قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت
 

الفهرست

المقدمة

الفصل الأول المصادر المسيحية (هل ما لدينا يؤكد انه حقا نقل لنا ايمان اتباع يسوع الأوائل بشكل صحيح؟)

الفصل الثاني حقيقة ايمان اتباع يسوع بالقيامة (دراسة للخلفية التاريخية للمسيحيين الأوائل)

الفصل الثالث (المسيح والالهة الأخرى)

الفصل الرابع (هلاوس تلاميذ يسوع والقيامة الروحية)

 

المقدمة

لقد بنيتُ ايماني عن موضوع قيامة المسيح من خلال المادة الدفاعية التي طرحها المسيحيين المؤمنين في كتبهم ولكن طرحت على نفسي سؤالاً قلت فيه (هل انا حقاً اتبع الايمان الذي اقتنعت به ام اتبع أفكار الاخرين؟) وفي النهاية وجدت نفسي اتبع فقط ما قدمه المدافعين في كتابتهم وطريق هم من قاموا بإنشائه ولم يكن لي يد غير السير فيه فقط وبنيت في وقت من الأوقات معتقدي عليه ولكن مع الوقت وكثرة القراءات تطور عقلي وقفزت من مكان إلى اخر وقلت لنفسي ان القيامة هي الدليل النهائي على صدق كل ما قدم بخصوص العقائد المسيحية

وهي الإجابة الحقيقية على الأسئلة الوجودية عند الانسان لذلك قلت لنفسي هناك حقيقة واحدة ووحيدة يجب ان ادرسها بنفسي من خلال بحث شخصي حتى اعطي في النهاية الناتج الذي أكون راضياً عنه او على الأقل طريق به ضوء قمت بحرفه واتخذت قول بولس (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ،” (1 كو 15: 14) وجعلت من هذا القول هو القياس النهائي ان استطعت ان اثبت لنفسي انه حقا قام إذا أكون قد فتحت طريقي لينطلق ايماني ويحلق وان لم اثبت شيء في نهاية هذه البحث اكون قد أغلقت باب الايمان على الأقل حتى ثبوت الأدلة التي تكسر او تزيد من شدة القفل على الباب

 

فحين قررت البحث قلت لنفسي هي بنا نعود 2000 عام إلى الوراء لنعرف لماذا امن هؤلاء اليهود بالقيامة وما السر الذي غير مجموعة من صيادين المسك إلى مبشرين او ما السر وراء التغير في حالة شاول الطرسوسي فنعم عزيزي القارئ ان القيامة هي حجر الأساس الذي قامت عليه المسيحية وهذا ما أكده بولس كما ذكرنا مسبقاُ في الاقتباس وهذا أيضا كتب فيه أستاذ العهد الجديد Jirair Tashjian في مقاله (The Resurrection: Influence on the Church in the First Decades)[1]

 

ولهذا سوف أصب كل جهدي لمعرفة لماذا امن هؤلاء بالقيامة وسوف اعتمدت في كل فصل على مجموعة مختلفة من العلماء الذين قدموا دراسات محايدة تتعلق بعنوان الفصل

 

الفصل الأول: المصادر المسيحية: هل ما لدينا يؤكد انه حقا نقل لنا ايمان اتباع يسوع الأوائل بشكل صحيح؟

 

لسوء الحظ ليس لدينا الة زمن للرجوع إلى الماضي ولكن يستطيع الماضي ان يأتي الينا من خلال ما سجله الاقدمون فقد سجل الانسان الأول تفاصيل يومه وهذا ما تذكره لنا المؤرخة الامريكية Cynthia Stokes Brown:

 

وأكثر ما يشير إلى بزوغ ضمير إنساني أكثر تعقيداً هي الآثار التي تركوها على صورة رسوم في الكهوف وهي موجودة في كل أرجاء العالم [2]

 

ومن هنا نستطيع معرفة كيف فكر وعاش الانسان القديم ولحسن الحظ فقد سُجل ايمان اتباع يسوع الأوائل في وثائق وهذه تعتبر نقطة هامة في دراسة التاريخ

 

فيذكر لنا المؤرخ المصري حسين مؤنس:

ولكي يكون التاريخ جديرًا بهذا الاسم والوصف ينبغي أن يقوم على أصول والأصول هي الوثائق، والوثائق تشمل كل ما يمكنك أن تعتمد عليه في كتابة تاريخ أو رجل أو حادث أو أمة[3]

 

ولكن أيضا عزيزي القارئ الأمور ليست بهذه البساطة فهناك الكثير من الكتابات التي تعود لفترة حدوث الاحداث وحملت اقوال مختلفة ومتناقضة او حملت احداث لم تحدث من الأساس واستطيع ان ابرهن على صحة اقوالي هذه من خلال احداث عصرنا الحالي اذهب إلى التلفاز في منزلك وافتح قنوات الاخبار مثلا تجد الحق والباطل وتجد الخيال والواقع فمن خلال تجربة نحن بالفعل نعيشها نستطيع ان نبرهن انه ليس بالضرورة ما ينقل لنا من الماضي ان يكون صحيحاً تماماً او خطأُ تماماً أيضاً.

لذلك هناك ما يسمى بالنقد التاريخي ولكن هذا سوف نأتي له فيما بعد ولكن الان نحن لدينا مصادر قديمة نقلت لنا ايمان الكنيسة تعرف باسم كتابات العهد الجديد فهي الكتابات التي انتهت في القرن الأول الميلادي حسب شهادة الناقد بارت إيرمان:

 

لا أحد يعرف على وجه اليقين متى مات يسوع، لكن العلماء يتفقون على أنه كان في وقت ما حوالي 30 بم. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد معظم المؤرخين أن مرقس كان أول أناجيلنا التي كتبت، في وقت ما بين منتصف الستينات إلى أوائل السبعينيات. من المحتمل أن متى ولوقا كتبا بعد حوالي عشر أو خمسة عشر عامًا، ربما حوالي عام 80 أو 85. وقد كتب يوحنا ربما بعد ذلك بعشر سنوات، في عام 90 أو 95. وهذه تقديرات تقريبية بالضرورة، لكن جميع العلماء تقريبًا يتفقون عليها في غضون بضع سنوات [4]

 

ويقدم لنا ايرمان أيضا خريطة بسيطة تعطي لنا معلومات عن تاريخ تأليف تلك الكتابات [5]

 

حياة يسوع بدأت من القرن الرابع قبل الميلاد إلى سنة 30 بعد الميلاد وأول الكتابات كانت لبولس من 50 إلى 60 بعد الميلاد وثاني الكتابات كان انجيل مرقس من 65 إلى 70 وهكذا إلى ان نصل إلى انجيل يوحنا الذي كتب سنة 95 بعد الميلاد هذا ان ارادنا ان نعرف ماهي الكتابات التي نستخلص منها احداث القيامة

 

والان لنعود مرة أخرى إلى النقد التاريخي نحن الان لدينا مجموع من الوثائق المختلفة التي ركزت على القيامة تعود إلى فترات مختلفة ولكنها جميعاً ترجع إلى القرن الأول ولكن قبل الشروع في تداولها يجب علينا اولاً معرفة كيفية التعامل معها وسوف اقتبس من المؤرخ الفرنسي Charles Seignobos الاتي:

 

فإنه لأجل الاستدلال من وثيقة مكتوبة على الواقعة التي كانت سببها البعيد، أى لأجل معرفة العلاقة التي تربط بين هذه الوثيقة وتلك الواقعة، ينبغي إعادة تركيب كل سلسلة العلل الوسطى التي أنتجت الوثيقة. ولا بد من تمثل كل سلسلة الأفعال التي قام بها مؤلف الوثيقة ابتداء من الواقعة التي شاهدها، حتى المخطوط (أو المطبوع) الذى أمام أعيننا الآن. فهذه السلسلة علينا أن نستعيد تكوينها في اتجاه عكسي بأن نبدأ بفحص المخطوطة (أو المطبوعة) ابتغاء الوصول إلى الواقعة القديمة. وتلك هي غاية التحليل النقدية وكيفية سيره[6]

 

يبدا المؤرخ بدراسة المخطوطات والمصادر المتاحة له التي نقلت نسخ عن نسخ من النص الأصلي وهذا في الحقيقة ليس موضوع في الوقت الحالي ولكن موضوع الأساسي هو الوثيقة الأولى التي كتبها المؤلف بخط يده التي نسخ عنها فيما بعد ونحن لدينا كتابات كما ذكرنا مسبقاً وكما ذكرنا أيضا تواريخ هذه الكتابات ولكن يفضل دائماً ان يأخذ الكتابات الأكثر قرابة من الاحداث وهذه نقطة مهمة فحين نحدث عن انجيل يوحنا الذي كتب بعد 65 سنة من الاحداث لا نستطيع ان نقارنه مثلا مع رسائل مثل رسائل بولس او انجيل مرقس التي كتبت بعد حوالي 20 او 30 سنة من الاحداث ولها سبب بسيط وهو لعبة الهاتف يذكر لنا ايرمان:

 

 

[لم يكن] كل هؤلاء الرواة في وقت مبكر لديهم معرفة مستقلة بما حدث [ليسوع]. لا يتطلب الأمر سوى القليل من الخيال لإدراك ما حدث للقصص. ربما تكون على دراية بلعبة “الهاتف” القديمة الخاصة بحفلات أعياد الميلاد. مجموعة من الأطفال يجلسون في دائرة، الأول يروي قصة قصيرة لمن يجلس بجانبه، والذي يرويها للتالي، ثم للتالي، وهكذا حتى تعود دائرة كاملة للشخص الذي بدأها. دائمًا ما تتغير القصة كثيرًا أثناء عملية إعادة سردها، مما يجعل الجميع يضحكون كثيرًا. تخيل أن هذا النشاط نفسه يحدث، ليس في غرفة معيشة منعزلة مع عشرة أطفال بعد ظهر أحد الأيام، ولكن على مساحة الإمبراطورية الرومانية (حوالي 2500 ميل)، مع آلاف المشاركين[7]

 

وهذا امر طبيعي لان طبيعة ذاكرة الانسان ليست صور فوتوغرافية على العكس من ذلك ذاكرة الانسان يمكن التلاعب بها:

 

فقد وجد علماء النفس أن تذكرنا للأحداث اليومية قد لا يكون موثوقًا به كما نعتقد. علاوة على ذلك، حتى بعد حفظ المعلومات في الذاكرة، يمكن تغييرها. يمكن التلاعب بذكرنا للذكريات ويمكن حتى الخلط بين مجموعات كاملة من الأحداث [8]

 

ويمكن أيضا زراعة ذاكرة لم تحدث ويظن العقل انها حدثت:

 

سنة 2002 امرأة تدعى Kimberly wade حاولت ان تقوم بعملية زرعة ذاكرة ذهبت لمنزل أحد العائلات وطلبت منهم صورة للأطفال وكان الشرط ان لا يكون هؤلاء الاطفال قد ركبوا المنطاد في حياتهم ابدا وبعد ان اخدت الصورة قامت بالتعديل عليها وجعلت هؤلاء الاطفال يركبون المنطاد وبعد ان كبر هؤلاء الاطفال اخذوا الصورة ونظروا لها وتفعلوا معها بالعكس بال قاموا بتأليف احداث لم تحدث اصلا فقط بعد ان شاهدوا الصورة مع انهم لم يركبوا المنطاد في حياتهم ابدا [9]

 

إذا فإذا أردنا البحث الدقيق لا نستطيع ان نأخذ كتاباً كتب بعد 65 سنة من وقت الحدث لأنه من الطبيعي وحتى ان كان الكاتب شاهد عيان ان يسطر الحدث كما حدث فعلاً بال على العكس سيكون هناك الكثير من المدخلات غير الصحيحة في كلامه لذلك سوف نستبعد انجيل يوحنا من القائمة وهذا الشيء لا يعني بالضرورة ان الانجيل غير دقيق

 

کتب رینولد پرایس (Reynold (Price) وهو أستاذ الأدب الإنكليزي البارز في جامعة ديوك لسنوات عديدة، والروائي الشهير أيضًا – كتابًا أسماه “ثلاثة أناجيل“ (Three Gospels)، وقد فسَّرَ فيه إنجيلي مرقس ويوحنا وحللهما، ثم كتب صياغته هو لحياة يسوع. ويتحدث پرايس بوصفه خبيرا في الأدب قائلا إنَّه لم يكن إنجيل يوحنا عملًا من نتاج الخيال، ولكنه عمل مكتوب من شاهد عيان صافي الذهن وثاقب الفكر، عاين أعمال يسوع وفكره [10]

 

ولكن سوف نركز على ما دونه بولس ومرقس لأنهم الأقرب زمنياً للحدث ونعم يا عزيزي 20 سنة ليست زمناً بعيداً ان احتك هؤلاء المؤلفين مع أقرباء يسوع سيكون لدنيا وثيقة هامة نقلت الكثير من الحقائق عنه فالذين كانوا في عمر يسوع ونقول انهم من اقربائه او أصدقائه أصبح عمرهم 50 عام ولكن مازالوا يتذكرونه ويتذكرون كيف مات وأيضا لماذا مات وكيف كانت طبيعة حياته وهذه شيء طبيعي يحدث حتى في وقتنا الحاضر لان هذه الذاكرة ممزوجة بالعاطفة والذاكرة الممزوجة بالعواطف تبقى فالعواطف تؤثر على الاحتفاظ بالذاكرة او استرجاعها [11]

 

فكما يقول James Dunn:

تعتبر معمودية يسوع وصلبه من أكثر الحقائق المؤكدة تاريخياً عن يسوع [12]

 

 ويذكر لنا GRANT ALLEN:

ومهما قيل عن أصل المسيحية، فمن المتفق عليه إلى حد ما على الأقل من كلا الجانبين، سواء من قبل الأصدقاء أو الأعداء، أن هذا الدين العظيم نشأ حول شخصية معلم جليلي معين، اسمه يسوع، فيما يتعلق الذي، إذا كنا نعرف أي شيء على الإطلاق بأي قدر من اليقين، فإننا نعرف على الأقل أنه كان رجلاً من الشعب، معلقًا على الصليب في القدس تحت ولاية كايوس البطني بيلاطس. إن نواة الحقيقة تلك، الإنسان، وموته يسوع المسيح وصلبه، هي النواة التاريخية التي لا شك فيها [13]

 

وبما انه ثابت فعلاً ان يسوع قد صلب فمن الطبيعي ان تحفر هذه الذاكرة في عقول كل من يعرفه او راه معلقاً ولهذا لان طبيعة الصلب كانت تتم على القمم العالية حتى يراه الكل فيذكر لنا عالم الكتاب المقدس Craig A. Evans:

 

كان من المعتاد أن تضع السلطات الرومانية الصلبان على الطرق التي يستخدمها المسافرون كثيرًا، على قمم التلال، وعلى أبواب المدن. كان الشخص المدان يحمل خشبة صليبه patibulum (انظر: Plautus، Carbonaria 2; Miles gloriasus 2.4.6-78359-360; Plutarch، Mor. 554A-B حاملاً في بعض الأحيان لافتة titulus حول عنقه مسجل عليها اسمه وعقابه، ليتم تثبيتها لاحقا على الصليب حينما يُرفع راجع: Suetonius، Caligula 32.2 Dio 54.3.6-7 Cassius) [14]

 

إذا بعد كل هذا من الطبيعي ان يتذكر المعاصرين ليسوع هذا المشاهد الصعب وبالطبع سوف يطبع هذا المشهد وأيضا الكثير من جوانب شخصية يسوع في عقل اقربائه إلى نهاية حياتهم لذلك سوف نطرح السؤال الهام هل حقاً نقل بولس ومرقس الشهادة من عائلة يسوع او من تلاميذه وأصدقائه؟ نبدأ أولا بدراسة قدمها ‏David A. deSilva عالم في العهد الجديد واللغة اليونانية في كتابه مقدمة للعهد الجديد الجزء الثاني ولكن قبلها يجب ان نعرف كيف كانت تتم كتابة الادبيات في هذه الفترة أي الطريقة اليونانية لكتابة الادب يذكر لنا الناقد حنا عبود:

 

في العالم أسلوبان: الأسلوب اليوناني والأسلوب الروماني. الأول أسلوب هادئ رزين واقعي يبتعد عن التطرف والمغالاة، ويراعي السمو الإنساني ويسعى الى ترويض وحوش الغرائز الحيوانية في أعماق الإنسان. والثاني نقيض الأول تماماً [15]

 

ولكن هل بولس حقاً اتبع الأسلوب اليوناني الرزين في الكتابة؟ يذكر لنا DeSilva عن الحياة التي كان يعيش فيها بولس الاتي:

 

كانت التَّربِيَةُ الثَّقَافِيَّةُ فِي كُلِّ هذه المجالات ستَكُونُ مُتَوَفِّرَةً لِبُولُس في أُورشليم، التي كانَت مَدينَةً عالَمِيَّةً مُرتَبِطَةً بالعالم اليوناني الرُّوماني، ولم تكُن مُنفَصِلَةً عَنْهُ إِنَّ هَلِيَئَةَ فلسطين حَقَّقَت تَقَدُّمًا هائلاً خلال الحقبتين اليونانية والهلينيَّة، وأُعطيت اهتمامًا مُتَجَدِّدًا خلالَ حَقَبَةِ السَّيطرةِ الرُّومانِيَّة في وضع مدرسة غمالائيل، المُشابِه رُبَّما لما كُنَّا سَتَجِدُهُ في مَدرَسَةِ يَشُوع بن سيراخ قبل ذَلِكَ بِقَرنَين، لا بُدَّ أَنَّ بُولُس تعلم ليس فقط عن التَّوراة وقواعد تطبيقها، بل وعن فَنَّ المُجادَلَةِ وعن تقليدِ الحِكمَةِ التي تَضَمَّنَتْ الحكمة اليونانية [16]

 

فمن دراسة البيئة المحيطة ببولس نستطيع القول انه كان اخذ تعليم يوناني وبالطبعة سوف يأخذ منه أسلوب الكتابة وهذا ما قال به أيضا Martin Hengel عن تَلَقَّي بولس لثقافَةِ يَهُودِيَّةٍ باللُّغَةِ اليُونانِيَّة، مع وُجُوبِ الأخذ بعين الاعتبار أهميَّة الوجهين، وذلِكَ فِي مُوْلَفِهِ [17]

 

ويقدم لنا بولس بنفسه اعتراف عن مصدره فيقول (“فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ،” (1 كو 15: 3) ومن تفسير كمبردج:

فإني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا] إن التشابه الوثيق بين هذا المقطع وقانون إيمان الرسل يُظهر أن هذا الملخص لعقائد إيماننا هو في الواقع ما يُعلن عنه، وهو ملخص قصير للتعليم الرسولي. يقدم إيريناوس، وهو كاتب من القرن الثاني، ومراقب دقيق للتقليد الرسولي، ملخصًا مشابهًا جدًا في أطروحته ضد الهرطقات، الكتاب الثالث. ج. 4.

يلفت ستانلي الانتباه إلى حقيقة أن هذا التأكيد الجريء على حقيقة القيامة، ربما هو الأقدم لدينا (انظر أعلاه الفصل 1 كو 11: 23) تمت كتابته بالكاد بعد خمسة وعشرين عامًا من الحدث الذي لم يذكره القديس بولس هنا. الذي تلقى منه عقيدته، ولكن لا بد أنه قد حصل على بعض التعليم الأولي في المبادئ الأولى للإيمان المسيحي من مخالطته مع التلاميذ (أع 9: 19) [18]

 

ويقول أيضا DeSilva: لهذا، يُظهِرُ بُولُس معرِفَةً عَميقَةً واحترامًا واستخداما لتقاليد يسوع التي كانت قد أصبَحَت معرُوفَةً في تلك الفترة عبر مَرقُس وعبر تقليد Q المادَّة المُشْتَرَكَة بينَ متَّى ولوقا)، وصار ينظُرُ إلى هذه التَّقاليد بأنَّها ذات سُلطَةٍ وتكوين لمُجتَمَعاتِ أتباع المسيح في دائِرَتِهِ [19]

 

ويذكر لنا أيضا اندرو ملر مؤرخ الكنيسة المبكرة: ولكننا نعود إلى أورشليم حيث قضى الرسول خمسة عشر يوما مع بطرس ويعقوب يباحث اليونانيين، ثم أن الأخوة انحدروا به إلى قيصرية وأرسلوه إلى طرسوس، وأما الكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة فكان لها سلام، وكانت تبنى وتسير في خوف الرب، وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر (اع ۹: ۳۰،۳۱) [20]

 

وهذا أيضا قال به ايرمان: من الواضح في كل من سفر الأعمال ورسائل بولس أن بولس كانت له علاقات مع أولئك الذين كانوا رسلًا قبله، وعلى رأسهم تلاميذ يسوع السابقين (بطرس، يوحنا، إلخ.) ويعقوب شقيق يسوع [21]

 

ولكن ما هو الدليل على صحة كل هذا من الممكن ان يكون كل ذلك تم اختراعه لإعطاء شرعية لبولس وما دونه؟ هذه وجهة نظر ولكن على ما اظن ليست لها فائدة لأنه بكل بساطة من يريد ان يقول ان بينه وبين هذا الشخص علاقة وثيقة ويريد من الناس ان تصدق كلامه ان يذكر خلاف دار بينهم مثلا ونعم عزيزي أعني بكلامي الخلاف الذي دار بين بولس والتلاميذ ولكن قبل الذهاب له اريد ان ابرهن على هذه الجزئية من خلال التحليل النفسي وأعني بكلامي هنا هو انكار حدوث الخلاف لتثبيت شرعية لكلامك يذكر لنا المؤلف Dave Lakhani:

 

يحدث انتقال السلطة كل يوم في عشرات المواقف؛ فأنت ترشّح حلاقك لجارك، فيبدأ هو في التعامل مع هذا الحلاق، وكذلك عندما تريد الذهاب إلى أفضل طبيب في المدينة، فيكون لديك صديق ينصحك بطبيب جيد كذلك عندما تريد الحصول على أفضل وظيفة، يكون لديك أفضل معارف يمكن الرجوع إليهم للسؤال عنك. في كلٌّ من الأمثلة السابقة حدث انتقال فعّال للسلطة، بعضها أكثر صراحةً من الآخر، لكن في كل منها ساعَدَ شخص ما غيره قائلًا بفاعلية: «أنت تستطيع الثقة في هذا الإنسان لأنني أقول لك هذا وأنت تثق بي.»[22]

 

فهذه هي الفكرة من أراد ان ينقل لنفسه شرعية من احد لا يذكر مشاكل بينهم ولكنه سوف يسترسل كثيراً جداً في مدى علاقتهم القوية التي يغلب عليها المحبة والود ولكن على العكس فقد ذكر مشكلة بولس مع التلاميذ الذي من المفترض ان يأخذ منهم الشرعية فيقول لنا الاب هنري هولستاين اليسوعي:

 

حين انفجر النزاع علانية، كانت العلاقات بين كنيسة أورشليم وبولس متوترة، وكانت على أهبة الاحتدام في أي لحظة. في الحقيقة، كان ارتياب مسيحي أورشليم حيال بولس يعود إلى زمن اهتدائه: إذ إن معرفتهم للعداوة التي كان الرابي الشاب شاول يكنها لهم كانت أكبر من أن لا يترددوا في التسليم بصدق اهتدائه [23]

 

وهذا أكبر دليل على ان بولس بالفعل ذهب إلى اتباع يسوع من تلاميذه او اقاربه واحتك به واختلف معهم وذكر الاختلاف معهم هو أكبر دليل على صدق التعامل معهم وبتالي عرف بولس معلومات عن يسوع من المقربين من يسوع شخصياً

 

نترك بولس ونذهب مباشرة إلى المرجع الثاني وهو انجيل مرقس ونطرح السؤال لماذا نثق في هذا الانجيل بعد 30 عام من يسوع قام شخص ذكرت عنه المصادر القديمة انه لم يرى يسوع أصلا ولم يعرفه [24]

 

سوف نعتمد على ما قدمه لنا الناقد الكاثوليكي ريموند بروان كبداية لهذا البحث يذكر في البداية ريموند بروان هذه الشخصية التي اسمها مرقس ويقول عنها الاتي:

 

وبغض النظر عن القيمة التاريخية لتقليد بابياس، دعونا نسأل عن مرقس الذي يتحدث عنه. لم يكن الاسم مرقس نادرًا (على سبيل المثال، مارك أنتوني)، وهذا يساعد على تعقيد إشارات العهد الجديد إلى شخص يحمل هذا الاسم. يقدم سفر الأعمال معلومات عن رجل يدعوه ثلاث مرات “يوحنا ولقبه مرقس” ولكن مرة واحدة فقط (15: 39) ببساطة “مرقس”، والذي يربطه ببطرس [25]

 

ولكن أيضا هذا لا يكفي وليس من الضرورة ان يكون هو مرقس الكاتب او ممكن ان يكون شخصية انتحلت شخصية مرقس ما الدليل على ان الكاتب هو فعلاً رفيق بطرس؟

 

يكمل ريموند بروان ويقول:

يشير بابياس إلى أن مرقس لم يكن شاهد عيان، وأنه اعتمد على الوعظ، وأنه فرض أمره الخاص على ما كتبه – كل ما يمكن أن يطابق الدليل الداخلي للإنجيل عن المبشر. ومع ذلك فإن العلاقة الوثيقة والمباشرة التي طرحها بابياس بين الإنجيلي وبطرس (شاهد عيان) هي علاقة صعبة؛ لأن بعض روايات أقوال وأفعال يسوع في مرقس تبدو ثانوية مقارنة بالروايات الواردة في Q أو الأناجيل الأخرى. مرة أخرى، إذا أراد المرء أن يمنح مصداقية محدودة على الأقل لبابياس، فيمكن للمرء أن يعتبر “بطرس” شخصية نموذجية تم تحديدها مع التقليد الرسولي في القدس ومع الوعظ الذي يجمع بين تعاليم يسوع وأفعاله وعواطفه [26]

 

ويطرح لنا جون درين هذه النقاط الاتية:

وعلى هذا دارت مجادلات، فالبعض اقترح أن المحتوى ما زال من شاهد عيان خصوصا في بعض الأجزاء مثل دعوة بطرس (١٤:١ – (۲۰) شفاء حماة بطرس (۱: ٢٩- ٣٤). بعض التلميحات للتلاميذ، وخاصة بطرس. لم تكن في صالحهم، كما أن التلاميذ يتم تصويرهم عادة في صورة عدم المعرفة وعدم القدرة على فهم ما كان يسوع يحاول أن يعلمهم لذا فليس من السهل أن يرسم مرقس صورة كهذه للتلاميذ إن لم يكن بطرس نفسه مصدر المعلومات. [27]

 

ولكن يحسم DeSilva هذه النقطة ويقول:

ينفرُ العَديدُ مِنَ الدَّارسين بشكل مُبَرَّر من تأكيد تفسير بابياس لأصل إنجيل مرقس بسُرعَةِ، وَلَكِن يَستَحيلُ القَولُ قطعًا أَنَّ عَزْوَهُ مَعْلُوط على أية حال، ما تُخبرنا بهِ الشَّهَادَةُ هُوَ أَنَّ الكنيسة الأولى منَحَت ختم مُوافَقَتِها من دون تَحَفْظِ لهذا النَّص الذي رُغمَ أنَّهُ لم يُكتب كشهادَةِ عِيان إِلَّا أَنَّهُ وفَرَ تَمثيلاً مَوثُوقًا ودقيقًا لتقليد يسوع كما تمت صياغته وتمريره إلينا عبر الوعظ الرَّسُولي. هذا التَّناغُمُ مَعَ الشَّهَادَةِ الرَّسُولِيَّة، كما أشار Lane بحَقِّ، هو “السؤال المركزي” في النِّقَاشَاتِ الدَّائِرَة حولَ هُويَّةِ الكاتب [28]

 

ولكن ان اتبعنا منهج الشك الديكارتي فأول شيء سوف نشك به هو هذه الاقتباسات المتضاربة بمعنى هناك العدد من الآراء التي تنفي او تؤكد ان انجيل مرقس منقول عن شاهد عيان وهو بطرس ولكن هناك طريقة وحيدة تحسم حقاُ هذا الجدال الا وهي النصوص المذكورة نفسها فشاهد العيان سوف يذكر احداث ونقاط معينة يستحيل ان يعرفها احد غيره وهذا أيضا ما عول عليه جون درين لذلك علينا البحث في ثنايا نصوص الانجيل حتى نعطي بالأدلة التي كشفها الانجيل بنفسه الرد الحاسم

 

يذكر لنا D. A. Carson بعد دراسة في نص انجيل مرقس الاتي:

هل القليل الذي نعرفه عن يوحنا مرقس من العهد الجديد يمثل أي صعوبة في تحديد هويته ككاتب الإنجيل الثاني؟ يعتقد بعض العلماء ذلك، مشيرين إلى جهل مرقس المزعوم بالعادات اليهودية والأخطاء المتعلقة بالجغرافيا الفلسطينية. لكن أيًا من الصعوبتين لا تصمد أمام التدقيق؛ إن التفسير الدقيق والمتعاطف لمقاطع المشكلة المزعومة لا يكشف عن أي أخطاء في مثل هذه الأمور. في المقابل، هناك سمتان من سمات مرقس ومسيرته كما وردتا في العهد الجديد تناسبان كاتب الإنجيل الثاني. إن الأسلوب اليوناني لإنجيل مرقس بسيط ومليء بالساميات التي يتوقعها المرء من مسيحي نشأ في أورشليم. وقد تساعد علاقة مرقس ببولس في تفسير ما وجده العديد من العلماء أنه تأثير لاهوتي بولسي في الإنجيل الثاني. كلتا الميزتين عامتان جدًا بحيث لا تقدمان أي دليل إيجابي لتحديد الهوية. لكن النقطة المهمة هي أنه لا يوجد شيء في الإنجيل الثاني يقف في طريق قبول التقليد الأقدم الذي يحدد يوحنا مرقس كمؤلف له [29]

 

اذن بعد الذي قدم من خلال دراسة نص انجيل مرقس لا ينفي ان الكاتب نقل من شاهد عيان ولا ينفي ان يكون كاتب الانجيل هو مرقس كما ذكر التقليد القديم عنه

 

إذا نختم هذا الفصل بقول ايرمان عرف بولس عن يسوع خلال عام واحد فقط، أو على الأكثر من خلال عامين من وفاته. يحافظ بولس أيضًا على التقاليد التي تنبع من الفترة المبكرة من حياته المسيحية، مباشرة بعد تحوله حوالي 32-33 م. يدعي بولس أنه زار أقرب تلاميذ يسوع، بطرس، ومع أخيه يعقوب بعد ثلاث سنوات من تحوله، أي حوالي 35-36 م. ولذلك فإن الكثير مما قاله بولس عن يسوع ينبع من نفس الطبقة المبكرة من التقليد التي يمكننا تتبعها، بشكل مستقل تمامًا، في الأناجيل. [30]والاستنتاج النهائي انه بالفعل يحمل بولس ومرقس ايمان الكنيسة من المنبع نفسه من المسيحيين الأوائل أنفسهم اتباع يسوع من تلاميذه وأصدقائه واقاربه الخ..

