على الرغم من أن الإنجيل الثاني لا يذكر من كتبه، إلا أن مسيحيي القرن التالي لم يكن لديهم أدنى شك. كان رأيهم بالإجماع أن مَرقُس كتبه على أساس المعلومات التي قدمها بطرس. وقت كتابته حوالي عام 110 م في هيرابوليس في آسيا الصغرى، قال بابياس، “سامع يوحنا”:
مرقس. . . بعد أن كان مترجم بطرس، كتب. . . كل ما تذكره مما قاله الرب أو فعله. لأنه لم يسمع الرب ولم يكن من أتباعه بل في وقت لاحق. . . من بطرس. (مقتبس في تاريخ الكنيسة ليوسابيوس 3. 39)
وهذا أيضًا رأي يوستينوس الذي كتب في روما حوالي 150 م، ورأي إيريناوس في بلاد الغال حوالي 170 م وإكليمندس السكندري حوالي 180 م. ولكن هل كان بطرس ومرقس قادرين على كتابة إنجيل مرقس؟ يعتقد العديد من العلماء المعاصرين الآن أن هذا الإنجيل، على الرغم من بساطته الواضحة، هو قطعة أدبية عميقة ومكتوبة بمهارة. هل كان قوم متواضعون مثل بطرس ومرقس قادرين على إنشاء وثيقة كهذه؟
بطرس ويوحنا مرقس
هل كان بطرس هو الشخص الفقير والأمي الذي يُفترض في كثير من الأحيان أنه كان كذلك؟ في الواقع، كان يشارك في صيد الأسماك (لوقا 5: 10)، وكان يمتلك، مع أخيه أندراوس، منزلاً في كفرناحوم (مرقس 1: 29). اسمه الأصلي، سمعان، هو اسم يوناني؛ جاء من منطقة جليل الأمم، وهي منطقة ثنائية اللغة. نظرًا لأنه كان شخصًا ذا إمكانيات متواضعة على الأقل، فقد يُفترض أنه كان متعلمًا، لأن الناس من فئته الاجتماعية والاقتصادية كانوا متعلمين عادةً إلى حد ما.
بعد فترة من قيامة يسوع، انتقل بطرس إلى أورشليم، حيث ظل لمدة عشر سنوات (33-43) زعيمًا للجماعة المسيحية في أورشليم والمتحدث باسمها أمام الجموع (أعمال الرسل 2: 14-42؛ 3: 12-26) وكذلك لرؤساء الكهنة (أعمال الرسل 4: 8-12؛ 5: 29-32). لا شك أن بعض التطور الشخصي والفكري حدث عندما انتقل بطرس من شركة صيد الأسماك في كفرناحوم إلى أورشليم، عاصمة العالم للشعب اليهودي، حيث شارك في أنشطة مثل القيادة والوعظ والتعليم (أعمال الرسل 2: 40، 42؛ 6: 2).
لكن خلال هذه الفترة، لم يكن بطرس محصوراً في أورشليم؛ بعد مقتل إسطفانوس وتشتت المسيحيين الهيلينيين، سافر بطرس (مع يوحنا زبدي) إلى السامرة (أعمال الرسل 8: 14-25) للتحقق من كرازة فيليبس للسامريين وتعزيزها. في وقت لاحق، زار مجموعات مسيحية في لُدة ويافا (أعمال الرسل 9: 32-43)، وربما زار مجموعات أخرى في الشريط الساحلي ثنائي اللغة من أزوت إلى قيصرية حيث كان فيليبس نشطًا (أعمال الرسل 8: 40). في النهاية جاء إلى قيصرية، المدينة الحامية الرومانية حيث استقر فيليبس (أعمال الرسل 8: 40؛ 21: 8) وتحدث في منزل مسئول روماني كبير، كرنيليوس (أعمال الرسل 10: 24-48).
في حوالي 43 م، انتقلت قيادة كنيسة أورشليم إلى يعقوب، شقيق الرب، منذ أن أجبر بطرس على الفرار بسبب اضطهادات هيرودس أغريباس (أعمال الرسل 12: 1-3، 17).
ومع ذلك، فقد بقي في مدار كنيسة أورشليم، يشار إليه على أنه أحد “أعمدتها”، على الرغم من أنه بحلول ذلك الوقت (حوالي 47) ورد اسمه بعد اسم يعقوب (غلاطية 2: 9).
في اجتماع “القمة” التبشيري حوالي 47 م (غلاطية 2: 7-9) تم الاتفاق على أن يذهب بطرس ويعقوب ويوحنا إلى اليهود بالرسالة المسيحية. من الواضح أن هذا ما شرع بطرس في فعله. نسمع عنه في أنطاكية حوالي 49 م (غلاطية 2: 11-14) وفي كورنثوس حوالي 53 م (1 كورنثوس 1: 12؛ 9: 5). يبدو أن الرسالة الأولى لبطرس قد كُتبت من روما (بطرس الأولى 5: 13 “بابل” = روما) في أوائل الستينيات.
إن قصة بطرس هي قصة رائعة. بدأ كصياد مغمور في كفرناحوم النائية وعندما سُمِعَ عنه آخر مرة كان في روما، عاصمة الإمبراطورية. في العقود الثلاثة الفاصلة، رافق يسوع في الجليل واليهودية، وقاد الكنيسة في أورشليم، وكان قائدًا إرساليًا متجولًا في فلسطين، وسافر كمبشر إلى يهود الشتات في سوريا واليونان وإيطاليا. هل من غير المعقول حقًا أن يقوم شخص يتمتع بهذا الاتساع من الخبرة، على الرغم من أصوله المتواضعة نسبيًا، بتوفير المعلومات الأساسية للإنجيل الثاني؟
ماذا عن يوحنا مرقس؟ كان منزل والدته على ما يبدو مكانًا رئيسيًا للقاء لكنيسة أورشليم، أو ربما ذلك الجزء منه الذي كان ينظر إلى قيادة بطرس على عكس يعقوب (أعمال 12: 12-17؛ راجع غلاطية 1: 18-19). تشير الإشارة إلى “بيت مريم” إلى أنها كانت أرملة؛ لم يتم ذكر والد مرقس أبدًا. كان منزلًا كبيرًا على ما يبدو لأن “الكثيرين اجتمعوا معًا. . . يصلون “(أعمال 12: 12). إن وجود الخادمة (أعمال الرسل 12: 13) يضيف إلى صورة مؤسسة كبيرة، ربما ثرية، ينتمي إليها يوحنا مرقس. إسميه، يوحنا (بالعبرية) ومرقس (باليونانية أو اللاتينية)، جنبًا إلى جنب مع خلفية غنية على الأرجح، يجعلان من المرجح أن هذا الرجل كان متعلمًا وثنائي اللغة، مع اليونانية كلغته الثانية.
كان يوحنا مرقس مرتبطًا بقادة مشهورين. كان ابن أخت برنابا (كولوسي 4: 10)، الذي رافقه حوالي 50 في ما كان على الأرجح جولة تبشيرية في قبرص (أعمال الرسل 15: 39). في وقت سابق، حوالي 47، كان الزميل الأصغر لبرنابا وبولس في الجزء الأول من الرحلة التبشيرية لقبرص وجنوب غلاطية (أعمال الرسل 13:13). تم حل الخلاف بين بولس ويوحنا مرقس (أعمال الرسل 15: 37-39) فيما بعد، حيث أشار بولس إليه لاحقًا على أنه “زميل عامل” (فيليمون 23) وكشخص يحتاج إلى مساعدته (2 تيموثاوس 4: 11). بطرس، الذي يكتب من روما حوالي 63، يشير بمودة إلى مرقس على أنه “ابني” (1 بطرس 5: 13)، ربما يعكس علاقة أب بديل تعود إلى أورشليم في الثلاثينيات والأربعينيات.
يحتوي الإنجيل الذي يحمل اسم مرقس على تفاصيل لا توجد بشكل ملحوظ في أي إنجيل آخر. عند القبض على يسوع في أورشليم، “تبعه شاب، ولم يكن في جسده سوى قماش من القماش؛ فأمسكوه وترك القماش وركض عريانا “(مرقس 14: 51-52). هذا، وفقًا لوليام باركلي، “حادث تافه للغاية وغير ذي صلة لإدخاله في المأساة الكبيرة للأحداث في البستان.”[1] يقتبس من تي زان: “يرسم مرقس صورة صغيرة لنفسه في زاوية عمله”. لو كان مَرقُس في الواقع “الشاب”، فهل نقول، عشرين عامًا في حوالي العام 33 م، بحلول أوائل الستينيات عندما افترض الكثيرون أنه كتب إنجيله، لكان قد بلغ الخمسين عامًا تقريبًا.
كان يوحنا مرقس، إذن، من خلفية مالية قوية، وبالتالي فهو متعلم وثنائي اللغة. لقد كان زميلًا مقربًا لبرنابا وبولس وبطرس، وبحلول الوقت الذي بلغ الخمسين من عمره كان قد عمل كزميل تبشيري مع قادة الكنيسة المشهورين لمدة عقد ونصف.
دعونا نفكر في معلومة أخرى. في مقدمة كتابه المكون من مجلدين، يقر لوقا أنه تلقى معلومات مكتوبة عن يسوع من “خدام” معينين قبله، ومن المؤكد أن أحدهم كان كاتب مرقس، حيث أن الكثير من إنجيله مدرج في الإنجيل بحسب لوقا. الكلمة اليونانية التي تعني خادم هي ὑπηρέτηςهوبيراتس، والتي عرّفها جيرهارد كيتل بأنها “مساعد للآخر كأداة لإرادته” وهي كلمة استخدمها لوقا ليوحنا مرقس في الجولة التبشيرية الأولى. برنابا وبولس كان يوحنا كـ ” ὑπηρέτης “-خادمهما أو مرافقهما. هل يُطابق لوقا يوحنا مرقس ὑπηρέτης (أعمال الرسل 13: 5) بمؤلف النص الذي اعتمد عليه (لوقا 1: 2)؟
استنتاجنا هو أنه فيما يتعلق بالتعليم والخبرة، كان من الممكن أن يكتب بطرس ويوحنا مرقس الإنجيل الثاني، كما ادعى كتّاب مسيحيون في القرن الثاني. لكن هل فعلوا ذلك؟ لسوء الحظ، كما رأينا، لا يذكر هذا الإنجيل من كتبه، إلا ربما للإشارة إلى أن المؤلف كان “الشاب” في أورشليم الذي فر عارياً في الظلام ليلة القبض على يسوع. إن مسار التحقيق الوحيد المتاح لنا هو أن نقرر ما إذا كانت المعلومات الواردة في الإنجيل وطريقة تقديمها متوافقة مع سلطة بطرسية-مرقسية. إذا كان بطرس هو مصدر المعلومات التي استخدمها مرقس، فإننا نتوقع اكتشاف عناصر السيرة والتاريخية. لكن هل نجدهم؟
إعلان أم تاريخ؟
“بداية إنجيل يسوع المسيح، ابن الله” -هذه هي الكلمات التي بدأ بها الإنجيلي الثاني كتابه وأصبح عنوانه. ما كتبه هو “إنجيل”، وهو الوحيد من بين الأربعة التي ندعوها أناجيل الذي أطلق على نفسه اسم الإنجيل. في أماكن أخرى من العهد الجديد، الإنجيل هو “إعلان” أو “كلام”؛ هذه هي الحالة الوحيدة التي تمت كتابته فيها. لذلك فإن إنجيل مرقس هو إعلان مكتوب وإنجيل مكتوب.
يوجد عدد من ملخصات الإنجيل “المُعلَن” في أعمال الرسل، على سبيل المثال، عندما تحدث بطرس إلى كرنيليوس وعائلته في قيصرية (أعمال الرسل 10: 34-43). كانت النقاط الرئيسية التي ذكرها بطرس لهم هي:
بعد المعمودية التي أعلنها يوحنا المعمدان
مَسَحَ الله يسوع الناصري بقوة
حتى أعلن الإنجيل ابتداءً من الجليل وفي جميع أنحاء اليهودية.
كان الله معه وهو يتجول في شفاء كل من يضطهده الشيطان.
صلبه أهل أورشليم
ولكن الله أقامه في اليوم الثالث
في عام 1932، لاحظ سي إتش دود أن هذا الملخص لخطاب بطرس يشبه إلى حد بعيد تسلسل وهيكل “الإنجيل” المكتوب، وخاصة إنجيل مرقس. وفقًا لدود، كان الإنجيل المكتوب نسخة موسعة من الإنجيل المنطوق.
كتب الإنجيلي الثاني إنجيله للقراءة العامة للكنيسة. وهذا واضح من تعليمات المؤلف لقارئ الكنيسة لشرح مادة غامضة (“دع القارئ يفهم” مر 13: 14). هل من المناسب أن يكون طول ثلثي أحداث هذا الإنجيل أقل من عشر جمل؟ من المؤكد أن السرد سريع الحركة وجذاب، مع حد أدنى من الكلام المسجل. كان أحد أكثر العروض المسرحية نجاحًا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في لندن، والذي تم عرضه ليلاً في منازل ممتلئة، يتألف من طاقم من شخص واحد كان نصه الوحيد هو نص إنجيل مرقس. بالرغم من كتابته، يظل إنجيل مرقس بطريقة ما “إعلان”. هل المقصود هو إثارة عواطفنا وتحريك إرادتنا للإيمان بيسوع؟
لا توجد طريقة يمكن اعتبارها مجرد “حياة يسوع”. يدخل يسوع البالغ ببساطة القصة بالقرب من البداية ويكون محور الاهتمام في الحلقات التالية. هناك غياب شبه كامل لتفاصيل السيرة مثل اسم والده أو مكان ولادته أو تعليمه أو عمره أو مظهره.[2] تُروى القصة بإحساس كبير بالدراما، بحيث أنه على الرغم من أن يسوع كان سيزور أورشليم للاحتفال بالأعياد اليهودية تسع أو عشر مرات خلال فترة الثلاث سنوات من حياته العامة، إلا أن هذا الإنجيلي جعله يذهب إلى هناك مرة واحدة فقط -ليموت!
تاريخية وجغرافية إنجيل مرقس
هل هذا الإنجيل، إذن، لا علاقة له بالسيرة وغير تاريخي؟ الجواب هو أنه على الرغم من أنه يأتي بشكل أساسي في شكل “إعلان”، إلا أن هناك أيضًا أربعة عناصر تاريخية على الأقل تميز إنجيل مرقس.
السياق التاريخي العام. يسمح لنا إنجيل مرقس بوضع يسوع في سياق تاريخي معروف. بدأ حياته العامة في الجليل بعد إلقاء القبض على النبي الشهير يوحنا المعمدان (مر 1: 14). مهمته، وكذلك مهمة تلاميذه، حدثت خلال الفترة التي كان هيرودس أنتيباس رئيس رباعي الجليل وبيرية (6: 14). حوكم من قبل حاكم اليهودية الروماني، بيلاطس البنطي، وصلب بقراره (15: 15). هؤلاء الثلاثة هم علامات تاريخية لخدمة يسوع في إنجيل مرقس، لأنهم معروفون جيدًا في مصادر تاريخية أخرى -يوحنا موجود في يوسيفوس؛ أنتيباس في يوسيفوس وتاسيتوس؛[3] وبيلاطس في فيلو ويوسيفوس وتاسيتوس.
يعطي مرقس ويوسيفوس أسماء مختلفة لزوج هيروديا السابق قبل أن تتزوج من أنتيباس (مرقس 6: 17؛ الآثار 18. 136)،[4] ولكن هذه تفاصيل ثانوية نسبيًا ولا تنتقص من التوافق الكلي لمرقس في سياق تاريخي معروف.
الهيروديون. يشير إنجيل مرقس إلى جماعة تعرف باسم الهيروديين،[5] عارضوا يسوع بشدة في كل من الجليل وأورشليم (مر 3: 6؛ 12: 13). على الرغم من أن العلماء غير متأكدين من تكوينهم الدقيق ومنطقهم، إلا أن تاريخيتهم ليست موضع تساؤل. من المهم أن إنجيل مرقس هو المصدر الأساسي الوحيد للمعلومات التاريخية لهذه المجموعة. من الواضح أن إشارة متّى الوحيدة مشتقة من مَرقُس (متى 22: 16 = مر 12: 13). لم يرد ذكر الهيروديين في لوقا أو يوحنا.
التفاصيل الجغرافية. يصور إنجيل مرقس يسوع على أن مقره في كفرناحوم (انظر أيضًا متى 4: 13) على الشاطئ الشمالي للجليل، لكنه يذكر أنه احتاج بشكل متزايد إلى الانسحاب خارج الجليل لأسباب مختلفة وعلى ما يبدو لفترات طويلة أكثر فأكثر.[6] على الرغم من أن المؤلف لم يوضح ذلك، إلا أن القراءة المتأنية تجعل الأمر على الأرجح كذلك.
بعد أنشطته الأولية والمذهلة في كفرناحوم (مرقس 1: 28، 33) انسحب يسوع بسبب الجموع (1: 37 -38) إلى “كل الجليل، يكرز في مجامعهم” (1: 39).
بالعودة إلى كفرناحوم (2: 1) أصبح من الضروري المغادرة بسبب مؤامرة الفريسيين والهيروديين (3: 6). انخرط في الخدمة العامة على ضفاف بحيرة طبريا (3: 7) وذهب إلى جبل غير معروف لتعليم الاثني عشر (3: 13).
مرة أخرى في كفرناحوم (3: 19)، بعد خلاف مع الكتبة من أورشليم، انسحب إلى شاطئ البحر للتعليم العام (3: 22 -4: 1). مكث في القارب الذي كان يتحدث منه وسافر مباشرة إلى ديكابوليس [المدن العشر] (4: 1، 35 -36؛ 5: 1). بعد أن عبروا البحر إلى المدينة التي عاش فيها يايرس (5: 21 -43)، زار الناصرة (6: 1-6) ثم زار قرى الجليل (6: 6).
عندما عاد يسوع إلى كفرناحوم، أرسل الاثني عشر لمهمتهم في القرية (6: 7)؛ رجعوا إليه (6: 30)، تبعهم رجال من “جميع المدن” (6: 33)، بعد أن لفتت مهمتهم انتباه هيرودس أنتيباس (6: 14). انسحب مرة أخرى، وأخذ تلاميذه معهم، إلى الجانب الشمالي الشرقي من البحيرة عند بيت صيدا أو بالقرب منها (انظر لوقا 9: 10) حيث سعى الشعب إلى جعله ملكًا (انظر يو 6: 14-15).
تم العثور على يسوع بعد ذلك في جينيسارت في الجليل (مر 6: 53)، حيث عاد إلى كفرناحوم وانخرط في نزاع خطير مع الفريسيين المحليين وكتبة أورشليم (7: 1). غادر مرة أخرى، وتوجه هذه المرة إلى مناطق صور وصيدا على الساحل البعيد لفينيقيا (7: 24)، ومن هناك إلى منطقة ديكابوليس (7: 31)، حيث أطعم أربعة آلاف (8: 1-9).
كانت زيارة يسوع التالية للجليل قصيرة. عندما ذهب هو والتلاميذ من ديكابوليس إلى دلمانوثة (8: 10)، كان هناك خلاف آخر مع الفريسيين (8: 11-12)، لذلك غادروا على الفور على متن قارب إلى بيت صيدا (8: 13، 22)، مع تحذير يسوع لتلاميذه من “خميرة الفريسيين و. ..هيرودس [أنتيباس] “(8: 15)، مصدرا المقاومة اللذان دأبا على إجباره على الخروج من الجليل. من بيت صيدا سافروا إلى المناطق الشمالية والجبلية من قيصرية فيلبي (8: 27)، بالقرب من منبع الأردن. بعد ستة أيام من إعلان بطرس أن يسوع هو “المسيح” (8: 29)، أخذ يسوع ثلاثة من التلاميذ إلى “جبل عالٍ” (من المحتمل أن يكون جبل حرمون، على مقربة من ارتفاع ميلين وحوالي اثني عشر ميلاً ونصفًا شمال شرق قيصرية فيليبي). – نصف ميل شمال شرق قيصرية فيليبي)، حيث حدث التجلي (9: 2-8). من هناك انطلقوا إلى أورشليم، عائدين إلى الجليل، لكن في سرية شديدة (9: 30)، ورجعوا إلى “البيت” في كفرناحوم (9: 33). ثم تبع يسوع والإثني عشر وادي الأردن (10: 1)، وأتوا في النهاية إلى أريحا (10: 46) وفي النهاية إلى أورشليم (11: 1، 11).
وهكذا ينقل إنجيل مرقس إحساسًا قويًا بالنشاط المكثف في الجليل، ومقره كفرناحوم ولكن مع فترات انسحاب إجباري إلى المناطق المجاورة في الغرب والشرق والشمال. رواية مَرقُس، التي تُروى من منظور المعارضة المستمرة للفريسيين المحليين والأورشليميين ومع التهديد الدائم لرئيس الربع هيرودس أنتيباس (والهيروديين)، يُعبَّر عنها بمصطلحات حركة جغرافية محددة داخل الجليل وخارجه، وبالتالي فهي معقولة تاريخياً.
الروابط بين الأحداث. إن إنجيل مرقس، على الرغم من ادعاءات بعض العلماء بأنه مجموعة عشوائية من الأحداث بدون قصة متطورة، إلا أنه يحتوي في الواقع على عدد من روابط السيرة والتاريخ بين الأحداث.
أحد الأمثلة على ذلك هو المنزل في كفرناحوم الذي كان يخص سمعان (وشقيقه أندراوس؟) الذي جاء إليه يسوع (مر 1: 29) وحيث أقام في البداية (1: 33، 35-36). عاد إلى هذا المنزل بعد انسحاباته الطوعية والقسرية المختلفة من كفرناحوم (2: 1؛ 3: 19؛ [7: 17]؛ 9: 33). من الواضح أن هذا المنزل أصبح منزله الخاص وقاعدة عملياته للخدمة في الجليل الأكبر والمناطق خارج الجليل.[7] تشير إشارات “بيت” كفرناحوم هذا، والتي تمتد عبر أحداث مختلفة لأكثر من نصف الإنجيل، إلى أن إنجيل مرقس، بشكل عام، له طابع تاريخي.
مثال آخر هو علاقة يسوع بأناس في بلدة أخرى -مدينته، الناصرة. غادر الناصرة ليعتمد على يد يوحنا في نهر الأردن (مرقس 1: 9)، واستقر بعد ذلك في كفرناحوم (1: 29؛ متى 4: 13). يُشار إليه بانتظام باسم “يسوع من الناصرة” (1: 24؛ 10: 47؛ 16: 6) أو “يسوع الناصري” (14: 67). بصرف النظر عن زيارته إلى الناصرة بعد معموديته (لوقا 4: 16-30)، يبدو أنه لم يعد هناك لبعض الوقت. عندما عاد، كان أهل الناصرة متشككين للغاية (مر 6: 2) لدرجة أنه أدلى بملاحظته الشهيرة أن “النبي ليس بلا كرامة إلا في بلده” (6: 4). أولئك الذين لم يكرّموا هذا النبي هم أبناء “وطنه” (مقاطعة أو منطقة)، و “أقاربه” (العائلة الممتدة) و “بيته” (عائلته المباشرة، كما في 6: 3 -مريم،[8] والدته وإخوته يعقوب ويوسى ويهوذا وسمعان وأخواته [الذين لم يذكروا بالاسم]). كانت شكوك الناصرة شاملة، وامتدت من عائلته المباشرة عبر شبكة الأقارب إلى المجتمع الأوسع.
لم يكن هذا الشك في الناصرة جديدًا. في وقت سابق “عائلته” (مر 3: 21)، أي أمه وإخوته (3: 31)، انطلقوا من الناصرة إلى كفرناحوم “ليأخذوه” (3: 21) لأنهم اعتقدوا أنه “فاقد لصوابه “(3: 21 NRSV). عند وصولهم وقفوا “في الخارج” (3: 31)، على الأرجح خارج المنزل في كفرناحوم، حيث علق يسوع على ذلك بأن أمه (الحقيقية) وإخوته هم الذين فعلوا مشيئة الله (3: 35).
هنا إذن رابط آخر، يمتد على أربعة فصول، يشير إلى عدم إيمان أهل الناصرة، بما في ذلك عائلته، على عكس “العائلة” الجديدة في كفرناحوم، كما كان الحال في منزل سمعان وأندراوس. هذان المثالان المتقاطعان للمراجع التي تغطي عدة فصول وأحداث هما دليل على الطابع التاريخي الكامن وراء إنجيل مرقس.
في الختام نسأل: هل للإعلان المكتوب أيضًا خصائص سيرة الحياة وله تاريخية تتوافق مع تأليف بطرسي-مرقسي؟ والدليل على الإجابة الإيجابية هو أن قصة مرقس تتوافق مع سياقها التاريخي؛ أنها تشير إلى وجود مجموعة “الهيروديين”؛ أن انسحاب يسوع يتوافق مع الظروف التاريخية للجليل ومع جغرافيته؛ وأن بعض الروابط الدقيقة بين الحلقات تشير إلى أن السرد يقوم على الحقيقة التاريخية. لكن هل هناك المزيد الذي يمكن قوله؟
الدليل على شهادة شاهد عيان
سنحاول في هذا القسم أن نبين أنه بالإضافة إلى المعلومات ذات الطابع التاريخي، هناك أيضًا آثار للأدلة التي من المحتمل أن تعود إلى شاهد عيان.
تفاصيل حية. هناك العديد من الأمثلة على التفاصيل الحية في إنجيل مرقس. من أين أتوا؟ هل نشأوا من خيال المؤلف المفعم بالحيوية أم من تذكره لأشياء تركت انطباعًا في ذاكرته؟ إذا كانت الأمثلة عبارة عن مقاطع وصفية طويلة، فسنميل إلى أن ننسبها إلى خياله. ومع ذلك، نظرًا لأنها محصورة في التفاصيل الصغيرة، فمن المرجح أنها نشأت من تذكره للأحداث المذهلة والمفعمة بالحيوية. دعونا نتأمل بعض الأمثلة.
هذه صورة فوتوغرافية تقريبًا لأشخاص يجلسون في مجموعات، وتعطي ثيابهم الملونة مظهر أسرة الزهور الموضوعة على العشب الأخضر.
كلمات مرقس هذه تقفز من الصفحة. في رأيي لا يمكن أن تأتي إلا من ذكرى شخص صدمته دراما المشهد أو لونه أو صوته أو غرابته. وراء هذه الكلمات ذكريات شخص كان حاضرا.
عواطف يسوع. من أبرز التفاصيل الحية في إنجيل مَرقُس ردود أفعال يسوع العاطفية والشخصية في مواقف معينة. كيف نفسر هذه في الإنجيل؟ هل هي نتيجة خيال المؤلف أم من ذكرياته؟ المؤلف لا يطورها بشكل منهجي، وليس هناك ما يدل على أنها قد اختلقت بأي شكل من الأشكال. بدلا من ذلك، يذكرها الكاتب بشكل عابر. وفيما يلي بعض الأمثلة أدناه.
وإلا كيف نفسر هذه الإشارات إلى السلوك البشري والعاطفي الشديد ليسوع -شفقته، وغضبه، وتعبه، واهتمامه بالآخرين، وغيظه، ومحبته، وخوفه، وإحساسه بالتخلي -أكثر من ردود أفعال سجلت بقوة مع شخص كان حاضراً في ذلك الوقت؟ يبدو من غير المحتمل أن تكون مثل هذه الإشارات قد نشأت من خيال المؤلف.
يذكر هذا المؤلف في خمس مناسبات أن يسوع “نظر حوله” (كما في دائرة): في المجمع عندما كانوا يشاهدون ما إذا كان سيشفى يوم السبت (3: 5)؛ في بيت كفرناحوم مع والدته وإخوته في الخارج (3: 34)؛ عند الحشد، ليرى من لمسه (5: 32)؛ للتلاميذ عندما قال مدى صعوبة دخول الأثرياء إلى ملكوت الله (10: 23)؛ وعند وصوله إلى الهيكل (11: 11). هذه “النظرة” التي حدثت في المناسبات الدرامية لم يسجلها متى ولم يسجلها لوقا سوى مرة واحدة. تكمن وراء رواية مَرقُس ذكرى شخص رأى -وتأثر بعمق -بالطريقة التي “نظر بها” يسوع في هذه الأوقات الدرامية العالية.
مقاطع “هم”. في عام 1928، لاحظ سي إتش تيرنر C. H. Turner، في تعليقه على مرقس، أن الإنجيلي الثاني كثيرًا ما استخدمهم في روايته، متحدثًا عن التلاميذ، في حين أن متى ولوقا كثيرًا ما حذفاهم، مشيرين فقط إلى يسوع والشخص الآخر في القصة. مع الأخذ في الاعتبار تصريح بابياس بأن مَرقُس كتب ما سمعه من بطرس، اقترح تيرنر أن بطرس غالبًا ما قال “نحن”، متحدثًا عن نفسه وعن التلاميذ الآخرين الحاضرين مع يسوع. بما أن مَرقُس لم يكن حاضرًا مع بطرس والآخرين، فلا يمكنه أن يكتب “نحن”؛ يجب أن يكتب “هم”. عندما تولى متى ولوقا مسؤولية مادة مرقس، تم حذف الكلمة، تاركين المفرد “هو” أي يسوع. وهكذا، في إعادة بناء تيرنر، كانت العملية
تعليم بطرس لعناصر القصة
كتابة مرقس لعناصر القصة
تكميل وتكييف متى ولوقا لمادة مرقس
نحن + يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة
هم + يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة
يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة
هناك العديد من قصص مرقس التي يمكننا فيها بسهولة تخيل “هم” على أنها في الأصل، من فم بطرس تعني “نحن”، على سبيل المثال:
في حين أنه من غير الممكن إثبات تصريح بابياس بأن مرقس كان “مترجم بطرس” (وهو تصريح يوافق عليه كل كاتب من القرن الثاني يغامر برأيه حول مؤلف الإنجيل الثاني)، الأدلة الداخلية متوافقة تمامًا مع هذا البيان. في حين أن وجهة نظر C.H. Turner يجب ألا تكون أكثر من احتمال مثير للاهتمام، يبدو لي أن التفاصيل الحية والإشارات إلى مشاعر يسوع تتطلب أن تكمن وراء النص المكتوب شهادة شاهد عيان.
يسوع في أورشليم
يتكون إنجيل مرقس من ستة عشر إصحاحاً، ستة منها على الأقل مخصصة لما حدث ليسوع في أورشليم. من حيث الكلمات الفعلية، يخصص مَرقُس ثلث إنجيله تقريبًا لأحداث تلك الأيام القليلة في أورشليم. قد يكون من المهم أن تكون هذه الفصول دقيقة للغاية ومفصلة في مسائل الزمان والمكان والناس. يقدم الجدول القادم أمثلة على تفاصيل وقت ومكان مرقس.
تفاصيل الأشخاص. بصرف النظر عن هؤلاء التلاميذ الذين تم تسميتهم والحاكم الروماني بيلاطس البنطي، يذكر مرقس الأسماء التالية: باراباس، قاتل شارك في “التمرد” (15: 6-15)؛ سمعان القيرواني “والد ألكسندر وروفس” (15: 21)؛ مريم المجدلية، وكذلك “مريم أم يعقوب الأصغر ويوسى” و “سالومة” (15: 40؛ 16: 1)؛ ويوسف الرامي (15: 43-46).
تفاصيل الزمان
تفاصيل المكان
فدخل اورشليم ودخل الهيكل. . .. وكان الوقت قد أمسى. (مر 11: 11)
في الغد. . . (11: 12)
في الصباح أذ كانوا مجتازين. . . (11: 20)
وجاءوا أيضاً الى اورشليم. (11: 27)
كان الآن قبل عيد الفصح بيومين. (14: 1)
وفي اليوم الأول من الفطير. . . (14: 12)
وعندما كان المساء. . . (14: 17)
وبمجرد أن كان الصباح. . . (15: 1)
وكانت الساعة الثالثة. (15: 25)
ولما جاءت الساعة السادسة. . . (15: 33)
ولما حل المساء. . . (15: 42)
ولما كان السبت قد مضى. . . (16: 1)
وقربوا من اورشليم الى بيت فاجي وبيت عنيا على جبل الزيتون. (مر 11: 1؛ 11: 15، 27؛ 14: 16)
خرج إلى بيت عنيا. (11: 11؛ 14: 3)
ولما خرج من الهيكل. . . (13: 1)
وبينما هو جالس على جبل الزيتون مقابل الهيكل. . . (13: 3؛ 14: 26).
وذهبوا الى مكان يقال له جثسيماني. (14: 32)
وكان بطرس قد تبعه من بعيد إلى دار رئيس الكهنة. (14: 54)
واقتادوه الجنود بعيدًا داخل القصر (أي دار الولاية). (15: 16)
وأتوا به إلى الموضع الذي يقال له الجلجلة. . .. وصلبوه. (15: 22، 24)
وهو [يوسف الرامي] . . . وضعه في قبر [قبره] المنحوت في الصخر. (15: 46)
نظرًا لوجود الكثير من التفاصيل في تلك الإصحاحات الستة الأخيرة، فقد اقترح أنها كانت موجودة في الأصل منفصلة باعتبارها الجزء الأول من الإنجيل الذي يتخذ شكلًا مكتوبًا. يشير هذا الجزء من إنجيل مرقس خمس مرات إلى رئيس الكهنة (14: 53، 54، 60، 61، 63) دون ذكر اسمه. وتم افتراض أن قيافا كان لا يزال رئيس الكهنة عندما كُتبت القصة، ولم تكن هناك حاجة لذكر اسمه. بما أن قيافا كان رئيس كهنة حتى عام 37 بعد الميلاد، فمن المحتمل أن يكون إنجيل أورشليم هذا قد ظهر قبل ذلك التاريخ.
أما بالنسبة للمؤلف، فإننا نخمن أنه إذا كان بطرس في تلك المرحلة مرتبطًا بمنزل يوحنا مرقس (انظر أعمال الرسل 12: 12-17)، من المحتمل جدًا أن يكون هذا الجزء من الإنجيل قد نشأ عن جهد تعاوني لبطرس ومرقس في منتصف الثلاثينيات.
عند الفحص، وجد أن إنجيل مرقس يتوافق مع تصريح بابياس بأن مرقس استخدم بطرس كمصدر له. بالنظر إلى هذا الإنجيل ككل، يتوافق هذا الإنجيل مع مخطط وعظ بطرس كما في الخطاب الذي ألقاه على كرنيليوس. بالنظر إلى الأجزاء المكونة له، وجد أنه غني بالمعلومات التاريخية والتفاصيل الحية، مما يدعم الافتراض بأن شاهد عيان كتب أو كان مصدر إنجيل مرقس.
هل كانت الأناجيل مجهولة العناوين؟
تخيل للحظة أنك تتصفح أرفف مكتبتك المحلية، ووجدت سيرتين للبابا فرانسيس. كتب أحدها صديق قديم ومعاصر للبابا. السيرة الأخرى مجهولة. أي واحدة سوف تشتري؟ معظم الناس، أجرؤ على التخمين، سيختارون التي كتبها شخص قضى وقتًا معه بالفعل، شخص كان صديقًا لـ جورج بيرجوجليو Jorge Bergoglio، الرجل الذي أصبح البابا فيما بعد.[9] في الوقت نفسه، أعتقد أن معظم الناس قد ينظرون أيضًا إلى السيرة المجهولة بدرجة من الشك. من كتب هذا؟ من أين حصلوا على معلوماتهم؟ لماذا يجب أن أثق في أنهم يعرفون ما الذي يتحدثون عنه؟ وإذا كانوا يريدون أن يصدقهم أحد، فلماذا لم يضعوا اسمهم في الكتاب؟
عندما يتعلق الأمر بسيرة يسوع الناصري -أو أي شخصية تاريخية في هذا الصدد -نجد أنفسنا في موقف مشابه. السؤال الأول الذي يجب أن نجيب عليه هو كيف نعرف ما نعرفه عن يسوع؟ كيف يمكن لأناس القرن الحادي والعشرين أن يعرفوا بأي قدر معقول من اليقين ما فعله وقاله في القرن الأول؟ من الواضح أنه لم يكن أحد منا هناك عندما سار يسوع على الأرض. فكيف نصل إليه كشخص تاريخي؟
بالنسبة للكثير من الناس، الإجابة على هذا السؤال بسيطة: افتح كتابك المقدس واقرأ إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا؛ يخبروننا بما فعله يسوع وقاله. في الواقع، منذ ما يقرب من تسعة عشر قرنًا، اعتقد معظم المسيحيين -وكل شخص آخر تقريبًا في هذا الصدد -أن إنجيلي متى ويوحنا كتبهما شهود عيان وتلاميذ ليسوع وأن إنجيلي مرقس ولوقا قد كتبهما رفقاء الرسولين بطرس وبولس.
ومع ذلك، كما ذكرت في الفصل الأول، في القرن الماضي أو نحو ذلك، ظهرت نظرية جديدة على الساحة. وفقًا لهذه النظرية، فإن الأفكار المسيحية التقليدية حول من كتب الأناجيل ليست صحيحة في الواقع. بدلاً من ذلك، بدأ العلماء في اقتراح أن الأناجيل الأربعة كانت في الأصل مجهولة. على وجه الخصوص، تم صياغة هذه النظرية في أوائل القرن العشرين من قبل العلماء المعروفين باسم “نقاد الشكل”، الذين اعتقدوا أن الأناجيل لم تكن سيرة بل هي فولكلور.[10] على حد تعبير عالم العهد الجديد ريتشارد باوكهام:
الافتراض بأن تقاليد يسوع كانت تُنشر بشكل مجهول في الكنيسة الأولى، وبالتالي فإن الأناجيل التي تم جمعها فيها وتسجيلها كانت أيضًا مجهولة في الأصل كانت شائعة جدًا في دراسات الأناجيل في القرن العشرين. تم نشره من قبل نقاد الشكل كنتيجة طبيعية لاستخدامهم لنموذج الفولكلور، الذي تم تمريره بشكل مجهول من قبل المجتمعات. كانوا يعتقدون أن الأناجيل كانت أدبًا شعبيًا، كما أنها مجهولة الاسم/المصدر. هذا الاستخدام لنموذج الفولكلور قد فقد مصداقيته … ويرجع ذلك جزئيًا إلى وجود اختلاف كبير بين التقاليد الشعبية المتوارثة عبر القرون والفترة الزمنية القصيرة -أقل من عمر الفرد – التي انقضت قبل كتابة الأناجيل. ولكن من اللافت للنظر إلى أي مدى كانت فكرة أن ليس فقط التقاليد ولكن الأناجيل نفسها كانت في الأصل مجهولة المصدر.[11]
“عنيد” هي الكلمة الصحيحة فقط. بحلول نهاية القرن العشرين، عندما كنت طالبًا، كان الافتراض بأن الأناجيل الأربعة في العهد الجديد لم تُنسب في الأصل إلى أي شخص واسع الانتشار لدرجة أنه نادرًا ما تمت مناقشته على الإطلاق، ناهيك عن التشكيك فيه. نتيجة لذلك، يعتقد العديد من العلماء اليوم أننا لا نعرف من كتب الأناجيل الأربعة، وهي مصادرنا التاريخية الأساسية لما فعله يسوع وقاله.
ماذا سنفعل من هذه النظرية؟ ما الدليل على أن الأناجيل كانت في الحقيقة مجهولة المصدر؟ في هذا الفصل، سوف نلقي نظرة فاحصة على النظرية ونرى سبب وجود بعض الأسباب الوجيهة للشك فيها.
نظرية الأناجيل مجهولة الاسم
في كتابه الأخير كيف أصبح يسوع إلهًا، يقدم بارت إيرمان ملخصًا موجزًا لنظرية الأناجيل المجهولة. يمكن تقسيمها إلى أربع ادعاءات أساسية.
أولاً، وفقًا لهذه النظرية، تم نشر جميع الأناجيل الأربعة في الأصل دون أي عناوين أو ألقاب تحدد هوية المؤلفين.[12] هذا يعني عدم وجود “الإنجيل حسب متى”، ولا “الإنجيل حسب مرقس”، ولا “الإنجيل بحسب لوقا”، ولا “الإنجيل حسب يوحنا”. ليس لأحد الأربعة. فقط الفراغات. وفقًا لهذه النظرية، على عكس العديد من السير القديمة الأخرى المنشورة تحت اسم مؤلف حقيقي، اختار المؤلفون الأصليون للأناجيل عمداً إخفاء هوياتهم.[13]
ثانيًا، من المفترض أن الأناجيل الأربعة تم تداولها دون أي ألقاب لمدة قرن تقريبًا قبل أن ينسبها أي شخص إلى متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا.[14] تذكر أنه في العالم القديم، كانت جميع الكتب نسخًا يدوية الصنع تُعرف باسم المخطوطات. وهكذا، وفقًا لهذه الفرضية، في كل مرة يُنسخ فيها أحد الأناجيل يدويًا لعقد بعد عقد، لم يضيف أحد أي ألقاب.
ثالثًا، لم يتم إضافة العناوين أخيرًا إلى المخطوطات إلا بعد وقت طويل -في وقت ما بعد موت تلاميذ يسوع ودفنهم. وفقًا للنظرية، كان سبب إضافة الألقاب هو إعطاء الأناجيل الأربعة “سلطة مطلوبة بشدة”.[15] بمعنى آخر، كان إدراج العناوين محاولة متعمدة لخداع القراء للاعتقاد الكاذب بأن الأناجيل كتبها الرسل وتلاميذهم. كما كتب بارت إيرمان في مكان آخر، فإن عناوين الأناجيل الأربعة هي شكل “ليس بريئًا على الإطلاق” من الإسناد أو التزوير القديم – وهي ممارسة يدينها على نطاق واسع كل من الوثنيين والمسيحيين.[16]
رابعًا وأخيرًا، وربما الأهم من ذلك كله، وفقًا لهذه النظرية، نظرًا لأن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة الاسم، فمن المنطقي الاستنتاج أن أيا منها لم يكتبه شاهد عيان.[17] على سبيل المثال، بالنسبة لإيرمان، فإن الأناجيل الأربعة هي الحلقات الأخيرة في سلسلة طويلة من كتابات رواة القصص المجهولين الذين لم يكونوا هم أنفسهم شهود عيان ليسوع والذين ربما لم يلتقوا أبدًا بأي شاهد عيان.
هذه باختصار نظرية الأناجيل المجهولة.[18] تنتشر النظرية بشكل ملحوظ بين العلماء وغير العلماء على حد سواء. وقد تم التأكيد عليه بشكل خاص من قبل أولئك الذين يرغبون في إثارة الشكوك حول المصداقية التاريخية لصورة يسوع في الأناجيل الأربعة.[19] المشكلة الوحيدة هي أن النظرية تكاد تكون بلا أساس. لا أساس لها في أقدم مخطوطات الأناجيل، ولا تأخذ على محمل الجد كيفية نسخ الكتب القديمة وتداولها، وتعاني من نقص عام في المعقولية التاريخية. دعونا نلقي نظرة فاحصة على كل من نقاط الضعف هذه.
لا توجد مخطوطات للأناجيل بدون اسم/عنوان
المشكلة الأولى وربما الأكبر لنظرية الأناجيل المجهولة هي: لم يتم العثور على نسخ مجهولة من متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا. لا وجود لها. على حد علمنا، لم يوُجدوا أبدًا.
بدلاً من ذلك، كما أوضح الباحث في العهد الجديد سيمون جاثركول، فإن المخطوطات القديمة مُجمعة على نسب هذه الكتب إلى الرسل ورفاقهم. تأمل، على سبيل المثال، الجدول التالي للعناوين الموجودة في أقدم المخطوطات اليونانية لكل من الأناجيل.[20]
أولاً، هناك غياب صارخ لأية مخطوطات إنجيلية مجهولة الاسم/المصدر. هذا لأنهم غير موجودين. ولا واحدة. السبب وراء أهمية هذا الأمر هو أن إحدى القواعد الأساسية في دراسة مخطوطات العهد الجديد (وهي ممارسة تُعرف بالنقد النصي) هي أنك تعود إلى أقدم وأفضل النسخ اليونانية لترى ما تقوله بالفعل. ليس ما كنت ترغب في قوله، ولكن ما يقولونه بالفعل. عندما يتعلق الأمر بعناوين الأناجيل، ليس فقط أقدم وأفضل المخطوطات، ولكن جميع المخطوطات القديمة – بدون استثناء، في كل لغة – تنسب الأناجيل الأربعة إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا.[22]
ثانيًا، لاحظ أن هناك بعض الاختلاف في شكل العناوين (على سبيل المثال، بعض المخطوطات اللاحقة تحذف كلمة “الإنجيل”). ومع ذلك، كما يلاحظ الباحث في العهد الجديد مايكل بيرد، هناك “اتساق مطلق” في المؤلفين الذين يُنسب إليهم كل كتاب.[23] أحد أسباب أهمية ذلك هو أن بعض العلماء سيدعون أن المخطوطات اليونانية تدعم فكرة أن عناوين الأناجيل قد أضيفت لاحقًا. على سبيل المثال، كتب بارت إيرمان:
نظرًا لأن المخطوطات اليونانية الباقية توفر مجموعة متنوعة من العناوين (المختلفة) للأناجيل، فقد أدرك علماء النصوص منذ فترة طويلة أن أسمائهم المألوفة (على سبيل المثال، “الإنجيل بحسب متى”) لا تعود إلى عنوان “أصلي” واحد، ولكن أضيف لاحقًا بواسطة الكتبة.[24]
انظر إلى الرسم البياني الذي يظهر عناوين أقدم المخطوطات اليونانية. أين هو “التنوع الكبير” للألقاب الذي يتحدث عنه؟ الاختلاف الوحيد المهم هو أن كلمة “الإنجيل” مفقودة في بعض النسخ اللاحقة، ربما بسبب اختصار العنوان.[25] في الواقع، هي بالضبط الأسماء المألوفة لمتى ومرقس ولوقا ويوحنا التي توجد في كل مخطوطة واحدة لدينا! ووفقًا للقواعد الأساسية للنقد النصي، إذا كان هناك شيء أصلي في العناوين، فهو أسماء المؤلفين.[26] هي على الأقل أصلية مثل أي جزء آخر من الأناجيل التي لدينا أدلة مخطوطة بالإجماع عليها.
ثالثًا – وهذا مهم – لاحظ أيضًا أن العناوين موجودة في أقدم نسخ كل إنجيل لدينا، بما في ذلك الأجزاء الأولى، المعروفة باسم البرديات (من أوراق البردي التي صنعت منها). على سبيل المثال، تحتوي المخطوطة اليونانية الأولى لإنجيل متى على العنوان “الإنجيل بحسب متى” (اليونانية euangelion kata Matthaion) (بردية 4). وبالمثل، فإن أقدم نسخة يونانية من بداية إنجيل مرقس تبدأ بالعنوان “الإنجيل بحسب مرقس” (اليونانية euangelion kata Markon). تعتبر هذه المخطوطة الشهيرة – التي تُعرف باسم المخطوطة السينائية لأنها اكتُشفت على جبل سيناء – على نطاق واسع واحدة من أكثر النسخ القديمة الموثوقة للعهد الجديد التي تم العثور عليها على الإطلاق. على نفس المنوال، تبدأ أقدم نسخة معروفة من إنجيل لوقا بكلمات “الإنجيل بحسب لوقا” (اليونانية euangelion kata Loukan) (بردية 75). أخيرًا، المخطوطة الأولى الموجودة لإنجيل يوحنا ليست سوى جزء صغير من الإنجيل. لكن لحسن الحظ، تم حفظ الصفحة الأولى ونصها: “الإنجيل بحسب يوحنا” (اليونانية euangelion kata Iōannēn) (بردية 66).
باختصار، تُنسب النسخ الأولى والأفضل من الأناجيل الأربعة بالإجماع إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لا يوجد دليل مخطوطي على الإطلاق – وبالتالي لا يوجد دليل تاريخي فعلي – لدعم الادعاء بأن الأناجيل “في الأصل” ليس لها ألقاب. في ضوء هذا النقص الكامل في النسخ المجهولة، كتب عالم العهد الجديد مارتن هينجل:
دعوا أولئك الذين ينكرون العصر العظيم وبالتالي الأصالة الأساسية في عناوين مخطوطات الأناجيل من أجل الحفاظ على ضميرهم النقدي “الصالح” يعطون تفسير أفضل للإجماع الكامل والشهادة المبكرة نسبيًا لهذه العناوين وأصلها وأسماء المؤلفين المرتبطين بها. لم يتم تقديم مثل هذا التفسير بعد، ولن يتم تقديمه أبدًا.[27]
سيناريو مجهولية كُتّاب الأناجيل غير معقول
المشكلة الرئيسية الثانية في نظرية الأناجيل المجهولة هي اللامعقولية المطلقة بأن كتابًا يدور حول الإمبراطورية الرومانية بدون عنوان لما يقرب من مائة عام يمكن أن يُنسب بطريقة ما إلى المؤلف نفسه بالضبط من قبل الكتبة في جميع أنحاء العالم ولا يترك أي أثر للخلاف في أي مخطوطات.[28] وبالمناسبة، من المفترض أن هذا لم يحدث مرة واحدة فقط، ولكن مع كل واحد من الأناجيل الأربعة.
فكر في الأمر لدقيقة واحدة. وفقًا لنظرية الأناجيل المجهولة الاسم، فإن إنجيل متى كان “في الأصل” الإنجيل وفقًا لأي شخص. نُسخ هذا الكتاب المجهول باليد، وأعيد نسخه، وأعيد نسخه، ووزع في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية لعقود. وبالمثل، فإن إنجيل مرقس، الذي كان أيضًا “في الأصل” إنجيلًا بالنسبة لأي شخص، تم نسخه وإعادة نسخه وتعميمه وإعادة نسخه لعقود. وهكذا بالنسبة للإنجيل الثالث المجهول، ثم الإنجيل الرابع المجهول. بعد ذلك، في وقت ما في أوائل القرن الثاني الميلادي، من المفترض أن العناوين نفسها تمت إضافتها ليس إلى واحد، أو اثنين، أو ثلاثة، ولكن جميع هذه الكتب الأربعة المختلفة والمجهولة الاسم. علاوة على ذلك، من المفترض أن يكون سبب التأليف هذا قد حدث على الرغم من أن الأناجيل الأربعة قد انتشرت بالفعل في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية بحلول القرن الثاني: في الجليل وأورشليم وسوريا وأفريقيا ومصر وروما وفرنسا وغيرها، أينما وجدت النسخ.
هذا السيناريو لا يصدق تماما. حتى لو كان من الممكن كتابة إنجيل واحد مجهول ونشره ومن ثم نسبه بأعجوبة إلى نفس الشخص من قبل المسيحيين الذين يعيشون في روما وإفريقيا وإيطاليا وسوريا، فهل من المفترض حقًا أن أصدق أن الشيء نفسه لم يحدث مرة واحدة، وليس مرتين، ولكن مع أربعة كتب مختلفة، مرارًا وتكرارًا، في جميع أنحاء العالم؟ كيف عرف هؤلاء الكتبة المجهولون الذين أضافوا العناوين لمن ينسبون الكتب؟ كيف تواصلوا مع بعضهم البعض بحيث انتهت جميع النسخ بنفس العناوين؟
علاوة على ذلك، فإن الفكرة القائلة بأن إضافة العناوين كانت ستستغرق ما يقرب من مائة عام لا تأخذ في الاعتبار حقيقة أنه منذ اللحظة التي كان هناك حتى أكثر من إنجيل واحد متداول، كان القراء بحاجة إلى طريقة ما لتمييزهم. من بعضنا البعض. على حد تعبير جراهام ستانتون:
بمجرد أن تستخدم المجتمعات المسيحية بانتظام أكثر من رواية مكتوبة لأفعال يسوع وتعاليمه، كان من الضروري التمييز بينها من خلال شكل من أشكال العنوان، لا سيما في سياق القراءات في العبادة.[29]
الآن، نعلم من إنجيل لوقا أن العديد من الروايات عن حياة يسوع كانت متداولة بالفعل بحلول الوقت الذي كتب فيه (انظر لوقا 1: 1-4). لذا فإن الإيحاء بعدم إضافة أي عناوين على الإطلاق إلى الأناجيل حتى أواخر القرن الثاني الميلادي يفشل تمامًا في مراعاة حقيقة أن العديد من الأناجيل كانت متداولة بالفعل قبل أن يضع لوقا قلمًا على ورق البردي، وأنه ستكون هناك حاجة عملية لتحديد هوية هذه الكتب.
أخيرًا، إذا حدثت الأشياء بالطريقة التي تقترحها النظرية المجهولة، فلماذا لا تُنسب بعض النسخ إلى متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا، ولكن نُسبت نسخ أخرى إلى شخص آخر – على سبيل المثال، أندراوس، أو بطرس، أو يهوذا؟ إذا كانت الأناجيل قد حصلت بالفعل على عناوينها من الكتبة الذين أضافوها زورًا إلى المخطوطات حتى قرن من الزمان، فإننا نتوقع العثور على (1) نسخ مجهولة الهوية – والتي، كما رأينا بالفعل، غير موجودة – وكذلك ( 2) عناوين متناقضة، حيث ينسب بعض الكتبة نسخة واحدة من الإنجيل إلى متى وتنسب أخرى نفس الإنجيل إلى بطرس أو يسوع أو أي شخص آخر.
إذا كان هناك أي شك حول هذا الأمر، فمن المهم مقارنة الدليل المخطوطي للأناجيل الأربعة بالدليل المخطوطي لرسالة العهد الجديد إلى العبرانيين. على عكس الأناجيل الأربعة، فإن الرسالة إلى العبرانيين هي في الواقع مجهولة. لم تحدد أبدًا مؤلفها صراحةً، ولا حتى في العنوان.[30] لذا خمن ماذا يحدث عندما يكون لديك كتاب حقيقي مجهول الاسم؟ ينتهي الأمر إما بالبقاء مجهول الهوية أو يُنسب إلى مؤلفين مختلفين، كما هو موضح في الجدول التالي.
إلى العبرانيين، مكتوبة من إيطاليا، على يد تيموثاوس
مخطوطة الخط الصغير 1739
القرن العاشر
إلى العبرانيين، مكتوبة من روما، على يد بولس للذين هم في أورشليم
مخطوطة الخط الصغير 81
القرن الحادي عشر
إلى العبرانيين، مكتوبة بالعبرية من إيطاليا، مجهولة الهوية على يد تيموثاوس
مخطوطة الخط الصغير 104
القرن الحادي عشر
لاحظ تنوع المؤلفين المقترحين: بعض المخطوطات تظل مجهولة المصدر، والبعض يقول أن العبرانيين كتبها “تيموثاوس”، والبعض الآخر كتبها “بولس”. يشير عنوان إحدى المخطوطات صراحةً إلى أنها كُتبت “مجهول الهوية” (اليونانية anonymōs)! نفس الشيء ينطبق على الكتاب المسيحيين القدماء: يقول بعض كتّاب الكنيسة الأوائل أن بولس كتب العبرانيين لكنه لم يعرّف عن نفسه ؛ ويقول آخرون إن لوقا ترجم رسالة بولس من العبرية إلى اليونانية ؛ ويقول آخرون إن العبرانيين كتبها برنابا رفيق بولس ؛ ولا يزال آخرون يقولون إن الرسالة كتبها كليمندس أسقف روما.[32] في أواخر القرن الثاني بعد الميلاد، رفع أوريجانوس السكندري يديه ببساطة وصرح: “أما من كتب الرسالة [إلى العبرانيين]،” فقط “الله أعلم” (يوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 6. 25. 14).
هذا ما تحصل عليه مع كتاب مجهول حقًا من العهد الجديد: مخطوطات فعلية مجهولة، ومناقشات قديمة فعلية حول من كتبه. ولكن هذا هو بالضبط ما لا تجده عندما يتعلق الأمر بإنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لا توجد نسخ مجهولة، و-كما سنرى في المقال القادم-لا جدال بين المسيحيين القدماء حول من كتب الأناجيل. العلماء الذين يستمرون في الادعاء بأن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة لا يمكنهم تفسير سبب عدم وجود نفس التنوع من المؤلفين المقترحين كما يحدث مع الرسالة إلى العبرانيين. مرة أخرى، على حد تعبير مارتن هينجل:
إذا كانت [الأناجيل] قد عممت لأول مرة بشكل مجهول ولم تُمنح ألقابها إلا في مرحلة ثانوية وبصورة مستقلة عن بعضها البعض في المجتمعات المختلفة، لأن العنوان كان ضروريًا لإعلان القراءة في العبادة، يجب أن يكون هذا قد أدى بالضرورة إلى مجموعة متنوعة من العناوين، كما يتضح من العديد من الأمثلة من العصور القديمة…. لا يوجد أي أثر لمثل هذه المجهولية.[33]
باختصار، لا تعاني نظرية الأناجيل المجهولة من نقص الأدلة المخطوطة فحسب، بل تعاني أيضًا من نقص المنطق. إنها ببساطة لا تنجح عندما يتعلق الأمر بالمعايير الأساسية للمعقولية التاريخية.
لماذا تنسب مرقس ولوقا إلى غير شهود العيان؟
المشكلة الرئيسية الثالثة في نظرية الأناجيل المجهولة تتعلق بالادعاء بأن الأنساب الخاطئة قد أضيفت بعد قرن من الزمان لمنح الأناجيل “السلطة المطلوبة بشدة”.[34] إذا كان هذا صحيحًا، فلماذا يُنسب اثنان من الأناجيل الأربعة إلى غير شهود العيان؟ لماذا يختار الكتبة القدامى مرقس ولوقا، من بين كل الناس، والذين لم يعرفوا يسوع أبدًا؟
مرة أخرى، ضع نفسك مكان الكتبة القدامى الذين من المفترض أنهم أضافوا عن قصد ألقابًا مزيفة إلى الأناجيل. إذا أردت إعطاء السلطة لكتابك المجهول، فهل ستختار لوقا، الذي لم يكن شاهد عيان بنفسه ولا من أتباع شاهد عيان، بل رفيق بولس، الذي لم يلتق بيسوع أبدًا خلال حياته الأرضية؟ وإذا أردت أن تمنح السلطة لسيرة حياة يسوع المجهولة، فهل ستختار مرقس، الذي لم يكن هو نفسه تلميذاً ليسوع؟ إذا كانت السلطة هي ما كنت تبحث عنه، فلماذا لا تنسب إنجيلك المجهول الهوية مباشرة إلى بطرس، رئيس الرسل؟ أم لأخيه أندراوس؟ في هذا الصدد، لماذا لا تذهب مباشرة إلى القمة وتنسب إنجيلك إلى يسوع نفسه؟
كما سنرى في المقالات القادمة، فإن مثل هذه الصفات إلى الرسل وشهود العيان الآخرين هي بالضبط ما نجده عندما ننظر إلى ما يسمى بـ “الأناجيل المفقودة” – المعروفة أيضًا باسم الأناجيل الملفقة (من الكلمة اليونانية apocryphon، والتي تعني ” كتاب مخفي”). يتفق جميع العلماء تقريبًا على أن الأناجيل الملفقة – مثل إنجيل بطرس وإنجيل توما وإنجيل يهوذا – هي مزيفة نُسبت زورًا إلى تلاميذ يسوع بعد فترة طويلة من موت الرسل.[35] لاحظ أنه لا يوجد أي من الأناجيل الملفقة اللاحقة تُنسب إلى غير شهود العيان مثل مرقس ولوقا.[36] تُنسب الأناجيل الكاذبة اللاحقة إلى أشخاص لديهم إمكانية الوصول المباشر إلى يسوع: أشخاص مثل بطرس، أو الرسول توما، أو مريم المجدلية، أو يهوذا، أو حتى يسوع نفسه. لا يُنسبون أبدًا إلى مجرد أتباع أو رفقاء الرسل. لماذا؟ لأن مؤلفي الأناجيل الملفقة هم الذين أرادوا إعطاء السلطة المطلوبة بشدة لكتاباتهم عن طريق نسبها زورًا إلى أشخاص لديهم أقرب صلات ممكنة بيسوع.
باختصار، فشلت نظرية الأناجيل المجهولة في تفسير ليس فقط عدم وجود أدلة مخطوطة ولكن أيضًا لماذا لا تُنسب إنجيلا مرقس ولوقا إلى شهود عيان ورفاق يسوع. في الواقع، عند إخضاعها للتدقيق النقدي، فإن اللامعقولية الكلية للنظرية تكون لافتة للنظر.
[1] William Barclay, The Gospels and Acts, vol. 1 (London: SCM Press, 1976), p. 116.
[2] يقصد بارنيت السيرة الحديثة ولكن السير اليونانية الرومانية القديمة لم تكن فيها هذه العناصر مهمة.
[3] التاريخ Histories 5. 9. لم يتم ذكر أنتيباس بالفعل بالاسم.
[4] Harold Hoehner, Herod Antipas (Grand Rapids: Eerdmans, 1980), pp. 131-36.
Meyers and James F. Strange, Archaeology, the Rabbis and Early Christianity, (London: SCM Press, 1981), pp. 59-60, 128-30.
[8] يرى بعض الدارسين ان مريم أمه أتت معهم لتهدئتهم لكيلا تحدث مشاجرات بين يسوع وإخوته
[9] Compare Alejandro Bermúdez, Pope Francis: Our Brother, Our Friend: Personal Recollections about the Man Who Became Pope (San Francisco: Ignatius, 2013). See also Georg Ratzinger, My Brother, the Pope, trans. Michael Hesemann (San Francisco: Ignatius, 2012).
[10] Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985), 65, 162n1.
وفقًا لهينجل، تعود النظرية في المقام الأول إلى اثنين من العلماء الألمان البارزين في أواخر القرن التاسع عشر: أدولف فون هارناك وثيودور زان، الذين توصلا (بالخطأ) إلى هذا الاستنتاج قبل اكتشافات القرن العشرين لأوراق البردي من القرن الثاني كاملة العناوين. انظر
Theodor Zahn, Introduction to the New Testament, trans. John Moore Trout et al., 3 vols. (repr., Minneapolis: Klock & Klock, 1977), 2.386–400.
[11] Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2006), 300.
لسوء الحظ، لا يقوم باوكهام بدمج دليل المخطوطة بشكل كافٍ على أصالة عناوين الإنجيل في نظريته الشاملة عن أصول الإنجيل. وبدلاً من ذلك، فهو يعتمد بشدة على نظرية مشكوك فيها حول إدراجات شهود العيان الضمنية في الأناجيل كمؤشرات على أصالة التأليف. ومع ذلك، إذا كان باوكهام محقًا ولم تكن الأناجيل في الأصل مجهولة المصدر، فستعمل العناوين نفسها كإشارات كافية للقراء فيما يتعلق بالتأليف، وسيبدو استخدام مثل هذه الإضافات الدقيقة زائداً عن الحاجة.
[16] Bart D. Ehrman, Forgery and Counterforgery: The Use of Literary Deceit in Early Christian Polemics (Oxford: Oxford University Press, 2013), 51–52, 6.
[18] في عمله السابق، تضمن بارت ايرمان حجة خامسة، ادعى فيها أن شكل العناوين -“الإنجيل حسب X” – يثبت أن العناوين قد أضافها “شخص آخر” غير المؤلف. انظر
Bart D. Ehrman, Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium (Oxford: Oxford University Press, 1999), 42.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا مقنعًا للقراء المعاصرين الذين اعتادوا على المؤلفين الذين يشيرون إلى أنفسهم حصريًا بصيغة المتكلم. لكن من منظور تاريخي، فشلت الحجة في ثلاث نقاط: (1) كما سنرى لاحقاً، الأناجيل هي شكل من أشكال السيرة اليونانية الرومانية القديمة. كما أشار خبراء في السير القديمة، “مؤلفو السير… عادة ما يتم تسميتهم”.
Craig S. Keener, The Gospel of Matthew: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2009), 40.
علاوة على ذلك، كانت إحدى “السمات الافتتاحية” القياسية للسيرة اليونانية الرومانية القديمة عادةً نوعًا من “العنوان”.
Richard Burridge, What Are the Gospels?, 156–57.
تحدد هذه العناوين أحيانًا المؤلف بصيغة الغائب، على سبيل المثال.
(Josephus, Life of Josephus; Tacitus’s Agricola; Diogenes Laertius, Lives of Eminent Philosophers).
هذا منطقي تمامًا، لأنه عندما يتعلق الأمر بالسيرة ، سيرغب القارئ في معرفة من الذي يقدم سردًا لحياة الشخص، وكيف حصل على معلوماته. في الواقع، حتى مؤلفو السير الذاتية الذين يشيرون إلى أنفسهم بصيغة المتكلم لا يذكرون أسمائهم في نص الكتاب.
(Josephus, Life 1–2, 430; Lucian, Demonax, 1–2).
لكن هذا لا يحول أعمالهم إلى كتب “مجهولة”. باختصار، لم تعد الأناجيل “مجهولة تمامًا” من السير القديمة الأخرى التي لا توجد فيها معلومات صريحة عن التأليف في متن الكتاب. غالبًا ما يتم الاحتفاظ بالمعلومات حول تأليف مثل هذه الأعمال للعنوان.
(2) لدينا إشارات إلى كتب قديمة تتشابه عناوينها بشكل لافت مع عناوين الأناجيل، مثل “المذكرات بحسب نحميا” (اليونانية tois hypomnēmatismois tois kata ton Neemian) (مكابيين الثاني 2: 13) أو “ولادة وحياة أبقراط وفقًا لسورانوس “(اليونانية Hippokratous genos kai bios kata Sōranon) أو” التواريخ وفقًا لهيرودوت “(اليونانية hē kat ‘hērodoton history).
في إحدى الحالات، يشير يوسيفوس إلى تاريخ ثيوسيديدس على أنه “عمله التاريخي” (اليونانية tēn kat’ auton historian) (يوسيفوس ضد أبيون، 1. 18). انظر
Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985), 163n8.
في ضوء هذه المتوازيات، لا يوجد شيء غير قابل للتصديق حول استخدام الإنجيليين لعنوان “الأخبار السارة وفقًا لـ [المؤلف]”، خاصةً إذا رأوا أنفسهم على أنهم يعلنون الأخبار السارة عن يسوع باستخدام شكل السير التاريخية. علاوة على ذلك، تُظهر هذه الأمثلة أيضًا أن الادعاء أحيانًا بأن “وفقًا لـ” (اليونانية kata) لا تشير إلى التأليف هو ادعاء خاطئ. (3) حتى إذا تمت إضافة عنوان أول إنجيل مكتوب من قبل كاتب عرف هوية المؤلف بعد فترة وجيزة من نشر الكتاب أو بالتزامن مع نشره، فإن هذا لا يزال مختلفًا عن كتاب “مجهول تمامًا”. علاوة على ذلك، بمجرد إضافة العنوان الأول إلى الإنجيل الأول، فإنه من السذاجة القول بأن مؤلفي الإنجيل اللاحقين سيقلدون وينسخون من كل شيء تقريبًا في الكتاب باستثناء العنوان. على العكس من ذلك، فمن المعقول تمامًا أن نقترح أن كتّاب الإنجيل اللاحقين سيقلدون شكل العنوان (“الأخبار السارة حسب …”) لكنهم يغيرون اسم المؤلف. إذا كنا نعرف شيئًا عن مؤلفي الإنجيل، فهو أنهم لم يكن لديهم أي تأنيب على الإطلاق عن نسخ المواد من بعضهم البعض! لا يوجد سبب لا ينبغي أن يكون هذا صحيحًا بالنسبة للعناوين أيضًا. حول كل هذا، راجع.
Michael F. Bird, The Gospel of the Lord: How the Early Church Wrote the Story of Jesus (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2014), 257–58.
[19] Reza Aslan, Zealot: The Life and Times of Jesus of Nazareth (New York: Random House, 2014).
أحد الأشياء الأولى التي يقوم بها أصلان هو الإصرار على أنه “لم يكتب أي من الأناجيل الشخص الذي سميت باسمه” (xxvi). هذا يحرره ليبني يسوع الذي يختلف اختلافًا جذريًا عن الذي تقدمه الأناجيل.
[20] Simon J. Gathercole, “The Titles of the Gospels in the Earliest New Testament Manuscripts,” Zeitschrift für die Neutestamentliche Wissenschaft 104 (2013): 33–76.
Bruce M. Metzger and Bart D. Ehrman, The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration (Oxford: Oxford University Press, 2005), 52–94. See also D. C. Parker, An Introduction to the New Testament Manuscripts and Their Texts (Cambridge: Cambridge University Press, 2008).
[22] Martin Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, trans. John Bowden (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2000), 48–56. See also Hengel, Studies in the Gospel of Mark, 64–84.
[25] Gathercole, “The Titles of the Gospels in the Earliest New Testament Manuscripts,” 71:
“يبدو أن النسخة الأطول كانت أقرب إلى العنوان” الحقيقي “، والنسخة الأقصر هي اختصار، بدلاً من أن تستشهد الحواشي السفلية العلمية اليوم أولاً بالعنوان بالكامل ثم تختصره بعد ذلك.” أنظر أيضا
David E. Aune, “The Meaning of Euangelion in the Inscriptiones of the Canonical Gospels,” in Jesus, Gospel Traditions and Paul in the Context of Jewish and Greco-Roman Antiquity: Collected Essays, Wissenschaftliche Untersuchungen zum Neuen Testament 303 (Tübingen: Mohr-Siebeck, 2013), 24.
[26] Bart D. Ehrman, Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why (San Francisco: HarperOne, 2005), 130:
“ربما يكون المعيار الخارجي الأكثر أهمية الذي يتبعه العلماء هو هذا: لكي تُعتبر القراءة” أصلية “، يجب عادةً العثور عليها في أفضل المخطوطات وأفضل مجموعات المخطوطات.” في الواقع، لم يتم العثور على عناوين الأناجيل فقط في “أفضل المخطوطات” و “أفضل مجموعات المخطوطات” ؛ تم العثور عليها في جميع المخطوطات – دون استثناء واحد. ومن ثم، وفقًا لمعيار إيرمان النقدي للنص، يجب اعتبار عناوين الأناجيل أصلية.
[27] Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, 55.
[29] Graham Stanton, Jesus and Gospel (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), 79.
[30] Harold Attridge, The Epistle to the Hebrews, Hermeneia (Minneapolis: Fortress, 1989), 1–2, 410n87; see also Barbara and Kurt Aland et al., Novum Testamentum Grace, 27th ed. (Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 1993), 587.
[31] لتواريخ المخطوطات، انظر
Metzger and Ehrman, The Text of the New Testament, 52–94
[32] Eusebius, Church History, 6.1–3, 20.3; 25.13–14; Jerome, Lives of Illustrious Men, 5.59.
[35] Ehrman, Forgery and Counterforgery, 324–44. See also John P. Meier, A Marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus, 4 vols., Anchor Yale Bible Reference Library (New Haven: Yale University Press, 1991, 1994, 2001, 2009), 1.112–66.
[36] يتم تجاهل هذه النقطة باستمرار من قبل العلماء الذين يزعمون أن الإسناد الخاطئ لمرقس ولوقا لا يمثل مشكلة. انظر، على سبيل المثال، Ehrman, in Forgery and Counterforgery, 51–52 حيث فشل في شرح سبب عدم قيام الكتبة بنسب الأناجيل إلى بطرس وبولس أنفسهم فقط بدلاً من تلاميذ بطرس وبولس.
الإنجيل الرابع، مثل الأناجيل الثلاثة الإزائية، لا يحمل اسم كاتبه. العنوان “حسب يوحنا” هو تسمية ملحقة به عندما جمعت الأناجيل الأربعة معًا وبدأوا في الانتشار كمجموعة واحدة، وذلك لتمييزه عن رفقائه الثلاثة.[1] من الجدير بالذكر أنه في حين أن الأناجيل الأربعة الكنسية يمكن أن تُنشر بشكل مجهول، فإن الأناجيل الملفقة التي بدأت تظهر منذ منتصف القرن الثاني فصاعدًا ادعت (زورًا) أنها كتبها رسل أو أشخاص آخرون مرتبطون ارتباطًا وثيقًا بالرب.
وبمجرد أن يُعزى هذا الإنجيل إلى “يوحنا” إلى الوراء، يُفترض بانتظام أن يوحنا المعني كان يوحنا بن زبدي، أحد الاثني عشر. يوجد بالفعل دليل إيجابي على “تلميذ الرب” الآخر الذي يُدعى يوحنا،[2] الذي كان يعيش (على الأرجح) في مقاطعة آسيا الرومانية التي هاجر إليها يوحنا بن زبدي، وفقًا للتقاليد، من فلسطين في الجزء الأخير من القرن الأول؛ لكن لا أحد في العصور القديمة، بقدر ما نستطيع أن نقول، نسب الإنجيل الرابع إلى يوحنا الآخر هذا بدلاً من يوحنا ابن زبدي. يُشار إلى يوحنا الآخر هذا من قبل بابياس، أسقف هيرابوليس (حوالي 130 م)، باسم “يوحنا الشيخ” (أو “الأكبر”) -“الشيخ” هو تسمية مُنحت بشكل خاص في ذلك الوقت للقادة المسيحيين من الجيل الذي تلا الرسل.
تم تقديم سلسلة متحدة المركز من الحجج لتحديد هوية المبشر الرابع مع يوحنا ابن زبدي في شكل كلاسيكي من قبل ويستكوت B.F Westcott. ووفقا له، تشير الأدلة الداخلية للإنجيل إلى أن الإنجيل كتبه (أ) يهودي فلسطيني، (ب) شاهد عيان، (ج) التلميذ الذي أحبه يسوع، (د) يوحنا بن زبدي.[3]
من الواضح أن المبشر كان يهوديًا. المناظرات بين يسوع والزعماء الدينيين في أورشليم حول النقاط الدقيقة للتفسير القانوني اليهودي، والتي أعيد إنتاجها في الفصول المركزية من الإنجيل، لم يكن من الممكن فهمها أو تسجيلها في تلك الأيام بواسطة مؤلف لم يكن هو نفسه واحدًا من ‘اليهود’. صحيح أن الإنجيلي يتحدث كثيرًا عن “اليهود” بطريقة توحي بأنه ينأى بنفسه عنهم، ولكن عندما يفعل ذلك، فإنه يقصد بانتظام “اليهود الآخرين” (على عكسه هو ورفاقه) أو غير ذلك، من حين لآخر، اليهود الجنوبيين (متميزين ومختلفين عن الجليليين). كما يؤكد العرض أدناه مرارًا وتكرارًا، من المهم دائمًا التأكد من هوية “اليهود” تحديدًا في كل مكان يظهر فيه التعبير.
يبدو واضحًا أيضًا أن المبشر كان (في الأصل على الأقل) يهوديًا فلسطينيًا. إذا كان الإنجيل قد نُشر، كما يبدو محتملاً، في مقاطعة آسيا بعد حوالي ستين عامًا من الأحداث التي يرويها، لا ينبغي أن نتفاجأ من أنه لا يعكس فقط الموقف الذي وقعت فيه تلك الأحداث ولكن أيضًا الموقف الذي تم فيه تسجيلها ونشرها بشكل نهائي. بمناظر خدمة يسوع التي يصفها، لا سيما تلك الموجودة في أورشليم وما حولها -حتى لو كان من المبالغة القول إنه يعرف أورشليم “مثلما يعرف سائق تاكسي محطة يوستون في مدينة لندن”.[4]
لقد ذهب عدد قليل من العلماء إلى أبعد من ذلك في الحفاظ على السمة الفلسطينية للإنجيلي وإنجيله، بحجة أنه في حين أن الإنجيل (مثل جميع كتب العهد الجديد الأخرى) قد جاء إلينا باللغة اليونانية، إلا أنه تمت كتابته في الأصل باللغة الآرامية لغة العامة من اليهود الفلسطينيين.[5] هذا غير محتمل تمامًا. بطبيعة الحال، إذا كان يسوع وتلاميذه يتحدثون باللغة الآرامية بشكل معتاد، فقد نتوقع أن نجد الآرامية في الشكل اليوناني لأقوالهم (تمامًا كما تعكس اللغة الإنجليزية التي يتحدث بها سكان المرتفعات الإسكتلندية أو شعب ويلز مصطلحات خطابهم الكلتي Celtic الأصلي)؛ وهذا في الواقع نجده في الأناجيل الأربعة. ولكن ما لم يكن هناك دليل موضوعي صريح (مثل جزء من النص الآرامي للإنجيل الذي لا يحمل أي علامة على أنه ترجمة من اليونانية)، فلا يوجد سبب للشك في أن إنجيل يوحنا في حد ذاته كان تكوينًا يونانيًا منذ البداية.
إن حجة الأصل الفلسطيني لهذا الإنجيل لم تكن متاحة لعلماء الأجيال السابقة وقد تم تقديمها من خلال اكتشاف ودراسة الوثائق الصادرة عن المجتمع الديني الذي كان مقره في قمران، شمال غرب البحر الميت قبل حوالي قرنين من الزمان قبل عام 70 م.[6] لا داعي للمبالغة في أهميتها (من المفيد أن نتذكر أن كل اكتشاف جديد تقريبًا في التاريخ الديني للشرق الأدنى في الفترة ذات الصلة قد تم الترحيب به في يومه باعتباره مفتاح حل مشكلة الإنجيل الرابع).[7] ومع ذلك، توجد بعض الصلات بين الشكلين الأدبيين. تعابير يوحنا المميزة مثل “نور الحياة”، “أبناء النور”، “فعل الحقيقة”، “أعمال الله” لها موازيات في كتابات قمران. يرى كل من يوحنا ورجال قمران الكون من منظور الضوء والظلام المتباينين بشدة، والخير والشر، والحقيقة والباطل. ولكن حتى لو بدا أن يوحنا “يستمد من مخزون مشترك من المصطلحات والأفكار التي كانت معروفة جيدًا لدى الإسينيين”،[8] لا ينبغي التغاضي عن العنصر الجديد في استخدامه لهذه المصطلحات. عندما يتحدث عن “نور الحياة”، فهو لا يفكر في أفكار مجردة، ولا يهتم بشكل أساسي بمجموعة تعاليم أو جماعة مقدسة؛ بالنسبة له، فإن النور الحقيقي هو نفسه يسوع المسيح، الكلمة المتجسد. و. ف. أولبرايت W. F. Albright,، أحد العلماء الأوائل الذين لفتوا الانتباه إلى صلات قمران في الإنجيل الرابع، شدد بحكمة على “الهوة الواسعة بين تعاليم الأسينيين وأساسيات تعليم يوحنا”: وقد ذكر أربعة من هذه الأساسيات، تتعلق بوظيفة المسيح، وخلاص الخطاة، وخدمة الشفاء وإنجيل الحب.[9]
هل كان الإنجيلي شاهد عيان؟ يوجد في مكان واحد ادعاء أكيد وصريح بسلطة شهود العيان. هذا هو المكان الذي يرتبط فيه طعن جنب يسوع بعد موته على الصليب (يوحنا 19: 35): “الَّذِي عَايَنَ شَهِدَ” (أي هذه شهادة شاهد عيان). لا يُقال من هو شاهد العيان -هل هو الإنجيلي نفسه أم شخص يعتمد الإنجيلي على شهادته. مرة أخرى، في خاتمة الإنجيل قيل إن “التلميذ الذي أحبه يسوع” هو الشخص الذي “التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهذَا وَكَتَبَ هذَا” (21: 24). يمكن فهم البيان بأنه “كَتَبَ هذَا” على أنه يعني أنه تسبب في كتابتها، وأن شهادته كانت أساس هذا السجل؛ لكن القول بأنه “يَشْهَدُ” لهم يتضمن شهادة مباشرة. “هذه الأشياء” ربما لا تشمل فقط الحادثة المذكورة في الإصحاح 21 ولكن الأحداث الأخرى المسجلة في الجسم الرئيسي للإنجيل. على وجه الخصوص، يقال أن التلميذ الحبيب كان حاضرًا في العشاء الأخير (13: 23)، عند الصليب (19: 26 ومايليه) وفي القبر الفارغ (20: 2-10)؛ يمكن بسهولة الاستدلال على أن التلميذ الحبيب هو السلطة القائمة وراء تلك المراحل من روايات الآلام والقيامة، إن لم يكن أكثر من ذلك.
تم مناقشة تحديد هوية التلميذ الحبيب مع يوحنا ابن زبدي على أسس سلبية وإيجابية. على الجانب السلبي هو عدم وجود اسم يوحنا من هذا الإنجيل (أو اسم أخيه يعقوب في هذا الصدد)، بصرف النظر عن البيان في بداية خاتمة الإنجيل بأن “ابني زبدي” كانا من بين التلاميذ السبعة الذين التقوا بالرب القائم من بين الأموات على بحيرة الجليل (يوحنا 21: 2). إن عدم وجود أي ذكر ليوحنا أو يعقوب هو أكثر ما يلفت الانتباه عندما ينظر المرء إلى الدور الذي لعبه أعضاء آخرون من الاثني عشر بالاسم في هذا الإنجيل -ليس فقط أعضاء بارزين مثل سمعان بطرس وأندراوس ولكن أعضاء أقل شهرة مثل فيليبس وتوما ويهوذا “ليس الإسخريوطي”.
على الجانب الإيجابي هو وجود التلميذ الحبيب في العشاء الأخير. إذا كان من المناسب أن نستنتج من مرقس 14: 17 (والمتوازيات الإزائية) أن الاثني عشر فقط كانوا حاضرين مع يسوع في العشاء الأخير، فإن التلميذ الحبيب كان أحد الاثني عشر -بالتأكيد ليس بطرس (الذي تميز عنه في يوحنا 13: 24) وربما لم يذكر أي من التلاميذ الآخرين بالاسم في يوحنا 13-17. إن تسميته المتكررة بـ “التلميذ الذي أحبه يسوع” يعني تجنبًا متعمدًا لاسمه الشخصي. هكذا أيضًا في الخاتمة، حيث من الواضح أنه واحد من التلاميذ السبعة الذين ظهروا في حادثة الظهور على ضفاف البحيرة، يتميز صراحةً عن بطرس (يوحنا 21: 7، 20) وبإشراك أيضًا كل من توما ونثنائيل؛ يجب أن نفكر فيه حينئذٍ كأحد أبناء زبدي (الذين لم تُذكر أسماؤهم) أو كأحد التلاميذ الآخرين المذكورين في يوحنا 21: 2 ولكن لم يذكر اسمه. بقدر ما يتعلق الأمر بأبناء زبدي، لا يمكن تحديده مع يعقوب: تم قتل يعقوب على يد هيرودس أغريباس الأول، وفقًا لأعمال الرسل 12: 1، خلال فترة حكمه القصيرة كملك على اليهودية (41 -44 م)؛ لم يكن الأمر بالنسبة ليعقوب أن الشائعة انتشرت في وقت لاحق “أن ذلك التلميذ لن يموت” (يوحنا 21: 23).
على مائدة العشاء (يوحنا 13: 24)، عند القبر الفارغ (يوحنا 20: 2-10) وعلى ضفاف البحيرة (يوحنا 21: 7، 20) يرتبط التلميذ الحبيب ببطرس بشكل خاص؛ في الأيام الأولى للكنيسة ظهر يوحنا مرارًا وتكرارًا كرفيق لبطرس (أعمال الرسل 3: 1-4: 23؛ 8: 15-25؛ راجع أيضًا غلاطية 2: 9، حيث يرتبط بطرس ويوحنا مع يعقوب شقيق الرب باعتبارهما “أعمدة” مجتمع أورشليم). في الإصحاحات الأولى من سفر أعمال الرسل، كان بطرس هو الشريك المهيمن إلى حد كبير لدرجة أن يوحنا هو نسبيًا شخصية عادية بجانبه. في الواقع، لدينا القليل جدًا من المعلومات في العهد الجديد عن يوحنا ابن زبدي كفرد مسمى. وصفه يسوع هو وشقيقه يعقوب بأنهما بوا نرجس، وفسرا على أنهما يعنيان “ابني الرعد” (مرقس 3: 17). قد نخمن أنه تم وصفهم على هذا النحو بسبب طبيعتهم المتهورة. لقد كان يعقوب ويوحنا من اقترحا إطلاق النار من السماء لأكل السامريين غير المُرحبين (لوقا 9: 54)؛ كان يوحنا هو الذي أخبر كيف حاول هو ورفاقه إيقاف رجل كان يخرج الشياطين باسم يسوع لأنه لا ينتمي إلى شركتهم (لوقا 9: 49). عانى يعقوب ويوحنا من استياء زملائهما التلاميذ في إحدى المناسبات من خلال الظهور كأنهما يسرقان تقدم عليهم في محاولة لتأمين مكانة تفضيلية لأنفسهم في ملكوت المسيح الآتي (مرقس 10: 35-45). كانا مع بطرس ينتميان إلى مجموعة داخلية من ثلاثة تلاميذ سُمح لهم بعلاقة وثيقة بشكل استثنائي مع سيدهم (مرقس 5: 37؛ 9: 23 14: 33).
إن معرفتنا الضئيلة عن يوحنا بن زبدي تجعل من الصعب السير مع عالم يحظى باحترام كبير ويرى أنه بـ “يقين أدبي” أن الإنجيل الرابع لم يكتبه يوحنا[10] -ما لم يكن في الواقع يقينًا أدبياً أنه لم يُكتب من قبل أي شاهد عيان. الباحث المشار إليه (سي. ك. باريت) يقترح أن الإنجيلي (ليس هو نفسه شاهد عيان) كان تلميذاً للرسول يوحنا، أحد أولئك الذين جمعهم حول نفسه بعد هجرته من فلسطين إلى أفسس.[11] إنه ليس متهورًا لدرجة أنه يحاول تحديد هذا التلميذ مع “يوحنا الشيخ” الذي ذكره بابياس، على الرغم من أن هذا التحديد قد اقترحه بعض دارسي الإنجيل الرابع. نحن لا نعرف ما يكفي عن يوحنا الشيخ لنربطه بشكل وثيق إما بالرسول الذي يحمل نفس الاسم أو بالإنجيل الرابع.[12]
إن شهادة شاهد العيان التي تم تمييزها في الإنجيل هي بالأساس شهادة التلميذ الحبيب، وبالتالي شهادة الرسول يوحنا (إذا كان من الممكن إثبات هويته مع التلميذ الحبيب). ولكن إذا كان أحد تلاميذه هو الذي كتب الإنجيل نيابة عنه، فقد يكون أيضًا شاهد عيان على بعض الأحداث المسجلة. لقد قيل أنه كان أورشليمياً. هل كان، على سبيل المثال، التلميذ “المعروف لدى رئيس الكهنة” (يوحنا 18: 15 وما يليه)؟ هل كان، علاوة على ذلك، هو الشاهد لطعن جنب يسوع (يوحنا 19: 35)؟ طرح هذه الأسئلة أكثر أمانًا من تقديم الإجابات.
يقترح البروفيسور باريت أن الإنجيلي كان مؤلف الإصحاحات العشرين الأولى من الإنجيل وأن الخاتمة (الإصحاح 21) قد أضيفت عندما تم تحرير العمل للنشر -على الأرجح من قبل المجموعة التي قالت ” وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ ” يوحنا 21: 24. هذه المجموعة -مدرسة أو مجتمع يوحنا -لعبت بالتأكيد دورًا فيما يتعلق بالإنجيل.
إذا كان “تقليد يوحنا”، كما يُدعى، محفوظًا في المقام الأول في ذكرى رجل واحد، التلميذ الذي أحبه يسوع، فربما قال بالفعل، كما قال ب. هـ. مينود، ” ‘la tradition, c’est moi’ ” (“أنا التقليد”).[13] ومع ذلك، سيكون من الخطأ تصويره على أنه يعتز بذكرياته في العزلة لعدة عقود. يُعلق جيه إيه تي روبنسون، الذي كان لفترة طويلة مدافعًا قويًا عن التأليف الرسولي للإنجيل، أكثر بكثير من أهمية هامشية على شركاء يوحنا. تقليد يوحنا، في رأيه، “لم يخرج فجأة هكذا حوالي عام 100 م”؛ بالأحرى، هناك “استمرارية حقيقية، ليس فقط في ذكرى رجل عجوز واحد، ولكن في حياة مجتمع مستمر، مع الأيام الأولى للمسيحية”.[14]
إن التقليد الذي تم الحفاظ عليه ونقله بهذه الطريقة يشكل “المصدر” الوحيد المعروف للإنجيل الرابع. سيكون من الحماقة إنكار أن الإنجيلي عرف الأناجيل الأخرى؛ على الأقل ربما كان على دراية ببعضهم. لكنه لم يعتمد عليهم كمصادر.[15] لا يزال هناك سبب أقل لافتراض مصادر مكتوبة أخرى ربما يكون قد استند إليها. ميز رودولف بولتمان مصدر المعجزات (العلامات) ومصدر الأقوال.[16] لكن المعجزات والخطابات مترابطة للغاية بحيث لا يمكن تصنيفها إلى مصادر منفصلة.
إن التقليد التاريخي الذي احتفظ به التلميذ الحبيب ونقله بين رفاقه مستقل عن تلك التقاليد الممثلة في الأناجيل الإزائية، ولكنه ليس أقل أصالة.[17] إن تتبع تاريخ “مجتمع التلميذ الحبيب” ليس جزءًا من هدفنا الحالي؛[18] يكفي القول أنه لا يبدو أن له صلات وثيقة بكنيسة أفسس العظيمة. في الجزء الأول من القرن الثاني، كانت هذه الكنيسة لا تزال تُصنف على أنها تأسيس بولسي؛ في وقت لاحق فقط ادعت أن يوحنا هو رسولها بامتياز.
لم يتم الحفاظ على التقليد التاريخي ببساطة من قبل يوحنا وتلاميذه. شكلت أقوال يسوع وأحداث خدمته التي كرستها الأساس لمزيد من التأمل والتعليم والوعظ؛ لقد ازدهرت كتقليد حي ومتنامي، لكنها ظلت وفية لأساسها التاريخي.
في ترتيب وتسجيل هذا التقليد، يُظهر الإنجيلي مهارة رائعة بطرق مختلفة، وليس أقلها في تصوير الشخصية. المرأة السامرية (الإصحاح 4) ورجل أورشليم الذي كان أعمى في السابق (الإصحاح 9) هما شخصيتان لا يمكن نسيانهما؛ ونحن مدينون بالكامل تقريبًا لهذا الإنجيلي بالصورة التقليدية الحية لشخصية مريم المجدلية. ناقش العلماء شكل الحوار في هذا الإنجيل وميزوه عن الشكل الموجود في الأناجيل الأخرى،[19] لكن ربما تكون الشهادة الأكثر بروزًا على الواقعية الدرامية التي تحملها دوروثي سايرز عندما قالت، فيما يتعلق بتسلسل مسرحياتها الإذاعية، الرجل المولود ليكون الملك، أنه عندما يكون يوحنا هو السلطة في أي مشهد، “مهمة الكاتب المسرحي سهلة. إما أن يكون الحوار موجودًا -حيًا وشخصيًا على كلا الجانبين -أو يمكن إعادة بناء جزء المحاور بسهولة من الردود المقدمة “.[20]
ثانياً: الدليل على تأليف يوحنا بن زبدي وردود على الاعتراضات
يدعي كاتب الإنجيل الرابع أنه شاهد ليسوع. يصف في روايته للصلب كيف كسر الجنود أرجل الضحايا الآخرين قبل أن يكتشفوا أن يسوع قد مات بالفعل، وعندها “طعن جندي جنبه بحربة”. ثم يضيف الكاتب: “وَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ” (يو 19: 35).
يوضح السياق أن التلميذ الوحيد القريب من مكان الصلب كان “التلميذ الذي أحبه [يسوع]” (يو 19: 26). ورأى ما حدث وشهد على ذلك. علاوة على ذلك، يؤكد لقرائه أن شهادته صحيحة ويمكن تصديقها.
الحلقة الأخيرة من هذا الإنجيل هي حوار بين يسوع وبطرس، حيث يسأل بطرس عما سيحدث لـ “التلميذ الذي كان يسوع يحبه” الذي كان يتبعهما (21: 20-21). يتابع المؤلف: “هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهذَا وَكَتَبَ هذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ” (21: 24).
هذا ما كتبه “التلميذ الذي أحبه يسوع”، والذي كان حاضرًا مع يسوع وبطرس على بحر طبرية عندما أظهر يسوع نفسه حياً لتلاميذه للمرة الثالثة منذ صلبه (يو 21: 14). يريد كاتب هذا الكتاب أن نفهم أنه “التلميذ الذي أحبه يسوع”.
من هم إذن الذين يشار إليهم بـ “نحن”، الذين يعلمون أن شهادة التلميذ الحبيب صحيحة؟ يُقال أحيانًا أن هؤلاء الأشخاص مسؤولون في الواقع عن كتابة الإنجيل الرابع. لكن النص ينص بوضوح على أن “هذا هو التلميذ. . . الذي كتب هذه الأشياء “، في إشارة إلى التلميذ الذي أحبه يسوع. أولئك الذين يوصفون بـ “نحن” يصادقون على ما هو مكتوب، لكنهم ليسوا المؤلفين. إذن من هم؟
تم العثور على دليل هويتهم في بداية كتاب يوحنا -“وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ” (1: 14). عندما قال فيما بعد، “هذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ، فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ”(يو 2: 11)، فمن الواضح، بما أن كلمة “مجد” موجودة في كلا المقطعين، فإن” تلاميذه “في الإصحاح الثاني هم” نحن “في الإصحاح الأول. كلمة “نحن” تمثل التلاميذ. الذي رافقوا يسوع وشهدوا آياته (راجع يو 20: 30).
ومع ذلك، يشير هذا الكتاب إلى أن المجموعة استمرت وأن العديد من الأشياء التي قالها وفعلها لم تُفهم إلا بعد أن تركهم يسوع. بعد حادثة تطهير الهيكل يعلق المؤلف:
من خلال الكتابة في هذا السياق، يقصد المؤلف أن نفهم أن خبرة التلاميذ مع الروح القدس بعد تمجيد يسوع (يو 7: 39) هي التي مكنتهم من “التذكر” (راجع يو 14: 26) ولـ “فهم” (راجع يو 16: 13-15) ما قاله يسوع وعمله عندما كان معهم. علاوة على ذلك، في غياب يسوع، يجب أن تظل هذه المجموعة وفية لكلمته فيما سيكون بالنسبة لهم حالة نزاع وعداء (يو 16: 1-4؛ 17: 11-17).
باختصار، “نحن” في يوحنا 21: 24، الذين يعرفون أن شهادة التلميذ الحبيب صحيحة، هم هؤلاء التلاميذ الذين كانوا مع يسوع. لقد شهدوا آياته ورأوا مجده، ومنذ تمجيد يسوع، دخلوا في فهم أعمق ليسوع من خلال عمل الروح القدس في سياق المقاومة والألم. التلميذ الحبيب يتكلم كواحد منهم. يؤكدون حقيقة ما يقوله. بشكل ملحوظ، هناك نفس التفاعل بين الفرد والجماعة في الرسالة الأولى ليوحنا. من جهة تقول “نحن نكتب هذا” (1 يو 1: 4) ومن جهة أخرى “أنا أكتب هذا” (1 يو 2: 1). استنتاجنا هو أن كلا من إنجيل يوحنا ورسالته الأولى قد كتبهما فرد كان عضوًا في مجموعة متماسكة يمثلها والتي تحدث من أجلها.
من هو التلميذ الذي أحبه يسوع؟
إن مؤلف الكتاب، “التلميذ الذي أحبه يسوع”، لا يكشف بشكل مباشر عن هويته. من الواضح أنه كان معروفًا جدًا في دائرته لدرجة أنه لم يكن بحاجة إلى ذكر اسمه. ومع ذلك، هناك ثلاثة أدلة في النص تساعدنا في التعرف عليه.
أولاً، كان صديقًا حميمًا ليسوع. كان “أحد تلاميذه” الذي كان “متكئاً بالقرب من صدر يسوع” وكان بطرس قريبًا، وربما على الجانب الآخر بجانب يسوع (يو 13: 23-24). وقف هذا التلميذ أيضًا مع مريم، والدة يسوع، بالقرب من الصليب. كانت هذه هي ثقة يسوع في الرجل حتى أنه أصبح من الآن فصاعدًا يعامل مريم أم يسوع كأمه (يو 19: 26-27).
ثانيًا، كان زميلًا مقربًا لبطرس. رافق هذا التلميذ بطرس في صباح عيد الفصح للتحقق من قصة مريم المجدلية التي تفيد بأن الحجر قد أزيل عن مدخل القبر (يو 20: 2). تشير المناقشة في بحر طبرية إلى أنه كان صديقًا مقربًا ليسوع وسمعان بطرس (يو 21: 20-21).
ثالثًا، كان “التلميذ الذي أحبه يسوع” واحدًا من مجموعة من سبعة تلاميذ على شاطئ بحيرة طبريا، وهم سمعان بطرس، وتوما المسمى التوأم، ونثنائيل من قانا الجليل، وأبناء زبدي واثنين آخرين من تلاميذه (يو 21: 2).
نظرًا لأن “التلميذ الذي أحبه يسوع” كان صديقًا حميمًا ليسوع وزميلًا مقربًا لبطرس، فإن المرشح الأكثر ترجيحًا هو أحد “أبناء زبدي”. لأن يعقوب بن زبدي استشهد حوالي 43 م (أعمال 12: 2)، كان الاستنتاج المنطقي هو تحديد هذا التلميذ المجهول مع يوحنا زبدي. ويتعزز الاحتمال بالغياب التام لأي إشارة إلى اسم “يوحنا” في هذا الإنجيل، باستثناء يوحنا المعمدان. وبالمثل، فإن كلمة زبدي ترد في هذا الكتاب فقط في المقطع المقتبس.
تذكر القائمة الأولى لأسفار العهد الجديد، القانون الموراتوري، المؤرخة حوالي 180-200، “إن الإنجيل الرابع هو كتاب يوحنا، أحد التلاميذ”.[21] إيريناوس، كاتب القرن الثاني وتلميذ بوليكاربوس، الذي تعلم من يوحنا زبدي، كتب: “أخيرًا، أعلن يوحنا تلميذ الرب، الذي اتكأ على صدره، مرة أخرى الإنجيل أثناء إقامته. في أفسس في آسيا.”[22]
رأي المؤلفين المسيحيين في القرن الثاني هو أن “التلميذ الذي أحبه يسوع” كان يوحنا زبدي وكتب الإنجيل الرابع.
أي نوع من الكتب؟
ما نوع الوثيقة التي كتبها يوحنا ولماذا كتبها؟ بما أن هذا هو الكتاب المقدس الذي يقول العديد من المبشرين المعاصرين أنه يجب قراءته أولاً، فإننا نفترض أنه إنجيلي في طبيعته. لكن هل هو كذلك؟ ماذا يقول المؤلف نفسه؟
الكلمات المترجمة هنا كـ “إذا آمنتم” ليس لها معنى “لكي تؤمنوا” في الأصل ولكن “استمروا في الإيمان”.[23] وبالتالي، فإن ما كتبه يوحنا ليس في الأساس مسارًا إنجيليًا مصممًا للناس ليؤمنوا بيسوع. (لم يشير أبدًا إلى ما كتبه على أنه “إنجيل”). إنه “كتاب” مكتوب لمساعدة القراء المسيحيين على الاستمرار في الاعتقاد بأن يسوع هو المسيح، ابن الله.
لا يحتاج المؤلف إلى سرد قصة الإنجيل الأساسية مرة أخرى؛ قرائه، على ما يبدو، يعرفون ذلك بالفعل. كانت حاجتهم إلى فهم أوضح وأقوى لمن يكون يسوع. من أجل مساعدتهم، بعد أن نظر الكاتب في العديد من علامات معجزات يسوع، اختار سبعة لإظهار الهوية الحقيقية ليسوع. هذه العلامات المعجزة هي
تحويل الماء إلى خمر في قانا الجليل (2: 1 -11)
شفاء ابن نبيل كفرناحوم (4: 46 -54)
شفاء الأعرج عند بركة أورشليم (5: 1 -9)
إطعام الجموع في البرية (6: 1 -15)
شفاء الأعمى في أورشليم (9: 1 -8)
إقامة لعازر من الموت في بيت عنيا (11: 1 -44)
قيامة يسوع نفسه في أورشليم (20: 1 -29)
لماذا اختار يوحنا هذه المعجزات دون غيرها؟
قد يكون أحد الأسباب أنها أحداث معجزة بشكل لا لبس فيه. بينما نتأمل في هذه الحوادث السبعة، ببساطة لا يوجد تفسير آخر ممكن. في كل حالة حدثت معجزة عظيمة. تم تحويل ما يقل عن 180 جالونًا من الماء إلى نبيذ؛ شُفي الصبي من بعيد. كان الرجل معوقًا منذ ثمانية وثلاثين عامًا. تمت إطعام خمسة آلاف رجل. ولد الرجل اعمى. كان لعازر قد دفن لمدة أربعة أيام ويسوع لمدة ثلاثة أيام. مثل هذه الحوادث لا يمكن أن تنسب إلى الخيال أو القوة النفسية!
سبب آخر هو أنه يبدو أن العديد من المعجزات قد تم اختيارها لمساعدة القراء على اتخاذ قرار بالتخلي عن ولائهم لليهودية وإلزام الجميع ليسوع. إن الماء الذي جعله يسوع خمرًا قد استُخدم في “طقوس التطهير اليهودية” (يو 2: 6). أتاحت معجزة الخبز والسمك فرصة ليسوع ليصف نفسه بأنه “الخبز الحقيقي” (يو 6: 32-33)، مقارنة بـ “المن في البرية” (يو 6: 31). تُظهر هذه “العلامات” أن يسوع يتمم العهد القديم وينهيه، لذا فإن المزيد من الانخراط في اليهودية كنظام ديني أصبح الآن بلا فائدة.
لذلك يستخدم المؤلف هذه المعجزات وما قاله يسوع عنها لإقناع القراء بصواب ما يقوله. السؤال بالنسبة لنا هو، هل يستخدم المعلومات التاريخية في مناقشة هذه القضية؟ الجواب هو أن البيانات الواردة في هذا الكتاب ذات طابع تاريخي وجغرافي، وأن هذا الكاتب، من بين الإنجيليين الأربعة، يقدم لنا معلومات تاريخية وطبوغرافية على وجه التحديد أكثر من معلومات الأناجيل الثلاثة الأخرى مجتمعة. دعونا نتأمل في ثلاثة أنواع من البيانات التاريخية في الإنجيل الرابع.
تاريخية وجغرافية الإنجيل الرابع
يشير المؤلف عدة مرات إلى المباني والأماكن في فلسطين. وبما أن هذه القضايا خضعت للتحقيق بشكل تدريجي، فقد ظهر احترام سليم لمعرفة المؤلف ودقته في هذه الأمور. دعونا نلقي نظرة على أربعة أمثلة.
بئر يعقوب. يوجد بئر عميق جدًا -يبلغ عمقه حوالي 130 قدمًا -على بعد بضع مئات من الأمتار من الموقع التقليدي لمقبرة يوسف التي يمكن من خلالها رؤية جبل جرزيم، الجبل المقدس للسامريين. ما يزيد قليلاً عن نصف ميل إلى الشمال من البئر توجد قرية تسمى عسكر، والتي كانت تعرف على ما يبدو باسم سوخار في القرن الرابع.[24] أيضًا، يشير التلمود مرتين إلى نبع يسمى عين سكر، والذي قد يكون مطابقًا للنبع في البئر بالقرب من عسكر. من الواضح أن “سكر” التلمود يشبه “سوخار” في يوحنا. يبدو أن كاتب يوحنا 4 كان على دراية بهذا الأمر جيدًا:
النزول الى كفرناحوم. إن الإشارة الثلاثية إلى “ينزل/نزول” هي تفاصيل يسهل إغفالها، وهي مدفونة كما هي في سرد يوحنا 4. تم التعرف على قانا في إنجيل يوحنا على أنها خربة قانا، التي تبعد حوالي تسعة أميال عن الناصرة. من المهم أنه بين قانا، حيث تحدث يسوع إلى المسؤول، وكفرناحوم، حيث كان ابن المسؤول، تنخفض الأرض من فوق مستوى سطح البحر إلى حوالي 650 قدمًا تحت مستوى سطح البحر، أي على مسافة مئات الأمتار. أظهر الكاتب، في هذه الرواية، فهماً دقيقاً لتضاريس الجليل الغربي.
بركة بيت حسدا. اكتشف علماء الآثار بركة مزدوجة محاطة بأربعة أروقة، وخامسهم على ممر صخري بين البركتين. كانت البركة يبلغ عمقها حوالي خمسين قدمًا، مما يجعل من الضروري للشخص المصاب بالشلل ليس فقط أن تتم مساعدته للوصول إلى الماء ولكن أيضًا مساعدته فيه. هذا هو على الأرجح الموقع الذي وصفه يوحنا.
الهيكل في الشتاء. فيما يلي جزء من المعلومات العرضية التي لا يعتمد عليها أي شيء في السرد. عيد التكريس للمكابيين (هانوكا Hanukkah) يحدث في فصل الشتاء، تمامًا كما يحدث عيد الميلاد في أستراليا في منتصف الصيف. يبحث يسوع عن مأوى من الطقس في مكان معين، رواق سليمان، وهو جزء من هيكل هيرودس. إذا كتب شخص ما عن شخص يبحث عن مأوى من الشمس في يوم عيد الميلاد في مطعم Bennelong بيننلونج في دار أوبرا سيدني، فسيكون من المعقول أن يستنتج أنه كان على دراية مباشرة بالمناخ الأسترالي ومعالم سيدني في فترة ما بعد العام 1973 عندما اكتملت دار الأوبرا. نستنتج أن مؤلف هذا الإنجيل كان لديه فهم مباشر لمناخ اليهودية وعمارة الهيكل في الفترة التي سبقت 70 م عندما تم تدميره.
