كتاب من دحرج الحجر – فرانك موريسون

كتاب من دحرج الحجر – فرانك موريسون

كتاب من دحرج الحجر – فرانك موريسون

كتاب من دحرج الحجر – فرانك موريسون

 

للتحميل اضغط هنا

لقراءة الكتاب أون لاين

 

فصول كتاب من دحرج الحجر مُفرغة (مكتوبة) على موقع فريق اللاهوت الدفاعي

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

ترى مَن هو ذلك الشاب – لو صحّ هذا التعليل الذي ذهبنا إليه – الذي سبق النسوة إلى القبر، وشاركهنّ اختباراتهن في ذلك الفجر المأثور في التاريخ لعلّنا لا نعرف. فإن إذا كان مرقص البشير قد أخفى اسمه، فلأسباب وجيهة. على أن في هذا الموقف فكرة أجرؤ على أن أبديها، وهي تحتمل كثيرً من الدرس والتمحيص.

ولو فكّر القارئ ملياً في الآيات الثماني الأخيرة من بشارة مرقص (فصل 16 آية 1: 8) ذاكراً أنها أقدم الروايات عن الحادث، يجد نفسه متأثراً بحقيقة بارزة – أعني بها خلّو القصة من أي تصريح أو تلميح إلى كيفية دحرجة الحجر من تلقاء ذاته. فإن ستاراً كثيفاً يُسدل فجأة على ختام الدفن في العصارى يوم الجمعة، ولا يُزاح إلاّ في فجر الأحد حين يُقال إن الحجر قد دُحرج. فلماذا هذا؟ ألم تعرف الكنيسة شيئاً حتى سنة 58 ب.م. عما حدث في تلك الفترة العصيبة، أم أن مرقص كتب روايته تحت ضغط كثير من التحفُّظ التمنُّع؟

هذه نقطة جديرة بالتفكير، لأن هذا التحفّظ نفسه في الإشارة إلى علّة دحرجة الحجر يبدو واضحاً في الروايات الأخرى التي رواها لوقا ويوحنا. فيقول لوقا:

“ثم في أول الأسبوع أتين (أي النسوة) إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه. فوجدن الحجر مدحرجاً عن القبر. فدخلنَ ولم يجدنَ جسد الرب يسوع”.

ورواية يوحنا لا تقل عن هذه غرابة وتحفظاً:

“وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر والظلام باق. فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر، فركضت….”.

وفي كلتا الحالتين يجيء النسوة إلى القبر، يجدن الحجر مدحرجاً، دون أن يشير البشيرون إلى كيفية حدوث ذلك. أما حين نقرأ رواية متى، نراه يقول إن ملاكاً نزل ورفع الحجر عن القبر.

والشيء المهم في الأمر حين نقرأ كتابات الأبوكريفا غير القانونية، لا نجد أي تلميح إلى أن السيد نفسه هو الذي رفع الحجر بيده، بل أجمعت كلها على أن الحجر دُحرج من تلقاء نفسه، أو أن كائنات علوية هي التي نزلت ودحرجته. ولسنا نجد في أية رواية إشارة إلى أن يسوع نفسه هو الذي دحرج الحجر.

فلماذا لم يقل أحد أن السيد نفسه، بقوته واقتداره، أزاح الحجر وأطلق نفسه من قيود القبر؟ ولماذا أجمعت كل الوثائق التي تصدّت إلى هذه القصة على أن الحجر قد دُحرج من الخارج، إما بيد ملاك أو بقوة غير منظورة؟

أراني هنا أمام حقيقة تاريخية بعيدة الغور عميقة المعنى – حقيقة ألحّت على كل كاتب وحملته أن يتخذ سياقاً آخر في حديثه. فإن دحرجة الحجر لم تُعْزَ إلى قوة الرب المقام، لأنه كان في أورشليم أناس وقفوا على بواطن الأمور التي حدثت في ساعات الظلمة التي سبقت بزوغ فجر يوم الأحد. وهذه الحقائق التي عرفها الناس حالت دون الافتراضات والمزاعم. وللتدليل على ذلك لا مندوحة من الرجوع مرة أخرى إلى قصة الحراس الغريبة المبتذلة.

بيّنتُ فيما سبق أن الكهنة ذهبوا إلى بيلاطس عصارى يوم السبت أو بعد الغسق ليلتمسوا منه أن يقيم على القبر حرّاساً – وهو تحّوط مرغوب فيه لأن رجال الشرطة خشوا أن يتطور موقف الجماهير بعد أن تزول موانع السبت وتعود إليهم حرّية العمل والقول – ولكن بيلاطس رفض هذا الطلب كما يشير إلى ذلك صراحة البشير متى. فلم يكن أمام الكهنة إلاّ مخرج واحد، وهو أن يعهدوا إلى حرس الهيكل بمهمّة الحراسة.

وهذه الحقيقة تبدو لنا بارزة في أسلوب الضمان الذي قيل إن الكهنة أتحفوا به الأفراد الذين كُلفوا بالحراسة، حيث قيل على لسان الكهنة حين علموا بخلو القبر: “وإذا سُمع ذلك عند الوالي فنحن نستعطفه ونجعلكم مطمئنين”. وإذا كان الحراس من الفرقة الرومانية، وممن أقامهم بيلاطس كما كان يُظن، فإن هذا الضمان يبدو سخيفاً بعيداً عن المنطق كل البعد، لأن عقوبة النوم في وقت أداء الواجب كانت الحكم بموت الجندي. ولم يكن في مقدور حنّان، ولا قيافا، ولا أي فرد آخر من زعماء اليهود، أن يحمي جندياً واحداً من غضب روما.

على أنه كان في سلطة قيافا بحكم وظيفته كنائب رئيس الكهنة، وصاحب الكلمة العليا في تقرير الشؤون المدنية في اليهودية، ان يحمي رجال جنده الذين رضخوا لأمره في حادث قيل أن الوالي الروماني نفض يده منه وفوض الأمر فيه إلى السلطات اليهودية. والعبارة القائلة “وإذا سُمع ذلك عند الوالي….” تبيّن عدم إمكان حدوث شيء مثل هذا.

على أن هناك دليلاً آخر أهم وأوقع يثبت صدق القصة التي دونتها الأسفار من ناحيتها التاريخية. وهذا نجده في كلمات الكهنة الأخيرة: “قولوا إن تلاميذه أتوا ليلاً وسرقوه ونحن نيام”.

تُرى ما ضرورة هاتين الكلمتين في وثيقة مناصرة للمسيحية ذاعت في طول فلسطين وعرضها، لو لم تكن تمثّل أمراً واقعاً وحقيقة فعلية في التهمة الأصلية؟ لنفرض جدلاً أنه كان لقصة إقامة الحراس عند القبر قيمة دفاعية في نظر المسيحيين الأولين، لأنها جعلت من العسير على النقّاد المنصفين أن يصدقوا خطف الجسد.

غير أن قوة هذا الدفاع إنما في بقاء الحراس ساهرين، ولم يكن للمسيحيين أدنى فائدة في حراس نعسوا إثناء الحراسة، بل إن هذه الدعوى تضرُّى بدفاعهم ضرراً بليغاً. فلماذا إذن ذكرت القصة هذه الإشارة الغريبة إلى نوم الحراس، لا في متن التهمة فقط، بل في القصة المسيحية التي روت الحادث؟

أعتقد أن حَرج الموقف ومنطق الحوادث، لم يتركا منفذاً للكهنة، لأنهم عجزوا عن الجهر بالحق كله. وقد يكون حقاً أن الحراس ناموا فعلاً من فرط الإعياء بعض الوقت في تلك الليلة المأثورة. وليس هذا بعيد الاحتمال حين نذكر أن الحراس جُردّوا على عجل من فرقة شرطة الهيكل الذين ظلوا يعملون دائبين بلا انقطاع منذ ساعة القبض على المتهم في يوم الخميس الفائت.

فضلاً عن أن السهر على حراسة بستان مهجور خارج أسوار المدينة في ساعات الظلمة، وفي ليلة من ليالي شهر أبريل، وبعد جهاد طويل لا راحة فيه، كان عملاً مملاً لا لذة فيه. وهم لم يروا أي أثر لطارق ليلي، فلا عجب أن يدركهم النعاس بعد مرور ساعات مضنية طوال.

ونحن لا نقد أن نستوثق من حقيقة الأمر، فليس بين أيدينا من الوثائق ما يحملنا على الجزم بقول. على أن هناك تلميحاً في وثيقة غامضة منسيّة، تلميحاً له عندي فيما أعتقد وزنه وقدره. جاء هذا التلميح في أثر قديم من الأسفار غير القانونية لم تبقَ منه إلاّ جُمل مبعثرة – وهو المسمى بإنجيل العبرانيين. وقد ورد بتلك الوثيقة نصّ يصف كيف ظهر يسوع بعد قيامته لأخيه يعقوب. وإليك هذا النص حرفياً:

“وبعد أن سلّم الرب ثياب الكتّان إلى خادم الكاهن، ذهب وظهر ليعقوب (لأن يعقوب هذا كان قد حلف ألاّ يذوق خبزاً من تلك الساعة التي شرب فيها من كأس الرب حتى يراه قائماً من بين الراقدين). ثم أخذ خبزاً وبارك وكسر وأعطى ليعقوب قائلاً: كُلْ خبزك يا أخي لأن ابن الإنسان قد قام من بين الراقدين”.

تُرى ما الذي يسترعي نظرنا وفكرنا في هذا العبارة الغريبة؟ أول كل شيء أن الواقعة التي تتحدث عنها يؤيدها دليلان تاريخيان، مستقلٌّ كل منهما عن الآخر. أولهما أن يعقوب هذا أخا يسوع، على الرغم من عدائه في أول الأمر، انضم إلى حظيرة الكنيسة، واستُشهد في سبيل نصرتها، على قول يوسيفوس المؤرخ الشهير.

والثاني ذلك الصوت الداوي الذي تردد صداه مدى الأجيال المنبعث من فم بولس الرسول قائلاً: “ظهر ليعقوب”. واتفاق هذه الدليلين يخلعان على العبارة التي أوردناها من إنجيل العبرانيين معنى خاصاً.

تُرى ما التعليل الصحيح لهذه العبارة المستغربة التي تقول إن يسوع سلّم “ثياب الكتّان إلى خادم الكاهن”. أهي محـض اختلاق، أم فلتة من فلتات الخيـال، أم نحـن أمام ذكرى من الذكـريات الغامضة لتفاصيل ما وقع في تلك الليلة؟ وهنا أرجو ألاّ يتسـرع القارئ في الإجابة قبل التفكير.

وإن كان هناك شيء في العهد الجديد لا يمكن لأية قوة أن تتحداه، فهو حقيقة ظهور المسيح مرات بعد موته، فلا يمكن أن تكون هذا الظاهرة الرائعة من نسج الخيال، بل أنها تعبّر عن قوة عظيمة خفيّة لم ندركها بعد، والتعليل الوحيد لها أن يسوع ظهر بشخصه فعلاً لتلاميذه أكثر من مرة.

ويدور في فكر، لا أستمده فقط من العبارة المفردة في إنجيل العبرانيين، يوعَز إليَّ أنه عند انبثاق الفـجر في ذلك البسـتان الهـادئ حـدث أمـر حمل أحد الحراس على أن يوقـظ زملاءه على عجل ليروا القبر وقد يكون ذلك الحـادث حفيفاً بين أوراق الشـجر، أو قرقعة باب حمل النسيم صوته، بل قد يكون شيئاً خارقاً أشبه بما حدث فيما بعد لبولس فأذلّه وألان روح عناده وعجرفته “ظهر لصفا…. ثم للاثني عشر…. وظهر ليعقوب…… وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا”.

فهل ظهر أيضاً أول ما ظهر إلى “خادم الكاهن” أي حارس الهيكل الذي أقامه اليهود على القبر؟

إن صحّت هذه الفكرة، فنكون قد عثرنا، ونحن لا ندري، على الجواب الصادق لسؤال من أعمق الأسئلة التي شغلت أفكار الكنيسة من عهد الآباء الأولين حتى اليوم – وهو لماذا وثق التلاميذ وثوقاً راسخاً من أن القيامة وقعت في الساعات الباكرة من صباح الأحد؟

“…… تألم على عهد بيلاطس البنطي، وصُلب، ومات، وقُبر، وقـام أيضاً في اليوم الثالث….”

هذه عبارة قانون الإيمان القديم، وما من شك أنها تستند إلى أساس تاريخي متين، تأصلت جذوره في أعماق الحق والتاريخ.

فصول كتاب من دحرج الحجر

 

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

سر القبر الفارغ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

سر القبر الفارغ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

سر القبر الفارغ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

سر القبر الفارغ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

والآن ما سرّ هذا القبر الفارغ المختوم؟ سـؤال يسـتحثُنا للإجـابة عليه، وهو ما سـأعالجه في هذا الفصـل.

في هذه القصة أشياء تؤثر فيَّ أعمق تأثير، وهي ليست من الأشياء الثانوية التافهة التي يمكن إغفالها او التغاضي عنها، ولكنها أشياء تمسُّ المشكلة في الصميم. ولست أؤمن، ولا يسعني أن أؤمن، أن جسد يسوع الناصري رقد في بستان يوسف الرامي في أية فترة من الزمن معاصرة لقومة المسيحية ونشأتها الأولى.

وإذا استطاع إنسان أن يدلّنا على وثيقة واحدة من وثائق العصر الأول التي عالجت صلب يسوع ودفنه، تُلمح ولو من بعيد، إلى أن الجسد كان ثاوياً في القبر، فأنا من جانبي لا أتورّع عن أن أقيم لهذا التلميح وزناً، فهو تكأة، وإن تكن هزيلة مرضوضة، يقوم عليها بعض الشك، على أن الوثائق كلها شديدة الصلابة قوية الإجماع على صدق هذا المظهر الخارق الذي تبدّى للعيان في فجر يوم القيامة.

وسواء رجعنا إلى بشارتي متى ولوقا من بشائر الإنجيل، أو إلى ما يسمونه بشارة بطرس غير القانونية خارج الإنجيل، أو إلى بشارة يوحنا أو وثيقة عمواس التي بقيت من آثار لوقا، أو بشارة مرقص أقدم أسفار الإنجيل – في هذه كلها نصطدم بشهادة قوية ثابتة تدلّ على اختفاء الجسد. ولو كان الأمر عكس ذلك، ولو أنه طُلب إلينا أن نؤمن بشيء أنكرته الوثائق كلها التي بقيت على الأجيال.

لما تردّدنا في التشبُّث بهذا الإنكار واتخاذه دليلاً قوياً لا سبيل إلى تفنيده. على أن بين أيدينا وثائق ومؤلفات من مصادر عدّة تناولناها من عصور بعيدة، وكتبها أشخاص تفاوتت أمزجتهم، ومن وجهات نظر مختلفة، عن سير الحوادث – وليس فيها مطلقاً أي تلميح أو تصريح يغاير الحقائق التي أثباتها مرقص في بشارته، وهو أول رواة هذه القصة وأسبقهم في التاريخ. ولست أشك أن هذا الإجماع الصارخ من جانب الكُتّاب والمؤلفين يلقى ما يستحقه من التقدير لدى كل باحث منصف.

على أن هناك آخر أبعد غوراً من هذه الشهادة التي أجمع عليها هذا الإجماع الرائع كل الكتّاب والمؤلفين. ولست أدري كيف يقدر أبرع النقاد المحدثين على مواجهته دون أن يعيروه شيء من الاضطراب والقلق الفكري، وأعني بذلك صمت الآثار صمتاً رهيباً عن الإشارة إلى قبر يسوع في التاريخ اللاحق لموته.

وإنه لغريب حقاً أن يصمت علم الآثار هذا الصمت الطويل الرهيب إزاء بقعة كان لها بلا شك قدسية وحرمة في نفوس ألوف من الناس خارج دائرة المؤمنين المسيحين أنفسهم. ألم يوجد وقتها من يرمق بعين التوقير والاحترام القبر الذي ضمّ بين جنباته جسد أعظم معلم عرفه شعب إسرائيل بعد عصر الأنبياء؟

ألم يكن لأمثال يوسف الرامي، ونيقوديموس الحبر اليهودي، نظائر واخوان بين الجماهير العاملة التي زحمت يوماً ما سفن الصيد في بحيرة الجليل، وعجّت بهم من قبل طرقات كفرناحوم وقانا والناصرة؟ لا شك أنه إلى جنب كل امرأة أو رجل وقع تحت تأثير التلاميذ، مائة غيره أو غيرها ممن لم تخطر بأذهانهم فكرة عن القبر، ولكن قلوبهم تثقّلت بالأسى والشجن والتفجع إزاء موت المسيح المكبر قبل الأوان.

ومع كل هذا فإنك تنقّب عبثاً عن إشارة أو تلميح أو همسة تستخلص منها أن سيلاً من الحجيج دلف إلى ذلك القبر الصامت في خلال السنوات الأربع التي نادى فيها المسيحيون بعقيدتهم الغريبة داخل أسوار مدينة أورشليم. ولسنا نسمع أي صدى خافت لجدل أو حوار بين الكثيرين الذين عرفوا الحقائق كما هي، ولا بين القليلين المضللين الذين نادوا بما لا يؤمنون به. فتُرى لماذا تبقى على الزمن ما نتخيله أغرب عقائد المسيحية وأبعدها عن التصديق، دون أن تترك وراءها أثراً لنظرية تباينها، كنا ننتظر بحكم المعقول أن تطغى عليها وتنتصر دونها؟

بل خذ المشكلة من وجه آخر ودُرْ حولها كيفما شئت: وهنا أطلب إلى القارئ الكريم ان يجلس في هدأة غرفته ويفكر تفكيراً رزيناً جدّياً في مسألة لها مع بساطتها قدرها العظيم: لماذا صادرت أورشليم ذاتها مركز القيادة لهذه الدعاية الغريبة عن القيامة، والي قُدّر لها فيما بعد أن تُذاع في أقصى أطرف الإمبراطورية الرومانية؟ لماذا فُضِّلت أورشليم على كفرناحوم أو الناصرة مثلاً؟ وهناك أسباب لا حصر لا تحملنا على الظن أن أسطورة واهية مثل قيامة يسوع بالجسد – هذا على فرض أنها أسطورة – كانت تلقى مرتعاً خصيباً في ربوع الجليل الطيبة اللينة، ولكنها تذبل في المنطقة التي كان بها القبر الحقيقي؟

وغير خافٍ أن أورشليم كانت دائماً معادية للمسيح، ناقمة عليه رافضة له، بينما كان الجليل موطنه الذي حَنا عليه ورحب به. والذين أحبوه أشد الحب، وبكوه أمرّ البكاء، هم الذين استوطنوا هذا الإقليم الضاحك الباسم، وما انقضت أربعة عشر يوماً على حادثة الصلب حتى كان بطرس وأندراوس وغيرهما من الصحابة الرسولية قد هرعوا إلى شطئان تلك البحيرة حنيناً إلى صناعتهم القديمة الشريفة.

ولنماشِ أصحاب المزاعم ونفترض جدلاً أن رؤيا سيدهم قد لاحت لواحد منهم او ربما لكلهم. فلماذا لم تنشأ جماعة المؤمنين هذه – التي كان أساس إيمانها الرؤى والأحلام! – في الجليل، وتضرب أصولها العميقة في تلك الأرض الطيبة اللينة، في ذل الإقليم الذي كان موطن يسوع الروحي، والذي دوت في ربوعه تعاليمه، وسرى فيها سحر شخصيته؟ لماذا ينجذب كل الذين سحرتهم هذه الفورة إلى أورشليم انجذاب الفولاذ إلى المغناطيس؟ ولماذا تزهر هذه العقيدة غير المعقولة في الوسط الذي أُنكرت فيه، وتتأصل وتتماسك أمام الذين افتروا عليها وجحدوها؟

ليس لهذه الأسئلة إلاّ جواب واحد، هو الذي يتماشى مع الإجماع الرائع في القصة ومع منطق الحوادث التاريخية ومطاليبها – هو أن قصة زيارة النسوة الحقيقية التي لا كذب فيها – قصة تروي الوقائع عارية، وتمثل حقائق التاريخ أصدق تمثيل في أبسط عبارة.

وحين نقبل قصة النسوة واقعة تاريخية صادقة، لا أسطورة مختلقة في عصر متأخر، نتميز بين ثنايا رواية مرقص مميزات خاصة تدمغها بطابع الصدق والحق:

انظر أولاً إلى شخصيات النسوة اللواتي زُرن القبر: كنا نحسبه غريباً حقاً ألاً يفكر أحد في أداء الواجب الأخير لصديق كريم ودود مثل المسيح. وكنا نحسبه أغرب من هذا لو أن الباكين عليه كانوا من غير النساء، أو غير اللواتي ذكرت القصة أسماءهن. والحق أن هؤلاء النسوة بالذات يناسبنَ الموقف أتمّ مناسبة، لأن يسوع كان سيدهنّ ومعلمهنّ، وكنّ له تابعات مخلصات.

فلو كان قيل لنا أن كلوديا بروشلا، أو لعازر، أو حتى نيقوديموس، هم الذين قاموا بهذه الزيارة الخفيّة للقبر، لكنا نرتاب في الأمر بعض الريبة، إذا انتفت الأدلة القوية التي تسند القصة. ولكن مَن كان أولى بهذه الخدمة الأليمة على النفس للزعيم المائت من أمهات صحابته، والمرأة التي انتشل حياتها من وهدة البؤس والشقاء؟

أجل، حين نقبل هذه القصة حقيقة تاريخية، نراها مؤسسة على دعائم صلدة، هي دعائم الإختبار البشري المحض.

ونظرة أدقّ إلى القصة نستبين منها صدقها إذا حسبناها واقعة تاريخية، وبطلانها إذا اعتبرناها أسطورة مختلقة. فإن البشير مرقص يقول إن النسوة هربنَ مهرولات بعد اللقاء الذي أفزعهنّ عند القبر، والأسلوب الذي يوصف به هذا الهرب يدل على ذعر وهلع: “خرجن سريعاً وهربن من القبر لأن الرعدة والحيرة أخذتاهنّ، ولم يقلن لأحد شيئاً لأنهن كنّ خائفات….

ولسنا نعرف الكلمات التي ختم بها الكاتب هذه العبارة، لأن هذا الأثر الشهير الخالد ينقطع فجأة عند هذا النقطة. على أنه مهما تكن الألفاظ الختامية فإن المعنى واضح من سياق الكلام. فالنسوة قد قررن فيما بينهنّ – بعد أن شهدنَ الدفن عصارى يوم الجمعة – أن يقمنَ بواجب التكريم والمحبة نحو يسوع في الصباح الباكر من يوم الأحد. وكانت زيارتهن خفية. ويرجع بعض هذا التستُّر إلى أن البستان كان ملكاً خاصاً كما هو المرجح. والأغلب أنهم كنّ خائفات من الكهنة وزعماء اليهود. وإنكار بطرس لسيده في فناء رئيس الكهنة أقرب دليل على الخطر الذي كان يتعرض له مَن تربطه صلة – ولو من بعيد – بصحابة ذلك الناصري، في تلك الساعات العنيفة الجامحة التي أُطلقت فيها الشهوات والنزوات عن عقالها.

بدأ النسوة السير حسب تدبيرهنّ السابق قبيل الفجر، في ساعة يقلُّ فيها المارة ويخلو البستان حسب تقديرهنّ. ولم يكنّ يتوقعن أي شيء خارق للعادة. انحصر كل همهنّ في الحجر الذي عرفن من قبل حجمه، وخشينّ ألا يقدرن على دحرجته. وبعد أن أدار النسوة أبصارهن ذات اليمن وذات الشمال لئلا يكشف أحد أمرهنّ، تقدمن بهدوء نحو القبر، ولكن بعد دقائق معدودات كنت تراهنّ هاربات مهرولات من مدخل البستان إلى الطرق العام.

هذه هي قصة مرقص في عبارتها الصريحة، تصّور واقعة من الحياة أصدق تصوير. وما يعتريها من نقص كأسطورة مختلقة. هو أقوى دليل على صدقها التاريخي. فذُعر النساء ورعبهنّ وعجزهنّ عن الوقوف واستقصاء جليّة الخبر، وتقهقرهنّ السريع وصمتهن الخائف. كل هذه تبدو عناصر غريبة في قصة اختلقها الراوي بعد ثلاثين سنة من وقوع الحادث لإثبات عقيدته. ولكن حين ننظر إليها كحقيقة تاريخية، نحسُّها كنسيم من الحق يهفهف ليناً وادعاً في جو البستان، في ذلك الصباح الرائع في تاريخ الإنسانية.

ونرى في هذه المسألة حقيقتين بارزتين من الحقائق التاريخية اليقينية: أولاهما أن طائفة من النسوة من صحابة يسوع ذهَبن إلى القبر في الساعات المبكرة من صباح الأحد. والثانية أنهن هربن من البستان في حالة من الذعر والهلع. ويخيُل إليّ أننا مضطرون إلى التسليم – بغض النظر عما روته بشارة مرقص – بأن النسوة لقينَ إنساناً عند القبر، وهو ما يعلل اضطراب أعصابهن وفرارهن السريع – فلو كان البستان خاوياً مهجوراً، ولو كنّ قد وجدن فقط القبر خالياً (أو حتى مختوماً ومغلقاً)، لوقفن حائرات مذهولات، ولما هربن خائفات مذعورات. ولكن ظهور إنسان في تلك الساعة المريبة هو الذي صدم أعصابهن فهرولن لا يلوين على شيء. وأرجو أن يقف القارئ عند هذه النقطة متأملاً مفكراً:

وإنه طبيعي أن يضطرب المرء ويجزع حين يلقى فجأة وعلى غير انتظار إنساناً آخر في داخل قبر وفي ساعة مريبة من ساعات الفجر الغابشة. فإن موقفاً كهذا يحفل بطبيعة الحال بشتى الاحتمالات المرعبة. وينشأ عنه ذلك الجزع العقلي والأدبي الذي أشار إليه مرقص في روايته. وغير خافٍ أن هذا الزيارة إلى القبر كانت مجازفة خطيرة حافلة بكل أنواع المخاطر، ولم يقع اختيار النسوة الأمينات المخلصات على ساعة الفجر صدفة واتفاقاً، ولم يكن ذكر الرواة لها تدبيراً مفتعلاً لحبك القصة، إنما كانت الفرصة الذهبية السانحة لهنّ، وكل دقيقة تمضي بعد شروق الشمس تجعلهن أكثر عُرضة للخطر. ومن بدء الأمر خاف النسوة لئلا يراهنّ أحد، وهذا هو المعنى الذي تحمله رواية البشير مرقص.

إذن نقف الآن وجهاً لوجه أمام حقيقة شائقة حقاً، ونرى القصة كيفما قلّبناها تشعّ بنور الحق والصدق. وأنت إذ تقرأها لا تحسها قصة مبتكرة كُتبت بعد سنوات طوال لتسند النظرية المسيحية عن القيامة، بل تتمثلها ذكريات صريحة أصلية عن حدث وقع فعلاً. الحق أن القصة كما دُونت في بشارة مرقص، ذلك الأثر القديم الخالد، ليست إلاّ من الحقائق التاريخية المحضة، ولن نفهم مشكلة القيامة فهماً صحيحاً حتى ندرك أن قصة مغامرة النسوة في الذهاب إلى القبر كما روتها تلك الوثيقة التاريخية القديمة تمثل أصدق تمثيل الوقائع التي جرت، لا من حيث ذهاب النسوة فقط وهربهن عند رؤية شخص آخر هناك، بل أيضاً من حيث أن المكان الذي ذهبنُ إليه هو القبر الأصلي الذي وُضع فيه جسد يسوع.

والذي أرجوه أن يخلو القارئ بنفسه إلى مكان هادئ ويفكّر في الأمر ويستخلص ما يجره إليه تفكيره من نتائج منطقية. وليذكر قبل لكل شيء أن كل الفروض والمزاعم التي أثارها ألدّ أعداء المسيحية وأصلب النقّاد عوداً، ممن حاولوا تعليل مظاهر القيامة من أقدم العصور – كلّهم قد افترضوا أساسياً، هو خلّو القبر الأصلي من جسد المسيح.

ومن الغريب أيضاً أنه لم يفكّر أحد في أن يواجه صحابة يسوع – وخصوصاً النسوة – بذلك الإنسان الذي عرف يقيناً ما حدث، لأنه كان هناك شاهد في البستان في صباح ذلك اليوم. فإن كان ذلك الشاب الذي تخيّله النسوة في البستان هو البستاني، فلماذا لم يُسأل، وعنده الخبر اليقين لأنه شاهد عيان؟ فإنه ليس معقولاً أن يذكر مواجهته لثلاث من النسوة المذعورات في ساعة كهذه غير منتظرة، وللغرض الذي جئن من أجله.

أجل، كان هناك الشاب الذي يمكن له أن يدلي بالقول القاطع. فهل يجوز لنا أن نتصور – مع وجود هذا الدليل – أن أعداء صحابة المسيح، وهم كثيرون، يغفلون عن مثل هذا التفكير، ويفلت من أيديهم دليل حاسم كهذا؟

لا نظن ذلك. وهذا الجواب وحده كافٍ لدحض النظرية القائلة إن النسوة أخطأن في التعرف

إلى القبر. وحسبُ القارئ أن يفكّر في السنوات الأربع التي نشطت فيها الدعاية فلقيت نجاحاً باهراً، وأن يفكّر في المناقشات الأسبوعية والمنازعات الجدلية في مجامع اليهود، وفي الحوار والنقاش بين الأفراد عن حقيقة المسيح أهو المسيا أو غيره، وأن يفكّر في الصدوقيين ذوي الكرامة والمقام الرفيع الذين لم يألوا جهداً في كبح جماح الدعوة وطمس معالم القضية، وفي قوة المقاومة التي ثارت فجأة يغذيها عقل منطقي جبار وعزيمة عنيدة صلبة. هو عقل شاول وعزيمته….

حَسْبُ القارئ أن يفكر في هذا الأشياء التاريخية البارزة، ثم يفكّر أن الدليل الذي كان في مقدوره أن يقضي على كل هذه الفقاقيع، لا يبعد أكثر من نصف ميل يقطعه الكهنة لاستنطاق البستاني!!!

وأنا مقتنع شخصياً أنه لم يكن مستطاعاً لأية جماعة من الرجال أو من النساء، تنادي في أورشليم بتعليم منطوٍ على خلّو القبر، ما لم يكن ذلك القبر خالياً حقيقة. فالحقائق كانت كلها قريبة إلى الأذهان، والقبر كان ملاصقاً للحياة التي عجّت بهذه الدعوة الغريبة. ولم يكن في مقدور أية وسيلة من وسائل الإقناع في العالم أن تشتري هذا الصمت الرهيب الذي التزمته الآثار والعاديات، ولا ذلك الإجماع الرائع المؤثر الذي نلمسه في الوثائق التاريخية. وليس يقدر على الظفر بهذا كله إلاّ الحق الأبلج في صراحته وبساطته.

وأريد هنا أن ينتبه القارئ أيضاً إلى نقطة غريبة مليئة بالمعاني في القصة، ما أظن أنها لقيت من الرعاية والتفكير ما تستحقه. تلك هي حادثة الشاب الذي قيل عنه في رواية البشير مرقص إنه أفزع النسوة إذ رأينه داخل القبر. ولم يترك البشير مرقص في روايته شكاً في موضع ذلك الشاب، فلا حاجة بنا إلى أن نسأل أكان الشاب واقفاً على مقربة من القبر أم كان يعمل على مسافة منه، لأن الراوي يقول في صريح اللفظ عن النسوة إنهن “لما دخلن رأين شاباً جالساً عن اليمين”. فكأنه كان محجوباً عن الأنظار، ولم يُكشف أمره إلا حين همّ النسوة بالدخول إلى القبر. ومن هنا كان فزعهنّ وهربهنّ.

ولو كان ذلك الشاب البستاني المعيّن هناك، ولو كان يعمل في تلك الساعة في العراء، لما أقبل النسوة نحو باب القبر، بل كنّ يترددن ويقفن على مسافة منه حتى لا يراهنّ، بل لفكرن في العودة متخفيات متسللات. على أن هذه ليست الصورة التي ترسمها رواية مرقص، فإنها تمثّل فزعاً طارئاً حلّ بهنّ، وذعراً أخذهنّ وهنّ غافلات عند باب القبر، ما لم يكنّ متأهبات له.

وإذا كان عنصر المفاجأة والذعر من مقّومات الصورة التي رسمها البشير مرقص، فماذا عسانا نقول عن مهمة ذلك الزائر، وماذا كان يفعل في ذلك المكان؟ إن داخل القبر المظلم المهجور، لا يصحُّ أن يكون مكاناً يستريح فيه عامل منهوك القوى في ساعة الفجر الباكر.