 

 

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

 

الفصل الثاني حقيقة ايمان اتباع يسوع بالقيامة (دراسة للخلفية التاريخية للمسيحيين الأوائل)

 

بعد ان وصلنا انه نقل لنا ايمان اتباع يسوع هل نستطيع ان نثق في هذا الايمان اصلاً؟ بمعنى ما المانع انه يكون هذا الحدث مختلق؟ شيء تم اختراعه من اتباع يسوع لهدف ما مثلاً؟ لماذا يجب علينا مباشرة ان نفترض انها القيامة؟ وهذه الأسئلة يجب ان تسأل قبل الشروع في البحث عن حقيقة ايمان تلاميذ بالقيامة فنحن لا نعيش معهم الان ولكن نستطيع ان نفهم تفكريهم من خلال دراسة ثقافتهم والبيئة المحيطة بهم فيذكر لنا الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو:

 

إذا كان من الصحيح أن سجية النفس وأهواء القلب تختلفان إلى الغاية في مختلف الأقاليم؛ فإن على القوانين أن تكون تابعة لاختلاف هذه الأهواء واختلاف هذه السجايا [31]

 

ويذكر لنا الفيلسوف الألماني فيورباخ:

الشعور بالتبعية عند الإنسان هو مصدر الدين ولكن موضوع هذه التبعية، أي التي يكون ويشعر الإنسان بتبعيته لها هي في الأصل ليست إلا الطبيعة، فالطبيعة هي الموضوع الأصلي الأول للدين، كما يبرهن على ذلك تاريخ كل الديانات والامم بدرجة كافية [32]

 

إذا فتلعب الطبيعة والبيئة المحيطة بالإنسان دور هام في تكوين معتقداته الأخلاقية والدينية ويمكننا نطبق هذا الامر على اتباع يسوع الأوائل ولكن السؤال الهام هنا هل حقاً علم اتباع يسوع بما يسمى القيامة بشكل عام أي هل هناك في عقيدتهم او بيئتهم الذين ولدوا فيها وتأثروا بها هذه الفكرة القيامة والخلود والحياة الأخرى؟

 

ننظر أولا إلى البيئة اليهودية التي كان يعيشها بها هؤلاء البشر ونسأل هل كان هناك اعتقاد أصلا ظهر مع هذا المعتقد يقول بالقيامة والحياة الأخرى؟

 

يذكر لنا الفيلسوف الفرنسي فولتير: فموسى يكرر لمرات عدة:

إن الرب يعاقب الآباء في أبنائهم إلى رابع الله عن أجيالهم». وقد كان هذا التهديد ضرورياً بالنسبة إلى شعب لم يكشف له خلود النفس، ولا عن العذابات والمكافآت في الآخرة. فهذه الحقائق لم يأت لها ذكر في «الوصايا العشر»، ولا في شرائع «سفر اللاويين» أو «سفر التثنية». فتلك عقائد كانت سائدة عند الفرس والبابليين، والمصريين والإغريق، وأهل جزيرة كريت، ولكنها لم تكن تؤلف البتة جزءاً من عقائد الدين اليهودي فموسى لا يقول: «أكرم أباك وأمك، إن أردت أن تصعد إلى السماء»، وإنما «أكرم أباك وأمك كي تعيش طويلاً على الأرض». وهو لا يهدد اليهود إلا بالآلام الجسدية [33]

 

إذا لم يكن في اصل الدين اليهودي نفسه أي شيء له علاقة بالحياة الأخرى او الخلود ولكن على العكس كان الموضوع ارضي فقط بمعنى الثواب والعقاب في الأرض وليس في حياة أخرى او عالم اخر ولذلك نجد ان اليهود كان عندهم خلاف في حقيقة هل هناك حياة أخرى ام لا

 

يذكر لنا دكتور الفلسفة وحاخام كنيس برمنجهام أ. كوهن:

لقد كانت القيامة واحدةً من المواضيع الهامة للخلاف بين الفريسيين والصدوقيين. يقول الصدوقيون إن الروح تنطفئ أثناء موت الجسد، وهذا الموت يعتبرونه نهاية الكائن البشري، فهم لا يعترفون بالعالم الآخر، ويرفضون عقيدة الثواب والجزاء والقصاص التي يمنحها الفريسيون أهمية عالية جداً، يدافعون عنها بحماسة شديدة فقد جعلوا منها موضوع الصلاة الثامنة عشرة التي تُردد كل يوم [34]

 

ويذكر أيضا:

يبدو أن هناك سبباً من أجله كان الصدقيون يرفضون هذه العقيدة، يأتي من أنه وبحسبهم لم يذكر في الكتب الخمسة التي تشكل جزءاً من التورا الشفهية التي كانوا لا يقبلون إلا بسلطتها [35]

 

وحتى ان نظرنا للردود الحاخامية المدافعة عن وجود عقيدة القيامة في التوراة لوجدناه عبارة عن مغالطات ليس أكثر فمثلاً يذكر لنا الكاتب في نفس الكتاب:

باسم الحاخام شمعون بن حزقيال: عندما يتعلق القرار الشرعي العائد لسلطة دينية متوفاة فهو يذكر في هذا العالم شفاه أولئك النائمين أخيراً يذكر لهم هذا النص: ولكي تطول أيامكم على الأرض التي أقسم الرب لآبائكم أن يعطيها لهم ولنسلهم أرضاً تدر لبناً وعسلا تثنية الاشتراع (11،9) ولم يقل «يعطيها لكم» بل «لهم» إذن العقيدة المتعلقة بالقيامة يمكن استنتاجها من التورا يؤكد آخرون أنه يمكن استنتاجها من هذا النص أيضاً [وأما انتم المستعصمين بالرب إلهكم فكلكم أحياء اليوم (تثنية الإشتراع (4،4) وبصريح العبارة: انتم جميعاً أحياء في هذا اليوم، إذن حتى اليوم حيث الشعوب ميتة، ستعيشون، وبما أنكم كلكم أحياء في ذلك اليوم، فإنكم ستعيشون في العالم الآتي. مكتوب [انظروا الآن. إنني أنا هو ولا إله معي أميت وأحيي وأجرح وأشفي وليس من يُنقذ من يدي] (تثنية الاشتراع 32، 39) [36]

 

وحين نحلل هذا الرد لا يعطينا بالضرورة أي تأكيد على ثبوت عقيدة القيامة في التوراة على العكس من ذلك نجد ان الرد هو مغالطة قياس باطل بمعنى هو هنا اتى بنصوص لا تتحدث عن القيامة بشكل واضح وصريخ ويمكن تفسيرها بصور أخرى ولكن قاسها على القيامة واستنتج في النهاية انها تتحدث عن القيامة والان لننظر إلى النصوص ونرى هل هي فعلاً لها علاقة بالقيامة ام لا ولكن في البداية قبل التفسير يجب علينا معرفة كيف نفسر النصوص الكتابية

 

يذكر لنا W. Randolph Tate :

وحتى إذا كان الله هو مؤلف القصص والشعر المقدس، لكنه استخدم الشطر والنثر الخاصين بالثقافتين العبرية والهلنستية. لذلك، حتى إذا كان الكتاب المقدس جزء من الإعلان الإلهي والانكشاف الذاتي له للبشرية، لكنه إعلان معبّر عنه بلغة بشرية. من ناحية وظف كتاب النصوص الكتابية محدودية الحديث المكتوب ليقولوا شيئًا عن الله غير المحدود [37]

 

إذا يجب علينا ان نعود لنفس الثقافة التي كان يكتب فيها الكاتب حتى نعلم ماذا يريد ان يقول لنا لنرجع لسياق النص ونفهم الحدث كاملاً

 

فَاحْفَظُوا كُلَّ الْوَصَايَا الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ لِكَيْ تَتَشَدَّدُوا وَتَدْخُلُوا وَتَمْتَلِكُوا الأَرْضَ الَّتِي أَنْتُمْ عَابِرُونَ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكُوهَا،” (تث 11: 8) “وَلِكَيْ تُطِيلُوا الأَيَّامَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لآبَائِكُمْ أَنْ يُعْطِيَهَا لَهُمْ وَلِنَسْلِهِمْ، أَرْضٌ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا.” (تث 11: 9). “لأَنَّ الأَرْضَ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا لَيْسَتْ مِثْلَ أَرْضِ مِصْرَ الَّتِي خَرَجْتَ مِنْهَا، حَيْثُ كُنْتَ تَزْرَعُ زَرْعَكَ وَتَسْقِيهِ بِرِجْلِكَ كَبُسْتَانِ بُقُول.” (تث 11: 10) “بَلْ الأَرْضُ الَّتِي أَنْتُمْ عَابِرُونَ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكُوهَا، هِيَ أَرْضُ جِبَال وَبِقَاعٍ. مِنْ مَطَرِ السَّمَاءِ تَشْرَبُ مَاءً.” (تث 11: 11)

 

فمن خلال قرأه السياق نجده لا يتحدث عن عالم اخر ولكنه يتحدث عن مكان هنا على الأرض فيقول في البداية يجيب ان تحفظ الوصايا (فَاحْفَظُوا كُلَّ الْوَصَايَا الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا) حتى يعيشوا مدة أطول على الأرض التي سوف يأخذنها هنا على هذا الكوكب وليس في عالم اخر (وَلِكَيْ تُطِيلُوا الأَيَّامَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لآبَائِكُمْ أَنْ يُعْطِيَهَا لَهُمْ وَلِنَسْلِهِمْ، أَرْضٌ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا) وهم بالفعل كانوا على وشك الدخول لها (أَنْتُمْ عَابِرُونَ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكُوهَا) فمن خلال دراسة سياق النص نجده لا يتحدث ابداً عن ارض خارج هذا العالم على العكس هي ارض هم بالفعل ذاهبون لها وسوف يدخلونها

 

يذكر جون جيل اقتباساً من ترجوم يوناثان:

ولكي تطيلوا الأيام في الأرض…. لا تدخلوها وتمتلكوها فقط، بل أطيلوا فيها، وذلك حسب طاعتهم لشرائع الله التي أقسم الرب لآبائكم. ليعطيهم ونسلهم. لقد وعدوا بقسم، ليتأكدوا من التمتع بها، مع أنهم لا يستطيعون الاستمرار فيها ما لم يطيعوا الأوامر الإلهية: أرض تفيض لبنا وعسلا؛ تزخر بكل الخيرات، وثمرها سمينة كاللبن وحلوة كالعسل [38]

 

وحين نكمل في باقي الاصحاح ناجد انه بالفعل لا يتحدث عن عالم اخر ولكن عن هذه الأرض فيقول الكاتب:

 

“أَرْضٌ يَعْتَنِي بِهَا الرَّبُّ إِلهُكَ. عَيْنَا الرَّبِّ إِلهِكَ عَلَيْهَا دَائِمًا مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ إِلَى آخِرِهَا.” (تث 11: 12). “«فَإذا سَمِعْتُمْ لِوَصَايَايَ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ لِتُحِبُّوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ وَتَعْبُدُوهُ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ،” (تث 11: 13) أُعْطِي مَطَرَ أَرْضِكُمْ فِي حِينِهِ: الْمُبَكِّرَ وَالْمُتَأَخِّرَ. فَتَجْمَعُ حِنْطَتَكَ وَخَمْرَكَ وَزَيْتَكَ.” (تث 11: 14) “وَأُعْطِي لِبَهَائِمِكَ عُشْبًا فِي حَقْلِكَ فَتَأْكُلُ أَنْتَ وَتَشْبَعُ.” (تث 11: 15)

 

فمن الواضح جداً ان النص يتحدث رضا الاله لكي يعيطهم امطار وخير وغيرها من الأمور في الأرض التي هنا على الكوكب وليس له أي علاقة بأي ارض في عالم اخر وهذا ما نجده حتى في الحضارات القديمة

 

تحتاج الآلهة في الفكر السومري إلى جميع ما یحتاج إليه البشر من طعام وشراب؛ فنرى الإنسان یُقدِّم لها القرابين المختلفة من أغنامٍ وأبقارٍ لكسب الرضا، من هنا نجد العلاقة الوثيقة بین الإنسان والآلهة والتي تجسَّدَت بشكلٍ واضح من خلال الميثولوجيا السومرية والأكدیة والمخلفات الفنية عن طريق الخصائص المماثلة للإنسان [39]

 

فطبيعة الالهة في الشرق القديم كنت قد تكلمت فيها مسبقاً في بحث (ملخص عن طبيعة الله في الشرق الأدنى القديم) فنجد ان يهوه هنا مثله مثل أي اله اخر في الشرق القديم في وصفه وطبيعته وحتى الأرض نفسها هي ارض على هذا الكوكب وليست ارض في عالم اخر ونستطيع اتباع هذا المنوال لنقد استدلال الحاخام بالتوراة لأثبات انه بها أي تلميح لوجود حياة أخرى

 

ويذكر لنا أيضا أ. كوهن:

إلى جانب الصدوقيين هناك مذهب السامريين الذي يرفض نفس العقيدة. هؤلاء يحاربهم النص التالي: كان الحاخام أليعازر بن جوزي يقول: هي ذي الكيفية التي أثبت بها بطلان كتاب السامريين. التي تؤكد أن التورا تتكلم عن القيامة. كنت أقول لهم: لقد زوّرتم تصحيحكم للتورا، غير أن هذا لم يسد إليكم أي خدمة تدعم نفيكم للقول على أنها غير موجودة في التورا [40]

 

فبين كل هذه الخلافات التي كانت بين الصدوقيين والفرسيين والسامريين حول وجود هذه العقيدة في التوراة بين الجانب الرافض لوجودها مثل الصدوقيين والسامريين او القائلين بها من الفريسيين ولكن ما مدى تأثير هذا على المجتمع اليهودي الأول

 

وحتى كان مفهوم الدينونة الأخيرة حسب ما ورد في مكتبة قمران ليس دينونة نهاية العالم ولكن دينونة تطهير العالم من الشر فيذكر لنا هارتموت شتيغيمان:

بعد ذلك، وفق الأسانيون بين العدد ۳۹۰ في حزقيال ٤ ٥، والأسابيع السنوية السبعين، أي ٤٩٠ سنة، في دانيال ٩، وحدّدوا الموعد النهائي للدينونة الأخيرة المستقبلية في السنة ۷۰ ق.م. بفضل الأنبياء عرفوا أخيرا، لماذا لم يبدأ الله الدينونة الأخيرة العام ۱۷۰ ق.م. ولم يمح كل ما هو شرير من هذا العالم [41]

 

بجانب الثقافة اليهودية كانت هناك الثقافات الأخرى المحيطة باليهود منها الثقافة الهلنستية التي سيطرة على هذه المنقطة وعلى تفكير هذا الشعب الذي ولد بها فيذكر لنا مايكل باركر:

وبعد أن اجتاح الإسكندر الأكبر العالم القديم، أصبحت إسرائيل تحت حكم المحتلين اليونانيين في مصر. (البطالمة). ثم أصبحت تحت حكم المحتلين اليونانيين في سوريا (السلوقيين). وعندما حاول السوريون فرض الأفكار الدينية الوثنية على إسرائيل، رَدَّ الشعب بعصيان المكابيين الشهير (١٦٨-١٤٢ ق. م). وقد استولوا على أورشليم وطهروا الهيكل في عام ١٦٤ ق.م، ويحيي اليهود ذكرى هذا اليوم في العيد المقدس المعروف باسم الحانوكا (عيد التجديد) [42]

 

وهنا نقف قليلاً عند هذه الجزئية (وعندما حاول السوريون فرض الأفكار الدينية الوثنية على إسرائيل، رَدَّ الشعب بعصيان المكابيين الشهير) يذكر لنا فراس السواح الاتي:

 

كان التيار الإصلاحي بقيادة النخبة المتعلمة في أورشليم، راغباً في تحويل النظام السياسي الديني المتخلف إلى نظام حديث يتفق وروح العصر. ورغم أن الدوافع وراء هذا التوجه كانت اقتصادية واجتماعية بالدرجة الأولى، إلا أن بعض الإصلاحيين كان يتوق إلى أبعد من ذلك، وكانت النوايا تتجه إلى إصلاح الدين اليهودي والمزاوجة بين اليهودية واليهلينية فلقد رأوا أن التوحيد اليهودي ينطوي على أفكار شمولية عالمية، ولكن التفسير الحرفي الأصولي قد كبتها من خلال فهمه الضيق لفكرة الإله الواحد الذي يختص بشعب واحد من دون بقية الشعوب. كما رأوا أن هذه الأفكار الشمولية المكبوتة تتفق مع فكرة الثقافة العالمية الواحدة التي آمن بها الاسكندر وعمل على تطبيقها. [43]

 

ويذكر أيضا: لم تصلنا أفكار هؤلاء الإصلاحيين عبر نصوص مباشرة بل عبر كتابات نقادهم اللاحقين الذين اتهموهم بالهرطقة ومحاولة تقويض أصول الدين [44]

 

ويقول أيضا بخصوص عصيان المكابيين:

بعد عامين من حرب العصابات ضد السلوقيين ومناصريهم في الداخل، استطاع الأخوة الخمسة بقيادة يهوذا الملقب بالمكابي طرد الحامية السلوقية خارج منطقة أورشليم عام ١٦٤ ق.م، وطهروا المعبد من كل رموز الإصلاح الديني [45]

 

إذا فنستطيع ان نلقي نظرة ان التأثر بالثقافة الهيلينية لم يكن بين عامة ً الشعب ولكن كان بين الفئة المثقفة فقط وحتى هذه الفئة تمت محاربتها وتطهيرها وتطهير الإصلاح الدين الذي اعتمد على الثقافة الهيلينية ورجع الحاخامات يعلمون بما توارثه مسبقاً ونجد C. D. ELLEDGE بروفسور الدين يقول:

 

أولئك الذين أنكروا الحياة الآخرة كان لديهم تركيبتهم الهائلة من التقاليد السابقة، والتي ظلت حية إلى حد كبير في العصور الهلنستية الرومانية [46]

 

لذلك لا يمكنا القول بالتأكيد ان الشعب اليهود قد كان متأثراً بالقيامة او الحياة الأخرى لأنه مثل أي شعب متدين يتبع الكهنة ورجال الدين التي كانت عندهم تقاليدهم التي تنفي وجود حياة وتحارب التأثير اليوناني عليهم ولكن كان لدى هذا الشعب امل واحد مهم هو المسيا المنتظر وهذا الامل كان يسيطر عليهم بكل ما تعنيه الكلمة لذلك يجب ان نعود 2000 سنة إلى الخلف لنعرف كيف فكر هؤلاء الناس في طبيعة المسيا وهل المسيا في مفهومهم قائم من الأموات ام لا

 

يذكر لنا Trevan G. Hatch هو متخصص في الأنثروبولوجيا والكتاب المقدس والشرق الأدنى القديم والشرق الأوسط والدراسات الدينية: وفي القرن الثاني قبل الميلاد، بدأت التوقعات بشأن الملك المنقذ تتوسع. وتشمل الأسباب الرئيسية ما يلي. أولاً، اشتد القمع من جانب السادة اليونانيين، وبلغ ذروته بتدنيس المعبد (164 قبل الميلاد).

ثانيًا، عندما انتزع مقاتلو حرب العصابات اليهود يهودا والهيكل بعيدًا عن اليونانيين، سيطرت الأسرة الحشمونائية اليهودية (142-63 قبل الميلاد) على العرش؛ لكن المشكلة بالنسبة للعديد من اليهود هي أن الحشمونيين لم يكونوا من نسل داود. وبالتالي، فإن الملك الداودي المنتظر لن يأتي من سلالة الحشمونائيم. ثالثًا، تم اغتصاب الكهنوت الأعظم وإفساده من قبل الأرستقراطيين الأثرياء من غير آرون (أي أولئك الذين لم ينحدروا من هارون). شهد الشعب اليهودي هجمات على دينهم وعبادة معبدهم من جميع الجهات، بما في ذلك من الغرب [47]

 

ويذكر أيضا:

تدهورت معنويات الأمة اليهودية الشابة المستقلة، وازدادت التوقعات المسيانية عندما اجتاح الرومان، بمساعدة بعض اليهود، وأطاحوا بسلالة الحشمونائيم في عام 63 قبل الميلاد. قامت روما في نهاية المطاف بتعيين حاكم غير شرعي (أي نصف يهودي) في المنطقة. هيرودس، بموافقة روما، حكم بقبضة من حديد. وفقًا ليوسيفوس، أعدم هيرودس العديد من الأشخاص الذين اشتبه في معارضتهم له. وكان من بينهم صهره (رئيس الكهنة)، وحماته، وزوجته الثانية، وثلاثة من أبنائه، وثلاثمائة من القادة العسكريين. ولم يهرب الفساد والعنف من الشعب، حتى بعد هيرودس. مات. وفي مناسبات عديدة، احتجت الحشود على الظلم الذي تعرضت له.

جلب بيلاطس البطني، الحاكم الروماني للمنطقة (حوالي 26-36 م)، إلى القدس (وربما إلى مجمع المعبد) “تماثيل قيصر” بموافقة الطبقة الكهنوتية. وعندما اكتشفت الجماهير التماثيل النصفية، طالب “جموع” بيلاطس بإزالتها. وفي مناسبة أخرى، سمح الكهنة لبيلاطس باستخدام الأموال من خزانة الهيكل لدفع ثمن قناة مائية إلى أورشليم. وعندما اندلعت الاحتجاجات، أرسل بيلاطس جنودًا لتفريق الحشود بالتهديد بقتلهم. وفي مواجهة هذا القمع والفساد، انتشرت حماسة مسيانية أكثر حدة. في هذين القرنين قبل خدمة يسوع، اختبر اليهود توقعًا واسع النطاق لظهور المسيح، الذي سيكون ملكًا من نسل داود ليحرر إسرائيل من خلال التخلص من نير العبودية الإمبراطورية. بحلول الوقت الذي بدأ فيه يسوع خدمته، وفي العقود التي تلت انتهاء خدمته، كانت التوقعات المسيحانية عالية [48]

 

إذا فالمسيا لم يكن سوى ملك محارب في هذه الفترة بمعنى ان الشعب اليهودي كان ينظر إلى المسيا في هذه الفترة إلى انه ملك محارب فموضوع قيامة المسيا من الأموات او انه سوف يموت لم يسيطر على عقول الشعب اليهودي لذلك يظهر لنا الانجيل ان التلاميذ لم يكونوا يفهموا اقوال يسوع بخصوص موته وقيامته لان هذا الشئ كان بعيد عن تفكيرهم في المسيا المنتظر لذلك لا يمكننا القول باختراع اتباع يسوع الأوائل قصة القيامة

 

 

 

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

 

 

الفصل الثالث: المسيح والالهة الأخرى

 

كما وضحنا في الفصل السابق انه من غير الممكن اختلاق قصة القيامة لأنها كانت بعيدة كل البعد عن الخلفية التاريخية للمسيحيين الأوائل ولكن ما المانع من سرقتها من الأديان الأخرى مثلا؟ بمعنى انظر معي لهذا القول من الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز:

 

فبما أن كل الأديان القائمة مؤسسة أوّلاً على إيمان مجموعة بشخص واحد لا يعتقدون أنه إنسان حكيم فحسب، وأنه يعمل لتأمين سعادتهم، بل كذلك أنه إنسان مقدّس عهد الله إليه إعلان مشيئته بصورة فائقة للطبيعة [49]

 

وبالنظرة إلى حياة يسوع التاريخي الذي كان يشفق على الفقراء ويريد تحرير اليهود من خطاياهم حتى لا تأتيهم الدينونة كما ذكر الاب البرت نولان الدومينيكاني:

 

ربّما يسوع قد بدأ بالسير على نهج يوحنا المعمدان بتعميد الشعب في نهر الأردن (يو: ٢٢ – ٢٦. إذا كان الأمر كذلك، فإنّه سرعان ما تخلّى عن تلك الممارسة (يو ١:٤ – فلا دليل أيا كان يشير إلى أنه بعد أن غادر الأردن والبرية، قام بتعميد أي شخص، أو أرسل أي شخص لكي يعمده يوحنّا، أو أي أحد آخر. نظر إليه كثيرون اعتباره خليفة يوحنا المعمدان، ولكن سواء أكان خليفته أم لم يكن، فإنّ يسوع لم يعمد حدا. فعوضا عن ذلك خرج ليطلب، ويساعد ويخدم خراف إسرائيل الضالة.

هنا نحن أمام قرار ثانٍ وإشارة ثانية لا يمكن الجدال بشأنها تشير إلى فكر يسوع نواياه. فهو لم يشعر أنه دعي الخلاص إسرائيل بأن يأتي بكل واحد منهم إلى معمودية لتوبة في نهر الأردن بل رأى أنّ هناك شيئًا آخر لا بد منه، شيئًا له علاقة بالفقراء، الخطأة والمرضى؛ خراف بيت إسرائيل الضالة. إن الشعب الذي أولاه يسوع اهتمامه أشير إليه في الأناجيل بتعبيرات متنوعة: لفقراء، العمي، العرج، البرّص الجوعى، البؤساء، الخطأة، الزناة، العشارين، والذين بهم مس شيطاني، المضطهدين المظلومين، المسبيين، ثقيلي الأحمال، الغوغاء الذين لا يعرفون شيئًا عن القانون، الصغار، خراف بيت إسرائيل الضالة [50]

 

فلا مانع بعد ذلك ان تلاميذه أرادوا ان يكملوا مسيرته فاخترعوا قصة القيامة هذه وكان معهم بولس الذي في الأصل كان فريسي (أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ (سفر أعمال الرسل 23: 6) وذكرنا مسبقاً ان الفريسيين كانوا يؤمنون بقيامة الأموات وموضوع قيامة المسيح كان قد ساعد بولس في نشر تعاليمه عن قيامة الأموات (لِأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذَلِكَ ٱلرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ ٱللهُ أَيْضًا مَعَهُ (تَسَالُونِيكِي ٱلأُولَى ٤:‏١٤) فأخذوا قصة قيامة الاله يسوع من الأديان الأخرى وهذا تفسير واضح وعقلي عن الحدث

 

ولكن عزيزي هذه الفكرة بعيدة كل البعد لأنه اولاً ليس لدينا دليل على صحتها بل هي تفسير فقط للحدث وهناك على الجانب الاخر دليل ضدها وهي الحالة النفسية لاتباع يسوع الأوائل وهو الخوف من مواجهة نفس مصير يسوع فلا يمكن لهم ان يخترعونها من الأساس بمعنى لم يكن تلاميذ يسوع فعلاً قادرين على اختراع هكذا قصة خوفاً من الموت وكذلك بولس لم يكن ليدمج هذا بذاك لأنه في الأصل كان مضطهد لاتباع يسوع من البداية (“وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ. وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ.” (أع 7: 58). “فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي».” (أع 7: 59).

“وَكَانَ شَاوُلُ رَاضِيًا بِقَتْلِهِ (أع 8: 1) فإذا أراد بولس ان يخترع هذه القصة لكان معهم منذ البداية ولم يكن بحاجة للهجوم عليهم بل كان منذ ان قالوا بالقيامة لكان ذهب معهم فيعترف بولس بنفسه انه كان يضطهد الكنيسة (“فَإِنَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِسِيرَتِي قَبْلًا فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ، أَنِّي كُنْتُ أَضْطَهِدُ كَنِيسَةَ اللهِ بِإِفْرَاطٍ وَأُتْلِفُهَا.” (غل 1: 13) ومن ثم تحول إلى شخص اخر مباشرة بالإيمان ومؤمن بالقيامة ولم يكن بولس بحاجة لشخص مصلوب مثل يسوع حتى يقوم بتأكيد تعاليمه ويذكر إيرمان الاتي:

 

إنها حقيقة تاريخية أن بعض أتباع يسوع اعتقدوا أنه قام من بين الأموات بعد وقت قصير من إعدامه. نحن نعرف بعض هؤلاء المؤمنين بالاسم؛ أحدهم، الرسول بولس، يدعي بوضوح تام أنه رأى يسوع حياً بعد موته [51] فهذا إذا دليل على ان بولس لم يلفق شيء

 

والنقطة الأهم في كل هذا عزيزي القارئ هو انه لا يوجد شيء اسمه الهة قائمة من الأموات وهذا هو موضوع البحث في هذا الفصل هل حقاً هناك ما يسمى الهة قائمة من الأموات؟

 

في الحقيقة يا عزيزي القارئ لا يمكن لتلاميذ يسوع ان يسرقوا هذه الفكرة من الحضارات الاخرى لانها لم تكن موجودة أصلا لان الله في الحضارات القديمة لم تكن تموت فيذكر لنا جاك شورون:

 

هوميروس يجعل ظل أخيل يعبر عن وجهة النظر السائدة: «أناشدك، يا أوديسيوس الشهير ألا تتحدث برفق عن الموت، فلن تعيش على الأرض عبدا لأخر… خير من أن تحكم كملك لا ينازعه السلطان أحد في مملكة الأشباح اللاجسدية» أن الموت هو الشر الأعظم، تقول سافو.. sapho: « أن الآلهة تعده كذلك وإلا لكانت قد ماتت» [52]

 

فالإنسان خلق الله على صورة الانسان ومثاله بمعنى ان الانسان اعطى لله صفات الكمال التي كانت يريدها وهناك نقطة هامة يذكرها فيورباخ:

 

في كتب زندافستا يعبر عن الشمس والقمر بوضوح على أنهما خالدين بسبب استمرارهم وقال Inca البيروني [من بيرو] الى راهب من الدومنيكان: «إنك تعبد الها مات على الصليب ولكني أعبد الشمس التي أبداً لا تموت» [53]

 

وهنا يجب ان نتوقف لنتسأل إذا كان موت الاله شيء طبيعي في الوثنية لما كان حدث هذا النقد على إله المسيحية بمعنى ان كنت انا أؤمن بشيء واعرف شخصاً يوم بنفس الشيء فكيف اذهب له وأقول هذا وهذاك ولكن على العكس هنا هو يقول له انظر انت تعبد كذا الذي مات وانا اعبد كذا الذي هو لا يموت وهذه نقطة هامة لا يجب ان تمر هكذا مرور الكرام! واحد اهم الاكتشافات الاثرية التي تؤكد حقيقة حدوث السخرية هو نقش Alexamenos graffito

عادةً ما يُنظر إلى النقش على أنه تصوير ساخر للمسيحي أثناء العبادة. في ذلك الوقت، كان الوثنيون يسخرون من المسيحيين لأنهم يعبدون رجلاً مصلوباً [54]

 

ولكن أيضا يا عزيزي نجد ان يوستينوس المدافع المسيحي من القرن الثاني يعترف بالأمر ويقول:

 

وعندما نقول إن المسيح شفى العرج والمشلولين والعميان منذ ولادتهم وأقام الموتى، ألا تنسبون مثل هذه الأعمال إلى أسكلبيوس؟ [55]

 

ومن هنا نستطيع ان نقول ان القصة انتهت بالفعل اعتراف واضح من احد مدافعين الكنيسة في القرن الثاني قال بوضوح هناك تشابه بين يسوع واله الطب عند اليونانيين أسقليبيوس إذا نحن قفلنا هذا الملف بهذا الاعتراف الصريح، ولكن عزيزي هذه سطحية ليس اكثر فمن الحضارات القديمة وفي العهد القديم نجد ان الاله تقوم بالمعجزات هذه ليس المشكلة هنا ولكن النقطة الأهم هي إقامة الموتى فالحقيقة يقول يوستينوس في الاقتباس (وأقام الموتى) هذه الجملة لا يمكن الاخذ بها قبل القول المسيحي بالقيامة لأنه بكل بساطة في الفلسفة او الميثولوجيا اليونانية ليس هناك ما يسمى بقيامة الأموات مرة أخرى وهذا نجده في الالياذة [56] الكتاب المقدس عند اليونانيين

 

ان هذه التحفة هي جنازة باتروكلوس من القرن الرابع قبل الميلاد وتذكر الالياذة الاتي:

ادفِنِّي بأسرعِ ما يمكن حتى يَتسنَّى لي عبور بوابات هاديس؛ فالأرواح psychai، أشباح الرجال الموتى الذين عبَروا، تدفعني وتُبقيني بعيدًا ولن تسمح لي بأن أنضم إليها فيما وراء النهر، ولكني أَهِيم بلا هدفٍ عبْر بيت هاديس ذي البوابات الهائلة [57]

 

ويذكر لنا واحد من اعظم العلماء الكلاسيكيين Erwin. Rohde:

إن طبيعة هذا الثنائي الغامض للبشرية، التي تنفصل عن الإنسان عند الموت وترحل بعد ذلك، يمكن أن تتحقق على أفضل وجه إذا أوضحنا لأنفسنا أولاً ما هي الصفات التي لا تمتلكها. إن نفسية المعتقد الهوميري، كما كان من المفترض، لا تمثل ما اعتدنا أن نطلق عليه «الروح» في مقابل «الجسد». إن كل قوى “الروح” الإنسانية بالمعنى الأوسع – والتي يمتلك الشاعر مفردات كبيرة ومتنوعة بشأنها – هي في الواقع نشطة وممكنة فقط طالما أن الإنسان لا يزال على قيد الحياة: عندما يأتي الموت، لا تعود الشخصية الكاملة مكتملة. في وجود. الجسد، أي الجثة، يصبح الآن مجرد “أرض لا معنى لها” ويتساقط إلى أشلاء، بينما تبقى النفس دون أن تمس [58]

 

ويذكر ايضاً جاك شورون:

ينظر إلى النفس على أنها ذات أصل سماوي وأنها تقطن الجسم كما لو كانت سجينة، وبوسعها الهرب عند الموت واستعادة ألوهيتها. وكما يشير کورنفورد، فليس ثمة هوة هنا بين الإلهي والإنساني على نحو ما نجد في اللاهوت الهومري والخلود بهذا المعنى يتميز على نحـو حـاد عـن الدوام المحض» [59]

 

وعن الجانب الفلسفي كانت الفلسفة الرواقية هي المنتشرة في هذه الفترة حتى ان بولس كما هو مشهور عنه تعلم منهم الفلسفة فتبالي يجب ان ينظر إلى الفلسفة الرواقية كيف كانت ترى قيامة الموتى او الخلود في عالم اخر وكان من الفلاسفة المشهورين في هذا العصر واعني بكلامي عصر التلاميذ هو الفيلسوف الرواقي سينيكا فيقول عنه الفيلسوف المصري عثمان امين:

 

فلسنا ندرى مثلا إذا كان سنكا يرى أن الله شخص مستقل عن الكون – كما هو الحال عند أرسطو – أم أن الله والكون أمر واحد، كما رأى أهل الرواق الأولون. ولسنا نعرف على التحقيق إذا كان العالم عنده يحكمه «القدَر» المحتوم أو تسهر عليه عناية مديرة، ولا إذا كانت الروح – كما يرى أفلاطون – من فيض الله وإلى الله تعود، أم هي كما يقول الرواقيون تفنى بفناء الجسد والحقيقة أن سنكا لا يرى لهذه الأمور أهمية عظيمة. ذلك أنه كغيره من فلاسفة الرواق فى رومه لا يتمثل العلم الحقيقي إلا ما كان متجها إلى الأخلاق من أجل هذا نراه يعد الميتافيزيقا منفصلة عن الأخلاق جدلا باطلا، ومضيعة للعمر فيما لا يستحق أن يلتفت إليه [60]

إذا لا يمكننا القول انه قبل انتشار المسيحية وانتشار معها قيامة المسيح ان هناك مفهوم عن القيامة الجسدية كما هو موضح في ترنيمة فيلبي [61] كان هناك نفس المفهوم في الثقافات القديمة بخصوص موضوع الالهة التي كانت تموت وتقوم في الاساطير القديمة

 

فيقول عالم الاشوريات Gerfrid G. W. Müller: أن العصور القديمة غير المسيحية لم تعرف أبدًا شيئًا مشابهًا للفصح المسيحي [62]

 

ومن هنا نأتي لدراسة قدمها المؤرخ السويدي Tryggve N.D. Mettinger في كتابه لغز القيامة “الآلهة المحتضرة والقائمه” في الشرق الأدنى القديم فيقول:

 

كبار العلماء في مجالات مقارنة الأديان والكتاب المقدس يجدون أن فكرة موت الآلهة وقيامتها مشبوهة أو لا يمكن الدفاع عنها [63]

 

ولكنه يقول أيضا بخصوص موت أدونيس:

يبدو من الصعب القول بأن موضوع موت أدونيس وقيامته كان نتيجة لمصادرة فكرة مسيحية. فقط إذا كان التاريخ ما قبل المسيحي لفكرة قيامة أدونيس غير محتمل بشكل مباشر، سيكون من الممكن الجدال لصالح مثل هذا التفسير. لكن هذا ليس هو الحال بالتأكيد [64]

 

حسناً إذا؟ ما الصواب هنا فهناك تناقضات في هذه القصص التي لها علاقة بموت الالهة وقيامتها في الحضارات القديمة فمن يقول انه لم يحدث ذلك ومن يقول انها حدثت نحن نريد دليل قاطع على هذا الفعل حتى ننهي هذه القصة، يقدم المؤرخ نفس التساؤل ويقول:

 

والسؤال المطروح أمامنا، حول ما إذا كان هناك في الشرق الأدنى القديم فكرة ثابتة عن الثلاثية، يجب أن يكون في النهاية ومن الحكمة أن نعترف باحتمالية حدوث ذلك، ولكن هذا لا يزال بعيدًا عن كونه حقيقة [65]

 

يقصد هنا بالثلاثية هو الموت والقيامة بعد ثلاث أيام كما في قصة المسيح ولكنه يقول ان هذا الموضوع لا يزال بعيداً عن كونه حقيقة بل هو احتمالية أي ليس الموضوع مؤكد وهذا بالطبع نتج عن دراسة للمصادر المتضاربة في القصص واختلاف الاقوال فنحن اذن لا يمكننا القول بصريح العبارة على تأكيد موت وقيامة الالهة في الحضارات القديمة وهذا الشيء قدم فيه المؤرخ وعالم العهد الجديد N. T. Wright دراسة في كتابه (قيامة ابن الله)

 

فيقول:

كان الطريق إلى العالم السفلي يسير في اتجاه واحد فقط. في جميع أنحاء العالم القديم، بدءًا من “الكتاب المقدس” لهوميروس وأفلاطون [66]

 

ويقول أيضا:

كان الشعور بالموت بمثابة خسارة فادحة لكل من المحتضر والثكلى، وكان من النادر حقًا أن يتغلب هؤلاء (سقراط، وربما سينيكا) على مثل هذه المشاعر. ما هو الحل؟ إذا تم النظر إلى التجسيد أو إعادة التجسيد على أنه مشكلة، فإن الحل النهائي سيكون الهروب منها تمامًا. ولكن إذا كان الموت، أي انفصال الروح عن الجسد، هو المشكلة – كما كان الحال من قبل الغالبية العظمى من الناس، كما تشهد بذلك نقوش المقابر والطقوس الجنائزية في جميع أنحاء العالم القديم – فلا يوجد حل.