أخيرًا، قد نلاحظ أن الإنجيلي الرابع يذكر ما يصل إلى اثني عشر مكانًا لم يرد ذكرها في الأناجيل الأخرى. في هذا الصدد، لاحظ خبيران في علم الآثار في فلسطين:
إنها . . . الأطروحة “اللاهوتية” أو “الرمزية” الأكثر كثافة في العهد الجديد، ألا وهي إنجيل يوحنا، والتي تتخللها إشارات جانبية إلى جغرافية فلسطين.
بعض هذه الأماكن -“هذا الجبل” (يو 4: 20)، وبركة سلوام (9: 7) ووادي قدرون (18: 1) -يمكن تحديد مواقعهم بدقة. حتى لو لم يكن لدى الجميع تحديد معين، فهناك، مع ذلك، جو من الأصالة في طريقة وصف المؤلف. كتب عن “بيت عنيا عبر الأردن” (1: 28)؛ “قانا في الجليل” (2: 1؛ 4: 46) -مما يميزها عن “قانا في صيدا”. “عين نون بالقرب من ساليم” ووجود “الكثير من الماء” (3: 23)؛ افرايم مدينة “قرب البرية” (11: 54). “مكان يقال له البلاط وفي العبرية جبّاثا” (19: 13). تعزز العبارات المؤهلة المصاحبة لأسماء الأماكن هذه الانطباع بأنها مواقع جغرافية دقيقة.[25]
هذا الكاتب هو الذي يسجل سؤال نثنائيل: “أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟” (يو 1: 46)، وهو أمر لا معنى له إلى حد ما بالنسبة إلى معظم القراء. وبالمثل، قرب نهاية الإنجيل، يبدو أن قراءة نَثَنَائِيلُ الَّذِي مِنْ قَانَا الْجَلِيلِ (يو 21: 2) لا أهمية لها. لكن ما اكتشفه علماء الآثار هو أن القرية التي حددوها باسم قانا قريبة جدًا من الناصرة. يبدو أن سؤال نثنائيل الساخر هو مثل محلي عن قرية مجاورة، يتضح الآن أنها كانت صغيرة جدًا وبعيدًا عن الزحام. الدليل الأثري هو أن المؤلف كان لديه معرفة محلية دقيقة، والتي يكشف عنها بطرق غير واضحة تمامًا.
يعلم الإنجيلي أنها رحلة تستغرق يومين من بيت عنيا خارج الأردن (يو 1: 28، 35، 43؛ 2: 1) إلى قانا، ويوم واحد من قانا إلى كفرناحوم (4: 52) ويومان من بيت عنيا خارج الأردن إلى بيت عنيا بالقرب من أورشليم (10: 40 -11: 18).[26]
من الصعب الهروب من الاستنتاج بأن المبشر الرابع كان على دراية تامة بتضاريس ومباني جنوب فلسطين. تعليق علماء الآثار البارزين إريك مايرز وجيمس سترينج:
يمكن مضاعفة هذه الأمثلة عدة مرات وإكمالها بأمثلة من التقاليد والعادات وأجزاء أخرى من المعلومات المعروفة لمؤلف هذا الإنجيل. ومع ذلك، فإن النقطة التي نرغب في توضيحها هي ببساطة أن القراءة غير المتحيزة لإنجيل يوحنا يبدو أنها تشير إلى أنه قائم في الواقع على تقليد تاريخي وجغرافي، وأنه لم يكن مجرد تقليد يكرر المعلومات من الإزائيين.[27]
اتساق معلومات يوحنا مع السياق التاريخي
أشار المؤرخ اليهودي يوسيفوس إلى الحرب بين اليهود والرومان في عام 66-70 م في فلسطين على أنها
ليست أعظم حروب عصرنا فقط، ولكن بقدر ما وصلت إلينا الروايات، فهي قريبة من كل ما اندلع بين المدن أو الأمم. (The Jewish War 1.1)
فصلت هذه الحرب التاريخ قبلها عن التاريخ بعدها في الطريقة التي يقطع بها طريق سريع ضخم رقعة عبر الريف ويفصل جانبًا عن الآخر تمامًا. وقتل عشرات الآلاف من اليهود. تم تدمير مئات القرى وتعرية أجزاء كثيرة من المناظر الطبيعية حيث تم قطع الأشجار بسبب أعمال الحصار الرومانية. قبل كل شيء، تم تدمير الهيكل ومعه أجزاء كثيرة من أورشليم. كل الأنظمة المرتبطة -قوائم الكهنة، وتوفير الأضاحي -لم تعد موجودة. ذهب رؤساء الكهنة والبنية التحتية الإدارية التي وفرها السنهدريم. خضعت يهودا لحكم عسكري روماني أكثر مباشرة. اختفى الحزب الصدوقي وكذلك الفصائل المتمردة المختلفة مثل المتعصبين والسيكاري. لقد تلاشى حزب الفريسيين الأكثر تطرفاً، الشمايين، من الوجود، ولم يتبق سوى الهيليليين اللطفاء.
كانت الحياة مختلفة جذريًا بالنسبة لليهود بعد تلك الحرب في يهودا كما كانت بالنسبة للروس بعد ثورة 1917، عندما حل لينين والشيوعيون محل نظام القياصرة. النقطة المهمة هي أن الإنجيلي الرابع ليس فقط لا يلمح إلى وقوع مثل هذه الحرب الكارثية، ولكن قصته تُروى من منظور كيف كانت الحياة قبل تلك الحرب، وليس بعدها. يعلق بعض اليهود بعفوية تامة في السرد قائلين “فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هذَا الْهَيْكَلُ” (يو 2: 20). في مكان آخر يعلق الكاتب، “وَفِي أُورُشَلِيمَ عِنْدَ بَابِ الضَّأْنِ بِرْكَةٌ يُقَالُ لَهَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ «بَيْتُ حِسْدَا» لَهَا خَمْسَةُ أَرْوِقَةٍ”(يو 5: 2). من الطبيعي أن نستنتج من صيغة الفعل المضارع أن كلا المبنيين كانا لا يزالان قائمين وقت كتابة هذا التقرير.
أُذهل سي إتش دود برواية المحاكمة في إنجيل يوحنا والعلاقة المنعكسة هناك بين الحاكم الروماني وكبار القادة الكهنة:
إنه يتخللها إحساس حيوي بالوضع كما كان في نصف القرن الأول قبل انقراض الحكم الذاتي المحلي اليهودي. وهي تدرك العلاقات الدقيقة بين السلطات المحلية والسلطات الإمبراطورية. . .. كانت هذه الظروف موجودة في اليهودية قبل عام 70 م، وليس لاحقًا وليس في أي مكان آخر.[28]
بينما يعتبر دود أن الكاتب الأخير للإنجيل قد أزيل في الزمان والمكان من مصادره الممتازة قبل السبعين، يعتبر جون إيه تي روبنسون أنه من المرجح أن يكون المصدر البدائي والكاتب الأخير هما نفس الشخص.[29] من المنطقي بالتأكيد الاعتقاد بأن الإنجيل قد كُتب في الفترة التي يُراد وصفها، أي قبل 66 م. بعد عام 70 م، كانت الحياة في فلسطين مختلفة جدًا لدرجة أنه لم يكن من الممكن لشخص غير مطلع على الفترة السابقة أن يصف بدقة من خياله يسوع في عيد التكريس (الشتاء) وهو يمشي في رواق سليمان في الهيكل في أورشليم.
الأشخاص في إنجيل يوحنا
يُظهر الإنجيلي الرابع أيضًا أن عرضه التقديمي متجذر في التاريخ من خلال الإشارات التي يقدمها للناس. من المثير للاهتمام أن المعلومات التي نقلها هذا الكاتب لم تكن مستمدة من الأناجيل الأخرى. ومع ذلك، لا يوجد سبب للشك في صحة هذه المعلومات. دعونا ننظر في ستة أشخاص.
يوحنا المعمدان. يحدد الإنجيلي الرابع وحده الأماكن التي عمّد فيها يوحنا المعمدان: “بيت عنيا عبر الأردن” (يو 1: 28) و “عين نون قرب ساليم” (يو 3: 23). يخبرنا هذا الكاتب فقط أن يوحنا المعمدان كان له “تلاميذ” (يو 1: 35؛ 3: 25) وأن اثنين منهم شكلا فيما بعد نواة تلاميذ يسوع (يو 1: 35-42). يخبرنا هذا الإنجيلي وحده أن يسوع ويوحنا، مع مجموعات أتباعهما، عملوا بالتوازي لبعض الوقت قبل أن يُسجن يوحنا (يو 3: 22-24)، وأن تلاميذ يسوع عمدوا الناس في مجموعتهم -المزيد، في الواقع، أكثر مما فعل يوحنا المعمدان في مجموعته (يو 3: 22؛ 4: 1-2). إذا امتلكنا الأناجيل الإزائية فقط، سنفترض أن خدمة يسوع العلنية بدأت عندما انتهى يوحنا (مر 1: 14 وما يوازيه). يُظهر لنا الإنجيل الرابع أنه، لفترة على الأقل، تداخلت الخدمتان. إن عبارة “يُوحَنَّا لَمْ يَفْعَلْ آيَةً وَاحِدَةً” (يو 10: 41)، الموجودة فقط في هذا الإنجيل، تتفق مع أدلة أخرى عن يوحنا المعمدان. كمصدر تاريخي ليوحنا المعمدان، نستنتج أن هذا الإنجيل يحتوي على معلومات أكثر تفصيلاً من الأناجيل الإزائية.
نثنائيل. نثنائيل مذكور فقط من قبل الإنجيلي يوحنا، على الرغم من أنه من الممكن أن يكون، في الواقع، نثنائيل برثولماوس (ابن برثولماوس).[30] كان من قانا الجليل (يو 21: 2) وكان معروفًا لدى فيليبس من بيت صيدا، التي كانت أيضًا مسقط رأس أندراوس وبطرس (يو 1: 44-45). على الرغم من شكوكه في أي شيء جيد، ولا سيما المسيح القادم من الناصرة المجاورة، فقد اعترف بعد ذلك بأن يسوع هو “ملك إسرائيل” (يو 1: 46-49). كان نثنائيل واحدًا من سبعة أشخاص ظهر لهم يسوع القائم في الجليل (يو 21: 1-2). كل ما يخبرنا به يوحنا عن هذا الرجل -بلدته الأصلية، وارتباطه بجليليين آخرين، ومثله الساخر عن الناصرة -يوحي بمعلومات تاريخية صحيحة.
يوسف. في الأناجيل الإزائية، تم ذكر يوسف فقط في وقت الحبل بيسوع وولادته، أي حوالي 7 قبل الميلاد. من السهل أن نستنتج من هذه المصادر أن يوسف مات في وقت ما بعد ولادة أبنائه الآخرين (مر 6: 3) وبدء خدمة يسوع العلنية حوالي 29 م. مع ذلك، يوضح إنجيل يوحنا أن يوسف كان حياً في الوقت الذي أطعم فيه يسوع الجموع في البرية (6: 42).[31] لو كان يوحنا يعتمد على الإزائيين للحصول على معلوماته، فمن غير المرجح أن يُذكر يوسف على الإطلاق.
في كلتا إشارتَي يوحنا، يُتحدث عن يسوع على أنه “ابن يوسف” (يو 1: 45؛ 6: 42)، وهي الطريقة التي كان يشير بها معاصرو يسوع الجليليين إليه. لكن في وقت لاحق، قيل إن يسوع “وُلِد من امرأة”، وهو تصريح استخدمه كل من المؤمنين والمعارضين، وإن كان لأسباب مختلفة. قصد بولس، المؤمن، الإيحاء بأن الحمل بيسوع كان بفعل الله، دون تدخل جنسي، بينما في التلمود، كان يسوع نذلًا وُلِد خارج إطار الزواج من اتحاد بين جندي روماني بانديرا (“بانثير”) ومريم (b. Shabbat 104b). قد تكون إشارة يوحنا إلى يسوع على أنه “ابن يوسف” تقليدًا مبكرًا جدًا في الجليل. مرة أخرى، الأدلة من يوحنا، في هذه الحالة المتعلقة بيسوع “ابن يوسف”، الذي كان حياً أثناء خدمة يسوع العلنية، تحمل كل علامات الأصالة والتاريخ.
نيقوديموس. يظهر نيقوديموس، الذي أشار إليه هذا الإنجيلي فقط، ثلاث مرات في السرد. في المرة الأولى، في أورشليم (يو 3: 1-15)، اعترف بأن يسوع صانع معجزات ومعلم. يتضح في سياق السرد أن نيقوديموس هو عضو في طائفة الفريسيين (3: 1) وهو بالفعل رابي رائد (3: 10) وأكثر من ذلك، أنه كان “رئيساً لليهود” (3: 1) أو عضو مجلس الشيوخ اليهودي السنهدريم.
في المرة الثانية، تحدث أيضًا في أورشليم (يو 7: 50) على أنه “واحد منهم”، أي أنه ينتمي إلى “السلطات” و “الفريسيين” (7: 48)، مما يؤكد ما ورد في المقطع الأول.
في المرة الثالثة، مرة أخرى في أورشليم (يو 19: 38-39)، ظهر نيقوديموس مع يوسف الرامي ليكفن جسد يسوع. الكمية، مائة رطل من خليط المر والعود التي جلبها نيقوديموس لرشها على الجسم، سخية ولكنها ليست غريبة. المعنى الضمني هو أن هذا الرابي الفريسي وعضو السنهدريم كان ثرياً أيضًا.
معلومات يوحنا عن نيقوديموس مفصلة ومتسقة وذات صلة واقعية دون أي أثر للرومانسية. لا يوجد سبب للشك في صحة نيقوديموس.
قيافا. تم ذكر قيافا مرتين في متى، مرة في لوقا، مرة في أعمال الرسل، خمس مرات في يوحنا ولم يذكره مرقس على الإطلاق. نتعلم من متى أن قيافا كان الكاهن الأكبر للهيكل ورئيس السنهدريم (متى 26: 3، 57) في وقت الصلب، وهو ما يتوافق مع التسلسل الزمني ليوسيفوس (الآثار Antiquities 18. 35، 95؛ راجع 18. 64). لكن لوقا يشير إلى “الكهنوت الأعظم” لـ حنان وقيافا (لوقا 3: 2؛ راجع أعمال الرسل 4: 6). هذا مثير للفضول، لأن كهنوت حنان الأعظم انتهى في 15 م (الآثار 18. 27). من بين مصادر المعلومات المختلفة عن قيافا، يخبرنا يوحنا وحده أنه كان صهر حنان (يو 18: 13)، مما قد يفسر سبب ربط لوقا بين الاسمين كما يفعل يوحنا (يو 18: 13، 24). يوحنا مرتين يقول أن “قيافا. . . كان رئيس كهنة في تلك السنة “(يو 11: 49؛ 18: 13)، مما يشير، ربما، إلى أن حنان احتفظ بالسلطة الحقيقية حتى بعد خلعه، وربما كان يفوضها من وقت لآخر إلى صهره. مهما كانت الترتيبات الدقيقة، فمن يوحنا مرة أخرى تظهر المعلومات المميزة.
يظهر اسم قيافا على صندوق عظام (نعشه العظمي) اكتشف في القدس عام 1990.
بيلاطس. بيلاطس البنطي، الحاكم الروماني على اليهودية (26-36 م)، تمت الإشارة إليه على نطاق واسع في العهد الجديد، كما ورد أيضًا في كتابات يوسيفوس وفيلو. المصادر الأخيرة، ولا سيما فيلو، تصور بيلاطس على أنه عديم الرحمة وعديم الضمير. لذلك، أعرب بعض العلماء عن شكوكهم في الضعف النسبي لشخصية بيلاطس التي صورتها الروايات الإزائية (انظر بشكل خاص لوقا 23: 18-25).
إنه المبشر الرابع الذي يقدم معلومات تساعد في تفسير سبب تصرف بيلاطس بطريقة غير عادية في محاكمته ليسوع. إنه موجود في كلام اليهود لبيلاطس: “إِنْ أَطْلَقْتَ هذَا فَلَسْتَ مُحِبًّا لِقَيْصَرَ. كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكًا يُقَاوِمُ قَيْصَرَ” (يو 19: 12). يدين بيلاطس بتعيينه حاكماً على اليهودية ليس لمولده الأرستقراطي بل لـ “صداقته” مع الإمبراطور طيباريوس. كانت هذه “الصداقة” قد نشأت على أساس اتفاقية الرعاية المعاصرة من خلال لطف الإمبراطور المتعمد أو تفضيله تجاه بيلاطس. كان الولاء المطلق متوقعًا في المقابل. إن إطلاق سراح ملك نصب نفسه في مقاطعة رومانية كان من شأنه أن يكون عملاً واضحًا من عدم الولاء للإمبراطور “الصديق”. وهكذا ينقل يوحنا وحده أنه لم يكن ضعف بيلاطس بل ابتزاز اليهود هو السبب في سلوك الحاكم غير المعهود.[32]
هل الإنجيل الرابع ذو طابع تاريخي؟ ثروة المعلومات المتعلقة بالأماكن، والسياق المحدد لفترة ما قبل 70 م وتفاصيل حول الأفراد المذكورين تتطلب اعترافنا بأن هذه القطعة الأدبية تاريخية حقًا.
مشكلتان
قلة من علماء العهد الجديد يأخذون بعين الاعتبار، في رأيي، الطابع التاريخي الواضح للإنجيل الرابع. بالنسبة للكثيرين، يتم تسوية السؤال التاريخي بالنفي، دون مزيد من البحث، بسبب مشكلتين مرتبطتين بهذا الإنجيل. يُنظر إلى هاتين المشكلتين على أنهما مزعجتان للغاية لدرجة أنه يتم توجيه القليل من الاهتمام للعنصر التاريخي الجوهري في الكتاب.
مصدر ثانوي؟ تم توضيح المشكلة الأولى جيدًا من قبل غونتر بورنكام:
إن الإنجيل بحسب يوحنا له طابع مختلف تمامًا مقارنة بالثلاثة الآخرين، وهو إلى حدٍّ كبير نتاج انعكاس لاهوتي متطور، بحيث لا يمكننا التعامل معه إلا كمصدر ثانوي.[33]
من المتفق عليه أن إنجيل هذا المؤلف هو “نتاج تفكير لاهوتي متطور”. الكتاب مميز برموز قوية، كما في عبارة “كان الليل” (يو 13: 30)، تعليق الكاتب على خروج يهوذا لخيانة يسوع. يمكن رؤية حبه للمجاز أيضًا في الاستخدام المتكرر لعنصر “المجد” المرتبط بموت وقيامة يسوع (على سبيل المثال، يو 12: 23؛ راجع 7: 39). هذا يختلف عن الروايات الإزائية، حيث يرتبط المجد بالمجيء الثاني وحيث يكون التجلي، في الواقع، معاينة لروعته القادمة. لتركيز انتباهنا على تمجيد يسوع في صلبه وقيامته، أغفل يوحنا بجرأة حدث التجلي.
ومع ذلك، لا يترتب على ذلك أن مثل هذه الرمزية تجعل من يوحنا مصدرًا “ثانويًا”. هناك ثلاثة أسباب لعدم اعتبار الإنجيل الرابع ثانويًا.
أولاً، المقارنة بالقصص القليلة المشتركة في الإزائيين ويشير يوحنا إلى أنه لم يُشتق من المصادر الأخرى، ولكنه مستقل عنها. تأمل، على سبيل المثال، في تطهير الهيكل في روايات مرقس ويوحنا:
القصة الأساسية مشتركة بين كلا الروايتين، لذلك ليس هناك شك في أن كلاهما يرويان نفس الحادثة. ومع ذلك، هناك العديد من الاختلافات التي تجعل من غير المحتمل أن يكون يوحنا قد نسخ من نص مرقس. على سبيل المثال، يستبعد يوحنا ” الَّذِينَ كَانُوا يَشْتَرُونَ”، وقلب يسوع ” كَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ.” وحقيقة أنه “َلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَجْتَازُ الْهَيْكَلَ بِمَتَاعٍ”. من ناحية أخرى، يُدرج يوحنا تفاصيل مثل “البقر والغنم” و “صَنَعَ سَوْطًا مِنْ حِبَال” و “كَبَّ دَرَاهِمَ الصَّيَارِفِ”. أضف إلى هذه الإغفالات وتضمينات التعليقات المختلفة التي أدلى به يسوع في كل تقرير، ويبدو أنه من غير المرجح أن يكون أي من هذه الروايات مشتق من الآخر.
إن موقف هذه الحادثة في الإنجيل الرابع والأناجيل الإزائية هو لغز. ما لم يُطهر يسوع الهيكل في مناسبتين مختلفتين، وهذا ليس مستحيلاً، لدينا مشكلة أن الإزائيين وضعوها في النهاية ويوحنا وضعها في البداية. قد يكون هذا الإنجيل موضوعيًا (يرتب الأحداث حسب الموضوع) أكثر من كونه كرونولوجيًا (يرتب الأحداث زمنياً) في بعض النقاط،[34] وفي هذه الحالة يمكننا أن نقبل أن يوحنا هو الذي نقل مكان الحادث. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه، كما اقترحنا، مصدر مستقل، به معلومات أكثر وضوحًا من مرقس، وبالتالي فهو ليس بأي حال من الأحوال مصدر ثانوي.
ثانيًا، تُظهر الأدلة المتعلقة بالمباني والأماكن والسياق التاريخي وأشخاص محددين أن هذا الكاتب كان يستخدم بوعي المعلومات التاريخية. هناك الكثير من المعلومات المحددة في الإنجيل الرابع أكثر من الأناجيل الأخرى. هذا المستند هو مستند أساسي، وليس مستندًا مشتقًا أو ثانويًا.
ثالثًا، تُظهر المقارنة مع المقاطع الموازية في كاتب القرن الثاني، إغناطيوس، أسقف أنطاكية، أن يوحنا لم يكن المؤلف المتأخر جدًا الذي اعتقده الكثيرون. قارن، على سبيل المثال:
يوحنا
إغناطيوس
تهب الرياح حيث تشاء. . . لكنك لا تعرف من أين تأتي ولا إلى أين تذهب. (يو 3: 8)
لأنه [الروح] يعلم من اين يأتي والى أين يذهب. (فيلادلفيا 7. 1)
تشير مقاطع مثل هذه إلى أن إغناطيوس كان يعرف ويستخدم الإنجيل الرابع. منذ أن كتب أغناطيوس في وقت مبكر من القرن الثاني، يترتب على ذلك أن هذا الإنجيل قد كُتب خلال القرن الأول، وبالتالي فهو ليس متأخرًا بشكل واضح عن الأناجيل الأخرى.
هذه الأدلة الثلاثة -الاستقلال عن مَرقُس، والتفاصيل التاريخية العديدة الموجودة فقط في يوحنا وأصل إنجيل يوحنا قبل إغناطيوس -توضح أنه ليس مصدرًا ثانويًا. بل هو مصدر تاريخي مثل أي مصدر آخر في العهد الجديد.
الافتراض المسبق الكامن وراء بيان بورنكام هو أن اللاهوت “المتقدم” يعني لاهوتًا مكتوبًا متأخرًا عن اللاهوت الأقل تطورًا. لكن على المرء فقط قراءة الأدب المسيحي في أوائل القرن الثاني، مثل رسالة كليمندس الروماني أو رسالة بولكاربوس، ليكتشف أنه على الرغم من كتابته في وقت متأخر عن إنجيل مرقس أو رسالة بولس إلى أهل غلاطية، فإن اللاهوت المتأخر هو في هذه الحالات أقل تطورا لاهوتياً. في حين أنه من المتفق عليه أن لاهوت الإنجيل الرابع “متطور”، فإنه لا يعني أنه قد تضاءل تاريخياً بأي شكل من الأشكال. من الأفضل اعتبار هذا الإنجيل الأكثر تطورًا لاهوتيًا، وفي الوقت نفسه، الأكثر وضوحًا تاريخيًا من بين الأناجيل الأربعة.
خطب يسوع في يوحنا. تتعلق المشكلة الثانية بالأسلوب الموسع للكلام الذي استخدمه يسوع في إنجيل يوحنا مقارنة بالمقارنات الحادة والأمثال في الإزائيين. يُقال أنه إذا تحدث يسوع بأسلوب واحد في متى، فلا يمكن أن يكون المتحدث في يوحنا هو يسوع، وأن الإنجيلي قد ألف خطب يسوع. يجب التعرف على قوة هذه الحجة، لأن الأسلوب والمفردات المستخدمة في جميع أنحاء الإنجيل الرابع متجانسة ومن الصعب أحيانًا تحديد أين تنتهي كلمات يسوع وتبدأ كلمات الإنجيلي. هذه مشكلة حقيقية. ومع ذلك، يمكن إبداء تعليقين.
أولاً، يختلف وضع تعاليم يسوع في الإنجيل الرابع عن التقليد الإزائي. في الأناجيل الإزائية، يتم التأكيد على خدمة الجليل لأهالي الريف، بينما في يوحنا، يكون يسوع في الغالب في أورشليم إما يتناقش مع الرابيين المحترفين أو يتحدث على انفراد مع التلاميذ. من الواضح أن يسوع امتلك مهارات اتصال ممتازة، لذلك لا ينبغي أن نتفاجأ من أنه استخدم أساليب مختلفة من الكلام في مواقف مختلفة. خاطب حشودًا كبيرة في العراء لكنه تحدث أيضًا بشكل خاص إلى الأفراد في الداخل. وظف الأعراف السائدة في ذلك اليوم في الكرازة حول النص المحدد في الكنيس، وانخرط في سجال لفظي في مناظرات مع الكتبة.[35]
في الأناجيل، نلاحظ أن يسوع يتحدث بنبوة وأمثال وجدل ورعوي. إذا كان السياسي الحديث قادرًا على تغيير أسلوبه من غرفة الحزب إلى الكونجرس إلى المنصة العامة للتحدث الإذاعي، فما مقدار التباين في الأسلوب الذي يمكن أن نتوقعه من شخص ماهر في التواصل مثل يسوع؟
ثانيًا، في إنجيل يوحنا، يقول يسوع الأشياء بشكل مختلف. لكنه لا يعلم أشياء مختلفة. في الإزائيين، على سبيل المثال، علّم يسوع بوضوح أن الله يجب أن يكون مُعرّفاً بـ “الآب”. الفرق هو أنه لا يوجد سوى عشرين إشارة من هذا القبيل في جميع المصادر الإزائية مجتمعة، وأكثر من مائة في يوحنا. في إنجيل يوحنا، يعلّم يسوع عن عدد أقل من المواد ولكن بتدبر وتكرار أكبر؛ الاختلاف في الأسلوب وليس المحتوى.
يوحنا زبدي
ضمنيًا في الشكوك المحيطة بالإنجيل الرابع هو عدم احتمال أن يكون صيادًا من الجليل قد كتب هذا الكتاب العميق. يُشار إلى سفر أعمال الرسل، حيث يُقال إن بطرس ويوحنا “رجلان عاديان غير متعلمين” (4: 13). كيف يمكن لمثل هؤلاء أن يكتبوا أناجيلنا؟ لاحظ، مع ذلك، أن هذا هو تصور الحكام والشيوخ والكتبة ورؤساء الكهنة (أعمال الرسل 4: 5-6) الذين كانوا، كأساتذة وقضاة، أعضاء في نخبة من المثقفين والدينيين. الكلمات المترجمة “غير متعلم” و “عام” (اليونانية: agrammatos وidiōtēs) لا تعني أن بطرس ويوحنا كانا أميين، ولكن بالمقارنة مع أولئك الذين قاموا بالملاحظة، فقد كانا غير مهنيين وعلمانيين.[36] إذا كان هناك أي شك حول هذا الأمر، فمن المهم أن نلاحظ أن الكاتب اليوناني إبيكتيتوس في القرن الأول يتحدث بالفعل عن رجل “يكتب بطريقة أمية” (باليونانية graphein agrammats) (الخطابات Discourses، 2. 9. 10)![37] بعبارة أخرى، قد يشير وصف بطرس ويوحنا ببساطة إلى افتقارهما إلى معرفة القراءة والكتابة الرسمية من النوع الذي يمتلكه القادة اليهود في أورشليم.
حتى لو كان سفر أعمال الرسل يصف يوحنا بأنه غير قادر على القراءة والكتابة، فإنه لا يزال بإمكانه تأليف الإنجيل المنسوب إليه باستخدام عادة القرن الأول (والقرن الحادي والعشرين) الشائعة في الإملاء على السكرتير. على سبيل المثال، حتى الرسول بولس، الذي كان متعلمًا بالتأكيد، أملى الرسالة إلى رومية على الكاتب ترتيوس (رومية 16: 22). يمكن إعطاء العديد من الأمثلة الأخرى التي توضح استخدام كل من السكرتارية (كورنثوس الأولى 16: 21؛ غلاطية 6: 11-18) والمؤلفين المشاركين (كورنثوس الأولى 1: 1-2؛ كورنثوس الثانية 1: 1؛ فيلبي 1: 1؛ 1 تسالونيكي 1: 1؛ فليمون 1: 1). كما يشير ريتشارد باوكهام، فإن وصف التلميذ الحبيب بأنه “كتب” الإنجيل (يوحنا 21: 24) يمكن أن يشير إلى “إملاء نص على كاتب،”[38]
ولكن كان يوحنا زبدي من طبقة اجتماعية اقتصادية تستخدم خدمًا مأجورين (مر 1: 20)، لذا ربما كانت ظروفه مماثلة لعائلة الابن الضال، التي كان لها أيضًا خدم (لوقا 15: 17، 22، 26). لم يكن يوحنا نفسه موظفاً، بل كان عضوًا في شركة صيادين (لوقا 5: 10). كانت والدته، سالومي (مر 15: 40 = مت 27: 56)، واحدة من مجموعة من النساء اللواتي “خدمن [يسوع]” (مر 15: 41)، مما يعني أنهن “قدمن له دعماً مادياً”. من المحتمل أن تكون سالومي مذكورة في وصف لوقا للنساء “العديدات” اللواتي “دعمن” يسوع والإثنا عشر “من مواردهن” (لوقا 8: 3). قد يشير ذكر يوانا، زوجة خوزي، وكيل هيرودس، من بين هؤلاء النساء، إلى أن عائلة زبدي كانت على الأقل من الطبقة الوسطى. علاوة على ذلك، من المحتمل أن التلميذ الذي لم يذكر اسمه والذي كان “معروفًا لدى رئيس الكهنة” (يو 18: 15-16) هو في الحقيقة يوحنا زبدي. الإشارة إليه على أنه “تلميذ آخر” (يو 18: 15) و “التلميذ الآخر” (يو 18: 16) يشبه بالتأكيد “التلميذ الآخر الذي أحبه يسوع” (يو 20: 2). كان بطرس حاضرًا مع هذا “التلميذ الآخر” في كلا المقطعين، مما يزيد من احتمالية أنه هو يوحنا. التعرف على رئيس الكهنة يعني ضمناً أن هذا التلميذ ينتمي إلى الطبقات الوسطى أو العليا من المجتمع اليهودي.
بحلول زمن العهد الجديد، كانت فلسطين هيلينية إلى حد كبير، وربما كان غالبية أفراد الطبقة الوسطى قادرين على التحدث بكل من الآرامية واليونانية. نظرًا لأنه كان مشغولًا في كفرناحوم في “جليل الأمم” وينتمي إلى المجموعة الاجتماعية والاقتصادية الموصوفة، فمن المنطقي أن نتوقع أن يكون يوحنا زبدي ثنائي اللغة، مع اليونانية كلغته الثانية. علق جون أي تي روبنسون على أن الإنجيلي الرابع كان كاتبًا “كانت لغته الأولى هي الآرامية بوضوح وكان يكتب يونانيًا صحيحًا، وإن كان محدودًا”.[39]
كان يوحنا زبدي، تلميذ يسوع، مع أخيه يعقوب وبطرس، أحد الثلاثي الداخلي. كانوا من أوائل الذين استُدعوا في شركة يسوع (مر 1: 19). بالإضافة إلى خبرته كعضو في الاثني عشر، كان شاهداً مميزًا على
شفاء حماة بطرس (مر 1: 29)
إقامة ابنة يايرس (مر 5: 37)
التجلي (مر 9: 2)
خطاب الزيتون (مر 13: 3)
الاختبار في جثسيماني (مر 14: 33).
إذا كان شخص ما في أي وقت مضى مجهزًا جيدًا بشكل فريد من خلال الخبرة لكتابة الإنجيل، فهو يوحنا زبدي.
لم تكن هذه النهاية. على الرغم من أن يوحنا أصغر من أخيه يعقوب (مر 1: 19)، إلا أن يوحنا مُنح الأسبقية على يعقوب بعد القيامة (أعمال الرسل 1: 13). إن يوحنا هو الوحيد الذي يُذكر بانتظام مع بطرس في أقدم تاريخ للمسيحية، سواء في أورشليم (أعمال الرسل 3-4) وأيضًا في السامرة (أعمال الرسل 8: 14-25). إلى جانب يعقوب، شقيق يسوع، وبطرس، يُذكر يوحنا كواحد من “الأعمدة” الثلاثة لكنيسة أورشليم الذين شاركوا في اتفاقية التبشير بعيدة المدى في أورشليم حوالي 47 (غلا 2: 7-9). بالإضافة إلى السنوات الثلاث التي قضاها في شركة يسوع، كان على يوحنا زبدي أن يعمل كقائد لكنيسة أورشليم لمدة خمسة عشر عامًا تقريبًا:
30-33 م: تلميذ ليسوع
33-47 م: “عمود” كنيسة الرسول في أورشليم
بعد ذلك، فيما يتعلق بالعهد الجديد، يختفي يوحنا زبدي عن الأنظار. لكن ليس هناك شك في أنه حصل على التعليم والخبرة لكتابة الإنجيل الذي يحمل اسمه.
خياران: صواب أو خطأ
أعرب عدد من علماء العهد الجديد عن رأيين مرتبطين حول الإنجيل الرابع. من ناحية، يرفضون تأليفه من قبل تلميذ أصلي، بينما يمدحون الصفات الأدبية واللاهوتية لكتابه من ناحية أخرى. يشير ريموند إي براون إلى المؤلف باعتباره “واعظًا وعالمًا لاهوتيًا” ومع ذلك لم يكن “مشهورًا”. يقول سي كي باريت أن “المبشر” كان “ربما أعظم عالم لاهوت في كل تاريخ الكنيسة” ولكنه “تم نسيانه الآن. كان اسمه غير معروف “.
الأدلة من القرن الثاني هي عكس ذلك تماما. كان المؤلف بالفعل “مشهورًا”. كان يوحنا زبدي. لماذا يرفض بعض العلماء المعاصرين شهادة إيريناوس، الذي كان معلمه بوليكاربوس تلميذًا ليوحنا زبدي؟ لماذا لا يقبلون الثقل الكبير للأدلة الداخلية التي تحدد “التلميذ الذي أحبه يسوع” مع يوحنا زبدي؟ ان قولهم انه أعظم عالم لاهوت وما شابه من أقوال الثناء هذه ليس تعويضاً عن قولهم بأن مؤلف الإنجيل شخص مجهول.
يدعي هذا المؤلف أنه كان شاهدًا حقيقيًا، أي شاهد عيان ليسوع. قال في رسالته الأولى إنه ورفاقه “سمعوا” و “شاهدوا” و “لمسوا” “كلمة الحياة” (1 يو 1: 1-2). إن ادعاءاته واسعة النطاق ومحددة.
البدائل بسيطة. إما أن الكاتب هو شاهد العيان الصادق الذي يزعم أنه كان كذلك، أو كما يعتقد باريت وبراون، لم يكن كذلك. إذا كان باريت وبراون على صواب، فإن المؤلف لم يكن في الواقع شاهد عيان ولم يكن تلميذاً. لذلك يبدو لي أنه لم يكن صادقًا في هذه المرحلة. إذا لم يكن صادقًا فلا يمكن أن يكون “لاهوتيًا عظيمًا”، لأن اللاهوت يتعلق بالله، الذي هو الحق. على الرغم من أن الإنجيلي الرابع، وفقًا لباريت وبراون، هو “أعظم عالم لاهوتي في التاريخ”، إلا أنه هو نفسه لا يدعي أنه لاهوتي على الإطلاق. إنه يدعي ببساطة أنه صديق خاص ليسوع وشاهد حقيقي لآياته وصلبه وشخصه القائم من بين الأموات. لم يتم حل مشكلة ادعائه الأساسي كونه غير صحيح حقًا من خلال الثناء عليه في نقطة لا يدعي فيها أي ادعاءات. ما لا يمكن إنكاره هو أن جميع الأدلة على هوية المؤلف، من داخل وخارج الإنجيل الرابع، لا تشير إلى مؤلف مجهول ولكن إلى يوحنا زبدي، التلميذ الحبيب.
لا يستطيع العديد من العلماء تصديق أن عضوًا في دائرة تلاميذ يسوع الأصلية كان من الممكن أن يكتب الإنجيل الرابع. تكمن الصعوبة الرئيسية التي يواجهونها في أسلوب المؤلف الموسع في الكتابة ومع تطور اللاهوت الخاص به. يُزعم أن المؤلف كتب في وقت متأخر عن الإزائيين ومن خارج بيئة فلسطين.
ومع ذلك، في العقود الماضية، أدت المعرفة المتزايدة بجغرافية فلسطين، إلى جانب نتائج الأعمال الأثرية، إلى الاعتقاد بأن المؤلف كان، في الواقع، على دراية بريف كل من الجليل واليهودية، وأنه كان لديه معرفة حميمة بأورشليم ومنطقة الهيكل.
إن زيادة الوعي بالاختلاف في الروح بعد الحرب في 66 -70 م عزز القضية التي كتبها المؤلف من الفترة السابقة، وليس اللاحقة. وهذا يتفق مع تعريف الكتاب لمؤلفه بأنه “التلميذ الحبيب” ومع الرأي الموحد لمسيحيي القرن الثاني، بأن “التلميذ الحبيب” كان يوحنا زبدي.
فماذا إذن عن الأسلوب الموسع واللاهوت المتطور؟ كيف يمكن أن يكون يوحنا زبدي مسؤولاً عن ذلك؟ نجيب أن أحداً كتب هذا الكتاب وأنه كتب قبل نهاية القرن الأول. هل هناك أسباب جوهرية، على عكس الأسلوبية فقط، للشك في أن يوحنا زبدي كان ذلك الشخص؟ إن مشاركته مع يسوع كواحد من الدائرة المقربة وخبرته الطويلة في القيادة في المجتمع المسيحي في أورشليم تضيف إلى الاحتمال القوي بأن يوحنا زبدي كان في الواقع مؤلف الإنجيل الرابع.
تخيل للحظة أنك تتصفح أرفف مكتبتك المحلية، ووجدت سيرتين ذاتيتين للبابا فرانسيس. كتب أحدها صديق قديم ومعاصر للبابا. السيرة الأخرى مجهولة. أي واحدة سوف تشتري؟ معظم الناس، أجرؤ على التخمين، سيختارون التي كتبها شخص قضى وقتًا معه بالفعل، شخص كان صديقًا لـ جورج بيرجوجليو Jorge Bergoglio، الرجل الذي أصبح البابا فيما بعد.[41] في الوقت نفسه، أعتقد أن معظم الناس قد ينظرون أيضًا إلى السيرة الذاتية المجهولة بدرجة من الشك. من كتب هذا؟ من أين حصلوا على معلوماتهم؟ لماذا يجب أن أثق في أنهم يعرفون ما الذي يتحدثون عنه؟ وإذا كانوا يريدون أن يصدقهم أحد، فلماذا لم يضعوا اسمهم في الكتاب؟
عندما يتعلق الأمر بسيرة يسوع الناصري -أو أي شخصية تاريخية في هذا الصدد -نجد أنفسنا في موقف مشابه. السؤال الأول الذي يجب أن نجيب عليه هو كيف نعرف ما نعرفه عن يسوع؟ كيف يمكن لأناس القرن الحادي والعشرين أن يعرفوا بأي قدر معقول من اليقين ما فعله وقاله في القرن الأول؟ من الواضح أنه لم يكن أحد منا هناك عندما سار يسوع على الأرض. فكيف نصل إليه كشخص تاريخي؟
بالنسبة للكثير من الناس، الإجابة على هذا السؤال بسيطة: افتح كتابك المقدس واقرأ إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا؛ يخبروننا بما فعله يسوع وقاله. في الواقع، منذ ما يقرب من تسعة عشر قرنًا، اعتقد معظم المسيحيين -وكل شخص آخر تقريبًا في هذا الصدد -أن إنجيلي متى ويوحنا كتبهما شهود عيان وتلاميذ ليسوع وأن إنجيلي مرقس ولوقا قد كتبهما رفقاء الرسولين بطرس وبولس.
ومع ذلك، كما ذكرت في الفصل الأول، في القرن الماضي أو نحو ذلك، ظهرت نظرية جديدة على الساحة. وفقًا لهذه النظرية، فإن الأفكار المسيحية التقليدية حول من كتب الأناجيل ليست صحيحة في الواقع. بدلاً من ذلك، بدأ العلماء في اقتراح أن الأناجيل الأربعة كانت في الأصل مجهولة. على وجه الخصوص، تم صياغة هذه النظرية في أوائل القرن العشرين من قبل العلماء المعروفين باسم “نقاد الشكل”، الذين اعتقدوا أن الأناجيل لم تكن سيرة ذاتية بل هي فولكلور.[42] على حد تعبير عالم العهد الجديد ريتشارد باوكهام:
الافتراض بأن تقاليد يسوع كانت تُنشر بشكل مجهول في الكنيسة الأولى، وبالتالي فإن الأناجيل التي تم جمعها فيها وتسجيلها كانت أيضًا مجهولة في الأصل كانت شائعة جدًا في دراسات الأناجيل في القرن العشرين. تم نشره من قبل نقاد الشكل كنتيجة طبيعية لاستخدامهم لنموذج الفولكلور، الذي تم تمريره بشكل مجهول من قبل المجتمعات. كانوا يعتقدون أن الأناجيل كانت أدبًا شعبيًا، كما أنها مجهولة الاسم/المصدر. هذا الاستخدام لنموذج الفولكلور قد فقد مصداقيته … ويرجع ذلك جزئيًا إلى وجود اختلاف كبير بين التقاليد الشعبية المتوارثة عبر القرون والفترة الزمنية القصيرة -أقل من عمر الفرد -التي انقضت قبل كتابة الأناجيل. ولكن من اللافت للنظر إلى أي مدى كانت فكرة أن ليس فقط التقاليد ولكن الأناجيل نفسها كانت في الأصل مجهولة المصدر.[43]
“عنيد” هي الكلمة الصحيحة فقط. بحلول نهاية القرن العشرين، عندما كنت طالبًا، كان الافتراض بأن الأناجيل الأربعة في العهد الجديد لم تُنسب في الأصل إلى أي شخص واسع الانتشار لدرجة أنه نادرًا ما تمت مناقشته على الإطلاق، ناهيك عن التشكيك فيه. نتيجة لذلك، يعتقد العديد من العلماء اليوم أننا لا نعرف من كتب الأناجيل الأربعة، وهي مصادرنا التاريخية الأساسية لما فعله يسوع وقاله.
ماذا سنفعل من هذه النظرية؟ ما الدليل على أن الأناجيل كانت في الحقيقة مجهولة المصدر؟ في هذا الفصل، سوف نلقي نظرة فاحصة على النظرية ونرى سبب وجود بعض الأسباب الوجيهة للشك فيها.
نظرية الأناجيل مجهولة الاسم
في كتابه الأخير كيف أصبح يسوع إلهًا، يقدم بارت إيرمان ملخصًا موجزًا لنظرية الأناجيل المجهولة. يمكن تقسيمها إلى أربع ادعاءات أساسية.
أولاً، وفقًا لهذه النظرية، تم نشر جميع الأناجيل الأربعة في الأصل دون أي عناوين أو ألقاب تحدد هوية المؤلفين.[44] هذا يعني عدم وجود “الإنجيل حسب متى”، ولا “الإنجيل حسب مرقس”، ولا “الإنجيل بحسب لوقا”، ولا “الإنجيل حسب يوحنا”. ليس لأحد الأربعة. فقط الفراغات. وفقًا لهذه النظرية، على عكس العديد من السير الذاتية القديمة الأخرى المنشورة تحت اسم مؤلف حقيقي، اختار المؤلفون الأصليون للأناجيل عمداً إخفاء هوياتهم.[45]
ثانيًا، من المفترض أن الأناجيل الأربعة تم تداولها دون أي ألقاب لمدة قرن تقريبًا قبل أن ينسبها أي شخص إلى متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا.[46] تذكر أنه في العالم القديم، كانت جميع الكتب نسخًا يدوية الصنع تُعرف باسم المخطوطات. وهكذا، وفقًا لهذه الفرضية، في كل مرة يُنسخ فيها أحد الأناجيل يدويًا لعقد بعد عقد، لم يضيف أحد أي ألقاب.
ثالثًا، لم يتم إضافة العناوين أخيرًا إلى المخطوطات إلا بعد وقت طويل -في وقت ما بعد موت تلاميذ يسوع ودفنهم. وفقًا للنظرية، كان سبب إضافة الألقاب هو إعطاء الأناجيل الأربعة “سلطة مطلوبة بشدة”.[47] بمعنى آخر، كان إدراج العناوين محاولة متعمدة لخداع القراء للاعتقاد الكاذب بأن الأناجيل كتبها الرسل وتلاميذهم. كما كتب بارت إيرمان في مكان آخر، فإن عناوين الأناجيل الأربعة هي شكل “ليس بريئًا على الإطلاق” من الإسناد أو التزوير القديم -وهي ممارسة يدينها على نطاق واسع كل من الوثنيين والمسيحيين.[48]
رابعًا وأخيرًا، وربما الأهم من ذلك كله، وفقًا لهذه النظرية، نظرًا لأن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة الاسم، فمن المنطقي الاستنتاج أن أيا منها لم يكتبه شاهد عيان.[49] على سبيل المثال، بالنسبة لإيرمان، فإن الأناجيل الأربعة هي الحلقات الأخيرة في سلسلة طويلة من كتابات رواة القصص المجهولين الذين لم يكونوا هم أنفسهم شهود عيان ليسوع والذين ربما لم يلتقوا أبدًا بأي شاهد عيان.
هذه باختصار نظرية الأناجيل المجهولة.[50] تنتشر النظرية بشكل ملحوظ بين العلماء وغير العلماء على حد سواء. وقد تم التأكيد عليه بشكل خاص من قبل أولئك الذين يرغبون في إثارة الشكوك حول المصداقية التاريخية لصورة يسوع في الأناجيل الأربعة.[51] المشكلة الوحيدة هي أن النظرية تكاد تكون بلا أساس. لا أساس لها في أقدم مخطوطات الأناجيل، ولا تأخذ على محمل الجد كيفية نسخ الكتب القديمة وتداولها، وتعاني من نقص عام في المعقولية التاريخية. دعونا نلقي نظرة فاحصة على كل من نقاط الضعف هذه.
لا توجد مخطوطات للأناجيل بدون اسم/عنوان
المشكلة الأولى وربما الأكبر لنظرية الأناجيل المجهولة هي: لم يتم العثور على نسخ مجهولة من متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا. لا وجود لها. على حد علمنا، لم يوُجدوا أبدًا.
بدلاً من ذلك، كما أوضح الباحث في العهد الجديد سيمون جاثركول، فإن المخطوطات القديمة مُجمعة على نسب هذه الكتب إلى الرسل ورفاقهم. تأمل، على سبيل المثال، الجدول التالي للعناوين الموجودة في أقدم المخطوطات اليونانية لكل من الأناجيل.[52]
أولاً، هناك غياب صارخ لأية مخطوطات إنجيلية مجهولة الاسم/المصدر. هذا لأنهم غير موجودين. ولا واحدة. السبب وراء أهمية هذا الأمر هو أن إحدى القواعد الأساسية في دراسة مخطوطات العهد الجديد (وهي ممارسة تُعرف بالنقد النصي) هي أنك تعود إلى أقدم وأفضل النسخ اليونانية لترى ما تقوله بالفعل. ليس ما كنت ترغب في قوله، ولكن ما يقولونه بالفعل. عندما يتعلق الأمر بعناوين الأناجيل، ليس فقط أقدم وأفضل المخطوطات، ولكن جميع المخطوطات القديمة -بدون استثناء، في كل لغة -تنسب الأناجيل الأربعة إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا.[54]
ثانيًا، لاحظ أن هناك بعض الاختلاف في شكل العناوين (على سبيل المثال، بعض المخطوطات اللاحقة تحذف كلمة “الإنجيل”). ومع ذلك، كما يلاحظ الباحث في العهد الجديد مايكل بيرد، هناك “اتساق مطلق” في المؤلفين الذين يُنسب إليهم كل كتاب.[55] أحد أسباب أهمية ذلك هو أن بعض العلماء سيدعون أن المخطوطات اليونانية تدعم فكرة أن عناوين الأناجيل قد أضيفت لاحقًا. على سبيل المثال، كتب بارت إيرمان:
نظرًا لأن المخطوطات اليونانية الباقية توفر مجموعة متنوعة من العناوين (المختلفة) للأناجيل، فقد أدرك علماء النصوص منذ فترة طويلة أن أسمائهم المألوفة (على سبيل المثال، “الإنجيل بحسب متى”) لا تعود إلى عنوان “أصلي” واحد، ولكن أضيف لاحقًا بواسطة الكتبة.[56]
انظر إلى الجدول الذي يظهر عناوين أقدم المخطوطات اليونانية. أين هو “التنوع الكبير” للألقاب الذي يتحدث عنه؟ الاختلاف الوحيد المهم هو أن كلمة “الإنجيل” مفقودة في بعض النسخ اللاحقة، ربما بسبب اختصار العنوان.[57] في الواقع، هي بالضبط الأسماء المألوفة لمتى ومرقس ولوقا ويوحنا التي توجد في كل مخطوطة واحدة لدينا! ووفقًا للقواعد الأساسية للنقد النصي، إذا كان هناك شيء أصلي في العناوين، فهو أسماء المؤلفين.[58] هي على الأقل أصلية مثل أي جزء آخر من الأناجيل التي لدينا أدلة مخطوطة بالإجماع عليها.
ثالثًا – وهذا مهم – لاحظ أيضًا أن العناوين موجودة في أقدم نسخ كل إنجيل لدينا، بما في ذلك الأجزاء الأولى، المعروفة باسم البرديات (من أوراق البردي التي صنعت منها). على سبيل المثال، تحتوي المخطوطة اليونانية الأولى لإنجيل متى على العنوان “الإنجيل بحسب متى” (اليونانية euangelion kata Matthaion) (بردية 4). وبالمثل، فإن أقدم نسخة يونانية من بداية إنجيل مرقس تبدأ بالعنوان “الإنجيل بحسب مرقس” (اليونانية euangelion kata Markon). تعتبر هذه المخطوطة الشهيرة – التي تُعرف باسم المخطوطة السينائية لأنها اكتُشفت على جبل سيناء – على نطاق واسع واحدة من أكثر النسخ القديمة الموثوقة للعهد الجديد التي تم العثور عليها على الإطلاق. على نفس المنوال، تبدأ أقدم نسخة معروفة من إنجيل لوقا بكلمات “الإنجيل بحسب لوقا” (اليونانية euangelion kata Loukan) (بردية 75). أخيرًا، المخطوطة الأولى الموجودة لإنجيل يوحنا ليست سوى جزء صغير من الإنجيل. لكن لحسن الحظ، تم حفظ الصفحة الأولى ونصها: “الإنجيل بحسب يوحنا” (اليونانية euangelion kata Iōannēn) (بردية 66).
باختصار، تُنسب النسخ الأولى والأفضل من الأناجيل الأربعة بالإجماع إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لا يوجد دليل مخطوطي على الإطلاق – وبالتالي لا يوجد دليل تاريخي فعلي – لدعم الادعاء بأن الأناجيل “في الأصل” ليس لها ألقاب. في ضوء هذا النقص الكامل في النسخ المجهولة، كتب عالم العهد الجديد مارتن هينجل:
دعوا أولئك الذين ينكرون العصر العظيم وبالتالي الأصالة الأساسية في عناوين مخطوطات الأناجيل من أجل الحفاظ على ضميرهم النقدي “الصالح” يعطون تفسير أفضل للإجماع الكامل والشهادة المبكرة نسبيًا لهذه العناوين وأصلها وأسماء المؤلفين المرتبطين بها. لم يتم تقديم مثل هذا التفسير بعد، ولن يتم تقديمه أبدًا.[59]
سيناريو مجهولية كُتّاب الأناجيل غير معقول
المشكلة الرئيسية الثانية في نظرية الأناجيل المجهولة هي اللامعقولية المطلقة بأن كتابًا يدور حول الإمبراطورية الرومانية بدون عنوان لما يقرب من مائة عام يمكن أن يُنسب بطريقة ما إلى المؤلف نفسه بالضبط من قبل الكتبة في جميع أنحاء العالم ولا يترك أي أثر للخلاف في أي مخطوطات.[60] وبالمناسبة، من المفترض أن هذا لم يحدث مرة واحدة فقط، ولكن مع كل واحد من الأناجيل الأربعة.
فكر في الأمر لدقيقة واحدة. وفقًا لنظرية الأناجيل المجهولة الاسم، فإن إنجيل متى كان “في الأصل” الإنجيل وفقًا لأي شخص. نُسخ هذا الكتاب المجهول باليد، وأعيد نسخه، وأعيد نسخه، ووزع في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية لعقود. وبالمثل، فإن إنجيل مرقس، الذي كان أيضًا “في الأصل” إنجيلًا بالنسبة لأي شخص، تم نسخه وإعادة نسخه وتعميمه وإعادة نسخه لعقود. وهكذا بالنسبة للإنجيل الثالث المجهول، ثم الإنجيل الرابع المجهول. بعد ذلك، في وقت ما في أوائل القرن الثاني الميلادي، من المفترض أن العناوين نفسها تمت إضافتها ليس إلى واحد، أو اثنين، أو ثلاثة، ولكن جميع هذه الكتب الأربعة المختلفة والمجهولة الاسم. علاوة على ذلك، من المفترض أن يكون سبب التأليف هذا قد حدث على الرغم من أن الأناجيل الأربعة قد انتشرت بالفعل في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية بحلول القرن الثاني: في الجليل وأورشليم وسوريا وأفريقيا ومصر وروما وفرنسا وغيرها، أينما وجدت النسخ.
هذا السيناريو لا يصدق تماما. حتى لو كان من الممكن كتابة إنجيل واحد مجهول ونشره ومن ثم نسبه بأعجوبة إلى نفس الشخص من قبل المسيحيين الذين يعيشون في روما وإفريقيا وإيطاليا وسوريا، فهل من المفترض حقًا أن أصدق أن الشيء نفسه لم يحدث مرة واحدة، وليس مرتين، ولكن مع أربعة كتب مختلفة، مرارًا وتكرارًا، في جميع أنحاء العالم؟ كيف عرف هؤلاء الكتبة المجهولون الذين أضافوا العناوين لمن ينسبون الكتب؟ كيف تواصلوا مع بعضهم البعض بحيث انتهت جميع النسخ بنفس العناوين؟
علاوة على ذلك، فإن الفكرة القائلة بأن إضافة العناوين كانت ستستغرق ما يقرب من مائة عام لا تأخذ في الاعتبار حقيقة أنه منذ اللحظة التي كان هناك حتى أكثر من إنجيل واحد متداول، كان القراء بحاجة إلى طريقة ما لتمييزهم. من بعضنا البعض. على حد تعبير جراهام ستانتون:
بمجرد أن تستخدم المجتمعات المسيحية بانتظام أكثر من رواية مكتوبة لأفعال يسوع وتعاليمه، كان من الضروري التمييز بينها من خلال شكل من أشكال العنوان، لا سيما في سياق القراءات في العبادة.[61]
الآن، نعلم من إنجيل لوقا أن العديد من الروايات عن حياة يسوع كانت متداولة بالفعل بحلول الوقت الذي كتب فيه (انظر لوقا 1: 1-4). لذا فإن الإيحاء بعدم إضافة أي عناوين على الإطلاق إلى الأناجيل حتى أواخر القرن الثاني الميلادي يفشل تمامًا في مراعاة حقيقة أن العديد من الأناجيل كانت متداولة بالفعل قبل أن يضع لوقا قلمًا على ورق البردي، وأنه ستكون هناك حاجة عملية لتحديد هوية هذه الكتب.
أخيرًا، إذا حدثت الأشياء بالطريقة التي تقترحها النظرية المجهولة، فلماذا لا تُنسب بعض النسخ إلى متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا، ولكن نُسبت نسخ أخرى إلى شخص آخر – على سبيل المثال، أندراوس، أو بطرس، أو يهوذا؟ إذا كانت الأناجيل قد حصلت بالفعل على عناوينها من الكتبة الذين أضافوها زورًا إلى المخطوطات حتى قرن من الزمان، فإننا نتوقع العثور على (1) نسخ مجهولة الهوية – والتي، كما رأينا بالفعل، غير موجودة – وكذلك ( 2) عناوين متناقضة، حيث ينسب بعض الكتبة نسخة واحدة من الإنجيل إلى متى وتنسب أخرى نفس الإنجيل إلى بطرس أو يسوع أو أي شخص آخر.
إذا كان هناك أي شك حول هذا الأمر، فمن المهم مقارنة الدليل المخطوطي للأناجيل الأربعة بالدليل المخطوطي لرسالة العهد الجديد إلى العبرانيين. على عكس الأناجيل الأربعة، فإن الرسالة إلى العبرانيين هي في الواقع مجهولة. لم تحدد أبدًا مؤلفها صراحةً، ولا حتى في العنوان.[62] لذا خمن ماذا يحدث عندما يكون لديك كتاب حقيقي مجهول الاسم؟ ينتهي الأمر إما بالبقاء مجهول الهوية أو يُنسب إلى مؤلفين مختلفين، كما هو موضح في الجدول التالي.
إلى العبرانيين، مكتوبة من إيطاليا، على يد تيموثاوس
مخطوطة الخط الصغير 1739
القرن العاشر
إلى العبرانيين، مكتوبة من روما، على يد بولس للذين هم في أورشليم
مخطوطة الخط الصغير 81
القرن الحادي عشر
إلى العبرانيين، مكتوبة بالعبرية من إيطاليا، مجهولة الهوية على يد تيموثاوس
مخطوطة الخط الصغير 104
القرن الحادي عشر
لاحظ تنوع المؤلفين المقترحين: بعض المخطوطات تظل مجهولة المصدر، والبعض يقول أن العبرانيين كتبها “تيموثاوس”، والبعض الآخر كتبها “بولس”. يشير عنوان إحدى المخطوطات صراحةً إلى أنها كُتبت “مجهول الهوية” (اليونانية anonymōs)! نفس الشيء ينطبق على الكتاب المسيحيين القدماء: يقول بعض كتّاب الكنيسة الأوائل أن بولس كتب العبرانيين لكنه لم يعرّف عن نفسه؛ ويقول آخرون إن لوقا ترجم رسالة بولس من العبرية إلى اليونانية؛ ويقول آخرون إن العبرانيين كتبها برنابا رفيق بولس؛ ولا يزال آخرون يقولون إن الرسالة كتبها كليمندس أسقف روما.[64] في أواخر القرن الثاني بعد الميلاد، رفع أوريجانوس السكندري يديه ببساطة وصرح: “أما من كتب الرسالة [إلى العبرانيين]،” فقط “الله أعلم” (يوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 6. 25. 14).
هذا ما تحصل عليه مع كتاب مجهول حقًا من العهد الجديد: مخطوطات فعلية مجهولة، ومناقشات قديمة فعلية حول من كتبه. ولكن هذا هو بالضبط ما لا تجده عندما يتعلق الأمر بإنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لا توجد نسخ مجهولة، و-كما سنرى في المقال القادم-لا جدال بين المسيحيين القدماء حول من كتب الأناجيل. العلماء الذين يستمرون في الادعاء بأن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة لا يمكنهم تفسير سبب عدم وجود نفس التنوع من المؤلفين المقترحين كما يحدث مع الرسالة إلى العبرانيين. مرة أخرى، على حد تعبير مارتن هينجل:
إذا كانت [الأناجيل] قد عممت لأول مرة بشكل مجهول ولم تُمنح ألقابها إلا في مرحلة ثانوية وبصورة مستقلة عن بعضها البعض في المجتمعات المختلفة، لأن العنوان كان ضروريًا لإعلان القراءة في العبادة، يجب أن يكون هذا قد أدى بالضرورة إلى مجموعة متنوعة من العناوين، كما يتضح من العديد من الأمثلة من العصور القديمة…. لا يوجد أي أثر لمثل هذه المجهولية.[65]
باختصار، لا تعاني نظرية الأناجيل المجهولة من نقص الأدلة المخطوطة فحسب، بل تعاني أيضًا من نقص المنطق. إنها ببساطة لا تنجح عندما يتعلق الأمر بالمعايير الأساسية للمعقولية التاريخية.
لماذا تنسب مرقس ولوقا إلى غير شهود العيان؟
المشكلة الرئيسية الثالثة في نظرية الأناجيل المجهولة تتعلق بالادعاء بأن الأنساب الخاطئة قد أضيفت بعد قرن من الزمان لمنح الأناجيل “السلطة المطلوبة بشدة”.[66] إذا كان هذا صحيحًا، فلماذا يُنسب اثنان من الأناجيل الأربعة إلى غير شهود العيان؟ لماذا يختار الكتبة القدامى مرقس ولوقا، من بين كل الناس، والذين لم يعرفوا يسوع أبدًا؟
مرة أخرى، ضع نفسك مكان الكتبة القدامى الذين من المفترض أنهم أضافوا عن قصد ألقابًا مزيفة إلى الأناجيل. إذا أردت إعطاء السلطة لكتابك المجهول، فهل ستختار لوقا، الذي لم يكن شاهد عيان بنفسه ولا من أتباع شاهد عيان، بل رفيق بولس، الذي لم يلتق بيسوع أبدًا خلال حياته الأرضية؟ وإذا أردت أن تمنح السلطة لسيرة حياة يسوع المجهولة، فهل ستختار مرقس، الذي لم يكن هو نفسه تلميذاً ليسوع؟ إذا كانت السلطة هي ما كنت تبحث عنه، فلماذا لا تنسب إنجيلك المجهول الهوية مباشرة إلى بطرس، رئيس الرسل؟ أم لأخيه أندراوس؟ في هذا الصدد، لماذا لا تذهب مباشرة إلى القمة وتنسب إنجيلك إلى يسوع نفسه؟
كما سنرى في المقالات القادمة، فإن مثل هذه الصفات إلى الرسل وشهود العيان الآخرين هي بالضبط ما نجده عندما ننظر إلى ما يسمى بـ “الأناجيل المفقودة” -المعروفة أيضًا باسم الأناجيل الملفقة (من الكلمة اليونانية apocryphon، والتي تعني ” كتاب مخفي”). يتفق جميع العلماء تقريبًا على أن الأناجيل الملفقة -مثل إنجيل بطرس وإنجيل توما وإنجيل يهوذا -هي مزيفة نُسبت زورًا إلى تلاميذ يسوع بعد فترة طويلة من موت الرسل.[67] لاحظ أنه لا يوجد أي من الأناجيل الملفقة اللاحقة تُنسب إلى غير شهود العيان مثل مرقس ولوقا.[68] تُنسب الأناجيل الكاذبة اللاحقة إلى أشخاص لديهم إمكانية الوصول المباشر إلى يسوع: أشخاص مثل بطرس، أو الرسول توما، أو مريم المجدلية، أو يهوذا، أو حتى يسوع نفسه. لا يُنسبون أبدًا إلى مجرد أتباع أو رفقاء الرسل. لماذا؟ لأن مؤلفي الأناجيل الملفقة هم الذين أرادوا إعطاء السلطة المطلوبة بشدة لكتاباتهم عن طريق نسبها زورًا إلى أشخاص لديهم أقرب صلات ممكنة بيسوع.
باختصار، فشلت نظرية الأناجيل المجهولة في تفسير ليس فقط عدم وجود أدلة مخطوطة ولكن أيضًا لماذا لا تُنسب إنجيلا مرقس ولوقا إلى شهود عيان ورفاق يسوع. في الواقع، عند إخضاعها للتدقيق النقدي، فإن اللامعقولية الكلية للنظرية تكون لافتة للنظر.
[1] هذا تعليق ف. ف. بروس وسيتم فحص هذا التعليق جيداً في جزء الدليل المخطوطي تحت عنوان “هل كانت الأناجيل مجهولة العناوين”
[2] تفسير بابياس لأقوال الرب، اقتبس من قبل يوسابيوس، تاريخ الكنيسة 3. 39. 4. انظر
F. Bruce, Men and Movements in the Primitive Church (Exeter 1979), Pp. 132-136.
[3] B. F. Westcott, The Gospel according to St. John (London 1880), pp. xxiv f. See F. F. Bruce, ‘Johannine studies since Westcott’s Day’, contributed to the 1966 reprint of Westcott’s The Epistles of St. John (London 1892) issued by the Marcham Manor Press, Appleford, pp. lvii-lxxvi.
[4] A. R. Short, The Bible and Modern Research (London 1931), p. 178.
[5] E.g. C. F. Burney, The Aramaic Origin of the Fourth Gospel (Oxford, 1922); J. A. Montgomery The Origin of the Gospel of St John (Philadelphia, 1923).
[6] See the essays collected in John and Qumran, ed. J. H. Charlesworth (London 1972).
[7] في الآونة الأخيرة، حتى سجلات إيبلا في سوريا (الألفية الثالثة قبل الميلاد) دخلت الخدمة؛ انظر
Dahood, ‘Ebla, Genesis and John’ The Christian Century, April 15, 1981, pp. 418-421.
[8] W. F. Albright, ‘Recent Discoveries in Palestine and the Gospel of St John’ in The Background of the New Testament and its Eschatology ed. W. D. Davies and D. Daube (Cambridge 1954), p. 169.
[12] عندما أطلق مؤلف كتابي يوحنا الثانية والثالثة على نفسه اسم “الشيخ” في كتابة هذين الرسالتين، فمن المحتمل أنه يستخدم التسمية بمعنى مختلف عن بابياس وغيره من الكتاب المسيحيين في القرن الثاني. يكتب للمسيحيين الذين كانوا أصغر منه سناً بكثير بحيث يمكنه مخاطبتهم على أنهم “أولاده الصغار” ويشير إلى نفسه بمصطلح المودة الذي اعتادوا استخدامه في الحديث عنه.
[13] P. H. Menoud L’évangile de Jean d’aprés recherches récentes (Neuchatel/Paris 1947)s P. 77:
[14] J. A. T. Robinson, ‘The New Look on the Fourth Gospel’ in Twelve New Testament Studies (London 1962), p. 106.
[15] P. Gardner-Smith St John and the Synoptic Gospels (Cambridge 1938).
[16] R. Bultmann The Gospel of John (Oxford 1971), pp. 6-9 et passim; cf. R. T. Fortna The Gospel of Signs (Cambridge 1970).
[17] C. H. Dodd Historical Tradition in the Fourth Gospel (Cambridge 1963).
[18] R. E. Brown The Community of the Beloved Disciple (London 1979); also O. Cullmann The Johannine Circle (London 1976); R. A. Culpepper The Johannine School (Missoula 1975).
[19] C. H. Dodd, ‘The Dialogue Form in the Gospels’ BJRL 37 (1954-55), pp. 54-67.
[20] D. L. Sayers The Man Born to be King (London 1943), pp. 33 ff.
انظر أيضا تعليقاتها، المقتبسة في ص 409 (في يوحنا 21: 24)، فيما يتعلق بادعاء شاهد العيان لهذا الإنجيل.
[21] Metzger, The Canon of the New Testament, 305–7.
[22] Quoted in Eusebius, The History of the Church from Christ to Constantine, trans. G. A. Williamson (New York: Penguin, 1989).
[23] على الرغم من أن كلا القراءتين تحدثا في المخطوطات القديمة، إلا أن القراءة المترجمة “استمروا في الإيمان” مفضلة لأنها وردت في المخطوطة الأولى ولها دعم جيد في مكان آخر.
[24] F. F. Bruce, Places They Knew (London: Ark, 1981), pp. 35-38.
[25] Eric M. Meyers and James F. Strange, Archaeology, the Rabbis and Early Christianity (London: SCM Press, 1981), p. 160.
[26] إذا كان وقت وصول الخبر إلى يسوع، كما يبدو، متزامنًا مع وقت موت لعازر (يو 11: 3، راجع 11: 11).
[27] Meyers and Strange, Archaeology, the Rabbis and Early Christianity, p. 161.
[28] C. H. Dodd, Historical Tradition in the Fourth Gospel (Cambridge: Cambridge University Press, 1963), p. 120.
[29] John A. T. Robinson, Redating the New Testament (London: SCM Press, 1976), p. 297.
[31] إن تسليم يسوع والدته إلى رعاية “التلميذ الذي كان يسوع يحبه” (يو 19: 26) يشير إلى أن يوسف قد مات في ذلك الوقت
[32] Edwin Arthur Judge, The Social Pattern of the Christian Groups in the First Century (London: Tyndale, 1960), p. 34.
[33] Günther Bornkamm, Jesus of Nazareth (London: Hodder and Stoughton, 1960), p. 14.
[34] لا يجب أن تكون السير القديمة مرتبة ترتيبًا زمنيًا. تشابه مهم آخر بين السير اليونانية الرومانية والأناجيل الأربعة هو أنها ليست بالضرورة تقارير كرونولوجية (مرتبة زمنياً) صارمة لحياة الشخص. في الواقع، يمكن أيضًا ترتيب النص حسب الموضوع او الفئة. على سبيل المثال، كتب كاتب السير الروماني سوتونيوس ما يلي في حياته أوغسطس قيصر:
“بعد أن قدمت ملخصًا لحياته، سأتناول الآن مراحلها المختلفة واحدة تلو الأخرى، ليس بترتيب زمني، ولكن حسب الفئات (المواضيع)، لجعل التقرير أكثر وضوحًا وأكثر قابلية للفهم.” (Suetonius, Life of the Deified Augustus, 9).
[35] Archibald M. Hunter, According to John (London: SCM Press, 1968), pp. 97- 98.
[36] Ben Witherington III, The Acts of the Apostles: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1998), pp. 195-97.
[37] Luke Timothy Johnson, Acts, Sacra Pagina 3 (Collegeville, MN: Liturgical Press, 1991), 78.
[38] Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2006), 362.
[39] Robinson, Redating the New Testament, p. 299.
[40] سيكون في المستقبل ملف خاص عن كل إنجيل وستتم إضافة هذا الجزء لكل ملف.
[41] Compare Alejandro Bermúdez, Pope Francis: Our Brother, Our Friend: Personal Recollections about the Man Who Became Pope (San Francisco: Ignatius, 2013). See also Georg Ratzinger, My Brother, the Pope, trans. Michael Hesemann (San Francisco: Ignatius, 2012).
[42] Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985), 65, 162n1.
وفقًا لهينجل، تعود النظرية في المقام الأول إلى اثنين من العلماء الألمان البارزين في أواخر القرن التاسع عشر: أدولف فون هارناك وثيودور زان، الذين توصلا (بالخطأ) إلى هذا الاستنتاج قبل اكتشافات القرن العشرين لأوراق البردي من القرن الثاني كاملة العناوين. انظر
Theodor Zahn, Introduction to the New Testament, trans. John Moore Trout et al., 3 vols. (repr., Minneapolis: Klock & Klock, 1977), 2.386–400.
[43] Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2006), 300.
لسوء الحظ، لا يقوم باوكهام بدمج دليل المخطوطة بشكل كافٍ على أصالة عناوين الإنجيل في نظريته الشاملة عن أصول الإنجيل. وبدلاً من ذلك، فهو يعتمد بشدة على نظرية مشكوك فيها حول إدراجات شهود العيان الضمنية في الأناجيل كمؤشرات على أصالة التأليف. ومع ذلك، إذا كان باوكهام محقًا ولم تكن الأناجيل في الأصل مجهولة المصدر، فستعمل العناوين نفسها كإشارات كافية للقراء فيما يتعلق بالتأليف، وسيبدو استخدام مثل هذه الإضافات الدقيقة زائداً عن الحاجة.
[48] Bart D. Ehrman, Forgery and Counterforgery: The Use of Literary Deceit in Early Christian Polemics (Oxford: Oxford University Press, 2013), 51–52, 6.
[50] في عمله السابق، تضمن بارت ايرمان حجة خامسة، ادعى فيها أن شكل العناوين – “الإنجيل حسب X” – يثبت أن العناوين قد أضافها “شخص آخر” غير المؤلف. انظر
Bart D. Ehrman, Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium (Oxford: Oxford University Press, 1999), 42.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا مقنعًا للقراء المعاصرين الذين اعتادوا على المؤلفين الذين يشيرون إلى أنفسهم حصريًا بصيغة المتكلم. لكن من منظور تاريخي، فشلت الحجة في ثلاث نقاط: (1) كما سنرى لاحقاً، الأناجيل هي شكل من أشكال السيرة اليونانية الرومانية القديمة. كما أشار خبراء في السير الذاتية القديمة، “مؤلفو السير الذاتية … عادة ما يتم تسميتهم”.
Craig S. Keener, The Gospel of Matthew: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2009), 40.
علاوة على ذلك، كانت إحدى “السمات الافتتاحية” القياسية للسيرة اليونانية الرومانية القديمة عادةً نوعًا من “العنوان”.
Richard Burridge, What Are the Gospels?, 156–57.
تحدد هذه العناوين أحيانًا المؤلف بصيغة الغائب، على سبيل المثال.
(Josephus, Life of Josephus; Tacitus’s Agricola; Diogenes Laertius, Lives of Eminent Philosophers).
هذا منطقي تمامًا، لأنه عندما يتعلق الأمر بالسيرة الذاتية، سيرغب القارئ في معرفة من الذي يقدم سردًا لحياة الشخص، وكيف حصل على معلوماته. في الواقع، حتى مؤلفو السير الذاتية الذين يشيرون إلى أنفسهم بصيغة المتكلم لا يذكرون أسمائهم في نص الكتاب.
(Josephus, Life 1–2, 430; Lucian, Demonax, 1–2).
لكن هذا لا يحول أعمالهم إلى كتب “مجهولة”. باختصار، لم تعد الأناجيل “مجهولة تمامًا” من السير الذاتية القديمة الأخرى التي لا توجد فيها معلومات صريحة عن التأليف في متن الكتاب. غالبًا ما يتم الاحتفاظ بالمعلومات حول تأليف مثل هذه الأعمال للعنوان.
(2) لدينا إشارات إلى كتب قديمة تتشابه عناوينها بشكل لافت مع عناوين الأناجيل، مثل “المذكرات بحسب نحميا” (اليونانية tois hypomnēmatismois tois kata ton Neemian) (مكابيين الثاني 2: 13) أو “ولادة وحياة أبقراط وفقًا لسورانوس “(اليونانية Hippokratous genos kai bios kata Sōranon) أو” التواريخ وفقًا لهيرودوت “(اليونانية hē kat ‘hērodoton history).
في إحدى الحالات، يشير يوسيفوس إلى تاريخ ثيوسيديدس على أنه “عمله التاريخي” (اليونانية tēn kat’ auton historian) (يوسيفوس ضد أبيون، 1. 18). انظر
Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985), 163n8.
في ضوء هذه المتوازيات، لا يوجد شيء غير قابل للتصديق حول استخدام الإنجيليين لعنوان “الأخبار السارة وفقًا لـ [المؤلف]”، خاصةً إذا رأوا أنفسهم على أنهم يعلنون الأخبار السارة عن يسوع باستخدام شكل السير الذاتية التاريخية. علاوة على ذلك، تُظهر هذه الأمثلة أيضًا أن الادعاء أحيانًا بأن “وفقًا لـ” (اليونانية kata) لا تشير إلى التأليف هو ادعاء خاطئ. (3) حتى إذا تمت إضافة عنوان أول إنجيل مكتوب من قبل كاتب عرف هوية المؤلف بعد فترة وجيزة من نشر الكتاب أو بالتزامن مع نشره، فإن هذا لا يزال مختلفًا عن كتاب “مجهول تمامًا”. علاوة على ذلك، بمجرد إضافة العنوان الأول إلى الإنجيل الأول، فإنه من السذاجة القول بأن مؤلفي الإنجيل اللاحقين سيقلدون وينسخون من كل شيء تقريبًا في الكتاب باستثناء العنوان. على العكس من ذلك، فمن المعقول تمامًا أن نقترح أن كتّاب الإنجيل اللاحقين سيقلدون شكل العنوان (“الأخبار السارة حسب …”) لكنهم يغيرون اسم المؤلف. إذا كنا نعرف شيئًا عن مؤلفي الإنجيل، فهو أنهم لم يكن لديهم أي تأنيب على الإطلاق عن نسخ المواد من بعضهم البعض! لا يوجد سبب لا ينبغي أن يكون هذا صحيحًا بالنسبة للعناوين أيضًا. حول كل هذا، راجع.
Michael F. Bird, The Gospel of the Lord: How the Early Church Wrote the Story of Jesus (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2014), 257–58.
[51] Reza Aslan, Zealot: The Life and Times of Jesus of Nazareth (New York: Random House, 2014).
أحد الأشياء الأولى التي يقوم بها أصلان هو الإصرار على أنه “لم يكتب أي من الأناجيل الشخص الذي سميت باسمه” (xxvi). هذا يحرره ليبني يسوع الذي يختلف اختلافًا جذريًا عن الذي تقدمه الأناجيل.
[52] Simon J. Gathercole, “The Titles of the Gospels in the Earliest New Testament Manuscripts,” Zeitschrift für die Neutestamentliche Wissenschaft 104 (2013): 33–76.
Bruce M. Metzger and Bart D. Ehrman, The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration (Oxford: Oxford University Press, 2005), 52–94. See also D. C. Parker, An Introduction to the New Testament Manuscripts and Their Texts (Cambridge: Cambridge University Press, 2008).
[54] Martin Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, trans. John Bowden (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2000), 48–56. See also Hengel, Studies in the Gospel of Mark, 64–84.
[57] Gathercole, “The Titles of the Gospels in the Earliest New Testament Manuscripts,” 71:
“يبدو أن النسخة الأطول كانت أقرب إلى العنوان” الحقيقي “، والنسخة الأقصر هي اختصار، بدلاً من أن تستشهد الحواشي السفلية العلمية اليوم أولاً بالعنوان بالكامل ثم تختصره بعد ذلك.” أنظر أيضا
David E. Aune, “The Meaning of Euangelion in the Inscriptiones of the Canonical Gospels,” in Jesus, Gospel Traditions and Paul in the Context of Jewish and Greco-Roman Antiquity: Collected Essays, Wissenschaftliche Untersuchungen zum Neuen Testament 303 (Tübingen: Mohr-Siebeck, 2013), 24.
[58] Bart D. Ehrman, Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why (San Francisco: HarperOne, 2005), 130:
“ربما يكون المعيار الخارجي الأكثر أهمية الذي يتبعه العلماء هو هذا: لكي تُعتبر القراءة” أصلية “، يجب عادةً العثور عليها في أفضل المخطوطات وأفضل مجموعات المخطوطات.” في الواقع، لم يتم العثور على عناوين الأناجيل فقط في “أفضل المخطوطات” و “أفضل مجموعات المخطوطات” ؛ تم العثور عليها في جميع المخطوطات – دون استثناء واحد. ومن ثم، وفقًا لمعيار إيرمان النقدي للنص، يجب اعتبار عناوين الأناجيل أصلية.
[59] Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, 55.
[61] Graham Stanton, Jesus and Gospel (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), 79.
[62] Harold Attridge, The Epistle to the Hebrews, Hermeneia (Minneapolis: Fortress, 1989), 1–2, 410n87; see also Barbara and Kurt Aland et al., Novum Testamentum Grace, 27th ed. (Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 1993), 587.
[63] لتواريخ المخطوطات، انظر
Metzger and Ehrman, The Text of the New Testament, 52–94
[64] Eusebius, Church History, 6.1–3, 20.3; 25.13–14; Jerome, Lives of Illustrious Men, 5.59.
[67] Ehrman, Forgery and Counterforgery, 324–44. See also John P. Meier, A Marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus, 4 vols., Anchor Yale Bible Reference Library (New Haven: Yale University Press, 1991, 1994, 2001, 2009), 1.112–66.
[68] يتم تجاهل هذه النقطة باستمرار من قبل العلماء الذين يزعمون أن الإسناد الخاطئ لمرقس ولوقا لا يمثل مشكلة. انظر، على سبيل المثال، Ehrman, in Forgery and Counterforgery, 51–52 حيث فشل في شرح سبب عدم قيام الكتبة بنسب الأناجيل إلى بطرس وبولس أنفسهم فقط بدلاً من تلاميذ بطرس وبولس.
يسوع هو الله لفظاً في ثمانية مواضع من العهد الجديد (روبرت بومان جونيور) ترجمة: مينا مكرم
يسوع هو الله لفظاً في ثمانية مواضع من العهد الجديد (روبرت بومان جونيور) ترجمة: مينا مكرم
مقدمة
كثيرًا ما يسأل منتقدو عقيدة لاهوت يسوع لماذا، إذا كان يسوع هو الله، فإن العهد الجديد لا يشير إليه كثيرًا على أنه الله. الجواب ذو شقين. أولاً، كان كتبة العهد الجديد عمومًا حريصين جدًا على تجنب الإدلاء ببيانات من شأنها أن توحي بأن يسوع هو الآب. بينما أكدوا مكانة يسوع الإلهية بطرق عديدة، حافظوا على تمييز واضح بين أقنومي الآب والابن. نظرًا لأنهم استخدموا اسم “الله” بشكل عام على الآب، فقد كانوا يميلون إلى عدم استخدام هذا الاسم ليسوع إلا بطرق لا تخلط بين الشخصين. السبب الثاني هو أن الجذور اللاهوتية والدينية للعهد الجديد كانت توحيدية بعمق، وسعى كتبته إلى تأكيد ألوهية يسوع بطرق لا ينظر إليها الناس على أنها تقوض تراثهم التوحيدى اليهودي. ريتشارد فرانس يقدم ملاحظة لاذعة في هذا الصدد حول التصريحات التي تطلق على يسوع لقب “الله” في مثل هذا السياق الثقافي:
لقد كانت لغة صادمة لدرجة أنه حتى عندما تكون المعتقدات الكامنة وراءها راسخة، كان من الأسهل، وربما الأكثر سياسية، التعبير عن تلك المعتقدات بعبارات أقل مباشرة. لا تكمن الدهشة في أن العهد الجديد نادراً ما يصف يسوع على أنه الله، ولكن الدهشة في أنه يفعل ذلك بالفعل في مثل هذه البيئة.[1]
يسوع هو الله في إنجيل يوحنا
يحتوي إنجيل يوحنا على عبارتين على الأقل، وربما ثلاثة، تحدد بوضوح أن يسوع المسيح هو الله. تأتي أولى هذه العبارات في الجملة الأولى من الكتاب: “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.” (1: 1). “الكلمة” (اليونانية، logos) هي اسم ليسوع المسيح، تشير هنا إلى المسيح في وجوده قبل أن يصبح إنسانًا. وهكذا، تقول الآية 14، “صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا”، وتعرف الآية 17 هذا الكلمة المتجسد على أنه “يسوع المسيح” (انظر أيضًا يوحنا الأولى 1: 1؛ رؤيا 19: 13). الإشارة الثانية هي في الآية 18، والتي على ما يبدو تدعو يسوع أيضًا “الله”: “لم يره أحد قط. الله الابن الوحيد، القريب من قلب الآب، هو الذي جعله معروفًا “. هناك سؤال نصي هنا، حيث أن بعض المخطوطات لا تدعو يسوع “الله” في الآية 18؛ سنعود إلى هذا السؤال لاحقًا. الإشارة الثالثة إلى يسوع على أنه الله في الإنجيل هي أيضًا الأكثر تأكيدًا، وتأتي في ذروة السفر. استجابة الرسول توما، في مواجهة يسوع القائم من بين الأموات، بقوله: “ربي وإلهي!” (20: 28).
يسوع هو الله في مقدمة إنجيل يوحنا (يوحنا 1: 1-18)
نبدأ بأول إشارتين إلى المسيح على أنه الله (يوحنا 1: 1، 18). تعمل هذه العبارات مثل الإشارات المرجعية التي تشير إلى بداية ونهاية مقدمة ما يُسمى عادةً مقدمة إنجيل يوحنا (يوحنا 1: 1-18). بين هاتين العبارتين اللتين تدعوان يسوع “الله”، هناك نسيج غني من التأكيدات عن يسوع والتي تؤكد هويته كالله.[2]
يقول يوحنا أن الكلمة كان موجوداً بالفعل[3] “في البدء” (الآيات 1-2). الكلمات الافتتاحية للإنجيل، “في البدء” (اليونانية، en archē)، هي نفس الكلمات الافتتاحية للعهد القديم، “في البدء” (تكوين 1: 1). هذه ليست مجرد مصادفة، لأن كلا المقطعين يتابعان على الفور الحديث عن الخلق والنور (تكوين 1: 1، 3-5؛ يوحنا 1: 3-5، 9). يقول يوحنا أن كل ما ظهر إلى الوجود -العالم نفسه -فعل ذلك من خلال الكلمة Logos (الآيات 3، 10). تكشف هذه العبارات التي تؤكد وجود الكلمة قبل الخلق ومشاركته في إحداث كل الخلق أنه أزلي وغير مخلوق -وهما صفتان أساسيتان من سمات الله. ويختتم يوحنا هذا الجزء من المقدمة بدعوة لكي “يؤمن الناس باسمه” (آية 12) -أحد الأوسمة الإلهية التي كثيرًا ما يشير العهد الجديد إلى أننا يجب أن نمتدها نحو المسيح.
بدأت هوية هذا الكلمة تتضح عندما كتب يوحنا، “الكلمة صار جسدًا وجعل مسكنه بيننا” (عدد 14 niv). الكلمة التي تترجمها niv “جعل مسكنه” (eskēnōsen) تعني حرفياً “نصب خيمة المرء في مكان ما”، وتشير في هذا السياق إلى سكن الله بين بني إسرائيل في الخيمة. كان المسكن في الأساس عبارة عن خيمة حيث أعلن الله وجوده لبني إسرائيل والتقى بهم. قبل أن يبني الإسرائيليون المسكن، كان موسى ينصب خيمة عادية بعيدًا عن المعسكر ويلتقي بالله هناك (خروج 33: 7-11). عندما تم الانتهاء من المسكن، “ملأ مجد الرب المسكن” (خروج 40: 35).[4] في وقت لاحق، خدم الهيكل نفس الغرض مثل المسكن (راجع مزمور 74: 7).[5]
يقول يوحنا أن الكلمة الذي جعل مسكنه بيننا له “مجد الابن الوحيد من الآب” (الآية 14). هذه العبارة هي طريقة للقول بأن الابن مثل أبيه تمامًا عندما يتعلق الأمر بالمجد.
عندئذٍ يصبح يوحنا محددًا: مجد الابن “مملؤ نعمة وحق” (الآية 14). هذا الوصف للابن يكرر وصف الله لنفسه لموسى، الذي سأل في خيمة الاجتماع ليرى “مجد” الله (خروج 33: 18). كان رد الله أن ينزل في سحابة ويعلن أنه “كثير الرحمة والحق” (خروج 34: 6). لابد أن ما يقوله يوحنا هنا كان مذهلاً لليهود في أيامه من ناحيتين. أولاً، يشير يوحنا إلى أن الإعلان عن لطف الله الحُبّي، أو نعمة الله، والحق الذي جاء من خلال يسوع قد حل محل الإعلان الذي جاء إلى موسى ومن خلاله. يوضح يوحنا جملتين فيما بعد: “الناموس أعطي من خلال موسى. النعمة والحق من خلال يسوع المسيح “(آية 17). يوضح يوحنا أيضًا التضمين الثاني والأكثر إثارة للدهشة: الإعلان الذي تلقاه موسى عن مجد الله، عن الله نفسه، كان فقط توقعًا لإعلان الله الذي جاء من خلال ابنه المتجسد. إن عبارة يوحنا، “لم ير أحد الله قط” (آية 18)، تذكر بوضوح تصريح الرب لموسى، “لا أحد يستطيع أن يراني ويحيا” (خروج 33: 20).[6] ويختتم يوحنا، “إنه كذلك الله الابن الوحيد، القريب من قلب الآب، الذي جعله معروفًا “(عدد 18ب).
يسوع هو الله في يوحنا 1: 1
الآن بعد أن نظرنا إلى هذه التأكيدات على أن يسوع هو “الله” في المقدمة، نريد أن نتناول أهم الأسئلة أو الصعوبات التي يثيرها المشككون. المسألة الأساسية للجدل في يوحنا 1: 1 هي أفضل طريقة لترجمة الجزء الأخير من الآية (عادةً ما يُترجم “والكلمة كان الله”). قدم بعض المترجمين الجملة الأخيرة ليقولوا أن الكلمة كان “إله” (على سبيل المثال، Moffatt, Goodspeed) بدلاً من “الله”.[7] يُترجم الكتاب المقدس الإنجليزي المنقح (1989)، “وما كان الله، كان الكلمة.” تشتهر ترجمة العالم الجديد (NWT)، التي نشرها شهود يهوه، بترجمتها، “وكان الكلمة إلهًا”. لم تكن NWT هي النسخة الأولى التي تتبنى هذا العرض، لكنها الأكثر شهرة إلى حد بعيد.[8]
نظرًا لأن المعالجة المناسبة لهذا السؤال المثير للجدل ستكون طويلة نوعًا ما، فسنكون سعداء بتلخيص استنتاجنا ببساطة قدر الإمكان وإحالة القارئ المهتم إلى الأعمال التي تستكشف السؤال بمزيد من التفصيل.[9]
هناك بالفعل مشكلتان هنا. الأولي هو كيف يمكن أن يقول يوحنا أن الكلمة كان عند الله ومع ذلك أيضًا أن الكلمة كان الله. يتعلق السؤال الثاني بالحقيقة المعروفة المتمثلة في أن أداة التعريف اليونانية (الكلمة التي نترجمها غالبًا “the”) موجودة قبل “God” في الجملة الثانية ولكن ليس قبل “God” في الجملة الثالثة. لفهم المشكلة، سيكون من المفيد كتابة الآية بأكملها بطريقة بين السطور:
في البدء كان الكلمة (الجملة الأولى) en archē ēn ho logos
والكلمة كان عند الله (الجملة الثانية). kai ho logos ēn pros ton theon
وكان الكلمة الله (الجملة الثالثة). kai theos ēn ho logos
يجادل المدافعون عن الترجمات البديلة بأن عدم وجود أداة التعريف “the” (اليونانية، ho، التي تظهر أمام Logos) أمام theos يتجنب مشكلة التناقض بين الجملتين الثانية والثالثة مع بعضهما البعض. الجملة الثانية تقول أن الكلمة كان عند “الله”. تقول الجملة الثالثة أن الكلمة كان “إله” وليس “الله”.
حتى هذه اللحظة، كان نقاد الترجمة التقليدية على صواب إلى حد ما. إن تصريح يوحنا ليس تناقضًا صريحًا لأنه لا يقول أن الكلمة كان مع “الله” ومع ذلك كان “الله”. إذا توقفوا هناك (والبعض توقف)، فلن تكون هناك مشكلة. كانوا ببساطة يشيرون إلى دقة اليونانية التي لا تترجم جيدًا إلى الإنجليزية. إذا استخدمنا أداة التعريف بنفس طريقة يوحنا (التي لم نستخدمها)، فيمكننا ترجمة الجملتين الأخيرتين على هذا النحو: “وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة إله”. يذهب الكثيرون إلى أبعد من ذلك، ويجادلون بأن ما قصده يوحنا هو أن الكلمة كان إلهاً أقل لأن يوحنا لم يدعوه “الله” (مثل الكائن الإلهي في الجملة الثانية). ومع ذلك، لا يوجد ببساطة أي أساس في النص لهذا الادعاء.
ترجمة “إله” خاطئة بشكل خاص، لهذا السبب بالذات. الاختلافات في الكتابات الكتابية، بما في ذلك كتابات يوحنا، بين theos (إله) وho theos (الله) ليس لها أي تأثير على الإطلاق على معنى كلمة theos (الله).[10] إذا كان يوحنا قصد الإشارة إلى أن كلمة ho theos تعني “الله” وأن theos تعني “إله”، فإن صياغته في بقية المقدمة (يوحنا 1: 1-18) ستبدو غريبة جدًا. بعد الآية 2، التي تلخص أول فقرتين من الآية 1، تظهر theos خمس مرات في المقدمة، في كل مرة بدون أداة، وفي المرات الأربعة الأولى يتفق الجميع على أنها تعني “الله” (الآيات 6، 12، 13، 18 أ، 18 ب).
يسوع هو الله في يوحنا 1: 18
يشير الظهور الأخير لـ theos في مقدمة يوحنا أيضًا إلى المسيح: “لم يرَ أحد الله [theon] قط. إن الله [theos] الابن الوحيد، القريب من قلب الآب، هو الذي جعله معروفًا “. في هذه الآية، أول ظهور لكلمة “الله” (theon) يشير إلى الآب. الظهور الثاني لكلمة “الله” (theos) يشير إلى الابن.
يجب أن نشير إلى أن المخطوطات اليونانية لا تقرأ جميعها بنفس الطريقة هنا. في الواقع، تقول غالبية المخطوطات اليونانية “الابن الوحيد أو فريد الجنس” (monogenēs huios)، ولهذا السبب تقرأ نسخة الملك جيمس “الابن الوحيد”.[11] هناك دعم هام من المخطوطات المبكرة لقراءة “[الابن] الفريد، الذي هو الله” (monogenēs theos)[12] تم اكتشاف برديتين قديمتين للغاية، P⁶⁶ وP⁷⁵، يُدعى فيهما يسوع الله في يوحنا 1: 18، والتي حولت ثقل الأدلة بشكل قاطع إلى تلك القراءة التي من المرجح أن تكون أصلية.[13]
من المثير للاهتمام ملاحظة أن كلاً من theon وtheos في الآية 18 مكتوبتان بدون أداة تعريف.[14] في الآية 1، يشير ton theon (مع أداة التعريف) إلى الآب ويشير theos إلى الابن (المسمى بالكلمة). إذا كان صحيحًا أن يوحنا استخدم أداة مع theon ولكن ليس مع theos في الآية 1 للإشارة إلى أن الابن كان نوعًا أقل من الآب، فمن الغريب أنه لم يحافظ على هذا التمييز نفسه في الآية 18.
التأكيد على أن “الابن الوحيد” هو نفسه “الله” هو نتيجة مناسبة لمقدمة إنجيل يوحنا. إنه يوضح أن الشخص الذي كان الله قبل الخلق (1: 1) كان لا يزال هو الله عندما جاء ليعرّفنا بالله الآب من خلال التجسد. لاحظ موراي هاريس Murray Harris، “بما أن الابن الوحيد هو الله بطبيعته ومعرّف بالآب عن طريق التجربة، فهو مؤهل بشكل فريد للكشف عن طبيعة وشخص الله.”[15]
يسوع هو “إلهي” في ذروة إنجيل يوحنا (يوحنا 20: 28)
على الرغم من أن إنجيل يوحنا يحتوي على 21 إصحاحاً، فإن ذروة الإنجيل تأتي في نهاية الإصحاح 20، عندما يعترف توما الرسول بيسوع ربًا وإلهًا (آية 28) ويعلن يوحنا أن الغرض من إنجيله هو أن الناس تكون لها الحياة من خلال الإيمان بيسوع باعتباره ابن الله (الآيات 30-31).[16] نرى هنا نفس نمط الفكر كما في المقدمة: يسوع هو ابن الله الآب (1: 14، 18) ومع ذلك فهو أيضًا الله (1: 1، 18).
لا يوجد أي خلاف جوهري بين علماء الكتاب المقدس حول أن توما في يوحنا 20: 28 يشير إلى يسوع ويخاطبه عندما يقول، “ربي وإلهي!” كما يقول هاريس في دراسته المطولة عن يسوع باعتباره الله في العهد الجديد، “يسود هذا الرأي بين النحاة، وعاجمي المعاجم، والمعلقين، والنسخ الإنجليزية.”[17] في الواقع، من الصعب العثور على أي تعليق تفسيري معاصر أو دراسة أكاديمية تجادل بأن كلمات توما في يوحنا 20: 28 تنطبق في سياقها على الآب وليس على يسوع. السبب بسيط: يوحنا يقدم ما قاله توما بالكلمات، “أجاب توما وقال له” (الآية 28). تعكس هذه الصياغة التي تبدو زائدة عن الحاجة طريق عبري اصطلاحي لتقديم رد شخص ما على المتحدث السابق. يستخدمها يوحنا بشكل خاص متكرر، ودائمًا مع كلمات المتحدث الموجهة إلى الشخص أو الأشخاص الذين تحدثوا للتو سابقًا في السرد (يوحنا 1: 48، 50؛ 2: 18-19؛ 3: 3، 9-10، 27؛ 4 : 10، 13، 17؛ 5: 11؛ 6: 26، 29، 43؛ 7: 16، 21، 52؛ 8: 14، 39، 48؛ 9: 11، 20، 30، 34، 36؛ 12: 30؛ 13: 7؛ 14: 23؛ 18: 30؛ 20: 28).[18] لذلك فمن المؤكد أن توما كان يوجه كلماته إلى يسوع وليس الآب. لا أحد، بالطبع، كان ليشكك في هذا الاستنتاج الواضح لو أن توما قال ببساطة “ربي!” إن إضافة عبارة “وإلهي” هي التي أثارت بعض التفسيرات الإبداعية والنصوص التي لا يمكن الدفاع عنها.[19]
تعكس كلمات توما ما ورد في المزامير للرب (يهوه)، ولا سيما ما يلي: “استيقظ! دع نفسك للدفاع عني، من أجل قضيتي، إلهي وربي [“ho theos mou kai ho kurios mou”]! ” (مزمور 35: 23). هذه الكلمات توازي تلك الموجودة في يوحنا 20: 28 بالضبط باستثناء عكس كلمتي “إلهي” و “ربي”.[20] على نطاق أوسع، في اللغة الكتابية، يمكن أن تشير كلمة “إلهي” (على لسان المؤمن المخلص) إلى الرب إله إسرائيل فقط. اللغة محددة قدر الإمكان وتعرف يسوع المسيح على أنه الله نفسه.
في تعريف يسوع على أنه الله، لم يكن توما، بالطبع، يعرفه على أنه الآب. في وقت سابق في نفس المقطع، أشار يسوع إلى الآب على أنه إلهه. من المثير للاهتمام مقارنة صياغة يسوع مع صياغة توما. قال يسوع لمريم المجدلية، “أنا أصعد إلى أبي وأبيكم، إلى إلهي وإلهكم” (theon mou kai theon humøn، يوحنا 20: 17). كما في يوحنا 1: 1 ويوحنا 1: 18، يُدعى الآب “الله” بالقرب من عبارة تؤكد أن يسوع هو أيضًا “الله”. هنا مرة أخرى، كما في يوحنا 1: 18، لا نرى الرسول يوحنا يميز بين الآب باعتباره “الله” (ho theos) ويسوع الابن على أنه “إله” فقط (theos بدون أداة تعريف). في الواقع، بينما يدعو يسوع الآب “إلهي” بدون أداة التعريف (theon mou, 20: 17) يدعو توما يسوع “إلهي” بأداة التعريف (ho theos mou, 20:28)! لا يمكن للمرء أن يطلب أي دليل أوضح على أن استخدام أو عدم استخدام أداة التعريف لا علاقة له بمعنى الكلمة theos. ما يهم هو كيفية استخدام الكلمة في السياق. في يوحنا 20: 28، يخبر الرسول عن أكثر التلاميذ تشككًا الذي ينطق بأكثر الاعترافات تمجيداً ليسوع. يتوقع يوحنا من قرائه أن ينظروا إلى اعتراف توما كنموذج يحتذى به.[21] مع الاعتراف بأن يسوع هو الذي انتصر على الموت نفسه من أجلنا، علينا أيضًا أن نستجيب ليسوع ونعترف بأنه ربنا وإلهنا.
استنتاج يوحنا، الذي يريد أن يصل إليه قرائه أيضًا، بأن يسوع هو ابن الله (20: 30-31) لا يتعارض مع فهم تصريح توما في يوحنا 20: 28 باعتباره اعترافًا نموذجيًا بيسوع الرب والله. في المقدمة أيضًا، يصر يوحنا على أن يسوع هو الله (1: 1، 18) وابن الله (1: 14، 18). كما لاحظ د. أ. كارسون (D. A. Carson)، “هذا التوتر بين العبارات غير المشروطة التي تؤكد الألوهية الكاملة للكلمة أو الابن، وتلك التي تميز الكلمة أو الابن عن الآب، هي سمة مميزة للإنجيل الرابع من الآية الأولى.”[22] أولئك الذين يجدون هذه الأوصاف ليسوع من المستحيل التوفيق بينها دون إنكار أو الانتقاص من أحدها لصالح الآخر، يعملون في ظل افتراض أو التزام من وجهة نظر غير ثالوثية لله (أي الرأي القائل بأن الله لا يمكن إلا أن يكون شخصًا منفردًا).
للتلخيص، يشير إنجيل يوحنا صراحة إلى يسوع المسيح على أنه “الله” ثلاث مرات: في بداية ونهاية المقدمة (1: 1، 18) وفي ذروة الانجيل (20: 28). توضح هذه التأكيدات الثلاث الموضوعة استراتيجيًا أن يسوع هو الله وكان دائمًا. كما قال موراي هاريس، “في حالته قبل التجسد (1: 1)، وفي حالته المتجسدة (1: 18)، وفي حالة ما بعد القيامة (20: 28)، يسوع هو الله. بالنسبة ليوحنا، فإن التعرف على ألوهية المسيح هو السمة المميزة للمسيحي”.[23]
دم الله (أعمال 20: 28)
من بين إشارات العهد الجديد أو الإشارات الواضحة إلى يسوع على أنه الله، فإن أعمال الرسل 20: 28 هي واحدة من أكثر الأشياء المتنازع عليها. يأتي ذلك في ذروة خطاب وداع بولس لشيوخ كنيسة أفسس الذين التقى بهم في ميليتس (أعمال الرسل 20: 17-35). تأمل الترجمتين التاليتين:
كنيسة الله التي اشتراها بدمه. (NASB)
كنيسة الله التي اشتراها بدم ابنه. (NRSV)
على الرغم من أن معظم النسخ الإنجليزية المعاصرة تقدم الجزء الأخير من الآية بنفس طريقة NASB ESV) و NIV و NKJV و HCSB وغيرهم)، فقد فضل العديد من العلماء والمعلقين في العقود الأخيرة التقديم الموجود في NRSV (وأيضًا في .(REB[24] ليس هناك شك في سبب هذا التفضيل: أولئك الذين يعارضون الترجمة التقليدية يجدون اللغة، التي تعبر عن فكرة أن الله له “دم”، صعبة إن لم تكن مستحيلة.
لا يمكن تجنب درس صغير في القواعد من أجل فهم مشكلة تفسير NRSV. الكلمات المتنازع عليها عادة تترجم “دمه” لكنها ترجمت “دم ابنه” في NRSV هي tou haimatos tou idiou (كلمة بكلمة، “دم” “خاصته”). كلمة idiou (“خاصته”) هي صفة نفهمها عادةً على أنها تعديل للاسم haimatos (“الدم”). ترتيب الكلمات هنا، مع الصفة التي تلي الاسم مع أداة تعريف ثانية بينهما، أمر طبيعي تمامًا وشائع في اليونانية.[25] يظهر مثال آخر لهذا البناء في نفس الآية: “الروح القدس” (to pneuma to hagion، كلمة بكلمة، “الروح” “القدس”). لم يكن حتى النصف الأخير من القرن التاسع عشر[26] أن أي شخص اقترح أن الكلمات المذكورة هنا لا تعني “دمه”. أساس الترجمة البديلة “دم ابنه” هو أن اليونانية يمكنها أيضًا استخدام الصفات كما لو كانت أسماء (المصطلح التقني جوهريًا). يجادل العديد من العلماء المعاصرين بأن tou idiou هو استخدام جوهري للصفة، وبالتالي يعني “خاصته”، مقارنة باستخدام صفة “المحبوب” (أفسس 1: 6) كنوع من مصطلح المحبة للمسيح.
إعادة التفسير هذه للنص ممكنة نحويًا ويصعب دحضها تمامًا، لكنها ليست أكثر الفهم طبيعية. كما ذكرنا، مضى ثمانية عشر قرنًا قبل أن يبتكرها أحد.[27] لا يدعو العهد الجديد يسوع في أي مكان آخر “خاصته” (ho idios)، ولم يتم استخدام هذا المصطلح مطلقًا في الكنيسة الأولى باعتباره تسمية ليسوع. إن الاستخدام الجوهري لـ “ho idios” (أو أي اختلاف نحوي، مثل ton idion) نادر في الواقع في العهد الجديد، وفي صيغة المفرد يحدث مرة واحدة فقط – وحتى في هذه الحالة لا يشير إلى شخص معين (يوحنا 15: 19).[28] من ناحية أخرى، يعمل ho idios كصفة تتبع الاسم – تمامًا كما هو الحال في أعمال الرسل 20: 28 – في العديد من نصوص العهد الجديد (يوحنا 1: 41؛ 5: 43؛ 7: 18؛ أعمال الرسل 1: 25).