وإذا كان هو البستاني فماذا كان يفعل داخل القبر، وقد كان في وسعه أن يستريح خارجه في مكان ظليل يستروح نسمات الفجر العليلة؟ وما الحاجة إلى طلب الراحة في جّو القبر الخانق، بعد أن تكون قد بزغت أنوار الفجر من الشرق؟ ليس هناك سبب مفهوم يحمل إنساناً بشرياً عادياً على اللجوء إلى غرفة من غرف الموت الرطيبة وفي ساعة غير منتظرة، إلا إذا كان ذلك الإنسان قد جاء وفي نفسه غرض معين، مسوقاً إلى القبر بدافع قويّ واهتمام شديد.

وما من شك أن هذا الاهتمام الشديد بالقبر ومَن فيه هو الذي يعلل ذهاب الشاب إلى القبر في ساعة كهذه، ثم جلوسه في داخله. وما من شك أن فكرة عنيفة قد ألحّت عليه وهو في ذلك القبر الفارغ، لا سيما حين رأى الأكفان موضوعة في مكانها والجسد ليس ملفوفاً فيها. ونقدر أن نتصوره جالساً مستغرقاً في التفكير في هذه الظاهرة الغريبة، وإذا به يسمع وقع أقدام وهمسات أصوات. وبعد لحظة يقع على المشهد ظل امرأة تطلُّ من الخارج، فيظلم النور الضئيل الباهت المنبعث من الباب، ويخرج الشاب سريعاً ليرى من القادم، فإذا بثلاث نسوة مضطربات يجرين في خوف وحيرة.

وهناك سبب آخر أقوى من هذا يحملنا على اليقين أن المكان الذي زاره النسوة لا يمكن أن يكون إلا قبر المسيح الأصلي. ولا ريب أن مريم المجدلية وصاحباتها قد روين قصتهن عند سنوح أول فرصة حرصاً على سلامتهن وسلامة التلاميذ. ومن السخف والحماقة أن يزعم إنسان أن ثلاثاً من النسوة (بينهن اثنتان قد شارفتا على دور الكهولة) يجزْن اختباراً عنيفاً كهذا، وله أثره العميق في عقولهن، دون أن يقلنَ شيئاً عنه لأقرب الناس إليهنَّ، ولا ريب أن التلاميذ كانوا على علم بالقصة قبل يوم الخمسين المشهور.

وهنا نصطدم بحقيقة لها خطورتها التاريخية العظيمة، وهي أن التلاميذ لم يلجأوا إلى هذه القصة كدليل على قيامة المسيح. فأنت لا تجد كلمة واحدة عن اختبار النسوة في كل عظات يوم الخمسين، يوم بدأت الحركة المسيحية سيرها التاريخي الظافر.

كما أنك لا تجد أية إشارة إلى هذا الاختبار في كل الخطب التي سجلها سفر الأعمال، وكأنما قد تأيد صكُّ الكتمان هذا بذلك الصمت الغريب عن هذا الحادث في رسائل الإنجيل، ومنها رسالة بولس إلى كورنثوس، التي كنا ننتظر أن نجد فيها تلميحاً إلى حادث النسوة عند كلامه عن القيامة.

وإنه لمن الغريب حقاً أن نلحظ في كل هذه المؤلفات والرسائل إغفالاً لهذا الحادث يكاد يبلغ حد التعمد في الإخفاء والكتمان. ومع ذلك فإن لوقا البشير الذي لعب دوره في عمل الكنيسة الأولى، والذي كان رفيقاً لبولس في رحلاته شهوراً طوالاً، عرف القصة لأنه رواها في بشارته. كذلك عرفها مرقص الذي قضى أيضاً مع بولس زمناً.

فما علّة الكتمان الملحوظ لمظهر أخّاذ من مظاهر القيامة، قُدّر له أن يكون فيما بعد من أحب الذكريات المسيحية وأروعها؟ ولماذا نجد قصة النسوة على نقيض ذلك قد احتلت مكانتها الرفيعة عند ظهور كتب السيرة التي وضعها البشيرون وسجلوا فيها الحوادث والأحاديث التي استخلصوها من ذكريات الكنيسة مما نُقش بأحرف من نور على أذهان الأنصار والتابعين؟ أراني أمام تعليل واحد يحلُّ هذا الاشكال حلاً مرضياً مقنعاً:

لنعُد إلى الساعات الأولى من صباح القيامة. وهناك أسباب – لا تخفى عن كل من يقرأ بشائر الإنجيل الكريم بإمعان – تحملنا على الظن أن الرسالة التي حملتها مريم المجدلية إلى المدينة بُعيد الفجر، لم يكن مؤدّاها أن يسوع قام، بل أن الجسد قد نُقل لأسباب لا تعلمها. وهذا هو الذي تشهد به رواية الإنجيل على لسان إحدى النسوة بعد دقائق معدودات من وقوفهن أمام القبر الفارغ.

وهنا نتصور النسوة الثلاث يركضن مهرولات بأقصى سرعتهن، بعد ذلك الاختبار المخيف عند القبر، نحو الطريق العام. وهنَّ لم يكنَّ في سنّ واحدة. فالمجدلية كانت شابة قوية، بينما كانت الأخريات والدتين لرجلين ناضجين في السنّ. فبعد أن بلغنَ الطريق العام، رأينَ أن تتقدم إحداهن مسرعة لإخبار التلاميذ، ويكاد يكون محققاً أن المجدلية هي التي تطوعت لهذه الخدمة لخفة حركتها وصغر سنها، تاركة المرأتين الأخريين تسيران وراءها على مهل. وبعد دقائق من هذا المشهد نقراً عن امرأة لاهثة مضطربة تطرق على باب دار في أورشليم، لتلقي رسالتها التاريخية المأثورة: “أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه”.

تلك كانت الرسالة، التي جاءت بها المجدلية إلى التلميذين بطرس ويوحنا وهي إن دلت على شيء، فعلى يأس ولهفة. ثم أني أميل إلى الظن أن المرأتين الأخريين المتقدمتين في السنّ، بعد أن رجعتا إلى البيت، روتا لصديقاتهما قصة كاملة مما حدث وخاصة عن الزائر الغريب الذي سبقهنَّ إلى القبر. وليس من المستبعد أن يكون قد خطر ببالهن أن ذلك الشاب هو ملاك من السماء. هذا يعلل البيان الصريح في قصة عمواس التي رواها البشير لوقا في قوله:

“…بَلْ بَعْضُ النِّسَاءِ مِنَّا حَيَّرْنَنَا إِذْ كُنَّ بَاكِرًا عِنْدَ الْقَبْرِ، وَلَمَّا لَمْ يَجِدْنَ جَسَدَهُ أَتَيْنَ قَائِلاَتٍ: إِنَّهُنَّ رَأَيْنَ مَنْظَرَ مَلاَئِكَةٍ قَالُوا إِنَّهُ حَيٌّ” (لوقا 24: 22، 23).

وهكذا تقضّت الساعات الأولى من الصباح في غمرة من الحيرة والاضطراب والتساؤل حول معنى الحوادث التي جرت في البستان.

ولو أن الأمر انتهى عند هذا الحد، لأتخذ سير التاريخ طريقاً آخر. لأنه لم يكن شك في أن التلاميذ كانوا بطبيعة الحال يقبلون شهادة النسوة كبرهان قوي بعد أن يكونوا قد اقتنعوا أن الرب قام، وكانوا أيضاً يبحثون في هوّية الشاب الذي وُجد عند القبر، بل أن حادث اللقاء الغريب كله في البستان كان يُوضع على بساط الجدل والمناقشة….

على أن الحوادث، حسب قول رواة الإنجيل، قد اتخذت طريقاً غير هذا، فإنه قبل أن ترتفع شمس الضحى، ذاعت إشاعة في طرقات المدينة وأسواقها، من مصادر مسئولة بين حرس الهيكل، مؤداها أن التلاميذ سرقوا جسد الناصري (متى 28: 11-15).

وكانت ضربة ظالمة قاسية هوت فجأة على رؤوس نفر مضطرب من الناس لم يلمّوا شعثهم بعد الهرب في ليلة الخميس. وقد هدّدت هذه الإشاعة الكاذبة سلامة كل من يمتّ بصلة إلى الناصري من قريب أو بمن بعيد. فاضطر التلاميذ في مساء ذلك اليوم أن يجتمعوا خفية وراء أبواب مغلقة. وفي تلك الليلة كما تقول الأحاديث المسندة، بدأ المسيح يظهر لهم من عالم الخلود، في عالم الحسّ والشعور.

ومع الاضطراب الذي اعترى القوم الذين شهدوا هذه الحوادث وسمعوها، فإن حقيقة واحدة تبدو صافية صفاء البلّلور، هي خلو القبر من الجسد. وحين ندرك هذا، نفهم الأسباب التاريخية التي دعن إلى اخماد قصة النسوة والسكوت حيالها.

والذي أراه أن اختبار النسوة لم يُلجاً إليه كدليل في المناقشات التي دارت بين المسيحيين واليهود في ذلك العصر الأول لسببين:

أولهما أن قصة النسوة لا تبرهن في الواقع على شيء ينكره الجانب الآخر. فإنّ كل ما نخرج به من القصة هو أنه حوالي الساعة السادسة من صباح الأحد لم يكن جسد يسوع في القبر حيث وضعه يوسف الرامي، فما فائدة القصة في إثبات واقعة كانت شائعة بين الناس، وقد اتخذها الأعداء مادة لتهمة خطيرة ضد التلاميذ أنفسهم؟

والثاني أن القصة تحمل بين ثناياها نقطة ضعف لقضية التلاميذ، وذلك لأنها تعترف أن فريقاً من صحابة يسوع كانوا فعلاً على مقربة من القبر في ساعة مريبة وفي ظروف تدعو إلى إثارة الشبهات.

ولا يخفى أن في الاعتراف خطراً على التلاميذ في ظروفهم الخاصة. ومن أصول الدفاع السليم في تهمة خطيرة أن يُثبت الإنسان عدم وجوده في المكان والزمان اللذين وقعت فيهما الجريمة. فإذا أُتهم أحدهم مثلاً بجريمة قتل في مدينة القاهرة، واستطاع أن يثبت بالدليل أنه في ساعة ارتكاب الجريمة كان نائماً في بيته في الإسكندرية، أو غائباً في مدينة القدس مثلاً، فمن المرجح جداً أن يُطلق سراحه.

أما إذا اعترف في التحقيق بأنه كان يجول على مقربة من المكان الذي وقعت فيه الجريمة بُعيد وقوعها، وأنه كان يبحث فعلاً عن الشخص المقتول، فإن هذا الاعتراف يقّوي الشبهة ضده ويزيد مصاعب محامية الذي يتولى الدفاع عنه عشرة أضعاف.

هذا هو الموقف، كما أفهمه، الذي كان فيه أتباع يسوع. فلقد أُتهموا علانية بأنهم سرقوا الجسد. ولم يكن من الميسور دحض تهمة كهذه، حتى لو توفّرت لهم حرية القول والظهور بين الناس، فما قولك وقد كانوا مختفين وراء أبواب مغلّقة؟ وكيف يرون من أصالة الرأي، وهم على تلك الحال من الذعر والخوف أمام تهمة شنيعة، أن يعترفوا جهارً أن النسوة منهنّ كنّ عند القبر؟ أليس في هذا الاعتراف تسليم السلاح للخصوم الذين كانوا يذيعون بين الناس أن المسيحيين باعترافهم كانوا يحومون حول البستان في ساعة الفجر، وهذا دليل يثبت عليهم تهمة سرقة الجسد.

وكل باحث منصف في القضية يرى أن الظروف قضت على التلاميذ أن لا يكثروا من التحدث عن زيارة النسوة إلى القبر في ذلك الأسبوع الأول الذي كانت تترصّدهم فيه المخاطر وتبطن لهم الأيام ما كانوا يجهلون من حادثات. ومن الغريب أن تمنّع المسيحيين الأولين عن الإشارة بزيارة النسوة للقبر قد امتدّ زمناً في السنين الأولى من تاريخ المسيحية.

وأنت لا تقرأ الفصول الأولى من سفر الأعمال وبياناتها المفصلة عن الدعاية المسيحية البدائية، إلاّ ويأخذك العجب من اختفاء كل نزاع وجدل في موضوع القبر. ولو كان هناك شك في اختفاء الجسد، لاضطر المدافعون عن العقيدة المسيحية بقوة ضغط الحوادث إلى وضع قصة النسوة في مقدمة الأدلة، وكان عليهم، قبل السير في دعايتهم، القضاء على هذه الشكوك أولاً بكل ما ملكت أيديهم من أدلة الإثبات.

على أن التلاميذ لم تعوزهم الحالة إلى التورط في مثل هذا النزاع العقيم، فإن حقائق القبر الفارغة كانت معروفة بحيث أحسّوا أن حملتهم تلقى أوفر النجاح في أورشليم ذاتها حيث كان القبر الفارغ المهجور. وبهذا هان عليهم (كما يؤخذ من سفر الأعمال) أن يركّزوا جهودهم في الأمرين الجوهريين اللذين شطرا اليهودية شطرين وهما: أن يسوع هو المسيا الموعود به، وأنه قد أُقيم بيمين الله القادرة. ولم يكونوا يستطيعون أن يبلغوا هذا الطور في دعايتهم الأولى، لو لم تكن قد صارت قصة القبر الفارغ حقيقة مفروغاً منها، معلومة للقريب والبعيد.

وهكذا نرى كيف نُسيت قصة مغامرة النسوة إلى القبر إلى جانب الحقائق الجوهرية الأخرى التي قررتها الحوادث. ولم تبق ذكراها إلاّ في عقول النسوة أنفسهنّ، لأنهن هنّ اللائي دبّرنَ القيام بخدمة إنسانية كريمة لجسد سيدهن في ساعة تعرّضن فيها للخطر وسوء المصير. وكانت القصة معروفة أيضاً للتلاميذ أنفسهم، وما من شك أنهم كانوا يتناقلونها في الساعات الهادئة التي كانوا يلقّنون فيها التعليم الجديد للكنيسة الناهضة. وكان من آثار تلقين القصة في كنائس أوروبا وآسيا أن رواها الكُتّاب في بشائر الإنجيل، على أنها وراء إثباتها في السفر المقدس، الحقائق التاريخية الصريحة التي لا تُمارى.

وحين ندرك هذا كله، نستطيع أن نفهم بعض المعنى الذي تضمنته تلك الوثيقة العجيبة التي أطلقت عليها في بحثي اسم بشارة مرقص البدائية. فإنه بعد سنوات حينما أخذت تزول الآمال في مجيء المسيح السريع كما كانوا يتوقعون، وحينما أخذت الكنيسة تستقر في وضعها التاريخي، أحسّ القوم بحاجتهم إلى تدوين الحوادث البارزة في سيرة يسوع وموته. وكانت أولى تلك السير بشارة مرقص الشهيرة. وإن كان كتبها يوحنا مرقص، فهو بلا شك أَوْلَى الناس بكتابة هذه السيرة وخاصة فصولها الختامية. فقد كان من أهل أورشليم، وقضى سني شبابه في فترة من التاريخ عاصفة مضطربة.

ويبدو لنا من دقة سرده للحوادث، وإخلاصه في تسجيل التفاصيل الصغرى – أنه ثقة وحُجّة في حوادث الأسبوع الأخير. فلا يستطيع، إلاّ كاتب واقف على بواطن الأمور وخفايا الحوادث، أن يرسم تلك الصورة البديعة التي انعكست عليها أنوار القمر الفضية في بستان جثسيماني. وفي قصة مغامرة النسوة دقائق وصفية تدلُّ على أن كاتبها يكتب عن ثقة وصدق.

وقد آمن مرقص أن يسوع لم ينبئ مقدماً بموته فقط، بل بقيامته أيضاً. وآمن أيضاً أنه صرّح بهذا قبيل موته في طريقه إلى جثسيماني. وبهذه الأفكار التي اختلجت في عقله، وبالمعلومات التي استقاها من مصادر وثيقة، صاغ قطعة رائعة من الأدب الوصفي التاريخي، وهي تمتاز عن زميلاتها بإيجازها في الموضوع الجوهري، وبصفاء أسلوبها في السرد القصصي.

فهو يصف اليقظة في البستان، والقبض في منتصف الليل، بألفاظ مستندة إلى الحقائق الصريحة، ثم يسرد بيانات رائعة صافية عن المحاكمة أمام قيافا، وسقطة بطرس، والمحاكمة الرومانية، والطريق إلى الجلجثة، والصلب. كل هذا بأسلوب رائع في بساطته، أخاذ في عمق تأثيره، حتى أن القارئ يحسّ، على حد قول أحد كتّاب الإنكليز، أن الحجارة تتدحرج عليه.

ثم يصف كيف ذهب يوسف الرامي، في الساعة التي بلغت فيها المأساة ذروتها، إلى بيلاطس ملتمساً أن يُؤذن له بدفن جسد الميت، وكيف اقتفى النسوة الباكيات الحزينات خطى الرامي ليعرفن موضع الدفن، وكيف أُحكم الحجر الكبير على باب القبر في الساعة التي غًرُبت فيها الشمس. ويصف أيضاً كيف أعدّ النسوة الحنوط والأطياب في فجر الأحد وذهبن إلى القبر.

وفي بحث ما يعقب هذا، ينبغي ألاّ ننسى أن مرقص كان يسجل كتابةً اختبارات يوم القيامة ربما لأول مرة. ولأن قصة النسوة لم تلقَ العناية الأولى بين الدعايات التي نادى بها الرسل الأولون، فقد انفسح المجال لاختلاف كبير في الرأي والعقيدة إزاء ما حدث فعلاً عند القبر. لذلك كانت مهمّة شاقة دقيقة تلك التي تصدّى لها مرقص حين أراد أن يسجل كتابة حوادث تلك الأيام. وقد كان شاباً يافعاً في وقت الصلب، فكان أحد الأحياء الباقين القليلين في الكنيسة الأولى. وهو قد عاش في أورشليم أثناء ذلك الأسبوع الخطير المفعم بالحوادث – وعرف جوهر الحقيقة كما عرفها التلاميذ الأصليون.

إنّه كان من المستغرب ألاّ يعمد النسوة إلى إذاعة نبأ القيامة سريعاً، واستدعاء أورشليم كلها لرؤية القبر، ولكن مرقص عرف الحقائق. ولكي يشبع هذه الرغبة في المتسائلين كتب عبارة تبدو مقتضبة، قال:

“لم يقلن لأحد شيئاً لأنهن كن خائفات….”

وقد كُتب الشيء الكثير تعليقاً على هذا الآية، وأراد الكاتبون أن يثبتوا أن النسوة صمتن صمتاً مطبقاً وكفى. ولسنا ننكر أن هذا الموقف غريب من جانبهنّ، ولكن ها هي الكلمات تنطق بما حدث ولا تخفي تحتها معاني أخرى.

وليس حقاً ما يذهب إليه بعض النقاد حين يزعمون أن صمت النسوة كان بلا قيد ولا شرط. فإن البشير أضاف عبارة، كأنما أراد أن يجيب على ما قد يجول بفكر من يقرأ روايته من تساؤل. فقد يقول الناس: “إن النسوة قد كشفن القيامة في ساعة مبكرة من صباح الأحد، فلماذا لم يوقظن كل أورشليم لتشهد ما رأين؟” ومرقص يجيب على هذا التساؤل: “لم يَقلن شيئاً لأنهم كن خائفات….”

فإلى قائمة الشهود الذين كنا نفحص شهادتهم في هذه الفصول – بطرس الصياد الذي وقف في صدر المعركة في أورشليم، وكُتاب البشائر لوقا ومتى ويوحنا، ويعقوب العادل، وشاول الطرسوسي، ومؤلفي أسفار الأبوكريفا غير القانونية وبشارتي بطرس ونيقوديموس، بل شهادة الحجر الأصمّ ذاته – إلى هذه كلها نضيف أخيراً شهادة أخرى هي شهادة مرقص في بشارته التي نعتبرها أشهر وثيقة موجزة العبارة في عالم الأدب والتاريخ.

فصول كتاب من دحرج الحجر

سر القبر الفارغ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

دليل يقدمه الحجر الأَصمّ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه الحجر الأَصمّ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه الحجر الأَصمّ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

دليل يقدمه الحجر الأَصمّ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

لا أظن أحداً يقرأ أول بيان كتبه البشير مرقص في وصف القيامة إلاّ تملكه الدهشة حيال ما قيل عن ذلك الحجر الذي أُحكم به باب القبر.

ونحن نعرف مبلغ الصدمة التي يختبرها الإنسان حين يلقاه أمر فجائي لم يكن منتظراً، كآثار الأقدام في الرمال التي نقرأ عنها في قصة روبنسن كروزو مثلاً. وكل حادث فجائي مثل هذا يوقظ العقل ليبحث عن تعليل له. وهذا اختبار يلقاه، فيما أظن، كلُّ من يقرأ قصة البشير مرقص. وهنا نرى أنفسنا مسوقين، على غير انتظار، وبحكم منطق الحوادث، إلى فحص قصة أخرى يرويها بشير آخر وهي قصة الحّراس.

وإني لأذكر كيف أثارت هذه القصة دهشاً في نفسي لأول مرة، وذلك لأني كنت قد ألِفْتُ أن أحسب قصة الحراس حادثاً ثانوياً لا أعلّق عليه شيئاً من الأهمية. ومما قاله الناقدون إنه لم يُسمع قط أن ينقس الجنود، وخاصة الجنود الرومان، وهم يقومون بواجب الحراسة. ولو أنهم اعترفوا بذلك لما صدّقهم أحد. ويقولون أيضاً إن الأسباب الداعية إلى إقامة الحراس على القبر لم تكن في حّد ذاتها وجيهة أو محتملة التصديق كثيراً.

وفي أول أمري قبلت هذه الأقوال في غير تساؤل، وافترضت أن أحداّ لم يخطر على باله أن يذهب إلى القبر فيما بين مغيب الشمس في يوم الجمعة وساعة الفجر التي ظهر فيها النسوة عند القبر، وزعمت مع الزاعمين أنه لا الرومان، ولا كهنة اليهود، عنوا بقبر المسيح بعد أن ثبت لدى الآخرين أن مراسم الدفن قبل مغيب الشمس قد روعيت مراعاة تامة.

ولشدّ ما كان دهشي حين وجدت أن رواية مرقص (وهي أقدم ما بين أيدينا من الروايات عن القيامة) لا تسند هذا الرأي بتاتاً بل تثبت ما ينقضه. ورغبة في تسهيل الفهم على القارئ نثبت هنا النص الحرفي للرواية

“وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ. وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وَكُنَّ يَقُلْنَ فِيمَا بَيْنَهُنَّ: «مَنْ يُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ عَنْ بَابِ الْقَبْرِ؟» فَتَطَلَّعْنَ وَرَأَيْنَ أَنَّ الْحَجَرَ قَدْ دُحْرِجَ! لأَنَّهُ كَانَ عَظِيمًا جِدًّا. وَلَمَّا دَخَلْنَ الْقَبْرَ رَأَيْنَ شَابًّا جَالِسًا عَنِ الْيَمِينِ لاَبِسًا حُلَّةً بَيْضَاءَ، فَانْدَهَشْنَ.

فَقَالَ لَهُنَّ: «لاَ تَنْدَهِشْنَ! أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ الْمَصْلُوبَ. قَدْ قَامَ! لَيْسَ هُوَ ههُنَا. هُو َذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعُوهُ فِيهِ. لكِنِ اذْهَبْنَ وَقُلْنَ لِتَلاَمِيذِهِ وَلِبُطْرُسَ: إِنَّهُ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ كَمَا قَالَ لَكُمْ». فَخَرَجْنَ سَرِيعًا وَهَرَبْنَ مِنَ الْقَبْرِ، لأَنَّ الرِّعْدَةَ وَالْحَيْرَةَ أَخَذَتَاهُنَّ. وَلَمْ يَقُلْنَ لأَحَدٍ شَيْئًا لأَنَّهُنَّ كُنَّ خَائِفَاتٍ”

وهذه هي الرواية الأصلية التي خلدها لنا التاريخ، وهي أقدم الوثائق وأقواها حجة فيما حدث للنسوة. وهي أقرب النصوص التي تمثّل ما وقع فعلاً لأولئك النسوة كما روينه، وكما تناقلته الألسن في العصور الأولى.

وماذا عن الجّو الذي أحاط بالحادث؟ يتعذر علينا أن نقرأ قراءة بعيدة عن الغرض منزهة عن الغاية دون أن نتأثر بصراحتها في التعبير وخلوِها من الحواشي التي لا تمسُّ الموضوع، رواية صريحة رائقة، صافية في صيغتها، لا صنعة فيها ولا تكلف، تصف القصة وصفاً واقعياً. وفضلاً عن ذلك – وهو أمر له خطورته ومعناه – تخلو بتاتاً من كل الحوادث التي تميل بالضرورة إلى التهويل والنعوت الخارقة للطبيعة والمألوف.

فهي تصّور النسوة يتخذن طرقهن إلى القبر قبيل انبثاق الفجر، وتصف حيرتهن وجزعهن حيال الحجر الكبير، وكيف وجدن الحجر مدحرجاً، فدخلن ورأين شاباً جالساً بثياب بيض، ألقى إليهن رسالة، كان لها في نفوسهن المضطربة أعمق الأثر، فهرولن مسرعات وخرجن يجررن أذيال الخوف والروع.

مشهد روائي وغير عادي. ولكن القصة كلها غير عادية، من القبض الفجائي على يسوع، إلى صلبه، إلى دفنه في قبر رجل غنيّ. وحين نفكر في ساعة النهار المبكرة، وفي النور القاتم، وفي الإحساس الذي يساور الأحياء وهم في محلاّت الموت، وفي عدم تأهب النسوة أن يرينَ ما رأين – حين نفكر في كل هذا نحكم أن مسلكهن في ذلك الموقف يمثّل مشهداً من مشاهد الحياة الحقة الواقعية.

ولكن أنا معني الآن – كما قلت بالحجر فقط، ذلك الشاهد الصامت الذي لا يكذب. وحول هذا الحجر حقائق معينة تدعو إلى كثير من البحث والدرس.

ولنبدأ أولاً بحجمه ماهيته. والرواية التي سطرتها هنا لا تدع مجالاً للشك في أنه كان كبيراً وثقيلاً. وهذه حقيقة يؤيدها صراحة أو تلميحاً كل الكُتّاب الذين أشاروا إليه. فيقول مرقص: “كان عظيماً جداً” ويقول متى: “حجراً كبيراً”. ومن الأدلة الأخرى على كبر حجمه ما أبداه النسوة من الحيرة حين أقبلنَ إلى القبر وتشاورن فيمن يدحرجه لهنَّ.

ولو لم يكن الحجر ضخماً وثقيلاً، لكان في مقدور النسوة الثلاث مجتمعات أن يدحرجنه. والذي نستنتجه من هذا كله أنه كان كبيراً بحيث لم يكن النسوة قادرات على دحرجته دون مساعدة خارجية. ولهذا كله أثره في أطوار القضية.

أما الحقيقة البارزة التي تُذكَر صراحة في كل الوثائق الباقية بين أيدينا، فهي أن النسوة وجدن الحجر مدحرجاً عند مجيئهن إلى القبر.

ولست أظن أن التضاعيف المادية المنطوية عليها هذه الواقعة قد فُحصت تماماً. فمعناها الصريح أن النسوة لم يكنّ أول من جئن إلى القبر، وإن واحداً ممن يعنيهم هذا القبر قد سبقهن إليه. وهذا هو الاستنتاج الذي يستخلصه كل من يؤمن أننا أمام واقعة تاريخية لا شكل فيها.

وما لم نتمسك بالقول إن الحجر قد دحرجته قوة خارقة للطبيعة، أو أنه قد دُفع دفعاً من الداخل، أو أنه أزيح عَرضاً على أثر هزة أرضية (من نوع الهزات التي كانت تكثر في اليهودية)، ما لم نتمسك برأي من هذه الآراء يتحتم علينا أن نعرف من هو الشخص أو الأشخاص الذين أُتيحت لهم الفرصة وتوافرت لديهم البواعث لإزاحة الحجر من مكانه، وذلك لأن الثابت من وقائع الرواية أنه أُزيح قبل الفجر في صباح الأحد.

وهذا بحث هائل متشعب النواحي، يشمل فيما يشمله إعادة القول في بعض الأسئلة التي حاولنا الإجابة عنها، ولست أجد مهرباً من هذه الإعادة. وإن كانت زيارة النسوة إلى القبر واقعة تاريخية، فإن إزاحة الحجر واقعة تاريخية أيضاً. ولا مناص أن نقبلها عنصراً مادياً من عناصر بحثنا.

وعلينا الآن أن نبحث على التوالي النواحي الثلاث التي يُحتمل أن يصدر منها تدخُل لدحرجة الحجر من على القبر. فهل يُحتمل أن يكون يوسـف الرامـي قد عاد – وهو صاحب الحق في هذا – إلى القبر فيما بين ختام السبت وبين الساعة التي أقبل فيها النسوة في صباح الأحد؟

وجوابنا عن هذا السؤال يشمل قبل كل شيء بيان الغرض الذي جاء من أجله. فإن قلنا إنه جاء سراً ومنفرداً (ليلقي مثلاً نظرة أخيرة على جسد الزعيم المائت) فإنه لا منـاص من استـنكار هذه الرأي ونبذه لسببين: الأول، لأننا نستبعد مجيئه لهذا الغرض في منتصف الليل، والثاني لأن الظروف لن تمكّنه من تحقيق الغرض الذي ابتغاه.

وإذا كان ثلاث من النسوة قد أحسسن بعجزهن عن دحرجة الحجر بسبب كبر حجمه وثقله، فإنه لا بد من وجود رجلين على الأقل ليتمكنا من إزاحته. فلو كان يوسف قد جاء وحده، لما استطاع أن يصل إلى القبر مطلقاً.

يبقى علينا إذن أن نفترض أن يوسف جاء مع فريق من العمال. ولعلّه اختار ساعات الظلمة ليخفي نفسه عن أنظار الجماهير، ولينقل الجسد إلى مثوى آخر يليق به. ولطالما شعرت أن هذا الزعم هو التعليل العقلي المحض الذي يعلل هذه الظاهرة الغريبة في حالة تعذّر الوصول إلى حل مقنع آخر. وذلك لأنه يشرح علّة خلو القبر عند مجيء النسوة، ويشرح أيضاً السبب في عدم تعيين المكان الذي نُقل إليه الجسد.

على أن هذا التعليل ينهار انهيارً في نقطة معينة. وذلك لأنه لا يبيّن لناعلّة صمت العمال الذين اشتركوا مع يوسف في نَبش الجثة ليلاً وإعادة دفنها، حينما تجاوبت في أرجاء أورشليم بعد أسابيع قليلة صيحات المنادين أن يسوع هذا قد قام من الأموات ورآه تلاميذه بعيونهم، ولو كان أولئك العمال قد صرّحوا بما يعلمون، لأجزلت لهم السلطات العطاء وخصتهم بأكبر جزاء.

وهناك أيضاً نقطة خطيرة ينهار عندها هذا الغرض ويتنافر مع الأدلة المادية. وذلك لأنه لا يلقي نوراً البتة على ما ادّعاه النسوة وسجلته أقدم الوثائق التاريخية وأقربها إلى عهد وقوع الحوادث بأنهن وجدن شاباً يحتلّ القبر.

وإنه ليبدو لي أن أولئك الناقدين الذين استمسكوا بالقول إن ليس في رواية مرقص ما يدعو بالضرورة إلى شيء خارق للطبيعة في إمكان التعرّف إلى هوية ذلك “الشاب”، قد هيأوا لقضية الحق خدمة جليلة. فإنه إذا صح الدليل على أن النسوة ذهبن إلى القبر ورأينه مفتوحاً، فهو صحيح أيضاً فيما يتعلق بقولهن إنهن رأين هناك شاباً وقد وجّه إليهن كلاماً عند رؤيتهن.

على أنه يبعد جداً أن نتصور يوسف الرامي ورجاله يتخذون هذا التحوّط، فيتركون وراءهم رجلاً يحتلّ القبر بعد إخلائه. وما من شك أنهم محتاجون إلى الأيدي العاملة كلها لإتمام عملية النقل. وهم ليسوا بحاجة في مثل موقفهم إلى ترك رقيب وراءهم. وعلى فرض أنهم كانوا ثلاثة من العمال، فإن حمل الأنوار والأدوات ونَقل التابوت فيما بينهم، كان يقتضي تعاونهم معاً بحيث لا يسعهم أن يتركوا وراءهم رقيباً لا تدعو إليه الضرورة.

فضلاً عن هذا فإن الرسالة التي تلقها النسوة ليست مما يقوله رقيب القوم في مثل تلك الظروف التي كانوا فيها. وبعد هذا نرى أنفسنا مضطرين إلى نبذ الزعم القائل إن يوسف الرامي هو الذي نقل الجسد، لأنه زعم لا ينسجم مع الأدلة المادية المتوافرة بين أيدينا.