كان الموت قويا. لا يمكن للمرء الهروب منه في المقام الأول ولا كسر قوته بمجرد مجيئه. وهكذا انقسم العالم القديم إلى أولئك الذين قالوا إن القيامة لا يمكن أن تحدث، على الرغم من أنهم ربما أرادوا ذلك، وأولئك الذين قالوا إنهم لا يريدون أن يحدث ذلك، مع العلم أنه لا يمكن أن يحدث على أي حال [67]

 

ولكن نحن لدينا أقدم شهادة بعيداً عن كل هذه التناقضات في قصص موت الالهة وهي قصة ايزيس واوزوريس هي قصة قبل المسيحية بقرون عديدة وهي مذكورة في نصوص الأهرام هذه النقوش القديمة وثقت الحدث فلا داعي إذا للخلاف والجدال بشأن القصة يبدوا ان المسيحيين اقتبسوا قيامة المسيح منها! ولكن يا عزيزي القصة لا تتحدث ابدا عن اله مات وقام وهذا ما تذكره لنا الموسوعة البريطانية

 

منذ حوالي عام 2000 قبل الميلاد فصاعدًا، كان يُعتقد أن كل رجل، وليس فقط الملوك المتوفين، أصبح مرتبطًا بأوزوريس عند وفاته. ومع ذلك، فإن هذا التماهي مع أوزوريس لا يعني القيامة، فحتى أوزوريس لم يقم من بين الأموات [68]

 

على العموم نحن ليس لدينا دليل قاطع يؤكد حقيقة قيامة الالهة من الموت كما حدث في قصة يسوع حتى لو كان هناك قيل هنا وهناك فهذا ليس دليلاً قاطعاً على العكس من ذلك نجد ان الموت كان شراً والالهة لا تموت وحتى الحياة الأخرى كانت ليست حياة جسدية بل روحية لان المادة كانت تعد شراً وحتى ان قلنا بوجود هذه الأفكار هذا لا يعني بالضرورة انها سرقت لتوضع على يسوع فكما قلنا في الفصل السابق عن طبيعة الحياة الثقافة والاجتماعية التي عاش فيها تلاميذ يسوع هي بعيدة كل البعد عن اختلاق قصة موت وقيامة المسيا المنتظر وفي النهاية اريد ان اختم هذا الفصل بقول الفيلسوف الألماني فيورباخ:

 

وهكذا فقد أزالت المسيحية «الروحانية» الصبغة الروحية عما كان روحانياً بالنسبة للمسيحيين فإن خلود العقل، النفس، كان تجريدياً وسلبياً إلى درجة كبيرة؛ فلم يكن لهم في قلوبهم غير الخلود الشخصي، وهو بحد ذاته كان سيرضي مشاعرهم، وضمان هذا يكمن في قيامة جسدية فحسب. قيامة الجسد هي أكبر انتصار للمسيحية على روحانية وموضوعية القدامى الساميتين، لكنهما حتماً تجريديتان. لهذا السبب لم يكن ممكناً قط استيعاب فكرة القيامة من قبل العقل الوثني [69]

 

 

الفصل الرابع: هلاوس تلاميذ يسوع والقيامة الروحية

 

حسناً لم يخترع تلاميذ يسوع قيامته ولكنهم قالوا بشيء هم رأه بأنفسهم وهو يسوع نفسه فقول بولس (“وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ.” (1 كو 15: 5). “وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا.” (1 كو 15: 6).

حقاً قد راه ولكنها كانت مجرد هلاوس وهذا له تفسير علمي وهي Grief hallucinations او هلاوس الحزن ويظن المصاب بها انه يرى الميت كانه مازال معه [70] فهي حدثت لاتباع يسوع وظنوا انه قام ولكن القيامة هنا ليست جسدية بل روحية لانهم تأثروا بمفهوم القيامة الروحية التي كانت عند الفريسيين والحضارات الأخرى وظنوا انه تمجد كاله في السماء (“لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ” (في 2: 9) وَأَمَّا رَأْسُ الْكَلاَمِ فَهُوَ: أَنَّ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هذَا، قَدْ جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ فِي السَّمَاوَاتِ” (عب 8: 1) وبهذا لم يكذب تلاميذه ولم يختلقوا شيء بل ما حدث ان القصة تطورت فيما بعد كما حدث مع غيرها من القصص في العالم القديم بمعنى

 

يسوع صلب مات شاهد تلاميذه مجموعة من الهلاوس ظنوا انه قام بمفهوم القيامة الروحية بشروا به تطورت الفكرة إلى ان وصلت للقيامة الجسدية

 

وهكذا أصبح لدينا تفسير عقلاني عن الحدث وقريب من ثقافة التلاميذ ونستطيع ان نستدل عليه علمياُ ويفسر سبب ايمان التلاميذ الشديد والتضحية بأنفسهم من اجل يسوع ومن هنا نستطيع القول انتهت القصة، ولكن لا لم نقل انتهت القصة لأننا كما ذكرنا في الفصل الأول ان بولس ومرقس نقلوا ايمان التلاميذ وعائلته مباشرة منهم وفي هذه الكتابات لم تكن قيامة المسيح روحية ابدا

 

وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ.” (مر 16: 1)”وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ.” (مر 16: 2) وَكُنَّ يَقُلْنَ فِيمَا بَيْنَهُنَّ: «مَنْ يُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ عَنْ بَابِ الْقَبْرِ؟»” (مر 16: 3)”فَتَطَلَّعْنَ وَرَأَيْنَ أَنَّ الْحَجَرَ قَدْ دُحْرِجَ! لأَنَّهُ كَانَ عَظِيمًا جِدًّا.” (مر 16: 4)”وَلَمَّا دَخَلْنَ الْقَبْرَ رَأَيْنَ شَابًّا جَالِسًا عَنِ الْيَمِينِ لاَبِسًا حُلَّةً بَيْضَاءَ، فَانْدَهَشْنَ.” (مر 16: 5) فَقَالَ لَهُنَّ: «لاَ تَنْدَهِشْنَ! أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ الْمَصْلُوبَ. قَدْ قَامَ! لَيْسَ هُوَ ههُنَا. هُوَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعُوهُ فِيهِ.” (مر 16: 6) لكِنِ اذْهَبْنَ وَقُلْنَ لِتَلاَمِيذِهِ وَلِبُطْرُسَ: إِنَّهُ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ كَمَا قَالَ لَكُمْ».” (مر 16: 7)

 

وهذه نقطة تاريخية وهي نقطة قبر المسيح الفارغ هل كان فعلاً قبر المسيح فارغاُ كما ذكر في انجيل مرقس ام لا؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب علينا ان نطرح سؤال اخر وهو هل دفن المسيح أصلا؟

 

في البداية حسب نصوص الكتاب المقدس اليهودي (العهد القديم) انه يجب ان يتم دفن المتوفي

(تث 21: 23 23) فَلاَ تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ. فَلاَ تُنَجِّسْ أَرْضَكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا. “وَكَانَتْ حَيَاةُ سَارَةَ مِئَةً وَسَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، سِنِي حَيَاةِ سَارَةَ. وَمَاتَتْ سَارَةُ فِي قَرْيَةِ أَرْبَعَ، الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ، فِي أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَى إِبْرَاهِيمُ لِيَنْدُبَ سَارَةَ وَيَبْكِيَ عَلَيْهَا. وَقَامَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَمَامِ مَيِّتِهِ وَكَلَّمَ بَنِي حِثَّ قَائِلًا: «أَنَا غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ عِنْدَكُمْ. أَعْطُونِي مُلْكَ قَبْرٍ مَعَكُمْ لأَدْفِنَ مَيْتِي مِنْ أَمَامِي».” (تك 23: 1-4)

 

والنقطة الثانية يذكرها لنا عالم الكتاب المقدس Craig A. Evans الا وهي الدليل الاثري الذي يؤكد دفن المصلوب، فيقول:

 

يقدم الاكتشاف المهم في عام ١٩٦٨م لمعظمة (مَعظَمة رقم ٤ في مقبرة، Givat ha-Mivtar خاصة برجل يهودي يسمى ياهوحنان Yehohanan، والذي قد صُلب على الأغلب، دليلاً أثريا ورؤية للكيفية التي قد تم بها صلب يسوع. ترجع المعظمة ومحتوياتها إلى أواخر العشرينيات بعد الميلاد – أي خلال فترة حكم بيلاطس ذات الحاكم الروماني الذي حكم على يسوع بالموت صلبًا [71]

 

ان هذه القطعة هي جزء من جسد هذا الرجل الميت

ويذكر أيضا Craig A. Evans:

يمكن رؤية بقايا المسمار الحديد (طوله ١١،٥ سم) مغروسة في عظم الكعب الأيمن. يبدو أنَّ أولئك الذين أنزلوا ياهوحنان لم يقدروا على إزالة المسمار، مما أدى إلى أنَّ قطعة من الخشب (من شجرة زيتون) ظلت متصلة بالمسمار[72]

 

ويذكر أيضا الناقد ريموند بروان: من الممكن أن تكون بعض العوامل التاريخية قد أثرت على ذكرى المكان. أحد أقرباء يسوع، يعقوب “أخ الرب”. كان شخصية رئيسية في المجتمع المسيحي في القدس (غل 2: 9) بعد قيامة يسوع مباشرة (1 كور 15: 7: “ظهر ليعقوب”) حتى عام 62 م عندما تم إعدامه على يد رئيس الكهنة حنانوس الثاني. (Josephus، Ant. 20.9.1; 200) في تلك الفترة ربما كان لديه اهتمام عائلي بالقبر، وهو اهتمام يمكن أن يكون تقليدًا حيًا بين أقارب يسوع الذين من المفترض أنهم كانوا بارزين في فلسطين. المسيحية حتى القرن الثاني (Eusebius، EH 3.19-20) [73]

 

اذن نحن لدينا هنا ثلاث نقاط هامة (الدفن هو فرض على اليهودي، الاكتشافات الاثرية تؤيد حقيقة دفن المصلوبين وخاصة اليهود منهم، حقيقة اهتمام عائلة يسوع بقبره وكان تقليداً ليعقوب حتى سنة 62 م) فنستطيع ان نقول نعم يسوع دفن فلا يوجد دليل ينفي انه لم يدفن ولكن على العكس الأدلة تقف في صف الدفن اذن فلا يمكننا رفض عدم دفن يسوع ولكن نستطيع القول بحقيقة دفنه

 

والنقطة الثانية هي القول بحقيقة ان قبره كان فارغاً كما ذكر في (مر 16: 6) ماذا لدينا من معطيات نستطيع دراستها؟ يقدم لنا متى هذه المعطيات (فَاجْتَمَعُوا مَعَ الشُّيُوخِ، وَتَشَاوَرُوا، وَأَعْطَوُا الْعَسْكَرَ فِضَّةً كَثِيرَةً” (مت 28: 12) قَائِلِينَ: «قُولُوا إِنَّ تَلاَمِيذَهُ أَتَوْا لَيْلًا وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ.” (مت 28: 13) فَأَخَذُوا الْفِضَّةَ وَفَعَلُوا كَمَا عَلَّمُوهُمْ، فَشَاعَ هذَا الْقَوْلُ عِنْدَ الْيَهُودِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ.” (مت 28: 15)

 

إذا كان هناك ادعاء واضح وصريح ان التلاميذ سرقوا جسد يسوع ولكن أيضا الا يبدوا هذا الادعاء ينفي حقيقة قيامة المسيح من الأساس اعني لماذا لا نأخذ ادعاء اليهود على محمل الجد ونقول فعلاً ان تلاميذه سرقوا جسده؟

بكل بساطة يا عزيزي هذا الادعاء لا يصح بسبب عقوبة مذكورة في نقش الناصرة فيذكر لنا Joseph M. Holden وNorman Geisler: تم اكتشاف نقش في الناصرة عام 1878 يحظر سرقة المقابر، يعود تاريخه إلى زمن أغسطس قيصر وكلوديوس قيصر. وبما أن الناصرة كانت قرية صغيرة، فقد توقع العلماء أن المرسوم ربما صدر رداً على الشائعات التي نقلتها السلطات في إسرائيل بشأن سرقة قبر يسوع، ولكن ليس هناك يقين من أن النقش مرفق على الناصرة. قيامة يسوع المسيح [74]

 

وماذا بعد؟ المرجع نفسه يقول (ليس هناك يقين من أن النقش مرفق على الناصرة. قيامة يسوع المسيح) فلا يمكننا الاستدلال عليه أصلا من اجل اثبات حقيقة القيامة فيصبح النقش بلا فائدة والاستدلال به مجرد استخفاف بالعقول!!

 

ولكن من قال ان الاستشهاد بالنقش الهدف منه هو اثبات حقيقة القيامة؟ بالطبع من يستخدمه لأثبات حقيقة القيامة هو الذي يجعل مشاعره تقوده ولكن ليس الهدف منه هو التأكيد على القيامة ولكن التأكيد على الحكم المترتب على سرقة القبور وهذا أيضا ما وضحه الناقد ريموند بروان من فائدة هذا النقش فيقول:

 

لا يوجد دليل جدي على أن بيلاطس قدم أي تقرير من هذا القبيل، أو أن روما كانت مهتمة بالمشكلة، أو أن مثل هذا النقاش حدث مباشرة بعد قيامة يسوع. ومع ذلك، فإن النقش يملأ خلفية قصة حارس القبر. فمن ناحية، يُظهر أن انتهاك القبر كان خطيرًا للغاية وربما ارتكاب الجنود الرومانيين للانتهاكات عندما كان هناك سبب لتوقع سرقة جثة شخص كانت وفاته ذات سمعة سيئة. ومن ناحية أخرى، فإن المعرفة العامة بأن أولئك الذين يسرقون جسداً سوف يعاقبون بشدة من قبل الرومان قد تجعل القراء يدركون سخافة الادعاء اليهودي بأن التلاميذ الذين فروا عندما تم القبض على يسوع قد اكتسبوا الآن الشجاعة لسرقة جسد يسوع [75]

 

فإذا هناك ادعاء يهودي بسرقة الجسد وهذا يدل على ان قبر يسوع كان فارغاً وهناك على الجانب الاخر تأكيد على انه من المستحيل ان يسرق تلاميذ يسوع جسده خوفاً من الموت ولكن هل حقاً كان هناك ادعاء يهودي بسرقة الجسد؟ أي ما الدليل على ان موضوع القبر الفارغ كان مشهوراً في اليهودية بعد موت يسوع او على الأقل قبل كتابة متى لأنجليه؟

 

في مناظرة وليم لين كريج وعالم العهد الجديد الملحد ليدمان قام كريج بوضع سؤال واضح وهو لماذا لم يكشف اليهود لاتباع يسوع جسد يسوع؟

 

فيقول اللاهوتي Paul Copan واستاذ الفلسفة Ronald K.Tacelli الذين قاموا على جمع هذه المناظرة في كتاب:

هنا يبدو أن ليدمان قد ترك جناحه مكشوفًا عن غير قصد؛ لأنه إذا كان أعداء يسوع قد دفنوه فلا بد أنهم عرفوا مكان قبره. فقط لو كان تلاميذه قد دفنوه وأبقوا الموقع سرا عن أعدائه، لكان من الممكن أن لا يتمكن الأخير من الإشارة إلى قبر يحتوي على جثة يسوع. حسنا، ليس تماما “فقط”. مثل أعداء يسوع، يمكن لليندمان أن يقترح السرقة من قبل تلاميذ يسوع. ما يفعله ليندمان بدلاً من ذلك هو الإشارة إلى أن التلاميذ لم يبدأوا بالتبشير بقيامة يسوع إلا بعد وقت طويل من موته (بعد خمسين يومًا وفقًا لأعمال الرسل 1: 3 مع 2: 1، 24-28) بحيث “لن ترى” بقي الكثير [من الجسم).” لكنك سترى شيئًا ما، على الأقل الهيكل العظمي؛ وسترون أن القبر كان مشغولا، وليس فارغا. لذا فإن سؤال كريج يحتفظ بقوته: لماذا لم يتمكن أعداء يسوع من إخماد رسالة القيامة من خلال الكشف عن رفاته؟ [76]

 

ولكن هذا الاقتباس الاعزال لا يثبت قول اليهود بسرقة الجسد بأي شكل من الاشكال فهو اقتباس تم القول به على اثبات انه بالفعل اليهود قالوا ان التلاميذ سرقوا جسد يسوع فبدون التأكيد على هذا الحدث يصبح هذا الاقتباس بلا فائدة

 

ولكن الدليل واضح امامنا هو ما قدمه الانجيل نفسه فيذكر عالم اللاهوت الأمريكي Hagner، D. A:

 

كتب الإنجيلي (μέχρι τῆς σήμερον [ἡμέρας]، “إلى الحاضر [اليوم]”)، قصة أن تلاميذ يسوع سرقوا الجسد استمرت في انتشار على نطاق واسع بين الشعب اليهودي (بعد عدة عقود انعكس هذا في حوار يوستينوس (، Dial. 108.2). لا تشير هذه العبارة إلى تاريخ الإنجيل ولكنها متوافقة تمامًا مع تاريخ ما قبل سنة سبعين [77]

 

إذا كانت هذه القصة منشرة قبل سنة 70 ميلادياً وقد اثرت هذه القصة في اليهود حتى بعدها بقرن وقال بها أيضا تريفون في حواره مع يوستينوس في القرن الثاني:

 

وبالرغم من أن السيد المسيح أعلن لكم أنه سيعطيكم آية يونان طالبًا منكم أن تتوبوا عن خطاياكم على الأقل بعد قيامته من الأموات وأن تنوحوا أمام الله كما فعل أهل نينوى حتى لا تهلك أُمتكم ومدينتكم كما حدث ولكنكم لم ترفضوا التوبة بعد علمكم بقيامته من الأموات فحسب، بل أيضًا. كما قلتُ من قبل. اخترتم بعض الرجال وكلفتموهم ليطوفوا المسكونة جمعاء ويقولوا: “إن هرطقة كافرة ومخالفة للناموس أسسها رجل جليلي مُضِل يُدعى. يسوع وقد صلبناه ولكن سرق تلاميذه الجسد من القبر ليلا [78]

 

ونطرح أيضا السؤال الاتي ما الذي يجعل الإنجيلي يخترع هذه القصة أصلا؟ فموضوع اختراع هذه القصة ليس له أي أهمية بالعكس كان يستطيع ان يخترع شيء اخر أكثر اقناعاً بحقيقة القيامة كمثال ان رئيس الكهنة رأى القيامة وقتله او مثلا ان أحد مجمع السنهدرين رأى القيامة هناك الكثير من القصص التي نستطيع ان نضعها في هذا المكان لذلك نجد عالم العهد الجديد Robert Stein يقول:

 

“[حتى] لو أنها نشأت في وقت متأخر، لما كانت هناك حاجة لخلق مثل هذا الجدل. في مثل هذا التاريخ كان من الممكن أن يثير المرء أسئلة مثل “أي قبر فارغ؟ ومن أين يأتي هذا الادعاء الجديد بأن القبر الفارغ كان خاليا؟ لم نسمع قط أي شيء عن قبر فارغ». إن حقيقة أن الجدل اليهودي لم يعترض أبدًا على وجود القبر الفارغ يشير إلى أن هذا التقليد قديم جدًا. يفترض مثل هذا التنازل أن المسيحيين منذ البداية أعلنوا أن قبر يسوع كان فارغاً. وربما يشير أيضًا إلى أن زعماء اليهود وجدوه فارغًا [79]

ويضع ريموند براون هذه الجزئية الخطيرة فيقول لقد دفن يسوع في مكان معين. ولو كان هذا المكان معروفا، لكان من الممكن زيارته في وقت معين. إذا تمت زيارة القبر وكان يحتوي على جثة أو هيكل عظمي ليسوع، فمن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن نفهم كيف كان يمكن للتلاميذ أن يكرزوا بأن الله أقام يسوع من بين الأموات، لأنه سيكون هناك دليل دامغ على أنه لم يقم. ومن المؤكد بشكل معقول أن القبر لم يكن معروفًا، أو أنه كان فارغًا إذا كان معروفًا [80]

إذا اما قبر يسوع لم يكن معروفاً او كان معروفاً وفارغاً ولكن ما الاصح بينهم؟

 

يكمل بروان ويقول:

إن التقليد القائل بأن القبر كان معروفًا وكان فارغًا هو أقدم بكثير من روايات الإنجيل التي تم بناؤها حول اكتشاف القبر الفارغ. وهي تستحق الأفضلية على الفرضية غير المدعومة بشكل جيد بأن مكان دفن يسوع كان غير معروف [81]

 

وكما قلنا مسبقاً ان قبر يسوع كان معروفاً لدى اتباعه اقتباس عن ريموند بروان وبتالي سيكون معروفاً أيضا لأعداءه وهنا تظهر حجة وليم لين كريج مجدداً (لماذا لم يتمكن أعداء يسوع من إخماد رسالة القيامة من خلال الكشف عن رفاته؟) وموضوع سرقة جسد يسوع ليس له فائدة كما واضحنا مسبقاً ويقدم أيضا كريج شيء مهم في كلامه وهو الاجماع العلمي فيقول:

وجد غاري ها بيرماس (Gar Habermas) في، مسح لأكثر من ۲۲۰۰ منشورًا عن القيامة بالإنكليزية والفرنسية والألمانية منذ ١٩٧٥ أنَّ ٧٥٪ من العلماء يقبلون تاريخية اكتشاف قبر يسوع الفارغ. ” ويُعد الدليل قاطعًا حتى إن عددًا من العلماء اليهود، مثل فينحاس لا پيد وجيزا فيرمس (Geza Vermes)، صرَّحوا أنهم مقتنعون على أساس البرهان أن قبر يسوع وجد فارغا [82]

 

إذا يمكننا إعادة رسم المخطط على النحو التالي:

مات يسوع – دفن يسوع – قبره كان فارغاً – ظهر لتلاميذه – بشر تلاميذه بقيامته

 

 

 

[1] The Resurrection: Influence on the Church in the First Decades (crivoice.org)

[2] تاريخ الاحداث الكبرى – ص 106

[3] كتاب التاريخ والمؤرخون – حسين مؤنس – ص 51

[4] The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings by Bart D. Ehrman، P. 40

[5] Ibid، P. 41

[6] النقد التاريخي لـ أنجلو اوسينوبوس وبول ماس وامانويل كنت، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ص 45

[7] Bart Ehrman، The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings، 5th ed. (New York: Oxford University Press، 2012)، 72–74

[8] Coan، J.A. (1997). Lost in a Shopping Mall: An Experience with Controversial Research. Ethics & Behavior

[9] https://www.eurekalert.org/pub_releases/2016-12/uow-hop120716.php

[10] لقاءات شخصية مع يسوع – تيموثي كلر – ص 82

[11] The Influences of Emotion on Learning and Memory – PMC (nih.gov)

[12] Dunn، James D. G. (2003). Jesus Remembered، p. 339

[13] THE EVOLUTION OF THE IDEA OF GOD: AN INQUIRY INTO THE ORIGINS OF RELIGION BY GRANT ALLEN)، P. 3

[14] موت يسوع ودفنه وقيامته – ماذا حدث في الايام الاخيرة ليسوع؟ ص 56

[15] مكتبة عين الجامعة» اللغة العربية» الأسلوب الروماني في الأدب والفن والحياة – أديث هاملتون – ترجمة حنا عبود – ص 5

[16] مقدمة للعهد الجديد ج2 – القرائن المنهجيات وتكوين الخدمة – ديفيد أ ده سيلفا – ترجمة بيار فرنسيس – ص 17

[17] The Pre-Christian Paul [London: SCM Press، 1991]، p. 38

[18] Cambridge Bible commentary، 1 CO 15: 3

[19] [19] مقدمة للعهد الجديد ج2 – القرائن المنهجيات وتكوين الخدمة – ديفيد أ ده سيلفا – ترجمة بيار فرنسيس – ص 27

[20] مختصر تاريخ الكنيسة – ص 58

[21] Did Paul Get Along with the Other Apostles? – The Bart Ehrman Blog

[22] الاقناع – ديف لاكاني – ترجمة زينب عاطف – ص 52

[23] تاريخ الكنيسة المفصل – المجلد الأول – ترجمة صبحي حموي اليسوعي – ص 34

[24] كان مرقس ترجمان بطرس فكتب بدقة، لا بترتيب، كل ما تذكّره من أقوال الرب وأعماله. فهو لم يسمع الرب ولم يتبعه، بل كما قلت، تبع بطرس فيما بعد. قدَّم بطرس تعليماً حسب الحاجة ولم يؤلف أقوال الرب تأليفاً مرتباً. وهكذا لم يخطئ مرقس حين دوّن بعض هذا التعليم كما تذكَّره. لم يكن لديه إلا هَمّ واحد؛ أن لا يهمل شيئاً مما سمعه، أن لا يقول شيئاً كاذباً (بولس الفغالي – الأناجيل الإزائية، متى – مرقس – لوقا (1994) الفصل العاشر: مدخل إلى إنجيل مرقس)

[25] An Introduction to the New Testament: The Abridged Edition by Raymond E. Brown، P. 158

[26] Ibid، P. 160

[27] مدخل إلى العهد الجديد – ص 187، 188

[28] مقدمة للعهد الجديد ج1 – – ديفيد أ ده سيلفا – ص 265

[29] An Introduction to the New Testament by D. A. Carson and Douglas J. Moo) P، 175

[30] Bart D. Ehrman، Did Jesus Exist?: The Historical Argument for Jesus of Nazareth، (New York: HarperOne، 2012) 172، Kindle edition، ch. 4–5، “Evidence for Jesus Outside the Gospels” and “Two Key Data for the Historicity of Jesus

[31] روح الشرائع – الباب الرابع عشر – الفصل الأول

[32] اصل الدين – فيورباخ – ترجمة احمد عبد الحليم عطية – ص 41

[33] رسالة في التسامح – فولتير – الفصل الثالث عشر

[34] التلمود عرض شامل – أ. كوهن – ص 443

[35] المرجع السابق – ص 444

[36] المرجع السابق – ص 445

[37] التفسير الكتابي اتباع نهج تكاملي – دبليو راندولف تاتي – ترجمة د عادل زكري – ص 113

[38] John Gill’s Exposition of the Bible، Deuteronomy 11:9

[39] جاسم حسین یوسف، العلاقة بين البشر والآلهة في بلاد الرافدَيْن في ضوء النصوص المسمارية، مجلة مركز دراسات الكوفة، العدد ٤٩، ٢٠١٨، ص١٤٧

[40] التلمود عرض شامل – أ. كوهن – ص 446

[41] الاسانيون وقمران ويوحنا المعمدان ويسوع – هارتموت شتيغيمان – تعريب الاب خليل شحادة – ص 198

[42] نظرة عامة على تاريخ المسيحية – مايكل باركر – ص 29

[43] تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود – فراس السواح – ص 253

[44] الصفحة السابقة

[45] المرجع السابق – ص 256

[46] Resurrection of the Dead in Early Judaism 200 bce–ce 200 by C. D. ELLEDGE. P 106

[47] New Testament History، Culture، and Society A Background to the Texts of the New Testament Lincoln H. Blumell، P. 74

[48] Ibid

[49] اللفياثان – توماس هوبز – ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب – ص 127

[50] يسوع قبل المسيحية – البرت نولان الدومينيكاني – ص 47، 48

[51] Bart Ehrman، The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings. Third Edition (New York، Oxford: Oxford University Press، 2004)، 276

[52] الموت في الفكر الغربي – جاك شورون – ص 34

[53] أصل الدين – فيورباخ – ترجمة احمد عبد الحليم – ص 50

[54] The Incarnation In Herbermann، Charles Catholic Encyclopedia. Vol. 7

[55] الدفاع الأول – الفصل الثاني والعشرون

[56] يذكر لنا سليمان البستاني مترجم الالياذة عن الزمن الذي عاش فيه مؤلفها فيقول: أن مؤرخي الرومان مجمعون على أن هوميروس نبغ قبل بناء رومية بقرن ونصف، فإذا أضفنا ذلك إلى ٧٥٣ وهي السنة التي بنيت فيها رومية كان نبوغ هوميروس نحو سنة 903ق.م (الالياذة – سليمان البستاني – ص 20) وهذا يدل على ان عمر تأليف هذه الملحمة كانت قبل المسيح ب 9 قرون تقريباً

[57] الإلياذة، ٢٣، ٧١–٧٤

[58] Psyche: the cult of souls and belief in immortality among Greeks. by Erwin. Rohde، P.5

[59] الموت في الفكر الغربي – جاك شورون – ص 53، 54

[60] الفلسلة الرواقية – عثمان امين – ص 194

[61] الاصحاح الثاني من الرسالة إلى فيلبي وبالتحديد هذا المقطع: +[2:6 الذي اذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة ان يكون معادلا لله 2:7 لكنه اخلى نفسه اخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس 2:8 واذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه واطاع حتى الموت موت الصليب 2:9 لذلك رفعه الله ايضا واعطاه اسما فوق كل اسم 2:10 لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الارض ومن تحت الارض 2:11 ويعترف كل لسان ان يسوع المسيح هو رب لمجد الله الاب]

[62] Müller، G.G.W. 1994. “Akkadische Unterweltsmythen.” TVAT 3: fascicle 4 ([S]o etwas wie ein Osterfest hat die ausserchristliche Antike offenbar nicht gekannt)

[63] The Riddle of Resurrection “Dying and Rising Gods” in the Ancient Near East by Tryggve N.D. Mettinger، P. 17

[64] Ibid، P. 153، 154

[65] Ibid، P. 215

[66] THE RESURRECTION OF THE SON OF GOD by N. T. Wright، P. 82

[67] Ibid

[68] Osiris | Description، Myth، Symbols، & Facts | Britannica

[69] جوهر المسيحية – فيورباخ – ص 217

[70] Baethge، Chr.2002). Grief hallucinations: True or pseudo? Serious or not? An inquiry into psychopathological and clinical features of a common phenomenon. Psychopathology، 35، 296-302.

[71] موت يسوع ودفنه وقيامته – ماذا حدث في الايام الاخيرة ليسوع؟ – ص 87، 88

[72] المرجع السابق – ص 88

[73] THE DEATH OF THE MESSIAH Volume 2 by RAYMOND E. BROWN، P. 1281

[74] The Popular Handbook of Archaeology and the Bible: Discoveries That Confirm the Reliability of Scripture by Joseph M. Holden and Norman Geisler، P. 363

[75] THE DEATH OF THE MESSIAH Volume 2 by RAYMOND E. BROWN، P. 1294

[76] Jesus’ Resurrection: Fact or Figment?: A Debate Between William Lane Craig Gerd Ludemann by Paul Copan (Editor)، Ronald K. Tacelli، P. 88

[77] Hagner، D. A. (2002). Vol. 33B: Word Biblical Commentary: Matthew 14-28. Word Biblical Commentary (877). Dallas: Word، Incorporated.

[78] الحوار – الفصل 108

[79] Jesus the Messiah: A Survey of the Life of Christ by Robert H. Stein، P. 265

[80] The Virginal Conception and Bodily Resurrection of Jesus by Raymond E. Brown، P. 126

[81] Ibid

[82] مستعدون للمجاوبة – ص 266

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

 

          إن الفقراء الذين يحرصون على حضور الاحتفالات، يكرّمون هذه المناسبات بنفس مستعدة وباعتزاز كبير، حتى ولو لم يكن لديهم الإمكانيات لهذا الاحتفال المنشود، فإنهم يطلبون أفضل ما عند الأقارب والمعارف من أشياء تجعلهم يظهرون بأفضل صورة وأبهى منظر، من أجل المشاركة في مثل هذه المناسبات[1]. وكما أعتقد فإن هذا يحدث لى اليوم، فليس لدىّ أى شئ ثمين يمكن تقديمه في أمجاد هذا اليوم، لكنى سألجأ إلى نص التسبيح المقدس، الذي رتلناه منذ قليل.

من هناك سآخذ الدافع وسأسدد دينى من خلال هذا الترابط الذي يجمع بين كلماتى والكلمات الكتابية، على الرغم من أن العبد الفقير كان قد رتب بعض الأوقات، لكى يقدم كلمات الإمتنان والشكر للرب. هكذا قال داود وقلنا نحن معه ” سبحوا الرب يا كل الأمم مجدوه يا كل الشعوب[2]. فهو يدعو للتسبيح كل أحفاد آدم ، وهو لا يترك أحد خارج هذه الدعوة، سواء في الغرب أو في الشرق، من هذا المكان أو من ذاك، في الشمال أو الجنوب، فهو يُنهض الجميع معًا للتسبيح.

وفي مواضع أخرى يتوجه لمجموعات من البشر، داعيًا إياهم أبرارًا، حاثًا الأطفال على التسبيح[3]. لكن الآن هو يجمع كل الأمم والشعوب من خلال هذا المزمور ” سبحوا الرب يا كل الأمم مجدوه يا كل الشعوب “. أى عندما ” تزول هيئة هذا العالم[4] كما يقول الرسول بولس.

ويظهر المسيح كملك وإله، مسكتًا أيضًا كل فم، وواضعًا لجامًا على كل كلمة مجدفة، وعندما يتوقف عبث اليونانيين وخداع اليهود، وهذيان الهراطقة المنفلت، حينئذٍ فإن كل الأمم وكل الشعوب في كل العصور سيقدمون طوعًا، سجودًا بلا اضطرار، وسيمجد الأبرار والجاحدون اسم الله القدوس بحرارة. حينئذٍ سيُرتل الجميع تسبحة النصرة، المنهزمون والمنتصرون. حينئذٍ سيرى الجميع المسئول عن القلاقل (أى الشيطان) الذي حلم بعرش الرب، والملائكة تجره للعقاب المحتوم، هو وأعوانه وخدامه الأشرار، وسيُقَدمونهم للدينونة العادلة.

وسيُستعلن الملك والديان الواحد، الرب الذي يعترف له الجميع، وسيسود العالم الهدوء، عندما يجلس الديان على عرشه، والمبشر يلتزم الصمت، والشعوب بأعين وآذان مفتوحة تنتظر سماع صوت الخليقة.

ولهذا نقول مع المرنم ” سبحوا الرب يا كل الأمم، مجدوه يا كل الشعوب ” سبحوه كقادر، مجدوه كمحب البشر، لأنه حينما سقطنا ومتنا، أعطانا حياة وجعل إناءنا الضعيف جديدًا وشابًا، وغيّر الرفات الكريهة داخل القبر إلى حياة خالدة بسبب محبته غير المحدودة للبشر، والنفس التي تركت الجسد منذ آلاف السنين، كما لو كانت في رحلة بعيدة، أعادها إلى بيتها، دون أن يجد أى صعوبة في ذلك، على الرغم من عنصر الزمن وانفصال النفس عن الجسد منذ وقت بعيد، لكنه يصنع هذا، بطريقة أكثر سهولة من طيران طائر نحو عشه.

          لنتحدث إذن عن الأمور الخاصة بهذا الإحتفال (القيامة)، لكى نحتفل بما يتناسب مع طبيعة هذا الإحتفال. لأن كل ما هو غير لائق وبلا هدف، هو بلا نظام كما أنه يتسم بالغرابة، بجانب أنه لا ينفع في شئ،  ليس فقط من جهة العقيدة والإيمان، ولكن أيضًا فيما يختص بالأمور المتعلقة بالحكمة الخارجية العالمية.

لأنه أين هو الخطيب، الذي يحمل هذا القدر من الحماقة والمثير للهزل، الذي عندما يدعونه في احتفال زواج، يترك الحديث المناسب واللائق الملىء بفرح الاحتفال، ويبدأ في الرثاء بأغنيات حزينة وينوح داخل قاعة الفرح لأجل مصائب هذه الكارثة، أو العكس عندما يُعهد إليه أن يرثى إنسان توفى، فينسى الأسى ويبدو عليه الفرح وسط أناس مملوئين بالحزن؟ فإن كان النظام والمعرفة في الأمور العالمية هو أمر حسن، فبالطبع يكون الأمر أكثر ملاءمة في الأمور الأعظم والأسمى.