نحن نميل إلى الاتفاق مع نايجل تيرنر Nigel Turner، عالم قواعد اللغة اليونانية في القرن العشرين، والذي أطلق على الترجمة البديلة لأعمال الرسل 20: 28 “وسيلة لاهوتية، تفرض التمييزات الوهمية في تأكيد ذاتي، وليست الطريقة الطبيعية لاتخاذ اليونانية.”[29] وكما علق العالم الكاثوليكي تشارلز ديفاين DeVine قبل ستين عامًا، فإن هذه ليست أكثر من محاولة “لتجنب بأي ثمن القوة الكاملة لتعبير” دم الله “.[30]
إلهاً على الكل (رومية 9: 5)
رومية 9: 5 هي تأكيد واضح آخر على أن يسوع هو الله ويمكن ترجمته بطرق مختلفة. تأمل الترجمات التالية:
. . . الذين لهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد الذي على الكل هو الله المبارك الى الابد. آمين. (NASB)
. . . الذين لهم الأجداد ومنهم المسيح حسب الجسد: الله الذي فوق الكل مبارك إلى الأبد. آمين. (nwt)
وفقًا لـ NASB وأحدث النسخ الإنجليزية الرئيسية، يشير بولس إلى المسيح على أنه “الله”، في حين أنه لا يشير إلى المسيح في nwt وبعض الترجمات الأخرى (معظمها أقدم). في نصوص أخرى تسمي يسوع على ما يبدو “الله”، واجهنا خلافات نصية وترجمة مختلفة. هنا، يعود الاختلاف إلى علامات الترقيم.
إذا قسمنا الآية إلى سطور وقمنا بترجمتها كلمة بكلمة بالترتيب دون علامات ترقيم، فسوف يساعدنا ذلك في معرفة ماهية القضايا:
الذين [لهم] الآباء
ومنهم المسيح حسب الجسد
الشخص الذي هو فوق الكل
الله المبارك كل الدهور آمين
ببساطة شديدة، الخيارات الرئيسية[31] لعلامات الترقيم في الآية تتلخص في ثلاثة:
ضع نقطة في نهاية السطر ب، بحيث يكون السطران ج ود جملة منفصلة. هذا يعني أن الآية لا تقول أن المسيح “فوق الكل” أو أنه هو الله.[32]
ضع نقطة في نهاية السطر ج، بحيث يكون السطر د جملة منفصلة. هذا يعني أن الآية تقول أن المسيح “فوق الكل” لكنه لا تدعوه الله.[33]
تعامل مع الأسطر الأربعة كجزء من نفس الجملة (والتي قد تبدأ في الآية 3). هذا يعني أن الآية تقول أن المسيح “فوق الكل” وتدعوه أيضًا الله.[34]
هناك اعتباران يقودان معظم المترجمين إلى اختيار الخيار الثالث. أولاً، من الناحية النحوية، “من هو فوق الكل” يعدل بشكل طبيعي “المسيح” في الجزء السابق من الآية: “ومنهم المسيح حسب الجسد، الذي هو فوق الكل” (الترجمة الحرفية). بالإضافة إلى ذلك، يتفق “من هو” أو “الذي هو” (ho ōn) نحويًا مع “المسيح” (ho Christos)، مما يقود القارئ إلى فهم أن “من هو فوق الكل” استمرار في قول شيء ما عن المسيح. تتطابق صياغة بولس هنا بشكل وثيق مع فورة تسبيح مماثلة موجهة إلى الله الآب في رسائل بولس الأخرى:
“إن الله وأب الرب يسوع يعلم، والذي هو [هو] مبارك إلى الأبد، أني لست كاذبًا” (2 كورنثوس 11: 31). هذا يعني أن السطر الثالث من رومية 9: 5 هو على الأرجح جزء من الجملة التي تبدأ في الآية 3. فكرة أن المسيح هو “فوق الكل” تتفق بالتأكيد مع تعليم بولس. في الحقيقة، الفكرة تكررت في الإصحاح الذي يليه مباشرة (رومية 10: 12).
الاعتبار الثاني هو موضع كلمة “مبارك” (eulogētos)، والتي تتبع في اليونانية كلمة “الله” (theos). في التماجيد الكتابية التي تقف كجمل منفصلة والتي تستخدم “مبارك”، فإنها تسبق دائمًا الاسم أو اللقب الإلهي (God، YHWH، إلخ) في الجملة. فيما يلي بعض الأمثلة النموذجية.
مُبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح. . . (2 كورنثوس 1: 3؛ أفسس 1: 3؛ 1 بطرس 1: 3)
حقيقة أن رومية 9: 5 لا تتبع هذا النمط الكتابي القياسي لتمجيد الله الذي يقف كجملة منفصلة (التي يستخدمها بولس نفسه في مكان آخر) تجعل من المؤكد بشكل معقول أن “الله المبارك إلى الأبد” هو جزء من نفس الجملة مثل السطور السابقة. …يستخدم بولس بنية الجملة هذه في مواضع أخرى من كتاباته، بما في ذلك في موضع سابق من نفس الرسالة.
لقد استبدلوا حقيقة الله بالكذب وعبدوا وخدموا المخلوق بدلاً من الخالق الذي هو [hos estin] مباركاً إلى الأبد! آمين. (رومية 1: 25).
الله أبو الرب يسوع، [ho ōn] المبارك إلى الأبد. . .. (2 كورنثوس 11: 31 NASB)
لهذه الأسباب، يمكننا أن نكون على ثقة تامة من أن رومية 9: 5 تدعو يسوع بالفعل “الله”.[35] هذا النص له أهمية أكبر عندما نعتبر أن أقدم كتابات العهد الجديد والتي تدعو يسوع “الله” (يعود تاريخها إلى حوالي 57 م، أي بعد رُبع قرن من موت المسيح وقيامته).[36] علاوة على ذلك، في رومية 9: 5 نرى ثلاثة من العناصر الخمسة التي نناقشها في هذا الكتاب تتعلق بألوهية يسوع: إنه ينال الإكرام الإلهي بالتسبيح الأبدي؛ له الاسم الإلهي “الله”. يشترك في كرسي الله، ويحتل أعلى منصب في الحكم على كل الخليقة.
عرش الله (عبرانيين 1: 8)
يقدم الإصحاح الأول من سفر العبرانيين حجة موسعة لتفوق يسوع المسيح على الملائكة. وبذلك، يقتبس من مزمور يقول المؤلف إنه يشير إلى ابن الله على أنه “الله” بينما يميزه أيضًا عن الله.
اقتباس الكاتب يأتي من المزمور 45: 6-7، الذي يقرأ بشكل أساسي بنفس الطريقة في النص العبري للعهد القديم وفي الترجمة السبعينية اليونانية. في السياق الأصلي، يخاطب كاتب المزمور ملك إسرائيل (مز 45: 15). وبإنزعاج من أن يشير المزمور إلى ملك إسرائيل على أنه “الله”، اقترح بعض العلماء مجموعة واسعة من التصحيحات للنص العبري، والتي يشتبهون في تلفها. وتشمل هذه الإنجازات، كما يسميها علماء النصوص، “عرشك أبدي”، و “أقام الله عرشك إلى الأبد”، و “عرشك إلى أبد الآبدين”، وما شابه ذلك. كما يلاحظ موراي هاريس بشكل صحيح، فإن اقتراح إصلاح النص بدلاً من قبوله كما هو معطى هو “مشورة غير حكيمة لدرجة اليأس”.[37]
والسبب الذي جعل العديد من العلماء قد اقترحوا تعديلات على النص، بالطبع، هو أن النص في قراءته الطبيعية يخاطب الملك باعتباره الله. ليس من المستغرب أن العديد من العلماء الآخرين اقترحوا ترجمات مختلفة للنص، مثل “عرشك الإلهي” أو “الله عرشك” أو “عرشك مثل عرش الله”. ومع ذلك، فإن ترجمة “كرسيك، يا الله”، بالإضافة إلى كونها أفضل قراءة للعبرية، تجد دعمًا لها في العهد القديم اليوناني ancient Greek Old Testament.[38]
لم يكن ملك إسرائيل، بالطبع، هو الله بالمعنى الحرفي للكلمة. مثل نبوءة إشعياء عن صبي يُدعى عمانوئيل التي تصور المسيح مسبقًا، والذي سيكون حقًا “الله معنا” (إشعياء 7: 14؛ متى 1: 22-23)، يتحدث المزمور في “الأفق” المباشر عن ملك اورشليم الذي هو إشارة إلى المسيّا أيضًا، سليل داود والملك الأبدي الحقيقي. يجب أن نلاحظ أن المزمور لا يحدد الملك بعينه، ويمكن تفسير المزمور بأكمله بطريقة مسيانية. الملك أجمل من غيره من البشر (الآية 2)، ويخاطب بأنه “جبار” (gibbôr، عدد 3 أ؛ راجع إشعياء 9: 6)، ينسب له المجد والعظمة (الآية 3 ب)، المحترم باعتباره البطل في الحق والبر (الآيات 4-7)، والجالس على العرش الأبدي (الآية 6). الصور الزواجية التي تهيمن على النصف الثاني من المزمور (الآيات 8-15) هي زينة للنافذة (من المحتمل أن يكون سببها حفل زفاف حقيقي للملك) من أجل رؤية مسيانية للمستقبل. سيحضر أغنى ممثلي دول العالم إلى الملك الذي من نسل داود Davidic king وسيسجدون له، وسوف تمدحه جميع شعوب العالم (لاحظ بشكل خاص الآيات 9-12، 17). إن اللغة التي تتحدث عن الملك والتي من شأنها أن تكون مفرطة في الإشارة إلى أي من ملوك إسرائيل البشريين فقط تنطبق في النهاية على المسيح.[39] وهكذا، على الرغم من أن أياً من هؤلاء الملوك لم يكن الله بالمعنى الحرفي للكلمة، فإن المزمور 45 يشير إلى الملك القادم الذي سيكون الله حقًا.
هذا هو بالضبط ما يزعمه كاتب سفر العبرانيين – أن صاحب المزمور كان، في الواقع، يتكلم “عن الابن” (عبرانيين 1: 8 أ). لم يكن داود وسليمان والملوك الآخرون الذين حكموا أورشليم يتوقعون إلا ابن الله الحقيقي الذي يحكم من عرش الله (عب 1: 2-3)، الشخص الذي تعبده الملائكة (الآية 6)، الرب الذي صنع السماوات والأرض. (الآية 10) وسوف تفني كل منهم ويبقي هو (الآيات 11-12). في المقطع الذي يقدم كل هذه العبارات المذهلة عن يسوع المسيح ويؤكد أن اسمه يتفوق على اسم جميع الملائكة (آية 4)، فإن الادعاء بأن اسم “الله” يخصه أيضًا (آية 8). يجب أن يعطى قوته الكاملة.
أحد الاعتراضات الشائعة على فهم الآية 8 على أنها تعني أن يسوع هو الله هو أن الآية 9 (أيضًا اقتباس من المزمور 45) تدعو شخصًا آخر (يُفترض أنه الآب) إلهه: “الله إلهك”. هذا الاعتراض ليس أكثر صحة هنا من الاعتراض المماثل الذي رأيناه سابقًا ضد فهم أن ابن الله في إنجيل يوحنا هو الله (يوحنا 1: 1، 14، 18؛ 20: 28، 31). في العبرانيين، كما في يوحنا، يتم وضع تأكيدات يسوع على أنه الله والآب كإله يسوع جنبًا إلى جنب (يوحنا 20: 17، 28؛ عبرانيين 1: 8، 9) بدون أي تناقض. بحكم التجسد، أصبح يسوع إنسانًا، وجزءًا من نظام الخليقة (يوحنا 1: 14؛ فيلبي 2: 6-7)، وعلى هذا النحو يكرم الآب على أنه إلهه (انظر أيضًا رؤيا 3: 12). في نفس الوقت، بحكم طبيعته الإلهية الأصلية غير المخلوقة، كان يسوع ولا يزال هو الله.
الله العظيم ومُخلصنا (تيطس 2: 13؛ بطرس الثانية 1: 1)
يحتوي اثنان من أقصر كتب العهد الجديد على تأكيدات متشابهة – وقوية جدًا – بأن يسوع المسيح هو الله. يقول الرسول بولس[40] في رسالته إلى تيطس أن المسيحيين “ينتظرون الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح” (تيطس 2: 13). تبدأ رسالة بطرس الثانية القصيرة أيضًا بوصف قراءها بأنهم “أولئك الذين نالوا إيمانًا ثمينًا مثل إيماننا من خلال بر إلهنا والمخلص يسوع المسيح” (1: 1). يصف كلا النصين يسوع باستخدام اللقبين “الله والمخلص”.
لا يتفق الجميع على أن هذه الآيات تدعو يسوع “الله”. شهود يهوه، على سبيل المثال، يترجمون تيطس 2: 13 “من الله العظيم و[الـ] مخلص، المسيح يسوع” و2 بطرس 1: 1 “من إلهنا و [الـ] مخلص يسوع المسيح” (nwt، الأقواس في الأصل). إدخال بين قوسين للكلمة يحدث فرقًا كبيرًا. اقرأ هذه الآيات بدون الإضافات بين قوسين – خاصة 2 بطرس 1: 1 – ويبدو أنها تشير إلى يسوع على أنه كل من الله والمخلص.[41]
هناك عدة عوامل، مجتمعة، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هاتين الآيتين تدعوان يسوع “الله”. أحد هذه العوامل هو الطريقة التي تستخدم بها الجمل أداة التعريف في البناء أو ترتيب الكلمات الذي تشترك فيه كلتا الجملتين.
tou megalou theou kai sōtēros hemōn ‘lēsou Cristou
الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح (تيطس 2:13).
tou theou hēmōn kai sōtēros ‘lēsou Cristou
إلهنا والمخلص يسوع المسيح (بطرس الثانية 1: 1)
يستخدم كلا النصين بنية تناسب النمط التالي:
أداة تعريف +
اسم +
Kai +
اسم
tou
الـ
the
theou/ theou
الله
God
Kai
و
and
Sōtēros
المخلص
Savior
الطريقة الأكثر طبيعية لفهم هذا البناء المعين هي أن كلا الاسمين يشيران إلى نفس الشخص. (في هذا البناء، لا يهم ما إذا كانت العبارة تحتوي على ضمير أو حتى مكان ظهور الضمير.) عندما يحدث هذا البناء في اليونانية القديمة باستخدام الأسماء الشخصية المفردة التي ليست أسماء علم (أي، أسماء مثل الأب، الرب، الملك، وليس يسوع، بطرس، أو بولس)، عادة ما يشير الاسمان إلى نفس الشخص. قام الكاتب الأول الذي حلل هذا البناء بطريقة رسمية بذلك في أواخر القرن الثامن عشر. كان مسيحيًا إنجليزيًا مؤيدًا لإلغاء عقوبة الإعدام اسمه جرانفيل شارب؛ لهذا السبب، يُعرف تحليل هذا البناء باسم قاعدة Sharp.[42]
يحتوي العهد الجديد على الكثير من الأمثلة التي تدعم قاعدة Sharp. على سبيل المثال، تشير رسائل بولس إلى “إلهنا وأبينا” (على سبيل المثال، غلاطية 1: 4؛ فيلبي 4: 20؛ 1 تسالونيكي 1: 3؛ 3:11، 13) و “الله والآب” (رومية 15: 6؛ 1 كورنثوس 15: 24)، والتي تشير بالتأكيد إلى شخص واحد بألقاب الله والآب. هناك العديد من الأمثلة الإضافية، العديد منها ذات اهتمام لاهوتي ضئيل أو معدوم (انظر الجدول الخاص بقاعدة Sharp).
“اللهوالآب” (أيضًا أفسس 1: 3؛ 5: 20؛ يعقوب 1: 27؛ بطرس الأولى 1: 3)
2 كورنثوس 1: 3ب
“أبو الرحمة وإله كل تعزية”
2 بطرس 1: 11؛ 2: 20؛ 3: 18
“ربناومخلصنا، يسوع المسيح”
2 بطرس 3: 2
“الربوالمخلص“
يهوذا 4
“سيدناوربنا الوحيد يسوع المسيح”
إن الدليل على أن تيطس 2: 13 و2 بطرس 1: 1 يدعوان يسوع الله يتجاوز قاعدة شارب.[44] في تيطس، وردت عبارة “مخلصنا” (sōtēros hēmōn) ست مرات. في خمس من تلك المرات الست، تسبق أداة التعريف the” ” tou)) مباشرة عبارة “مخلصنا” (1: 3، 4؛ 2: 10؛ 3: 4، 6)؛ الاستثناء الوحيد هو تيطس 2: 13. التفسير الواضح والوحيد الوحيد لهذا الاختلاف هو أن “مخلصنا” مضبوط بنفس أداة التعريف التي تضبط “الله العظيم”.
دليل آخر في سياق تيطس 2:13 هو استخدام بولس لكلمة epiphaneia إبيفانيا (“التجلي” [nrsv]، “الظهور” [nasb])، والتي نستمد منها كلمة epiphany عيد الغطاس. وردت هذه الكلمة في الكتاب المقدس فقط في كتابات بولس، ومعظمها في الرسائل الرعوية (2 تسالونيكي 2: 8؛ تيموثاوس الأولى 6: 14؛ 2 تيموثاوس 1: 10؛ 4: 1، 8؛ تيطس 2: 13)، ودائمًا ما تشير إلى ظهور أو تجلي يسوع المسيح، إلا إذا كانت تيطس 2: 13 هي الاستثناء الوحيد. إن التشابه الوثيق بين تيطس 2: 13 و2 تيموثاوس 1: 10 (“ظهور مخلصنا يسوع المسيح”) يستبعد بشكل فعال إمكانية أن تكون تيطس 2: 13 استثناءً. لذلك عندما يقول بولس أن المسيحيين ينتظرون “ظهور مجد إلهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح” (تيطس 2: 13 nasb)، يمكننا أن نتأكد من أن الشخص الذي “يظهر” سيكون بالفعل يسوع المسيح.
إن الفهم البديل لتيطس 2: 13، والذي دافع عنه مؤخرًا الباحث الإنجيلي في بولس جوردون في Fee، يستحق بعض الاهتمام. يوافق على أن قاعدة Sharp تنطبق على تيطس 2: 13، بحيث تشير عبارة “إلهنا العظيم ومخلصنا” إلى شخص إلهي واحد. لكنه يجادل بأن الشخص الذي يُدعى “إلهنا ومخلصنا العظيم” هو الآب وليس المسيح. وجهة نظره هي أن يسوع المسيح يُدعى “مجد إلهنا العظيم ومخلصنا”. بعبارة أخرى، يفهم أن بولس يقول إن المسيحيين “ينتظرون الرجاء المبارك وإعلان مجد إلهنا العظيم ومخلصنا [المجد هو] يسوع المسيح.”[45]
إذا كان في Fee على حق، فإن ما يقوله بولس عن يسوع المسيح لا يزال يشير إلى ألوهيته، لأنه سيؤكد أن الإعلان النهائي لمجد الله سيكون ظهور يسوع المسيح في مجيئه الثاني. ومع ذلك، هناك بعض الأسباب القوية للاعتراض على تفسير في Fee. تتلخص جميع حججه المؤيدة لهذا الرأي في الادعاء بأنه سيكون خارجًا عن الالتزام بطريقة بولس في التحدث أن يدعو يسوع “الله”. ومع ذلك، من الواضح أن بولس يحيد عن المصطلحات المعتادة ليسوع في الرسالة إلى تيطس، لأنه في هذه الرسالة وحدها لم يشير أبدًا إلى يسوع على أنه “رب” (kurios) ويشير إلى يسوع مرتين على الأقل على أنه “مخلص” (sōtēr، تيطس 1: 4؛ 3: 6)، وهو مصطلح نادرًا ما يستخدمه ليسوع.[46] يحذر موراي هاريس بحق من “وجود خطر دائم في البحث الأدبي في جعل” الاستخدام المعتاد “للكاتب معياريًا لدرجة أنه لا يسمح له بامتياز خلق الاستثناء الذي يثبت القاعدة”.[47]
توفر ثمانية عوامل على الأقل بشكل تراكمي دعمًا قويًا لفهم “يسوع المسيح” على أنه “إلهنا العظيم ومخلصنا” وليس “المجد” في تيطس 2: 13.
“إلهنا العظيم ومخلصنا” تقع مباشرة بجوار “يسوع المسيح”.[48]
سيكون من الغريب أن نتحدث عن ظهور مجد الله ولا نقصد أن الظاهر هو الله.
لا يشير بولس أبدًا إلى يسوع على أنه “مجد” الله (بالرغم من أن 2 كورنثوس 4: 4، 6 تقترب).
مع تساوي كل الأشياء الأخرى، فإن الألقاب الشخصية مثل “إلهنا العظيم ومخلصنا” من المرجح أن يتم تحديدها كشخص (“يسوع المسيح”) أكثر من كونها مجرد فكرة (“المجد”).
في أماكن أخرى من الرسائل الرعوية (تيموثاوس الأولى والثانية، تيطس)، كلما استخدم بولس كلمة epiphaneia (“الظهور” أو “التجلي”)، فإنه يشير إلى ظهور يسوع المسيح (1 تيموثاوس 6: 14؛ 2 تيموثاوس 1: 10؛ 4: 1، 8)، ليست صفة مجردة تتعلق بالله أو المسيح.[49]
فيما يصل إلى اثنتي عشرة مرة من ثماني عشرة مرة في رسائله التي استخدم فيها بولس مصطلح “المجد” في الحالة المضافة (tēs doxēs)، فمن المحتمل أن يعمل كمعدل وصفي للاسم السابق (رومية 8: 21؛ 9: 23؛ 1 كورنثوس 2: 8؛ 2 كورنثوس 4: 4؛ أفسس 1: 17، 18؛ 3: 16؛ فيلبي 3: 21؛ كولوسي 1: 11، 27؛ 1 تيموثاوس 1: 11؛ تيطس 2: 13). غالبًا ما تعبر الترجمات الإنجليزية عن هذا الاستخدام من خلال تقديم كلمة “مجيد glorious” (انظر على وجه الخصوص net وniv).[50] وهكذا، يمكن ترجمة تيطس 2: 13 بشكل أفضل “الرجاء المبارك والظهور المجيد لإلهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح” (انظر، على سبيل المثال، nkjv، niv، net).
يتبع بولس على الفور إشارته إلى يسوع المسيح بالتحدث عن إنجازاته من أجل خلاصنا (تيطس 2: 14)، مؤكدًا أن يسوع المسيح هو “مخلصنا” في هذا السياق.
نمط إشارات بولس إلى “مخلصنا” في تيطس – ثلاث إشارات إلى “الله مخلصنا” تتبع كل منها عن كثب إشارة إلى يسوع المسيح باعتباره “مخلصنا” (1: 3، 4؛ 2: 10، 13؛ 3: 4، 6) – تتعطل إذا لم تشير 2: 13 إلى يسوع المسيح كمخلص.
نص مشابه – ونص تكون المسائل التفسيرية له أبسط بكثير – هو رسالة بطرس الثانية 1: 1، التي تتحدث عن “إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح”. يجادل بعض الناس بأن هذا النص لا يمكن أن يدعو يسوع “الله” لأن كلمة “الله” مميزة بوضوح عن “يسوع ربنا” في الآية التالية (الآية 2). ومع ذلك، فإن هذا الاعتراض يفترض أن العهد الجديد لا يمكنه أن يؤكد أن يسوع هو الله وأنه متميز عن الله. على العكس من ذلك، نجد على الأقل في أربعة نصوص أخرى من العهد الجديد مثل هذه العبارات المزعومة “المتناقضة” جنبًا إلى جنب (يوحنا 1: 1، 18؛ 20: 17، 28، 31؛ عبرانيين 1: 8-9). بدلاً من ترجمة النصوص بشكل خاطئ لجعلها تبدو غير إشكالية لأذهاننا، يجب أن نفكر في إمكانية أن تكشف هذه النصوص عن حقيقة بارادوكسية paradoxical حول طبيعة الله ذاتها.
كما قرأنا في رسالة بطرس الثانية، نجد العديد من الإشارات إلى يسوع المسيح التي تتطابق بشكل وثيق مع صياغة الآية الأولى (انظر الجدول أدناه).
يعترف الجميع تقريبًا بأن “الرب” في هذه النصوص هو نفس شخص “المخلص”، أي يسوع المسيح؛ نحن بحاجة إلى عدم تقديم أي حجة أو دفاع عن هذا الفهم. ومع ذلك، في اثنين على الأقل، وربما ثلاثة، من هذه النصوص، فإن الاختلاف الوحيد بين هذه الأوصاف للمسيح وهذا في 2 بطرس 1: 1 هو استخدام kuriou (“الرب”) بدلاً من theou (“الله”). نظرًا لأن كلا من الرب والله كانا ألقاب إلهية مشتركة في الاستخدام الكتابي وفي الثقافة الأوسع، فمن الصعب رؤية أي سبب مقنع لإنكار أن يسوع يُدعى الله في 2 بطرس 1: 1. كما يشير ريتشارد باوكهام في تعليقه على رسالة بطرس الثانية، “لا يوجد سبب يمنع استخدام الاختلافات في الصيغة النمطية.”[51]
إذن، تبدأ رسالة بطرس الثانية بالتأكيد على أن يسوع المسيح هو “إلهنا ومخلصنا”. وينتهي، بشكل مناسب، بتمجيد التسبيح ليسوع المسيح: “لكن انمو في نعمة ومعرفة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح. له المجد الآن وإلى يوم الدهر. آمين “(2 بطرس 3: 18). إن الموازيات اللفظية في تلك الآيات الافتتاحية والختامية بين “إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح” و “ربنا ومخلصنا يسوع المسيح”، بالإضافة إلى التمجيد الختامي الذي يوجه المجد الأبدي ليسوع المسيح، هي تأكيدات واضحة بشكل مذهل على أن يسوع المسيح هو حقًا ربنا وإلهنا. إدراك أن هذا ليس مجرد تمرين أكاديمي؛ إنها دعوة للنمو في علاقتنا مع يسوع المسيح والبدء في العيش بطريقة تمجده إلى الأبد.
[1] R. T. France, “The Worship of Jesus: A Neglected Factor in Christological Debate?” Vox Evangelica 12 (1981): 25.
[2] افتراضنا هنا -المدعوم في العقود الأخيرة بجبل من الأبحاث من قبل العديد من العلماء -هو أن المقدمة (يوحنا 1: 1-18)، مثل العهد الجديد بشكل عام، غارقة في الزخارف الدينية واللاهوتية للعهد القديم. من المؤكد أن الاتجاه في دراسات الأدب اليوحناوي قد ابتعد عن ممارسة محاولة تفسير المقدمة (خاصة الكلمة Logos) في المقام الأول من حيث الفلسفات الأفلاطونية أو الرواقية أو الفلسفات الهلنستية الأخرى. حول سياق يوحنا اليهودي وتحديدًا في العهد القديم، انظر بشكل خاص
Anthony Tyrrell Hanson, The Prophetic Gospel: A Study of John and the Old Testament (Edinburgh: T & T Clark, 1991); and Claus Westermann, The Gospel of John in the Light of the Old Testament, trans. Siegfried S. Schatzmann (Peabody, MA: Hendrickson, 1998).
الأدبيات ذات الصلة بخلفية العهد القديم للمقدمة وحدها ضخمة: انظر على وجه الخصوص
Craig A. Evans, Word and Glory: On the Exegetical and Theological Background of John’s Prologue, JSNTSup 89 (Sheffield: JSOT Press, 1993).
[3] صيغة الماضي الناقص ēn، لسببين، فارق بسيط من “كان موجودًا بالفعل” (راجع NLT، “موجود بالفعل”). الأول هو التناقض المدروس ظاهريًا بين ēn و egeneto (“أصبح”، “وجاء ليصبح”، كلمة رئيسية تظهر 21 مرة في سرد الخلق في تكوين 1: 1 -2: 4) في المقدمة (راجع يوحنا. 1: 1-4، 6، 8-10، 14-15، 17). السبب الثاني هو سياق الموجود “في البدء”.
[4] تظهر عبارة يوحنا أن الكلمة “حلّ [eskēnōsen] بيننا، ورأينا مجده [doxan]، مجد المولود الوحيد من الآب، المملؤ [plērēs] من النعمة والحق” (يوحنا 1: 14) للإشارة إلى العبارة المكررة في خروج 40: 34-35، “مجد الرب ملأ [eplēsthē] المسكن [skēnē].” انظر أيضاً عدد 14: 10-11؛ ومزمور 26: 8.
[5] مزمور 47: 7 يتحسر على حقيقة أن أعداء إسرائيل قد “دنسوا مسكن اسمك [skōnōma]. الارتباط الوثيق المحتمل بين “اسم” الله و “كلمته” يوحي للغاية هنا. لاحظ كاتب المزامير أيضًا أن الله ترك ذات مرة مسكنه في شيلو، “الخيمة التي نصبها بين الناس [kataskēnōsen en anthrōpois]” (مز 78: 60). يتضمن سفر المكابيين الثاني صلاة تشكر الله على أنه سُرَّ لأن “تصبح [genesthai] هيكلاً لسكنك بيننا [skēnōseōs en hēmin]” (2 مك 14: 35). قارن تصريح يوحنا بأن الكلمة “أصبح [egeneto، شكل آخر من أشكال genesthai] جسدًا، وحلّ بيننا [eskēnōsen en hēmin]، ورأينا مجده [doxan]” (يوحنا 1: 14)
[6] لاحظ أن يوحنا 1: 14-18 يحتوي على أربعة تلميحات على الأقل لخروج 33–34، مما يؤكد أهمية هذا المقطع لفهم مقدمة يوحنا.
Alan R. Kerr, The Temple of Jesus’ Body: The Temple Theme in the Gospel of John, JSNTSup 220 (New York and London: Sheffield Academic Press, 2002), 117–26.
[7] James Moffatt, A New Translation of the Bible, Containing the Old and New Testaments, rev. ed. (1926; reprint, Grand Rapids: Kregel, 1995); and Edgar J. Goodspeed, The New Testament: An American Translation (Chicago: University of Chicago Press, 1923).
[8] Robert M. Bowman Jr., Jehovah’s Witnesses, Jesus Christ, and the Gospel of John (Grand Rapids: Baker, 1989), 135–37.
[9] تشمل الدراسات التي توصلت إلى استنتاجات أرثوذكسية عن يوحنا 1: 1
Bowman, Jehovah’s Witnesses, Jesus Christ, and the Gospel of John, 17–84; Murray J. Harris, Jesus as God: The New Testament Use of Theos in Reference to Jesus (Grand Rapids: Baker, 1992), 51–71; and Donald E. Hartley, “Revisiting the Colwell Construction in the Light of Mass/Count Nouns,” Biblical Studies Foundation (1998), http://www.bible.org/studies/nt/topics/colwell.htm.
حول استخدام أداة التعريف باللغة اليونانية، انظر أيضًا
Daniel B. Wallace, Greek Grammar Beyond the Basics: An Exegetical Syntax of the New Testament (Grand Rapids: Zondervan, 1996), 206–70.
محاولتان مدروستان للدفاع عن ترجمة شهود يهوه ليوحنا 1: 1 هما
Rolf Furuli, The Role of Theology and Bias in Bible Translation: With a Special Look at the New World Translation of Jehovah’s Witnesses (Huntington Beach, CA: Elihu Books, 1999), 199–229; and Greg Stafford, Jehovah’s Witnesses Defended: An Answer to Scholars and Critics, 2d ed. (Huntington Beach, Calif.: Elihu Books, 2000), 305–66.
[10] ناقش أحدنا هذه النقطة في كتاب نُشر عام 1989؛ أنظر
Bowman, Jehovah’s Witnesses, Jesus Christ, and the Gospel of John, especially 60– 61.
أشار دانيال ب. والاس إلى نفس النقطة بطريقة أخرى في ورقة بحثية غير منشورة بعنوان “الآثار المترتبة على ثيوس غير محدد في يوحنا 1: 1 “The Implications of an Indefinite Theos in John 1:1c,”
، قُدمت في الاجتماع السنوي لعام 1999 للجمعية اللاهوتية الإنجيلية (في دانفرز، م أ Danvers, MA).
[11] تخلى العلماء المعاصرون بالإجماع تقريبًا عن الترجمة القديمة لـ monogenēs باعتبارها “مولود فقط”. لم يستخدم الكتاب القدامى الكلمة للإشارة إلى أن الطفل هو الوحيد الذي “أنجب” أو أنجبه أحد الوالدين (على الرغم من حدوث ذلك أيضًا في بعض الأحداث)، ولكن بدلاً من ذلك للإشارة إلى أن كان الطفل في علاقة خاصة وفريدة من نوعها مع الوالد. في الواقع، في بعض الأحيان، لا علاقة للكلمة في السياق بالأطفال على الإطلاق (على سبيل المثال، الحكمة 7: 22). لهذا السبب، فإن بعض الترجمات الحديثة تجعل الكلمة “الوحيد” (esv) أو “الواحد الوحيد” (niv) أو ما شابه. في السياق المباشر في يوحنا 1: 18، مع ذلك، فإن فكرة البنوة حاضرة بوضوح (“من هو قريب من قلب الآب”؛ انظر أيضًا عدد 14)، كما هو الحال في أي مكان آخر عندما يستخدمها يوحنا للإشارة إلى المسيح ( يوحنا 3: 16، 18؛ 1 يوحنا 4: 9).
[12] إن السؤال عن كيفية ترجمة “monogenēs theos” هو سؤال محير. الخيارات الرئيسية هي “الإله الوحيد” (esv)، “الله الواحد الوحيد” (niv)، “الإله المولود الوحيد” (nasb)، “الله الابن الوحيد” (nrsv). تعكس هذه التصورات المتنوعة الخلاف حول سؤالين. أولاً، هل تشير كلمة monogēns إلى البنوة في هذا النص (nasb and nrsv، نعم؛ esv and niv، لا)؟ نحن نتفق على أنها ربما يتعل ذلك (انظر الحاشية السابقة). ثانيًا، هل يستخدم النص هنا monogēns جوهريًا، أي مثل الاسم (niv، nrsv)، أو الصفة (esv، nasb)؟ كلاهما ممكن نحويًا. لقد استخدم يوحنا للتو monogēns بشكل جوهري، على أية حال، في الآية 14 (“مجد الابن الوحيد [وحيد الجنس monogenēs theos ] من الآب” esv). علاوة على ذلك، على الأقل في الوقائع الكتابية (بما في ذلك الأبوكريفا)، تعمل monogenēs صفة عند وصف الأسماء huios، “son”، أو thugatēr، “ابنة” (طوبيا 6 :11؛لوقا 7: 12؛ 8: 42 ;يوحنا 3 : 16, 18 ; 1 يوحنا 4 : 9). بخلاف ذلك، تعمل monogenēs بشكل جوهري (قضاة 11: 34؛ طوبيا 3: 15؛ 8: 17؛ مز 22: 20؛ 35: 17؛ يوحنا 1: 14؛ عبرانيين 11: 17؛ مز 25: 16 والحكمة 7: 22 استثناءات). عند استخدامها جوهريًا، عادةً ما تعني monogenēs (وإن لم يكن دائمًا) الطفل الوحيد أو الفريد. نعتقد أنه من المرجح، إذن، خاصة في ضوء يوحنا 1: 14، أن monogenēs في يوحنا 1: 18 تشير إلى البنوة وأنها تعمل بشكل جوهري. هذا يعني أن monogenēs و theos في موضع، لذا يجب ترجمة التعبير بالكامل إما “الله الابن الوحيد” (nrsv) أو ما يعادله، مثل “الابن الوحيد الذي هو الله”. للترجمة الأخيرة، انظر Harris, Jesus as God, 88–92.
[13] Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on the Greek New Testament, 2d ed. (Stuttgart: United Bible Societies, 1994), 169–70.
(الذي يشير إلى معارضة واحدة من اللجنة المكونة من خمسة أعضاء، ألين ويكغرين Allen Wikgren). هناك نسختان رئيسيتان من النسخ الإنجليزية المعاصرة لا تقبلان هذا الاستنتاج هما nkjv (“الابن المولود”) و hcsb (“الابن الوحيد”). جادل بارت إيرمان أيضًا ضد قراءة monogenēs theos، على أساس أن هذه الصياغة يمكن أن تعني فقط “الإله الفريد”، وهو أمر لا يمكن تصوره في سياق إنجيل يوحنا. انظر
Bart D. Ehrman, The Orthodox Corruption of Scripture: The Effect of Early Christological Controversies on the Text of the New Testament (New York: Oxford University Press, 1993), 81, and idem, Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why (San Francisco: HarperSanFrancisco, 2005), 161–62, and the response in J. Ed Komoszewski, M. James Sawyer, and Daniel B. Wallace, Reinventing Jesus: How Contemporary Skeptics Miss the Real Jesus and Mislead Popular Culture (Grand Rapids: Kregel, 2006), 290–93.
[14] وفقًا لمعظم المخطوطات، على الرغم من وجود بعض الدعم المبكر لوجود أداة التعريف قبل theos في يوحنا 1: 18 (P⁷⁵). انظر المناقشة في Harris, Jesus as God, 77–78.
[16] بإدراكنا أن نهاية الإصحاح 20 هو ذروة الإنجيل، فإننا لا نقصد ضمنيًا أن الإنجيل قد تم تعميمه بدون الإصحاح 21. بالأحرى، الإصحاح 21 هو خاتمة، توازن بين مقدمة الإنجيل (1: 1-18)، وحل موضوعات معينة التي تنشأ في جسد الإنجيل، ولمعرفة المؤلف بأنه التلميذ الحبيب. انظر
Andreas J. Köstenberger, John, BECNT (Grand Rapids: Baker, 2004), 583–86.
[17] Harris, Jesus as God, 110; انظر إلى الحواشي السفلية للحصول على مراجع واسعة النطاق.
[18] تكرر الصيغة التمهيدية “أجاب وقال” في العهد القديم (معظمها في سفري صموئيل والملوك)، ومرتين في لوقا (13: 15؛ 17: 20)، وليس في أي مكان آخر في العهد الجديد خارج إنجيل يوحنا.
[19] أحد هذه التفسيرات الخلاقة هو أن توما وجّه كلماته “ربي” إلى يسوع ولكن كلمات “إلهي” إلى الآب. المدافع الأخير عن هذا الرأي هو
Margaret Davies, Rhetoric and Reference in the Fourth Gospel, JSNTSup 69 (Sheffield: Sheffield Academic Press, 1992), 125–26.
تزعم ديفيز أن هذا التفسير “في الواقع له معنى أفضل بكثير في سياق الإنجيل الرابع”. أعد يوحنا قرائه بالفعل لاعتراف توما، من خلال تسمية يسوع “الله” مرتين في المقدمة (1: 1، 18). إن وجهة نظر ديفيز ببساطة لا تأخذ في الحسبان تقديم يوحنا لكلمات توما على أنها موجهة مباشرة إلى يسوع.
[20] انظر أيضا “ملكي وإلهي” (ho basileus mou kai ho theos mou مزمور 5: 2 [5: 3 LXX] و 84: 3 [83: 4 LXX]). يجادل بعض منتقدي التفسير التقليدي بأن كلمات توما ليست موجهة إلى يسوع، لأنه في اللغة اليونانية الكتابية، يستخدم المتحدثون الذين يخاطبون شخصًا ما باسم “الرب” عادةً الحالة الدعائية [الندائية] (kurie) بدلاً من الحالة الاسمية (kurios). ومع ذلك، تُظهر الأمثلة من المزامير أن هذه الحجة خاطئة. على الرغم من أن kurie الدعائي يظهر بشكل متكرر في اليونانية الكتابية، إلا أن نداء “theé” لـ “الله” نادر جدًا (يحدث في LXXالسبعينية فقط في قضاة 16: 28؛ 21: 3؛ الملوك الثاني 7 :25؛ حزقيال 4: 14؛ وفي العهد الجديد فقط في متى 27: 46) ولم يتم تعديله أبدًا بواسطة (mou (my أو أي ضمير آخر. بدلاً من ذلك، نجد أن الصيغة الاسمية theos تحدث بشكل شائع في الخطاب المباشر (أكثر من مائة مرة في المزامير؛ بالنسبة للعهد الجديد، انظر، على سبيل المثال، مرقس 15: 34؛ لوقا 18: 11، 13). من السهل تفسير استخدام kurios الاسمي على أنه يتأثر بالشكل التعريفي لـ theos في نفس التعبير.
[21]كان رد يسوع على اعتراف توما إرشاديًا: لقد وبخه ليس بسبب ما قاله ولكن لإصراره على الرؤية قبل أن يؤمن (يوحنا 20: 29).
[22] D. A. Carson, The Gospel According to John (Leicester, UK: InterVarsity Press; Grand Rapids: Eerdmans, 1991), 344.
[23] Murray J. Harris, 3 Crucial Questions About Jesus (Grand Rapids: Baker, 1994), 98–99.
[24] بشكل مفاجئ إلى حد ما، جاء موراي هاريس Murray Harris في كتابه الرائع يسوع باعتباره الله Jesus as God، لصالح تقديم NRSV، وخلص إلى أنه “لا يزال من غير المحتمل، وإن لم يكن مستحيلًا، أنه في أعمال الرسل 20: 28 يشير Theos إلى يسوع” (141، قارن. 137-41).
[25] من الناحية الفنية، يُعرف هذا الترتيب اللفظي (أداة تعريف + اسم + أداة تعريف + صفة) باسم الموضع الإسناد الثاني ومعترف به عالميًا في دراسة قواعد اللغة اليونانية؛ انظر Wallace, Greek Grammar Beyond the Basics, 306–7.
[26] يبدو أن العلماء الأوائل الذين اقترحوا الترجمة البديلة “دمه” كانوا
A. Bengel and F. J. A. Hort; see Harris, Jesus as God, 139; and Charles F. DeVine, “The ‘Blood of God’ in Acts 20:28,” CBQ 9 (1947): 405.
[27] هذا لا يعني أن الجميع كانوا مرتاحين تمامًا لما يتحدث عنه النص عن دم الله، منذ أن بدأ نساخ تاريخ الكنيسة في تغيير “كنيسة الله” إلى “كنيسة الرب”. من الواضح أن الناسخ أو الناسخين الذين قدموا هذه القراءة فهموا “tou haimatos tou idiou” على أنها تعني “دمه” ولكنهم اعتقدوا أنه من المقبول التحدث عن دم الرب وليس دم الله. هناك شبه إجماع اليوم على أن “الله” كانت الصيغة الأصلية انظر
Metzger, Textual Commentary on the New Testament, 425–27; Harris, Jesus as God, 134–36.
بالمناسبة، إذا كانت أعمال الرسل 20: 28 تشير إلى يسوع باستخدام عبارة “كنيسة الرب”، فسيكون هذا تأكيدًا قويًا على ألوهيته، حيث أن هذا التعبير يأتي مباشرة من العهد القديم كوصف لمجمع يهوه. (تثنية 23: 2-3 .8؛ 1 أخبار 28: 8؛ ميخا 2: 5).
[28] “لو كنتم من العالم، لكان العالم يحب خاصته [to idion]” (يوحنا 15: 19 NASB). هنا to idion هو مفرد عام، لا يشير إلى شخص معين ولكن إلى أي شخص كان من العالم. هذا الاستخدام لا يمكن مقارنته بالاستخدام البراهين المقترح في أعمال الرسل 20: 28. توجد بعض الأمثلة الواضحة لصيغة الجمع المستخدمة في الإشارة إلى الأشخاص (يوحنا 1: 11؛ أعمال الرسل 4: 23؛ 24: 23؛ ربما يوحنا 13: 1؛ تيموثاوس الأولى 5: 8.
[29] Nigel Turner, Grammatical Insights into the New Testament (Edinburgh: T & T Clarke, 1965), 14–15.
[30] DeVine, “The ‘Blood of God’ in Acts 20:28,” 405.
[32] الترجمات التي تجعل رومية 9: 5ج، د جملة منفصلة تتضمن neb وreb؛ وrsv (لكن ليس nrsv)، وGood News Translation (1992).
[33] نسخة الحياة الجديدة New Life Version (1969) تترجم رومية 9: 5د كجملة منفصلة. يتم تقديم هذا العرض أيضًا كبديل في الملاحظات الهامشية في neb وreb وniv.
[34] تعد nasb وniv وnrsv وnkjv وhcsb وnet من بين العديد من الإصدارات الحديثة التي تترجم رومية 9: 5 على أنها تشير إلى المسيح على أنه “الله”.
[35] Harris, Jesus as God, 143–72; Bruce M. Metzger, “The Punctuation of Romans 9:5,” in Christ and the Spirit in the New Testament: Essays in Honour of Charles Francis Digby Moule, ed. Barnabas Lindars and Stephen S. Smalley (Cambridge: Cambridge University Press, 1973), 95–112. For a recent dissent, see Gordon D. Fee, Pauline Christology: An Exegetical-Theological Study (Peabody, MA: Hendrickson, 2007), 272–77.
اعتراض في الأساسي على وجهة النظر القائلة بأن بولس يدعو يسوع “الله” في رومية 9: 5 هو فهمه أن بولس يستخدم الله باستمرار من أجل الآب والرب ليسوع الابن. حول هذا السؤال، انظر أدناه في تيطس 2: 13.
[36] قد يكون من الجدير بالملاحظة أنه إذا كان بولس قد دعا يسوع “الله” في أعمال الرسل 20: 28، كما جادلنا، فقد جاء هذا الخطاب بعد أسابيع قليلة فقط من انتهاءه من كتابة الرسالة إلى أهل رومية من كورنثوس (راجع رومية 15: 25-27؛ 16: 1؛ أع 20: 2-3).
[39] صاغ بطرس هذه الطريقة في تفسير المزامير على أنها مسيانية عندما جادل بأن المزمور 16، الذي كان في سياقه الأصلي مزمور لداود ليشكر الله على إنقاذه من الموت، كان يتطلع في الواقع إلى موت وقيامة نسل داود، المسيا (أعمال 2: 25-31).
[40] انظر إلى الأصل البولسي لتيطس والرسائل إلى تيموثاوس
Philip H. Towner, The Letters to Timothy and Titus (Cambridge; Grand Rapids: Eerdmans, 2006), 9–88.
للسؤال بعض التأثير غير المباشر على موضوعنا، نظرًا لأن أحد الأسباب الشائعة لإنكار أن رومية 9: 5 تدعو يسوع “الله” هو أنه سيكون المثال الوحيد في كتابات بولس. هناك، في الواقع، ثلاث عبارات محتملة من قبل بولس والتي تدعو يسوع صراحةً “الله”: رومية 9: 5 (في رسالة يتفق الجميع على أنها جاءت من بولس)؛ تيطس 2: 13؛ وأعمال الرسل 20: 28 (في خطاب بولس كما رواه لوقا). حتى أولئك العلماء الذين يجادلون في أن بولس كتب تيطس أو أن لوقا يسجل ما قاله بولس بالفعل يتفقون عمومًا على أن تيطس وسفر أعمال الرسل يمثلان فهمًا واسعًا للمسيح عند “بولس”.
[41] لكي نرى أن المقصود في تيطس 2 :13 هو شخص واحد فقط، يجب على المرء أن لا يحذف فقط ما بين قوسين ولكن أيضًا الكلمة التي تسبقه في nwt؛ هكذا، “من إلهنا العظيم ومخلصنا، المسيح يسوع.” لا توجد كلمة يونانية منفصلة مترجمة “من”؛ بدلاً من ذلك، تتعامل اليونانية (تتهجى بشكل مختلف) مع جميع الأسماء والصفات وأدوات التعريف التي تقف في نفس الموضع النحوي أو العلاقة في الجملة. يمكن للمترجمين، بالطبع، استخدام ما هو مناسب (كما في بداية العبارة المعنية)، ولكن لا ينبغي عليهم القيام بذلك حيث يشير بشكل مضلل إلى وجود شخص منفصل. سيكون من الخطأ، على سبيل المثال، ترجمة بطرس الثانية 1: 11 (التي توازي تيطس 2: 13 نحويًا) “الملكوت الأبدي لربنا والمخلص يسوع المسيح.”
[42] إن شرح القاعدة الواردة هنا ليس تعريفًا رسميًا وتقنيًا ولا يخوض في جميع التفاصيل اللازمة لإثبات صحة القاعدة. يجب أن نشير أيضًا إلى أنه، مثل جميع “القواعد” في النحو أو اللغة، فإن قاعدة Sharp هي ملاحظة وصفية لما هو طبيعي أو مألوف في اليونانية القديمة، وليست قاعدة إلزامية قبلها الكتاب اليونانيون بوعي أو التزموا بها بشكل ثابت. كملاحظة عامة صحيحة، يجب أخذ قاعدة Sharp، جنبًا إلى جنب مع العوامل السياقية الأخرى، في الاعتبار عند تفسير النص. على جرانفيل شارب، انظر
Daniel B. Wallace, “Granville Sharp: A Model of Evangelical Scholarship and Social Activism,” JETS 41 (1998): 591–613.
للدفاع عن قاعدة شارب، انظر
Robert M. Bowman Jr., “Sharp’s Rules and Antitrinitarian Theologies: A Defense of Granville Sharp’s Argument for the Deity of Christ,” at http://www.biblicalapologetics.net/NTStudies/Sharps_Rule.pdf. See also Daniel B. Wallace, Greek Grammar Beyond the Basics, 270–90; and idem, Granville Sharp’s Canon and Its Kin: Semantics and Significance (New York: Peter Lang, 2007).
[43] لقد قمنا بترجمة هذه العبارات حرفياً؛ يتم عرض الاسمين المتصلين بواسطة kai بخط عريض.
[44] لا يمكننا أن نتطرق إلا إلى بعض الأدلة هنا. انظر
Bowman, “Sharp’s Rules and Antitrinitarian Theologies,” 27–41; Harris, Jesus as God, 173–85, 229–38; and I. Howard Marshall, A Critical and Exegetical Commentary on the Pastoral Epistles, in collaboration with Philip H. Towner, ICC (Edinburgh: T & T Clark, 1999), 272–82.
[46] لا توجد رسالة أخرى لبولس، ولا حتى فليمون القصيرة جدًا، تستخدم kurios ليسوع أقل من خمس مرات. يستخدم بولس كلمة “سوتر” ليسوع خارج تيطس مرتين فقط (فيلبي 3: 20؛ 2 تيموثاوس 1: 10).
[48] يقر في Fee أن هذا يمثل “صعوبة واضحة” لوجهة نظره، لكنه يدعي، عن طريق الخطأ، أن هذه “هي الصعوبة الوحيدة”
Fee, Pauline Christology, 444n. 86.
[49] عندما يتحدث بولس عن “نعمة” الله أو ظهور “صلاحه ومحبته”، فإنه يستخدم الفعل المرتبط بها epephanē (تيطس 2: 11؛ 3: 4)، وليس الاسم epiphaneia.
[50] يؤكد في أن استخدام “المجد” كصفة لتعني “مجيد” هو “غير متزامن مع استخدام بولس في أي مكان آخر” (Fee, Pauline Christology, 443). في ضوء عشرات الأمثلة على هذا الاستخدام في بولس، يبدو أن بيان في خاطئ.
[51] Richard J. Bauckham, Jude, 2 Peter, WBC 50 (Waco, TX: Word, 1983), 168.
[52] هناك بعض عدم اليقين حول ما إذا كانت كلمة “خاصتنا” (hēmōn) تظهر في 2 بطرس 2: 20، وإذا كان الأمر كذلك، فأين. هذا المتغير النصي لا يؤثر على الحجة.
يسوع هو الله لفظاً في ثمانية مواضع من العهد الجديد (روبرت بومان جونيور) ترجمة: مينا مكرم
تُعرف السيرة الغيرية (بالإنجليزية: Biography، باليونانية bioi) بأنها سيرة حياة شخص تم كتابتها بواسطة شخص آخر، وهي شكل من أشكال الأدب، والتي تُعتبر عادةً غير خيالية، ويتمحور موضوعها حول حياة شخص معين، حيث تعد السيرة الغيرية من أقدم أشكال التعبير الأدبي، والتي تسعى إلى إعادة تشكيل حياة إنسان من خلال الكلمات عن طريق المنظور التاريخي أو الشخصي للمؤلف، حيث تعتمد على جميع الأدلة المُتاحة؛ كالأدلة المحفوظة في الذاكرة، أو المكتوبة، أو الشفهية.
مقدمة
في هذه المرحلة من تحقيقنا، قد يرغب بعض القراء في التوقف عن طرح أسئلة حول الأناجيل والانتقال إلى أقوال يسوع وأفعاله. بعد كل شيء، إذا عادت الأناجيل الأربعة بالفعل إلى الرسل وأتباعهم، فماذا هناك أيضًا للمناقشة؟ بالتأكيد يجب أن تعطينا هذه الكتابات روايات موثوقة عن كلمات يسوع وأفعاله، أليس كذلك؟
ليس بالضرورة. على الرغم من أننا اكتشفنا الأصول التاريخية للأناجيل، فلا يزال يتعين علينا النظر إلى النوع الأدبي للأناجيل. باختصار، عندما ننظر إلى “النوع الأدبي” نطرح السؤال: أي نوع من الكتب هذا؟ هل هي تاريخ؟ هل هي سيرة حياة؟ هل هي خيالية مثل الرواية؟ هل هي أسطورة؟ السبب في أهمية النوع الأدبي هو أنه إذا أخطأت في النوع الأدبي، فسوف تسيء تفسير الكتابة. فكر في الأمر: إذا دخلت إلى مكتبة تبحث عن تاريخ للحرب العالمية الثانية ولكنك التقطت عن طريق الخطأ رواية غير متطابقة من قسم الخيال، فإنك ستفقد وجهة نظر المؤلف بشكل خطير. السبب الأساسي الذي يجعل المكتبات في كل مكان تنظم مجموعاتها وفقًا لأنواع الكتب المختلفة هو أن النوع الأدبي مهم. ولهذا أيضًا تم ترتيب الكتاب المقدس وفقًا للأنواع: الشريعة (القانون)، والتاريخ، والنبوة، وأدب الحكمة، والأناجيل، وأعمال الرسل، والرسائل، وما إلى ذلك.
غالبًا ما يقدم المؤلفون أدلة على النوع الأدبي للعمل. يعمل كل من الشكل والمحتويات والطول والأسلوب وما إلى ذلك معًا لمساعدة القارئ على تحديد النوع الأدبي للكتاب. إذا بدأت القصة بالكلمات “ذات مرة …”، فأنت تعلم أن ما توشك على قراءته هو قصة خرافية، وليس تاريخًا.
يعد الحصول على النوع الصحيح من الأدب عند تقييم الأناجيل الأربعة كمصادر تاريخية للمعرفة عن يسوع أمرًا مهمًا لأن بعض العلماء اليوم يدعون أن الأناجيل تشبه إلى حد كبير الفولكلور أكثر من كونها سيرة حياة أو تاريخًا. يدعي أحد العلماء الجدد أن مؤلفي الأناجيل لم يحاولوا في كثير من الأحيان حتى إعطاء قرائهم “معلومات عن السيرة الحياتية” حول “ما قاله يسوع وفعله حقًا”.[1] هل هذا صحيح؟ هل الأناجيل شكل من أشكال الفولكلور؟ أم أنها سير قديمة؟ ما هي القرائن الأدبية التي تحتويها والتي قد تساعدنا في تحديد نوعها؟ للإجابة على هذه الأسئلة، لنبدأ بإلقاء نظرة موجزة على النظرية الحديثة القائلة بأن الأناجيل ليست سير حياة.
الأناجيل كـ فولكلور (حكايات شعبية)؟
خلال الثمانمائة عام الأولى أو نحو ذلك من وجودهم، تمت قراءة الأناجيل الأربعة كما لو كانت سير -روايات عن “حياة” (باليونانية bios) ليسوع، تخبرنا بما فعله حقًا وما قاله حقًا. على سبيل المثال، في القرن الثاني الميلادي، يشير يوستينوس الشهيد إلى الأناجيل على أنها “مذكرات [الرسل]” ويفسرهم على أنهم “سجلوا” ما قاله يسوع وفعله بالفعل (انظر يوستينوس الشهيد، الدفاع الأول، 66؛ الحوار مع تريفو، 100. 4). من خلال الإشارة إلى الأناجيل على أنها “مذكرات” (باليونانية apomnēmoneumata)، يستخدم يوستينوس لغة من تقليد السيرة في العالم الهلنستي وبالتالي يعطينا فكرة عن كيفية قراءة الأناجيل بواسطة القراء القدامى.[2] على نفس المنوال، وصف أوغسطينوس الأناجيل الأربعة بأنها “شهادات جديرة بالثقة”، بناءً على “ذكر” التلاميذ، و “الكلمات التي سمعت من شفتيه، والأفعال التي صنعها تحت أعينهم” (أوغسطينوس، تناغم الأناجيل Harmony of the Gospels، 1.1). في ضوء مثل هذه الأمثلة، يستنتج الباحث في العهد الجديد جراهام ستانتون: “ليس هناك شك … أن القراء المسيحيين الأوائل للإنجيل قد قرأوها كسير حياة.”[3]
تقدم سريعًا لما يقرب من 1500 عام، ويحدث تحول دراماتيكي. في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بدأ بعض العلماء في الإصرار على أن الأناجيل ليست سيرًا.[4] ربما كان أكثر مؤيدي هذه الفكرة تأثيرًا هو العالم الألماني رودولف بولتمان، الذي كتب:
هل يجب أن ننظر حولنا بحثًا عن مقارنات لتفسير شكل الإنجيل؟ ما هي المقارنات التي يمكن اقتراحها؟ لا يوجد شيء في التقليد اليوناني. لأنه لا جدوى من التفكير في المذكرات التي ربما كان يوستينوس … يفكر فيها بالإشارة إلى الأبومونيوماتا apomnēmoneumata، أو السيرة الهلنستية. لا يوجد اهتمام تاريخي بالسيرة الحياتية في الأناجيل، ولهذا ليس لديهم ما يقولونه عن شخصية يسوع البشرية، ومظهره وصفاته، وأصله، وتعليمه، وتطوره.[5]
لاحظ أن بولتمان يعرف جيدًا أن يوستينوس الشهيد وصف الأناجيل بأنها “مذكرات” أي سير حياة. ومع ذلك، يتجاهل ببساطة هذا الدليل جانبًا ويؤكد أنه لا يوجد “اهتمام تاريخي بالسيرة” في الأناجيل لأنهم لا يخبروننا عن شكل يسوع! يبدو أنه يقول ذلك لأن الأناجيل ليست مثل السير الحديثة – التي تركز على التفاصيل الدقيقة مثل المظهر والنمو النفسي والتعليم – فهي ليست سيرًا على الإطلاق. بدلاً من ذلك، بالنسبة إلى بولتمان، تشبه الأناجيل “الحكايات الشعبية” و “القصص الخيالية”.[6]
هذه الفكرة القائلة بأن الأناجيل تشبه الفولكلور هي فكرة حية وبصحة جيدة. على سبيل المثال، في مقدمته الأكثر مبيعًا للعهد الجديد – مرة أخرى، الكتاب المدرسي الذي استخدمته عندما كنت في المدرسة – يدعي بارت إيرمان أن المسيحيين القدامى لم يكونوا مهتمين بالحقيقة التاريخية، لأنهم آمنوا أن قصة ما عن يسوع يمكن أن تكون صحيحة “سواء حدث ذلك أم لا.”[7] كتشبيه حديث، يناشد إيرمان الحكاية الشعبية المعاصرة للشاب جورج واشنطن الرافض للكذب بشأن قطع شجرة كرز والده! حيث يكتب:
تأمل، على سبيل المثال، قصة سمعها كل طالب في الصف الثاني في البلاد، قصة جورج واشنطن وشجرة الكرز …. نحن نروي القصة، ليس لأنها حدثت بالفعل، ولكن لأننا نعتقد أنها صحيحة بطريقة ما. ربما كانت القصص عن يسوع في الكنيسة الأولى متشابهة.[8]
لكي نكون منصفين، يعترف إيرمان بأن العديد من أحداث الأناجيل هي روايات لأحداث حدثت بالفعل. بل إنه يضع بعض المعايير لكيفية تحديد ما هو تاريخي وما هو ليس كذلك.[9] ومع ذلك، لا يزال يختار الحكاية الشعبية لأطفال العصر الحديث التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها خاطئة لتوفير القياس الأساسي لأنواع القصص التي يعتقد أن الأناجيل تحتوي عليها. وهو بذلك يخلق انطباعًا بأن الأناجيل تعادل الفولكلور القديم، الذي له علاقة ضئيلة بالأحداث التاريخية الفعلية أو لا علاقة له بها على الإطلاق.
الأناجيل سير حياة قديمة
عندما تأخذ الوقت الكافي لمقارنة الأناجيل بالكتابات القديمة الأخرى، فإن أقرب التشابهات الأدبية هي في الواقع السير اليونانية الرومانية.[10] تُعرف هذه السير باسم “الحياة” (باليونانية bioi) لأنها تركز على حياة شخص معين، سواء كان فيلسوفًا أو مدرسًا أو سياسيًا أو إمبراطورًا أو أيًا كان. فيما يلي بعض الأمثلة على بعض السير القديمة المكتوبة بعد فترة زمنية قصيرة من الأناجيل:
في هذا القسم، سنقارن بعض السمات الرئيسية في السير اليونانية الرومانية مع حياة يسوع كما هو مسجل في الأناجيل الأربعة. أقوم بصياغة هذه المناقشة على الكتاب الذي نال استحسان النقاد لعالم العهد الجديد ريتشارد بوريدج، ما هي الأناجيل؟ مقارنة بالسيرة اليونانية الرومانية (2004).[11] يسلط هذا الكتاب الضوء على أوجه التشابه الرئيسية التي قادت العديد من الباحثين الجدد إلى استنتاج أنه من حيث النوع الأدبي، فإن الأناجيل هي الأقرب إلى السير اليونانية الرومانية القديمة.[12]
تركز السير القديمة على حياة وموت فرد واحد. أول تشابه بين السير القديمة والأناجيل الأربعة هو أنهما يركزان على “حياة” (bios) شخص واحد – سواء كان ذلك الشخص هو المؤرخ اليهودي يوسيفوس أو الإسكندر الأكبر، الإمبراطور نيرون، الفيلسوف ديموناكس، أو يسوع الناصري. يمكن عادةً تقسيم الهيكل العام للسيرة القديمة إلى ثلاثة أجزاء رئيسية – ولادة الشخص، والحياة (المهنية) العامة، وموت الشخص – مع تخصيص الجزء الأكبر من الكتاب للحياة المهنية للشخص موضوع السيرة:
السير اليونانية الرومانية
الأناجيل الأربعة
الميلاد والطفولة
(بشكل مختصر او غير مدرجة كلية)
الميلاد والطفولة
(متى 1-2، لوقا 1-2، غير مدرجة في مرقس ويوحنا)
الحياة المهنية العامة
(أطول فصول الكتاب)
الحياة المهنية العامة
(متى 3-25، مرقس 1-13، لوقا 3-21، يوحنا 1-12)
الموت
(مختصر بشكل نسبي)
الموت
(متى 24-27، مرقس 14-15، لوقا 22-23، يوحنا 18-19)
بالطبع، لا تغطي كل سيرة قديمة طفولة شخصيتها الرئيسية. على سبيل المثال، تتعمق حياة بلوتارخ في حياة رجل الدولة اليوناني تيموليون مباشرة في قصة أعماله العامة (انظر تيموليون Timoleon 1). وبالمثل، فإن إنجيل مرقس لا يبدأ بميلاد يسوع بل بخدمة يوحنا المعمدان (انظر مرقس 1). ومع ذلك، فإن التركيز العام على حياة وموت شخص واحد يشير إلى أن السيرة تختلف عن الأنواع الأخرى من الكتابة، مثل التاريخ، والتي تميل إلى التركيز على أحداث أمة أو شعب بأكمله.
غالبًا ما يتراوح طول السير القديمة بين 10000 و20000 كلمة. كما يعلم أي شخص قضى وقتًا في محل لبيع الكتب، يمكن أن يكون حجم الكتاب في كثير من الأحيان دليلًا مهمًا جدًا النوع الأدبي للكتاب. تميل كتب التاريخ إلى أن تكون طويلة ومفصلة؛ يمكن أن تكون الروايات بأي طول؛ تميل كتب الأطفال إلى أن تكون قصيرة. الكتب الطويلة التي تحتوي على الكثير من الهوامش تخبر القارئ على الفور أنها: “للعلماء فقط!” وما إلى ذلك وهلم جرا. وفقًا لريتشارد بوريدج، غالبًا ما يتراوح متوسط السير اليونانية الرومانية في مكان ما بين 10000 و20000 كلمة -“المقدار الموجود في لفيفة نموذجية يبلغ طولها حوالي 30-35 قدمًا”.[13] (لإعطاء فكرة عن عدد الصفحات التي سيتم ترجمة هذا إليها في يومنا هذا، عادةً ما تستغرق 10000 إلى 20000 كلمة ما بين 40 إلى 80 صفحة مطبوعة على الآلة الكاتبة.) عندما نفحص طول الأناجيل الأربعة، فإنها تقع ضمن هذا النطاق.
السير اليونانية-الرومانية
الأناجيل الأربعة
الطول الشائع
بين 10000-20000 كلمة
متى: حوالي 18000 كلمة
مرقس: حوالي 11000 كلمة
لوقا: حوالي 19000 كلمة
يوحنا: حوالي 15000 كلمة
من المؤكد أن بعض السير كانت أطول بكثير من الأناجيل (مثل كتاب Philostratus’s Life of Apollonius of Tyana). في حالات أخرى كانت قصيرة جدا. على سبيل المثال، يمكن قراءة إنجيل مرقس وسيرة لوسيان عن ديموناكس بسهولة في جلسة واحدة. ومع ذلك، كانت معظم السير عادة متوسطة الطول. ثم، كما هو الحال اليوم، كانت تميل إلى أن تكون أطول من الرسائل ولكنها أقصر من التواريخ.
غالبًا ما تبدأ السير القديمة بالنسب. عادة ما تكون بداية الكتاب هي المكان الذي يرشدك فيه المؤلف إلى النوع الأدبي. كما ذكرت سابقًا، عندما تبدأ القصة بالكلمات “ذات مرة …”، فأنت تعلم أنك تقرأ قصة خرافية. وبالمثل، إذا بدأ جزء قصير من الكتابة بالكلمات “بولس … إلى كل محبوبي الله في روما”، فأنت تعلم أنك تقرأ رسالة (رومية 1: 1-7). على هذا المنوال، غالبًا ما تبدأ السير القديمة بنوع من سلاسل النسب. على سبيل المثال، تبدأ كل من السيرة الحياتية ليوسيفوس وسيرة لوسيان عن ديموناكس بإدراج نسب شخصياتهما:
عائلتي ليست بائسة، حيث تعود أصولها إلى أسلافها الكهنوتيين…. علاوة على ذلك، من ناحية أمي أنا من الدم الملكي…. كان جد جدي الأكبر سمعان ولقبه بسيلوس. كان معاصرا لكبير الكهنة هيركانوس…. أذكر [نسبي] كما أجده مسجلاً في السجلات العامة. (Josephus, Life, 1)
كان [ديموناكس] قبرصيًا بالولادة، وليس من الأصول العادية فيما يتعلق بالرتبة المدنية والممتلكات…. (Lucian, Life of Demonax, 3)
وبنفس الطريقة، يقدم اثنان من الأناجيل الأربعة سلاسل أنساب مفصلة ليسوع، مما يعطي أفكارًا مهمة عن شجرة عائلته:
مرة أخرى، لم تبدأ كل سيرة قديمة بسلسلة نسب، ولا يحتوي كل إنجيل على أي منها (قارن مرقس 1: 1-3؛ يوحنا 1: 1-14). احتواء كل من متى ولوقا على سلاسل الأنساب في بداية روايتهما يعد دليلًا مهمًا على حقيقة أنهما يعتزمان تزويد القراء بمعلومات عن سيرة حياة يسوع.
لا يجب أن تكون السير القديمة مرتبة ترتيبًا زمنيًا. تشابه مهم آخر بين السير اليونانية الرومانية والأناجيل الأربعة هو أنها ليست بالضرورة تقارير كرونولوجية (مرتبة زمنياً) صارمة لحياة الشخص. في الواقع، يمكن أيضًا ترتيب النص حسب الموضوع او الفئة.[14] على سبيل المثال، كتب كاتب السير الروماني سوتونيوس ما يلي في حياته أوغسطس قيصر:
بعد أن قدمت ملخصًا لحياته، سأتناول الآن مراحلها المختلفة واحدة تلو الأخرى، ليس بترتيب زمني، ولكن حسب الفئات (المواضيع)، لجعل التقرير أكثر وضوحًا وأكثر قابلية للفهم. (Suetonius, Life of the Deified Augustus, 9).[15]
هذا مشابه بشكل مذهل لما قاله بابياس، أحد أباء الكنيسة الأوائل، عن إنجيل مرقس:
بعد أن أصبح مرقس مترجم بطرس، كتب بدقة كل ما يتذكره، ولكن ليس بالترتيب، الأشياء التي قالها أو فعلها المسيح. (بابياس من هيرابوليس)[16]
بعبارة أخرى – وهذا أمر مهم – لم يكن كتّاب السير القدامى قلقين بشأن الدقة مثل كتّاب السير المعاصرين، الذين غالبًا ما يريدون تقديم التاريخ والوقت والمكان الدقيق الذي حدث. تمنحك السير القديمة أحيانًا هذا النوع من المعلومات، لكنها في كثير من الأحيان لا تمنحك ذلك. نتيجة لذلك، عندما يتعلق الأمر بالسير القديمة، لا يمكنك الافتراض أنه نظرًا لتسجيل شيء تلو الآخر، فإن الأحداث حدثت بالضرورة بهذا الترتيب بالضبط. من ناحية أخرى، فإن ترتيب السيرة حسب الموضوع بدلاً من التسلسل الزمني لا يحولها بطريقة سحرية إلى فولكلور أو خيال. نفس الشيء ينطبق على الأناجيل. فقط لأن مؤلفي الأناجيل لم يتبعوا معايير السيرة الحديثة لا يعني أنهم لم يقصدوا إخبارنا بما قاله يسوع وفعله بالفعل.
لا تخبرك السير القديمة بكل شيء عن الشخص. لم يحاول كتّاب السير القدماء -على عكس بعض كتّاب السير المعاصرين، الذين غالبًا ما يسعون جاهدين لتقديم صور شاملة لشخصياتهم – حتى إخبار القراء بكل شيء عن الشخص الذي كانوا يصفون حياته. تأمل، على سبيل المثال، كلمات بلوتارخ، المؤرخ اليوناني، في سيرته للإسكندر الأكبر:
إنها حياة الإسكندر الملك والقيصر الذي أطاح ببومبي، وأنا أكتب في هذا الكتاب، كما أن كثرة الأعمال التي يجب معالجتها كبيرة جدًا لدرجة أنني لن أقدم أي مقدمة أخرى سوى دعوة القراء، في حال لم أتحدث عن كل الأعمال الشهيرة لهؤلاء الرجال، ولا حتى أتحدث بشكل شامل على الإطلاق في كل حالة بعينها، ولكن في أغلب الأحيان، لا أشكو. لأنني لا أكتب “التاريخ”، بل “الحياة”.
نظرًا لأن بلوتارخ لا يكتب “تاريخًا” (باليونانية historia) للإمبراطورية اليونانية بل “حياة” (باليونانية bios) للإسكندر الأكبر، فلن يتحدث باستفاضة عن جميع الأعمال التي قام بها الإسكندر. هذا لا يعني أن سيرة بلوتارخ “غير تاريخية”. هذا يعني فقط أنه غير كاملة.[18]
نفس الشيء ينطبق على الأناجيل: فهي ليست مكتوبة لتخبرنا بكل ما فعله يسوع وما قاله. إذا كان هناك أي شك في هذا، فلاحظ التشابه المذهل بين نهاية سيرة لوسيان لمعلمه ديموناكس ونهاية إنجيل يوحنا:
هذه أشياء قليلة جدًا من بين العديد من الأشياء التي قد أذكرها، لكنها ستكون كافية لإعطاء قرائي فكرة عن نوع الرجل الذي كان عليه [ديموناكس].
يا له من تشابه مذهل! هل يمكن أن يكون من الواضح أن يوحنا يكتب نوعًا من سيرة حياة يسوع؟ في ضوء هذه الأدلة، فإن فكرة أن الأناجيل ليست سير حياة لمجرد أنها سجلات غير مكتملة لحياة يسوع تمثل إخفاقًا تامًا في الالتفات إلى القرائن الأدبية في الكتب. إن الطبيعة الانتقائية للأناجيل تضعهم على قدم المساواة مع السير القديمة، والتي كانت تميل أيضًا إلى أن تكون انتقائية للغاية.
في ضوء مثل هذه التشابهات، قام علماء العهد الجديد في القرن الحادي والعشرين بتحويل كامل تقريبًا حول مسألة ما إذا كانت الأناجيل هي سير حياة أم لا. على حد تعبير جراهام ستانتون وجيمس دن:
لا أعتقد أنه من الممكن الآن إنكار أن الأناجيل هي مجموعة فرعية من النوع الأدبي الواسع “للحياة”، أي السير.[20]
منذ سبعينيات القرن الماضي … أصبح من الواضح أن الأناجيل هي في الواقع مشابهة جدًا من حيث النوع للسير القديمة (باليونانية bioi، باللاتينية vitae).[21]
يمكن إعطاء أمثلة أخرى عديدة، ولكن دع هذين الأمرين كافيين لتوضيح هذه النقطة. إن الفكرة القديمة القائلة بأن الأناجيل ليست سيرًا بل قصصًا فولكلورية وقصصًا خرافية تفشل تمامًا في حساب الأدلة الأدبية. لقد مضى وقت طويل منذ أن أُلقيت في سلة مهملات التاريخ. الأناجيل هي سير حياة.
بالطبع، هذا لا يعني أنه لا توجد فروق بين الأناجيل الأربعة والسير اليونانية الرومانية القديمة. ولعل أكثرها وضوحًا هو أن هذه الكتب الأربعة تحمل عنوان “الأناجيل” أو “الأخبار السارة” (باليونانية euangelion) وليست “الحياة” (باليونانية bios). لماذا؟ في الوقت الحالي، يكفي أن نشير إلى أن لغة “الأخبار السارة” تأتي مباشرة من سفر إشعياء، الذي يعلن “الأخبار السارة” بمجيء الله:[22]
تقتبس الأناجيل الأربعة صراحةً هذا المقطع في فصولها الافتتاحية (انظر متى 3: 1-3؛ مرقس 1: 1-3؛ لوقا 3: 1-6؛ يوحنا 1: 23). على هذا النحو، قد تزودنا نبوءة إشعياء بدليل على الاختلاف الحقيقي بين الأناجيل والسير اليونانية الرومانية القديمة. لا تتعلق الأناجيل بحياة الإنسان يسوع الناصري فقط؛ هم عن مجيء الله في شخص يسوع. كما سنرى في الفصول اللاحقة، قد تكون الأناجيل نوعًا فريدًا من السيرة، لأنها تسجل حياة شخص فريد.
الأناجيل سير حياة تاريخية
لكن لا يمكننا التوقف عند هذا الحد. ليست الأناجيل الأربعة مجرد نوع من السيرة القديمة. إنها سير حياة تاريخية، اثنتان منها تدعيان صراحة أنهما تخبرانا بما فعله يسوع بالفعل وقاله وأنهما تستندان إلى شهادة شهود عيان (لوقا 1: 1-4؛ يوحنا 21: 20-24).
سبب أهمية الطابع التاريخي للأناجيل هو أن بعض العلماء يدّعون أن مؤلفي الأناجيل لم يقصدوا حتى إعطائنا الحقيقة التاريخية حول أقوال يسوع وأفعاله. الطريقة الوحيدة لتبني مثل هذا الرأي، مع ذلك، هي تجاهل حقيقة أن كتاب السيرة القدامى يصرون في كثير من الأحيان على أنهم يسجلون الحقيقة حول ما فعله شخص ما وقاله. على سبيل المثال، في سيرته للفيلسوف ديموناكس، يتأكد لوسيان من إخبار القارئ بأنه كان شاهد عيان وتلميذ لديموناكس نفسه:
أتحدث بالإشارة إلى بويوتيان سوستراتوس Boeotian Sostratus … وإلى ديموناكس، الفيلسوف. رأيتُ هذين الرجلين بنفسي، ورأيتُهما بذهول: وعند أحدهما، ديموناكس، كنت طالباً لفترة طويلة. (Lucian, Life of Demonax, 1)[23]
أحد الأسباب التي قد تجعل لوسيان يؤكد هذه النقطة هو أنه في مكان آخر من كتاباته، يصر على التزام المؤرخ القديم بقول الحقيقة:
مهمة المؤرخ واحدة: أن يقول الأمر كما حدث…. هذه هي السمة الفريدة للتاريخ، ويجب التضحية من أجل الحقيقة وحدها. (Lucian, How to Write History, 39, 40).[24]
على نفس المنوال، يصر الكاتب اليهودي يوسيفوس في القرن الأول على الحقيقة التاريخية لسيرة حياته:
بعد أن وصلت إلى هذه النقطة في روايتي، أقترح توجيه بضع كلمات إلى يوستس، الذي قدم روايته الخاصة لهذه الأمور، والآخرين الذين، بينما يدعون كتابة التاريخ، لا يهتمون كثيرًا بالحقيقة، سواء عن طريق الحقد أو التحيز، ليس لديهم تردد في الكذب/الباطل. إن إجراءات هؤلاء الأشخاص تشبه في الواقع مزوري العقود، ولكن، مع عدم وجود عقوبة ليخافوا منها، يمكنهم تحمل ازدراء الصدق…. [لكن] الصدق على عاتق المؤرخ. (Josephus, Life, 336–39)
لاحظ أنه لا يوجد أي أثر لفكرة أن التقارير في السيرة يمكن أن تكون صحيحة “سواء حدثت أم لا.” على العكس من ذلك، يصر يوسيفوس على أن السيرة الذاتية التي يكتبها هي مجموعة فرعية من “التاريخ” (باليونانية historia). هذا يعني أنه يجب على المؤلف أن يقول “الحقيقة” (باليونانية alētheia) حول ما حدث، بدلاً من “الباطل” (باليونانية pseudos). بالطبع، قد يجادل العلماء فيما إذا كان يوسيفوس أو أي كاتب سيرة آخر قد نجح في قول الحقيقة أم لا. لكن لا يمكن أن يجادلوا في أن نوع كتاباته هو سيرة حياة تاريخية، وأنه يدعي أن يخبرنا بما حدث بالفعل. ونتيجة لذلك، فإن أي عالم يقارن السيرة الذاتية ليوسيفوس بـ “الفولكلور” أو “القصص الخيالية” سيعتبر سخيفًا. مع ذلك، هذه هي بالضبط الطريقة التي يصور بها علماء مثل رودولف بولتمان الأناجيل.
إذا نظرنا إلى ما تقوله الأناجيل الأربعة فعليًا عن أنواع الكتب التي كانوا عليها، نكتشف أن اثنين منهم يؤكدان أنهما يسجلان ما فعله يسوع بالفعل وقاله. كما يزعمون أنهم يستندون إلى شهادات شهود عيان. بعبارة أخرى، يصرون على أنهم سير حياة تاريخية. تأمل مرة أخرى في مقدمة إنجيل لوقا:
لفهم أهمية مقدمة لوقا في حجتنا، يجب شرح أربع نقاط. أولاً، كما يشير العديد من العلماء، تتشابه مقدمة لوقا بشكل لافت مع المقدمات الموجودة في التواريخ اليونانية الرومانية القديمة، من قبل مؤلفين مثل هيرودوت، وثيوقيديدس، ويوسيفوس.[25] مثل مقدمات التواريخ القديمة الأخرى، تهدف مقدمة لوقا إلى الإشارة إلى القارئ بأن الإنجيل تاريخي في طبيعته. ثانيًا، يستخدم لوقا كلمة “سرد” (اليونانية diēgēsis) لوصف سفره. كما أوضح جوزيف فيتزماير، غالبًا ما يستخدم المؤلفون اليونانيون الرومانيون هذه الكلمة تحديدًا “لكتابة التاريخ” (انظر يوسيفوس، الحياة، 336؛ لوسيان، كيفية كتابة التاريخ، 55).[26] ثالثًا، يصر لوقا على أن روايته التاريخية تستند إلى شهادة “شهود العيان (باليونانية autoptai) منذ البداية” لخدمة يسوع العامة. الآن، لماذا يؤكد لوقا على طبيعة شهود العيان لمصادره إذا كان يروي فقط الحكايات الشعبية؟ من الواضح أن لوقا يريد أن يعرف قرائه أن ما يقوله عن يسوع يمكن أن يؤيده أولئك الذين عرفوه. رابعًا وأخيرًا، يصرح لوقا صراحةً أنه يكتب حتى يعرف جمهوره “الحقائق” (باليونانية asphaleian). على الرغم من أن بعض الكتب المقدسة باللغة الإنجليزية تترجم الكلمة اليونانية asphalēia على أنها “حقيقة”، إلا أن لوقا يستخدمها باستمرار للإشارة إلى حقائق آمنة ويمكن التحقق منها (انظر أعمال الرسل 21: 34؛ 22: 30؛ 25: 26).[27] بعبارة أخرى، يبدأ إنجيل لوقا بالإصرار على أنه سرد دقيق وواقعي، يستند مباشرة إلى شهادة شهود عيان لما فعله يسوع وقاله. ودعماً لذلك، يشير لوقا في سفر أعمال الرسل إلى إنجيله باعتباره وصفًا لـ “كل ما بدأ يسوع يفعله ويعلّمه” (أعمال الرسل 1: 1). الكثير عن فكرة أن كتبة الأناجيل لم يقصدوا أن يقولوا لنا “ما فعله يسوع حقًا وما قاله”![28] بحسب لوقا، هذا بالضبط ما فعله في كتابة إنجيله.
وليس “لوقا” فقط. نفس الشيء ينطبق على إنجيل يوحنا. في رواية يوحنا عن موت يسوع على الصليب وفي نهاية الإنجيل، يصر المؤلف على أن إنجيله مبني على شهادة شاهد عيان:
لاحظ أن “شهادة” شاهد العيان (باليونانية martyria) الواردة في إنجيل يوحنا ليست مجرد نوع من الحقيقة. إنها حقيقة الأشياء التي “فعلها” يسوع (باليونانية epoiēsen). بهذه الطريقة، يشير كاتب الإنجيل لقرائه إلى أنه يكتب نوعًا من السيرة التاريخية التي ينوي فيها تسجيل ما فعله يسوع بالفعل (انظر أيضًا يوحنا 20: 30؛ 21: 25).[29]
هل الأناجيل نصوص حرفية؟
قبل أن أنهي هذا الفصل، من المهم أن نكون واضحين بشأن ما يعنيه القول بأن الأناجيل هي سير حياة تاريخية وما لا يعنيه ذلك. من ناحية -ولا يمكنني المبالغة في التأكيد على النقطة – لا يعني ذلك أن الأناجيل هي نسخ حرفية لما قاله يسوع وفعله. أحد أسباب الحاجة إلى التأكيد على ذلك هو أنه من السهل جدًا على الأشخاص المعاصرين في عصرنا من تسجيل الصوت والفيديو أن يوازنوا بين الحقيقة التاريخية للأناجيل ودقة الكلمة بكلمة. من ناحية أخرى، فإن الطابع التاريخي للأناجيل يعني أن المؤلفين يعتزمون تسجيل جوهر ما قاله وفعله يسوع حقًا.
على سبيل المثال، يوضح المؤرخ اليوناني القديم ثيوقيديدس أنه عندما يسجل الخطب التي ألقيت خلال الحرب البيلوبونيسية، فإنه لا يعطي بالضرورة وصفًا حرفيًا:
بالإشارة إلى الخطب في هذا التاريخ، أُلقي بعضها قبل بدء الحرب، والبعض الآخر أثناء استمرارها؛ بعضهم سمعت بنفسي، وآخرون سمعتهم من جهات مختلفة؛ كان من الصعب في جميع الحالات نقلها كلمة بكلمة في ذاكرة المرء، لذلك كانت عادتي هي أن أجعل المتحدثين يقولون ما هو مطلوب منهم في رأيي في المناسبات المختلفة، وبالطبع التمسك بأكبر قدر ممكن من المعنى العام لما قالوه حقًا.
(Thucydides, History of the Peloponnesian War 1.22.1)[30]
لاحظ هنا أنه عندما يتعلق الأمر بمسألة محتوى الخطب التاريخية، “حجم واحد لا يناسب الجميع”. تستند بعض الخطب إلى ذاكرة ثيوقيديدس، وبعضها على شهادة الآخرين. في كلتا الحالتين، يحاول دائمًا التمسك بأكبر قدر ممكن من “المعنى العام” لما قيل حقًا. ربما ينطبق الأمر نفسه على الأناجيل: بعض الروايات عما قاله يسوع هي شهادة مباشرة، تستند إلى ذاكرة التلاميذ، بينما البعض الآخر يعتمد على التقليد الشفهي (انظر لوقا 1: 1-4). في كلتا الحالتين، لا يتمثل الهدف الأساسي بالضرورة في تقديم تقرير كلمة بكلمة، ولكن تسجيل مضمون ما قاله يسوع بالفعل.
لهذا السبب، لا ينصب التركيز الأساسي لهذا الكتاب على التفاصيل الدقيقة لروايات الإنجيل، بل بالأحرى -لاستخدام كلمات ثيوقيديدس -“المعنى العام” لما “قاله يسوع حقًا”. في الواقع، تُظهر لنا الأناجيل أنه على الرغم من اهتمام الكتاب بالتاريخ الحقيقي، إلا أنهم لم يقصدوا إنشاء نصوص حرفية. على سبيل المثال، إذا قارنت كلمات يسوع المؤسسة في العشاء الأخير بين مختلف روايات العهد الجديد، فسوف تكتشف بسرعة أنها ليست متطابقة (انظر متى 26: 26-29؛ مرقس 14: 22-25؛ لوقا 22: 19 -20؛ 1 كورنثوس 11: 23-26). كما يشير عالم العهد الجديد جون ماير:
هناك سبب حقيقي للتساؤل عما إذا كان التقليد الإنجيلي والإنجيليون مهتمين بالصياغة الدقيقة لما قاله يسوع…. على سبيل المثال، لدينا أربعة تقارير عما قاله يسوع على الخبز والنبيذ في العشاء الأخير … وتختلف الإصدارات الأربعة فيما بينها…. من الواضح أن يسوع كان قادرًا على قول هذه الكلمات مرة واحدة فقط قبل أن تنتهي حياته فجأة…. لدينا هنا دليل معبر: من الواضح أن “الكلمات الإفخارستية” كانت مهمة للكنيسة الأولى -شاهد صيغها الأربعة! ومع ذلك، فإن الأهمية بالنسبة للكنيسة الأولى ضمنت الاتفاق من حيث الجوهر، وليس في الصياغة الدقيقة. إذا كان هذا صحيحًا بالنسبة إلى “كلمات المؤسسة” الحيوية هذه في العشاء الأخير، فهل لدينا أي سبب للاعتقاد بأن كلمات يسوع الأخرى تم الحفاظ عليها بحماس أكبر لدقة الكلمة بكلمة؟[31]
على نفس المنوال، شدد جوزيف راتزينغر (البابا بنديكتوس السادس عشر) على أن الأناجيل الأربعة “لا تدعي الدقة الأدبية” على غرار “النص المسجل”. ومع ذلك، فإنهم يدّعون أنهم يقدمون “جوهر خطابات” يسوع بشكل صحيح.[32] إنهم يفعلون ذلك على وجه التحديد لأنهم سير حياة.
لتلخيص ما تعلمناه في هذا الفصل: يجب أن يكون واضحًا الآن أن الزعم بأن الأناجيل ليست سير حياة هو مجرد خطأ واضح. علاوة على ذلك، فإن استخدام الحكايات الشعبية للأطفال في العصر الحديث مثل قصة جورج واشنطن وشجرة الكرز كمقارنات لنوع القصص التي تحتويها الأناجيل لا يمكن الدفاع عنه تاريخيًا، وبصراحة تامة، غير مسؤولة أكاديميًا. مثل لعبة الهاتف، تفشل هذه المقارنات تمامًا في إنصاف النوع الأدبي الفعلي والخصائص التاريخية للأناجيل الأربعة. الأناجيل هي السير القديمة التي تهدف إلى تسجيل جوهر ما فعله يسوع الناصري بالفعل وقاله.
[9] المرجع نفسه، 75، 244-50. للانتقادات الأخيرة لهذه المعايير، انظر على وجه الخصوص،
Chris Keith and Anthony Le Donne, eds., Jesus, Criteria, and the Demise of Authenticity (London: T. & T. Clark, 2012); Dale C. Allison, “How to Marginalize the Traditional Criteria of Authenticity,” in The Handbook for the Study of the Historical Jesus, ed. Tom Holmén and Stanley E. Porter, 4 vols. (Leiden: Brill, 2009), 1:3–30
[10] من المدهش إلى حد ما أن يقبل بارت إيرمان في مكان آخر الاستنتاج العلمي القائل بأن الأناجيل أمثلة على السير اليونانية الرومانية القديمة. انظر Ehrman, The New Testament, 84. ومع ذلك، فإن هذا الاستنتاج ليس له تأثير يذكر على كيفية تعامله مع تاريخية ادعاءات الإنجيل. بدلاً من ذلك، يصر إيرمان على أن معظم كتّاب السير القدامى كانوا أقل عزمًا على نقل ما “حدث بالفعل” من رسم صورة لشخصية موضوعهم وصفاته (Ehrman, The New Testament, 84). وقد أسس هذا الادعاء على مقدمة بلوتارخ لحياته للإسكندر الأكبر، والتي ذكر فيها بلوتارخ أنه لن يروي “كل” ما فعله الإسكندر “بالتفصيل الكامل” (Plutarch, Life of Alexander, 1). بفعله هذا، أساء إيرمان تفسير بلوتارخ بجدية. لا يقول بلوتارخ إنه لم يكن مهتمًا بما حدث بالفعل في حياة الإسكندر الأكبر؛ إنه يقول إنه لم يكن لديه مساحة لإعطاء “التفاصيل الكاملة” بل يجب عليه “اختزال القصة”.
[11] Richard Burridge, What Are the Gospels? A Comparison with Graeco-Roman Biography, 2nd ed. (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2004).
[12] Bird, The Gospel of the Lord, 221–98; Luke Timothy Johnson, The Writings of the New Testament: An Interpretation (Minneapolis: Fortress, 2010), 139; Craig S. Keener, The Historical Jesus of the Gospels (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2009), 73–108; Samuel Byrskog, Story as History, History as Story: The Gospel Tradition in the Context of Ancient Oral History (Leiden: Brill, 2002); Stanton, The Gospels and Jesus, 14–18. These more recent studies are indebted to the earlier work of my teacher David E. Aune, The New Testament in Its Literary Environment (Philadelphia: Westminster John Knox, 1987), 17– 76.
[13] Richard Burridge, “About People, by People, for People: Gospel Genre and Audiences,” in The Gospels for All Christians: Rethinking the Gospel Audiences, ed. Richard Bauckham (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1998), 122.
[14] The Gospel of the Lord, 236, citing Quintilian, Institutes of Oratory 3.7.15–16.
[15] اللغة اللاتينية ليست حسب الأزمنة بل بالأنواع neque per tempora sed per species. الترجمة لـ
John C. Rolfe, 2 vols., Loeb Classical Library 31 (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1998, 1997), 1.161.
[16] Eusebius, Church History, 3.39.15, trans. Michael W. Holmes.
[17] Trans. in Plutarch, Lives, trans. Bernadotte Perkin; Loeb Classical Library 99 (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1919), 225.
كان كورنيليوس تاسيتوس (حوالي 55 -120 م) مؤرخًا رومانيًا عاش في فترات حكم أكثر من ستة أباطرة رومانيين. لقد أطلق عليه لقب “أعظم مؤرخ” لروما القديمة، وهو فرد معترف به عمومًا بين العلماء بسبب “نزاهته الأخلاقية وصلاحه الأساسي”.[1]
اشتهر تاسيتوس بعملين هما (الحوليات Annals والتاريخ (Histories. يُعتقد أن الكتاب الأول قد اشتمل على ثمانية عشر جزءاً، بينما اشتمل الأخير على اثني عشر جزءاً، ليصبح المجموع ثلاثين.[2] تغطي الحوليات الفترة من وفاة أغسطس في عام 14 م إلى وفاة نيرون عام 68 م، بينما يبدأ التاريخ بعد وفاة نيرون وينتقل إلى وفاة دوميتيان في عام 96 م.
سجل تاسيتوس إشارة واحدة على الأقل إلى المسيح واثنتين إلى المسيحية المبكرة، واحدة في كل من أعماله الرئيسية. وأهمها ما وجد في الحوليات، الذي كتب حوالي عام 115 م، وقد رُوي ما يلي بشأن الحريق العظيم الذي اندلع في روما في عهد نيرون:
وبالتالي، للتخلص من التقرير، شدد نيرون الذنب وألحق أفظع أشكال التعذيب بفئة مكروهة بسبب رجاساتهم، يطلق عليهم المسيحيون من قبل الجمهور. عانى كريستوس، الذي نشأ منه الاسم، من العقوبة القصوى في عهد طيباريوس على يد أحد وكلاءنا، بيلاطس البنطي، وهي خرافة شريرة، تم التحقق منها في الوقت الحالي، اندلعت مرة أخرى ليس فقط في اليهودية، المصدر الأول للشر، ولكن حتى في روما، حيث تجد كل الأشياء البشعة والمخزية من كل جزء من العالم مركزها وتصبح شائعة. وبناءً عليه، تم القبض أولاً على كل من اعترف بالذنب؛ ثم، بناءً على معلوماتهم، أدين عدد هائل، ليس بجريمة إشعال النار في المدينة، بقدر ما أُدينَ بالكراهية ضد البشرية. تمت إضافة السخرية من كل نوع إلى وفاتهم. تمت تغطيتهم بجلود الوحوش، ومزقتهم الكلاب وهلكوا، أو تم تسميرهم على الصلبان، أو حُكم عليهم بالنيران والحرق، ليكونوا بمثابة إضاءة ليلية، عندما انتهى ضوء النهار. قدم نيرون حدائقه للمشهد، وكان يعرض عرضًا في السيرك، بينما كان يختلط مع الناس في لباس العجلة أو يقف عالياً في سيارة. ومن ثم، حتى بالنسبة للمجرمين الذين يستحقون العقاب الشديد والمثالي، نشأ شعور بالشفقة؛ لأنه لم يكن، كما يبدو، إهلاكهم من أجل الصالح العام، ولكن لإشباع قسوة رجل واحد.[3]
من هذا التقرير يمكننا أن نتعلم عدة حقائق، صريحة وضمنية، تتعلق بالمسيح والمسيحيين الذين عاشوا في روما في الستينيات بعد الميلاد، بالتسلسل الزمني، يمكننا التأكد من المعلومات التالية.
(1) تم تسمية المسيحيين على اسم مؤسسهم كريستوس (من اللاتينية)، (2) الذي قتل على يد الوكيل الروماني بيلاطس البنطي (لاتيني أيضًا)، (3) في عهد الإمبراطور طيباريوس (14 -37 م). و (4) أنهى موته “الخرافة” لفترة قصيرة، (5) لكنها اندلعت مرة أخرى، (6) خاصة في اليهودية، حيث نشأ التعليم.
(7) حمل أتباعه عقيدته إلى روما. (8) عندما دمر الحريق الكبير جزءًا كبيرًا من المدينة في عهد نيرون (54 -68 م)، ألقى الإمبراطور باللوم على المسيحيين الذين عاشوا في روما. (9) يذكر تاسيتوس أن هذه المجموعة كانت مكروهة لرجاساتهم. (10) تم القبض على هؤلاء المسيحيين بعد الإقرار بالذنب، (11) وأدين العديد منهم بتهمة “الكراهية للبشرية”. (12) تعرضوا للسخرية و (13) ثم تعرضوا للتعذيب، بما في ذلك “تسميرهم على الصلبان” أو حرقهم حتى الموت. (14) وبسبب هذه الأعمال، تعاطف الناس مع المسيحيين. (15) لذلك خلص تاسيتوس إلى أن مثل هذه العقوبات لم تكن من أجل الصالح العام ولكنها كانت ببساطة “لإشباع قسوة رجل واحد”.[4]
العديد من الحقائق هنا ذات أهمية. كما لاحظ ف. ف. بروس F. F. Bruce ربما كانت موجودة في أحد تقارير بيلاطس إلى الإمبراطور، والتي من المحتمل أن يكون تاسيتوس قد تمكن من الوصول إليها بسبب مكانته مع الحكومة.[5] بالطبع، لا يمكننا أن نكون متأكدين في هذه المرحلة، لكن اثنين من الكتاب الأوائل يزعمون أنهم يعرفون محتويات مثل هذا التقرير، كما سنرى لاحقًا.
ومما يثير الاهتمام أيضًا السياق التاريخي لموت يسوع، لأنه مرتبط بكل من بيلاطس وطيباريوس. بالإضافة إلى ذلك، يرى جي إن دي أندرسون J. N. D. Anderson مضامين في اقتباس تاسيتوس بخصوص قيامة يسوع.
بالكاد يكون من الوهم أن نقترح أنه عندما يضيف أن “أكثر الخرافات المؤذية، التي تم التحقق منها في الوقت الحالي، اندلعت مرة أخرى” فإنه يقدم شهادة غير مباشرة وغير واعية على قناعة الكنيسة الأولى بأن المسيح المصلوب قد قام من القبر.[6]
على الرغم من أننا يجب أن نكون حريصين على عدم المبالغة في هذا المعنى الضمني، إلا أنه لا يزال هناك احتمال أن يكون تاسيتوس قد أشار بشكل غير مباشر إلى إيمان المسيحيين بقيامة المسيح، لأن تعاليمه “اندلعت مرة أخرى” بعد موته.
ومن المثير للاهتمام أيضًا أسلوب التعذيب الذي استُخدِمَ ضد المسيحيين الأوائل. إلى جانب الحرق، صُلب عدد منهم “بالتسمير على الصلبان”. ليست هذه هي الطريقة المستخدمة مع يسوع فحسب، بل تشير التقاليد إلى أن نيرون كان مسؤولاً عن صلب بطرس أيضًا، ولكنه كان مقلوبًا رأسًا على عقب. وتجدر الإشارة أيضًا إلى التعاطف الذي أثاره الشعب الروماني.
تم العثور على الإشارة الثانية إلى يسوع في كتابات تاسيتوس في التاريخ. بينما تم فقد المرجع المحدد، كما هو الحال في معظم هذا الكتاب، يتم الاحتفاظ بالمرجع بواسطة Sulpicius Severus سولبيسيوس سيفيروس[7] يخبرنا أن تاسيتوس كتب عن إحراق الرومان هيكل أورشليم عام 70 بعد الميلاد، وهو حدث دمر المدينة. تم ذكر المسيحيين كمجموعة مرتبطة بهذه الأحداث. كل ما يمكننا استخلاصه من هذه الإشارة هو أن تاسيتوس كان أيضًا على علم بوجود مسيحيين غير الموجودين في روما. من المسلم به أن الحقائق التي يرويها تاسيتوس (ومعظم المصادر الكتابية الإضافية الأخرى) عن يسوع معروفة جيدًا في ثقافتنا الحالية. ومع ذلك نجد أهمية في التأكيد المفاجئ لحياة يسوع.
يوسيفوس
ولد المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس عام 37 أو 38 م وتوفي عام 97 م في عائلة كهنوتية وأصبح فريسيًا في سن التاسعة عشرة. بعد أن نجا من معركة ضد الرومان خدم القائد فيسباسيان في أورشليم. بعد تدمير أورشليم عام 70 م، انتقل إلى روما، حيث أصبح مؤرخ البلاط للإمبراطور فيسباسيان.[8]
تقدم الآثار Antiquities (أحد أهم أعمال يوسيفوس)، بعض الأدلة القيمة ولكن المتنازع عليها فيما يتعلق بيسوع. كتبت حوالي 90 -95 م، وهي أقدم من شهادات المؤرخين الرومان. يتحدث يوسيفوس عن العديد من الأشخاص والأحداث في فلسطين في القرن الأول ويشير إلى يسوع مرتين. الإشارة الأولى موجزة للغاية وتأتي في سياق الإشارة إلى يعقوب، “أخو يسوع الذي دُعي المسيح.”[9] نجد هنا علاقة وثيقة بين يسوع ويعقوب والاعتقاد لدى البعض بأن يسوع هو المسيّا
الإشارة الثانية هي الأكثر أهمية والأكثر مناقشة بسهولة، حيث يبدو أن بعض الكلمات ترجع إلى الاقحام المسيحي. على سبيل المثال، جزء من تقارير الاقتباس:
الآن كان هناك في ذلك الوقت يسوع، رجل حكيم، إذا جاز أن ندعوه رجلاً. لأنه كان الشخص الذي حقق أعمالاً مدهشة…. كان هو المسيح…. ظهر لهم حيًا مرة أخرى في اليوم الثالث، كما تنبّأ الأنبياء الإلهيون بهذه الأمور وعشرة آلاف أمر رائع آخر يخصه.[10]
بما أن يوسيفوس كان يهوديًا، فمن غير المرجح أنه كان سيكتب عن يسوع بهذه الطريقة. يخبرنا أوريجانوس أن يوسيفوس لم يؤمن أن يسوع هو المسيا.[11] ولكن يوسابيوس يقتبس الفقرة هذه بما في ذلك الكلمات أعلاه.[12] لذلك، ربما يعتقد غالبية المعلقين أن جزءًا على الأقل من الاقتباس (الكلمات “المسيحية” المميزة، على وجه الخصوص) هو إقحام مسيحي. ومع ذلك، فقد أيد علماء آخرون أيضًا النهاية الأصلية.[13] هناك موقف وسيط اتخذه العديد من الناس، وهو أن المقطع نفسه كتبه يوسيفوس مع تعدسل أو حذف الكلمات المشكوك فيها. لذا فإن السؤال الرئيسي هنا يتعلق بالكلمات الفعلية ليوسيفوس.
هناك مؤشرات جيدة على أن غالبية النص أصلي. لا يوجد دليل نصي ضده، وعلى العكس من ذلك، هناك أدلة مخطوطية جيدة جدًا لهذه الفقرة عن يسوع، مما يجعل من الصعب تجاهلها. بالإضافة إلى ذلك، شهد العلماء البارزون في أعمال يوسيفوس أن هذا الجزء مكتوب بأسلوب هذا المؤرخ اليهودي.[14] وهكذا نستنتج أن هناك أسبابًا وجيهة لقبول هذه النسخة من تصريح يوسيفوس عن يسوع، مع تعديل الكلمات المشكوك فيها. في الواقع، من الممكن أن يتم التحقق بدقة من هذه التعديلات.
في عام 1972 أصدر البروفيسور شلومو باينز Schlomo Pines من الجامعة العبرية في أورشليم نتائج دراسة حول مخطوطة عربية تحتوي على تصريح يوسيفوس عن يسوع. يتضمن عرضًا مختلفًا ومختصرًا للمقطع بأكمله، بما في ذلك التغييرات في الكلمات الرئيسية المذكورة أعلاه:
في ذلك الوقت كان هناك رجل حكيم يُدعى يسوع. كان سلوكه حسنًا وعرف عنه أنه فاضل. وكثير من اليهود ومن الأمم الأخرى صاروا تلاميذه. حكم عليه بيلاطس بالصلب والموت. لكن أولئك الذين أصبحوا تلاميذه لم يتخلوا عن تلمذته. وأخبروا أنه ظهر لهم بعد صلبه بثلاثة أيام وأنه حي. وعليه، ربما كان هو المسيا الذي روى عنه الأنبياء العجائب.[15]
وهنا من العبارات الثلاثة المتنازع عليها، لم يتغير شيء. تم إسقاط العبارة الإشكالية الأولية “إذا جاز أن ندعوه رجلاً” بالكامل، وتروي فقط أن يسوع كان رجلاً حكيمًا. كما تم حذف عبارة “لأنه كان الشخص الذي حقق أعمالاً مدهشة”. وبدلاً من عبارة “كان (المسيح)” نجد “ربما كان هو المسيا”. العبارة: ظهر لهم في اليوم الثالث “الآن تقول “أخبروا (التلاميذ) أنه ظهر لهم”، وهي عبارة صحيحة تمامًا عبّر عنها شهود العيان في القرن الأول. أخيرًا، تم اختزال العبارة القائلة بأن “الأنبياء الإلهيين قد تنبأوا بهذه الأمور وعشرة آلاف أمر رائع آخر يتعلق به” بشكل كبير إلى “الذي روى عنه الأنبياء العجائب”، والتي تتعلق بالمسيح وربما حتى يسوع، وفقًا ليوسفوس. لذلك، في حين تم حذف بعض الكلمات تمامًا، يتم تعديل البعض الآخر بواسطة “ربما” و “أخبروا”.
هناك بعض الأسباب الوجيهة التي تجعل النسخة العربية هي بالفعل الكلمات الأصلية ليوسيفوس قبل أي إقحام مسيحي. كما ذكر شلومو باينز وديفيد فلوسر David Flusser، من الجامعة العبرية، أنه من المعقول تمامًا ألا تنطبق أي من الحجج ضد كتابة يوسيفوس الكلمات الأصلية على النص العربي، خاصة وأن الأخير كان سيواجه فرصة أقل للرقابة من قِبَل الكنيسة. بالإضافة إلى ذلك، يشير فلوسر إلى أن سبب الأصالة يأتي من حقيقة أن النسخة العربية حذفت الاتهام بأن اليهود هم المسؤولون عن موت المسيح، والذي تم تضمينه في القراءة الأصلية.[16]
بعد التحقيق في المسألة، شرح تشارلزوورث Charlesworth وجهة نظره بأن النسخة الأصلية ليوسيفوس هي “اقحام وتنقيح في نفس الوقت”.[17] لكنه يقدم ثلاثة أسباب لاستمرار الإعتقاد في أن كتابة معظم المقطع كانت من يد يوسيفوس: بعض الكلمات من الصعب جدًا تخصيصها لكاتب مسيحي، والمقطع مناسب نحويًا وتاريخيًا، ويبدو أن الإشارة الموجزة إلى يسوع في الآثار 20 تفترض ذكراً مسبقًا ليسوع.[18]
يستنتج تشارلزوورث أن النسخة العربية المنقحة دقيقة جوهرياً، حتى لو كان لا يزال هناك بعض التعديلات المسيحية الماهرة. ويختتم هذا المقطع ببعض الكلمات القوية: “يمكننا الآن أن نكون على يقين من أن البحث التاريخي سيسمح حاليًا بأن يوسيفوس أشار بالفعل إلى يسوع”، ويقدم “دعمًا لرواية الإنجيل”.[19]
نستنتج أن يوسيفوس كتب بالفعل عن يسوع، ليس فقط في البيان الموجز المتعلق بـ يعقوب، ولكن أيضًا في هذه الرواية الأطول. تشير الأدلة إلى تأليفه لهذا المقطع الأخير مع حذف وتعديل عدد من العبارات الرئيسية التي ربما تكون مضافة من قبل المصادر المسيحية.