والآن نجيء إلى الفريق الثاني في نطاق بحثنا – إلى صحابة يسوع وتلاميذه. قلت في فصل سابق من هذا الكتاب إن الإجماع البشري تقريباً يستبعد جداً أن تجسر تلك الفئة المنسحقة في موقفها الذليل على عمل من هذا النوع، أو أن تفكّر فيه. ولقد عرفنا من مسلك التلاميذ وأخلاقهم مما لا يدع مجالاً للظن أن يقدم التلاميذ، كأفراد أو كجماعة، إلى حبك هذه الخديعة. واهتداء بولس وحده يؤيد هذا الرأي. فلقد انتقل إلى معسكرهم بعد أن عرف أن التلاميذ أمناء صادقون في دعواهم، بل أنهم على حق وصواب.

وبعد أن تُسد أمامنا منافذ المزاعم، نجيء إلى الفريق الثالث ونفترض أن السلطات اليهودية هي التي فعلت هذا، وهنا يتسع أمامنا نطاق البحث، وذلك لأن ثمة أسباباً تحمل على الاعتقاد أن السلطات اليهودية قد اهتمت بأمر القبر في خلال الفترة التي نتحدث عنها.

ويرتاب بعض الناقدين الحديثين في أمر إقامة الحراس على القبر مستندين في هذا الارتياب إلى أمرين:

1 – الأول أن قصة الحراس تبدو “دفاعية” لتبرير ما حدث، وربما كانت من مبتكرات العصور المتأخرة.

2 – والثاني أنها بعيدة الاحتمال في حدّ ذاتها، ولا تنسجم مع الحقائق الموثوق بها في هذا الموقف.

ونحن نسلّم جدلاً أنه إذا كان المسيحيون قد أحسّوا في السنين المتأخرة بحاجتهم إلى دليل يسند دعواهم، فقصة كهذه تزيل كل شك وتثبّت إيمان الكنيسة الناشئة. ولكن هذا الموقف لا يتغير متى كانت القصة حقيقية تسند إلى دعامة من الحق متينة. والبحث كله يدور في الواقع حول أمرين: هل القصة بعيدة الاحتمال في حد ذاتها؟ ثم هل هي غير منسجمة مع الحقائق الأخرى المعروفة في هذا الشأن؟ وبعد البحث والاستقصاء أستطيع أن أجيب بالنفي القاطع على السؤالين.

فالمعروف لنا أن قصة إقامة الحراس مدّونة في ثلاثة مصادر في كتب التاريخ القديمة: مرة في الإنجيل الكريم، واثنتان في سفرين قديمين لا نحسبهما طبعاً في مرتبة الإنجيل من حيث قوة الحجة، أحدهما يُعرف بإنجيل “بطرس” والآخر بإنجيل “نيقوديموس”.

والقصة تختلف في المصادر الثلاثة في بعض تفصيلاتها الدقيقة. ففي بشارة متى، وهي البشارة الوحيدة في الإنجيل التي روت قصة الحراس، ينقل الحراس النبأ إلى الكهنة، فينقذهم هؤلاء رشاوي لإذاعة بيان كاذب. وفي بشارة بطرس ينقل الحراس النبأ إلى بيلاطس مباشرة، فيأمرهم هذا أن يصمتوا ولا يقولوا شيئاً. أما في بشارة نيقوديموس فيحذو الراوي حذو متى في بشارته.

على أن الروايات الثلاث اتفقت اتفاقاً تاماً في نقطتين:

1 – أن المسئولين قد تقدموا إلى بيلاطس والتمسوا منه إقامة حراس على القبر.

2 – وأن الحراس قاموا بمهمتهم في الليلة السابقة لمجيء النسوة إلى القبر.

وهنا نرى التقدم إلى بيلاطس يدعو إلى شيء من التعليق. لقد كان موقف اليهود حيال جسد

يسوع دقيقاً غاية الدقة. فهو وإن كان يهودياً، وحوكم بإيعاز من قادة اليهود، فإن الحكم والعقوبة كانتا وفق القانون الروماني، ومن الوجهة القانونية، كان جسد يسوع ملكاً للرومان، ولهم وحدهم حق التصرف فيه. وبعد أن لقي اليهود صدّاً من بيلاطس حول كتابة العنوان الذي وضعه على الصليب، لم يكن هيناً عليهم محاولة تحدي سلطة بيلاطس مرة أخرى، أو التعدي على القانون الروماني.

على أنه إذا كان كهنة اليهود قد اهتموا بقبر يسوع، فإن لم يكن بدُّ من أن يُفْضُوا إلى بيلاطس بما يساورهم من ارتياب، والحصول منه على تفويض لما يرونه من تحوّط وحرص.

كل هذا يؤيد صدق القصة، أما الإشارة إلى سلطة بيلاطس في التصرف بجسد المصلوب، فأمر تافه في حد ذاته. ولكن الباحث المؤرخ يجد في التوافق بين الرواية وبين مقتضيات الموقف التاريخي، مجالاً للقول والتخريج.

وهنا يجيء بنا إلى السؤال الأصلي: هل كان هناك وازع قوي، أو وازع ما، يحمل رؤساء الكهنة على الاهتمام بقبر المسيح؟ وهل كان هذا الوازع كافياً لأن يتحمّل القادة اليهود في سبيله ما قد يتعرضون له من صد وجفاء في الاستعانة بالوالي الروماني مرة أخرى؟ وهم قد عرفوا أن بيلاطس كان في حالة عصبية، وأن إصالة الرأي تملي عليهم أنهم ذهبوا إليه مرة ثانية؟

إن الذين ينكرون هذا يغفلون عنصرين خطيرين في الموقف. فهناك أولاً ما يبعث على الظن أن ذلك البستان كان بطبيعة الحال خاضعاً لنوع من أنواع الحراسة الوقتية. ولو كان جسد يسوع قد وُضع، كما كانت توضع أجساد المجرمين المحكوم عليهم، في المقبرة العامة، فإنه كان من الطبيعي أن يقام حرس رسمي على المكان. وكانت أورشليم في الأعياد والمواسم تكتظ بالوافدين وتثور فيها الاضطرابات لأتفه الأسباب. ولم يكن المحكوم عليه مجرماً عادياً كسائر المجرمين.

فلم يكن من المعقول أن يترك جسد، كجسد يسوع، يعتزُ به قومن ويمقته آخرون، في مكان مفتوح تدلف إليه الجماهير في غير استئذان. ومن سُخف القول أن نزعم شيئاً مثل هذا لا تجيزه حكومة متحضرة كحكومة أورشليم في ذلك العصر. والذي نعتقده أن الاحتياطات اللازمة كانت تُتخذ حسب مقتضيات الموقف دون أن يكون في الأمر شيء غير عادي.

على أن الحق التاريخي الذي لا نزاع فيه، أن جسد يسوع لم يلق هذا الهوان. وقد أجمعت الوثائق على أن يوسف الرامي، وهو رجل يهودي ذو كرامة وجاه، ذهب إلى بيلاطس وطلب الجسد، فأجابه بيلاطس إلى طلبه. ومن ثم نفّذ الرامي تدبيره، ووارى الجسد قبراً، ربما اختاره لقربه من الصليب، ولكنه كان قبره الخاص الذي أعدّه لنفسه.

ولست أظن أن جمهرة الباحثين قد أدركوا تماماً كيف أن هذا الحادث البسيط، الذي يبدو تافهاً لأول وهلة، قد غير الموقف القانوني فيما يتعلق بجسـد يسـوع، فوطّـد الأمن والنظام في أورشليم.

وقد كان حفظ الأمن والنظام في المواسم والأعياد التي اكتظت بها المدينة بها المدينة منوطاً بالسلطة المدنية. لو كان قد حُكم على المسيح بعقوبة غير الموت، لكانت حمايته والمحافظة عليه نيطت بها السلطات اليهودية، ولكن الإمبراطور الروماني نزع سلطة الحكم بالموت من اختصاص الهيئات والطوائف الدينية، فبمجرد النطق بحكم الموت، انتقلت سلطة التصرف بالمتهم من مجلس السنهدريم اليهودي إلى السلطة الرومانية. فبيلاطس كان مسؤولاً من الوجهة القانونية عن نتائج تصرفه.

وقد كان هذا ملائماً لرئيس الكهنة ومشيريه، وذلك لأنه إذا حدثت مظاهرات أو اضطرابات في مكان الصلب أو عند الدفن، فإن الوالي الروماني كان مضطراً بحكم وظيفته إلى قمعها.

ولكن سير التاريخ لم ينحُ هذا النحو، فلشدّ ما كان حنق السلطات اليهودية وخيبتها أن ترى واحداً من رجالها يذهب سراً ويطلب الجسد من بيلاطس. وكان من جرّاء هذا انقلاب الموقف، إذ عادت مسئولية حراسة القبر والمحافظة على النظام إلى السلطات اليهودية. ومن ثم كان الحنق والسخط الذي صوبه اليهود المسئولون نحو يوسف الرامي على ما تقول أسفار الأبوكريفا.

وحتى لو لم يكن الإنجيل قد ألمح إلى ما جرى، فإننا كنا نفترض من تلقاء أنفسنا أن مسئولية حفظ النظام بعد أخذ جسد يسوع على النحو الذي تمّ قد همّت رئيس الكهنة ومشيريه. وكأن بيلاطس بطريقة صريحة قد غسل يديه مرة ثانية من كل تبعة في قضية هذا الناصري، فهو قد سلّم الجسد إلى يهودي تولّى دفنه (ربما لمقتضيات الساعة) في مكان مفتوح على مقربة من باب المدينة. فإذا حدث اضطراب أو ثورة عند مكان الدفن فإن رؤساء الكهنة هم المسئولون عن قمعها، ولا شك أن بيلاطس ألحّ عليهم لمراعاة هذا.

وأسلم طريق للخروج من هذا المأزق أن يذهب الكهنة إلى بيلاطس ويلتمسون إليه أن تتولى السلطات الحربية حراسة البستان مؤقتاً. وقد كان هذا أمراً طبيعياً، ولدى بيلاطس العدد الوفير من احتياطي الجند في حين لم يكن لدى قيافا إلاّ حرس الهيكل، وهم نفر قليل لا يكفي عدده لقمع ثورة خطيرة. ويبدو لنا من رواية البشير متى أن الكهنة تقدموا إلى بيلاطس بهذا الرجاء ولكنهم لم يفوزوا بطائل. ومما يفيد البحث أن نثبت الرواية بنصها كما جاءت في بشارة متى:

“وَفِي الْغَدِ الَّذِي بَعْدَ الاسْتِعْدَادِ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ إِلَى بِيلاَطُسَ قَائِلِينَ: «يَا سَيِّدُ، قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ. فَمُرْ بِضَبْطِ الْقَبْرِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ، لِئَلاَّ يَأْتِيَ تَلاَمِيذُهُ لَيْلاً وَيَسْرِقُوهُ، وَيَقُولُوا لِلشَّعْبِ: إِنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، فَتَكُونَ الضَّلاَلَةُ الأَخِيرَةُ أَشَرَّ مِنَ الأُولَى!» فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اِذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ». فَمَضَوْا وَضَبَطُوا الْقَبْرَ بِالْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا الْحَجَرَ”.

هذا هو أقدم بيان تناولناه من التاريخ المقدس عن هذه القصة. وهو بيان، كما يبدو للقارئ مسبوك في أسلوب صحيح خالص.

ولو أمعن القارئ النظر في هذا البيان وما تضمن من حقائق لاستخلص لنفسه أربع وقائع:

1 – أن الاجتماع لم يحدث في يوم الصلب بل في اليوم التالي له. وهذه واقعة مدونة بصريح اللفظ “”وَفِي الْغَدِ الَّذِي بَعْدَ الاسْتِعْدَادِ”.

2 – أنه طُلب إلى بيلاطس حراسة القبر: “فَمُرْ بِضَبْطِ الْقَبْرِ”.

3 – أن بيلاطس رفض هذا الطلب: “عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اِذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ”

4 – أن رؤساء الكهنة فعلوا كما أملت عليهم مصالحهم العاجلة: ” فَمَضَوْا وَضَبَطُوا الْقَبْرَ بِالْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا الْحَجَرَ”.

هذا تسلسل منطقي معقول للحوادث، يتفق تماماً وموقف الاضطراب والفزع الذي وُجد فيه

رؤساء الكهنة، كما يتفق وأخلاق بيلاطس المعروفة عنه. ثم هو يبين لنا أنه لم يكن لدى النسوة فرصة لتغيير الخطة التي أعددنها.

ومما يذهب إليه بعض الكُتّاب الذين يُعنون بهذا البحث في العصر الحديث، أنه يتعذر العثور على قصة الحراس في التقاليد الأولى التي دوُنها المؤرخون، وأنه لو عرف النسوة أن القبر تحت حراسة، لما بكّرن في الذهاب لإداء مهمتهن.

والحق أنه كان متعذراً على النسوة التفكير في الذهاب إلى القبر. ولو علمْنَ منذ أول الأمر، وعند ساعات الدفن، أن القبر سيوضع تحت حراسة. ولكن رواية متى تقول أن رؤساء الكهنة اجتمعوا إلى بيلاطس. “في الغد بعد الاستعداد” أي بعد أربع وعشرين ساعة من وضع الجسد في القبر.

ويخيل إلينا أن زعماء اليهود لم يشعروا بهذه الضرورة الملّحة إلا قبيل انتهاء السبت اليهودي وعودة الحياة في المدينة إلى مجراها العادي. فكيف ننتظر أن يعرف ثلاث أو أربع من النسوة ما كان يدور في الخفاء رواء جدران قصر الوالي الروماني في مساء السبت، لاسيما أنهن آوينَ، كما هو المرجح، على فراشهن في ساعة مبكرة تأهباً لليقظة الباكرة في الفجر؟

وأرى ثانياً أن القول بعد احتمال قيام رؤساء الكهنة بأي عمل في هذا الصدد مشكوك فيه جداً. ومما يبدونه تبريراً لهذا القول أن العذر الذي قدمه اليهود لبيلاطس (أي خشيتهم أن يسرق التلاميذ الجسد) بعيد الاحتمال جداً، وأن مسلك التلاميذ أنفسهم يبيّن أنه لم يخطر على بالهم ولم يؤمنوا من قبل أن المسيح سيقوم، وإنْ يكن هو قد سبق وألمح إلى ذلك أمامهم. ولذلك يكون من الفروض المستبعدة أن يُقام حرس رسمي للحيلولة دون وقوع حادثة غامضة يكتنفها كثيف الظلال.

وأنا لا أنكر قوة هذه الحجة ووجاهتها لو أنها تتفق مع قصة محاكمة يسوع، ولكنها في الواقع لا فق معها. ومن عجب أن المحاكمة من أولها إلى آخرها تدور حول عبارة تفوه بها المسيح وتتضمن هذه الكلمات الغامضة الغريبة: “في ثلاثة أيام”.

ونحن هنا لسنا أمام قوم سذّج يعسر عليهم المغالطة وتمويه الحقائق وإلباس الباطل ثوب الحق في الحيل والأساليب السياسية، ولكننا أمام نفر من أكبر الأدمغة اليهودية في ذلك العصر وأوسعهم حيلة وأشدّهم مكراً.

فوراء كل مناورتهم، وسعيهم لإحضار شهود كذبة، ثم انهيار التهمة بعد أن تتفق أقوال شهودهم – وراء كل هذه الحيل والألاعيب، الحقيقة التاريخية التي تشبثوا بها وهي أن يسوع قال في مناسبة من المناسبات عبارته المأثورة عن “الثلاثة أيام”، والتي أهاجت سخط قادة الصدوقيين، ولكنها لم تقو على احتمال المعنى الذي حاول الشهود أن يصيغوه إفكاً وبهتاناً.

فإن كان الاتهام قد تركز – كما يؤخذ من القصة – في هذه العبارة المأثورة عن يسوع، فالاستنتاج الذي ذهبوا إليه صريح. فكأن يسوع لم يتفّوه فقط بالعبارة التي دُونت كاملة في بشارة يوحنا (ص 2: 19) ولكن اليهود أنفسهم عرفوها عنه، واختاروها عمداً تكأة يقيمون عليها اتهامهم.

كل هذا يخلق لنا موقفاً يناقض تماماً ما نزعمه من عدم اكتراثهم لمسألة دفنه وإعارتها عنايتهم. وما كان في وسع إنسان أن يتنبأ بما عساه أن يحدث في عقول الجماهير الذين قبل أيام قلال هتفوا ليسوع واستقبلوه استقبال المنقذ السياسي. فإذا هم تركوا القبر دون حراسة، في حين أن الظروف تسمح لهم بالتقدّم إلى بيلاطس ليضمنوا عدم الاعتداء على القبر ممن تسّول لهم نفوسهم هذا الاعتداء، يكونون قد مهدّوا السبيل لما يجهدون أنفسهم لمنعه.

ولست أذكر هذه الاعتبارات للتدليل بها على أن الحرّاس قد أُقيموا فعلاً، فإن الإدلاء بإثبات لهذه الواقعة – غير البيان الذي أثبته الإنجيل – بعد مضي هذه الحقبة الطويلة من الزمن، يكاد يكون متعذراً. إنما أذكرها لأبيّن فقط أن إقامة حرس على القبر في ذلك الظرف الدقيق ليس بعد الاحتمال كما يُخيّل إلى بعض الناقدين.

على أننا حين نبحث انسجام القصة مع الحقائق الثابتة في الموقف، نرانا وقوفاً على قدم راسخة، وذلك لأن أبرز الحقائق وأوكدها في الموقف هي أنه في وقف ما بين الساعة التي فرغ منها يوسف الرامي من عملية الدفن، وبين انبثاق أنوار الفجر في صبيحة الأحد، دُحرج الحجر الكبير من على القبر – وقد رأينا من قبل أن ثلاثاً من النسوة شككن في مقدرتهم على دحرجة الحجر، وهذا يحملنا على أن نفترض أن الذين دحرجوا الحجر لا يقّل عددهم عن اثنين من الرجال أو ربما أكثر.

ويكاد يكون مؤكداً أن الوقت كان في ساعات الظلام بين غروب الشمس في يوم السبت وقبل شروقها في يوم الأحد، لأن دحرجة الحجر لم يكتشف أمرها إلا باكراً في فجر الأحد.

نحن إذن مضطرون إلى أن نقول – من قبيل الفرض فقط – إنه اجتمع حول القبر في خلال الساعة الحالكة قبيل انبثاق نور الفجر نفر من رجال تقوى عضلاتهم على إزاحة الحجر. فإن كان هؤلاء الناس الذين أتوا هذا العمل الغريب ممثلي السلطة اليهودية، فإن باعثاً هاماً غير عادي هو الذي حملهم على النظر إلى داخل القبر. وما دامت أعين النسوة اللائي ذهبن في الفجر لم تقع على أحد من هؤلاء، فإننا نستنتج أيضاً أنهم انطلقوا مسرعين لنقل الخبر إلى رؤسائهم.

وهذه الاستنتاجات هي بالضرورة احتياطية، أساسها الافتراض أن الحراس هم الذين أزاحوا الحجر. وفي طوقنا طبعاً أن نقترح حلاً غير هذا. فإن لم يرَ القارئ الدليل أمامه كافياً لإقناعه بوجود الحرّاس، فيمكنه أن يفترض أن فريقاً آخر من الناس أقبلوا في ساعات الظلمة بقصد شرير آثم. وهذه هي النظرية القديمة التي زعمت سرقة الجسد، وهي نظرية أثبتنا بطلانها في موضع آخر من هذا البحث.

ولمتابعة هذه الفكرة، علينا أن نعرف أي الأشخاص كانوا في أورشليم في تلك الفترة، ممن تحفزهم نفوسهم إلى ارتكاب هذه السرقة، وما الذي كانوا يرونه من الفعلة، ولأي غرض سرقوا الجسد؟

ولكني أذهب إلى أبعد من هذا، فإنه يُخيل إليّ أنه لا يمكن إثبات تاريخية أية نظرية تتعلق بحوادث هذه القصة بالذات، ما لم نعلّل في الوقت نفسه – لا مجيء النسوة فقط في الساعة التي جاءوا فيها ووقوفهن أمام القبر فارغاً، بل مواجهتهن أيضاً لذلك الشاب داخل القبر، والرسالة التي أبلغنها، على قول البشير مرقص.

وليس في نص القصة ما نتبين منه أن النسوة حسبنَ هذا الفرد مخلوقاً غير عادي. فهو في نظرهن شاب فقط يرتدي حلة بيضاء، يرونه داخل القبر، ورداً على سؤالهن وهنّ مشدوهات مذعورات، يعطيهن جواباً غريباً:

“لا تندهشن، أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب. قد قام. ليس هو ههنا. هو ذا الموضع

الذي وضعوه فيه. لكن اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس إنه يسبقكم إلى الجليل. هناك ترونه كما قال لكم”.

ولكي نفهم حقيقة هذا الموقف الروائي، لابد أن نستعرض في أذهاننا كيف ظهر النسوة فجأة في هذا المشهد. ونحن نتصورهن ماضيات إلى القبر في غسق الفجر الباكر، ولا ينتظرن أن يشهدن مخلوقاً هناك في مثل تلك الساعة. وقد شُغلت أفكارهن بالحجر وكيف يدحرجنه، وكان كل همهنّ أن يزحنه ليتوصلن إلى جسد سيدهن الممزق.

لسنا نعرف على أية مسافة لمحنَ التغيير في وضع الحجر، ولكن الأرجح أنهن اقتربن إلى المكان فرأينه في غير الموضع الذي كان فيه، فإن يداُ دحرجته إلى أحد الجوانب، وبانت فجوة الكهف مفتوحة. والأغلب أن إدراك هذه الحقيقة أفزعهن إلى حين. لكن تقدمن بعد قليل حثيثات السير نحو القبر. ولشدّ ما كان جزعهن ورعبهن أن يرين شبحاً جالساً داخل القبر المظلم، فتراجعن إلى الوراء مذعورات مرتعدات.

وفي الوقت نفسه كان الشبح الجالس في داخل القبر قد تنبّه على أصوات تلغط في الخارج، ووقع ظلال القادمات من النور إلى الظلام، فالتفت إليهن وإذا بهن قد تراجعن خائفات. وإني أتصوره يركض وراءهن، ويدعوهن قائلاً: “لا تخفن، أنتن تطلبن الناصري. ليس هو ههنا. هو ذا المكان الذي وضعوه فيه….” لكن النسوة قد أدركهن الخوف الشديد، فلم يستطعن مبادلة الكلام. وكما يقول الراوي مرقص في وصفه المؤثر: “خرجن سريعاً وهربن من القبر، لأن الرعدة والحيرة أخذتاهنّ”.

وإن كانت حقيقة المشهد هي كما صورها لنا الراوي في عبارته الموجزة الرائعة، فإننا أمام واقعة جديدة خطيرة الشأن. ويزداد الموقف تعقيداً بظهور زائر غريب للقبر مضى إليه لعلّة ما، قبل النسوة، وهو لم يعرف نبأ زيارتهن.

فهل هذا الزائر شخص تاريخي، أم هو شخص خيالي؟ إن قلنا إنه تاريخي، فكيف يتفق حضوره على هذا النحو مع الحقائق التي نعرفها عن الموقف كله؟

وقبل أن نبحث شهادة الراوي مرقص عن هذا الأمر الخطير، لا بد من الإشارة إلى واقعة خاصة، وأعني بها ذعر النسوة، الذي حملهن على الفرار من القبر. وما أظن أن هذا العنصر النفسي الذي نشأ عن الرعب، كما رواه مرقص، قد نال حظه من البحث الدقيق الذي يستحقه. ومما لا شك فيه أن النسوة، وقد مضين لغرض معين هو تطييب جسد ميت، كنّ متأهبات لملاقاة الظروف المحزنة، بل المخيفة، التي يتطلبها هذا العمل، ونستبعد جداً أن يفزعن هذا الفزع لمجرد رؤية القبر فارغاً، أو لمجرد تصورهن إنساناً تخلقه خيالاتهن.

على أنك إذا فكّرت في ثلاث من النسوة الباسلات في حالة عقلية عادية يمضينَ إلى قبلا في غسق الفجر الباكر لتطييب جسد ميّت، وإذا فكرت فيهن وهنّ مقبلات قُدماً نحو القبر واثقات أنهن سيجدن جثة مضطجعة ملفوفة في أكفانها، فإذا بهن أمام شبح جالس في حلة بيضاء….

أقول إنك إذا فكرت في الموقف على هذا النحو، أدركت عوامل الفزع التي استسلم إليها هؤلاء النسوة، وأسباب فرارهن من المكان لينجون بحياتهن. ويؤخذ من القصة كما رواها مرقص أنهن هربنَ دون أن ينتظرن سماع النبأ الكامل من الشاب الذي جرى وراءهن. هذا هو استنتاجي من القصة كما أفهمها، وهو استنتاج أراه ضرورياً لفهم الواقعة كلها.

وإن كان هذا الشاب شخصية تاريخية في القصة، فإنه يظهرنا على عامل جديد في المشكلة التي نعالجها، ويقدم لنا خيطاً جديداً في نسيج الحوادث التي تزاحمت حول مركز واحد هو قبر المسيح. فهل هناك فرض من الفروض نستطيع به تعليل هذه الحوادث المنفصلة غير العادية التي جرت كلها في وقت واحد؟

وفي المظاهر الغريبة في المشكلة أن الجواب السليم لكل هذه الأسئلة نجده مطموراً في الرواية الموجزة التي سجلها مرقص. ومفتاح الحل نعثر عليه في الكلمات الثلاث الأخيرة من الرسالة التي قيل إن الشاب أعطاها للنسوة الخائفات: “إنه يسبقكم إلى الجليل. هناك ترونه كما قال لكم”. ومتى قال يسوع لتلاميذه إنه يسبقهم إلى الجليل؟ قلّب صفحات القصة قبل المحاكمة والصلب، حتى تعثر عليها في رواية مرقص ذاته:

“وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «إِنَّ كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ الْخِرَافُ. وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ»”. (مرقص 14: 27، 28).

والذي نلحظه خاصة في هذه الكلمات القليلة، أنها قيلت وهم في الطريق إلى جثسيماني.

وكانوا قد فرغوا من عشاء الفصح، وكان يهوذا قد سبقهم ليحبك دسيسة مع رؤساء الكهنة، وكانوا قد نهضوا من فوق الوسائد ونزلوا إلى الطريق يسيرون مع زعيمهم وقد نقص عددهم فصاروا أحد عشر. وفي أثناء الطريق، على قول مرقص، نطق يسوع بهذه الكلمات.

وهنا نسأل: هل كان معقولاً أن يسترق أحد سمع هذه الكلمات التي تفّوه بها المسيح؟ أما نحن فلا نحجم عن الجواب بالسلب القاطع، لأن مكان العشاء قد كُتم أمره ولم يعرفه أحد، خشية أن يتعجل المتآمرون أمر القبض عليه، فيفسدوا عليه ذلك المؤتمر الهادئ مع صحابته.

ونحن نتصور انهم قد أطفأوا أنوار العلّية، ثم نزلوا في هدوء إلى الطريق العام، تأهباً للسير إلى جثسيماني. فلم يكن ثمة مجال لدخيل يندس فيما بينهم، ولا لمناصر غريب من أعضاء الصحابة الرسولية.

ومع ذلك…. فقد تعقّب خطاهم إلى بستان جثيسماني في تلك الليلة، شخص آخر، شاب، على قول مرقص. ولست أرى حلاً لصيغة الكلام الذي يدّونه مرقص عن هذه الواقعة إلاّ الجزم بأن مرقص نفسه هو ذلك الشاب الذي دخل البستان مع التلاميذ، وتقول الرواية إنه تبع يسوع (مرقص 14: 15). ولا معنى للكلام عن نفسه في هذا المقام إلا من حيث تقرير الحوادث. والوقعة في حد ذاتها لا وضع لها في سرد الكلام إلاّ من حيث كونها عنصراً في مغامرته الجريئة الخالدة في الليلة المأثورة.

قلت من قبل في فصل سابق أن بشارة مرقص تقف كصخرة هائلة في عرض البحر تستند إليها المؤلفات المسيحية، وهي تأخذ بألباب، حتى القارئ الناقد، لما حوت من دقة بيان وصريح عبارة. وأظهر ما تكون هذه الدقة وتلك الصراحة في الوصف الدقيق المفصّل عن الساعة الأخيرة التي قضاها المسيح في غير تكلّف مع صحابته.

ولا يمكن أن يكون هذا الوصف ابتكاراً خيالياً أدبياً في عصر متأخر، فمن ذا الذي يجسر على اصطناع قصة التلاميذ وقد غلبهم النوم من فرط الإعياء في أخطر ساعة في حياة سيدهم، أو واقعة إيقاظ السيد لهم مرتين وهو يعود إليهم في رفق في فترات متقطعة من مصارعته تحت الأشجار البعيدة، أو كلماته الناهية بعد أن غَلَب في الصراع وبلغ الرأي الفاصل فيما هو فاعل: “ناموا الآن واستريحوا!”، ثم كلماته الأخرى وقد لمح من بعيد وهج المصابيح المتراقصة: “قوموا. هو ذا الذي يسلّمني قد اقترب”؟

لا شك أن هذا تسجيل صحيح لحوادث تلك الليلة التي لن تُمحى. وليس في القصة شيء من اعتلاج العاطفة أو ثورة الحماس وخاصة من التلاميذ أنفسهم، بل نراها سجلاً هادئاً رزيناً، بعيداً عن كل صنعة، يروي حادثة من أروع حوادث التاريخ البشري. وإن وُجد شيء يؤيد صدق هذه القصة، فهو الحادثة التي حُشرت حشراً غريباً عن هذا الشاب الذي اختُطفت عباءته في الصراع فهرب عرياناً كسهم يشقُ سدفة الظلام.

ترى لماذا تُذكر القصة دون موجب لها، إلاّ لكونها من الوقائع التي حدثت فعلاً؟ ولست أشك أن شبح ذلك العريان الهارب في الظلام كان من الآثار العميقة التي نُقشت في ذكريات الذين شهدوا هذا الفصل من الرواية.

وفي هذا كله شيء في منتهى الغرابة وخليق بالبحث الدقيق. ووجه الغرابة نراه في تماسك الظواهر الثابتة وتوافق الوقائع المسجلة في هذا الموقف.

وكل باحثٍ يتناول قصة مغامرة النسوة كما سجلها البشير مرقص، وينظر إليها، لا كشعاعة من أشعة نور القمر، بل كواقعة من وقائع التاريخ، لا يلبث أن يجد نفسه متأثراً بشيء آخر غير ذهاب النسوة إلى القبر أو حتى القبر الفارغ – وهو أنهن لم يكنّ أول من ذهب إلى القبر قبيل الفجر، وأن شخصاً آخر سبقهن، تدلّل الدلائل على أنه انطلق من أورشليم قبلهن بدقائق معدودات.

هذا فيما أرى، هو المعنى الذي قصده كاتب أقدم بشائر الإنجيل وأقرها إلى زمن الحوادث. وفي رواية مرقص لا شيء مطلقاً ينبئ عن مظهر خارق للطبيعة في وجود ذلك الشاب. وما هو إلاّ طرف رابع مع النسوة في مغامرة جريئة غير عادية. ولعلّ دهشته من وجود النسوة في تلك الساعة لا تقل عما عراهنّ من دهشة وذهول لرؤيتهن إياه.

وتراجعهنّ السريع عند رؤيته داخل القبر يعلل الايجاز الذي نحسّه في رسالته، وإني أتصوره يناديهن بصوت عالٍ هنّ مسرعات مهرولات، والكلمات التي أبلغهن إياها لا غموض فيها، تتفق تماماً مع الموقف الذي كان فيه. ولم يستطع أن يزيدهن قولاً لأنهن كنّ على الأرجح قد ابتعدن عن مرمى السمع.

وحين نفكّر في ذلك الشاب، لا كزائر خيالي من فوق أطباق السحب، بل كحقيقة ثابتة من حقائق ذلك الفجر المنير، نرانا أمام موقف شائق حقاً. ونحن نعلم سبب ذهاب النسوة إلى القبر في تلك الساعة المبكرة، ويبدو أنهن أعددن العُدة في مساء الجمعة، وفي الساعة المعينة قبيل انطلاق خيوط الفجر من وراء رُبى الشرق، انطلقن لإداء مهمتهن الحزينة المؤلمة.

ولكن ما الذي حمل شاباً عبرانياً – المفروض أن قضى الليلة في أورشليم – على التبكير والذهاب إلى قبر المسيح قبلهن؟ هذا سؤال جدير بالبحث لأنه يعالج موقفاً خاصاً. ولو كانت الأدلة المتوافرة لدينا تنبئ أن قبر يسوع كان سليماً لم تمسه يد عند وصول النسوة، لكنّا مضطرين إلى تلمُّس سبب معقول يعلل لنا ذهاب شاب بمفرده إلى القبر في تلك الساعة المبكرة من صباح يوم بارد من أيام شهر إبريل.

