في اللحظة الخطيرة التي عجز فيها عن إسماع صوته وسط ضجيج الجماهير فأخذه ماءً وغسل يديه معلناً أن لا يد له في القضية.

ومن ثمّ يكشف لنا أحد أفراد أسرة بيلاطس الوالي الروماني في ذلك التوازن النفسي في القوة التي لعبت دورها في موت المسيح. والذي نعرفه أن تأثير يسوع على المرأة كان عميقاً جداً، فلقد انتزع مريم المجدلية، التي أنقذها من قوات الشيطان، من قريتها مجدلاً وجعل منها تلميذة طيُعة له.

ثم أخذ الأبناء والعائلين من سالومة ومريم زوجة كلوبا، ومع ذلك فإنهما أخلصتا له الإخلاص كله وما كانتا لتخشيا الموت في سبيله، وتحمّلتا فيما بعد أكثر المعاناة والمشقة من أجله. ثم كان صديقاً ودوداً للنساء المثقفات في عصره مثل مريم وأختها مرثا. وفي بيت هيرودس نفسه كان له تابعة مخلصة أمينة هي يونّا، فهل يصح أن نضيف إلى دائرة تابعاته كلوديا زوجة بيلاطس؟

وفي الساعات التي غلب فيها هذا الحافز النبيل على نفسه وهو يعالج هذه القضية المعقدة المحيرة، كاد يكون موقفه كاملاً لا غبار عليه. فما كان لإنسان أن يطلب من أية محكمة في ذلك العصر أكثر من هذه الإجراءات العادلة وأنت تتبين في أدوارها نفس قاض أيقن في غير مواربة براءة يسوع. ولكن حينما تراخى هذا الحافز وتوارى أمام عناد اليهود وصرير أسنانهم، وحين تخلّع قلب بيلاطس لدى سماعه التهديد بتدخل قيصر، خار حزمه وعاد إلى عزمه الأول من حيث تسليم المتهم إلى أيديهم.

وهكذا انتهت المعركة بين الإرادتين بهزيمة الوالي الروماني. ولم كنا هناك، لرأينا بعد هذا الاندحار إنساناً مضطرباً مغيظاً يتعثر في طريقه إلى باحات القصر الملكي. ولا حاجة بنا الآن لأن نفكر طويلاً في هذه النكسة، فإنه بعد ساعات عاد إليه الكهنة، وإذا به قد كتب في عجلة، أو ربما في رغبة جافية لكشح معذبيه، عنواناً مأثوراً خالداً باللغات الثلاث: “هذا ملك اليهود”. وقد طلب إليه الكهنة أن يغير ما كتب فأبى وقال: “ما كتبتُ قد كتبتُ”. وانكشف في النور بيلاطس الحقيقي بعد أن ولّت ساعة السمّو والارتفاع في أزمة شخصية لم تقو فيها نفسه على معاناة التجربة.

فصول كتاب من دحرج الحجر

تواز نفسي في القوى – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

حوادث قبل منتصف الليل يوم خميس العهد – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

حوادث قبل منتصف الليل يوم خميس العهد – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

حوادث قبل منتصف الليل يوم خميس العهد – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

حوادث قبل منتصف الليل يوم خميس العهد – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

 

قلت من قبل إن اعتبارات الزمن لعبت دوراً خاصاً حاسماً في تقرير الحوادث التي سبقت موت المسيح. فإذا أردنا الوصول إلى كنه المسألة وتتبع هذه الأدوار، تعين علينا أن ندرسها وعيوننا دائماً ترقب عقرب الساعة، لا سيما حينما نقترب من عنصرين هامين في القضية وهما المفاوضات التي قام بها زعماء اليهود مع يهوذا، ثم مباحثاتهم مع بيلاطس البنطي.

ويبدو لنا لأول وهلة أن كلا الرجلين قد لعب دوراً غريباً من المتعذر تأويله في حوادث الاثنتي عشرة ساعة التي اختتمت بها حياة يسوع على الأرض. فلنبدأ أولاً بقضية يهوذا:

وأول شيء يتحدى الفكر في أمر يهوذا هو اضطرار قيافا وصحابته إلى استخدامه والاستعانة به. ترى لماذا يظهر يهوذا في القصة فجأة؟ وما الذي كان في وسعه أن يقدم لرؤساء الكهنة مما كان عسـيراً عليهم أن يفعلوه بحـكم وظائفهم؟ بل ما الداعي إلى إنـفاق هذا المبلغ الضـئيل ثمناً للدم في سبيل الحصول على خدمته؟

هذه أسـئلة جوهرية، يتأثر بها فهـمنا لهذه القضية إلى حـدّ كبير. ومن السـخف أن نحسـب يهوذا مجرد مخبر عام تطوع لإرشاد السلطات إلى المخبأ الذي آوى إليه من كان له صديقاً من قبل. فإن يسوع لم يكن مختبئاً. ومنذ اللحظة التي وصل فيها إلى بيت عنيا عصر يوم الجمعة لم يفعل شيئاً لإخفاء حركاته فحضر حفلة عشـاء أُقيـمت تكريماً له في بيت سـمعان الأبرص إما مساء السبت أو مساء الثلاثاء. وانطلق إلى أورشـليم على مرأى القوم في ثـلاثة أيـام متوالية (الأحد والاثنين والثلاثاء) وكان يعود منها إلى بيت عنيا في مساء كل ليبيت هناك.

ومن السخرية أن نفترض أن زعماء اليهود جهلوا حركاته وانتقالاته بينما عرفت ذلك جماهير الشعب الذين أحاطوا به وزحموه في طرقات أورشليم في صباح يوم الأحد. وما من شك في أنهم عرفوا مقره جيداً، وكان هيناً عليهم أن يبعثوا رسلهم سراً وبسرعة إلى بيت عنيا لإلقاء القبض عليه في أي مساء من تلك الأمسـيات الأربعة العصـيبة. فلماذا لم يفعلوا هذا؟ وما الذي حملهم على انتظار معونة يهوذا؟

وقد جرت عادة الشرّاح أن يجيبوا عن هذه الأسئلة بما دونه الإنجيل بقولهم إن الخوف من الشعب هو الذي حملهم على هذا الموقف المحاذر. والظاهر أنه لي يفطن أحد إلى أن هذا التعليل هو نصف الحق، وأن النصف الآخر قد أخفي فلم يُذكر.

ولا يغرب عن البال أن البشائر كتبت من مواد جمعت في الأصل من الصحابة الذين كانوا على صلة وثيقة بيسوع، وأن يهوذا قد مات قبل أن يفشي السر الذي انطوت عليه جوانحه، وما كان من المحتمل أن يفشيه زعماء اليهود.

فإن قلنا أن مهمة يهوذا انحصرت في أخذه حرس مجلس السنهدريم إلى بقعة معزولة موحشـة حيث يتمكنون من القبض على يسـوع سـراً، بينما كان في وسـعهم أن يفعلوا ذلك قبل أن يسـتيقظ القـرويون من نـومهم، أو في أية بقعة أخرى تلائمهم في طريق جبل الزيتون في أي مساء عدا يوم الأربعاء، أو خلال هذا اليوم نفسه وهو معتكف في تلك الغابة الصغيرة الهادئة – أقول لو أننا أخذنا بهذا الرأي، لأضعنا كلية تلك العوامل النفسية الغامضة الدقيقة التي لعبت أدوارها في ذلك الموقف.

وأرجوا ألا يساء الظن بما أقول هنا، فإني آخر من ينكر أن الخوف من الشعب كان له أثر كبير في نفوس زعماء اليهود. وما درى أحد كيف كانت تتطور القضية وأي العواقب السياسية كانت تنشأ، لو أن الزعماء ألقوا القبض عنفاً وعلانية على شخص حسبه فريق كبير من الشعب المسيا الذي أعلنت عنه النبوات. كان الموقف كله شاذاً ليس له مثيل، دقيقاً حساساً. وقد فعل الزعماء فعلتهم وهم يصوبون أبصارهم إلى الرأي العام الذي حسبوا له كل حساب.

على أن الخوف من الشعب لا يعلل لنا بعض الأشياء الغريبة التي أحاطت بهذه القضية، فإن شيئاً ما قاله يهوذا لرؤساء الكهنة حملهم على تعجل الحوادث في اللحظة الأخيرة. والاسراع في تنفيذ نيتهم في وقت تعوزه كل المسوغات القانونية والرسمية. إن شيئاً قد حملهم على أن يبعثوا إلى إنسان أعزل في بستان موحش معزول بقوة مدججة بالسلاح تعززها الاحتياطات المحكمة، مما يدعو إلى التفكير والتساؤل:

ترى ما معنى كل هذا؟ إني لعلى يقين أن وراء الخوف الظاهري المعترف به من الشعب، خوفاً آخر أشد وأعمق – خوفاً يعلل كل ترددهم وتذبذبهم، حتى بلغت أسماعهم المذهولة رسالة رحّبوا بها أيما ترحاب – وأعني بذلك الخوف من المسيح نفسه.

وخشية أن تقع هذه الفكرة على الآذان موقع الدهشة والغرابة، لنلق نظرة على الحقائق. ولا يسعنا أن نضع شيوخ اليهود بمعزل عن القيود العقلية والخرافات التي شاعت في عصرهم. كما أننا لا ننـكر أن شــهرة يســوع كانت قد ذاعـت بين الناس، وعـلا اسـمه بين القـوم وسـمت شخصيته، وتناقلت الألسن قصص معجزاته في إعادة البصر للعميان وإبراء المشلولين. وانثالت هذه الأنباء على أورشليم من كل أجزاء البلاد، وسلّم بها الناس حتى في الأوساط العليا. ويخيل إلينا أن مُعاصريه لم يرتابوا في أن لديه بعض القوى الخارقة التي لم يألفوها في جيلهم.