          إذن فقد قام المسيح اليوم، وهو الحى إلى الأبد، هذا الذي لم يُجبر على الآلام، ولم يلزمه أحد أن ينزل عن سمائه، ولم تكن قيامته بمثابة إحسان عليه من آخر أو كأمر غير متوقع وغير مأمول، لكنه كان يعرف سير الأحداث كلها حتى النهاية. فهو بعينه الإلهية لديه المعرفة بكل الأمور التي ستحدث، فقد رأى قبل أن ينزل من السموات، اضطرابات الأمم، وقساوة إسرائيل، وبيلاطس وهو يجلس على عرشه، وقيافا وهو يمزق ثيابه، رأى الشعب وهو يثور بحدة، ويهوذا يخون، وبطرس يدافع عنه، ورأى إستعلان قيامته المجيدة قبل أن تحدث.

فقد كان يعرف مسبقًا كل المستقبل، ولم يؤجل إحساناته للإنسان، ولم يجعل التدبير بعيدًا، لكن مثلما يصنع أولئك الذين ينظرون شخصًا ضعيفًا تسحبه المياه المتدفقة إلى الأخوار أو الوديان الضيقة، فعلى الرغم من معرفتهم أنهم قد ينزلقون في الوحل الكثيف ويتعرضون للإصطدام بالحجارة التي تحركها المياه المندفعة، لكنهم لا يترددون عن الدخول في هذه الوديان الضيقة، لأجل محبتهم لذاك الذي تهدده الأخطار، هكذا مخلّصنا محب البشر لقد قَبِل السباب والشتائم، من أجل محبته لذاك الذي خُدع، وسار نحو الضياع.

أتى إلى العالم، لأنه تنبأ بصعوده الممجد قبل أن يموت كإنسان، وعرف مسبقًا بقيامته. لم يخاطر مثل إنسان عادى لا يُدرك ما يحمله له المستقبل من عواقب، لأنه يعرف كل التفاصيل الخفية لهذا المستقبل، ولهذا فقد دبر خطته بطريقة حاسمة ومعروفة.

هذا هو اليوم الذي صنعه الرب. نبتهج ونفرح فيه[5] لا بسكر وضحكات، لا برقص ومشروبات، لكن ” نبتهج ونفرح ” بأفكار إلهية. اليوم نستطيع أن نرى كل المسكونة كعائلة واحدة، تجمعت من أجل هدف واحد. فقد تجمعت تحت شعار واحد، وهو الرغبة في التسبيح والصلاة.

ولهذا فإن الطرق الكبيرة قد خلت من مسافريها، والبحر اليوم يفتقد المراكب والبحارة، الفلاح ترك الفأس والمحراث وتزين بملابسه الإحتفالية، البيع والتجارة توقفا، الأحزان تراجعت، مثلما يتراجع الشتاء عندما يظهر الربيع، الضوضاء والاضطرابات ومتاعب الحياة تراجعت أيضًا أمام سلام الاحتفال.

الفقير تزّين مثل الغنى، والغنى يظهر أكثر إشراقًا مما إعتاد عليه، الشيخ يركض كشاب، لكى يأخذ نصيبه من الفرح، المريض يتجاوز مرضه، الطفل يبدل ملابسه ويحتفل بأحاسيسه لأنه لا يستطيع بعد أن يحتفل ذهنيًا. ونفس العذراء تستضئ، لأنها ترى أن رجاءها المنتظر يشرق لقبول مثل هذه الكرامة.

المتزوجة تحتفل وتفرح مع كل ملء بيتها. لأن الجميع يفرحون اليوم، الزوج والأولاد والخدم وكل أهل البيت. ومثلما يحدث مع مجموعات النحل المولودة حديثًا والتي تطير لأول مرة خارجة من الخلية ومن ثقوبها نحو الهواء والنور، متحدين جميعًا الواحدة مع الأخرى مجتمعين بفروع الأشجار، هكذا نرى في هذا الاحتفال أن كل العائلات تجتمع معًا في المدينة الأم.

وبالصواب يُقال إن هذا اليوم هو حقًا انعكاس لليوم المنتظر. لأن في الحالتين يجتمع الناس، في اليوم المنتظر، الجميع بشكل عام يجتمعون، وفي هذا اليوم تجتمع مجموعات مختلفة. ولكى نقول الحقيقة الأكثر وضوحًا، من جهة التساؤل عن أيهما يثير بهجة وفرح أكثر، فإن هذا اليوم (المحتفل به) هو أكثر فرحًا من اليوم المنتظر. لأن في اليوم المنتظر بالضرورة سنشاهد أولئك الذين ينوحون، وأولئك الذين تُستعلن خطاياهم، بينما سعادة اليوم لا يعتريها أى كآبة.

البار يبتهج، والذي لا  يحمل ضمير نقى، ينتظر تقويمه بالتوبة، ويختفى كل أسى في هذا اليوم، ولا أحد ينتابه أى حزن، بل يشعر بالراحة بسبب عظمة هذا الاحتفال. اليوم يُفك المربوط من قيوده، والمدين يُسدد عنه دينه، والعبد يُحرر بدعوة الصلاح ومحبة البشر التي للكنيسة، لا يُهان بصفعات على وجهه ولا بضربات، ويُسامح لأجل ضربات أعطاها، ولا يصنع استعراضًا أمام الشعب من فوق منصة عالية كبداية لتحرره، وهو مُهان ويشعر بالخجل، لكن كما هو معروف يُسامح بكرامة كبيرة، وذاك الذي مازال بعد في العبودية يُنعم عليه بالحرية. لأنه وإن كانت الخطايا كثيرة وثقيلة، تلك التي تتجاوز حدود الصفح والغفران، فإن السيد (الذي يملك العبد) يقدس قيم السلام ومحبة البشر التي يحملها هذا الاحتفال، ويعفو عن المنحرف والآثم، كما عفى فرعون عن رئيس السقاة، ورده إلى سقيه[6]. ولأننا نحتفل اليوم بالقيامة، والتي هى عربون قيامتنا العتيدة، فهو يدرك (أى السيد) أنه هو أيضًا في ذلك اليوم في احتياج لغفران وصلاح الرب. لذلك فإنه يُظهر هنا أحشاء رأفة، ويترجى المجازاة في يوم القيامة العتيدة. اسمعوا هذا أيها السادة، احفظوا إرشادى كأمر نافع، لا تتهموننى باطلاً من أجل دفاعى عن العبيد، كأننى أمتدح كذبًا هذا اليوم (أى يوم الاحتفال بعيد القيامة) اطردوا حزن النفوس المغتمة، كما محاه الرب من النفوس، غيروهم من أناس بلا كرامة، واجعلوهم مكرمين، ادخلوا الفرح لقلوب الحزانى وشجعوا الضعفاء ليصيروا أقوياء، وأخرجوهم من عزلتهم، كما يخرج الأموات من القبر، وليشرق بهاء هذا الاحتفال في الجميع، كما لو كان زهرة يانعة. فإن كانت السجون تُُفتح في احتفالات عيد ميلاد الملك أو الإحتفال بانتصار ما، ألا يُخلّص المسيح القائم، أولئك الحزانى؟ أيها الفقراء، احتضنوا مرضعتكم، وكل مَن يحمل جسد ضعيف ومهان، فإن هذه (الكنيسة) هى التي تشفى أوجاعكم. لأن رجاء القيامة يخلق فينا، شهوة الفضيلة وبغضة الخطية، لكن عندما تُنكر القيامة، سيكون هناك شئ واحد لدى الجميع ” فلنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت[7].

          في هذا اليوم، نجد الرسول بولس يستهين بهذه الحياة الحاضرة، ويترجى حياة الدهر الآتى. مُقللاً من شأن الأمور الظاهرة قائلاً ” إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس[8]. وبسبب هذا اليوم، فإن الناس، هم ورثة الله وورثة مع المسيح. في هذا اليوم، الأجزاء الجسدية التي التهمتها الطيور الجارحة منذ آلاف السنين ستكتمل، وأيضًا التي التهمتها الحيتان وكلاب البحر والحيوانات البحرية عندما يقوم الإنسان، ستقوم معه أيضًا هذه الأجزاء. الأجساد التي أحرقتها النيران والتي أكلتها الحشرات داخل القبور، وبشكل عام كل الأجساد التي أبادها الفساد، ستقوم بلا فساد، وكما يُعلّم القديس بولس، فإن القيامة ستحدث في طرفة عين[9]. لكن أنت تفكر كإنسان، وبحسب قدرتك، تحسب كم يحتاج الأمر من السنين لكى يتحقق هذا؟ أولاً: لكى يمكن أن تتجمع العظام التي فسدت، لكى تتحد مرة أخرى، في صلة طبيعية وترابط منسجم بعد أن كانت متفرقة. ثانيًا: تفكر في تغطية العظام بالأجساد، والتشابكات المعقدة للأعصاب، والأوعية الدموية الدقيقة والشرايين الممتدة تحت الجلد، بعددها الذي لا يحصى والذي ينتشر في الخلايا الدفينة، ومن أين تعرف كل واحدة مكانها المحدد، كزى خاص بها، وتتحد مباشرةً مرة أخرى بهذا الجسد وتختاره بدون خطأ، وسط هذا العدد الضخم من الأجساد المتشابهة. تأّمل النفوس والأجساد منذ آدم، أعداد غير متناهية من الأجساد تحللت، ثم عودة أصحابها بعد أحقاب زمنية طويلة، كل هذا يتم بأسلوب عجيب. فلا هذا الجسد يتأخر عن أن يُسكن، ولا ساكنه يضل عنه، ويسهر على الباب طالبًا سكنه الخاص به. لكنها تتقدم نحوه مباشرةً، كما تتجه الحمامة إلى عشها، حتى ولو كان هناك أبراج كثيرة ومتتابعة في نفس المكان، ولها تصميم واحد. كيف تتشكل الذاكرة والتفكير التي للحياة السابقة وبهذا القدر من السرعة، بينما الجسد الحى قد تحلل منذ قرون طويلة، على الرغم من أنه عندما يستيقظ الإنسان من نوم ثقيل، ينسى للحظة مَن هو وأين يوجد، وينسى أموره المعتاد عليها، إلى أن يفيق من غفلته، وتنشط الذاكرة مرة أخرى وتصير أكثر حيوية. هذه الأمور، وأخرى مماثلة، تمر في أفكار الكثيرين، وتملأ الذهن بأشياء مثيرة، ومع ذلك لا يؤمنون بالمعجزة. لأن الذهن لا يجد حلاً لكل ما يحيّره، ولا يستطيع أن يُشبع فضوله من جهة الاكتشاف والفهم، فيُقاد إلى عدم الإيمان، ومخالفة الحقيقة بسبب ضعف أو مرض في طريقة التفكير ذاتها. ولأن موضوع الاحتفال محبب لدينا، فلنحاول قليلاً، طالما أتينا بموضوعنا إلى البداية المناسبة، أن نُعلّم هؤلاء الذين يرتابون بلا مبرر في أمورًا واضحة.

عندما أراد الله أن يخلق الإنسان، أوجده لا ككائن بلا قيمة، لكن ككائن مكرم أكثر من أى خليقة أخرى، وأعطاه سلطان على كل الخليقة التي تحت السماء. هذه هى إرادته، فقد خلقه حكيمًا، وشبيهًا بالله، وزينه بنعمة غنية. فهل يا ترى قد أحضره إلى الحياة، بهذا القصد، أى أن يولد، ويفسد ويختفى كليةً؟ هذا القصد لا وجود له، فإنه أمر شائن جدًا، أن ننسب هذا القصد لله. لأن الله بهذه الصورة، يعكس صورة أطفال يصنعون بيوتًا صغيرة بحماس كبير، وبسرعة يهدمون ما يصنعوه، دون أن ينتهى تفكيرهم إلى أية نتيجة مفيدة. لكن نحن قد تعلمنا العكس تمامًا، إن الله خلق الإنسان الأول (آدم) خالدًا، وعندما خالف وصيته، وعوقب بسبب خطيته، حُرِم من الخلود[10]. بعد ذلك فإن الله منبع كل صلاح ـ من فيض محبته للبشر ـ قد رفع الدين عن أولئك الذين أراد لهم التجديد حتى لا يسيروا نحو الفناء، وأعادهم إلى حالتهم الأولى. هذه الأمور كلها جديرة أن تُنسب بالحقيقة إلى الله. لأنه بجانب أنها تُظهر صلاحه فهى أيضًا تؤكد قدرته. فإن كان من غير المقبول أن يتعامل المرء بقسوة وبلا رحمة مع تلاميذه ومع مَن يرعاهم، ويوصف هذا السلوك بأنه سلوك غير سوى، فبالأولى كثيرًا جدًا لا يمكننا أن ننسب هذا السلوك لله الذي هو منبع المحبة والرحمة والرأفة وكل صلاح. فالراعى على سبيل المثال يريد قطيعه صحيحًا معافًا تدب فيه الحياة، ويطمح في زيادة أبقاره وأغنامه برعايتها بطرق متنوعة، وبشكل عام فإن كل مَن يرعى قطعان يتمنى أن تُحفظ سالمة وأن تتزايد وهو يرمى بلا شك إلى هدف نافع ومفيد. فإن كانت هذه الرؤية هى رؤية صحيحة، وأن ما قلناه منذ قليل، يؤكد على مشيئة الله، خالق جنسنا البشرى، بأن يعيد خليقته التي فسدت للحياة، فإنه من الواضح أن أولئك الذين لا يقتنعون بما سبق وقلناه، يستمدون في آرائهم المعارضة هذه من فكرة استحالة أن الله يُقيم الذي مات وتحلل. غير أن كل مَن ينسب الضعف والحيرة إلى الله هو بالحقيقة من الأموات وبلا احساس، إذ ينسب ضعفه الشخصى إلى الله كلّى القدرة والقوة.

          ولكى نُوبّخ حماقتهم بكلمات دقيقة، يجب أن نؤكد على هذا الذي سيحدث ونسأل، كيف يمكن أن لا نؤمن بالقيامة؟ لقد سمعت أن الطينة صُنعت وصارت إنسانًا. أخبرنى إذن من فضلك أنت يا من تظن أن لديك حكمة تشمل كل شئ، كيف جُمع هذا التراب الدقيق المتفرق، وكيف صار أجسادًا، ومن نفس المادة صُنعت العظام والجلد والدهن والشعر؟ وكيف تكون هناك أعضاء متميزة عن بعضها مع انها تكوّن جسدًا واحدًا؟ كيف أتت حواء من عضو صغير من جنب آدم وصارت كيانًا كاملاً مثل آدم الذي خُلق من التراب. بمعنى أن الضلع الذي أُخذ من الجنب صار رأسًا، ويدين ورجلين. انظر إلى شكل الأمعاء بالتوائاتها المتشابكة، الجسد والشعر، العين والأنف والفم، وكل شئ بشكل عام، ولكى لا أسترسل في الكلام، فإن كل شئ فينا نحن الصغار هو عجيب ومدهش.

إن الكلام عن الخلق، هو أمر يمكن فهمه وقبوله بسهولة. إذن أولئك الذين يقبلون أن من الجنب صار إنسان، بينما لا يؤمنون بإعادة خلق الإنسان مرة أخرى كيف يدّعون بأنهم مفكرين؟ بالتأكيد ليس من السهل إدراك القدرات الإلهية من خلال التصورات الإنسانية. فإن كنا ندرك كل شئ فلن يكون هناك فارق بين الخالق والمخلوق. ولماذا أتكلم عن المقارنة بيننا وبين الله؟ لأنه في بعض الخواص لا يمكننا أن نقارن أنفسنا ولا حتى مع الحيوانات الغير العاقلة، لكننا (في بعض الأمور) نحن أقل منها. على سبيل المثال في الجرى، فإن الخيول وأيضًا الكلاب، وحيوانات أخرى تفوقنا في ذلك. أما في القوة، فإن الجِمال والبغال تتفوق علينا، وفي البصر الحاد، التيس أشد بصرًا. ولهذا فإن مَن لديه عقل عليه أن يؤمن بكلام الله، ولا يطلب معرفة الطرق والأسباب المختصة بالقدرات الإلهية، لأن هذه القدرات، تتجاوز إمكانياتهم الذهنية. اشرح لى كيف أخذ هذا العالم المرئى كيانًا ووجودًا؟ أخبرنى عن الفن الذي به تحقق هذا العمل متعدد الأشكال. ومع أنك تعرف أن هذه الأمور هى فوق قدرتك، إلاّ أنك تُظهر حيرة وغضب، لأنك تجهل موضوع إعادة تجديد الإنسان بحسب الميلاد الجديد، أنت يا مَن تجيد الكلام عن الميلاد. وإن كانت هذه الأمور، بالنسبة لك هى حلم، وخيال، وإدراكها من كل النواحى أمر مستحيل، فلا تغضب، إن كنت تجهل موضوع إعادة  الخلق، أو أنك لا تستطيع أن تفهم اصلاح ذاك الذي فسد، فالفنان الذي أوجد الخليقة الأولى، هو نفسه الذي يُعيد الخلق مرة أخرى[11]. فهو يعرف كيف يُعيد مرة أخرى عمله الذي أصابه فساد. هل  يحتاج إلى حكمة؟ هو نفسه مصدر كل حكمة وكل قدرة وليس في احتياج لمساعد أو معين. هذا هو الذي بحسب كلمات النبى الحكيم ” من كال بكفه المياه، وقاس السموات بالشبر، وكال بالكيل تراب الأرض[12]. انتبه إلى الصور، التي تعطى معانى واضحة للقدرة التي لا يُعبر عنها، والتي تجعل الحيرة تتملك على أفكارنا، باعتبار أننا لا نستطيع أن نتخيل شيئًا مساويًا في القيمة لطبيعة الله. فهو ضابط الكل، ولا يوجد شئ مستحيل وغير ممكن تحقيقه لدى الله لأنه يستطيع كل شئ.

إذًا فأمامك أمور كثيرة تقود إلى الإيمان وتفرض عليك أن تقبل الأمور التي تكلمت عنها. أولاً وقبل كل شئ، إن هذا الكون كثير التنوع والتراكيب، يُعلن بجلاء وأكثر من أى عظة، أن ذاك الذي أبدع كل ما تراه[13] هو إله عظيم، وخالق حكيم. لقد تعهد الله الخليقة بالرعاية، واهتم بنفوس غير المؤمنين الضعيفة، وأكد قيامة الأموات عمليًا، بأن أعطى حياة لكثير من الأجساد التي ماتت. ولهذا فإن لعازر قام بعد أربعة أيام من بقائه في قبره[14]. والابن الوحيد للأرملة، أُقيم من موته وسُلم لأمه، وبعد أن كانوا يحملونه ليُدفن، عاد حيًا[15]. وآلاف آخرين من الصعب أن أحصيهم الآن. لكن لماذا أتطرق بحديثى عن الله، وعن المخلّص عند الحديث عن القيامة؟ لكى يخجل بالأحرى كل مَن يشك، وأقول ألم  يُعطِ لعبيده الرسل، القدرة أن يقيموا أمواتًا؟ إذن فالدليل واضح على قدرته الإلهية، ولماذا أيها المتشاحنون، تُثيرون هذه الموضوعات، وهل نحن نتكلم بكلام غير مفهوم؟ فكما قام شخص من بين الأموات ، هكذا سيقوم عشرة أشخاص، ومثلما قام عشرة، هكذا سيقوم ثلاثمائة، وكما قام ثلاثمائة، هكذا سيقوم الكثيرون. النحات الذى ينحت تمثالاً ما على سبيل المثال، يستطيع بسهولة أن ينحت عددًا كبيرًا من التماثيل. ألم تروا كيف يُشكل الصناع بقليل من الشمع، الأشكال والنماذج للمبانى الكبيرة والرائعة؟

انظر إذًا إلى السماء التي لا نهاية لها، هى إبداع عمل الله، وقد خلق الله الإنسان، كائنًا عاقلاً، لكى يدرك الإبداعات الإلهية ويمجد الخالق الحكيم والمبدع، وها أنت ترى دائرة عالم الفلك، التي هى صغيرة، لكنها تتحرك بيد عَالِم الفلك، هكذا تتحرك السماء بيد الله. هكذا فإن الأعمال الفنية الصغيرة، تصير صورة للإبداعات الكبيرة، والكلمات القليلة، تُفسر الأعمال الضخمة. لماذا أذكر هذه الأمور؟ لكى تعرف، إذا ما سألتنى كيف ستحدث قيامة الأجساد التي رقدت منذ بداية الخليقة؟ سأُجيب متساءلاً، كيف قام لعازر بعد أربع أيام في القبر؟ فعندما تؤمن أن ذاك الذي يعمل، هو الله، فلن تقول إنه يوجد شئ مستحيل أمامه، ولا تعتقد أن ذهنك يستطيع أن يستوعب حكمة ذلك الذي هو غير مُدرك. لأنه لا يوجد شئ غير محدود أمام الله،  أما بالنسبة لك، فغير المحدود هو أمر لا ينبغى الفحص فيه. غير أننا يُمكننا أن نفهم هذا بطريقة أفضل لو أننا أضفنا إلى ما قلناه، الطريقة التي خُلقنا بها. لا أتكلم عن بداية جبلتنا الأولى من الله، لأنها غير مدركة ولا يمكن للذهن الإنسانى أن يصل إليها، لكنى أتكلم عن الخلق الذي يظهر من خلال الطبيعة ومن خلال الإنسان. كيف أن البويضة المخصبة والتي هى مادة سائلة، وبلا شكل، تصير جامدة، ثم تصبح رأسًا، وعضلات ساق، وتصير أضلاعًا متينة، كما أن المخ وهو لين وخفيف، تصير الجمجمة التي تحتويه، جامدة جدًا وخشنة، بالإضافة إلى الأعضاء الأخرى متعددة الأشكال؟ وهذا أقوله باختصار ولا أسترسل شارحًا تفاصيل الأمور الجانبية. إذن فكما أن البويضة المخصبة في البداية، تكون بلا شكل، ثم بعد ذلك تأخذ شكلاً، وحجمًا، كما يُبدعها العمل الإلهى بشكل معجزى، هكذا يكون مقبولاً أكثر، أن الرفات التي توجد داخل القبور، والتي كان لها في وقت ما شكل محدد، تتجدد مرة أخرى. والتراب يصير مرة أخرى إنسانًا، مثلما حدث بالضبط في بداية الخلق، حيث خُلق الإنسان من تراب الأرض.

لنتقدم في الكلام عن الله، ولنفكر فيما لصانع الخزف من إمكانيات، ماذا يعمل الخزّاف؟ يأخذ قطعة من الطين، ويُعطيها شكل إناء معين، ويُعرّضه للشمس، لكى يُجففه ويجعله متينًا، ليصبح فيما بعد جرة، أو بلاطة أو إناء تخزين. لكن أحيانًا يدخل إلى داخل معمله إنسان آخر، بشكل مندفع وبلا نظام يقلب كل شئ، فيُلقى الإناء إلى أسفل، ويسحقه فيصير ترابًا لا شكل له. لكن إذا رغب الخزاف في إصلاح ما حدث على الفور، فإنه يُشكل الخزف من جديد، ويصنع بفنه إناء ليس بأقل جودة أبدًا من الإناء القديم. مع أن الخزاف هو بالتأكيد مخلوق صغير، إذا ما قورن بالقدرة الإلهية، فإننا لا نصدق الله عندما يَعد أن يُجدد ويحيي ما تلاشى. وهذا بالتأكيد هو فكر أحمق. ومن ناحية أخرى، لنر ماذا يقول لنا بولس الرسول باستخدامه مثال القمح، والذي يُعلّم به هؤلاء الأغبياء قائلاً: ” يا غبى الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت. والذي تزرع لست تزرع الجسم الذي سوف يصير بل حبة مجردة ربما من حنطة أو أحد البواقى. ولكن الله يعطيها جسمًا كما أراد[16]. فلنفحص بعناية، كيف يصير نبات القمح، وستفهمون كلامى. فبذور القمح يلقونها في الأرض، وبعدما تتعفن بالرطوبة، بعد موتها، تنتهى إلى حالة معينة، مثلما يحدث في اللبن، الذي إذا تخمر، صار مثل مادة بيضاء، لها مذاق حامضى. وعندما تنمو البذور وتمتد في الأرض، تتحول شيئًا فشيئًا من اللون الأبيض إلى اللون الأخضر. ثم بعد ذلك تصير خضراء وتتشعب في الكتل الطينية، وعندما تكبر إلى فوق، وتتغَذى هذه الأعواد الكثيرة من أسفل، من مكان معين من الجذر، فإن الجذر يُعَد بهذا لحمل الثقل الذي سيصير في المستقبل. وكما يُضبط سارى المركب من كل اتجاه، بحبال كثيرة، لكى يبقى ثابتًا وفي حالة توازن، من خلال الجذب المناوئ للحبال، هكذا نتوءات الجذر، مثل الحبال، تصير دُعامات وحماية للساق الحامل للسنابل. وعندما يصير القمح أعوادًا وينمو مرتفعًا إلى أعلى، فإن الله يسنده ويشدّده ويقوى ساقه، ليؤّمنه، من أجل ثقل السنبلة عند نضجها، فيكون مثل بيت مبنى بحجارة مترابطة. فهكذا عندما تصل قوة الساق إلى أقصى مداها، نجد أن البراعم تتشقق وتخرج السنابل. وهذه (السنابل) نجد فيها أيضًا عجائب أخرى عظيمة. إذ نجد الحبوب الصغيرة في صفوف مرتبة متراصة بجانب بعضها وكل حبة منها لها غلاف خاص، وفي النهاية تخرج هذه السنبلة أشواك دقيقة وحادة، أتصورها كأسلحة ضد الطيور التي تريد أن تلتقط هذه الحبوب، فتمنعها من الاقتراب والتقاط حبات القمح. أرأيت كم معجزة، تخفيها بذرة متعفنة، بينما هى حبة واحدة تسقط في الأرض، عندما تنمو وتثمر، تصير حبات كثيرة؟ أما من جهة الإنسان، فإنه لا يأخذ شيئًا أكثر مما له، لكنه يأخذ ما يخصه فقط، فالإنسان الواحد الذي يموت، هو نفسه الواحد الذي يقوم. ولهذا فإن تجديدنا، يظهر أنه أسهل من زراعة القمح. من هنا اتجه إلى ما يحدث للأشجار، كيف أنها تفتقر إلى الحياة في فصل الشتاء من كل عام، أى تموت الثمار، وتسقط الأوراق، وتبقى الأخشاب جافة خالية من كل جمال. لكن عندما يأتى فصل الربيع، تزدان بالزهور اليانعة ثم تكسوها الأوراق الخضراء لتصبح في أبهى منظر يخلب الأنظار وتصبح مأوىً للطيور المغردة التي تعلوا فوق الأغصان، ويُستعلن هناك جمال رائع، حتى أن كثيرين من الناس هجروا بيوتًا مُزينة بالذهب والمرمر، واعتبروا أن بقائهم تحت الأشجار الوارفة هو أمر أكثر سعادة (من البقاء في البيوت). لهذا فإن إبراهيم أقام خيمته تحت أشجار البلوط[17]. وهذا بالطبع، لا لأنه لا يملك بيتًا بل لأنه يشعر بالارتياح والبهجة تحت ظلال الأشجار. وحياة الزواحف تقودنى لقبول هذا الكلام. لأن قدرة هذه الزواحف على الحياة تتوقف في فترة الشتاء، وخلال فترة ستة أشهر، تكون في بياتها الشتوى، وتبقى في مخابئها بلا حركة. لكن عندما يأتى الزمن المحدد ويدوى الرعد في الأفق، ويُسمع الرعد كعلامة حياة، على الفور تنطلق كما لو لم يكن قد مر كل هذا الوقت، وتبدأ في تأدية أعمالها المعتادة.

          ماذا يعنى هذا الكلام؟ ليقل لي الفاحص والعارف بأعمال الله وليخبرنى، كيف يقبل أن تقوم الثعابين من مخابئها بصوت الرعد، بينما هى في حالة موت، لكنه لا يؤمن بعودة الحياة للأموات، عندما يُدوى صوت البوق الإلهى من السماء، كما تقول الكلمة الإلهية ” فإنه سيبوق فيُقام الأموات[18]. وفي موضع آخر، يقول أيضًا بكل وضوح ” فيُرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه[19]. إذن يجب أن نكون مؤمنين بالتجديد. لأن حياة النباتات والحيوانات على اختلاف أنواعها، وحياة البشر أنفسهم، تُعلّمنا أنه لا يوجد شئ من المخلوقات يستطيع أن يحتفظ بكيانه، لكنه يتبدل ويتحول.

          ولو أردنا التأكد من ذلك، علينا أن ننظر إلى التغيير الذي يطرأ علينا في مراحل أعمارنا المختلفة. إننا نعرف كيف يكون الطفل الرضيع. فبعد مرور وقت قليل، يبدأ في اكتساب قوة لكى يحبو، وهو في هذا لا يختلف في شئ عن الكلاب الصغيرة، يسير بالأربعة (أيدى وأرجل). في العام الثالث يقف منتصب ويتمتم ببعض العبارات غير الواضحة. بعد ذلك يبدأ في تصحيح كلامه، ويصير طفلاً لطيفًا. من هذا السن يتقدم نحو المراهقة، ثم نحو سن الشباب. ونلاحظ أن بعض الشعيرات البسيطة تغطى وجهه في البداية، وبعد وقت قليل تظهر له ذقن كثيفة ويصير شخصًا آخر تمامًا. ثم بعد ذلك يصير رجلاً قويًا، صلبًا يتحمل الأتعاب. وبمرور أربعين عامًا، تبدأ مسيرة عكسية. يبيّض فيها الشعر تدريجيًا في الرأس، وتبدأ القوة تخور، وفي النهاية يصل إلى مرحلة الشيخوخة، وإنهاك القوة تمامًا، وينحنى الجسد نحو الأرض، كما يمتلئ الوجه الناعم بالتجاعيد، ويصبح الشاب الذي كان قبلاً متميزًا، مرة أخرى كالطفل المتلعثم الغير مدرك، ثم يسير بالأرجل والأيدى كما كان يفعل سابقًا. وأسألك كيف تبدو لك كل هذه الأمور؟ أليست هى تغييرات، أليست هى تحولات تليها تحولات؟ أليست هذه تجديدات مختلفة هى التي تغير هذا الوجود الفانى، فيما قبل الموت؟ كيف لا يصير نومنا واستيقاظنا درسًا للحكيم، ومدخلاً لفهم حقيقة القيامة؟ لأن النوم هو صورة للموت، بينما الاستيقاظ شبيه بالقيامة. ولهذا فإن بعض حكماء العالم، يدعون النوم توأم الموت، لأجل التشابه الذي يحدث في كلتا الحالتين (أى النوم والموت). لأنه في الحالتين يسود نسيان للأمور الماضية، وفقدان القدرة على إدراك الأمور الآتية. هكذا نجد أن الجسد في حالة النوم يرقد بلا أحاسيس، دون أن يُميَّز بين الصديق والعدو، يبدو شبيهًا بالموتى في القبور. الآن لو أن هذا الكائن الحىّ مازال يعيش، وتعبر بحياته أيام وليالى، وأمور تُثير الدهشة، تغيرات وتحولات، نسيان وتذكر، فإنه يُعد حماقة شديدة، ألاّ نؤمن بالله الذي وعد بالتجديد في الدهر الآتى، لأنه هو الذي خلق جبلتنا الأولى.

          فإن كان هو أمر في غاية السهولة بالنسبة الله، أن يخلق من العدم (لأنه هكذا قد خُلقت كل الأشياء في البداية). فبكل تأكيد هو أمر أكثر سهولة أن يُعيد الخلق من العناصر الموجودة.

إذن فلا ينبغى أن نُجرد الناس من رجائهم المبارك، وأن نتجاوز ضعفاتنا، وأن نتحرر من كل الأفكار الغريبة. ودعونا ألا نتجاهل الوعد الإلهى من جهة محبة الله للبشر، لأن إنغماسنا في الشهوات الجسدية الجارفة، يجعلنا نتجاهل هذه الوعود الإلهية. إننى أرى أن المعارضين لهذا الموضوع (قيامة الأجساد) هم رفقاء للشر، وأعداء للفضيلة، يتصفون بالشراهة، لا يضبطون عيونهم وأسماعهم، ولا أنوفهم، ويستمتعون بالشهوة التي تأتى إليهم عن طريق كل الحواس. ولأن الكلام عن القيامة مرتبط بالدينونة، وهم يسمعون الكتب المقدسة التي تعلن بشكل قاطع، بأننا سنُحاسب عن أعمالنا (فعندما نتجدد فى القيامة، سنقف جميعًا أمام منبر المسيح، وسننال المجازاة التي نستحقها عن أعمالنا)، ولأنهم يدركون أنهم سلكوا سلوكًا شائنًا ويستحق لعقوبات كثيرة. وبسبب كرههم للدينونة، ينكرون القيامة، مثل العبيد المخادعين أو الغشاشين، الذين يبددون ثروة سيدهم، ويخططون لموته، متفكرين في خيالات فاسدة تتفق ورغباتهم. لكن لا يوجد إنسان عاقل، يُفكر بمثل هذه الطريقة.

فما هو النفع من البر والحق والصلاح، ومن كل شئ حسن، ولأى سبب يتعب الناس ويحيون حياة الفضيلة ويقمعون شهوة الأكل، ويمارسون ضبط النفس، ويأخذون قسطًا يسيرًا من النوم، مقاومين البرد والحر، إن لم توجد قيامة؟ هذا ما يشير إليه الرسول بولس قائلاً:         فلنأكل ونشرب لأننا غدًا نمـوت[20]. فإن لم توجد قيامة، فنهاية حياتنا هى الموت، إذن فلتُمحَ الإدانات والنقائص، ولتُطلق يد القاتل في إرتكاب الجرائم، وليُترك الزانى غارقًا في ممارسة آثامه، وليلهو الجَشِعْ في جشعه، ولا ينتهر أحد الشتّام ومَن تعود على نقض القسم، ليستمر في نقض قسمة مع أن المؤمن بقسمه ينتظره موت. والآخر فليقل ما يريد من الكذب، لأنه لا يوجد أى ربح من وراء الحقيقة، وإذن فلا يرحم أحد الفقير، لأن أحشاء الرأفة ليس لها مكافأة! إن هذه الأفكار الغريبة تختلط وتتداخل بصورة أصعب من الطوفان الذي يأخذ أمامه كل شئ، وتطرد كل كلمة مُهذبة، وتدعم كل فكر مهووس ومرذول.