ولكن الأدلة تتجه إلى عكس هذا، وهي مقنعة في قوتها وانسجامها. فالحق الدافع الذي تحدّر إلينا جيلاً بعد جيل، هو أن النسوة وجدن القبر فارغاً، والحجر الكبير مدحرجاً.

أننا نرى في هذا الحقيقة تضاغيف لا مهرب لنا منها، أولها أن القبر كان بلا ريب على حالته هذه ردحاً من الزمن. وقد عرفنا بالدليل أن الحجر كان أثقل من أن تزيحه يدا رجل واحد، ولم ترَ النسوة على مقربة منه نفراً من الرجال حتى كان يُقال إنهم هم الذين دحرجوا الحجر. فالذي أزاحه كائناً من كان، لا بد أن يكون غادر المكان في الصباح الباكر جداً، قبل أن يرفع ستار الظلمة عن وجه الأرض.

هذا ما يبدو لنا من ظاهر الموقف. على أن هناك أمراً آخر أعظم وأعمق أثراً. فإنه يبقى علينا أن نعلل، لا دحرجة الحجر فقط، بل الباعث الذي أيقظ شاباً في أورشليم، وحمله في ثورة من الحماس وحب الاستطلاع، على الذهاب باكراً إلى القبر قبل النسوة بدقائق معدودات.

ونحن أمام أمر هام حقاً، لأن الوسيلة الوحيدة التي يُنقل بها نبأ حدوث ظاهرة غير عادية في قبر يسوع إلى أي إنسان في أورشليم قبل وصول النسوة إليه، لا تكون إلاّ عن طريق قوم أشاعوا النبأ وعادوا سريعاً. ومن الغريب أن هذا الوصف ينطبق تماماً على الحرّاس الذين أشارت إليهم قصة الإنجيل!

ولو كان قبر يسوع عبثت به أيدي طغمة من اللصوص النهّابين، أو أيدي أثمة أرادوا العبث بالجسد لأغراض شريرة، لكانوا اختفوا في الظلام وتسللوا خلسة من أعين الرقباء. وما كانوا يذيعون جريمتهم في طرقات أورشليم، بعد دقائق قلال من ارتكابها…

ولو كان يوسف الرامي هو الذي فتح فجوة القبر قبيل الفجر لنقل بقايا الجسد إلى مثوى آخر، لظلّ باقياً منهمكاً في مهمته عند المدفن الجديد، ولانتقل هذا الخبر بسرعة البرق إلى آذان السلطات الرسمية…

أما إذا كان قد هرول في طرقات أورشليم الضيقة في غبشة الصباح الداكنة بعد أن ولّت ظلمة الليل، رجال مُسْتَثارون يذيعون أن حَدثاً غريباً عجيباً وقع في قبر يسوع الناصري – أقول: إذا عرفنا هذا، نفهم لماذا يستيقظ أكثر من نائم واحد ليرى حقيقة هذا الحادث الغريب. وليسمع بعض الهمسات الغريبة التي أشاعها الرواة المشاهدون.

وإن كان بين الذين سمعوا هذا النبأ الذي شاع في أورشليم في غبشة الصباح، أو الذين انتهت إليهم الشائعة بطريقة من الطرق – إن كان بين هؤلاء ذلك “الشاب” الذي جازف فتبع يسوع في بستان جثسيماني، وتسمّع تلك الكلمات الغريبة التي قالها في الطريق لتلاميذه، أفلا يختطف أي رداء تصل إليه يده ويركض مسرعاً بقدر ما يستطيع إلى بستان القيامة؟!

فصول كتاب من دحرج الحجر

دليل يقدمه الحجر الأَصمّ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه الرجل الطرسوسي – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه الرجل الطرسوسي – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه الرجل الطرسوسي – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

دليل يقدمه الرجل الطرسوسي – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

في الوقت الذي كانت تتهيأ فيه المسيحية لمنازلة خصومها، وفَد إلى أورشليم شاب امتاز بالكفاية ودقة النظر، وحتى لو حكمنا عليه بمقياس العصر الحديث، ولعلنا لا نقدر أن نتصور عاملاً تاريخياً كان له من حُسن التوفيق ما كان لقدوم ذلك الشاب في تلك الفترة المعينة.

أما اسمه فكان شاول. وهو عبراني تحدّر من سلالة محافظة حريصة على مراعاة الطقوس والفروض الدينية، ولكن تفكيره اتسع بفضل احتكاكه بالعالم الروماني اليوناني واتصاله بثقافة ذلك العصر. فكان ملماً بعض الإلمام بكتابات أراتوس، وأبيميندس، وميناندر، كما يبدو من خطبه المتأخرة.

رحل الشاب من طرسوس في كيليكية حوالي سنة 34 ب.م. والذي نعنى به الآن إنما تحليل موقفه في القضية التي نحن بسبيلها. فلقد بدأ حياته شخصية بارزة في المعسكر المعادي يجادل ويحاور في عنف وجفاء، فانقلب شخصية بارزة في المعسكر الآخر. حاول أن يقضي على الحركة بأساليب العنف والقوة، فأُخضع هو نفسه واندمج فيها.

فإلى قائمة المهتدين فرادى – أمثال بطرس ومتى وفيليبس، وسالومة ومريم ويونّا، ويعقوب ومتياس وغيرهم – نضيف ذلك الشاهد المستقل الجديد. ولا أشك أن كل باحث منصف في القضية يرى الحقيقة الماثلة في هذا الإنسان خليقة بالبحث والاستقصاء، فإنه لا يمكن تجاهلها أو إغفالها. ولابد أن نعرف لماذا كان ذلك الشاب المتحمس إلى جانب رؤساء الكهنة أولاً، وما الذي حمله على أن ينقلب إلى الجانب الآخر.

وأرى أن نبحث أولاً الموقف الذي ساد أورشليم في الوقت الذي ظهر فيه شاول على المسرح وبعده بقليل.

نتبين من القصة أنه في الوقت الذي ظهر فيه شاول على المسرح كبطل الرواية، كان الجدل والحوار على أشدهما في المجتمعات العامة. وكانت الحركة قد نمت وامتدت من نواة صغيرة إلى جماعة كبيرة من الأتباع والأنصار، حتى اقتضى الحال تعيين سبعة من الشمامسة للإشراف على شؤونها. وكانت الدعاية – أي المحاجّة والتعليم الخاص والعام – الوسيلة الوحيدة التي تكاثرت بها تلك الطائفة.

ولم تكن ثمة حاجة لإثبات حقيقة صريحة كهذه، لولا أن الدكتور “ليك” أنكرها في عبارات أُثرت عنه قال فيها:

“نستدل من بشارتي متى وبطرس أن قصة القبر الفارغ لم توضع على بساط البحث إلاّ مؤخراً، في الجدل الذي ثار بين اليهود والمسيحيين. وواضح من الوجهة النفسية أن هذا الجدل لم يحتدم في الفترة الأولى من العصر المسيحي، لأن اليهود لم ينصرفوا إلى الحوار في أول الأمر ولكنهم أخذوا الأمر بالقوة والاضطهاد. لم يتسع المجال للنقاش والحوار إلاّ بعد أن اشتد ساعد المسيحيين” (صفحة 195 من كتابه).

وإذا أخذنا بهذه الأقوال حرفياً، كان معناها أن اليهود لم يجادلوا المسحيين قط قبل سنة 35 ب. م. التي وقع فيها الاضطهاد الكبير، وأن الحركة قد امتدت بأداة غامضة دون جدل أو حوار حتى تفاقم خطرها فاتجهت إليها أنظار السلطات، وقامت في وجهها الصدمات.

وهذا قول هراء باطل، وهو يناقض وقائع الحال بحيث لا يسعني الاعتقاد أن هذا هو الذي قصد إليه الدكتور “ليك”. وأظن الذي يعنيه أن الرؤساء ذوي الجاه والكرامة والمناصب لم يتنزلوا إلى مجادلة المسيحيين ومناقشتهم.

وهم في هذا الموقف يقفون آثار التقاليد التي درج عليها خلقاؤهم، ويكررون الأساليب الفنية التي استخدموها ضد يسوع، فإنه في الصراع ضد يسوع، لم يظهر على المسرح زعماء الصدوقيين وهم سادة الموقف، ولكنهم عهدوا بذلك إلى مرؤوسيهم من الكتبة والفريسيين لمناقشة ونصب الأحابيل الكلامية للإيقاع به، ولم يُزح حنان وصهره قيافا وزعماء طائفة الصدوقيين الأثرياء القناع عن وجوههم ويظهروا أمام الناس “على المكشوف” إلاّ بعد أن وقع العدو الأكبر بين أيديهم وتمكنوا منه فعلاً.

وهكذا كان الحال أيضاً في تاريخ هذه الحركة فيما بعد. فبين الفينة والفينة نرى رئيس الكهنة وزملاءه يظهرون شخصياتهم الرسمية كما حدث في القبض على بطرس ويوحنا وتوجيه الأسئلة إليهما. ولكنهم في أكثر المواقف يتوارون وراء غيرهم ويعملون من وراء الستار. ولعلّ هذه هي السياسة المحنكة الحكيمة التي يجري عليها رجال الحكم والأشخاص الرسميون، ليتجنوا الوقوع في أيدي خصومهم بالابتعاد عن صغائر الأشياء حتى يضطرهم ضغط الحوادث إلى التدخل فعلاً.

وإن صحّ القول إن الممثلين الرسميين للسلطات اليهودية لم يجادلوا المسيحيين، فإنه لا يصحُّ فيما يتعلق باليهود أنفسهم. فإن المتنصرين في السنوات الخمس الأولى كانوا كلهم من اليهود تقريباً. وأنت لا تتصور حركة مثل هذه يُقبل الداخلون إليها بمعدّل ثمانية عشر شخصاً إلى عشرين كل أسبوع لمدة خمس سنوات، دون أن يحتدم الجدال ويشتد الحوار في المنتديات الخاصة والعامة. وهنا معقل الدليل في هذه القصة.

فإنه حين يجلس الباحث الناقد في هدوء، ويزن الحقائق والوقائع ويفكر كيف تكاثر أتباع هذا الدين الجديد حتى بلغ عددهم في أربع أو خمس سنوات حداً يحمل الخصوم على إثارة اضطهاد ضدهم – أقول حين يُفعل هذا لا بد يصطدم بحقيقة تحيره وتذهله – ألا وهي أن كل هذه الحوادث جرت على مقربة من القبر الذي وضع فيه يوسف الرامي جسد يسو. ومهما يكن من أمر ما حلّ بيوسف هذا، فإن القبر باقٍ هناك لم يُنقل من موضعه.

وإن صحّ ما يذهب إليه الناقدون الجاحدون، كان الأمر مدعاة إلى كثير من السخرية والتهكم، وذلك لأن التلاميذ كانوا يجادلون ويكسبون الأنصار يومياً، وهم على مسافة ألفي متر من القبر الذي كان في وسع خصومهم أن يستمدوا منه الدليل الذي يُخسرهم ويفسد عليهم دعايتهم.

ولو أن التلاميذ سلكوا سبيلاً غير هذا الذي سلكوه، لما كان موقفهم مفهوماً. ولا يخفى أنه كان من الميسور أن يُقال عن المسيح أشياء كثيرة في تلك الأسابيع الحرجة التي عقبت الصلب دون إثارة موضوع القبر الفارغ. كان ميسوراً أن يقال إنه كان إنساناً عظيماً من الصالحين، وإن موته العنيف في عنفوان قوته كارثة قومية بل عار وطني.

كان ميسوراً أن يُشار إلى تعاليمه السامية في الموعظة على الجبل وفي أمثاله الكثيرة التي ترفعه إلى أعظم مكانة بلغها نبي من أنبياء إسرائيل. بل كان ميسواً أن يقال إن التهم التي أُقيمت ضده كانت باطلة وإن موته كان جريمة من جرائم القتل العمد، وإثماً فظيعاً في نظر الله.

ونستطيع أن نتصور الجدل يحتدم حول هذه الأقوال في المجتمعات الخاصة أو شبه العامة في أورشليم على نمط الحوار اليهودي بما يلابسه من حرارة وطلاقة لسان، ثم يتفرّق المتحاورون ويذهبون إلى دُورِهم دون أن يفكّر أحد في ذلك الكهف الصامت في بستان الرامي. أما الذي لا نقدر أن نتصوره مهما امتدّ بنا الخيال، فهو أن تُعقد هذه الحلقات في قلب مدينة أورشليم للاحتفاء بقيامة يسوع والمناداة بها دون أن تتجه أفكار كل السامعين إلى حادثة القبر الخطيرة.

وما من شك أن حالة القبر كانت القول الحاسم الفاصل في موضوع النقاش، فإما أنه كان يضم في جنباته بقايا الجسد وإما لا. فإن كان القبر خالياً خاوياً، لا بد أن شاول وقف على هذه الحقيقة وعرفها بلا مراء من أول الأمر في جدله وحواره مع المسيحيين، ولا بد أنه شرع بالاضطهاد الكبير عمداً على الرغم من وضوح هذه الحقيقة.

وكان من حق رجال السلطات أن يغضّوا الطرف عن دعوى التلاميذ، ولكن حقيقة اختفاء جسد متهم سياسي خطير الشأن لا يمكن أن يخفى عليهم. وإن كان رجال السلطة قد وقفوا على جلية الأمر، فلا شك أن شاول عرف أيضاً.

اعتقد تماماً أن شاول وقف على حقيقة الأمر فيما يتعلق بدعوى اختطاف جسد يسوع، لا من رجال السلطة فقط، بل من جدله وحواره مع المسيحيين في المجامع اليهودية. ولو أننا فرضنا أن جسد يسوع كان ثاوياً في قبره في بستان الراميّ طيلة المدة التي كان شاول فيها يناضل المسيحيين ويكافح دعايتهم، تارة بالجدل الحامي وأخرى بالعنف القاسي، لكان معنى هذا أن الجسد ظلّ باقياً أيضاً في مثواه بعد هذا التاريخ بثلاث سنوات حينما عاد شاول إلى أورشليم إنساناً مهتدياً، وكان معناه أن شاول هذا آمن واهتدى وهو واقف على أمر هذه الأكذوبة المفتراة.

وحسبنا أن نتصوره يقضي أسبوعين كاملين يتحدث مع بطرس ويعقوب في أورشليم عن عقيدة تدور حول جسد مقام في حين أنه ثاوٍ في قبره!!! وحسبنا ان نتصورهم يرسمون الخطط ويضعون البرامج لنشر الدعاية عن قيامة المسيح وهم يعلمون أن بقايا جسد زعيمهم وسيدهم رميمة في القبر!!!

أكان هذا هو الموقف التاريخي؟ لا أظن. فإنه لا ينسجم مع وقائع الحال ومنطق الحوادث. فكر معي في حقيقة لها خطورتها على صغر شأنها، وهي كيف أننا لا نجد في سفر الأعمال، ولا رسائل الرسل، ولا في الوثائق التاريخية الأولى، أي أثر نستدل منه على أن إنساناً ما ذهب ليقدم فرائض الإخلاص والولاء إلى المزار الذي ثوى فيه جسد يسوع.

ألم يكن بين الصحابة امرأة تثير الذكريات شيئاً من الشجن في نفسها، فتسوقها إلى ذلك المزار المقدس لسكب دمعة من دموعها؟ ألم يكن بين الرسل الأوفياء الأمناء أمثال بطرس ويوحنا وأندراوس من تضطرم في نفسه لواعج الذكرى، فينساق إلى زيارة ذلك المقّدس الذي ضم رفات أعز الناس لديهم؟

ألم يكن الأجدر بشاول حين تهتاج نفسه ذكريات كبريائه الأولى واعتداده بذاته أن يذهب وحيداً ولو مرة واحدة إلى القبر، ليبلل ثراه بدموع التوبة والندم جزاء ما اقترفت يداه ضد هذا الاسم الكريم الذي يعتزُ به الآن؟ حقاً لو أن هؤلاء القوم عرفوا أن سيدهم دفين في قبره، لكان أمرهم من أغرب ما شهد التاريخ من أباطيل!

ثم فكّر معي ثانياً في مسألة الوثائق التاريخية: فلو كانت المسيحية بدأت مثلاً بمجرد فكرة خلود يسوع، ثم تطورت في تاريخ بطيء حتى غدت، كما هو شأن الأساطير، عقيدة في قيامته بالجسد، لكانت أقدم الوثائق التاريخية وأقربها إلى الدور البدائي، وأقلها أثراً وأضألها فعلاً. فبشارتا متى ومرقص، وهما أقدم بشائر الإنجيل بإجماع الآراء، وأوجزها في التعبير، تصفان قصة القبر الفارغ بعبارات خالية من التزويق أو التصنع، لا خروج فيهما عن الموضوع ذاته.

ثم فكّر أيضاً أن بين اثنين على الأقل من كُتّاب البشائر وبين بولس الرسول علاقة تاريخية وثيقة، فالرجل الذي كتب الفصل الرابع والعشرين من بشارة لوقا قضى أسابيع طوالاً بصحبة الرسول الكبير، وكان له أكثر من زميل، كان صديقاً وفياً. وفي أخريات أيامه أشاد الرسول بذكر وفائه وإخلاصه فقال: “لوقا وحده معي”.

والرجل الذي كتب الآيات الثماني من الفصل السادس عشر من بشارة مرقص كان، على قول

 

جمهرة الأئمة والعلماء، يوحنا مرقص نفسه، وهو شاب ثار بينه وبين الرسول شِجار، ولكنه عاش حتى اكتسب فيما بعد عطف الرسول وتقديره. فهل اعتنق ذانك الرجلان سراً عقيدة تناقض عقيدة الزعيم الوقور الذي اتّبعاه وأُعجبا به أيّما إعجاب؟

وحين نقرأ رسائل بولس نفسه قراءة منصفة، نرانا أمام أقوال صريحة تزيح كل شك في عقيدة بولس حول القيامة.

فانظر مثلاً إلى عبارته – التي تكاد تكون اعتراضية محصورة بين قولين – والتي أدمجها في استهلاله رسالة غلاطية:

“بولس رسول، لا من الناس ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح والله الآب الذي أقامه من الأموات”.

أو إلى هذه العبارة في رسالة أخرى قبلها، وهي الرسالة الأولى إلى تسالونيكي: “…. رجعتم إلى الله من الأوثان لتعبدوا الله الحي الحقيقي تنظروا ابنه من السماء الذي أقامه من الأموات، يسوع الذي ينقذنا من الغضب الآتي”.

أو إلى هذه العبارة التي وردت في مقدمته الشهيرة لقائمة شهود العيان في الفصل الخامس عشر من رسالته إلى كورنثوس الأولى:

“فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ….” (1كورنثوس 15: 3 و4)

أو إلى القولة الرائعة المأثورة عنه في هذا الفصل عينه:

“وَلكِنْ إِنْ كَانَ الْمَسِيحُ يُكْرَزُ بِهِ أَنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، فَكَيْفَ يَقُولُ قَوْمٌ بَيْنَكُمْ إِنْ لَيْسَ قِيَامَةُ أَمْوَاتٍ؟” (1كورنثوس 15: 12)

وإنه ليتعذر علينا قراءة هذه الآيات، في سياق الحديث الذي جاءت فيه أو منفردة، دون أن نشعر أن فكر الكاتب بعيد كل البعد عن مجرد الخلود أو القيامة الروحية. على أن في هذا الفصل عينه عبارة نيّرة تضع الأمور في مستقرّها وتقضي على كل تقّول أو مماحكة:

وقد كان بولس – شأن عدد كبير من زملائه المسيحيين في ذلك العصر – يؤمن أن يسوع الناصري سيعود قريباً مكللاً بالمجد إلى الأرض، وقد توقّع هذا المجيء في حياته على الأرض. وكان الإيمان بمجيء المسيح السريع فكرة اختلجت في نفوس عدد غفير من المسيحيين في خلال الخمسين سنة الأولى من العصر المسيحي، وبولس كان واحداً من أولئك.

وقد اقترن بتلك العقيدة سؤال عملي خطير. ذلك أن بعض المؤمنين كان قد مات، وبقي البعض الآخر أحياءً. فكيف يكون الموقف عند مجيء المسيح ثانية؟ ويجيب عن هذا السؤال إجابة صريحة بقوله:

“هُو َذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ” (1كورنثوس 15: 51 و52).

ومحال أن نقبل العبارة على ظاهرها الذي قصد إليه الرسول، دون أن نفطن إن وراءها فكرة صافية من تحوّل الجسد الطبيعي إلى جسد روحي ممجّد. وكان واضحاً حقاً، كما عرف بولس، أن “لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله”. ولم يكن بدّ من حدوث تغيير في الأحياء الأموات على السواء لإعدادهم للحياة الفضلى في الملأ الأعلى.

ففيما يتعلق بالأموات ذهب بولس إلى أن هذا التغيير أو التحول سيحدث في ساعة القيامة. ولكن ما من شك أنه آمن أن الجسد الأصلي هو الذي سيطرأ عليه هذا التحول: “يزرع في ضعف ويُقام في قوة. يُزرع جسماً حيوانياً ويُقام جسماً روحانياً. يوجد جسم حيواني. ويوجد جسم روحاني”. وفي موضع آخر يزيد هذا التعبير إفصاحاً وإرهافاً حين يكتب إلى أهل رومية فيقول إن الله “سيُحي أجسادكم المائتة”.

فكُل ما نعرف عن بولس الرسول يؤيد تأييداً تاماً اعتقاده الراسخ الوطيد في أن قبر المسيح كان خالياً في فجر يوم أحد القيامة. ولسنا نرى في كل أقواله تلميحاً ولا تصريحاً يُفهم منه أن الجسد كان باقياً في القبر.

على أنني لست أجد بين الكُتاب الحديثين من حاول أن يفسّر العلاقة الهامة بين ظاهرة القبر التاريخية وبين اهتداء الرسول بولس.

وليس يقدر أن ينكر أحد أن اهتداءً عقلياً كاملاً كالذي أشرقت أنواره على ذلك الرسول الكبير، لن يمكن أن يكون أساسه فقط اقتناعه المجرد بعدالة قضية التلاميذ، ولا بد أن يكون باعث قوي أقنعه بصدق القصة كلها. ومن العجب أن تُكتب المجلدات الضخام عن العوامل النفسية في اهتداء الرسول كأنها من الموضوعات التي يمكن معالجتها بمعزل عن فكر بولس إزاء مشكلة القبر. مع أن هذه المشكلة من الأصول الجوهرية في البحث كله.

ولم يكن مستطاعاً لشاول أن يبلغ حدّ التطرف الذي بلغه من النفور العنيف والكراهة الشديدة للعقيدة المسيحية دون أن يكّوِن لنفسه فكرة مستقلة. وكان مثار الجدل دائراً بين معسكرين متعاديين متعارضين، فالمسيحيون قالوا إن الجسد أُقيم من الأموات، بينما قال أحبار اليهود إنه سُرق من القبر.

وينبغي ألاّ نغفل أن شاول دخل الكفاح شريكاً للكهنة ضالعاً معهم، فهو لا شك قد عرف ما عرفوا، وشاطرهم وجهة نظرهم إلى حدّ بعيد.

ولو حاول القارئ أن يضع نفسه في مكان شاول، لوجد أنه من الصعب جداً على عقل منطقي سليم أن يعارض المسيحيين دون أن تكون له وجهة نظر منحوسة شريرة فيما يتعلق بالقبر الفارغ. وما كان في وسعه أن يجتنب الفكرة بأن التلاميذ أنفسهم، وإن كانوا لم يختلقوا الدعوى ويدّبروها، هم على الأقل متواطئون مع الذين سرقوا الجسد وأخفوه. وبهذا ينتقل الأمر من نطاق الجدل المباح إلى نطاق التزوير والخديعة المتعمدة، ويصير أمراً محتوماً أن يستأصل دعاة الفكرة المزّورة في غير شفقة ولا رحمة بقوة القانون وسلطان الدولة.

بهذا بدأ الاضطهاد الكبير الذي كان استفانوس الشهيد الأول باكورة ضحاياه. وما نشك أن الهدوء والثبات ورباطة الجأش التي استقبل بها استفانوس موته، طبعت آثارها على عقل بولس كما فعلت في الآخرين.

لكن لم تؤدِ هذه إلى التخفيف من وطأة الاضطهاد والقسوة، بل أمعن المضطهدون في قسوتهم وراحوا ينقضّون كالصواعق على أوكار المسيحيين، ويزجّون الرجال والنساء في سجون الدولة انتظاراً للمحاكمة الصورية التي كانت تنتهي في أكثر الأحيان بالموت. وفرّ آخرون إلى القرى النائية، فتعقّبهم مطاردوهم وهم ينفثون فيهم سموم الكراهة والحقد. وغدا من أخطر الأشياء على أين إنسان أن يصرح بانتمائه أو مناصرته قضية الناصري.

وبينما كانت الأشياء تسير هذا المسير، انتهت إلى شاول أنباء، من زعماء مجمع اليهود المحافظين في دمشق، تنبئه أن الأحوال في هذا المدينة العظيمة لا تسير سيراً حسناً، فالكفر قد تأصل فيها واستعصى أمره، واشتدّ ساعد المارقين عن دين إسرائيل بالمهاجرين الذين انظموا إليهم.

وشاول لم يطق أن يبقى جامداً، ما دام بين هؤلاء المتآمرين من لم يلحقه صارم العقاب والتعذيب. فسعى إلى الحصول على سائل من السلطات اليهودية في أورشليم تخّول له سلطان التنفيذ لدى المجامع التابعة للرئاسة الدينية في أورشليم. وبعد أن جمع إليه نفراً قليلاً من معاونيه، غادر المدينة في رحلة من أهم الرحلات وأبقاها أثرً في حياته.

وبعد ستة أيام، شارف الركّبُ المعفّر بالتراب مدينة دمشق، حدث أمر جلل، كان له أعمق الآثار وأبعد النتائج في تاريخ العالم. والأسباب متوافرة على أن الذين صحبوا شاول رأوا نوراً بزّ في لمعانه ووهجه شمس الظهيرة، وأنهم حين رفعوا شاول من على الأرض كان شبه أعمى لا يبصر شيئاً.

وقيل إنهم اقتادوه من يده المسافة القصيرة التي بلغوا بها المدينة. وإنها لخاتمة غريبة مروعة لتلك المغامرة الجريئة! ولكن لا سبيل إلى الشك في صدق الرواية من الناحية التاريخية. وما نظن أن لوقا كاتب سفر الأعمال استقى البيانات المفصلة التي سجلها عن هذا الحادث من أحد غير الرسول بولس نفسه.

فكيف نعلل هذا الحادث الغريب وما ترتب عليه من نتائج خطيرة الشأن؟ ولماذا يُنزع في لحظة خاطفة، ذلك الإنسان الأصيل في محتده الديني، السليم في منطقه العقلي، المتحمس في غيرته وتفكيره، من وسط العقائد التي اعتزّ به وامتزجت بلحمه ودمه، ويُحمل كأنه على جناح الريح إلى المعسكر الآخر بين ألدّ أعدائه وأبغض الناس إليه؟

ولسنا نُعنى هنا بآثار اهتدائه وإن تكن لهذه خطورتها وقدرها. ولكن كيف يَقْوى هذا الانقلاب الخطير، في أفكار الرجل وعقائده، وعلى أن يصمد ثلاث سنوات قضاها معتكفاً في الصحراء العربية، وتسع سنوات آُخر قضاها ينتظر الدعوة في طرسوس، بل كيف يقوى على معاناة صنوف الاضطهاد والعناء التي قاساها في رحلاته المضنية؟ لماذا ينتقل عقل جبار من أقطاب الفكر الذين عرفهم التاريخ، في لحظة خاطفة، من عقيدة إلى أخرى، كلتاهما على طرفي نقيض؟

لسنا ندري، وربما لن نعرف كلّ ما اختبر شاول في طريق دمشق. فهناك طرق كثيرة تستعلن بها الحقيقة غير المنظورة وتنساب إلى قرارة نفس الإنسان. على أنن واثق من شيء واحد ومقتنع به اقتناعاً تاماً، وهو أن الحقائق التي قلبت حياة شاول هي عينها التي قوّمت حياة بطرس ومتياس ويعقوب – ولكن الغريب في الأمر أنا جاءته من طريق عكسي.

فالتلاميذ بدأوا بفكرة مضطربة عن حقيقة القبر الفارغ، ووقع النبأ الذي تلقوه في بكور ذلك اليوم المأثور موقع الغرابة والدهشة من نفوسهم. أما شاول فكان موقفه غير ذلك. فلقد أقبل إلى إدراك هذه الحقيقة من اتجاه مضادّ. كان مشبّعاً بوجهة نظر رؤساء الكهنة، فنظر إلى التلاميذ وسيّدهم نظرته إلى مضللين مخادعين، مجدفين على الله، ومنادين بكفر شرير أثيم. فأصرّ على استئصالهم عن بكرة أبيهم. وبدأ رحلته إلى دمشق بهذه النية المبيّتة، ولكنه بلغها إنساناً تائباً نادماً، مهدّم الأعصاب موجع القلب.

ولم يستطع شيء مما رأى أو سمع أو اختبر، بعد رؤيا طريق دمشق، إن يؤثر أقل في حالته العقلية التي استقّر عليها. استعاد بصره الذي فقده إلى حين، ولكنه لم يستعد ذلك الشك الذي حمله على الغلّو والإفراط، وتلك الكراهية التي نضحت من نفسه إمعاناً في القسوة. انطلق إلى الصحراء العربية شهوراً طوالاً في عزلة ليفكّر في الأمر، ثم عاد كما هو الرجل الذي اهتدى وتجدد.

نادى في دمشق بالدين الجديد الذي اعتنقه، ولكن اسمه أدخل الفزع الرعب في قلوب أعدائه السابقين، ولما صار مُقامه هناك خَطِراً عليه أدلته بعض الأيدي الكريمة في سلّة أثناء الليل من فوق أسوار المدينة. ثم تذّرع بالشجاعة والإقدام وانطلق إلى أورشليم ليلقى هناك الهزء والتحقير والمذلة والهوان، وقضى خمسة عشر يوماً مع بطرس الذي عرف من أمر شاول كل ما يستطيع إنسان بشري أن يعرف. ومرة أخرى حملوه على الهرب من المدينة اجتناباً للاضطراب والفوضى، وعاد إلى موطنه طرسوس.

ثم تنقضي تسع سنوات، وحين تذكر الكنيسة الفتية الناهضة في أنطاكية الغيرة التي عهدتها في شاول، وترسل لاستدعائه، يرونه هناك في وطنه الرجل الممكّن في عقيدته، الثابت على الحق الذي عرفه. ونحن إذ نقرأ الرسائل التي كتبها في منتصف حياته وأواخرها، لا نجد فيها أثراً للهزال العقلي. بل بالعكس نستشفُّ من بين ثناياها نضوج عقل كبير رزني ومنطقاً سليماً شديد الاتزان.

ولم أشأ هنا إلاّ إثبات الوقائع الجوهرية بلهجة هادئة، لأن الحقائق في ذاتها رزينة هادئة. فأنت لا تستطيع أن تعلل هذا الولاء الصادق في حياة طويلة كهذه بطارئ من الطوارئ العاصفة، أو اختبار من الاختبارات الهستيرية الزائلة. وأن اقتضاها وصف كيفية إيمان بولس بالمسيح، اللجوء إلى المحسّنات اللفظية وعبارات البديع والبيان، فإننا نكون جدّ مخطئين.

وقد يكون الاختبار الفعلي الذي جازه في طريق دمشق منسجماً بطريق ما مع مزاجه الخاص ونزعته الخاصة. وقد يكون – كما قال الدكتور “ليك” نفسه – إن شخصاً غير منظور وقف فعلاً على قارعة الطريق، وإن شاول رأي شيئاً أشبه بما تحسُّه الحيوانات أحياناً بقوة الإحساس دون أن تراه بالعين الطبيعية. وقد يكون سمع صوتاً. ألم نسمع قط أسماءنا ينطق بها في إيضاح وتمييز في حين لا يوجد إنسان منظور لنا؟ فليس ثمة غرابة أن يسمع الزملاء شاول يتكلم دون أن يراه أحداً.

على أن الحقيقة التي يوردها المؤرخ لوقا في سفر الأعمال تقول إن المسافرين مع بولس سقطوا جميعهم على الأرض بتأثير ما رأوه، ثم قاموا ووقفوا صامتين ينتظرون ما عساه سيحدث بعد ذلك. وسمعوا ما قيل لبولس ولو أنهم لم يفهوا كلمات المتكلم. لقد رأي بولس النور، وسمع صوت المسيح وكلماته، بينما المسافرون معه رأوا النور ولم يروا المسيح، وسمعوا الصوت دون أن يميّزوا الكلمات (أعمال الرسل 9: 22، 26).