ما هي الحقائق التاريخية التي يمكن التحقق منها من الأجزاء المحذوفة والمعدلة من بيان يوسيفوس مثل تلك التغييرات التي تم إجراؤها في النسخة العربية؟
(1) كان يسوع معروفًا بأنه رجل حكيم وفاضل، معروف بسلوكه الحسن. (2) كان له تلاميذ كثيرون من اليهود والأمم. (3) حكم عليه بيلاطس بالموت، (4) مع ذكر الصلب صراحة على أنه الكيفية. (5) أخبر التلاميذ أن يسوع قد قام من بين الأموات و(6) أنه ظهر لهم في اليوم الثالث بعد صلبه (7) لذلك استمر التلاميذ في إعلان تعاليمه. (8) ربما كان يوع هو المسيا الذي تكلم عنه أنبياء العهد القديم وتنبأوا بالعجائب. نضيف هنا حقيقتين من اقتباس يوسيفوس السابق أيضًا. (9) كان يسوع أخو يعقوب و(10) أطلق عليه البعض اسم المسيح.[20]
لا يوجد شيء مثير حقًا في مثل هذه القائمة من الحقائق من مؤرخ يهودي. سلوك يسوع الأخلاقي، وأتباعه وصلبه بأمر بيلاطس هي ما نتوقع أن يذكره المؤرخ. حتى رواية التلاميذ التي تحدثت عن ظهورات قيامة يسوع (إذا سلمنا بذلك) لها طابع أصيل بشكل خاص. يوسيفوس، مثل العديد من المؤرخين اليوم، كان ببساطة يكرر الادعاءات، التي ربما كانت معروفة إلى حد ما في فلسطين في القرن الأول. إن قيام التلاميذ بنشر تعاليمه-يسوع -سيكون نتيجة طبيعية.
قدم يوسيفوس سردا هاما لعدة حقائق رئيسية عن يسوع وأصول المسيحية. على الرغم من بعض التساؤلات حول الصياغة الدقيقة، يمكننا أن ننظر إلى أقواله على أنها تقدم دليلاً محتملاً، على وجه الخصوص، لبعض العناصر في خدمة يسوع العلنية، وموته بالصلب، وتقرير التلاميذ عن ظهورات قيامته، وما بعدها تعليم رسالة يسوع.
ما هي الحقائق التي ذكرها المسيحيون الأوائل عن يسوع في السنوات الأولى بعد صلبه؟ ما الذي كان يتألف من أقدم كريستولوجيا قبل تكوين العهد الجديد؟ هل من الممكن العودة الى شهادات شهود العيان والى الحقائق التاريخية المتعلقة بيسوع؟ هذه أسئلة رائعة ومهمة للغاية، وكان أحد الجهود الرئيسية للمعرفة المعاصرة هو معالجة هذه القضايا. هذا هو أيضا مصدر اهتمام كبير في هذا الكتاب.
سنسعى في هذا الفصل الى استكشاف مجال يرى الكثيرون أنه الوسيلة الواعدة لوصف طبيعة الفكر المسيحي قبل كتابة العهد الجديد. يتعلق هذا الموضوع العام بوجود قوانين إيمان مسيحية مبكرة تكررت شفهياً أولاً ثم كتبت في أسفار العهد الجديد. وبالتالي، بمعنى ما، هذه المادة ليست خارج الكتاب المقدس لأننا نعتمد على المادة الكتابية لمعتقدات الإيمان. في الوقت نفسه، تمت صياغة هذه البيانات قبل كتابة أسفار العهد الجديد، التي تظهر فيها قوانين الإيمان هذه. باختصار، تم نقل هذه قوانين الإيمان شفهيًا قبل سنوات من كتابتها، وبالتالي فهي تحتفظ ببعض التقارير المبكرة عن يسوع من حوالي 30-50 م. لذلك، بالمعنى الحقيقي، تحافظ قوانين الإيمان على مادة ما قبل العهد الجديد، وهي أول مصادرنا لحياة يسوع.
يتضمن هذا الفصل أيضًا قائمة بالحقائق المقبولة من قبل جميع العلماء الناقدين تقريبًا الذين درسوا هذا الموضوع. بعبارة أخرى، فإن علماء اللاهوت والمؤرخين والفلاسفة الذين درسوا العهد الجديد قد تأكدوا من عدد من الحقائق من حياة يسوع من خلال الفحص النقدي للمصادر الكتابية. الإجراء في هذا الفصل هو أولاً فحص بعض المذاهب الكريستولوجية فيما يتعلق بالمعلومات المتعلقة بحياة وموت وقيامة يسوع. سيكون هذا الموضوع الأخير-القيامة-هو الاهتمام الخاص في القسم الثاني من هذا الفصل، حيث سنبحث في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها، والتي ربما تكون أهم قانون إيمان في العهد الجديد (على الأقل لأغراضنا). ويلي ذلك عرض الحقائق المقبولة بشكل نقدي، كما ذكرنا أعلاه. أخيرًا، سيتبع ذلك فحص هذه البيانات.
المذاهبالكريستولوجية
في الكنيسة الأولى كانت هناك صيغ عقائدية/اعترافات متعددة تتوافق مع ظروف مختلفة في الإيمان المسيحي. كانت أكثر هذه الاعترافات confessions شيوعًا ذات طبيعة كريستولوجية بحتة.[21] كان العنصران الأكثر شيوعًا في هذه العقائد يتعلقان بموت وقيامة يسوع والوهيته.[22] وهكذا نلاحظ الاهتمام الرئيسي بحياة وشخص يسوع المسيح.
حياةيسوعالمسيح
كان المسيحيون الأوائل واثقين من أن “يسوع المسيح جاء في الجسد”، كما أُعلِنَ في الاعتراف الموجود في يوحنا الاولى 4: 2.[23] نادرًا ما كان الإيمان بتجسد يسوع معبرًا عنه بوضوح أكبر من “ترنيمة ما قبل بولس pre-Pauline ” في فيلبي 2: 6 وما يليها،[24] والتي تتحدث عن طبيعة يسوع البشرية والالهية. حيث تتناقض حياته المتواضعة على الأرض بشكل واضح مع مكانته السماوية “في صورة الله” وتمجيده وعبادته اللاحقين.
هناك قانون إيمان قديم آخر يعبر عن التناقض بين جوانب حياة يسوع، وهو تيموثاوس الثانية 2: 8. [25] هنا تتناقض ولادة يسوع من نسل داود مع قيامته من بين الأموات، مما يُظهر مرة أخرى الاهتمام المسيحي المبكر بربط يسوع بالتاريخ.[26] وبالمثل، فإن رومية 1: 3-4 هي أيضًا عقيدة قديمة سابقة لبولس.[27] إنها تُقارن بين الرجل يسوع “الذي من نسل داود حسب الجسد” مع يسوع الالهي الذي تم إثبات ادعاءاته بقيامته من الأموات.[28] لأغراضنا الحالية، نحتاج فقط إلى ملاحظة الاهتمام المبكر بروابط يسوع الأرضية والجسدية، لأنه ولد من نسل عائلة داود. كما يقول مول، كان نفس الإنسان يسوع هو الذي عاش ومات وتبرر لاحقًا.[29]
عقيدة واحدة في وقت مبكر هي تيموثاوس الأولى 3: 16[30] . (يشار اليها أحيانًا باسم “ترنيمة المسيح”[31])، والتي تقدم عرض مختصر لكل من يسوع البشري والالهي:
لا يشير مول الى التاريخ المبكر لهذا العقيدة فحسب، بل يشير أيضًا الى نمط القافية الخاص بها، والذي ربما تم استخدامه في العبادة والتسبيح. [32] يقدم هذا البيان أيضًا تباينًا بين ولادة يسوع البشرية “في الجسد” والوهيته،[33] يذكر كذلك موافقته من الروح وشهادة الملائكة. وأنه تم التبشير به بين أمم العالم وآمن به الناس قبل أن “يُرفع في المجد”.
اعتراف مبكر آخر قد يعكس حدثًا في حياة المسيح هو رومية 10: 9. [34] في الوقت الحاضر نحن مهتمون فقط بالاحتمال القوي أن يكون هذا في الواقع عقيدة معمودية، كما ذكرها المتقدمون المسيحيون للمعمودية. [35] على هذا النحو، سيكون إشارة غير مباشرة الى معمودية يسوع نفسه.
على الرغم من أن قوانين الإيمان المبكرة هذه كانت مهتمة بالعناصر اللاهوتية لطبيعة المسيح، إلا أنها بالتأكيد تقارير مبكرة عن أحداث في حياة يسوع. قيل لنا أن (1) يسوع ولد بالفعل في الجسد البشري (فيلبي 2: 6؛ تيموثاوس الأولى 3: 16؛ يوحنا الأولى 4: 2). (2) من سلالة وعائلة داود (رومية 1: 3-4؛ تيموثاوس الثانية 2: 8). نجد (3) تلميحاً لمعموديته (رومية 10: 9) و(4) أنه تم التبشير بكلمته، (5) مما أدى الى تصديق الأشخاص لرسالته (تيموثاوس الأولى 3: 16).
موتوقيامةيسوع
قبل محاكمة يسوع وصلبه مباشرة، روى كل من الأناجيل الإزائية وبولس أن يسوع قد حضر عشاء خاصًا مع تلاميذه. رواية بولس في 1 كورنثوس 11: 23 وما يليها. تُقدِّم تقليدًا ثابتًا يعتمد على الأرجح على مادة مستقلة عن مصادر الأناجيل الإزائية. [36] يشير إرمياس الى أن كلمات بولس “تَسَلَّمْتُ” و “سَلَّمْتُكُمْ” ليست مصطلحات بولس النموذجية، ولكنها “تمثل المصطلحات التقنية الرابينية” لتمرير التقليد. [37] بالإضافة الى ذلك، هناك عبارات أخرى غير بولسية non-Pauline مثل “أُسْلِمَ”، “وَشَكَرَ” و “جَسَدِي” (11: 23- 24)، وهي مؤشرات أخرى على الطبيعة المبكرة لهذا التقرير. في الواقع، يؤكد إرمياس أن مادته تمت صياغتها “في أقرب وقت ممكن؛ على أي حال قبل بولس … صيغة ما قبل بولس.” يشير بولس في الواقع الى أن “سلسلة التقاليد تعود دون انقطاع الى يسوع نفسه”. [38]
يُعتقد على نطاق واسع أن هذا التقليد المبكر يقدم أحداثًاً تاريخية حقيقية وقعت في مساء ما يسمى “العشاء الأخير“. [39] هذا ما يعترف به بولتمان. [40] كما يوضح مارتن هينجل، “يشير بولس الى حدث تاريخي بتاريخ محدد….” [41] يشير هذا التقليد الى أن يسوع قد حضر عشاءً في نفس المساء الذي تعرض فيه للخيانة. إنه يشكر الله قبل الأكل وبعد ذلك يتقاسم الخبز والشراب، وهو ما أشار اليه على أنه تضحية بجسده ودمه للمؤمنين. هنا نجد رؤى ليس فقط لبعض أحداث المساء، ولكن أيضًا للكلمات الفعلية التي ربما تكررت في الاحتفالات المسيحية المبكرة بالعشاء الأخير.[42] حدث آخر قبل صلب يسوع مباشرة تم سرده في 1 تيموثاوس 6: 13، وهو أيضًا تقليد مبكر[43] وربما حتى جزء من اعتراف مسيحي شفهي إيماني كان منتشراً على نطاق واسع. [44] تؤكد هذه العبارة أن يسوع وقف أمام بيلاطس البنطي والقى اعترافًا جيدًا. [45] يشير نيوفيلد الى أن شهادة يسوع كانت على الأرجح إجابته الإيجابية على سؤال بيلاطس حول ما إذا كان هو ملك اليهود (راجع مرقس 15: 2). [46] على أي حال، “لم ينكر يسوع هويته في المحاكمات ولكنه اعترف أمام اليهود وبيلاطس”.[47]
لقد لاحظنا بالفعل كيف قدمت بعض التقاليد المسيحية المبكرة تجاورًا بين يسوع البشري والالهي. عارضت عدة تقارير مبكرة الهزيمة الظاهرة على الصليب مع انتصار قيامة يسوع. ذكرنا سابقاً، ترنيمة فيلبي 2: 6 وما يليها. التي عبّرت عن هذه المقارنة الأولى بين يسوع البشري الذي سيرفعه الله. وبشكل أكثر تحديدًا، تذكر فيلبي 2: 8 أيضًا تواضع يسوع عندما مات على الصليب في تناقض مباشر مع هذا التمجيد اللاحق. يوجد مثال آخر في رومية 4: 25، والذي يشير اليه بولتمان على أنه “تصريح كان موجودًا بوضوح قبل بولس وتم تسليمه اليه.” [48] ومضمون هذا التقليد هو أن يسوع مات من أجل خطايانا وبعد ذلك قام من بين الأموات ليضمن تبرير المؤمن. وبالمثل، فإن رسالة بطرس الأولى 3: 18 (راجع 1 تيموثاوس 2: 6) تقارن أيضًا بين موت يسوع عن خطايا البشرية (على الرغم من بره) والقيامة كوسيلة لجلب الناس الى الله “[49]
إن الروايات المبكرة عن قيامة يسوع محفوظة أيضًا في التقاليد المسيحية. بجانب كورنثوس الأولى 15: 3 وما يليها، فإن أكثر النصوص أهمية للأغراض التاريخية هي العديد من المقاطع المبكرة في سفر أعمال الرسل (خاصة عظات بطرس). [50] إن موت وقيامة يسوع هما محور كل عظة “. [51] وقد أظهر بحث نقدي أن هذه النصوص تعكس لاهوتًا مبكرًا غير متطور الى حد كبير، ربما من مجتمع اورشليم. يشرح درين ذلك بهذه الطريقة:
أقرب دليل لدينا على القيامة يعود بشكل شبه مؤكد مباشرة الى الوقت الذي يُزعم فيه أنه قد حدثت القيامة. هذا هو الدليل الوارد في العظات الأولى في أعمال الرسل…. ولكن لا يمكن أن يكون هناك شك في أنه في الإصحاحات القليلة الأولى من سفر أعمال الرسل، احتفظ مؤلفها بمواد من مصادر مبكرة جدًا. اكتشف العلماء أن اللغة المستخدمة في الحديث عن يسوع في هذه العظات المبكرة في سفر أعمال الرسل مختلفة تمامًا عن تلك المستخدمة في الوقت الذي تم فيه تجميع السفر في شكله النهائي. [52]
جادل العديد من العلماء بأن لدينا في هذه النصوص المبكرة ملخصًا واضحًا لأقدم الكرازات الرسولية. [53]
يرى إرمياس أن إشارة لوقا القصيرة لظهور يسوع لبطرس من الأموات في لوقا 24: 34 هي أقدم من كورنثوس الأولى 15: 5، مما يجعلها شاهدًا مبكرًا للغاية على هذه الظهورات. [54] لاحظ دود وبولتمان أيضًا الروابط بين حقيقة ظهور بطرس في كل من لوقا 24: 34 وكورنثوس الأولى 15: 5. [55] التقليد المذكور سابقًا، تيموثاوس الثانية 2: 8، يقدم تناقضًا آخر من خلال ربط يسوع الذي ولد من داود بنفس الشخص الذي أقيم من بين الأموات. لم يتم الإعلان عن قيامة يسوع فقط كحدث تاريخي، ولكن أيضًا تؤكد قوانين الإيمان المبكرة، على أساس هذا الحدث، أن ادعاءات يسوع كانت مبررة في عينيّ الله. على وجه الخصوص، يُقال إن القيامة كشفت عن شخص يسوع الفريد.
إن رومية 1: 3-4 هي عقيدة قديمة ما قبل بولس. يظهر هذا من خلال التوازي بين الجمل[56] والذي يظهر بشكل خاص في التناقض بين يسوع باعتباره ابن داود وابن الله. [57] نفس يسوع الذي ولد في المكان والزمان قام من الأموات.[58] يعلن قانون الإيمان هذا أن يسوع قد ظهر على أنه ابن الله، المسيح (أو المسيا) والرب وانه تم تبريره بقيامته من بين الاموات. [59] يضيف كولمان أن الفداء وتمجيد يسوع النهائي تم تضمينهما أيضًا في هذا التأكيد العقائدي المهم.”[60] مثل هذا البيان الشامل، بما في ذلك ثلاثة القاب كريستولوجية رئيسية وتلمح الى بعض أفعال يسوع، لا يكشف فقط عن واحدة من أقدم الصيغ عن طبيعة المسيح، ولكن أيضًا ينقل فكرة رسولية في ربط كل هذا اللاهوت بالتبرير الذي توفره قيامة يسوع (راجع أعمال الرسل 2: 22 وما يليها).
هناك عقيدة مبكرة أخرى تربط القيامة بشخص المسيح وادعاءاته وهي رومية 10: 9-10.[61] في هذا المقطع، يرتبط الإيمان بهذا الحدث التاريخي بالاعتراف بأن يسوع هو الرب. نتيجة لذلك يكون خلاص المرء مضموناً. [62] في وقت سابق أشير الى أن هذا قد يكون في الواقع عقيدة معمودية، حيث يعلن المؤمن المختار إيمانه (وولائه) بيسوع المسيح.
أخيرًا، تعترف بعض قوانين الإيمان أيضًا بصعود يسوع الى السماء وما يترتب على ذلك من تمجيد. تم ذكر مثالين على قوانين الإيمان المبكرة هذه سابقاً فيما يتعلق بحياة يسوع. في 1 تيموثاوس 3: 16، أُعلن أن يسوع بعد تجسده “رُفع في المجد”. في فيلبي 2: 6 وما يليها. يُقال أنه بعد أن أذل يسوع نفسه كإنسان، فقد تعالى للغاية ويجب أن يعبد من قبل جميع الأشخاص (2: 9-11)[63] هذا المقطع الأخير مأخوذ من إشعياء 45: 23 حيث يستقبل الله الآب مثل هذا التسبيح والمجد.
قبل الشروع في الفحص الموسع لكورنثوس الأولى 15: 3 وما يليها. سيكون من المفيد أن نلخص بإيجاز الحقائق الواردة في العديد من العقائد الأخرى المتعلقة بموت وقيامة يسوع. تم ذكر بعض الأحداث السابقة من حياة يسوع، وكلها من قوانين الإيمان في أعمال الرسل: (6) ولد يسوع من نسل داود (13: 23؛ رومية 1: 3؛ 2 تيموثاوس 2: 8) و (7) جاء من مدينة الناصرة (2: 22؛ 4: 10؛ 5: 38). (8) سبق يوحنا خدمة يسوع (10: 37؛ 13: 24-25)، (9) التي بدأت في الجليل، (10) ثم توسعت في جميع أنحاء اليهودية (10: 37). (11) صنع يسوع المعجزات (2: 22؛ 10: 38) و (12) تمم العديد من نبوءات العهد القديم (2: 25-31؛ 3: 21-25؛ 4: 11؛ 10: 43؛ 13: 27-37). كما تعلمنا من قانون الإيمان في 1 كورنثوس 11: 23 وما يليها. أن (13) يسوع حضر مأدبة عشاء (14) مساء يوم خيانته. (15) شكر قبل الوجبة و (16) تقاسم الخبز والشراب، (17) الذي أعلن أنه يمثل ذبيحته الكفارية الوشيكة عن الخطية. (18) في وقت لاحق، وقف يسوع أمام بيلاطس (أعمال 3: 13؛ 13: 28) و (19) أدلى باعتراف جيد، الأمر الذي ربما كان مرتبطاً جداً بهويته كملك لليهود (1 تيموثاوس 6: 13). (20) بعد ذلك، قُتِلَ يسوع (أعمال 3: 13-15؛ 13: 27-29) (21) لأجل خطايا البشرية “(1 بطرس 3: 18; رومية 4: 25؛ 1 تيموثاوس 2: 6) (22) على الرغم من حياته الصالحة (1 بطرس 3: 18). (23) تم تحديد الصلب على أنه وسيلة الموت (أعمال الرسل 2: 23؛ 2: 36؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 39)، التي تم تنفيذها (24) في مدينة أورشليم (أعمال الرسل 13: 27؛ راجع 10: 39)، (25) من قبل رجال أشرار (أعمال الرسل 2: 23). (26) ثم دفن (أعمال 13: 29). (27) بعد وفاته قام (أعمال 2: 24، 31-32؛ 3: 15، 26؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 40؛ 13: 30-37؛ 2 تيموثاوس 2: 8)، (28) في اليوم الثالث (أعمال 10: 40) و (29) ظهر لأتباعه (أعمال الرسل 13: 31)، وحتى (30) تناول الطعام معهم (أعمال 10: 40-41). (31) كان تلاميذه شهودا على هذه الأحداث (أعمال الرسل 2: 32؛ 3: 15؛ 5: 32؛ 10: 39، 41؛ 13: 31). بعد قيامته، صعد يسوع الى السماء وتمجد وسُبّح (أعمال الرسل 2: 33؛ 3: 21؛ 5: 31؛ 1 تيموثاوس 3: 16؛ فيلبي 2: 6 وما يليها). (33) أصدر يسوع المُقام تعليماته بأن يبشَّر بالخلاص باسمه (أعمال الرسل 2: 38-39؛ 3: 19-23؛ 4: 11-12؛ 5: 32؛ 10: 42-43؛ 13: 26، 38-41). (34) أظهر هذا الحدث موافقة الله على يسوع، من خلال إثبات صحة شخصه ورسالته (أعمال الرسل 2: 22-24، 36؛ 3: 13-15؛ 10: 42؛ 13: 32-33؛ 13: 32-33؛ رومية 1: 3-4؛ 10: 9-10).
شخصيسوعالمسيح
وفيما يتعلق بشخصه، دُعي يسوع
(35) ابن الله (أعمال 13: 33 رومية 1: 3-4)، (36) الرب (لوقا 24: 34؛ أعمال 2: 36؛ 10: 36؛ رومية. 1: 4؛ 10 9؛ فيلبي 2: 11)، (37) المسيح أو المسيا (أعمال 2: 36، 38؛ 3: 18،20؛ 4: 10؛ 10: 36؛ رومية 1: 4؛ فيلبي 2: 11؛ 2 تيموثاوس 2: 8)، (38) المخلص (أعمال الرسل 5: 31؛ 13: 23)، (39) الرئيس (أعمال الرسل 5: 31) و (40) القدوس البار (أعمال الرسل 3: 14؛ راجع 2: 27؛ 13: 35) (41) ويقال أنه فيما يتعلق بطبيعته الجوهرية، فهو الله (فيلبي 2: 6).
مع استمرار المقطع، يسجل بولس ظهور المسيح المُقام لبطرس، للتلاميذ “الاثني عشر”، لأكثر من 500 شخص في وقت واحد، ليعقوب، لجميع الرسل ثم لبولس نفسه (الآيات 5-8).
أن قانون الإيمان المسيحي هذا مبكر جداً، وعقيدة ما قبل بولس معترف بها تقريبًا من قبل جميع العلماء النقديين عبر طيف لاهوتي واسع جدًا. [64] هناك العديد من المؤشرات التي تكشف عن هذا الاستنتاج.
أولاً، إن كلمات بولس “سَلَّمْتُ اليْكُمْ” و “قَبِلْتُهُ” هي مصطلحات تقنية لتمرير التقليد. على هذا النحو، لدينا تصريح بولس بأن هذه المادة لم تكن خاصة به، ولكنها وردت من مصدر آخر. [65]
ثانيًا، عدد من الكلمات في قانون الإيمان ليست كلمات خاصة ببولس، مما يشير مرة أخرى الى أصل آخر لهذه المادة. [66] إرمياس، وهو مرجع رئيسي في هذه القضية، يلاحظ عبارات غير بولسية مثل:
ثالثًا، من المرجح أن العقيدة منظمة في شكل منمق متوازي، مما يوفر مؤشرًا إضافيًا على الطبيعة الشفوية والعقائدية لهذه المادة. [68]
رابعًا، هناك دلائل على أنه قد يكون هناك مصدر سامي، مثل استخدام كلمة “صفا” الآرامية لبطرس (العدد 5)، ومن ثم الإشارة الى مصدر سابق قبل ترجمة بولس اليونانية.[69]
خامسًا، تشمل الدلائل الأخرى للرواية العبرية القديمة الاستخدام الثلاثي لكلمة “وأنه” جنبًا الى جنب مع الإشارتين الى “حسب الكتب”، أي النبوات التي تم تحقيقها.[70]
ما هو تاريخ هذه العقيدة؟ سعى العديد من اللاهوتيين الناقدين للإجابة على هذا السؤال المهم بنتائج مذهلة للغاية. يؤكد أولريك ويلكنز أن هذه العقيدة “تعود بلا شك الى أقدم مرحلة في تاريخ المسيحية البدائية”[71] يواكيم إرمياس يدعوها “أقدم تقليد على الإطلاق”[72] فيما يتعلق بوقت أكثر دقة، من الشائع جدًا تحديد تاريخ هذه العقيدة في منتصف الثلاثينيات من القرن الأول. وبشكل أكثر تحديدًا، فإن العديد من اللاهوتيين الناقدين يؤرخونها من ثلاث إلى ثماني سنوات بعد صلب يسوع. [73]
حتى المتشككين يتفقون في كثير من الأحيان. يعتقد جيرد لودمان أن “العناصر الواردة في التقليد تعود إلى العامين الأولين بعد صلب المسيح. . . في موعد لا يتجاوز ثلاث سنوات بعد موت يسوع. . .. ظهور تشكيل التقاليد المذكورة في 1 كورنثوس 15: 3-8 يقع في الفترة ما بين 30 و33 م. ” [74] يقول مايكل غولدر أن شهادة بولس حول ظهورات يسوع من بين الأموات “تعود على الأقل إلى ما علمه بولس عندما تحول، بعد عامين من الصلب[75] يوافق توماس شيهان على أن صيغة بولس “من المحتمل أن تعود إلى ما لا يقل عن 32-34 م، أي في غضون عامين إلى أربعة أعوام من الصلب.[76]
كيف كان يمكن لبولس أن يحصل على قانون الإيمان هذا؟ توصل عدد من العلماء الى نفس السيناريو. تأريخًا لصلب يسوع حوالي 30 بعد الميلاد، كان من الممكن أن يحدث تحول بولس بعد ذلك بوقت قصير، حوالي 33-35 بعد الميلاد. بعد ثلاث سنوات من اهتدائه (36-38 م) زار أورشليم والتقى على وجه التحديد مع بطرس ويعقوب (غلاطية 1: 18-19). لذلك من المنطقي أن يكون إنجيل موت وقيامة يسوع في جميع الاحتمالات مركز المناقشة الطبيعي،[77] وأن وجود بطرس ويعقوب في قائمة الظهورات (1 كورنثوس 15: 5، 7) يشير الى احتمال أن بولس تلقى قانون الإيمان من هؤلاء الرسل عندما زارهم في أورشليم.[78] الاحتمال الآخر هو أن بولس قد تلقى هذه المادة في دمشق فور تحوله، مما يجعلها حتى قبل ثلاث سنوات، لكن وجود الساميات في قانون الإيمان، كما ذكرنا سابقًا، بالإضافة الى الاسمين المناسبين، يفضل أن تكون أورشليم المكان الذي تلقاه فيه بولس لأول مرة.
في تعليق مثير للاهتمام، صرح سي إتش دود، “في ذلك الوقت مكث [بولس] مع بطرس لمدة أسبوعين، وقد نفترض أنهم لم يقضوا كل الوقت في الحديث عن الأحوال الجوية.”[79] وما يعطي أفضلية لسيناريو أورشليم، يستخدم بولس مصطلح هيستوريو ιστορήσαι في غلاطية 1: 18، يشير إلى أن زيارته لبطرس ربما شكلت تحقيقًا استقصائيًا. يجادل ويليام فارمر بأن اختيار بولس لهذا المصطلح يدل على أنه عمل كممتحن أو مراقب لبطرس.[80] في دراسة قديمة ولكنها لا تزال مفيدة للغاية والتي توصلت إلى استنتاجات مماثلة، ترجم جي دي كيلباتريك هذا المصطلح في غلاطية 1: 18 على أنه التعرف ببطرس “أي الحصول على معلومات من صفا”[81] يشير بول بارنيت بشكل مفيد إلى أن نفس الكلمة استخدمها الكتاب اليونانيون القدماء مثل هيرودوت وبوليبيوس وبلوتارخ، الذين تعني لهم “التحقيق”.[82] ما الموضوع الذي كان بولس مهتمًا بفحصه؟ يشير السياق المباشر قبل وبعد هذه الرحلة إلى أورشليم إلى أن موضوع بولس كان طبيعة رسالة الإنجيل (غلاطية 1: 11-17؛ 2: 1-10). بالطبع، كانت القيامة محور إعلان الإنجيل (1 كورنثوس 15: 3-4). في ختام دراسة مفصلة، يبدو أن هانز ديتر بيتز يوافق على أن هدف بولس في الرحلة الأولى كان جمع معلومات موثوقة عن يسوع. [83] يشرح بولس في غلاطية 2: 1-10 أن رحلته الأخيرة إلى أورشليم كانت على وجه التحديد لغرض التحقق من دقة وعظه بالإنجيل مع الرسل بطرس ويعقوب ويوحنا (راجع 2: 2). [84]
كان موقع أورشليم يؤرخ لاستقبال بولس لقانون الإيمان بعد حوالي خمس الى سبع سنوات من الصلب. لكن يمكننا في الواقع أن نعود الى الوراء على مرحلتين في وقت أبكر من هذا. بما أن التقليد/قانون الإيمان قد تمت صياغته بالفعل قبل أن يسمعه بولس لأول مرة، فسيتم تأريخ قانون الإيمان نفسه حتى قبل ذلك. بالإضافة الى ذلك، فإن المعتقدات المستقلة نفسها، والتي شكلت فيما بعد قانون الإيمان الرسمي، تعود بعد ذلك الى الأحداث التاريخية الفعلية. لذلك، نحن نتعامل مع مادة تنبثق مباشرة من الأحداث المعنية، وبالتالي فإن قانون الإيمان هذا مهم في مناقشتنا لموت وقيامة يسوع.
لم يتم الإبلاغ عن هذه الحقائق في وقت مبكر فحسب، بل تم الإبلاغ عنها مباشرة بواسطة شهود العيان أنفسهم. يقول بولس أنه راجع رسالته بالتحديد مع الرسل (غلاطية 2: 1-10) ومن المحتمل أنه تلقى قانون الإيمان مباشرة من شهود العيان هؤلاء أنفسهم (غلاطية 1: 18-19)، كما سبق أن أشرنا. كنتيجة مباشرة، لم يكتف بولس برؤية المسيح المقام بنفسه (1 كورنثوس 15: 8-9)، ولكن شهادته بشأن حقائق الإنجيل تتفق مع شهود العيان الرسوليين (الآيات 11، 14، 15). [85] وهكذا، كانت رواية بولس الواقعية هي نفسها رواية الرسل الآخرين، على الرغم من حقيقة أن بولس ميز نفسه عن الآخرين.[86]
نتيجة لهذه الشهادة المبكرة وشهادة شهود العيان، فإن التعاليم المسيحية المتعلقة بموت ودفن وقيامة يسوع مفتوحة للاختبار التاريخي. كما يقول فولر فيما يتعلق بالشهادة الواردة في كورنثوس الأولى 15: “لا يمكن المبالغة في تقدير أهمية تصريح بولس.” تقليد ما قبل بولس في 15: 3 وما يليها. يقدم الأساس لمناقشة قيامة يسوع. يربط هذا الإعلان تقديمًا واضحًا للادعاءات المسيحية الأولى مع أولئك الذين كانوا حاضرين وعايشوا هذه الأحداث. [87] يقول ويديربيرن أن الأحداث هنا “هي أسس الكنيسة”.[88] الغالبية العظمى من العلماء الناقدين يدركون هذه الأهمية. يؤكد العالم اليهودي بينشاس لابيد أن التقليد الذي استشهد به بولس “يمكن اعتباره بيانًا لشهود عيان. [89] يشهد المؤرخ الألماني هانز فون كامبنهاوزن بشكل مفاجئ، فيما يتعلق بهذه العقيدة المبكرة: “هذا التقرير يلبي جميع متطلبات الموثوقية التاريخية التي يمكن أن تكون مصنوعة من مثل هذا النص”[90] يعلن أ. م. هانتر أنه بسبب مشاركة بولس، وبطرس، ويعقوب، فإن هذا التقليد “مفتوح للاختبار”…”هذا المقطع يحافظ بشكل فريد على شهادة مبكرة وقابلة للتحقق. إنه يلبي كل مطلب معقول من الموثوقية التاريخية.”[91] يذهب هوارد كلارك كي إلى أبعد من ذلك: تقاليد بولس المبكرة “يمكن فحصها بشكل نقدي ومقارنتها بشهادات أخرى من شهود عيان ليسوع، تمامًا كما يمكن تقييم الأدلة في محكمة حديثة أو بيئة أكاديمية”. [92]
نبدأ الآن في إدراك الأهمية الهائلة لهذه العقيدة من حيث الحقائق والإيمان. في البداية، تكشف عن بعض الحقائق الحاسمة المتعلقة بإنجيل الوهية وموت ودفن وقيامة يسوع. كما يُظهر أن بولس كان قريبًا جدًا من هذه الحقائق.[93] كما يؤكد دود بخصوص هذه العقيدة:
وهكذا تقدم كرازة بولس تيارًا خاصًا من الإشعاع المسيحي الذي اشتُق من التيار الرئيسي في نقطة قريبة جدًا من مصدره. . .. أي شخص يدعي أن الإنجيل المسيحي البدائي كان مختلفًا جوهريًا عن الإنجيل الذي وجدناه في بشارة بولس يجب أن يتحمل عبء الإثبات.[94]
هذه الشهادة الواقعية لموت وقيامة يسوع أصبحت أيضًا دفاعاً للإيمان المسيحي.[95] إن الاعتقاد بأن نفس يسوع الذي مات ودُفن قد قام من جديد (1 كورنثوس 15: 3-4) يشير أيضًا بقوة الى القبر الفارغ، لا سيما في سياق الفكر اليهودي. [96] من ناحية أخرى، أشار البعض الى قانون الإيمان هذا باعتباره أهم صياغة فردية للإيمان في الكنيسة الأولى. [97]
أهمية قانون الإيمان في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. لا يمكن المبالغة في تقديرها. لم يعد من الممكن اتهام أنه لا توجد شهادة شهود عيان مبكرة يمكن إثباتها عن القيامة أو لأهم مبادئ المسيحية الأخرى، لأن هذا العقيدة لا توفر فقط مثل هذه البيانات الإثباتية المتعلقة بحقائق الإنجيل، والتي هي مركز الإيمان المسيحي. إنها تربط الأحداث نفسها مع أولئك الذين شاركوا بالفعل في الزمان والمكان. على هذا النحو، يقدم قانون الإيمان هذا أساسًا واقعيًا قويًا للمسيحية من خلال التقارير المبكرة وشهود العيان عن موت ودفن وقيامة يسوع.
قلنا سابقًا أن النظريات الطبيعية تفشل في تفسير هذه البيانات. بالإضافة الى ذلك، تُظهر الأدلة أن هؤلاء الشهود رأوا بالفعل يسوع المقام، كما زعموا.
الحقائقالتاريخيةالمعروفة
بسبب شهادة هذه المذاهب المسيحية المبكرة، بالإضافة الى بيانات أخرى، حتى العلماء الناقدون المعاصرون يدركون قدرًا معينًا من الحقائق التاريخية المحيطة بموت ودفن وقيامة يسوع. بعبارة أخرى، حتى في التعامل مع العهد الجديد على أنه ليس أكثر من مجرد كتاب من الأدب القديم، استنتج النقاد العديد من الحقائق التاريخية المتعلقة بحياة يسوع. على وجه الخصوص، 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. لعبت دورًا مهمًا في عملية إعادة الإعمار هذه.
هناك حد أدنى من الحقائق يتفق عليها عمليًا جميع العلماء الناقدين، بغض النظر عن مدرستهم الفكرية. تعتبر اثنتا عشرة حقيقة منفصلة على الأقل تاريخًا يمكن معرفته.
(1) مات يسوع بالصلب و (2) دُفِنَ. (3) تسبب موت يسوع في يأس التلاميذ وفقدانهم للأمل، معتقدين بذلك أن حياته قد انتهت. (4) على الرغم من عدم قبولها على نطاق واسع، الا أن العديد من العلماء يرون أن القبر الذي دفن فيه يسوع اكتشف أنه فارغ بعد أيام قليلة فقط.
يتفق العلماء الناقدون أيضًا على أن (5) التلاميذ لديهم تجارب اعتقدوا أنها ظهورات فعلية ليسوع القائم من بين الأموات. بسبب هذه التجارب (6)، تحوّل التلاميذ من مشككين يخافون من التواجد مع يسوع الى مبشرين جريئين بموته وقيامته. (7) كانت هذه الرسالة مركز الكرازة في الكنيسة الأولى (8) وتم إعلانها بشكل خاص في أورشليم، حيث مات يسوع ودُفن قبل ذلك بوقت قصير.
نتيجة لهذا الوعظ، (9) ولدت الكنيسة ونمت، (10) مع الأحد باعتباره اليوم الأساسي للعبادة. (11) لقد تحول يعقوب، الذي كان متشككًا، الى الإيمان عندما آمن أيضًا أنه رأى يسوع المُقام. (12) بعد سنوات قليلة، اهتدى بولس باختبار كان يعتقد أيضًا أنه ظهور للمسيح المقام.
هذه الحقائق حاسمة في تحقيقنا المعاصر عن قيامة يسوع. باستثناء القبر الفارغ، يتفق جميع العلماء الناقدين تقريبًا الذين يتعاملون مع هذه المسالة على أن هذه هي الحد الأدنى من الحقائق التاريخية المعروفة المحيطة بهذا الحدث. على هذا النحو، فإن أي استنتاج يتعلق بتاريخية القيامة يجب أن يفسر هذه الحقائق بشكل صحيح. سيتم شرح وظيفة حيوية إضافية (وكبيرة) لهذه الحقائق التاريخية المعروفة في القسم التالي أدناه.
هذه الحقائق التاريخية المعروفة لها جانب مزدوج في حالتنا الخاصة بالقيامة والتي تم تناولها في هذا القسم. أولاً، يجيبون على الفرضيات المختلفة التي تم اقتراحها من أجل تفسير قيامة يسوع على أسس طبيعية. هذه الفرضيات، التي روج لها العلماء الليبراليون في القرن التاسع عشر بشكل رئيسي، نادرًا ما يتبناها النقاد اليوم، خاصة أنهم فشلوا في تفسير الحقائق التاريخية المحيطة بهذا الحدث (مثل تلك المذكورة أعلاه). يمكن تعداد عدة أسباب لهذا الرفض.
كل نظرية طبيعية تعاني من العديد من الاعتراضات الرئيسية التي تبطلها باعتبارها فرضية قابلة للتطبيق[98] مجموعات من هذه النظريات غير المحتملة تفشل بالمثل، مرة أخرى على أسس وقائعية. ثلاثة أسباب تاريخية أخرى توضح هذه النقطة الرئيسية الأولية. مقال ديفيد هيوم ضد المعجزات، وكذلك التحديثات الأخيرة، هو رفض غير صالح لاحتمال وقوع أحداث معجزة، وبالتالي القضاء على مثل هذا المنطق كخلفية تقليدية لهذه الأطروحات البديلة.[99] دمر العلماء الليبراليون في القرن التاسع عشر أنفسهم كل نظرية بديلة على حدة[100] بينما رفض العلماء النقاد في القرن العشرين من مختلف المدارس الفكرية هذه النظريات بالجملة.[101] في الختام، وبالتالي فقد ثبت أن الفرضيات البديلة الطبيعية غير قادرة على تفسير هذه الحقائق المتعلقة بقيامة يسوع.
وهذا يقودنا الى الحجة الرئيسية الثانية للقيامة على أساس الحقائق التاريخية المعروفة. لا تفشل النظريات الطبيعية فقط بسبب هذه الحقائق التاريخية، ولكن هذه الحقائق نفسها تؤسس أيضًا العديد من الأدلة الإيجابية التي تدعم الطبيعة التاريخية والحرفية/الفعلية لهذا الحدث. سيتم سرد تسعة من هذه الأدلة هنا، تم أخذها جميعًا من قائمة الحقائق التاريخية المقبولة المدرجة أعلاه. وبالتالي، فإن الأساس الواقعي لهذه الأدلة التسعة مقبول من قبل جميع العلماء تقريبًا. ومع ذلك، بسبب القيود المفروضة على هذا الفصل، سيتم ببساطة ذكر هذه التسعة مع القليل من التفصيل.
الدليل الرئيسي على قيامة يسوع هو (1) خبرات التلاميذ، التي اعتقدوا أنها ظهورات فعلية ليسوع القائم من بين الأموات، حيث لا يمكن تفسير هذه التجارب من خلال النظريات الطبيعية (كما هو موضح للتو) ولأنها موثقة في وقت مبكر. ومصادر شهود عيان، على النحو المشار اليه أعلاه. تشمل الأدلة الإيجابية الأخرى (2) تحول التلاميذ الى شهود جريئين، (3) القبر الفارغ، (4) حقيقة أن قيامة يسوع كانت مركز الكرازة الرسولية، وكلها تتطلب تفسيرات مناسبة. ووجد أيضًا أن التلاميذ أعلنوا هذه الرسالة في أورشليم نفسها، حيث قيل إنه في المواجهات المتكررة مع السلطات (5) لم يتمكن القادة اليهود من دحض رسالتهم (أعمال الرسل 1-5). بالإضافة الى ذلك، (6) وجود الكنيسة ونموها، (7) ظهور يوم الأحد باعتباره اليوم الأساسي للعبادة يتطلب أسبابًا تاريخية أيضًا.
هناك حقيقتان رئيسيتان إضافيتان تدافعان عن تاريخية القيامة، وهما أن اثنين من المتشككين، (8) يعقوب، شقيق يسوع، و (9) بولس، أصبحا مؤمنين بعد أن خاضا تجارب اعتقدا أنها كانت أيضًا ظهورات ليسوع المقام. يستنتج فولر أنه حتى لو لم يسجل بولس ظهور يعقوب (1 كورنثوس 15: 7)، لا يزال يتعين افتراض مثل هذا الحدوث على أي حال من أجل تفسير كل من تحول يعقوب وترقيته اللاحقة الى منصب سلطة في الكنيسة الأولى.[102] يمكن قول الشيء نفسه بشكل أكثر تأكيدًا عن بولس.[103]
عندما يقترن بفشل النظريات الطبيعية، فإن هذا الحد الأدنى من الأدلة التسعة يوفر حجة قوية لتاريخية قيامة يسوع. وينطبق هذا بشكل خاص على أن كل من هذه الأدلة استند الى حقيقة تاريخية معروفة.[104] على وجه الخصوص، عندما يتم النظر في التجارب المبكرة والتلاميذ كـ شهود عيان، يعقوب وبولس، جنبًا الى جنب مع التحولات المنسجمة،[105] القيامة التاريخية تصبح أفضل تفسير للحقائق، خاصة وأن النظريات الطبيعية فشلت.
أربعحقائقتاريخيةمهمةورئيسية
في وقت سابق، تم تعداد اثنتي عشرة حقيقة على أنها تاريخ قابل للمعرفة، وقبلها جميع العلماء تقريبًا على هذا النحو. إن اقتناع هذا الكاتب أنه حتى من خلال استخدام أربع حقائق فقط من هذه الحقائق المقبولة، يمكن تقديم حجة كافية لتاريخية القيامة، مما سيعزز الدفاع السابق.[106]
الحقائق الأربع التي يجب استخدامها هنا هي (1) موت يسوع بسبب الصلب، (5) والتجارب اللاحقة التي اقتنع التلاميذ بأنها ظهورات فعلية ليسوع القائم من الموت، (6) والتحول المقابل للتلاميذ، و (12) ظهور اهتداء بولس، الظهور الذي يعتقد أيضًا أنه ظهور للمسيح المقام. هذه الحقائق الأربع “الجوهرية” مقبولة على نطاق واسع على أنها تاريخ معروف أكثر من بقية الحقائق الاثني عشر، وقد تم قبولها من قبل جميع العلماء الناقدين تقريبًا. [107]
يتم تأسيس كل من هذه الحقائق الأربع عن طريق المنهجية التاريخية العادية. تم إثبات موت يسوع بالصلب ليس فقط في كورنثوس الأولى 15: 3، ولكن تم إثباته أيضًا من خلال طبيعة الصلب (بما في ذلك هيكل يوهانان، الذي نفحصه في الفصل التالي)، والشهادة الطبية المتعلقة بجرح قلب يسوع، ونقد شتراوس الشهير لنظرية الإغماء. كما أن عقائد إيمان أخرى في العهد الجديد (مثل فيلبي 2: 8؛ 1 كورنثوس 11: 23-26)، بالإضافة الى بعض المصادر المبكرة الغير مسيحية وبالمثل التي من خارج العهد الجديد (انظر الفصول أدناه) مفيدة أيضًا.
حقيقة تجارب التلاميذ التي اعتقدوا أنها ظهورات للمسيح المقام، تؤكدها الشهادة المبكرة وشهادة شهود العيان في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. تعتبر عقائد الإيمان الأخرى (مثل لوقا 24: 34)، وخاصة البحث المعاصر عن الاعترافات المبكرة في سفر أعمال الرسل[108] ذات قيمة خاصة.
نظرًا لأن النظريات الطبيعية قد فشلت والأدلة تؤكد بقوة هذه المذاهب المبكرة، فإن العلماء الناقدون يعتبرون عمومًا التجارب المسيحية الأولى (للجماعات والأفراد) راسخة تمامًا مثل أي حقيقة في حياة يسوع. باختصار، يعترف الجميع تقريبًا أن التلاميذ كانت لهم تجارب حقيقية دفعتهم الى الاعتقاد بأن يسوع قد قام من بين الأموات. [109] بل إن فولر يقول بجرأة أن هذه “حقائق لا جدال فيها … يتفق عليها كل من المؤمن وغير المؤمن”! [110]
إن تحوّل التلاميذ نتيجة هذه التجارب تؤكده المادة التي تلي قانون الإيمان المبكر هذا مباشرة (1 كورنثوس 15: 9-11)، التي تُخبر عن خدمة شهود العيان. مرة أخرى، يؤكد العهد الجديد بأكمله أيضًا هذا الاستنتاج، وكذلك شهادة مؤلفي الكنيسة الأوائل، بما في ذلك تقارير التلاميذ الذين ماتوا من أجل إيمانهم كشهداء. [111]
أخيرًا، تم تسجيل اهتداء بولس بسبب تجربة يعتقد أيضًا أنها ظهور للمسيح المقام، من قبله شخصيًا في كورنثوس الأولى 9: 1 و15: 8-10، وتم الإبلاغ عنها ثلاث مرات في أعمال الرسل (9: 1-9؛ 22: 5-11؛ 26: 12-18). النظريات الطبيعية أيضًا لا تنطبق على بولس. [112]
لذلك، تم تأسيس هذه الحقائق الأساسية الأربع على أسس تاريخية قوية. يتم قبولها بشكل عام ليس فقط من قبل علماء اللاهوت النقديّيّن ولكن أيضًا من قبل المؤرخين والفلاسفة الذين يدرسون هذا الموضوع. [113]
من بين هذه الحقائق الأربع الأساسية، فإن طبيعة تجارب التلاميذ هي الأكثر أهمية. كما يؤكد المؤرخ مايكل غرانت، فإن التحقيق التاريخي يثبت في الواقع أن شهود العيان الأوائل كانوا مقتنعين بأنهم رأوا يسوع المقام. [114] يضيف كارل براتن أن المؤرخين المتشككين الآخرين يتفقون أيضًا مع هذا الاستنتاج:
حتى المؤرخون الأكثر تشككًا يتفقون على ذلك بالنسبة الى المسيحية البدائية … كانت قيامة المسيح من بين الأموات حدثًا حقيقيًا في التاريخ، وأساس الإيمان ذاته، ولم تكن فكرة أسطورية ناشئة عن الخيال الإبداعي للمؤمنين.[115]
تتمثل إحدى الميزات الرئيسية لهذه الحقائق الأساسية في أنها ليست مقبولة بشكل نقدي على أنها تاريخ معروف فحسب، بل إنها تتعلق بشكل مباشر بطبيعة تجارب التلاميذ. على هذا النحو، فإن هذه الحقائق التاريخية الأربع قادرة، على نطاق أقل، على دحض النظريات الطبيعية وتقديم أدلة إيجابية رئيسية تتعلق باحتمالية قيامة يسوع الفعلية. [116] ستشير بعض الأمثلة الآن الى هذه الادعاءات.
أولاً، باستخدام هذه الحقائق التاريخية الأربع فقط، يمكن دحض النظريات الطبيعية. على سبيل المثال، تم استبعاد نظرية الإغماء من الحقائق المتعلقة بموت يسوع وبتحول بولس. تدحض تجارب التلاميذ الهلوسة والنظريات الذاتية الأخرى لأن هذه الظواهر ليست جماعية أو معدية، ويلاحظها شخص واحد فقط، وبسبب التنوع الكبير في عوامل الزمان والمكان المعنية. كانت الشروط النفسية المسبقة للهلوسة بعيدة أيضًا عن هؤلاء الرجال. تستبعد خبرة بولس أيضًا هذه النظريات لأنه بالتأكيد لن يكون في الإطار اللاهوتي المناسب.
كما أن التلاميذ وغيرهم من شهود العيان الأوائل الذين مروا بهذه التجارب يستبعدون أيضًا نظريات الخرافة أو الأسطورة، نظرًا لأن التعليم الأصلي المتعلق بالقيامة يستند بالتالي الى الشهادة المبكرة لشهود عيان حقيقيين وليس على الأساطير اللاحقة (كما هو موضح في قانون الإيمان في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها). وبالمثل، لا يمكن تفسير تجربة بولس من خلال الأساطير، لأن مثل هذا لا يمكن أن يفسر ارتداده عن الشك. أخيرًا، تم دحض نظريات الجسد المسروق والاحتيال من خلال تجارب التلاميذ وبتحولهم، لأن هذا التغيير يظهر أن التلاميذ آمنوا حقًا بأن يسوع قام من الموت وبسبب احتمال أن هؤلاء الكذابين لن يصبحوا شهداء. وبالمثل، لم يكن بولس ليقتنع بمثل هذا الاحتيال. [117]
ثانيًا، توفر هذه الحقائق الأساسية الأربع أيضًا الأدلة الإيجابية الرئيسية لظهور قيامة يسوع الحرفية، مثل تجارب التلاميذ المبكرة وشهود العيان التي لم يتم شرحها بطريقة طبيعية، وتحولهم الى رجال على استعداد للموت من أجل إيمانهم وخبرة وتحول بولس. وهكذا، فإن هذه الحقائق التاريخية الأساسية تقدم أدلة إيجابية تؤكد بشكل أكبر ادعاءات التلاميذ بشأن قيامة يسوع الحرفية، خاصة في أن هذه الحجج لم يتم تفسيرها من الناحية الطبيعية. [118]
نظرًا لأن هذه الحقائق التاريخية الأساسية (والحقائق المقبولة سابقًا بشكل عام) قد تم تأسيسها من خلال الإجراءات النقدية والتاريخية، فلا يمكن للعلماء المعاصرين رفض الأدلة ببساطة عن طريق الإشارة الى “التناقضات” في نصوص العهد الجديد أو الى “عدم موثوقيتها” العامة. لم يتم دحض هذه الادعاءات النقدية فقط من خلال الأدلة التي نوقشت في فصول أخرى، ولكن تم الاستنتاج أن القيامة يمكن إثباتها تاريخيًا حتى عند استخدام الحد الأدنى من الحقائق التاريخية. ولا يمكن استنتاج أن “شيئًا ما” قد حدث بشكل لا يمكن وصفه بسبب المقدمات الطبيعية، أو لطبيعة التاريخ أو بسبب “الغموض” أو “الطابع الأسطوري” لنصوص العهد الجديد. ولا يمكن أن يقال إن يسوع قام روحياً، لكن ليس بالمعنى الحرفي. مرة أخرى، تم دحض هذه الآراء وغيرها لأن الحقائق التي اعترف بها جميع العلماء تقريبًا على أنها تاريخ معروف كافية لإثبات قيامة يسوع الحرفية تاريخيًا وفقًا للاحتمالية.
باختصار، بدلاً من ذكر ما يعتقدون أنه لا يمكننا معرفته بشأن روايات الإنجيل، من الأفضل للعلماء الناقدين التركيز على ما يعترفون أنه يمكن معرفته عن النصوص في هذه المرحلة. على الرغم من أن يسوع لم يتم تصويره في جسد قيامته لمساعدة التلاميذ، الا أن الأساس الواقعي كافٍ لإثبات أن قيامة يسوع هي الى حد بعيد أفضل تفسير تاريخي. بينما قد تكون هناك شكوك حرجة فيما يتعلق بقضايا أخرى في العهد الجديد، فإن الحقائق المقبولة كافية في حد ذاتها لإظهار أن يسوع قام من بين الأموات في جسد روحي جديد. كما هو مفصل في الفصل الأول، يمكن أن يؤدي البحث التاريخي الى اليقين. بقيت القيامة في وجه النقد قرابة 2000 سنة. إن الأنواع المختلفة من الأدلة على هذا الحدث بارزة، متجاوزة ما حدث في الغالبية العظمى من الأحداث القديمة. إن التملص من الدليل أو رفضه غير صالح، كما رأينا. هناك بالفعل دليل تاريخي على هذا الحدث.[119] لقد قام يسوع من بين الأموات في التاريخ الحقيقي.
ملخصالمذاهبوالحقائق
لقد بحثنا في هذا الفصل على الأرجح عن أقوى فئة منفردة من الأدلة على موت يسوع وقيامته. البيانات التي قدمتها المذاهب الشفوية التي تم تداولها قبل التكوين الفعلي للعهد الجديد، والتي تتوافق غالبًا مع هذه المذاهب، الحقائق التي يعترف بها العلماء الناقدون كتاريخ يمكن معرفته، توفر معًا أساسًا هائلاً للمعرفة عن يسوع.
من هذه المصادر نجد تقارير عن بعض الحوادث التي حدثت في حياة يسوع، ولكن بشكل خاص العديد من التفاصيل المتعلقة بموته وقيامته. كان يسوع شخصًا حقيقيًا من لحم ودم (فيلبي 2: 6؛ 1 تيموثاوس 3: 16؛ يوحنا الأولى 4: 2) الذي ولد جسديًا من نسل داود (أعمال الرسل 13: 23؛ رومية 1: 3-4؛ 2 تيموثاوس 2: 8) وجاء من مدينة الناصرة (أعمال الرسل 2: 22؛ 4: 10؛ 5: 38). لقد سبق يوحنا يسوع (أعمال الرسل 10: 37؛ 13: 24-25)، وهذا يعني أن يسوع قد تعمد (رومية 10: 9). بدأت خدمة يسوع في الجليل، وامتدت الى جميع أنحاء اليهودية (أعمال الرسل 10: 37). صنع يسوع المعجزات (أعمال الرسل 2: 22؛ 10: 38) وتمم العديد من نبوءات العهد القديم (2: 25-31؛ 3: 21-25؛ 4: 11؛ 10: 43؛ 13: 27-37). تم التبشير برسالته بين الناس، مما أدى الى تصديق الناس له (تيموثاوس الأولى 3: 16).
في ليلة خيانة يسوع، حضر أولاً مأدبة عشاء، حيث صلى وشكر قبل الوجبة. بعد ذلك، مرر يسوع الخبز والخمر، والذي أشار اليه على أنه ذبيحة جسده ودمه من أجل الخطية (1 كو 11: 23 وما يليه). في وقت لاحق، ظهر يسوع أمام بيلاطس (أعمال الرسل 3: 13؛ 13: 28)، حيث قدم اعترافًا جيدًا، والذي من المحتمل جدًا أن يتعلق بهويته على أنه المسيا (1 تيموثاوس 6: 13).
على الرغم من حقيقة أن يسوع كان رجلاً بارًا (بطرس الأولى 3: 18)، فقد مات من أجل خطايا الآخرين (بطرس الأولى 3: 18؛ رومية 4: 25؛ تيموثاوس الأولى 2: 6). قُتل (أعمال الرسل 3: 13-15؛ 13: 27-29؛ 1 كورنثوس 15: 3؛ فيلبي 2: 8) بالصلب (أعمال الرسل 2: 23؛ 2: 36؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 39)، ومات في مدينة أورشليم (أعمال الرسل 13: 27؛ راجع 10: 39)، بأيدي رجال أشرار (أعمال الرسل 2: 23). بعد ذلك، دُفن (أعمال الرسل 13: 39؛ 1 كورنثوس 15: 4). هذه الأحداث جعلت التلاميذ يشكون وييأسون.
في اليوم الثالث بعد الصلب (أعمال الرسل 10: 40، كان القبر فارغًا (1 كورنثوس 15: 4، ضمنيًا) وقام يسوع من الموت (أعمال الرسل 2: 24، 31-32؛ 3: 15، 26؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 40؛ 13: 30-37؛ 2 تيموثاوس 2: 8). ظهر يسوع للعديد من شهود العيان (لوقا 24: 34؛ أعمال 13: 31؛ 1 كورنثوس 15: 4 وما يليها)، حتى أنه أكل معهم (أعمال الرسل 10: 40-41) اثنان من هؤلاء الأشخاص -وهما يعقوب (1 كورنثوس 15: 7) وبولس (1 كورنثوس 15: 8-9) كانا في السابق متشككين قبل أن يقابلا يسوع المقام. كان التلاميذ شهودًا على الظهورات (أعمال الرسل 2: 32؛ 3: 15؛ 5: 32؛ 10: 39، 41؛ 13: 31)، والتي تم الإبلاغ عنها في وقت مبكر جدًا (أعمال الرسل 10: 40-41؛ 13: 31؛ 1 كورنثوس 15: 4-8) بعد قيامته، صعد يسوع الى السماء حيث تمجد وتعالى (أعمال الرسل 2: 33؛ 3: 21؛ 5: 31؛ 1 تيموثاوس 3: 16؛ فيلبي 2: 6 وما يليها).
غيّرت هذه الخبرات التلاميذ (راجع 1 تيموثاوس 3: 16) وجعلوا الإنجيل مركز كرازتهم المبكرة (1 كورنثوس 15: 1-4). في الواقع، كان يسوع القائم من بين الأموات هو الذي علم أنه يجب أن يُكرز باسمه للخلاص (أعمال الرسل 2: 38-39؛ 3: 19-23؛ 4: 11-12؛ 5:32؛ 10: 42-43؛ 13: 26، 38-41). كانت القيامة بمثابة التحقق الرئيسي من صحة شخص يسوع ورسالته (أعمال الرسل 2: 22-24، 36؛ 3: 13-15؛ 10:42؛ 13: 32-33؛ رومية 1: 3-4؛ 10: 9-10). تركزت الكرازة الرسولية في البداية في أورشليم، المكان نفسه الذي قُتل فيه يسوع. هنا ولدت الكنيسة ونمت، وكان يوم الأحد هو يوم العبادة الرئيسي.
في الوعظ المسيحي المبكر حصل يسوع على القاب عديدة: ابن الله (أعمال الرسل 13: 33؛ رومية 1: 3-4)، الرب (لوقا 24: 34؛ أعمال 2: 36؛ 10: 36؛ رومية 1: 4؛ 10: 9؛ فيلبي 2: 11)، المسيح أو المسيا (أعمال الرسل 2: 36، 38؛ 3: 18،20؛ 4: 10؛ 10: 36؛ رومية 1: 4؛ فيلبي 2: 11؛ 2 تيم 2: 8)، المخلص (أعمال الرسل 5: 31؛ 13: 23)، الرئيس (أعمال الرسل 5: 31) والقدوس البار (أعمال الرسل 3: 14؛ راجع 2: 27؛ 13: 35). فيما يتعلق بطبيعته الأساسية، حتى أنه دُعي الله (فيلبي 2: 6).
تم الإبلاغ عن معظم هذه الحقائق في قوانين الإيمان المسيحية الأولى وهي في الواقع تسبق كتابة العهد الجديد. يتم قبول البعض الآخر بالإجماع تقريبًا من قبل العلماء الناقدين، عادة بسبب هذه المذاهب وغيرها من البيانات التاريخية المبكرة. وتجدر الإشارة الى أن هذه الحقائق الحاسمة الأخيرة لم يتم قبولها في هذا الفصل لمجرد أن النقاد يقبلونها أيضًا، ولكن لأنها تثبتها الحقائق، مثل المذاهب التي بحثنا عنها في هذا الفصل ومن خلال عمل منهجية تاريخية دقيقة. [120] وبالتالي، لا ينبغي للعلماء الناقدين الاعتراض على هذه البيانات، حيث يتم تقييمها من خلال أساليبهم ومقبولة من قبل زملائهم.
الملخصوالاستنتاج
ربما قدم هذا الفصل أقوى دليل على موت يسوع وقيامته. من المسلم به أن كمية المواد المتعلقة بحياة يسوع وخدمته قبل موته لم تكن هائلة. ومع ذلك، عندما ندخل “أسبوع الآلام” في حياة يسوع قبل صلبه وبعد ذلك، يتغير الوضع بشكل جذري.
تأتي قوة الشهادة عن موت يسوع وقيامته من عدة جوانب من الأدلة. أولاً، كانت المادة الواردة في هذا الفصل مبكرة جدًا. تسبق هذه التقاليد المسيحية المبكرة كتابة العهد الجديد، وبالتالي تعطينا نظرة مبكرة على البيانات التي تتناول حياة يسوع. في حالة كورنثوس الأولى 15: 3 وما يليها. وقوانين الإيمان في أعمال الرسل (مع بعض الأمثلة الأخرى)، تعود هذه المواد في غضون سنوات قليلة من الأحداث الفعلية. هذا لا يجادل فيه المجتمع النقدي.
ثانيًا، تقدم هذه المذاهب شهادات شهود عيان على الحقائق التي تنقلها. مرة أخرى، 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. وتقاليد أعمال الرسل هي المفاتيح من حيث أنها تربطنا بالرسل، فرديًا وجماعيًا، بشكل أساسي من خلال شهادات شاهدي العيان بولس وبطرس. مثال إضافي هو لوقا 24: 34، والذي قد يعود أيضًا الى الكنيسة الأولى وبطرس.
ثالثًا، تشمل الأدلة الإضافية على قيامة يسوع اعتبارات قوية مثل القبر الفارغ، والتحولات الجذرية للتلاميذ واستعدادهم للموت من أجل حق الإنجيل، والذي كان رسالتهم المركزية، جنبًا الى جنب مع تحولات المتشككين بولس ويعقوب. يجب شرح هذه الاعتبارات وغيرها.
خامسًا، الحقائق المقبولة، والحد الأدنى من الحقائق على وجه الخصوص، لم يتم تأسيسها تاريخيًا فحسب، بل يتم التعرف عليها أيضًا من قِبل جميع العلماء الناقدين تقريبًا. المزايا هي أن هذه الحقائق توفر أساسًا قويًا للإيمان بموت وقيامة يسوع، وفي الوقت نفسه، لا ينبغي رفضها نظرًا لأنه يتم الاعتراف بها على أسس تاريخية بحتة. الحقائق التي يقبلها جميع العلماء تقريبًا توفر أساسًا قويًا للاعتقاد في قيامة يسوع الحرفية من بين الاموات، خاصة في غياب النظريات الطبيعية القابلة للتطبيق.
على هذا الأساس، يمكننا أن نستنتج أن المذاهب المسيحية الأولى والحقائق التاريخية المقبولة تثبت تاريخية موت وقيامة يسوع. هذه البيانات كافية لدحض النظريات البديلة، ولتقديم أدلة قوية لهذه الأحداث (مثل الشهادة المبكرة وشهادة شهود العيان)، كل ذلك على أساس التاريخ المعروف. لا يمكن للشكوك الحاسمة في المجالات الأخرى دحض هذه الحقائق الأساسية وتغييرها.
يسوعالتاريخيفيكتاباتالآباءالأوائل – جاريهابرماس
بالإضافة إلى العهد الجديد، أنتج الكتاب المسيحيون الأوائل مجلدات من الأعمال الهامة التي تعطي نظرة ثاقبة للمعتقدات والعقائد والعادات المسيحية المبكرة، بالإضافة إلى أنواع مختلفة من الوعظ. تحتوي العديد من هذه الكتابات أيضًا على بيانات موجزة تتعلق بتاريخية يسوع
لا يتمثل هدفنا في هذا الفصل في استقصاء كل هذه العبارات، ولكن دراسة المقاطع التي تظهر اهتمامًا تاريخيًا صريحًا فقط. بسبب هذا التركيز على الادعاءات ذات التوجه التاريخي، فإن معالجتنا لهذه المصادر المسيحية القديمة ستكون مختصرة نسبيًا على الرغم من العدد الكبير من الأعمال التي تتناسب مع هذه الفئة.[121] نكتفي بالكُتَّاب الأوائل، الذين يشار إليهم عادةً باسم “الآباء الرسوليين” (حوالي 90-125 م).[122]
إكليمندسالروماني
واحدة من أهم الوثائق الرسولية، تعتبر رسالة إكليمندس الروماني إلى كنيسة كورنثوس بشكل عام أقدم الكتابات المسيحية خارج العهد الجديد. كان إكليمندس أكبر شيوخ الكنيسة في روما وكتب رسالة كورنثوس حوالي عام 95 م للمساعدة في إنهاء النزاع بين أعضاء الكنيسة وشيوخها في كورنثوس.
أخذ الرسل لنا الإنجيل من الرب يسوع المسيح؛ يسوع المسيح أُرسل من الله. فالمسيح من الله والرسل من المسيح. لذلك جاء كلاهما من إرادة الله بالترتيب المعين. إذن بعد أن تلقوا الوصايا، وتأكدوا تمامًا من خلال قيامة ربنا يسوع المسيح وثبتوا في كلمة الله مع اليقين الكامل من الروح القدس، خرجوا ببشارة قدوم ملكوت الله. فكانوا يكرزون في كل مكان في البلاد والمدن، لقد عينوا باكوراتهم، بعد أن أثبتوا لهم بالروح، أنهم قادرين أن يكونوا أساقفة وشمامسة لخدمة الذين يؤمنون.[123]
يدعي إكليمندس الروماني في هذا المقطع عدة حقائق. (1) كان الإنجيل أو الأخبار السارة لملكوت الله هو الرسالة المسيحية الرئيسية. (2) هذا الإنجيل قد أعطاه يسوع نفسه للرسل حتى كما جاء-يسوع-من الله. (3) قيامة يسوع كانت بمثابة التأكيد على صدق هذه التعاليم. (4) مع اليقين الإضافي في الكتاب المقدس، نشر الرسل الإنجيل. (5) حيثما تم التبشير بالإنجيل وبدأت التجمعات المحلية، تم اختيار القادة لخدمة المؤمنين.
إن هذه الشهادة لسلسلة السلطة من الله إلى يسوع إلى الرسل إلى شيوخ المسيحيين الأوائل مثيرة للاهتمام ليس فقط من حيث أنها كانت أساس إعلان العقائد وتنظيم الكنيسة في وقت مبكر. بالإضافة إلى ذلك، يثبت إكليمندس الروماني هذه السلطة في الإيمان بأن يسوع قام من بين الأموات وفي الكتاب المقدس. وهكذا تم اعتبار حدث معجز في التاريخ كعلامة أساسية للسلطة وراء التبشير بالرسالة المسيحية الأولى.
أغناطيوسالأنطاكي
بصفته أسقفًا لأنطاكية وقائدًا في الكنيسة الأولى، حُكم على أغناطيوس بالموت في روما. في طريق إعدامه وجه سبع رسائل إلى ست كنائس وشخص واحد (بوليكاربوس). هذه الرسائل هي شهادات مبكرة على العقيدة المسيحية وللتسلسل الهرمي للكنيسة المبكرة، حيث تم كتابتها حوالي 110-115 م. كما أنها تحتوي على العديد من الإشارات التاريخية إلى يسوع. يقول إغناطيوس في رسالته إلى التراليين:
يسوع المسيح الذي كان من نسل داود، ابن مريم، الذي ولد حقًا وأكل وشرب، تعرض حقًا للاضطهاد في عهد بيلاطس البنطي، صُلب حقًا ومات أمام أعين من في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض؛ الذي أيضًا قام حقًا من بين الأموات، وقد أقامه أبوه، الذي بهذه الطريقة سيقيمنا نحن أيضًا نحن الذين نؤمن به.[124]
في هذا الجزء يؤكد اغناطيوس عدة حقائق عن يسوع. (1) هو من نسل داود و (2) ولد من مريم. (3) على هذا النحو، فقد عاش حقًا وأكل وشرب على الأرض. (4) يسوع صلب ومات على يد بيلاطس البنطي. (5) بعد ذلك أقامه الله من بين الأموات، (6) كمثال على قيامة المؤمن. مرة أخرى، ندرك كيف كانت القيامة هي العلامة الرئيسية للمؤمنين، في هذه الحالة أنهم سيُقامون من بين الأموات مثل يسوع.
في رسالته إلى سميرنا، يشير إغناطيوس مرتين إلى يسوع التاريخي. في المقام الأول، يؤكد بخصوص يسوع:
إنه حقًا من نسل داود حسب الجسد، ولكنه ابن الله بمشيئة الله وقوته، مولود من عذراء حقًا واعتمد على يد يوحنا لكي يتم من خلاله كل بر، مسمرًا-مصلوباً-حقًا في الجسد من أجلنا تحت حكم بيلاطس البنطي وهيرودس رئيس الربع. ليقيم علامة لجميع الدهور من خلال قيامته.[125]
يؤكد إغناطيوس مرة أخرى (7) أن يسوع كان من نسل داود حسب الجسد، مضيفًا (8) أنه كان أيضًا ابن الله كما يتضح من الولادة العذرية. (9) يسوع تعمد على يد يوحنا (10) ثم سمر (صلب) في عهد بيلاطس البنطي وهيرودس رئيس الربع. (11) بعد ذلك قام يسوع من بين الأموات.
في إشارة ثانية في رسالته إلى سميرنا، يركز إغناطيوس على قيامة يسوع:
لأني اعلم وأؤمن انه كان في الجسد بعد القيامة. ولما جاء إلى بطرس ورفاقه، قال لهم: “المسوني وامسكوا بي، وانظروا أنني لست شيطانًا بلا جسد”. وفي الحال لمسوه وآمنوا، إذ هو متحد اتحادا وثيقاً بجسده ودمه. لذلك احتقروا الموت ايضا، لا بل كانوا أعظم من الموت. وبعد قيامته أكل معهم وشرب معهم.[126]
بالحديث عن القيامة، يؤكد إغناطيوس أن يسوع (12) قد قام في الجسد. (13) بعد ذلك ظهر لبطرس والتلاميذ وقال لهم أن يلمسوا جسده المادي، وهذا ما فعلوه. (14) ثم أكل يسوع وشرب معهم بعد قيامته. (15) في تصريح يذكرنا ب لوسيان، يروي إغناطيوس أيضًا أنه عند الإيمان، احتقر التلاميذ الموت.
توجد إشارة أخيرة قدمها إغناطيوس عن يسوع التاريخي في رسالته إلى أهل مغنيسا:
فلتكونوا مقتنعين تمامًا بالولادة والآلام والقيامة التي حدثت في عهد بيلاطس البنطي؛ لان هذه الامور فعلها حقا وبشكل مؤكد يسوع المسيح رجاؤنا.[127]
هنا يؤكد إغناطيوس لقرائه أنه يمكن إقناعهم بالتأكيد بحقيقة (16) ولادة يسوع، (17) موته وقيامته (18) وقد حدث الاثنان الأخيران أثناء ولاية بيلاطس البنطي.
كما هو الحال في إشارات أخرى، يحاول إغناطيوس وضع مثل هذه الأحداث بحزم في عالم التاريخ. هدفه، جزئيًا على الأقل، هو تقديم إجابة على تهديد الغنوصية، التي غالبًا ما تنكر التفسيرات المادية لبعض هذه الأحداث.
كوادراتوس
كتب كوادراتوس، أحد أوائل المدافعين الذين بدأوا الرد على الادعاءات التي أثيرت ضد المسيحية، دفاعه للإمبراطور هادريان حوالي عام 125 م. لسوء الحظ، لا يُعرف هذا العمل حاليًا إلا من خلال بيان واحد حفظه يوسابيوس في القرن الرابع.
يروي يوسابيوس أن كوادراتوس كتب دفاعه للرد على الادعاءات الخبيثة التي تهدف إلى مضايقة المسيحيين. يذكر أن هذا الدفاع كان سليمًا في العقيدة وكشف معرفة كوادراتوس بالظروف المحيطة. ثم اقتبس يوسابيوس جملة من دفاع كوادراتوس:
كانت أعمال مخلصنا أمامكم دائمًا، لأنها كانت معجزات حقيقية؛ أولئك الذين شُفوا، والذين قاموا من الأموات، الذين شوهدوا، ليس فقط عند شفائهم وعند قيامهم، ولكنهم كانوا حاضرين دائمًا. لقد بقوا على قيد الحياة لفترة طويلة، ليس فقط عندما كان ربنا على الأرض، ولكن أيضًا عندما ترك الأرض. حتى أن البعض منهم قد عاش أيضًا إلى عصرنا.[128]
يذكر هذا الاقتباس المختصر من دفاع كوادراتوس عدة أشياء مهمة تتعلق بمعجزات يسوع. (1) يمكن التحقق من حقيقة معجزات يسوع من قبل الأشخاص المهتمين، حيث تم إجراؤها علنًا. وأما أنواع المعجزات الفعلية، (2) تم شفاء البعض و (3) البعض أُقيمَ من الموت. (4) كان هناك شهود عيان على هذه المعجزات وقت حدوثها. (5) العديد من أولئك الذين شُفيوا أو أُقيموا كانوا لا يزالون على قيد الحياة عندما “ترك يسوع الأرض” وبعضهم كان لا يزال على قيد الحياة في زمن كوادراتوس.
بولسويسوعالتاريخي – بولبارنيت
كتب بولس رسائله في الفترة ما بين 50-65 م (؟).[129] بقدر ما نعلم، لم تكن الأناجيل المكتوبة موجودة عندما بدأ في الكتابة. ماذا نتعلم عن يسوع التاريخي من بولس؟ ما مقدار ما سنعرفه عن يسوع إذا لم تكن الأناجيل موجودة وكنا نعتمد فقط على بولس؟
الوحيوالتقليد
يمكن تلخيص معرفة بولس بيسوع في كلمتين يونانيتين: apokalypsis وparadosis. ترتبط الكلمة الأولى بفعل “يحجب” (kalyptein). عندما يسبقه المقطع apo، فهذا يعني “كشف” أو “أوحى”. وبالتالي فإن الاسم apokalypsis يدل على “الكشف” أو “الوحي”. كتب بولس الى أهل غلاطية:
على الطريق بالقرب من دمشق “سُرَّ الله أن يكشف له ابنه” (غلاطية 1: 16). بدأت حياة بولس كمسيحي وكرسول في لحظة ذلك الحدث الرائع. علاوة على ذلك، فإن ما أعلنه الله لبولس في المسيح في تلك اللحظة سيصبح إطار تفكير بولس عن المسيح. من الآن فصاعدًا، سيتحدث بولس عن يسوع باعتباره “ابن الله” (غلاطية 1: 16؛ أعمال الرسل 9: 20؛ راجع 1 تسالونيكي 1: 10؛ 2 كورنثوس 1: 19؛ رو 1: 4)؛ كـ “الرب. . .المتعالي “(أعمال الرسل 9: 5؛ 22: 10؛ 26: 15؛ في 2: 9، 11؛ 2 كورنثوس 4: 5)؛ كـ “صورة الله” (2 كورنثوس 3: 18؛ 4: 4)؛ بأنه “مجيد” (أعمال الرسل 22: 11؛ 9: 3؛ 22: 6؛ 2 كورنثوس 4: 4، 6)؛ وباعتباره “رجل السماء” (1 كورنثوس 15: 49).
إن القول بأن حدث طريق دمشق قد غير اتجاه حياة بولس بشكل جذري هو مجرد سرد لجزء من القصة. وجهة نظره حول من كان المسيح وكيف أصبح صارت جزءًا دائمًا من تفكيره في تلك المرحلة. بينما كان محور اهتمام بولس دائمًا هو الرب السماوي، فقد كان يعرف أشياء معينة عن الرب التاريخي. هذه هي التفاصيل التاريخية التي تهمنا في هذا الفصل.
ننتقل الى الكلمة الثانية، paradosis (“التقليد”). معنى paradosis هو “تسليم” مثل تسليم سجين من سجّان الى آخر أو معلومة من معلم الى تلميذ. تم استخدامها في هذا المعنى الأخير للدرس أو التعليم الذي سيقدمها الرابي لتلميذه. وهكذا سلم الرابيون تعاليمهم على حالها، جيلًا بعد جيل، لتلاميذهم، الذين سيصبحون بدورهم رابيين. الترجمة الإنجليزية المعتادة “تقاليد”، وهي كلمة غالبًا ما تُؤخذ على أنها تعني “أشياء قديمة”، تفشل في التقاط فكرة “التسليم” الديناميكية المتأصلة في كلمةparadosis .
التقاليد: منالذيأعطاهالبولس؟
خلال الوقت، كان بولس، مثل رابي، يسلم معلومات مهمة (paradoseis) عن يسوع الى الكنائس. لكن أولاً، كان عليه أن يستقبل تلك المعلومات من المعلمين المسيحيين الذين كانوا قبله. في رسالته الأولى الى أهل كورنثوس، يذكر بولس كلاً من “قبول” و “تسليم” الـ paradosis بشأن الإنجيل:
هذا المقطع مذهل. إنه يشير الى الرب السماوي (“الرب”) الذي نال بولس منه التقاليد paradosis وأيضًا الى الرب التاريخي (“الرب يسوع”). يُنظر الى الرب السماوي على أنه الشخص الذي تلقى منه بولس التقاليد، على الرغم من أنه نشأ في التاريخ مع الرب التاريخي الذي “أخذ الخبز في الليلة التي تعرض فيها للخيانة”.
ما أغفل بولس عن إخبارنا به هو من خلاله من نال تلك التقاليد. أفترض أنه نفس الشخص (الأشخاص) الذين تلقى بولس منهم التقاليد حول الإنجيل المذكورة أعلاه. متى تلقى بولس هذه التقاليد ومِن من؟
كان أول اتصال لبولس كمسيحي مع مسيحيين آخرين في دمشق مباشرة بعد لقائه الخطير بالمسيح في الطريق الى هناك (أعمال الرسل 9 و22). قال حنانيا لبولس: “قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ دَاعِيًا بِاسْمِ الرَّبِّ” (أعمال الرسل 22: 16).[130]
دُفع بولس على الفور الى عالم جديد كان عليه أن يتعلم فيه عن المعمودية والغفران واسم يسوع (إلهه) والإيمان والعديد من الأشياء الأخرى بلا شك. على الأرجح أنه في دمشق تلقى بولس التقاليد حول الإنجيل والعشاء الرباني لأنه منذ ذلك الوقت بدأ يكرز بيسوع باعتباره ابن الله والمسيح (أعمال الرسل 9: 20-22).
من أين إذن تلقى بولس مزيدًا من المعلومات عن يسوع التاريخي؟ بقدر ما نستطيع أن نرى، بولس نفسه لم ير ولم يسمع يسوع الناصري. ومع ذلك فقد تحول بعد فترة وجيزة من القيامة، على الأرجح في غضون عام.[131] لذلك، كان اتصاله بالمسيحيين في دمشق (أعمال الرسل 9: 19) قريبًا جدًا في الوقت من يسوع الناصري. اعتنق بولس المسيحية مبكراً.
في غضون ثلاث سنوات من اهتدائه (غلاطية 1: 18 = أعمال الرسل 9: 26)، جاء الى أورشليم حيث “زار” بطرس و “رأى” يعقوب. هذا لا يعني أن قصص وأقوال يسوع قد تم جمعها بشكل منهجي بحلول وقت زيارة بولس الأولى الى أورشليم.
تمت زيارته الثانية بعد أربعة عشر عامًا من اهتدائه (غلاطية 2: 1 = أعمال 21: 17)، أي في حوالي 47 م. من المنطقي أن نفترض أن بعض المصادر التي أشار اليها لوقا (1: 2) والموجودة في إنجيلي لوقا ومتى قد اكتملت بحلول ذلك الوقت. قد يُفترض أيضًا أن بولس أصبح على دراية بهذه المصادر في هذه الزيارة والزيارات اللاحقة الى أورشليم (حوالي 49 م -أعمال الرسل 15: 4؛ حوالي 52 م أعمال الرسل 18: 22).
إذا كان أحد الجسور من بولس الى يسوع التاريخي هو اتصاله بكنيسة أورشليم من خلال زيارات في 36 م و47 م و49 م و52 م، كان جسر آخر من خلال علاقته خارج أورشليم مع برنابا، الذي تعود عضويته في كنيسة أورشليم الى أقرب وقت ممكن (أعمال الرسل 4: 36-37).
كان برنابا على اتصال يومي ببولس لمدة أربع أو خمس سنوات (أعمال الرسل 11: 25، 30؛ 12: 25؛ 13: 1-14: 28؛ 15: 2، 4، 12، 36-39). لا بد أن برنابا، الذي كان تحوله الى المسيحية أقرب في الوقت من تحول بولس والذي كان لمدة عقد ونصف في شركة رفاق يسوع الأصليين، تحدث كثيرًا الى بولس عن الرب التاريخي.
باختصار، أُتيحَت لبولس العديد من الفرص لتلقي التقاليد في كنيسة أورشليم والتعرف على حياة وتعاليم يسوع الناصري.
لقد ثبت أن الارتباط الوثيق بين بعض الأقسام المحددة جيدًا في كتابات بولس، على سبيل المثال رومية 12-14، مع تقارير تعاليم يسوع، من المصدر المشترك الذي يكمن وراء لوقا 6: 27-38 ومتى 5: 38-48، هو دليل على أن بولس كان لديه إمكانية الوصول الى مثل هذه التعاليم ونقلها الى كنائس الأمم.[132] صلاة بولس الى الله باسم “أبّا” (رومية 8: 15؛ غلاطية 4: 6) مستمدة بوضوح من يسوع (انظر مرقس 14: 36)، كما هو الحال بالنسبة للإشارة المحتملة الى الصلاة الربانية في عبارة “نتحمل بعضنا بعضاً و..متسامحين “(كو 3: 13). يعتقد بعض العلماء أن بولس يشير الى الصور الرعوية ليسوع، وكذلك الى الأمثال.[133]
يسوعالتاريخي: ولادتهوموته
الولادة والموت أساسيان للتجربة البشرية. يهتم كاتب السيرة الذاتية الحديث بالتفاصيل المحيطة بميلاد وموت شخصيته الرئيسية. بينما يصف اثنان فقط من الإنجيليين ولادة يسوع، يدخل الأربعة في تفاصيل كثيرة عن موته. ومع ذلك، لا يقدم الرسول بولس أي تفاصيل تاريخية حول ولادة أو موت يسوع.
ما يسهب بولس في الحديث عنه هو حقيقة ومعنى ولادة وموت يسوع، وكلها جزء من هذه الجملة الشهيرة:
هنا نرى حقيقة تجسده وموته (“فَقِرَ”) ومعناها (“نعمة ربنا يسوع المسيح”)، ولكن لم يتم إعطاء تفاصيل تاريخية.
من وجهة نظر بولس، كان مجيء يسوع الى العالم ضروريًا حتى يموت. وهكذا، “لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة مولوداً تحت الناموس ليفدي” (غلاطية 4: 4-5). عرف بولس أن يسوع نشأ كيهودي صارم (“وُلِدَ في ظل الناموس”). قد يعني عدم وجود إشارة الى والد يسوع أن بولس كان على علم بميلاد المسيح من عذراء.
تم توضيح حقيقة موت الرب التاريخي ومعناه بقوة في البيان التالي:
من أجلنا جعله [الله] خطية الذي لم يعرف خطية، حتى نصبح بر الله فيه. (2 كورنثوس 5: 21)
لاحظ أنه على الرغم من عدم وجود تفاصيل تاريخية في هذه العبارات حول ولادة يسوع وموته، يبدو أن الكاتب يعرفها.
وهكذا، “أصبح فقيرًا” (2 كورنثوس 8: 9) يتوافق تمامًا مع التفاصيل الواردة في قصص ميلاد متى ولوقا. يشير التعليق العام “مولود من امرأة” الى أن الكاتب كان يعرف على وجه التحديد أي امرأة. فيما يتعلق بموت يسوع، غالبًا ما يشير الرسول الى الصلب باعتباره طريقة الإعدام (غلاطية 3: 1)، وقد رأى الكثيرون في الكلمات “جعل [الله] [يسوع] خطية” إشارة الى صرخة يسوع من على الصليب (مرقس 15: 34). الطريقة التي يتحدث بها بولس عن حقيقة ومعنى ولادة وموت يسوع تتضمن بعض المعرفة بالتفاصيل التاريخية، والتي، مع ذلك، لا يوفرها.
يسوعالتاريخي: حياته
لا يقدم بولس سوى القليل من التفاصيل من حياة يسوع:
من نسل إبراهيم (غلاطية 3: 16).
كان ابن داود (رومية 1: 3).
لقد وُلِدَ بشكل طبيعي ولكن [ربما] حُبل به بطريقة خارقة للطبيعة (غلاطية 4: 4).
وُلِد وعاش في ظل الناموس اليهودي (غلاطية 4: 4).
قبل ورحب بالناس (رومية 15: 5، 7).
كان أسلوب حياته يتسم بالتواضع والخدمة (فيلبي 2: 7-8).
تعرض للإساءة والسب خلال حياته (رومية 15: 3).
كان له أخ اسمه يعقوب (غلاطية 1: 19) وإخوة آخرين (1كو 9: 5).
بطرس تلميذه كان متزوج (1 كو 9: 5؛ راجع مر 1: 30).
أقام وجبة تذكارية في ليلة خيانته (1 كو 11: 23-25).
لقد تعرض للخيانة (1 كو 11: 23).
أدلى بشهادته أمام بيلاطس البنطي (1 تي 6: 13).
قُتل على يد يهود اليهودية (تسالونيكي الأولى 2: 14-15).
تم دفنه وقام في اليوم الثالث وشوهد بعد ذلك حياً عدة مرات من قبل العديد من الشهود (1 كو 15: 4-8).
على الرغم من محدودية المعلومات، الا أنها جديرة بالملاحظة من ناحيتين.
أولاً، يتم نقل التفاصيل بشكل عرضي وبعفوية. يبدو أنه إذا تم طرح نقطة لاهوتية أخرى، فقد كان بولس قادرًا على تقديم المزيد من الحقائق التاريخية. المعنى الضمني هو أن بولس الرسول عرف عن يسوع التاريخي أكثر مما قال؛ من المفترض أنه رأى أنه لا داعي لإعطاء مزيد من المعلومات.
ثانيًا، تؤكد روايات الإنجيل كل التفاصيل التي قدمها بولس بدون استثناء. أقواله خالية من المغالاة والتشويه. كل هذا مثير للإعجاب لأن تركيز بولس الرئيسي لم يكن الرب التاريخي، بل السماوي.
يسوعالتاريخي: تعاليمه
أعاد الرسول بولس إنتاج عدد قليل نسبيًا من تعاليم يسوع بشكل كامل. من ناحية أخرى، هناك مقتطفات عديدة من التعاليم التي ستظهر في النسخ الأخيرة من الأناجيل. كان بولس يقتبس من مجموعة من التعاليم التي كانت متداولة آنذاك.
كُل ما هو موجود أمامك 1 كورنثوس 10: 27؛ راجع لوقا 10: 7
الجزية لمن له الجزية رومية 13: 7؛ راجع مرقس 12: 13-17
لص في الليل 1 تسالونيكي 5: 2-5؛ راجع لوقا 12 :39، 40
بالإضافة الى هذه الأقوال المباشرة، يقدم بولس إشارات غير مباشرة عديدة الى تعاليم يسوع. مثلاً:
الأخلاق العملية رومية 12: 9 -13: 10؛ راجع متى 5-7
عودة يسوع 1-2 تسالونيكي؛ راجع متى 24
إنه خارج نطاق هذا العمل الدخول في التفاصيل في هذه المرحلة. على القارئ المهتم الرجوع الى كتاب ف. ف. بروس F. F. Bruce، بولس، رسول الروح الحرة Paul, Apostle of the Free Spirit، الصفحات 100-112. التعليقات التي أُدلي بها حول حياة يسوع التاريخي صحيحة هنا أيضًا. أولاً، يستطيع بولس إعطاء المعلومات كلما دعت الحاجة الى ذلك. من الواضح أن ما هو مذكور أعلاه لا يستنفد معرفة بولس بتعاليم يسوع. ثانيًا، ما نقرأه في بولس من كلمات يسوع تؤكده الأناجيل. في النقاط التي يمكننا التحقق منها، يثبت بولس أنه جدير بالثقة، كما سيلاحظ القارئ وهو يفحص المراجع المقارنة.
يسوعالتاريخي: صفاته
كان الرسول بولس على علم بالصفات الشخصية ليسوع التاريخي. عند الحاجة، حثّ قرائه على العيش والعمل وفقًا لمثال يسوع. دعونا نتأمل كيف استخدم بولس شخصية يسوع المعروفة في خدمته لأربع مجموعات من القراء.
مسيحيو رومية. كان المسيحيون الرومان مقسمين الى مجموعات عرقية كل واحدة منها انقسمت ضد المجموعات الأخرى. لذلك كتب بولس، ” فَلْيُرْضِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَرِيبَهُ لِلْخَيْرِ، لأَجْلِ البُنْيَانِ. لأَنَّ المَسِيحَ أَيْضًا لَمْ يُرْضِ نَفْسَهُ “(رو 15: 2-3). تذكرنا إشارة بولس الى سلوك المسيح المطيع (“لم يرض نفسه”) بقول المسيح: ” لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الذِي أَرْسَلَنِي ” (يوحنا 5: 30).
لذلك، قال بولس لأهل رومية المعزولين عرقياً، ” لِذلِكَ اقْبَلُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَنَّ المَسِيحَ أَيْضًا قَبِلَنَا ” (رومية 15: 7). كثيرا ما استخدم المسيح كلمات الترحيب، خاصة للمحتاجين؛ على سبيل المثال: ” تَعَالوْا اليَّ يَا جَمِيعَ المُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَال، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ “(متى 11: 28).
أهل فيلبي. المجموعة الثانية، أهل فيلبي، كانوا يتصرفون بفخر في تعاملهم مع بعضهم البعض. شجعهم بولس على أن ” فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الفِكْرُ الذِي فِي المَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: …….وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ “(فيلبي 2: 5، 8).
مرة أخرى نرى بولس يقدم للناس مثال يسوع. في الدعوة الشهيرة ” تَعَالوْا اليَّ ” المذكورة أعلاه، مضى يسوع ليقول، ” لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ القَلْبِ ” (متى 11: 29). كلمة بولس ” وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ ” هي من نفس مجموعة الكلمات اليونانية مثل إعلان يسوع “أنا متواضع”.
أهل كورنثوس. مجموعة ثالثة من القراء، أهل كورنثوس، رفضوا أسلوب بولس في الخدمة باعتباره ضعيفًا. فيقول: ” أَطْلُبُ اليْكُمْ بِوَدَاعَةِ المَسِيحِ وَحِلْمِهِ ” (2 كورنثوس 10: 1).
كلمة “وداعة” هي في الأساس نفس كلمة ” وَدِيعٌ “، الكلمة الأخرى في متى 11: 29 المقتبسة أعلاه. وهكذا فإن كلمات يسوع عن نفسه “وديعاً” و “متواضعًا”، كما اقتبس في متى 11: 29، استفاد منها بولس مرتين، ولكن بطريقة غير واضحة بحيث يتم إغفال هذه النقطة بسهولة.
في رسالته الأولى الى أهل كورنثوس، حث بولس القراء على “طلب” خير جيرانهم “ليخلصوا”. مرة أخرى، يُعطى المسيح كمثال: ” كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالمَسِيحِ ” (1 كو 11: 1). تذكرنا هذه الكلمات ببيان يسوع المهم لعشار الضرائب زكا: ” لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ ” (لوقا 19: 10). باستخدام كلمات “طلب” و “خلّص”، ردد بولس معنى الهدف الذي نجده في كلمات يسوع هذه.
أهل غلاطية. أخبر الرسول مجموعة رابعة من القراء، الغلاطيّيّن، عن محبة المسيح، ” ابْنِ اللهِ، الذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي ” (غل 2: 20؛ 2 كو 5: 14).
كان الإنجيلي الرابع الذي لفت الانتباه بشكل خاص الى محبة يسوع في موته من أجل الخطاة. في المساء الذي سبق الصلب، عمل يسوع على معنى الحب من خلال غسل أقدام التلاميذ. علق يوحنا: ” إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الذِينَ فِي العَالمِ، أَحَبَّهُمْ الى المُنْتَهَى ” (يو 13: 1). هل ناقش بولس هذه الأمور مع يوحنا في “القمة” التبشيرية في أورشليم حوالي 47 م (راجع غلاطية 2: 7-9)؟ بينما يبدو أن الرسول بولس كتب قبل اكتمال الأناجيل، فمن المحتمل جدًا أنه في زياراته العديدة الى أورشليم كان على علم بالمصادر التي ستصبح جزءًا من الأناجيل في صورتها النهائية. يعرض بولس فهماً شاملاً لشخصية يسوع التاريخي -طاعته، وترحيبه الكريم، ووداعته وتواضعه، ومحبته للخطاة ورغبته في خلاصهم. كل ما يؤكده بولس عن صفات يسوع يمكن تأكيده من الأناجيل.
ومع ذلك، في حديثه عن شخصية يسوع التاريخي، لا يشير الرسول الى شخصية من الماضي البعيد. إن الرب التاريخي من خلال الموت والقيامة هو الآن الرب السماوي الذي أخذ شخصيته الروحية والعاطفية كما هي معه الى يمين الآب. أحيانًا يجد المسيحيون صعوبة في تخيل ما كان عليه ربهم ولا يعرفون كيفية الاقتراب منه. الشخص الذي هو الآن ربنا السماوي كان الرب التاريخي ذات يوم. كان يتفاعل مع المعاناة بالرحمة والظلم بالغضب. أظهر يسوع مجموعة واسعة من المشاعر البشرية. وكان وديعًا ومهيبًا في نفس الوقت. النقطة هي، كما كان، هكذا هو؛ هو الآن ما كان عليه حينها. نحن نتواصل معه الآن كما لو كنا مرتبطين به في ذلك الوقت. للرب السماوي نفس الصفات الشخصية للرب التاريخي.
على الرغم من أن الرسول بولس كان مهتمًا في المقام الأول بيسوع باعتباره الرب السماوي المعاصر له، الا أنه لم يكن بأي حال من الأحوال غير مدرك لسيرة حياة الرب التاريخي. من خلال الـ paradoseis أو “التقاليد” عن يسوع، التي وردت من أولئك الذين كانوا شهود عيان للرب، يقدم بولس معلومات حول ولادة المسيح وحياته وموته وصفاته الشخصية وأقواله. تثبت حقائق بولس، وإن لم تكن شاملة، عند مقارنتها بالأناجيل أنها صحيحة في كل حالة. من الواضح أن بولس لم يصنع تفاصيل عن يسوع أو يبالغ في التفاصيل التي لديه. يبدو أن استخدام بولس للأدلة التاريخية كان حذرًا ورصينًا.
تذكر كل أناجيل العهد الجديد الأربعة أن يسوع قد صلب وأنه مات نتيجة لذلك. هل الأدلة كافية لتبرير الاستنتاج بأن هذه التقارير دقيقة؟ قبل التحقق من الإجابة، أود أن أشير إلى أهمية هذا السؤال. إن موت يسوع الكفاري وقيامته هما حجر الزاوية في العقيدة المسيحية. إذا لم يحدث أي منهما، فإن المسيحية التي بشر بها الرسل كانت خاطئة. لأنه إذا لم يمت يسوع على الصليب، فلا يوجد موت كفاري من أجل خطايانا، كما يُعلِّم العهد الجديد. علاوة على ذلك، بما أن مصطلح القيامة يشير إلى تحول الجثة إلى جسد خالد، إذا لم يمت يسوع، فمؤكد أنه لم تكن هناك جثة يمكن أن تتغير بالقيامة.
بدون القيامة تكون المسيحية مزورة. علّم الرسول بولس: “وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ” (1 كورنثوس 15: 17). تذكر الأناجيل أن يسوع قال بالمثل أن قيامته ستكون بمثابة دليل على صحة ادعاءاته عن نفسه (انظر متى 12: 39-40؛ يوحنا 2: 18-22). وهكذا، وفقًا ليسوع وبولس، إذا لم تحدث قيامة يسوع، فقد حان الوقت لإيجاد وجهة نظر أخرى للعالم-غير العقيدة المسيحية. وفقًا لذلك، بما أن القيامة تتطلب الموت، فإن موت يسوع بالصلب هو رابط لا يمكن كسره إذا كان يجب أن تعتبر المسيحية حقيقية.
في هذا الفصل، أود أن أقدم أربعة أسباب تدعم مصداقية الادعاء بأن يسوع مات نتيجة للصلب. ولكن قبل ذلك أود إلقاء نظرة سريعة عن ممارسة الصلب في وقت يسوع.
كان الصلب شكلاً شائعًا من أشكال الإعدام التي استخدمها الرومان لمعاقبة أفراد الطبقة الدنيا والعبيد والجنود والمتمردين العنيفين والمتهمين بالخيانة.[134] وعادة ما يسبق ذلك تعذيب الضحية بوحشية. كان الرومان يقومون عادة بجلد الضحية قبل الصلب.[135] من أواخر القرن الأول قبل الميلاد. حتى نهاية القرن الأول بعد الميلاد، أفاد المؤرخ الإغريقي ديونيسيوس من هاليكارناسوس Dionysius of Halicarnassus، وتيتوس ليفي Livy أحد أشهر المؤرخين الرومان، وفيلو Philo الفيلسوف السكندري المعاصر للمسيح، ويوسيفوس المؤرخ اليهودي المعاصر لشهود عيان المسيح عن أناس عُذبوا بالسياط والنار وجميع أنواع التعذيب قبل صلبهم.[136] في القرن الثاني، روى لوسيان عن رجل تعرض للجلد وقلعت عيناه وقطع لسانه قبل صلبه.[137] الجلد بالسوط نفسه يمكن أن يكون وحشيًا للغاية. على الرغم من عدم ذكر الصلب اللاحق، في منتصف القرن الثاني، فإن استشهاد بوليكاربوس يشير إلى أشخاص “مُزِّق لحمهم بالسياط” لدرجة أن “عروقهم وشرايينهم” أصبحت مرئية.[138] يوسيفوس يخبرنا عن رجل قبل دمار أورشليم في 70م، تعرض للجلد حتى العظام من قبل أحد خلفاء بيلاطس في اورشليم.[139] كما أفاد بأن مجموعة تعرضت للجلد حتى انكشفت أمعاؤهم.[140] بعد أن خضعنا لهذا النوع من المعاملة قبل الصلب، لا يمكننا إلا أن نتخيل كيف كان شكل الضحية على الصليب. في القرن الأول، وصف سينيكا (ت 65 م) الضحايا المصلوبين بأنهم “جثث مضروبة وغير فعالة”، و “معاقة”، و “مشوهة”، و “مسمرة” و “تجذب أنفاس الحياة وسط عذاب طويل الأمد”.[141] بعد التعذيب، كان الضحية المحكوم عليه بالصليب يتبعه في كثير من الأحيان حشود أثناء اصطحابه خارج أسوار المدينة حيث تم تسميره أو ربطه في صليب أو شجرة.[142] يبدو أن عملية التسمير كانت الطريقة المفضلة.[143] في بعض الأحيان تم تسمير الضحايا في مواقع مختلفة.[144] يُمكن للمرء أن يفهم بسهولة لماذا أشار شيشرون إلى الصلب على أنه “تلك العقوبة الأكثر قسوة وإثارة للاشمئزاز”، و “أسوأ أشكال التعذيب” و “رعب الصليب”.[145] ويوسيفوس الذي يشير إلى الصلب على أنه “أشد الميتات حقارة وبشاعة”.[146]
أولاً، تم الإبلاغ عن إعدام يسوع في عدد من المصادر القديمة: مسيحية وغير مسيحية. بالإضافة إلى الأناجيل الأربعة[147] وعدد من الرسائل الواردة في العهد الجديد،[148] والتي كُتبت جميعها في القرن الأول، تم الإبلاغ عن إعدام يسوع من قبل عدد من المصادر القديمة غير المسيحية. يوسيفوس[149] (أواخر القرن الأول)، تاسيتوس[150] (أوائل القرن الثاني)، لوسيان[151] (أوائل إلى منتصف القرن الثاني)، ومارا بار سيرابيون[152] (من القرن الثاني إلى القرن الثالث) هؤلاء أبلغوا عن الحدث. حقيقة أن هؤلاء غير المسيحيين ذكروا يسوع في كتاباتهم تظهر أن موت يسوع كان معروفًا خارج الدوائر المسيحية ولم يكن شيئًا اخترعه المسيحيون. وأيضاً بالإضافة إلى النطاق الواسع من المصادر التي أبلغت عن صلب يسوع هناك العديد من التقارير المبكرة.[153] بالإضافة لتقارير الآباء الرسوليين أمثال أغناطيوس.[154]
ثانيًا، كان احتمال النجاة من الصلب منخفضًا جدًا. ربما كان الصلب والتعذيب الذي كان يتم قبله في كثير من الأحيان أسوأ طريقة للموت في العصور القديمة. شاهد الكثير منا فيلم ميل جيبسون “آلام المسيح” وشهدوا ممارسة الجلد الوحشية (كما هو مُفصل في مقدمة الفصل).
كما يوجد رواية واحدة فقط عن شخص نجا من صلبه. ذكر يوسيفوس أنه رأى صلب ثلاثة من أصدقائه. ناشد بسرعة صديقه القائد الروماني تيطس الذي أمر بإنزال الثلاثة على الفور وقدم أفضل رعاية طبية قدمتها روما. على الرغم من هذا، مات اثنان من الثلاثة.[155] وهكذا، حتى لو نُقل يسوع قبل موته وبمساعدة طبية، فإن فرصه في البقاء على قيد الحياة كانت ضئيلة جداً. حتى مع ذلك، لا يوجد دليل على أن يسوع أُنزِلَ وهو على قيد الحياة أو أنه حصل على أي رعاية طبية على الإطلاق، ناهيك عن أفضل رعاية في روما.
ثالثًا، أجمعت الآراء الطبية المهنية على استنتاج أن يسوع مات بالتأكيد نتيجة صلبه. سألت كل واحد منهم إذا كان هناك أي أسباب طبية لكيفية تسريع موت الضحية المصلوب نتيجة كسر الساقين. أجابوا أن هناك احتمالات قليلة، لكنها بالتأكيد ستكون نادرة. فكيف يعجل كسر ساقي الضحية المصلوب بموته؟[156]
خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، غالبًا ما عذب الألمان الضحايا من خلال ممارسة تسمى aufbinden، يتم خلالها ربط الضحايا من معاصمهم ورفعهم بحيث لا تلمس الأرض إلا أصابع قدمهم إذا حاولوا ذلك. عندما يتعب الضحايا، كانوا يسترخون. ونتيجة لذلك، سيجدون صعوبة في التنفس. نظرًا لأن العضلات المستخدمة في الشهيق أقوى من العضلات المستخدمة في الزفير، فإن ثاني أكسيد الكربون سيتراكم ويموت الضحية موتًا مزعجًا. أُجريت تجارب على متطوعين أحياء حيث تم تعليقهم مع عدم القدرة على لمس الأرض، كانت النتائج أنه لا يمكن للمرء أن يظل واعيًا لمدة تزيد عن اثنتي عشرة دقيقة في هذا الوضع، طالما كانت أذرعهم بزاوية 45 درجة أو أقل. كسر رجلي الضحية المصلوب سيمنعه من الضغط على المسمار في أقدامه، وهي حركة مؤلمة، من أجل تسهيل التنفس، وإن كان ذلك مؤقتًا. في رأي صديقيّ وهما اثنان من أطباء غرفة الطوارئ أنه بسبب الصدمة التي تعرض لها بالفعل الضحية المصلوب، بمجرد موته على صليب بسبب نقص الأكسجين، وبقي ميتًا في هذا الوضع لمدة خمس دقائق، فلن تكون هناك فرصة لإنعاشه. بالإضافة إلى ذلك، يخبرنا إنجيل يوحنا أن أحد الحراس قد طعن يسوع ليؤكد أنه مات بالفعل (انظر يوحنا 19: 34-37)، وهي ممارسة ذكرها بالمثل كوينتيليان (ت 100 م)، وهو مؤرخ روماني في القرن الأول.[157]
هل هناك سبب للاعتقاد بأن الرومان يرغبون في التعجيل بموت يسوع على الصليب؟ يذكر يوسيفوس أنه قبل تدمير الرومان أورشليم في عام 70 بعد الميلاد، كان من عادة اليهود هناك إزالة المصلوبين عن الصلبان ودفنهم قبل غروب الشمس.[158] هناك تقارير عن ضحية مصلوب يعيش ما يصل إلى ثلاثة أيام على صليبه وعن ضحايا تركوا على صلبانهم لفترة طويلة من الزمن بعد الموت ليكونوا طعامًا للطيور والكلاب والحشرات. ومع ذلك، لم تكن هذه هي الممارسة في أورشليم قبل تدميرها عام 70 بعد الميلاد. تم صلب يسوع إما في 30 أو 33 م. وبالتالي، لدينا سبب وجيه جدًا للاعتقاد بأن موت يسوع قد تم السماح بدفنه من قبل الرومان قبل غروب الشمس في اليوم الذي تم إعدامه فيه.