ولا يسع كل قارئ منصف لبشائر الإنجيل – لا سيما الفصول الختامية – إلا أن يرى هالة من الغمـوض الشـديد قد انعقدت حول شخص يسـوع، وكـان لها أثـرها في التدابير التي حـاول الزعماء حبكها للإيقاع به. وأيقنوا طيلة الوقت أنهم أمام قوة غامضة غير معروفة لا بد لهم أن يحسبوا حسابها في تنفيذ مآربهم. وأنت تراهم في خلال الأيام الأربعة العصيبة التي سبقت القبض عليه – حينما كان في وُسع يسوع، لو أراد، أن يثير عجاج الفوضى والاضطراب في المدينة – يتصـرفون كأنـهم فرائس لخـوف خفي يخشون حـدثاً خطيراً. وإنك لا ترى منهم ذلك العـمل العاجل الحاسـم، وهو ما كنا ننتظره من قوم يملكون زمام السلطة في موقف خطير.

بل على نقيض ذلك ترى تردداً وتذبذباً في تصرفاتهم وأعمالهم. وحتى بعد ذلك التصريح الرهيب القاصم لظـهورهم الذي ألقاه يسوع في الهيـكل يـوم الثلاثاء. نـراهم يتـركونه ليكـون هو البـادئ في تحديهم. ومن الحقائق البارزة في هذه القصة أن المسيح ظل مسيطراً على الموقف كله إلى النهاية.

وإني أخشى شخصياً أن أولئك الناس كانوا في تصرفهم مع يسوع يخشون شيئاً لم يعرفوا ما هو. وأخالهم قد خشوا أن تتدخل قوة غريبة فتأخذه من بين أيديهم، فيعجزوا في آخر الأمر عن إلقاء القبض عليه. ومما يقّوي أثر هذا الاعتقاد في نفسي ذلك المسلك الغريب الذي بدا منهم في أمر يهوذا.

ويتضح جلياً أن عائقاً ما قد حال بينهم وبين القبض عليه في خلال ذلك الأسبوع، وراحوا يؤجلون ويسّوفون نظراً للصعوبات التي أحاطت بهم، إلى أن حانت الساعة الحادية عشرة من ليلة يوم الجمعة. والظاهر أن لقاءهم بيهوذا قد هّون عليهم الأمر.

وقد قيل في هذا:

“وَلَمَّا سَمِعُوا فَرِحُـوا، وَوَعَـدُوهُ أَنْ يُعْـطُوهُ فِضَّةً. وَكَانَ يَطْـلُبُ كَيْـفَ يُسَـلـِّمُهُ فِي فُرْصَـةٍ مُـوافِقَةٍ.” (مرقص 14: 11).

ولو تتبعنا سير الحوادث كما دُونت في البشائر، لرأينا ان هذه المقابلة تمّت على أقرب تقدير يوم الثلاثاء بعد حفلة العشـاء في بيت ســمعان الأبرص. ومع ذلك لم يتمـكنوا من القيـام بأية حركة، ولم يتبدل ترددهم عزماً إلا في يوم الخميس ليلاً، لما أسرع يهوذا من العلية إلى نقل الأنباء إليهم. عند ذلك قاموا بعملهم العاجل الحاسم.

وهنا يلعب الزمن دوره الخطير. فلو كان القبض على يسوع قد تمّ بعد وصوله إلى بستان جثسيماني بزمن قليل، لجاز لنا القول إن مهمة يهوذا اقتصرت على نقل الأنباء إلى السلطات وإخبارهم عن المكان الذي سيكون فيه يوم الخميس ليلاً، ثم مصاحبة المأمورين بالقبض عليه ليدلّهم على شخصيته. ولو افترضنا شيئاً من هذا، لجاز لنا القول أيضاً إن زعماء اليهود دبروا مكيدتهم للقبض على يسوع في مساء اليوم الأخير قبل عيد الفصح ليضيعوا على الشعب كل فرصة في الهياج أو الاضطراب.

ولو أن هذا التعليل يبدو لأول وهلة سائغاً مقبولاً، فإنه لا يقوى على الثبات طويلاً أمام مجهر الفحص والاستقرار، فإن الحقائق كلها تشير إلى ان الأمر اتخذ اتجاهاً غير هذا. ولنفترض أن التفاهم بين يهوذا ورؤساء الكهنة قد تمّ على هذا النحو:

“نحن قد اعتزمنا القبض عليه يوم الخميس ليلاً، فابق معه حتى تـثق تماماً من كل حـركاته، ثم تعال سريعاً وأخبرنا، وعلينا بقية الأمر.

أقول لو أن اتفاقاً مثل هذا تمّ بين يهوذا ورؤساء الكهنة، لترتّب عليه أن يكون أولئك على أتم

 

استعداد للقبض على يسوع في غير إبطاء، وأن يكون حرس الهيكل على أتم أُهبة لتعبئة القوة والتقدم عاجلاً بعد تلقي الرسالة بدقائق معدودات.

فهل سارت الأمور هذا المسرى؟ يقيناً لم يـكن الأمر كذلك. فإن بضع سـاعات مضت بين الزمن الذي انسحب فيه يهوذا من العلية التي تناولوا فيها العشاء وبين وصول العسكر المدجج بالسلاح إلى بستان جثسيماني. فما التعليل التاريخي لهذا الإبطاء؟ تأمل الموقف ملياً وانظر إلى غرابته، لأنه حافل بالأشياء الغريبة حقاً التي لا يمكن تعليلها بغير ذلك.

فأول كل شيء، وقبـل كـل شيء، أمامنا إبطـاء في الزمن يقرب من الثـلاث سـاعات بين خروج يهوذا من وسط العشاء في العلية وبين وصول الحرس إلى بسـتان جثسيماني. ولا يمكن أن يكون الزمن الفاصل بين الحادثتين أقل مما قدّرنا. بدليل الحوادث التاريخية التي تخللته. ولقد ألمحت من قبل في الفصل الثاني إلى طول الزمن الذي قضاه المسيح في البستان مستدلاً بإيقاظه التلاميذ ثلاث مرات متوالية.

ومغالبة النعاس لذلك النفر من صحابته هو في حدّ ذاته دليل على أن الساعة كانت متأخرة، وهم لا بد أن يكونوا قد صارعوا النوم طويلاً قبل أن يدركهم التعب رغبة منهم في اليقظة ومشاطرة سيدهم ما قد يدهمه من الأخطار في تلك الليلة. ولسنا ندري كم من الزمن غالبوا تجربة النعاس.

على أنه لا يمكن أن يكون بين اليقظة والأخرى أقل من نصف ساعة. ولو أضفنا هذا الزمن إلى ما استغرقته مسافة الطريق من العلية إلى البستان، وهو على الأقل نصف ساعة، لتوافرت لـدينا من الزمن سـاعتان. وإلى هذا نضـيف أيضاً الزمن الذي استغرقه الحديث بعد خروج يهوذا من العلية، ثم الزمن الذي استغرقته الصلوات الليلية قبل أن تبدأ الجماعة سيرها في الطريق المؤدي إلى باب المدينة.

وإذا جلس المرء في بقعة هادئة، في ساعة الغسق، وانصرف إلى قراءة هذه القصة، وتأملها ملـياً فإنه لا شـك يُدهش حـين يشـع عليـه نور صـدقها. بل إنه يجـد عـدا ذلك أن الـزمن الذي نحدده أقل مما يجب أن يكون، وهو مضطر أن يذهب في التقدير إلى أبعد مما ذهبنا، فإننا لا نتصور مثلاً أن يُغرق التلاميذ على التّو في النعاس بمجرد وصولهم إلى البستان، وهم يعلمون أن أحداثاً خطيرة يخبئها المستقبل.

ولم نعهد الطبائع البشرية على هذا النحو من الجمود والاستكانة. ولا ريب أن فتـرة طويلة تقضّـت في التهامس والتخمـينات والرجم بالغيب وتبادل الظنون والأقاويل. ولا ريب أن فترة أخرى تقضت في الترقب الحائر والاندهاش الذاهل، حتى ثقلت جفونهم واحداً بعد واحد من فرط الإعياء الذهني والنفسي، واستسلموا للنوم.

ولا بد لنا من تعليل لهذه الفترة الطويلـة التي بلغ مـداها ثلاث ساعات، في مأساة خطيرة متشابكة الحوادث كهذه. ولــزام علينا أن نعرف ما الـذي كان يفعله يهوذا طيلة هذه المدة، ولا سيما لماذا عرف يهوذا الموضع الذي كان فيه يسوع حينما تقرر أخيراً قيام الجند للقبض عليه. وعندنا أن هذا الأمر من الوقائع الهامة في المـوقف الذي نحن بصـدده. ومتى عرفنا تعليله، استطعنا أن نقبض بأيدينا على مفتاح أغرب قصة في التاريخ.