لو لم تكن هناك قيامة، فلن تكون هناك دينونة، ستضيع مخافة الله. وحيث لا يوجد تهذيب بالترهيب، فهناك يرقص الشيطان فرحًا بالخطية. ويناسب هؤلاء ما كتبه داود في المزمور القائل ” قال الجاهل في قلبه ليس إله فسدوا ورجسوا بأفعالهم[21]. إن لم توجد قيامة، فإن قصة لعازر والغنى والهوة العظيمة، والنار التي لا تُطفأ، واللسان المشقق، والعطش الشديد لنقطة الماء واصبع الفقير المبلل بالماء، ستكون أسطورة[22]. من الواضح، أن كل هذا يعطى صورة للقيامة العتيدة. بالتأكيد اللسان والاصبع، لا تُعتبر أعضاء النفس غير المتجسدة، بل أعضاء الجسد. ولا ينبغى لأحد أن يعتقد أن هذا قد حدث، لكن كل هذا يُشكل صوتًا صارخًا يلفت الإنتباه لما سيحدث في المستقبل. وعند قيامتنا من الموت، سيُقدِم كل أحد حسابًا عن أعماله التي عملها في هذه الحياة، وسيكون مكونًا من جسد ونفس كما كان أولاً. وأيضًا حزقيال النبى، الأعظم بين الرائين، ما الذى فكر فيه عندما رأى البقعة العظيمة المملوءة بالعظام الإنسانية، التي أخذ أمرًا إلهيًا ليتنبأ من نحوها؟ إذ أن هذه العظام قد لبست أجسادًا على الفور، وبينما كانت متفرقة ومطروحة بلا نظام، بدأت تنضم بعضها لبعض بنظام وتوافق. أليس واضحًا، بهذه الكلمات، أنه يبرز الدليل الجاد لإعادة إحياء الجسد؟ وأنا أعتقد أن كل من يتشكك في هذا الكلام الخاص بالقيامة، هو ليس فقط من الجاحدين، ولكنه بلا منطق أو عقل. لأن القيامة، والتجديد، والتجلى وكل الأسماء المشابهة تُذّكر المستمعين بالجسد الذي يخضع للفناء. لأن النفس عندما تُفحص في حد ذاتها، فهى لا تتحلل كما يتحلل الجسد ولا تتعرض للفناء، فهى غير قابلة للموت بسبب قوة الحياة التي أخذتها من المسيح. بينما نجد أن الجسد الذي يحملها يفنى، ويتوقف إتصاله بالأشياء المحيطة. إن النفس ستسكن مرة أخرى في جسدها لتقدم حسابًا أمام الديان العادل. أو من الأفضل، لكى يصير حديثنا مُتسمًا بالدقة ومنطقيًا، لنفحص الأمر كالآتى. ماذا تقول، مَن هو الإنسان؟ هل هو مكون من النفس والجسد معًا أم أنه واحد من هذين الاثنين؟ من الواضح أن الكائن الحىّ، يتكون من الاثنين معًا. لا ينبغى أن نُطيل الحديث في أمور معروفة ولا تقبل الشك. فلو إن الأمر هكذا، فلنُفكر أى من الاثنين (الجسد أم النفس)، عندما يرتكب الناس على سبيل المثال زنا، قتل، سرقة، أو أى شئ له علاقة بهذه الأمور، أو العكس أيضًا عندما يُمارس العفة، ضبط النفس، وكل عمل حسن، هل نقول إن هذه الأمور هى نتائج لعمل الاثنين (النفس والجسد)، أم تنحصر في أعمال النفس؟

          وهنا تتضح الحقيقة، فمن المحال أن تشرع النفس وهى منفصلة عن الجسد في السرقة، أو في تدنيس المقدسات، ولا أيضًا تقدم وحدها خبزًا للجائع ولا تعطى ماءً للعطشان، ولا تداوم على زيارة المسجونين، بلا كلل، لكى ترعى البائسين، لكن في كل الأمور، يعملان معًا بلا انفصال، الواحد مع الآخر يشاركان في الأفعال والأعمال.

          بما أن الأمر هكذا، ولأنك مقتنع بالدينونة عن الأعمال التي عملناها في هذه الحياة، فكيف إذن تفصل النفس عن الجسد وتُقصر الدينونة على النفس فقط، بينما كل ماحدث قد تم بإشتراكهما معًا في كل فعل؟ لكن إذا صار شخصًا ما قاضيًا عادلاً من جهة خطايا البشر، وفحص بعناية، من أين تنبت الأسباب الأولى للخطية، ربما يكتشف أن أول مَن يعبث ويصنع مخالفة هو الجسد. لأنه يحدث مرارًا، بينما النفس هادئة وغير مضطربة وفي سكون، تلقى العين نظرة اشتهاء إلى أمور كان من الأفضل ألا تنظر إليها، وتنقل المرض إلى النفس، فتتبدل حالة الهدوء إلى رعود وأنواء، وأيضًا الآذان عندما تسمع بعض الكلمات النابية والمنفّرة، فإنها تصب في الأفكار أمورًا تُثير الإضطراب والبلبلة. وفي بعض الأحيان تجلب الأنف على صاحبها شرورًا كبيرة لا شفاء منها عن طريق حاسة الشم، فتثير إنساننا الداخلى. وتستطيع الأيدى عن طريق اللمس، أن تُزعزع صلابة النفس. هكذا نتقدم قليلاً قليلاً ونفحص الأمر، سنجد أن الجسد مسئول عن كثير من الخطايا. لكنه أيضًا يعانى المشاق من أجل الفضيلة، ويتعب في جهاده من أجل الصلاح، وذلك عندما يُقطع بالسيف، ويحرق بالنار، ويُمزّق بالسياط، ويُثقل بأحمال ثقيلة، ويصبر على كل تعذيب، لكى لا يخون الوصية الإلهية. إذن لو أن الجسد يُشارك في أفعال النفس ولا ينبذ الآثام، فمن أين تأخذ الدافع، وتقول أن النفس غير المتجسدة وحدها هى التي تُقاد إلى الدينونة؟ بالتأكيد هذا الحديث لا يتعلق لا بأبرار ولا بعاقلين. لو أخطأت النفس وحدها وهى عارية (أى من لباس الجسد)، فلنعاقبها وحدها، لكن لو كان لديها شريك واضح، فلن يتركه الديان العادل وأنا أعرف أن هذا الأمر يقوله الكتاب، أن المذنبين سيخضعون لعقوبات عادلة[23]، نار، ظلمة، دود لا يموت. كل هذه هى عقوبات الأجساد المادية، لأن النفس وحدها لن تمسّها النار أبدًا، ولا الظلام سيُثير لديها حزن، طالما ليس لديها أعين جسدية. وماذا يستطيع أن يفعل الدود الذي يأكل الجسد وليس النفس؟ إذًا فالنفس لن تُدان وحدها بمعزل عن الجسد، لكن الإنسان كله (نفسًا وجسدًا) سيخضع للدينونة.

إن الأفكار العاقلة والرؤى المستنيرة هى التي تقود لقبول قيامة الأموات، والتي ستتحقق في أزمنة محددة، لأن الله حقق وعوده بالأعمال. إذن فلنؤمن بهذا: ” فإنه سيبوق فيُقام الأموات عديمى فساد ونحن نتغير[24]. وأيضًا ” لا تتعجبوا من هذا. فإنه تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته. فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة[25]. لأنه لا يقدم وعوده بالكلام فقط، لكن بالأعمال التي يحققها كل يوم، يُعلم ويُظهر بوضوح أنه كلّى القدرة. فعندما خلقنا في البداية لم يتعب، ولا عندما يُغيّرنا ستغيب عنه الحكمة. فلننظر إلى الأمور الحالية، حينئذٍ سوف لا نتشكك في الأمور المستقبلية. لأن كل عمل لله يُثير لدينا الآن أحاسيس مُفرحة وإعجاب لا يُعبر عنه، عندما نتأكد أن ملامح الآباء والأجداد تورث بالتمام في ملامح الأحفاد، والأولاد يصيرون انعكاسًا للأجداد. وعندما تُخلق التشابهات التي تعكس النماذج الأصلية، التي لم يعد لها وجود، وقتها تصل المفاجأة من نحو عمل الحكمة الفائقة لله مخلّصنا، الفنان الأعظم، إلى قمتها، وكل هذا يحدث بطريقة سرية لا يستطيع أحد إدراكها، فيُقيم الأموات، من خلال إعادة خلقه للملامح الخاصة بالنماذج الأصلية، والتي تظهر في الأبناء والأحفاد. وفي كثير من الأحيان، تظهر في جسد ما الملامح التي تحمل نفس الصورة، الخاصة بأنف الأب، وعيون الجد، وخطوة العم، وطريقة كلام الأم، وإنسان واحد يُعتبر مثل نبات تأثر من أشجار كثيرة تُثمر ثمارًا كثيرة لكل مَن يُحبها. كل هذا يستحق الاعجاب، ومع أننا نجهل كيفية حدوثها، إلاّ أننا نعرف قدرة الخالق على إبداعها. إنه لأمر غريب ويكشف عن جهل كبير، من جهة كل ما يظهر في الأجساد التي تولد كل يوم، تلك الملامح الخاصة بالأجساد التي تعفنت وفسدت، وأن صفاتًا غير مألوفة تنتقل إلى أجساد أخرى، لكنهم لا يقبلون أن كل ما لهم من صفات أو ملامح خاصة مميزة، تتجدد وتحيا مرة أخرى. تمامًا كما كانت في أولئك الذين كانوا يحملون هذه الملامح في زمن ما. بل أننا نرفض كل هذا ونتشاجر ونتصور أن الوعد الإلهى خرافة، في حين أن الله هو ذاك الذي أعطى وجودًا لهذا العالم وزيّنه كما أراد. أما من جهتنا نحن فقد آمنا بالقيامة ونعطى المجد للآب والابن والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

[1] حيث كان المناخ الإجتماعى في تلك الفترة يسمح، بل ويُشجع على تغطية إحتياجات مَن هم في حاجة إلى عون وعضد. هذا ما يؤكده القديس يوحنا ذهبى الفم في عظة له عن “المعمدين الجدد” قائلاً: ” إن المدعوين لأفراح عالمية، حتى ولو كانوا هم أكثر فقرًا من الجميع، فإنه في مرات كثيرة يستعيرون من الآخرين أفضل الملابس للظهور بالشكل اللائق. وأنت يا مَن دُعيت للفرح الروحى والعشاء الملوكى فكر في أى نوع من الملابس ينبغى أن ترتدى “. مجموعة آباء الكنيسة اليونانيين (EPE)  89، جزء30، ص555.

[2]  مز1:117.

[3] مز1:149ـ2.

[4] 1كو31:7.

[5] مز24:118.

[6]  تك20:40ـ21.

[7]  1كو32:15.

[8] 1كو19:15.

[9]  انظر1كو52:15.

[10] يظهر هذا في صلاة الصلح، عندما يصلى الأب الكاهن قائلاىً: ” يا الله العظيم الأبدى الذي جبل الإنسان على غير فساد … وعندما خالفنا وصيتك بغواية الحية سقطنا من الحياة الأبدية ونفينا من فردوس النعيم “.

[11] يورد القديس أثناسيوس هذا التشبيه في مجال حديثه عن تجسد الكلمة، انظر كتاب “تجسد الكلمة” فصل1، فقرة 4. ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، إصدار مركز دراسات الآباء، سنة 2003.

[12] إش12:40.

[13] حكمة سليمان1:13.

[14]  يو44:11.

[15]  لو11:7ـ15.

[16]  1كو36:15ـ37.

[17]  تك18:13.

[18]  1كو51:15.

[19]  مت31:24.

[20] 1كو32:15.

[21] مز1:14.

[22] لو19:16ـ31.

[23]  مر48:9، مت12:8، حكمة يشوع بن سيراخ 17:7.

[24]  1كو52:15.

[25]  يو28:5ـ29

 

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

تتبع قيامة يسوع إلى أقرب روايات شهود العيان الخاصة بها – مينا مكرم

تتبع قيامة يسوع إلى أقرب روايات شهود العيان الخاصة بها – مينا مكرم

تتبع قيامة يسوع إلى أقرب روايات شهود العيان الخاصة بها – مينا مكرم

ادعى المسيحيون الأوائل أن يسوع قام من بين الأموات وظهر للكثيرين. ما مدى قرب هذه الروايات من الأحداث المعنية؟ يشير العلماء إلى أن كتابات العهد الجديد الأولى بدأت تظهر بعد حوالي عشرين عامًا من موت يسوع. سيكون هدفي هنا هو المجادلة بأن رسالتين معترف بهما بالإجماع لبولس، رسالة كورنثوس الأولى وغلاطية، توفران الأساس لإثبات أن إعلان القيامة الأصلي كان مبكرًا بشكل استثنائي ومرتبط بشهود العيان الأوائل أنفسهم. يشير هذا إلى أن ظهور القيامة متأصل بشكل آمن في التقليد التاريخي.

 

 

كلمة موجزة عن الحد الأدنى من الحقائق التاريخية

يبدأ معظم الباحثين الإنجيليين في معاملتهم لقيامة يسوع من خلال الجدل حول المصداقية التاريخية العامة للأناجيل الأربعة. بينما أعتقد أن هذه النصوص توفر الكثير من المعلومات المفيدة التي تساهم في بناء مثل هذه الحالة، [1] هذا لن يكون أسلوبي هنا.

بدلاً من محاولة استخدام هذه المصادر ككل، سأستخدم في هذا المقال فقط تلك البيانات التاريخية التي يعتقد العلماء الناقدون أنها يمكن إنشاؤها وفقًا لمعايير أكثر تشككًا. على الرغم من أنني لا أستطيع تقديم الأساس لهذه الحقائق التاريخية هنا، فقد فعلت ذلك في مكان آخر.[2]

غالبًا ما يساء فهم هذه الطريقة. يعترض البعض على أنه لا يمكن استخدام الكتاب المقدس كمصدر. ومع ذلك، فأنا أستخدم البيانات التي يسمح بها العلماء الناقدون فقط، وهذا الاعتراف من جانبهم يأتي لسبب: أن هناك أساس قوي تقوم عليه هذه المادة.

في أي دراسة توظف مبادئ التأريخ، سواء كانت قديمة أو حديثة، يمكن القول إن المطلبين الرئيسيين هما تأمين شهادة شاهد عيان وقريبة قدر الإمكان من الأحداث المعنية. من المهم بشكل خاص أن يكون لديك معلومات كافية لمعالجة أي سيناريوهات بديلة رئيسية. إن الحصول على كل من شهود العيان والشهادة المبكرة أمر غير شائع إلى حد ما في العالم القديم، ولكن عندما يكونون متاحين، وخاصة معًا، فإنهم عادة ما يلعبون دورًا حاسمًا. تم الاعتراف بذلك في العصور القديمة أيضًا.[3]

 

 

صلب يسوع – غير قابل للنقاش

نقطة الانطلاق لجدولنا الزمني هي موت يسوع بالصلب، والمؤرخ عمومًا إما في 30 أو 33 بعد الميلاد. لن يتم مناقشة الوقت الدقيق هنا، يعتقد ريموند براون أنه يكاد يكون من المستحيل الاختيار بينهما، لكن أي من التاريخين لا يطرح مشكلة.[4]

يؤكد جون دومينيك كروسان أن “موت يسوع بالإعدام في عهد بيلاطس البنطي أمر أكيد مثل أي شيء تاريخي يمكن أن يكون على الإطلاق.”[5] ما تبقى من الأحداث التي سنركز عليها جهودنا تحدث على مدى السنوات الخمس والعشرين التالية.

 

 

عقدان إلى ثلاثة عقود بعد الصليب: رسائل بولس “الأصلية”

يعتبر غالبية العلماء اليوم أن رسائل بولس هي نقطة البداية عند مناقشة المسيحية المبكرة. من بين الثلاثة عشر كتابًا التي تحمل اسم هذا الرسول، حتى النقاد يقبلون ستة كتب على الأقل على أنها أصلية: رومية، 1-2 كورنثوس، غلاطية، فيلبي، وتسالونيكي الأولى. حتى العلماء المتشككون يتفقون على أن هذه الكتب كتبها بولس وتاريخها في العقد ما بين 50 و60 بعد الميلاد.[6]

يفضل العلماء الناقدون رسائل بولس “الأصيلة” هذه لأننا نستطيع التأكد من مؤلف هذه الكتابات وتواريخها. بينما يذكر بولس تفاصيل أقل عن حياة يسوع المبكرة في هذه الأعمال، فإنه يقدم تفاصيل مهمة فيما يتعلق برسالة الإنجيل لموت يسوع المسيح وظهورات قيامته، ومن وقت أبكر بكثير من الأناجيل.

 

النص الرئيسي في هذا الصدد هو بالتأكيد 1 كورنثوس 15: 3-8. في الآيتين السابقتين، يشير بولس إلى كرازته السابقة لأهل كورنثوس. كُتبت هذه الرسالة في حوالي 54-55 بعد الميلاد، في حين أن الوعظ الأصلي لبولس في المدينة كان مؤرخًا على الأقل قبل عامين، وربما في وقت مبكر من عام 50، كما يقر كوستر.[7]

لذلك كتب بولس بخصوص موت يسوع وظهورات قيامته في هذا النص الحاسم بعد خمسة وعشرين عامًا فقط من صلب يسوع، بينما كان يكرز بالرسالة نفسها لكنيسة كورنثوس قبل عدة سنوات، أو بعد حوالي عشرين عامًا من الأحداث.

 

هذا التاريخ الأخير هو فقط نصف الفترة الزمنية من يسوع إلى إنجيل مرقس، وأقل من ثلث المسافة بين يسوع وإنجيل يوحنا. لكن رواية بولس تقدم أيضًا أسبابًا حاسمة أخرى لتفضيلها على الأناجيل. في ملاحظة مباشرة تم الاعتراف بها بشكل استثنائي من قبل العلماء الناقدين، أوضح بولس أنه تلقى المادة الواردة في كورنثوس الأولى 15: 3-7 من مصدر آخر: “لأنني سلمت إليكم في الاول ماقبلته انا أيضاً ” (1 كو 15: 3).

يقدم هذا التعليق وجهة نظر مختلفة تمامًا حول مصداقية معلومات بولس. هل يمكن أن يوفر هذا نظرة ثاقبة لطبيعة التعليم الرسولي المبكر بين عامي 30 و50 بعد الميلاد، قبل كتابة كتاب العهد الجديد الأول؟ حتى سفر أعمال الرسل مؤرخ بانتظام بين 65 و85 بعد الميلاد، أو من خمسة وثلاثين إلى خمسة وخمسين عامًا بعد الصلب [8] يأتي كل من هذا التاريخ وكتابات الأناجيل من إطار زمني محترم للغاية للتقارير القديمة. ولكن ماذا لو كانت لدينا مادة حتى قبل رسائل بولس الأولى؟

 

بالإضافة إلى كورنثوس الأولى 15: 3، تذكر العديد من نصوص العهد الجديد أيضًا انتقال التقليد القديم.[9] يأتي هذا بعد الممارسة اليهودية المعروفة المتمثلة في ضمان الاستمرارية العقائدية والرعوية من خلال إعادة إنتاج التعاليم الأمينة. حتى بدون وجود بيانات صريحة تفيد بأنه يتم نقل تقليد ما، يتفق العلماء النقديون على نطاق واسع فيما يتعلق بعدد من هذه النصوص القديمة.

غالبًا ما يُشار إلى وجود مثل هذا التقليد من خلال بنية الجملة، والإلقاء، والتوازي النصي، والصياغة المنمقة، وما إلى ذلك. تظهر هذه النصوص أحيانًا بسبب فواصل بناء الجملة بين الاقتباس والنص الأكبر. في مناسبات أخرى، تحتوي النصوص على مقتطفات لاهوتية موجزة من الأفضل شرحها على أنها موجودة في هذا النموذج لأغراض الحفظ. مثال آخر هو ما يُتفق عمومًا على أنه ترنيمة كريستولوجية في (فيلبي 2: 6-11).

 

إحدى فوائد هذه التقاليد المبكرة (تسمى أيضًا “المذاهب” أو “الاعترافات”) هي أنها تعيد إنتاج تعاليم أقدم من الكتاب أو الكتابة التي تظهر فيها. لذلك، إذا كان من المعروف أن هذه المادة موثوقة، خاصةً إذا كانت تبدو رسولية بطبيعتها، فمن المرجح أنها تعرض تعليقات جديرة بالثقة تكون أيضًا في وقت مبكر، وأحيانًا بشكل استثنائي.[10]

لكي نرى ما إذا كانت المادة الواردة في كورنثوس الأولى 15: 3-7 هي أقدم وأكثر موثوقية، يجب أن نحدد السيناريو الأكثر احتمالية لقبول بولس لهذا التقليد. يدعي الرسول بطريقة صريحة أنه نقل هذه المعلومات كما حصل عليها. هل لدينا أي معلومات بخصوص الوقت الذي قد يكون فيه بولس قد تلقى هذا الحساب؟ من على الأرجح أعطاها له؟ نظرًا لأنه يتعلق بظهورات موت وقيامة يسوع، مركز المسيحية المبكرة، سيكون من المهم للغاية أن يكون لدينا بعض الدلائل على مصدر بولس.

 

 

نصف عقد بعد الصليب: رحلة بولس الأولى إلى أورشليم

ومن الغريب أن المرحلة التالية من العملية لم يكتشفها الكتاب المحافظون وإنما العلماء الناقدون. علاوة على ذلك، هناك شبه إجماع بين أولئك الذين يعالجون هذه القضايا. أكد بولس أكثر من مرة أنه تلقى تقاليد من الآخرين ونقلها إلى مستمعيه. هل يقدم أي مؤشرات عن مكان وزمان الحصول على هذه البيانات؟

من كل ما نعرفه، كان بولس عالما دقيقا. لقد تدرب جيدًا على تقليد العهد القديم، مشيرًا إلى نفسه كفرد متحمس للغاية للناموس، كفريسي و”عبراني من العبرانيين” (فيلبي 3: 4-6). لقد تقدم إلى ما وراء الآخرين في عصره وميز نفسه من خلال دعم تقليد اليهودية دون أدنى شك. على هذا النحو، فقد اضطهد المسيحيين الأوائل بعنف (غلاطية 1: 13- 14). ثم شهد أنه التقى بيسوع القائم، موضحًا التغيير الكامل في حياته (1 كو 9: 1، 15: 8-10، غلاطية 1: 15-16).

 

يشهد بولس أنه بعد اهتدائه مباشرة، لم يتشاور مع أي شخص. منذ أن رأى يسوع القائم من الموت، وأمره أن يكرز للأمم، لم يعتقد أنه من الضروري تأكيد ذلك مع الآخرين. كانت سلطة يسوع أعظم من سلطة أي شخص آخر. ومع ذلك، بعد ثلاث سنوات زار أورشليم وقضى خمسة عشر يومًا مع بطرس ويعقوب شقيق يسوع (غلاطية 1: 15-18).

 

ماذا حدث خلال هذا الاجتماع الرائع الذي شارك فيه هؤلاء القادة المسيحيون الثلاثة العظماء؟ لا بد أنها كانت مليئة بالأحداث، على أقل تقدير. في الكلمات الشهيرة الآن لعالم العهد الجديد في جامعة كامبريدج سي إتش دود، “قد نفترض أنهم لم يقضوا كل الوقت في الحديث عن الأحوال الجوية.”[11] إذن ماذا ناقشوا؟ يمكن القول أن القاعدة الأولى للنقد الأدبي هي تفسير النص في سياقه.

عندما نطبق هذه القاعدة هنا، فإن السياق مباشرة قبل وبعد تصريح بولس يتعلق بطبيعة رسالة الإنجيل. لذلك، يستنتج العلماء الناقدون أن هذا الموضوع شكل بوضوح محور هذا الاجتماع التاريخي. بالإضافة إلى ذلك، ما الذي يمكن أن يناقشه بولس والرسولان الآخران بخلاف مركز إيمانهم؟ لهذين السببين، يُستنتج على نطاق واسع أن محتوى الإنجيل كان محور حديثهم.

 

علاوة على ذلك، يعتقد غالبية العلماء الناقدين الذين يجيبون على السؤال أن بولس تلقى التقليد المبكر المسجل في كورنثوس الأولى 15: 3-7 أثناء هذه الزيارة إلى أورشليم، وأنه حصل عليه من بطرس ويعقوب، وهما بالمناسبة الوحيدان اللذان بجانب بولس تظهر أسماؤهما في قائمة ظهورات يسوع من بين الأموات. استنادًا إلى التاريخ المعتاد لتحويل بولس إلى ما بين سنة وثلاث سنوات بعد صلب يسوع، فإن استقبال بولس لهذه المادة في أورشليم سيكون مؤرخًا بعد ثلاث سنوات، أو من حوالي 34 إلى 36 م.

في مناسبات عديدة، قمت بتوثيق هذا الاستنتاج العلمي النقدي حول متى ومن من تلقى بولس هذه المواد.[12] كما لاحظ ريتشارد باوكهام مؤخرًا إجماع العلماء على هذه النقطة.[13]

 

إلى جانب الموضوع نفسه والأسماء الفردية الثلاثة في قائمة الظهورات، يوجد تلميح آخر بخصوص هذه العملية في غلاطية 1: 18. عندما تحدث بولس عن وقته مع بطرس ويعقوب، استخدم المصطلح اليوناني هيستوريو ἱστορῆσαι (مأخوذ من مصطلح مؤرخ)، والذي غالبًا ما يتم تعريفه على أنه اكتساب المعرفة عن طريق الاستفسار الشخصي أو التحقيق.[14]

لذلك قصد بولس على ما يبدو أن يفهم القارئ أنه كان يستخدم هذا الوقت الجيد مع الرسولين الآخرين من أجل استكشاف فهمهما لرسالة الإنجيل. ولكن حتى بدون أن يخبرنا بذلك، فمن المنطقي أن يقوم برحلة إلى أورشليم للتحدث مع كبار الرسل هناك. علاوة على ذلك، كان الموضوع مهمًا جدًا لبولس، لأنه توقف بعد ذلك ليخبر قارئه: “أؤكد لكم أمام الله أن ما أكتبه لكم ليس كذبًا” (غلاطية 1: 20).

 

من الأهمية بمكان أن نتذكر هنا الاختلاف الحيوي بين التقليد الرسمي الذي نقله بولس للآخرين، والذي كتب على حد علمنا لأول مرة في كورنثوس الأولى 15: 3-7، والمحتوى الخاص الذي يلخصه هذا التقليد. عمليا لا شيء يعتمد على أن بولس قد تلقى هذا التقليد بالضبط خلال هذا الاجتماع في أورشليم على وجه التحديد، على الرغم من أن هذا هو الوقت الذي يميل فيه العلماء الناقدون إلى وضعه.

الأمر الأكثر أهمية يتعلق بمعرفة بولس بمحتوى الإنجيل كما بشر به بطرس ويعقوب شقيق يسوع، والذي يشتمل على قانون الإيمان. وهكذا، كل ما نحتاج إلى معرفته هنا حقًا هو أن بولس حقق معهم في تفاصيل الإنجيل، وهذا يبدو مؤكدًا.

 

في الواقع، العلماء الناقدون واثقون جدًا من هذا الاستنتاج الأخير الذي خلص إليه دود، “لذلك لا يمكن أن يكون التاريخ الذي تلقى فيه بولس أساسيات الإنجيل أكثر من حوالي سبع سنوات بعد موت يسوع المسيح. قد يكون في وقت أبكر من هذا “. لذلك، “تمثل كرازة بولس تيارًا خاصًا من التقليد المسيحي الذي اشتُق من التيار الرئيسي في نقطة قريبة جدًا من مصدره.”

ولئلا يقول البعض إن بولس أربك هذه الرسالة، يستنتج دود، “أي شخص يجب أن يؤكد أن الإنجيل المسيحي البدائي كان مختلفًا جوهريًا عن الإنجيل الذي وجدناه في بولس عليه أن يتحمل عبء الإثبات”.[15] لكن ليس علينا أن نأخذ كلمة دود في هذا، يتبنى العشرات من العلماء النقديين المعاصرين، بمن فيهم المشككون، السيناريو العام الموضح هنا.[16]

لذلك، يعتقد غالبية العلماء الناقدين الذين تناولوا هذه القضية أن بولس تلقى مادته التقليدية عن موت وقيامة يسوع من بطرس ويعقوب شقيق يسوع أثناء وجوده في أورشليم، بعد حوالي ستة أعوام من صلب يسوع. علاوة على ذلك، حتى لو تساءل المرء عن الوقت والمكان المحددين لاستقبال بولس الفعلي لهذه المادة العقائدية، فمن الصعب للغاية تجنب الاستنتاج بأن هؤلاء الرسل الثلاثة على الأقل قد تأكدوا من طبيعة محتوى الإنجيل في ذلك الوقت.

 

 

أقل من عقدين بعد الصليب: رحلة بولس اللاحقة إلى أورشليم

هنا يجب أن نستطرد قليلاً في جدولنا الزمني، قبل أن نستمر في العودة إلى الوراء نحو موت يسوع. لكن من الأفضل ترك هذه المناسبة إلى ما بعد المناقشة السابقة. مباشرة بعد وصف رحلته الأولى إلى أورشليم، قال بولس إنه زار المدينة مرة أخرى، بعد أربعة عشر عامًا (غلاطية 2: 1). في أي عام عقد هذا الاجتماع الثاني؟

يؤرخه بولس من مناقشته السابقة في غلاطية 1، مما جعل العلماء يتساءلون عما إذا كان بولس قصد وقت اهتدائه أم من رحلته الأولى إلى أورشليم. كذلك، يختلف رأي العلماء حول ما إذا كان الاجتماع في غلاطية 2: 1-10 هو نفس ما ورد في أعمال الرسل 15: 1-31. بغض النظر، الفرق طفيف. كوستر يفضل تاريخ 48 م.[17]

مرة أخرى، من الواضح أن موضوع بولس هو موضوع الإنجيل. في واحدة من أكثر التعليقات التي لا تصدق في العهد الجديد، شهد بولس أنه سافر على وجه التحديد إلى أورشليم لزيارة الرسل القياديين من أجل وضع أمامهم رسالة الإنجيل التي كان يكرز بها “خوفًا من أنني كنت قد سعيت باطلاً “(غلاطية 2: 1-2).

يا له من قبول لا يصدق! هنا لدينا “رسول للأمم” يقر بأنه سلم نفسه للسلطات الرسولية في أورشليم من أجل التأكد مما إذا كانت رسالة الإنجيل التي كان يكرز بها صحيحة. لو كان مخطئًا، لربما كانت هناك ظروف مأساوية لأعضاء الكنيسة الأولى من الأمم غير اليهود، ومن هنا تردد بولس.

 

إلى جانب بطرس ويعقوب شقيق يسوع، كان الرسول يوحنا حاضرًا أيضًا (غلاطية 2: 9). مع بولس، من الصعب تفويت النسيج الرائع لهذه المجموعة. بالكاد يمكن للمرء أن يتخيل سلطة واحدة في الكنيسة الأولى كانت أكثر تأثيرًا من هؤلاء الأربعة. قيل لنا أن برنابا وتيطس رفقاء بولس كانوا حاضرين أيضًا (غلاطية 2: 1). إلى هذه المجموعة قدم بولس رسالته الإنجيلية، لفحصهم. كان الحكم أن القادة الرسوليين الثلاثة الآخرين “لم يضيفوا شيئًا إلى رسالتي” (غلاطية 2: 6).

علاوة على ذلك، قاموا بمد الشركة لبولس وبرنابا، معترفين بمهمتهم إلى الأمم (غلاطية 2: 9). وقد حثهم الرسل الآخرون على الاهتمام بالفقراء أيضًا، وهو ما يقول بولس إنه كان حريصًا على القيام به على أي حال (غلاطية 2: 10).[18] لا يمكن أن يأمل بولس في حكم أفضل! نفترض أنه وبطرس ويعقوب كانوا جميعًا على نفس الصفحة أثناء زيارة بولس الأولى إلى القدس.

لكنه طلب هنا تحديدًا حكمًا فيما يتعلق بالرسالة المركزية التي بشر بها الأمم ووجد أنه لا يوجد تعارض بين تعاليم الإنجيل وتعليم الرسل الآخرين. خاصة عندما نعتبر أن هؤلاء كانوا القادة الأكثر نفوذاً في الكنيسة الأولى، فلا يمكن المبالغة في التأكيد على قيمة مثل هذا الحكم الإيجابي. لقد اتحدوا جميعًا فيما يتعلق بالبشارة الأكثر قدسية في المسيحية المبكرة.

 

مرة أخرى نتذكر تصريح دود بأن بولس والرسل الأوائل الآخرين اتفقوا جميعًا عندما يتعلق الأمر برسالة الإنجيل.[19] أوضح بولس أن الكرازة المبكرة بالإنجيل كانت تتعلق بشخص المسيح وموته ودفنه وقيامته وظهوراته (1 كو 15: 3-4). يوضح بولس هذا الأمر بوضوح في أماكن أخرى أيضًا، حيث يقتبس أيضًا تقاليد عقائدية أخرى مبكرة جدًا (مثل رومية 1: 3-4، 10: 9). وبالمثل، يعرّف سفر أعمال الرسل أيضًا الوعظ الرسولي المبكر بالإنجيل على أنه يشير إلى ألوهية يسوع وموته وقيامته.[20]

يعتبر العديد من العلماء النقاد أيضًا أن عددًا من هذه النصوص في سفر أعمال الرسل هي تقاليد أخرى مبكرة سبقت الكتاب نفسه. كان دود أحد المتخصصين البارزين هنا، ووجد نفس تفاصيل الإنجيل في نصوص سفر أعمال الرسل كما في كتابات بولس.[21]

بعد أن يستشهد بولس بنص قانون الإيمان المبكر في 1 كورنثوس 15: 3-7، يذكر الرسل الآخرين ويؤكد أنهم كانوا يكرزون بنفس الرسالة عن ظهورات يسوع في القيامة التي كان عليها (1 كو 15:11، راجع 15 :12 -15). لذلك يمكن لقرائه الحصول على نفس المعلومات منه أو منهم – كانوا متفقين. هذا هو إنعكاس غلاطية 2: 1-10. هناك، أكد الرسل الثلاثة على رسالة بولس الإنجيلية. يؤكد بولس في كورنثوس أنهم جميعًا كانوا يعلمون نفس الرسالة المركزية للمسيح المُقام الذي بشر به.[22]

بالنسبة للنصوص القديمة، ربما لا نرى أبدًا هذا النوع من التدقيق المتبادل من قبل السلطات الرئيسية، كل ذلك في مثل هذا التاريخ المبكر. يؤكد هوارد كلارك كي بشكل مثير للدهشة أن هذه المادة قوية جدًا بحيث “يمكن فحصها بشكل نقدي ومقارنتها بشهادات أخرى من شهود عيان ليسوع، تمامًا كما يمكن للمرء تقييم الأدلة في محكمة حديثة أو بيئة أكاديمية.”[23]

نستنتج أن بولس، وبطرس، ويوحنا، ويعقوب، شقيق يسوع، كانوا الأشخاص المناسبين، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، وجميعهم يعلنون نفس رسالة القيامة!

 

 

مباشرة بعد الصليب: العودة إلى تاريخ الأحداث الفعلية

بعد تراجع قصير من أجل وضع رحلة بولس اللاحقة إلى أورشليم في منظورها الصحيح، نحن الآن على استعداد للانتقال إلى المشهد النهائي في جدولنا الزمني. هنا نريد أن نسأل عن أولئك الذين لديهم معرفة بهذه الأحداث التاريخية قبل استقبال بولس للبيانات، بما في ذلك الصيغة العقائدية. بعد كل شيء، فإن حصول بولس على المعرفة بهذه الأحداث قبل ظهور المسيح المقام له لم يكن نهاية في حد ذاته. يجب أن نتراجع إلى الأحداث الأصلية نفسها.