رابعًا، حتى لو نجح يسوع بطريقة ما في النجاة من الصلب، فلن يلهم تلاميذه للاعتقاد بأنه قد قام من الأموات. تخيل أن يسوع نصف ميت في القبر. يتعافى من غيبوبة ويجد نفسه خائفًا في الظلام. يضع يديه المثقوبتين بمسامير على الحجر الثقيل للغاية الذي يمنع خروجه ويدفعه بعيدًا عن الطريق. ثم يقابله الحراس، الذين يقولون، “أين تعتقد أنك ذاهب يا صديقي؟” فيجيب، “أنا أخرج من هذه الحفرة.” ثم يقوم بضرب الحراس، وبعد ذلك يمشي على بعد شوارع إن لم يكن أميال على أقدام مثقوبة ومصابة من أجل العثور على تلاميذه. أخيرًا، يأتي إلى المنزل حيث يقيمون ويقرع الباب. يفتح بطرس الباب ويرى يسوع منحنياً في حالته المثيرة للشفقة والمشوهة ويقول، “واو! لا أطيق الانتظار حتى أحصل على جسد قيامة مثل جسدك تمامًا!”[159] يجب على المؤرخ أن يسأل عن مدى احتمالية أن يقنع يسوع تلاميذه في حالته الجريحة بأنه رب الحياة القائم في جسد خالد. قد يكون على قيد الحياة؟ بالكاد. أمّا أن يكون قد قام؟ مستحيل.
باختصار، الأدلة التاريخية قوية جدًا على أن يسوع مات بالصلب. يشهد عليه عدد من المصادر القديمة، بعضها غير مسيحي وبالتالي غير منحاز للتفسير المسيحي للأحداث؛ كانت فرص النجاة من الصلب قاتمة للغاية؛ الرأي الطبي المتخصص بالإجماع هو أن يسوع مات بالتأكيد بسبب قسوة الصلب، وحتى لو نجح يسوع بطريقة ما في النجاة من الصلب، فلن يؤدي ذلك إلى اعتقاد التلاميذ بأنه قد قام من الأموات.
وبسبب كل هذا والإحراج الذي مثله موت يسوع للمسيحيين والذي جعل بولس يقول أنه يكرز بالمسيح مصلوباً عثرة لليهود وجهالة لليونانيين (1 كو 1: 23) وأيضاً الكم الهائل والمبكر من التقارير عن موت يسوع من روايات الأناجيل وتقاليد 1 كورنثوس 15 ومايليها وعظات سفر الأعمال وشهادات المؤرخين المبكرين ونقد شتراوس لنظرية الإغماء فإن موت يسوع بالصلب أصبح الآن حقيقة لا تقبل الجدل حتى أن عالم العهد الجديد الملحد جون دومينيك كروسان أعلن: “أن صلبه أمر مؤكد مثل أي شيء تاريخي يمكن أن يكون على الإطلاق.”[160] وبالمثل يعتقد ماركوس بورغ أن إعدام يسوع هو “الحقيقة الأكثر تأكيدًا عن يسوع التاريخي”[161] يقول المتشكك جيمس تابور، “أعتقد أنه ليس لدينا أي شك في أنه نظرًا لإعدام يسوع بالصلب الروماني، فقد مات حقًا.”[162] وينقل ريموند براون إجماع العلماء: “يقبل معظم العلماء الشهادة الموحدة للأناجيل بأن يسوع مات أثناء ولاية بيلاطس البنطي لليهودية والتي كانت في الفترة ما بين 26 و36 م”[163] يكتب الملحد جيرد لودمان، “موت يسوع نتيجة صلبه لا جدال فيه.”[164] واليهودي بينشاس لابيد: “المسيحية كدين تاريخي للوحي تقوم على حدثين أساسيين -موت يسوع الناصري على الصليب وقيامته. في حين أن الحدث الأول يمكن اعتباره مؤكدًا تاريخيًا، سواء وفقًا لتصريحات الإنجيليين المتفقين بشكل أساسي وجوهري، وكذلك من مصادر غير مسيحية، لكن لايزال الحدث الأخير مثيرًا للجدل، ولا يمكن تصوره تاريخيًا، وقد أدى منذ البداية إلى الشك والشقاق والمعارضة.”[165] واللاأدري بارت إيرمان: “على الرغم من هذا النطاق الهائل من الآراء، هناك العديد من النقاط التي يتفق عليها جميع علماء العصور القديمة تقريبًا. كان يسوع رجلاً يهوديًا معروفًا بكونه واعظًا ومعلمًا، وقد صُلِب (شكل روماني للإعدام) في أورشليم في عهد الإمبراطور الروماني طيباريوس، عندما كان بيلاطس البنطي حاكمًا على اليهودية. على الرغم من أن هذه هي وجهة نظر كل باحث مدرب على هذا الكوكب تقريبًا، إلا أنها ليست وجهة نظر مجموعة من الكتاب الذين عادةً ما يطلق عليهم، وغالباً ما يطلقون على أنفسهم، أسطوريون.”[166]
وهكذا، نظرًا للأدلة القوية على موت يسوع بالصلب، دون دليل جيد على عكس ذلك، يجب على المؤرخ أن يستنتج أن يسوع قد صُلب وأن العملية أدت إلى قتله.
هلقاميسوعمنالموت؟ –وليملينكريج
مقدمة
يُبنى الإيمان المسيحي على الادعاء اللافت للنظر أن الشخص التاريخي، يسوع الناصري، قد قام من بين الأموات، وبالتالي كان، كما زعم هو، ابن الله بمعنى فريد. ولكن ما مدى مصداقية ادعاء قيامة يسوع؟ سوف نقوم بالتحقيق في هذا السؤال تاريخياً.
الآن لا يأتي المرء لدراسة قيامة يسوع في الفراغ. يأتي كل محقق معه بافتراضات معينة يفترضها مسبقًا في تحقيقه والتي، في حالة الطعن فيها، قد تصبح هي نفسها موضوع تحقيق وتبرير. اسمحوا لي، إذن، أن أذكر بوضوح شديد الافتراضين اللذين أتناولهما في مسألتنا.
أولاً، أفترض وجود الله، كما يتضح من حجج اللاهوت الطبيعي، مثل الحجج الكونية cosmological والغائية teleological والأكسيولوجية axiological. هذا هو النهج الذي اتبعه المدافعون الكلاسيكيون عن تاريخية قيامة يسوع مثل هوغو غروتيوس Hugo Grotius وصمويل كلارك Samuel Clarke وويليام بالي William Paley، وكذلك من قبل علماء معاصرين مثل وولفارت بانينبيرج Wolfhart Pannenberg وريتشارد سوينبرن Richard Swinburne وستيفن ديفيس Stephen Davis.
الآن أدرك أن الكثير من الناس اليوم لا يشاركوننا هذا الافتراض؛ الملحدين واللاأدريين لا يعترفون بوجود خالق ومصمم متسام للكون. هذا فرق كبير في نظرة المرء للعالم وسيؤثر جذريًا بالطبع على كيفية تقييم المرء للتفسيرات المتنافسة للحقائق. لكن مساحتنا وموضوعنا محدودان، لذلك إذا كان المرء مهتمًا بتبرير الإيمان بوجود الله، فيمكن للمرء الرجوع إلى كتابي القادم في هذه السلسلة نفسها حول هذا الموضوع.[167]
ثانيًا، أفترض مسبقًا أن معرفتنا الخلفية تتضمن قدرًا كبيرًا من المعلومات حول يسوع التاريخي، بما في ذلك ادعاءاته الشخصية الراديكالية، وتعاليمه، وصلبه.[168] وبذلك، فإنني أقف بشكل صريح في الاتجاه السائد لدراسات العهد الجديد فيما يتعلق بيسوع التاريخي. مرة أخرى، أدرك أن النقاد الراديكاليين لا يشاركوننا هذا الافتراض. لكن غالبية علماء العهد الجديد يتفقون اليوم على أن يسوع التاريخي كان يمتلك إحساسًا لا مثيل له بالسلطة، وسلطة الوقوف والتحدث بدلاً من الله نفسه. لقد ادعى أن ملكوت الله قد جاء في ذاته، وقام بتنفيذ خدمة المعجزات وطرد الأرواح الشريرة كعلامات على هذه الحقيقة. وفقًا لعالم اللاهوت الألماني Horst George Pohlmann هورست جورج بولمان:
اليوم هناك إجماع تقريبًا … أن يسوع ظهر على الساحة بسلطة لم يُسمَع بها من قبل، مع ادعاء السلطة للوقوف في مكان الله والتحدث إلينا وإحضارنا إلى الخلاص. فيما يتعلق بيسوع، هناك طريقتان محتملتان فقط من السلوك: إما أن نؤمن بأن الله يقابلنا به أو أن نسمره على الصليب كمجدف Tertium non datur. [ليس هناك طريق ثالث.][169]
لذا فأنا أيضًا في موقع آمن جدًا فيما يتعلق بافتراضي الثاني.
سيتضمن التحقيق في تاريخية قيامة يسوع خطوتين: أولاً، يجب على المرء أن يحدد الحقائق التي يجب شرحها، وثانيًا، يجب على المرء أن يسأل عما إذا كانت قيامة يسوع هي أفضل تفسير لهذه الحقائق. هناك ثلاث حقائق رئيسية مزعومة في القضية:
اكتشاف قبر يسوع الفارغ من قبل مجموعة من أتباعه النساء في صباح يوم الأحد بعد صلبه؛[170]
اختبر العديد من الأفراد والجماعات ظهورات يسوع حياً بعد موته؛[171]
أصل إيمان التلاميذ الأوائل بأن الله قد أقام يسوع من بين الأموات.
إذا كان من الممكن إثبات هذه الحقائق الثلاث باعتبارها حقائق تاريخية، فسيكون السؤال عندئذ هو ما إذا كان يمكن تفسيرها بشكل أفضل من خلال ما سأطلق عليه “فرضية القيامة Resurrection Hypothesis ” -أي أن الله أقام يسوع من بين الأموات، أو من خلال تفسير آخر.
يدرك جميع المؤرخين أن يسوع الناصري لقي موته المفاجئ بالصلب الروماني في وقت عيد الفصح اليهودي في أورشليم. لذلك نحن نأخذ هذه الحقيقة التاريخية كمُعطى. السؤال الذي يواجه المؤرخ هو: ماذا حدث بعد صلب يسوع؟ يبحث هذا الكتاب أولاً في الحقائق المراد شرحها، ثم في التفسيرات المتنافسة لهذه الحقائق.
الجزءالأول: القبرالفارغ
هناك ما لا يقل عن خمسة خطوط مستقلة من الأدلة التي تدعم حقيقة أن القبر الذي دُفِنَ فيه يسوع مساء الجمعة بعد صلبه وجدته مجموعة من النسوة فارغًا في يوم الأحد التالي.
الفصلالأول: المصداقيةالتاريخية
المصداقية التاريخية لدفن يسوع تدعم تاريخية القبر الفارغ. إذا كانت روايات دفن يسوع في الأناجيل دقيقة أساسًا، حتى مع وجود بعض الاختلاف في التفاصيل الثانوية، فإن موقع قبر يسوع كان معروفًا في أورشليم لكل من اليهود والمسيحيين على حدٍ سواء. لأنه وفقًا للروايات، دُفن يسوع على يد عضو في المجمع اليهودي يُدعى يوسف الرامي، والنساء اللواتي تبعن يسوع لاحظن دفنه. لكن في هذه الحالة، يجب أن يكون القبر فارغًا عندما بدأ التلاميذ يكرزون بأن يسوع قد قام من بين الأموات.
هناك ثلاثة أسباب تكمن وراء هذا الاستنتاج:
لم يكن بوسع تلاميذ يسوع أن يصدقوا أن يسوع قد قام إذا كانت جثته لا تزال موضوعة في القبر. كان من غير اليهودي تمامًا، حتى لا نقول أنه من المنافي للعقل، الاعتقاد بأن رجلاً عُرف أن جثته موضوعة في قبره قد قام من بين الأموات.
حتى لو كان التلاميذ متسرعين لدرجة إعلان قيامة يسوع على الرغم من قبره المشغول بجثته، فلن يصدقهم أي شخص آخر. من أكثر الحقائق الجديرة بالملاحظة حول الإيمان المسيحي المبكر بقيامة يسوع أنها ازدهرت في نفس المدينة التي صلب فيها يسوع علنًا. طالما اعتقد سكان أورشليم أن جثة يسوع موضوعة في القبر، فإن قلة منهم كانت مستعدة لتصديق سخافة مثل الادعاء بأن الله أقام يسوع من بين الأموات.
أخيرًا، حتى لو اعتقد الناس أن يسوع قد قام، لكانت السلطات اليهودية قد سحقت الأمر بأكمه ببساطة من خلال الإشارة إلى قبر يسوع المشغول بجثته أو ربما حتى فتح القبر للكشف عن الجثة كدليل حاسم على أن يسوع لم يعد من جديد إلى الحياة.
حتى لو لم يعد من الممكن التعرف على بقايا الجثة بسبب التعفن، فإن عبء الإثبات سيظل يقع على عاتق أي شخص قال إنها ليست بقايا جثة يسوع. ولكن لا يبدو أن مثل هذا الخلاف حول التعرف على جثة يسوع قد حدث؛ تكمن الخلافات بين اليهود غير المسيحيين واليهود المسيحيين الأوائل في مكان آخر، كما سنرى قريبًا.
لن يكون من المفيد الإيحاء بأن السلطات اليهودية لم تأخذ الحركة المسيحية على محمل الجد ولذا لم تكلف نفسها عناء التعامل معها. كانوا، بعد كل شيء، نفس الرجال الذين كانوا مسؤولين عن إدانة يسوع وتسليمه إلى الرومان لإعدامه. كما يوضح إشراكهم الفريسي المسمى شاول الطرسوسي لاضطهاد اليهود المسيحيين، كانت السلطات اليهودية في أورشليم عازمة على سحق حركة يسوع الناشئة.
وبالتالي، إذا كانت قصة دفن يسوع تاريخية في جوهرها، فهي إذن استنتاج قصير جدًا لحقيقة أن قبر يسوع وجد أيضًا فارغًا. لهذا السبب، شعر النقاد الذين ينكرون حقيقة القبر الفارغ بأنهم مضطرون إلى المجادلة ضد تاريخية الدفن أيضًا. هذا أمر محرج، لأن غالبية نقاد العهد الجديد يدركون اليوم أن دفن يسوع في قبر يوسف الرامي هو أحد أفضل الحقائق الثابتة عن يسوع التاريخي. في حين أنه يمكن إجراء نقاش طويل حول الدليل على دفن يسوع، فإنه تكفي نقطتان.
النقطةالأولى: شهاداتشهودعيانفيوقتمبكر
أولاً، تم الإبلاغ عن دفن يسوع في مصادر مبكرة ومستقلة. إن إنجيل مرقس هو الأقدم من بين الأناجيل الأربعة، ويُعتقد عمومًا أنه كُتب قبل 70 م. ومع ذلك، يعتقد معظم العلماء أن مَرقُس استخدم مصدرًا سابقًا حتى عند كتابة روايته عن معاناة يسوع وموته (ما يسمى قصة الآلام Passion Story)، والتي يعتقد معظم النقاد أنها تستند إلى شهادات شهود العيان. إن قصة دفن يسوع في قبر على يد يوسف الرامي هي جزء من مصدر الآلام هذا المؤرخ قبل مرقس. وبالتالي، لدينا هنا مصدر مبكر جدًا لدفن يسوع على يد يوسف.
علاوة على ذلك، يستشهد بولس في رسالته الأولى إلى الكنيسة في كورنثوس بتقليد مسيحي قديم حصل عليه من التلاميذ الأوائل (1 كورنثوس 15: 3-5).[172] ربما تلقى بولس هذا التقليد في موعد لا يتجاوز زيارته لأورشليم في 36 م بعد تحوله في 33 م (غلاطية 1: 18)، إن لم يكن قبل ذلك أثناء إقامته في دمشق. يعود هذا التقليد، بالتالي، إلى السنوات الخمس الأولى بعد صلب يسوع في 30 م. التقليد هو ملخص للنقاط المركزية للإعلان المسيحي المبكر. كان من الممكن أن يُسهّل شكله المتوازي من عملية حفظه، وربما تم استخدامه في التعليم المسيحي. ونصه:
لاحظ أن السطر الثاني من هذا التقليد يشير إلى دفن يسوع.
إذن، هل الدفن المذكور في تقليد بولس هو نفس حدث دفن يوسف الرامي؟ يمكننا الإجابة على هذا السؤال من خلال مقارنة تقليد بولس المكون من أربعة أسطر مع روايات الإنجيل من ناحية والعظات في سفر أعمال الرسل.
هذا التطابق الرائع للتقاليد المستقلة هو دليل مقنع على أن تقليد بولس المكون من أربعة أسطر يلخص الأحداث الأساسية لآلام يسوع وقيامته، بما في ذلك دفنه في القبر. في مصدر آلام ما قبل مرقس وتقليد ما قبل بولس الذي تم تسليمه إلى أهل كورنثوس، لدينا أدلة من بعض أقدم المصادر المستقلة في العهد الجديد لدفن يسوع في القبر.
وهناك المزيد؛ توجد أيضًا شهادات مستقلة أخرى عن دفن يوسف ليسوع في المصادر الكامنة وراء أناجيل متى ولوقا ويوحنا. على الرغم من أن غالبية العلماء يتفقون على أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقس كأحد مصادرهما، فإن الاختلافات بين رواية مَرقُس عن الدفن وتلك الخاصة بمتى ولوقا تشير إلى أن لديهما أيضًا مصادر أخرى غير مرقس فقط. علاوة على ذلك، بما أن العلماء يتفقون بشكل عام على أن إنجيل يوحنا كتب بشكل مستقل عن الأناجيل الثلاثة الأخرى، فلدينا مصدر مستقل آخر للدفن في رواية يوحنا. أخيرًا، هناك العظات المبكرة في سفر أعمال الرسل، والتي ربما تحافظ على الوعظ المبكر للرسل. تشير هذه العظات أيضًا إلى دفن يسوع في قبر. وهكذا، لدينا عدد غير عادي من خمسة مصادر مستقلة على الأقل لدفن يسوع، بعضها مبكر للغاية.
النقطةالثانية: يوسفالرامي
تصف الأناجيل يوسف بأنه رجل ثري، عضو في السنهدريم اليهودي. كعضو في السنهدريم اليهودي الذي أدان يسوع، من غير المحتمل أن يكون يوسف الرامي اختراعًا مسيحيًا.
كان السنهدريم بمثابة محكمة يهودية عليا مكونة من سبعين رجلاً من قادة اليهودية الذين كانوا يترأسون أورشليم. كان هناك عداء مفهوم بين المسيحيين الأوائل تجاه اليهود أعضاء مجمع السنهدريم، حيث ألقى المسيحيون باللوم على أعضاء مجمع السنهدريم لقيامهم بالتدبير لقتل يسوع على يد الرومان. العظات الرسولية في سفر أعمال الرسل، على سبيل المثال، تذهب إلى حد القول إن القادة اليهود هم الذين صلبوا يسوع (أعمال الرسل 2: 23، 36؛ 4: 10)!
لذلك، من المحتمل جدًا أن يكون دفن يسوع على يد يوسف أمرًا تاريخيًا، لأنه لن يكون من الممكن تفسير سبب اختراع المسيحيين قصة عن رجل دين يهودي يعطي يسوع دفنًا لائقًا.
لهذه الأسباب وغيرها، هناك اتفاق واسع النطاق بين الغالبية العظمى من علماء العهد الجديد أنه بعد صلبه (يسوع) يأتي دفنه في قبر على يد يوسف الرامي. وفقًا للراحل جون إيه تي روبنسون John A. T. Robinson من جامعة كامبريدج، فإن دفن يسوع في القبر هو “أحد أقدم الحقائق وأكثرها إثباتًا عن يسوع”.[173] ولكن إذا تم دفن جسد يسوع بهذه الطريقة، فمن الصعب للغاية إنكار حقيقة أن القبر وُجِدَ لاحقًا فارغًا.
الفصلالثاني: تقاريرمستقلة
تم الإبلاغ عن اكتشاف قبر يسوع الفارغ بشكل مستقل في مصادر مبكرة جدًا. ربما لم ينته مصدر آلام مرقس بقصة دفن يسوع، ولكن بقصة اكتشاف النساء لقبر يسوع الفارغ. بالنسبة لقصة الدفن وقصة القبر الفارغ هي في الحقيقة قصة واحدة، تشكل سردًا سلسًا ومتواصلاً. تجمعهما روابط نحوية ولغوية. علاوة على ذلك، يبدو من غير المرجح أن يروي المسيحيون الأوائل قصة آلام يسوع، التي انتهت للتو بموته ودفنه؛ قصة الآلام غير مكتملة بدون انتصار القيامة في النهاية. لذا من المحتمل أن يكون مصدر آلام مرقس متضمنًا وربما انتهى برواية اكتشاف النساء للقبر الفارغ.
لقد رأينا أيضًا أنه في 1 كورنثوس 15: 3-5 يستشهد بولس بتقليد مبكر للغاية يشير إلى دفن المسيح وقيامته. على الرغم من أن التقليد لا يذكر صراحة القبر الفارغ، فإن مقارنتنا السابقة للصيغة المكونة من أربعة أسطر مع روايات الإنجيل والعظات في سفر أعمال الرسل تكشف أن السطر الثالث من التقليد هو، في الواقع، ملخص لقصة اكتشاف القبر الفارغ. علاوة على ذلك، فإن القبر الفارغ مضمن في سمتين أخريين لتقليد بولس.
أولاً، عبارة “قام” بعد عبارة “دُفِنَ” تدل على قبر فارغ. فكرة أنه يمكن دفن شخص ما ثم قيامه من بين الأموات ومع ذلك يظل جسده في القبر هي من سمات اللاهوت الحديث! في أذهان يهود القرن الأول، لم يكن هناك شك في أن قبر يسوع كان سيصبح فارغًا نتيجة قيامته. لذلك، عندما ينص التقليد على أن المسيح “دُفن وقام”، فإنه يشير تلقائيًا إلى أن قبرًا فارغًا قد تُرك وراءه.[174]
ثانيًا، تشير عبارة “في اليوم الثالث” إلى القبر الفارغ. بما أنه لم يرَ أحدُ يسوع يقوم بالفعل ويخرج من القبر، يجب أن نسأل لماذا أعلن التلاميذ الأوائل أنه قام “في اليوم الثالث”؟ لماذا ليس اليوم السابع؟ الجواب الأكثر ترجيحًا هو أنه في اليوم الثالث بعد صلبه اكتشفت النساء قبر يسوع فارغًا؛ وبطبيعة الحال، فإن القيامة نفسها جاءت في ذلك اليوم.
لدينا، إذن، في وقت مبكر للغاية، دليل مستقل على حقيقة وجود قبر يسوع الفارغ في مادة ما قبل مرقس وما قبل بولس. لذلك لا يمكن شطب اكتشاف قبر يسوع الفارغ على أنه تطور أسطوري لاحق.
لكن هناك مصادر أخرى مستقلة تفسر القبر الفارغ، وجدت في الأناجيل الأخرى وأعمال الرسل. من الواضح أن متى يعمل مع مصدر مستقل، لأنه يتضمن قصة حارس القبر، وهي قصة غير مشتقة من مرقس وهي فريدة من نوعها في إنجيله. علاوة على ذلك، تعليقه على الإشاعة بأن التلاميذ قد سرقوا جسد يسوع، “وقد انتشرت هذه القصة بين اليهود حتى يومنا هذا” (متى 28: 15) يُظهر هذا أن الحارس ليس من صنع متى، ولكنه كان جزءًا من تقليد سابق. لدى لوقا أيضًا مصدر مستقل، لأنه يروي قصة، غير موجودة في مرقس، عن اثنين من التلاميذ يتفقدون القبر للتحقق من صحة تقرير المرأتين بأن القبر كان فارغاً. لا يمكن اعتبار هذه القصة على أنها من صنع لوقا لأن الحادثة مذكورة بشكل مستقل في إنجيل يوحنا. ومرة أخرى، نظرًا لاستقلال يوحنا عن الأناجيل الثلاثة الأخرى، لدينا تقرير مستقل آخر عن القبر الفارغ.
أخيرًا، في العظات في سفر أعمال الرسل، لدينا إشارات غير مباشرة إلى قبر يسوع الفارغ. على سبيل المثال، يقارن بطرس بين قبر الملك داود وقبر يسوع، قائلاً: ” رَئِيسِ الآبَاءِ دَاوُدَ إِنَّهُ مَاتَ وَدُفِنَ، وَقَبْرُهُ عِنْدَنَا حَتَّى هذَا الْيَوْمِ “، ولكن “[يسوع] هذَا أَقَامَهُ اللهُ” (أعمال 2: 29-32؛ قارن 13: 36-37).
يعتقد المؤرخون أن لديهم اكتشاف تاريخي مفيد ومربح عندما يكون لديهم روايتان مستقلتان للحدث نفسه. لكن في هذه الحالة -اكتشاف القبر الفارغ -لدينا ما لا يقل عن ستة مصادر مستقلة، بعضها من بين أقدم المواد التي تم العثور عليها في العهد الجديد.
الفصلالثالث: تقريرمرقسوالإحراجالناتجمنشهادةالنساء
قصة القبر الفارغ الخاصة بمرقس بسيطة وتفتقر إلى علامات التطور الأسطوري. إن روايته لاكتشاف النساء للقبر الفارغ محفوظة بشكل ملحوظ وغير مجددة بزخارف لاهوتية من المحتمل أن تميز قصة أسطورية لاحقة.
على سبيل المثال، من المدهش حقًا أن القيامة نفسها لم يتم وصفها فعليًا أو حتى شهادتها، ولا يوجد أي تفكير لاهوتي في انتصار يسوع على الخطية والموت، ولا استخدام للألقاب الإلهية للمسيح،[175] ولا اقتباس من نبوءة تحققت، ولا وصف للرب القائم من بين الأموات. تختلف قصة مرقس تمامًا عما قد يتوقعه المرء من أسطورة مسيحية -فقط قارن بين رواية مرقس والطريقة التي يتم بها تصوير قيامة يسوع بوضوح في مسرحيات الآلام الحديثة!
لتقدير مدى تقييد رواية مَرقُس، نحتاج فقط إلى قراءة الرواية الواردة في إنجيل بطرس الملفق في القرن الثاني. يصف خروج المسيح المظفّر من القبر كشخص عملاق يصل رأسه فوق الغيوم، مدعوم بملائكة عملاقة، يتبعه صليب ناطق، يبشر به صوت من السماء، وكل ذلك شهده حارس روماني والقادة اليهود والكثير من المتفرجين! هكذا تبدو الأساطير الحقيقية: إنها مزينة بزخارف لاهوتية ودفاعية. على النقيض من ذلك، فإن تقرير مرقس صارخ في بساطته.
وبعد ذلك، الشهود من النساء
تم اكتشاف القبر فارغًا من قبل مجموعة من أتباع يسوع النساء. من أجل تقدير هذه النقطة، نحتاج إلى فهم شيئين عن مكانة المرأة في المجتمع اليهودي في القرن الأول.
أولاً، لم يتم اعتبار النساء شهوداً موثوقين. يتجلى الموقف السلبي تجاه شهادة النساء في وصف المؤرخ اليهودي يوسيفوس للقواعد اليهودية للشهادة المقبولة: “لا تُقبل شهادة النساء، بسبب طيش ووقاحة جنسهن”.[176] لا توجد مثل هذه الضوابط في الكتاب المقدس العبري. بل هو بالأحرى انعكاس للمجتمع الذكوري ليهودية القرن الأول. يُشار إلى أن المرات الوحيدة التي استشهد فيها يوسيفوس بشهادات نساء في تواريخه كانت بعد معارك جمالا ومسادا عندما أُجبر على العودة إلى النساء لسبب بسيط هو أنهم كانوا الناجين الوحيدين من هذه المذابح.
ثانياً، احتلت النساء مرتبة متدنية في السلم الاجتماعي اليهودي. بالمقارنة مع الرجال، كانت النساء، بصراحة، مواطنات من الدرجة الثانية. قال الرابيون: “لتُحرق كلمات الشريعة أفضل من أن تصل إلى النساء!”[177] ومرة أخرى: “السعادة لمن أولاده ذكور، ولكن التعاسة لمن أولاده إناث!”[178] تضمنت الصلاة اليومية لكل رجل يهودي البركة، “مبارك أنت، يا رب إلهنا، سيد الكون، الذي لم يخلقني أمميًا أو عبدًا أو امرأة”.[179]
نظرًا لوضعهن الاجتماعي المتدني وعدم مصداقيتهن كشهود، فمن المدهش جدًا أن النساء هن المكتشفات والشهود الرئيسيون على حقيقة القبر الفارغ! إذا كانت قصة القبر الفارغ أسطورة، لكان التلاميذ الذكور هم الذين يكتشفون القبر الفارغ. حقيقة أن النساء -اللواتي اعتُبرت شهادتهن عديمة القيمة -كن الشاهد الرئيسي على حقيقة القبر الفارغ لا يمكن تفسيره بشكل معقول إلا إذا، شئنا أم أبينا، كن في الواقع مكتشفات القبر الفارغ، وكتاب الإنجيل يسجلون بأمانة ما كان (بالنسبة لهم) حقيقة صعبة ومحرجة.[180]
الفصلالرابع: السياسةاليهودية
إذا فكرت في الأمر، فإن الجدال اليهودي الأول يفترض حقيقة القبر الفارغ. كمثال، انظر محاولة متى لدحض الرد اليهودي المبكر للإعلان المسيحي عن القيامة:
الآن اهتمامنا ليس بتاريخية قصة متى عن الحارس عند القبر ولكن بالأحرى في ملاحظته العرضية في ختام القصة: ” فَشَاعَ هذَا الْقَوْلُ عِنْدَ الْيَهُودِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ.” تكشف هذه الملاحظة عن قلق متى بشأن دحض تفسير يهودي للقيامة والذي كان واسع الانتشار وقتها.
فماذا كان يقول اليهود غير المؤمنين ردًا على إعلان التلاميذ “قام من الأموات”؟ أن هؤلاء الرجال كانوا ممتلئين بنبيذ جديد؟ أن جثة يسوع ما زالت ملقاة في القبر؟ لا. كانوا يقولون، “أتى تلاميذه ليلا وسرقوا جثته.”
فكر في ذلك: “جاء تلاميذه ليلا وسرقوا جثته.” لم تنكر السلطات اليهودية حقيقة أن قبر يسوع كان فارغًا. وبدلاً من ذلك، تورطوا في سلسلة ميؤوس منها من السخافات، في محاولة لتفسير حقيقة فراغ القبر. وبعبارة أخرى، فإن ادعاء اليهود بأن التلاميذ سرقوا الجسد يفترض مسبقًا أن الجسد، في الواقع، مفقود. لذلك، لدينا أدلة من أعداء الحركة المسيحية الأولى على حقيقة القبر الفارغ.
هذه الخطوط الخمسة من الأدلة، مجتمعة، تعطي أسبابًا كافية للاعتقاد بأن قبر يسوع قد عثر عليه، في الواقع، فارغًا في اليوم الأول من الأسبوع من قبل مجموعة من أتباعه النساء. لذلك يعتبر معظم العلماء أن حقيقة وجود قبر يسوع الفارغ أمر راسخ. وفقًا لجاكوب كريمر Jacob Kremer، ناقد العهد الجديد المتخصص في دراسة القيامة: “إلى حد بعيد، يتمسك معظم المفسرين بقوة بمصداقية التصريحات الكتابية عن القبر الفارغ”.[181] في الواقع، في دراسة استقصائية لأكثر من ألفي منشور حول القيامة باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية منذ عام 1975، وجد جاري هابرماس أن 75 بالمائة من العلماء الذين كتبوا عن هذا الموضوع يقبلون تاريخية اكتشاف النساء لقبر يسوع الفارغ.[182] أقنعت الأدلة حتى عددًا من العلماء اليهود، مثل بينشاس لابيد Pinchas Lapide وجيزا فيرميس[183] Geza Vermes، بأن قبر يسوع قد تم العثور عليه فارغًا. لذلك، يمكننا اعتبار أول الحقائق الثلاث التي يجب شرحها، إن لم تكن غير قابلة للنزاع، فهي راسخة تاريخياً.
الجزءالثاني: ظهورات – القيامة –مابعدالموت
هل حقا رأى الناس يسوع حيا بعد موته؟ سنبدأ تحقيقنا من خلال النظر أولاً في الأدلة على ظهورات قيامة يسوع: هناك ثلاثة خطوط رئيسية من الأدلة التي يجب فحصها.
قائمة شهود عيان بولس، المذكورة في 1 كورنثوس 15: 3-8، على ظهورات يسوع قيامة تثبت حدوث مثل هذه الظهورات. دعونا نلقي نظرة سريعة على كل ظهور في قائمة بولس لنرى ما إذا كان من المعقول وقوع مثل هذا الحدث بالفعل.
لا تحتوي الأناجيل على قصة ظهور المسيح لبطرس (أو “صفا” كما كتب بولس اسمه بالآرامية). ولكن تم تضمينه في التقليد المسيحي القديم الذي نقله بولس، والذي خرج من كنيسة أورشليم. علاوة على ذلك، بولس نفسه يؤيد هذا الظهور. نعلم من رسالة بولس إلى غلاطية 1: 18 أنه بعد ثلاث سنوات من اهتدائه على طريق دمشق، أمضى بولس حوالي أسبوعين مع بطرس في أورشليم. لذلك عرف بولس ما إذا كان بطرس قد ادعى أن لديه مثل هذه التجربة أم لا. علاوة على ذلك، فإن ظهور بطرس مذكور بشكل مستقل في تقليد مسيحي مبكر آخر موجود في لوقا 24: 34: “لقد قام الرب حقًا وظهر لسمعان!” إن كون لوقا ينقل تقليدًا سابقًا وليس مجرد التأليف الحر هنا يتضح من الطريقة الغريبة التي تم بها إدخال هذا القول في قصته عن الظهور لتلميذي عمواس. إذن، لدينا مصادر متعددة ومستقلة ومبكرة جدًا لظهور بطرس هذا. لذلك، يتفق جميع علماء العهد الجديد تقريبًا على أنه بغض النظر عن اهتمامك بشرح ذلك، فقد رأى بطرس ظهور ليسوع بعد موته.
التلاميذ
الظهور التالي المذكور كان لـ “الاثني عشر”، بلا شك المجموعة الأصلية المكونة من اثني عشر تلميذًا الذين اختارهم يسوع أثناء خدمته -باستثناء يهوذا، الذي لم يؤثر غيابه على اللقب الرسمي للمجموعة. هذا هو أفضل ظهور مشهود له بخصوص قيامة يسوع. إنه أيضًا جزء من هذا التقليد المبكر جدًا الذي يوجهه بولس. علاوة على ذلك، كان لبولس نفسه اتصال شخصي مع أعضاء الاثني عشر. بالإضافة إلى ذلك، لدينا في الواقع روايتان مستقلتان عن هذا الظهور في لوقا 24: 36-42 ويوحنا 20: 19-20. يمكن أن يكون هناك القليل من الشك في أن مثل هذا الظهور قد حدث، لأنه مشهود له في التقليد المسيحي المبكر، الذي أكده بولس، ووصفه كل من لوقا ويوحنا بشكل مستقل.
الخمسمئة
لأي سبب من الأسباب، لم يكن الخمسمائة شاهد (وغيرهم ممن ذكرهم بعد ذلك) جزءًا من الصيغة التقليدية التي كان يستخدمها، ولكنهم كانوا معروفين له رغم ذلك. عدد الأشخاص المعنيين -خمسمائة، في وقت واحد -جدير بالملاحظة، ومع ذلك لا يوجد أي ذكر على الإطلاق لهذا الظهور في أي مكان آخر في العهد الجديد. قد يتم العفو عن المرء لكونه متشككًا إلى حد ما في أن حدثًا غير عادي، في حالة حدوثه، كان من الممكن أن يمر دون أن يلاحظه أحد من قبل المؤلفين الكتابيين، لكن يبدو أن بولس نفسه كان على اتصال شخصي بهؤلاء الأفراد، لأنه كان يعلم أن بعضهم قد مات بحلول ذلك الوقت.
ويشير إلى ذلك في تعليقه العابر، ” أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا “. لماذا أضاف بولس هذه الملاحظة؟ يجيب عالم العهد الجديد العظيم في جامعة كامبريدج، سي إتش دود، “لا يمكن أن يكون هناك أي غرض من ذكر حقيقة أن معظم الـ 500 ما زالوا على قيد الحياة، إلا إذا قال بولس، في الواقع، “الشهود مازالوا موجودين هناك ليتم استجوابهم”.[184] ما كان بولس ليقول هذا لو لم يكن الحدث قد وقع. لم يكن ليتحدى الناس للتحدث مع شهود العيان لو لم يكن الحدث قد حدث ولم يكن هناك شهود عيان. لكن من الواضح أنه كان هناك شهود على هذا الحدث، وعلم بولس أن بعضهم قد مات بحلول ذلك الوقت. لذلك، يجب أن يكون الحدث قد حدث بالفعل.
ولعل هذا الظهور ليس له صلة بالأناجيل لأنه حدث في الجليل. عندما يتتبع المرء الظهورات المختلفة الواردة في الأناجيل، يبدو أنها حدثت أولاً في أورشليم، ثم في الجليل، ثم عادت مرة أخرى في أورشليم. كان لابد أن يظهر ظهور لخمسمائة شخص في الهواء الطلق، ربما على منحدر تل بالقرب من قرية في الجليل. تذكر أنه كان في الجليل أن الآلاف قد توافدوا لسماع تعاليم يسوع. بما أن الأناجيل تركز على الظهورات التي حدثت في أورشليم وليس في الجليل، فلا أحد منهم يروي قصة الظهور إلى الخمسمائة. هناك احتمال مثير للاهتمام، مع ذلك، هو أن الظهور إلى الخمسمائة كان الظهور في الجليل الذي تنبأ به الملاك عند القبر ثم وصفه متى (28: 16-17).
الفصلالسادس: يعقوبوالرسلأجمعينبمنفيهمشاولالطرسوسي
ربما يكون ظهور يسوع بعد موته لأخيه الأصغر يعقوب أحد أكثر الأشياء المدهشة على الإطلاق، لأنه كان من الواضح أن لا يعقوب ولا أي من إخوة يسوع الأصغر يؤمن بيسوع خلال حياته (مرقس 3: 21، 31-35؛ يوحنا 7: 1-10). لم يعتقدوا أنه هو المسيا أو نبي أو حتى شخص مميز. بمعيار الإحراج، فإن عدم إيمان عائلة يسوع هو بلا شك حقيقة تاريخية.
ولكن بعد القيامة، اندهشنا عندما وجدنا إخوة يسوع بين المؤمنين المسيحيين مجتمعين في العلية في أورشليم (أعمال الرسل 1: 14). لم يتم ذكرهم مرة أخرى حتى تم ذكرهم في قصة تحرير بطرس من السجن بواسطة الملاك (أعمال الرسل 12 :17). كانت كلمات بطرس الأولى بعد هروبه، “أبلغوا يعقوب بهذا”. في رسالته إلى كنائس غلاطية، يخبرنا بولس عن زيارته التي استمرت أسبوعين إلى أورشليم بعد حوالي ثلاث سنوات من تجربته على طريق دمشق. يقول أنه باستثناء بطرس، لم ير أيًا من الرسل الآخرين باستثناء يعقوب، أخا الرب (غلاطية 1: 19). يشير بولس على الأقل إلى أن يعقوب يُعتبر الآن أحد الرسل. يخبرنا بولس أنه عندما زار أورشليم مرة أخرى بعد أربعة عشر عامًا، تشاور مع “أعمدة” الكنيسة الثلاثة في أورشليم: بطرس ويوحنا ويعقوب (غلاطية 2: 9). أخيرًا، نجد في أعمال الرسل 21: 18، أن يعقوب هو الرئيس الوحيد لكنيسة أورشليم ومجلس الشيوخ. لا توجد معلومات عن حياة يعقوب اللاحقة في العهد الجديد. ولكن من المؤرخ اليهودي يوسيفوس، اكتشفنا أنه في وقت ما بعد 60 بعد الميلاد رجم السنهدريم يعقوب حتى الموت بشكل غير قانوني بسبب إيمانه بالمسيح [يسوع].[185]
أصبح إخوة يسوع الآخرين مؤمنين أيضًا، وكانوا نشطين في الكرازة المسيحية، كما نرى من تعليق بولس في 1 كورنثوس 9: 5: إخوة الرب وصفا؟” الآن، كيف يمكن تفسير ذلك؟ من ناحية، يبدو من المؤكد أن إخوة يسوع لم يؤمنوا به خلال حياته؛ من ناحية أخرى، من المؤكد أيضًا أنهم أصبحوا مسيحيين متحمسين ونشطاء في الخدمة. لن يفسر صلب يسوع هذا التحول، لأن إعدام يسوع سيؤكد فقط في ذهن يعقوب أن ادعاءات أخيه بالمسيانية كانت وهمية، تمامًا كما كان يعتقد.
معظمنا لديه إخوة. ما الذي يجعلك تؤمن بأن أخيك هو الرب، حتى تموت من أجل هذا الإيمان، كما فعل يعقوب؟ هل يمكن أن يكون هناك أي شك في أن سبب هذا التحول المذهل هو حقيقة أنه “وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ”؟ حتى ناقد العهد الجديد المتشكك هانز جراس يعترف بأن تحول يعقوب هو أحد الأدلة الأكيدة على قيامة يسوع المسيح.[186]
الرسل أجمعين
الظهور التالي الذي يدونه بولس هو “ِللرُّسُلِ أَجْمَعِينَ”. لا يمكننا التأكد من هوية هذه المجموعة الغامضة، ولكن على الأرجح أنها اقتصرت على دائرة محدودة من المبشرين المسيحيين كانت أوسع إلى حد ما من الاثني عشر. تم إثبات وجود مثل هذه المجموعة في أعمال الرسل 1: 21-22. يتم ضمان الطابع التاريخي لهذا الظهور من خلال اتصال بولس الشخصي بالرسل أنفسهم.
شاول الطرسوسي
الظهور الأخير الذي ذكره بولس مذهل تمامًا مثل الظهور ليعقوب: ” وَآخِرَ الْكُلِّ،” كتب، ” ظَهَرَ لِي أَنَا.” يروي لوقا قصة ظهور يسوع لشاول الطرسوسي (الملقب بولس) خارج دمشق مباشرة في أعمال الرسل 9: 1-9 ويكررها مرتين. إن كون هذا الحدث قد حدث بالفعل تم إثباته بما لا يدع مجالاً للشك من خلال إشارات بولس إليه في رسائله الخاصة.
حادثة طريق دمشق غيرت حياة شاول كلها. كان رابياً، فريسيًا، زعيمًا يهوديًا محترمًا. كان يكره البدعة المسيحية وبذل كل ما في وسعه للقضاء عليها. يقول في رسائله إنه كان مسؤولاً حتى عن إعدام المؤمنين المسيحيين! ثم فجأة تخلى عن كل شيء -بما في ذلك منصبه كزعيم يهودي محترم -وأصبح مبشرًا مسيحيًا. لقد دخل في حياة الفقر والعمل والمعاناة.
تعرض للجلد والضرب والرجم. تُرِكَ ليموت؛ تحطمت السفينة به ثلاث مرات. وظل في خطر دائم وحرمان وقلق. أخيرًا، قدم التضحية القصوى واستشهد لإيمانه في روما. وكان كل هذا لأنه في ذلك اليوم خارج دمشق، رأى “يَسُوعَ رَبَّنَا” (1 كورنثوس 9: 1).
للتلخيص، تثبت شهادة بولس تاريخيًا أن العديد من الأفراد والجماعات في مناسبات مختلفة قد شهدوا ظهور يسوع حياً بعد موته.
الفصلالسابع: الاستنتاجات
تقدم تقارير الإنجيل روايات متعددة ومستقلة لظهورات يسوع بعد الموت، حتى بعض الأشخاص أنفسهم المذكورين في قائمة بولس. هناك العديد من الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من هذه المصادر، والتي تدعمها أيضًا مصادر أخرى غير موجودة في الأسفار القانونية.
يشهد بولس ولوقا بشكل مستقل على ظهور بطرس (1 كورنثوس 15: 5؛ لوقا 24: 34) ومعترف به عالميًا من قبل النقاد على أنه تاريخي. تم إثبات ظهور الاثني عشر بشكل مستقل من قبل بولس ولوقا ويوحنا (1 كورنثوس 15: 5؛ لوقا 24: 36-43؛ يوحنا 20: 19-20) وأيضًا لا يجادل فيه علماء التاريخ. يشهد متى ويوحنا بشكل مستقل على الظهور للنساء (متى 28: 9-10؛ يوحنا 20: 11 -17) ويتمتع أيضًا بالتصديق على معيار الإحراج، نظرًا لتدني المصداقية الممنوحة لشهادة المرأة في ذلك الوقت. يعتقد معظم العلماء أن سبب عدم إدراج هذا الظهور في قائمة الشهود التي اقتبسها بولس هو عدم جدوى الاستشهاد بشهادات الإناث. وأخيرًا، يشهد مرقس ومتى ويوحنا بشكل مستقل على ظهور يسوع للتلاميذ في الجليل. (مرقس 16: 7؛ متى 28: 16-17؛ يوحنا 21)
حدثت الظهورات في أورشليم، ثم الجليل، ثم أورشليم مرة أخرى، مطابقة لرحلة التلاميذ عندما عادوا إلى الجليل بعد عيد الفصح / عيد الفطير في أورشليم ثم سافروا مرة أخرى إلى أورشليم بعد شهرين للاحتفال بعيد العنصرة.
فماذا نستنتج من هذا الدليل؟ يمكننا أن نفسر هذه الظهورات على أنها هلوسة إذا أردنا ذلك، لكن ما لا يمكننا فعله بمسؤولية هو إنكار حدوثها في أي وقت. حتى الناقد الألماني المتشكك جيرد لودمان يؤكد: “يمكن اعتباره مؤكدًا تاريخيًا أن بطرس والتلاميذ قد مروا بتجارب بعد موت يسوع ظهر فيها يسوع لهم على أنه المسيح القائم من بين الأموات.”[187] تثبت الأدلة بحزم أنه في مناسبات منفصلة، اختبر أفراد ومجموعات مختلفة رؤية يسوع حياً من بين الأموات. نادرًا ما يجادل أي عالم تاريخي اليوم في هذا الاستنتاج.
يمكننا أيضًا أن نستنتج أن ظهورات المسيح المُقام كانت ظهورات جسدية ومادية. إن الأدلة التي قدمتها حتى الآن تترك الباب مفتوحًا سواء كانت ظهورات القيامة جسدية أو مجرد أثيرية في طبيعتها. سوف نفحص فيما بعد ما إذا كان من الممكن تفسير حتى تجارب الظهورات ليسوع المُقام من الموت على أسس نفسية بحتة. ولكن إذا كانت الظهورات جسدية ومادية بطبيعتها، فإن تفسيرًا نفسيًا بحتًا يصبح مستحيلًا فعليًا -لذا يجدر طرح السؤال، ما الذي يمكننا معرفته عن طبيعة ظهورات القيامة؟
يشير بولس إلى أن الظهورات كانت جسدية/مادية من ناحيتين. يتصور جسد القيامة كجسد مادي. يدرك جميع المفسرين أن بولس لا يعلم خلود النفس وحدها، بل قيامة الجسد. في 1 كورنثوس 15: 42-44، رسم بولس أربعة تباينات/تناقضات أساسية بين الجسد الأرضي الحاضر وجسد القيامة المستقبلي.
الجسد الأرضي هو:
ولكن جسد القيامة هو:
فان
خالد
مُخز
مُمجّد
ضعيف
قوي
طبيعي او حيواني
روحاني
فقط آخر هذه التباينات قد تقودنا إلى الاعتقاد بأن بولس لم يؤمن بجسد القيامة المادي. لكن يجب أن نسأل ما الذي قصده بولس بالكلمات، التي ترجمتها على أنها “طبيعي / روحاني”؟
الكلمة اليونانية التي تعني “طبيعي”، عند ترجمتها، تعني حرفيًا “روحي”. من الواضح الآن أن بولس لا يعني أن أجسادنا الأرضية مصنوعة من الروح. وبدلاً من ذلك، فإن استخدامه لكلمة “طبيعي/حيواني” يعني “خاضع للطبيعة البشرية أو مُتعلق بها”.
على نفس المنوال، عندما يقول أن أجساد قيامتنا ستكون “روحية”، فإنه لا يعني أنها ستكون من الروح. بالأحرى، فهو يعني “يسيطر عليه الروح أو يتجه نحوه”. إنه نفس المعنى “الروحي” كما هو الحال عندما نقول أن شخصًا ما هو شخص روحي.
يمكننا أن نتأكد من المعنى الذي قصده بولس من خلال النظر إلى الطريقة التي يستخدم بها بولس هذه الكلمات بالضبط في 1 كورنثوس 2: 14-15، قبل عدة إصحاحات وفي نفس الرسالة.
من الواضح أن الشخص الطبيعي لا يعني أنه شخص مادي[ملموس]؛ بدلا من ذلك، شخص موجه نحو الطبيعة البشرية. وبالمثل، لا يعني الشخص الروحي شخصًا غير ملموس وغير مرئي. إنه يشير إلى شخص موجه نحو الروح. نجد نفس التباين في 1 كورنثوس 15. سيتحرر الجسد الأرضي الحالي من سيطرة الطبيعة البشرية الخاطئة وسيصبح، بدلاً من ذلك، مفوضًا وموجهًا بالكامل بواسطة روح الله. لذلك فإن عقيدة بولس عن جسد القيامة تتضمن قيامة جسدية.
الطريقة الثانية التي يشير بها بولس، جنبًا إلى جنب مع بقية العهد الجديد، إلى القيامة الجسدية هي أنه يميز بين ظهور قيامة يسوع ورؤيته. سرعان ما توقفت ظهورات قيامة يسوع، لكن الناس استمروا في رؤية رؤى ليسوع في المجد. والسؤال الآن هو: ما الفرق بين ظهور القيامة ورؤية يسوع؟
يبدو أن إجابة العهد الجديد واضحة: الرؤية، رغم أنها من صنع الله، كانت في ذهن صاحب الرؤيا تمامًا، في حين أن ظهور القيامة كان حدثًا خارج الذهن في العالم الخارجي.
يمكننا مقارنة رؤية اسطفانوس عن يسوع الموصوفة في أعمال الرسل 7 بمختلف ظهورات قيامة يسوع. رأى اسطفانوس رؤيا لرجل -وليس رجلاً كان حاضرًا جسديًا، لأنه لم يختبر أي شخص آخر أي شيء على الإطلاق -وكانت تجربة خاصة تمامًا. على النقيض من ذلك، لم تكن ظهورات القيامة تجارب ذاتية داخلية – بل بالعكس يمكن أن يختبرها أي شخص كان هناك.
كانت لدى بولس رؤى عن يسوع في حياته كمسيحي. ولكن يمكنه أن ينظر بشكل صحيح إلى تجربته على طريق دمشق على أنها ظهور لقيامة يسوع بدلاً من كونها رؤية، على الرغم من أنها حدثت بعد صعود يسوع، لأنها تضمنت ظواهر في العالم الخارجي، مثل النور والصوت، الذي اختبره رفقاء بولس في السفر بدرجات متفاوتة. لذلك، فإن التمييز بين الرؤية وظهور القيامة يعني أيضًا أن ظهورات القيامة كانت جسدية.
الآن، تُظهِر تقارير ظهورات-الإنجيل أيضًا أن الظهورات كانت جسدية ومادية؛ في الواقع، كل ظهور للقيامة مذكور في الأناجيل يشهد بالإجماع على الظهور الجسدي والمادي. إذا فكرت في الأمر، فهذا مثير للإعجاب حقًا؛ لو لم يكن أي من الظهورات الأصلية ظهورًا جسديًا ماديًا، فسيكون من الغريب جدًا الحصول على شهادة بالإجماع تمامًا في الأناجيل بأن جميعها كانت جسدية، دون أي أثر للظهورات الأصلية المفترضة. من غير المحتمل أن يحدث مثل هذا الفساد الشامل للتقاليد الشفوية في وقت قصير جدًا، خاصةً عندما كان شهود العيان الأصليون لا يزالون موجودين.
الآن، إذا كانت جميع الظهورات في الأصل رؤى غير مادية، فإننا في حيرة من أمرنا لشرح ظهور/وجود روايات الظهورات في الإنجيل. لأن الظهورات الجسدية والمادية ستكون حماقة بالنسبة للأمم وعثرة لليهود -حيث لا يمكن لأي منهما أن يتبنى فكرة القيامة الجسدية للموتى -لكن كلاهما كان سيكون سعيدًا جدًا لقبول ادعاءات الظهورات الرؤيوية للمتوفى.
بكل صدق، علينا أن نقول إن الأساس الوحيد لإنكار الطبيعة الجسدية والمادية لظهورات يسوع بعد وفاته ليس تاريخيًا، بل فلسفيًا؛ أي أن مثل هذه الظهورات ستكون معجزات هائلة، ولا يستطيع العديد من النقاد ببساطة استيعاب هذا الادعاء. ولكن إذا كانت هذه هي المشكلة، فنحن بحاجة إلى العودة إلى الميدان الأول والتفكير في مسألة وجود الله؛ إذا كان الله موجودًا، فلا يوجد سبب وجيه للشك في المعجزات. لأنه كما عبر الفيلسوف اللاأدري بيتر سليزاك Peter Slezak بلطف في مناقشتنا حول وجود الله، بالنسبة لإله قادر على خلق الكون بأسره، فإن القيامة الفردية ستكون لعبة أطفال! لسوء الحظ، لم يتم تدريب معظم علماء العهد الجديد في الفلسفة، وبالتالي يرتكبون أخطاء طفولية عندما يتعلق الأمر بهذه الأسئلة.
على أساس الأدلة المذكورة أعلاه، يمكننا أن نستنتج أن حقيقة ظهورات يسوع بعد وفاته للعديد من الأفراد والجماعات في ظل ظروف متنوعة ثابتة تاريخياً، وعلاوة على ذلك، فإن هذه الظهورات كانت جسدية ومادية.
الجزءالثالث: أصلالإيمانالمسيحي
نأتي الآن إلى الحقيقة الثالثة التي يجب شرحها: أصل الإيمان المسيحي. يعلم الجميع أن المسيحية نشأت في منتصف القرن الأول الميلادي، لكن هذا يثير السؤال الواضح: لماذا نشأت؟ ما سبب بدء هذه الحركة؟ حتى علماء العهد الجديد المتشككون يدركون أن الإيمان المسيحي يدين بأصله إلى اعتقاد التلاميذ الأوائل أن الله قد أقام يسوع من بين الأموات. في الواقع، لقد ربطوا كل شيء تقريبًا بهذا الاعتقاد.
الفصلالثامن: إدانةوتجريمالمسياالمنتظر
لم يكن لدى اليهود أي تصور على الإطلاق عن المسيا الذي، بدلاً من الانتصار على أعداء إسرائيل، سيتم إعدامه بشكل مخجل كمجرم. كان من المفترض أن يكون المسيا شخصية مظفرة يحظى باحترام اليهود والأمم على حد سواء، ويؤسس عرش داود في أورشليم. ومع ذلك، كان تلاميذ يسوع مقتنعين بعمق بأنه المسيا الموعود به -المسيا الذي فشل في أن يخلص ويملك. تعرض للهزيمة والإذلال والقتل على يد أعدائه؛ وكان مناقضاً للأوصاف. لا تتحدث النصوص اليهودية القديمة في أي مكان عن هذا النوع من “المسيا”. لذلك من الصعب المبالغة في حجم الكارثة التي كان من الممكن أن يسببها صلب يسوع للتلاميذ. لم يكن الأمر مجرد رحيل معلمهم المحبوب. بالأحرى، كان موت يسوع على الصليب يعني الهزيمة الساحقة لأي آمال كانت لديهم في أنه المسيا المنتظر.
إذن كيف استمرت حركة يسوع؟ توصل التلاميذ فجأة وبصدق إلى الإيمان بأن الله قد أقام يسوع من بين الأموات. قلبت قيامة يسوع كارثة الصلب رأساً على عقب. منذ أن أقام الله يسوع من بين الأموات، كان يُنظر إلى يسوع على أنه المسيا في نهاية المطاف.
لذلك، يعلن بطرس في أعمال الرسل 2: 23، 36: “هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. . .. فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا”. على أساس الإيمان بقيامته استطاع التلاميذ أن يؤمنوا أن يسوع هو في الحقيقة المسيا.
ليس من المستغرب إذن أن يكون الإيمان بقيامة يسوع عالميًا في الكنيسة الأولى. يُظهر التقليد الذي يستشهد به بولس في كورنثوس الأولى 15: 3-7، والذي يُعرِّف الإنجيل بأنه موت ودفن وقيامة وظهورات المسيح، أن هذا الفهم للإنجيل يعود إلى بداية الكنيسة في أورشليم.
إيمان القيامة نفسه
وهكذا، فإن أصل الحركة المسيحية يتوقف على اعتقاد التلاميذ الأوائل أن الله قد أقام يسوع من بين الأموات. لكن الآن لا يمكن تجنب السؤال الواضح: كيف نفسر أصل هذا الاعتقاد؟ كما يقول R.H. Fuller، حتى أكثر النقاد تشككًا يجب أن يفترض وجود X غامض لبدء الحركة.[188] لكن السؤال هو: ماذا كان X هذا؟
ملخص
قبل المضي قدمًا، دعونا نراجع جميع نقاطنا الرئيسية الثلاثة:
أولاً، رأينا أن عدة خطوط من الأدلة التاريخية تثبت أن قبر يسوع وجدته فارغًا مجموعة من أتباعه النساء.
ثانيًا، رأينا أن عدة خطوط من الأدلة التاريخية تثبت أنه في مناسبات عديدة وفي أماكن مختلفة، رأى العديد من الأفراد والجماعات ظهورات ليسوع حياً من بين الأموات.
وأخيرًا، ثالثًا، رأينا أن أصل الإيمان المسيحي يعتمد على إيمان التلاميذ الأوائل بأن الله قد أقام يسوع الناصري من بين الأموات.
تمثل هذه الحقائق الثلاث العظيمة التي تم تأسيسها بشكل مستقل رأي الأغلبية لنقاد العهد الجديد اليوم. النقطة الوحيدة للخلاف الجاد ستكون على الطبيعة المادية لظهورات القيامة. لكن الوضع الحالي للمنح الدراسية يدعم بقوة الحقائق الثلاث كما ذكرتهم. هذه ليست مجرد استنتاجات علماء محافظين أو إنجيليين؛ هذه هي الاستنتاجات التي توصل إليها نقد العهد الجديد العام. كما رأينا، فإن ثلاثة أرباع العلماء الذين كتبوا عن هذا الموضوع يقبلون حقيقة القبر الفارغ؛ عمليا لا أحد ينكر اليوم أن التلاميذ الأوائل قد اختبروا ظهورات يسوع بعد الوفاة. وأبعد جدا من ذلك، يتفق معظم العلماء على أن التلاميذ الأوائل اعتقدوا على الأقل أن الله قد أقام يسوع من بين الأموات. والناقد الذي ينكر هذه الحقائق يجد نفسه اليوم في موقف دفاعي.
الفصلالتاسع: التناقضات
لذلك لا داعي للقلق بشأن التناقضات في التفاصيل الظرفية لروايات القيامة في الأناجيل. حجة تاريخية قيامة يسوع لا تعتمد على مثل هذه التفاصيل. تشهد الأناجيل الأربعة على الحقائق المفتاحية الأساسية؛ يمكن توفير المزيد من التفاصيل عن طريق إضافة الحقائق الموثقة في ثلاثة من أصل أربعة.
التناقضات البسيطة في روايات القيامة لا تؤثر على حالتنا هنا، في الواقع، يتوقع المؤرخون العثور على تناقضات حتى في أكثر المصادر موثوقية. لا يوجد مؤرخ يتجاهل ببساطة مصدرًا لأنه يحتوي على تناقضات؛ وبهذا الشكل، يجب أن نكون متشككين بشأن جميع الروايات العلمانية والتاريخية التي تحتوي أيضًا على مثل هذه التناقضات. والنتيجة ستكون شكاً تاريخياً غير معقول على الإطلاق.
علاوة على ذلك، في حالة الأناجيل، فإن التناقضات ليست حتى داخل مصدر واحد. إنها بين مصادر مستقلة. ومن الواضح أنه لا يتم استنتاج من وجود تناقض بين مصدرين مستقلين أن كلا المصدرين على خطأ؛ في أسوأ الأحوال، يكون أحد المصدرين مخطئًا إذا تعذر تحقيق الانسجام بينهما.
المسألة المتبقية، إذن، هي كيف يتم شرح الحقائق الثلاث الراسخة التي ذكرتها على أفضل وجه.
الجزءالرابع: شرحالدليل
ننتقل بإسهاب إلى الخطوة الثانية في حالتنا: تحديد أفضل تفسير للأدلة.
الفصلالعاشر: تقييمالفرضيات
المؤرخون يزنون العوامل المختلفة في تقييم الفرضيات المتنافسة.
التفسير الأفضل هو الذي له نطاق تفسيري أكبر من التفسيرات الأخرى. وهذا يعني أنه يشرح الكثير من الأدلة.
التفسير الأفضل هو الذي له قوة تفسيرية أكبر من التفسيرات الأخرى. أي أنه يجعل الأدلة أكثر احتمالاً.
أفضل تفسير هو الذي له منطقية تفسيرية أكثر من التفسيرات الأخرى. أي أنه يتناسب بشكل أفضل مع المعتقدات الحقيقية المعروفة مسبقاً.
أفضل تفسير هو الأقل اختراعًا من التفسيرات الأخرى. وهذا يعني أنه لا يتطلب تبني العديد من المعتقدات الجديدة التي ليس لدينا دليل مستقل عليها.
أفضل تفسير هو الذي إذا تعارض فلا يكون نطاق تعارضه كبير مع الأدلة مقارنة بالتفسيرات الأخرى. وهذا يعني أنه لا يتعارض مع العديد من المعتقدات المقبولة.
أفضل تفسير يلبي الشروط من 1 إلى 5 أفضل بكثير من التفسيرات الأخرى بحيث لا توجد فرصة كبيرة في أن يكون أحد التفسيرات الأخرى، بعد مزيد من التحقيق، أفضل في تلبية هذه الشروط.
نظرًا لأن الفرضيات المقترحة قد تؤدي بشكل جيد حقًا في تلبية بعض هذه المعايير ولكنها ليست جيدة في تلبية المعايير الأخرى، فإن اكتشاف الفرضية التي هي أفضل تفسير قد يكون صعبًا ويتطلب مهارة. ولكن إذا كان النطاق التوضيحي وقوة الفرضية عظيمين للغاية، وتقوم بعمل أفضل بكثير في شرح مجموعة متنوعة من الحقائق، فمن المحتمل أن تكون هذه الفرضية هي التفسير الأفضل.
والآن بعد أن غطينا كيفية تقييمنا، دعنا الآن نطبق هذه المعايير على الفرضيات النموذجية التي تم تقديمها عبر التاريخ لشرح القبر الفارغ، وظهورات ما بعد الوفاة، وأصل إيمان التلاميذ بقيامة يسوع. باستخدام معيار التقييم هذا، كل فرضية لديها نفس الفرصة للقيام بعمل أفضل أو كذلك في شرح هذه الحقائق مثل فرضية القيامة بأن الله أقام يسوع من بين الأموات.
الفصلالحاديعشر: فرضيةالمؤامرة
وفقًا لفرضية المؤامرة، سرق التلاميذ جسد يسوع من القبر ثم كذبوا على الناس بشأن ظهوراته، لذا كانت قيامة يسوع خدعة. كان هذا هو التفسير الأول المضاد للقبر الفارغ، المذكور في إنجيل متى، وأعاد الربوبيون الأوروبيون إحياء هذا التفسير خلال القرن الثامن عشر. اليوم، ومع ذلك، تم التخلي عن هذه الفرضية تمامًا من خلال الدراسات الحديثة. لمعرفة السبب، دعنا نطبق عليها المعايير القياسية لاختبار الفرضيات التاريخية.
النطاق التوضيحي: تقدم فرضية المؤامرة تفسيرات للمجموعة الكاملة من الأدلة: فهي تقدم شرحًا للقبر الفارغ (أي أن التلاميذ سرقوا جسد يسوع)؛ ظهورات ما بعد الوفاة (اختلقها التلاميذ)؛ وأصل إيمان التلاميذ (المفترض) بقيامة يسوع (مرة أخرى، اختلقوها). السؤال هو ما إذا كانت هذه التفسيرات تلبي المعايير المتبقية.
القوة التفسيرية: إذن ماذا عن القوة التفسيرية لفرضية المؤامرة؟ أولاً، تأملوا حقيقة القبر الفارغ؛ إذا كان التلاميذ قد سرقوا جسد يسوع، فلماذا يختلقون قصة عن نساء يكتشفن القبر فارغًا؟ لن تكون هذه هي نوعية القصص التي قد يخترعها الرجال اليهود. علاوة على ذلك، تقوم فرضية المؤامرة بعمل ضعيف في شرح بساطة قصة القبر الفارغ. أين هي نصوص العهد القديم والنبوات التي تحققت؟ لماذا لا يوجد وصف لقيامة يسوع كما نجد في حالات تزوير لاحقة مثل إنجيل بطرس؟ علاوة على ذلك، فإن فرضية المؤامرة لا تفسر الجدل بين اليهود المسيحيين واليهود غير المسيحيين جيدًا؛ إذا كان التلاميذ قد اختلقوا للتو قصة الحارس عند القبر، فلماذا لا يروي إنجيل مرقس القصة؟ حتى في قصة متى، تم تعيين الحارس بعد فوات الأوان لمنع سرقة الجسد: كان من الممكن أن يكون التلاميذ قد سرقوه قبل وصول الحارس صباح السبت، بحيث كان في الواقع يحرس قبرًا فارغًا! لترى كيف ستبدو القصة المخترعة، انظر مرة أخرى إنجيل بطرس المزيف، حيث تم تعيين الحارس على الفور يوم الجمعة، عندما يتم دفن يسوع.
تواجه فرضية المؤامرة أيضًا مشكلة في تفسير الأدلة الخاصة بالظهورات. من المحتمل أن يصف الشخص اليهودي الذي يختلق مثل هذه القصص ظهورات قيامة يسوع من حيث رؤى الله، وأوصاف قيامة نهاية الزمان في العهد القديم (كما في دانيال2 :12 ) ولكن بعد ذلك، ألا تصف القصص ظهور يسوع للتلاميذ بمجد باهر؟ ولماذا لم يتم وصف القيامة نفسها؟ لماذا لا توجد قصص مختلقة عن ظهورات لرئيس الكهنة قيافا أو لأعضاء السنهدريم، كما تنبأ يسوع؟ إن اختلاق قصص عن كيفية ظهور يسوع لهم -أعضاء السنهدريم-سيكون له ميزة أنه يمكن بعد ذلك وصفهم بأنهم الكذابون الحقيقيون، وليس التلاميذ، لأنهم ينكرون أنّ يسوع ظهر لهم!
لكن فرضية المؤامرة هي بلا شك الأضعف عندما يتعلق الأمر بشرح أصل إيمان التلاميذ بقيامة يسوع. لأن الفرضية تنفي هذه الحقيقة حقًا؛ بدلاً من ذلك، تسعى فقط إلى شرح سبب لماذا يبدو أن التلاميذ يؤمنون بقيامة يسوع. ولكن كما اعترف العلماء عالميًا، لا يمكنك إنكار أن التلاميذ الأوائل على الأقل آمنوا بصدق أن الله قد أقام يسوع من بين الأموات بقناعة كبيرة لدرجة أنهم كانوا على استعداد للموت من أجل هذا الاعتقاد. لا يمكن تفسير التحول في حياة التلاميذ بشكل معقول بالقول إنهم كذابون ومخادعون. لقد أدت هذه المشكلة وحدها إلى إغراق فرضية المؤامرة القديمة إلى الأبد.
المعقولية: يزداد الأمر سوءًا عندما نصل إلى معقولية فرضية المؤامرة. هنا قد نذكر الاعتراضات على التعقيد غير المعقول لمثل هذه المؤامرة أو عدم احتمال أن يكون التلاميذ مُعرّضين نفسيًا لمثل هذه المؤامرة؛ لكن المشكلة التي تجعلها تافهة هي أنه من غير المناسب تمامًا تخيل أن يهود القرن الأول سيحاولون انتحال قيامة يسوع.
كما ترى، تنظر فرضية المؤامرة إلى التلاميذ في بأثر رجع من اللاهوت المسيحي بدلاً من أن تنظر إليهم على أنهم يهود من القرن الأول. في اليهودية القديمة، لم يكن هناك تصور عن المسيا الذي، بدلاً من قهر أعداء إسرائيل وإعادة تأسيس عرش داود في أورشليم، سيتم إعدامه بشكل مخجل على يد أعدائه كمجرم. علاوة على ذلك، فإن فكرة القيامة من بين الأموات لم تكن ذات صلة بفكرة المسيا بل وحتى غير متوافقة معها، حيث لم يكن من المفترض أن يُقتل المسيا! كما قال مؤرخ العهد الجديد البريطاني إن تي رايت N. T. Wright بشكل جيد، إذا كنت يهوديًا من القرن الأول، والمسيا المفضل لديك قد لقى حتفه بالصلب، فلديك خياران أساسيان: إما أن تعود إلى المنزل، أو تحصل على مسيا جديد لنفسك. لكن التلاميذ لم ليكونوا ليأتوا أبدًا بالفكرة الغريبة وغير اليهودية لسرقة جثة يسوع والقول إن الله أقامه من بين الأموات.
يقترح العديد من المؤيدين للتشابهات اليوم أن المسيحيين الأوائل قد توصلوا إلى فكرة قيامة يسوع من خلال تأثير الأساطير الوثنية. بالعودة إلى مطلع القرن العشرين، قام العلماء في الدين المقارن بمسح أدب الأساطير القديمة بحثًا عن أوجه تشابه مع المعتقدات المسيحية، حتى أن البعض فكر في تفسير المعتقدات المسيحية، مثل الإيمان بقيامة يسوع، كنتيجة لتأثير مثل هذه الأساطير. سرعان ما انهارت الحركة لسببين: الأساطير لم تكن متوازية حقًا ولم تكن هناك علاقة سببية.
المتوازيات
كما ترى، كان العالم القديم عبارة عن وفرة من أساطير العديد من الآلهة والأبطال. تتطلب الدراسات المقارنة في الدين حساسية من جانب العالم لأوجه الشبه والاختلاف بينهم. وإلا فإن النتيجة هي تشويه وتشويش لا مفر منه.
لسوء الحظ، فشل العلماء المتحمسون لإيجاد أوجه تشابه مع قيامة يسوع عند ممارسة مثل هذه الحساسية، لذا فإن العديد من أوجه التشابه المفترضة هي في الواقع قصص عن انتقال البطل إلى السماء (هركليز/هرقل Hercules، رومولوس Romulus). البعض الآخر عبارة عن قصص اختفاء، تدعي أن البطل قد اختفى في عالم أعلى (بليناس الحكيم Apollonius of Tyana، أمبادوقليس Empedocles). لا يزال البعض الآخر مجرد رموز موسمية لدورة المحاصيل، حيث تموت المحاصيل في موسم الجفاف وتعود للحياة في موسم الأمطار (تموز Tammuz، أوزوريس Osiris، أدونيس Adonis). وأخيرًا، بعض التعبيرات السياسية عن عبادة الإمبراطور (يوليوس قيصر Julius Caesar، قيصر أوغسطس Caesar Augustus).
لا توجد في أي من هذه الأفكار موازاة للفكرة اليهودية عن قيامة الموتى. في الواقع، تشكك معظم العلماء فيما إذا كانت هناك بالفعل أية أساطير عن موت الآلهة وقيامها على الإطلاق في الشرق الأدنى القديم. على سبيل المثال، في أسطورة أوزوريس، التي كانت واحدة من أشهر الأساطير الرمزية الموسمية، لم يعد أوزوريس حقًا إلى الحياة -إنه يستمر في الوجود في عالم الموتى.
بشكل عام، أدرك العلماء أن الأساطير الوثنية هي مجرد إطار تفسيري خاطئ لفهم يسوع الناصري بشكل صحيح. كان يسوع وتلاميذه من اليهود الإسرائيليين في القرن الأول، وفي هذا السياق يجب فهمهم. إن زيف المتوازيات المزعومة هو أحد المؤشرات المحددة على أن الأساطير الوثنية هي سياق تفسيري خاطئ لفهم إيمان التلاميذ بقيامة يسوع.
العلاقات السببية
لذلك مع وضع هذه النقطة في الاعتبار، لم تكن هناك علاقة سببية بين الأساطير الوثنية وإيمان التلاميذ بقيامة يسوع. كان اليهود بالتأكيد على دراية بالآلهة الموسمية (حزقيال 37: 1-14) . . . ووجدوهم بغيضين. لهذا السبب، لا نجد أي أثر للطوائف التي تؤمن بـ الآلهة المائتة والقائمة من الموت في إسرائيل في القرن الأول.
على أي حال، من المستبعد جدًا أن يأتي تلاميذ يسوع بفكرة أن يسوع قد قام من الموت لأنهم سمعوا أساطير وثنية عن موت الآلهة الموسمية وقيامتها. نتيجة لذلك، تخلى علماء التاريخ عن هذا النهج.[190] إن استمرار تكرار مثل هذه الفرضية إلى ما لا نهاية حتى اليوم في الأدب الشعبي هو شهادة محزنة على الهوة القائمة بين العمل الأكاديمي حول يسوع والثقافة الشعبية.[191]
إذا لم يكن تأثير الأساطير الوثنية هو مصدر فكرة قيامة يسوع، فماذا عن التأثيرات اليهودية؟ لقد آمن اليهود بالفعل بقيامة الأموات. ربما جاء التلاميذ بفكرة تقول بأن يسوع قد قام نتيجة لتأثير المعتقدات اليهودية حول الحياة الآخرة؟
مرة أخرى، هذا غير مرجح، لأن عقيدة القيامة اليهودية اختلفت على الأقل بطريقتين أساسيتين عن قيامة يسوع؛ بكل بساطة، اختلفت في متى ومَن.
اعتقد اليهود أن القيامة إلى المجد والخلود لن تتم إلا بعد نهاية العالم. لم يكن لديهم فكرة عن القيامة في التاريخ، ناهيك عن الإيمان بها. لا عجب إذن أن التلاميذ كانوا مرتبكين للغاية من تنبؤات يسوع عن قيامته -بطبيعة الحال، اعتقدوا أنه كان يتحدث عن القيامة في نهاية العالم. في مرقس 9: 9-11، على سبيل المثال، قيل لنا ما يلي:
تنبأ يسوع بقيامته، وماذا سأل التلاميذ؟ ” لِمَاذَا يَقُولُ الْكَتَبَةُ: إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلًا؟” اعتقد اليهود أن النبي إيليا سيأتي مرة أخرى قبل يوم الرب، يوم القيامة الذي سيقام فيه الأموات. لم يكن لدى التلاميذ أي فكرة عن حدوث القيامة قبل نهاية العالم؛ لذلك، فإن نبوءات يسوع عن قيامته هي التي أربكتهم.
لذلك، بالنظر إلى عقليتهم اليهودية، فإن التلاميذ بعد صلب يسوع لم يأتوا بفكرة أنه قد قام بالفعل من بين الأموات. كانوا يتطلعون فقط إلى القيامة في يوم القيامة الأخير، وتماشياً مع الممارسات اليهودية، ربما احتفظوا بقبره كضريح حيث يمكن أن ترتاح عظامه حتى القيامة.[192]
يعتقد اليهود الآن أيضًا أن القيامة هي قيامة جميع الأموات الصالحين -وليس القيامة المنفردة لفرد. علاوة على ذلك، لم تكن هناك علاقة بين قيامة المؤمن الفردية وقيامة المسيا السابقة، وفي الواقع، لم يكن هناك أي إيمان بقيامة المسيا السابقة على الإطلاق. لهذا السبب لا نجد أمثلة على حركات مسيانية أخرى تدعي أن زعيمها الذي تم إعدامه قد قام من بين الأموات. لقد أكد إن تي رايت هذه النقطة:
كل أتباع تلك الحركات المسيانية في القرن الأول كانوا ملتزمين بتعصب للقضية. . . ولكن لم نسمع بأي حال من الأحوال خلال القرن الذي سبق يسوع والقرن الذي تلاه عن أي جماعة يهودية تقول إن زعيمها الذي تم إعدامه قد قام من بين الأموات، وأنه في الحقيقة هو المسيا المنتظر بعد كل شيء.[193]
لم يكن لدى اليهودية القديمة مكان لقيامة فرد منعزل، وخاصة المسيا. لذلك، بعد صلب يسوع ودفنه، كان كل ما استطاع التلاميذ فعله هو الانتظار بشوق إلى قيامة الأموات العامة حتى يتحدوا بـ سيدهم.
إذا تُرك التلاميذ وفقًا لأفكارهم الخاصة، فلن يأتوا بفكرة أن الله، على عكس المعتقدات اليهودية، قد أقام يسوع من بين الأموات. هذه النقطة لا تقوض فقط نظريات المؤامرة، التي تتخيل أن التلاميذ أعلنوا بصدق قيامة يسوع، ولكن أيضًا أي نظرية تشير إلى أنهم، على أساس التأثيرات الوثنية أو اليهودية، يؤمنون بصدق بقيامته ويكرزون بها.
أقل اختراعًا: فرضية المؤامرة -مثل كل نظريات المؤامرة في التاريخ -مفتعلة في افتراض أن ما تدعمه جميع الأدلة هو، في الواقع، مجرد مظهر فقط، يمكن تفسيره بعيدًا من خلال فرضيات لا يوجد دليل عليها. على وجه التحديد، فإنها تفترض الدوافع والأفكار والأفعال من جانب التلاميذ الأوائل والتي ليس لدينا دليل عليها. يمكن أن تصبح مفتعلة بشكل متقن، حيث يتم مضاعفة الفرضيات لصد الاعتراضات على النظرية؛ على سبيل المثال، افتراض تواطؤ هائل لتفسير الظهور لـخمسمائة من الإخوة، أو اختراع أسباب لشرح الدور غير المتوقع للمرأة في القبر الفارغ وقصص الظهورات.
تم رفضها من خلال عدد أقل من المعتقدات المقبولة: فرضية المؤامرة مرفوضة من خلال معرفتنا العامة بالمؤامرات، لأنها تميل إلى أن تكون غير مستقرة وتتفكك بمرور الوقت. علاوة على ذلك، فإن الفرضية غير مؤكدة من خلال المعتقدات المقبولة على نطاق واسع حول صدق التلاميذ،[194] والتوقعات اليهودية المسيانية في القرن الأول، وما إلى ذلك.
تتجاوز الفرضيات الأخرى في تحقيق الشروط 1-5: من الواضح أن هذا الشرط لم يتحقق، لأن هناك فرضيات (مثل فرضية الهلوسة)، والتي لا تستبعد إيمان التلاميذ بقيامة يسوع باعتباره كذبة فاضحة وبالتالي تقوم بعمل أفضل لتلبية المعايير.
لا يوجد عالم يدافع عن فرضية المؤامرة اليوم. المكان الوحيد الذي تقرأ فيه عن مثل هذه المفاهيم هو في الصحافة الشعبية والإثارة أو على الإنترنت.
الفصلالثانيعشر: فرضيةالموتالظاهري/تزييفالموت
طرح نقاد الكتاب المقدس فرضية الموت الظاهري في أوائل القرن التاسع عشر. اقترحوا أنه عندما أُنزل يسوع عن الصليب، لم يكن ميتًا حقًا، بل فاقدًا للوعي فقط. ثم عاد إلى الحياة في القبر وهرب بطريقة ما لإقناع تلاميذه بأنه قام من الموت. مرة أخرى، دعونا نرى كيف تسير هذه الفرضية عند تقييمها وفقًا لمعاييرنا للحصول على أفضل تفسير:
النطاق التوضيحي: تقدم فرضية الموت الظاهري تفسيرات للقبر الفارغ، وظهورات ما بعد الوفاة، وأصل إيمان التلاميذ بقيامة يسوع، وبالتالي فإن لها نطاقًا توضيحيًا مناسبًا. وهذه نقطة لصالحها.
القوة التفسيرية: هنا تبدأ النظرية في الانهيار. كانت بعض فرضيات الموت الظاهري التي قدمها النقاد في الواقع نسخًا من فرضية المؤامرة القديمة. بدلاً من سرقة الجسد، كان من المفترض أن يكون التلاميذ (وأحيانًا يسوع نفسه!) جزءًا من مؤامرة لتزييف موت يسوع على الصليب. وبالتالي، فإن هذه النسخ من النظرية تشترك في جميع نقاط الضعف في فرضية المؤامرة.
كانت النسخة غير التآمرية للنظرية هي أن يسوع نجا من الصلب بمجرد الحظ. هذا الإصدار من الفرضية مُثقل أيضًا بمشاكل مستعصية؛ على سبيل المثال، كيف تفسر قبر يسوع الفارغ، حيث أن الرجل المحبوس في الداخل لا يستطيع تحريك الحجر الضخم الموجود فوق المدخل؟ كيف تفسر ظهورات يسوع من بين الأموات، حيث إن نصف ميت في حاجة ماسة إلى رعاية طبية ما كان ليقود التلاميذ إلى الاعتقاد بأنه الرب القائم من بين الأموات وغالب الموت؟ كيف تفسر أصل إيمان التلاميذ بقيامة يسوع بما أن رؤيتهم له مرة أخرى ستقودهم فقط إلى استنتاج أنه تمكن من خداع الموت، وليس أنه قام من بين الأموات على عكس الفكر اليهودي (وكذلك أعينهم)؟
المعقولية: فرضية الموت الظاهري غير قابلة للتصديق بشكل رهيب. يمكن الاعتماد على الجلادين الرومان للتأكد من موت ضحاياهم! نظرًا لأنه من الصعب تمييز اللحظة الدقيقة للموت بالصلب، فإن الجلادين الرومان يضمنون أحيانًا الموت بحربة في جانب الضحية. هذا ما حدث في حالة يسوع (يوحنا 19: 34). علاوة على ذلك، فإن السيناريو الذي تتخيله الفرضية يكاد يكون مستحيلًا من الناحية الطبية.
يروي المؤرخ اليهودي يوسيفوس كيف تم صلب ثلاثة رجال من معارفه، تمكن من إنزالهم من صلبانهم. على الرغم من تقديم أفضل رعاية طبية، توفي اثنان من الثلاثة على أي حال.[195] كان مدى تعذيب يسوع لدرجة أنه لم يستطع أن ينجو من صلبه ودفنه. وفكرة أن رجلاً مصابًا بجروح خطيرة بعد ذلك يظهر للتلاميذ في مناسبات مختلفة في كل من أورشليم والجليل هي مجرد فكرة خيالية.
أقل اختراعًا: يمكن أن تصبح فرضية الموت الظاهري، خاصة في نسخها التآمرية، مفتعلة بشكل لا يصدق. من المفترض أن نتخيل مجتمعات سرية تتآمر لتزييف موت يسوع، والجرعات التي يتم إعطاؤها خلسة، والتحالفات التآمرية بين تلاميذ يسوع وأعضاء السنهدريم، وما إلى ذلك، كل ذلك بدون أي دليل يدعمه.
تم رفضها من خلال عدد أقل من المعتقدات المقبولة: فرضية الموت الظاهري غير مؤكدة بشكل كبير من خلال ما يخبرنا به علم الأحياء والطب الحديث عن أمراض شخص تعرض للجلد والصلب. كما أن الدليل الإجماعي على أن يسوع لم يستمر في العيش بين تلاميذه بعد صلبه يؤكد هذا الأمر.
تتجاوز الفرضيات الأخرى في تحقيق الشروط 1-5: فرضية الموت الظاهري تفشل تمامًا في هذا المعيار. لا يوجد أي مدافعين عنها تقريبًا بين مؤرخي العهد الجديد اليوم.
الفصلالثالثعشر: فرضيةنقلالجسدمنالقبر
كانت إحدى المحاولات اليهودية الحديثة القليلة لشرح الحقائق المتعلقة بمصير يسوع اقتراح جوزيف كلاوسنر في عام 1922 بأن يوسف الرامي وضع جسد يسوع في قبره بشكل مؤقت فقط، بسبب تأخر الساعة وقرب قبر عائلته من مكان صلب يسوع. يذهب كلاوسنر ليقول إن يوسف نقل الجثة في وقت لاحق إلى المقبرة العامة المخصصة للمجرمين. غير مدركين أن جسد يسوع قد تم نقله، وجد التلاميذ غير العالمين بالنقل القبر فارغًا، واستدلوا على أن يسوع قد قام من بين الأموات.
على الرغم من عدم وجود علماء يدافعون عن فرضية كلاوسنر اليوم، فقد رأيت محاولات على الإنترنت لإحيائها. تتجلى نقاط ضعفها في ضوء ما قلته بالفعل عن النظريات الأخرى:
النطاق التوضيحي: تحاول فرضية الجسد المنقول شرح القبر الفارغ، لكنها لا تقول شيئًا عن ظهورات ما بعد الوفاة وأصل إيمان التلاميذ بقيامة يسوع. يجب اعتماد فرضيات مستقلة لشرح النطاق الكامل للأدلة.
القوة التفسيرية: من الواضح أن فرضية كلاوسنر ليس لها قوة تفسيرية فيما يتعلق بالظهورات أو أصل الإيمان المسيحي. ولكن ماذا عن القبر الفارغ؟ هنا تواجه الفرضية مشكلة واضحة إلى حد ما: منذ أن عرف يوسف، وكذلك أي خدم يساعده، ما فعلوه بالجثة، كانت النظرية في حيرة من أمرها لتفسير سبب عدم تصحيح خطأ التلاميذ الفادح بمجرد أن بدأوا في إعلان أن يسوع قد قام من الموت -ما لم يلجأ المرء، أي، إلى التخمينات المفتعلة لتفادي هذا الأمر، أن يوسف وخدمه ماتوا فجأة بعد نقل الجسد!
في بعض الأحيان، يعترض الناس بالقول إنه لا يمكن أن يتم تصحيح خطأ التلاميذ، لأن جسد يسوع كان سيتحلل بشكل لا يمكن التعرف عليه. لذلك، كان من غير المجدي أن تشير السلطات اليهودية إلى المكان الحقيقي لجثة يسوع؛ ومع ذلك، هذا ليس صحيحًا أيضًا. عادة ما تضمنت عادات الدفن اليهودية الحفر لجلب عظام المتوفى بعد مرور عام ووضعها في صندوق عظام.[196]
لذلك تمت ملاحظة المقابر بعناية، حتى بالنسبة للمجرمين.[197] وبالتأكيد، كان يمكن التعرف على جثة الرجل المصلوب من الإصابات التي لحقت به. على أي حال، فإن الاعتراض يخطئ النقطة المركزية: لم تكن الخلافات اليهودية/المسيحية المبكرة بشأن قيامة يسوع حول مكان قبره أو هوية الجثة، ولكن حول سبب كون القبر فارغًا. فكان بديل القيامة هو السرقة. لو كان يوسف الرامي قد نقل الجثة، لكان الجدل اليهودي/المسيحي قد اتخذ مسارًا مختلفًا تمامًا عن المسار الذي اتخذه.
المعقولية: فرضية الجسد المنقول غير قابلة للتصديق من عدة نواحٍ. بقدر ما يمكننا الاعتماد على المصادر اليهودية، كانت مقبرة المجرمين على بعد أقل من ستمائة ياردة من موقع صلب يسوع. علاوة على ذلك، كانت اللوائح اليهودية تتطلب دفن المجرمين الذين تم إعدامهم على الفور في يوم إعدامهم.[198] لذلك، كان من الممكن أن يضع يوسف الجسد مباشرة في مقبرة المجرمين، وبذلك يستبعد أي حاجة لنقله لاحقًا أو تدنيس قبر عائلته بجثة مجرم. في الواقع، نهى القانون اليهودي في الواقع نقل الجثة في وقت لاحق، ما لم يكن ذلك إلى قبر عائلة المتوفى نفسه.[199] كان لدى يوسف وقت كافٍ قبل غروب الشمس لدفن بسيط، والذي ربما تضمن غسل الجثة ولفها في ملاءة بالبهارات الجافة.
أقل اختراعًا: النظرية مفتعلة بعض الشيء في إسناد دوافع وأنشطة يوسف التي ليس لدينا دليل عليها على الإطلاق. يصبح الأمر مفتعلًا للغاية إذا كان علينا البدء في اختراع أشياء مثل موت يوسف من أجل إنقاذ الفرضية.
تم رفضها من خلال عدد أقل من المعتقدات المقبولة: فرضية الجسد المنقول غير مؤكدة من خلال ما نعرفه عن إجراءات الدفن اليهودية للمجرمين، والتي تم ذكرها في النقطة الثالثة.
تتجاوز الفرضيات الأخرى في تلبية الشروط 1-5: مرة أخرى، لا يشارك أي مؤرخ هذا التقدير لقيمة النظرية.
الفصلالرابععشر: فرضيةالهلوسة
في عام 1835، اقترح الناقد الكتابي الألماني ديفيد فريدريك شتراوس في كتابه حياة يسوع The Life of Jesus، الذي تم فحصه بشكل نقدي، أن ظهورات القيامة كانت مجرد هلوسات من جانب التلاميذ. أبرز مدافع عن فرضية الهلوسة اليوم هو الناقد الألماني في العهد الجديد جيرد لودمان. كيف إذن تسير الأمور عند تقييمها وفقًا لمعاييرنا؟
النطاق التوضيحي: فرضية الهلوسة ليس لها نطاق توضيحي كافٍ. أولاً، لا تقول شيئًا لتفسير القبر الفارغ. لذلك، يجب على المرء إما إنكار حقيقة القبر الفارغ (وبالتالي الدفن أيضًا) أو ربط فرضية مستقلة بفرضية الهلوسة لتفسير القبر الفارغ.
ثانيًا، فشلت فرضية الهلوسة في تفسير أصل إيمان التلاميذ بقيامة يسوع. لقد حقق بعض العلماء قدرًا كبيرًا من التشابه المزعوم بين ظهورات يسوع بعد الوفاة ورؤى الأحباء الراحلين حديثًا من جانب الأشخاص الذين توفي أحد أحبائهم. لكن في حين أن مثل هذه الرؤى مثيرة للاهتمام بالتأكيد، فإن العبرة المهيمنة لهذه التجارب هو أن الشخص الذي فقد عزيز له بسبب الموت لم يكن نتيجة لمثل هذه الرؤى -مهما بدت حقيقية وملموسة -أن يستنتج أن حبيبه /عزيزه المتوفى قد عاد إلى الحياة جسديًا. بدلاً من ذلك، يعتقد أولئك الأشخاص أنهم رأوا حبيبهم المتوفى في الآخرة. كما يلاحظ إن تي رايت، بالنسبة لشخص ما في العالم القديم، لم تؤخذ رؤى المتوفى كدليل على أن الشخص على قيد الحياة، ولكن كدليل على أنه كان ميتاً بالفعل!
علاوة على ذلك، في السياق اليهودي هناك تفسيرات أكثر ملاءمة لمثل هذه التجارب باستثناء القيامة. لو قدم التلاميذ رؤى عن يسوع بعد موته، فبالنظر إلى معتقدات اليهود عن الحياة بعد الموت، كانوا قد رأوا يسوع في السماء أو في حضن إبراهيم، حيث اعتقد اليهود أن أرواح الموتى الصالحين ستبقى حتى القيامة الأخيرة. لكن هذه الرؤى لم تكن لتؤدي، مع ذلك، إلى الإيمان بقيامة يسوع؛ على الأكثر، كانت ستقود التلاميذ فقط ليقولوا إن يسوع قد صعد إلى السماء، ولكنه لم يقم من الموت.
في الفكر اليهودي، الافتراض بأن الصعود للسماء يختلف عن القيامة. الافتراض هو أن الله يأخذ شخصًا ما بجسده من هذا العالم إلى السماء. على سبيل المثال، في قصص العهد القديم عن أخنوخ وإيليا، لم يمت هؤلاء الرجال ولكن نقلهم الله مباشرة إلى السماء. قد يُفترض أيضًا أن شخصًا ميتًا في السماء. في كتابات يهودية خارج الكتاب المقدس تسمى The Testament of Job عهد أيوب (40)، تحكي القصة عن مقتل طفلين في انهيار منزل. عندما قام رجال الإنقاذ بإزالة الأنقاض، لم يتم العثور على جثث الأطفال في أي مكان. في هذه الأثناء، ترى والدتهما رؤية للطفلين ممجدين في السماء، حيث رفعهما الله.[200]
على النقيض من الصعود إلى السماء، فإن التصور اليهودي عن القيامة هو قيام الله بإقامة شخص ميت في الكون المكاني والزماني. لم يخرج الإنسان من هذا العالم، بل يُقام فيه. ولذلك، فإن الانتقال إلى السماء والقيامة تصنيفان متميزان في الفكر اليهودي.
بالنظر إلى المعتقدات اليهودية المتعلقة بالانتقال للسماء والقيامة، فإن اكتشاف القبر الفارغ وهلوسة يسوع كان من شأنه أن يدفع التلاميذ على الأكثر إلى الاعتقاد بأن يسوع قد انتقل للمجد، لأن هذا كان متسقًا مع إطار تفكيرهم اليهودي. لكنهم لم يكونوا ليؤمنوا بأن يسوع قد قام من الموت، لأن هذا يتناقض بشكل أساسي مع المعتقدات اليهودية حول قيامة الأموات. وهكذا، حتى مع وجود الهلوسة، يبقى الإيمان بقيامة يسوع غير مبرر.
القوة التفسيرية: لا تقول فرضية الهلوسة شيئًا لتفسير القبر الفارغ وأصل إيمان التلاميذ بقيامة يسوع، ولكنها أيضًا تتمتع بقدرة تفسيرية ضعيفة حتى عندما يتعلق الأمر بشرح الظهورات. لنفترض أن بطرس قد اختبر رؤية عن يسوع بسبب الذنب، كما يتخيل لودمان، أو، على نحو أكثر منطقية، كان [بطرس] أحد هؤلاء الأشخاص الذين عانوا من رؤية شخص محبوب متوفى. فهل يكفي هذا الافتراض في تفسير ظهورات القيامة؟ ليس حقًا، لأن تنوع الظهورات يتفوق على حدود أي شيء موجود في دفاتر الحالات النفسية. فكر في الأمر: لم يظهر يسوع مرة واحدة فقط، بل مرات عديدة؛ ليس في مكان واحد فقط وتحت ظرف واحد، ولكن في مجموعة متنوعة من الأماكن وفي ظل ظروف متنوعة؛ ليس لفرد واحد فقط، ولكن لأشخاص مختلفين؛ ليس فقط للأفراد، ولكن لمجموعات مختلفة؛ ليس فقط للمؤمنين ولكن لغير المؤمنين. . . وحتى الأعداء. إن طرح سلسلة من التحفيز بين التلاميذ لن يحل المشكلة، لأن أشخاصًا مثل يعقوب وبولس لا يقفان في السلسلة؛ لذا فإن أولئك الذين يفسرون ظهورات القيامة من الناحية النفسية عليهم بناء صورة مركبة من خلال تجميع حالات مختلفة وغير مرتبطة ببعضها من التجارب الهلوسة. إن ضرورة هذه الوسيلة لا تفيد إلا في التأكيد على حقيقة أنه لا يوجد شيء مثل ظهورات القيامة في دفاتر الحالات النفسية.
المعقولية: يحاول لودمان جعل فرضيته الخاصة بالهلوسة معقولة عن طريق التحليل النفسي لبطرس وبولس. وهو يعتقد أن كلاهما جاهد في ظل عقدة الذنب، والتي وجدت تحررًا في هلوسة يسوع. لكن التحليل النفسي الذي وضعه لودمان غير معقول لثلاثة أسباب على الأقل: أولاً، يعتمد استخدام لودمان لعلم نفس اللاواعي على نظريات معينة ليونج وفرويد، والتي تم رفضها على نطاق واسع. ثانيًا، لا توجد معلومات كافية لإجراء تحليلات نفسية لبطرس أو بولس. التحليل النفسي صعب بما يكفي لإجرائه حتى مع المرضى الجالسين على الأريكة أمام المحلل النفسي، إذا جاز التعبير، ولكنه أقرب إلى المستحيل مع الشخصيات التاريخية. لهذا السبب يرفض المؤرخون أسلوب السيرة النفسية اليوم. أخيرًا، ثالثًا، تشير الأدلة التي لدينا إلى أن بولس لم يصارع مع عقدة الذنب كما يفترض لودمان.
منذ ما يقرب من خمسين عامًا، أشار الباحث السويدي كريستر ستيندال Krister Stendahl إلى أن القراء الغربيين يميلون إلى قراءة بولس من خلال عدسات جهادات مارتن لوثر مع الذنب والخطية. لكن بولس (أو شاول) الفريسي لم يختبر مثل هذا الجهاد. كتب ستيندال:
بولس على النقيض من ذلك، وهو يهودي سعيد للغاية وناجح، يمكنه أن يقول ” مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ بِلاَ لَوْمٍ” (فيلبي 3: 6). هذا ما يقوله. لا يعاني من إضطرابات ولا مشاكل ولا تأنيب ضمير. إنه تلميذ نابغة، طالب يحصل على منحة الدراسات العليا بألف دولار في مدرسة غمالائيل الإكليريكية …. لا يوجد أي مؤشر في كتابات بولس. . . أن بولس من الناحية النفسية كان يعاني من مشكلة في الضمير.[201]
من أجل تبرير تصوره لبولس الغارق في الذنب، اضطر لودمان إلى تفسير رومية 7 على أنها وصف لتجربة بولس قبل التحول إلى المسيحية. ولكن منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي، رفض جميع المفسرين تقريبًا تفسير السيرة الذاتية هذا لرومية 7، لذا فإن التحليل النفسي الذي وضعه لودمان غير قابل للتصديق بشكل ثابت.
الطريقة الثانية التي تكون فيها فرضية الهلوسة غير قابلة للتصديق هي تحديد الظهورات على أنها مجرد تجارب رؤيوية. يدرك لودمان أن فرضية الهلوسة تقف أو تسقط على افتراض أن ما اختبره بولس على طريق دمشق هو نفس ما اختبره جميع التلاميذ الآخرين. لكن هذا الافتراض لا أساس له من الصحة. بإدراج نفسه في قائمة شهود العيان لظهورات قيامة المسيح، لا يشير بولس بأي حال من الأحوال إلى أن الظهورات الأخرى كانت تمامًا مثل الظهور الذي رآه. أنكر العديد من معارضي بولس في كورنثوس أنه كان رسولًا حقيقيًا، لذلك كان بولس حريصًا على ضم نفسه إلى جانب الرسل الآخرين الذين رأوا المسيح. يحاول بولس أن يرفع خبرته على طريق دمشق إلى نفس مستوى موضوعيتهم وواقعيتهم [أي، الرسل]، وليس نقل خبرتهم إلى مجرد تجارب رؤيوية.
لذا فإن فرضية الهلوسة غير قابلة للتصديق فيما يتعلق بتحليلها النفسي للشهود وفيما يتعلق باختزالها الشامل للظهورات إلى تجارب رؤيوية.
أقل اختراعًا: نسخة لودمان من فرضية الهلوسة مصطنعة بعدة طرق؛ على سبيل المثال، يفترض أن التلاميذ فروا عائدين إلى الجليل بعد اعتقال يسوع؛ أن بطرس كان مهووسًا بالذنب لدرجة أنه توقع هلوسة ليسوع؛ أن التلاميذ الآخرين كانوا أيضًا عرضة للهلوسة؛ وأن بولس كان لديه صراع مع الشريعة اليهودية، وانجذاب سري للمسيحية. لا يوجد دليل على أي من هذه الافتراضات.
تم رفضها من خلال عدد أقل من المعتقدات المقبولة: تميل بعض المعتقدات المقبولة لعلماء العهد الجديد اليوم إلى عدم تأكيد فرضية الهلوسة، على الأقل بالطريقة التي قدمها بها لودمان. الامثله تشمل: الاعتقاد بأن يوسف الرامي وضع يسوع في قبر؛ أن قبر يسوع اكتشفته النساء فارغًا؛ أن التحليل النفسي للشخصيات التاريخية غير ممكن؛ أن بولس كان قانعًا في الأساس بحياته في ظل الشريعة اليهودية؛ وأن العهد الجديد يميز بين الرؤية المجردة وظهور القيامة.
تتجاوز الفرضيات الأخرى في تحقيق الشروط 1-5: تظل فرضية الهلوسة خيارًا حيًا اليوم وفي هذا الصدد، تفوقت على منافسيها. لكن السؤال الحاسم هو ما إذا كانت تتفوق على فرضية القيامة.
الفصلالخامسعشر: فرضيةالقيامة
لقد رأينا مدى سوء التفسيرات التقليدية للقبر الفارغ، وظهورات ما بعد الوفاة، وأصل إيمان التلاميذ عند تقييمها بالمعايير القياسية لاختبار الفرضيات التاريخية. تكون ضعيفة بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالنطاق والقوة التفسيرية وغالبًا ما تكون غير قابلة للتصديق إلى حد كبير.
لكن هل فرضية القيامة أفضل تفسير للأدلة؟ هل هو تفسير أفضل من التفسيرات الطبيعية غير المعقولة التي قُدمت سلفاً؟ للإجابة على هذه الأسئلة، دعونا نطبق نفس المعايير على الفرضية القائلة بأن “الله أقام يسوع من بين الأموات”.
النطاق التوضيحي: تمتلك فرضية القيامة نطاقًا توضيحيًا أكبر من بعض التفسيرات الأخرى مثل فرضية الهلوسة أو فرضية الجسد المنقول على وجه التحديد لأنها يمكن أن تشرح جميع الحقائق الثلاث الرئيسية المعنية — بينما تحاول الفرضيات المتنافسة تفسير حقيقة واحدة فقط.
القوة التفسيرية: أعتقد أن هذه هي أعظم أفضلية لفرضية القيامة. لا تفسر فرضية المؤامرة وفرضية الموت الظاهري بشكل مقنع القبر الفارغ أو ظهورات القيامة أو أصل الإيمان المسيحي؛ بناءً على هذه النظريات، يصبح الدليل (مثل تحول التلاميذ) بعيد الاحتمال. على النقيض من ذلك، بناءً على فرضية قيامة يسوع، يبدو من المحتمل جدًا أن يكون القبر فارغًا، وأن يرى التلاميذ ظهورات ليسوع حياً، وأن يؤمنوا بقيامته.
المعقولية: تزداد معقولية قيامة يسوع أضعافا مضاعفة بمجرد أن نأخذها في الاعتبار في سياقها الفلسفي المناسب: أي النظرة الإيمانية للعالم، في سياقها التاريخي، وحياة يسوع / ادعاءاته الشخصية الراديكالية التي لا مثيل لها. بالنظر إلى وجود الله، فإن الفرضية القائلة بأن الله سيقيم يسوع الناصري من بين الأموات لا يمكن اعتبارها غير قابلة للتصديق.
أقل اختراعًا: تمتلك فرضية القيامة نطاقًا توضيحيًا وقوة تفسيرية كبيرة، لكن بعض العلماء اتهموها بأنها مصطنعة. إن كون الفرضية مصطنعة، إذا كنت تتذكر، فإن الأمر يتعلق بعدد الافتراضات الجديدة التي يجب أن تقدمها الفرضية والتي لا تتضمنها المعرفة الحالية.
من حيث التعريف، من الصعب أن نرى لماذا فرضية القيامة مفتعلة بشكل غير عادي. يتطلب الأمر افتراضًا واحدًا جديدًا: أن الله موجود. من المؤكد أن الفرضيات المنافسة لها تتطلب العديد من الافتراضات الجديدة. على سبيل المثال، تتطلب فرضية المؤامرة منا أن نفترض أن الشخصية الأخلاقية للتلاميذ كانت معيبة، وهذا بالتأكيد لا تضمنه معرفتنا ولا يوجد في المعرفة الموجودة بالفعل؛ تتطلب فرضية الموت الظاهري الافتراض بأن رمح قائد المئة الذي تم دفعه في جانب يسوع كان مجرد وخزة سطحية أو هو تفصيل غير تاريخي في السرد، والذي يتجاوز المعرفة الموجودة مرة أخرى؛ تتطلب فرضية الهلوسة أن نفترض نوعًا من الاستعداد العاطفي للتلاميذ، مما جعلهم يهيئون لعرض رؤى عن يسوع حيًا -مرة أخرى، هذا ليس مضموناً /موجوداً خلال معرفتنا. وهناك العديد من الأمثلة التي يمكن إدراجها -ما سبق ذكره مجرد أمثلة قليلة.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن الفرضيات العلمية تتضمن بانتظام افتراض وجود كيانات جديدة، مثل الكواركات، والأوتار، والجرافيتونات، والثقوب السوداء، وما شابه ذلك، دون وصف تلك النظريات بأنها مفتعلة. علاوة على ذلك، بالنسبة للشخص الذي يؤمن بالفعل بالله، فإن فرضية القيامة لا تقدم حتى الافتراض الجديد لوجود الله، حيث أن ذلك ضمني بالفعل من خلال معرفته الحالية. لذلك لا يمكن القول بأن فرضية القيامة قد اختُلِقت/افتُعِلت/اصطُنِعت ببساطة بسبب عدد الافتراضات الجديدة التي تقدمها.