والذي نلاحظه مبدئياً في فحص تفاصيل الرواية المدونة في الإنجيل، أن الرسالة التي حملها يهوذا لم تجد زعماء اليهود على أُهبة العمل الحازم. وأنا شخصياً لا أقدر أن أتملص من هذا الاعتقاد الذي يزداد في نفسي تعمقاً كلما أوغلـت في دراسة القصة. ولو أن اليهـود كـانوا قد وضعوا خطة مدبرة لتأجيل القبض على يسوع إلى ساعة متأخرة من يوم الخميس، ثم تنفيذ هذه الخطة بغض النظر عما يترتب عليها من العواقب. لكان هناك شيء من التأهب وحسن التنظيم لتنفيذ الخطة في ساعتها المعينة. فأولئك القوم ما كانوا يعرفون أين يقبضون على المتهم ولعلهم فكـروا أنه لا بد لهم مـن الذهـاب إلى بيـت عنيا.

وما من شـك في ان هـذه الاحتـمالات كلـها نشطت في أذهانهم، فمن ذا الذي كان يتنبأ أن هذا “المجرم الهارب” في نظرهم ينتظر لهم في بستان على مقربة من معسكرهم العام؟ ولم كانت هناك خطة مدبرة لوقعت النقمة سراعاً على رأس يسوع بمجرد أن تلقت السلطات اليهودية النبأ السري، وذلك بعد بضع دقائق من خروج يهوذا عن مائدة العشاء بقصد إخبار السلطات.

ولكن بدلاً من هذا التنفيذ العاجل لخطة حازمة مدبرة، نرى تراخياً يمتد إلى ساعات، وهو تباطؤ كان من المحتمل أن يصـيب خطتهم بفشل ذريـع. ولم كان المتهم الذي يتعـقبونه متهـماً عادياً أو مجرماً على طراز سائر المجرمين لولّى هارباً وفشلت خطتهم.

وكلما دققنا في دراسة الحقـائق التي تتـألف منها هذه القصة، ازددنا اعتقاداً بأن زيـارة يهوذا

لرؤساء اليهود في تلك الليلة، فضلاً عن أنها لم تكن متوقعة، قد وضعت المشكلة أمامهم وضعاً جديداً على نور جديد. وكان لا بد لهم من بعض الوقت للتشاور واتخاذ قرارات خطيرة ووضع الخطط الحازمة. ولما انطلقت الحملة إلى جثسيماني، فعلت ذلك سراعاً بعد انقضاء الزمن الذي كان لازماً لهذا التشاور والقـرارات العـاجلة. وأعتقد اعتـقاداً جازماً أن هذا هو التـأويل الذي تحتمله قصة الإنجيل.

وهناك عاملان تاريخيان في هذا الموقف يعللان لنا هذا التباطؤ. وهما عـاملان يتداخل أحدهما في الآخر: الأول أن النبأ الذي حمله يهوذا من العلية قد تضمن بعض المعلومات الجديدة الغريبة التي أزالت شكوك الرؤساء وترددهم. والثاني أن المسيح نفسه كان يتحداهم بهذا التصرف لإلقاء القبض عليه.

ومهما تكن ألفاظ الحديث ونصوصه الذي دار بين يهوذا ورؤساء اليهود، فلا شك أنه كان في شيء من هذا المعنى:

“وهو يفكر في الموت ويتحدث عنه. وهو الآن ذاهب إلى البسـتان عند سفح جبل الزيتون ويبقى هناك حتى أوافيه. فهيئوا أمركم على عجل وأنا سآخذكم إليه”.

ولا مهرب لنا من الأخذ بهذا الاستنتاج، الذي تـؤيده كل التأييد الشـهادة الصامـتة التي نراها في مسلك الممثلين الرئيسيين في هذه المأسـاة التاريخية. وتفاصـيل القصـة تمكّـن البـاحث من تعقب خُـطى الطـرفين فـيها: فنـحن نـعلم أن يهـوذا قـاد الحـملة المـأمــورة بالقبـض إلى بسـتان جثيسماني دون أن يخطئ الطريق على الرغم من الظلمة في هذه السـاعة المتأخرة من الليل. ونعلم أيضاً أن يسوع انتظر في ذلك البستان على الرغم من ملال صحابته. والظاهر أنه كان متأهباً لأن ينتظر هناك حتى مطلع الفجر.

ولسنا نقدر على تـأويل موقف كهذا، دون أن نسـتـنتج شيئاً ما، أدعوه “تفـاهماً” من قبـيل التجاوز في التعبير، لأن اللغة لا تسعفني بكلمة خاصة أدلُّ بها على هذا الموقف. ولا يذهبنّ أحد إلى الظن أني أردت القول إنه كان ميثاق بين يسوع وبين مسلّمه. كلا. لا أذهب إلى شيء من هذا. فقد كان يسوع أستاذاً في علم النفس، فنفـّذ عزمه على تسـليم نفسـه إلى المـدعين عليه في تلك الليلة بأساليب دقيقة خفية بلغت منتهى الدقة والخفاء.

ولـما خرج يهوذا من العلـية للقيـام برسالة بريئة في ظاهرها، عرف عن يقين أمرين: عرف أن يسوع ذاهب إلى بستان جثسيماني وعرف أيضاً أن روحه آخذه في الجنوح نحو الصليب. وكان في تينك الحقيقتين الخطرتين، مجتمعتين معاً، فرصته الكبرة، وكان فيهما أيضاً تجربته الكبرى. وقد عرف يهوذا بدهائه ومكره أن هذا أفضل نبأ يمكن أن يحمله إلى سادته اليهود. فالعائق قـد أمحى، ويسـوع لم يكـن متـأهباً تلك الليلة على الأقل لإبداء أية مقاومة لأن مزاجه وقتئذٍ كان أميل إلى الاستسلام والخضوع، فلم يبقَ إلى الحزم والسرعة في تنفيذ مآربهم.

وقراءة يوحنا 13: 13 و28 و29 تزيد في رجحان الصدق في هذه القصة، فالاتفاق على اللقاء في جثسيماني ربما دبرته طبائع الأشياء وسياق الحوادث. والظاهر أن يهوذا كان مكلفاً بأداء بعض المهام لصحابة المسيح. فاضطر إلى التغيب عنهم بعض الوقت. وكان من الطبيعي أن يتم الاتفاق على اللقاء في مكان معين قبل رجوعهم كعادتهم في ذلك الأسبوع إلى بيت عنيا.

وكان بستان جثسيماني مكاناً لائقاً لموعد اللقاء، لأنه يقع في المثلث القائم بين الطريقين الرئيسيين على أكتاف جبل الزيتون إلى تلك الضاحية الصغيرة. ويؤدي ذانك الطريقان الجبليان، علاوة على الطريق الرئيسي المتاخم للبستان، إلى بيت عنيا.

والأرجح أن يهوذا أسرع إلى دار رئيس الكهنة وعقله متشبع بهذه الفكرة الجديدة. أما المهمة الخاصة التي انتدبته الجماعة لإدائها فكانت تحتمل التأجيل. ورأي الفرصة سانحة لتنفيذ الخطة في غير إبطاء.

تُرى ماذا كان تأثير هذا النبأ في قيافا وفي الصدوقيين القلائل الذين كان همهم الأكبر القضاء على يسوع؟ من حُسن الحظ أنه من الميسور الإجابة على هذا السؤال في شيء من الدقة، لأن أمرين جوهريين في الموقف تغلبّا على كل اعتبار آخر في سياسة القوم:

الأول: أنه كـان من أفـدح النكـبات لسمعتهم ومصـلحتهم أن يبـدأوا محـاولة فـاشـلة للقبـض على يسوع في ذلك المكان. فإنه لو فشلت محاولتهم لعوامل خارقة للطبيعة، لكان الخطب فادحاً لا يمكن مداواته.

والثاني: أنه كان من الخطر عليهم أن يقبضوا على يسوع ثم يضطرون إلى تأجيل محاكمته مدة السبعة الأيام التي قررها عيد الفصح. ولم يكن في وسعهم الاعتداء على هذا التقليد بأي حال من الأحوال. وكانـت أورشليم في أيام الفصـح بسـبب ازدحـامها بـالغـرباء والـزائرين، تتهـيج لأقل الأشياء وتعمد إلى الثورة والاضطراب لأتفه الأسباب. وربما كان لهم أن يركنوا إلى الذهول المؤقت الذي يطرأ على الرأي العام على أثر حادثة خطيرة كالقبض على يسوع، ولكن لا يلبث أن يعقب ذلك ردّ الفعل بعد بضع ساعات.

إلى قوم يجابهون هاتين المشكلتين، جاء يهوذا الإسخريوطي في سـاعة متـأخرة من ليلة الخميس بنبأ خطير أصلح موقفهم إزاء هذه المشكلة، وزاج صعوباتها عشرة أضعاف. قد أصلح موقفهم لأنه أكّد لهم إمكان القبض عليه، ولكنه زاد صعوباتهم لأنه حمل النبأ في ساعة متأخرة، وكان عليهم أن يواجهوا أمر القبض بما انطـوى عليه من أخطار قد يكون فيها القضاء على سمعتهم وكرامتهم وكيانهم في الشعب.

ولعلّ السؤال العملي الذي طُرح أمامهم للبحث هو هذا: “أفي وسعنا أن نقوم بكل أدوار الإجراءات والتنفيذ التـي يتطلبها الموقـف، بحـيث نضـمن تـنفيذ حكـم الإعـدام فيه قبل مغيب شمس الغد؟”. وكان الجـواب على هذا السـؤال معـقداً له خطـورته وخطـره، ولـيس من الهين البتّ فيه.

ولسـت أعتـقد أن سـؤالاً كهذا يمـكن الإجابة عليه فوراً حتى من رئيس الكهنة نفسه، وهو متذرع بالحكمة العالمية والاختبار الطويل اللذين ورثهما عن حميه حنان. وكان لزاماً عليه أن يتشاور على الأقل مع زعماء الأحزاب المختلفة التي تألف منها مجلس السنهدريم. وكان الموقف فريداً من نوعه لم يسبق له مثيل. والفشل في تنقيذ الإجراءات كلها حتى نهايتها منطوٍ على أوخم العواقب وأخطرها.