 

بالعمل إلى الوراء قبل بولس، إذن، تم بالفعل طرح هذه الروايات في ملخصات شفهية موجزة لاستخدامها في التدريس، خاصة لأن غالبية المستمعين كانوا أميين على ما يبدو. وقبل ذلك كانت الروايات الأصلية لهذه الوقائع من قبل أولئك الذين شاركوا فيها بالفعل. كما لوحظ، نحن نعلم أن العملية برمتها تمت بسرعة كبيرة، بناءً على البيانات الدقيقة التي لدينا فيما يتعلق بالأحداث الفعلية، والتعليم عنها والصياغة في بيان عقائدي موجز. ثم تم تسجيله بعد وقت قصير نسبيًا. يقر العلماء الناقدون بسهولة أن المسيحيين الأوائل اعتقدوا أن بعض الأحداث قد حدثت فيما يتعلق بيسوع المقام.

 

لذلك، قبل رحلة بولس إلى أورشليم ومناقشته مع بطرس ويعقوب فيما يتعلق ببيانات الإنجيل (والذي ربما كان أيضًا الوقت الذي تلقى فيه التقليد العقائدي الأصلي في كورنثوس ١٥)، من الواضح أن بولس لم يكن أول من سمع عن تقريرهم عن الظهورات. على الأقل، كان على الرسولين الآخرين، على الأرجح مع آخرين، معرفة المعلومات قبل بولس. نحن نقترب الآن من البداية، حيث تم إدراج كل من بطرس ويعقوب ضمن أولئك الذين رأوا يسوع المقام، كما هو واضح بشكل خاص في 1 كورنثوس 15: 4، 7. البيانات التأسيسية الوحيدة هي الأحداث الفعلية نفسها.

 

كيف يجب أن نؤرخ كل من هذه الخيوط؟ لقد رأينا أن رحلة بولس الأولى إلى أورشليم عادة ما تكون في الفترة من 34 إلى 36 م، وتحول بولس في ثلاث سنوات قبل ذلك، أو حوالي 31 إلى 33 م. منذ أن آمن بولس بأنه رأى ظهور الميت مؤخراً والمقام الآن، يسوع. كان من الممكن أن يحدث الصلب في وقت سابق، ولكن ليس قبل ذلك بوقت طويل. إذا كان أي من الاعترافات المبكرة جزءا لا يتجزأ من عظات أعمال الرسل.[24]

تمثل أيضًا عمليات إعادة بناء موثوقة للتعاليم المبكرة، كما منحها معظم العلماء الناقدين، ثم لدينا أسباب إضافية للاعتقاد بأن القيامة قد تم التبشير بها من البداية، فور موت يسوع. هل يتفق العلماء الناقدون على تاريخ هذه العقيدة السابقة لبولس؟ حتى العلماء الراديكاليون مثل غيرد لودمان يعتقدون أن “العناصر في التقليد يجب أن تعود إلى أول عامين بعد الصلب. . . في موعد لا يتجاوز ثلاث سنوات بعد موت يسوع “.[25]

وبالمثل، يؤكد مايكل غولدر أن شهادة بولس حول ظهورات القيامة “تعود على الأقل إلى ما تعلمه بولس عندما تحول، بعد عامين من الصلب”.[26] استنتج عدد متزايد من العلماء المؤثرين بشكل استثنائي مؤخرًا أن تعاليم القيامة على الأقل، وربما حتى الصيغة المحددة لتقليد إيمان ما قبل بولس في 1 كورنثوس 15: 3-7، تعود إلى 30 م! بعبارة أخرى، لم يكن هناك وقت لم تكن فيه رسالة قيامة يسوع جزءًا لا يتجزأ من أول إعلان رسولي.[27]

يقول عالم لا يقل عن جيمس دي جي دن فيما يتعلق بهذا النص المهم: “هذا التقليد، يمكننا أن نكون واثقين تمامًا، تمت صياغته كتقليد في غضون أشهر من موت يسوع”.[28] لذلك، تلقى بولس مادة عقائدية في أورشليم بعد خمس سنوات فقط أو نحو ذلك من صلب يسوع والتي تمت صياغتها بالفعل في وقت سابق، وربما يرجع تاريخها إلى ما بعد وقت قصير جدًا من موت يسوع.

ولكن بغض النظر عن المكان الذي نؤرخ فيه هذا التقليد العقائدي نفسه، فإن المحتوى الأساسي لرسالة الإنجيل المتعلقة بموت وقيامة يسوع المسيح يعود إلى أوائل البدايات. بعبارة أخرى، كانت الرسالة المركزية للكنيسة الرسولية الأولى منذ نشأتها.

 

 

إعتراض شائع

في الوقت الحاضر، ربما تكون التهمة الأكثر شيوعًا، خاصة من بين الملحدين الجدد، هي أن المسيحية نسخت رسالتها من الديانات القديمة الأخرى. على سبيل المثال، يتساءل كريستوفر هيتشنز عن بعض الأحداث الخارقة للطبيعة التي قيل إنها أحاطت بميلاد يسوع، عندما قيل إن أشياء مماثلة حدثت لشخصيات دينية أخرى مثل بوذا وكريشنا.[29] كما يتم ذكر أو التلميح إلى أوجه الشبه هذه بانتظام فيما يتعلق بقيامة يسوع.[30]

الغريب الحقيقي حول هذه التهمة هو الانفصال الحقيقي للغاية بين الانتقادات المتشككة الشائعة والتعاملات من قبل المتخصصين المتشككين على حد سواء في المجالات ذات الصلة. يبدو أن نسبة كبيرة من هؤلاء يتبنون هذه الشكاوى حول الأديان الموازية كما لو كانت مقبولة من قبل الجميع باستثناء المسيحيين الذين يبدو أن رؤوسهم عالقة في الرمال.

ومع ذلك، في حين أن المتشككين العلماء قد يلاحظون أحيانًا هذا التشابه البسيط أو ذاك، إلا أنهم نادرًا ما يتهمون أن المسيحية المبكرة استمدت تعاليم القيامة من الأديان السابقة. لماذا هذا الانفصال الكبير بين المتشككين الشعبيين ونظرائهم العلماء؟ هل يمكن أن تكون البيانات التاريخية ببساطة لا تدعم مثل هذه الإتهامات المتكررة بشكل شائع؟

 

حتى لو لم نبتعد كثيرًا عن المادة الموجودة في هذا المقال وحده، فإن هذه الأطروحة الشائعة يتم تحديها بشكل كبير في كل منعطف. أولاً، رفض علماء النقاد الاتهام الشائع بأن قصص المصلوبين والمُنقِصين المنتفضين كانت منتشرة في العالم القديم قبل المسيحية، خاصة خلال العقود القليلة الماضية. بالنسبة للمبتدئين، كانت القصص الوثنية بشكل عام لأشخاص لم يعشوا قط وتضمنت رسائل دينية تتعارض في الواقع مع التعاليم المسيحية الرئيسية، وكان لهذه الروايات القديمة تأثير ضئيل للغاية في فلسطين القديمة.

والأهم من ذلك، أن نقاط الاتصال التاريخية المركزية مفقودة ببساطة: تقارير بوذا وكريشنا تأتي بعد مئات السنين. لم يُصلب أي من المؤسسين الدينيين الرئيسيين الآخرين في العصور القديمة. علاوة على ذلك، لا يمكن إثبات وجود رواية وثنية واحدة عن القيامة قبل المسيح، سواء كانت أسطورية أو تاريخية.[31]

هذا أمر مهم بالتأكيد في أي محاولة للضغط على هذه التشابهات المزعومة. ثانيًا، وعلى النقيض تمامًا، أوضحنا الإجماع العلمي فيما يتعلق بشكل خاص بكورنثوس الأولى 15: 3-7، جنبًا إلى جنب مع ملخصات العظات المبكرة في أعمال الرسل، والتي تؤرخ الإعلان المبكر بشكل لا يصدق لرسالة القيامة إلى حوالي 30 م.

تم ربط الرسالة مباشرة بحياة وخدمة يسوع المسيح، مع عدم وجود علامة على الأصل الأسطوري. ثالثًا، والأهم من ذلك، فيما يتعلق بقيامة يسوع، اقتنع العلماء المتشككون بالإجماع تقريبًا أن تقارير الظهورات جاءت من شهود العيان أنفسهم، بناءً على تجاربهم الأصلية، وليس الأساطير والخرافات القديمة.

بعبارة أخرى، اشتق اعتقاد القيامة من تجارب حقيقية وليس من إشاعات غير متبلورة من أماكن أخرى. علاوة على ذلك، تم تأكيد هذا السيناريو خلال زيارات بولس لأورشليم لمناقشة طبيعة رسالة الإنجيل مع الرسل الرئيسيين (غلاطية 1: 18-20، 2: 1-10). عرف بولس ما كان يعلمه الرسل الآخرون فيما يتعلق بظهورات يسوع من بين الأموات وأثنى على رسالتهم (1 كو 15: 11-15). يشير هذا الإطار الضيق إلى أن الإعلان الأصلي استند من البداية إلى النهاية على أحداث تاريخية فعلية.

 

هناك العديد من المشاكل الإضافية التي تكتنف الأطروحة الأسطورية أيضًا. لقد غيرت هذه التجارب التلاميذ حتى أصبحوا على استعداد للموت خصيصًا من أجل تعاليمهم الإنجيلية. وهذا يدل على أنهم آمنوا بصدق رسالة القيامة هذه. لم يتم تفسير ظهور بولس وتحويله من مضطهد الكنيسة من قبل الأساطير القديمة، وكذلك تحول شقيق يسوع يعقوب من الشك إلى الإيمان بالمسيح القائم من بين الأموات (على الرغم من أننا لم نناقش هذا هنا).

أخيرًا، القبر الفارغ مؤكد بشكل كبير.[32] لكن هذه الأطروحة البديلة لا تفسره. على الرغم من أنه يمكن ذكر انتقادات إضافية، [33] يشير هذا إلى سبب رفض الغالبية العظمى من العلماء للأساطير باعتبارها أصل إعلانات القيامة المبكرة، والتي نشأت من تجارب شهود عيان فعلية. كما يؤكد ولفارت بانينبيرج: “في ظل هذه الظروف، يكون عملًا بلا العمل لإجراء تشابهات في تاريخ الأديان المسؤولة عن ظهور الرسالة المسيحية البدائية حول قيامة يسوع”.[34]

 

 

الخلاصة: إكمال الحجة

يتفق علماء النقد المعاصرون على أنه، إلى جانب ظهور بولس، حصل على رسالته المبكرة عن الإنجيل من الآخرين قبله. من المحتمل أنه تلقى على الأقل محتوى التقليد في كورنثوس الأولى 15: 3-7 من بطرس ويعقوب عندما زار أورشليم في السنوات الأولى بعد موت يسوع على الصليب. بالنسبة لهؤلاء الرسل، فإن ظهورات القيامة كانت بالطبع قبل ذلك.

هذه الحجة، أكثر من أي حجة أخرى، هي التي أقنعت غالبية العلماء الناقدين اليوم بأن قيامة يسوع قد أُعلن عنها في الكنيسة الأولى. وبالمثل، يعتقد العلماء أن سبب هذه الرسالة المبكرة كان تجارب تلاميذ يسوع الأوائل، الذين كانوا مقتنعين تمامًا أنهم رأوا ظهورات لربهم القائم من بين الأموات.[35]

هذه الرسالة لم تحدث في وقت لاحق، وبالتأكيد لم يتم اختلاقها أو نسخها من تعاليم الآخرين. وكما يؤكد باوكهام بوضوح، “ليس هناك شك في ذلك. . . يستشهد بولس بشهادة شاهد عيان لأولئك الذين تلقوا ظهورات القيامة “.[36]

يفسر هذا القيمة المذهلة لتقرير بولس في 1 كورنثوس 15: 3-7. إنه يعالج بالتأكيد أهم مسألتين تاريخيتين من خلال ربط تقارير شهود العيان الأصليين التي تم أخذها بشكل واضح من الفترة المبكرة للغاية. صدمت هذه الحجة جيلًا من العلماء الناقدين، مما جعلهم يدركون أن ظهورات قيامة يسوع، على عكس أوجه التشابه اللاحقة التي ربما استعارت من المسيحية، راسخة بقوة في التقليد التاريخي.

 

 

المراجع

1.وعلى الأخص في الأناجيل انظر

Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony (Grand Rapids: Eerdmans, 2006). Cf. James D. G. Dunn, Jesus Remembered, vol. 1 of Christianity in the Making (Grand Rapids: Eerdmans, 2003).

2. وعلى سبيل المثال

Gary R. Habermas, The Risen Jesus and Future Hope (Lanham, Md.: Rowman and Littlefield, 2003); The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ (Joplin, Mo.: College Press, 1996).

3. تناول مؤرخ القرن الثاني لوسيان من ساموساتا إزالة العوامل الذاتية من عمل المؤرخ (6: 7-15، 72-73، 39-43)، وكذلك الوظيفة المناسبة لشهادة شهود العيان، على عكس الكاتب القديم الذي ادعى لقد كان شاهدًا، على الرغم من أن لوسيان قرر أن الوقائع تعارض ادعائه (6: 43-47)! انظر كيفية كتابة التاريخ

How to Write History, vol. 6 of Lucian in Eight Volumes, trans. K. Kilburn, Loeb Classical Library (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1959).

 

4. Raymond E. Brown, The Death of the Messiah, 2 vols. (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1994)، esp. p. 1376; cf. pp. 1350-78.

يتم اختيار التاريخ السابق بشكل أكثر شيوعًا من قبل العلماء، على الرغم من أن لا شيء يعتمد على كونه محددًا.

5. John Dominic Crossan, Who Killed Jesus? Exposing the Roots of Anti-Semitism in the Gospel Story of the Death of Jesus (San Francisco: HarperCollins, 1995), p. 5.

6.على سبيل المثال

 Bart D. Ehrman, The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings, 2nd ed. (New York: Oxford University, 2000), pp. 43-44; Helmut Koester, Introduction to the New Testament, vol. 2, History and Literature of Early Christianity (Philadelphia: Fortress, 1982), pp. 103-4.

 

7. Koester, History and Literature, pp. 103-4

 

8. John Drane, Introducing the New Testament (San Francisco: Harper & Row, 1986)، pp. 236-38.

9. انظر 1 كورنثوس 11: 2، 23، 2 تسالونيكي 3: 6، 1 تيموثاوس 1: 15، 3: 1 4: 9، 2 تيموثاوس 2: 2، 11، تيطس 1: 9.

10. للحصول على العلاج الكلاسيكي لهذا الموضوع، انظر

Oscar Cullmann, The Earliest Christian Confessions, trans. J. K. S. Reid (London: Lutterworth, 1949); cf. Joachim Jeremias, The Eucharistic Words of Jesus (London: SCM Press, 1966).

 

11. C. H. Dodd, The Apostolic Preaching and Its Developments (Grand Rapids: Baker, 1980)، p. 16.

12. على سبيل المثال،انظ

 Habermas, Historical Jesus, esp. pp. 152-57; Gary R. Habermas, “The Resurrection Appearances of Jesus,” in In Defense of Miracles: A Comprehensive Case for God’s Action in History, ed. Douglas Geivett and Gary R. Habermas (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1997), esp. pp. 263-70.

 

13. Bauckham, Jesus, and the Eyewitnesses, pp. 265-66.

 

14. William Farmer, “Peter and Paul, and the Tradition Concerning ‘The Lord’s Supper’ in 1 Corinthians 11:23-25,” Criswell Theological Review 2 (1987): 122-30.

 

15. Dodd, Apostolic Preaching, p. 16.

16.لهذه القوائم،انظر  Habermas, Risen Jesus and Future Hope, esp. nn. 75-102.

17. Koester, History and Literature, p. 103.

18. انظر إلى جهود بولس لتقديم القرابين نيابة عن المؤمنين الفقراء (1 كو 16: 1-4، 2 كورنثوس 8: 1-15).

19. Dodd, Apostolic Preaching, p. 16.

20. لعدد من هذه المقاطع، انظر أعمال الرسل 1: 21-22، 2: 22-36، 3: 13-16، 4: 8-10، 5: 29-32، 10: 39-43، 13: 28-31، 17: 1-3، 30-31

21. Dodd, Apostolic Preaching, pp. 17-31, esp. pp. 19, 24, 26, 31.

22. من أجل هذا الاتفاق بين بولس والرسل الآخرين حول طبيعة رسالة الإنجيل، انظر

Martin Hengel, The Atonement (Philadelphia: Fortress, 1981), pp. 38, 69; John Meier, A Marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus (New York: Doubleday, 1987), p. 118; Hans Dieter Betz, Galatians: A Commentary on Paul’s Letter to the Churches in Galatia (Philadelphia: Fortress Press, 1979), p. 76; Ben Meyer, “Resurrection as Humanly Intelligible Destiny,” Ex Auditu 9 (1993): 15; Bauckham, Jesus, and the Eyewitnesses, p. 266.

 

23. Howard Clark Kee, What Can We Know About Jesus? (Cambridge: Cambridge University Press, 1990), pp. 1-2.

24. مثل تلك المدرجة في الملاحظة 20 أعلاه.

25. Gerd Lüdemann, The Resurrection of Jesus, trans. John Bowden (Minneapolis: Fortress, 1994)، p. 38.

 

26. Michael Goulder, “The Baseless Fabric of a Vision,” in Resurrection Reconsidered, ed. Gavin D’Costa (Oxford: Oneworld, 1996)، p. 48.

27. Larry W. Hurtado, How on Earth Did Jesus Become a God? Historical Questions About Earliest Devotion to Jesus (Grand Rapids: Eerdmans, 2005), esp. p. 4; N. T. Wright, The Resurrection of the Son of God (Minneapolis: Fortress, 2003), p. 319; cf. Bauckham, Jesus, and the Eyewitnesses, pp. 264-68, 307-8.

 

28. Dunn, Jesus Remembered, p. 825 (الأقواس في الأصل).

 

29. Christopher Hitchens, God Is Not Great: How Religion Poisons Everything (New York: Hachette, 2007)، pp. 22-23.

 

30. Richard Dawkins, The God Delusion (Boston: Houghton Mifflin, 2006)، pp. 119-20.

31. للحصول على معالجة كلاسيكية في تاريخ القصص الوثنية، انظر

 Günther Wagner, Das religionsgeschichtliche Problem von Römer 6, 1-11 (Zürich: Zwingli Verlag, 1962),

خاصةً ملخص فاغنر الممتاز في الجزء 3، الأقسام. أ-ب. حتى يتضمن Helmut Koester تعليقات مماثلة، لا سيما في

Introduction to the New Testament, vol. 1 (Philadelphia: Fortress, 1982), pp. 190, 193.

32. لأسباب عديدة رئيسية

Habermas, Risen Jesus, and Future Hope, pp. 23-24.

33. لمناقشة مفصلة والنقد، انظر

Gary R. Habermas, The Resurrection of Jesus: A Rational Inquiry (Ann Arbor, Mich.: University Microfilms, 1976), pp. 146-71.

34. Wolfhart Pannenberg، Jesus: God and Man, trans. Lewis Wilkins and Duane Priebe (Philadelphia: Westminster Press, 1977)، p. 91 (الأقواس في الأصل).

35. لمزيد من التفاصيل، انظر

Gary R. Habermas, “Experiences of the Risen Jesus: The Foundational Historical Issue in the Early Proclamation of the Resurrection,” Dialog: A Journal of Theology 45 (2006): 288-97.

 

36. Bauckham، Jesus and the Eyewitnesses, p. 308 (الأقواس في الأصل).

تتبع قيامة يسوع إلى أقرب روايات شهود العيان الخاصة بها – مينا مكرم

علماء اليهود وقيامة يسوع – مينا مكرم

علماء اليهود وقيامة يسوع – مينا مكرم

علماء اليهود وقيامة يسوع – مينا مكرم

علماء اليهود وقيامة يسوع – مينا مكرم

الملخص

من خلال مسح الدراسات المختلفة عن يسوع التاريخي كما يُنظر إليها من خلال عيون الباحثين اليهود،[1] قام ديفيد ميشكين David Mishkin بعمل مفيد للغاية وذو مصداقية في الجمع بين مجموعة متنوعة من وجهات النظر والنقد فيما يتعلق بالرسالة المسيحية الأساسية. ويهدف بشكل خاص إلى عرض أفكار هؤلاء المؤلفين اليهود فيما يتعلق بالحدث الرئيسي للجميع (أهم حدث في المسيحية) – قيامة يسوع (214). ستلخص مقالة المراجعة هذه النتائج الرئيسية المختلفة لهذا المجلد، مع توفير بعض التفاعل النقدي الإضافي.

نبذة عن النقاط الأساسية

في مقدمته (الفصل الأول)، يذكر ديفيد ميشكين في البداية أن بحثه عن وجهات نظر اليهود في القيامة هو “البحث الأول من نوعه، ويسعى للإجابة على سؤال مباشر: ما قاله علماء اليهود عن تاريخية قيامة يسوع؟ ” (8، تركيز المؤلف؛ أيضًا 10). بينما يعترف ميشكين بشكل مفيد في البداية بأنه يهودي مسياني (9)، يشير ميشكين أيضًا إلى أن الكثير من هذه الدراسة، وخاصة الفصل الرابع، “لا تشمل أولئك الذين يُعرفون بأنهم مسيحيون عبرانيون أو يهود مسيانيون، على الرغم من أنه سيتم ذكرهم أحيانًا” (9).

يُضمن ميشكين ملاحظات تمهيدية أخرى أيضًا، مثل مشهد الدراسات اليهودية حول يسوع الذي تغير بشكل ملحوظ. كتب، “قبل قرن من الزمان، كان لا يزال من المحرمات على العلماء اليهود التحدث بصراحة عن حياة يسوع، لكن بعض الرواد حاولوا فتح آفاق جديدة” (6) الآن أصبحت الدراسات اليهودية عن يسوع أكثر شيوعًا.[2]

المناقشة حول قيامة يسوع “لم تتقدم بالسرعة نفسها”، ولكن في الآونة الأخيرة اتخذ هذا أيضًا منعطفًا جديدًا و”بدأ في الظهور كموضوع للنقاش الجاد بين المؤلفين اليهود” (7) يسعى كتاب ميشكين إلى المساهمة في هذه الاتجاهات العلمية الحديثة فيما يتعلق بالدراسة اليهودية عن يسوع التاريخي بشكل عام وقيامة يسوع على وجه الخصوص.

تم تصميم الفصل الثاني ليكون بمثابة “خلفية” لبقية الكتاب من خلال توفير مسح لخمسة عشر باحثًا مختلفًا قاموا بتوثيق البحث اليهودي حول يسوع والعهد الجديد (10) من خلال القيام بذلك، يهدف ميشكين إلى تقديم السياق الأوسع للدراسات اليهودية قبل التركيز بشكل أكثر تحديدًا على تحليلات قيامة يسوع. وهو يعتقد أن هذا سيساعد في توجيه القارئ إلى حقيقة أن “القيامة لم تكن موضع اهتمام علماء العهد الجديد اليهود” (10)

يبدأ ميشكين مسحه بفصل موجود في كتاب كلايد دبليو فوتاو Clyde W. Votaw عام 1905، العالم الكتابي بعنوان “النظرة اليهودية الحديثة ليسوع” “The Modern Jewish View of Jesus.” وينتهي الفصل بفصل شاؤول ماجد Shaul Magid، “الإصلاح اليهودي الجديد ليسوع في أواخر القرن العشرين بأمريكا” “The New Jewish Reclamation of Jesus in Late Twentieth-Century America,”

المتضمنة في The Jewish Jesus يسوع اليهودي (2014). كتب أكثر من نصف المؤلفين في هذا الفصل قبل عام 1985. ومن بين الكتاب الآخرين Jacob Jocz جاكوب جوكز (1949)، وDavid Catchpole ديفيد كاتشبول (1971)، وPinchas Lapide بينشاس لابيد (1983)، وNeta Stahl نيتا ستال (2012). يشير ميشكين بإيجاز إلى بعض القضايا التي منعت العلماء اليهود من الكتابة عن يسوع بمزيد من التفصيل قبل أن يستنتج أنه كان هناك تحول هائل خلال القرن الماضي. في الواقع، على مدار العشرين عامًا الماضية أو نحو ذلك، “كانت هناك موجة جديدة عميقة من العلماء اليهود الذين يدرسون موضوعات العهد الجديد” (33).

يفحص الفصل الثالث الأسباب المحتملة إما لرفض يهودي سابق لأوانه لقيامة يسوع أو عدم اهتمام العلماء اليهود بهذا الموضوع (8، 34-37، راجع 134-135). يقر ميشكين أن بعض الاعتراضات على قيامة يسوع تمتد إلى ما وراء المناقشات اليهودية، وتؤكد على قضايا معينة تحدث بشكل متكرر في الدراسات اليهودية.[3]

قضية معاداة السامية، على وجه الخصوص، ولدت تاريخياً قدرًا كبيرًا من سوء التفاهم والفصل بين اليهود والمسيحيين. على سبيل المثال، يجادل ميشكين أنه نظرًا لاتهام المسيحيين لليهود أحيانًا بقتل الإله، فإن العلماء اليهود “أولوا اهتمامًا أكبر بكثير لمحاكمة يسوع وصلبه أكثر من قيامته” (36).[4]

وبالمثل، يعتمد الكثير على ما إذا كان هؤلاء الباحثون يفهمون الأناجيل على أنها وثائق معادية لليهود عن قصد (50-54)، أو أنها تتخذ وجهة نظر أكثر توازناً أو حتى مختلطة (54-58)، أو أنها تعتقد أن الأناجيل أقل عدائية مما كان يُعتقد سابقًا (59-62).[5] يسلط ميشكين الضوء أيضًا على الفهم اليهودي للحياة الآخرة (76-89، راجع 138-139)، ومفهومهم عن المسيح (89-103)، وعلم الخلاص (103-117) على أنه يقدم عقبات إضافية أمام النقاش اليهودي حول يسوع والقيامة. ستؤثر كل من هذه الآراء في كيفية اقتراب المرء من يسوع والقيامة.

يقدم الفصل الرابع فهرسًا مفيدًا للغاية لمجموعة واسعة من الآراء التي اتخذها العلماء اليهود بشأن قيامة يسوع، وهي نظرة عامة يدعي أنها فريدة من نوعها في كل من البحث اليهودي والقيامة (8، 10). إنه يستقصي على وجه التحديد أولئك العلماء اليهود الذين علقوا على موضوع قيامة يسوع (8). والأهم من ذلك، أن هذه القائمة لا تشمل “أولئك الذين يُعرفون بأنهم مسيحيون عبريون أو يهود مسيانيون” (9).

ينقسم هذا القسم إلى ست فئات فرعية تناول فيها العلماء اليهود قيامة يسوع (الروايات التاريخية والتاريخ اليهودي والسير الذاتية ليسوع والمقالات والتركيز على القيامة والاقتراحات البديلة) ويغطي خمسة وثلاثين مؤلفًا مختلفًا على مدار الفترة. لأكثر من قرن. يلخص ميشكين بإيجاز آراء كل من هؤلاء الكتاب اليهود من خلال تحديد الحقائق التاريخية الرئيسية المحيطة بقيامة يسوع والتي إما يتفقون أو لا يوافقون عليها، إلى جانب استنتاجاتهم الإجمالية.

سيكون من المفاجئ للكثيرين مناقشة الراحل بينشاس لابيد، الذي قبل قيامة المسيح كحدث تاريخي (158-164)، مع آراء جيزا فيرميس Geza Vermes الإيجابية من عدة نواحٍ، على الرغم من أن فيرميس بقي في النهاية محايد أو غير ملتزم بشكل عام في هذا الحدث (164-169).[6]

الفصل الخامس هو الفصل الأخير لميشكين، ويتألف من خاتمة تلخص المسائل الرئيسية التي تم تناولها في هذا المجلد. تقيّم هذه الخاتمة والتحليل النهائي أيضًا وجهات النظر اليهودية بشكل خاص فيما يتعلق بأهم القضايا المحيطة بيسوع التاريخي: صلبه (203-204)، ودفنه (204-205)، وإيمان التلاميذ بقيامة يسوع (205-207)، والقبر الفارغ (207-208)، وتجربة بولس في التحول (208-210).

يلاحظ ميشكين العديد من المحاذير التي ظهرت من دراسته. كانت العديد من أفكار الكاتب اليهودي حول هذه القضايا تعليقات هامشية، تم إجراؤها “بدون دراسة السياق الأكبر” (202). امتد الإطار الزمني للدراسات اليهودية على مدى قرن ونصف تقريبًا. كان من الصعب في بعض الأحيان تحديد ما إذا كانت تعليقات معينة تم الإدلاء بها بطريقة علمية أم أنها مجرد تعليقات خيالية. كان الحجم الصغير جدًا لمجموعة الأبحاث عاملاً أيضًا (202-203، أيضاً 211).

وبشكل عام، في حين أنه من الممكن بالتأكيد استخلاص بعض البيانات والاتجاهات المفيدة هنا، إلا أنه من الصعب أيضًا تحديد سبب حدوث بعض هذه الأحداث بدقة أكبر، وفقًا للمؤلفين اليهود. على سبيل المثال، على الرغم من أن التلاميذ اعتقدوا بالتأكيد أنهم التقوا بالفعل بيسوع المقام، إلا أن الأسباب أو الأسباب المادية لاعتقادهم تولد بالتأكيد استجابات مختلفة (202-203).

 

تحليل ميشكين التاريخي

ماذا كشف بحث ميشكين؟ فيما يتعلق بالصلب:

أكد جميع العلماء تقريبًا على تاريخية الصلب، أو على الأقل لم ينفوا ذلك… ربما تكون حقيقة موت يسوع على صليب روماني في أورشليم هي الحقيقة الوحيدة التي تحظى بإجماع فعلي في هذه الدراسة (إلى جانب وجوده وحقيقة أنه كان يهوديًا). (203)

ومن المثير للاهتمام، أن ثلاثة من المؤلفين في هذه الدراسة قد تبنوا نظرية الإغماء أو الموت الظاهري:

شونفيلد (1965)، كورنفيلد (1982)، وكوفمان (1929-1930). Schonfield (1965)، Cornfeld (1982)، and Kaufmann (1929-1930).

تم ذكر الدفن من قبل عدد لا بأس به من المؤلفين اليهود، ولكن مرة أخرى، يصعب تقييم الأرقام الدقيقة دون إعطاء رقم إجمالي محدد من هذه الدراسة وحدها.[7] يلاحظ ميشكين اثنين فقط من المعارضين لتقليد الدفن التقليدي الموجود في الأناجيل، بينما يذكر أيضًا عالمًا رئيسيًا يدعي على الأقل بعض الادعاءات المتعارضة (204-205).

فيما يتعلق بإيمان التلميذ، خلص ميشكين إلى أن جميع العلماء اليهود الذين شملهم الاستطلاع “أقروا بأن التلاميذ استمروا في الإيمان بيسوع بعد صلبه”. علاوة على ذلك، اتفقوا جميعًا أيضًا على “أن إيمان التلاميذ مرتبط بطريقة ما بالقيامة… كانت الاستجابة الأكثر شيوعًا هي تفسير نفسي من نوع أو آخر “. (205) تم اقتراح العديد من الأسباب الطبيعية لتجارب التلاميذ، بما في ذلك المناقشات حول ما قد يقنع التلاميذ بأن يسوع كان على قيد الحياة، مع تقديم عدد قليل من الباحثين أكثر من تفسير واحد محتمل (205-207).[8]

الغريب أن العديد من هؤلاء العلماء اليهود قدموا تنازلات لا تصدق في هذه المجالات. خلص الباحثان البارزان بولا فريدريكسن Paula Fredricksen وآلان سيغال Alan Segal إلى أن إيمان التلاميذ بالقيامة بالإضافة إلى التجارب الحقيقية التي تسببت في حدوثهما يجب اعتبارهما حقائق أساسية. خلص عدد من الباحثين إلى أن شهادة الإيمان المبكرة الواردة في 1 كورنثوس 15: 3 وما بعدها يجب أن تكون مؤرخة بالكاد بعد الصلب (39، 203).

بعد الجدل ضد الفرضيات البديلة الرئيسية فيما يتعلق بالقيامة، لا يزال جيزا فيرميس يختار وجهة نظر لا أدرية. لكن العالم اليهودي الأرثوذكسي بينشاس لابيد صدم العالم الديني الغربي بكتابه الذي جادل بأن قيامة يسوع حدثت بالفعل![9]

يلاحظ ميشكين أن بعض المؤلفين اليهود اقترحوا عدة أطروحات طبيعية لتفسير تقارير الإنجيل عن القبر الفارغ. من ناحية أخرى، يستشهد بعدد أكبر من المؤلفين اليهود الذين إما جادلوا ضد هذه التحركات الانتقادية أو قدموا تعليقات قوية فضلت القبر الفارغ (207-208).

في هذه الكتابات اليهودية، يتلقى بولس بشكل منتظم نصيب الأسد من النقد، حيث كان يُعتقد في كثير من الأحيان أن الرسول يستورد أفكارًا وثنية إلى المسيحية وربما يكون الجاني الذي أسس المسيحية حقًا، ويمزقها بعيدًا عن جذورها اليهودية. ظهر هذا النقد الشديد لبولس بشكل متكرر في الأدب اليهودي القديم، مع عدد قليل من أعمال ميشكين التي تذكر هذه الموضوعات التي يعود تاريخها إلى عشرينيات القرن الماضي، وآخر قبل عام 1950.

يفضل غالبية المؤلفين المذكورين في هذا الفصل التفسيرات النفسية الذاتية لتحول بولس. فُسِّر بولس بانتظام وبشكل بديل على أنه سريع الانفعال، وغاضب، ومذنب، ومُدان بخطيئته، أو حسودًا جدًا لإيمان التلاميذ وسلامهم لدرجة أنه اختبر تحولًا بالغ الأهمية إلى المسيحية (208-210)! ومع ذلك، فإن كل من هذه الفرضيات تنم عن نقص واضح في أي دليل تاريخي أو أدبي. كما يعلق ميشكين، “كل النظريات تعتمد بشكل كبير على التكهنات.” (208) لكن وجهات النظر حول بولس من المؤلفين اليهود في العقود القليلة الماضية كانت أكثر إيجابية مما كانت عليه في الأوقات السابقة (210-211).

ينتهي هذا الفصل بالعديد من الاستنتاجات التي توصل إليها ميشكين، وقد يكون القليل منها مفاجئًا إلى حد ما للقراء. على سبيل المثال، اعتقد كتاب يهود معينون مثل مارتن جودمان Martin Goodman أن المسيحية كانت حركة لا تصدق، تأسست على أساس الادعاء بأن يسوع قد أقيم من بين الأموات (210). استنتج جيزا فيرميس بالمثل أن القيامة “هي ظاهرة لا مثيل لها في التاريخ” رغم أنه ظل محايدًا في القضية التاريخية (212).

هذا بمثابة تذكير بنقطة حرجة: بالنسبة للعلماء اليهود مثل بينشاس لابيد، ومايكل كوغان Michael Kogan,، ومايكل غولدبرغ Michael Goldberg، وبيتر زاس Peter Zass، وربما جون ليفنسون Jon Levenson، “لا يؤدي الإيمان بتاريخية القيامة بالضرورة إلى الإيمان الشخصي” (212). هنا يجب تقديم مناقشة إضافية لوجهات النظر العالمية ذات الصلة إلى جانب المعتقدات الأخرى ومعالجتها.