وفي هذا الآراء كلها نحن لا نذهب إلى أبعد ما يستوعبه علمنا الحاضر. على أن الناحية العقلية في هذا الظاهرة الغريبة حق صراح. فإنه حين اقتنع بولس أنه رأى المسيح المقام، لاحت في عقله لأول مرة بقوة دافعة فكرة القبر الفارغ، وكأنما الحجر الكبير قد تدحرج داخل نفسه فحطّم خطوط دفاعه تحطيماً.

وعرف أنه لم يكن التلاميذ مخادعين مضللين، فهم على حق فيما ادّعوه، وأدرك أنه يستحيل على امرئ معاناة استشهاد عنيف، كالذي عاناه استفانوس بروح البسالة والروعة، لمجرد اعتناق فكرة كاذبة مبنيّة على أكذوبة مختلقة كسرقة جسد ميت، ثم الادعاء أنه قام من الأموات. وأخذ شاول من تلك الساعة يفهم علّة ثبات بطرس، وصدق يقين الآخرين الذين نهّجوا نهجه، ممن امتزج اقتناعهم بعاصفة من الفرح والتهليل.

والأمر الغريب حقاً هو الظاهرة البارزة في هذه القصة العجيبة – وهي أنه بمجرد الاقتناع بها، يتأثر العقل تأثراً رائعاً عميقاً. فخلّو القبر حقيقة تاريخية، ثابتة لا تتغير، كلما تعاقبت الأجيال زادت ثابتاً ورسوخاً، فهي لم تتزعزع قط في حياة بولس، وهي اليوم باقية كالطود الراسخ شامخة بأنفها، لا يضيرها نقد ولا إفك.

فصول كتاب من دحرج الحجر

دليل يقدمه الرجل الطرسوسي – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

لست أجد في هذه القصة كلها، مع استثناء شيء واحد سأعود إليه فيما بعد، أمراً يترك في نفس من الأثر العميق، ما يتركه الدور الذي قام به الشخص الذي أطلقت عليه الكنيسة الأولى لقب يعقوب “أخي الرب”.

ولا تستند معرفتنا هذا الإنسان على مصادر الدين المسيحي وحسب، فإن يوسيفوس المؤرخ اليهودي، وهو كاتب ناقم على هذه الحركة أشدّ نقمة، يذكره كما يذكر بيلاطس وغيره من الشخصيات البارزة في العصر المسيحي الأول. كذلك يذكره “هجسبوس” أو تاريخ الكنيسة، في بعض الشذرات التي احتفظ بها يوسابيوس.

ومن الملائم أن نتتبع هذه الذكرى بحسب تسلسلها الرجعي، فنبدأ بالعبارة المأثورة التي يصف فيها يوسيفوس موت الرسول يعقوب:

قال يوسيفوس: “… كان قد مات فستوس، وكان ألبينوس في طريقه ليتقلد منصب الولاية في اليهودية، فاستدعى حنان رئيس الكهنة أعضاء مجلس السنهدريم، وأحضر أمامهم أخا يسوع الذي كان يُدعى المسيح، واسمه يعقوب” وآخرين غيره. وبعد أن أقام ضدهم تهمة الاعتداء على الشريعة، أسلمهم ليُرجموا”.

وكان هذا في سنة 62 ب.م. أي في الزمن الذي كانت تتهيأ فيه الظروف وتتراكم الحوادث سراعاً للتعجيل بتلك الثورة اليهودية المريعة التي حملت تيطس الروماني على محاصرة أورشليم بجيوشه، ذلك الحصار الأسود الذي لم يرْو التاريخ مثيلاً له في شناعته وقسوته. والعبارة المأثورة عن يوسيفوس، على إيجازها، تذكر لنا شيئين: الأول أن يعقوب كان معروفاً “بأخي يسوع” والثاني أنه ختم حياته بالاستشهاد في سبيل القضية الكبرى.

وإذا نعود إلى الوراء في سيرة حياة ذلك الإنسان، نلتقي به مرة ثانية حوالي سنة 57 ب.م. وكان الرسول بولس يزور أورشليم للمرة الأخيرة. وكان قد أبحر مع لوقا وآخرين غيره من تراوس إلى قيصرية، حيث انضم إليهم مناسون من قبرص، ورحلوا معاً إلى العاصمة أورشليم. ويروي لوقا القصة بإسهاب في الفصل الحادي والعشرين من سفر الإعمال لأنه كان من شهود العيان، ويتكلم في سرد القصة بصيغة الجمع المتكلم. وفي بيانه التاريخي نجد هذه العبارة:

“وَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَبِلَنَا الإِخْوَةُ بِفَرَحٍ. وَفِي الْغَدِ دَخَلَ بُولُسُ مَعَنَا إِلَى يَعْقُوبَ، وَحَضَرَ جَمِيعُ الْمَشَايخِ. فَبَعْدَ مَا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ طَفِقَ يُحَدِّثُهُمْ شَيْئًا فَشَيْئًا بِكُلِّ مَا فَعَلَهُ اللهُ بَيْنَ الأُمَمِ بِوَاسِطَةِ خِدْمَتِهِ.” (أعمال 21: 17-19).

والعبارة “دخل …. إلى يعقوب وحضر جميع المشايخ” تؤيد ما نعرفه من مصادر أخرى من أن يعقوب كان في تلك الفترة الزعيم المقدام للحركة المسيحية في أورشليم. وكان قد ارتفع شأنه حتى صار رئيساً للكنيسة “الأم” المقيمة في عاصمة اليهودية، فكانت له بطبيعة الحال سلطة واسعة ورأي مسموع، حتى أن بولس “دخل” إليه كممثل للمسيحية في مهدها ليحدثه عن نتائج بعثته بين الأمم.

وهذا الاستنتاج تؤيده وتعضده تفصيلات جديدة، حين نعود إلى الوراء مرحلة أخرى، إلى سنة 50 ب.م. وهنا تبدو لنا صورة يعقوب في مظهر أجلى. وكان ذلك عند انعقاد مؤتمر أورشليم الشهير، الذي أُستدعي وقتها ليقرر خطة العمل ورسم السياسة التي ينبغي على الحركة الفتيّة أن تنتهجها. وكانت الحملة بين الأمم التي قام بها بولس وغيره مبعوثين من إدارتها العامة في أنطاكية سوريا – قد أخذت تخطو وسيع الخطى في جدّ وحماسة.

ولكن الطقوس اليهودية التي فرضتها الشريعة الموسوية، لا سيما طقس الختان، كان عائقاً خطيراً أمام كثيرين من المنتصرين الغرباء عن اليهودية.

ولإزالة هذا العائق، أُرسل وفد على رأسه بولس وبرنابا من جماعة أنطاكية إلى أورشليم. وقد أُستقبل استقبالاً كريماً حاراً. وبعد أن تكلم بطرس معضداً وجهة نظر الوافدين، نسمع يعقوب رئيس المؤتمر يلقي كلمة الرئاسة الفاصلة بهذه الألفاظ.

“أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، اسْمَعُونِي. سِمْعَانُ قَدْ أَخْبَرَ كَيْفَ افْتَقَدَ اللهُ أَوَّلاً الأُمَمَ لِيَأْخُذَ مِنْهُمْ شَعْبًا عَلَى اسْمِهِ. وَهذَا تُوافِقُهُ أَقْوَالُ الأَنْبِيَاءِ، …. لِذلِكَ أَنَا أَرَى أَنْ لاَ يُثَقَّلَ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِلَى اللهِ مِنَ الأُمَمِ، بَلْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ أَنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ نَجَاسَاتِ الأَصْنَامِ، وَالزِّنَا، وَالْمَخْنُوقِ، وَالدَّمِ. لأَنَّ مُوسَى مُنْذُ أَجْيَال قَدِيمَةٍ، لَهُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ مَنْ يَكْرِزُ بِهِ، إِذْ يُقْرَأُ فِي الْمَجَامِعِ كُلَّ سَبْتٍ». حِينَئِذٍ رَأَى الرُّسُلُ وَالْمَشَايِخُ مَعَ كُلِّ الْكَنِيسَةِ أَنْ يَخْتَارُوا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ، فَيُرْسِلُوهُمَا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ مَعَ بُولُسَ وَبَرْنَابَا” (أعمال 15: 13-15، 19-22).

ولا بد لنا الآن أن نرجع إلى الوراء مرحلة أخرى، إلى سنة 44 ب.م. لنقرأ بياناً أخّاذاً آخر عن يعقوب، بمناسبة سجن بطرس للمرة الثانية، وكانت الجماعة الفتّية تعاني يومئذٍ فترة من الضيق والخطر، وكان بطرس متكلم الجماعة وزعيمها أشد أفرادها تعرّضاً للمخاطر، فأودع السجن للمرة الثانية. ولكنه تمكن من الهرب بوسيلة معجزية خارقة للطبيعة، وانفكت قيود السجن في منتصف الليل، وخشية أن يعرّض نفسه أو أصدقاءه للخطر إذا افتضح أمره، اتجه صوب دار يوحنا مرقص متخفياً تحت جنح الدجى.

وحينما طرق بطرس على الباب ارتاع سكان الدار، ولم يجسروا على إجابة النداء، حتى ميّزت الجارية الصغيرة المدعوة “رودا” صوت بطرس. وهذه قصة يألفها قراء سفر الأعمال، إنما الذي يعنينا فيها الآن الرسالة التي عهد بها بطرس إلى أصدقائه قبل أن يختفي في ظلام الليل إلى موضع آخر، قال:

” أَخْبِرُوا يَعْقُوبَ وَالإِخْوَةَ بِهذَا” (أعمال 12: 17).

وواضح أن يعقوب كان في غيبة بطرس مقدام الجماعة وزعيمها المختار.

وثمة عبارة أخرى قبل هذه كلها، وردت عن يعقوب في وثيقة مستقلة كتبها بولس من أنطاكية. وقد وقعت الحادثة التي تشير إليها العبارة حوالي سنة 36 ب.م.

“ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَلكِنَّنِي لَمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِلاَّ يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ” ( غلاطية 1: 18، 19).

فكان يعقوب هذا شخصية بارزة في الجماعة المسيحية الأولى من تاريخ مبكّر، في سنة 36 ب.م. يشاطر بطرس ويوحنا زعامة هذه الطائفة الجديدة.

فكيف انخرط ذلك الإنسان – الذي اشتهر ببروده بل بعدائه نحو أخيه في خلال حياته على الأرض، كما نستدلّ من الأسفار الأولى، والذي ساقته عواطفه وماضيه إلى الميل نحو وُجهة نظر الكهنة – في سلك الفئة القليلة المختارة وصار من مشيريها وقادتها؟ وأنا أوجّه هذا السؤال، لا بقصد التغلّب على مُناظرٍ، بل لأن الحقيقة في ذاتها تحمل على الدهش الكثير. الذي كنّا ننتظره أن نجد يعقوب في أية طائفة أخرى ماعدا طائفة الناصريين.

ونحن نفهم أن لوقا وكتّاب البشائر المتأخرين قد حاولوا، بعد أن رأوا أمانة يعقوب وإخلاصه، أن يخففوا ما استطاعوا من وطأة القصص الكثيرة الدائرة على الألسن عن العداء الذي أبداه إخوة يسوع في بادئ الأمر نحو أخيهم، وذلك لأن الصديق لا ينبش الماضي القديم، ولا يحاول إيذاء جروح قد اندملت. ولكن بشارة مرقص وهي أقدم بشائر الإنجيل لا تدع مجالاً للشك في وجود ذلك العداء، وقد أُثر عن المسيح نفسه أقوال أثارها الخلاف بينه وبين إخوته.

وشهادة مرقص في هذه المسألة واضحة وصريحة. والظاهر أن يوسف النجار كان قد مات حين خرج يسوع من عزلته وبدأ خدمته العامة جهرة. فإننا لا نسمع عنه شيئاً. ولكن الذين نراهم في حوادث السّيرة هم أمه واخوته.

ولو كان ثمة شعاع من دليل على وجود روابط العطف بين المسيح العبقري المجدّد وبين أولئك الإخوة، أو حتى تلميح إلى روح عبادة البطولة التي تختلج في نفوس أفراد الأسرة عادة نحو أحدهم ممن تهيأ له الأقدار مواهب النبوغ والرفعة فوق مستوى مواطنيه. أقول لو كان شيء من هذا، لقدرنا أن نعلل بعض التعليل الحوادث التي توالت في السنين المتأخرة.

ليس لهذا من أخر في القصة التي نحن بسبيلها، بل إن ما لدينا من الأدلة يناقض هذا التمنّي. وفي الفصل الثالث من بشارة مرقص عبارتان، لابد أن نأخذهما مأخذاً واحداً إذا أردنا فهم مغزاهما، لأنهما جزء من قصة واحدة.

1 – “…. ثُمَّ أَتَوْا إِلَى بَيْتٍ. فَاجْتَمَعَ أَيْضًا جَمْعٌ حَتَّى لَمْ يَقْدِرُوا وَلاَ عَلَى أَكْلِ خُبْزٍ. وَلَمَّا سَمِعَ أَقْرِبَاؤُهُ خَرَجُوا لِيُمْسِكُوهُ، لأَنَّهُمْ قَالُوا: «إِنَّهُ مُخْتَل!»” (مرقص 3: 19-21)

2 – “َجَاءَتْ حِينَئِذٍ إِخْوَتُـهُ وَأُمُّـهُ وَوَقَفُوا خَارِجًـا وَأَرْسَــلُوا إِلَيْهِ يَـدْعُونَـهُ. وَكَانَ الْجَمْـعُ جَالِسًـا حَوْلَهُ، فَقَالُوا لَهُ: «هُوَ ذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ خَارِجًا يَطْلُبُونَكَ». فَأَجَابَهُمْ قِائِلاً: «مَنْ أُمِّي وَإِخْوَتِي؟»” (مرقص 3: 31-33).

وظاهر من قراءة العبارة الأولى أن الغرض من مجيء أقربائه إلى البيت الذي كان فيه، أن يختطفوه ظانين أن بعقله خبالاً.

وهذا هو المعنى الذي يقصد إليه مرقص، ويؤيده استنكار يسوع لهذا الاستدعاء بقوله:

“ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى الْجَالِسِينَ وَقَالَ: «هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي، لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي».” (مرقص 3: 34-35)

وليست هذه المرة الوحيدة التي سُجل فيها عدم اكتراث أفراد الأسرة بيسوع ووقوفهم حياله موقف الكراهية والنفور. فإن البشير مرقص يدّون بعد ذلك في الفصل السادس حادثة تاريخية في سيرة يسوع. وكان قد اضطر يوماً في إحدى جولاته في الجليل أن يعود إلى الناصرة. فلما جاء يعلّم في مجمع القرية، سخر منه أهله وشنّعوا به:

“وَلَمَّا كَانَ السَّبْتُ، ابْتَدَأَ يُعَلِّمُ فِي الْمَجْمَعِ. وَكَثِيرُونَ إِذْ سَـمِعُوا بُهِتُوا قَائِلِينَ: «مِنْ أَيْنَ لِهذَا هذِهِ؟ وَمَا هذِهِ الْحِكْمَةُ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَهُ حَتَّى تَجْرِيَ عَلَى يَدَيْهِ قُوَّاتٌ مِثْلُ هذِهِ؟ أَلَيـْسَ هذَا هُوَ النَّجَّارَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَأَخُو يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَيَهُوذَا وَسِمْعَانَ؟ أَوَ لَيْسَـتْ أَخَوَاتُهُ ههُنَا عِنْدَنَا؟» فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ.” (مرقص 6: 2-3)

والجواب الذي نطق به يسوع قد جرى مجرى الأمثال في كل لغات العالم:

“فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَيْـسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَةٍ إِلاَّ فِي وَطَنِهِ وَبَيْنَ أَقْرِبَائِهِ وَفِي بَيْتِهِ»” (مرقص 6: 4). والكلمات تحمل على بعض التفكير. فهي لم ترد إلاّ في بشارة مرقص. تُرى لماذا يذهب لوقا إلى أبعد من هذا فيحذف عبارة “وفي بيته” أيضاً؟ وللوقا عادة حجته في تهذيب عبارته وأسلوبه. ولكن أغلب الظن أن يعقوب الوقور المحترم كان على قيد الحياة عند كتابة البشائر المتأخرة، فلم يرَ الكاتبون من اللياقة أن يطعنوه في غير حاجة أن يعيبوا عليه جحوده الأول.

والآن ما الذي يلوح لك من هذا؟ وماذا أنت قائل في موت يسوع الذي جمع بين أفراد مختلفي المشارب والنزعات ليجيزوا معاً طريقاً وعراً ضيقاً يلاقون فيه الاضطهاد، والإذلال، بل الموت الشنيع القاسي؟ ولماذا يأتلف هؤلاء القوم، المتوزعة ميولهم في غير تجانس، بعد وقوع المأساة العظمى، ويقتنعون اقتناعاً راسخاً أن يسوع قد قام من القبر؟

وإنه لم الميسور أن نصطنع الأسباب التي تعلل وقوع رجل او امرأة في حالات فريدة تحت تأثير هذا التضليل الغريب. ولكن الحالة التي نحن بصددها تختلف كل الاختلاف. فإن وراء اهتداء هؤلاء الكثيرين ممن تباينت عقولهم وتنازعت أفكارهم، شعوراً دفيناً جاثماً في قرارة النفوس – حقيقة صامتة قوية لا سبيل إلى منازلتها أو الشك فيها. وقد أدليتُ بشهادة هذا الرجل يعقوب، لا لأنه يحتل مكانة ممتازة في القصة، ولا لأن شهادته ضرورية في القضية، بل لأنه لم يُذكر عنه شيء في الرواية كلها، ولم يُعرف شيء عن موقفه.

وكان بعيداً عن دائرة الرسل وأصدقائهم. ولم كان للخداع أو التضليل سبيل إلى نفسه، لما انخدع في أمر واحد من أفراد أسرته يعرفه حق المعرفة، ويعلم ما وضح منه وما خفي. فموقفه إذاً، موقف شاهد محايد بعيد عن التحزب والغرض، وقد كان من ذوي قرابة المسيح ومن اللاصقين به، فلو أن الكهنة استطاعوا استمالته واكتسابه إلى جانبهم، لكان فوزهم كبيراً، ولكنهم فشلوا في هذا وقتلوه في النهاية.

ويقال أن المسيحيين نقشوا على قبره هذه الكلمات: “كان شاهداً أميناً صادقاً لليهود واليونان على أن يسوع هو المسيح”. وبعد أن عرفنا من هو يعقوب هذا، نعتقد أن شهادته فريدة من نوعها. ولو لم تفقد شهادته الفريدة بعض قوتها أمام شهادة رجل آخر كان أشدّ منه عداءً للمسيح وصحابته، وهو شاول الطرسوسي، لقلنا إن شهادة يعقوب فذّة منقطعة النظير.

فصول كتاب من دحرج الحجر

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

 

ثلاثة من بين تلاميذ المسيح كانت أدلتهم حاسمة فاصلة. أولهم بطرس الصياد الذي قاد الهجوم على أورشليم، والذي ظلّ سنوات زعيماً للحركة لا يُبارى. وثانيهم يعقوب العادل أخو المتهم الذي ارتضى لأسباب غير معلومة أن يقرن مصيره بمصير المسيحيين، بعد أن ظلّ في عزلته طويلاً قبل حادثة القبض، وختم حياته أخيراً بدمه في سبيل القضية التي انتصر لها. وثالثهم شاول الطرسوسي الذي ناضل وجالد، تسانده السلطة وتعضده في سبيل القضاء على هذه الحركة الجديدة، فما لبث حتى وقع في شَرَكِها وكان لها بين أنصارها مقداماً وزعيماً.

هؤلاء الثلاثة وقعوا تحت سحر المؤثرات الخفية التي أعقبت الصلب، وكلهم ختم جهاده بدمه، وقضى في سبيل الدين الجديد على النحو القاسي الفظيع الذي اتّسم به ذلك العصر – يعقوب في أورشليم ذاتها، بطرس وشاول في روما. وإذا عرفنا ما آمن وعلّم به أولئك الشهود البارزون في العصر الأول للمسيحية، استطعنا أن نجلو الكثير من النقط المبهمة في هذه القضية. فلنبدأ ببطرس أولاً:

حين يُرفع الستار، ويُكشف عن صحابة يسوع في أورشليم، نشهد في مقام الزعامة والسلطان الرجل الذي كنّا ننتظر أن نراه على تلك الحال لأسباب وعوامل نفسية. فهو ليس يوحنا التلميذ المحبوب الودود الذي كان موضع ثقة يسوع وحبّه، ولا متى الغيور. إنما هو رجل كان في الأصل صياداً يدعى سمعان، أُطلق عليه فيما بعد بطرس.

ومن محاسن الصدف أننا نعرف من سيرة هذا الصياد الخشن الأولى أكثر مما نعرف عن أي فرد آخر من الصحابة. وكثير من الحوادث التي رُويت عنه من النوع الذي لا يرويه ولا يصطنعه المداهنون المتملّقون. ولكنها حوادث رُويت عنه، على ما فيها من إحراج له، لوجه الحق الخالص والصدق في الرواية.

خذ مثلاً اللوم العنيف الذي قيل إن يسوع خاطب به بطرس وهم يطوفون في أنحاء قيصرية فيلبي: “اذهب عني يا شيطان…. لأنك لا تهتم بما لله”. وما أحسب هذه القول عن نوع الذكرى الكريمة التي تشرف إنساناً، لا سيما في وثيقة شبه رسمية، تُقرأ أحداً بعد آخر في عدد كبير من كنائس المسيحية. وليس هناك إلا تعليلاً واحد منطقي مفهوم لإثبات هذه الواقعة في السفر المقدس، ألا وهو الحرص على تدوين حقيقة تاريخية بين الاختبارات الغريبة التي جازها التلاميذ في خدمتهم.

أو خذ مثلاً القصة الأخرى التي تبّزها في الغرابة، والتي ذاعت مدى أجيال التاريخ – وأعني بها إنكار بطرس ليسوع في الفناء الخارجي لدار رئيس الكهنة ليلة المحاكمة. وما أشك أن هذه القصة من بقايا الذكريات التاريخية التي حفلت بها تلك الأيام البعيدة. تُرى ما التعليل الذي نستند إليه في إثبات هذه القصة المشينة في وثيقة مسيحية تحمل اسم شخص كان لبطرس صديقاً وترجماناً، إلا تحرّي الصدق في القول والإخلاص في تدوين الحقائق، عارية دون صنعة أو تزويق.

وإذا كنا بحاجة إلى التدليل على مبلغ ما وصلت إليه الكنيسة من الأمانة والصدق في إثبات الوقائع، فها هو ذا الدليل المقنع في أرقى أوضاعه وأسماها. وإذا سلّمنا بصحة هذه الوقائع على انها صورة من حياة بطرس، لا بد أن نسلم أيضاً بوقائع الإنجيل التي تصور الرجل بالصدق والحق في مواقفه الأخرى. وأن رواية الإنجيل ترسمه لنا شخصاً محبوباً ودوداً، في ظاهره خشونة، وفي داخله يلتهب بالحماس والولاء، سريعاً في الغضب ولكنه سريع أيضاً في الاعتراف بالخطأ وإدراك الحق. ومن المزايا المحببة في هذا الطراز من الناس قابليتهم إلى التفاهم بالعقل والمنطق بعد أن تخمد ثورة العاطفة وتهدأ الأعصاب المندفعة.

فضلاً عن ذلك فقد كانت مهنته صيد الأسماك، فاتّسم بما يتّيم به قرويو الجليل من سذاجة ودعة. وأنت لا تجد في الإنجيل الكريم أثراً يدل على شيء من المكر أو الدهاء أو النبوغ العقلي. وأغلب الظن أن الإشكالات الجدلية المنطقية التي كان يثيرها يسوع أحياناً لصدّ هجمات الفريسيين كانت أقل وضوحاً عند بطرس مما كانت عند الآخرين من الصحابة. ويُخيّل إليّ أنه تولّى زعامة أصحابه وصار كليمهم فيما بعد، بسبب تقدّمه في السن عليهم جميعاً، وبالأكثر بسبب ما له من قّدْر كريم صاف.

فقد كان صريحاً إلى منتهى حدود الصراحة، غيوراً إلى أبعد حدود الغيرة، لا يعرف الرياء ولا المداهنة ولا المصانعة. فكان هو الرجل الذي اصطفته الصحابة لإذاعة النبأ الصارخ في أورشليم بأن يسوع قام من القبر. وقد أذاع النبأ بعد أسابيع قلائل من الصلب، وبأسلوب من الكلام حاسم قوي يستوقف أنظار الباحثين.

ومما رواه لوقا في وثيقته التاريخية، لا نجد غموضاً البتة في فحوى النداء الذي أذاعه بطرس. فقد كان أسلوبه، يوم وقف يلقي تصريحه التاريخي في حشد كبير يوم الخمسين، صافياً رائقاً لا تصنُّع فيه ولا تكلف. وتمتاز عبارات خطابه وأسلوب كلامه بذلك الطابع الذي اختصّت به الأساليب الكلامية المسيحية الأولى، قبل أن يجلس المؤرخ ويتوخى تخيّر الألفاظ والعبارات فيما يريد أن يسجّله. والألفاظ الأصلية التي جرت على لسانه خليقة بالبحث والدرس:

“أينها الرجال اليهود، والساكنون في أورشليم أجمعون: ليكن هذا معلوماً عندكم وأصغوا إلى كلامي، لأن هؤلاء ليسوا سكارى كما أنتم تظنون، لأنها الساعة الثالثة من النهار…. أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قِبَل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضاً تعلمون. هذا أخذتموه مسلّماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه.

الذي أقامه الله وناقضاً أوجاع الموت، إذ لم يكن ممكناً أن يُمسك منه…. فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك.

وأسلوب الكلام في هذا الخطاب يدلّ على أنه خطاب أصيل قديم في تاريخ المسيحية لبساطته وصراحته، ويُشيع في نفوس سامعيه الجّو الذي ننتظره بداهة في زمن لا يبعد عن حادثة الصلب بأكثر من ستة أو ثمانية أسابيع.

“يسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعاً شهود لذلك”.

عبارة صريحة مباشرة تشير إلى حادثة وقعت مؤخراً، لا حادثة في التاريخ الماضي البعيد. فضلاً عن ذلك فقد تكررت ثلاث مرات بأسلوب وألفاظ تكاد تكون متماثلة في الأسفار الأولى من سفر الأعمال.

من ثمّ نرى شهادة سفر الأعمال، التي كُتبت بعد الحادثة بسنوات ليست كثيرة، صريحة في أن الصياد بطرس الذي كان يومئذٍ بطل هذه الحركة، قد أعلن في الناس قيامة يسوع من الموت بالمعنى الجسماني الكامل. وقد ناصره في هذا الإعلان الجماعة كلها التي كانت له ظهيراً.

على أن هذه الوثيقة القديمة تحمل في تضاعيفها دليلاً مقنعاً غير ما نطق به بطرس، وهو دليل مستمد مما لم يقله حسب رواية لوقا.

ولعله ماثل في أذهاننا أن نظرية الدكتور “ليك” التي عالجناها في فصل سابق، تفترض أن النسوة اللائي مضين إلى القبر في فجر يوم الأحد لم يُذِعْنَ ما كشفْنَهُ مباشرة، لأن التلاميذ في زعمه إما اختفوا في مخابئ عن أعين الناس وإما فرّوا هرباً إلى الجليل. ومما قيل حول هذه النظرية إن النسوة مكثنَ في أورشليم بينما كان بقية التلاميذ يعانون اختبارهم الغريب في الجليل، وإن قصة النسوة لم تُذع إلا بعد بضعة أسابيع حينما عاد التلاميذ جماعة إلى أورشليم.

وأخال الكل مجمعين على أنه حتى إذا سلّمنا بأن النسوة كممنَ أفواههنّ نظراً لغياب التلاميذ أو هربهم، فإن هذا الصمت لابد ينقطع حالاً بعد لقاء الفريقين. وأنه ليصعب علينا أن نتصور بطرس والصحابة الآخرين يعودون إلى أورشليم واثقين أنهم رأوا يسوع بعد قيامته، دون أن يخرج النسوة عن صمتهن ويروينَ قصة مغامرتهن عند القبر. فالاختباران يكمّل أحدهما الآخر. بل أن شهادة النسوة، وقد زفّت إليهم في هذه الحالة واقعة جديدة غير معروفة لهم، تؤيد الحقيقة التي اختبروها وهم في الجليل.

وهي لا تقّوي فقط يقينهم، بل تمدّهم بالأساليب لإقناع الآخرين واستمالتهم إليهم. وكنا ننتظر طبعاً أن يشير بطرس في خطابه الذي ألقاه من فوق درجات السلم إلى هذه الحقيقة الجديدة تأييداً لبيانه الذي أدهش به الناس. ولا ريب أنه كان يذيع إعلاناً يكاد يكون بعيد التصديق لقوم لا يأخذون الأشياء أخذاً هيناً، وكان راغباً كل الرغبة في أن يستميل الناس إلى عقيدته.

ومن المرجح أن النسوة، حسب رواية لوقا، كنّ واقفات مع الفئة القليلة التي التفّت حول بطرس وهو يلقي خطابه، ومع ذلك فإننا لا نجد كلمة واحدة، لا عن النسوة ولا عن مغامرتهن في صباح يوم الأحد. وهذا الإغفال الغريب ملحوظ أيضاً في خطابين آخرين ألقاهما بعد ذلك ودّونهما كاتب سفر الأعمال بإسهاب.

وإنه لمن الميسور، في الظاهر على الأقل، أن نعلل هذه الحقيقة بقولنا إن بطرس لم يكن يعلم بزيارة النسوة إلى القبر. فإن صحّ هذا، كان من المؤكد أن النسوة لم يزرن القبر إطلاقاً. وإذا كانت مريم زوجة كلوبا وسالومة ويونّا لم ينقلن إلى أصدقائهن والأقربين إليهن نبأ ذلك الحادث الغريب المدهش بمجرد وصول أقربائهن من الجليل، فذلك لأنه لا شيء لديهنّ يستحق الإنباء، وتكون تلك القصة المثيرة من أولها إلى آخرها مصطنعة من مبتكرات العصور المتأخرة.

على أننا نستطيع أن ننقّب في سفر الأعمال تنقيباً دقيقاً، فلا نجد أثراً أو همساً لقصة النسوة عند القبر، ولا يثور حولها شيء من الجدل والحوار حتى في الرسائل الأولى المتقدمة. وبعد اللحظة التي ظهر فيها أولئك النسوة على صفحات التاريخ، اختفى ذكرهن اختفاء القبر الفارغ نفسه، وأُسدل عليهن ستار كثيف من النسيان، ولم يبق إلا الذكرى الخالدة لمغامرتهن الجريئة تحفل بها الوثائق التاريخية والمدونات المكتوبة التي ادخرتها الكنيسة مدى الأجيال.

فكيف نعلل هذا الصمت الغريب، يمتد من يوم الإذاعة العلنية في يوم الخمسين إلى عصر كتابة الرسائل الأولى؟ لا نجد له إلا تعليلاً واحداً ينسجم مع المظاهر المختلفة في هذا الموقف الغريب، وهو أن قصة الإنجيل صادقة لا كذب فيها، وأن ذلك السرّ العظيم الذي ترتبت عليه أكبر النتائج لم يبق دفيناً في صدر ثلاثٍ أو أربعٍ من النساء طيلة سبعة أسابيع، بل أذعنَه خبراً مباحاً، وعلم به الدانون والأبعدون، بحيث لم تبق حاجة لتكراره في أقوال التلاميذ اللاحقة.

ومما لا شك فيه أن قصة ذهاب النسوة إلى القبر شاعت في أورشليم قبيل حلول الليل يوم أحد القيامة، لا في الأوساط والمقامات العالية فقط، بل في أرجاء المدينة كلها. ونقرأ في قصة الإنجيل عن اثنين كانا سائرين إلى قرية بعيدة في مساء اليوم نفسه – أي الأحد – يتطارحان الحديث فقالا: “بعض النساء منّا حيرننا إذ كنَّ باكراً عند القبر”.

وأكاد أجزم أن القصة غدت ملكاً مشاعاً تتناقلها الألسن بعد أربع وعشرين ساعة من زيارة النسوة للقبر. وهنا نشطت الأقاويل لتفنيدها، والتهم لتكذيبها، وبرزت في وسط هذا الشجار، التهمة الدنيئة التي ادّعى فيها مرّوجوها أن التلاميذ سرقوا الجسد.