فإلى جانب الإجراءات نرى أن بعضاً من هذه الثلاث الساعات قد انقض في المشـاورات العاجلة والتنقلات السريعة جيئة وذهاباً بين الجلسة التنفيذية في دار رئيس الكهنة وبين زعماء الفكر اليهودي الذين لم يكن بد من استشارتهم لضمان تعضيدهم والاستناد إليهم في مجلس السنهدريم. هذا كله مكـتوب بإيضـاح بين ثـنايا سطور القصـة. فهل كان هناك شيء آخر غير هذا؟ أنا شخصياً أقول نعم!

فمهما حاولنا من تعليل للحوادث التـي أدت للقبـض على يسوع. لا بـد أن مخـابرة قد جرت بين زعماء اليهود وبين بيلاطس البنطي الوالي الروماني، قبل إصدار الأمر بالقبض فعلاً. وأنه ليصعب علينا جداً، بما نعهده في أخلاق بيلاطس وفي طبيعة الاحتلال الروماني، أن يسلم بأن قضية خطيرة كهذه تُـعرض فجأة على بيـلاطس في صـباح الجـمعة، بدون سابق علمه، وقبل التأكد من استعداده للنظر فيها.

وليس من العسير أن نعلل صمت كُتاب الأناجيل الأربعة في هذا المقام وعدم تعرّضهم لذكر شيء من هذا، لأنهم كانوا يكتبون من وجهة نظرهم هم، أي من وجهة نظر الأفراد القلائل الذين صحبوا يسوع. فكل اتفاق بين بيلاطس وبين زعماء اليهود لا يصل إلى علمهم. أما حين نضع أنفسنا في موقف رؤساء الكهنة فإنا نراه جوهرياً جداً لهم أن يضمنوا، ولو في ساعة متأخرة من الليل، رضاء الوالي الروماني وتعاونه معهم.

وإذا أحسّ أحد أن قصة الإنجيل الكريم لا تحمل بين تضاعيفها شيئاً من هذا المعنى، فإنـي أشير عليه أن يتأمل ملياً في حالة صغيرة الشأن، ولكنها كبيرة القـدر: من الأحـاديث المسـندة القوية في المؤلفات المسيحية الأولى (ويؤيدها طبعاً بيان البشير يوحنا المفصل عن المحاكمة الرومانية) أن بيلاطس عدل عن العادة المألوفة في مثل هذا الأحوال، وتقدم هو نفسه إلى اليهود وذلك إرضاء لتقاليدهم الطقسـية التـي قضـت عليـهم بعـدم دخـول فنـاء الغـريب في ذلك اليوم. وكانت علّة تمنّعهم عن هذا الدخول أن الوقت لم يعد يسمح بالتطهير الواجـب قبـيل الفصـح.

ومعنى هذا البيان التاريخي أنه لولا أن قضية يسوع عاجلة وخطيرة، لما عقد بيلاطس مجلس الحكم في ذلك اليوم، فإنه من السخف في سير الحـوادث العـادية، أن يُعـقد مجلـس الأحـكام القضائية في يوم تقضي طبيعة الأشياء أن يتغيّب فيه كبار الموظفين والشهود. وكون بيلاطس لم يجلس على منصته في ذلك اليوم، ويتقدم بلا تردد ظاهر لسماع القضية في الفناء خارج دار الولاية – يدلُّ على أن بينه وبين الزعماء تفاهماً من نوع ما.

ومن ثمّ نرى أنفسنا مسوقين إلى الزعم – حين نحاول تفهّم أفكار رؤساء الكهنة، ودراسة المشكلة المعقدة التي كان عليهم أن يحلّوها في قصير من الزمن – أنه لم يكن بدّ من تفاهم بينهم وبين بيلاطس الوالي الروماني. وها هم قد تلقّوا فجأة الفرصة سانحة للقبض على يسوع في ظروف موآتية. وكان الوقت ليلاً، والشعب منهمكاً في إعداد معدات الفصح. ثم أن المتهم نفسه على شيء من الاستعداد، يهّون عليهم بعوامل غامضة خفية تنفـيذ تـدابيرهم. فـمن الوجـهة السياسية المحضة كان السبيل صافياً أمامهم، والباب الذي توقعوا أن يفتـحوه عنـوة وقسـراً قد انفتح على مصراعيه في غير عناء.

ومن الجهة الأخرى كانت الصعوبات القانونية هائلة – فدعوة المحكمة إلى الانعقاد في هزيع الليل، واستجماع الشهود لإقامة الدعوى، وانعقاد السنهدريم في جلسة كاملة في صبـاح الغـد – كل هذه استدعت تفكيراً جباراً وتنظيماً عاجلاً. نعم كان عليهم أن يتركوا كثيراً من الحوادث لأحكام الصدف، على رجاء أن تسير الأحوال وفق البرنامج على قدر المستطاع.

ولم يكن بدّ مع هذا أن توضع تفاصيل هذا البرنامج قبل إطلاق السهم الذي كان يتوقف عليه مصيرهم – وحتى بعد إعداد الإجراءات الأولية – كتدبير أمر القبض عليه، وانعقاد جلسة منتصف الليل لاستجماع أدلة الإتهام وعناصر إثباتها، وجلسة السنهدريم في الصباح الباكر للتصديق على هذه الإجراءات- حتى بعد كل هذا بقي أمر خطير لا مناص من مجابهته. أفي وسعهم إقناع الوالي الروماني للتمكن من تنفيذ حكم الإعدام قبل حلول العيد؟ أيرضى بيلاطس أن ينظر في القضية بالظروف والملابسات التي يفرضونها على هذا النحو؟ أتراه يلحّ على إجراء محاكمة كاملة، أم يكتفي بالتصديق على قرار أصدرته محاكمتهم الخاصة؟

كل هذه مسائل يجب تسويتها بالطرق الرسـمية كإجـراءات إداريـة عادية. وقضى القانون بإعداد جدول خاص لمحاكمة المتهمين اليهود الذين تدعو الحال إلى نظر قضاياهم أمام محكمة الوالي الروماني. ولا بد من الحصول على موافقة بيلاطس الشخصية ورضائه قبل إعداد هذا الجدول.

والسرعة التي يعملون بها الآن في هذه القضية بالذات تحول دون الأخذ بهذه الطرق الرسمية

 

الإدارية، فالساعة متأخرة والليل قد انتصف أو كاد، فلا محيص من عمل تدبير احتياطي مؤقت والاتفاق مع الوالي على نظر القضية في بكور الصباح التالي.

ولم يكن في أورشليم كلها غير إنسان واحد يجرؤ بحكم وظيفته على مقابلة بيلاطس في ساعة من الليل مخصصة لراحته والاستمتاع بلذاته. وذلك الإنسان هو قيافا رئيس الكهنة. والأرجح أنه هو الذي قام بهذه المهمة. فهو دون سواه، يستطيع أن يدلي، بحكم مـركزه السـامي وسـلطته الرسمية، بالأسباب التي تؤيد هذه المحاكمة.

وقد يبدو لنا شأناً تافهاً أن يكون الرئيس الأسمى للأمة اليهودية قد زار بيلاطس في ساعة متأخرة من الليلة الليلاء أم لم يزره. ولكن إذا كانت الأمور قد سارت في المسرى الذي سنبحثه في الفصل التالي، فإنه سيكون لهذه الزيارة التي لم يدونها الإنجيل شأن خطير في تعليل بعض الحوادث الغامضة علينا. وأقصد بذلك مسلك بيلاطس الغريب في اليوم التـالي في السـاعات الرهيبة العصيبة التي تقرر فيها مصير المسيح.

فصول كتاب من دحرج الحجر

حوادث قبل منتصف الليل يوم خميس العهد – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

التهمة المقامة ضد المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

التهمة المقامة ضد المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

التهمة المقامة ضد المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

التهمة المقامة ضد المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

قد بدا لي أن خير طريقة للكشف عن اللفائف المتشابكة المعقّدة في الميول والنزعات والدسائس السياسية، وعوامل التحّزب والتعصب التي نُسـجت في حوادث الأيام الأخيرة من حياة يسوع على الأرض – أن أجلوَ أولاً غوامض السر، ببحث التهمة التي أقامها القوم ضده.

وإني أذكر كيف ألحّت عليّ هذه المشكلة يوماً ما، وراحت تجذبني بقوة عنيفة غير منتظرة. ثم أخذت أصور لنفسي صعوبة الأمر، وأسائلها: ترى ما الذي يحدث لو أن جدالاً عنيفاً قام بعد ألفي سنة من التاريخ الذي نحن فيه حول شخص حوكم محاكمة جنائية، لنقل في سنة 1939 مثلاً؟ لا شـك أن أغلب الأدلة الجوهرية تكـون قد أمحَّت وأُسدل عليها ستار النسيان. وربما يمكن العثور بين مجموعة الآثار القديمة على قطعة باهتة من إحدى الصحف اليومية. أو ربما صفحة ممزقة من كتاب قانوني يصف القضية.