إذا كانت فرضيتنا مفتعلة، فلا بد أن تكون كذلك لبعض الأسباب الأخرى. وجد فلاسفة العلم أنه من الصعب للغاية شرح ما يجعل الفرضية مفتعلة. يبدو أن هناك جوًا من الاصطناعية حول فرضية متهمة بأنها مفتعلة، والتي يمكن أن يشعر بها أولئك المتمرسون في العلوم ذات الصلة.
الآن أعتقد أن الإحساس بعدم الراحة الذي يشعر به كثير من الناس، حتى المسيحيين، بشأن استدعاء الله كجزء من فرضية تفسيرية لبعض الظواهر في العالم هو أن القيام بذلك ينطوي على هذا الجو الاصطناعي حيال ذلك -يبدو الأمر سهلاً للغاية عند مواجهة بعض الظواهر غير المبررة ثم رفع اليدين والقول، “الله فعل ذلك!” هل الفرضية القائلة بأن “الله أقام يسوع من بين الأموات” مفتعلة بهذا المعنى؟
أنا لا أعتقد ذلك. إن التفسير الخارق للطبيعة للقبر الفارغ، وظهور القيامة، وأصل الإيمان المسيحي لم يتم اختلاقه وذلك يُفهم في ضوء سياق حياة يسوع، وخدمته، وادعاءاته الشخصية التي لا مثيل لها. الفرضية الخارقة للطبيعة مناسبة في مثل هذا السياق. وبسبب هذا السياق التاريخي أيضًا بالتحديد، لا تبدو فرضية القيامة مفتعلة عند مقارنتها بالتفسيرات المعجزية من أنواع أخرى في الفرضيات المنافسة لها؛ على سبيل المثال، حدثت “معجزة نفسية”، جعلت الرجال والنساء العاديين متآمرين وكذابين يستشهدون طواعية بسبب أكاذيبهم؛ أو أن “معجزة بيولوجية” قد حدثت، والتي حالت دون موت يوع على الصليب (على الرغم من الطعن بالرمح في صدره، وما إلى ذلك). هذه الفرضيات المعجزية هي التي تصدمنا على أنها مصطنعة ومفتعلة، وليست فرضية القيامة، التي تبدو منطقية للغاية في سياق خدمة يسوع والادعاءات الشخصية الراديكالية. وبالتالي، يبدو لي أن فرضية القيامة لا يمكن وصفها بأنها مفرطة في الافتعال.
تم رفضها من خلال عدد أقل من المعتقدات المقبولة: لا يمكنني التفكير في أي معتقدات مقبولة لا تؤكد فرضية القيامة -إلا إذا اعتقد المرء أن “الموتى لا يقومون” فهذا ينفي هذه الفرضية. لكن هذا التعميم لا يفعل شيئًا لنفي فرضيتنا بأن الله أقام يسوع من بين الأموات. قد نؤمن على الدوام بكليهما -أن الرجال لا يقومون بشكل طبيعي من الأموات وأن الله أقام يسوع من بين الأموات. على النقيض من ذلك، فإن النظريات المنافسة غير مؤكدة من خلال المعتقدات المقبولة حول، على سبيل المثال، عدم استقرار المؤامرات، واحتمال الموت نتيجة الصلب، والخصائص النفسية لتجارب الهلوسة، وما إلى ذلك، كما رأينا.
تتخطى الفرضيات الأخرى في تحقيق الشروط 1-5: هناك بالتأكيد احتمال ضئيل في أن تتخطى أي من الفرضيات المنافسة فرضية القيامة في تحقيق الشروط المذكورة أعلاه. عندما نواجه حقائق القبر الفارغ، وظهورات القيامة، وأصل الإيمان المسيحي، فإن ذهول العلم المعاصر يشير إلى أنه لا يوجد منافس أفضل في أي مكان في الأفق. بمجرد التخلي عن التحيز ضد المعجزات، من الصعب إنكار أن قيامة يسوع هي أفضل تفسير للحقائق.
ملخصختامي
في الختام، إذن، هناك ثلاث حقائق عظيمة ومُؤسَّسة بشكل مستقل -القبر الفارغ، وظهور القيامة، وأصل الإيمان المسيحي -تشير جميعها إلى نفس النتيجة الرائعة: أن الله أقام يسوع من بين الأموات. بالنظر إلى وجود الله، لا يمكن منع هذا الاستنتاج من أي شخص يبحث عن حقيقة يسوع.
هلكانالقبرفارغاًحقًا؟ – روبرتإتششتاينRobert H. Stein
“وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ” (1 كو 15 :14). بالنسبة للمسيحيين، تشكل قيامة المسيح حجر الأساس للإيمان. وإذا صرفنا النظر عن القيامة فلن يوجد إنجيل ولا “بشرى سارة”، لأنه لا يوجد رجاء باستثناء القيامة، ولكن كما شهد التلاميذ الأوائل، لا يوجد سوى اليأس. لكن القيامة حوّلت الرجال الخائفين واليائسين إلى رجال مملؤين شجاعة وثقة، رجال آمنوا أن القيامة لم تثبت فقط كل ما قاله يسوع وعلّمه، بل أكدت لهم هزيمة الموت والضمانة التي سيشاركونها في نصر ربهم العظيم (يوحنا 14: 19).
لقد سعت الدفاعات الإنجيلية إلى دعم التاريخية “الواقعية” للقيامة من خلال عدة حجج. أهم هذه الحجج في العهد الجديد هي ظهورات القيامة. (لاحظ الصيغة العقائدية السابقة لبولس في 1 كورنثوس 15: 3-11، وخاصة الآيات 5-8). محاولات تفسير هذه الظهورات عن طريق الاحتيال الرسولي، والهلوسة والرؤى، أو التخاطر في علم النفس لم تكن أبدًا مقنعة، وسارع الإنجيليون [المدافعون] إلى الإشارة إلى عدم كفاية هذه المحاولات العقلانية.[202]
الحجة الثانية لدعم القيامة هي وجود الكنيسة. كيف يفسر المرء ظاهرة مثل الكنيسة؟ بصرف النظر عن القيامة، ربما يكون من المعقول أن يكون قد نشأ “مجتمع تذكاري” لإحياء ذكرى وفاة معلم محبوب للغاية، ولكن بالتأكيد لن يكون هناك اجتماع للكنيسة يوميًا للاحتفال بكسر الخبز “بفرح وسخاء قلوب” (أعمال الرسل 2: 46). إن مجرد وجود الكنيسة يشهد على حقيقة القيامة.
الشهادة الثالثة على القيامة هي التجربة الوجودية للمسيح المقام في قلب المؤمن. كما تقول ترنيمة مألوفة، “تسألني كيف أعرف أنه حي؟ إنه حي في قلبي.” بالنسبة لأولئك الذين يقللون من شأن هذه الحجة ويرفضونها باعتبارها غير علمية وذاتية، قد يشير الإنجيليون إلى أن ملايين المسيحيين قدموا هذا الادعاء منذ ما يقرب من ألفي عام. إنها لحقيقة بسيطة أن الشاهد الوحيد الأكثر أهمية لقيامة يسوع طوال تاريخ الكنيسة هو شهادة المسيح القائم من بين الأموات في قلب المؤمن!
الحجة الرابعة للقيامة هي شهادة القبر الفارغ. إذا كان لكل نتيجة سبب، فكيف يمكن تفسير القبر الفارغ (النتيجة) باستثناء القيامة (السبب)؟ إذا أنكر المرء القيامة، فما السبب الآخر الذي يمكن أن يقترحه المرء لتفسير القبر الفارغ؟ ومع ذلك، شعر العديد من العلماء الذين لا يؤمنون بالقيامة أنهم مضطرون لتفسير هذه “النتيجة” من خلال سبب منطقي. بعض هذه المحاولات هي:
النظرية القائلة بأن النساء ذهبن إلى القبر الخطأ؛[203]
النظرية القائلة بأن يوسف الرامي سرق جسد يسوع؛[204]
النظرية القائلة بأن يسوع لم يمت حقًا على الصليب بل “أغمي عليه”؛[205]
النظرية القائلة بأن بستاني القبر أزال جسد يسوع ووضعه في مكان آخر حتى لا يضر الخس من حشود الزائرين.[207]
كانت هناك نظريات أخرى أيضًا (مثل النظرية القائلة بأن جسد يسوع تحلل تمامًا أو “تلاشى” في غضون ست وثلاثين ساعة!)،[208] لكن كل هذه المحاولات العقلانية لشرح القبر الفارغ لم تؤد إلا إلى تأكيد قناعة الإنجيليين بأن التفسير المرضي الوحيد لحقيقة القبر الفارغ هو قيامة يسوع من بين الأموات.
تم تحدي هذه الشهادة الرابعة للقيامة في السنوات الأخيرة من خلال الادعاء بأن تقرير القبر الفارغ هو تقليد متأخر أنشأته الكنيسة الأولى للمساعدة في تفسير ظهورات القيامة. ووفقًا لهذا الرأي، فإن ظهورات القيامة هي التي أدت إلى الرأي القائل بأن القبر يجب أن يكون فارغًا، وليس العكس. لذلك يُنظر إلى قصة القبر الفارغ على أنها ثانوية تمامًا، أسطورة دفاعية، غير معروفة لبولس وليست لها أهمية في الوعظ الرسولي.[209] يجب الاعتراف بأن الشاهد الرئيسي للقيامة كان ظهورات الرب القائم من بين الأموات، وليس القبر الفارغ، لأن القبر الفارغ بحد ذاته لم يؤد إلى الإيمان بالقيامة (راجع لوقا 24: 21-24؛ يوحنا 20: 13). لذلك كانت في المقام الأول الشهادة الإيجابية لظهورات القيامة بدلاً من الشهادة السلبية للقبر الفارغ التي أدت إلى الإيمان بالرب القائم من بين الأموات. ومع ذلك، حتى لو لم يثبت فراغ القبر أن يسوع قد قام، بالاقتران مع الأدلة الأخرى، فهو مع ذلك شاهد على القيامة.[210] علاوة على ذلك، إذا لم يكن القبر فارغًا، فإنه يستبعد الادعاء المسيحي بأن يسوع قام من بين الأموات، لأنه إذا كان بإمكان شخص ما في أورشليم أن يُقدّم جسد يسوع، فلن تكون أي شهادة لصالح قيامة يسوع مقنعة.
ومع ذلك، هناك العديد من الحجج القوية التي يمكن طرحها لدعم حقيقة أن التقليد المسيحي للقبر الفارغ مبكر جدًا وأن القبر الذي وضع فيه جسد يسوع كان فارغًا بالفعل. وهذه هي:
توجد قصة القبر الفارغ في الأناجيل الأربعة جميعها وفي ثلاث طبقات على الأقل من طبقات الإنجيل: مرقس، م-M (مادة متى الخاصة)، ويوحنا. إن الاختلاف الكبير في الروايات المختلفة للقبر الفارغ، والذي يعد محرجًا إلى حد ما، يجادل بأن هذه الروايات تنبع من تقاليد منفصلة ومستقلة، وكلها تشهد على أن القبر فارغ.
يشير وجود العديد من الساميات والعادات السامية في روايات إنجيل القبر الفارغ إلى أن هذه الروايات كانت مبكرة ونشأت على الأرجح في محيط فلسطيني. (راجع “في أول أيام الأسبوع” [مرقس 16: 2]؛ “ملاك الرب” [متى 28: 2]؛ “مريم” [متى 28: 1] “[الإجابة] قال” [متى 28: 5]؛ “حنوا وجوههم إلى الأرض” [لوقا 24: 5]؛ إلخ.).[211]
استلزم إيمان اليهود بالقيامة قبرًا فارغًا. في حين أن أفكار الخلود بين الإغريق وبعض اليهود انفصلت عن فكرة القيامة الجسدية، بل وحتى معادية لها، فإن اليهود في أورشليم، وخاصة الفريسيين وأولئك المتأثرين بالتعليم الفريسي، يربطون فكرة القيامة بالجسد. لذلك، لا يمكن أن يكون هناك وعظ رسولي في أورشليم بقيامة يسوع ما لم يكن القبر فارغًا في الواقع.[212]علاوة على ذلك، من الصعب تصديق أن معارضي يسوع ما كانوا ليفحصوا مكان الدفن لمعرفة ما إذا كان القبر فارغًا بالفعل، لأن عرض جسد يسوع سيكون طريقة بسيطة لدحض ادعاء قيامته.
حقيقة أن شهود القبر الفارغ كانوا من النساء اللواتي منع اليهود شهادتهن، مما يجعل الفبركة الدفاعية للرواية احتمال غير مرجح. من الصعب فهم سبب إنشاء الكنيسة لأسطورة قبر فارغ كان الشهود الرئيسيون فيه من النساء، لأن النساء كن شهودًا غير صالحين وفقًا لمبادئ الأدلة اليهودية.[213] إذا كانت قصة القبر الفارغ مجرد أسطورة، فلماذا لا نجعل الشهود رجالًا؟ يبدو من المعقول أكثر أن نستنتج أن سبب عدم قيام الكنيسة بجعل الشهود على القبر الفارغ رجال هو ببساطة لأن شهود القبر الفارغ في صباح عيد الفصح هذا لم يكونوا في الواقع رجالًا بل نساء.
من الصعب أن نفهم سبب نشوء جدال يهودي ضد القبر الفارغ إذا كانت قصة القبر الفارغ قد تطورت في وقت متأخر كما يدعي النقاد. في وقت لاحق لم يكن هناك جدوى من المجادلة ضد هذه “الأسطورة” حيث كان من الممكن أن تحدث أشياء كثيرة في السنوات التي تلت ذلك لإبطال صحتها. إن تطور مثل هذا الجدل وحقيقة أنه اعترف بفراغ القبر يشير إلى أن سرد القبر الفارغ كان منذ البداية مركزاً مهمًا في إعلان الكنيسة الأولى عن القيامة.[214]
تشير الإشارة إلى يوسف الرامي إلى أن القبر الذي دفن فيه يسوع كان معروفًا جيدًا، لأن اسم يوسف الرامي ثابت بشدة في تقاليد كيف وأين دُفن يسوع (راجع مرقس 15: 43-46؛ متى 27: 57-60؛ لوقا 23: 50-53؛ يوحنا 19: 38-42). وتؤيد تاريخية القبر الفارغ حقيقة أن قبرًا محددًا، والذي كان يُعرف في أورشليم باسم قبر يوسف الرامي، كان مرتبطًا بدفن يسوع. إن حقيقة أن يوسف الرامي لم يكن له أي منصب سلطة معين أو شهرة في الكنيسة الأولى تدل أيضًا على أهمية تاريخية هذا التقليد.[215]
تقاليد القبر الفارغ تضع الحادثة على أنها تقع في اليوم الأول من الأسبوع. ما هو الحدث الرئيسي الذي حدث في هذا اليوم والذي من شأنه أن يتسبب في تغيير بالغ الأهمية في الحياة الدينية للكنيسة الأولى بحيث يفسر سبب نقل يوم العبادة من السبت إلى الأحد؟ الحدث الوحيد (في العهد الجديد) المرتبط باليوم الأول من الأسبوع هو اكتشاف القبر الفارغ. من ناحية أخرى، ارتبط ظهور القيامة بـ “اليوم الثالث” (راجع مرقس 8 :31؛ 9 :31؛ 10 :34؛ 14 :58؛ 15 :29؛ متى 12: 40؛ 27: 63-64؛ لوقا 13 :32؛ 24: 7؛ 21؛ يوحنا 2: 19؛ 1 كورنثوس 15: 4). مع ذلك، فإن تقليد القبر الفارغ مؤرخ في اليوم الأول من الأسبوع، وأفضل شرح لممارسة الكنيسة الأولى في العبادة يوم الأحد (راجع أعمال الرسل 20: 7؛ 1 كورنثوس 16: 2؛ رؤيا 1: 10). حسب التقليد القائل بأن أتباع يسوع اكتشفوا القبر الفارغ في اليوم الأول من الأسبوع. من الواضح أيضًا أنه في حين أن القيامة في اليوم الأول من الأسبوع يمكن أن تحدث في “اليوم الثالث”، حيث أنه من خلال حساب اليهود لأي جزء من اليوم على أنه يساوي يومًا كاملاً، فليس من المؤكد أنه، بالنظر إلى القيامة في اليوم الثالث، كان من الممكن تأريخ القيامة في يوم أحد باستثناء وجود تقليد القبر الفارغ في اليوم الأول.[216]
أقدم تقليد لدينا يتحدث عن القيامة هو على الأرجح 1 كورنثوس 15: 3-4. هناك إجماع مشترك اليوم بين العلماء على أن بولس هنا يقتبس اعتراف الكنيسة الأولى. هذا الاعتراف، الذي من المحتمل أن يكون مؤرخًا قبل 40 م،[217] ينص على وجه التحديد على أن المسيح مات وأنه دفن. ولكن إلى ماذا تشير عبارة “الدفن”؟ جادل البعض بأن “مات” و “دفن” يسيران معًا وأن العبارة الأخيرة تؤكد ببساطة على الحقيقة القاطعة لموت يسوع.[218] لكن هل هذا كل ما يقوله التقليد؟ الكلمات “مات” و “دفن” و “قام” لا يمكن فهمها إلا إذا كان ما “مات ودفن” في الواقع “قام”. بينما لا يذكر بولس في أي مكان أن القبر كان فارغًا، يبدو أنه في 1 كورنثوس 15: 3-4 هذا واضح. بالنسبة لبولس كفريسي، وبلا شك بالنسبة لكنيسة أورشليم أيضًا (التي كان لها عنصر فريسي قوي؛ راجع أعمال الرسل 15: 5)، فإن موت المسيح ودفنه وقيامته يتطلب كل هذا قبرًا فارغًا.
في رومية 6: 4 وكولوسي 2 :12 يستخدم بولس نفس التعبيرات (“دفن” و “قام”) التي نجدها في 1 كورنثوس 15: 4. هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن فكرة “دفن” و “قام” مع المسيح في المعمودية كما هي موجودة في هاتين الآيتين هي فكرة تقليدية، لأن بولس يقدم مناقشته لهذا الموضوع في رومية 6: 3 بعبارة “ألا تعرف … “، مشيرًا إلى أن ما يقوله هو عقيدة ثابتة ليس فقط في كنائسه، ولكن أيضًا في كنيسة لم يؤسسها -الكنيسة في روما.[219] لقد كانت تقليداً، لذلك، لفهم معمودية المؤمن على أنها تعكس بطريقة ما قيامة يسوع أو تعيد تمثيلها.[220] إذا تم تذكير المؤمن في معموديته بدفن ربه، فيبدو على الأرجح أنه سيقارن دفنه وقيامته بدفن يسوع وقيامته. علاوة على ذلك، فإن دفن المؤمن أثناء ارتباطه بـ “موته” بالخطية يختلف مع ذلك عن هذا الموت (راجع رومية 6: 4). نتيجة لذلك، من المحتمل أن “دفن” المسيح لن يُنظر إليه على أنه مجرد مرادف لموت المسيح فحسب، بل على أنه يختلف بطريقة ما عن موته، على الرغم من ارتباطه بالطبع بموته. ولكن في دفن المؤمن لم يبقى ما دفن مدفوناً بل تغير وقام. وبالتالي، فإن موت ودفن وقيامة المسيحي في المعمودية، مع عدم إثبات أن المسيحيين الأوائل كانوا بالضرورة يؤمنون بأن قبر يسوع يجب أن يكون فارغًا، من المحتمل أن يُقارن بموت ودفن وقيامة يسوع، بحيث أنه مع يسوع، كما هو الحال مع المؤمن، تحولت الوردة المدفونة، ولم تترك شيئًا وراءها.
يمكن سرد حجتين أخريين لدعم الرأي القائل بأن “مات، دُفن، قام” يعني على الأقل أن القبر كان فارغًا. الأول يتضمن المصطلحات المستخدمة لوصف قيامة يسوع. أحد هذه المصطلحات هو “قام”[egeirō].[221] الذي مات ودفن قام. وهذا يعني، على الأقل بالنسبة لمعظم الناس، أن “ما” تم دفنه قد تمت إقامته وأن القبر نتيجة لذلك كان فارغًا.
توجد حجة ثانية يمكن ذكرها في أعمال الرسل 2: 29-31، حيث يقارن بطرس تجربة داود الذي مات ودفن ورأى فسادًا مع يسوع الذي صلب وقتل (آية 23) ولكن لحمه، على عكس داود. لم ير فسادا لأن الله أقامه. يكمن الاختلاف بين داود ويسوع في حقيقة أن قبر داود كان لا يزال مشغولاً بعظام داود، لأنه رأى فسادًا. من ناحية أخرى، كان قبر يسوع فارغًا، لأنه لم ير فسادًا. صحيح أن لدينا هنا وصف لوقا عن عظة بطرس في يوم الخمسين، ولكن يبدو أن لوقا إما استخدم التقليد القديم لصياغة عظة بطرس أو على الأقل شهودًا لتقليد مبكر تم فيه الاعتراف بأن قبر يسوع فارغ. هذه المقارنة نفسها بين داود ويسوع موجودة أيضًا على لسان بولس في أعمال الرسل 13: 29-37.[222]
قد يكون عدم وجود إشارة محددة إلى القبر الفارغ من قبل بولس نابع من دافع دفاعيّ وليس من الجهل. عندما يتعلق الأمر بظهور القيامة، يمكن أن يجادل الرسول على قدم المساواة مع التلاميذ الآخرين. لقد رأى الرب هو أيضًا! ومع ذلك، لم يستطع قول الشيء نفسه عن القبر الفارغ. ولعل هذا هو سبب عدم الإشارة إليه على وجه التحديد في رسائله.
إذا نشأ تقليد القبر الفارغ من تجربة أتباع يسوع الأوائل في صباح ذلك اليوم الأول من عيد الفصح وكان من بداية جزء لا يتجزأ من الوعظ المسيحي المبكر، يبقى السؤال، “ما الذي جعل القبر فارغًا في الصباح الأول من عيد الفصح؟ ” ما “السبب” وراء هذه “النتيجة”؟ لا يزال الإنجيليون يجدون أبسط وأسهل تفسير لشهادة كتاب العهد الجديد أن “المسيح قام من بين الأموات”! لم يستطع القبر أن يحمله، لأن “المسيح قد قام من بين الأموات، وهو باكورة الراقدين” (1 كو 15: 20).
أدلةإضافيةعلىظهوراتقيامةيسوع – جاريهابرماس
أنتقل الآن إلى دلائل إضافية على أن ظهورات قيامة المسيح حدثت في التاريخ.[223] كما كان من قبل، أستمد حججي حصريًا تقريبًا من البيانات التي تدعم قائمة الحقائق التاريخية المؤكدة بشكل نقدي.
(1) لقد أظهرت أن التقليد في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. من المتفق عليه بشكل حاسم أن يكون (أ) سردًا مبكرًا بشكل استثنائي لظهورات قيامة المسيح و (ب) يمكن إرجاعه إلى مصادر ممتازة (ربما شهود عيان)، باستخدام الضوابط والتوازنات التي قد تكون مفروضة إلى حد ما من نص قديم. بالنظر إلى سلطة بولس، وربما أنه تلقّاه من كبار الرسل في أوائل إلى منتصف الثلاثينيات بعد الميلاد، يوفر هذا الاعتراف العقائدي بعض المعلومات المهمة للغاية، مثل تقرير ظهور يسوع لعدة مجموعات، بما في ذلك خمسمائة شخص في وقت واحد. يسمي هينجل هذا النص “تقريراً تاريخيًا مضغوطًا للغاية”.[224]
من المهم أن نلاحظ، مع ذلك، أن هذه الحجة الأولى لا تعتمد على معرفة التاريخ الدقيق الذي تلقى فيه بولس هذه المادة، أو على وجه التحديد من أعطاه إياها. عمليًا، لا يجادل أي باحث ناقد في أن هذه المادة التقليدية، على أقل تقدير، تسبق كتابة رسالة كورنثوس الأولى في حوالي 55 م. يقول بولس إنه كرز بنفس الرسالة قبل بضع سنوات عندما زار كورنثوس (15: 1-2). يوضح بولس أيضًا أنه تلقى محتوى الإنجيل هذا من شخص آخر (15: 3). لا يمكن إنكار إذن أن بولس تلقى البيانات في وقت مبكر. علاوة على ذلك، لكونه رسولًا، فمن المنطقي أنه سمعه من شخص اعتبره مصدرًا موثوقًا به. حتى هذا الحد الأدنى من الإطار يساعد في إنشاء السيناريو التاريخي.
(2) ومع ذلك، لم يكن بولس بحاجة إلى الاعتماد على شهادة شخص آخر ليسمع عن القيامة. يشرح [بولس] أن يسوع القائم قد ظهر له أيضًا. (أ) قدم بولس هذه المعلومات أكثر من مرة (1 كورنثوس 9: 1، 15: 8؛ قارن غلاطية 1: 16). (ب) تأكيد غير بولسي لشهادة بولس يظهر ثلاث مرات في أعمال الرسل (9: 1-9؛ 22: 1-11؛ 26: 9-19).
لا يُنكَر أن بولس قد تحول إلى الإيمان المسيحي. ومع ذلك، فإن مثل هذا التحول الجذري-من كونه باحثًا شابًا استثنائيًا ومضطهد الكنيسة الرئيسي (1 كورنثوس 15: 9؛ غلاطية 1: 13-14؛ فيلبي 3: 4-7) -يتطلب بالتأكيد تفسيرًا مناسبًا. كان بولس واثقًا من أنه التقى بيسوع القائم من بين الأموات.
أحد الجوانب اللافتة للنظر في هذه الحجة هو الإجماع حتى بين المتشككين، الذين يعترفون بأن بولس لديه بالتأكيد تجربة يعتقد أنها ظهور للمسيح المقام. وبناءً على ذلك، فإنهم يعتبرون بولس شاهد عيان. يقول الفيلسوف الملحد مايكل مارتن: “ومع ذلك، لدينا رواية شاهد عيان واحد فقط عن ظهور يسوع بعد القيامة، ألا وهو بولس”.[225] يشرح عضو حلقة يسوع الدراسية seminar jesus روي هوفر سبب اعتبار رواية بولس هي المكان المناسب للبدء: “سبب البدء هنا بسيط ومقنع: شهادة بولس هي أول دليل موثوق به تاريخياً لدينا حول قيامة يسوع.”[226] وبشكل أكثر تحديدًا، يؤكد هوفر: إن أهم دليل على القيامة الذي قدمه لنا بولس هو. . . ادعاء مباشر أنه رأى يسوع المقام”.[227] يتفق المشككون الآخرون أيضًا على الطبيعة الحاسمة لشهادة بولس.[228]
(3) بالطبع، من المهم أن نعرف ما إذا كان تقرير بولس عن ظهورات قيامة يسوع هو تقرير دقيق. (أ) لقد رأينا أن بولس قام برحلتين على الأقل إلى أورشليم لتقديم المشورة للقادة الرسل للتأكد من طبيعة الإنجيل الذي كان يكرز به (غلاطية 1: 18-20؛ 2: 1-10)، والذي تركز على قيامة المسيح (1 كو 15: 3-4؛ رومية 10: 8-10). وقد وافقت القيادة الرسولية، أي بطرس ويعقوب-أخو يسوع-ويوحنا، على رسالة بولس على وجه التحديد وقبلت خدمته (غلاطية 2: 6-10). (ب) إن إثبات الاعتراف الرسولي ببولس مدعوم أيضًا في أعمال الرسل 15: 1-31. هناك جدل حول ما إذا كانت هذه الرواية تصف نفس الحادثة التي رواها بولس في غلاطية 2، أو ما إذا كانت تصف رحلة ثالثة مذهلة إلى أورشليم من قبل بولس لنفس الغرض من التأكيد! في كلتا الحالتين، هناك العديد من المصادر التي تؤكد رواية بولس بأن كرازته بالإنجيل قد تم تأكيدها من قبل الرسل الرئيسيين، وهم الشهود أنفسهم الذين سيعرفون ما إذا كانت ظهورات القيامة قد حدثت أم لا. كما يشهد هينجل، “من الواضح أن تقليد (1 كورنثوس 15: 3) قد تعرض للعديد من الاختبارات” بواسطة بولس.[229]
يتفق العلماء الناقدون على أن رسالة بولس الإنجيلية قد تمت الموافقة عليها من قبل الرسل الرئيسيين الآخرين. يذكر لوك تيموثي جونسون الحقائق التاريخية التي حتى “يمكن أن يؤكدها المؤرخ الأكثر نقدًا دون تردد. هل يمكن لأي شخص أن يشك، على سبيل المثال. . . لقاء بين بولس وقيادة أورشليم بخصوص شرعية الإرسالية الأممية؟”[230] أما عن مضمون اللقاءات، “التلاميذ. . . قبلوا [بولس] على أنه مدعو إلى الرسولية من قبل المسيح القائم من بين الأموات، تمامًا كما كانوا.”[231] في ختام دراسته لرحلة بولس الثانية إلى أورشليم، يلاحظ بيتس أن “النتيجة الإيجابية تتمثل في حقيقة أن رسل أورشليم قد اعترفوا بإنجيله ورسالته. . .. [كان هناك] اعتراف بأن بولس وإنجيله صحيحان لاهوتياً “.[232]
(4) لكن التأكيد لا يتدفق فقط من رسل أورشليم إلى بولس. من جانبه، كان بولس يعرف ويوافق على رسالة قيامة الرسل الآخرين. (أ) من خلال الاستشهاد بقانون (قوانين) الإيمان في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها، يوضح بولس أنه على الأقل علم بظهور بطرس، والاثني عشر، والخمسمئة، ويعقوب، وجميع الرسل. (ب) في رحلاته إلى أورشليم، التقى بالعديد من هؤلاء الرسل، بمن فيهم الأفراد الواردة أسماؤهم في القائمة. تعليقه في 15: 6 أن معظم الشهود الخمسمئة كانوا لا يزالون على قيد الحياة ربما يشير إلى أنه يعرف بعضًا منهم أيضًا. (ج) ولأغراضي الأهم، بعد الاستشهاد بقانون الإيمان المبكر، أعلن بولس أن الرسل الآخرين كانوا يكرزون بنفس الرسالة التي كان يتحدث عنها فيما يتعلق بظهورات قيامة المسيح (1 كورنثوس 15: 11، 14-15). إذن لدينا تصريح بولس المباشر بأنه كان على علم بالظهورات للرسل الآخرين ووافق على حكمهم. (د) تذكر الأناجيل أيضًا ظهورات لتلاميذ يسوع ولآخرين (متى 28؛ لوقا 24؛ يوحنا 20-21؛ راجع مرقس 16: 6-7). أي تأكيد تقدمه روايات الإنجيل المنفصلة هذه يشير إلى وجهة نظر بولس، ولكن من وجهات نظر أخرى.[233]
يتفق العلماء الناقدون بسهولة على أن بولس كان على علم بظهورات القيامة للرسل الآخرين وما كانوا يخبرونه عن تجاربهم. يقول جونسون: “يصر بولس على أنه أعلن لجماعاته ما قد تلقاه أيضًا، وأن كرازته كانت متفقة مع الرسل الآخرين”[234] يعتقد ويذرنجتون أن “بولس كان على اتصال مباشر مع شهود عيان مختلفين عن ظهورات يسوع وموته وقيامته.” هذا “يظهر أين تكمن الأرضية المشتركة حقًا.”[235] مجموعة واسعة من العلماء يتفقون.[236]
(5) يعترف العلماء الناقدون دائمًا أن يعقوب، أخو يسوع، كان أيضًا غير مؤمن وربما كان متشككًا أثناء خدمة يسوع العلنية (يوحنا 7: 5؛ مرقس 3: 21). فيما بعد نجد يعقوب كقائد لكنيسة أورشليم (غلاطية 1: 18-19؛ أعمال الرسل 15: 13-21). وفقًا لبيان العقيدة المبكر (1 كورنثوس 15: 7)، فإن الحدث الرئيسي الذي حدث بين هذه الأوقات هو أن يسوع المُقام ظهر ليعقوب.
يستخلص النقاد استنتاجهم فيما يتعلق بعدم إيمان يعقوب السابق ليس فقط من المصادر المستقلة المتعددة التي تشهد على ذلك، ولكن أيضًا بناءً على الإحراج الذي كان من الممكن أن يسببه عدم الإيمان هذا. من المستبعد جدًا أن تتضمن الكنيسة الأولى هذه التعليقات حول أحد قادتها الرئيسيين وأحد أفراد عائلة يسوع أيضًا، ما لم تكن صحيحة.[237] لكي يتم تذكره على مدى عقود عديدة، ربما كان عدم إيمان يعقوب قويًا إلى حد ما.
إن هذا الاقتناع النقدي فيما يتعلق بتحول يعقوب راسخ للغاية لدرجة أن ريجنالد فولر يخلص إلى أنه حتى لو لم يُضمن بولس الاعتراف المبكر الذي يسجل ظهور يسوع ليعقوب، “يجب علينا أن نبتكر واحدًا” من أجل حساب كل من اهتداء يعقوب بعد القيامة والسرعة اللاحقة لترقيته إلى منصب قيادي ثقيل في الكنيسة الأولى. استنتج فولر مع غالبية العلماء أن ظهور يسوع ليعقوب أدى إلى اهتدائه.[238]
حتى العلماء الأكثر تشككًا يقبلون عمومًا موقف الأغلبية هذا. يقول لودمان: “بسبب 1 كورنثوس 15: 7 فمن المؤكد أن يعقوب “رأى أخاه”.[239] يوافق هيلموت كويستر على ذلك بقوله: “لقد ظهر يسوع أيضًا إلي. . . يعقوب وهذا لا يمكن التشكيك فيه بشكل جيد”.[240] بعبارات عامة، يلخص جون شيلبي سبونج الأمر بشكل جيد: “يمكننا أن نكون على يقين من حقيقة أن إخوة يسوع لم يكونوا منبهرين، ولم يكونوا أتباعًا ليسوع خلال حياته. كانوا مستهزئين، ساخرين، مرتابين من عقل يسوع. لكن حدث شيء ما. . .. انظر إلى يعقوب قبل عيد الفصح. انظر إلى يعقوب بعد عيد الفصح. ما الذي تسبب في التغيير الذي كان بهذه الدراماتيكية؟”[241]
(6) بالإضافة إلى التقليد المبكر في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها، هناك فقرات عقائدية أخرى في العهد الجديد تذكر أيضًا الشهادة الرسولية لظهورات يسوع من بين الأموات. عدد جدير بالملاحظة من هذه التعليقات مأخوذ من الاعترافات المبكرة المضمنة في العظات المسجلة في سفر أعمال الرسل.[242] يعتقد معظم العلماء أن بعض هذه العظات على الأقل تعكس الوعظ المسيحي المبكر، لأنها تحتوي على مقتطفات مختصرة وغير متطورة من الناحية اللاهوتية، ولأنها تختلف عن الأنماط اللغوية المعتادة للمؤلف.[243] تحتل ظهورات قيامة يسوع مركز كل تقليد.
من المحتمل أن توفر قوانين الإيمان هذه بعضًا من أفضل رؤانا حول الوعظ الرسولي المبكر بعد يوم الخمسين. يعتقد أوكولينز أن هذه المادة “تتضمن صيغ القيامة التي تنبع من الثلاثينيات”[244] يقول جون درين: “أقرب دليل لدينا على القيامة يعود بشكل شبه مؤكد إلى الوقت الذي يُزعم فيه أن حدث القيامة مباشرة. هذا هو الدليل الوارد في العظات الأولى في أعمال الرسل.” ويضيف: “لكن ليس هناك شك في أن مؤلفها قد احتفظ في الفصول القليلة الأولى من سفر أعمال الرسل بمواد من مصادر مبكرة جدًا”.[245]
(7) إن اكتشاف أن القبر الذي دفن فيه يسوع فارغ فيما بعد لا يثبت أن جسد يسوع قد قام، ولكنه يقوي قضية القيامة. لسبب واحد، أنه يجعل صياغة النظريات الطبيعية أكثر صعوبة. من ناحية أخرى، يشير إلى اتجاه حدث مادي.
تم تقديم العديد من الدلائل على أن قبر يسوع لم يكن مأهولًا بعد وقت قصير من وفاته. لسوء الحظ، سنتمكن من سرد القليل منها فقط. (أ) التقليد الأول في كورنثوس الأولى 15: 3-4 يشير على الأقل إلى قبر فارغ. يتقدم البند السردي الثلاثي (وأنه καϊ ότι)، خاصة عندما يُفهم في السياق اليهودي، من موت يسوع، إلى دفنه، إلى قيامته، إلى ظهوره، وبالتالي يجادل بأن شيئًا ما قد حدث لجسده. باختصار، ما دخل إلى الأرض هو ما ظهر لاحقًا، ولكن تغير. (ب) نص قديم آخر في أعمال الرسل 13: 29-31، 36-37 يعلن بشكل أوضح أن يسوع قد وُضع في قبر، ثم قام وظهر دون أن يعاني من أي تدهور جسدي.
(ج) لم يفشل القادة اليهود فقط في دحض إعلان أن القبر كان فارغًا، ولكنهم اعترفوا بهذه الحقيقة (متى 28: 11-15). شهادة العدو هذه هي مؤشر آخر على تفضيل القبر الفارغ، حيث لم تستطع القيادة اليهودية إزالة هذا العنصر المادي من الإعلان المبكر. (د) يتم توثيق تقارير القبر الفارغ بشكل مضاعف، حيث يتم العثور عليها على الأقل في مرقس ومتي ويوحنا وعلى الأرجح في لوقا الشهادة في تقليدين مستقلين أو أكثر هو مؤشر قوي على التاريخية. يشهد المؤرخ بول ماير: “العديد من الحقائق من العصور القديمة تستند إلى مصدر قديم واحد فقط، في حين أن مصدرين أو ثلاثة مصادر تتفق عليها-الحقيقة-تجعل الحقيقة بشكل عام لا يرقى إليها الشك”.[246]
وفقًا للباحثين، ربما تكون حجتان أخريان للقبر الفارغ أقوى من السابقين. (هـ) لقد أجمعت الأناجيل على ادعائهم أن النساء كن أول شهود على القبر الفارغ (متى 28: 1-10؛ مرقس 16: 1-8؛ لوقا 24: 1-9؛ يوحنا 20: 1-2). يعد هذا مؤشرًا قويًا على صحة التقرير، نظرًا لأن شهادة المرأة كانت غير مسموح بها عمومًا في محكمة قانونية، لا سيما في الأمور الحاسمة. إن استخدام النساء كشاهد رئيسي في مثل هذه الحالة سيكون بمثابة انتحار فكري، ما لم يكن بالفعل الشهود الأوائل. (و) مدينة أورشليم هي بالتأكيد آخر موقع جغرافي سيكرز فيه التلاميذ بالقيامة إذا كان قبر يسوع لا يزال مشغولاً بجثته. أي شيء غير القبر الفارغ كان سيجعل من رسالة القيامة نقطة خلافية.
لقد أدركنا بالفعل أن القبر الفارغ لم يتم قبوله جيدًا مثل الحقائق التاريخية الأخرى المذكورة في قائمتي أعلاه، والتي تم الاتفاق على كل منها بالإجماع تقريبًا من قبل العلماء. لكن في الوقت الحاضر، يبدو أن أغلبية قوية لا تزال تقبل تاريخية القبر الفارغ.[247] المؤرخ مايكل غرانت يخلص إلى أن “المؤرخ. . . لا يمكنه تبرير إنكار القبر الفارغ “، لأن التطبيق العادي للمعايير التاريخية على النصوص يشير إلى أن” الدليل ثابت ومعقول بما يكفي لاستنتاج أن القبر وجد بالفعل فارغًا.”[248]
يلخص جيمس دي جي دن: “يجب أن أقول بقوة: الاحتمال هو أن القبر كان فارغًا. كمسألة إعادة بناء تاريخية، يشير ثقل الأدلة بقوة إلى الاستنتاج القائل بأن قبر يسوع قد تم العثور عليه فارغًا”. البدائل الرئيسية كلها أسوأ[249] يتحدث توماس تورانس بإيجاز، مدرجًا القبر الفارغ كواحد من “الارتباطات التجريبية في المكان والزمان” التي هي “مفتوحة للاختبار”.[250]
(8) أحد مقاييس قوة اقتناع التلاميذ بأنهم رأوا ربهم القائم بالفعل هو تحولهم، خاصةً رغبتهم في الموت من أجل إيمانهم. قبل صلبه تركه الرسل وأنكروه وهربوا في ذعر.[251] في المقابل، غيّرت ظهورات قيامته ما تبقى من حياتهم بشكل جذري، حتى إلى الاستشهاد[252] يشهد ما تبقى من العهد الجديد أيضًا على تحول التلاميذ كما يظهر في كرازتهم وأخلاقهم وتعاليمهم. وتفيد مصادر خارج الكتاب المقدس، مسيحية وغير مسيحية، عن هذه الأنشطة.[253]
إن تحول التلاميذ، كونهم على استعداد للموت، لا يجادل فيه أحد تقريبًا. صحيح أن التحولات تحدث غالبًا حتى بناءً على أسباب خاطئة، ولكن هناك فرق نوعي هنا. من المسلم به عمومًا أن أي شخص على استعداد للموت من أجل شيء ما يؤمن حقًا به. لكن أوجه التشابه الرئيسية تتوقف هنا. عانى تلاميذ يسوع ليس فقط بسبب إيمانهم بقضية ما، ولكن بالتحديد لأنهم اعتقدوا أنهم رأوا يسوع بعد موته. باختصار، لم يكن تحولهم ببساطة بسبب معتقداتهم، كما هو الحال بالنسبة لأولئك الذين يعيشون ويموتون من أجل أسباب أخرى، ولكنه كان قائمًا صراحةً على تجربتهم مع يسوع القائم من بين الأموات. بدون تجربة القيامة، لم يكن هناك تغيير.
اعتراف العلماء الناقدين، كما يوضح غرانت، بأن اعتقاد التلاميذ أن القيامة حدثت هو الذي غير حياتهم.[254] يؤكد رايت أن “الجيل الأول من المسيحيين. . . أعلن واحتفل بانتصار يسوع على الشر. . .. كان هذا أساس فرحتهم الرائعة”.[255] يوافق ماير على ذلك قائلاً: “إن تجارب القيامة هي التي أثرت على تحول [التلاميذ] أمر معقول لا شك فيه”[256]
يمكن أن تتضاعف مثل هذه الهتافات: “المسيحية ولدت بإيمان القيامة”.[257] فقط ظهورات يسوع هي التي أحدثت تغييراً جديداً في طباعهم”.[258]
(9) إن كون قيامة المسيح كانت مركز الإيمان المسيحي المبكر يشير أيضًا إلى واقعيتها. وتعني مركزيتها أنه تم التحقيق فيها من قبل المؤمنين وتحديها من قبل غير المؤمنين. لقد رأينا أن بولس زار رسل أورشليم مرتين أو ثلاث مرات فقط للتأكد من أن كرازته كانت صادقة، لأنه كان يعلم أنه لا يوجد إيمان مسيحي بدون القيامة (1 كو 15: 14، 17). قيل لنا أن القيامة كانت إعلانًا محوريًا في الكنيسة الأولى (أعمال الرسل 4: 33) وأن هذا أزعج قادة اليهود (أعمال الرسل 4: 1-2). نُصِح المؤمنون في تحمل معاناتهم لأن قيامة المسيح أمّنت لهم السماء (1 بطرس 1: 3-5). أدت أهمية القيامة إلى زيادة اهتمام المؤمنين وغير المؤمنين على حد سواء. ومع ذلك، فقد اجتازت الاختبار مرارًا وتكرارًا.
مرة أخرى، يعترف العلماء الناقدون بسهولة بالدور المركزي الذي لعبته قيامة يسوع. يؤكد إليوت Elliott، “لولا هذا الاعتقاد لكانت طائفة الناصريين قد ماتت بشكل عام كما اختفت الجماعات المسيانية الأخرى.”[259] يعلق ماير Meyer: “القيامة كانت نداء لهم، لأنها أرست آمالهم.”[260] وفقًا لرايت Wright، ألقت القيامة نورها على الأناجيل لدرجة أن القضية الرئيسية هي محاولة تحديد ما لم يتم تفسيره في ضوء القيامة![261] مع تفسير المؤمنين لكل شيء في ضوء القيامة ومحاولة الأعداء باستمرار استبعادها، كانت هناك مناسبات عديدة للتحقيق فيها. لكن تم تأكيد ذلك مرارًا وتكرارًا.
(10) الاعتبار الأخير هو فشل القادة اليهود في أورشليم في دحض القيامة، على الرغم من أنهم عاشوا بالضبط حيث مات يسوع ودُفن قبل فترة وجيزة فقط. كان هؤلاء العلماء القدامى في أفضل وضع لفضح أي خطأ، لأنهم عارضوا بشدة تعاليمه ولأن موقعهم سمح بإجراء فحص شامل. باختصار، كان لهؤلاء القادة دافع ومركز رائع وفرصة سانحة، لكن حتى بصفتهم المتشككين المقيمين، لم يدحضوا الأدلة.
كما يذكر دن، باستثناء الادعاء الضعيف في متى 28: 13-15، من الجدير بالذكر أن هناك “غياب أي ادعاء مضاد في أي كتابات متاحة في تلك الفترة.”[262] كان رد كرانفيلد Cranfield أكثر تفصيلاً: “هناك أيضًا حقيقة بالغة الأهمية مفادها أنه لا السلطات اليهودية ولا السلطات الرومانية قد قدمت أبدًا دليلًا لدحض الادعاء بأن يسوع قد قام. السلطات اليهودية، على وجه الخصوص، لديها كل الأسباب للقيام بذلك، ومن المؤكد أنها كانت في وضع يُمكِّنها من الاستجواب والبحث بدقة “.[263]
كما أن هناك بعض الاعتبارات الصغيرة التي تتعلق بظهورات القيامة التي يمكن ذكرها.[264] نظرًا لأننا مهتمون بالوثائق القديمة، والتي غالبًا ما تكون غير متساوية في أحسن الأحوال، يجب أن ندرك أن الأدلة المذكورة هنا تقدم بالتأكيد مجموعة مذهلة من البيانات، وكلها تدعم الاعتقاد بأن يسوع ظهر للعديد من الأشخاص بعد موته.
في العقود الأخيرة، ازداد تقدير العلماء الناقدين لجودة وكمية هذه البيانات بشكل نموذجي. يعلن فولر بشكل مفاجئ، فيما يتعلق بحالة البحث في الإيمان المسيحي المبكر بالقيامة: “في غضون أسابيع قليلة بعد الصلب، اعتقد تلاميذ يسوع أن هذه واحدة من حقائق التاريخ التي لا جدال فيها”. فيما يتعلق بظهور يسوع، السبب التقليدي لهذا الاعتقاد، يعترف فولر: “أن التجارب حدثت بالفعل، حتى لو تم شرحها بمصطلحات طبيعية بحتة، هي حقيقة يمكن أن يتفق عليها كل من المؤمن وغير المؤمن”.[265] يتحدث دن بالمثل: “يكاد يكون من المستحيل المجادلة في ” أن المؤمنين الأوائل لديهم تجارب اعتقدوا أنها ظهورات قيامة ليسوع.[266] حتى العالم اليهودي لابيد استنتج أن يسوع قام من الموت وظهر لأتباعه.[267]
من الواضح أن المفتاح هنا هو أن تلاميذ يسوع كانت لديهم تجارب حقيقية جعلتهم يستنتجون أنهم شهدوا ظهورات ليسوع من بين الأموات.[268] من المؤكد أن الاستجابة الأولية هي افتراض أن نظرية بديلة قابلة للتطبيق. ولكن إذا لم تكن هناك نظريات طبيعية، مثل نظريات الهلوسة، تفسر هذه الظهورات بشكل قابل للتطبيق، فإن الحالة تبدو مختلفة بعض الشيء. إذا كان هناك عدد من الأدلة القوية لصالح القيامة أيضًا، فنحن بحاجة إلى الانفتاح على مثل هذا الحدث، ما لم نعلم مسبقًا أنه لن يحدث أبدًا.
يبدو أن المتشكك يحتاج إلى شرح جميع الأدلة العشرة على قيامة يسوع، وكذلك اقتراح نظرية طبيعية محتملة. على وجه الخصوص، عندما يتم النظر في وجهات النظر المتعددة التي تفضل تجارب شهود العيان للتلاميذ، بولس ويعقوب، جنبًا إلى جنب مع التحولات المقابلة للشهود والقبر الفارغ، تصبح قيامة يسوع أفضل تفسير للحقائق. هذا هو الحال بشكل خاص طالما أن النظرية الطبيعية الممكنة التي تفسر جميع الحقائق التاريخية لا تزال بعيدة المنال.
لماذا يجب أن نعتبر قصص أوزوريس وديونيسوس وأدونيس وأتيس وميثرا وغيرهم من المُخلّصين الغامضين/السريين الوثنيين كـ خرافات أسطورية، ومع ذلك، نمر عبر نفس القصة التي تُروى في سياق يهودي ونعتقد أنها سيرة نجار من بيت لحم؟
بصفتي مراسلاً شابًا في صحيفة شيكاغو تريبيون، شاهدت بتعاطف مشهدًا مفجعًا يتجلى في غرفة التحرير. تلقى المحرر ظرفًا مجهولاً يحتوي على عمود [في صحيفة] حديث لكاتب تريبيون الصاعد، بالإضافة الى نسخة من مقال كُتِبَ قبل ثماني سنوات من قبل بيت هاميل Pete Hamill من نيويورك بوست New York Post وأُعيدَ طبعه في مجموعة من أعماله.
كانت لغة الموضوع والأجزاء الأساسية متطابقة تقريبًا، مما أدى الى تهمة الانتحال-ادعاء مهين وتقزم وظيفي أدى الى تعليق الصحفي لمدة شهر دون أجر. الكشف اللاحق عن مخالفة أخرى أدى الى استقالة الكاتب. كان مؤلمًا أن أرى مسيرة زميل واعد تنحرف عن مسارها، ولكن كما قال رئيس تحرير صحيفة “تريبيون” في ذلك الوقت، “ندين الخداع في الآخرين؛ لا يمكننا أن نقبله بيننا دون عقوبة”.
على مر السنين، أثارت مزاعم السرقة الأدبية حفيظة الكثير من الصحفيين والعلماء والسياسيين والطلاب -حتى هيلين كيلر الشابة.[271] إنها مشكلة خطيرة ومتصاعدة في الجامعات. حيث جعل الوصول السهل الى الإنترنت اليوم الانتحال باستخدام طريقة القص واللصق سهلاً على الطلاب الذين يواجهون مواعيد نهائية وشيكة لأبحاث الفصل الدراسي، مما يدفع رواد الأعمال الى إنشاء موارد مؤسسة على شبكة الويب تساعد الأساتذة على اكتشاف المقاطع المنشورة مسبقًا.
من الناحية الفنية، لا يعتبر ارتكاب الانتحال جريمة، ولكن يمكن أن يكون من الجرائم المدنية الجسيمة الادعاء بأن كلمات شخص آخر أو مفاهيمه الأدبية هي ملك له/لها – أي المنتحل.[272] ومع ذلك، في معظم الأوقات، تكون العقوبات غير رسمية ولكنها مع ذلك مدمرة: فقدان محرج للمصداقية.
بطريقة مماثلة، زعمت موجة من الكتب الحديثة أن المبادئ الأساسية للمسيحية عن يسوع -بما في ذلك ولادته من عذراء وقيامته -ليست تاريخية، بل نُقِلَت من “الأديان الغامضة” السابقة التي ازدهرت في عالم البحر الأبيض المتوسط. إن الادعاء بأن المسيحية هي مجرد ديانة “منسوخة”، ومجرد إعادة تدوير لعناصر من الأساطير القديمة، قد أهلك مصداقيتها لدى كثير من الناس.
“لا شيء أصلي في المسيحية” هو واحد من بين السطور الأكثر شهرة في واحدة من أعظم قصص نجاح الكتب المنشورة، The Da Vinci Codeشفرة دافنشي. يطبق الكتاب تهمة أن كل شيء مهم في المسيحية، من الشركة/التناول إلى يوم ميلاد المسيح إلى العبادة في يوم الأحد، “مأخوذ مباشرة من الديانات الوثنية الغامضة السابقة.”[273]
في الواقع، حتى تلك الادعاءات ليست أصلية. منذ أكثر من قرن مضى، نشر العلماء كتبًا ومقالات تشير الى أوجه التشابه بين حياة يسوع كما هو مسجل في الأناجيل والآلهة الأسطورية مثل ميثرا وأوزوريس وأدونيس وديونيسوس. لقد تناولت الكتب الشعبية ومواقع الإنترنت هذه الموضوعات بالتفصيل في السنوات الأخيرة، مما يجعل هذه القضية واحدة من أكثر الاعتراضات الحالية تدميراً لتاريخية يسوع.
قال الكاهن الأنجليكاني السابق توم هاربور: “بدأت المسيحية كعبادة ذات أصول ودوافع وثنية بالكامل تقريبًا في القرن الأول”.[274] “كانت المسيحية في أرثوذوكسيتها الأخيرة مجرد إعادة إصدار لحكمة قديمة في شكل حقيقي حرفي وإقصائي للغاية. وكانت النتيجة نوعًا من الانتحال، ولكن في إصدار ضعيف ومشوه بشكل سيئ”.[275]
كتاب بعنوان The Jesus Mysteries، والذي روج لموضوعات مماثلة، حصل على لقب كتاب العام من قبل صحيفة Daily Telegraph بلندن في عام 1999. قال المؤلفان، تيموثي فريك وبيتر غاندي: “إن قصة يسوع والتعاليم التي يقدمها في العهد الجديد مذكورة مسبقًا في أساطير وتعاليم الديانات السرية الوثنية القديمة”.[276] وأضافا:
علّمت كل ديانة غامضة/سرية نسختها الخاصة من أسطورة الاله-الإنسان المائت والقائم من الموت، والذي كان معروفًا بأسماء مختلفة في أماكن مختلفة. في مصر، حيث بدأت الديانات السرية، كان أوزوريس. في اليونان أصبح ديونيسوس، في آسيا الصغرى، يُعرف باسم أتيس، في سوريا هو أدونيس، في بلاد فارس هو ميثرا، في الإسكندرية هو سيرابيس، على سبيل المثال لا الحصر.[277]
قال هيو ج. شونفيلد في كتابه Those Incredible Christiansهؤلاء المسيحيون المذهلون: “ظل المسيحيون مترابطين تحت الاحتيال يُناصرون بإخلاص أدونيس وأوزوريس وديونيسوس وميثرا”.[278] أكد الفيلسوف جون هـ. راندال أنه بفضل الرسول بولس، أصبحت المسيحية “نظامًا صوفيًا للخلاص، يشبه الى حد كبير عبادة إيزيس والديانات السرية أو الغامضة الأخرى في ذلك الوقت.”[279]
للوهلة الأولى، يبدو أن أوجه الشبه بين قصة يسوع وأساطير الآلهة القديمة مدهشة. على سبيل المثال، قال الكُتّاب أن الإله ميثرا في مرحلة ما قبل المسيحية ولد من عذراء في كهف في 25 ديسمبر، كان يُعتبر معلمًا جوالاً عظيمًا، وكان لديه اثنا عشر تلميذًا، ووعد أتباعه بالخلود، وضحى بنفسه من أجل السلام العالمي، ودُفن في قبر وقام مرة أخرى بعد ثلاثة أيام، وأسس القربان المقدس أو “العشاء الرباني”، وكان يعتبر هو اللوغوس والفادي والمسيا و “الطريق والحق والحياة”.[280] هل هذا يبدو مألوفاً؟
قال فريك وغاندي: “لا يمكن للتاريخ التقليدي للمسيحية أن يفسر بشكل مقنع سبب تشابه قصة يسوع مع الأساطير الوثنية القديمة”.[281] ومع ذلك، فإنهما يعتقدان أن لديهما الجواب. أعلنا أن “المسيحية كانت نتاج هرطوقي للوثنية!”[282]
قال هاربور: “ما من تعليم أو طقس أو عقيدة أو استخدام واحد في المسيحية كان في الواقع مساهمة جديدة للعالم”.[283] ومضى يقول:
الاختلاف الوحيد -وكان جذريًا تمامًا -بين قصة يسوع في العهد الجديد والعديد من الأساطير القديمة … هو أنه لا يوجد أحد من القدماء، قبل الحركة المسيحية الكاملة، اعتقد ولو للحظة أن أيًا من الأحداث في مسرحياتهم كان تاريخياً بأي شكل من الأشكال…. لكن في المسيحية، تحولت الأسطورة في النهاية الى حقيقة. حيث تم تأريخ يسوع…. حولت الكنيسة مجموعة كاملة من الأساطير أو الخرافات الرومانسية الى ما يسمى بالتاريخ، وهو تكاثر لـ “القصص الخيالية”. ما ظهر أنه كان من نواح كثيرة عبادة للجهل.[284]
إذا كانت هذه الادعاءات صحيحة، فإن ما يسمى بـ “يسوع الحقيقي” ليس له قوة أكثر من “إله الشمس” الخيالي الذي عبدته القبائل البدائية منذ آلاف السنين. إذا كانت حياته وتعاليمه وقيامته مجرد أصداء لشخصيات أسطورية، فلن يكون هناك سبب وجيه لاتّباعِه أو عبادته أو الاعتماد عليه. يصبح عاجزًا مثل زيوس الخيالي، لا فائدة منه مثل ميثرا المنسي منذ زمن طويل.
لكن هل هذه التهم دقيقة؟ قررت التركيز في البداية على الادعاء بأن قيامة يسوع -الحدث المحوري الذي يقول المسيحيون أنه أكد الوهيته -كانت مسروقة أساسًا من قصص وثنية سابقة. ومن بين أولئك الذين يؤيدون هذه النظرية المحرر الديني في مجلة شكيSkeptic، تيم كالاهان. حيث قال: “التأثيرات المحتملة على اليهود والتي من الممكن أن تنتج الإيمان بالقيامة هي عدد لا يحصى من طقوس الخصوبة بين جميع شعوب العالم القديم”.[285]
كانت خطوتي الأولى هي إثارة هذه المسالة مع المؤرخ وخبير القيامة مايكل ليكونا، المؤلف المشارك في الكتاب الحائز على جائزة قضية قيامة يسوعThe Case for the Resurrection of Jesus وهو كان ذي النفوذ الذيسألته في وقت سابق عن التحديات التي تواجه قيامة يسوع من بين الأموات.
إنهتقريباًإجماععالمي!
سألت ليكونا، “لماذا، يجب أن تتمتع قصة قيامة يسوع بمصداقية أكبر من القصص الوثنية عن موت الآلهة وقيامتها -مثل أوزوريس، وأدونيس، وأتيس، ومردوخ -والتي من الواضح أنها أسطورية؟”
كان ليكونا على دراية جيدة بهذا الجدل. وأشار الى أنه “بادئ ذي بدء، من المهم أن نفهم أن هذه الادعاءات لا تنفي بأي شكل من الأشكال الأدلة التاريخية الجيدة التي لدينا لقيامة يسوع، والتي أوضحتها في مناقشتنا السابقة،” “لا يمكنك رفض القيامة الا إذا كنت تستطيع دحض جوهرها الراسخ من الأدلة الداعمة”.[286] وافقت على أن هذا كان تحذيرًا مهمًا يجب أخذه في الاعتبار -وهو تحذير ينساه واضعوا نظرية “الانتحال” بشكل دائم.
“ثانيًا، كتب تي إن دي ميتينجر T.N.D Mettinger -باحث سويدي كبير وأستاذ في جامعة Lundلوند وعضو في الأكاديمية الملكية للآداب والتاريخ والآثار في ستوكهولم -أحد أحدث المعالجات الأكاديمية للآلهة المائتة والقائمة من الموت في العصور القديمة. يعترف في كتابه لغز القيامةThe Riddle of Resurrection بأن الإجماع بين العلماء المعاصرين –شبه عالمي -وهو أنه لم تكن هناك الهة مائته وقائمة من الموت سبقت المسيحية. كلهم يعودون الى ما بعد القرن الأول”.
من الواضح أن هذا التاريخ بالغ الأهمية: لا يمكن للمسيحية أن تستعير فكرة القيامة إذا لم تكن الأساطير حول موت الآلهة وقيامتها منتشرة عندما ولدت المسيحية في القرن الأول الميلادي.
واستكمل ليكونا: “ثم قال ميتينجر إنه سوف يستثني تلك القناعة العلمية العالمية تقريبًا”. “إنه يتخذ موقف الأقلية بالتأكيد ويدعي أن هناك ما لا يقل عن ثلاثة وربما ما يصل الى خمسة آلهة مائته وقائمة من الموت سبقت المسيحية. لكن السؤال الرئيسي هو هذا: هل هناك أوجه تشابه فعلية بين هذه الأساطير وقيامة يسوع؟”
سألته: “ماذا استنتج ميتينجر؟”.
أكد ليكونا: “في النهاية، بعد تمشيط كل هذه الروايات وتحليلها بشكل نقدي، يضيف ميتينجر أن أيا من هذه لا يمكن أن تكون نظير لـ [قيامة] يسوع. ولا واحدة منهن“
“إنها تختلف كثيرًا عن تقارير قيامة يسوع من بين الأموات. لقد حدثت-الأساطير-في الماضي غير المحدد والبعيد وكانت مرتبطة عادةً بدورة الحياة والموت الموسمية للحياة النباتية. في المقابل، لا تتكرر قيامة يسوع، ولا ترتبط بالتغيرات في الفصول، وكان يُعتَقَد بصدق أنها حدث حقيقي من قبل أولئك الذين عاشوا في نفس جيل يسوع التاريخي. بالإضافة الى ذلك، خلص ميتينجر الى أنه ‘لا يوجد دليل على موت الآلهة وقيامتها باعتبارها ألم من أجل الخطايا'”.[287]
حصلت لاحقًا على كتاب ميتينجر للتحقق مرة أخرى من رواية ليكونا لأبحاثه. من المؤكد أن ميتينجر يختم دراسته بهذا البيان المذهل: “على حد علمي، لا يوجد دليل ظاهري على أن موت وقيامة يسوع هما بناء أسطوري، يعتمد على أساطير وطقوس الآلهة المائتة والقائمة من الموت في العالم المحيط.”[288]
باختصار، يعتبر تحليل هذا الباحث الرائد توبيخًا حادًا للمؤلفين من المستوى الشعبي والمدونين على الإنترنت الذين يدلون بادعاءات كبيرة حول الأصول الوثنية لعودة يسوع من بين الأموات. في النهاية، أكد ميتينجر، “إن موت وقيامة يسوع يحتفظان بطابعهما الفريد في تاريخ الأديان.”[289]
الرقصفيالسماء
كان تقييم ميتينجر بالغ الأهمية، لكنني أردت التعمق في الأساطير. فسالت: “هل أفهم بشكل صحيح أن هذه الأساطير القديمة كانت تستخدم لمحاولة شرح سبب موت الأشياء في الخريف وعودتها في الربيع؟”
أجاب ليكونا “نعم، أشياء من هذا القبيل”. “عندما كنت طفلاً، سألت أمي،” ما هو الرعد؟ “قالت،” إنها ملائكة ترقص في السماء. ” من الواضح أن هذه مجرد قصة. وبالمثل، في كنعان القديمة، كان الطفل يسال أمه، “لماذا يتوقف المطر في الصيف؟” وكانت والدته تحكي له قصة بعل.”
سألت: “هل هذه إحدى الأساطير التي يعتقد ميتينجر أنها سبقت المسيحية؟”.
“هذا صحيح. في إحدى القصص الأكثر شعبية، يعتبر بعل إله العاصفة في السماء. إنه مسؤول عن المطر وخصمه هو الإله Mot موت، الموجود في العالم السفلي. ذات يوم، يتراشق بعل وموت بالكلام. يقول موت، “هل تعتقد أنك قاسي للغاية يا بعل؟ أترك وراءك غيومك وصواعقك الصاعقة والرياح والمطر وتعال إلى هنا -سأريك من هو والدك”. إذن يترك بعل كل شيء وراءه ويذهب الى العالم السفلي -حيث يبتلعه موت. كيف لنا أن نعرف أنه ابتلعه حقاً؟ يتوقف المطر!
“في وقت لاحق، تنزل والدة بعل وتقول لـ موت، ‘دع ابني يذهب!’ فيقول موت، ‘لا!’ لذا تقوم بمهاجمته بوحشية حتى يقول أخيرًا، ‘حسنًا، الرحمة! اذهبي بعيداً وسأسمح له بالذهاب!’ تُغادر العالم السفلي، وبعد شهرين، يقول والد بعل، ‘ابننا على قيد الحياة.’ كيف يعرف ذلك؟ إنها تُمطر مجدداً!
“هذا مثل محاولة أمي شرح الرعد لي عندما كنت طفلاً. لقد تحدثوا عن هذا كل عام: مات بعل وعاد بعل. لم يره أحد من قبل. لم يكن هناك شهود عيان. من المفترض أنه حدث في الماضي الرمادي، البعيد، غير المؤرَّخ. لقد كانت حكاية لشرح سبب عدم هطول الأمطار في الصيف -ولا شيء أكثر من ذلك. الآن، هل هذا يبدو مثل قيامة يسوع؟ بالطبع لا! الأمر مختلف تمامًا. إن قيامة يسوع مدعومة ببيانات تاريخية قوية يمكن تفسيرها على أفضل وجه من خلال عودته من الموت”.
هذه مجرد خرافة لا أكثر، وقلت لنفسي. لا يزال هناك آخرون للنظر فيهم. فسألت: “ماذا عن الخرافات الأخرى التي يتم ذكرها بشكل شائع؟”.
”أتيس؟ هذه الأسطورة أقدم من المسيحية ولكن أول تقرير لدينا عن قيامة أتيس يأتي بعد وقت طويل من القرن الأول. بعد يسوع المسيح بأكثر من مائة عام. لا يوجد تفسير واضح في العصور القديمة حتى لموت مردوخ -وبالتالي فإن قيامته أقل وضوحًا. يقول بعض العلماء إن تموز هو رواية لإله مائت وقائم -ولكن هذا محل خلاف، والى جانب ذلك، إنه ليس نظيراً جيدًا لأنه لا توجد تقارير عن ظهورات أو قبر فارغ وهذه الأسطورة مرتبطة بتغيير الفصول”.
“ماذا عن أوزوريس؟”
قال مبتسماً: “أوزوريس ممتع”. “الرواية الأكثر شعبية تقول إن شقيق أوزوريس قتله، وقطعه الى أربع عشرة قطعة، ونشرهم في جميع أنحاء العالم. حسنًا، تشعر الإلهة إيزيس بالتعاطف مع أوزوريس، لذا فهي تبحث عن أجزاء جسده لتدفنه بشكل لائق. فتجد ثلاثة عشر منهم فقط، وتعيدهم معًا، وتدفن أوزوريس. لكنه لا يعود الى هذا العالم. لقد حصل على مكانة إله العالم السفلي -مكان كئيب ومظلم من شبه الوعي. كما يقول صديق لي، “هذه ليست قيامة، إنها التحول إلى زومبي!” هذا لا يوازي قيامة يسوع، التي لها دعم تاريخي قوي.”
لقد اكتشفت عيبًا واضحًا في منطق ليكونا: أحد أوائل المدافعين عن المسيحية، أو المدافعين عن الإيمان، كان يوستينوس الشهيد، الذي عاش من حوالي 100 الى 164 بعد الميلاد. في رسالة كتبها في حوالي 150م، ناقش العديد من أوجه التشابه بين المسيحية والآلهة القائمة من الموت الخاصة بـ الأديان الوثنية. أشرت الى هذا الى وسألت ليكونا، “أليس هذا دليلًا على أن المسيحيين أدركوا أن قيامة يسوع كانت مجرد شكل من أشكال الأساطير؟”
كان ليكونا على دراية بكتابات يوستينوس. “أولاً، علينا أن ننظر في سبب كتابة يوستينوس لهذا. كان الرومان يضطهدون المسيحيين بشدة، وكان يوستينوس يقول للإمبراطور، ‘انظر، أنت لا تضطهد الناس الذين يعبدون آلهة أخرى مشابهة للمعتقد المسيحي، فلماذا تضطهد المسيحيين؟’ في الأساس، يحاول استخدام بعض الحجج لنزع فتيل الهجمات الرومانية على الكنيسة.
“لكن انظر الى أوجه التشابه التي يقدمها. عليه أن يقوم بضغط -مثل محاولة خلق تشابهات من لا شيء -ليصنعها. يتحدث عن أبناء جوبيتر Jupiter: أصاب البرق إسكولابيوس Aesculapius وذهب الى السماء؛ ركب باخوس Bacchus وهرقل Hercules وآخرون إلى السماء على ظهر الحصان بيجاسوس Pegasus. يصف أريادني Ariadne وآخرين “تم الإعلان عن تعيينهم بين النجوم”. حتى أنه ذكر أنه عندما تم حرق جثة الإمبراطور أوغسطس، أقسم شخص ما في الحشد أنه رأى روحه تتصاعد من خلال النيران.
“هذه ليست قيامة! لا أعرف اليوم أي عالم يحظى باحترام كبير يقترح أن هذه الخرافات الغامضة تتوازى مع قيامة يسوع. نحن نسمع فقط هذا الادعاء من المجتمع شديد الشك على الإنترنت والكتب الشعبية التي يتم تسويقها للأشخاص الذين يفتقرون الى الخلفية لتحليل الحقائق بشكل نقدي”.
سرعان ما قللت إجابات ليكونا من العديد من الادعاءات التي سمعتها وقرأتها عن انتحال قيامة يسوع من العصور القديمة ومع ذلك، كان لا يزال لدي أسئلة حول التداعيات الأوسع لمزاعم “الانتحال/التقليد”. قررت أن أبحث عن باحث رائد في التاريخ القديم وهو أيضًا خبير في الميثرائية، وهي “ديانة غامضة” كانت ذات يوم منافسًا رئيسيًا للمسيحية -وبعض الاتهامات تقول أنها مصدر العديد من المعتقدات التي أخذها المسيحيون وطبقوها على يسوع.
كادت رحلتي الى أكسفورد الخلابة بولاية أوهايو أن تُلغى بسبب هطول الأمطار الشتوية. كانت الأنهار المحلية تنتفخ نحو مرحلة الفيضان. لكنني تمكنت من الوصول في إحدى الرحلات الأخيرة في اليوم. في صباح اليوم التالي، وباستخدام مظلة لحمايتي، طرقت باب بيت أخضر نظيف حيث يعيش إدوين ياموكي مع كيمي، زوجته البالغة من العمر 44 عامًا.
المقابلةرقم 5: إدوينم. ياموكي،دكتوراه.
حصل إدوين ياموكي على درجة الدكتوراه في دراسات البحر الأبيض المتوسط من جامعة برانديز Brandeis، وبعد أن درّس في جامعة ميامي في أوهايو لأكثر من خمسة وثلاثين عامًا، أُطلِقَ على إدوين ياموكي لقب “الباحثالعلمي“.[290] وكما قال أحد الزملاء المعجبين به، فقد “حفر في علم الآثار، وعلَّم ببراعة، وقرأ بنهم، وبحث بدقة، ونشر إلى ما لا نهاية”.[291]
درس ياموكي اثنتين وعشرين لغة، بما في ذلك الأكادية، والآرامية، واليونانية، والعبرية، والصينية، والكومانشية، والقبطية، والمصرية، والمندائية، والسريانية، والأوجاريتية. حصل على ثماني زمالات من برانديز وروتجرز وأماكن أخرى؛ سلم ثمانية وثمانين ورقة عن الميثرائية، الغنوصية، وموضوعات أخرى في المجتمعات العلمية؛ نشر ما يقرب من مائتي مقالة ومراجعة في المجلات المتخصصة؛ حاضر في أكثر من مائة كلية وجامعة، بما في ذلك كورنيل، برينستون، تمبل، ييل، وجامعة شيكاغو؛ وشارك في الحملات الأثرية، بما في ذلك الحفريات الأولى للمعبد الهيرودي في القدس.
تتضمن كتب ياموكي السبعة عشر كتابًا مؤلفًا من 578 صفحة من الكتاب المقدس وبلاد فارس Persia and the Bible، والذي يتضمن النتائج التي توصل اليها عن الميثرائية، بالإضافة الى اليونان وبابل Greece and Babylon، الأخلاق الغنوصية والأصول المندائية Gnostic Ethics and Mandaean Origins،الأحجار والكتاب المقدس The Stones and the Scriptures، الغنوصية قبل المسيحية Pre-Christian Gnosticism، علم آثار العهد الجديد The Archaeology of the New Testament، عالم المسيحيين الأوائل The World of the First Christians، و أفريقيا والكتاب المقدس Africa and the Bible. في عام 1975 تمت دعوته لتقديم ورقة بحثية في المؤتمر الدولي الثاني للدراسات الميثرائية في طهران، وهو مؤتمر استضافته إمبراطورة إيران في ذلك الوقت.
وُلد ياموكي في عائلة بوذية يابانية ولكنه مسيحي منذ عام 1952، ويتمتع بسمعة طيبة في العالم الأكاديمي. وصفه أحد الكتب بأنه “عالم معروف باهتمامه الشديد وحكمه المتزن بالنصوص التاريخية”.[292] قال المؤرخ الحائز على جائزة Paul Maier بول ماير إن ياموكي يستخدم “المنطق البلوري والأدلة القوية والفعالة”، مضيفًا:
لا يمكن لأي شخص في العالم الأكاديمي اليوم أن يستبدل الإدراك ويضعه في مكان الكلام الذي يهدف إلى الإثارة، والإسراف الذي يتجاوز الأدلة، والتخمين بدلاً من البحث العلمي. مهما كانت الموضة التاريخية أو اللاهوتية التي قد تأتي – وهناك الكثير منهم! – فإن مقالة رائعة بقلم ياموكي قادرة على أن تقدم الدليل لدحض أي ادعاءات متضخمة ضد قضية الحقيقة.[293]
هذا هو بالضبط ما كنت أحتاجه لهذا الموضوع، حيث العديد من الأصوات المشكوك في مصداقيتها تقدم مثل هذه الادعاءات الخطيرة. ولهذا أجريت مقابلة معه في كتابي السابق، القضية المسيح The Case for Christ، حول الدليل لـ يسوع في المصادر القديمة خارج الكتاب المقدس.[294] في ذلك الوقت، وجدته متواضعًا، ولطيف الكلام، وشاملًا، وذو مصداقية عالية. لم يكن ثرثارًا مثل بعض العلماء الذين استجوبتهم، لكن تصريحاته تميل الى أن تكون ثقيلة بالمعنى.
استقبلني هو وكيمي عند الباب قبل أن تغادر للقيام ببعض الأعمال التطوعية في المجتمع. على الرغم من تقاعده مؤخرًا من جامعة ميامي، الا أن ياموكي يواصل تدريس بعض دورات التاريخ هناك. الآن على أعتاب السبعين من عمره، كان العالم الذي يرتدي نظارة رشيقًا ومنتبهاً، وشعره مظلل بالفضة.
قادني الى قبو منزله، الذي كان معظمه مليئًا برفوف الكتب، وجلسنا على طاولة صغيرة رأيت عليها أكوامًا من الأوراق. عرفت على الفور ما كانوا. كنت قد سمحت لياموكي بمعرفة الموضوعات التي أردت تغطيتها مسبقًا، لأنني كنت على دراية بميله لدعم آرائه بمقالات علمية من قبل خبراء آخرين. استطعت أن أرى أنه كان جاهزًا من أجلي.
الأديانالغامضة/السرية
“ربما يمكنك أن تبدأ بإعطائي بعض المعلومات الأساسية عن الأديان الغامضة،” بدأت بينما كنا نتقدم للجلوس على الكراسي الموضوعة على الجوانب المجاورة للطاولة. “متى كانت مشهورة؟ ما هي السمات المشتركة بينها؟”
أجاب، وهو يرتشف فنجان قهوة: “كانت ما يسمى بـ “الديانات الغامضة” مجموعة متنوعة من الحركات الدينية من شرق البحر الأبيض المتوسط التي ازدهرت في بدايات الإمبراطورية الرومانية”. لقد قدموا الخلاص في مجتمع متماسك. كان يُطلَق عليهم الديانات الغامضة لأن أولئك الذين بدأوا فيها أقسموا على السرية. كانت لديهم طقوس مقدسة، وغالبًا ما تكون وجبة مشتركة، وملاذًا خاصًا”.[295]
سألته: “وماذا كان أقدمهم؟”.
أجاب: “إنها العبادة الالوسينية Eleusinian لـ ديميتر Demeter، والتي تم تأسيسها بالفعل في العصر القديم لليونان، والذي سيكون من 800 الى 500 قبل الميلاد. أحدثها، والأكثر شهرة بالتأكيد في أواخر الإمبراطورية الرومانية، كانت أسرار ميثرا، الذي بدأ كإله فارسي. كانت هناك أيضًا أسرار سيبيل Cybele وأتيس، والتي اقتصرت على غير الرومان حتى منتصف القرن الأول أو أواخره”.
سألت، وأنا أُعيد التفكير في تعليقات ليكونا: “هل كانت بعض هذه الأديان مرتبطة بدورة الحياة النباتية؟”.
وأكَّدَ “أوه، نعم، كثير منهم كانوا كذلك”.
في محاولة لتضييق الموضوع قليلاً، سألت، “من الذي أشاع فكرة أن قيامة يسوع مشتقة من عبادة آلهة الخصوبة المائتة والقائمة من الموت؟”
“في العالم الأكاديمي، تم الترويج لهذه المقارنات من قبل مجموعة من العلماء تسمى مدرسة Religionsgeschichtliche،” نطق بـ الألمانية وكان يتدحرج لسانه. “هذا ما يسمى بمدرسة تاريخ الأديان، والتي ازدهرت في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. نُشر العمل الأساسي لريتشارد ريتزنشتاين باللغة الألمانية عام 1910 ولكن لم يُترجم إلى الإنجليزية حتى عام 1978.[296] كان يعتقد أن تضحية المسيح تتماشى مع قتل ثور على يد ميثرا.
انتقد كارستن كولبي Carsten Colpe وآخرون بشدة استخدام هؤلاء العلماء للمصادر التي عفا عليها الزمن.
وتابع ياموكي: “على المستوى الشعبي، جمع السير جيمس فريزر قدرًا كبيرًا من المتوازيات في عمله متعدد الأجزاء المسمى The Golden Bough، والذي نُشر في عام 1906. “ناقش أوزوريس من مصر، وأدونيس من سوريا، وأتيس من آسيا الصغرى، وتموز من بلاد ما بين النهرين، وخلص الى أن هناك إله خصوبة مشترك يموت ويقوم من الموت. لسوء الحظ، كان الكثير من عمله مبنيًا على قراءة خاطئة للأدلة، ولكن مع ذلك ساعد هذا في تقديم هذه الأفكار للثقافة الشعبية. في وقت لاحق، في ثلاثينيات القرن الماضي، ادعى ثلاثة علماء فرنسيين مؤثرين أن المسيحية تأثرت بالديانات الغامضة الهلنستية”.
التقط ياموكي نسخة من مقال كتبه ومسحه ضوئيًا للحصول على اقتباس. قال “أحد هؤلاء العلماء،” وأضاف: “قال بأن المسيح كان ‘إله مُنقِذ، على طريقة أوزوريس، أتيس، ميثرا…. مثل أدونيس وأوزوريس وأتيس، مات موتًا عنيفًا، ومثلهم عاد الى الحياة'”.[297]
ألقيت نظرة خاطفة على ملاحظاتي. “قال ألبرت شفايتسر إن الكُتّاب المشهورين ارتكبوا خطأ أخذ أجزاء مختلفة من المعلومات وصنعوا ‘نوعًا من الدين الغامض العالمي الذي لم يكن موجودًا في الواقع، على الأقل في زمن بولس'”.[298] هل توافق؟”
أجاب: “نعم، كان هناك رأي واسع الانتشار بأن هناك دين سرّي عام ومشترك، ولكن عند فحص المصادر عن كثب، لم يعد أحد يعتقد ذلك بعد الآن”. “كانت تلك معتقدات مختلفة تمامًا. في الواقع، بحلول منتصف القرن العشرين، أثبت العلماء أن المصادر المستخدمة في هذه الكتابات كانت بعيدة عن أن تكون مرضية وأن أوجه التشابه كانت سطحية للغاية. لقد كانت الى حد كبير قضية مغلقة في المجتمع الأكاديمي، ولكن يبدو أنها أعيد إحياؤها في السنوات الأخيرة بين الكتاب على المستوى الشعبي -نوعًا ما مثل فرانكشتاين.”
ذكّرتني تعليقات ياموكي بكلمات الباحث الراحل رونالد إتش ناش Ronald H. Nash، الأستاذ الذي يحظى باحترام كبير وحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة سيراكيوز ومؤلف أكثر من ثلاثين كتابًا، والذي قال في كتاب The Gospel and the Greeks الإنجيل واليونانيين:
خلال فترة زمنية تمتد تقريبًا من عام 1890 الى عام 1940، غالبًا ما زعم العلماء أن المسيحية البدائية قد تأثرت بشدة بالأفلاطونية أو الرواقية أو الديانات الوثنية الغامضة أو غيرها من الحركات في العالم الهلنستي.[299] الى حد كبير، كنتيجة لسلسلة من الكتب والمقالات العلمية التي كُتبت كدحض لهذه الأفكار، بدأت المزاعم المتعلقة باعتماد المسيحية المبكرة على بيئتها الهلنستية في الظهور بشكل أقل تكرارًا في منشورات علماء الكتاب المقدس والعلماء الكلاسيكيين. يعتبر معظم علماء الكتاب المقدس اليوم أن هذه المسالة ميتة.[300]
ذهب ناش في رثاء إحياء هذه النظريات التي فقدت مصداقيتها. قال إن عددًا قليلاً من الكتب المدرسية الحالية، بالإضافة إلى المزيد من المنشورات الشعبية، الذين كانوا “يكررون الادعاءات والحجج التي كان من المفترض وضعها جانباً منذ عقود”، وينشرون “الحجج المنحازة والمضللة”، ويتجاهلون “الرأي العلمي الثقل” الذي تم نشره بالفعل لدحض تأكيداتهم.[301] أصر على أن “الجهود المبذولة لإضعاف تفرد الوحي المسيحي عبر الادعاءات القائلة بـ التأثير الوثني للأديان الغامضة [على المسيحية] تنهار بسرعة بمجرد توفر سرد كامل للمعلومات”.[302]
كان هذا بالضبط ما كنت عازمًا على التحقيق فيه عندما حولت مقابلتي مع ياموكي الى قضايا تتعلق بالدين الغامض الأكثر شيوعًا: الميثرائية.
المسيحيةوالميثرائية
للتأكد من أننا كنا على نفس المنوال، طلبت من ياموكي تقديم نظرة عامة عن المعتقدات الميثرائية. تناول شرابًا من القهوة قبل أن يبدأ في الرد.
قال “الميثرائية كانت ديانة رومانية غامضة متأخرة كانت شائعة بين الجنود والتجار وأصبحت منافسًا رئيسيًا للمسيحية في القرن الثاني وما بعده”. “كان المبادرون جميعًا من الرجال، على الرغم من أن أحد طلابي، جوناثان ديفيد، نشر مؤخرًا بحثًا يجادل في احتمال مشاركة بعض النساء.[303] التقى المشاركون في هيكل يشبه الكهف يسمى ميثرايوم mithraeum، والذي كان يحوي -كنوع من أنواع العبادة -تمثالاً لميثرا يطعن ثورًا بالسكين، ما يسمى بـ تاوروكتوني tauroctony”.
“ما مقدار المعلومات الموجودة حول الميثرائية؟”
“هناك نصوص قليلة نسبيًا من الميثرائيين أنفسهم. لدينا بعض الكتابات والنقوش، وكذلك أوصاف الدين من معارضيه، بما في ذلك الأفلاطونيون الجدد والمسيحيون. استند الكثير مما تم تداوله عن الميثرائية على نظريات عالم بلجيكي يُدعى Franz Cumont فرانز كومون. كان الباحث الرائد في الميثرائية في عصره، ونشر عمله الشهير، ألغاز ميثرا Mysteries of Mithras، في عام 1903. أدى عمله الى تخمينات من قبل مدرسة تاريخ الأديان بأن الميثرائية قد أثرت على المسيحية الناشئة. ومع ذلك، فقد تبين أن الكثير مما اقترحه كومون لا أساس له من الصحة. في سبعينيات القرن الماضي، جاء العلماء في المؤتمر الأسطوري الثاني في طهران لانتقاد كومون.”
أخرج ياموكي صورة كبيرة من الأوراق الموجودة على المكتب، تظهر حشدًا من العلماء في المؤتمر مع إمبراطورة إيران على الدرجات الأمامية لمبنى فخم. قمت بمسح الوجوه وسرعان ما التقطت ياموكي في الصف الأول.
“أنتج المؤتمر مجلدين من الأوراق. خلص عالم يُدعى ريتشارد جوردون من إنجلترا وآخرون الى أن نظرية كومون لم تكن مدعومة بالأدلة، وفي الواقع، تم تحليل تفسيرات كومون الآن ورفضها في جميع النقاط الرئيسية.[304] على عكس ما اعتقده كومون، على الرغم من أن ميثرا كان إلهًا فارسيًا تم توثيقه في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ليس لدينا تقريبًا أي دليل على الميثرائية بمعنى الديانة الغامضة في الغرب حتى وقت متأخر جدًا -بعد فوات الأوان للتأثير على بدايات المسيحية.”
كان هذا تقييمًا مهمًا للغاية ويبدو أنه يستبعد نظرية “الانتحال/التقليد”. طلبًا لمزيد من الإيضاح، سألت ياموكي عن تفاصيل تتعلق بوقت إدخال الألغاز الميثرائية في الغرب. تناول رشفة أخرى من القهوة ثم أجاب.
“كان أول اعتراف علني بميثرا في روما هو الزيارة الرسمية التي قام بها تيريدات، ملك أرمينيا، في عام 66 بعد الميلاد. ويقال إنه خاطب نيرون بالقول، ‘وقد أتيت إليك، يا إلهي، لأعبدك كما أعبد ميثرا.’ هناك أيضًا إشارة سابقة إلى بعض القراصنة في كيليكيا الذين كانوا يعبدون ميثرا”، ولكن، كما أشار، ” ليست هذه هي نفسها الميثرائية كدين غامض.”
استقر في مقعده وتابع. “الميثرائية كدين غامض لا يمكن توثيقها قبل حوالي 90 بعد الميلاد، وهو الوقت الذي نرى فيه فكرة ميثرائية في قصيدة لـ ستاتيوس Statius. لم يتم العثور على ميثرايا/ميثرايوم [أو معابد ميثرائية] في بومبي، التي دمرت بسبب ثوران بركان فيزوف Vesuvius عام 79 م. أقدم نقش ميثرائي في الغرب هو تمثال لمُحافظ تحت حكم الإمبراطور تراجان في عام 101 بعد الميلاد. وهو الآن في المتحف البريطاني.”
“يعود تاريخ أقدم معبد ميثرائي إلى أوائل القرن الثاني. هناك عدد قليل من النقوش التي تعود إلى أوائل القرن الثاني، لكن الغالبية العظمى من النصوص مؤرخة بعد عام 140 بعد الميلاد. يأتي معظم ما لدينا كدليل على الميثرائية في القرن الثاني والثالث والرابع بعد الميلاد. هذا بشكل أساسي هو الخطأ في النظريات حول تأثير الميثرائية على بدايات المسيحية.”
لاحظت أن “التوقيت غير صحيح”.
قال، “هذا صحيح”، التقط نسخة من كتابه الضخم بلاد فارس والكتاب المقدس وتصفحه حتى وجد إشارة إلى جوردون، الزميل الأكبر في جامعة إيست أنجليا East Anglia الذي نشر على نطاق واسع في التاريخ وعلم الآثار. قال ياموكي: “يؤرخ جوردون تأسيس أسرار ميثرا الى عهد هادريان، الذي كان من 117 إلى 138 بعد الميلاد، أو أنطونينوس بيوس، الذي كان من 138 إلى 161”. “على وجه التحديد، قال جوردون، ‘لذلك من المنطقي القول بأن الميثرائية الغربية لم تكن موجودة حتى منتصف القرن الثاني، على الأقل بالمعنى المتقدم.'”[305]
ثم التقط نسخة من مقال من مجلة علمية تسمى ميثرا Mithras، نشرتها جمعية الدراسات الميثرائية في أعقاب الاجتماع السري للعلماء الإيرانيين عام 1974. قرأ كلمات إي جيه يارنولد من جامعة أكسفورد: “لقد تلاشى الآن الحماس الذي استخدمه المؤرخون للكشف عن الاستعارات المسيحية بالجملة من الألغاز الميثرائية وغيرها من الديانات الغامضة.”[306]
نظر ياموكي إليّ. وقال: “كما خَلُصَ رونالد ناش والعديد من العلماء الآخرين، فإن التأريخ يدحض أن المسيحية استعارت تعاليمها من الميثرائية”. في الواقع، ناش يؤكِّد: “لقد حدث ازدهار الميثرائية بعد إغلاق قانون العهد الجديد، بعد فوات الأوان بحيث لم تؤثر على تطور المسيحية في القرن الأول”.[307]
لقد حملني ياموكي نسخًا من المقالات الأكاديمية والكتب التي كتبها علماء مرموقون يدعمون هذا الادعاء. قال مانفريد كلاوس، أستاذ التاريخ القديم في الجامعة الحرة في برلين، في كتابه عبادة ميثرا الرومانية The Roman Cult of Mithras إنه لا معنى لتفسير الالغاز الميثرائية “على أنها تسبق المسيحية”.[308] في كتابه المسيحية والميثرائية Mithraism and Christianity، الذي نشرته مطبعة جامعة كامبريدج، خَلُصَ إل باترسون إلى أنه “لا يوجد اتصال مباشر بين الديانتين سواء في الأصل أو في التطور.”[309]
جاري ليز، أستاذ الدراسات الدينية بجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز Santa Cruz والسكرتير التنفيذي لرابطة أمريكا الشمالية لدراسة الدين لفترة طويلة، أشار في مقال أكاديمي أن علماء بارزين مثل أدولف فون هارناك Adolf von Harnack، وآرثر داربي نوك Arthur Darby Nock، وسي جي إف براندون S. G. F. Brandon، وويليام أر هاليداي William R. Halliday، وإرنست بنز Ernst Benz “لم يروا سوى القليل من الأدلة لدعم مزاعم مثل هذا التأثير والاقتراض المتبادل” بين الميثرائية والمسيحية.[310]
أضاف ليز، الذي حصل على درجة الدكتوراه من جامعة ميونيخ ثم شغل كرسي رومانو جوارديني Romano Guardini الشهير لنظرية الثقافة والدين:
بعد ما يقرب من 100 عام من العمل المتواصل، يبدو أنه لا مفر من الاستنتاج بأن لا الميثرائية ولا المسيحية أُثبِتَ أنهما كان لهما تأثير واضح ومباشر كل منهما على الآخر في تطور وزوال أو بقاء أي من الديانتين. يتم تفسير معتقداتهما وممارساتهما جيدًا من خلال أصولهما الأكثر وضوحًا وليس هناك حاجة لشرح أحدهما من خلال الآخر.[311]
كان وزن الأدلة ثقيلًا: فالادعاء بأن المسيحية استعارت أفكارها المركزية من الميثرائية قد هُدِمَ تمامًا من خلال الفحص الدقيق للتواريخ التي فيها ترسخت جذور الميثرائية في الغرب. ولكن ماذا عن أوجه التشابه العديدة بين الميثرائية والمسيحية التي وصفها الكُتّاب المشهورون، بمن فيهم الروائي دان براون، بأنها دليل على انتحال المسيحية؟ كنت متشوقًا لمعرفة كيف سيتعامل ياموكي مع تلك التُهم المحددة.
ميثرامقابليسوع
لقد سحبت قائمة بـ أوجه التشابه بين يسوع وميثرا. قلت: “أولاً، يدعي الكتاب المشهورون أن ميثرا وُلِدَ من عذراء”. “هل صحيح أن هذا كان ما علّمته الميثرائية؟”
بدا ياموكي متضايقاً. وأصر “لا، هذا بالتأكيد ليس صحيحًا”. “لقد وُلِدَ من صخرة.”
“صخرة؟”
“نعم، يتم تصوير الميلاد الصخري بشكل شائع في نقوش ميثرائية،” أوضح أنه “يظهر ميثرا كامل النمو وعاريًا باستثناء قبعة فريجية -إقليم قديم في الوسط الغربي من الأناضول -، وهو يحمل خنجرًا وشعلة. في بعض الاختلافات، تنطلق ألسنة اللهب من الصخرة، أو أنه يحمل كرة في يده”.
ضحكت في نفسي ثم قلت: “لذا ما لم تُعتبر الصخرة عذراء، فإن هذا التشابه مع يسوع يتبخر.”
قال: “صحيح تماما”.
“وهذا يعني أنه لم يولد في كهف، وهو ما يزعم بعض الكتاب أنه موازٍ ثانٍ للمسيحية.”
“حسنًا، صحيح أن هناك معابد ميثرائية صممت لتبدو وكأنها كهوف”. قال ياموكي: “يناقش جاري ليز ذلك في فصله عن الميثرائية والمسيحية.”
لقد فحصت لاحقًا عمل ليز. إنه يقدم ملاحظة مهمة مفادها أنه لا يوجد مكان في العهد الجديد يوصف فيه يسوع بأنه وُلِد في كهف. وردت هذه الفكرة لأول مرة في رسالة برنابا في بداية القرن الثاني.
قال يوستينوس الشهيد في القرن الثاني أن كهف ميثرا كان محاكاة شيطانية للتقليد القائل بأن يسوع ولد في كهف. أشار ليز، مع ذلك، الى أن الباحث إرنست بنز “أظهر بشكل قاطع أن هذا التقليد المسيحي لا يأتي من الاعتماد على الميثرائية، بل من تقليد قديم في فلسطين نفسها من الأضرحة المقدسة في الكهوف”. يخلص ليز إلى أنه: “ليس هناك شك في أن التقليد المسيحي لا ينبع من الرواية الميثرائية.”[312]
بالعودة الى قائمتي، قلت لياموكي: “التشابه الثالث المفترض مع يسوع هو أن ميثرا ولد في 25 ديسمبر.”
أجاب: “مرة أخرى، هذا ليس تشابهاً”.
“لما لا؟”
قال: “لأننا لا نعرف تاريخ ميلاد يسوع”. “كان أول تاريخ يحتفل به المسيحيون هو 6 يناير -في الواقع، ما زال يحتفل به العديد من الكنائس في الشرق. بالطبع، 25 ديسمبر قريب جدًا من الانقلاب الشتوي. كان هذا هو التاريخ الذي اختاره الإمبراطور أوريليان لتكريس معبده الى سول إنفيكتوس Sol Invictus، الإله المسمى “الشمس غير القابلة للقهر”. ارتبط ميثرا ارتباطًا وثيقًا بسول إنفيكتوس؛ في بعض الأحيان يتم تصويرهما وهما يتصافحان. يبدو أن هذه هي الطريقة التي ارتبط بها ميثرا مع 25 ديسمبر.”
“متى أصبح ذلك التاريخ هو عيد الميلاد بالنسبة للمسيحيين؟”
“يبدو أن ذلك حدث في عام 336، أي قبل عام من وفاة قسطنطين، أول إمبراطور روماني اعتنق المسيحية. نحن نعلم أنه قبل تحوله، كان يعبد سول إنفيكتوس. نحن نعلم على وجه اليقين أن قسطنطين جعل الأحد، أو يوم الرب، عطلة رسمية، على الرغم من أن المسيحيين كانوا يحتفلون به بالفعل باعتباره اليوم الذي قام يسوع فيه. لذلك من الممكن تصور أن قسطنطين قد خصص 25 ديسمبر لعيد ميلاد المسيح. نحن نعلم أن الأباطرة والباباوات المسيحيين اقترحوا أنه بدلاً من مجرد منع الاحتفالات الوثنية، فإنهم يلائمونها للمسيحية”.[313]
“ماذا عن التشابه الرابع بأن ميثرا كان متجولاً عظيمًا أو سيدًا مع اثني عشر تلميذًا؟”
أجاب ياموكي: “لا، لقد كان إلهاً وليس معلماً”، وبدا نفاد صبره قليلاً.
“التشابه الخامس هو أن أتباعه وُعِدوا بالخلود.”
قال: “حسنًا، يمكن استنتاج ذلك، لكن بالتأكيد كان هذا هو أمل معظم أتباع أي دين”. “لذا فهذا ليس مفاجئًا.”
“ماذا عن الادعاء السادس، الذي يقول إن ميثرا ضحى بنفسه من أجل السلام العالمي؟”
تنهد ياموكي. “هذه مجرد إسقاطات للاهوت المسيحي لما هو غير موجود هنا. لم يضحِّ بنفسه -لقد قتل ثورًا”.
قلت: “التشابه السابع -والأكثر أهمية -هو أن ميثرا دُفن في قبر وقام بعد ثلاثة أيام”. “هل هناك أي حقيقة في ذلك؟”
قال ياموكي بحزم: “نحن لا نعرف شيئًا عن موت ميثراس”. “لدينا الكثير من الآثار، لكن ليس لدينا أي دليل نصي تقريبًا، لأن هذا كان دينًا سريًا. لكني لا أعرف أي إشارات إلى موت وقيامة مفترضة”. في الواقع، أعلن ريتشارد جوردون في كتابه الصورة والقيمة في العالم اليوناني الروماني Image and Value in the Greco-Roman World أنه “لا يوجد موت لميثرا” -وبالتالي، لا يمكن أن تكون هناك قيامة.[314]
واصلت، رغم أنه كان لدي شعور بأنني أستطيع أن أخمن ردوده. “ثمانية، ميثرا كان يعتبر الراعي الصالح، الطريق، الحق، والحياة، اللوغوس، الفادي، المخلص.”
“لا، مرة أخرى هذا مجرد إسقاطات للاهوت المسيحي في هذا الأمر.”
“تاسعاً، كانت هناك وجبة سرّية في الميثرائية تتوازى مع العشاء الرباني.”
أجاب: “توجد وجبات مشتركة في جميع الطوائف الدينية تقريبًا”. “الجدير بالملاحظة أن المدافعين المسيحيين يوستينوس الشهيد وترتليان يشيران الى أوجه التشابه مع العشاء الرباني، لكنهم كتبوا في القرن الثاني، بعد وقت طويل من تأسيس المسيحية للعشاء الرباني. زعما أن الوجبة الميثرائية كانت محاكاة شيطانية. من الواضح أن الوجبة المسيحية كانت مبنية على عيد الفصح، وليس على دين غامض.”
أحالني ياموكي الى كتاب كلاوس The Roman Cult of Mithras عبادة ميثرا الرومانية. وقال: “هذه الوجبة الأرضية هي إعادة إنتاج طقوس للاحتفال بانتصاره [على الثور] الذي قام به ميثرا مع إله الشمس قبل صعودهما المشترك في عربة الشمس”.[315] “ربما كانت الوجبة الطقسية مجرد مكون من وجبات الطعام العادية. لطالما كانت مثل هذه الوجبات جزءًا أساسيًا من التجمع الديني؛ الأكل والشرب معًا يخلقان مجتمعًا ويظهر حقيقة أن أولئك الذين يشاركون هم أعضاء في نفس المجموعة.”[316]
قال يارنولد من جامعة أكسفورد إن وصف كومون المنهجي لطقوس الوجبة المقدسة الميثرائية في المصطلحات المسيحية -لا سيما في إشارة الى الوجبة الميثرائية على أنها شركة -” يُنظر اليه الآن على أنه مضلل، ناهيك عن أنه مؤذ”.[317]
يوافق ليز على عدم وجود علاقة بين الاحتفالات المسيحية والميثرائية. “لا شيء في أي من المصادر التي لدينا يؤدي إلى نظرية قابلة للتطبيق مفادها أن أصل الوجبة المسيحية موجود في الميثرائية، ولا يمكن للمرء أن يشتق الوجبة الميثرائية من المسيحية.”[318]
وأشار الى أن القربان المسيحي “يتركز في التقليد اليهودي لعيد الفصح والتذكر التاريخي على وجه التحديد لأعمال يسوع الأخيرة”، في حين أن العيد الميثرائي “ترجع أصوله الى احتفالات مزدانية زرادشتية [أي، الفارسية].”[319] وختم قائلاً: “ببساطة ليست هناك حاجة لربط هذين الحدثين معًا من حيث الاشتقاق أو التأثير المباشر”.[320]
ألقيت بقائمة التشابهات التي فقدت مصداقيتها الآن على الطاولة. بشكل مثير للدهشة، على الرغم من وجود العديد من الكتاب الذين حاولوا تشويه سمعة المسيحية بمثل هذه الاتهامات بالسرقة الأدبية، إلا أن المزاعم تبخرت فقط تحت التدقيق. ومع ذلك، بقيت قضية واحدة ذات صلة: ما إذا كانت الطقوس الميثرائية الدموية هي مصدر تعليم الرسول بولس عن الفداء من خلال دم يسوع.
دمالثيران
اقتداءاً بقيادة ريتزنشتاين، اعتقد اللاهوتي الفرنسي الفريد لويزي، المتوفى عام 1940، أن إحدى الطقوس الميثرائية المسماة توروبوليوم taurobolium كانت أساس الاعتقاد المسيحي بأن الناس يخلُصونَ “من خلال دم” يسوع. لقد ربط هذه الطقوس تحديدًا بتصوير بولس في رومية 6، حيث يتحدث الرسول عن ” كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ المَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ”.[321]
لتعزيز أطروحته، قدم لويس دليلًا على نقش توروبوليكي يُقال فيه aeternum renatus -أو “يولد من جديد الى الأبد” -والذي قال إنه يوازي المفهوم المسيحي للولادة الروحية من جديد.[322]
طلبت من ياموكي أن يصف التوروبوليوم، الذي كتب عنه في كتابه بلاد فارس والكتاب المقدس.
قال: “هذه الطقوس كانت تمارس من قبل الميثرائيين فقط في حالات استثنائية. كانت مرتبطًة بشكل كامل تقريبًا بعبادة أتيس، التي كانت ديانة غامضة أخرى.” “في شكلها المتطور، يتم وضع المبتدئ في حفرة ويُذبَح ثور بشكل مزعج فوقه، ليغمره دم الثور.”
توقف مؤقتًا قبل إضافة القليل من التهويل: “لقد كانت طقوسًا حية للغاية”.
هذا، بالطبع، بدا غريبًا تمامًا عن ممارسات نظام الذبائح اليهودية وإشارتها لموت يسوع باعتباره “حمل الله الذي يرفع خطية العالم”.[323]
تابع ياموكي. “مرة أخرى، تأريخ ممارسات مثل هذه هو نقطة ضعف لهذه الدراسات المقارنة -فهي لا تولي اهتماما لتواريخ المصادر وقد تم استخدامها بشكل عفا عليه الزمن.”
سألت: “متى تم إنشاء التوروبوليوم؟”.
قال “تم الإبلاغ عن هذه الطقوس في القرن الثاني بعد الميلاد”، مشيرًا الى اقتباس من الباحث السويسري جونتر فاجنر في مقال كتبه ياموكي:
تم توثيق التوروبوليوم لعبادة أتيس لأول مرة في زمن أنطونينوس بيوس أو 160 م. بقدر ما يمكننا أن نرى في الوقت الحاضر، فقد أصبح تكريسًا شخصيًا فقط في بداية القرن الثالث الميلادي. لا تظهر فكرة الولادة الجديدة من خلال أداة التوروبوليوم الا في حالات منعزلة قرب نهاية القرن الرابع الميلادي.[324]
وشدد ياموكي على أنه “لا توجد طريقة يمكن أن تؤثر بها هذه الطقوس على لاهوت المسيحية حول الفداء”.
سألت: “ماذا عن النقش الذي يذكر أنه ‘يولد من جديد الى الأبد’؟”.
قال بابتسامة صغيرة: “آه، هذه قصة مثيرة للاهتمام”. “اتضح أن نقش ريناتوس renatus يرجع تاريخه الى عام 375 بعد الميلاد. هناك نقش آخر من نفس الفترة الزمنية تقريبًا يقول إن هذه الطقوس كانت فعالة لمدة عشرين عامًا فقط. اقترح بروس ميتزجر من برينستون أن هذا قد يكون مثالاً على تأثير المسيحية على الميثرائية. أي أن المسيحية وعدت أتباعها بالحياة الأبدية، وبالتالي ربما استجابةً لفعالية حمام الدم أثيرت في العبادة الميثرائية من عشرين عامًا الى الأبد”.[325]
واحدًا تلو الآخر، الادعاءات المُبالِغة أن المسيحية نسخت نفسها من الميثرائية ترجع خائبة نتيجة الدراسات القوية بشكل مقنع. لقد كان مذهلاً بالنسبة لي أن الكتاب يستطيعون بشكل غير مسؤول -أو بشكل خبيث -تقديم مزاعم حول أوجه التشابه التي هي ببساطة غير دقيقة.
سألت ياموكي: “هل ترى أي دليل على أن المسيحية استعارت أيا من معتقداتها من الميثرائية؟”.
قال: “ليس حقًا”. لقد كانا متنافسين في القرن الثاني وما بعده. في بعض الأحيان كان هناك معبد ميثرائي يقع بجوار معبد مسيحي في روما. عندما أصبحت المسيحية الدين الرسمي، دمر المسيحيون أحيانًا الميثرايوم/المعابد الميثرائية “.