وحين نسلّم بهذا، نفهم لماذا لم يرَ الصحابة حاجة إلى ذكر شهادة النسوة بعد سبعة أسابيع، يوم أذاع للناس حقيقة القيامة جهارً وارتفع بها إلى مستوى رفيع، جاعلاً إياها قضية يثور حولها الجدل السياسي والقومي.

من ثمّ يبدو لنا واضحاً الآن علّة هذا الصمت الغريب. فحقيقة قيامة الجسد التي يؤيدها النساء، لم تعد بحاجة إلى دليل يسندها أو حجة تعضدها، لأنها اشتهرت وذاع أمرها بين الناس. فإذا افترضنا مثلاً – لا قدّر الله – أن قلعة القاهرة احترقت الليلة، فإن القول بان الحارس المكلف كان أول من اكتشف شبوب النار، يثير اهتماماً كبيراً وترويه البلاغات الصادرة عن الحادث. ولكن ليس من المعقول أن يُدعى الحارس بعد شهرين من تاريخ الحادث ليثبت أن ذلك البناء التاريخي العظيم قد تهدّم وأكلته النيران.

ولو أن أحد المؤرخين في المستقبل وجد وهو يقلّب مجلدات جريدة “الأهرام” القاهرية بعد سنوات، أن أحد رجال التحقيق أثبت بعد مرور سبعة أسابيع على وقوع الحادث شهادة حارس القلعة كدليل على وقوع الكارثة، فإن هذا يولد كثيراً من الشك في نفس المؤرخ، ويحمله على التردد في التسليم بصحة الحادث من الوجهة التاريخية.

فسواء أخذنا بالأقوال المدّونة في سفر الأعمال، أو بما أغفل بطرس من أقوال في خطابه المأثور، نجد في شهادة الصياد بطرس على خلو القبر من الجسد، دليلاً لا قبل لنا على دحضه. وبقي علينا من ذلك أن نسأل شاهداً آخر مستقلاً في الرأي، فإن وراء هذه الأقوال كلها شهادة دامغة خطيرة يزجيها البشير مرقص.

وأنا على اتفاق تام مع الدكتور “ليك” في كل ما قاله في الفصل المنسّق تنسيقاً بديعاً عن صدق شهادة البشير مرقص، وما امتازت به وقائع مرسلة على طبيعتها لا صنعة فيها. ويحسب الباحثون أن هذه الوثيقة لا مثيل لها في التاريخ، فهي كصخرة ثابتة في وسط الغمر العجاج، تتكسر عليها الأمواج قبل أن تبلغ الخط الذي يطلع فيه الباحثون على المؤلفات المسيحية الممتازة. وهي تلقي ظلالها على كل هذه المؤلفات الساحلية جميعها، بل أنها تقسم المياه نفسها التي تتدافع نحو هذه المؤلفات.

ولقد أجمعت تقاليد الكنيسة منذ فجر المسيحية على أن ثمة علاقة وثيقة بين تعليم بطرس وبين الوثيقة القديمة، ولا ينازع في هذا إلاّ الأقلّون. وأنك لتتبين فيها صراحة بطرس وقولته المباشرة التي لا التواء فيها، ينقصها ذلك الصقل الناعم الذي تخلعه البراعة المثقفة اللبقة على كتب الأدب الراقية. فما هي إلا أقوال شاهد عيان مقتضبة في عباراتها، وسجل لذكريات وأقوال لا يتصل بعضها ببعض.

ولقد قال يسوع نفسه مرة: “فتّشوا الكتب لأنها تشهد لي”. وهكذا يحقّ لذلك الصياد الأشعث أن يقوم من لحده ويقول: “فتشوا بشارة مرقص، لأن فيها خلاصة تعليمي”.

وإن كان هذا هو الواقع، فلا مجال للشك فيما قال بطرس وما علّم به، لأن في قلب هذه الوثيقة التاريخية القديمة، عبارة أخاذة عجيبة، صافية صفاء الليلة المقمرة وقد اكتمل بدرها، ولكنها مختصرة باردة لا تنميق فيها ولا حذلقة:

“وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ. وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ.” (مرقص 16: 1، 2).

فصول كتاب من دحرج الحجر

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

اللغز التاريخي في المشكلة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

اللغز التاريخي في المشكلة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

اللغز التاريخي في المشكلة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

اللغز التاريخي في المشكلة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

كل من يتقدم نحو هذه المشكلة، يجابه عاجلاً أو آجلاً، حقيقة لا يمكن تعليلها أو تذليلها بأي وسيلة من وسائل المنطق، لأنها حقيقة صلدة تصدم الوجه، لا قبل لإنسان على مناجذتها أو التعرض لصدقها وحقّها.

أما هذه الحقيقة فهي أنه فيما بين ختام الساعات الست والثلاثين التي أعقبت الصلب، وبين فترة من الزمن لا تعدو ستة أو سبعة أسابيع، شاع في نفوس النفر القليل الهزيل من التلاميذ يقين راسخ أن يسوع قد قام من القبر.

وأنه موقف غريب لا مثيل له في التاريخ. وليس الأمر أو واحدة أو اثنتين من النسوة المرهفات الشعور، ممن حضرن مشاهد الصلب الأخيرة، قد أُظهر لهما أن يسوع قد قام، فألحّتا على هذه الدعوة كل الإلحاح أما أصدقاء بينهم المنكر الجاحد، وبينهم المرتاب المتردد. ليس شيء من هذا ممّا لا يحتمل الضغط التاريخي.

ولكن جوهر الأمر أن الجماعة كلها ومن بينهم الرجال التسعة الذين ولّوا الأدبار عند القبض، وغيرهم من الأشخاص المستقلين الذين لم تُذكر أسماؤهم في القصة من قبل – هؤلاء وأولئك اقتنعوا بأن حادثاً وقع بدّل وُجهة نظرهم تبديلاً، فحّول اندحارهم فوزاً، وقلب حزنهم فرحاً وبشْراً!

ولو كان الدليل الوحيد على هذا المظهر مستمداً من عبارة مفردة جاءت في الفصول الأولى من سفر الأعمال، لجاز لنا القول إنها بيان غزير المادة فاتر العبارة أثبته أحد المؤرخين المعاصرين، ممن اتصلوا بالحركة الأولى وتأثروا بأطوارها، فصبغ القصة بوجهة نظره الخاصة. ولكن أحداً لا يقدر أن يدّعي هذه الدعوى.

فإن هناك وثائق أقدم منها عهداً في رسائل بولس الرسول وبطرس ويعقوب، ومؤلفات الكنائس المسيحية التي امتدت أطرافها وسط المخاطر والموت والاستشهاد من أورشليم، على آسيا الصغرى، إلى سراديب روما. وغير معقول أن تتناثر هذه الشهب الملتهبة من بلد صغير كفلسطين إلى كل أرجاء الإمبراطورية الرومانية إلاّ من مستودع متأجج بنيران الغيرة المتقدة.

وليس من الحق أن نصرّ على التشبّث بنظرية العلة والمعلول في العالم الطبيعي، وننكرها في العالم النفسي. ونحن الآن تجاه مظهر من أروع مظاهر التاريخ، وحادث من أخطر حوادثه، لا يمكن تعليله إلاّ بوجود قوة هائلة دفعته دفعاً.

ولكن المواد البشرية الأصلية التي خرجت منها هذه القوة الدافعة نراها ممثلة في متشكك مرتاب مثل توما، وفي صياد ضعيف مثل بطرس، وفي شرذمة من رواد البحر مثل أندراوس ونثنائيل، وفي طائفة صغيرة من النسوة المواليات، وفي اثنين أو ربما ثلاثة غير هؤلاء.

ولست أقصد إلى الحطّ من شأن النواة التاريخية التي بزغت منها المسيحية. ولكن أحقاً نجد القوة التي يتطلبها الموقف في فئة هزيلة غير متجانسة قد هدّت أعصابها قسوة الصلب، وامْتَهَن كرامتها موت الزعيم؟ ما أظن أحدً يزعم هذا. وكلما فكرنا في تفكك قواها تحت عبء الأزمة، تعذّر علينا التصديق أن في وُسعها لم شعثها على هذا النحو واستجماع قواها الخائرة المبعثرة للقيام بالأعمال المجيدة التي شهدتها العصور المسيحية الأولى. ولكن التاريخ شاهد صدق على أن تلك الفئة المستضعفة قد فعلت كل هذا.

إن شيئاً ما قد انساب إلى حياة أولئك القوم العاديين البسطاء، فما عادوا كما كانوا فئة ضعيفة محطّمة كالتي شهدناها في صحابة يسوع.

أما موضوع الاختبار الذي عرفوه – سواء كان جسمانياُ أو نفسياً أو كليهما معاً، وسواء كان حادثاً عظيماً خارجاً عن نطاق معرفتنا أو غير ذلك – فهو اللغز الذي نتولّى الآن دراسته.

وقبل بأن نتبسّط في دراسة وافية، خليق بنا أن نفطن إلى نقطة هامة: وهي أن الوثيقة التاريخية التي أجمعت على صدقها العصور الأولى، والتي دبجّتها براعة كاتب له علم ببواطن الأمور التي أجمعت على صدقها العصور الأولى، والتي دبجّتها براعة كاتب له علم ببواطن الأمور، روت لنا أن أول إذاعة علنية عن قيامة يسوع من الأموات أُعلنت في أورشليم في خلال عيد الخمسين، عقب عيد الفصح الذي رُّوِعت فيه صحابة يسوع، أي بعد سبعة أسابيع من تاريخ الصلب.

ترى ما علّة انقضاء هذه الفترة؟ إنه سؤال سديد مليء بالمعاني. لنفرض أولاً أن قصة القيامة كانت أسطورة. والمعروف لنا أن لوق كتب سفر الأعمال، وهو الوثيقة التاريخية التي ألمحنا إليها من قبل، بعد وقوع الحوادث التي نحن بصددها بثلاثين أو أربعين من السنين. كان هناك متسع من الوقت لأن تنضح الأسطورة وتتوالد – على فرض أنها أسطورة – وتبلغ أكمل وضع لها. وما كانت القصة لتفقد ما فيها من قوة إقناع بمرور الزمن، وبالأولى كانت تخلص من عناصرها الضعيفة غير المتماسكة ومظاهرها التي لا تلائم الحبكة الأسطورية.

وإذا نظرنا إلى القصة كأنها أسطورة محض، فإن انقضاء فترة الأسابيع السبعة لا تبدو لنا مظهراً يلائم طبيعة الأشياء، إنما هي خطأ في تاريخ تسلسل الحوادث من الطراز الأول، وذلك لأنها تترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لإدخال أخطر الشبهات والريب، إذ يقول الناس: إذا كان يسوع قام من الأموات يوم عيد الفصح، فلماذا لم يذيعوا النبأ من فوق سطوح المنازل من فورهم؟ ولماذا أبطأوا سبعة أسابيع حتى كاد الناس ينسون المأساة العظيمة، ثم يطلعون بعد ذلك فجأة بإعلانهم هذا؟

ولسنا نعقل أن قصة أسطورة كحادث القيام – هذا على فرض أنها أسطورة – بذرة خصيبة كهذه تتوالد عنها الشكوك والريب. وإذا كانت القصة رواية مصطنعة، فإن واضعيها على هذا النحو ليسوا على شيء من الفهم والإدراك. وما من شك أنه لو كانت القصة مجرد أسطورة تناقلتها الألسن مدة سنوات طوال بعد الحادث، لتجنّب واضعوها نقطة الضعف هذه، ولأثبتوا في مدّوناتهم إعلان القيام على الملأ في اليوم الذي كُشف فيه أمرها.

فكيف نعلل هذه الفترة من الزمن التي امتدت سبعة أسابيع قبل إذاعة الحادثة والجهر بها علناً أمام الناس؟ لا أرى إلاّ تعليلاً واحداً لهذا الأمر، وهو أننا أمام حادث واقعي، لا قصة روائية ولا أسطورة خيالية. فالروائي يرتّب حوادثه ويصيغها بحيث تخدم الغرض الذي يقصد إليه، وكاتب القصة يبتكر ما تهيّه له حوادث السيرة.

وأنا أفترض أن أحد قرائي قد وقف مرة فوق طريق أثري قديم استخدمه الناس أجيالاً – وعجب أن يرى انحناء فجائياً في نقطة ما، أو دورة حادة لاجتناب شيء لا يراه هو. ولعلّه يسأل نفسه: لماذا لم تمتد الطريق في خط مستقيم نحو الهدف الذي تتجه إليه؟ فالدورة لم تقصر مسافة الطريق بل تطيلها، ولا تجعل الانحدار هيناً سهلاً، بل تجعله عنيفاً حاداً، فما علّة هذا الانحناء أو الدوران، وكان أهون أن تمتدّ الطريق مستقيمة؟

وأنت إذا تتبعت تاريخ هذا الطريق، يتبيّن لك التعليل الكافي لهذا الانحناء أو الدوران في علامة من العلامات التي طُمست معالمها، أو في فسحة من الأرض المسّورَة، أو في حق من الحقوق المقررة التي لم يقدر أن ينازع فيه ممهّدو الطريق. إن الطريق تميل وتنحني، وتلف وتدور لاجتناب بشيء ما لم يكن بدُّ من اجتنابه يومئذٍ.

ويخيل إليّ أن شيئاً من هذا القبيل يتخلل المشكلة التي نحن بصددها. فقد كان ميسوراً، بعد انقضاء سنوات كثيرة، وبعد أن تهدّمت معالم أورشليم واختلطت المواقع المقدسة بالأنقاض التي كدستها أحداث الخراب الماحق، كان ميسوراً جداً بعد كل هذا أن يصطنع الرواة قصة القيامة بعد أن يستبعدوا منها تلك الفترة الغريبة. التي مضت قبل إذاعة النبأ.

وكان أفعل في آذان الغرباء الذين لم يشهدوا الحادث، وأقوى في أقناعهم، لو قيل في المدوّنات التاريخية إن إذاعة النبأ تمت بعد كشف الحادثة مباشرة في غير إبطاء. وما كان ليتصدى أحد إلى منازعة هذا الادعاء، لأنه كان أقرب إلى المنطق وأكثر انطباقاً على طبائع الأشياء في حادث غريب رائع كالقيامة.

على أننا ننسى هنا موقف الذين مهدّوا الطريق وخططوا منحنياتها ودورانها. فإن قصة القيامة التي أُذيعت ونودي بها في العالم القديم في خلال الأربعين سنة الأولى من العصر المسيحي، لم يَرْوٍها أناس غرباء خوارج، بل أذاعها صُحابة يسوع الأصليون وهم لم ينتظروا عقدين أو ثلاثة من السنين قبل إذاعتها في العالم، ولكنهم بدأوا حملتهم المنظمة في خلال شهرين من وقوع الحادث. وما انقضى ستون من الأعوام حتى كان هلك أغلبهم على أيدي العنف والقسوة بسبب اعتصامهم بهذه القصة.

ومن ثمّ يتضح لنا أن فترة الأسابيع السبعة، بما فيها من منافذ وثغرات تسهل على المتشكّكين والمرتابين سبيل الشك والارتياب، كانت واقعة صحيحة في الرواية المسيحية تمثّل ما حدث فعلاً. وهم رووا قصة تلك الأسابيع السبعة، لأنها كانت القصة الوحيدة التي يرويها الصادقون الأمناء. هكذا كانت الحوادث، فلم يرووا إلاّ حقيقة في التاريخ.

وحين ندرك هذا، يتبين لنا أن التاريخ الذي أُذيع فيه هذا التصريح المسيحي العظيم لأول مرة في أورشليم لم يكن إلا في عيد الخمسين من سنة الصّلب – وهو التاريخ الذي يعيّنه سفر الأعمال، والذي أجمعت عليه كل الأحاديث المسيحية المسندة المتواترة.

والآن لنبحث الطريقة التي بها أذيع هذا التصريح: كانت أورشليم في حركة ناشطة من الحركات التي تألفها في أعيادها الموسمية، وكان الوقت عيد الخمسين، وهو عيد يُقبل فيه الزائرون والحجاج إلى المدينة من كل فجّ من فجاج الإمبراطورية، وإن يكن الزحام والتدافع بالمناكب أقل عادة من أيام عيد الفصح. بهذه الجموع الحاشدة التي لم يكن لها عمل أو مأرب إلاّ الاحتفاء بالعيد، كانت تعجّ طرقات أورشليم القديمة وأسواقها بخلق كثير ممن جرت في أعصابهم حرارة الشعور الديني.

في تلك الفترة من تاريخ أورشليم أذيعت الأخبار التي انتهت إلينا تفاصيلها في سفر الأعمال مدموغة بطابع الحق والصدق. ولنا أن نتصور طائفة مؤلفة من اثني عشر أو أربعة عشر رجلاً وربما ست من النساء، يخرجون فجأة من مساكنهم الخاصة في أورشليم وهم في حالة من الثورة

الروحية العنيفة، ونتصور أيضاً جمهوراً من الشعب يلتفّ حولهم، بعضه يسخر منهم ويتصورهم ثملين بنشوة السُّكْر، والبعض الآخر يسوقه حب الاستطلاع للوقوف على علة الثورة الحماسية. ولنا أن نتصور أيضاً صياداً مثل بطرس يقف على منصة عالية، ربما درجات أحد المنازل، ويذيع في الناس هذا التصريح الغريب.

على صور كهذه أُذيع لأول مرة في الناس نبأ الاختبار المسيحي. والآن تتبّع سير الحوادث: لو أن الاعتقاد بقيامة يسوع بقي مقصوراً على الفئة المختارة، يتداولونه فيما بينهم سراً ويتناقلونه بين الأخصاء وراء أبواب مغلقة، لبقيت حالة أورشليم الخارجية دون تغير، أما وقد خرج التلاميذ عن عزلتهم وأذاعوا في الناس نبأهم، فلم يكن بدّ من حدوث أمرين:

الأول: نقاش حاد وجدل عنيف بين أنصار هذه الحركة الجديدة وبين أضدادها. ولم يكن الأمر خلافاً طفيفاً في الرأي في مسألة دينية ثانوية، بل كان فضيحة مشينة وافتراء شنيعاً. فإن صحّ ما ادعاه التلاميذ فكأنّ الكهنة ورجال الدين الذين ألجّوا على قتل يسوع، قد خانوا الشعب واقترفوا أشنع جريمة أمام الله. أما إذا لم تكن دعوهم صحيحة، وكانت اذاعتهم زوراً وبهتاناً، فلا بدّ من فضحها واستئصالها في غير هوادة. ولم يكن في الإمكان اتخاذ موقف وسط، فكان كل إنسان إمّا موالياً للحركة الجديدة، أو خصماً لها ناقماً عليها.

والثاني: أن رجال السلطات، مهما اشتد ميلهم إلى إخفاء قضية يسوع وحمل الناس على نسيانها، لم يكن في وسعهم تجاهل حملة كهذه والسماح لقوم بفضح جريمتهم الأدبية تحت سمعهم وبصرهم وفي أفنية الهيكل. إن موقفاً كهذا يعرّض مراكزهم للخطر، ولابدّ من اتخاذ بعض الأساليب العنيفة للدفاع عن أنفسهم. وهم إذا فشلوا في هذا، انهارت كرامتهم وضعفت في الناس هيبتهم، والسكوت هنا عنوان الفشل.

ويتضح جلياً من شهادة سفر الأعمال أن ذينك الأمرين قد تمّا فعلاً في خلال السنوات الأربع التي نشطت فيها الدعوة المسيحية ولقيت نجاحاً باهراً قبيل الاضطهاد العنيف الذي أثاره شاول الطرسوسي، فقادة الرسل أُلقي عليهم القبض مرة، بل مرتين. واقترنت المرة الأولى بحادث اضطراب حول رجل أعرج قعيد، ولكنها في الواقع من أجل تعليمهم عن يسوع.

والدليل على هذا أنهم عند إطلاق سراحهم أُستحلفوا أن لا يذيعوا شيئاً عن هذا الاسم. وكانت المحاولة العميقة الأولى من جانب السلطات أشبه بمن يقبضون على ذنب الحية قبل أن يلسعهم نابها.

ولكن إزاء هذا العمل الذي لم يكن حاسماً من جانب السلطات اليهودية، كانت المسيحية تزدهر وتنتشر وتكتسب الأنصار والأتباع في نطاق واسع ما كانوا يحلمون به. والاضطهاد المرّوع الذي قام به شاول في مدن بعيدة مثل دمشق يدلّ على أن الحركة كان قد اتسع نطاقها اتساعاً أفزع القوم وأقضّ مضاجعهم. وإذا لم يزد أهل ذلك “الطريق” الذين حاول شاول إفناءهم، عن ثلاثة آلاف نسمة، فإن معنى هذا أن نسبة هائلة تفوز بها عقيدة ثورية انقلابية داخل أورشليم ذاتها. الرقم ثلاثة آلاف كان بلا شك أقل من الحقيقة.

وحَتْم هنا على كل قارئ أن يبحث في هذا السؤال: هل كان ممكناً أن تصادف هذه الثورة الانقلابية – بما انطوت عليه من تضارب في الآراء والادّعاء أن يسوع قام من الأموات – هذا النجاح الفائق، لو كانت جثة يسوع باقية رميمة في قبرها؟ هذه نقطة خطيرة جوهرية في الموضوع نضطر إليها الفينة بعد الفينة، لأنها تمسّ لباب الأمر كله.

إنَّ الحقيقة تقوم على قوة الدليل، وكلُّ ما لدينا من الأدلة تنهض لإثبات عكس هذا الزعم. فلنفكر هنيهة في ظاهرة أشرنا إليها في فصل سابق، ولكنها تلحُّ علينا إلحاحاً في هذا المقام، وأقصد بها خلّو أذهان المعاصرين خلواً تاماً من الاهتمام بقبر يسوع أو التفكير فيه خلال الأسابيع والسنوات التي تلت الصلب.

ومن يقرأ تاريخ تلك الفترة من الزمن، لا يسعه إلا أن يتأثر في الأعماق بهذه الفكرة، وأعني بها نسيان الناس، الأصدقاء والأعداء سواء. لقبر يسوع وعدم تفكيرهم فيه بتاتاً. فإن أحداً لم يذهب في السنوات اللاحقة إلى بستان يوسف الرامي ويقف هناك أمام القبر المنحوت في الصخر ويقول: “هنا المكان الذي دُفن فيه السيد”.

ولم تقم السلطات المعادية بأي سعي لتثبت للناس أن بقايا جسد هذا المعلم العظيم راقدة في القبر حيث وُضعت قبل أيام أو أسابيع أو أشهر. والأغرب من هذا وذاك أنه لم يقل أحد ممن لهم بعض الإلمام ببواطن الأمور، “دُفن هناك لا هنا!!”. وبدل هذه الظواهر الطبيعية التي كنا ننتظرها على أثر هذه الحادثة الغريبة، نرى جموداً وعدم اكتراث من هذه الناحية لا مثيل لهما، ومنذ الساعة التي عاد فيها النسوة من البستان، اختفى قبر يسوع من القصة اختفاء تاماً.

والحق أنها ظاهرة غريبة فريدة من نوعها. وعلى أي وجه قلّبناها تبدو لنا حقيقة هائلة رائعة لا سبيل لنقضها. فإن عدد الذين عرفوا يسوع معرفة وثيقة في حياته من أهل أورشليم كان قليلاً جداً، ربما لا يزيد على الثلاثين. وهؤلاء الأقلّون انتثروا وسط جمع هائل من الحجيج من الأقاليم الأخرى والبلدان النائية يبلغ عدّهم مئات الألوف.

والذي يتبادر إلى الذهن أن ينبري من وسط هذا الحشد الهائل نفر ممن سمعوا التلاميذ ينادون بقيامة يسوع، ويتولّون البحث عن القبر للوقوف على جليّة الأمر، وعندئذٍ كان يثور الجدل العنيف ويحتدم النزاع بين الفريقين.

على أن لا أثر البتة لمثل هذا الجدل، ويُخيّل إلينا أن الإجماع كان معقوداً على خلو القبر. وكلّ ما بقي لنا في القصة من تعليل سقيم مغيظ أن التلاميذ نقلوا الجسد سراً، وهي كذبة عالجناها في فصل سابق. ومرة أخرى أقول إن هذه حقيقة هائلة رائعة، تدّل على أن حدثاً معيناً وقع يومئذ، جعل خلو القبر أمراً مسلماً بها مفروغاً منه، فوق متناول كل نزاع أو جدال.

على أن اختفاء القبر وراء ستار، ليس الشيء الوحيد الذي يبهر الأبصار. فهناك الحقيقة الغريبة الأخرى المقابلة لها، ألا وهي أنك لن تقدر على إنكار خلو القبر دون خلق موقف غريب من الناحية العقلية المنطقية:

صور لنفسك الحالة في أورشليم بعد انقضاء أسابيع على الحادث من وجهة النظر السلبية المتطرفة – عاد صحابة يسوع إلى العاصمة بعد فترة قضوها في الجليل، ربما كانت ثلاثة أسابيع أو ستة أو سبعة. ولا يهمنا كثيراً مدى هذه الفترة، لأنه على أي حال كانت قد خمدت العواطف الثائرة التي أهاجها الصلب. وفي هذه الغيبة جاز أفراد هذه الجماعة اختباراً قلب حياتهم رأساً على عقب وبدّل وجهات نظرهم تبديلاً كاملاً.

واقتنعوا يقيناً بعد أن جالوا بتفكيرهم في حوادث السنتين السابقتين، ولا سيما في بعض أقوال يسوع الغامضة التي لم يفهموا معناها في وقتها، أن يسوع قد قام من الأموات، وارتفع إلى “يمين عرش الله”. وازداد هذا اليقين شدة وثباتً على أثر اختبارات جازها أكثر من واحد من تلك الجماعة ممن وثقوا أن يسوع المقام قد ظهر لهم وعلامات الصلب بادية في جسده.

ونقلوا هذه الاختبارات إلى غيرهم من إخوانهم الذين كانوا على استعداد لقبول هذا الإيمان. وما انقضى زمن طويل حتى تأهبت الجماعة كلها من رجال ونساء للرحيل إلى أورشليم لإذاعة هذا الحق الذي ملأ نفوسهم، منادين أن يسوع هذا هو المسيا المنتظر حقاً.

(وقد حاولتُ فيما أسلفتُ أن أبسط القضية في شيء كثير من الاعتدال والإنصاف. فإن أحسّ القارئ أنه يعوزها قوة الإقناع في تعبيرها ووضعها، فليضعها في القالب الذي يشاء).

 ولعلّه ليس ثمة خطأ أعظم من أن نفترض أن هذا التعليل الذي عزونا إليه اهتداء التلاميذ،

تعليلاً أيضاً لقومة المسيحية قومة فجائية ونهضتها تلك النهضة الغريبة. فالمحكّ الصحيح لهذه الاختبارات سنراه بعد قليل….

علينا الآن أن نصّور هذه الفئة المقتنعة ولكن المخدوعة (على زعم هذه النظرية) في المدينة عينها التي يقع فيها القبر الذي لا يمكن أن يُنقل، حيث ظلّ الناس أسابيع يقومون بأعمالهم اليومية واثقين أن القبر لم يتعرض له إنسان، ومسلّمين بأن الإجراء الرسمي الذي قامت به السلطات في قتل يسوع إنما يمثل في نهاية الأمر مشيئة الله وقصده. وعلينا أن نفكر الآن في أولئك التلاميذ كقوم يتأهبون لاستمالة هذه الجموع الغفيرة الى عقيدتهم وإيمانهم.

ولا يفوتنا أن هذا الجهد الجبار في الدعوى للإيمان الجديد لابد أن يتخذ قبل كل شيء شكل نداء، لا لإثارة العواطف، بل للتأثير على العقل. فقد كان اليهود على قسط كبير من الذكاء وسرعة البديهة، وحسناً أن نقرأ خطبة استفانوس، وكلام بطرس من فوق منصّة درجات الهيكل، وغيرهما من الخطب التي بقيت لنا من سفر الأعمال، لنحكم كيف حاول الزعماء المسيحيون الأُول التأثير في عقول سامعيهم واستهواء ألبابهم.

وسنرى فيما بعد أن تصريح التلاميذ أثار معركة جدلية حماسية تقارعت فيها الحجج العقلية بضعة شهور في كل مجمع من مجامع اليهود قامت فيه ضجة حول هذه الدعاية.

ولو تصورنا هذا الجهد مبذولاً في كفر ناحوم أو طبرية، أو أية مدينة أخرى بعيدة عن مشاهد المحاكمة والصلب، لقدّرنا له شيئاً من التوفيق، فإن شرذمة من الناس المتحمسين بقوة الإقناع، وفي بيئة لا تتوافر فيها أسباب تمحيص دعايتهم والحصول على المعلومات الدقيقة فيما هم بسبيله من الأقوال، قد تُفلح في استمالة كثيرين من المهتدين إلى جانبهم.

ولكن التاريخ يثبت في جلاء أن المعركة الجدلية ثارت في أورشليم حيث لا مجال لأسباب الخداع والتغرير، وحيث يستطيع من شاء أن يذهب إلى القبر فيما بين ساعة العشاء وساعة النوم، وحيث يتيسر دائماً الاستعانة بالسلطات الرسمية المعادية وأقوال الشهود الحاسمة. في هذه البيئية الجامدة الرجعية، لا أقلّ من ثلاثة آلاف شخص اهتدوا إلى هذا الإيمان الجديد في يوم واحد على قول المؤرخ لوقا، ثم لم يلبث أن قفز هذا الرقم بعد قليل إلى خمسة آلاف.

تُرى ما العامل الجوهري في تدهور الطائفة اليهودية تدهوراً بلغ من الخطورة في بضع سنوات حداً حمل شاول الطرسوسي على أن ينظم حملة هائلة لكبح جماح العوامل التي نخرت في جسم الهيئة اليهودية؟ وما سرّ القوة التي أقنعت واحداً بعد آخر بأن المسيحيين كانوا في حقهم مجاهدين، وأن كهنة اليهود كانوا في باطلهم معتدين. وترى هل كان يفلح مجهود يبذله التلاميذ لو كانت شهادة القبر سلبية يعضدها إنكار الكهنة وتكذيبهم، وريبة الجماهير وذبذبتهم؟

على أن للمسألة وجهاً آخر لا يجوز إغفاله: كيف ساغ للتلاميذ أنفسهم الإيمان بهذا الحادث الغريب المدهش؟

إلى هنا كنا نفترض في تحليلنا أن كل شيء جائز من ناحية التلاميذ أنفسهم. لكن الباحث المنصف الذي يتخذ العقل البشري ميداناً لبحثه، يجد نفسه أمام مشكلة تفوق أي مشكلة أخرى في تعقيدها وبُعدها عن المنطق والمعقول. وذلك لأننا نعرف عن أولئك الأحد عشر أكثر مما نعرف عن أي فئة أخرى في التاريخ القديم. فإن أخلاقهم وخصالهم قد سُجِّلت في الروايات بحروف بارزة، ويسوع نفسه حين اختارهم لم يغفل ما فيهم من خواص عقلية وروحية.

ونحن قد أبينا في الشطر الأول من بحثنا قبول الزعم القائل إن التلاميذ سرقوا جسد يسوع، وعزونا هذه إلى ما نعهده في التلاميذ من سجايا أدبية تترفّع عن هذا، ومن تفكير عقلي يعفُّ عن اصطناع الخيالات والأوهام. وهنا أيضاً تتصدى لنا هذه الصعوبات، وإنما في وضع أشد، حين نفكر أنهم قد خضعوا جميعاً وبدون استثناء لتأثير الوهم والخداع والتضليل.

وما نظنه من الميسور أن نجمع في هلوسة جامعة قوية بين بطرس الصياد المخشوشن وأخيه اندراوس، وتوما المتشكك المرتاب، ومتى العشّار الجامد الحسّ المرتب الذهن، وفيلبس البطيء في الفهم، الحار في الولاء. وما نظن أنه من الميسور الجمع بين هؤلاء جميعاً في حالة واحدة من الهذيان واختلاط العقل.

والجهد الذي أزمعوا القيام به لا يُقدر له نجاح إلاّ بإجماع في الرأي وثبات راسخ في العقيدة. والأهوال والاضطهادات التي تعرّض لها هذه النفر فيما بعد وصمدوا لها، لا تدل مطلقاً على عقيدة فاترة أو اتفاق سري يشوبه شيء من الشك أو التواطؤ، فالموقف يتطلب عقيدة شديدة الصلابة قوية المراس، تشقّ طريقها في إفهام الناس وعقولهم بالحجة المقنعة والدليل الدافع.

والظاهرة الغريبة في هذه الرسالة التي حملها التلاميذ، أنها لم تُعلَن فقط لكل فرد من أفراد صحابة يسوع الذين عرفنا شيئاً من أمرهم، بل قد حملوها أيضاً إلى أورشليم كوثيقة صِدق لا كذب فيها، وأذاعوها متحمسين في أوساط اليهودية المتعلّمة النابهة، وتحدّوا بها أصحاب منطق العصر، وأشد أساليب المقاومة المنظّمة.