ومن هذه الوثائق الباقية الباهتة يمكن للباحث أن يسـتنتج. ومن المؤكد أن يذهب الأحياء في ذلك الزمن البعيد الراغبون أن يستبينوا الحق عن ذلك الإنسان – إلى بحث موضوع التهمة التي قامت حوله. وأظنهم يتساءلون قبل كل شيء: ما سـبب هذه الضجة كلـها؟ وما الذي أقـامه المـدّعون عليه من التـهم؟ وإن كانت التـهم متعـددة، كما هو الحال في القضية التي نحن بصددها، يسألون عن التهمة الأصلية الحقيقية ضد المتهم الذي حكموا عليه.

وبمجرد أن نضع هذا السؤال في مقدمة بحثنا، نصطدم على التّو بأشياء تلقي على المشكلة نوراً جديداً، ما كان يخطر لنا ببال! وتتضح لنا كنه تلك الأشياء الخطيرة لو تمكنا قبل كل شيء من تفّهم ماهية ذاتها. ذلك لأنها لم تجرِ فقط في ساعة غير منتظرة لمثل هذه الإجراءات، بل قد شابها كثير من الملابسات الخاصة. وانظر مثلاً إلى عنصر الزمن فيها:

أجمـع المـؤرخون على أن وقـت إلقـاء القبـض على يسـوع في بســتان جثسـيماني في ســاعة

متأخرة من الليلة السابقة ليوم الصلب. وهناك ما يحملنا على الاعتقاد أن ساة القبض لم تكن قبل منتصف الساعة الثانية عشرة.

وهذا التقدير أساسه حساب الزمن الذي استغرقته الحوادث المدّونة بين الفراغ من حفلة العشاء في العليّة، وبين وصول شرذمة الجند المسلحة إلى البستان فوق منحدرات جبل الزيتون. وأسواق ثلاثة أشياء تدل على أن القبض كان في ساعة متأخرة:

1 – كان التلاميذ تعابى منهوكي القوى. وحتى بطرس الصياد المخشوشن الذي ألِفَ الصحو واليقظة والسهر في البحر لم يقدر على مغالبة النوم.

2 – يشير كلُّ من متى ومرقص إلى ثلاثة فترات متقطعة من النوم، وكان يوقظهم في كل مرة منها مجيء يسوع إليهم من صلواته اللجوجة الحارة تحت الأشجار المتعانقة.

3 – كان الوقت ظلاماً حالكاً، واستطاع يسوع عند رؤيته المشاعل أن يميّز القادمين للقبض عليه من بعيد (انظر مرقص 14: 42) “قُومُوا لِنَذْهَبَ! هُوَ ذَا الَّذِي يُسَلِّمُنِي قَدِ اقْتَرَبَ!”.

ومن يقرأ تفاصيل هذه القصة الرائعة، لا يسعه إلا التسليم أن زيارتهم هذه المرة إلى البستان تختلف عن سابقاتها التي أشار إليها البشير يوحنا. فإن هؤلاء الرجال كانوا قد بقوا، نزولاً على إرادة سيدهم، بعد الوقت الذي كانوا يأوون إليه عادة إلى مضاجعهم في قرية بيت عنيا. وترقبوا شيئاً كان يترقبه هو، ويشعر في نفسه أنه لا بد حادث.

وإذا افترضنا أنهم فرغوا من العشاء في منتصف الساعة العاشرة، وإنهم بلغوا البستان في العاشرة تماماً، فلا يمكن أن يكون القبض عليه وقع قبل منتصف الساعة الثانية عشرة. وهذا يحدّد لنا – بشيء من اليقين – الساعة التي بدأت فيها المحاكمة التمهيدية.

ولقد أجمع علماء العاديات وعلماء طبوغرافية أورشليم القديمة أنه كان هناك درج نازل من المدينة العليا إلى أحد أبوابها يؤدي إلى بركة سلوام، في الزاوية الجنوبية الشرقية من سور المدينة. وقد أشار إليه نحميا في سفره (ص 3: 15) بقوله: ” الدَّرَجِ النَّازِلِ مِنْ مَدِينَةِ دَاوُدَ” وأيضاً (ص 12: 37) “وَعِنْدَ بَابِ الْعَيْنِ الَّذِي مُقَابَلَهُمْ صَعِدُوا عَلَى دَرَجِ مَدِينَةِ دَاوُدَ عِنْدَ مَصْعَدِ السُّورِ”.

 كان أمـان الشـرذمة التي ألقت القبـض على يسـوع طـريقتان. إما أن يســيروا بمحـاذاة وادي  

قدرون إلى أسفل الدرج، ومنه إلى دار رئيس الكهنة. وإما أن يتتبعوا طريق بيت عنيا الرئيسي إلى المدينة الجديدة، ومنها إلى حيّ الكهنة. ولو أن التقاليد لم تشر إلى اتخاذ الطريق الأول، إلا أن السير بيسوع وسط الحي الغاص بالسكان في المدينة السفلى لا يبدو ملائماً لأغراض القوم. إنه يحتم عليهم أن يلفّوا دورة طويلة تضيع عليهم وقتاً طويلاً، والوقت عامل له خطورته فيما هم بصدده من عمل حاسم في الليل.

ولو قُدر لنا برجعة سحرية من الزمن، أن نقف فوق نقطة مرتفعة من أسوار أورشليم القديمة، حوالي منتصف تلك الليلة المأثورة، أو بعد ذلك بقليل، لرأينا فريقاً من الناس يسوقون أمامهم في الظلام إنساناً غريباً في شكله، هادئاً لا يقاوم، من المنطقة الصخرية التي أحاطت بالناحية الشرقية من جدار الهيكل، إلى الطريق التاريخي في الجهة الجنوبية الشرقية من سور المدينة، ثم إلى معسكر أعدائه الألداء الحاقدين.

وكيف قُدّر لذلك العبراني الممتاز – وهو أكرم من أنبته جيله – أن يقف هذا الموقف الخطير الذي يهدد حياته، في ساعة من الليل البهيم، وفي مساء يوم من أشهر المواسم اليهودية وأكثرها روعة؟  وما القوى الخفية الغامضة التي عجّلت بالقبض عليه؟ ولِمَ اختيرت تلك الساعة غير الملائمة؟ وبعد كل هذا ما أركان التهمة التي أقيمت ضده؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة كلها لا يمكن أن يستوعبها هذا الفصل، بل أن الكتاب كله لا يكون إلا جواباً ناقصاً مقتضباً. على أن هناك شيئين يبرزان بروزاً ظاهراً في رواية هذه المحاكمة، وهما خليقان بالدرس والتقصّي: الأول ماهية التهمة التي أقيمت ضده، والثاني الأساس الذي بُنيت عليه محاكمته.

ويخيل إليّ أننا نخطئ خطأ كبيراً إذا افترضنا أن كل الإجراءات التي اتخذها الكهنة في تلك الليلة كانت غير قانونية. طبعاً يستنتج الباحث في أدوار القضية كلها أن هناك مظاهر تغاير الشريعة اليهودية مغايرة فاضحة. وهذا يسلّم به في غير عناء كل باحث في المشنة العبرانية والتقاليد اليهودية القانونية القائمة في ذلك العصر.

فمثلاً كان غير قانوني في الشريعة اليهودية أن يقوم حرس الهيكل بأمر رئيس الكهنة بإلقاء

القبض على أي أنسان، فإن هذا يُترك عادة إلى الشهود المتطوعين. وكان غير قانوني أيضاً أن يحاكم إنسان على تهمة تستوجب عقوبة الإعدام في أثناء الليل. ولم يكن جائزاً محاكمة متهم بعد غروب الشمس إلا في التهم المدنية المالية. كذلك كان غير قانوني أن يتقدم القضاة لاستجواب المتهم بعد أن تناقضت أقوال الشهود وثبت كذبها. وكان واجباً إطلاق سراحه، ومعاقبة الشهود بالإعدام رجماً – متى ثبت كذب شهادتهم عمداً.

هذه كلها أمور طافية فوق سطح الماء، ولكن يجري تحت هذه الشواهد السطحية الدالة على شذوذ المحاكمة تيار عنيف يُلبس المحاكمة شكلاً قانونياً. ويبدو هذا جلياً لكل باحث تاريخي غير متحيز لدى تدقيقه في بعض المسائل القانونية الصغرى.

وتنجلي لنا الحقيقة إذا بحثنا الطريقة الفريدة في نوعها التي انتقل بها أساس التهمة في سير المحاكمة. ويعلم كل من درس رواية المحاكمة – كما وردت في الإنجيل الكريم – أن هناك ثلاث تهم أصلية أقيمت ضد يسوع في أدوار المحاكمة المتعاقبة:

1 – هدّد بنقض الهيكل وهدمه.

2 – ادعى أنه ابن الله.

3 – أثار الشعب ضد قيصر.

ويكن إبعاد التهمة الأخير لأول وهلة. فإنها لم تكن موضع شـكاة اليهود ولا علة ثورتهم عليه، ولكنهم حاكوها لأغراض سياسية. ولم يكن القانون الروماني يقيم وزناً للتهمة التي حُكم من أجلها على المسيح بالموت، ومع ذلك لم يكن مستطاعاً تنفيذ هذا الحكم دون مصادقة بيلاطس الوالي الروماني.

لذلك رأى اليهود أنفسهم مضطرين إلى انتحال تهمة سياسية ليبرروا موقفهم أمام الوالي الروماني في طلب الحكم على المتهم بعقوبة الموت، التي كانوا قد بيّتوا النية عليها. فاتخذوا بهم ذريعة تهمة التآمر ضد قيصر، وهي التهمة التي تجد أذناً صاغية عند الوالي الروماني أو أي ممثل للسلطة والقضاء عليها لو أن الولاية كانت في ذلك العهد في إيد حازمة غير مسترخية.