“في كتابه أسرار ميثرا The Mysteries of Mithras، يقتبس بايام نابراز Payam Nabarz من مؤرخًا يُعرِّفه باسم جوزيف رينان Joseph Renan قوله، “إذا تم تقييد المسيحية في نموها بسبب بعض العوائق، لكان العالم قد أصبح ميثرائياً،” قلت: “هل تعتقد أن هذا صحيح؟”
هز ياموكي رأسه. “أولا وقبل كل شيء، اسمه خاطئ. إنه إرنست رينان Ernest Renan، وهو عالم فرنسي مُعادٍ للكاثوليكية كتب عملاً مثيرًا بعنوان Vie de Jesus، أو Life of Jesus حياة يسوع، في عام 1863 -وهو أحد الأعمال التي انتقدها ألبرت شفايتسر في نقده الشهير لسير يسوع التي الفها علماء ليبراليين”.
قدم ياموكي خلفية إضافية أدت الى مزيد من التشويه لمصداقية رينان، مشيرًا الى تعليقات ستيفن نيل وتوم رايت في كتاب نشرته مطبعة جامعة أكسفورد: “رينان يخلط بين البلاغة والعمق …. يدعي أنه يعمل كمؤرخ، فهو لا يتابع بالجدية المطلوبة المشاكل التاريخية لحياة يسوع”.[326]
وتابع ياموكي: “لا داعي للقول”، “إن عمل رينان، الذي نُشر منذ ما يقرب من 150 عامًا، ليس له قيمة كمصدر. كان يعرف القليل جدًا عن الميثرائية، وإلى جانب ذلك، نعرف الكثير عنها اليوم. ومع ذلك، يشيع استخدام هذا الاقتباس من قبل الأشخاص الذين لا يفهمون السياق. إنه ببساطة عفا عليه الزمن”.
راجعت ملاحظاتي للحصول على اقتباس آخر قرأته. “يدعي نابراز في كتابه أن: ‘استيعاب الميثرائية من قبل منافستها المسيحية أدى الى التراجع المبكر وفقدان المعنى الحقيقي في كلا الديانتين. لقد تضاءلت الرسالة المُحبة للسلام للمسيحية، كما علمها المسيح، واستُبدلت بعقلية المحارب من الميثرائية’ “.
لم يكن ياموكي يشتريها. “نابراز هو درويش وكاهن ممارس وعضو في جمعية الفجر الذهبي الغامض وأحد نشطاء معبد ميثرا. على الرغم من أنه حاصل على درجة الدكتوراه من أكسفورد، لكنها في العلوم. قال ياموكي: “إنه يفتقر الى المصداقية كمؤرخ للمسيحية”.
“لا يوجد دليل على تأثير الميثرائية على المسيحية في القرن الأول. بعيدًا عن استيعاب الميثرائية، استنكر آباء الكنيسة -من يوستينوس الشهيد الى ترتليان -الميثرائية باعتبارها محاكاة شيطانية. اقترح بعض العلماء أن المسيحية ربما استعارت بوعي أو بغير وعي ممارسات ثانوية في وقت لاحق، وهو ما قد يكون صحيحًا. ومع ذلك، فإن هذا ليس له أي تأثير على المعتقدات الأساسية للمسيحية.”
على هذا المنوال، يقترح يارنولد أن الميثرائية ربما أثرت على ممارسة مسيحية في القرن الرابع تتمثل في جعل المتحولين ينبذون الشيطان في احتفال خاص لم يعد يُمارَس. لكن يارنولد حذر من المبالغة في قراءة البقايا الضئيلة للميثرائية. قال: “الباحث الميثرائي الحديث غالبًا ما يغريه الافتقار الواضح للأدلة التي تمكنه من الإمساك بالقش والتي لا تقدم دعمًا يذكر لحجته أو لا تقدم أي دعم على الإطلاق”.[327]
المشتبهبهمالمعتادين
حولت حديثنا الى مسألة ما إذا كان أي آلهة أخرى في العصور القديمة قد قدمت النموذج الأوّليّ لقصص القيامة عن يسوع. بشكل أساسي، كنت أرغب في معرفة ما إذا كان ياموكي سيوافق على ما أخبرني به ليكونا حول هذه المسالة.
ذهب ياموكي الى أسفل قائمة “المشتبه بهم المعتادين” الذين يظهرون في الأدب الشعبي. قال: “بادئ ذي بدء، لا توجد قيامة لمردوخ أو ديونيسوس. هناك قيامة مزعومة لـ تموز، إله الخصوبة في بلاد ما بين النهرين، والمعروف في السومرية باسم دوموزي، ولكن اتضح أنه لم تكن هناك قيامة حقيقية “.
لقد كنت مشوشا. “ماذا تقصد؟”
“تم افتراض قيامته من قبل الإلهة إنانا عشتار على الرغم من أن نهاية النصوص حول الأسطورة كانت مفقودة. ثم في عام 1960، نشر إس إن كريمر S.N.Kramer قصيدة تم اكتشافها حديثًا تثبت أن إنانا لم تنقذ دوموزي من العالم السفلي ولكنها أرسلته الى هناك كبديل لها.[328] هناك أيضًا نص غامض ومجزأ يشير الى أن دوموزي ربما يكون قد جعل أخته تأخذ مكانه في العالم السفلي لمدة ستة أشهر من العام.[329] مرة أخرى، هذا مرتبط بالفصول ودورات الحياة النباتية. إنها ليست قيامة”.[330]
سألت: “وأدونيس؟”.
“عرّفَ الكُتاّب اللاحقون تموز على أنه أدونيس، الذي أحبته أفروديت. لم تكن عبادة أدونيس ذات أهمية كبيرة على الإطلاق وكانت مقتصرة على النساء. أوضح بيير لامبرختس Pierre Lambrechts أنه لا توجد مؤشرات على القيامة في المعلومات المبكرة التي لدينا عن أدونيس. بينما توجد أربعة نصوص تتحدث عن قيامته، الا أنها تعود الى الفترة من القرن الثاني الى القرن الرابع بعد الميلاد -بعد فترة طويلة من يسوع”.[331]
سألت: “وماذا عن سيبيل وأتيس؟”.
“كان أتيس شابًا تحبه سيبيل، والمعروفة أيضًا باسم الإلهة الأم العظيمة. كان أتيس غير مخلص، لذلك دفعته سيبيل الى الجنون؛ خصى نفسه ومات. هذا هو السبب في أن كهنة سيبيل كانوا خصيان،” أشار ياموكي. “لكن لامبرختس أثبت أن “القيامة “المفترضة لـ أتيس لا تظهر الا بعد 150 بعد الميلاد -بعد أكثر من قرن من يسوع.”[332]
مرة أخرى، ترتبط هذه الأسطورة بدورة الحياة النباتية. قال ناش: “اعتقد العديد من عابدي سيبيل أن البروفة السنوية لأسطورة أتيس كان وسيلة لضمان محصول جيد”.[333] وأشار الى أن “سيبيل يمكنها فقط الحفاظ على جثة أتيس. علاوة على ذلك، هناك إشارة إلى استمرار نمو شعر الجسم، إلى جانب بعض حركات إصبعه الصغير. في بعض إصدارات الأسطورة، اتخذت عودة أتيس الى الحياة شكل كيانه الذي تحول الى شجرة دائمة الخضرة”.[334]
لقد طرحت موضوع أوزوريس، الذي قُطع جسده الى أربعة عشر قطعة ثم أُعيد تجميعه -ناقص جزء -من قبل أخته إيزيس، كما وصفه ليكونا سابقًا.
قال ياموكي: “في الواقع، كانت هناك أيضًا حادثة سابقة قتله فيها شقيقه سيث وأغرق نعشه في النيل. بعد أن أعادت إيزيس إحيائه تم تقطيعه”.
“هل هذه الروايات تسبق المسيحية؟”
“تم العثور عليها في بلوتارخ، الذي كتب في القرن الثاني بعد الميلاد، لكن يبدو أنها متسقة مع التصريحات التي وردت في النصوص المصرية القديمة -لذا، نعم. ومع ذلك، فمن المضلل مساواة المفهوم المصري عن الحياة الآخرة بالقيامة في التقليد المسيحي. اعتقد المصريون أنه لتحقيق الخلود، يجب تحنيط الجسد وتوفير الغذاء واستخدام التعاويذ السحرية. لم يكن يستلزم المفهوم المصري القيامة من الموت. بدلاً من ذلك، تحوم كيانات منفصلة لشخصية الفرد – تسمى با Ba وKa كا -حول جسده”.
“إذن هذه ليست قيامة؟”
وشدد على ذلك قائلاً: “ليس بنفس المعنى الذي قام به يسوع”. “تم إحياء أوزوريس ولكنه ملك العالم السفلي”.[335]
يوافق ميتزجر. “ما إذا كان هذا يمكن أن يسمى بحق القيامة فهو أمر مشكوك فيه، خاصة أنه، وفقًا لبلوتارخ، كانت رغبة المؤمنين التقية في أن يُدفنوا في نفس الأرض حيث، وفقًا للتقاليد المحلية، لا يزال جسد أوزوريس راقدًا”.[336]
قال الباحث الفرنسي رولان دي فو، الذي كان مديرًا لمدرسة الكتاب المقدس في القدس، إن أوزوريس “لن يأتي أبدًا بين الأحياء وسيحكم فقط على الأموات”. وخلص إلى أن “هذا الإله المعاد إحيائه هو في الواقع إله ‘مومياء'”.[337] وافق فاجنر على ذلك. قال: “لم يعرف أوزوريس القيامة، لكنه أُحيى ليكون حاكمًا للعالم الآخر”.[338]
قال ياموكي إن التناقض مع يسوع لا يمكن أن يكون أكثر وضوحًا من هذا. أشار اإى أن “كل هذه الأساطير هي تمثيلات رمزية متكررة لموت وولادة النباتات من جديد. هذه ليست شخصيات تاريخية، ولم تكن وفاة أياً منهم تهدف إلى الخلاص.” “في حالة يسوع، حتى المؤلفين غير المسيحيين، مثل يوسيفوس وتاسيتوس، يذكرون أنه مات تحت حكم بيلاطس البنطي في عهد طيباريوس. إن تقارير قيامته مبكرة جدًا ومتأصلة في روايات شهود العيان.”
وشدد على أن “لديهم رنين الواقع، وليس الصفات الأثيرية لأسطورة.”
ادعاءاتعنولاداتعذريةأخرى
متّى، أحد أتباع يسوع، ولوقا، طبيب القرن الأول الذي قال إنه “بحث بعناية في كل شيء” عن يسوع “منذ البداية”،[339] يذكر كلاهما أن يسوع ولد من عذراء. إنه ادعاء بعيد الاحتمال بشكل غير عادي -الا إذا كانت قيامة يسوع صحيحة، في هذه الحالة – قيامته -تم إثبات ألوهيته بشكل مقنع وتصبح الولادة العذرية ليست قابلة للتصديق فحسب، بل تصبح منطقية بلا هوادة.
ومع ذلك، فإن أحد أكثر الاعتراضات شيوعًا على يسوع هو أن ولادته من عذراء لم تكن تاريخية ولكنها سُرقت من الأساطير السابقة، وبالتالي فهي خيالية مثل القصص الغريبة عن زيوس أو بيرسيوس.
قال روبرت جيه ميللر، أستاذ الدين المشارك في كلية جونياتا، “إن فكرة أنه ليس ليسوع أبًا بشريًا لأنه ابن الله … كانت في الأصل فكرة وثنية”.[340] “يتوقع الوثنيون في الثقافة الوثنية أن يكون للرجل الذي جسدت حياته الألوهية أبًا إلهيّاً وأمًا بشرية. وهكذا تتوافق الولادة العذراوية مع ما توقعه المسيحيون الوثنيون من سيرة حياة يسوع”.[341]
وافق والتر إي بوندي، الذي بدأ الكتابة عن الأناجيل الإزائية في عام 1919 ودرّس في جامعة ديباو، على أن “فكرة الولادة الخارقة للطبيعة أو من عذراء هي فكرة وثنية” وأنه “يجب أن تكون قد وجدت طريقها إلى قصة يسوع من خلال طرق مسيحية-وثنية.”[342]
وبالمثل، كتب المتشكك توم فلين في مجلة Free Inquiryاستفسار حر أنه إذا كان يسوع رجلاً “رائعًا بما يكفي لإطلاق آلية صنع الأساطير في عصره،” عندها من المتوقع أن ينتج عن ذلك “مثل هذه الادعاءات المصاغة والمشتقة” مثل الولادة العذراوية.[343]
سألت ياموكي عن تقييمه. “إن فكرة ولادة يسوع من عذراء مميزة لأنها تستند الى نبوءة قديمة، وتحديداً الترجمة السبعينية لإشعياء 7: 14″، بدأ رده. “كما تعلم، يستخدم إشعياء الكلمة العبرية ‘ علمهalmah ‘، والتي تعني أن ‘الشابة’ ستلد، وتوضح السبعينية عذريتها باستخدام الكلمة اليونانية بارثينوسparthenos، والتي تعني بالتحديد ‘عذراء’. بالطبع، ينبغي أن يقال إن الفتاة الشابة في تلك الأيام كان يُفترض أنها عذراء؛ لا يمكننا بالضرورة قول ذلك في مجتمعنا المعاصر”.[344]
سألت: “ماذا عن التشابهات التي كثيرًا ما يُستشهد بها بين ولادة يسوع من عذراء والآلهة الأسطورية؟”.
قال: “بعض هذه التشابهات المفترضة تتفكك عند الفحص الدقيق”. “بعض هؤلاء الذين غالبًا ما يتم الاستشهاد بهم -مثل زيوس، على سبيل المثال -هم آلهة مُجسّمة تشتهي النساء البشريات، وهو أمر يختلف بالتأكيد عن قصة يسوع. إن النسل الأسطوري هم أنصاف آلهة وأنصاف رجال وتبدأ حياتهم عند الحبل بهم، على عكس يسوع، الذي هو الله الكامل والإنسان الكامل والذي هو أزلي ولكنه جاء إلى هذا العالم من خلال التجسد. أيضًا، وضعت الأناجيل يسوع في سياق تاريخي، على عكس الآلهة الأسطورية. علاوة على ذلك، حتى لو كانت هناك قصة ولادة غير عادية في الأساطير سبقت المسيحية، فإن هذا لا يعني أن المسيحيين اخذوها من الأساطير”.
هذه النقطة الأخيرة ذكرها أيضًا روبرت جروماكي Robert Gromacki، الأستاذ في جامعة سيدارفيل، في كتابه عام 2002 The Virgin Birthالولادة العذراوية:
هذا مثال ممتاز على المغالطة المنطقية post hoc ergo propter hoc (“بعد هذا، وبالتالي، بسبب هذا”). كتب أفلاطون عن وجود الله قبل وقت طويل من تأليف بولس لرسائله، لكن الأخيرة لم تكن بأي حال من الأحوال معتمدة على الفيلسوف اليوناني. تفترض حجة الأصل الوثني الكثير في طريق التشابه وتتغاضى عن الاختلافات الجذرية.[345]
لقد سحبت قائمة بأكثر أوجه التشابه المذكورة شيوعًا مع رواية يسوع. وسألت: “ماذا عن ديونيسوس، إله النبيذ والخصوبة المعروف أيضًا باسم باخوس؟”. “كثيرا ما يُستشهد به على أنه نتاج ولادة عذراوية.”
“لا، لا يوجد دليل على ولادة ديونيسوس من عذراء،” قال ياموكي. “كما تقول القصة، زيوس الذي كان متنكرا كإنسان، وقع في حب الأميرة سيميلي Semelê، ابنة قدموس، وأصبحت حاملا. هيرا، التي كانت ملكة – زوجة -زيوس، رتبت أن تحترق – سيميلي -لتصبح هشّة، لكن زيوس أنقذ الجنين وخاطه في فخذه حتى ولادته. لذا فهذه ليست ولادة عذراوية بأي شكل من الأشكال.”[346]
سألت: “وماذا عن قصة زيوس أثناء تخصيبه لـ داناي Danaë خلال وابل من الذهب وولادة بيرسيوس؟”.
“هناك العديد من القصص عن زيوس وعلاقاته مع النساء. إليك الفارق الكبير: يمكن أن يكون الإله اليهودي -يهوه -مجسمًا، لكن هذه كانت استعارات لا يجب فهمها حرفيًا، بينما في الأساطير اليونانية، تم أخذ التجسيم بالمعنى الحرفي للكلمة. كانت الآلهة بشرًا بشكل كبير -كانوا يشتهون النساء الفانيات. هذا هو محور هذه الخرافات. على الرغم من أن الرب يُعبَّر عنه أحيانًا في الصور البشرية، الا أنه يختلف تمامًا عن البشر. لذا فإن هذه التشابهات تتحطم على مستوى جوهري للغاية. أنت تتحدث عن مفهومين مختلفين تمامًا عن الله”.[347]
العالم البارز جاي جريشام ماشين J. Gresham Machen، الذي درّس العهد الجديد في مدرسة برينستون اللاهوتية لمدة ثلاثة وعشرين عامًا، يشير الى نقطة مماثلة في أعظم مؤلفاته، The Virgin Birth of Christ ولادة المسيح العذراوية:
قد يكون اتحاد زيوس مع داناي ليس في شكل بشري، بل في وابل من الذهب، ولكن على الرغم من ذلك، فإن الاتحاد يرضي شهوته تجاه الفتاة البشرية. في كل مكان حب الله للمرأة الفانية موجود، وليس مجرد إقصاء الأب البشري للطفل، الذي يقف في صدارة اهتمامها … هل يمكن أن يكون أي شيء أبعد بشكل كامل عن التصور في متى ولوقا من قصص علاقات زيوس الجنسية هذه؟[348]
ويشير ماشين أيضًا الى أن المدافع المسيحي يوستينوس الشهيد، كتب في منتصف القرن الثاني، يجادل بأن ليسوع المسيح ولادة عذراوية “مثل” بيرسيوس. وقد استشهد البعض بكتابات يوستينوس كدليل على أن الاثنين مرتبطان بالفعل. ومع ذلك، يشير ماشين الى أن:
يجب ألّا ننسى أبدًا أن مناشدة يوستينوس الشهيد وأوريجانوس للقصص الوثنية عن الإنجاب الإلهي هي argumentum ad hominem مغالطة الشخصنة. يقول يوستينوس وأوريجانوس في الواقع لمعارضيهما الوثنيين: “أنت أيضاً لديك هذا،” “إن ولادة المسيح من عذراء لا تصدق؛ حسنًا، هل هذه لا تُصدق أكثر من القصص التي تؤمنون بها أنفسكم؟” … عندما يشير يوستينوس … إلى ولادة بيرسيوس على أنها ولادة من (أو من خلال) عذراء، فإنه يتجاوز ما تحتويه المصادر الوثنية. يبدو أنه لا يوجد دليل واضح على أن المصادر الوثنية استخدمت كلمة “عذراء” للإشارة الى أمهات الأبطال، الأسطوريين أو التاريخيين، الذين تم تمثيلهم على أنهم من مواليد الآلهة.[349]
كانت المزاعم حول الولادات غير العادية للآلهة الأسطورية شيئًا واحدًا، ولكن هناك مزاعم أخرى تمامًا هي أن بعض الشخصيات التاريخية ما قبل المسيحية -من بوذا الى الإسكندر الأكبر -هم نتاج ولادات عذراوية. خططت لمتابعة هذه التشابهات بعد ذلك.
تقاريرأخرىمنالتاريخ
سؤالي الأول على هذا المنوال يتعلق بـ “حمل” الإسكندر الأكبر. تدور العديد من القصص حول ولادته، وادعى بعض الكتاب أنه تم تصوره بطريقة صحيحة.
أوضح ياموكي: “ليس هناك شك في أن والدة الإسكندر كانت أوليمبياس وأن والده فيليب المقدوني”. “ورث الإسكندر العرش باعتباره ابن فيليب فقط عندما اغتيل والده عام 336 قبل الميلاد. كانت قصة إخصاب زيوس لـ أوليمبياس وفقًا لحلمها دعاية في وقت لاحق تهدف الى دعم طلب الإسكندر للعبادة.”
في الواقع، هناك تقرير من بلوتارخ أن أوليمبياس رفضت صراحة قصة حمل الإسكندر بواسطة زيوس، قائلة في إشارة إلى زوجة زيوس، “ألن يتوقف الإسكندر عن تشويه سمعتي أمام هيرا؟”[350] في الواقع، قال المؤرخ Peter Green بيتر جرين، “حقيقة الأمر هي أنه ليس لدينا سوى القليل من الأدلة المباشرة بشكل مفاجئ على طفولة الإسكندر من أي مصدر، وما هو موجود له قيمة تاريخية محدودة للغاية.”[351]
تابع ياموكي وقال: “غالبًا ما يُطلق على ولادة بوذا اسم عذراوية، لكن هذا ليس دقيقًا أيضًا”. “لا تظهر مصادر حياة بوذا في شكل مكتوب الا بعد مرور خمسة قرون على وفاته، لذا فهي غير موثوقة تاريخياً. وفقًا للأسطورة، كانت والدة بوذا تحلم أنه دخلها في شكل فيل أبيض -كامل التكوين! بالإضافة الى ذلك، كانت قد تزوجت لسنوات عديدة قبل ذلك، لذا فهي بالتأكيد لم تكن عذراء.[352]
“المصادر اللاحقة لبوذا، التي جاءت بعد خمسمائة إلى ألف وخمسمائة عام من حياته، تبالغ في العناصر الخارقة للطبيعة في حياته. بل إنه من الممكن أن تكون بعض أوجه التشابه المفترضة مع حياة يسوع قد تمت استعارتها من المسيحية”.[353]
جانبا، ذكّرتني إشارته إلى بوذا بشخصية مرتبطة بديانة شرقية أخرى. قلت: “ذكر بعض المؤلفين أن الإله الهندوسي كريشنا ولد من عذراء”.
هدم ياموكي هذا الادعاء بسرعة. أجاب: “هذا ليس دقيقا”. “وُلد كريشنا لأم لديها سبعة أبناء سابقين، حتى أن أتباعه يقرون بذلك بسهولة.”[354]
“وماذا عن زرادشت؟”
قال ياموكي: “عاش زرادشت قبل 1000 قبل الميلاد، وفقًا لماري بويس Mary Boyce، أو في القرن السادس قبل الميلاد، وفقًا لعلماء آخرين”. “فكرة أن والدته حملته بشرب مشروب هاوما haoma المقدس تظهر في دنكارد Denkard، التي يعود تاريخها الى القرن التاسع الميلادي. لقد مضى وقت طويل للغاية -وبعد فترة طويلة بعد يسوع”.
“ما هو رأيك، إذن، في هذا الادعاء بأن الولادة العذراوية ليسوع تم نسخها من هذه القصص الأخرى؟”
قال: “لا، هناك اختلافات كثيرة للغاية”. “لا أعتقد أن أي شخص يمكنه تقديم حجة مقنعة بأن الولادة العذراوية ليسوع -التي تم الإبلاغ عنها بعد وقوع الواقعة بفترة وجيزة وفي وثائق متزنة في تقاريرها -مشتقة من أي مصدر وثني أو من مصادر أخرى.”
يوافق رايموند إي براون. أحد كبار علماء العهد الجديد في أمريكا، قام بالتدريس في معهد اللاهوت التابع للاتحاد في نيويورك لمدة ثلاثة وعشرين عامًا وحصل على درجات فخرية من عشرين جامعة في الولايات المتحدة وخارجها.
وشدد على أن التشابهات المفترضة للولادة العذراوية “تتضمن باستمرار نوعًا من hieros gamos الزواج الالهي حيث يُخصِّب الذكر الإلهي في صورة بشرية أو في أي صورة غيرها امرأة ما، إما عن طريق الاتصال الجنسي الطبيعي أو من خلال شكل بديل من أشكال الإيلاج. إنها لا تشبه حقًا الحمل غير الجنسي العذراوي الذي يقع في صميم سرديات الطفولة، وهو حمل لا يوجد فيه إله ذكر أو عنصر ما لتخصيب مريم”.[355]
كان استنتاجه هو أنه “لم يعطنا أي بحث عن التشابهات تفسيرًا مرضيًا حقًا لكيفية حصول المسيحيين الأوائل على فكرة الحمل العذراوي ما لم يكن هذا بالطبع هو ما حدث بالفعل.”[356]
حتى توماس بوسلوبر، الأستاذ الليبرالي الذي كتب كتابًا عن الولادة العذراوية رغم رفضه لتاريخيتها، ومع ذلك سخر من الاقتراح بأنها مشتقة من الأساطير الوثنية. لقد وجدت أن استنتاجه القاسي كان ذكيًا:
يستخدم الكتاب المعاصرون دائمًا مصادر ثانوية فقط للتحقق من هذه الادعاءات. العلماء الذين يقبلون رأيهم نادرًا ما قدموا أو استشهدوا بالمصادر الأولية. أدب المدرسة الالمانية القديمة للتاريخ الديني Religiongeschichtliche schule، التي توصلت إلى هذا الاستنتاج والتي أصبحت مرجعية للعلماء المعاصرين الذين يرغبون في تخليد فكرة أن الولادة العذراوية في العهد الجديد لها مصدر غير مسيحي، يتميز باقتباسات مختصرة للكلمات والعبارات والجمل تم نزعها خارج السياق أو ترجمتها بشكل غير صحيح واستخدامها لدعم النظريات المسبقة. أصبحت التعميمات الشاملة المبنية على أدلة مشكوك فيها استنتاجات عقائدية لا يمكن إثباتها على أساس تحقيق دقيق.[357]
في النهاية، لم تكن المزاعم حول سرقة المسيحية لإيمانها بالولادة العذراوية أفضل من الادعاءات القائلة بأنها نسخت قيامة يسوع من الآلهة المائتة-القائمة من الموت في العصور القديمة. على حد تعبير مؤرخ الدين الشهير في جامعة شيكاغو، Mircea Eliade ميرسيا الياد: “لا يوجد سبب لافتراض أن المسيحية البدائية تأثرت بالأسرار الهلنستية.”[358]
بكفاءة وبشكل رسمي، قام ياموكي بتفكيك قضية الانتحال التي تم الترويج لها من قبل العديد من منتقدي المسيحية. مع وضع نقد بوسلوبر الصريح في الاعتبار، قررت أن أنهي مقابلتي بالسؤال عن الطرق التي يمكن للقراء المطمئنين أن يحموا أنفسهم بها من الخيال الذي يتنكر في شكل الحقيقة.
هلستنتصرالحقيقة؟
أثارت سلسلة أسئلتي الأخير إجابات قوية من ياموكي. سألته “هل تجد أن الناس الذين يكتبون عن هذه الموضوعات الخاصة بالديانات الغامضة يفتقرون الى الخلفية الأكاديمية المناسبة وغالبًا ما يكونون مهملين في طريقة التعميم؟”.
قال بصرامة: “كثيرا جدا”. “ليس لديهم اللغات، ولا يدرسون المصادر الأصلية، ولا ينتبهون للتواريخ، ويقتبسون كثيرًا من الأفكار التي كانت شائعة في القرنين التاسع عشر والعشرين ولكن تم دحضها بالفعل. أشار علماء مرموقون ودقيقون مثل كارستن كولبي من ألمانيا وجونتر فاجنر من سويسرا وبروس ميتزجر من الولايات المتحدة الى أن، أولاً، غالبًا ما يكون الدليل على التشابهات المفترضة هذه متأخرًا جدًا، وثانيًا، هناك الكثير من التعميمات التي يتم إجراؤها.
“يرى الناس أوجه تشابه ثم يقفزون الى استنتاجات مفادها أن دينًا ما أثر على آخر. بالطبع ستكون هناك بعض أوجه التشابه -تتحدث معظم الأديان عن نوع من الخلاص، أو تمارس طقوسًا معينة، أو تتناول وجبة مشتركة. لكن هذا لا يعني وجود تبعية بينها.”
“المسيحية مميزة تمامًا من حيث أنها نشأت من خلفية يهودية توحيدية، وتتركز حول شخصية تاريخية تم إعدامها بطريقة همجية، وهو ما تشهد عليه مصادر غير مسيحية. كان أتباع يسوع شهود عيان في الجيل الأول. تم تحول بولس من خلال لقائه بالمسيح القائم من بين الأموات وتمكن من الوصول الى شهود عيان مثل بطرس ويعقوب. ازدهرت المسيحية وانتشرت على الرغم من اضطهاد السلطات الرومانية. لقد كانت رسالة حب جديدة وتدخل الله في العالم، وضمت جميع الناس، بما في ذلك العبيد والنساء، والمتعلمين وغير المتعلمين -على عكس الميثرائية، التي اقتصرت في الأساس على الجنود.”
“لذا كانت هذه الرسالة الجديدة عالمية، لكنها كانت متجذرة في تقليد قديم، محققة النبوءات التي تم التنبؤ بها لقرون عديدة. وكان ذلك حصريًا. لم يكن من المريح، كما كانت الديانات الوثنية الشركيّة، أن تكون انتقائيًا أو توفيقيًا -أي أن تغرس المعتقدات والممارسات من الديانات الأخرى. لهذا السبب، في الواقع، تم اضطهاد المسيحية. كانت الديانات الغامضة شاملة -يمكنك عبادة الإمبراطور ولا يزال بإمكانك الالتزام بأكثر من واحدة منها في نفس الوقت.”
“هل تعتقد أنه في عصر الإنترنت هذا، حيث تستمر إعادة تدوير أنصاف الحقائق والمعلومات المضللة، فإن العلماء محكوم عليهم بالرد إلى الأبد على الادعاءات المبالغ فيها التي تم الرد عليها منذ فترة طويلة؟”
“نعم، لسوء الحظ، على الأرجح إنها كذلك”، قال هذا ونبرات صوته مستسلمة.
“هل تعتقد أن الحقيقة ستنتصر في النهاية؟”
أجاب: “بالنسبة لبعض الناس، نعم”. “بالنسبة للآخرين -فهم يبحثون عما يريدون العثور عليه”.
أردت بعض التوجيه للمهتمين بالسعي وراء الحقيقة. “ما هي النصيحة التي تقدمها للأشخاص الذين يبحثون عن معلومات موثوقة؟”
وضع ياموكي فنجان قهوته. “أولاً، كن حذرًا من المقالات الموجودة على الويب. على الرغم من أن الإنترنت هو مصدر سريع ومناسب للمعلومات، الا أنه يديم أيضًا نظريات عفا عليها الزمن وتم دحضها. “تحقق أيضًا من أوراق اعتماد المؤلفين. هل لديهم التدريب وعمق المعرفة للكتابة بشكل موثوق في هذه القضايا؟ وتأكد من مراجعة تواريخ المصادر المقتبسة. هل يعتمدون على ادعاءات عفا عليها الزمن أم علماء فاسدون؟ وأخيرًا، كن على دراية بالتحيزات لدى العديد من المؤلفين المعاصرين، الذين قد يكون لديهم بوضوح رأي يريدون فرضه بأي شكل”.
كل هذا منطقي. ومع ذلك، في الوقت نفسه، كنت أشعر بسخط متزايد تجاه الكتاب الذين يربكون القراء إما عن قصد أو بإهمال من خلال إطلاق مزاعم “انتحالية” كاسحة تزرع بذور الشك غير المبررة تجاه يسوع الحقيقي.
العديد من ادعاءاتهم غريبة جدًا -مثل المؤلف الذي شبّه غرق نعش أوزوريس في النيل بطقوس المعمودية المسيحية -لدرجة أنهم سيكونون مضحكين إذا لم يكن الضرر الذي أحدثوه بهذه الخطورة.[359] ومع ذلك، في كثير من الحالات، يصدقهم الناس -وهذا دليل رائع على المقولة القديمة القائلة بأن الباطل يمكن أن يقوم برحلة حول العالم قبل أن تتمكن الحقيقة حتى من الوصول الى مكانتها.
شكرت ياموكي على مساعدته في تصحيح الأمور. في مواجهة المطر والرياح مرة أخرى، صعدت الى سيارتي المستأجرة وبدأت الرحلة الطويلة الى مطار سينسيناتي. ومع ذلك، طوال الوقت، لم أستطع التخلص من الإحباط الذي شعرت به بسبب انتشار المعلومات المضللة التي أربكت الكثير من الناس. كان نفس الشعور الذي أطلق ناش في حملة صليبية لفضح عدم شرعية حجة “الانتحال” قبل وفاته المفاجئة في عام 2006.
فرصةالعلم
رونالد ناش، مؤلف كتب مثل الإيمان والعقلFaith and Reason ومعنى التاريخ Meaning of History، أخذ الحقيقة على محمل الجد. لقد كان أستاذاً صريحاً مع القليل من الصبر تجاه العلماء أو الكتاب المشهورين الذين اتخذوا طرقًا مختصرة فكرية أو قاموا بتحريف الحقائق لدعم معتقداتهم المسبقة.
سرعان ما تعلم طلابه ما الذي يعنيه عندما يهز ناش وركيه من جانب الى آخر ساخراً بينما يقتبس من كتاب. قال أحد الزملاء: “كان ذلك يعني أنه يعتقد أن ما كان يقرأه بصوت عال كان في أحسن الأحوال سخيفًا وفي أسوأ الأحوال هرطوقيًا”. بالنسبة لناش، قال، الحقيقة هي أكثر من مجرد لعبة صالون أيديولوجي: إن الحياة الحقيقية كانت على المحك.[360]
لذلك كان ناش غير متسامح بشكل مفهوم مع الكتب التي كررت ادعاءات مهترئة عن “انتحال” المسيحية والتي تم الرد عليها بدقة منذ عقود. بعد أن شعر بالإهانة من التحريفات الصارخة والمنطق القذر و “التشابهات” الملفقة، جلس لكتابة الإنجيل واليونانيين The Gospel and the Greeks كمعالجة في عام 1992. وعندما لم تتوقف الهجمات، قام بتحديث كتابه في عام 2003.
بالحقائق، والمنطق، والوضوح، يقاوم “اللغة غير المبالية”، “الكميات الهائلة من الإفراط في التبسيط والاهتمام بالتفاصيل”، و “رحلات الهوى” الموجودة في العديد من الأعمال “المبالغ فيها الى حد كبير” حول هذا الموضوع.[361]
قال بصراحة مميزة: “من الواضح أن الحجج الليبرالية تعرض أبحاثًا سيئة للغاية. في الواقع، قد يكون هذا الاستنتاج سخيا للغاية،”.[362] شغفه ينزف عبر الصفحات:
ما هي الآلهة الغامضة التي اختبرت قيامة من بين الأموات بالفعل؟ بالتأكيد لا توجد نصوص مبكرة تشير الى قيامة أتيس. محاولات ربط عبادة أدونيس بالقيامة ضعيفة بنفس القدر. كما أن حالة قيامة أوزوريس ليست أقوى… وبالطبع لا يمكن الادعاء بأن ميثرا كان إلهًا يموت ويقوم. استنتج الباحث الفرنسي André Boulanger أندريه بولانجر: “إن المفهوم القائل بأن الإله يموت ويُقام من أجل قيادة المؤمنين إلى الحياة الأبدية لا يتم تمثيله في أي ديانة هلنستية غامضة.”[363]
لخص ناش سبع حجج مختصرة ضد الاعتماد المسيحي على الأديان الغامضة.[364] أولاً، غالبًا ما يفترض مؤيدو “الانتحال” بشكل غير منطقي أنه لمجرد وجود شيئين جنبًا الى جنب، يجب أن يكون أحدهما قد تسبب في حدوث الآخر. ثانيًا، العديد من التشابهات المزعومة مبالغ فيها أو ملفقة. كثيرًا ما يستخدم الكتاب لغة مستعارة من المسيحية لوصف الطقوس الوثنية، ثم يتعجبون من “أوجه التشابه” التي اكتشفوها. ثالثًا، التسلسل الزمني الخاطئ. يستشهد الكتاب بالمعتقدات والممارسات التي تعود الى ما بعد القرن الأول في محاولة للقول بأنها أثرت في تشكيل المسيحية في القرن الأول. لمجرد أن طائفة ما لديها معتقد أو ممارسة في القرن الثالث أو الرابع الميلادي لا يعني أنها كانت لديها نفس المعتقد أو الممارسة في القرن الأول.
رابعًا، لم يكن بولس ليستعير بوعي من الديانات الوثنية. في الواقع، لقد حذر من هذا الأمر بالذات.[365] خامسًا، كانت المسيحية المبكرة حصرية. أي تلميح الى التوفيق بين المعتقدات في العهد الجديد كان سيؤدي الى جدل فوري. سادساً، على عكس الديانات الغامضة، ترتكز المسيحية على أحداث تاريخية فعلية. سابعاً، ما تبقى من تشابهات قليلة يمكن أن يعكس التأثير المسيحي على المعتقدات والممارسات الوثنية. وجود محاولات وثنية لمواجهة التأثير المتنامي للمسيحية من خلال محاكاتها ظاهرة بشكل واضح.[366]
شيء واحد كان مؤكدًا. قال ناش: “تحول تيار الرأي الأكاديمي بشكل كبير ضد محاولات جعل المسيحية المبكرة تعتمد على ما يسمى بـ آلهة الوثنية الهلنستية المائتة والقائمة من الموت”.[367]
قبل الفي عام، كان الرسول بطرس واضحًا بنفس القدر: لم تكن الروايات عن يسوع في صفحات العهد الجديد مستخلصة من قصص خيالية عن الآلهة الأسطورية. لم يكن بطرس يُبلغ عن شائعات أو تخمينات، وبالتأكيد لم يكن ليضع ثقة مستقبله في أيدي أمثال زيوس أو أوزوريس. كان مهتمًا فقط بيسوع الحقيقي.
هذا المُلحق هو قائمة بالأعلام المُساهمين في هذا الكتاب
جاري ر. هابرماس (حاصل على درجة الدكتوراه، جامعة ولاية ميشيغان) هو أستاذ الأبحاث المتميز ورئيس قسم الفلسفة واللاهوت في جامعة ليبرتي. نشر ستة وثلاثين كتابا (ثمانية عشر حول موضوع قيامة المسيح)، وأحدها هو يسوع المُقام ورجاء المستقبل The Risen Jesus and Future Hope الذي تم الاعتماد عليه في تقديم هذا الكتاب بالإضافة لكتاب يسوع التاريخي The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ. كما نشر أكثر من ستين فصلاً أو مقالاً في كتب أخرى، بالإضافة إلى أكثر من مائة مقال في مجلات ودوريات أخرى. يمكنكم زيارة موقعه الإلكتروني عن طريق الضغط على الرابط التالي http://www.garyhabermas.com.
مايكل ر. ليكونا حصل على درجة الدكتوراه في دراسات العهد الجديد من جامعة بريتوريا، والتي أكملها “بامتياز”. نالت أطروحته حول تاريخية قيامة يسوع -والتي تم الاعتماد عليها في هذا الكتاب-أعلى علامة أكاديمية. وهو المنسق الدفاعي في North American Mission Board مجلس إرسالية أمريكا الشمالية. وهو مؤلف كتاب بولس يُقابل محمد Paul Meets Muhammad: A Christian-Muslim Debate on the Resurrection والكتاب الحائز على جائزة The Case for the Resurrection of Jesus قضية قيامة يسوع، الذي اشترك في تأليفه مع جاري هابرماس. كان ليكونا أحد العلماء الذين قابلهم لي ستروبل في كتابه القضية ليسوع الحقيقي The Case for the Real Jesusوهو الكتاب الذي تمت الاستعانة به في الجزء الخاص باقتباس المسيح من الأساطير الوثنية. ظهر في العديد من المقابلات الإذاعية والتلفزيونية وألقى محاضرات في أكثر من أربعين حرم جامعي. يمكنكم زيارة موقعه الإلكتروني عن طريق الضغط على الرابط التالي https://www.risenjesus.com
روبرت هـ. شتاين حاصل على درجة الدكتوراه، عالم مشهور عالميًا في الأناجيل الإزائية ومؤلف العديد من الكتب، بما في ذلك مرقس في شرح بيكر التوضيحي للعهد الجديد، ودراسة الأناجيل الإزائية، ولوقا، ويسوع المسيح. وقد عمل مؤخرًا كأستاذ أول في تفسير العهد الجديد في المدرسة اللاهوتية المعمدانية الجنوبية The Southern Baptist Theological Seminary وسبق أن درس في مدرسة بيت إيل Bethel Seminary.
وليم لين كريج أستاذ باحث في كلية تالبوت للاهوت وجامعة هيوستن المعمدانية. قام بتأليف أو تحرير أكثر من أربعين كتابًا، بما في ذلك تقييم أدلة العهد الجديد لتاريخية قيامة يسوع Assessing the New Testament Evidence for the Historicity of the Resurrection of Jesus (Edwin Mellen Press، 1989) وقيامة يسوع: حقيقة أم تلفيق؟ Jesus’ Resurrection: Fact or Figment? (بالاشتراك مع جيرد لودمان) (IVP Academic، 2000)، وقيامة الابن The Son Rises الذي تم الاعتماد عليه في هذا الكتاب، بالإضافة إلى أكثر من مائتي مقالة في المجلات المتخصصة مثل New Testament Studies، وJournal for the Study of the New Testament، وExpository Times، وKerygma und Dogma. يمكنكم زيارة موقعه الإلكتروني عن طريق الضغط على الرابط التالي www.reasonablefaith.org.
بول ويليام بارنيت هو أسقف أنجليكاني أسترالي، ومؤرخ قديم وعالم في العهد الجديد. كان أسقف شمال سيدني من عام 1990 إلى عام 2001. وهو كاتب تاريخي بارز عن صعود المسيحية ويسوع التاريخي. له العديد من المؤلفات منها وثائق العهد الجديد هل هي موثوقة؟ Is the New Testament Reliable? الذي تم الاعتماد عليه في هذا الكتاب وهو حاليًا زميل في التاريخ القديم في جامعة ماكواري في سيدني بأستراليا وزميل تدريس في كلية ريجنت، فانكوفر، كندا.
[1] Moses Hadas, “Introduction” to The Complete Works of Tacitus (New York: Random House, 1942), pp. IX, XIII-XIV.
[2] هناك نظرية بديلة هي أن الحوليات تضمنت ستة عشر جزءاً والتاريخ أربعة عشر جزءاً، ما مجموعه ثلاثين (راجع Hadas، XII).
[8] Henri Daniel-Rops (ed.), Silence of Jesus’ Contemporaries: The Sources for the Life of Christ (New York: Hawthorn),” pp. 19-21; Bruce, The New Testament Documents: are They Reliable? (Grand Rapids: Eerdmans, 1967), pp. 102-103.
[9] Josephus, Antiquities 20:9. The edition of Josephus used here is The Works of Josephus, transl. by William Whiston (Philadelphia: David McKay, n.d.).
[13] Daniel-Rops,”Silence of Jesus’ Contemporaries”, p. 21.
[14] Ibid.; Anderson, Christianity, p. 20; Bruce, The New Testament Documents, p. 108. Cf. also Bruce, p. 109 for the views of British historian H. St. John Thackery and Jewish scholar Joseph Klausner.
[15] James H. Charlesworth, Jesus Within Judaism (Garden City: Doubleday, 1988), p. 95.
[16] David Flusser, “New Evidence on Jesus’ Life Reported,” The New York Times, February 12, 1972, pp. 1, 24.
[24] Ibid., pp. 22-23, 28, 55, 57-62. Cf. Rudolf Bultmann, Theology of the New Testament, transl. by Kendrick Grobel (New York: Scribners, 1951), vol. 1, pp. 27, 125, 131, 175, 298; Neufeld, The Earliest Christian Confessions (Grand Rapids: Eerdmans, 1964), pp. 9, 49, 57, 61; Fuller, Foundations, pp. 204-206, 221-225, 248; Pannenberg. Jesus — God and Man, transl. by Lewis Wilkins and Duane Priebe (Philadelphia: Westminster, 1968), pp. 366-367.
[25] Bultmann, Theology of the New Testament, ibid., vol. 1, pp. 49, 81; Joachim Jeremias, Eucharistic Words, p. 102; Neufeld, ibid., p. 145, cf. p. 128.
Cullmann, Confessions, pp. 55, 58; C.F.D. Moule, The Birth of the New Testament, revised edition (New York: Harper and Row, 1982), p. 247; Neufeld, pp. 128-129, 133.
[27] Cullmann, ibid., p. 55; Bultmann, Theology, vol. 1, p. 27; II, p. 121; Pannenberg. Jesus, pp. 118, 283, 367; Neufeld, pp. 7, 50; cf. C. H. Dodd, Apostolic Preaching and its Developments (Grand Rapids: Baker, 1980), p. 14.
[28] علي سبيل المثال انظر: Bultmann, Theology, vol. 1, pp. 27, 50
[52] John Drane, Introducing the New Testament (San Francisco: Harper and Row, 1986), p. 99.
[53] See the influential treatment by Dodd, Apostolic Preaching, pp. 17-31; cf. Craig’s overview of the debate, pp. 36-38.
[54] Joachim Jeremias, “Easter: The Earliest Tradition and the Earliest Interpretation,” New Testament Theology: The Proclamation of Jesus, transl. by John Bowden (New York: Scribner’s, 1971), p. 306.
[55] CH. Dodd, “Risen Christ,” p. 125; Bultmann, Theology, vol. 1, p. 45.
[56] Cf. Neufeld, Confessions, pp. 7, 50; Pannenberg, Jesus, pp. 118, 283, 367; Dodd, Apostolic Preaching, p. 14; Bultmann, Theology, vol. 1, p. 27; vol. 2, p. 121; Reginald Fuller, The Foundations of New Testament Christology (New York: Scribner’s, 1965), pp. 187, 189.
[64] See Reginald H. Fuller, The Formation of the Resurrection Narratives (New York: Macmillan, 1971), p. 10; Oscar Cullmann, The Early Church: Studies in Early Christian History and Theology, ed. by A.J.B. Higgins (Philadelphia: Westminster, 1966), p. 64; Pannenberg, Jesus, p. 90; Ulrich Wilckens, Resurrection, transl. by A.M. Stewart (Edinburgh: Saint Andrew, 1977), p. 2; Hengel, The Atonement, pp. 36-38, 40; Bultmann, Theology, vol. 1, pp. 45, 80, 82, 293; Willi Marxsen, The Resurrection of Jesus of Nazareth, transl. by Margaret Kohl (Philadelphia: Fortress, 1970), pp. 80, 86; Hans Conzelmann, 1 Corinthians, transl. by James W. Leitch (Philadelphia: Fortress, 1969), p. 251; Hans-Ruedi Weber, The Cross, transl. by Elke Jessett (Grand Rapids: Eerdmans, 1978), p. 58; Dodd, “Risen Christ,” pp. 124-125; A.M. Hunter, Bible and Gospel, p. 108; Raymond E. Brown, The Virginal Conception and Bodily Resurrection of Jesus (New York: Paulist Press, 1973), pp. 81, 92; Norman Perrin, The Resurrection According to Matthew, Mark and Luke (Philadelphia: Fortress, 1977), p. 79; George E. Ladd, I Believe in the Resurrection of Jesus (Grand Rapids: Eerdmans, 1975), p. 104; Neufeld, Confessions, p. 47.
[65] Fuller, Resurrection Narratives, p. 10; Wilckens, Resurrection, p. 2; Bultmann, Theology, vol. 1, p. 293; Dodd, Apostolic Preaching, pp. 13-14; “Risen Christ,” p. 125; Neufeld, Confessions, p. 27; Brown, Bodily Resurrection, p. 81.
[66] Cullmann, Early Church, p. 64; Fuller, Resurrection Narratives, p. 10; Marxsen, Resurrection, p. 80; Weber, The Cross, p. 59.
[68] See especially Fuller, Resurrection Narratives, pp. 11-12; Weber, The Cross, p. 59; Jeremias, Eucharistic Words, pp. 102-103.
[69] Jeremias, in particular, provides a list of such Semnitisms (Eucharistic Words, pp. 102-103). See also Pannenberg, Jesus, p. 90; Fuller, Resurrection Narratives, p. 11; Foundations, p. 160; Weber, The Cross, p. 59.
[73] للحصول على عينة من بعض أولئك الذين يتمسكون بهذه التواريخ المحددة لهذه العقيدة، انظر
Hans Grass, Ostergeschen und Osterberichte, Second Edition (Göttingen: Vandenhoeck und Ruprecht, 1962), p. 96; Leonard Goppelt, “The Easter Kerygma in the New Testament,” The Easter Message Today transl. by Salvator Attanasio and Darrell Likens Guder (New York: Nelson, 1964), p. 36; Thomas Sheehan, First Coming: How the Kingdom of God Became Christianity (New York: Random House, 1986), pp. 110, 118; Cullmann, The Early Church, pp. 65-66; Pannenberg, Jesus, p. 90; Dodd, Apostolic Preaching, p. 16; Hunter, Jesus, p. 100; Brown, Bodily Resurrection, p. 81; Fuller, Foundations, pp. 142, 161; Resurrection Narratives, pp. 10, 14, 28, 48; Ladd, I Believe, p. 105.
يشير أوكولينز إلى أنه، على حد علمه، لا يؤرخ أي باحث هذه العقيدة بعد الأربعينيات بعد الميلاد. حتى مع وجود مثل هذا التاريخ في الأربعينيات، فإن الاستنتاجات العامة التي نستخلصها هنا، خاصة فيما يتعلق بالشهادة المبكرة وشهادة شهود العيان على القيامة، لا تزال قائمة. انظر:
Gerald O’Collins, What Are They Saying About the Resurrection? (New York: Paulist Press, 1978), p. 112.
[74] Gerd Lüdemann, The Resurrection of Jesus, trans. John Bowden (Minneapolis: Fortress Press, 1994), 38.
[75] Michael Goulder, “The Baseless Fabric of a Vision,” in Resurrection Reconsidered, 48.
[76] Thomas Sheehan, The First Coming: How the Kingdom of God Became Christianity (New York: Random House, 1986), 118; cf. 110-12, 135.
[77] من المثير للاهتمام أنه عندما عاد بولس الى أورشليم بعد 14 عامًا، واجتمع مرة أخرى مع بطرس ويعقوب، تم ذكر الإنجيل على وجه التحديد باعتباره محور النقاش (غلاطية 2: 1-10).
[78] انظر الحاشية 53 أعلاه، حيث يتبنى كل من هؤلاء العلماء أيضًا هذا الإطار العام. يفضل جراس موقع دمشق (ص 96)، بينما لا يذكر شيهان المكان في سياقه المباشر.
[80] من أجل دراسة أعمق لمعنى ίστορήσαι كما هو مستخدم في غلاطية 1: 18 والتلميح الذي يقدمه في تحديد طبيعة استفسار بولس أثناء زيارته للرسل في أورشليم، انظر:
“Peter and Paul, and the Tradition Concerning ‘The Lord’s Supper’ in I Corinthians 11:23-25,” Criswell Theological Review 2 (1987): 122-30,
على وجه الخصوص. راجع 135-38 بخصوص الطبيعة الرسولية البطرسية لهذا التقليد.
[81] G. D. Kilpatrick, “Galatians 1:18 ιστορήσει Κηφάν” in New Testament Essays: Studies in Memory of Thomas Walter Manson, ed. A. J. B. Higgins (Manches- ter, England: Manchester University Press, 1959), 144-49.
[82] Barnett, Jesus and the Logic of History, 41. For some similar thoughts, see Joseph Dore, “La Resurrection de Jesus: A L‘Epreuve du Discours Theologique,” Recherches de Science Religieuse 65 (1977): 291, n. 11.
[83] Hans Dieter Betz, Galatians: A Commentary on Paul’s Letter to the Churches in Galatia (Philadelphia: Fortress Press, 1979), 76.
[84] قد يتساءل البعض عما إذا كان هدف بولس في غلاطية 1: 11-17 هو تأكيد استقلاليته عن الرسل الآخرين. تلقى بولس مهمته للتبشير برسالة الإنجيل مباشرة من المسيح، وليس من أي رسول أخر. لكن يجب ألا نضغط على هذه اللغة بما يتجاوز نية بولس الواضحة والشاملة. إنه يتحدث هنا على وجه التحديد عن دعوته المباشرة من الرب، والتي خلالها اهتد ودُعي ليكرز بالإنجيل. ليس لدينا سبب للاعتقاد أنه بحث عن الرسولية في ذلك الوقت. لكنه من الواضح أيضًا أنه، بعد ثلاث سنوات، بدأ بالفعل استشارة مع بطرس ويعقوب (1: 18-20). ثم، بعد أربعة عشر عامًا، من الواضح أن بولس زار الرسل مرة أخرى، من أجل التحقق من الإنجيل الذي كان يكرز به، والتأكد مما إذا كان على الطريق الخطأ (2: 2). لذا فإن القول بأنه لم يستشر أبدًا أي شخص آخر لا يعني فقط إغفال وجهة نظره، ولكنه يتجاهل عبارتَي بولس المباشرتين على عكس ذلك.
[85] See Cullmann, The Early Church, pp. 65-66; cf. p. 73; Jeremias Eucharistic Words, p. 106; Hengel, The Atonement, p. 38; Dodd, Apostolic Preaching, pp. 16-17.
[95] Bultmann, Theology, vol. 1, p. 295; Neufeld, Confessions, pp. 66-67, 146.
[96] Cullmann, Earliest Confessions, p. 32; Wolfhart Pannenberg, “A Dialogue on Christ’s Resurrection,” in Christianity Today, 12/14, April 12, 1968, pp. 9-11.
[97] Weber, The Cross, p. 58; Hengel, The Atonement, p. 37.
Gary R. Habermas, The Resurrection of Jesus: A Rational Inquiry (Ann Arbor: University Microfilms, 1976), pp. 114 171; Orr, The Resurrection of Jesus,
الفصلين الثامن والتاسع على وجه الخصوص.
[99] ظهرت العديد من الانتقادات الممتازة لهيوم والمزيد من التحديثات الأخيرة، مما كشف بطلان مثل هذه المحاولات. على سبيل المثال، انظر
S. Lewis, Miracles (New York: Macmillan, 1961); Richard Swinburne, The Concept of Miracle; Werner Schaaffs, Theology, Pnysics and Mracles, transl. by Richard L. Renfield (Washington, DC: Canon Press, 1974); Gary R. Habermas, “Skepticism: Hume” in Norman L. Geisler, ed., Biblical Errancy: An Analysis of its Philosophical Roots (Grand Rapids: Zondervan, 1981).
[100] لمزيد من التفاصيل، بما في ذلك قائمة المصادر الأولية من هذا الرفض في القرن التاسع عشر لوجهات نظر بعضهم البعض، انظر
Habermas, The Resurrection of Jesus: A Rational Inquiry, pp. 286-293.
[104] كما ذكرنا سابقًا، فإن البعض لا يشمل القبر الفارغ كحقيقة معروفة، لكن العديد من العلماء يقبلونه على أنه تاريخي. للحصول على دفاع ممتاز عن هذه الحقيقة، انظر
Edward Lynn Bode, The First Easter Morning, Analecta Biblica 45 (Rome: Biblical Institute, 1970), pp. 155-175; William Lane Craig, “The Empty Tomb of Jesus,” pp. 173-200; Robert H. Stein, “Was the Tomb Really Empty?” in the Journal of the Evangelical Theological Society 20 (1977), pp. 23-29.
[105] هذا لا يشمل حتى تجربة أكثر من 500 شخص الذين ادعوا أيضًا أنهم رأوا يسوع المقام، والذين أكد بولس بخصوصهم أن معظمهم لا يزالون على قيد الحياة ويمكن استجوابهم.
[106] ميزة استخدام أربع حقائق فقط هي أنه مع هذا العدد الصغير، هناك دعم أوسع لهذه الحقائق بين العلماء الناقدين. بالإضافة الى ذلك، تكشف هذه الأربعة عن مدى قوة حالة القيامة في الواقع. ولكن يجب التنبيه الى أن حجة القيامة لا تتوقف على هذه الحقائق الأربع وحدها. في الواقع، لا يوجد سبب محدد لاستخدام أربعة فقط، باستثناء توضيح نقطة تتعلق بشهادتهم القوية.
[107] للحصول على عينة من اللاهوتيين النقديين الذين يقبلون هذه الحقائق الأساسية الأربع، انظر
Fuller, Resurrection Narratives especially pp. 27-49; Bultmann, Theology, vol. 1, pp. 44-45; Tillich, Systematic Theology, vol. 2, pp. 153-158; Bornkamm, Jesus, pp. 179-186; Wilckens, Resurrection, pp. 112-113; Pannenberg, Jesus, pp. 88-106; Moltmann, Theology of Hope, especially PP. 197-202; Hunter, Jesus, pp. 98-103; Perrin, Resurrection, pp. 78-84; Brown, Bodily Resurrection, especially pp. 81-92; Paul VanBuren, The Secular Meaning of the Gospel (New York: Macmillan, 1963), pp. 126-134.
[108] انظر بشكل خاص (أعمال 1: 1-11؛ 2: 32؛ 3: 15؛ 5: 30-32؛ 10: 39-43؛ 13: 30-31).
[109] قارن شهادة المؤرخ مايكل جرانت (Jesus: An Historian’s Review, p. 176) بشهادة عالم اللاهوت رودولف بولتمان (Theology, vol. 1, p. 45) الذي يتفق في هذه المرحلة مع الدراسة ككل.
Michael Grant, Jesus: An Historian’s Review of the Gospels (New York: Scribner’s, 1977), especially pp. 175-178; W.T. Jones, The Medieval Mind (New York: Harcourt, Brace, Jovanovich, 1969), pp. 34-35; Carl Braaten, History and Hermeneutic (Philadelphia: Westminster, 1966), p. 78.
[116] See Gary R. Habermas, The Resurrection of Jesus: An Apologetic, chapter 1
لهذه الحجة في شكل موسع، بما في ذلك الدعم لهذه الحقائق.
[117] لا يمكن هنا تقديم توسعات لهذه الانتقادات والعديد من التفنيدات الإضافية التي تم جمعها من القائمة الأكبر للحقائق التاريخية المعروفة أعلاه. للحصول على معالجة أكثر اكتمالاً لهذه النظريات البديلة وغيرها، انظر
Habermas, The Resurrection of Jesus: A Rational Inquiry, PP. 114-171.
[118] توفر الحقائق المعروفة الإضافية أيضًا حججًا مهمة أخرى لهذا الحدث، مثل الأدلة الأخرى المدرجة هناك. ربما يكون التوضيح باستخدام قضية محكمة مفيدًا. سوف نفترض أن أكثر من عشرة من شهود العيان قد لاحظوا بوضوح بعض الأحداث التي تضمنت رؤية شخص يقوم بسلسلة من الأعمال في مناسبات مختلفة. جاءت هذه الشهادة مباشرة بعد الوقائع نفسها، وكان شهود العيان حازمين في ادعاءاتهم، كما ثبت في نقاط عديدة. علاوة على ذلك، لا يمكن للمحامي الخصم ومساعديه دحض الشهادة حتى بعد سنوات من البحث حرفيًا، على الرغم من اهتمامهم بذلك. لا يمكن إثبات الكذب أو التواطؤ أو غيره من الاحتيال أو الهلوسة أو أي وسيلة أخرى للتزوير أو سوء الفهم. من المسلم به أن هناك حجة قوية للغاية مفادها أن هذا الشخص المعني قد تمت رؤيته، حقيقة، من قبل هؤلاء الأشخاص في تلك الأماكن والأوقات. لكن الأكثر دلالة، يمكن بناء قضية محدودة ولكن يمكن إثباتها فقط على أساس الحقائق التي اعترف خصومهم بصحتها. وهكذا يمكن أن تستند الحجة على الشهادة العدائية وحدها.
من الناحية النظرية، هل ستقتنع هيئة المحلفين إذا دافع المحامي الخصم أنه “ربما لم ير الشهود حقًا الشخص لسبب غير معروف على الرغم من الأدلة” أو “ليس مهمًا حقًا سواء رأوه أم لا”؟ من الواضح أن هذه ردود غير مناسبة لأن الشهادة تكشف أن شهود العيان قد رأوا الشخص حرفياً.
ومع ذلك، فإن الدليل على قيامة يسوع هو في الواقع أفضل من هذا. من المؤكد، كما هو الحال في قضية المحكمة، أن يتخذ الأشخاص قرارًا بشأن هذا الحدث، ولكن على عكس قضية المحكمة، فإن قرارهم لا يحدد المشكلة. يتم تأسيس الحقيقة التاريخية على الدليل وحده وليس بأي قرار. وهنا تظهر أدلة القيامة أن شهود العيان الأوائل رأوا يسوع المقام، وكذلك الطبيعة الحرفية لهذه الظهورات. محاولات حاسمة تفشل في هذه المرحلة.
[119] وتجدر الإشارة هنا الى أن العهد الجديد يؤكد أن المؤمن قد حصل على تأكيد لهذا الحدث (بالإضافة الى حقائق أخرى عن الله) بشهادة الروح القدس (رومية 8: 16؛ يوحنا الأولى 5: 9-13). لا يحتاج المؤمنون الى الاعتماد على تحقيقات منهجية التأويل الحرجة، كما حدث هنا. يمكن لمثل هذه العمليات تأكيد ما تم اعتماده بالفعل، أو الإجابة على أسئلة المشككين.
[120] انظر Grant, Jesus: An Historian’s Review للحصول على مثال لعمل تاريخي نقدي يكشف عن بيانات سابقة أخرى (بالإضافة الى قوانين الإيمان) تتعلق بحياة يسوع. مرة أخرى، يعترف غرانت أيضًا بالحقائق الأساسية الأربع (الصفحات من 175 الى 178). انظر المجتمع الروماني لـ شيروين وايت
A.N. Sherwin-White, Roman Society and Roman Law in the New Testament (London: Oxford Univ. Press, 1963)
للحصول على مثال لمؤرخ قديم آخر يستخدم أيضًا المنهجية النقدية ويطبقها على محاكمة يسوع ورحلات بولس على وجه الخصوص. ومن المثير للاهتمام، أن شيروين وايت وجد أن نصوص العهد الجديد المناسبة جديرة بالثقة للغاية في هذه النقاط (انظر الصفحات 186 – 193).
[121] لذلك، لن يتم تضمين بعض الأعمال المعروفة مثل راعي هرماس في هذه المناقشة على الإطلاق، لأنها تحتوي على القليل مما يمكن اعتباره معلومات تاريخية عن يسوع.
[129] ربما من عام 48 بعد الميلاد إذا كانت غلاطية هي الرسالة الأولى لبولس.
[130] ربما تشير غلاطية 1: 19 الى استشارة أولية خاصة. راجع أعمال الرسل 9: 27-28، حيث التقى بولس بمجموعة أكبر في أورشليم.
[131] تشير قائمة ظهورات القيامة في كورنثوس الأولى 15: 4-8 الى أنها حدثت في فترة زمنية محدودة.
[132] Dale C. Allison, “The Pauline Epistles and the Synoptic Gospels: The Pattern of the Parables,” New Testament Studies, 28 (1982): 1-32.
[133] David Michael Stanley, The Apostolic Church in the New Testament (Westminster, Md.: Newman Press, 1967), pp. 34-37, 364-69.
[134] Martin Hengel, Crucifixion: In the Ancient World and the Folly of the Message of the Cross, Fortress Press; First American Edition (September 1, 1977), 46-63.
[136] ديونيسيوس، Roman Antiquities 5.51.3)) “أثناء ذلك، تم تشكيل مؤامرة ضد الدولة، واتفق العديد من العبيد معًا للاستيلاء على المرتفعات وإشعال النار في المدينة في العديد من الأماكن. ولكن، المعلومات التي قدمها شركاؤهم، تم إغلاق البوابات على الفور من قبل القناصل واحتلت جميع الأماكن القوية في المدينة من قبل الفرسان. وعلى الفور تم القبض على كل من أعلن المخبرون عن اهتمامهم بالمؤامرة إما في منازلهم أو تم إحضارهم من البلاد، وبعد تعرضهم للجلد والتعذيب تم صلبهم جميعًا.”
ليفي، The History of Rome 22.13.9)) “عندئذ قام بجلد المرشد، ولإرهاب الآخرين قام بصلبه.”
يوسيفوس، The Wars of the Jews, 5.449)) “بل شدة المجاعة جعلتهم يجرؤون على الخروج هكذا. فلم يبق شيء إلا إذا أخفوا عن اللصوص يجب أن يأخذهم العدو. وعندما كانوا سيؤخذون، أُجبروا على الدفاع عن أنفسهم خوفًا من العقاب؛ كأنهم بعد أن قاتلوا، ظنوا أن الأوان قد فات لتقديم أي دعاء للرحمة؛ لذلك جُلدوا أولاً، ثم عُذبوا بكل أنواع التعذيب، قبل موتهم، ثم صلبوا أمام سور المدينة.” راجع نفس الكتاب 550. وراجع أيضاً فيلو، ضد فلاكوس Against Flaccus 65-85.
[138] “فكل العذابات كانت مباركة ونبيلة بمشيئة الله. لأننا نحن الذين نعلن تقوى أعظم من غيرنا، ننسب إلى الله السلطان على كل الأشياء. وحقاً من لا يعجب بنبل عقلهم وصبرهم مع ذلك الحب الذي أظهروه لربهم؟ -الذين، عندما تمزقهم الويلات، فإن هيكل أجسادهم، حتى الأوردة والشرايين الداخلية للغاية، كانت مرئية، ولا يزالون يتحملون بصبر.” The Martyrdom of Polycarp, 2
[139] “حيث جلد حتى ظهرت عظامه للعيان. ومع ذلك لم يتضرع لنفسه ولم يذرف دموعًا، بل وجه صوته إلى أكثر نبرة حزينة ممكنة، فكان جوابه عند كل ضربة سوط: “وا أسفاه، وا أسفاه على أورشليم!” The Wars of the Jews, 6.304
[140] “فلما سمع رئيسهم وقادتهم دخلوا البيت. ثم جذبهم إلى الجزء الأكثر بعداً عن الناس في المنزل، وأغلق باب تلك الغرفة حيث وضعهم، ثم جُلدوا حتى ظهر كل جزء من أمعائهم عريانًا.” The Wars of the Jews, 2.612
[142] Lucian, The Death of Peregrine, 34. راجع لوقا 23 :27 والذي يؤكد مصداقية روايات الأناجيل
[143] راجع Hengel, Crucifixion,31-32) ) حاشية رقم 25.حيث يقدم هينجل قائمة بالمراجع التي تقول باستخدام المسامير في عملية الصلب. إلى قائمة هينجل قد نضيف يوسيفوس، الذي يكتب عن تسمير على الصليب (JW 4.451). وتاسيتوس (Annals 15.44)، الذي أفاد بأن نيرون ثبت المسيحيين على الصلبان ثم في المساء أضرموا فيهم النيران لإضاءة حدائقه. من الصعب تخيل استخدام الحبال هنا، لأن النار كانت ستحرقها.
[151] تحدث لوسيان، وهو كاتب ساخر يوناني من القرن الثاني، بسخرية إلى حد ما عن يسوع والمسيحيين الأوائل. كانت وجهة نظره هي انتقاد المسيحيين لكونهم أناسًا ساذجين لدرجة أنهم، مع القليل جدًا من الضمانات، يوافقون على الدجالين الذين يمثلون أنهم مُعلّمين، وبالتالي يدعمون هؤلاء الأشخاص حتى لدرجة جعلهم أثرياء. في سياق نقده يروي بعض الحقائق المهمة عن يسوع والمسيحيين:
“المسيحيون، كما تعلمون، يعبدون رجلاً حتى يومنا هذا -الشخص المتميز الذي قدم طقوسهم الجديدة، وصُلب على هذا الأساس. . .. كما ترون، تبدأ هذه المخلوقات الضالة بالاعتقاد العام بأنها خالدة إلى الأبد، وهو ما يفسر ازدراء الموت والتفاني الطوعي للذات، وهما أمران شائعان جدًا بينهم؛ ثم تأثرهم بمشرعهم الأصلي أنهم جميعًا إخوة، منذ لحظة تحولهم، وإنكار آلهة اليونان، ويعبدون الحكيم المصلوب، ويعيشون وفقًا لقوانينه. كل هذا يؤمنون به تمامًا، ونتيجة لذلك يحتقرون كل الخيرات الدنيوية على حد سواء، مُعتبرينها مجرد ملكية مشتركة.”
[152] في وقت ما بين أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثالث، كتب السوري مارا بار سرابيون إلى ابنه سرابيون وصفًا لامبالاة مؤامرة اليهود لقتل يسوع عندما أكد، “ما هي الفائدة التي اكتسبها اليهود من إعدام ملكهم الحكيم؟ وبعد ذلك بقليل ألغيت مملكتهم”.
Gary R. Habermas, The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ (Joplin, MO: College Press Publishing Company, 1996), 192-196.
[153] انظر الفصل بعنوان “يسوع التاريخي في التقليد الشفهي قبل تكوين العهد الجديد”.
[154] انظر الفصل بعنوان “يسوع التاريخي في كتابات الآباء الأوائل”.
[155] Josephus, The Life of Flavius Josephus, 420-421.
[156] ممارسة كسر ساقي الضحية لم تكن معتادة ولكنها كانت أداة لتعجيل الموت راجع Cicero, Philippics, 13.27. انظر يوحنا 19: 31-33.
من المشكوك فيه ما إذا كان كوينتليان كتب هذا العمل. ومع ذلك، فإن التأليف ليس وثيق الصلة، لأننا مهتمون فقط بما يقوله النص عن ممارسات الصلب.
[158] ” كلا، لقد وصلوا إلى هذه الدرجة من المعصية، حيث رموا جثثهم دون دفن، على الرغم من أن اليهود كانوا يهتمون كثيرًا بدفن الرجال، لدرجة أنهم أنزلوا أولئك الذين حكم عليهم وصلبوا ودفنوهم قبل غروب الشمس.”
Josephus, The Wars of the Jews, 4.317.
[159] حجة ليكونا هنا هي نفس حجة عالم العهد الجديد ديفيد شتراوس الذي يعود له الفضل في القضاء على نظرية الإغماء تماماً في الأوساط الأكاديمية. راجع:
David Friedrich Strauss, A New Life of Jesus volume 1, Williams and Norgate, 1865, 408-412.
[160] John Dominic Crossan, Jesus: A Revolutionary Biography (San Francisco: Harper Collins, 1994), 145; cf. 154, 196, 201.
[161] Marcus J. Borg, Jesus: A New Vision: Spirit, Culture, and the Life of Discipleship (San Francisco: Harper Collins, 1987), 179; cf. 178-84.
[162] James D. Tabor, The Jesus Dynasty: The Hidden History of Jesus, His Royal Family, and the Birth of Christianity, Simon & Schuster; Illustrated edition (April 24, 2007), 230.
[163] Raymond E. Brown, The Death of the Messiah: From Gethsemane to the Grave: a Commentary on the Passion Narratives in the Four, vol 2, Anchor Bible; First Edition (February 1, 1994), 1373.
[164] Gerd Lüdemann, The resurrection of Christ : a historical inquiry, Amherst, NY : Prometheus Books, 50.
[165] Pinchas Lapide, The Resurrection of Jesus: A Jewish Perspective, Wipf and Stock (March 12, 2002), 32. يجادل لابيد فيما بعد لإثبات صحة قيامة يسوع
[166] Bart D. Ehrman, Did Jesus Exist? : The Historical Argument for Jesus of Nazareth, HarperOne (March 19, 2013), 14.
[167] Craig, William L., “Does God Exist? Responding to the New Atheism” (working paper, Impact 360 Institute, Atlanta, 2014).
[168] انظر الفصل بعنوان “يسوع التاريخي في التقليد الشفهي” للاطلاع على أدلة بعض هذه الحقائق.
[169] Horst Georg Pohlmann, Abriss der Dogmatik, 3rd rev. ed. (Dusseldorf: Patmos Verlag, 1966), 230.
[170] راجع الفصل بعنوان “هل كان القبر فارغاً حقاً؟”
[172] راجع فصل “يسوع التاريخي في التقليد الشفهي” قسم بعنوان “1 كورنثوس 15: 3 ومايليها.”
[173] John A. T. Robinson, The Human Face of God (Philadelphia: Westminster, 1973), 131.
[174] يوافق عالم العهد الجديد الملحد جيرد لودمان عن هذا فيقول: “إذا انضم الرسول-بولس-إلى التقليد اليهودي ذاته الذي يفترض مسبقًا أن هوية الجثة هي نفسها هوية الجسد المُقام… علاوة على ذلك، في 1 كورنثوس 15: 5-8، قام بفهرس شامل لشهادات قيامة يسوع، وبعد ذلك في الآيات 16-19 يؤكد على ضرورة الإيمان بالقيامة الجسدية في المستقبل -التي تستند إلى قيامة المسيح بالجسد. لذلك، من المنطقي أن نفترض أن بولس اعتبر قبر يسوع فارغًا.”
Gerd Ludemann, The Resurrection Of Christ: A Historical Inquiry Prometheus (October 1, 2004), p. 70.
[175]يؤكد على هذا أيضاً العالم اليهودي بينشاس لابيد الذي أقر بحقيقة قيامة يسوع حيث قال “وفقًا لجميع تقارير العهد الجديد، لم ترَ عين بشرية القيامة نفسها، ولم يكن هناك إنسان، ولم يؤكد أي من التلاميذ أنه أدرك، ناهيك عن فهم، أسلوبها وطبيعتها. كم كان من السهل عليهم أو لخلفائهم المباشرين استكمال هذه الفجوة الفاضحة في تسلسل الأحداث بزخارف خيالية! ولكن على وجه التحديد، لأن أيًا من الإنجيليين لم يجرؤ على “تحسين” أو تجميل هذه القيامة غير المرئية، فإن الصورة الكلية للأناجيل تكتسب الثقة أيضًا.”
Pinchas Lapide, The Resurrection of Jesus: A Jewish Perspective, Wipf and Stock (March 12, 2002), p. 97.
[180] بحسب الأناجيل الأربعة، فإن النساء هن أول من يجدن قبر يسوع مفتوحًا وخاليًا. في رواية خيالية بحتة، كان يمكن للمرء أن يتجنب جعل النساء شهود رئيسيات على القيامة حيث تم اعتبارهن في اليهودية الحاخامية على أنهن غير قادرات على الإدلاء بشهادة صحيحة (قارن لوقا 24: 11).
يعود عدم الثقة تجاه تصريحات النساء في مسائل الإيمان إلى الكتاب المقدس العبري حيث جاء في مدراش قديم في سفر القضاة (13: 8 وما يليها) بشأن ولادة شمشون الموعودة:
قال منوح للملاك: “حتى الآن سمعت من المرأة أن لي ولداً … لكن لا يمكن للمرء أن يعتمد على كلام النساء، ولكن الآن قد تأتي الكلمة من فمك، أود أن اسمعها؛ لأنني لا أثق في كلامها؛ ربما تكون قد غيرت أو حذفت أو أضافت شيئًا” (Numbers Rabbah 10).
تنطبق قصة مماثلة على الأم سارة التي أنكرت ببساطة عدم إيمانها بميلاد ابنها الذي وُعد لها: “فَأَنْكَرَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: «لَمْ أَضْحَكْ».” (تكوين 18: 15). من هذا المقطع تم تعليم أن النساء غير قادرات على الإدلاء بشهادتهن أمام المحكمة (Yalkut Shimoni I, 82)، ومع ذلك، في حالات استثنائية (Rosh Ha-Shanah 22a) سُمح للمرأة بالإدلاء بشهادتها أمام المحكمة بأن رجلاً قد مات حتى سُمح لأرملته بالزواج مرة أخرى، وكان لابد من ضرب التلاميذ كمفارقة حيث أرادت النساء هنا أن يشهدن على عكس ذلك، أي قيامة شخص ميت.
بالإضافة إلى ذلك، هناك حقيقة أن النساء في القبر الفارغ كن في حالة من الإثارة الشديدة، “لأنهن قد وصلن إلى رِّعْدَةَ وَالْحَيْرَةَ”. حتى أنهن هربن في البداية من القبر “وَلَمْ يَقُلْنَ لأَحَدٍ شَيْئًا لأَنَّهُنَّ كُنَّ خَائِفَاتٍ.” (مرقس 16: 8). كان من المحتمل أن يكون أحد الشهود مريم المجدلية “الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا سَبْعَةُ شَيَاطِينَ” (لوقا 8: 2) -وهو ما قد يشير على الأقل إلى الهستيريا -يقلل من مصداقية تقاريرها. لذلك، لا حاجة لمزيد من التوضيح عندما نسمع أن التقرير الأول عن القيامة لاقى آذانًا صماء حتى في دائرة التلاميذ الأوائل: “فَتَرَاءَى كَلاَمُهُنَّ لَهُمْ كَالْهَذَيَانِ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُنَّ.” (لوقا 24: 11).
إن الظروف التي أرادت فيها نفس النساء أن تدهن يسوع الميت بعد فترة وجيزة من دفنه، كما طالبت العادات اليهودية، تثبت أنه في الأساس لم يكن أي من التلاميذ أو النساء أنفسهن، اللائي كن بالتأكيد أكثر ميلًا إلى تصديق ذلك، توقع قيامته. إنه يزيد من مصداقية العبارات الإنجيلية الأساسية بأنه لا هذه الحقيقة التي من شأنها أن تضع كل تنبؤات المعاناة قبل الفصح موضع تساؤل، ولا ظهورات الملائكة للنساء التي سبقت كل شهادات الذكور عن القيامة، لم يتم التعامل معها بصمت.
Pinchas Lapide, The Resurrection of Jesus: A Jewish Perspective, p. 95-96.
[181] Jacob Kremer, Die Osterevangelien—Geschichten um Geschichte (Stuttgart: Katholisches Bibelwerk, 1977), 49—50.
[182] Gary Habermas, “Experience of the Risen Jesus: The Foundational Historical Issue in the Early Proclamation of the Resurrection,” Dialog 45 (2006): 292.
[183] ” لكن في النهاية، عندما يتم النظر في كل حجة ووزنها، يجب أن يكون الاستنتاج الوحيد المقبول للمؤرخ أن آراء الأرثوذكس، والليبرالي المتعاطف واللاأدري النقدي على حد سواء -وربما التلاميذ أنفسهم -هم ببساطة تفسيرات للحقيقة المربكة: أي أن النساء اللواتي انطلقن لتقديم احترامهن الأخير ليسوع وجدن في رعبهن، ليس جسداً، بل قبرًا فارغًا”
Geza Vermes, Jesus the Jew: A historian’s Reading of the Gospels (Fortress Press; 1st Fortress Press ed edition April 1, 1981), 41.
[184] C. H. Dodd, “The Appearances of the Risen Christ: A study in the form criticism of the Gospels,” in More New Testament Studies (Manchester: University of Manchester, 1968), 128.
[186] Hans Grass, Ostergeschehen und Osterberichte, 4th ed. (Gottingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1974), 80.
[187] Gerd Ludemann, What Really Happened to Jesus?, trans. John Bowden (Louisville, Kent.: Westminster John Knox Press, 1995), 80.
[188] R. H. Fuller, The Formation of the Resurrection Narratives (London: SPCK, 1972), 2.
[189] C. Behan McCullagh, Justifying Historical Descriptions (Cambridge: Cambridge University Press, 1984), 19.
[190] “على الرغم من أن مثل هذه الآراء حول الآلهة الوثنية كانت منتشرة على نطاق واسع في بعض الدوائر لسنوات، إلا أنها قوبلت بنقد مدمر بالقرب من نهاية القرن العشرين. هناك، بالتأكيد، علماء هنا أو هناك يواصلون الاعتقاد بأن هناك بعض الأدلة على موت الآلهة وقيامها. لكن حتى هؤلاء العلماء، الذين يبدو أنهم من الأقلية، لا يعتقدون أن هذه الفئة لها أي صلة بفهم التقاليد عن يسوع. “…” هل يمكن لأي شخص أن يذكر مصدرًا واحدًا من أي نوع يشير بوضوح إلى أن الناس في ريف فلسطين، على سبيل المثال، في أيام بطرس ويعقوب، كانوا يعبدون إلهًا وثنيًا مات وقام مرة أخرى؟ يمكنك الوثوق بي، إذا كان هناك مصدر كهذا، فسيتم التحدث عنه من قبل كل من يهتم بالمسيحية المبكرة. إنه غير موجود.”
Bart D. Ehrman, Did Jesus Exist? : The Historical Argument for Jesus of Nazareth, HarperOne (March 19, 2013), 195-196.
ويمكن الاطلاع على المزيد من التفنيدات لادعاءات اقتباس المسيحية من الوثنية في الفصل بعنوان “هل معتقدات المسيحية عن يسوع منسوخة من الديانات الوثنية؟”
[191] إن المؤرخين الحقيقيين للعصور القديمة يثورون فزعاً بسبب مثل هذه التأكيدات -أو سيكونون كذلك إذا كلفوا أنفسهم عناء قراءة كتاب فريك وغاندي. لا يقدم المؤلفان أي دليل على ادعاءاتهما المتعلقة بالأساطير المعيارية للآلهة البشرية. لم يذكرا أي مصادر من العالم القديم يمكن التحقق منها. ليس الأمر أنهم قدما تفسيرًا بديلاً للأدلة المتاحة. لم يستشهدا حتى بالأدلة المتاحة. ولسبب وجيه. لا يوجد مثل هذا الدليل.
ما الدليل، على سبيل المثال، على أن أوزوريس ولد في 25 ديسمبر أمام ثلاثة رعاة؟ أم أنه صلب؟ وأن موته أتى بالتكفير عن الخطية؟ أم أنه عاد إلى الحياة على الأرض بقيامته من الأموات؟ في الواقع، لا يوجد مصدر قديم يقول أي شيء من هذا القبيل عن أوزوريس (أو عن الآلهة الأخرى). لكن فريك وغاندي يدعيان أن هذه معرفة عامة. وهما “يثبتان” ذلك من خلال الاستشهاد بكتاب آخرين من القرنين التاسع عشر والعشرين قالوا ذلك. لكن هؤلاء الكتاب أيضًا لا يستشهدون بأي دليل تاريخي. كل هذا يعتمد على التأكيد، الذي صدقه فريك وغاندي لمجرد أنهما قرأه في مكان ما. هذه ليست دراسة تاريخية جادة. إنها كتابة مثيرة مدفوعة بالرغبة في بيع الكتب.
Ehrman, Did Jesus Exist?, 26.
[192] كتب الراحل جيمس دن بخصوص موضوع عدم تبجيل القبور عند حديثه عن مصداقية قبر يسوع الفارغ: ” هناك اعتبار قوي آخر لصالح تقارير القبر الفارغ التي تعتبر متأصلة في الحقائق التاريخية وهو عدم وجود أي تبجيل للمقابر في المسيحية المبكرة. نحن نعلم أنه كان من المعتاد في زمن يسوع أن يلتقي المصلين عند قبر النبي الميت للعبادة. تنعكس هذه الممارسة في متى 23: 29 (“تبني قبور الأنبياء وتزين آثار الصالحين”). ويستمر هذا اليوم في التبجيل الممنوح لمقابر إبراهيم في حبرون وداود في اورشليم. يسوع: الدليل قدم لقطات رائعة للعبادة التي لا تزال تمارس في قبر الشخص الأقل شهرة القريب زمنياً ليسوع، الحاخام ذو الشخصية الجذابة، Honi HaMe’agel هوني هاماجيل، “راسم الدائرة”.
ينظر المسيحيون اليوم بالطبع إلى موقع قبر يسوع بتقدير مماثل، وتعود هذه الممارسة على الأقل إلى القرن الرابع. لكن بالنسبة للفترة التي غطاها العهد الجديد وغيره من الكتابات المسيحية المبكرة، لا يوجد دليل على الإطلاق بالنسبة للمسيحيين فيما يتعلق بالمكان الذي دُفن فيه يسوع باعتباره ذا أهمية خاصة. لم يشهد المسيحيون الأوائل ممارسة تبجيل القبور، أو حتى الاجتماع للعبادة عند قبر يسوع. لو كانت هذه هي ممارسة المسيحيين الأوائل، مع كل الأهمية التي تفترضها الممارسة نفسها، فمن الصعب تصديق أن سجلاتنا عن مسيحية اورشليم والزيارات المسيحية لها لم تكن لتذكرها أو تلمح إليها بطريقة ما أو في مرحلة ما. هذا الصمت الغريب، الاستثنائي في ضوء الممارسة الدينية في ذلك الوقت، له تفسير واحد واضح. لم يعتبر المسيحيون الأوائل المكان الذي دُفن فيه يسوع ذا أهمية خاصة لأنه لم يُعتقد أن قبرًا يحتوي على بقايا يسوع الأرضية. لم يكن القبر مبجلاً، ولم يصبح مكانًا للحج، لأن القبر كان فارغًا!”
James D. G. Dunn, The Evidence for Jesus, Westminster John Knox Press; First Edition (January 1, 1985), 67-68.
[193] N. T. Wright, lecture at Asbury College and Seminary, 1999.
[194] بخصوص هذا أيضاً كتب دن بعد أن ساق العديد من الحجج لمصداقية تقارير ظهورات يسوع: ” عندما يجب احترام سلامة هذه التقارير المبكرة، فإن التفسير البديل الأكثر وضوحًا هو أن الشهود كانوا مخدوعين -ليسوا مخادعين، ولكن مخدوعين. بعبارة أخرى، لم تكن “ظهورات القيامة” في الواقع أكثر من مجرد إسقاطات هلوسة لآمال التلاميذ المحبطة، رؤى مولودة من الهستيريا. هنا أيضًا، تتعارض مثل هذه الفرضية مع احتمالية أكبر مما يتم إدراكه غالبًا.” ثم بعدها أثبت عدم جدوى نظرية الهلوسة.”
Dunn, Evidence for Jesus, 71.
[195] راجع فصل بمصداقية الصلب الخاص بـ مايكل ليكونا.
[196] “بمجرد أن يتحلل لحم المتوفى، كانوا يجمعون عظامه ويدفنونها في مكانها الصحيح في مقبرة دفن أجداده.”
Mishnah Sanhedrin 6: 5.
“عندما كان والدي يحتضر، أعطاني هذه التعليمات، “عند موتي، ادفنني أولاً في الوادي، ثم اجمع عظامي لاحقًا وضعها في تابوت …، لكن لا تجمعها بيديك. وقد فعلت.” semachot 12: 9
[197] “بعد أن يتم إنزال المخالف الذي تم إعدامه، يتم دفنه، ولن يدفنوه في مقبرة دفنه. بل تم إنشاء مقبرتان لدفن من أعدمتهم المحكمة: إحداهما لمن قُتِلوا بقطع الرأس أو الخنق، والأخرى لمن رُجِموا أو أُحرِقوا……. وبعد الإعدام بقليل يأتي أقارب المخالف الذي تم إعدامه ويستفسرون عن مصلحة القضاة وصالح الشهود، وكأنهم يقولون: لا نحمل عليكم ضغينة كما حكمتم بحكم صحيح. ولا يحزن أقارب الرجل الذي تم إعدامه عليه بطقوس الحداد المعتادة، حتى يكفر موته غير الحزين عن إثمه؛ لكنهم يحزنون على رحيله لأن الحزن محسوس في القلب فقط.” Mishnah Sanhedrin 6: 5-6
[198] “على الرغم من أن اليهود حريصون جدًا على طقوس الجنازة حتى أن المجرمين الذين حُكم عليهم بالصلب يتم إنزالهم ودفنهم قبل غروب الشمس.” Flavius Josephus, The Wars of the Jews 4. 317
[199] “لا يجوز لنا نقل جثة أو عظام من مكان شرف إلى آخر، أو من مكان عار إلى مكان شرف، وغني عن القول من مكان شرف إلى مكان عار؛ ولكن في ممتلكات [الميت] يجوز [النقل] حتى من مكان الشرف إلى مكان العار، لأنه من أجل شرفه.” semachot 13: 7
[200] “وعندما تحدثت إليهم هكذا، إذا زوجتي سيتيس جاءت راكضة مرتدية الخرق. لكنها سألته قائلة: “إني أسألكم، أيها السادة، أن تأمروا جنودكم بالحفر بين أنقاض منزلنا الذي سقط على أولادي، حتى يمكن جلب عظامهم إلى القبور في حالة ممتازة…. وقفت منتصبة، ونطقت أولاً بحمد الله وبعد الصلاة قلت لهم: “انظروا بأعينكم إلى الشرق”. ونظروا ورأوا أولادي بأكاليل بالقرب من مجد الملك، حاكم السماء.”
[201] Krister Stendahl, “Paul among Jews and Gentiles,” in Paul among Jews and Gentiles (Philadelphia: Fortess Press, 1976), 12—13.
E. Ladd, I Believe in the Resurrection of Jesus (Grand Rapids: Eerdmans, 1975) 136-142.
للاطلاع على مناقشة أقدم ولكن لا تزال مفيدة لبعض هذه النظريات، انظر
M. Smith, Therefore Stand (Boston: Wilde, 1945) 393-398.
[203] K. Lake, The Historical Evidence for the Resurrection of Jesus Christ (New York: Putnam, 1907) 251-252; P. Gardner-Smith, The Narratives of the Ressurection (London: Methuen, 1926) 134–139.
[204] J. K.lausner, Jesus of Nazareth (Boston: Beacon, 1925) 357.
لم يكن كلاوسنر بأي حال من الأحوال أول من اقترح هذا التفسير. في وقت مبكر من القرن الثامن عشر، صور ك.ف. باهردت يوسف الرامي على أنه يسرق جسد يسوع من الكهف، ولكن في تصوير باهردت، تم إحياء يسوع واستمر في خدمته سرًا عبر العديد من ظهورات “القيامة”. وبالتالي
Schweitzer, The Quest of the Historical Jesus (New York: Macmillan, 1966) 43-44.
وضع نظرية مشابهة إلى حد ما. وفقًا لبالدينسبيرغر، على الرغم من دفن يسوع في قبر جماعي من قبل اليهود، حصل يوسف الرامي على إذن من بيلاطس بنقل الجسد وإعادة دفنه في قبره. ومع ذلك، عادت النساء، اللائي رأين الدفن الأول، إلى مكان الدفن الأصلي ووجدته فارغًا افترضن أن يسوع قد قام من بين الأموات. على الرغم من إعلان قيامة يسوع في وقت لاحق والقبر الفارغ، فقد أبقوا هذا السر حتى وفاته. راجع أيضا
Pesch, “Zur Entstehung des Glaubens an die Auferstehung Jesu,” TQ 153 (1973) 206.
[205] هذه النظرية هي واحدة من أقدم التفسيرات العقلانية للقيامة وقد تم اقتراحها بالفعل في القرن الثامن عشر من قبل K.F Bahrdt وفي أوائل القرن التاسع عشر بواسطة K.H. Venturini و H.E.G Paulus.
[207] تم العثور على هذه “النظرية” الغريبة نوعًا ما في ترتليان، De Spectaculis, 30.
[208] L. D. Weatherhead, The Resurrection of Christ (London: Hodder and Stoughton, 1959) 43-45
[209] R. Bultmann, The History of the Synoptic Tradition (New York: Harper, 1968) 290,
الذي يقول، “إن قصة القبر الفارغ ثانوية تمامًا …. القصة هي أسطورة دفاعية مثل مرقس 16 8 • • • تظهر بوضوح. لا يعرف بولس شيئًا عن القبر الفارغ.” انظر أيضا
W. H. Lampe and D. M. MacKinnon, The Resurrection (London: Mowbray, 1966) 46-48: H.-W. Bartsch, Das Auferstehungszeugnis (Hamburg: Herbert Reich, 1965) 22; H. Grass, Ostergeschehen und Osterberichte (Gottingen: Vandenhoeck and Ruprecht, 1%2) 93. Yet P. Althaus, Die Wahrheit des kirchlichen Osterglaubens (Giitersloh: Bertelsmann, 1941) 26,
أشار إلى أنه إذا ظهرت قصة القبر الفارغ كدفاع عن القيامة، فمن الغريب أنها لا تخدم هذه الوظيفة في الحسابات نفسها (راجع مرقس 16: 8؛ لوقا 24: 22-24؛ يوحنا 20: 11-15). في هذا الصدد انظر أيضا
Leon-Dufour, Resurrection and the Message of Easter (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1971) 210.
[210] H. Schlier, Ober die Auferstehung Jesu Christi (Einsiedeln: Johannes, 1968) 28; F. Mussner, Die Auferstehung Jesu (Miinchen: Kosel, 1969) 69; G. O’Collins, The Resurrection of Jesus Christ (Valley Forge: Judson, 1973) 93.
[211] للاطلاع على مناقشة للسامية في روايات الإنجيل عن القبر الفارغ انظر
L. Bode, The First Easter Morning (Rome: Biblical Institute, 1970) 6, 58, 71.
[212] W. Pannenberg, “Did Jesus Really Rise from the Dead,” Dialog 4 (1965) 134; O’Collins, Resurrection, p. 43; Bode, First Easter, p. 177; Althaus, Wahrheit, p. 26; W. Künneth, The Theology of the Resurrection (St. Louis: Concordia, 1965), p. 92 n. 52.
هذا الأخير هو ملخص ممتاز ومختصر لهذه الحجة.
قيل أن مرقس 6 :14، 16 يدحض هذا الادعاء، حيث اعتقد البعض أن يسوع ربما كان يوحنا المعمدان الذي أقيم من الموت على الرغم من عدم وجود ادعاء بأن قبر يوحنا كان فارغًا. ومع ذلك، فإن مثل هذا التفكير في طبريا من قبل هيرودس أنتيباس، راعي الثقافة الهلنستية، لم يكن ممكنًا مع الفريسيين في أورشليم. بالنسبة لليهودي في أورشليم، وخاصة بالنسبة للفريسي المعادي والمتشكك، فإن أي ادعاء بالقيامة يتطلب قبرًا فارغًا.
[213] سي إف دي مول C. F. D. Moule في مقدمة المحرر لـ
The Significance of the Message of the Resurrection for Faith in Jesus Christ (London: SCM, 1968), 9.
تنص على أنه “من الصعب شرح كيف أن قصة [من المفترض] نشأت متأخرة وتشكلت فقط وفقًا للمطالب الدفاعية المفترضة تم تأطيرها في مصطلحات حصرية تقريبًا من النساء الشاهدات، اللواتي، على هذا النحو، اشتهرن بأنهن غير صالحين كشهود وفقًا لمبادئ الإثبات اليهودية. كلما تأخرت القصة وكلما كانت خيالية، كان من الصعب شرح سبب عدم إحضار الرسل إلى المقدمة كشهود “. أنظر أيضا Bode, First Easter, p. 158
[215] P. Benoit, The Passion and Resurrection of Jesus (New York: Herder, 1970) 228–229; Bode, First Easter, p. 160.
من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن بعض العلماء الذين يعتقدون أن قصة القبر الفارغ هي إضافة دفاعية متأخرة إلى روايات القيامة يؤكدون أن يوسف الرامي مرتبط بشكل ما تاريخيًا بقصة الدفن. انظر
يجادل في هذه النقطة بطريقة أكثر إقناعاً وإفحاماً. للحصول على ملخص لحجته انظر ص 179 -182
[217] R. H. Fuller, The Formation of the Resurrection Narratives (New York: Macmillan, 1971) 10, and Bode, First Easter, pp. 91-93, لمناقشة تاريخ هذا التقليد.
[218] H. Conzelmann, A Commentary on the First Epistle to the Corinthians (Philadelphia: Fortress, 1975) 255; Fuller, Formation, pp. 15-16. For the opposing view see U. Wilckens, Auferstehung (Berlin: Kreuz, 1970) 20-22; A. Oepke, “egeir6,” TDNT (Grand Rapids: Eerdmans, 1964) II, 335. R. E. Brown, The Virginal Conception and Bodily Resurrection of Jesus (New York: Paulist, 1973),
بينما ينكر في الصفحات 83-84 أن مصطلح “دُفن” يشير إلى أن القبر كان فارغًا، يعتقد أن التعبير “قام في اليوم الثالث” ربما يشير إلى ذلك. انظر ص. 124.
[219] في كولوسي 2: 6، يجب أن نلاحظ أيضًا أن المقطع تم تقديمه من خلال “بما أنك قبلت المسيح يسوع الرب”، وهو نفس المصطلح الذي يقدم التقليد الموجود في كورنثوس الأولى 15: 3-4.
[220] يدرك المؤلف جيدًا الصعوبة التي ينطوي عليها معرفة معنى “التشابه” في رومية 6: 5 وما يرتبط به، ولكن من الواضح، على الأقل بالنسبة له، أنه بغض النظر عن كيفية الإجابة على هذه الأسئلة، فإن في الممعمودية يتذكر المؤمن بطريقة ما موت ودفن وقيامة يسوع. انظر
C. Tannehill, Dying and Rising with Christ (Berlin: Topelmann, 1966) 30-39,
لإجراء مناقشة ممتازة حول الطرق المختلفة التي تم تفسير “التشابه” بها.
[222] للحصول على مناقشة أكثر تفصيلا للآثار المترتبة على هذه المقاطع انظر
Manek, “The Apostle Paul and the Empty Tomb,” NovT2 (1957) 276-280.
[223] المناقشة هنا تتبع عن كثب العديد من كتابات المؤلف. للحصول على بعض التفاصيل، انظر
Gary R. Habermas, “The Evidential Method,” in Five Views on Apologetics, 108-1 2; Gary R. Habermas, “The Resurrection Appearances of Jesus,” in In Defense of Miracles: A Comprehensive Case for God’s Action in History, ed. R. Douglas Geivett and Habermas (Downers Grove, Ill.: Intervarsity Press, 1997), esp. 265-68; Habermas and Moreland, Beyond Death, 130-33; Habermas, The Historical Jesus, 160-61.
[228] Lüdemann, What Really Happened to Jesus, 4; Funk, Honest to Jesus, 36, 40; Marcus Borg, “Thinking about Easter,” Bible Review 10 (1994): 15; Perrin, Resurrection according to Matthew, Mark, and Luke, 80, 83; John Shelby Spong, Resurrection: Myth or Reality? (San Francisco: Harper San Francisco, 1994), 47; Grant, Saint Paul, 104.
Wolfhart Pannenberg, “Response to the Debate,” in Habermas and Flew, Did Jesus Rise from the Dead! 132; Wolfhart Pannenberg, Systematic Theology, vol. 2, trans. Geoffrey W. Bromily (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1991), 355; Hengel, The Atonement, 36-38; Barnett, Jesus and the Logic of History, 126-27, 142; cf. Meier, A Marginal Jew, 2: 219-20.
[233] موضوع روايات القيامة في الأناجيل موضوع منفصل يأخذنا إلى أبعد من تركيزنا على دليل بولس. يمكن للقارئ المهتم استشارة:
Osborne, The Resurrection Narratives, part 2; Craig, Assessing, part 2; C. H. Dodd, “The Appearances of the Risen Christ: An Essay in Form-Criticism of the Gospels,” in More New Testament Essays (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1968).
انظر أيضاً
Stephen T. Davis, “‘Seeing’ the Risen Jesus’’; William P. Alston, “Biblical Criticism and the Resurrection”; and Richard Swinburne, “Evidence for the Resurrection,” all in The Resurrection.
[235] Ben Witherington III, “Resurrection Redux,” in Will the Real Jesus! 140.
[236] Lüdemann, What Really Happened to Jesus, 13; Pannenberg, “Response to the Debate,” in Did Jesus Rise from the Dead? 129; Hengel, The Atonement, 38, 69; Stuhlmacher, Jesus of Nazareth, 8; Meier, A Marginal Jew, 1:118; O’Collins, Interpreting Jesus, 110; Meyer, The Aims of Jesus, 15; Samuel, “Making Room,” 107.
[238] Fuller, Formation of the Resurrection Narratives, 37.
يتفق غالبية العلماء الناقدين هنا. للحصول على بعض الأمثلة، انظر
Meier, A Marginal Jew, 2:70-71; Pannenberg, Jesus: God and Man, 97; Peter Stuhlmacher, “The Resurrection of Jesus and the Resurrection of the Dead,” trans. Jonathan M. Whitlock, Ex Auditu 9 (1993): 49; E. P. Sanders, “But Did It Happen?” The Spectator 276 (1996): 17; Kee, What Can We Know? 61; Oden, The Word of Life, 490; Lorenzen, Resurrection and Discipleship, 143-44; Davis, “‘Seeing’ the Risen Jesus,” 105-6, 138; William Lane Craig, “On Doubts about the Resurrection,” Modern Theology 6 (1989): 63-64; Ladd, I Believe in the Resurrection, 91, 105-6, 138; Osborne, The Resurrection Narratives, 229-31.
اثنان من العلماء المنفردين الذين يعتقدون أن يعقوب لم يكن غير مؤمن قبل ظهور يسوع هما ريتشارد باوكهام وجون بينتر. انظر مقالاتهما في
The Brother of Jesus: James the Just and His Mission, ed. Bruce Chilton and Jacob Neusner (Louisville, Ky.: Westminster John Knox Press, 2001). Even so, both Bauckham (“Jesus and James,” 106-7) and Painter (“Who Was James? Footprints as a Means of Identification,” 24) اعترف بأن الرأي السائد هو أن يعقوب كان غير مؤمن عندما ظهر له يسوع.
[239] Lüdemann, The Resurrection of Jesus, 109; also What Really Happened to Jesus, 102, cf. 14.
[240] Helmut Koester, Introduction to the New Testament, 2 vols. (Philadelphia: Fortress Press, 1982), 2:84.
ومن بين العلماء المتشككين الآخرين الذين يتبنون وجهة النظر التقليدية
Conzelmann, Corinthians, 258; Wedderburn, Beyond Resurrection, 116; Funk, Honest to Jesus, 33; Hoover, “A Contest,” 135; Betz, Galatians, 78; Duncan M. Derrett, The Anastais: The Resurrection of Jesus as an Historical Event (Shipston-on-Stour, England: P. Drinkwater, 1982), 98-99.
[242] لمقاطع العظات التي توجد فيها هذه المادة التقليدية، انظر أعمال الرسل (1 :21-22; 2 :22-36; 3 :13-16; 4 :8-10; 5 :29-32; 10 :39-43; 13 :28-31; 17 :1-3, 30-31.).
[243] للحصول على قائمة ببعض العلماء الذين وجدوا عبارات تقليدية مبكرة في أعمال الرسل، انظر
Gerd Lüdemann, Early Christianity According to the Traditions in Acts: A Commentary, trans. John Bowden (Minneapolis: Fortress Press, 1989), 47-49, 112-15; Helmut Merklein, “Die Auferweckung Jesu und die Anfange der Christologie (Messias bzw. Sohn Gottes und Menschensohn),” 2; Kloppenborg, “Analysis,” 361 ; Hengel, The Atonement, 34; Elliott, “The First Easter,” 215; Alsup, Post-Resurrection Appearance Stories, 6445, 81-85; Raymond E. Brown, An Introduction to New Testament Christology (Mahweh, N.J.: Paulist Press, 1994), 112-13, 164; Fuller, Formation of the Resurrection Narratives, 44-45; Pheme Perkins, Resurrection: New Testament Witness and Contemporary Reflection (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1984), 90, 228-31; J. Colin Hemer, The Book of Acts in the Setting of Hellenistic History, ed. Conrad H. Grempf (Winona Lake, Ind.: Eisenbrauns, 1990), 419-22, 427; Hugo Staudinger, “The Resurrection of Jesus Christ as Saving Event and as ‘Object’ of Historical Research,” Scottish Journal of Theology 36 (1983): 322; Gerald O’Collins, interpreting the Resurrection (Mahweh, N.J.: Paulist Press, 1988), 48-52; Fitzmyer, “The Ascension of Christ and Pentecost,” 404, 412-13; Durrwell, La Resurrection de Jesus: Mystere de Salut, 22; Johnson, Living Jesus, 34; Meyer, The Aims of Jesus, 61, 64, 66; Lapide, Resurrection of Jesus, 91; Rowan Williams, Resurrection: Interpreting the Easter Gospel (London: Darton, Longman and Todd, 1982), 7-1 1; Barnabas Lindars, “The Apocalyptic Myth and the Death of Christ,” Bulletin of the John Rylands University Library of Manchester 57 (1975): 367-68; Craig, Assessing, 36-38; Matthew Brook O’Donnell, “Some New Testament Words for Resurrection and the Company they Keep,” in The Resurrection, 138; Francis Schussler Fiorenza, “The Resurrection of Jesus and Roman Catholic Fundamental Theology,” in The Resurrection, 225-26; Drane, Introducing the New Testament, 99; Joost Holleman, Resurrection and Parousia: A Traditio-Historical Study of Paul’s Eschatology in 1 Corinthians 15 (Leiden, Netherlands: E. J. Brill, 1996), 141; Barnett, Jesus and the Logic of History, 29; Donald Goergen, The Death and Resurrection of Jesus: A Theology of Jesus (Wilmington, Del.: Michael Glazier, 1988), 2:233; Lawrence S. Cunningham, book review in Commonweal 125 (1998): 27-28; M. Gourges, A La Droite de Dieu: Resurrection de Jesus et Actualisation du Psaume 110: 1 dam in Noveau Testament (Paris: J. Gabalda et Cie Editeurs, 1978), esp. 169-78.
اثنين من أقدم الأعمال مع استنتاجات مدروسة جيدا
Dodd, Apostolic Preaching, 17-31; and Max Wilcox, The Semitisms of Acts (Oxford: Clarendon Press, 1965), esp. 79-80, 164-45. Hemer’s volume above has some similar research aims.
[247] في دراستي لأكثر من 1400 مصدر علمي حديث عن القيامة المذكورة أعلاه، قمت بتصنيف ثلاث وعشرين حجة للقبر الفارغ، بما في ذلك بعض الحجج المتداخلة. يقبل أكثر من مائة باحث معاصر واحدة أو أكثر من هذه الحجج. يقبل حوالي خمسة وثلاثين باحثًا واحدة أو أكثر من الحجج ضد القبر الفارغ. (بالطبع، العديد من المصادر الأخرى لا تتناول هذا الجانب بالذات).
[250] Thomas Torrance, Space, Time and Resurrection (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1976), 189-90.
[251] انظر متى 26: 56، 69-74؛ مر 14: 50، 66-72؛ لو 22: 55-72؛ يو 18: 25-27.