وكانوا في هذا الجهاد من المفلحين. وما انقضت عشرون سنة حتى كانت هذه الرسالة التي حملها الفلاحون الجليليون قد طغت على المجتمع اليهودي فمزقته، وطبعت أثرها العميق في كل مدينة من مدائن شرق البحر الأبيض المتوسط من قيصرية إلى تراوس. وفي أقل من خمسين عاماً رفعت هذه الرسالة رأسها لتهدد سلام الإمبراطورية الرومانية.

وبعد أن نقول كلّ ما يُقال عن مبلغ استعداد صنف من الناس للإيمان بما يريدون أن يؤمنوا به، وعن سرعة انقيادهم إلى عواطفهم وأحاسيسهم، وعن اندفاعهم في إذاعة حقيقة كانت في أصلها بدعة وهلوسة، بعد أن نقول ما يتسع له القول في هذا المضمار، تصدمنا الحقيقة الهائلة التي يفوق سرّها كل الأسرار: لماذا أفلحت رسالتهم وكان لها ذلك الشأن الرفيع في مصير العالم؟

ولقد تكاثر عدد الداخلين إلى الكنيسة المسيحية باضطراد، لا من حجاج أورشليم الذين وفدوا إليها في المواسم والأعياد، بل من سكانها الأصلين المقيمين فيها. ولزام علينا أن نعلل الظاهرتين الغريبتين في هذه الرسالة وهما حماس أنصارها ودُعاتها وانكماش أعدائها ومقاوميها، كما نقلل أيضاً تدفق ذلك السبيل الجارف من الداخلين إلى أحضان هذا الدين الجديد.

وحين نذكر أن ذوي المقامات الرفيعة في أورشليم ناضلوا لخنق هذه الحرمة في مهدها ولكنهم عجزوا، وأن شتى العقبات والحيل استُنبطت لإسكات الرسل فما بلغت مراماً، إلى حين نذكر كل هذا، ندرك أن وراء كل هذه الحيل والأحابيل حقيقة صامدة ساكنة لا تزعزعها الحوادث، ونتبيّن السبب الذي حمل قيافا وحنان وغيرهما من زعماء الصدوقيين – الذين أهاجهم هذا التعليم الجديد وعفّر كرامتهم في التراب – على السكوت والصبر في خلال السنوات الأربع التي امتدت فيها المسيحية في أورشليم وتكاثر أنصارها ومريدوها.

رأوا هذا بعيونهم وسمعوه بآذانهم، فما وجدوا سبيلاً للإفلات من هذا المأزق.

وإن كان جسد يسوع باقياً في القبر حيث أودعه يوسف الرامي، فلماذا لم يقولوا هذا؟ وهم لو أعلنوا الحقيقة مجردة على لسان أحد رجال السلطات اليهودية وفي أبهاء الهيكل، لكان عملهم هذا بمثابة صبّ ماء بارد على النار المشتعلة التي أذكتها البدعة المسيحية، وكان كافياً لتثبيت موقفهم، وحفظ كرامتهم، صدّ تيار الداخلين إلى هذا الدين الجديد.

على أنهم لم يفعلوا شيئاً من هذا، لأنهم عجزوا عنه، وأنت تنقّب في بقايا تلك المعركة الجدلية التي انتهت إلينا بعض آثارها، فما نجد أحداً من الرجال المسئولين تجرأ أن يقول إن جسد يسوع باق في القبر. وكل ما قيل لنا هو الأسباب التي تعلل خلّو القبر. ولكن فكرة خلو القبر تخلل كل الوثائق القديمة التي انتهت إلينا.

فهل من الميسور التهرب من هذا الدليل الجامع الدامغ؟ لا أظن هذا مستطاعاً. ويخيل إليّ أن تسلسل الحوادث وتعاقبها المنطقي قوي إلى أقصى حدود القوة.

فحين نذكر تطور موقف التلاميذ من الذعر والخوف إلى الشجاعة واليقين، وفترة الأسابيع السبعة، وتهافت يهود أورشليم على الدخول إلى هذا الدين الجديد، وتراجع السلطات عن المقاومة، ونمو الكنيسة نمواً مضطرداً في السلطان والقوة، وحتى هبّت العاصفة الجائحة التي أثار غبارها شاول الطرسوسي – حين نذكر كل هذا ندرك أننا أمام ظاهرة غريبة ملموسة أقوى من مجرد انعكاس نفسي كان الدليل الحاسم والشاهد الصادق الأمين الذي قضى على كل قول هراء، وسدّ المنافذ أمام كل محاولة.

ولو صحّ هذا الزعم الفاسد لكان من سخرية الأقدار حقاً أن يبدأ تلاميذ يسوع حملتهم الموفّقة من مكان يبعد دقائق معدودات عن القبر الذي ثوت فيه بقايا زعيمهم وسيدهم، وينادون أنه قام من الأموات. ولو كان يسوع باقياً في القبر على الرغم من هذه المناداة، أفما كان ميسوراً القضاء على هذه الكذبة في مهدها بأقوال من شهود عيان؟

وهكذا نرى أنفسنا بعد أن تفرغت أفكارنا، نعود إلى حيث بدأنا، ونرى الدليل على صدق قصة النسوة حاسماً دامغاً في انسجامه وفي قوته. وهو من طراز الأدلة التي يستأثرنا هدؤها وعدم تطفلها، واتجاهها إلى ناحية معينة لا زَيْغَ فيها.

وسنرى الآن أن الاتجاه لا يتغير عندما نبحث الموقف التاريخي من نواح أخرى ونستعرض أقوال شهود عيان آخرين، ممن لهم سلطة القول الحق، وممن لديهم الخبر اليقين الذي لا يُنقض.

فصول كتاب من دحرج الحجر

اللغز التاريخي في المشكلة – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

بين الغروب والشروق – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

بين الغروب والشروق – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

بين الغروب والشروق – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

بين الغروب والشروق – فرانك موريسون

رأينا في فصل سابق كيف تعجلت الحوادث القبض على يسوع، واشتد ضغطها فدفعت أيدي السلطات إلى العمل، وأطالت ساعات المحاكمة التمهيدية، وعدّلت ماهية المحاكمة الرومانية تعديلاً كبيراً. وكأن كل شيء في هذه القضية قد ألهبه سوط غير منظور، ولم يكن مردٌّ لأحكامه.

والآن سنرى المشكلة تضيق رويداً رويداً حتى تنحصر في بحث ما حدث خارج أسوار أورشليم قبل نيف وتسع مائة وألف من السنين، في فترة من الزمن بين غروب يوم من أيام السبت وبين انبثاق أنوار الفجر في صباح اليوم التالي. ولنبدأ أولاً ببحث الفروض والمزاعم المختلفة التي أدلى بها أصحابها لتعليل الوقائع:

وثمة زعم لا ينتظر أن تناوله جدّياً وتبسَّط فيه إلا الأقلّون من قراء هذا الكتاب – وأعني به الزعم القائل إن التلاميذ أنفسهم هم الذين سرقوا جسد يسوع وهربوا به. ولست أريد الإطالة في تفنيد هذا الزعم تاريخياً، لأن شعور الجنس البشري قاطبة قد حكم عليه وحسبه أكذوبة جريئة. وليس بين النقّاد الذين يقام لأقوالهم وزن في هذا العصر، مَن يرضى أن يجعل هذا الزعم مثاراً للبحث والنقاش، وذلك لأنه مستحيل من الوجهة النفسية. ونحن نعرف جيداً التلاميذ الأحد عشر من تصرفاتهم اللاحقة ومن كتاباتهم.

ومعرفتنا لهم تدلنا على أنهم ليسوا من هذا الطراز من الرجال الذين يُقْدِمون على هذه المجازفة. وليس بينهم زعيم جريء مقدام يرسم خطة كهذه في خيالاته، ثم يُقدم على تنفيذها دون أن يفتضح أمره. وحتى لو فرضنا أن عملاً كهذا كان ممكناً، وأن التلاميذ كانوا له أكفاء، لأتّخذ تاريخ المسيحية اللاحق طريقاً غير هذا الذي نراه، ولنشَقّ، عاجلاً أو آجلاً، عن الجماعة المسيحية أحد الذين عرفوا بواطن الأمور.

وإن كانت هذه الأكذوبة الجريئة على شيء من الحق، فكيف استطاعت الكنيسة المسيحية الأولى أن ترفع رأسها، وتقيم دعامتها، وتشق طريقها في بحر خضمّ من الاضطهاد والآلام –كيف يتم كل هذا على أساس واهٍ يعلم الرسل الأحد عشر أنه أكذوبة مختلقة صاغوها بأيديهم! ولطالما سألت نفسي مراراً: أيستطيع بطرس أن يكون طرفاً في هذه الخديعة المضلّلة؟ أيفعل هذا يوحنا أو اندراوس أو فيلبس أو توما؟ ومهما يكن من تعليل للحوادث الخارقة التي تلت الصليب فإن الزعم أبعد ما يكون عن الصواب.

وتبقى بعد هذا مشكلة القبر الفارغ. فهل نجد في التأويلات الأخرى التي أدلى بها أصحابها ما يلقي عليها بصيصاً من النور؟

أعتقد أن هناك ستة حلول مستقلة أدلى بها الناقدون لحل المشكلة – أربعة منها تفترض أنّ خلّو القبر من الجسد حقيقة تاريخية، والحلاّن الآخران يشطان في التعليل ويزعمان إما أن القصة مشكوك في صحتها، وإما أن القبر لم يُفحص وينقب على نحو ما جاء في رواية الإنجيل.

ويمكن تلخيص هذه المزاعم فيما يلي:

1 – أن يوسف الرامي نقل الجسد خفية إلى مرقد آخر أكثر ملائمة.

2 – إن الجسد نُقل بأمر السلطات الرومانية.

3 – إن الجسد نُقل بأمر السلطات اليهودية للحيلولة دون ما قد يُخلّع عليه من أسباب التكريم والتقديس في المستقبل.

4 – أن يسوع لم يمت موتاً نهائياً حاسماً، فاستفاق من إغمائه في برودة القبر.

5 – أن النسوة قد أخطأنَ في التعرّف إلى القبر في غبشة الصباح القاتمة.

6 – أن القبر لم يزره أحد مطلقاً، وأن القصة عن النساء اختلاق في عصر متأخر.

هذه كلها مزاعم واسعة النطاق. وتشمل، فيما أعتقد، كل الفروض التي أدلى بها الناقدون في تحدّي قصة الإنجيل. فلنلق الآن نظرات عابرة على كل منها:

1 – أن يوسف الرامي نقل الجسد:

يقول أصحاب هذا الزعم إنه من المحتمل جداً أن يقدم الرجل – الذي التمس أن يُعطى جسد

يسوع من الوالي الروماني – على نقل الجسد إلى مثوى آخر لأسباب خاصة عنده. وهو زعم يبدو لأول وهلة على شيء من الوجاهة.

ولقد استنتج بعض الكتاب من روايات الإنجيل المقتصدة في أقوالها أن القبر ربما اشتراه يوسف الرامي لمنفعته الخاصة، وأن قربه من مشهد الصلب حمله على استعماله مؤقتاً في يوم السبت على أن يعود في أول فرصة لنقل الجثة إلى مثوى آخر. كل هذا قول مفهوم، ويبدو عليه شيء من مسحة الانسجام والقوة لو أننا نظرنا إليه بمعزل عن الملابسات الأخرى التي أحاطت بالموقف كله.

على أنه من المتعذر علينا أن نترك هذه الزعم التاريخي الخطير في هذه الحالة، ولا بد من تمحيصه على ضوء الملابسات الأخرى في الموقف كله، ثم نحكم له أو عليه بعد أن نكون قد استعرضنا النتائج كلها واستكشفنا بواطن الأمور ومجرياتها.

ولدى تمحيص هذه الزعم يتكشف لنا كثير من نقط الضعف والشذوذ وعدم الانسجام مما يبعده كثيراً عن نطاق الترجيح. ونلاحظ قبل كل شيء أن الساعة التي تمّ فيها هذا النقل المزعوم (وهي بالضرورة واقعة بين نهاية السبت اليهودي وبين تباشير الفجر في اليوم التالي) من الساعات التي قلما يختارها زعيم له كرامته بين الشعب لأداء عمل جائز لا حرج فيه، وقد كان في وسعه أن يقوم بمهمّة النقل على وجه أتم وبطريقة أكثر لياقة، لو انتظر طلوع النهار.

ولا يغرب عن الأذهان أنه على فرض صحة هذا الزعم كان كل من يوسف الرامي والنسوة، كل فريق مستقل عن الآخر وغير معروف له، يتأهبون لأداء خدمة عند القبر في ساعة مبكرة جداً تتفق وحفظ فرائض السبت اليهودي. وكانت تلك الساعة بلا شك عند شروق الفجر اجتناباً للصعاب التي يتعرضون لها في الظلام. والمفروض نظرياً أن مريم المجدلية وصويحباتها قد التقين عند مجيئهن إلى القبر يوسف الرامي وأصحابه يعملون ناشطين في هذه المهمة.

على أنه ليس هناك لمثل هذا اللقاء الوهمي. ونحن لذلك مسوقون إلى أن نفترض حدوث النقل قبل هذا الأوان في ساعة من الليل لكي نتمشى مع أصحاب هذا الزعم في دعواهم. وعلينا أن نصّور لأنفسنا فريقاً من الناس يعملون على ضوء المصابيح أو المشاعل في ظروف تحيط بها صعاب جمة، يتحسّسون طريقهم في مناطق معتمة وراء أسوار المدينة حاملين بين أيديهم جسداً ثقيلاً – ربما لمسافة بعيدة – لإيداعه مثوى آخر.

ونحن نتصورهم يُعنون أولاً بتجريد الجسد من أكفانه، تاركين إياها في القبر، وبعدُ إما يلفونه في أكفان جديدة غير التي ابتاعوها وأنفقوا عليها في الدفن الأول، وإما ينقلون الجسد عارياً إلى المثوى الجديد. ونتصور أيضاً أنهم نسوا إغلاق القبر القديم، أو ربما لم يريدوا إضاعة الوقت في ذلك.

الآن لنلقِ نظرة على ما في هذا المشهد من تماسك وقوة. وهنا أتصور أحد المكابرين يقول: “ألسنا هنا أمام حقيقة لا وهم. فإن الأخبار تتطاير بسرعة البرق الخاطف، ولعلّ يوسف الرامي قد خشي أن يتجمع حوله المتسكعون من المارة إذا هو بدأ بعد شروق الشمس في عمل يستغرق ساعتين على الأقل. أفلا يكون قد قام بالأعمال التمهيدية تحت جُنح الظلام، وحينما جاءت مريم المجدلية وصويحباتها إلى القبر، كان الفريق قد غادر إلى المدفن الآخر الذي نقلوا إليه الجسد”.

وقد يفترض الزاعمون المكابرون أن هذا التأويل ينسجم مع القصة التي دوّنها رواة الإنجيل. وهو يعلل دهشة النسوة حين رأين الحجر مدحرجاً عن القبر، ويعلل القبر الفارغ، ثم يتفق تماماً والرسالة التي حملتها المجدلية بأنفاس متقطعة لاهثة إلى التلميذين: “أخذوا السيد ولسنا نعلم أين وضعوه!” ولو لم تكن هناك نواحٍ أخرى للمشكلة، لقلنا إن هذا التعليل يذهب إلى حد بعيد في الإقناع والانسجام مع طبائع الأشياء.

على أنه لا يمكن لأية نظرية مهما بدت وجيهة مقنعة لأول وهلة، أن تقف وحدها، ولا مندوحة من أن تنسجم مع الحقائق الكبرى والصغرى في الموقف كله. وسنرى أن هذا التعليل لا ينسجم مع الحقائق الكبرى في الموقف الذي نحن بصدده.

وهناك طريقتان ندلّل بهما على موقف يوسف الرامي في القصة:

1 – فهو إما تلميذ متخفِّ ليسوع أراد أن يقوم جهاراً بخدمة لزعيم لم يستطع لظروف خاصة أن يعترف له بالزعامة في حياته على الأرض.

2 – وإما عضو متدين تقيّ من أعضاء السنهدريم لم يُعن إلا بمراعاة فرائض الناموس اليهودي التي أوجبت أن يُدفن المصلوب قبل مغيب الشمس.

وقد قيل الشيء الكثير عن الاحتمال الثاني، لا سيما من جانب الذين يهمهّم الأمر في تصوير يوسف رجلاً يتردد في إبقاء جسد يسوع في قبره الخاص. ويبدو لي أن ثمة صعوبة تُذلّل قائمة في سبيل قبول هذا الزعم، فإن الناموس اليهودي الذي أوجب الدفن قبل غروب الشمس يتمشى على اللصين المصلوبين سواء. وليست في القصة أية إشارة إلى أن يوسف عني أو فكر بجد في المصلوبَين. وهذا أمر غريب حقاً لأن الحالات الثلاث التي نفذت فيها عقوبة الإعدام كانت في نطاق السلطة الرومانية.

فكان محتوماً الحصول على إذن بيلاطس في حالتي اللصين الآخرين. وما من شك أن السلطات التمست فيما بعد إذناً رسمياً بدفن الجسدين، وربما دفنا في المقابر العامة، ولكن هذا لم يتمّ إلى بعد أن أجيب يوسف الرامي إلى رغبته الخاصة التي تقدّم بها للوالي الروماني لدفن جسد يسوع. وفي تقدم يوسف بهذا الطلب المنفرد إلى بيلاطس دليل على أنه لم يفعل هذا بصفته الرسمية أو بشعور الغيرة على الناموس.

وليت شعري ما الذي حمل ذلك الرجل الكبير المشير الكريم وعضو السنهدريم الأعلى، على أن ينفق من ماله لشراء الطيوب والحنوط والأكفان، ويؤدي بيده عملاً وضيعاً كان يصحّ أن يدعه لرجال السلطة المدنية؟

ثم أن هناك تلميحات صريحة، لا في بشائر الإنجيل، بل في مؤلفات الأبوكريفا غير القانونية، تدل على أن الكهنة نقموا على يوسف الرامي واستدعوه أمام مجلسهم لمحاكمته. ولم يكن ثمة داع لهذا السخط لو أن الرجل فعل ما فعل بصفته الرسمية، وبإيعاز منهم بتنفيذ فرائض الناموس اليهودي في الدفن. والدلائل متوافرة على أنه بتكريمه جسد يسوع ودفنه دفناً كريماً لائقاً قد سفّه تصرفات زملائه في أعين الشعب وفي عيني بيلاطس.

ولا نغفل الإشارة أخيراً إلى العبارة الصريحة التي ذكرها متى في بشارته في قوله أن يوسف هذا كان تلميذاً، والتي ذكرها لوقا في قوله إنه لم يكن راضياً عن عمل زملائه من أعضاء السنهدريم.

وهذه الاعتبارات مجتمعة تدلّنا على أن يوسف كان يعطف على يسوع أشدّ العطف، وأنه قد تأثر في أعماق قلبه بما شهد من شذوذ وتعصب في قضيته، فاعتزم أن يجهر بتكريمه هذا المعلم الكبير في دفنه. ولهذا مضى إلى بيلاطس، ولهذا اختار القبر الذي أعدّه لنفسه، مثوى للملم الذي أكرمه.

حين نسلّم بوجهة النظر هذه عن يوسف الرامي، نسلّم أيضاً بكثير من الآراء التي تتصل بها اتصالاً لا ينفصم. فإنه يبدو لنا بعيد الاحتمال جداً أن يعمد يوسف الرامي إلى نقل جسد يسوع في مثل الظروف التي كان فيها، وهو الرجل الذي غامر بمقامه الاجتماعي وكرامته بين مواطنيه، وعرّض نفسه لامتهان زملائه بإقدامه على ما فعل، وهو الرجل الذي ألقى بنفسه جهراً في زمرة صحابة يسوع. وما نظن رجلاً عاقلاً يقف مثل هذا الموقف، لو لم يكن يُكنٌّ ليسوع أعمق عواطف الاحترام والتوقير.

وإذ قد بذل هذه التضحية في نهاية الأمر، وهي تضحية تقاعس عن بذلها في حياة يسوع، فإنه مما لا شك فيه أن فكرة غالبة طغت على نفسه حملته على تكريم ذلك الزعيم الشهيد إرضاءً لنفسه وتعزية لها، وإبقاءً على ذكرى مقدسة ستكون بمثابة نقطة لامعة بين الذكريات الحزينة السوداء في أيام شيخوخته. ولكما أمعنا النظر في موقف يوسف، رأينا فيه رجلاً نبيلاً يعمل بحافز من نفسه، فانتهز الفرصة الأخيرة العابرة لنصرة قضية يسوع قبل أن تفوت فيندم.

فهل يعقل أن يفرض على نفسه هذه العقوبات الشائنة – احتقار زملائه القدماء، إثارة عداء الكهنة ضده، وعار اتّباعه لنبيّ مصلوب مُهان – ثم يخلع عنه هذا الشرف ولمّا تمضِ عليه ست وثلاثون ساعة؟ لا أظن هذا مما يسيغه العقل، أو يسلّم به علم النفس.

وهناك سبب أقوى للدلالة على أن يوسف الرامي لم ينقل جسد يسوع. فإنه بعد ستة أسابيع من تاريخ الحادث كان التلاميذ في أورشليم ينادون بملء أفواههم وقلوبهم على مسمع من الناس أن يسوع قام من الأموات. فلو كان يوسف نقل الجسد بطريقة قانونية، وفي منتصف الليل (ليتجنب المظاهرة الشعبية) قبل أن تصل مريم وصويحباتها إلى القبر، لكان هيناً على الكهنة ان يعلموا سر الأمر.

ثم كان هيناً أن يكتشفوا القبر الجديد الذي وضعوا فيه الجسد، لأن اثنين أو ثلاثة اشتركوا مع يوسف في عملية النقل على فرض حدوثها. فلماذا لم يجرؤ الكهنة، والمجادلات المسيحية محتدمة في أورشليم، على أن يقولوا الحق، ويضعوا حدّاً للشائعات التي لاكتها الألسن حول اختفاء الجسد؟

وأخيراً – وهذا عندي دليل قوي البنيان – فإننا لا نجد في مؤلفات التاريخ المعاصرة أثراً لقبر أو مزار صار فيما بعد موضعاً للتكريم والعبادة، على أساس أنه ضمّ بين جنباته رفات يسوع. وهذا أمر لا يكاد يصدقه العقل لو كان قيل جدّياً في ذلك الوقت أن يسوع دُفن فعلاً في مكان آخر غير هذا القبر الفارغ. وأغلب الظن أن الشائعات كانت تحوم حول مئات من الأمكنة التي يحتمل أن يكون الجسد قد ثوى فيها، وكان كثيرون من الناس يحجّون إليها.

ويخيل إلينا أن المخرج الوحيد لتعليل هذه الظاهرة، أي عدم حجّ الناس إلى القبر، هو قبول ما روته قصة الإنجيل من أن القبر كان معروفاً، وأن فريقاً من الناس زاروه بعد ساعات من الدفن، فوجوده فارغاً والجسد مختفياً.

2و3 – أن السلطات اليهودية أو الرومانية نقلت الجسد:

من اللائق أن نأخذ هذه الفَرضين معاً، لأن الموقف الناشئ عنهما لا يختلف كثيراً عن الموقف الذي كنّا نعالجه.

ومما لا شك فيه، حتى بعد مضيّ هذا الزمن الطويل، أن ننتحل أسباباً وتعلاّت نفترض بها أن الجسد ربما نقلته السلطات الرومانية أو اليهودية، ولو أن هذا الزعم في حدّ ذاته يبدو ركيكاً واهياً. فقد كان بيلاطس رجلاً شديد المراس بدليل تمنّعه عن تغير العنوان الذي كتبه على الصليب. وكان يرحب في حرج موقفه بأية حجة تحلّله نهائياً من آثار هذه الحادثة الأليمة. وإذا كان قد منح الإذن ليهوديّ ممتاز بدفن الجسد، فماذا يعوزه بعد ذلك، وما الذي يحمله في موقفه على تغيير رأيه حتى بإيعاز من السلطات اليهودية؟

وفي بشائر الإنجيل، وفي مؤلفات الأبوكريفا غير القانونية، حديث مسند قوي يقول إن اليهود ذهبوا فعلاً إلى بيلاطس وطلبوا إليه أن يقيم على القبر حرّاساً. وسأعالج مشكلة الحرّاس في فصل تالٍ. ولكن الحديث كله لا يذهب إلى أكثر من طلب وضع القبر تحت الحراسة لمنع نقل الجسد، لا الحصول على تصريح لنقله. وليس في الكتابات الأولى، قانونية كانت أو غير قانونية، أية إشارة إلى أن الكهنة فكروا في تغيير مكان الدفن، بل على نقيض ذلك تدل الروايات الصريحة على أنهم قد شُغلوا فعلاً لئلا يُقدم أحد الأشخاص غير المأمورين على خطف الجسد وتهريبه.

على أن الزعم بأن السلطات الرسمية هي التي نقلت الجسد ينهار إلى الحضيض حين نجابه الحقائق الرائعة بعد الحادث. لأنه إذا كان الكهنة قد حملوا بيلاطس على تغيير مكان الدفن، أو أنه صرح لهم بذلك، فلا شك أنهم عرفوا المثوى الأخير الذي استقر فيه بعد نقله. وفي هذه الحالة ما كانوا ليلجأوا قد إلى تشويه الواقع تشويهاً يضرُّ بقضيتهم، فيقولوا كذباً إن التلاميذ هم الذين سرقوا الجسد. بل كان المفروض أن يذيعوا بين الناس المنطق السليم المعقول، فيقولوا إن الجسد نُقل لأسباب قانونية بأمر بيلاطس أو بناءً على طلبهم.

ومثل هذا التصريح من جانب رئيس الكهنة كان يقضي على كل زعم، وكان يفسد كل نداء من جانب أنصاره بقيامة الجسد الفعلية. وذلك لأنه كان في وسعهم في أية لحظة، إذا تحداهم أحد، أن يُظهروا للناس على بقايا هذا الجسد. أما وقد فشل الجميع في إظهار الناس على بقايا الجسد، وعجزوا عن الإدلال إلى قبر رسمي أو غير رسمي، فإن في هذا وحده القضاء المبرم على كل نظرية تزعم أن الجسد نُقل بيد بشرية.

4 – أن يسوع لم يمت فعلاً على الصليب.

وما أظن القارئ يرى في هذا الزعم الباطل أساساً صالحاً للمناقشة، ولكني أدمجه بين المزاعم الأخرى رغبة في استيفاء الموضوع لا غير. وهو لا يعدو في الواقع مجرد مماحكة تاريخية. فإن العالم الألماني فينتوريني Venturini وهو من أنصار المذهب العقلي، قد هالته الأدلة القوية التي أيدت القبر الفارغ، فابتكر مماحكة سمجة (نقلها عنه بعض من يكتبون ضد المسيحية في الشرق) وقال إن المسيح لم يمت فعلاً على الصليب ولكنه أُغمي عليه فقط، ولما أُودع القبر الرطب استفاق ثم خرج وظهر للتلاميذ.

وهذا الزعم الذي يحاول به صاحبه تعليل الحادث تعليلاً عقلياً محضاً، هو أبعد المزاعم عن العقل، لأنه يتجاهل الجراح العميقة التي أُثخن بها الجسد، والضرب الوجيع الذي أحدثته السياط، وتمزيق اليدين والرجلين من أثر المسامير، وفقدان القوة الناشئ عن نزف الدماء، وطعنه الحربة التي خرقت جنبه، وانقطاع المداد البشري عن إغاثته في ساعات عصيبة هو أحود ما يكون فيها إلى الإغاثة، والأكفان الضيقة التي أُحبكت حول جسمه الممزق، والحجر الضخم الذي وُضع على باب القبر، وكان حجمه هائلاً بحيث لم يكن في طوق بضع نساء دحرجته مجتمعات معاً، وكنّا يفكرنَ في مُعين من الخارج.

ويكفي أن نحكم على سخافة هذا الزعم وبُعده عن العقل بمجرد التفكير فيما كان عليه ذلك الهيكل البشري المحطّم بعد نزف الدماء من جروح الجلد الوجيع وتاج الشوك والمسامير والحربة دون أن يُعنى أحد بتضميدها، وبعد وضعه على أرضية القبر الرطب في يوم من أيام شهر أبريل (نيسان) محروماً من أية عناية بشرية. على أن الضربة القاضية التي أجهزت على هذا الزعم الفاسد هي التي أعدّها العلاّمة “ستروس” والتي نقتبسها هنا لما فيها من قوة وإفحام.

قال: “إنه من المحال على شخص تسلل من القبر في حالة من الإغماء والوهن والمرض، وفي حاجة إلى العلاج الطبي وتضميد الجراح والعناية والإسعاف، وفي حالة من الخنوع والاستسلام لآلامه – إنه من المحال أن يطبع شخص كهذه أثره العميق في نفوس التلاميذ، ويخدعهم بأنه قاهر الموت والقبر وأنه رئيس الحياة – ذلك الأثر البارز الذي كان أساساً لوعظهم وخدمتهم.

أن مثل هذا الانتعاش بعد الإغماء، لو أنه حدث، لما كان له هذا الأثر الذي انطبع على نفوسهم في الحياة والموت، ولما بدّل أحزانهم غيرة وحماساً، ولما حولّ توقيرهم له سجوداً وتعبُّداً” Straus, New Life of Jesus, i, 412.(tr.).

5 – أن النسوة قد أخطأنَ في التعرّف إلى القبر:

وهذا ما يأتي بنا إلى زعم لا يمكن أن يُوفى حقه من البحث إلاّ بعد دراسة المقابلة التاريخية عند القبر دراسة وافية. على أنه يمكن البحث هنا في بعض النتائج العامة التي تترتب على هذه النظرية.

يقول أصحاب هذا الزعم أن مريم المجدلية وصويحباتها جئن إلى القبر في صباح الأحد والظلام باقٍ، وكانت أنوار الفجر خافتة ضئيلة. والأشياء تبدو في النور المكمد القاتم على غير حقيقتها. ويذهبون إلى أن النسوة ربما أخطأن في التعرف إلى القبر.

ويزعمون أنه عند وصولهن إلى القبر التقين هناك بشاب – قيل إنه البستاني – عرف المهمة التي جئن من أجلها، فقال لهنّ أن يسوع ليس هنا، فارتعبن لقوله، ودون أن يتريثن حتى يفرغ الشاب من كلامه ويشرح لهنّ الخطأ، أسرعن مهرولات من البستان.

ويبدو لنا، على الرغم من مسحة المعقولية التي تلابس هذه النظرية، ان بها ضعفاً هائلاً. فإنه إذا كان الوقت ظلاماً بحيث أخطأ النسوة في التعرّف إلى القبر، فكيف يكون البستاني قد صحا وبدأ في مزاولة عمله؟ أما إذا كان النور قد انبثق من وراء الأفق فكيف يخطئ النسوة في معرفة القبر؟

ولكي نبسط هذه النظرية كل البسط أشير إلى ما كتبه عنها أحد كبار شارحيها وهو الأستاذ “ليك” الذي عالج النظرية علاجاً وافياً واضحاً في كتابه “قيامة يسوع المسيح”. وسأقتبس نصّ كلامه على قدر الإمكان لما امتاز به أسلوبه من صراحة:

يبدأ الأستاذ ليك – وهو على حق في ذلك – بحثه مفترضاً أن زيارة النسوة للقبر قصة صادقة من التاريخ، فإن هذه القصة بالذات أصيلة في كل المؤلفات الأولى، فهي واردة في أقدم الوثائق التي لدينا وهي بشارة مرقص، ثم في بشارتي متى ولوقا، يؤيدها يوحنا أيضاً فيما يتعلق بمريم المجدلية نفسها.

وجاءت القصة أيضاً في بشارة بطرس من أسفار الأبوكريفا. والأهم من هذا كله وردت أيضاً في الأثر القديم المستقل المأثور المتضمن الفصل الرابع عشر (آية 13 – 24) من بشارة لوقا عن الرحلة إلى عمواس.

وليس بين المؤرخين مَن يخامره شك في تاريخية زيارة النسوة للقبر، ولذلك يعمد الأستاذ “ليك” إلى بحث مسألة القبر الذي وفد إليه النسوة، فيسأل: أهو القبر الأصلي الحقيقي أم قبر آخر غيره.

ويعالج المسألة في فصلين، فيقول في الفصل الذي عنوانه “الحقائق الجاثمة وراء التقليد”.

“من المسائل المشكوك فيها أن يكون النسوة في وَضْع يساعدهن على تعرف القبر الذي وضع في يوسف الرامي جسد الرب… فإذا لم يكن هو القبر بذاته، انهارت القضية من أركانها. والمفهوم أن النسوة جئن في الصباح الباكر إلى القبر حسبْنَهُ القبر الذي وُضع فيه جسد الرب وأمِلْن أن يرين قبراً مختوماً، ولكنهن وجدن قبرً مفتوحاً وشاباً واقفاً عند بابه، حاول بعد أن عرف موضوع مهمتهن أن يخبرهنَّ بما وقعن فيه من خطأ، فقال. ليس ههنا، اذهبن إلى المكان الذي وضعوه فيه.