ومهما يكن من أمر، فإن التهمة الصورية التي أقيمت أمام بيلاطس ليست بذي بال كما اسلفت القول. والذي يهمنا أن نعرف التهمة الحقيقية التي أقامها اليهود ضد المسيح.

كان من العادات القديمة المأثورة في إجراءات الشريعة اليهودية أن الشهود هم الذين يقيمون الدعوى في المحاكمات الجنائية. ولم تكن الشريعة تبيح إجراء غير ذلك. فكان أول عمل قام به القوم في مأساة منتصف تلك الليلة بعد إحضار المتهم إلى ساحة القضاء، أن دعوا الشهود كما يقضي بذلك القانون. وقد ألمح إلى هذا صراحة كل من البشيرين مرقص ومتى، فقال الأول:

“لأن كثيرين شهدوا عليه زوراً، ولم تتفق شهادتهم”.

وقال الثاني: “جاء شهود زور كثيرين”.

ويؤيد البشير مرقص أن أقوال الشهود لم تتفق فلم يؤخذ بها.

وقد يبدو غريباُ للذين لم يألفوا الخفايا العويصة الدقيقة في الفقه اليهودي أن ترفض المحكمة الأخذ بأدلة الشهود، وهي التي بذلت جهداً جباراً في تأييد المحاكمة بأقوال الشهود. ولو كانت قصة الشهود تلفيقاً متعمداً، لما تعذر عليهم التوفيق بين أقوالهم مقدماً. أما أن ترفض المحكمة الأخذ بأقوال الشهود، فهذا دليل على أن حتى قيافا رئيس الكهنة نفسه كان تحت ضرورة ملحّة تجبره على أن يخضع للإجراءات التقليدية اليهودية في قضية يحكم فيها بعقوبة الموت.

أما تلك الإجراءات فقد اسـتوفت حقها من البحث في كتـاب المشـنة العـبري. وقد سـلّمت الشريعة بثلاثة أنواع من الشهادة:

1 – شهادة عابثة لا قيمة لها.

2 – شهادة قائمة.

3 – شهادة موافقة.

وقد كان هناك تمييز صـريح بين هـذه الأنـواع الثلاثة من الأدلة. فالشـهادة العـابثة هي المتناقضة أو التي لا قيمة لها، وكان على القضاة أن يسـتبعدوها فوراً. والشـهادة القائمة كانت تقبل من باب الاحتياط فقط حتى يثبت ما يـؤيدها او ينقـضها. والشـهادة الموافقة هي التي كانت تتفق فيها أقوال الشهود. ويقول الكاتب اليهودي الشهير “سلفادور” إن أقل تناقض في أقوال الشهود كان كافياً لإبطال الشهادة.

 ويتضح من هذا أن الشهادات التي أشار إليها البشيران، مهما كان مضمونها، هي من النوع

الثاني الذي يُقبل احتياطياً فقط. معنى هذا أن أقوال الشهود إما كانت مناقضة لما ألفه وعرفه قضاة المحكمة، أو كانت باطلة لأسباب فنية قانونية. وقل البشير مرقص: “لم تتفق شهادتهم” يحملنا على الأخذ بالرأي الثاني.

وهنا نرانا أمام شيء غريب. فإنه بعد أن بطـلت أقوال هـؤلاء الشـهود واسـتبعدت لعـدم كفايتها، تقدّم إلى المحكمة رجلان بدليل معين عرضي. وفي هذا يقول البشير مرقص:

“ثم قام قوم وشهدوا عليه زوراً قائلين: نحن سمعناه يقول إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي، وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأيادٍ”

ويؤيد هذا القول البشير متى، والظاهر أنه لم يقتبس عن مرقص بل استقى معلوماته من مصدر آخر، فيقول:

“ولكن أخيراً تقدم شاهدا زور وقالا: هذا قال إني أقـدر أن أنقض هيكل الله، وفي ثلاثة أيام أبنيه”.

ومهما يكن من أمر ما حـدث في تلك الليلة المـأثورة، فإن اثنين تقـدما إلى المحكمة واتهما يسوع، الذي كانت أنوار المصابيح المتراقصة تنعكس على وجهه بإنه قال كلاماً أشبه بهذا. وهذه حقيقة هامة، أرجو أن يفكر فيها القارئ مليّاً.

والذي يهمنا قبل كل شيء أن نعرف هل انتحل أولئك الشهود التهمة انتحالاً، أم أرادوا لغرض في نفوسهم تشويه أقوال نطق بها يسوع فعلاً. وأنا شخصياً أتردد كثيراً في الزعم أن تلك الشهادة كانت مجرد تلفيق لا أساس له من الصحة. وأنه أمر أدهى أن تشّوه أقوال إنسان على مسمع من الآخرين من أن تعزو له زوراً وبهتاناً اقوالاً لم يقلها.

فإن تشويه الأقوال يلقى استحساناً صاخباً لدى أناس حانقين غاضبين. بينما لا يصغي إلى الأكاذيب المختلقة المفتعلة إلاّ ذوي النزعات السليطة الوقحة. هذا هو المألوف عادة، وما من شك أنه كان كذلك في القضية التي نحن بصددها، فإن أولئك الرجال كانوا قد سمعوا المسيح يتحدث بمثل هذا في فناء الهيكل، فلم يكن ثمة شيء أفتك به من أن يتقدموا في أثناء المحاكمة ويلقوا أمام القضاة بعبارات مشوهة مقلوبة.

وشيء آخر يحملنا على الاعتقاد أن الشـهادة التي أدلى بها ذانك الرجلان كانت تشويهاً وعكساً لشيء قاله المسيح نفسه في حفل عام. شهد الرجلان أنهما سمعا المتهم يتفوه بأقوال، لو أمكن برهنتها، لاستحق عليها عقوبة مزدوجة: عقوبة الشعوذة، وعقوبة تدنيس الهيكل المقدس. وكانت عقوبة الشعوذة الموت، كذلك كانت عقوبة تدنيس حرمة المعابد الموت رجماً والتشهير بجثة الميت. ومن وجهة نظر أعداء يسوع، كانت التهمة كافية لتنفيذ مأربهم فيه، ومع ذلك فقد استبعدت الشهادة: “ولا بهذا كانت شهادتهم تتفق”.

ولماذا كل هذا؟ لابد من تعليل تاريخي كافٍ لهذا الرفض. ولم كـانت الشـهادة اختـلاقاً محضاً، أو من تلفيق قيافا وتدبيره، ولو كان الشاهدان قد جيء بهما عمداً ليلعبا دورهما، لما كان هناك داعٍ لهذه المناورة السخيفة المثيرة للغضب في غير طائل. ولم يكن لدى الشاهدين إلى قليل من الكلام، فكان هيناُ جداً بقـليل من الحكـمة والحنكة حبك أقـوالهـما بحـيث لا يـكون فيها تناقض. وكانت القضية بعد هذا تسير سيراً سريعاً ويصدر فيها حكم الإدانة كما كانوا يأملون.

ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، فإننا نرى المحكمة على الرغم من عدم شرعية الجلسة في ساعة متأخرة من الليل، تضيّع وقتاً طويلاً في إجراءات قضائية لم تؤدِ بها إلى نتيجة ما. وبعد سماع أقوال الشهود وقف المسيح بين الجمع متهماً بريئاً لا سبيل إلى إدانته. وبدت الإجراءات كلها تتحطم لعدم انسجامها مع نقطة معينة من الشريعة اليهودية.

وينبثق من هذه الحقيقة التاريخية الهامة شيئان: أولهما أن قيافا لم يكن قوياً بالقدر الذي يمكّنه من إملاء إرادته على هذا الجمع. فقد كان بين أعضاء غرفة المشورة هذه تيارات قوية تلحّ بمراعاة قواعد الشريعة مراعاة صارمة. ولا سيما فيما يتعلق بالشهود.

ويحب ألا يغرب عن البال أن حكم هذه الهيئة لم يكن نهائياً، وكان لابد من أن يصادق على قرارها مجلس السنهدريم الأعلى في جلسة كاملة في الصباح التالي. والظاهر أنه ثارت معارضة من عضو يدعى نيقوديموس احتج فيها على محاكمة بدون إجراءات قانونية منصفة. وكان من الميسور لهم أن يبرروا عدم شرعية المحاكمة الليلية بما اقتضى الضرورة السياسية الملحة وبسبب اقتراب موعد الفصح، لكن أي خطأ في إجراءات إثبات التهمة كان كافياً لإرغامهم على إطلاق المتهم في ساعة كان من المحتمل جداً أن تهرع حوله الجماهير وتنضم إلى جانبه.

ثم أن غربلة أقوال الشهود على هذا النحو، والتدقيق فيها كان عاملاً من العوامل التي تحمل الشهود أنفسهم على الحذر الشديد في إبداء أقوالهم. وكان من أخطر الأمور على إنسان أن يكون شاهداً في تهمة عقوبتها الموت، لأن نظم الفقه اليهودي كانت تميل دائماً إلى تأويل الأشياء في صالح المتهم حتى تثبت إدانته. وكانت عقوبة الشهادة الزور الموت. لذلك كانت هذه المحاكمات قليلة جداً.