[252] توجد أمثلة على تحولهم في أعمال الرسل 2: 41-47؛ 4: 1-4، 8-21، 29-31؛ 5: 17-32، 40-42. 1 كو 15: 9-11 هو أحد تقارير بولس عن خدمة الرسل. تسجل الآية 1 تي 3: 16 اعترافًا مبكرًا آخر فيما يتعلق بالوعظ الرسولي. يظهر استعداد الرسل للموت في يو 21: 18-19؛ أعمال 7: 57-60، 12: 1-3، 21 :13، 25 :11؛ روم 14: 8؛ 1 كو 15: 30-32؛ 2 كو 4: 7-14، 11: 23-32؛ في 1: 20-24؛ راجع 2 بط 1: 13-15. استشهاد بطرس وبولس مذكوران في كليمندس الروماني (كورنثوس 5)، بينما روايات مختلفة إلى حد ما عن استشهاد يعقوب أخي يسوع، ذكرها كل من يوسيفوس (الآثار 20: 9: 1) وهيجسبوس (المسجل في يوسابيوس، التاريخ الكنسي 2: 23). ذكر يوسابيوس استشهاد يعقوب شقيق يوحنا وبطرس وبولس (التاريخ الكنسي 2: 9، 2 :25).
[253] انظر الشهادات المسيحية في إكليمندس الروماني (كورنثوس 42) وإغناطيوس (سميرنا 3 وبرنابا 5). تم العثور على التقارير العلمانية في تاسيتوس (حوليات 15: 44) والاقتباس المتنازع عليه من قبل يوسيفوس (الآثار 18: 3)؛ مثل هذا التقرير مضمن في رسالة مارا بار سيرابيون (في المتحف البريطاني).
[254] Michael Grant, Saint Peter: A Biography (New York: Scribner, 1994), 96.
[255] N. T. Wright, Jesus and the Victory of God, vol. 2 of Christian Origins and the Question of God (Minneapolis: Fortress Press, 1996), 659.
[260] Meyer, The Aims of Jesus, 68. See also Hans-Werner Bartsch, “Inhalt und Funktion des Urchristlichen Osterglaubens,” New Testament Studies 26 (1980): 180.
[261] N. T. Wright, Who Was Jesus? (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1992), 34.
Robinson, Can We Trust, 123; Maier, In the Fullness of Time, 200; Paul Maier, “The Empty Tomb as History,” Christianity Today 19 (1975): 4-6.
[263] Cranfield, “The Resurrection of Jesus Christ,” 170.
[264] تأسست مؤسسة الكنيسة المسيحية على القيامة (متى 28: 18-20؛ لوقا 24: 45-49؛ أعمال الرسل 1: 4-8). علاوة على ذلك، كان هذا الأحد هو يوم العبادة المسيحي منذ الكنيسة الأولى (1 كو 16: 1-2؛ أعمال الرسل 20: 7) يجب شرحه، لا سيما بالنظر إلى أن المسيحيين الأوائل كانوا يهودًا موحدين، اعتادوا على العبادة يوم السبت…كان يوم الأحد ذكرى يوم القيامة (مر 16: 1-2؛ 1 كو 15: 3-4).
[265] كلا الاقتباسين من Fuller, Foundations of New Testament Christology, 142.
[268] حتى عينة من عشرات العلماء الناقدين الجدد الذين يعتقدون أن تلاميذ يسوع لديهم تجارب حقيقية أدت بهم إلى استنتاج أنهم رأوا ظهورات ليسوع القائم من بين الأموات، سواء حدثت القيامة بالفعل أم لا، ستكون هائلة. مثل هذا الاستطلاع، بما في ذلك عدد كبير من العلماء الناقدين للغاية، يشمل:
Koester, Introduction to the New Testament, 284; Goulder, “The Baseless Fabric,” 48; Borg, “Thinking about Easter,” 15; Crossan, Jesus, 190; Funk, Honest to Jesus, 40, 266; Hoover, “A Contest,” 131, 92-97, 111, 141; Rudolf Pesch, “Zur Entstehung des Glaubens an die Auferstehung Jesu: Ein neuer Versach,” Freiburger Zeitschrift fur Philosophie und Theologie 30 (1983): 87; Anton Vogtle in Vogtle and Rudolf Pesch, Wie kam es zum Osterglauben! (Dusseldorf, Germany: Patmos-Verlag, 1975), 85-98; John Galvin, “Resurrection as Theologia Crucis Jesu: The Foundational Christology of Rudolf Pesch,” Theological Studies 38 (1977): 521-23; Conzelmann, Corinthians, 258-66; Perrin, The Resurrection, 80-83; Ludemann, The Resurrection of Jesus, 37, 50, 66; Kent, Psychological Origins, 18-19; James Keller, “Response to Davis,” Faith and Philosophy 7 (1990): 114; Hans Werner Bartsch, “lnhalt und Funktion des Urchristlichen Osterglaubens,” New Testament Studies 26 (1980): 180, 194-95; James M. Robinson, “Jesus from Easter to Valentinus (or to the Apostles’ Creed),” Journal of Bibilical Literature 101 (1982): 8, 20; Wells, Did Jesus Exist! 32, 207; Martin, The Case against Christianity, 83, 90; Spong, Resurrection, 51-53, 173; Sheehan, The First Coming, 91; Elliott, “The First Easter,” 209-10, 220; Wedderburn, Beyond Resurrection, 47, 188; Karl Rahner, Foundations of Christian Faith: An Introduction to the Idea of Christianity, trans. William V. Dych (New York: Seabury Press, 1978), 265, 277; Wolfhart Pannenberg, “Die Auferstehung Jesu: Historie und Theologie,” Zeitschrift fur Theologie und Kirche 91 (1994): 320-23; Moltmann, Theology of Hope, 172-73; Brown, Virginal Conception, 125-29; Dunn, The Evidence for Jesus, 75; Johnson, The Real Jesus, 136; Kasper, Jesus the Christ, 124-25; Davis, Risen Indeed, 182; Staudinger, “Resurrection of Jesus Christ,” 312, 318-20; Cranfield, “The Resurrection of Jesus Christ,” 169; Williams, Resurrection, 97, 11 7-19; Alsup, Post-Resurrection Appearance Stories, 274; Fuller, Formation of the Resurrection Narratives, 47-49, 181; Jacob Kremer, Die Osterevangelien-Geschichten um Geschichte, 2nd ed. (Stuttgart, Germany: Verlag Katholisches Bibelwerk, 1981), esp. 153-55; Meyer, The Aims of Jesus, 60; Meier, A Marginal Jew, 3:70, 235, 252; Sanders, The Historical Figure of Jesus, 10-13, 278-80; Wright, “Christian Origins,” 118; Joseph Dore, “Croire en la Resurrection de Jesus-Christ,” Etudes 356 (1982), 532; Fiorenza, “Resurrection of Jesus,” 238, 243-47; O’Collins, Jesus Risen, 118-19; Craig, Assessing, esp. part 3; Robinson, Can We Trust! 120-27; Philip Jenkins, Hidden Gospels: How the Search for the Historical Jesus Lost its Way (New York: Oxford University Press, 2001), 78; Grant, Jesus, 176; Drane, Introducing the New Testament, 101-4; Charles Austin Perry, The Resurrection Promise (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1986), 4; Lindars, “Resurrection and the Empty Tomb,” in The Resurrection of Jesus Christ, 127; Lapide, Resurrection of Jesus, 125-28; Samuel, “Making Room,” 108-1 0; HansJürgen Verweyen, “Die Ostererscheinungen in fundamentaltheologischer Sicht,” Zeitschrift fur Katholische Theologie 103 ( 1981): 429; Lorenzen, Resurrection and Discipleship, 123, 130-32; Goergen, Death and Resurrection, 127-28, 261; William P. Loewe, “The Appearances of the Risen Lord: Faith, Fact, and Objectivity,” Horizons 6 (1979): 190-91; Kee, What Can We Know! 1-2, 23, 86, 113; Witherington, “Resurrection Redux,” 13 1-32; John Pilch, “Appearances of the Risen Jesus in Cultural Context,” Biblical Theology Bulletin 28 (1998): 59; Adrian Thatcher, “Resurrection and Rationality,” in The Resurrection of Jesus Christ, 180; Traugott Holtz, “Kenntnis von Jesus und Kenntnis Jesu: Eine Skizze zum Verhaltnis zwischen historisch-philologisher Erkenntnis und historisch-theologischem Verstandnis,” Theologische Literaturzeitung 104 (1979): 10; Peter Stuhlmacher, Was geschah auf Golgatha? Zur Heilsbedeutung von Kreuz, Tod und Auferweckung Jesu (Stuttgart, Germany: Calwer Verlag, 1998), 58-64.
[269] Timothy Freke and Peter Gandy, The Jesus Mysteries (New York: Three Rivers, 1999), 9.
[270] Tom Harpur, The Pagan Christ (New York: Walker & Company, 2004), 10.
[272] يُعرِّف موقع Law.com الانتحال بأنه “أخذ كتابات أو مفاهيم أدبية (حبكة وشخصيات وكلمات) لآخر وبيعها و / أو نشرها كمنتج خاص.” انظر dictionary.law.com
[274] هاربور Harpur، المسيح الوثني Pagan Christ، 51. يقر هاربور في ملحقه أ بأنه قد تأثر بآراء جيرالد ماسي Gerald Massey (1828-1907) والفين بويد كون Alvin Boyd Kuhn (1880-1963). قال الباحث في العهد الجديد كريج أ. إيفانز: “إن عمل هؤلاء الرجال، وخاصة إعادة بناء التاريخ القديم ومحاولاتهم لرسم خطوط الاستمرارية بين الديانة المصرية والمسيحية، هو عمل خاطئ للغاية. لا يوجد مؤرخ مؤهل يأخذ نظريات هؤلاء الرجال على محمل الجد. يجب على أي شخص مفتون بكتاب المسيح الوثني لهاربور أن يحذر. نحن نتحدث هنا عن اشياء قديمة وغريبة. قد تكون الفلسفة الشخصية والاستبطان؛ التاريخ بأي شعور مسؤول ومعترف به ليس هكذا “. راجع
Craig A. Evans, Fabricating Jesus: How Modern Scholars Distort the Gospels (Downers Grove, Ill.: InterVarsity, 2006), 220-21.
[295] See Manfred Clauss, The Roman Cult of Mithras (New York: Routledge, 2000), 14–15, 21–22, 28.
[296] See Richard Reitzenstein (trans. John E. Steely), Hellenistic Mystery Religions (Pittsburgh: Pickwick, 1978).
[297] A. Loisy, “The Christian Mystery,” Hibbert Journal (1911–12), 51, quoted in Edwin M. Yamauchi, “Easter—Myth, Hallucination, or History?” Christianity Today (March 15, 1974).
[298] Albert Schweitzer, Geschichte der Paulinischen Forschung (Tubingen, 1911), 151; English translation, Paul and His Interpreters (London, 1912), 192,
مقتبس من بروس ميتزجر، “الدراسات التاريخية والأدبية: الوثنية واليهودية والمسيحية”
[299] “تمت صياغة الكلمة “هلنستي” في أوائل القرن التاسع عشر كـ اسم لفترة التاريخ التي بدأت مع وفاة الإسكندر الأكبر عام 323 قبل الميلاد وانتهت بالغزو الروماني لآخر بقايا إمبراطورية الإسكندر الكُبرى، مصر تحت حُكم كليوباترا، في 30 قبل الميلاد. من الواضح أنه إذا كان هذا هو الاستخدام الحصري للمصطلح، فلن يكون من المنطقي الحديث عن “المسيحية والعالم الهلنستي”. لكن الحقيقة هي أن عبارة “العالم الهلنستي” تُستخدم للإشارة الى ثقافة الإمبراطورية الرومانية بأكملها. بينما حققت روما تفوقًا عسكريًا وسياسيًا في جميع أنحاء عالم البحر الأبيض المتوسط، فقد تبنت ثقافة العالم الهلنستي التي سبقت صعودها الى السلطة. وهكذا، في حين أن السيطرة السياسية على عالم البحر الأبيض المتوسط تنتمي الى روما، استمرت الثقافة الهلنستية.”
Ronald Nash, The Gospel and the Greeks (Phillipsburg, N.J.: P&R, 2003), 10–11.
يشير ناش الى أنه في عام 1956، وصفت مقالة كتبها المؤثر إتش. ريزينفيلد من جامعة أوبسالا في السويد دُعيت جاذبية الأديان الغامضة بأنها “عفا عليها الزمن”. أنظر:
Riesenfeld, “Mythological Background of the New Testament Christology,” in W. D. Davies and D. Daube, eds., The Background of the New Testament and Its Eschatology (Cambridge: Cambridge University Press, 1956), 81–95, esp. 81.
[308] Manfred Clauss (trans. Richard Gordon), The Roman Cult of Mithras (New York: Routledge, 2000), 7.
[309] L. Patterson, Mithraism and Christianity (Cambridge: Cambridge University Press, 1921), 94.
[310] Gary Lease, “Mithraism and Christianity: Borrowings and Transformations,” in Wolfgang Haase, ed., Aufstieg und Niedergang der Römischen Welt, vol. II (Berlin/New York: Walter de Gruyter, 1980), 1316.
[314] Richard Gordon, Image and Value in the Greco-Roman World (Aldershot: Variorum, 1996), 96, quoted in Holding, “Did the Mithraic Mysteries Influence Christianity?”
[324] Günter Wagner, Pauline Baptism and the Pagan Mysteries (Edinburgh: Oliver and Boyd, 1967), 266.
[325] Bruce Metzger, Historical and Literary Studies: Pagan, Jewish and Christian (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1968), 11:
“وهكذا، على سبيل المثال، يجب على المرء بلا شك تفسير التغيير في الفعالية المنسوبة الى طقوس الثوروبوليوم. في التنافس مع المسيحية، التي وعدت أتباعها بالحياة الأبدية، زادت عبادة سايبيل بشكل رسمي أو غير رسمي من فعالية حمام الدم من عشرين عامًا الى الأبد.”
[326] Stephen Neill and Tom Wright, The Interpretation of the New Testament 1861–1986 (Oxford: Oxford University Press, 1988), 208.
[328] See Edwin M. Yamauchi, “Tammuz and the Bible,” Journal of Biblical Literature 84 (1965), 283–90.
[329] See S. N. Kramer, Bulletin of the American Schools of Oriental Research 183 (1966), 31.
[330] قال صامويل ن. كريمر إن القيامة المزعومة لتموز لم تكن سوى استدلال وتكهن وظن وحدس. أنظر
Samuel N. Kramer, Mythologies of the Ancient World (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1961), 10.
[331] See P. Lambrechts, “La ‘résurrection’ d’Adonis,” Mélanges Isidore Lévy (1955), 207–40, quoted in Yamauchi, “Easter—Myth, Hallucination, or History?”
[332] P. Lambrechts, “Les Fêtes ‘phrygiennes’ de Cybèle et d’Attis,” Bulletin de l’Institut Historique Belge de Rome 27 (1952), 141–70, quoted in Yamauchi, “Easter—Myth, Hallucination, or History?”
[334] Nash, “Was the New Testament Influenced by Pagan Religions?”
[335] في اقتباس تم الاستشهاد به سابقًا، ذكر فريك وغاندي أيضًا الاله سيرابيس. قال ناش: “خلال مرحلة الغموض المتأخرة لعبادة إيزيس، لم يعد إلهها الذكر أوزوريس المائت بل سيرابيس؛ وغالبًا ما يُنظر الى سيرابيس على أنه إله الشمس. من الواضح أن سيرابيس من عبادة ما بعد البطالمة، إصدار غامض من إله لم يمت أصلاً. من الواضح، إذن، أنه لا يمكن أن يكون الهًا قائماً من الموت”. .Nash, Gospel and the Greeks, 128
[336] Bruce M. Metzger, “Methodology in the Study of the Mystery Religions and Early Christianity,” in Metzger, Historical and Literary Studies, 21.
[337] Roland de Vaux, The Bible and the Ancient Near East (New York: Doubleday, 1971), 236, quoted in Yamauchi, “Easter—Myth, Hallucination, or History?”
[338] Wagner, Pauline Baptism and the Pagan Mysteries, 261.
[342] Walter E. Bundy, Jesus and the First Three Gospels (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1955), 11.
[343] Tom Flynn, “Matthew vs. Luke: Whoever Wins, Coherence Loses,” available at www.secularhumanism.org/index.php? section=library&page=flynn_25_ 1 (January 29, 2007).
[344] لمناقشة نبوءة إشعياء 7: 14، راجع التحدي الخامس تحت عنوان “كان يسوع مرسلاً أخفق في تحقيق النبوءات المسيانية”
[345] Robert Gromacki, The Virgin Birth (Grand Rapids, Mich.: Kregel, second edition, 2002), 213.
[346] See Barry B. Powell, Classical Myth (Upper Saddle River, N.J.: Prentice Hall, third ed., 2001), 250.
لفحص العمل الفني لميلاد ديونيسوس على إناء زهور إيطالي، حوالي 380 قبل الميلاد، يظهره وهو يخرج من فخذ زيوس، انظر 251. وفقًا لـ J. Ed Komoszewski و M. James Sawyer وDaniel B. Wallace، فإن أي إشارة الى “ولادة عذراوية ” لديونيسوس تأتي في مصادر ما بعد المسيحية. انظر
Komoszewski, Sawyer, and Wallace, Reinventing Jesus, 242–43.
[347] See Edwin M. Yamauchi, “Anthropomorphism in Ancient Religions,” Bibliotheca Sacra 125 (1968): 99.
[348] J. Gresham Machen, The Virgin Birth of Christ (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1965, reprint of Harper & Row edition, 1930), 338.
[351] Peter Green, Alexander of Macedon (Berkeley: University of California Press, 1991), 37.
[352] عاش بوذا قبل المسيح بحوالي خمسمائة عام. كما يلاحظ ماشين: “في مقدمة كتاب جاتاكا Jâtaka الذي يعود تاريخه الى القرن الخامس بعد المسيح، لدينا القصة المعروفة للفيل الأبيض الذي دخل في جسد مايا Mâyâ، والدة بوذا، في الوقت الذي حملت فيه طفلها؛ ويبدو أن قصة الفيل الأبيض تظهر من خلال الأدلة المنقوشة على أنها كانت حديثة في وقت مبكر من عهد أسوكا في القرن الثالث قبل المسيح. تظهر القصة في شكلها الأول كسرد لحلم؛ حلمت مايا أن فيل أبيض رائع دخل في جانبها…. في المصادر البوذية اللاحقة، ما كان يعتبر في الأصل حلمًا لمايا أصبح يعتبر حدثًا حقيقيًا …. سيكون من الصعب تخيل أي شيء بخلاف قصة العهد الجديد عن ولادة المسيح من عذراء.” انظرMachen, Virgin Birth of Christ, 339–41
[353]See Edwin M. Yamauchi, “Historical Notes on the (In) comparable Christ,” Christianity Today (Oct. 22, 1971).
[355] Raymond E. Brown, The Virginal Conception and Bodily Resurrection of Jesus (New York: Paulist, 1973), 62; cited in Komoszewski, Sawyer, and Wallace, Reinventing Jesus, 247.
[366] قال ميتزجر: “لا يجب الافتراض بشكل غير نقدي أن الديانات السرية أثرت دائمًا على المسيحية، لأنه ليس من الممكن فقط ولكن من المحتمل أنه في حالات معينة، تحرك التأثير في الاتجاه المعاكس “. انظر
دور اسرائيل الكهنوتي بين الأمم – مينا مكرم جابالله
دور اسرائيل الكهنوتي بين الأمم – مينا مكرم جابالله
يُظهر البعض كثير من الأمور في التلمود والتي فيها مُعاداة وتطاول وأحياناً سُباب للأمم وكأن هذا هو الأعم والأصل في التراث اليهودي وهذا خاطئ، اغلب تلك الامور قد تسلل الى أقوال ربوات التلمود كرد فعل من الاضطهاد الواقع عليهم وهذا قبل ان يوضع التلمود في شكله النهائي. في الحقيقة فان التقليد (بما فيه التلمود) يحمل كثير من الأمور التي توضح فهم الربوات لرسالة اسرائيل بين الامم والتي هي ليست قضائية وانما كهنوتية.
مثلاً من أهم وأشهر تقدمات اليهود والتي كانوا يُقدموها في الهيكل هي تقدمة السبعين ثور والتي كانت تُقدم في خلال سبعة أيام عيد المظال والمدونة تفصيلياً في التوراة (عدد 29: 13-34)، هذه التقدمة قد فُسِّرت على انها تقدمة من اسرائيل (الامة الكهنوتية) عن السبعين أمة الأُخر [1] والذين يمثلون أمم العالم جميعاً حتى يُكفَّر عنهم وينالوا من البركات الالهية المتمثلة في نزول المطر وخصوبة الأرض وغيرها.
– التلمود البابلي (سوكا 55 ب) [2]
قال الرابي اليعزر: علام يعود السبعين ثوراً (عدد 29: 13-34)؟ – على السبعين أمة، وعلام يعود الثور الواحد (عدد 29: 36)؟ – على الأمة الوحيدة (اسرائيل) … الرابي يوحنان (قال): الويل لهم لعابدي الأوثان لأنهم سُحِقوا ولا يعلمون انهم سُحِقوا، عندما كان البيت المقدس (الهيكل) قائم، كان يُكفر عنهم في المذبح (أما) الآن فمن يُكفِّر عنهم؟
– بسيكتا دراب كهنا (28: 9) [3]
قال الرابي فنحاس كل هؤلاء السبعين ثوراً الذين قدمهم اسرائيل في العيد (المظال) هم عن السبعين أمة للعالم حتى لا يفرغ العالم منهم
– مدراش تنحوما (فنحاس 16) [4]
[تجد انه في العيد (المظال) أن اسرائيل يُقرِب سبعين ثوراً عن السبعين أمة ، قال اسرائيل أمام القدوس مُباركٌ هو: يا سيد العالم ها نحن نُقرِب سبعين ثوراً عن السبعين أمة من اجل هذا كان يجب ان يكونوا محبين لنا، ولكن ليس فقط انهم لم يحبونا ولكن قد ابغضونا لأنه قيل “بدل محبتي يخاصمونني…” (مز 109: 4)
* علق الرابي الشهير راشي (القرن الحادي عشر ميلادي) على هذا الجزء التلمودي وبالرغم من معاداته الواضحة للمسيحية إلا أنه لم ينكر ما جاء في التقليد ولم يعارضه [5] وقرر ما قاله الأولون بأن اعظم تقدمة يقدمها اسرائيل في عيد المظال هي عن أمم العالم.
___________________________________
[1] مُصطلح السبعين أمة (شبعيم اوموت – שבעים אומות) هو مصطلح يعبر عن كل امم العالم وهو مستمد من اصحاح (تكوين 10) والذي يشمل سرد نسل بني نوح الثلاث والذي منهم تشعبت وخرجت كل امم الأرض من بعد الطوفان، حيث ذُكِر لهم سبعين أمة وقبيلة.
[2] תלמוד בבלי מסכת סוכה דף נה/ב [אמר רבי (אליעזר) [אלעזר] הני שבעים פרים כנגד מי כנגד שבעים אומות פר יחידי למה כנגד אומה יחידה … רבי יוחנן אוי להם לעובדי כוכבים שאבדו ואין יודעין מה שאבדו בזמן שבית המקדש קיים מזבח מכפר עליהן ועכשיו מי מכפר עליהן:]
[3] פסיקתא דרב כהנא – פסקא כח אות ט [דא”ר פנחס כל אותן שבעים פרים שהיו ישר’ מקריבין בחג כנגד שבעים אומות העולם שלא יצדא העולם מהם]
[4] מדרש תנחומא פנחס פרק טז [את מוצא בחג שישראל מקריבים שבעים פרים על שבעים אומות אמרו ישראל לפני הקב”ה רבש”ע הרי אנו מקריבים שבעים פרים לשבעים אומות לפיכך היו צריכין אף הם להיות אוהבין אותנו ולא דיים שאין אוהבין אותנו אלא שונאין אותנו שנא’ תחת אהבתי ישטנוני]
[5] لم يعارض راشي ما جاء في التقليد وانما اضاف عليه بما يتناسب مع فكرته الخاطئة بان الامم الى زوال فقال ان تناقص الاعداد المُقدمة من الثيران كل يوم عن يوم انما يشير الى تناقص تعداد الامم وابادتهم.
دور اسرائيل الكهنوتي بين الأمم – مينا مكرم جابالله
تتبع قيامة يسوع إلى أقرب روايات شهود العيان الخاصة بها – مينا مكرم
تتبع قيامة يسوع إلى أقرب روايات شهود العيان الخاصة بها – مينا مكرم
ادعى المسيحيون الأوائل أن يسوع قام من بين الأموات وظهر للكثيرين. ما مدى قرب هذه الروايات من الأحداث المعنية؟ يشير العلماء إلى أن كتابات العهد الجديد الأولى بدأت تظهر بعد حوالي عشرين عامًا من موت يسوع. سيكون هدفي هنا هو المجادلة بأن رسالتين معترف بهما بالإجماع لبولس، رسالة كورنثوس الأولى وغلاطية، توفران الأساس لإثبات أن إعلان القيامة الأصلي كان مبكرًا بشكل استثنائي ومرتبط بشهود العيان الأوائل أنفسهم. يشير هذا إلى أن ظهور القيامة متأصل بشكل آمن في التقليد التاريخي.
كلمة موجزة عن الحد الأدنى من الحقائق التاريخية
يبدأ معظم الباحثين الإنجيليين في معاملتهم لقيامة يسوع من خلال الجدل حول المصداقية التاريخية العامة للأناجيل الأربعة. بينما أعتقد أن هذه النصوص توفر الكثير من المعلومات المفيدة التي تساهم في بناء مثل هذه الحالة، [1] هذا لن يكون أسلوبي هنا.
بدلاً من محاولة استخدام هذه المصادر ككل، سأستخدم في هذا المقال فقط تلك البيانات التاريخية التي يعتقد العلماء الناقدون أنها يمكن إنشاؤها وفقًا لمعايير أكثر تشككًا. على الرغم من أنني لا أستطيع تقديم الأساس لهذه الحقائق التاريخية هنا، فقد فعلت ذلك في مكان آخر.[2]
غالبًا ما يساء فهم هذه الطريقة. يعترض البعض على أنه لا يمكن استخدام الكتاب المقدس كمصدر. ومع ذلك، فأنا أستخدم البيانات التي يسمح بها العلماء الناقدون فقط، وهذا الاعتراف من جانبهم يأتي لسبب: أن هناك أساس قوي تقوم عليه هذه المادة.
في أي دراسة توظف مبادئ التأريخ، سواء كانت قديمة أو حديثة، يمكن القول إن المطلبين الرئيسيين هما تأمين شهادة شاهد عيان وقريبة قدر الإمكان من الأحداث المعنية. من المهم بشكل خاص أن يكون لديك معلومات كافية لمعالجة أي سيناريوهات بديلة رئيسية. إن الحصول على كل من شهود العيان والشهادة المبكرة أمر غير شائع إلى حد ما في العالم القديم، ولكن عندما يكونون متاحين، وخاصة معًا، فإنهم عادة ما يلعبون دورًا حاسمًا. تم الاعتراف بذلك في العصور القديمة أيضًا.[3]
صلب يسوع – غير قابل للنقاش
نقطة الانطلاق لجدولنا الزمني هي موت يسوع بالصلب، والمؤرخ عمومًا إما في 30 أو 33 بعد الميلاد. لن يتم مناقشة الوقت الدقيق هنا، يعتقد ريموند براون أنه يكاد يكون من المستحيل الاختيار بينهما، لكن أي من التاريخين لا يطرح مشكلة.[4]
يؤكد جون دومينيك كروسان أن “موت يسوع بالإعدام في عهد بيلاطس البنطي أمر أكيد مثل أي شيء تاريخي يمكن أن يكون على الإطلاق.”[5] ما تبقى من الأحداث التي سنركز عليها جهودنا تحدث على مدى السنوات الخمس والعشرين التالية.
عقدان إلى ثلاثة عقود بعد الصليب: رسائل بولس “الأصلية”
يعتبر غالبية العلماء اليوم أن رسائل بولس هي نقطة البداية عند مناقشة المسيحية المبكرة. من بين الثلاثة عشر كتابًا التي تحمل اسم هذا الرسول، حتى النقاد يقبلون ستة كتب على الأقل على أنها أصلية: رومية، 1-2 كورنثوس، غلاطية، فيلبي، وتسالونيكي الأولى. حتى العلماء المتشككون يتفقون على أن هذه الكتب كتبها بولس وتاريخها في العقد ما بين 50 و60 بعد الميلاد.[6]
يفضل العلماء الناقدون رسائل بولس “الأصيلة” هذه لأننا نستطيع التأكد من مؤلف هذه الكتابات وتواريخها. بينما يذكر بولس تفاصيل أقل عن حياة يسوع المبكرة في هذه الأعمال، فإنه يقدم تفاصيل مهمة فيما يتعلق برسالة الإنجيل لموت يسوع المسيح وظهورات قيامته، ومن وقت أبكر بكثير من الأناجيل.
النص الرئيسي في هذا الصدد هو بالتأكيد 1 كورنثوس 15: 3-8. في الآيتين السابقتين، يشير بولس إلى كرازته السابقة لأهل كورنثوس. كُتبت هذه الرسالة في حوالي 54-55 بعد الميلاد، في حين أن الوعظ الأصلي لبولس في المدينة كان مؤرخًا على الأقل قبل عامين، وربما في وقت مبكر من عام 50، كما يقر كوستر.[7]
لذلك كتب بولس بخصوص موت يسوع وظهورات قيامته في هذا النص الحاسم بعد خمسة وعشرين عامًا فقط من صلب يسوع، بينما كان يكرز بالرسالة نفسها لكنيسة كورنثوس قبل عدة سنوات، أو بعد حوالي عشرين عامًا من الأحداث.
هذا التاريخ الأخير هو فقط نصف الفترة الزمنية من يسوع إلى إنجيل مرقس، وأقل من ثلث المسافة بين يسوع وإنجيل يوحنا. لكن رواية بولس تقدم أيضًا أسبابًا حاسمة أخرى لتفضيلها على الأناجيل. في ملاحظة مباشرة تم الاعتراف بها بشكل استثنائي من قبل العلماء الناقدين، أوضح بولس أنه تلقى المادة الواردة في كورنثوس الأولى 15: 3-7 من مصدر آخر: “لأنني سلمت إليكم في الاول ماقبلته انا أيضاً ” (1 كو 15: 3).
يقدم هذا التعليق وجهة نظر مختلفة تمامًا حول مصداقية معلومات بولس. هل يمكن أن يوفر هذا نظرة ثاقبة لطبيعة التعليم الرسولي المبكر بين عامي 30 و50 بعد الميلاد، قبل كتابة كتاب العهد الجديد الأول؟ حتى سفر أعمال الرسل مؤرخ بانتظام بين 65 و85 بعد الميلاد، أو من خمسة وثلاثين إلى خمسة وخمسين عامًا بعد الصلب [8] يأتي كل من هذا التاريخ وكتابات الأناجيل من إطار زمني محترم للغاية للتقارير القديمة. ولكن ماذا لو كانت لدينا مادة حتى قبل رسائل بولس الأولى؟
بالإضافة إلى كورنثوس الأولى 15: 3، تذكر العديد من نصوص العهد الجديد أيضًا انتقال التقليد القديم.[9] يأتي هذا بعد الممارسة اليهودية المعروفة المتمثلة في ضمان الاستمرارية العقائدية والرعوية من خلال إعادة إنتاج التعاليم الأمينة. حتى بدون وجود بيانات صريحة تفيد بأنه يتم نقل تقليد ما، يتفق العلماء النقديون على نطاق واسع فيما يتعلق بعدد من هذه النصوص القديمة.
غالبًا ما يُشار إلى وجود مثل هذا التقليد من خلال بنية الجملة، والإلقاء، والتوازي النصي، والصياغة المنمقة، وما إلى ذلك. تظهر هذه النصوص أحيانًا بسبب فواصل بناء الجملة بين الاقتباس والنص الأكبر. في مناسبات أخرى، تحتوي النصوص على مقتطفات لاهوتية موجزة من الأفضل شرحها على أنها موجودة في هذا النموذج لأغراض الحفظ. مثال آخر هو ما يُتفق عمومًا على أنه ترنيمة كريستولوجية في (فيلبي 2: 6-11).
إحدى فوائد هذه التقاليد المبكرة (تسمى أيضًا “المذاهب” أو “الاعترافات”) هي أنها تعيد إنتاج تعاليم أقدم من الكتاب أو الكتابة التي تظهر فيها. لذلك، إذا كان من المعروف أن هذه المادة موثوقة، خاصةً إذا كانت تبدو رسولية بطبيعتها، فمن المرجح أنها تعرض تعليقات جديرة بالثقة تكون أيضًا في وقت مبكر، وأحيانًا بشكل استثنائي.[10]
لكي نرى ما إذا كانت المادة الواردة في كورنثوس الأولى 15: 3-7 هي أقدم وأكثر موثوقية، يجب أن نحدد السيناريو الأكثر احتمالية لقبول بولس لهذا التقليد. يدعي الرسول بطريقة صريحة أنه نقل هذه المعلومات كما حصل عليها. هل لدينا أي معلومات بخصوص الوقت الذي قد يكون فيه بولس قد تلقى هذا الحساب؟ من على الأرجح أعطاها له؟ نظرًا لأنه يتعلق بظهورات موت وقيامة يسوع، مركز المسيحية المبكرة، سيكون من المهم للغاية أن يكون لدينا بعض الدلائل على مصدر بولس.
نصف عقد بعد الصليب: رحلة بولس الأولى إلى أورشليم
ومن الغريب أن المرحلة التالية من العملية لم يكتشفها الكتاب المحافظون وإنما العلماء الناقدون. علاوة على ذلك، هناك شبه إجماع بين أولئك الذين يعالجون هذه القضايا. أكد بولس أكثر من مرة أنه تلقى تقاليد من الآخرين ونقلها إلى مستمعيه. هل يقدم أي مؤشرات عن مكان وزمان الحصول على هذه البيانات؟
من كل ما نعرفه، كان بولس عالما دقيقا. لقد تدرب جيدًا على تقليد العهد القديم، مشيرًا إلى نفسه كفرد متحمس للغاية للناموس، كفريسي و”عبراني من العبرانيين” (فيلبي 3: 4-6). لقد تقدم إلى ما وراء الآخرين في عصره وميز نفسه من خلال دعم تقليد اليهودية دون أدنى شك. على هذا النحو، فقد اضطهد المسيحيين الأوائل بعنف (غلاطية 1: 13- 14). ثم شهد أنه التقى بيسوع القائم، موضحًا التغيير الكامل في حياته (1 كو 9: 1، 15: 8-10، غلاطية 1: 15-16).
يشهد بولس أنه بعد اهتدائه مباشرة، لم يتشاور مع أي شخص. منذ أن رأى يسوع القائم من الموت، وأمره أن يكرز للأمم، لم يعتقد أنه من الضروري تأكيد ذلك مع الآخرين. كانت سلطة يسوع أعظم من سلطة أي شخص آخر. ومع ذلك، بعد ثلاث سنوات زار أورشليم وقضى خمسة عشر يومًا مع بطرس ويعقوب شقيق يسوع (غلاطية 1: 15-18).
ماذا حدث خلال هذا الاجتماع الرائع الذي شارك فيه هؤلاء القادة المسيحيون الثلاثة العظماء؟ لا بد أنها كانت مليئة بالأحداث، على أقل تقدير. في الكلمات الشهيرة الآن لعالم العهد الجديد في جامعة كامبريدج سي إتش دود، “قد نفترض أنهم لم يقضوا كل الوقت في الحديث عن الأحوال الجوية.”[11] إذن ماذا ناقشوا؟ يمكن القول أن القاعدة الأولى للنقد الأدبي هي تفسير النص في سياقه.
عندما نطبق هذه القاعدة هنا، فإن السياق مباشرة قبل وبعد تصريح بولس يتعلق بطبيعة رسالة الإنجيل. لذلك، يستنتج العلماء الناقدون أن هذا الموضوع شكل بوضوح محور هذا الاجتماع التاريخي. بالإضافة إلى ذلك، ما الذي يمكن أن يناقشه بولس والرسولان الآخران بخلاف مركز إيمانهم؟ لهذين السببين، يُستنتج على نطاق واسع أن محتوى الإنجيل كان محور حديثهم.
علاوة على ذلك، يعتقد غالبية العلماء الناقدين الذين يجيبون على السؤال أن بولس تلقى التقليد المبكر المسجل في كورنثوس الأولى 15: 3-7 أثناء هذه الزيارة إلى أورشليم، وأنه حصل عليه من بطرس ويعقوب، وهما بالمناسبة الوحيدان اللذان بجانب بولس تظهر أسماؤهما في قائمة ظهورات يسوع من بين الأموات. استنادًا إلى التاريخ المعتاد لتحويل بولس إلى ما بين سنة وثلاث سنوات بعد صلب يسوع، فإن استقبال بولس لهذه المادة في أورشليم سيكون مؤرخًا بعد ثلاث سنوات، أو من حوالي 34 إلى 36 م.
في مناسبات عديدة، قمت بتوثيق هذا الاستنتاج العلمي النقدي حول متى ومن من تلقى بولس هذه المواد.[12] كما لاحظ ريتشارد باوكهام مؤخرًا إجماع العلماء على هذه النقطة.[13]
إلى جانب الموضوع نفسه والأسماء الفردية الثلاثة في قائمة الظهورات، يوجد تلميح آخر بخصوص هذه العملية في غلاطية 1: 18. عندما تحدث بولس عن وقته مع بطرس ويعقوب، استخدم المصطلح اليوناني هيستوريو ἱστορῆσαι (مأخوذ من مصطلح مؤرخ)، والذي غالبًا ما يتم تعريفه على أنه اكتساب المعرفة عن طريق الاستفسار الشخصي أو التحقيق.[14]
لذلك قصد بولس على ما يبدو أن يفهم القارئ أنه كان يستخدم هذا الوقت الجيد مع الرسولين الآخرين من أجل استكشاف فهمهما لرسالة الإنجيل. ولكن حتى بدون أن يخبرنا بذلك، فمن المنطقي أن يقوم برحلة إلى أورشليم للتحدث مع كبار الرسل هناك. علاوة على ذلك، كان الموضوع مهمًا جدًا لبولس، لأنه توقف بعد ذلك ليخبر قارئه: “أؤكد لكم أمام الله أن ما أكتبه لكم ليس كذبًا” (غلاطية 1: 20).
من الأهمية بمكان أن نتذكر هنا الاختلاف الحيوي بين التقليد الرسمي الذي نقله بولس للآخرين، والذي كتب على حد علمنا لأول مرة في كورنثوس الأولى 15: 3-7، والمحتوى الخاص الذي يلخصه هذا التقليد. عمليا لا شيء يعتمد على أن بولس قد تلقى هذا التقليد بالضبط خلال هذا الاجتماع في أورشليم على وجه التحديد، على الرغم من أن هذا هو الوقت الذي يميل فيه العلماء الناقدون إلى وضعه.
الأمر الأكثر أهمية يتعلق بمعرفة بولس بمحتوى الإنجيل كما بشر به بطرس ويعقوب شقيق يسوع، والذي يشتمل على قانون الإيمان. وهكذا، كل ما نحتاج إلى معرفته هنا حقًا هو أن بولس حقق معهم في تفاصيل الإنجيل، وهذا يبدو مؤكدًا.
في الواقع، العلماء الناقدون واثقون جدًا من هذا الاستنتاج الأخير الذي خلص إليه دود، “لذلك لا يمكن أن يكون التاريخ الذي تلقى فيه بولس أساسيات الإنجيل أكثر من حوالي سبع سنوات بعد موت يسوع المسيح. قد يكون في وقت أبكر من هذا “. لذلك، “تمثل كرازة بولس تيارًا خاصًا من التقليد المسيحي الذي اشتُق من التيار الرئيسي في نقطة قريبة جدًا من مصدره.”
ولئلا يقول البعض إن بولس أربك هذه الرسالة، يستنتج دود، “أي شخص يجب أن يؤكد أن الإنجيل المسيحي البدائي كان مختلفًا جوهريًا عن الإنجيل الذي وجدناه في بولس عليه أن يتحمل عبء الإثبات”.[15] لكن ليس علينا أن نأخذ كلمة دود في هذا، يتبنى العشرات من العلماء النقديين المعاصرين، بمن فيهم المشككون، السيناريو العام الموضح هنا.[16]
لذلك، يعتقد غالبية العلماء الناقدين الذين تناولوا هذه القضية أن بولس تلقى مادته التقليدية عن موت وقيامة يسوع من بطرس ويعقوب شقيق يسوع أثناء وجوده في أورشليم، بعد حوالي ستة أعوام من صلب يسوع. علاوة على ذلك، حتى لو تساءل المرء عن الوقت والمكان المحددين لاستقبال بولس الفعلي لهذه المادة العقائدية، فمن الصعب للغاية تجنب الاستنتاج بأن هؤلاء الرسل الثلاثة على الأقل قد تأكدوا من طبيعة محتوى الإنجيل في ذلك الوقت.
أقل من عقدين بعد الصليب: رحلة بولس اللاحقة إلى أورشليم
هنا يجب أن نستطرد قليلاً في جدولنا الزمني، قبل أن نستمر في العودة إلى الوراء نحو موت يسوع. لكن من الأفضل ترك هذه المناسبة إلى ما بعد المناقشة السابقة. مباشرة بعد وصف رحلته الأولى إلى أورشليم، قال بولس إنه زار المدينة مرة أخرى، بعد أربعة عشر عامًا (غلاطية 2: 1). في أي عام عقد هذا الاجتماع الثاني؟
يؤرخه بولس من مناقشته السابقة في غلاطية 1، مما جعل العلماء يتساءلون عما إذا كان بولس قصد وقت اهتدائه أم من رحلته الأولى إلى أورشليم. كذلك، يختلف رأي العلماء حول ما إذا كان الاجتماع في غلاطية 2: 1-10 هو نفس ما ورد في أعمال الرسل 15: 1-31. بغض النظر، الفرق طفيف. كوستر يفضل تاريخ 48 م.[17]
مرة أخرى، من الواضح أن موضوع بولس هو موضوع الإنجيل. في واحدة من أكثر التعليقات التي لا تصدق في العهد الجديد، شهد بولس أنه سافر على وجه التحديد إلى أورشليم لزيارة الرسل القياديين من أجل وضع أمامهم رسالة الإنجيل التي كان يكرز بها “خوفًا من أنني كنت قد سعيت باطلاً “(غلاطية 2: 1-2).
يا له من قبول لا يصدق! هنا لدينا “رسول للأمم” يقر بأنه سلم نفسه للسلطات الرسولية في أورشليم من أجل التأكد مما إذا كانت رسالة الإنجيل التي كان يكرز بها صحيحة. لو كان مخطئًا، لربما كانت هناك ظروف مأساوية لأعضاء الكنيسة الأولى من الأمم غير اليهود، ومن هنا تردد بولس.
إلى جانب بطرس ويعقوب شقيق يسوع، كان الرسول يوحنا حاضرًا أيضًا (غلاطية 2: 9). مع بولس، من الصعب تفويت النسيج الرائع لهذه المجموعة. بالكاد يمكن للمرء أن يتخيل سلطة واحدة في الكنيسة الأولى كانت أكثر تأثيرًا من هؤلاء الأربعة. قيل لنا أن برنابا وتيطس رفقاء بولس كانوا حاضرين أيضًا (غلاطية 2: 1). إلى هذه المجموعة قدم بولس رسالته الإنجيلية، لفحصهم. كان الحكم أن القادة الرسوليين الثلاثة الآخرين “لم يضيفوا شيئًا إلى رسالتي” (غلاطية 2: 6).
علاوة على ذلك، قاموا بمد الشركة لبولس وبرنابا، معترفين بمهمتهم إلى الأمم (غلاطية 2: 9). وقد حثهم الرسل الآخرون على الاهتمام بالفقراء أيضًا، وهو ما يقول بولس إنه كان حريصًا على القيام به على أي حال (غلاطية 2: 10).[18] لا يمكن أن يأمل بولس في حكم أفضل! نفترض أنه وبطرس ويعقوب كانوا جميعًا على نفس الصفحة أثناء زيارة بولس الأولى إلى القدس.
لكنه طلب هنا تحديدًا حكمًا فيما يتعلق بالرسالة المركزية التي بشر بها الأمم ووجد أنه لا يوجد تعارض بين تعاليم الإنجيل وتعليم الرسل الآخرين. خاصة عندما نعتبر أن هؤلاء كانوا القادة الأكثر نفوذاً في الكنيسة الأولى، فلا يمكن المبالغة في التأكيد على قيمة مثل هذا الحكم الإيجابي. لقد اتحدوا جميعًا فيما يتعلق بالبشارة الأكثر قدسية في المسيحية المبكرة.
مرة أخرى نتذكر تصريح دود بأن بولس والرسل الأوائل الآخرين اتفقوا جميعًا عندما يتعلق الأمر برسالة الإنجيل.[19] أوضح بولس أن الكرازة المبكرة بالإنجيل كانت تتعلق بشخص المسيح وموته ودفنه وقيامته وظهوراته (1 كو 15: 3-4). يوضح بولس هذا الأمر بوضوح في أماكن أخرى أيضًا، حيث يقتبس أيضًا تقاليد عقائدية أخرى مبكرة جدًا (مثل رومية 1: 3-4، 10: 9). وبالمثل، يعرّف سفر أعمال الرسل أيضًا الوعظ الرسولي المبكر بالإنجيل على أنه يشير إلى ألوهية يسوع وموته وقيامته.[20]
يعتبر العديد من العلماء النقاد أيضًا أن عددًا من هذه النصوص في سفر أعمال الرسل هي تقاليد أخرى مبكرة سبقت الكتاب نفسه. كان دود أحد المتخصصين البارزين هنا، ووجد نفس تفاصيل الإنجيل في نصوص سفر أعمال الرسل كما في كتابات بولس.[21]
بعد أن يستشهد بولس بنص قانون الإيمان المبكر في 1 كورنثوس 15: 3-7، يذكر الرسل الآخرين ويؤكد أنهم كانوا يكرزون بنفس الرسالة عن ظهورات يسوع في القيامة التي كان عليها (1 كو 15:11، راجع 15 :12 -15). لذلك يمكن لقرائه الحصول على نفس المعلومات منه أو منهم – كانوا متفقين. هذا هو إنعكاس غلاطية 2: 1-10. هناك، أكد الرسل الثلاثة على رسالة بولس الإنجيلية. يؤكد بولس في كورنثوس أنهم جميعًا كانوا يعلمون نفس الرسالة المركزية للمسيح المُقام الذي بشر به.[22]
بالنسبة للنصوص القديمة، ربما لا نرى أبدًا هذا النوع من التدقيق المتبادل من قبل السلطات الرئيسية، كل ذلك في مثل هذا التاريخ المبكر. يؤكد هوارد كلارك كي بشكل مثير للدهشة أن هذه المادة قوية جدًا بحيث “يمكن فحصها بشكل نقدي ومقارنتها بشهادات أخرى من شهود عيان ليسوع، تمامًا كما يمكن للمرء تقييم الأدلة في محكمة حديثة أو بيئة أكاديمية.”[23]
نستنتج أن بولس، وبطرس، ويوحنا، ويعقوب، شقيق يسوع، كانوا الأشخاص المناسبين، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، وجميعهم يعلنون نفس رسالة القيامة!
مباشرة بعد الصليب: العودة إلى تاريخ الأحداث الفعلية
بعد تراجع قصير من أجل وضع رحلة بولس اللاحقة إلى أورشليم في منظورها الصحيح، نحن الآن على استعداد للانتقال إلى المشهد النهائي في جدولنا الزمني. هنا نريد أن نسأل عن أولئك الذين لديهم معرفة بهذه الأحداث التاريخية قبل استقبال بولس للبيانات، بما في ذلك الصيغة العقائدية. بعد كل شيء، فإن حصول بولس على المعرفة بهذه الأحداث قبل ظهور المسيح المقام له لم يكن نهاية في حد ذاته. يجب أن نتراجع إلى الأحداث الأصلية نفسها.
بالعمل إلى الوراء قبل بولس، إذن، تم بالفعل طرح هذه الروايات في ملخصات شفهية موجزة لاستخدامها في التدريس، خاصة لأن غالبية المستمعين كانوا أميين على ما يبدو. وقبل ذلك كانت الروايات الأصلية لهذه الوقائع من قبل أولئك الذين شاركوا فيها بالفعل. كما لوحظ، نحن نعلم أن العملية برمتها تمت بسرعة كبيرة، بناءً على البيانات الدقيقة التي لدينا فيما يتعلق بالأحداث الفعلية، والتعليم عنها والصياغة في بيان عقائدي موجز. ثم تم تسجيله بعد وقت قصير نسبيًا. يقر العلماء الناقدون بسهولة أن المسيحيين الأوائل اعتقدوا أن بعض الأحداث قد حدثت فيما يتعلق بيسوع المقام.
لذلك، قبل رحلة بولس إلى أورشليم ومناقشته مع بطرس ويعقوب فيما يتعلق ببيانات الإنجيل (والذي ربما كان أيضًا الوقت الذي تلقى فيه التقليد العقائدي الأصلي في كورنثوس ١٥)، من الواضح أن بولس لم يكن أول من سمع عن تقريرهم عن الظهورات. على الأقل، كان على الرسولين الآخرين، على الأرجح مع آخرين، معرفة المعلومات قبل بولس. نحن نقترب الآن من البداية، حيث تم إدراج كل من بطرس ويعقوب ضمن أولئك الذين رأوا يسوع المقام، كما هو واضح بشكل خاص في 1 كورنثوس 15: 4، 7. البيانات التأسيسية الوحيدة هي الأحداث الفعلية نفسها.
كيف يجب أن نؤرخ كل من هذه الخيوط؟ لقد رأينا أن رحلة بولس الأولى إلى أورشليم عادة ما تكون في الفترة من 34 إلى 36 م، وتحول بولس في ثلاث سنوات قبل ذلك، أو حوالي 31 إلى 33 م. منذ أن آمن بولس بأنه رأى ظهور الميت مؤخراً والمقام الآن، يسوع. كان من الممكن أن يحدث الصلب في وقت سابق، ولكن ليس قبل ذلك بوقت طويل. إذا كان أي من الاعترافات المبكرة جزءا لا يتجزأ من عظات أعمال الرسل.[24]
تمثل أيضًا عمليات إعادة بناء موثوقة للتعاليم المبكرة، كما منحها معظم العلماء الناقدين، ثم لدينا أسباب إضافية للاعتقاد بأن القيامة قد تم التبشير بها من البداية، فور موت يسوع. هل يتفق العلماء الناقدون على تاريخ هذه العقيدة السابقة لبولس؟ حتى العلماء الراديكاليون مثل غيرد لودمان يعتقدون أن “العناصر في التقليد يجب أن تعود إلى أول عامين بعد الصلب. . . في موعد لا يتجاوز ثلاث سنوات بعد موت يسوع “.[25]
وبالمثل، يؤكد مايكل غولدر أن شهادة بولس حول ظهورات القيامة “تعود على الأقل إلى ما تعلمه بولس عندما تحول، بعد عامين من الصلب”.[26] استنتج عدد متزايد من العلماء المؤثرين بشكل استثنائي مؤخرًا أن تعاليم القيامة على الأقل، وربما حتى الصيغة المحددة لتقليد إيمان ما قبل بولس في 1 كورنثوس 15: 3-7، تعود إلى 30 م! بعبارة أخرى، لم يكن هناك وقت لم تكن فيه رسالة قيامة يسوع جزءًا لا يتجزأ من أول إعلان رسولي.[27]
يقول عالم لا يقل عن جيمس دي جي دن فيما يتعلق بهذا النص المهم: “هذا التقليد، يمكننا أن نكون واثقين تمامًا، تمت صياغته كتقليد في غضون أشهر من موت يسوع”.[28] لذلك، تلقى بولس مادة عقائدية في أورشليم بعد خمس سنوات فقط أو نحو ذلك من صلب يسوع والتي تمت صياغتها بالفعل في وقت سابق، وربما يرجع تاريخها إلى ما بعد وقت قصير جدًا من موت يسوع.
ولكن بغض النظر عن المكان الذي نؤرخ فيه هذا التقليد العقائدي نفسه، فإن المحتوى الأساسي لرسالة الإنجيل المتعلقة بموت وقيامة يسوع المسيح يعود إلى أوائل البدايات. بعبارة أخرى، كانت الرسالة المركزية للكنيسة الرسولية الأولى منذ نشأتها.
إعتراض شائع
في الوقت الحاضر، ربما تكون التهمة الأكثر شيوعًا، خاصة من بين الملحدين الجدد، هي أن المسيحية نسخت رسالتها من الديانات القديمة الأخرى. على سبيل المثال، يتساءل كريستوفر هيتشنز عن بعض الأحداث الخارقة للطبيعة التي قيل إنها أحاطت بميلاد يسوع، عندما قيل إن أشياء مماثلة حدثت لشخصيات دينية أخرى مثل بوذا وكريشنا.[29] كما يتم ذكر أو التلميح إلى أوجه الشبه هذه بانتظام فيما يتعلق بقيامة يسوع.[30]
الغريب الحقيقي حول هذه التهمة هو الانفصال الحقيقي للغاية بين الانتقادات المتشككة الشائعة والتعاملات من قبل المتخصصين المتشككين على حد سواء في المجالات ذات الصلة. يبدو أن نسبة كبيرة من هؤلاء يتبنون هذه الشكاوى حول الأديان الموازية كما لو كانت مقبولة من قبل الجميع باستثناء المسيحيين الذين يبدو أن رؤوسهم عالقة في الرمال.
ومع ذلك، في حين أن المتشككين العلماء قد يلاحظون أحيانًا هذا التشابه البسيط أو ذاك، إلا أنهم نادرًا ما يتهمون أن المسيحية المبكرة استمدت تعاليم القيامة من الأديان السابقة. لماذا هذا الانفصال الكبير بين المتشككين الشعبيين ونظرائهم العلماء؟ هل يمكن أن تكون البيانات التاريخية ببساطة لا تدعم مثل هذه الإتهامات المتكررة بشكل شائع؟
حتى لو لم نبتعد كثيرًا عن المادة الموجودة في هذا المقال وحده، فإن هذه الأطروحة الشائعة يتم تحديها بشكل كبير في كل منعطف. أولاً، رفض علماء النقاد الاتهام الشائع بأن قصص المصلوبين والمُنقِصين المنتفضين كانت منتشرة في العالم القديم قبل المسيحية، خاصة خلال العقود القليلة الماضية. بالنسبة للمبتدئين، كانت القصص الوثنية بشكل عام لأشخاص لم يعشوا قط وتضمنت رسائل دينية تتعارض في الواقع مع التعاليم المسيحية الرئيسية، وكان لهذه الروايات القديمة تأثير ضئيل للغاية في فلسطين القديمة.
والأهم من ذلك، أن نقاط الاتصال التاريخية المركزية مفقودة ببساطة: تقارير بوذا وكريشنا تأتي بعد مئات السنين. لم يُصلب أي من المؤسسين الدينيين الرئيسيين الآخرين في العصور القديمة. علاوة على ذلك، لا يمكن إثبات وجود رواية وثنية واحدة عن القيامة قبل المسيح، سواء كانت أسطورية أو تاريخية.[31]
هذا أمر مهم بالتأكيد في أي محاولة للضغط على هذه التشابهات المزعومة. ثانيًا، وعلى النقيض تمامًا، أوضحنا الإجماع العلمي فيما يتعلق بشكل خاص بكورنثوس الأولى 15: 3-7، جنبًا إلى جنب مع ملخصات العظات المبكرة في أعمال الرسل، والتي تؤرخ الإعلان المبكر بشكل لا يصدق لرسالة القيامة إلى حوالي 30 م.
تم ربط الرسالة مباشرة بحياة وخدمة يسوع المسيح، مع عدم وجود علامة على الأصل الأسطوري. ثالثًا، والأهم من ذلك، فيما يتعلق بقيامة يسوع، اقتنع العلماء المتشككون بالإجماع تقريبًا أن تقارير الظهورات جاءت من شهود العيان أنفسهم، بناءً على تجاربهم الأصلية، وليس الأساطير والخرافات القديمة.
بعبارة أخرى، اشتق اعتقاد القيامة من تجارب حقيقية وليس من إشاعات غير متبلورة من أماكن أخرى. علاوة على ذلك، تم تأكيد هذا السيناريو خلال زيارات بولس لأورشليم لمناقشة طبيعة رسالة الإنجيل مع الرسل الرئيسيين (غلاطية 1: 18-20، 2: 1-10). عرف بولس ما كان يعلمه الرسل الآخرون فيما يتعلق بظهورات يسوع من بين الأموات وأثنى على رسالتهم (1 كو 15: 11-15). يشير هذا الإطار الضيق إلى أن الإعلان الأصلي استند من البداية إلى النهاية على أحداث تاريخية فعلية.
هناك العديد من المشاكل الإضافية التي تكتنف الأطروحة الأسطورية أيضًا. لقد غيرت هذه التجارب التلاميذ حتى أصبحوا على استعداد للموت خصيصًا من أجل تعاليمهم الإنجيلية. وهذا يدل على أنهم آمنوا بصدق رسالة القيامة هذه. لم يتم تفسير ظهور بولس وتحويله من مضطهد الكنيسة من قبل الأساطير القديمة، وكذلك تحول شقيق يسوع يعقوب من الشك إلى الإيمان بالمسيح القائم من بين الأموات (على الرغم من أننا لم نناقش هذا هنا).
أخيرًا، القبر الفارغ مؤكد بشكل كبير.[32] لكن هذه الأطروحة البديلة لا تفسره. على الرغم من أنه يمكن ذكر انتقادات إضافية، [33] يشير هذا إلى سبب رفض الغالبية العظمى من العلماء للأساطير باعتبارها أصل إعلانات القيامة المبكرة، والتي نشأت من تجارب شهود عيان فعلية. كما يؤكد ولفارت بانينبيرج: “في ظل هذه الظروف، يكون عملًا بلا العمل لإجراء تشابهات في تاريخ الأديان المسؤولة عن ظهور الرسالة المسيحية البدائية حول قيامة يسوع”.[34]
الخلاصة: إكمال الحجة
يتفق علماء النقد المعاصرون على أنه، إلى جانب ظهور بولس، حصل على رسالته المبكرة عن الإنجيل من الآخرين قبله. من المحتمل أنه تلقى على الأقل محتوى التقليد في كورنثوس الأولى 15: 3-7 من بطرس ويعقوب عندما زار أورشليم في السنوات الأولى بعد موت يسوع على الصليب. بالنسبة لهؤلاء الرسل، فإن ظهورات القيامة كانت بالطبع قبل ذلك.
هذه الحجة، أكثر من أي حجة أخرى، هي التي أقنعت غالبية العلماء الناقدين اليوم بأن قيامة يسوع قد أُعلن عنها في الكنيسة الأولى. وبالمثل، يعتقد العلماء أن سبب هذه الرسالة المبكرة كان تجارب تلاميذ يسوع الأوائل، الذين كانوا مقتنعين تمامًا أنهم رأوا ظهورات لربهم القائم من بين الأموات.[35]
هذه الرسالة لم تحدث في وقت لاحق، وبالتأكيد لم يتم اختلاقها أو نسخها من تعاليم الآخرين. وكما يؤكد باوكهام بوضوح، “ليس هناك شك في ذلك. . . يستشهد بولس بشهادة شاهد عيان لأولئك الذين تلقوا ظهورات القيامة “.[36]
يفسر هذا القيمة المذهلة لتقرير بولس في 1 كورنثوس 15: 3-7. إنه يعالج بالتأكيد أهم مسألتين تاريخيتين من خلال ربط تقارير شهود العيان الأصليين التي تم أخذها بشكل واضح من الفترة المبكرة للغاية. صدمت هذه الحجة جيلًا من العلماء الناقدين، مما جعلهم يدركون أن ظهورات قيامة يسوع، على عكس أوجه التشابه اللاحقة التي ربما استعارت من المسيحية، راسخة بقوة في التقليد التاريخي.
المراجع
1.وعلى الأخص في الأناجيل انظر
Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony (Grand Rapids: Eerdmans, 2006). Cf. James D. G. Dunn, Jesus Remembered, vol. 1 of Christianity in the Making (Grand Rapids: Eerdmans, 2003).
2. وعلى سبيل المثال
Gary R. Habermas, The Risen Jesus and Future Hope (Lanham, Md.: Rowman and Littlefield, 2003); The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ (Joplin, Mo.: College Press, 1996).
3. تناول مؤرخ القرن الثاني لوسيان من ساموساتا إزالة العوامل الذاتية من عمل المؤرخ (6: 7-15، 72-73، 39-43)، وكذلك الوظيفة المناسبة لشهادة شهود العيان، على عكس الكاتب القديم الذي ادعى لقد كان شاهدًا، على الرغم من أن لوسيان قرر أن الوقائع تعارض ادعائه (6: 43-47)! انظر كيفية كتابة التاريخ
How to Write History, vol. 6 of Lucian in Eight Volumes, trans. K. Kilburn, Loeb Classical Library (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1959).
4. Raymond E. Brown, The Death of the Messiah, 2 vols. (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1994)، esp. p. 1376; cf. pp. 1350-78.
يتم اختيار التاريخ السابق بشكل أكثر شيوعًا من قبل العلماء، على الرغم من أن لا شيء يعتمد على كونه محددًا.
5. John Dominic Crossan, Who Killed Jesus? Exposing the Roots of Anti-Semitism in the Gospel Story of the Death of Jesus (San Francisco: HarperCollins, 1995), p. 5.
6.على سبيل المثال
Bart D. Ehrman, The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings, 2nd ed. (New York: Oxford University, 2000), pp. 43-44; Helmut Koester, Introduction to the New Testament, vol. 2, History and Literature of Early Christianity (Philadelphia: Fortress, 1982), pp. 103-4.
7. Koester, History and Literature, pp. 103-4
8. John Drane, Introducing the New Testament (San Francisco: Harper & Row, 1986)، pp. 236-38.
10. للحصول على العلاج الكلاسيكي لهذا الموضوع، انظر
Oscar Cullmann, The Earliest Christian Confessions, trans. J. K. S. Reid (London: Lutterworth, 1949); cf. Joachim Jeremias, The Eucharistic Words of Jesus (London: SCM Press, 1966).
11. C. H. Dodd, The Apostolic Preaching and Its Developments (Grand Rapids: Baker, 1980)، p. 16.
12. على سبيل المثال،انظ
Habermas, Historical Jesus, esp. pp. 152-57; Gary R. Habermas, “The Resurrection Appearances of Jesus,” in In Defense of Miracles: A Comprehensive Case for God’s Action in History, ed. Douglas Geivett and Gary R. Habermas (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1997), esp. pp. 263-70.
13. Bauckham, Jesus, and the Eyewitnesses, pp. 265-66.
14. William Farmer, “Peter and Paul, and the Tradition Concerning ‘The Lord’s Supper’ in 1 Corinthians 11:23-25,” Criswell Theological Review 2 (1987): 122-30.
15. Dodd, Apostolic Preaching, p. 16.
16.لهذه القوائم،انظر Habermas, Risen Jesus and Future Hope, esp. nn. 75-102.
17. Koester, History and Literature, p. 103.
18. انظر إلى جهود بولس لتقديم القرابين نيابة عن المؤمنين الفقراء (1 كو 16: 1-4، 2 كورنثوس 8: 1-15).
19. Dodd, Apostolic Preaching, p. 16.
20. لعدد من هذه المقاطع، انظر أعمال الرسل 1: 21-22، 2: 22-36، 3: 13-16، 4: 8-10، 5: 29-32، 10: 39-43، 13: 28-31، 17: 1-3، 30-31
21. Dodd, Apostolic Preaching, pp. 17-31, esp. pp. 19, 24, 26, 31.
22. من أجل هذا الاتفاق بين بولس والرسل الآخرين حول طبيعة رسالة الإنجيل، انظر
Martin Hengel, The Atonement (Philadelphia: Fortress, 1981), pp. 38, 69; John Meier, A Marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus (New York: Doubleday, 1987), p. 118; Hans Dieter Betz, Galatians: A Commentary on Paul’s Letter to the Churches in Galatia (Philadelphia: Fortress Press, 1979), p. 76; Ben Meyer, “Resurrection as Humanly Intelligible Destiny,” Ex Auditu 9 (1993): 15; Bauckham, Jesus, and the Eyewitnesses, p. 266.
23. Howard Clark Kee, What Can We Know About Jesus? (Cambridge: Cambridge University Press, 1990), pp. 1-2.
24. مثل تلك المدرجة في الملاحظة 20 أعلاه.
25. Gerd Lüdemann, The Resurrection of Jesus, trans. John Bowden (Minneapolis: Fortress, 1994)، p. 38.
26. Michael Goulder, “The Baseless Fabric of a Vision,” in Resurrection Reconsidered, ed. Gavin D’Costa (Oxford: Oneworld, 1996)، p. 48.
27. Larry W. Hurtado, How on Earth Did Jesus Become a God? Historical Questions About Earliest Devotion to Jesus (Grand Rapids: Eerdmans, 2005), esp. p. 4; N. T. Wright, The Resurrection of the Son of God (Minneapolis: Fortress, 2003), p. 319; cf. Bauckham, Jesus, and the Eyewitnesses, pp. 264-68, 307-8.
28. Dunn, Jesus Remembered, p. 825 (الأقواس في الأصل).
29. Christopher Hitchens, God Is Not Great: How Religion Poisons Everything (New York: Hachette, 2007)، pp. 22-23.
30. Richard Dawkins, The God Delusion (Boston: Houghton Mifflin, 2006)، pp. 119-20.
31. للحصول على معالجة كلاسيكية في تاريخ القصص الوثنية، انظر
Günther Wagner, Das religionsgeschichtliche Problem von Römer 6, 1-11 (Zürich: Zwingli Verlag, 1962),
خاصةً ملخص فاغنر الممتاز في الجزء 3، الأقسام. أ-ب. حتى يتضمن Helmut Koester تعليقات مماثلة، لا سيما في
Introduction to the New Testament, vol. 1 (Philadelphia: Fortress, 1982), pp. 190, 193.
32. لأسباب عديدة رئيسية
Habermas, Risen Jesus, and Future Hope, pp. 23-24.
33. لمناقشة مفصلة والنقد، انظر
Gary R. Habermas, The Resurrection of Jesus: A Rational Inquiry (Ann Arbor, Mich.: University Microfilms, 1976), pp. 146-71.
34. Wolfhart Pannenberg، Jesus: God and Man, trans. Lewis Wilkins and Duane Priebe (Philadelphia: Westminster Press, 1977)، p. 91 (الأقواس في الأصل).
35. لمزيد من التفاصيل، انظر
Gary R. Habermas, “Experiences of the Risen Jesus: The Foundational Historical Issue in the Early Proclamation of the Resurrection,” Dialog: A Journal of Theology 45 (2006): 288-97.
36. Bauckham، Jesus and the Eyewitnesses, p. 308 (الأقواس في الأصل).
تتبع قيامة يسوع إلى أقرب روايات شهود العيان الخاصة بها – مينا مكرم
يتحد عدد من العوامل لتقوية حجة قبول شهادة الأناجيل فيما يتعلق بفراغ قبر يسوع.
في الواقع، غالبًا ما لا يتم تقدير الحجج المؤيدة لرؤية فراغ قبر يسوع كقطعة من المعلومات التاريخية الواقعية، حتى بين المسيحيين. في هذه الحالة، يجب أن يُنسب الفضل إلى المنحة في الكشف عن العديد من العوامل التي تتشكل معًا في حالة مثيرة للإعجاب.
1- لاحظ أولاً أن الأناجيل الأربعة تنسب اكتشاف فراغ القبر إلى النساء. في يومنا هذا، كما اعتدنا على الدافع من أجل المساواة بين الجنسين، قد لا يبدو هذا شيئًا خارج نطاق المألوف. لكن في فلسطين في ذلك الوقت لم تكن مكانة المرأة وشهادتها محل تقدير كبير مثل الرجل. في الواقع، ربما كان يُنظر إلى النساء على أنهن شهود غير موثوقين في اليهودية في القرن الأول، لمجرد أنهن نساء.
قضى إعلان أخير في إيران بأن شهادة المرأة ليست سوى نصف قيمة شهادة الرجل. كان موقف مشابه للغاية سائدًا في الطرف الشرقي من البحر الأبيض المتوسط في وقت يسوع. ولما كان الأمر كذلك، يجب أن نستنتج أن الشهادة التي يتم فيها تقديم النساء كشاهد أساسي يجب أن تستند إلى حقيقة سليمة. من الصعب أن تعطي السرد المفتعل شهادة رائدة للمرأة.
لماذا تنسبه للمرأة؟ من سيصدق ذلك؟ السبب الوحيد الجيد لنسب تقرير القبر الفارغ إلى النساء هو أن هذه هي الطريقة التي تم تذكرها على أنها حدثت بالفعل.
2- لا يبدو أن الخلط بين الروايات المختلفة في الأناجيل قد تم اختلاقه. إن تضارب الشهادة دليل على صدق من استُخلصت منهم الشهادة أكثر منه علامة على صدقهم. قد نحكم على الشهود بأنهم مرتبكون بشأن نقاط تفصيلية (لأن الشهود يحدثون غالبًا عندما يحاولون تذكر تفاصيل معينة)، لكن بالكاد يكونون خادعين. ووصفها بأنها غير جديرة بالثقة على أساس مثل هذه الاختلافات هو أمر غير كريم.
على العكس من ذلك، فكلما زادت الشهادة بالإجماع في جميع نقاط التفصيل، كلما اضطررنا إلى استنتاج أنهم جميعًا استمدوا شهادتهم من مصدر واحد. في هذه الحالة لن يكون لدينا أربع شهادات بل شهادة واحدة. لكن في الأناجيل يجب أن نتحدث عن روايتين أو ثلاث روايات مختلفة على الأقل، يكون مقياس الاتفاق والاختلاف فيها كافياً لإعطاء وزن لشهادتهم الموحدة. وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى الطابع المدهش لما قد يكون أقدم الأناجيل الأربعة – مرقس. إذا كان النص الأصلي قد انتهى بالفعل في الآية 8 من الإصحاح 16، كما هو مرجح تمامًا، فهذا يعني أن المبشر انتهى بشهود القبر الفارغ خائفات جدًا من قول أي شيء.
من المؤكد أن هناك إحساسًا دراميًا لطيفًا هنا – حيث ترك الإنجيلي عمدًا التنافر الذي تسببه الملاحظة الأخيرة للخوف دون حل. لكن مع ذلك، فهي تحتوي على ما يسميه جي بي فيليبس “حلقة الحقيقة” – ليس أقلها الإشارة إلى أن علامة القبر الفارغ غامضة إلى حد ما: لم يتم فهمها على الفور كدليل على القيامة.
علاوة على ذلك، فإن حقيقة انتهاء الإنجيل الأول (مرقس) دون أي سجل لـ “ظهورات القيامة”، يجب أن تتطابق مع حقيقة أن الرواية الأولى لـ “ظهورات القيامة” (كورنثوس الأولى 15) لا تشير إلى القبر كونه فارغاً. هذه الدرجة من الاستقلالية وعدم وجود ارتباط بين أقدم سجلين تتحدث بشكل إيجابي عن قيمة كل منهما. لا يوجد ما يشير إلى أن أحدهما قد تم اختراعه لدعم الآخر.
3- من المستغرب إلى حد ما وجود أدلة أثرية تشير بشكل غير مباشر ولكن بقوة إلى أن القبر يجب أن يكون فارغًا. ممارسة الدفن، بالطبع، هي إحدى العادات التي يمكن لعلم الآثار أن يتحدث عنها في كثير من الأحيان بسلطة كبيرة. في هذه الحالة، نعلم أنه في زمن يسوع أصبح من المعتاد العودة إلى القبر حيث وضع أحد أفراد أسرته، بعد انقضاء فترة كافية (عام)، لجمع العظام ووضعها في صندوق عظام (صندوق عظام الموتى). كان المنطق واضحًا: يجب الحفاظ على العظام معًا حتى يتمكن الله في القيامة من استخدامها (لإعادة) بناء الجسد من أجل القيامة.
ستوفر العظام الإطار الذي يمكن لله أن يعيد بناء الجسد على أساسه – العملية الموصوفة، في الواقع، في رؤيا حزقيال الشهيرة لوادي العظام الجافة (حزقيال 37. 7-10). في وقت لاحق، وبعد مناقشة الموضوع، خلص الحاخامات إلى أن الله لا يحتاج إلى بقايا الهياكل العظمية بأكملها. عظمة واحدة ستكون كافية. هذه هي النقطة. قدم علم الآثار الآن دليلاً على أن الفهم الشائع للقيامة في فلسطين في وقت يسوع كان سيشمل بعض “إعادة استخدام” الجسد.
أن هذا كان بالفعل رأيًا شائعًا في الفترة التي نهتم بها، وهو ما يؤكده مقطعين في العهد الجديد، يبدو أنهما يعكسان نفس الرأي الشائع – متى 27. 52-53 ويوحنا 5. 28-29. في كلتا الحالتين يكون الحديث عن القيامة مثل الموتى، أو جثث الموتى “من القبور”. ويترتب على ذلك أن أفكار القيامة والقبر الفارغ في فلسطين تتماشى بشكل طبيعي مع كثير من الناس. لكن هذا يعني أيضًا أن أي تأكيد على أن يسوع قد قام من غير المرجح أن يقطع الكثير من الجليد ما لم يكن قبره فارغًا.
الادعاء الذي تم تقديمه في أورشليم في غضون أسابيع قليلة من صلبه، بأن الله قد أقام يسوع (أي جسد يسوع) من الموت، لن يكتسب الكثير من المصداقية لو لم يزعج قبره أو كان مصير جسده معروفًا بخلاف ذلك.. لذلك فإن عدم وجود مثل هذا الادعاء المضاد في أي أدبيات متاحة لتلك الفترة (مسيحية أو يهودية) أمر مهم. الاستثناء الوحيد، إذا كانت كلمة “استثناء” هي الكلمة الصحيحة، فهو متى 28: 13-15 – محاولة السلطات اليهودية نشر قصة أن تلاميذ “يسوع” جاءوا ليلا وسرقوه بعيدًا “. إلى أي مدى يعود الحساب يتم مناقشته.
ولكن من الواضح على الأقل أنه في وقت متى كان هذا التفسير ساريًا بين اليهود (28 :15). المعنى واضح: حتى الرد اليهودي على الادعاء المسيحي لم يجادل في الشهادة حول كون القبر فارغًا. على العكس من ذلك، لم يكن خلاء القبر موضع خلاف، بل كان فقط تفسيرًا لسبب كونه فارغًا.
4- هناك اعتبار قوي آخر لصالح تقارير القبر الفارغ التي تعتبر متأصلة في الحقائق التاريخية وهو عدم وجود أي تبجيل للمقابر في المسيحية المبكرة. نحن نعلم أنه كان من المعتاد في زمن يسوع أن يلتقي المصلين عند قبر النبي الميت للعبادة. تنعكس هذه الممارسة في متى 23. 29 (“تبني قبور الأنبياء وتزين آثار الصالحين”).
ويستمر هذا اليوم في التبجيل الممنوح لمقابر إبراهيم في حبرون وداود في اورشليم. يسوع: الدليل قدم لقطات رائعة للعبادة التي لا تزال تمارس في قبر الشخص الأقل شهرة القريب زمنياً ليسوع، الحاخام ذو الشخصية الجذابة، هوني، “راسم الدائرة”. ينظر المسيحيون اليوم بالطبع إلى موقع قبر يسوع بتقدير مماثل، وتعود هذه الممارسة على الأقل إلى القرن الرابع. لكن بالنسبة للفترة التي غطاها العهد الجديد وغيره من الكتابات المسيحية المبكرة، لا يوجد دليل على الإطلاق بالنسبة للمسيحيين فيما يتعلق بالمكان الذي دُفن فيه يسوع باعتباره ذا أهمية خاصة. لم يشهد المسيحيون الأوائل ممارسة تبجيل القبور، أو حتى الاجتماع للعبادة عند قبر يسوع.
لو كانت هذه هي ممارسة المسيحيين الأوائل، مع كل الأهمية التي تفترضها الممارسة نفسها، فمن الصعب تصديق أن سجلاتنا عن مسيحية اورشليم والزيارات المسيحية لها لم تكن لتذكرها أو تلمح إليها بطريقة ما أو في مرحلة ما. هذا الصمت الغريب، الاستثنائي في ضوء الممارسة الدينية في ذلك الوقت، له تفسير واحد واضح. لم يعتبر المسيحيون الأوائل المكان الذي دُفن فيه يسوع ذا أهمية خاصة لأنه لم يُعتقد أن قبرًا يحتوي على بقايا يسوع الأرضية. لم يكن القبر مبجلاً، ولم يصبح مكانًا للحج، لأن القبر كان فارغًا!
الاستنتاجات
الشهادة مجزأة بالطبع. قد تتطلب هيئة المحلفين قدرًا أكبر بكثير قبل أن تتمكن من الوصول إلى حكم “بما لا يدع مجالاً للشك”. لكن إذا كان علينا استخلاص استنتاجات على أساس الأدلة المتاحة لنا، يجب أن أقول بقوة: الاحتمال هو أن القبر كان فارغًا. كمسألة إعادة بناء تاريخية، تشير ثقل الأدلة بقوة إلى الاستنتاج القائل بأن قبر يسوع وجد فارغًا وأن فراغه كان عاملاً في إيمان المسيحيين الأوائل بقيامة يسوع.
يبدو لي أن جميع التفسيرات البديلة الرئيسية للبيانات تنطوي على احتمالية أكبر، ومن وجهة نظر العديد من العلماء. إن الإيحاء بأن الجثة قد تركت في الواقع دون إزعاج، أو أن الآخرين قد سرقوها، تجعل الاعتبار الثالث أعلاه عملاً شاقاً. لو كان مصير جسد يسوع معروفًا باستبعاد الادعاء بأن الله قد “أعاد استخدامه”، فمن الصعب أن نفهم كيف ولماذا ذهب الادعاء المسيحي دون اعتراض. في فلسطين في ذلك الوقت، لا شيء يمكن أن يقدم دحضًا أكثر تدميرًا للادعاء المسيحي أكثر من الشهادة بأن جسد يسوع أو عظامه لا تزال في مثواها الأخير.
إن الحجة القائلة بأن التلاميذ أنفسهم سرقوا الجسد تتعارض مع الاعتبار الرابع أعلاه. حتى لو افترضنا أن عددًا قليلاً فقط من المتورطين في المؤامرة، فمن الصعب تصديق أنه لم تصل شائعات عنها إلى مجموعة أكبر من التلاميذ. وإذا علم البعض أن قبر يسوع الأخير لم يكن فارغًا، فمن الصعب تصديق أنهم لم يجعلوا ذلك القبر مكانًا للحج. إن الازدواجية التي ينطوي عليها الأمر، ليس فقط في إعلان قيامة يسوع عندما كان معروفًا أن عظامه لم تتعرض للاضطراب، ولكن أيضًا في عدم تكريم القبر الحقيقي للنبي الميت، من الصعب أن تتطابق مع ما نعرفه عن المسيحيين الأوائل.
يرى عدد من العلماء أن الاعتقاد في القبر الفارغ نشأ في وقت متأخر. بالنسبة لي لا أجد دليلًا على ذلك من النصوص نفسها، بيانات النصوص نفسها في أحسن الأحوال (أو أسوأها) غامضة. لكن الاعتبارات الأخرى المذكورة أعلاه (1-4) يبدو لي أنها ترجح ميزان الاحتمالات بشكل كبير لصالح تاريخية القبر الفارغ. نظرية البروفيسور كويستر الشخصية إلى حد ما حول الموضوع الذي سأتناوله بمزيد من التفصيل في نهاية الفصل.
باختصار، لا ينبغي أن يشعر المسيحيون بأي حرج فيما يتعلق بتقرير الأناجيل عن العثور على قبر يسوع فارغًا. يشكك بعض العلماء في التقرير، لكن الدراسات ككل قد فعلت الكثير لإثباته أكثر من دحضه. أيا كان ما نفعله، هنا، قد نقول بثقة، هو معلومة تاريخية جيدة.
الكلمة الآرامية لـ “تفسير” أو “إعادة صياغة” هي: “targum”
(Brand, Draper and Archie 2003, p. 1558)
بعد نفي بابل عام 539 قبل الميلاد، جاء اليهود الذين يعيشون في أراضي الإمبراطورية الفارسية لاستخدام اللغة الآرامية المشتركة. لذلك، أصبح من الضروري الحصول على ترجمة للعهد القديم العبراني باللغة الآرامية. من المحتمل أن تلك الترجومات اتخذت شكلها الحالي بحلول القرن الخامس الميلادي على الرغم من أنها مجرد إعادة صياغة حرة للنص العبري وليست ترجمة دقيقة، إلا أنها مصدر لخلفية غنية للنص ويقدمون المساعدة في تحديد بعض المقاطع الإشكالية. بالإضافة إلى ذلك، “المواد تهم علماء العهد الجديد الذين يحاولون فهم اليهودية التي كان يسوع جزءًا منها.” [1]
بعد العودة من المنفى عام 538 قبل الميلاد. كان اليهود يتكلمون الآرامية بشكل أساسي (نح 8: 7-8: 13: 24) وأصبحوا أقل دراية بالعبرية. نتيجة لذلك، كانت دروس الكتاب المقدس بحاجة إلى أن تُترجم إلى الآرامية وأصبحت تُعرف باسم الترجومات تحتوي بعض الترجومات على ترجمة حرفية للنص العبري (على سبيل المثال ترجوم Onkelos) في حين أن البعض الآخر ترجمة أكثر حرية بإضافة مواد تفسيرية؛ (على سبيل المثال، Targum Neofiti) [2].
يشرح فيليب إس ألكسندر كيف نشأت هذه الترجمات الأكثر شبهًا: “لقد تم الاعتراف، مع ذلك، أن الترجومات يمكن أن تفعل أكثر من تقديم عرض بسيط من الكتاب المقدس إلى الكلام اليومي: يمكن أن يكون تعليقًا بالإضافة إلى ترجمة، ويفرض تفسيرًا شاملاً للعبرية الأصلية [3]
في البداية، تم تقديم هذه التفسيرات بشكل ارتجالي من قبل الكتبة والمعلمين، ويُمنع منعًا باتًا كتابتها؛ وبالتالي توجد إصدارات شفوية مختلفة في وقت واحد [4]
أصبح من الواضح فيما بعد أنه لتوحيد هذه الترجومات، يجب كتابتها. هناك ترجومات لكل سفر من الكتاب المقدس العبري ما عدا عزرا، نحميا ودانيال. تم العثور على اثنين من الترجومات في قمران (11QtgJob؛ 4QtgLev). [5]
العنصر التفسيري في الترجومات واضح؛ مال الكتبة إلى إعادة الصياغة واستخدام العبارات التفسيرية وإعادة تفسير النص من أجل نقل معناه بشكل أفضل. كانت هناك مدرستان ابتدائيتان للدراسة النصية: المدرسة الغربية المتمركزة في فلسطين في طبريا، والتي كانت موجودة حتى نهاية القرن الثالث الميلادي، ثم مرة أخرى من القرن الثامن إلى القرن العاشر الميلادي. ومدرسة شرقية متمركزة في بابل في شورا، نيهارديا (دمرت عام 259 م)، وبعد ذلك في بومبيثا.[6] على عكس المدرسة الفلسطينية، أنتجت المدرسة البابلية أخيرًا نسخة رسمية من الترجوم حوالي القرن الخامس الميلادي، لكنها فقدت تأثيرها تدريجياً وبحلول القرن العاشر أو الحادي عشر الميلادي اختفت.
[1] Paul D. Wegner, A Student’s Guide to Textual Criticism of the Bible: Its History, Methods & Results (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 2006). 1558
[2] Brad H. Young, “Targum,” ISBE 4:727–28.
[3] Philip S. Alexander, “Targum, Targumim,” ABD 6:321.
[4] Johannes C. de Moor, “Systems of Writing and Nonbiblical Languages,” in Bible Handbook, vol. 1, The World of the Bible, ed. Adam S. van der Woude, trans. Sierd Woudstra (Grand Rapids: Eerdmans, 1986), p. 116.
يقترح Würthwein أن الترجمة الآرامية كان من المقرر تقديمها شفهيًا في خدمة العبادة لفصلها عن النص المقدس
(Text of the Old Testament, p. 75).
انظر ايضا Gamaliel I (mid-first century a.d.)
الذي لم يكن على استعداد للتعرف على ترجوم أيوب
راجع (Shabbat 115a; cf. Tosefta Shabbat 13, 2)
[5] على 11QtgJob انظر Johannes P. M. van der Ploeg and Adam S. van der Woude, Le targum de Job de la grotte XI de Qumran (Leiden: Brill, 1971); Michael Sokoloff, The Targum to Job from Qumran Cave XI, Bar-Ilan Studies in Near Eastern Languages and Culture (Ramat Gan: Bar-Ilan University, 1974).
على 4QtgLev انظر Józef T. Milik, in Roland de Vaux and Józef T. Milik, Qumrân Grotte 4. II, DJD 6 (Oxford: Clarendon, 1977), pp. 86–89.
بقدر ما نعلم، لم تكن الأناجيل المكتوبة موجودة عندما بدأ الكتابة. ماذا نتعلم من بولس عن يسوع التاريخي؟ ما مقدار ما سنعرفه عن يسوع إذا لم تكن الأناجيل موجودة وكنا نعتمد فقط على بولس؟
الوحي والتقليد
يمكن تلخيص معرفة بولس بيسوع في كلمتين يونانيتين: apokalypsisو paradosis. ترتبط الكلمة الأولى بفعل “يحجب” (kalyptein). عندما يكون المقطع apoسابقاً، فهذا يعني “كشف” أو “أوحى”. وبالتالي فإن الاسم apokalypsisيدل على “الكشف” أو “الوحي”. كتب بولس إلى أهل غلاطية:
على الطريق بالقرب من دمشق “سُرَّ الله أن يكشف له ابنه” (غل ١: ١٦). بدأت حياة بولس كمسيحي وكرسول في لحظة ذلك الحدث الرائع. علاوة على ذلك، فإن ما أعلنه الله لبولس في المسيح في تلك اللحظة أصبح إطار تفكير بولس عن المسيح.
إن القول بأن حدث طريق دمشق قد غير اتجاه حياة بولس بشكل جذري هو مجرد سرد لجزء من القصة. رؤيته لمن دخل المسيح وأصبح جزءًا دائمًا من تفكيره في تلك المرحلة. بينما كان محور اهتمام بولس دائمًا هو الرب السماوي، فقد كان يعرف أشياء معينة عن الرب التاريخي. هذه هي التفاصيل التاريخية التي تهمنا في هذا الفصل.
ننتقل إلى الكلمة الثانية، paradosis (“التقليد”). paradosis تعني “تسليم” كسجين من سجان إلى آخر أو معلومة من معلم إلى تلميذ. تم استخدامه في هذا المعنى الأخير للدرس أو التعليم الذي سيقدمها الحاخام لتلميذه. وهكذا سلم الحاخامات تعاليمهم على حالها، جيلًا بعد جيل، لتلاميذهم، الذين سيصبحون بدورهم حاخامات. الترجمة الإنجليزية المعتادة “تقاليد”، وهي كلمة غالبًا ما تُؤخذ على أنها تعني “أشياء قديمة”، تفشل في التقاط فكرة “التسليم” الديناميكية المتأصلة في paradosis.
التقاليد: من الذي أعطاها لبولس؟
خلال الوقت، كان بولس، مثل حاخام، يسلم معلومات مهمة (paradoseis) عن يسوع إلى الكنائس. لكن أولاً، كان عليه أن يستقبلهم من المعلمين المسيحيين الذين كانوا قبله. في كتابته إلى أهل كورنثوس، يذكر بولس كلاً من “قبول” و “تسليم” ال paradosis حول الإنجيل:
سلمت لك… ما تلقيته أيضا. (1 كو 15: 3)
في وقت سابق في هذه الرسالة، كرر ما “سلمه” إلى أهل كورنثوس بشأن العشاء الأخير، بعد أن “تلقاه” مسبقًا من الرب.
تلقيت من الرب ما سلمته إليكم أيضًا، أن الرب يسوع في الليلة التي أُسلم فيها أخذ الخبز. (1 كو 11: 23)
هذا المقطع مذهل. إنه يشير إلى الرب السماوي (“الرب”) الذي نال بولس منه التقاليد paradosis وأيضًا إلى الرب التاريخي (“الرب يسوع”). يُنظر إلى الرب السماوي على أنه الشخص الذي تلقى منه بولس التقاليد، على الرغم من أنه نشأ في التاريخ مع الرب التاريخي الذي “أخذ الخبز في الليلة التي تعرض فيها للخيانة”.
ما أغفله بولس عن إخبارنا هو من خلاله من نال تلك التقاليد. أفترض أنه نفس الشخص (الأشخاص) الذين تلقى بولس منهم التقاليد حول الإنجيل المذكورة أعلاه. متى تلقى بولس هذه التقاليد ومِن من؟
كان أول اتصال لبولس كمسيحي مع مسيحيين آخرين في دمشق مباشرة بعد لقائه الخطير بالمسيح في الطريق إلى هناك (أعمال الرسل 9 و22). قال حنانيا لبولس: “اعتمد واغسل خطاياك داعياً باسمه” (أعمال الرسل 22: 16).[2]
دُفع بولس على الفور إلى عالم جديد كان عليه أن يتعلم فيه عن المعمودية والغفران واسم يسوع (إلهه) والإيمان والعديد من الأشياء الأخرى بلا شك. على الأرجح أنه في دمشق تلقى بولس التقاليد حول الإنجيل والعشاء الرباني لأنه منذ ذلك الوقت بدأ يكرز بيسوع باعتباره ابن الله والمسيح (أعمال الرسل 9: 20-22).
من أين إذن تلقى بولس مزيدًا من المعلومات عن يسوع التاريخي؟ بقدر ما نستطيع أن نرى، بولس نفسه لم ير ولم يسمع يسوع الناصري. ومع ذلك فقد تحول بعد فترة وجيزة من القيامة، على الأرجح في غضون عام.[3]
لذلك، كان اتصاله بالمسيحيين في دمشق (أعمال الرسل 9: 19) قريبًا جدًا في الوقت المناسب من يسوع الناصري. اعتنق بولس المسيحية مبكرا.
في غضون ثلاث سنوات من اهتدائه (غل 1: 18 = أعمال الرسل 9: 26)، جاء إلى أورشليم حيث “زار” بطرس و “رأى” يعقوب. هذا لا يعني أن قصص وأقوال يسوع قد تم جمعها بشكل منهجي بحلول وقت زيارة بولس الأولى إلى أورشليم.
تمت زيارته الثانية بعد أربعة عشر عامًا من اهتدائه (غلاطية 2: 1 = أعمال 21: 17)، أي في حوالي 47م. من المنطقي أن نفترض أن بعض المصادر التي أشار إليها لوقا (1: 2) والموجودة في أناجيل لوقا ومتى قد اكتملت بحلول ذلك الوقت. قد يُفترض أيضًا أن بولس أصبح على دراية بهذه المصادر في هذا والزيارات اللاحقة إلى أورشليم (حوالي 49 – أعمال الرسل 15: 4؛ حوالي 52-18: 22).
إذا كان أحد الجسور من بولس إلى يسوع التاريخي هو اتصاله بكنيسة أورشليم من خلال زيارات في 36 و47 و49 و52، كان جسر آخر من خلال علاقته خارج أورشليم مع برنابا، الذي تعود عضويته في كنيسة أورشليم إلى أقرب وقت ممكن (أعمال الرسل 4: 36-37).
كان برنابا على اتصال يومي ببولس لمدة أربع أو خمس سنوات (أعمال الرسل 11: 25، 30؛ 12: 25؛ 13: 1-14: 28؛ 15: 2، 4، 12، 36-39). لا بد أن برنابا، الذي كان تحوله إلى المسيح أقرب في الوقت من تحول بولس والذي كان لمدة عقد ونصف في شركة رفاق يسوع الأصليين، تحدث كثيرًا إلى بولس عن الرب التاريخي.
باختصار، أتيحت لبولس العديد من الفرص لتلقي التقاليد في كنيسة أورشليم والتعرف على حياة وتعاليم يسوع الناصري.
لقد ثبت أن الارتباط الوثيق بين بعض الأقسام المحددة جيدًا في كتابات بولس، على سبيل المثال رومية 12-14، مع تقارير تعاليم يسوع، من المصدر المشترك الذي يكمن وراء لوقا 6: 27-38 ومتى 5: 38-48، هو دليل على أن بولس كان لديه إمكانية الوصول إلى مثل هذه التعاليم ونقلها إلى كنائس الأمم.[4]
صلاة بولس إلى الله باسم “أبا” (رومية 8:15؛ غل 4: 6) مستمدة بوضوح من يسوع (انظر مر 14:36)، كما هو الحال بالنسبة للإشارة المحتملة إلى الصلاة الربانية في عبارة “نتحمل بعضنا بعضاً و. . . متسامحين “(كو 3: 13). يعتقد بعض العلماء أن بولس يشير إلى الصور الريفية ليسوع، وكذلك إلى الأمثال.[5]
يسوع التاريخي: ولادته وموته
الولادة والموت أساسيان للتجربة البشرية. يهتم كاتب السيرة الذاتية الحديث بالتفاصيل المحيطة بميلاد وموت شخصيته الرئيسية. بينما يصف اثنان فقط من الإنجيليين ولادة يسوع، يدخل الأربعة في تفاصيل كثيرة عن موته. ومع ذلك، لا يقدم الرسول بولس أي تفاصيل تاريخية حول ولادة أو موت يسوع.
ما يسهب بولس في الحديث عنه هو حقيقة ومعنى ولادة وموت يسوع، وكلها جزء من هذه الجملة الشهيرة:
هنا نرى حقيقة تجسده وموته (“فَقِرَ”) ومعناها (“نعمة ربنا يسوع المسيح”)، ولكن لم يتم إعطاء تفاصيل تاريخية.
من وجهة نظر بولس، كان مجيء يسوع إلى العالم ضروريًا حتى يموت. وهكذا، “لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة مولوداً تحت الناموس ليفدي” (غل 4: 4-5). عرف بولس أن يسوع نشأ كيهودي صارم (“وُلِدَ في ظل الناموس”). قد يعني عدم وجود إشارة إلى والد يسوع أن بولس كان على علم بميلاد المسيح من عذراء.
تم توضيح حقيقة موت الرب التاريخي ومعناه بقوة في البيان:
من أجلنا جعله [الله] خطية الذي لم يعرف خطية، حتى نصبح بر الله فيه. (2 كو 5: 21)
لاحظ أنه على الرغم من عدم وجود تفاصيل تاريخية في هذه العبارات حول ولادة يسوع وموته، يبدو أن الكاتب يعرفها.
وهكذا، “أصبح فقيرًا” (2 كو 8: 9) يتوافق تمامًا مع التفاصيل الواردة في قصص ميلاد متى ولوقا. يشير التعليق العام “المولود من امرأة” إلى أن الكاتب كان يعرف على وجه التحديد أي امرأة. فيما يتعلق بموت يسوع، غالبًا ما يشير الرسول إلى الصلب باعتباره طريقة الإعدام (غلاطية 3: 1)، وقد رأى الكثيرون في الكلمات “جعل [الله] [يسوع] خطية” إشارة إلى صرخة يسوع من على الصليب (مر 15: 34). الطريقة التي يتحدث بها بولس عن حقيقة ومعنى ولادة وموت يسوع تتضمن بعض المعرفة بالتفاصيل التاريخية، والتي، مع ذلك، لا يوفرها.
يسوع التاريخي: حياته
لا يقدم بولس سوى القليل من التفاصيل من حياة يسوع:
من نسل إبراهيم (غلاطية 3: 16).
كان ابن داود (رومية 1: 3).
لقد وُلِدَ بشكل طبيعي ولكن [ربما] حُبل به بطريقة خارقة للطبيعة (غلاطية 4: 4).
وُلِد وعاش في ظل الناموس اليهودي (غلاطية 4: 4).
قبل ورحب بالناس (رومية 15: 5، 7).
كان أسلوب حياته يتسم بالتواضع والخدمة (فيلبي 2: 7-8).
تعرض للإساءة والسب خلال حياته (رومية 15: 3).
كان له أخ اسمه يعقوب (غلاطية 1: 19) وإخوة آخرين (1كو 9: 5).
بطرس تلميذه كان متزوج (1 كو 9: 5؛ راجع مر 1: 30).
أقام وجبة تذكارية في ليلة خيانته (1 كو 11: 23-25).
لقد تعرض للخيانة (1 كو 11: 23).
أدلى بشهادته أمام بيلاطس البنطي (1 تي 6: 13).
قُتل على يد يهود اليهودية (تسالونيكي الأولى 2: 14-15).
تم دفنه وقام في اليوم الثالث وشوهد بعد ذلك حياً عدة مرات من قبل العديد من الشهود (1 كو 15: 4-8).
على الرغم من محدودية المعلومات، إلا أنها جديرة بالملاحظة من ناحيتين.
أولاً: يتم نقل التفاصيل بشكل عرضي وببراءة. يبدو أنه إذا تم طرح نقطة لاهوتية أخرى، فقد كان المؤلف قادرًا على تقديم المزيد من الحقائق التاريخية. المعنى الضمني هو أن بولس الرسول عرف عن يسوع التاريخي أكثر مما يقول؛ من المفترض أنه رأى أنه لا داعي لإعطاء مزيد من المعلومات.
ثانيًا: تؤكد روايات الإنجيل كل التفاصيل التي قدمها بولس بدون استثناء. أقواله خالية من المغالاة والتشويه. كل هذا مثير للإعجاب لأن تركيز بولس الرئيسي لم يكن الرب التاريخي، بل السماوي.
يسوع التاريخي: تعاليمه
أعاد الرسول بولس إنتاج عدد قليل نسبيًا من تعاليم يسوع كاملة. من ناحية أخرى، هناك مقتطفات عديدة من التعاليم التي ستظهر في النسخ الأخيرة من الأناجيل. كان بولس يقتبس من مجموعة من التعاليم التي كانت متداولة آنذاك.
إنه خارج نطاق هذا العمل الدخول في التفاصيل في هذه المرحلة. تمت إحالة القارئ المهتم إلى ف.ف.بروس F. F. Bruce، بولس، رسول الروح الحرة Paul, Apostle of the Free Spirit، الصفحات 100-112. التعليقات التي أُدلي بها حول حياة يسوع التاريخية صحيحة هنا أيضًا. أولاً، يستطيع بولس إعطاء المعلومات كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
من الواضح أن ما هو مذكور أعلاه لا يستنفد معرفة بولس بتعاليم يسوع. ثانيًا، ما نقرأه في بولس من كلمات يسوع تؤكده الأناجيل. في النقاط التي يمكننا التحقق منه، يثبت بولس أنه جدير بالثقة، كما سيلاحظ القارئ وهو يفحص المراجع المقارنة.
يسوع التاريخي: صفاته
كان الرسول بولس على علم بالصفات الشخصية ليسوع التاريخي. عند الحاجة، حثّ قرائه على العيش والعمل وفقًا لمثال يسوع. دعونا نتأمل كيف استخدم بولس شخصية يسوع المعروفة في خدمته لأربع مجموعات من القراء.
مسيحيو رومية. تم تقسيم المسيحيين الرومان إلى مجموعات عرقية تم تقسيم كل منها ضد المجموعات الأخرى. لذلك كتب بولس، ” فَلْيُرْضِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَرِيبَهُ لِلْخَيْرِ، لأَجْلِ الْبُنْيَانِ.لأَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا لَمْ يُرْضِ نَفْسَهُ “(رو 15: 2-3). تذكرنا إشارة بولس إلى سلوك المسيح المطيع (“لم يرض نفسه”) بقول المسيح: “لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي ” (يو 5: 30).
لذلك، قال بولس لأهل رومية المعزولين عرقياً، ” لِذلِكَ اقْبَلُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا قَبِلَنَا ” (رومية 15: 7). كثيرا ما استخدم المسيح كلمات الترحيب، خاصة للمحتاجين؛ على سبيل المثال: ” تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ “(متى 11: 28).
أهل فيليبي. المجموعة الثانية، أهل فيلبي، كانوا يتصرفون بفخر في تعاملهم مع بعضهم البعض. شجعهم بولس على أن ” فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: ……. وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ “(فيلبي 2: 5، 8).
مرة أخرى نرى بولس يقدم للناس مثال يسوع. في الدعوة الشهيرة ” تَعَالَوْا إِلَيَّ ” المذكورة أعلاه، مضى يسوع ليقول، ” لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ ” (متى 11: 29). كلمة بولس ” وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ ” هي من نفس مجموعة الكلمات اليونانية مثل إعلان يسوع “أنا متواضع”.
أهل كورنثوس. مجموعة ثالثة من القراء، أهل كورنثوس، رفضوا أسلوب بولس في الخدمة باعتباره ضعيفًا. فيقول: ” أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ بِوَدَاعَةِ الْمَسِيحِ وَحِلْمِهِ ” (2 كو 10: 1).
كلمة “وداعة” هي في الأساس نفس كلمة ” وَدِيعٌ “، الكلمة الأخرى في متى 11: 29 المقتبسة أعلاه. وهكذا فإن كلمات يسوع عن نفسه “وديعاً” و “متواضعًا”، كما اقتبس في متى ١١: ٢٩، استفاد منها بولس مرتين، ولكن بطريقة غير واضحة بحيث يتم إغفال هذه النقطة بسهولة.
في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، حث بولس القراء على “طلب” خير جيرانهم “ليخلصوا”. مرة أخرى، يُعطى المسيح كمثال: ” كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيحِ ” (1 كو 11: 1). تذكرنا هذه الكلمات ببيان يسوع المهم لعشار الضرائب زكا: ” لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ ” (لوقا 19: 10). باستخدام كلمات “طلب” و “خلّص”، ردد بولس معنى الهدف الذي نجده في كلمات يسوع هذه.
أهل غلاطية. أخبر الرسول مجموعة رابعة من القراء، غلاطية، عن محبة المسيح، ” ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي ” (غل 2: 20؛ 2 كو 5: 14).
كان الإنجيلي الرابع الذي لفت الانتباه بشكل خاص إلى محبة يسوع في موته للخطاة. في المساء الذي سبق الصلب، عمل يسوع على معنى الحب من خلال غسل أقدام التلاميذ. علق يوحنا: ” إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى ” (يو 13: 1).
هل ناقش بولس هذه الأمور مع يوحنا في “القمة” التبشيرية في أورشليم حوالي 47 (راجع غلاطية 2، 7-9)؟ بينما يبدو أن الرسول بولس كتب قبل اكتمال الأناجيل، فمن المحتمل جدًا أنه في زياراته العديدة إلى أورشليم كان على علم بالمصادر التي ستصبح جزءًا من الأناجيل النهائية. يعرض بولس فهماً شاملاً لشخصية يسوع التاريخي – طاعته، وترحيبه الكريم، ووداعته وتواضعه، ومحبته للخطاة ورغبته في خلاصهم. كل ما يؤكده بولس عن صفات يسوع يمكن تأكيده من الأناجيل.
ومع ذلك، في حديثه عن شخصية يسوع التاريخية، لا يشير الرسول إلى شخصية من الماضي البعيد. إن الرب التاريخي من خلال الموت والقيامة هو الآن الرب السماوي الذي أخذ شخصيته الروحية والعاطفية سليمة معه إلى يمين الآب. أحيانًا يجد المسيحيون صعوبة في تخيل ما كان عليه ربهم ولا يعرفون كيفية الاقتراب منه.
الشخص الذي هو الآن ربنا السماوي كان الرب التاريخي ذات يوم. كان يتفاعل مع المعاناة بالرحمة والظلم بالغضب. أظهر يسوع مجموعة واسعة من المشاعر البشرية. وكان وديعًا ومهيبًا في نفس الوقت. النقطة هي، كما كان، هكذا هو؛ هو الآن ما كان عليه حينها. نحن نتواصل معه الآن كما لو كنا مرتبطين به في ذلك الوقت. للرب السماوي نفس الصفات الشخصية للرب التاريخي.
على الرغم من أن الرسول بولس كان مهتمًا في المقام الأول بيسوع باعتباره الرب السماوي المعاصر له، إلا أنه لم يكن بأي حال من الأحوال غير مدرك لسيرة حياة الرب التاريخي. من خلال الparadosesأو “التقاليد” عن يسوع، التي وردت من أولئك الذين كانوا شهود عيان للرب، يقدم بولس معلومات حول ولادة المسيح وحياته وموته وصفاته الشخصية وأقواله. تثبت حقائق بولس، وإن لم تكن شاملة، عند مقارنتها بالأناجيل أنها صحيحة في كل حالة.
من الواضح أن بولس لم يصنع تفاصيل عن يسوع أو يبالغ في التفاصيل التي لديه. يبدو أن استخدام بولس للأدلة التاريخية كان حذرًا ورصينًا.
[1] ربما من عام 48 بعد الميلاد إذا كانت غلاطية هي الرسالة الأولى لبولس.
[2] ربما تشير غلاطية 1: 19 إلى استشارة أولية خاصة. راجع أعمال الرسل ٩: ٢٧-٢٨، حيث التقى بولس بمجموعة أكبر في أورشليم.
[3] تشير قائمة ظهورات القيامة في كورنثوس الأولى 15: 4-8 إلى أنها حدثت في فترة زمنية محدودة.
[4] Dale C. Allison, “The Pauline Epistles and the Synoptic Gospels: The Pattern of the Parables,” New Testament Studies, 28 (1982): 1-32.
[5] David Michael Stanley, The Apostolic Church in the New Testament (Westminster, Md.: Newman Press, 1967), pp. 34-37, 364-69.