وربما أشار إلى قبر آخر. ولكن النسوة فزعن وارتعبن عند افتضاح المهمة التي بكّرن لأجلها، وهرولنَ مسرعات دون أن يفهمن ما سمعنه. أو ربما كان فهمهنّ له ناقصاً. ولم يدركن إلا مؤخراً – بعد أن عرفنَ أن الربّ قام وأن القبر فارغ – أن ذلك الشاب الذي وقف على باب القبر كان غير الذي زعمن، وأنه لم يلفتهن إلى ما ارتكبنَ من الخطأ في التعرّف إلى القبر، بل كان مزوداً بإعلان قيامة المسيح من الأموات وإبلاغ رسالته إلى التلاميذ”.

وتبرز هذه الفكرة عينها في العبارة الآتية تعليقاً على “القصة كما رواها مرقص” فيقول الأستاذ “ليك”:

“راقب النسوة، اللواتي بقين حتى الساعات الأخيرة، دفن سيدهن، ربما عن بُعد. ولم يكن معهن أحد من التلاميذ الذين تفرقوا عقب القبض على يسوع (ففرّ بطرس بعد الآخرين بقليل من الزمن). وهم إما أن يكونوا قد عادوا إلى أوطانهم، وإما اختفوا في مخابئ أورشليم حتى تسنح فرصة للهرب”.

“وبعد قليل وجد التلاميذ أنفسهم في موطنهم القديم، فتأهبوا للعودة إلى أساليب حياتهم القديمة. ولكن لفرط دهشتهم يظهر لهم الربُّ، أولاً لبطرس ثم للآخرين – لمن سكنوا اليهودية ولم سكنوا الجليل. وتحت تأثير ظهوره لهم مراتٍ لم تُتوخَّ الدقة في تدوينها تفصيلاً، آمنوا أن الرب قام وصعد إلى السماء، وأنهم دُعوا للرجوع إلى أورشليم وحمل أعباء رسالته.

“وفي أورشليم التقوا بالنسوة اللائي راقبن الدفن، فقلن لهم أنهن ذهبن إلى القبر في صباح اليوم الثالث لتكميل فرائض الدفن التي لم يستطع يوسف الرامي أن يقوم بها فوجدن القبر مفتوحاً، وأفزعهن شاب واقف على القبر بقوله إن يسوع الذي يطلبنه ليس هنا. وهذه الرواية على لسان النسوة مضافة إلى اليقين الثابت الذي رسخ في أذهانهم عن حقيقة القيامة، وهو يقين اقتضاه القبر الفارغ، أدّت إلى القول إن القيامة حدثت في اليوم الثالث”.

ولقد أثبتُّ العبارتين بنصّيهما من أقوال الأستاذ “ليك” لأنهما تشرحان الدعائم التي أقام عليها مزاعمه الآتية:

1 – أن النسوة ربما أخطأنَ في التعرّف إلى القبر.

2 – أنهن لم يذعن النبأ مباشرة لأن التلاميذ كانوا قد فرّوا من أورشليم.

3 – وإن التلاميذ سمعوا القصة عند عودتهم من الجليل بعد انقضاء بضعة أسابيع.

ولست أقصد هنا بحث النقط الغامضة في النصوص الأصلية، فموضع هذا في فصل لاحق، ولكني أراني هنا أمام اعتبارات ثلاثة وجيهة:

وأول كل شيء أن الحجة التي يفترضها في غياب التلاميذ أو اختفائهم في أحد القيامة (وهي حجة جوهرية لتأييد مزاعم الأستاذ ليك) مشكوك فيها ومزعزعة الأركان. وهي تستند إلى عبارة مقتضبة في بشارة مرقص. وإلى جانب هذه الحجة الواهية دليلاً إيجابياً قوياً فليس مرقص وحده هو الذي يشير صراحة وضمناً إلى حضور التلاميذ في قوله “اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس إنه يسبقكم إلى الجليل. وهناك ترونه كما قال لكم” (مرقص 16: 7)، بل تؤيده أيضاً روايات البشائر الأخرى.

وإذا كان في قصة الإنجيل شيء لا يتسرب إليه الشك، فهو أن التلاميذ لم يهربوا كلهم، وإن يكن قد قيل إنهم تركوه وهربوا. فإن واحداً منهم على الأقل صارع أهوال المدينة في تلك الليلة، وتمكن من رؤية مشهد المحاكمة في منتصف الليل – وهو بطرس.

ولا تخامرني ريبة البتة في صدق القصة المؤثرة التي رُويت عن سقطة بطرس في تلك الليلة وتوبته وندامته، فهي قصة تصور لنا أصدق تصوير ناحية من نواحي الحياة البشرية ولا يمكن تعليلها على أساسي انها رواية خيالية، إذ كيف نعلل إدخال قصة تَصِمُ رسولاً من قادة الرسل بوصمة الخزي والخجل وسوء الأحدوثة، إلاّ إذا كانت صورة لواقعة حقيقية لم تُمح ذكراها. وإذا كان بطرس موجوداً في أورشليم في صبيحة يوم الجمعة، فمن الذي يدّعي واثقاً أنه وزملاءه قد فرّوا من المدينة قبل يوم الأحد التالي؟

ونرى ثانياً أن موقف النسوة يبدو غريباً شاذاً بحسب هذا الزعم. وهنّ لسن مجرد معارف للجماعة الرسولية، بل يرتبطن بهم بأوثق روابط القرابة. فكانت سالومة أماً لتلميذين من المقربين، ومريم زوجة كلوبا أختها أماً لاثنين آخرين، فضلاً عن ذلك لم يكن من المقيمات في المدينة أصلاً، بل جئن إليها خصيصاً للعيد.

وإن كان التلاميذ كهيئة عرضة للخطر، فبالأولى تكون أمهاتهم وهن نسوة ضعيفات. ولم يكن معقولاً أن يتركوهنّ وحيدات تحت رحمة الكهنة الحاقدين وجمهور الدهماء الأحمق. ولو كان الأمر كما يذهب إليه أصحاب هذه الزعم، لما فات التلاميذ أن يكفلوا الأمن لأمهاتهم بإخراجهن عاجلاً من المدينة.

ويخيل إليّ أن صلة النسوة بالتلاميذ الرجال واعتمادهن عليم تُحرج نظرية الأستاذ “ليك” كل الاحراج في أدق نقطة فيها. فهو مضطر لأن يُبقي النساء في أورشليم حتى صباح الأحد لأنه يؤمن يقيناً أنهن ذهبن إلى القبر، وهو مضطر أيضاً أن يخرج التلاميذ من أورشليم قبل شروق شمس يوم الأحد لأنه يذهب إلى أن النسوة قد صمتن ولم يفهنَ بشيء.

ولكي يوفق بين هذا وبين سردهن القصة فيما بعد بكل ما ترتب عليها من نتائج منطقية لا مفّر منها، نراه يضطر أيضاً إلى إبقاء النسوة في أورشليم أسابيع معدودات، بينما قفل التلاميذ راجعين إلى مواطنهم، ثم عادوا بعد ذلك إلى العاصمة على أثر بعض الحوادث.

وليت شعري ما الذي كان يفعله النسوة، في عُرْف الأستاذ ليك، طيلة هذه الأسابيع في مدينة بعيدة عن أوطانهن، بينما تجذبهن إلى الشمال روابط الأهل وموحيات الغريزة؟ أتراه هو نفسه في موقف كهذا يفرُّ لاجئاً تاركاً زوجته أو أمه في موقف الخطر المحقق؟ إنه ليصعب عليّ تصديق هذا. فإنه إذا كان الأمن مكفورً للنسوة ولا خوف عليهن من البقاء في المدينة والذهاب إلى القبر، فهو أيضاً مكفور للتلاميذ، ولا حرج عليهم أن يبقوا في أورشليم.

أما إذا كان في بقاء التلاميذ خطر عليهم، فإنه من البديهي أن يشاركهم الفرار سالومة ومريم زوجة كلوبا وأم يسوع.

على أن هناك صعوبة أدق وأعمق من هذه. فإنه يبدو لنا أنه، لا الأستاذ “ليك” ولا “جاردنر سميث” الذي نحا نحوه مع بعض التحفظ، فَطن إلى أن هذه النظرية لو صحّت، لوضعت سلاحاً ماضياً بتّاراً في أيدي رؤساء الكهنة. ولم يكن عسراً على قيافا وزملائه، وهم كما نعهدهم، أن يفندوا أكذوبة القبر الفارغ ويسفّهوا دعاتها بإبراز البستاني والاستشهاد بأقواله.

فهو الإنسان الذي كان في وسعه أن يتكلم بثقة وسلطان لا مردّ لهما، وكلمة منه كانت كافيه للقضاء على القصة السخيفة وإطارتها عصافة في الهواء. فأين آثار المجادلات التي كان من البديهي أن تثور في وجه هذا التحدي الذي نادى به التلاميذ عقيب القيامة؟ وأين دعاوي الكهنة بأن القبر لم يكن فارغا، وإن بقايا الجثة البالية المتعفنة ثاوية فيه؟ لا أثر البتة لشيء من هذه المجادلات أو الأقوال – إلا صدى هزيل خافت لتهمة قالوا فيها أن التلاميذ هم الذين سرقوا الجسد.

والحق ان هناك سببين قويين يمتّان بأمتن صلة إلى الحقيقة التاريخية، من أجلهما لم يجرؤ أعداء المسيحية على إستدعاء ذلك الشاب الي رُئي عند باب القبر لسماع شهادته. أما السبب الأول فهو أن ذلك الشاب لم يكن البستاني مطلقاً، كما سنرى فيما بعد، وأن وجوده أمام القبر في نور الفجر الشاحب، في صباح ذلك اليوم، كان لدواعٍ أخرى.

ولكن السبب الحاسم الأقوى هو أن خلّو القبر كان حقيقة تاريخية ثابته لم يعترضها أي شك في عصور المسيحية الأولى وفي عالم معادٍ للمسيحية. والظاهر أن الحوادث مجتمعة قد ائتمرت كلها على إثبات هذه الحقيقة فكانت بنجوة عن كل اعتراض أو شك.

6 – أن النسوة لم يزرن القبر

وهذا يأتي بنا إلى نظرية لعلّها تكون على شيء من المنطق إذا أراد المكابرون تحدّي رواية الإنجيل.

وهم لو استطاعوا أن يدللوا على أن القبر لم يزره أحد في صباح الأحد، وأنه بقي مجهولاً لم يفكّر فيه إنسان شهوراً طوالاً، لو استطاعوا شيئاً من هذا، لتحطمت الصخرة التي قامت عليها الفروض والمزاعم التي أسلفنا. وإذا لم يكن النسوة قد أعلنّ خلّو القبر، لما كان ثمة داعٍ لأن يصطنع رؤساء الكهنة نظريتهم، ولظلّت المدينة هادئة منصرفة إلى حياتها العادية، إلا ما تحدثه حادثة الصلب من جدل عادي ورجّة في الأفكار.

على أنني أراني مضطراً إلى القول إنه ما من نظرية من النظريات التي ذكرنا تتعرض لمثل ما تتعرض له هذه النظريات من التحطًم والبوار على ضوء الأسانيد العقلية. وسنرى في الفصول التالية أن الحوادث اللاحقة تسدّ عليها المنافذ وتخنقها خنقاً.

فصول كتاب من دحرج الحجر

بين الغروب والشروق – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

الأختان والرجال الذين فروا تحت جنح الدجى

الأختان والرجال الذين فروا تحت جنح الدجى

الأختان والرجال الذين فروا تحت جنح الدجى

الأختان والرجال الذين فروا تحت جنح الدجى

لا مناص، قبل البحث في هذه الحقائق ومعانيها، ومبلغ الصدق الذي يقترن بالحلول المقترحة، من أن نكمل رسم الصورة العامة التي شُغلت بها أذهاننا حتى الآن.

رأينا في فصل سابق أن القبض على يسوع في بستان جثسيماني في ساعة متأخرة من يوم الخميس، قد أدّى إلى شطر صحابة يسوع فريقين. وقد تولينا في الفصول السابقة، وفي شيء من الإسهاب، دراسة ما حلّ بالفريق الأصغر، وهو الفريق الذي احتجز في أورشليم ذاتها. ولم نفكر إلاّ قليلاً في الفريق الأكبر الذي كان خارج أورشليم. على أن مسلك هذا الفريق من العوامل الهامة في المشكلة التي نعالجها الآن. فهل في الوثائق التي بين أيدينا ما يلقي ضوءً على هذه المسألة.

ولتبديد ما قد يعلق في الذهن من الغموض، نقول إن الغائبين فريقان. ولابد لنا من تعقّب آثارهما لمعرفة حقيقة الموقف. فهناك التلاميذ التسعة الذين قيل عنهم إنهم هربوا بعد إلقاء القبض على يسوع، ولكن هناك أيضاً الأختين مريم ومرثا وأخاهما لعازر في بيت عنيا، الذين نحسب غيابهم عن مشهد الصلب والدفن من الظواهر الغريبة الملحوظة في القصة، فالأختان قد أخلصتا الإخلاص كله ليسوع، وكان بيتهما الهادئ المريح ملاذه الوحيد حين كان يريد أن يحظى ببعض الراحة ونعومة الحياة ولين العيش.

والأرجح أنه من هذه الدار الناعمة خرج في صباح اليوم الذي كان آخر عهده بالحرية ومع ذلك فإنه بعد أن وقعت الواقعة واحتاج الموقف إلى كل ذرة من العزاء للأعوان المنكوبين، تختفي الأختان المضيافتان الكريمتان من المشهد كلية. ولا شك أن هناك تعليلاً تاريخياً قوياً يعلل هذا الاختفاء وهو ما نحاول أن نجلوه الآن.

ومن الأقضية السلمية في المنطق أن نفترض، عند حدوث ظاهرتين غير عاديتين في موقف شاذ غير مفهوم، وجود علاقة بين الظاهرتين. ولكن في الحالة التي نحن بصددها أسباباً تحملنا على الارتياب في هذا الاستنتاج المنطقي، فإنه يجب ألاّ يغيب عن أذهاننا أنه في خلال الأيام الخمسة العاصفة التي سبقت القبض، كان يسوع وصحابته يبيتون في بيت عنيا.

ولطالما فكّرت: هل كانت المعدّات المنزلية في دار الأختين كافية لمبيت ثلاثة عشر شخصاً، أي يسوع وتلاميذه؟ وما أظن أن هذا كان ممكناً، وريما بات يسوع واثنان من كبار صحابته في تلك الدار، بينما اكترى الباقون مساكن مؤقتة على مقربة منهم.

وعلى أي حال فإن الدليل متوافر على أنهم باتوا جميعاً في تلك الضيعة في خلال الأسبوع، وكانوا يقطعون رحلة ثلاثة أميال يومياً في الغدو والرواح. ثم أن التلاميذ، ما عدا يهوذا الاسخريوطي الذي كان يعرف طبعاً ما تبطنه نفسه، كانوا يتوقعون العودة إلى بيت عنيا يوم الخميس ليلاً على مألوف عادتهم كل يوم.

وما من شك أنهم حاروا في تعليل هذا الإبطاء الطويل في البستان بعد فوات الميعاد الذي ألفوا العودة فيه كل يوم، وأظن أيضاً أن الأختين في بيت عنيا قد ساورهما شيء كثير من القلق بعد أن طال الإبطاء وأوشك الليل أن ينتصف.

وبهذه الحقائق المبسوطة أمامنا، لنعُد الآن إلى المشهد في بستان جثسماني: أجمعت الروايات كلها على أن الشرذمة التي أرسلت للقبض على يسوع كان عددها كثيراً، بحيث لم يكن ميسوراً ان يسير الكل في عرض الطريق في جهة واحدة. وحتى في الطريق العريض الواسع الممتد من باب المدينة إلى نقطة تقاطع طريق بيت عنيا مع طريق جبل الزيتون، لا بدّ أنهم ساروا في صفّ طويل امتد حوالي عشرين متراً على طول الطريق. وحريٌّ بنا أن نفكر في ذلك المزيج الغريب من الرجال الثائرين.

وإنّي أتصورهم يتباعدون بعضهم عن بعض في خطوط منتظمة حين يبلغون مدخل البستان أما حملة المشاعل وفي وسطهم يهوذا فأخالهم قد أقبلوا في المقدمة يحفظهم حرس الهيكل، ثم يليهم “شهود” من شذاذ الناس وأفّاكيهم ممن التفوا حول هذه الجماعة من سكان المدينة.

ولا شك ان القبض قد تمّ مباشرة بعد أن دلّهم يهوذا على شخصية يسوع، ومن المحتمل أن يكون بطرس قد ضرب عبد رئيس الكهنة قبل أن تُطبق عليهم مؤخرة الشرذمة المكلفة بالقبض، وقبل أن يعلم حقيقة ما هناك. ومن المحتمل أنه كان هناك أيضاً صراخ وجلبة حين أوثق جنود السنهدريم يدي يسوع وراء ظهره، وأضواء المشاعل المرتفعة تتراقص من خلال أوراق الشجر. وفي هذه الفترة أطبق الباقون من رجال الجند على الفئة القليلة التي بقيت ملتفة حول يسوع.

وليس غرضنا الآن أن نبحث كيف افترق بطرس ويوحنا عن رفاقهما ودخلا المدينة دون أن يعرفهما أحد. والذي نرجحه أن بطرس كان واقفاً إلى جانب يسوع. وما أخذت الجموع تحيط بهم، أطبق على بطرس ويوحنا وسط الزحام فلم يستطيعا الإفلات خشية أن يُفضح أمرهما.

وفي وسط النور الخافت المنبعث من المصابيح المتراقصة، رأي كلاهما أنه من الفطنة، وربما من الضرورة أيضاً، أن يمضيا مع الجماهير واثقين أنه ليس من العسير الولوج من أبواب المدينة في وسط هذا المزيج الغريب من شذاذ الناس. ولا يقدر الفكر أن يتصور غير هذه الوسيلة العريضة ليعلل بها مغامرة التلميذين في الدخول إلى المدينة بعيدين عن أعين الرقباء.

وإذا كان هذا هو الذي وقع فعلاً، فهو يشرح لنا بعض الوقائع التي شهدناها في أورشليم في صباح اليوم التالي لهذا الحادث.

على أن اهتمامنا في الآونة الحاضرة منصرف إلى التلاميذ التسعة الآخرين. وقبل أن نفكر في احتمال فرار هؤلاء الرجال إلى الجليل كما يزعم الدكتور “ليك” في نظرية سنتولاّها بالتفنيد فيما بعد، قبل أن نفكر في هذا الاحتمال، ينبغي أن نلقي نظرة فاحصة على الموقف الذي كان فيه أولئك التلاميذ.

والناس يأخذهم الذعر والفزع عادة حينما يحسون باقتراب مصيبة توشك أن تدهمهم قبل أن يُتاح لهم الوقت الكافي للتفكير الهادئ أو ابتكار أساليب النجاة. وفي هذه الحالة دهمهم الخطر وهم في غفلة، وما كانوا ليستطيعوا أن يركضوا بضعة أمتار بين الأشجار قبل أن تدركهم حقائق الحال، فيعلموا ما كانوا يجهلون.

وإذا كان بستان جثسيماني يقع في المكان الذي أشارت إليه التقاليد، فهو في سفح جبل الزيتون ولا بد أن الذين ألقوا القبض على يسوع. أقبلوا إليه من بابٍ على مقربة من طريق أريحا. فكل من يريد الهرب والإفلات من عيون الرقباء، عليه أن يتخذ طريقاً معاكساً للطريق الذي جاء منه المأمورون بالقبض على المتهم – أي الطريق الممتد على منحدر جبل الزيتون إلى ضيعة بيت عنيا. وكل خطوة يخطوها الهارب تُصعده إلى فوق وتجعله في وضع أفضل بالنسبة لمن في البستان تحته.

ومن حُسن حظ التلاميذ أن علائم الخطر كانت واضحة لهم، فإنْ سعى أحد وراءهم للقبض عليهم، كانت المصابيح المتراقصة بين الأشجار خير دليل لهم على اجتناب الخطر. وقد كان التلاميذ فعلاً في وضع موفّق من هذه الناحية، فما كان عليهم إلاّ أن يراقبوا نوراً مقترباً نحوهم، ويحاولوا الابتعاد عنه.

ولكن شيئاً من هذا لم يحدث. فإن المأمورين بالقبض على المتهم نزلوا إلى أورشليم بعد دقائق قلال. ولحظ التلاميذ من بعيد أنوار المصابيح وهي تتلوى في الطرقات المؤدية إلى مدخل المدينة، وباختفاء هذه الأنوار زال الخطر المباشر على التلاميذ في تلك الليلة، وما توقعوا حدوث شيء ذي بال قبل طلوع النهار.

هذا هو التعليل المنطقي المعقول للمسألة. وإذ أُمهل التلاميذ على هذا النحو، فماذا عسى أن تكون حالتهم النفسية في ذلك الموقف؟ وماذا هم فاعلون؟ وأي الحلول يستنبطون؟

لن يقدر أحد على الإجابة عن هذه الأسئلة في يقين تام. على أننا نستطيع المجازفة ببعض التخمينات، التي نصحّحها بملاحظاتنا فيما بعد. ويُخيّل إليَّ أنه إذا كان التلاميذ قد توقفوا هنا ليفكروا في الموقف، فإن ثمة حقيقة رهيبة تبدّت لهم في ملء روعتها – أعني بها غياب بطرس ويوحنا. وأظنهم يذهبون إلى أسوأ الفروض والمظان، ولا أعتقد أنهم عرفوا أو فكروا في الظروف التي بها استطاعا أن ينفذا إلى داخل المدينة.

وما من شك أنهم توجسوا خيفة على زميليهما، وربما استنتجوا أنه قد أُلقي القبض عليهما، وأن تقهقرهم السريع في ساعة الخطر الداهم قد أنقذتهم من مصير كمصير الزميلين.

وأحسب تفكيراً كهذا قد منعهم من محاولة دخول المدينة. ومن الناحية الأخرى لو كان بطرس ويوحنا قد وقعا في القبض (كما افترض التلاميذ)، فإن موقف النسوة يسوء إلى أقصى حدّ ويتعرضن إلى عداء الكهنة الأهوج وإلى غضبة الدهماء الجنونية. هذه نقطة لابد من إدخالها في نطاق البحث. ولسنا نقدر على الذهاب إلى أبعد من هذا في الحدس والتخمين، فلا مناص من أن نترك التلاميذ التسعة المفقودين فوق تلّة جبل الزيتون، ونسلّم أن ليس لدينا من البينات ما يشرح لنا ما حدث لهم بعد ذلك.

ولكن يبقى علينا أن نشرح الحقيقة الغامضة الأخرى – وأعني بها اختفاء مريم ومرثا من القصة كلها. فهل بين اختفاء الأختين واختفاء التلاميذ التسعة علاقة؟ وهل يمكن تعليل الأمرين بأسباب واحدة. وما هي الظروف التي نشأ عنها غياب الأختين من أورشليم في تلك الساعات الرهيبة السابقة واللاحقة للصلب؟ وكيف تغيب الأختان بما عُهد فيهما من إخلاص ووفاء، بينما تُظهر النساء الأخريات عظيم الاهتمام بالأمر كله؟

وعندنا أن أشعة من النور تسطع على هذه المشكلة حين نفطن إلى موقع بيت عنيا الدقيق، فقد كانت تلك الضيعة الصغيرة الجاثمة على أكتاف جبل الزيتون، الرقيب الحارس على أورشليم في طريق أريحا. فكان لزاماً على كل آتٍ من الشمال، من الطريق الشرقي الذي يعبر وادي الأردن ويتسلق الهوة العميقة عند أريحا التي خلّدها المسيح في مثل السامري الصالح – أن يمر على بيت عنيا. كذلك يمرّ عليها كل قادم من أورشليم من الطريق العكسي إلى جهة الشمال.

ولهذه الحقيقة آثار بارزة في المشكلة التي نحن بصددها، فإذا سلّما أن التلاميذ التسعة انطلقوا إلى الجليل. فالأرجح أنهم جازوا على مقربة من بيت مريم ومرثا في بيت عنيا، الذي اختاروه، أو غير ملاصقاً له، مقاماً لهم في الأيام الخمسة الماضية. فإذا افترضنا أنهم ساروا إلى هذا الاتجاه تحت جنح الظلام كي لا يراهم أحد. أفلا يجوز لنا أن نزعم أنهم نقلوا الأنباء المزعجة إلى الأختين والتمسوا عندهما النصح المشورة؟

وهناك أسباب أخرى ترجح ذهاب التلاميذ إلى بيت عنيا.

1 – كانت بعض متعلّقاتهم وحاجاتهم في المقام المؤقت الذي اتخذوه في بيت عنيا (وطبيعي أنهم لا يسافرون إلى الجليل بدون أن يتزّودوا ببعض هذه الحاجات).

2 – كانت مريم ومرثا من أخلص صحابة يسوع، فكان على التلاميذ الفارّين أن ينذروهما بما تطورت إليه الحوادث، ليتدبرا هما أيضاً للهرب، إذا لم يكن منه بدُّ.

3 – وإذا كان النسوة في أورشليم قد عرفن أيضاً ما آلت إليه الحوادث ورأين من الحكمة الهرب من أورشليم، فإنهن يهربن على الأرجح إلى بيت عنيا.

ومن ثمّ نرى موقع بيت عنيا الممتاز يجعلها الهدف الأول الذي يتجه إليه التلاميذ بحكم غرائزهم.

وسواء اقتنعنا أن التلاميذ التسعة انطلقوا حالاً إلى الجليل، أو أنهم كانوا من طراز الرجال الأشداء المجازفين الذين لا يتقاعسون عن السعي لإنقاذ النسوة اللواتي كنّ من تلاميذ يسوع، أو أنهم لاذوا تعابى مذعورين إلى أقرب مأمن لهم سواء أخذنا بهذا أو بذاك، فإنه لا مندوحة من أن يمضي التلاميذ إلى بيت عنيا أولاً على أي حال.

الآن لنلقِ نظرة على ساكني بيت عنيا أنفسهم، نفهم مما جاء في بشائر الإنجيل أن الأختين كانتا تنتظران عودة يسوع مساء الخميس. وإذ تنقضي الساعات الطوال دون أن يعود، يتولاهما الجزع والفزع. ولم كانت الليلة قد تقضّت دون أن يبلغهما نبأ عنه، لكانت ذهبت إحداهما إلى أورشليم في صباح اليوم التالي وتمّ الاتصال بين الفريقين. وفي هذه الحالة كنّا نسمع عن مريم أو مرثا (أو عن كلتيهما) وكنا نراهما عند الصلب والدفن.

أما رواية الإنجيل فقد صمتت صمتاً عميقاً عن ذكر شيء من هذه الناحية. وإن في صمت الروايات وامتناعها عن الإشارة إلى أختي بيت عنيا، لا سيما فيما يتعلق بما دبّره النساء من زيارة القبر، ما يدعو إلى الدهشة والتفكير. الذي نستخلصه من هذا هو إما أن الأحوال في بيت عنيا قد قطعت عنهما أنباء هذه المأساة التي وقعت، وإما أنهما امتنعتا لأسباب قاهرة عن الانضمام إلى فئة الصحابة داخل أسوار أورشليم.

الفرض الأخير أقرب إلى الاحتمال، بل قد نحسُّ بين ثنايا روايات الإنجيل ونبراتها ما يؤيد هذا الفرض. وإن كان قد ذهب اثنان أو ثلاثة من التلاميذ الحيارى المذعورين يتخبّطون في ظلام تلك الليلة إلى الدار الصغيرة في بيت عنيا، أفلا نستطيع أن نصّور لأنفسنا حقيقة ما حدث هناك؟

وهنا ينبغي أن نُدخل في حسابنا مبلغ الاضطراب والتوتر الذي أصاب أعصاب أولئك التلاميذ. فإن يسوع قد قبض عليه شرذمة من جند الهيكل بأمر رؤساء الكهنة. كذلك أُلقي القبض على بطرس ويوحنا (في رأيهم). ودلّ الهجوم من جانب المعتدين على عداء شديد ونقمة صارخة – كل هذا يرويه التلاميذ الهاربون دون إخفاء لحقيقة ما تضمره الساعة.

ثم أن النساء بطبيعتهن شديدات الحساسية والتأثر، وهنّ إذ يجهلن حقيقة الموقف يصورن لأنفسهن الحقاسق بلون قاتم أسود، ويتلفتن يمنة ويسرة، فإذا المستقبل مفعم بالخطر المدلّهم والخطب القريب. ويسألن عما عساه أن يكون حادثاً وراء أسوار أورشليم: لعلّ الخائن يهوذا يعدّ فرقة أخرى لموالاة القبض على الباقين من الأتباع في اليوم التالي. وإذا نشطت حركة التعقب والمطاردة في الأودية بجبل الزيتون، فلا يمكن أن تفلت بيت عنيا من هذا الخطر. ولعلّهم يقبضون على الأختين أيضاً لما لهما من صلة بزعيم هذه الفئة من الناس.

هذه كلها خواطر دارت بعقولهم وأفكارهم. ولكن هناك اعتبارات أخرى: إن أمهات ثلاثة من أولئك التلاميذ التسعة باقيات في أورشليم عرضة للمخاطر والطوارئ. فهل يُحذّرن قبل حلول الخطر بوقت كافٍ؟ إن صحّ هذا فقد يأتين سراعاً ويقرعن على باب الدار الصغيرة في بيت عنيا في أية لحظة.

والذي نعلمه من التاريخ أن المواقف داخل أسوار المدينة لم يكن كما تصّوره أهل بيت عنيا. ونعلم ان بطري ويوحنا لم يقبض عليهما. وأن الكهنة وقد نالوا مأربهم بالقبض على يسوع لم يطاردوا أحداً سواه. ولكن هرب التلاميذ في هلع وذعر إلى بيت عنيا، إما كمرحلة أولى في طريقهم إلى الجليل، أو لأنهم حسبوها الملاذ الأمين ولو إلى حين – يجعل الجّو النفسي في تلك الضيعة أقرب ما يكون إلى الصورة التي رسمناها الآن.

وما من شك أن الأوهام والشكوك والمخاوف قد سادت كل فرد يمتّ بصلة إلى يسوع. ثم يشرق في صباح اليوم التالي، فما هو بأمثل من الليلة الفائتة – بل على نقيض ذلك تزداد الشدة ويتحرج الموقف، فقد يقع أي حادث وفي أية لحظة. توقع أهل بيت عنيا أسوأ ما يتوقعه إنسان في مثل هذه الظروف.

ومن الغريب حقاً أن نفكر في حال تلك الفئة المستضعفة تعاني في ضيعة بيت عنيا أمرّ صنوف الوهم والخوف بينما كان يسوع في أورشليم يجوز محاكمته مرحلة بعد مرحلة، وبينما كان أعداؤهم المزعومون الذين خشوا بطشهم يتابعون أغراضاً أخرى.

ومن الغريب أيضاً أن نفكر أنه بحكم طبائع الأشياء، كان مفروضاً أن تنقطع عنهم كل الأخبار. ففي الأحوال العادية كانت حركة المرور دائمة بين أورشليم وبيت عنيا، فتنقل أخبار العاصمة إلى تلك الضيعة في مدى ساعتين أو ثلاث.

ولكن إعدام أكبر معلم دينن عَهدتْهُ المدينة في تاريخها الحديث قد أحدث أثره في عواطف الشعب وأحاسيسه. وانساق الناس، كما يفعل المغناطيس، إلى دار الولاية الرومانية وإلى طريق الجلجثة. وتزاحم الجماهير لمشاهدة هذه الحوادث في أورشليم يوقف بطبيعة الحال حركة المرور بين أورشليم وبيت عنيا مؤقتاً.

وأغلب الظن أن أنباء حوادث أورشليم لم تُذع في القرى المجاورة إلا بعد تلك الصرخة الداوية التي صعدت من قلب المصلوب وعودة المشاهدين إلى بيوتهم في القرى، وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب واقترب السبت اليهودي.

هذا هو الموقف كما أتصوره في تلك الساعات الرهيبة المضطربة التي عانى فيها يسوع هول الموت، وهو موقف ينسجم مع روايات الإنجيل، ويلقي بعض الضوء على الحوادث التي تبدو لنا غامضة عسرة. وأنا أقدّم هذا الايضاح في كثير من التحفظ والتوقير كحلّ أراه كفيلاً بإزاحة أسباب الغموض التي تكتنف الموقف.

فصول كتاب من دحرج الحجر

الأختان والرجال الذين فروا تحت جنح الدجى

Exit mobile version