أما ما نستنتجه من هذه الإجراءات الشاذة فهو أن أقوال الشهود لم تُحضّر من قبل، وإن كان عدم اتفاقها قد أذهل رئيس الكهنة، فلا بد أن تكون على الأقل أقوالاً قيلت عن حسن نية، وأنها تمتّ بشيء من الصلة للحقائق التي تمثلها. وحتى لو لم يكن كاتب بشارة يوحنا قد خلّد لنا في سفره ما نسميه “الترجمة” الرسمية التاريخية لما حدث في أفنية الهيكل، فإننا لا شك مضطرون إلى التسليم بأن المسيح أدلى في بعض المناسبات التاريخية بأقوال تشبه إلى حد كبير الأقوال التي اتهمه بها الشهود.

فما هو الحديث التاريخي الذي كان أساساً لهذه التهمة؟ وما الذي قاله يسوع فعلاً من أقوال اتخذها الشهود تكأة لشهادتهم؟ لدينا ثلاث عبارات نختار أيها: جـاء في رواية مرقص عن تفصيلات المحاكمة أن الشهود قالوا إنهم سمعوا يسوع يهدّد بتدمير الهيكل وإعادة بنائه بطريقة سحرية في ثلاثة أيام. والألفاظ صريحة في نصها: “إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي، وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأيادٍ”

أما البشير متى فإنه يعدّل التهمة ويخففها كثيراً. وفيها نجد تلك الإعـادة السـحرية لبناء الهيكل، ولكن يُنسب إلى المسيح قوله فقط إن لديه القوة على ذلك: “هذا قال إني أقدر أن أنقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام أبنيه”.

وهل في وسعنا قبول أحد هذين القولين كأنه النص الحرفي لما قال؟ لا أظن نستطيع ذلك دون الإجحاف بما عهدناه في يسوع، تلك الشخصية التاريخية التي رسمتها لنا البشائر التلخيصية الثلاث. فإن قدرته وإرادته على هدم هيكل هيرودس أو إزالته من الوجود، ثم بناء آخر بدلاً منه، لا يتم طبعاً إلا باستخدام قوى سحرية خارقة للطبيعة، بطريقة قاهرة لم يُعرف عن المسيح أنه لجأ أليها قط، طريقة لا يحلم بها المخدوعون من دعاة الشـعوذة والسحر في الشرق. ولا يعقل أن إنساناً عاقلاً من ذوي المؤهلات الروحية الأدبية مثل يسوع، يقول شيئاً من هذا القبيل.

ويجوز أن نتصور إنساناً ماجناً طائشاً، تقرب عقليته إلى حدّ الجنون، يلقي شـيئاً من هذه الأقوال لمجرد التفاخر والمباهاة في نوبة فجائية من نوبات الخبل، عالماً علم اليقين أن أحداً لن يطلب إليه تنفيذ ما يهذي به. أما النعم في هذه المحاكمة فليس من هذا الطراز، وهو يتعالى فوق هذا المستوى علواً كبيراً. ولست تجد في قصة حياته أثراً لهذه الخواص التي تنبئ عن عقلية مزعزعة هزيلة. بل على نقيض ذلك تجد تلك الدلائل التي تتـحدث عن سـمّو الفـكر ورجحان العقل واتزانه. وإنك تراه محباً صادقاً للحق والإخلاص، متصفاً بتلك الدعة العذبة والتواضع والتفاخر.

فضلاً عن أنه كان إنساناً حييّاً رقيقاً حساساً إلى أرق درجات الحساسية. ولا يسع كل بصير بالحق التاريخي الواضح في الصفحات القديمة التي تلقيناها عن قصة حياته إلا أن يدرك تماماً ما حدث يومئذٍ، حينما قدموا له امرأة خاطئة أُمسكت في زنا… طأطأ رأسه إلى الأرض ليخطّ بأصبعه على الرمال. وإنك تلمح هنا وميضاً من حياة يسوع كما يسـجلها التاريخ، الذي يدوي بصوت قوي مردداً أقواله الأدبية المأثورة عنه، ولكنك لن تجد فيها أثراً لذلك الانتفاخ المضحك أو التفاخر المتعجرف.

إذن يجب أن تبقى أقوال الشاهدين في موضع الشبهات حتى تتوفر لدينا شهادات متفقة يحـق أن تؤخذ حجة على المتهم. ولكن الأدلة التي عندنا تقودنا إلى اتجاه آخر غير هذا. فإن الذي قاله يسـوع، حسـب رواية البشـير يوحنا هو: “انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه” ويضيف الكاتب إلى هذا بين قوسين: (وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده).

ولا يستطيع أي باحث مفكّر في هذه المشكلة أن ينكر ما في هذا القول من خطورة. إنه قول خطير على أي وجه نحاول تأويله. على أننا إذا أردنا الفصل بين أقوال ثلاثة متباينة، أرى أن هناك أمراً واحداً يعمق تأثيره فيَّ. وهو وجود عبارة “في ثلاثة أيام” في الأقوال الثلاثة جميعاً. ولا أظن الناس قد أدركوا ما في هذا من أهمية عظيمة.

وحين نجابه في حياتنا العادية عدة أقوال متباينة متناقضة في حادثة واحدة، يكون أحكم موقف أن نفحص أولاً النقط التي يتفق عليها الرواة، ونفتـرض أنها تمثل وقائع ثابتة. وتبدو حكمة هذا الموقف خاصة في الحالات التي يتقدم فيها الشهود من مصادر متضادة، وتتباين أقوالهم تبايناً صارخاُ في الوقائع الجوهرية الأخرى في القضية التي هي موضوع النزاع.

وتبدو غرابة العبارة “في ثلاثة أيام” في أنها لم ترد إلا نادراً في التعاليم المأثورة عن المسيح. خذ مثلاً الشواهد البارزة الثلاثة التي وردت في بشارة مرقص:

“وَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا، وَيُرْفَضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ” (مرقص 8: 31)

“لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ تَلاَمِيذَهُ وَيَقُولُ لَهُمْ: «إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ فَيَقْتُلُونَهُ. وَبَعْدَ أَنْ يُقْتَلَ يَقُومُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ»” (مرقص 9: 31)

“«هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ، 34فَيَهْزَأُونَ بِهِ وَيَجْلِدُونَهُ وَيَتْفُلُونَ عَلَيْهِ وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ».

وقد عمد بعض البحاثة، الذين أقبـلوا على قـراءة هذه الآيات وفي نفوسهم إحجـام غريزي عن قبول أي شيء يسمو فوق الاختبار العادي المألوف – إلى القول: “نفهم أن يتنبأ المسيح عن موته، فإنه لا بد أن يكون قد رأى الفاصل الكبير بينه وبين الكهنة، ولا يبعد أن يكون قد أعدّ التلاميذ سـراً لتلقّي هذه الصـدمة. أما هذه التلميحات إلى قيـامته العتيدة بعـد المـوت فلم يُكـتب في متن الكلام إلاّ بعد موته، وليست جزءاً من أقواله الأصلية”.

ولنسلّم جدلاً أن هذا هو ما يظهر لنا لأول وهلة. على أنه حيـن نفحص فحصـاً دقيـقاً المحاكمة – بما فيها من دلائل صدق، وما تخللها من تدقيق، وما اختتمت به من استماع غير مجدٍ لشهود حانقين معاندين – نتبيّن أن الكلمات “في ثلاثة أيام” التي يقول عنها ذوو “العقول المفكرة” إنها لم تخرج من بين شفتي يسوع – هي بذاتها الكلمات التي جعل منها الشهود تكأة وأساساً للتهمة الخطيرة التي حوكم من أجلها. ويبدو لنا غريباً حقاً ألاّ يكن للعبارة التي قامت عليها أركان التهمة الخطيرة شبيه أو نظير في الأقوال المختلفة التي حوكم من أجلها.

ويبدو لنا غريباً حقاً ألا يكون للعبارة التي قامت عليها أركان التهمة الخطيرة شبيه أو نظير في الأقوال المختلفة التي نطق بها يسوع خلال السنتين السابقتين.

على أنه يتبين لنا من ظروف الحوادث كلها أن ما قاله أغــرب مما نُسـب إليه فقد قال: “إن أنتم قتلتموني، فسأقوم من القبر”. ولا أرى محيصاً عن التسليم بهذه النتيجة المنطقية. قد يذهب المكابرون إلى أنه كان مخطئاً، أو أنه كان تحت تأثير شذوذ عقلي غريب يعاوده بين الفينة والفينة في أقواله العامة. على أنني أعتقد أن تفوهه بهذه الأقوال الفريدة الغريبة أمر لا يجد الشك إليه سبيلاً.

بقي أن نلقي نظرة على الظاهرة الغريبة الأخرى في هذه المحاكمة. فإن يسوع الناصري قد حُكم عليه بالموت، لا بناء على أدلة المدّعين عليه، بل على اعترافٍ انتُزع منه انتزاعاً بعد أن استحلفه رئيس الكهنة.

ويبدو لنا جلياً أنه بعد اسـتماع أقوال الشهود ورفض شهادتهم، اتخذت إجراءات القضية أوضاعاً شاذة غير قانونية. وموضع عدم المشروعية أن رئيس المحكمة حاول بتوجيه الأسئلة مباشرة إلى المتهم، أن يتلمّس الأسباب اللازمة للحكم عليه مما عجز عنه الشهود أنفسهم.

وهذا يناقض تناقضاً تاماً حرفية القانون القضائي اليهودي وروحه، وقد كان مرماه أن يحوط حياة المواطن اليهودي بكل أسباب الضمان. فإن إقامة الدعوى في قضية عقوبتها الموت كانت موكولة بحسب الشريعة اليهودية إلى الشهود دون سواهم. فكانت مهمتهم أن يلقوا القبض على المتهم، وأن يجيئوا به إلى ساحة القضاء. وكانت مهمة المحكمة أن تصون حقوق المتهم بكل الوسـائل الممكنة، وتبذل كل جهد في تمحيص أقوال الشـهود وإصـدار حكم عادل لا تحيُّز فيه على الأدلة التي يتقدمون بها.