“علامتا الحدود المميزتان” للعلماء اليهود، مع بعض التداخل، هما القيود الثقافية واللاهوتية. ومع ذلك، فإن العديد من المناطق المحظورة سابقًا قد تغيرت في القرن العشرين وما بعده. ما كان “خطيرًا على اليهود لقوله عن يسوع قبل قرن من الزمان هو الآن معترف به بشكل عام”. من بين التغييرات والتعديلات الرئيسية المواقف الجديدة تجاه يهودية بولس، والعهد الجديد ليس بالضرورة وثيقة معادية لليهود، وحتى بعض الأفكار الإيجابية فيما يتعلق بالتجسد (211)! قد تكتسب القيامة مزيدًا من الزخم بين هذه الإهتمامات الجديدة أيضًا (214).

في حين أن هذه الدراسة للمنح الدراسية اليهودية “تختلف من بعض النواحي تمامًا عن المجال الأوسع للمعرفة” إلا أنها متشابهة في مجالات أخرى. ومن الأمثلة الحاسمة بيان ميشكين “أن الأحداث التاريخية الرئيسية” مثل “الصلب، والدفن، وإيمان التلاميذ، والقبر الفارغ، والتحول الدرامي لبولس” كانت “تقريبًا” بالنسبة للكتاب اليهود كما في الدراسات النقدية العامة ككل. . ومع ذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية هنا هو “أي الفرضيات تناسب الدليل بشكل أفضل؟” ومع ذلك، “ليست كل هذه النقاط لها نفس المستوى من القبول.” على سبيل المثال، كان هناك اتفاق أقل بشأن دفن يسوع.

ومع ذلك، فإن المناقشات اليهودية في كتاب ميشكين أسفرت عن “عدم تقديم بدائل قابلة للتطبيق لهذه النقاط بشكل فردي أو جماعي”. (210) يعتقد ميشكين أن العلماء اليهود قد يكونون أكثر وعيًا من معظم الفرضيات المضادة المعقولة، إذا كانت موجودة بالفعل، “لكن لم تحظ أي نظرية حتى الآن بقدر ضئيل من الشعبية حتى بين المتشككين”. ويخلص إلى أن “حقيقتين بسيطتين” يتبعان هذه الدراسة: “1. هناك أدلة تاريخية تشير إلى قيامة يسوع، و، 2. لا يمكن تفسير هذه الأدلة بسهولة ” (211، تأكيد ميشكين).

التحليل النهائي 

كانت استنتاجات ميشكين الملخصة من الفصل الأخير مفيدة للغاية، لا سيما عندما ركزت على الأحداث المسيحية المركزية لحسابات الصلب والدفن والقبر الفارغ والظهورات الواردة في العهد الجديد، بما في ذلك خبرة بولس في التحول. كانت المحاذير من نفس الفصل تكشف أيضًا. كان الإيجاز والطبيعية المحيطية للمعاملات اليهودية للتأكيدات المسيحية الرئيسية (202) منطقيًا، لا سيما في ضوء المعالجات الطويلة في كثير من الأحيان للأمور الأقل مركزية.

يلمح ميشكين إلى أن هذا قد يشير إلى أن بعض الآراء التي تم التعبير عنها لم تكن مدروسة جيدًا أو ربما لم يتم تطويرها إلى حد كبير، خاصة في ضوء التعليقات السابقة التي لم يكن لدى المؤلفين اليهود سوى القليل ليقولوه عن قيامة يسوع (34-36، 134-135، 201).

قد يتساءل المرء عما إذا كان الافتقار إلى التعقيد في بعض الأماكن قد ساهم على الإطلاق في دراسة ميشكين التي امتدت إلى أكثر من قرن ونصف من المؤلفين. من ناحية، كان يرغب بلا شك في أن يكون شاملاً وكاملاً. من ناحية أخرى، تم اجتياز مجال واسع للغاية، مكتمل بمؤلفين غير متطابقين، بعضهم متخصصون والبعض الآخر ليس كثيرًا. كتب البعض بعمق، بينما بدا آخرون وكأنهم يتصفحون السطح بحثًا عن طريقة للتوسع في الآراء المسبقة.

في بعض الأحيان، ساهمت الفجوة بمرور الوقت في تبني الكتّاب لوجهات نظر كانت شائعة بدرجة كافية في وقتهم، بينما كانوا ينظرون بشكل غريب في غير محلهم كما تم إجراء المزيد من الأبحاث الحديثة.

لكن من المحتمل أن يكشف قرن ونصف في حد ذاته عن تفاوت، حيث تتغير الاتجاهات العلمية على مر السنين. على سبيل المثال، من بين الكتاب الثلاثة المذكورين الذين فضلوا فرضية الإغماء أو الموت الظاهري ليسوع، كتب واحد فقط قبل ثلاثين عامًا (203). يمكن أن يتناقض هذا بشكل مفيد مع آراء العديد من العلماء المتشككين الأكثر نفوذاً الذين نشروا أبحاثهم مؤخرًا.[10]

هناك مسألة أخرى أكثر إثارة للقلق، وفقًا لميشكين، وهي أن المعالجات والتفسيرات والردود اليهودية تم التعامل معها أحيانًا بطرق توهمية أو حتى خيالية. على الرغم من أن هذه الجهود الأخيرة لم تُدرج في إحصاء ميشكين (202، راجع 119-134)، فقد تم تضمين العديد من الأفكار الأخرى التي كانت أيضًا خيالية تمامًا هنا. كانت العديد من المفاهيم “بعيدة المنال، وشائنة، ومثيرة للجدل” ولكنها لا تزال محسوبة، مثل تلك الخاصة بعادة هيو شونفيلد Hugh Schonfield في ابتكار الظروف أو الأفكار التي لن يدافع عنها علماء متخصصون من أي إقناع لاهوتي تقريبًا (179-181).

لا تزال هناك جهود إضافية بعيدة المنال عن المسار الأكاديمي المهزوم (90-93، 184-186)، حيث وصفها ميشكين بـ “التبسيط” (214) وانتقدها بالمثل العلماء اليهود الأكثر تطوراً أنفسهم (92).

كان إدراج العلماء على جانبي القضايا ميزة مفيدة وإيجابية لأبحاث ميشكين. لكن الإحصائيات الداخلية للعلماء المخالفين في هذه الدراسة بالذات كانت غالبًا مفقودة عندما كان هذا سيساعد في عدة نقاط في هذا التقييم. ما هي نسب العلماء في هذه الدراسة اتفقوا أو اختلفوا؟ علاوة على ذلك، فإن إحصاء العلماء الذين “على الأقل لم ينكروا” شيئًا ما (203) كجزء من وجهة النظر الإيجابية كان محيرًا للغاية، لأن العديد منهم ربما رفضوا في الواقع الأفكار المعنية.

يبدو أن هذا يشمل الحجج من الصمت في التعداد. كما لوحظ أعلاه، كان من الصعب للغاية استقراء القوة الكلية للحجج الواقعية في مثل هذه الحالات، أو كيف يبدو الانقسام الأكاديمي الفعلي. وبالمثل، فإن تجاوز العدد الإجمالي للعلماء اليهود الذين يتبنون هذا الرأي أو ذاك، بشكل ما، تعيق الملاحظات المتعلقة بمد وجزر الفيض الدراسي وما إذا كانا يتحركان في اتجاه أو آخر.[11]

يمكن إبراز العديد من العناصر الأخرى بشكل إيجابي من مجلد ميشكين. كان المؤلفون اليهود مبدعين، وقد لا يكون القارئ دائمًا مستعدًا لما خلص إليه المؤلفون في الواقع. يُثنى أحيانًا على الأناجيل باعتبارها مصادر تاريخية لائقة (39-41، 44، 48، 137، 203). ربما يكون يسوع قد صنع المعجزات (93، 143، 167).

علاوة على ذلك، تم الاعتراف أحيانًا بالقيامة باعتبارها التعليم المسيحي المركزي، وحتى أن هذا الاعتقاد هو الذي قوّي المسيحية المبكرة (139، 210، 212، 214). ادعى تلاميذ يسوع الأوائل أن يسوع المقام ظهر لهم حياً بعد صلبه (44، 134، 142، 166-167). رأى المعلقون اليهود أحيانًا أن يسوع اعتقد أنه هو المسيح أو علم أشياء خاصة عن هويته (53، 60، 141، 143، 179، 210-211).

علاوة على ذلك، بينما كان بولس ولا يزال يتعرض للهجوم بشكل متكرر، بشكل لا يصدق بما فيه الكفاية، لم يتم تأسيس أي من الفرضيات الطبيعية الأكثر شيوعًا فيما يتعلق بالرسول في البيانات التاريخية المعروفة المتعلقة به.[12]

بعض العناصر المحيرة موجودة أيضًا في النص. لا توجد حواشي سفلية لتسع صفحات كاملة، على الرغم من ذكر العديد من العلماء والاقتباسات خلال هذا الامتداد (203-211)![13] هل كان هذا مجرد رقابة تحرير؟ أيضًا، في بعض الأحيان، يبدو أن آراء العلماء الناقدين قد أسيء توصيفها (37، 179).

في بعض الأجزاء الحاسمة من بحثه في هذا النص، يبني ميشكين على استراتيجية بحث تُعرف باسم “طريقة/ نهج الحقائق الدنيا” لقيامة يسوع، والتي طورها بشكل رئيسي جاري هابرماس وآخرين (انظر 201 – 202؛ راجع “تنقلات” مماثلة في 40-45، 65-66، 210). تستخدم هذه الإستراتيجية نوعًا من نهج القاسم المشترك الذي يستخدم فقط تلك الحقائق التاريخية التي تعترف بها الغالبية العظمى من العلماء في المجالات ذات الصلة، سواء كان العلماء المعينون يميلون إلى أن يكونوا أكثر ليبرالية أو محافظة.

يلاحظ ميشكين أن بحثه يختلف عن بحث هابرماس، بسبب الحجم الهائل لدراسة هابرماس (201).[14] يدعي ميشكين أيضًا أن مواقف العلماء في دراسة هابرماس قد تكون ناتجة ببساطة عن التزاماتهم الدينية الخاصة، بينما لم يكن لدى أي من العلماء في دراسته “ميل لتأكيد تاريخية القيامة وكان لدى الكثير منهم نزعة تميل في الاتجاه المعاكس” (202).[15]

تعليق إضافي هنا هو أنه من المحتمل أن غالبية المؤلفين اليهود في دراسة ميشكين يستشهدون بوجود تناقضات في نصوص العهد الجديد، خاصة خلال نهاية حياة يسوع.[16] توجد هذه الشكوى بشكل شائع في كتابات العديد من العلماء الناقدين ككل، بعيدًا عن هؤلاء الكتاب اليهود وحدهم. في الواقع، قد يكون أكثر أنواع الاعتراض انتشارًا في الكتابات النقدية ككل.

في البداية، تتناول العديد من الدراسات المعقدة التي لم يتم ذكرها هنا المدى أو الدقة أو الأسباب التي تجعل مثل هذه التناقضات المزعومة، سواء في العصور القديمة أو في الوقت الحاضر، نادراً ما يُعتقد أنها تلغي قوة الشهادة القوية. يمكن رؤية هذا أيضًا في القضايا القانونية أو التاريخية الأخرى. بشكل أكثر وضوحًا، إذا رأى باحث ناقد أن هناك تناقضات نصية ولكنه استنتج بعد ذلك أن الأحداث المعنية حدثت على أي حال، وهو ما يحدث غالبًا، فهذا يشير إلى أن المشكلات غير كافية لإلغاء البحث الإيجابي العام.

وتجدر الإشارة بإيجاز إلى أن إحدى سمات نهج الحد الأدنى من الحقائق هي أنه يتجاوز جوهر هذا الاعتراض تمامًا، لأن الدافع الرئيسي لهذه الحجة هو أن الحقائق التاريخية الأكثر إثباتًا مقبولة من قبل الغالبية العظمى من العلماء الناقدين على وجه التحديد لأن ينشئوا الأحداث التي تستند إلى هذه البيانات المعروفة وحدها.

يختتم ميشكين دراسته بالإشارة إلى أن الاتجاهات الحديثة في الدراسات اليهودية قد أشارت إلى زيادة البحث في دراسات العهد الجديد (يسوع، وبولس، والقيامة، وما إلى ذلك) وزادت من الحوار بين اليهود والمسيحيين.[17] تقود هذه الاتجاهات ميشكين إلى اقتراح أن “الجيل أو الجيلين التاليين من علماء العهد الجديد اليهوديين يجب أن يكونوا رائعين للغاية” (214).

يبدو من الواضح أن العلماء اليهود في مجلد ميشكين، تقريبًا من البداية إلى النهاية، لا يعرفون ماذا يفعلون بظهورات القيامة التي ادعى بها تلاميذ يسوع الأوائل. قد يكون أحد المؤشرات على ذلك، على سبيل المثال، هو وجود القليل جدًا من الحجة بين الاستجابات البديلة التي تسعى إلى إنكار هذه الأحداث وأي بيانات تدعم هذه الخيارات، كما يشير ميشكين أيضًا. بدلاً من ذلك، تعكس الانتقادات قدرًا كبيرًا من الاختلاف.

بالنظر إلى أن العديد من المؤلفين لديهم تاريخ مشترك إلى جانب العديد من وجهات النظر الدينية واللاهوتية والاجتماعية المماثلة، فمن المثير للاهتمام على الأقل عدم تقديم أطروحة طبيعية أكثر واقعية ومتفقًا عليها (210-211). على الرغم من تقديم بعض التعليقات الانتقادية في مقالة المراجعة هذه، فقد قطع ميشكين خطوات كبيرة في تقديم وتلخيص مادة معينة حول موضوع رئيسي نادرًا ما يتم استكشافه.

المراجع

[1] David Mishkin, Jewish Scholarship on the Resurrection of Jesus. Eugene, OR: Wipf and Stock (Pickwick), 2017. 256 pages. $32.00  (Paperback). ISBN: 9781532601354.
تشير أرقام الصفحات في النص إلى هذا المجلد.

[2] ربما يكون هذا هو أفضل مثال على ذلك في المجلد الأخير الذي حرره Amy-Jill Levine and Marc Zvi Brettler, The Jewish Annotated New Testament (Oxford: Oxford University Press, 2017).

[3] تلك التي تتجاوز البحث اليهودي تتضمن أسئلة ومناقشات أكثر تفصيلاً فيما يتعلق بتأريخ العهد الجديد، أو التناقضات المزعومة، أو كيفية التعامل مع الادعاءات المعجزية الموجودة بشكل خاص في الأناجيل، على الرغم من وجود بعض الإشارة إلى هذه الموضوعات والموضوعات ذات الصلة (37-50، 62-76، 164-165، 177-178).

[4] ومن المثير للاهتمام، يلاحظ ميشكين أنه في عام 1874 كانت تهمة قتل الإله أحد الأسباب التي دفعت إسحاق وايز Isaac Wise لإنكار موت المسيح بالفعل (203). يشير ميشكين إلى العديد من الكتاب اليهود الآخرين الذين اعتبروا على الأقل نظرية الإغماء أو الموت الظاهري (146، 179-184، 202-203)، ربما لتجنب النقد المسيحي تمامًا بأن اليهود قتلوا المسيح.

[5] يحدد ميشكين مكانة صموئيل ساندميل Samuel Sandmel وتلميذه الرابي مايكل ج.كوك Michael J. Cook من بين أولئك الذين يفهمون الأناجيل على أنها وثائق معادية للسامية. يُعتقد أن آمي جيل ليفين Amy-Jill Levine وأديل راينهارتس Adele Reinhartz يتبعان نهجًا متنوعًا ولكنه أكثر توازناً. أخيرًا، يفهم ميشكين لويس فيلدمان Louis Feldman وبولا فريدريكسن Paula Fredriksen على أنهما ينظران إلى الأناجيل على أنها معارضة لليهودية ولكنها عادة ما تكون كذلك إلى حد ما، دون أن تكون كتاباتهما سلبية بشكل مفرط.

[6] Pinchas Lapide, The Resurrection of Jesus: A Jewish Perspective (Eugene, OR: Wipf & Stock, 2002).

تتضمن أمثلة أعمال فيرميس هنا:

Jesus the Jew: A Historian’s Reading of the Gospels (London: Collins, 1973) and The Resurrection of Jesus: History and Myth  (London: Penguin, 2008).

يحدد ميشكين أيضًا ما لا يقل عن ثلاثة كتاب يهود آخرين يؤكدون قيامة يسوع: مايكل س. كوغان Michael S. Kogan، ومايكل غولدبرغ Michael Goldberg، وبيتر زاس Peter Zaas، على الرغم من عدم فرض هذا الإيمان الشخصي (212، راجع 110-113)، ويذكر عددًا قليلاً من العلماء الآخرين الذين يأخذون آراء إيجابية أكثر من المعتاد. “يلاحظ ميشكين أنه غير متأكد من موقف جون دي ليفنسون Jon D. Levenson، لكنه يذكر أنه” ربما “ربما يكون قد آمن بهذا الحدث (212، راجع 115-116).

[7] وتجدر الإشارة بعناية إلى أن هذا التعليق ليس شكوى من أنه كان ينبغي للمؤلف إجراء بحث أكثر شمولاً عن المؤلفين اليهود، أي البحث عن طبيعة حجة الحد الأدنى من الحقائق المذكورة أدناه أو شيء مشابه. هذه بالتأكيد ليست النقطة التي يتم التطرق إليها هنا، خاصةً عندما أوضح المؤلف أن مجموعة كتّابه صغيرة نوعًا ما (202-203، 211).

بدلاً من ذلك، فإن السؤال هو سؤال داخلي: في عدة مراحل، بدلاً من إخبار القارئ ببساطة أن العديد من المؤلفين الذين تم أخذهم في الاعتبار في هذا العمل قدموا هذا التعليق أو ذاك، كان من المفيد معرفة عدد العلماء في كل فئة في الواقع. قيد النظر. بمعنى آخر، عندما يُخبر القارئ أن “جميع العلماء تقريبًا” يحملون هذا الرأي أو ذاك، كما في الاستشهاد أعلاه، ما هو مجموع المؤلفين في هذه الفئة؟ علاوة على ذلك، هل شخصية أولئك الذين يقبلون نظرية الإغماء تضبط هذا التعليق المميز؟

[8] لعدد من التعليقات الأخرى المتعلقة بالنظريات الطبيعية، المؤيدين والمعارضين، راجع. 66-71؛ 90-93؛ 138-146؛ 164-169؛ 179-186؛ 202-203؛ 210-211؛ 214.

[9] للحصول على آراء هؤلاء العلماء بالإضافة إلى عدد مذهل من التنازلات حول هذه الموضوعات من قبل باحثين يهود آخرين مثل مارتن جودمان Martin Goodman، وبول جودمان Paul Goodman، وكلود ج.مونتفيوري Claude G. Montefiore، وجوزيف كلاوسنر Joseph Klausner، انظر:

Mishkin, 133-139, 142, 158-176, 205-207, 210.

[10] أمثلة قليلة فقط (اثنان منها تم تحديدهما على أنهما علماء ملحدون في العهد الجديد) تشمل:

Gerd Lüdemann with Alf Özen, What Really Happened to Jesus: A Historical Approach to the Resurrection, translated by John Bowden (Louisville: Westminster John Knox, 1995),

الذين أشارا إلى موت المسيح بالصلب بأنه “لا جدال فيه” (17).

Bart D. Ehrman, Did Jesus Exist? The Historical Argument for Jesus of Nazareth  (New York: Harper Collins, 2012), 156-158, 163-164, 290-291; John Dominic Crossan, Who Killed Jesus? Exposing the Roots of Anti-Semitism in the Gospel Story of the Death of Jesus  (New York: Harper Collins, 1995),

الذي أكد أن “موت يسوع بالإعدام تحت حكم بيلاطس البنطي هو أمر أكيد مثل أي شيء تاريخي يمكن أن يكون على الإطلاق” (5). يمكن أيضًا إدراج ماركوس بورغ Marcus Borg وديل أليسون Dale Allison بالإضافة إلى العديد من المؤلفين المتشككين الآخرين هنا.

[11] قد تشمل الأمثلة الأخرى التعليق المتعلق بالاتفاق الافتراضي بين الكتاب اليهود على القضايا المتعلقة بصلب يسوع ودفنه واعتقاد التلاميذ والقبر الفارغ وتجربة بولس (210) عندما لاحظ ميشكين العديد من الاستثناءات بشأن احتمال ظهور يسوع. الموت أو المواقف البديلة على بولس، كما ذكرنا سابقًا. هذه بعض الأماكن التي قد تكون فيها النظرات العامة أو عمليات التعداد الداخلية مفيدة للغاية.

كانت العبارات المختصرة والدقيقة أكثر تقديرًا أيضًا، مثل لماذا اعتبر ميشكين بشكل إيجابي المؤلفين الذين على الأقل لم ينكروا شيئًا ما (203)؟ ما هو أكثر من ذلك، على وجه التحديد، ما قصده يسوع من التفكير في نفسه على أنه المسيح أو غيره من المفاهيم السامية المماثلة (53، 60، 141، 143، 211)؟ ما الذي يقصده التلاميذ، بشكل أكثر تحديدًا، الاستمرار في الإيمان بعد القيامة وماذا يمكن أن تنطوي عليه هذه المفاهيم بالفعل (205-206)؟

القضية الرئيسية هي إجراء تمييز دقيق فيما يتعلق بـ “الرؤى” والظهورات الجسدية و/ أو غير الجسدية المحتملة ليسوع (134، 138، 159، 205)؟ لماذا أطروحات الهلوسة تبسيطية (214)؟

[12] للحصول على تفاصيل إضافية حول هذه النقطة، انظر:

Gary R. Habermas, “Jesus’ Post-Resurrection Appearance to the Apostle Paul: Can it Withstand Critical Scrutiny?” in Defending the Faith, Engaging the Culture: Essays Honoring L. Russ Bush, edited by Bruce A. Little and Mark D. Liederbach  (Nashville: Broadman and Holman Academic, 2011), 101-118

[13] هناك مجال آخر كان من الممكن أن تكون فيه الهوامش مفيدة بشكل لا يصدق بعد تأكيد ميشكين أن “لابيد، وكوجان، وغولدبرغ، وزاس، وربما ليفنسون” يؤمنون بالقيامة التاريخية بينما يمتنعون عن أن يصبحوا مسيحيين. أين يعلق كل من هؤلاء العلماء؟

[14] من أجل الوضوح، تجدر الإشارة بعناية إلى أن مصادر البحث لعام 2000 التي ذكرها هابرماس والتي أشار إليها ميشكين جاءت من مقال في مجلة عام 2005 وأن التفاصيل المستمرة لطريقة الحد الأدنى للحقائق قد تجاوزت هذه النقطة كثيرًا، ما يقرب من 15 عامًا مضت.

[15] لسوء الحظ، يبدو أن عددًا من الفروق الدقيقة الحاسمة في هابرماس مفقودة من توصيف ميشكين لهذا البحث. يؤكد ميشكين، على سبيل المثال، أن معظم الأعمال التي درسها هابرماس كانت “محافظة” وأن العديد من الباحثين في بحث هابرماس كانوا في الواقع “مسيحيين ملتزمين يؤمنون بالفعل بالقيامة بالإيمان” (201). وأضاف ميشكين أن “حقيقة أن معظمهم يؤكدون … أن هناك قبرًا فارغًا قد لا يعني شيئًا أكثر من أن العديد منهم لديهم التزام إيمان بالفعل” (202، التشديد مضاف).

ومع ذلك، فإن العديد من العلماء الذين تم الاستشهاد بهم في دراسة هابرماس الموسعة كانوا من اللاأدريين أو الملحدين أو المتشككين من نوع أو آخر، بما في ذلك أولئك الذين ينتمون إلى ديانات أخرى، أو أولئك الذين لا يشغلون منصبًا دينيًا على الإطلاق. علاوة على ذلك، من الواضح أن ميشكين لا يدرك أن كلمة “محافظة” كما هي مستخدمة في السياق أعلاه تشير إلى وجهات النظر الخاصة بالقيامة التي اعتنقها العلماء، وليس إلى إيمانهم.

علاوة على ذلك، يجب أن نتذكر أنه في حين أن الإيمان الشخصي يمكن أن يضر بحالة المرء، يمكن أن يتسبب الاعتقاد المعاكس أو عدم الإيمان في تفضيل المرء فعليًا لأي منصب على إله أو قيامة يسوع. في الواقع، يبدو أن العديد من العلماء المؤمنين قد يكونون مدربين أيضًا أو حتى أفضل من العديد من العلماء غير المؤمنين، ونقطة البداية لا تمنع الموضوعية في البحث في المقام الأول.

أخيرًا وبشكل حاسم للغاية، مهما كانت المعتقدات التي يحملها الباحثون الأفراد فهي أعمالهم الخاصة. لم يُبذل أي جهد لاختيار أو حتى تفضيل العلماء المحافظين بينهم. يشير بحث الحد الأدنى من الحقائق ببساطة إلى المؤلفين الذين كتبوا عن هذه الموضوعات، مع اعتبار عدد الأشخاص الناتج ببساطة نتاجًا لآرائهم المنشورة، بغض النظر عن معتقداتهم. أسفر هذا المسح عن الاستنتاجات التي تلت ذلك.

[16] تم العثور على العديد من الأمثلة في الصفحات 40-45، 164-165، 177-179، 203، 207 وأماكن أخرى.

[17] يلاحظ ميشكين أيضًا الاهتمام المتزايد للسياق اليهودي في فترة العهد الجديد من قبل المسيحيين.

علماء اليهود وقيامة يسوع – مينا مكرم

دليل أثري على القيامة: نقش الناصرة The Nazareth Inscription – صموئيل طلعت

دليل أثري على القيامة: نقش الناصرة The Nazareth Inscription – صموئيل طلعت

دليل أثري على القيامة: نقش الناصرة – صموئيل طلعت

دليل أثري على القيامة: نقش الناصرة – صموئيل طلعت

لتحميل الملف (اضغط هنا)

في الحقيقة، إنّ الأدلة الأثرية على قيامة يسوع محدودة جدًا بالمقارنة مع الأدلة الأثرية المتوفرة لدينا على حادثة الصلب. فمما لا خلاف عليه تاريخيًا هو أنّ يسوع شخصٌ تاريخي، عاش في النصف الأول من القرن الأول الميلادي، بدأ كرازته في الجليل، صُلب على أيدي السلطات الرومانية، وأدعى تلاميذه فيما بعد أنَّه قام مِن بين الأموات، وأنهم رأوه حقيقةً.

وعلى الرغم مِن محدودية الأدلة الأثرية على قيامة يسوع إلا أنَّ دليلين يستحقان حقًا الدراسة هما: نقش الناصرة وكفن المسيح بتورينو. في هذا المقال سأناقش نقش الناصرة نظرًا لقلة ما كُتب عنه بالعربية.

في عام 1878م تم اكتشاف لوح رخامي يبلغ طوله 60 سم (24 بوصة) وعرضه 37,5 سم (15 بوصة). وقد أُكتشف هذا اللوح في الناصرة، ويُحفظ حاليًا بمتحف اللوفر بباريس. النقش مكتوب باللغة اليونانية الكوينية Koine Greek ويتكون مِن أربعة عشر سطرًا. ومنذ تاريخ نشره لأول مرة عام 1930م على يد المؤرخ Franz Cumont[1] ظل النقش محل جدل ونقاش في الأوساط الأكاديمية، فقد تجاوزت عدد الدراسات التي نُشرت عنه الثمانين دراسةً.

 

الدراسات السابقة

هناك العديد من الدراسات التي ناقشت هذا النقش الهام لكننا سنعتمد في دراستنا هذه على ثلاث دراسات رئيسيّة هم:

  • دراسة جوزيف كينارد[2] المنشورة عام 1955م، والتي عنونها بـ «دفن يسوع»[3].
  • دراسة إيكاتيرني تسلامبوني[4] المنشورة عام 2001م، والتي عنونها بـ «نقش الناصرة: قطعة مثيرة للجدل مِن النقوش الفلسطينية (1920-1999م)»[5].
  • الدراسة القيّمة لكلايد بلينجتون[6] المنشورة عام 2005م، والتي عنونها بـ «نقش الناصرة: أهو دليل على قيامة يسوع؟»[7]

 

نص النقش

الترجمة العربيّة

النص اليونانيّ الأصلي

مرسوم قيصر (أمرٌ مِن قيصر)

إنه قراري الخاص بالقبور والمقابر، فكل مَن استخدمها للاحتفالات الدينيّة سواء للوالدين أو الأبناء أو أيٍ مِن أفراد العائلة تبقى [تلك القبور والمقابر] دون أن تُمس للأبد. لكن إذا اتهم أحدهم قانونيًا شخصًا آخر بأنَّه حطم أو استخرج بأي طريقة هؤلاء الذين دُفنوا، أو نقل بنيةٍ شريرةٍ هؤلاء الذين دُفنوا إلى موضع آخر، فإنَّه بذلك يرتكب جريمةً بحقهم، أو أنَّه حرك الحجر المختوم المُغلِق للقبر. ضد هذا الشخص [الذي يرتكب أيًا مِن تلك الأمور] أنا أؤمر بمحاكمة قضائية له، تمامًا كما يحدث فيما يخص الآلهة في العبادات (الاحتفالات) الدينية بل سيكون أكثر إلزامًا أن نتعامل بشرف مع أولئك الذين دُفنوا. فغير مسموح بشكلٍ مُطلق نقل [هؤلاء الذين دُفنوا]، لكن إذا فعل شخص هذا، فأنا أريد أن يُعاقب الجاني بعقوبة الإعدام بتهمة انتهاك القبور.

Διάταγμα Καίσαρος

Αρέσκει μοι τάφους τύνβους

τε, οϊτινες εις Ορησκείαν προγόνων

4 εποίησαν ή τέκνων ή οικείων

τούτους μένειν αμετακίνητους

τον αιώνα· εάν δέ τις έπιδ(ε)ίξη τί­

να ή καταλελυκότα ή άλλω τιν’ι

8 τρόπω τους κεκηδευμένους

έξερριφότα ή εις έτερους

τόπους δώλω πονηρά» με

τατεΟεικόταν έπαδικία τη των

12 κεκηδευμένων ή κατόχους ή λί­

θους μετατεθεικότα, κατά του

τοιούτου κριτήριον έγώ κελεύω

γενέσθαι καθάπερ περί θεών

16 ε[ί]ς τάς τών ανθρώπων θρησ­

κείας. Πολύ γαρ μάλλον δεήσει

τους κεκηδευμένους τειμαν

καθόλου μηδενί έξέστω μετα

20 κεινήσαιεί δε μή\ τούτον έγώ κε­

φαλής κατάκριτον ονόματι

τυμβωρυχίας θέλω γενέσθαι.

تعليقات على النص

دعونا نكتب جمعًا مِن التعليقات على هذا النص: 

  • المرسوم القيصري صدر موجهًا لفلسطين، وهذا يعني أنَّ المرسوم قد صدر كرد فعل تجاه حدثٍ ما قد حدث في تلك المنطقة في ذلك الزمان.
  • المرسوم أصدره الإمبراطور كلوديوس إبان فترة حكمه ما بين عامي 41-54م، أي بعد صلب المسيح وقيامته بحوالي عشرة أعوام تقريبًا.
  • أتفق المؤرخون أنَّ عقوبة الإعدام التي يقرها النقش هي عقوبة غير اعتيادية على جريمة انتهاك القبور، فالعقوبة الاعتيادية لتلك التهمة كانت الغرامة. تلك العقوبة القاسية وغير الاعتيادية دفعت المؤرخين للاعتقاد بأنَّ حدثًا استثنائيًا وغير عاديًا هو الذي كان وراء هذه الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الدولة تجاه تهمة انتهاك القبور.
  • ذكر المرسوم أمرين يتفقان ويتسقان مع نظرية سرقة الجسد التي ادعاها اليهود بأنَّ التلاميذ حطموا القبر المختوم ونقلوا جسد يسوع إلى مكان آخر لكي يشيعوا بين الناس أنَّ يسوع قد قام مِن بين الأموات[8]. فنجد المرسوم يتحدث عن تحطيم القبر المختوم، وعن نقل جسد المتوفي لمكانٍ آخر ”لغرض شرير، فما الغرض الشرير الذي يقصده الإمبراطور؟ وأين نقرأ في التاريخ القديم أنَّه تم نقل جسد متوفي لغرض شرير يضر بالإمبراطورية لدرجة أنَّ الإمبراطورية تتخذ إجراءً صارمًا يصل إلى حدِّ الإقرار بعقوبة الإعدام لمَن يفعل مثل هذا الفعل مرةً أخرى؟

يقول جاري هابرماس: ”مِن هذا المرسوم، يمكننا أنْ نكتشف بعض الحقائق التاريخيّة يصرف النظر عن السبب الكامن وراء إصداره: 1) على ما يبدو، كانت هناك تقارير مِن فلسطين دفعت الإمبراطور (كلوديوس على الأرجح) بإصدار هذا الإجراء الصارم ضد انتهاك أو سرقة القبور. 2) الدفن اليهوديّ شمل في بعض الأحيان ختم القبر وكذلك استخدام الحجارة. 3) أصبحت جريمة سرقة القبور جريمةً تستوجب حكم الإعدام.[9]

تعليقات نصيّة

(1)

هؤلاء الذين يقطنون في النصف الناطق باليونانية مِن العالم الروماني لا يعرفون تلك الممارسة الرومانية بكتابة تهمة المُعاقب على لوحة وتعليقها في موضع العقاب، هذا الأمر كان غريبًا بالنسبة لهؤلاء القاطنين في النصف الناطق باليونانية، ولذلك لا يوجد في اللغة اليونانية كلمة مرادفة للكلمة اللاتينية titulus والتي تعني لوحة يُكتب عليها تهمة المُعاقب.

وهذا أيضًا ما نلاحظه في الأناجيل الإزائية الثلاثة في وصف اللوحة التي عُلقت على الصليب، فنجد النص الإنجيلي لا يستخدم كلمة محددة لوصف اللوحة بل اكتفى باستخدام الفعل اليوناني «يكتب» لوصف الـ titulus الخاص بيسوع. بينما في إنجيل يوحنا الذي كُتب متأخرًا، نجد كاتبه قد استعار الكلمة اللاتينية titulus فكتب: «γραψεν δὲ καὶ τίτλον وَكَتَبَ لوحةً titlon» (يوحنا 19:19).

نفس الأمر نلاحظه في نقش الناصرة، ففي السطر الرابع عشر يستخدم النقش الكلمة اليونانية «τοιούτου اسم/لقب = title الإنجليزية» كمرادف للكلمة اللاتينية titulus. وبالطبع هذا يدل على التاريخ المبكر لنقش الناصرة وكذلك للأناجيل الإزائية الثلاثة.

(2)

البعض شكك في أصالة النقش بناءً على استخدامه لعبارة «بنيةٍ شريرةٍ δώλω πονηρά» وهو ليس مصطلحًا قانونيًا. لكن في حقيقة الأمر إنَّ العبارة «بنيةٍ شريرةٍ δώλω πονηρά» تعادل العبارة اللاتينية «cuius dolo malo» والتي نجدها معروفة في القانون الروماني[10]

تأريخ النقش

يعتقد ناشر نص النقش المؤرخ Franz Cumont بأنَّ النقش هو عبارة عن جواب الإمبراطور على استفسار أرسله إليه حاكم المقاطعة. ويرى Cumont أنَّ شكل النص كما هو محفوظ لدينا في النقش يدل على أنَّه مجرد مقتطفات مِن الإجابة الأصليّة للإمبراطور أو أنَّه ملخص للجواب الإمبراطوري حُرر مِن قِبَل مُستلم المرسوم[11]. وأغلب الظن أنَّ النقش هو ترجمة يونانيّة مُختصرة للمرسوم الإمبراطوري المكتوب باللاتينية. 