ونظرة واحدة إلى نص الرواية في هذه القضية تدلنا على أن المتهم فيها لم يفز بهذه الحصانة القضائية. ويبدو هذا من لهجة الحنق والغيظ التي وجَّه بها رئيس الكهنة سؤاله إلى المتهم بعد أن تهدّمت أقوال الشهود:

“أما تجيب بشيء؟ ماذا يشهد به هؤلاء عليك؟”

ولعل الاعتراض لم يكن على هذا السـؤال في حـدّ ذاته، فقد كان من حق المسيح كمتهم أن يدلي بأي أقوال أو حقائق دفاعاً عن نفسـه. وإلى هنا كان ملتزماً الصمت التام. فكان من اللائق أن يُسأل إذا كان لديه شيء يعلق به على أقوال الشهود. أما الذي يسترعي أنظارنا فهو العداء المكشـوف نحو المتهم، وهو نـذير بما سـيجيئ بعد هذا السؤال. فإن رئيس الكهنة كشـف عن نواياه، وأزال كل المظاهر التي تُلبس القضية شكلها القانوني الظاهر على الأقل.

ذلك أن قيافا وهو واقف في مكانه وسط المحكمة وجّه إلى يسوع القسم الأعظم في الدستور العبراني: “أستحلفك بالله الحي” (متى 26: 63) ولم يكن بدّ أن يجيب يسوع وهو اليهودي التقي النقيّ المحافظ على الشريعة صوناً لحرمة هذا القسم العظيم.

وقد جاء بكتاب المشنة اليهودي

“إذا قـال قائل أسـتحلفك بالله القـادر على كل شيء، أو بالصباؤوت، أو بالعظيم الرحيم، الطويل الأناة، الكثير الرحمة، أو بأي لقب من الألقاب الإلهية، فإنه كان لزاماً على المسؤول أن يجيب”.

وكان السؤال الذي وجهه قيافا رئيس الكهنة إلى المسيح مباشراً صريحاً، مجرد عن المصطلحات العبرانية الخاصة:

“أأنت المسيح؟ أتدّعي أنك أنت هو الآتي؟”

ولم يكن المتهم بأقل صراحة من سائله، وهذه هي النصوص الثلاثة لإجابته:

“أنا هو” (مرقص 14: 62)

“أنت قلت” (متى 26: 64)

“أنتم تقولون إني أنا هو” (لوقا 22: 70)

وهذه الأجوبة، كما قال أحد العلماء، متفقة في معناها. والنص “أنت قلت” أو “أنت تقولون إني أنا هو” الذي يقع على الأذن في العصر الحديث موقع المراوغة والتملص، لم يكن فيه شيء من هذا المعنى لدى الفكر اليهودي المعاصر. وعبارة “أنت تقول” كان الوضع التقليدي الذي يجيب به اليهودي المثقف على سؤال خطير أو حزين. ونهب آداب اللياقة والحشمة أن يقول المجيب مباشرة “نعم” أو “لا”.

إذن نطق يسوع بإجابته في شيء كثير من التصميم والحزم. ونرى قيافا قد سُريَّ عنه بعد أن حصل من المتهم نفسه على هذا الإقرار الهائل الخطير. ويكاد المرء يسمع رنة الفوز والظفر في صوته وهو يلتف إلى الأحبار وشيوخ الشريعة قائلاً:

“ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ قد سمعتم التجاديف! أبصروا أنتم”.

وعندي أن الباحث اليقظ المتنبّه لما أسميه الحقائق الخفية الدفينة في القصة، يرى لذة ومتاعاً في تطور القضية هذا التطور الفجائي وبلوغها هذه الذّروة المفجعة.

ترى لماذا اتخذت المحاكمة فجأة هذا الوضع المخالف للإجراءات القانونية في ساعة متأخرة من الليل، بعد ضياع زمن طويل في تمحيص أقوال الشهود ووزنها؟ وإن كان إقرار المتهم الذي أُجبر عليه كافياً، فلماذا سُمعت أقوال الشهود؟

نجد الإجابة على هذه الأسـئلة في طبيعة المشـكلة القانونية المعقدة التي واجهت قيافا. والمعروف أن جماعة الصدوقيين الأقوياء الذين ينتمي إليهم رئيس الكهنة كانوا قد وطنوا العزم على إبعاد يسوع من طريقهم. ولا تتحقق أغراضهم هذه إلا بعقوبة الموت. ومن الغريب أنه مع هذا التصميم لم يسـعهم الاكتفاء بقضـية ثبـت فيها التجديف أو الشـعوذة، لأن قيافا كان عليه أن يبتعد بنظره الثاقب إلى آخرين من غير طائفته، إلى جماعة المعارضين في مجلس السنهدريم، وإلى أحكام الشريعة الموسوية، وإلى ذلك الحاجز المنيع الذي أقامته روما من قوتها وتسامحها.

ولم يكن أحد أكثر من قيافا يعرف النتائج السياسية والشخصية التي تترتب على مجيء المسيا الذي ترقبته الأمة اليهودية. فإن هذا معناه ظهور نوع من الملكية يكون مقامها في أورشليم والمقادس الأخرى. ومعناه أيضاً تحدّي السلطات الرومانية في كل البلاد، وثورة الشعب عن بكرة أبيه، وقيام حملة تأديبية على يد قائد روماني أشبه بتلك الحملة المريعة التي حدثت بعد هذا التاريخ بأربعين عاماً ودمرت المدينة تدميراً.

هذه الحقائق كلها لم تكن لتخفى على ذوي النظر الثاقب ممن أُوكل إليهم المحافظة على المزايا اليهودية التي حرص عليها الشعب كل الحرص في عهد الاحتلال الروماني. وقد كان قيافا رئيس الكهنة سياسياً أريباً وداهية ماكراً حين قال لقومه: “خيرٌ لنا أن يموت إنسـان واحد عن الشـعب ولا تهلك الأمة كلها” (يوحنا 11: 50)

أما النتائج الشخصية التي قد تصيب قيافا على أثر مجيء المسيا المنتظر فلم تكن أقل خطورة من تلك النتائج السياسية، فإننا لا ندري أي تغيير يطرأ على دستور مجلس السنهدريم الأكبر عند حلول النظام المسياوي. قد يكون التغيير انقلاباً خطيراً. على أن شيئاً واحداً نعرفه وهو أن سيادة رئيس الكهنة وتحكّمه في مصائر الأمة لا يزولان. ومهما يكن من أمر الإبقاء على المظاهر التاريخية القديمة في الدستور العبراني، فلا شك أن الحاكم الحقيقي سيكون المسيا، وسيكون مطلق التصرف في توجيه سياسة أمته كمنقذ قومي وكمندوب سامٍ لإله إسرائيل. ولا جدال أن ظهور ذلك النجار الناصري وادّعاءه لنفسه هذا الحق في السلطة القومية قد أزعج كثيرين ممن يهمهم بقاء الأحوال الراهنة.

فالمشكلة إذن أن تُقام دعوى فاصلة حاسمة لا تجد معارضة من الواحد والسبعين شيخاً من أحبار السنهدريم الأكبر، وتلقى قبولاً لدى القانون الروماني.

وفي سبيل تحقيق هذا الغرض سـمعت أقـوال شـهود كثيرين، واسـتبعدت شـهادتهم لعـدم كفايتها. ثم جيء باثنين آخرين ظُنّ أن لديهما ما يحـبك التهمة فانطـوت شهادتهما على تهمتين، كل منها تقع تحت طائلة عقوبة الموت في القانون العبري. وهنا أيضاً كانت أقوال الشاهدين موضع الشبهات والريب: وقد تنطلي الحيلة على مجلس السنهدريم، ولكن ما العمل في الوالي الروماني؟ أغلب الظن أن تهمة كهذه لا تروقه. فلا بد من اختلاق تهمة أخرى غير هذا التهديد البليد بنقض الهيكل وإعادة بنائه، يرضى عنها بيلاطس الوالي الروماني ويصدر فيها الحكم بالموت، وكان الحكم بهذه العقوبة قد انتزعه قيصر من أيدي السلطات اليهودية.

كان الاتهام كله على وشك أن ينهار لولا فطنة قيافا وذكائه الذي استنبط فوراً وسيلة لإنقاذ الموقف، وكانت إجراءاته غير قانونية، ولكنها كانت الضربة الأخيرة اليائسة من رجل كادت تطيش الســهام كلها التي أعـدّها فاسـتنجد بقَسَـم الشهادة، الذي كان يعتبر حتى الصـمت عنـده تهمة لا تُغتفر. وقد أفلحت الحيلة أكثر مما قُدّر لها، لأن في الجواب الجريء “أنا هو!” الركن القوي لإثبات تهمة شنيعة أمام الوالي الروماني.

وقد يتغاضى قيصر عن أقوال شاذة يتفوه بها داعية من الدعاة الطّوافين، ولكن لن يقدر أن يتغاضى عن شخص يطالب لنفسه بعرش. وفي صـمت المـحكمة الرهيب بعد أن نطـق المتهم بهذه الألفاظ الجريئة مضت في فكر قيافا خواطر أخرى وأقوال يأخذها حجة قوية على غريمه: “إن أطلقت هذا فلست محباً لقيصر!”.

فصول كتاب من دحرج الحجر

التهمة المقامة ضد المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

Exit mobile version