إنَّ أشهر وأكبر مراسلات إدارية باقية لنا مِن العهد الرومانيّ هي تلك المراسلات بين الإمبراطور تراجان (88-117م) وبليني الصغير الذي كان حاكمًا لبيثينيا في آسيا الصغرى ما بين عامي 111-113م. وبالطبع أشهر تلك الرسائل هي الرسالة (96) والتي أرسلها بليني للإمبراطور يستفسر فيها عن كيفية محاكمة المسيحيين، وما هي أُسس التحقيق معهم؟ وما هي الطريقة لمعاقبتهم؟ ويقص على الإمبراطور بعض جلسات المحاكمة وأقوال المسيحيين، فيقول: ”كما أكدوا [أي المسيحيين] أنَّ مجمل ذنبهم أو خطئهم لم يكن أكثر مما يلي: فقد كانوا يجتمعون على نحوٍ منتظم قبيل الفجر في يومٍ محدد، ويغنون ترنيمةً للمسيح كما لو كان إلهًا.[12]

وأنا أرى في رسالة بليني إشارة تاريخية لقيامة يسوع، فاجتماع المسيحيين قبيل الفجر في يومٍ محدد هي إشارة إلى أحد القيامة. إنَّ المسيحيين الأوائل كانوا في الأصل يهودًا، والسبت هو يومٌ له قدسية خاصة عند اليهود، فكيف يمكن أنْ نفسر هذا التغيير المفاجئ ليوم العبادة مِن يوم السبت إلى يوم الأحد دون أنْ نتخذ بعين الاعتبار حدث القيامة؟!  

وعودةً إلى موضوعنا، فإنَّ Cumont يعتقد أنَّ القيصر المُشار إليه في السطر الأول مِن النقش هو أوكتافيوس أغسطس، الذي امتد حكمه بين عامي 27 ق.م. إلى 14م، ومِن ثمَّ فإنَّ النقش لا بد أنْ يعود لما قبل عام 27م. إلا أنَّه عاد في الصفحات الأخيرة مِن مقاله ليقدم اقتراحًا آخر وهو أنَّ القيصر المُشار إليه في السطر الأول مِن النقش هو طيبريوس كلوديوس[13]، الذي امتد حكمه بين عامي 41م إلى 54م، ومِن ثمَّ فإنَّ النقش سيكون معاصرًا للكنيسة الأولى. وطبقًا لتحليل خط النقش epigraphy فإن النقش يعود لنهايات القرن الأول قبل الميلاد أو بدايات القرن الأول الميلادي (50 ق.م. – 50 م.).

قارن مارتن تشارلز ورث[14] بين أسلوب ومفردات النقش وأسلوب ومفردات أوامر الأمبراطور كلوديوس التي حفظها لنا المؤرخ اليهودي يوسيفوس، والنتيجة التي توصل إليها تشارلز ورث أنَّ النقش له نفس أسلوب ومفردات الأمبراطور كلوديوس[15].

منشأ النقش

لمعرفة المكان الذي نشأ فيه النقش، عليّنا أنْ نفهم أولاً الجغرافية السياسية لفلسطين آنذاك.

في عام 37 ق.م. تأسست المملكة الهيروديّة «Herodian kingdom» على يد هيرودس الأول الذي أعلنته روما ملكًا لليهود، واستمر هيرودس في الحكم حتى عام 4 ق.م، وقد تمتعت المملكة الهيروديّة بحكمٍ ذاتيّ إلا أنَّها كانت تابعة للإمبراطورية الرومانيّة، أو ما يُعرف بـ «دولة تابعة Client state». بعد وفاة هيرودس الأول انقسمت مملكته إلى أربع مقاطعات على أبنائه الأربعة فيما يُعرف بـ «Herodian Tetrarchy»، حيث كانت الناصرة والجليل تتبع المقاطعة التي يحكمها هيرودوس أنتيباس[16] بينما اليهودية والسامرة تتبع المقاطعة التي يحكمها هيرودس أرخيلاوس. وقد كانت علاقة هيرودس أرخيلاوس مضطربة للغاية سواء مع المجتمع اليهوديّ أو الإمبراطورية الرومانية، لذلك قامت الإمبراطورية الرومانية بخلعه عام 6م، ونفيه إلى بلاد الغال، وحولت مقاطعته إلى ولاية رومانية مباشرة.

لذلك يعتقد الكثيرُ مِن الباحثين أنَّ منشأ النقش كان في مقاطعة اليهودية والسامرة التي تخضع للسلطة الرومانيّة بشكلٍ مباشر منذ عام 6م. لكن الناصرة مُستبعدة لأنَّها كانت تتبع المقاطعة التي يحكمها هيرودوس أنتيباس والتي كانت تتمتع بحكمٍ ذاتيّ.

مقاطعة اليهودية تضم أورشليم (حيث المحاكمة والصلب) وبيت لحم (حيث الميلاد). ومِن ثمَّ فإنَّ تلك المقاطعة شهدت أحداثًا هامة ترتبط بيسوع التاريخ. 

خاتمة

على الرغم مِن أنَّ النقش لا يتحدث عن حدثٍ معين إلا أنَّه ثمّة علاقة ما تربط هذا النقش بيسوع التاريخ، وهذه العلاقة تتمثل في حادثة القيامة؛ فالإمبراطور أصدر هذا الأمر كرد فعل تجاه القلاقل التي سببها المسيحيون بادعائهم أنَّ السيد المسيح هو الرب القائم مِن بين الأموات. وكما يقول إيكاتيرني في خاتمة دراسته الماتعة: ”يؤكد عددٌ كبيرٌ مِن العلماء على أنَّ النقش يرتبط بشكل مباشر بالأحداث التي تلت صلب المسيح وقيامته. حتى أنَّ هؤلاء الذين لا يقبلون بوجود هذا الرابط المباشر بين النقش وتلك الأحداث، لا يسعهم إلا الاعتراف بأنَّ النقش مرتبط بشكلٍ غير مباشر بعقيدة القيامة المسيحيّة.[17]

إنَّ أقدم وثيقة إيمانيّة مسيحيّة تذكر قيامة يسوع هي الاعتراف الإيماني الوارد في رسالة كورنثوس الأولى: ﴿فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ. وَآخِرَ الْكُلِّ ­ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ­ ظَهَرَ لِي أَنَا.﴾ (1 كورنثوس 15: 3-7)

يقول بولس الرسول في تقديمه لهذا الاعتراف الإيماني: ﴿فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا﴾ وهذا يعني أنَّ الكلام التالي ليس هو كلام بولس بل كلام استلمه بولس مِن آخرين وهو بدوره يُسلمه للمؤمنين، وما يؤكد صحة ذلك الاستنتاج هو أنَّ العديد مِن الكلمات المذكورة في هذا الاعتراف الإيماني ليست بولسيّة (أي لم يستخدمها بولس الرسول في أيٍ مِن رسائله الأخرى) مثل عبارة: ﴿قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ﴾ وعبارة ﴿حَسَبَ الْكُتُبِ﴾ اللتان لا نجدهما في أيٍ مِن أعمال بولس الأخرى.

بالإضافة إلى أنَّ لهذا الاعتراف الإيماني إيقاع موسيقي (أي أشبه بالشعر). كل هذا يدل على أنَّ هذا الاعتراف الإيماني قد أستلمه بولس وهو هنا يستشهد به. فمتى استلم بولس هذا الاعتراف الإيماني؟

 

لهذا السؤال إجابتان هما:

الجواب الأول: المسيح قد صُلب عام 30م، بولس تحول إلى المسيحية ما بين عامي 33م- 35م، بعد تحوله بثلاث أعوام ذهب إلى أورشليم (ما بين عامي 36-38م) وهناك التقى ببطرس الرسول ويعقوب أخا الرب. ذِكْر بولس في هذا الاعتراف الإيماني الاسمين فقط اللذين التقاهم في أورشليم يؤيد أنَّه استلم هذا الاعتراف الإيماني في أورشليم مِنهم. ومِن ثمَّ يؤرخ هذا الاعتراف الإيماني بين عامي 36-38م أي بعد 6-8 أعوام فقط مِن صلب المسيح.

الجواب الثاني: يرى بأنَّ بولس استلم هذا الاعتراف الإيماني في دمشق، مباشرةً بعد تحوله إلى المسيحية، ومِن ثمَّ يؤرخ هذا الاعتراف الإيماني عام 33م أي بعد ثلاثة أعوام فقط مِن صلب المسيح.  

الجواب الأول هو الأرجح وذلك لعدة أسباب مِنها: 1) ذِكْره اسمي الرسولين بطرس ويعقوب فقط في الاعتراف الإيماني وهما أيضًا نفس الشخصين اللذين التقاهما في أورشليم. 2) استخدامه الصيغة الآرامية لاسم بطرس (كيفا) يدل على وجود مصدر سامي Semitic source لهذه الفقرة، بدلاً مِن استخدام الصيغة اليونانيّة لاسمه، وهذا يدل على أنَّه استلم هذا الاعتراف الإيماني في بيئة يهودية لا يونانيّة، فتكون أورشليم هي الأرجح. 2) البنيان العبري (اليهودي) للفقرة حيث استخدام ﴿حَسَبَ الْكُتُبِ﴾ مرتين واستخدام ﴿وَأَنَّهُ﴾ ثلاث مرات.

يُعتبر هذا الاعتراف الإيماني أقدم تقليد مسيحيّ لدينا الآن، يقول جاري هابرماس: ”وباختصار، فإن اعترافات الإيمان تلك تم تداولها شفهيًا لسنوات قبل أن تُدون، ومِن ثمَّ فهي تحفظ بعض أقدم التقارير الخاصة بيسوع في الفترة بين عامي 30-50م. ولذلك، وبشكل واقعي فإنَّ تلك الاعترافات الإيمانية حفظت لنا مواد سابقة للعهد الجديد فهي أقدم مصادرنا عن حياة يسوع.[18] 

إنَّ كلاً مِن النقش والاعتراف الإيمانيّ يعودان للحقبة ذاتها، العشرين عامًا الأولى مِن عُمْر المسيحيّة، لذلك يمكننا القول ونحن مطمئنون أنَّ الجماعات المسيحية الأولى كانت تؤمن بالمسيح القائم مِن بين الأموات، وأنَّ بقيامته قامت المسيحية.

 

[1] F. Cumont, “Un rescript impérial sur la violation de sépulture”, in: Revue Historique, 1930; 163 (2): 241-266.

[2] جوزيف كينارد  Joseph Spencer Kennard, Jr.: ليس لدينا معلومات متوفرة عنه سوى أنَّه كان يُدرِّس في الكلية البندكتية Benedict College بالولايات المتحدة. 

[3] J. Spencer Kennard, Jr., “The Burial of Jesus”, in: Journal of Biblical Literature, 1955; 74 (4): 227-238

[4] إيكاتيرني تسلامبوني Ekaterini Tsalampouni: حاصل على الدكتوراة في العهد الجديد مِن كلية اللاهوت بجامعة أرسطو باليونان. ويعمل أستاذًا للعهد الجديد بكلية اللاهوت في جامعة أرسطو، وأستاذًا مساعدًا للعهد الجديد بمعهد اللاهوت الأرثوذكسي بجامعة ميونيخ بألمانيا. 

[5] Ekaterini Tsalampouni, “The Nazareth Inscription: A Controversial Piece of Palestinian Epigraphy (1920-1999)”, in: ΤΕΚΜΗΡΙΑ, 2001; 6: 70-122.

[6] كلايد بلنجتون Clyde E. Billington: يعمل أستاذًا مساعدًا للتاريخ القديم والوسيط بجامعة نورث وسترن Northwestern University بالولايات المتحدة. وهو حاصل على درجتي الماجستير والدكتوراة في التاريخ القديم من جامعة آيوا Iowa بالولايات المتحدة. وهو يرأس تحرير مجلة Artifax المتخصصة في الدراسات الأثرية الكتابية Biblical Archaeology.

[7] Clyde E. Billington, “The Nazareth Inscription: Proof of the Resurrection of Christ?” in: Artifax (Spring 2005).

[8] جاء في إنجيل متى: ﴿إِذَا قَوْمٌ مِنَ الْحُرَّاسِ جَاءُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَخْبَرُوا رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ بِكُلِّ مَا كَانَ. فَاجْتَمَعُوا مَعَ الشُّيُوخِ، وَتَشَاوَرُوا، وَأَعْطَوُا الْعَسْكَرَ فِضَّةً كَثِيرَةً قَائِلِينَ: «قُولُوا إِنَّ تَلاَمِيذَهُ أَتَوْا لَيْلًا وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ. وَإِذَا سُمِعَ ذلِكَ عِنْدَ الْوَالِي فَنَحْنُ نَسْتَعْطِفُهُ، وَنَجْعَلُكُمْ مُطْمَئِنِّينَ». فَأَخَذُوا الْفِضَّةَ وَفَعَلُوا كَمَا عَلَّمُوهُمْ، فَشَاعَ هذَا الْقَوْلُ عِنْدَ الْيَهُودِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ.﴾ (متى 28: 11-15). 

ولقراءة معالجة تفصيلية لنظرية سرقة الجسد أنصح بالرجوع لكتاب: جوش ماكدويل، برهان جديد يتطلب قرارًا (القاهرة: دار الثقافة، 2004م)، ص ص 256-262

[9] Gary R. Habermas, The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ (Rev. ed. of: Ancient evidence for the life of Jesus.; Joplin, MO: College Press Publishing Company, 1996), 177.

[10] Justinian’s Digest 47.12.3

[11] Ekaterini Tsalampouni, “The Nazareth Inscription”, 79

[12] روبيرت فان فورست، يسوع المسيح خارج العهد الجديد، ترجمة: وسيم حسن عبده (دمشق: دار صفحات للدراسات ولنشر، 2012م)، ص 41

[13] طيبيريوس كلوديوس (10ق.م. – 54م): تولى الحكم يوم 24 يناير عام 41م. وظل امبراطورًا حتى وفاته يوم 13 أكتوبر عام 54م.

[14] مارتن تشارلز ورث  Martin Charlesworth (1895-1950م): عمل زميلاً زائرًا visiting fellow بجامعة برنستون (1921-1922م) ثم بكلية القديس يوحنا St John’s College (ثاني أكبر كليات جامعة كامبردج) (1923-1931م)، ثم أُنتخب رئيسًا للكلية عام 1937م. وهو محرر موسوعة كامبردج للتاريخ القديم Cambridge Ancient History   وله العديد من المؤلفات. 

[15] M. P. Charlesworth, Documents Illustrating the Reigns of Claudius and Nero (Cambridge: Cambridge University Press, 1952), 14-15

[16] وهو الذي وصفه لوقا في إنجيله بأنَّه ﴿رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الْجَلِيلِ﴾ (لوقا 1:3) أي أنَّه يرأس ربع المملكة الهيروديّة. وحينما علم بيلاطس أنْ يسوع ناصري (مِن الجليل) أرسله إلى أنتيباس هيرودس ليحاكمه (لوقا 23: 6-12).  

[17] “a significant number of scholars maintain that the inscription should be directly related to the events following Jesus’ crucifixion and resurrection. Even those who do not accept a direct connection of the inscription to these events are ready to admit that the inscription is indirectly connected to the Christian doctrine of resurrection.” Ekaterini Tsalampouni, “The Nazareth Inscription, 119

[18] Gary R. Habermas, The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ, 143.

كتاب: سر القيامة – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر القيامة – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر القيامة – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر القيامة – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر القيامة – للباحث أمجد بشارة

للتحميل

للقراءة المباشرة

هل حقاً قام يسوع من الأموات؟ عندما تتكلم الأدلة

هل حقاً قام يسوع من الأموات؟ عندما تتكلم الأدلة

هل حقاً قام يسوع من الأموات؟ عندما تتكلم الأدلة

هل حقاً قام يسوع من الأموات؟ عندما تتكلم الأدلة

“لا يكفي أن يطرح الشكوكيون نظريات بديلة للقيامة.

بل عليهم أن يقدموا أدلة على تلك النظريات من القرن الأول”.

جاري هابرماس Gary Habermas

القيامة: ماذا يقول الباحثون؟

أجرى جاري هابرماس البحث الأشمل حتى الآن فيما يؤمن به الباحثون الأكاديميون عن القيامة. فقد جمع هابرماس أكثر من 1400 من أهم الأعمال الأكاديمية التي كتبت عن القيامة من سنة 1975 إلى 2003. ويقول هابرماس في كتابه “يسوع المقام ورجاء المستقبل” The Risen Jesus and Future Hope إن كل الباحثين الأكاديميين تقريباً من مختلف الأطياف الأيديولوجية، بدءًا من الليبراليين المتطرفين وانتهاء بالمحافظين المتشددين، يتفقون أن النقاط التالية بخصوص يسوع والمسيحية حقائق تاريخية فعلية:

  1. يسوع مات بعقوبة الصلب الرومانية.
  2. دفن، غالباً في قبر خاص.
  3. بعد ذلك بوقت قصير شعر التلاميذ بالإحباط وفقدان الحبيب واليأس لأن أملهم تحطم.
  4. قبر يسوع وجد فارغاً بعد دفنه بفترة وجيزة جداً[1].
  5. التلاميذ مروا بخبرات آمنوا أنها ظهورات حقيقية ليسوع القائم من الأموات.
  6. نتيجة لهذه الخبرات، حدث تحول جذري في حياة التلاميذ. بل إنهم كانوا مستعدين أن يموتوا في سبيل عقيدتهم.
  7. إعلان القيامة تم في مرحلة مبكرة جداً، منذ بدء تاريخ الكنيسة.
  8. شهادة التلاميذ الجهرية ووعظهم عن القيامة حدثا في مدينة أورشليم حيث صلب يسوع ودفن قبل ذلك بفترة قصيرة.
  9. رسالة الإنجيل تمحورت حول الكرازة بموت يسوع وقيامته.
  10. كان يوم الأحد يوم الاجتماع والعبادة الأساسي.
  11. يعقوب أخو يسوع الذي كان يشك فيه قبل هذه الأحداث تحول إلى الإيمان عندما صدق أنه هو أيضاً رأى يسوع المقام.
  12. بعد بضع سنوات، أصبح شاول الطرسوسي (بولس) مؤمناً مسيحياً نتيجة لاختبار جازه آمن هو أيضاً أنه ظهور ليسوع المقام.

إن قبول هذه الحقائق منطقي في ضوء ما رأيناه حتى الآن. فالأدلة تبين أن:

قصة العهد الجديد ليست أسطورة:

إن وثائق العهد الجديد كتبت في غضون جيلين من الأحداث بيد شهود عيان أو معاصريهم. والأحداث الرئيسية لقصة العهد الجديد مدعومة من كتاب غير مسيحيين. علاوة على ذلك، العهد الجديد يذكر 30 شخصية تاريخية على الأقل تؤكدها مصادر أخرى خارج العهد الجديد. إذن يستحيل أن تكون قصة العهد الجديد أسطورة.

قصة العهد الجديد ليس كذبة:

كتاب العهد الجديد سجلوا تفاصيل مختلفة ومحرجة، وأقوالاً صعبة وعسرة التنفيذ، وقد ميزوا بدقة بين كلام يسوع وكلامهم. وأشاروا إلى حقائق وشهود عيان معروفين عند قرائهم أو يمكن للقراء التحقق منهم. والحقيقة أن كتاب العهد الجديد استفزوا قراءهم وأعداءهم البارزين في القرن الأول ليفحصوا ما قالوا. وإن لم يكن ذلك كافياً لتوكيد صدقهم، إذن الاستشهاد يجب أن يزيل أي شك. إن شهود العيان هؤلاء احتملوا الاضطهاد والموت في سبيل زعمهم القائم على خبرتهم الشخصية حيث أنهم رأوا يسوع المقام وسمعوه ولمسوه، رغم أنهم كانوا يستطيعون أن ينقذوا أنفسهم ببساطة إن أنكروا شهادتهم.

قصة العهد الجديد ليست تضخيماً:

كان كتاب العهد الجديد في منتهى الدقة، كما يتضح من أكثر من 140 معلومة ثابتة تاريخياً. وقد سجلوا معجزات في هذه الروايات المؤكدة تاريخياً، دون تضخيم ظاهر أو تعليقات لاهوتية عميقة.

فهل العهد الجديد صحيح؟

إن كان معظم الباحثين يتفقون في الاثنتي عشرة حقيقة المذكورة آنفاً لأن الأدلة تثبت أن قصة العهد الجديد ليست أسطورة، ولا كذبة، ولا تضخيماً، إذن فنحن نعلم بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن كتاب العهد الجديد سجلوا ما رأوه بدقة. فهل هذا يعني أن كل أحداث العهد الجديد صحيحة؟ ليس بالضرورة، فما زال عند الشكوكيين محاولة أخيرة.

آخر محاولة عند الشكوكيين هي أن كتاب العهد الجديد كانوا مخدوعين.

أي أنه من المحتمل أن كتاب العهد الجديد كانوا ببساطة مخطئين فيما ظنوا أنهم رأوه.

بناء على ما عرضناه من سمات العهد الجديد، لا يبدو معقولاً أن كتاب العهد الجديد كانوا مخدوعين في الأحداث اليومية غير المعجزية. فقد ثبتت صحة كلامهم في العديد من التفاصيل التاريخية. فلماذا نشك في ملاحظاتهم عن أحداث الحياة اليومية؟

ولكن هل كانوا مخدوعين بخصوص الأحداث المعجزية مثل القيامة؟ ربما أنهم صدقوا فعلاً أن يسوع قام من الأموات، فدفعوا حياتهم ثمناً لذلك، ولكنهم كانوا مخطئين أو مضللين. من المحتمل وجود تفسيرات طبيعية لكل المعجزات التي ظنوا أنهم رأوها.

إن الباحثين الناقدين يحصنون أنفسهم. فكر في الحقيقة رقم 5 من الحقائق الاثنتي عشرة التي يؤمن بها كل الباحثين تقريباً: «التلاميذ مروا بخبرات آمنوا أنها ظهورات حقيقية ليسوع القائم من الأموات». وهو ما يعني أن الباحثين لا يقولون بالضرورة إن يسوع قام فعلياً من الأموات (وإن كان البعض يعتقدون أنه قام). فإن الحد الأدنى لإجماع كل الباحثين تقريباً أن التلاميذ آمنوا أن يسوع قام من الأموات.

ولكن حتى يكون شهود العيان على الأحداث ومعاصروهم مخطئين. لا بد من وجود تفسير آخر للقيامة وغيرها من المعجزات المسجلة في العهد الجديد. ولكن بما أن القيامة هي الحدث المركزي في المسيحية، فلنبدأ منها. كيف ينفي الشكوكيون القيامة؟

النظريات الشكوكية المشكوك فيها

إليك تفسيرات القيامة التي غالباً ما يطرحها الشكوكيون:

نظرية الهلوسة:

هل انخدع التلاميذ بفعل هلاوس؟ ربما أنهم ظنوا بصدق أنهم رأوا المسيح المقام ولكنها كانت في الواقع هلاوس. إن هذه النظرية تشتمل على عدد من الأخطاء القاتلة وسنتناول اثنين منها.

أولاً، الهلاوس لا تحدث لمجموعات بل فقط لأفراد. وهي في هذا الصدد شديدة الشبه بالأحلام. ولذلك، إن قال لك أحد أصدقائك ذات صباح: «يا له من حلم رائع الذي حلمنا به ليلة أمس، أليس كذلك؟» لن تقول: «نعم كان بديعاً. ما رأيك في استكماله هذه الليلة؟». لا، ستظن أن صديقك أصيبت بالجنون أو أنه يمزح. لن تأخذ كلامه على محمل الجد لأن الأحلام ليست خبرات جماعية. فالحلم خبرة فردية لا جماعية، والهلاوس كذلك، فإن توافرت ظروف نفسية نادرة، قد يتعرض الفرد للهلاوس، ولكن صديقه لن يتعرض للهلاوس. وحتى إن حدث، لن يتعرضا للهلاوس نفسها.

ثانياً، ونظرية الهلاوس لا تصلح لأن يسوع لم يظهر مرة واحدة لشخص واحد، ولكنه ظهر في اثنتي عشرة مناسبة منفصلة، في ظروف متنوعة لأشخاص مختلفين على مدى أربعين يوماً. وقد رآه رجال ونساء. وشوهد يمشي ويتحدث ويأكل. وقد شوهد في الداخل وفي الخارج. ورآه كثيرون وقليلون. وإجمالي من رأوا يسوع المقام يزيد عن 500 شخص. ولم يروا هلوسة ولا شبحاً لأنه في ستة ظهورات من الاثني عشر كان يلمس جسدياً أو يأكل طعاماً حقيقياً (انظر الجدول التالي).

 

ترتيب ظهورات المسيح الاثني عشر

 

الأشخاص

رأوا

سمعوا

لمسوا

أدلة أخرى

1

مريم المجدلية (يو 20: 10-18)

x

x

x

القبر الفارغ

2

مريم المجدلية ومريم الأخرى (متى 28: 1-10)

x

x

x

القبر الفارغ وأيضاً الأكفان (لوقا 24: 1-12)

3

بطرس (1كورونثوس 15: 5) يوحنا (يو 20: 1-10)

x

x

 

القبر الفارغ والأكفان

4

تلميذان (لوقا 24: 13-35)

x

x

 

أكلا معه

5

عشرة رسل (لوقا 24: 36-49؛ يوحنا 20: 19-23)

x

x

X**

رأوا الجراح، وأكل طعاماً

6

أحد عشر رسولاً (يوحنا 20: 24-31

x

x

X**

رأوا الجراح

7

سبعة رسل (يوحنا 21)

x

x

 

أكل طعاماً

8

كل الرسل (متى 28: 16-20؛ مرقص 16: 14-18)

x

x

   

9

500 أخ (1كورنثوس 15: 6)

x

X*

   

10

يعقوب (1كورنثوس 15: 7)

x

X*

   

11

كل الرسل (أعمال 1: 4-8)

x

X

 

أكلوا معه

12

بولس (أعمال 9: 1-9؛ 1كورنثوس 15: 8)

x

x

   

 

ووجود القبر الفارغ هو ثاني الأخطاء القاتلة في نظرية الهلوسة. فلو كان شهود العيان الذين يتجاوز عددهم خمسمائة شخص مروا بهذه الخبرة غير المسبوقة من رؤية الهلاوس نفسها في اثنتي عشرة مناسبة مختلفة. فلماذا لم تطف السلطات اليهودية أو الرومانية بجسد يسوع في المدينة؟ وهو ما كان سينهي المسيحية للأبد. كم كانوا يتمنون أن يفعلوا ذلك، ولكن يبدو أنهم لم يقدروا لأن القبر كان فارغاً بالفعل.

الشهود ذهبوا لقبر خطأ:

محتمل أن التلاميذ ذهبوا إلى قبر خطأ ثم افترضوا أن يسوع قام. هذه النظرية أيضاً تشتمل على خطأين قاتلين.

أولاً، لو ذهب التلاميذ لقبر خطأ، لذهبت السلطات اليهودية أو الرومانية للقبر الصحيح وطافوا المدينة بجسد يسوع. إن القبر كان معروفاً لليهود لأنه كان قبرهم (كان ملكاً ليوسف الرامي عضو السنهدريم). وكان القبر معروفاً للرومان لأنهم ضبطوه بحراس. وكما يشير وليم لين كريج، إن نظرية القبر الخطأ تفترض أن كل اليهود (والرومان) كانوا يعانون من حالة “فقدان ذاكرة جماعية” مستديمة بشأن ما فعلون بجسد يسوع.

ثانياً، حتى وأن ذهب التلاميذ فعلاً إلى القبر الخطأ، فالنظرية لا تفسر كيف ظهر يسوع المقام اثنتي عشرة مرة مختلفة. وهو ما يعني أنه لابد من تفسير الظهورات، لا القبر الفارغ فقط.

لاحظ أن القبر الفارغ لم يقنع معظم التلاميذ (ربما باستثناء يوحنا) أن يسوع قام من الأموات. ولكن ظهورات يسوع هي التي حولتهم من جبناء شكاكين مشتتين خائفين إلى أعظم قوة مرسلية سليمة في التاريخ. وهو ما ينطبق بوجه خاص على عدو المسيحية الأصيل شاول (بولس). فهو لم يكن مقتنعاً بالقبر الفارغ، بل كان يضطهد المسيحيين عقب القيامة بفترة وجيزة جداً. وكان الأمر يتطلب ظهور يسوع نفسه ليغير بولس تغييراً كلياً. ويبدو أن يعقوب أخا يسوع المتشكك تحول أيضاً للإيمان بعد أحد ظهورات يسوع. وكما رأينا، تحول يعقوب كان جذرياً بكل معنى الكلمة لدرجة أنه أصبح قائد كنيسة أورشليم ثم استشهد بعد ذلك على يد رئيس الكهنة.

والفكرة المحورية هي: حتى إن أمكننا إيجاد تفسير طبيعي للقبر الفارغ، فهذا لا يكفي لنفي القيامة. فأي نظرية بديلة للقيامة عليها أن تنفي أيضاً ظهورات يسوع. ولكن نظرية القبر الخطأ لا تفسر هذا ولا ذاك.

نظرية الإغماء أو الموت الظاهري:

هل من الممكن أن يسوع لم يمت حقاً على الصليب؟ من المحتمل أنه أصيب بحالة إغماء فقط. أي أنه عندما وضع في القبر لم يكن قد فارق الحياة، ولكنه هرب بطريقة ما وأقنع تلاميذه أنه قام من الأموات. هذه النظرية أيضاً مشوبة بالعديد من الأخطاء القاتلة.

أولاً، الأعداء والأصدقاء على حد سواء اعتقدوا أن يسوع مات. فالرومان الذين كانوا محترفين في الإعدام جلدوا يسوع وضربوه بوحشية إلى أن انهار. ثم دقوا مسامير ثقيلة من الحديد المطاوع في رسغيه وقدميه، وطعنوه بحربة في جنبه. ولم يكسروا ساقيه ليعجلوا بموته لأنهم علموا أنه مات. (ضحايا الصلب غالباً ما كانوا يموتون بالاختناق لأنهم لم يتمكنوا من دفع أنفسهم لأعلى حتى يتنفسوا. ومن ثم كان كسر السيقان يعجل بالموت). بالإضافة إلى ذلك، بيلاطس تحقق من موت يسوع، وموت يسوع كان السبب في فقدان التلاميذ لكل ما عندهم من أمل.

وأساليب الصلب الروماني الوحشية ثابتة في علم الآثار وفي المصادر المكتوبة غير المسيحية (انظر الفصل الخامس عشر للاطلاع على وصف حي لخبرة صلب يسوع). وسنة 1968 عثر على بقايا أحد ضحايا الصلب من القرن الأول في كهف بمدينة أورشليم، وقد وجد في عظمة الكعب مسمار طوله 18 سنتيمتراً تقريباً، وظهرت آثار مسامير على أسفل الذراعين أيضاً[2]. وقد تبين من أعمال الكاتب الروماني كونتيليان Quintillian (35-95م) أن طعن القلب بحربة كان أيضاً أحد أساليب الصلب الرومانية. وبناء على هذه المعاملة التي تعرض لها يسوع، لا عجب أن يعتقد شهود العيان أنه مات.

ليسوا أناس القرن الأول فقط هم من اعتقدوا أن يسوع مات، بل أطباء العصر الحديث أيضاً يعتقدون أن يسوع مات بالفعل. وفيما يلي الاستنتاج الذي توصل إليه ثلاثة أطباء منهم عالم في الأمراض من مايو كلينيك Mayo Clinic في عدد 21 آذار/مارس 1986 من “مجلة الجمعية الطبية الأمريكية” Journal of the American Medical Association:

واضح أن ثقل الأدلة التاريخية والطبية يبين أن يسوع مات قل أن يجرح في جنبه. وتؤيد الأدلة النظرة التقليدية التي مفادها أن الحربة التي نفذت بين ضلوعه اليمنى غالباً اخترقت الرئة اليمنى وكيس التامور المحيط بالقلب والقلب. مما أكد موت. وعليه، التفاسير التي تقوم على الافتراض بأن يسوع لم يمت على الصليب تبدو متناقضة مع المعرفة الطبية الحديثة.

كما أوضحنا في الفصل السابق، يبدو أن الدم والماء اللذين نتجا عن طعنة الحربة من عناصر شهادة العيان الأصلية فيما سجله يوحنا. فهذه الحقيقة وحدها يجب أن تزيل كل الشكوك في موت يسوع.

ثانياً، وثاني أكبر العيوب في نظرية الإغماء هو أن يسوع حفظ في أكفان وأطياب تزن حولي 34 كيلوجرام. ومن المستبعد تماماً أن يكون يوسف الرامي ونيقوديموس (يوحنا 19: 40) قد كفنا يسوع وهو حي بطريق الخطأ.

ثالثاً، حتى إن ظن الجميع خطأ أن يسوع كان ميتاً عند دخوله إلى القبر، كيف يمكن لرجل ينزف وقد أصيب بإصابات بالغة أن يظل حياً لمدة ست وثلاثين ساعة أخرى؟ كان سينزف حتى الموت في هذا القبر المظلم البارد الرطب.

رابعاً، حتى لو نجا فعلاً رغم ظلمة القبر ورطوبته وبرودته، كيف يحل نفسه، ويرفع الحجر الذي يزن طنين ويزيحه خارج القبر، ويمر أمام الحرس الروماني الكفء (الذي سيقتل للسماح باختراق الحاجز الأمني)، ثم يقنع الجبناء المتشككين المشتتين الخائفين أنه انتصر على الموت؟ وحتى لو تمكن أن يخرج من القبر ويمر أمام الحرس الروماني، كان سيخرج عبارة عن كتلة مشوهة نازفة، فيثير شفقة التلاميذ عليه لا عبادتهم له. كانوا سيقولون: «قد تكون حيا، لكن مؤكد أنك لم تقم. فتعال نأخذك للطبيب».

خامساً، نظرية الإغماء لا تستطيع أن تفسر ظهور يسوع لبولس بنور براق على طريق دمشق. فما الذي غير هذا العدو الصريح للمسيحية بعد الصلب بفترة قصيرة؟ مؤكد أن يسوع لم يكن إنساناً عادياً شفي من حادثة صلب.

إن وصف بولس لخبرة تحوله مسجل مرتين في سفر الأعمال الذي ثبتت صحته تاريخياً. وفي أصحاح 22 يخبر بولس بظهور المسيح له أمام جمهور من اليهود المعادين:

وحدث لي وأن ذاهب ومقترب إلى دمشق أنه نحو نصف النهار، بغتة أبرق حولي من السماء نور عظيم. فسقطت على الأرض، وسمعت صوتاً قائلاً لي: شاول، شاول! لماذا تضطهدني؟ فأجبت: من أنت يا سيد؟ فقال لي: أنا يسوع الناصري الذي أنت تضطهده (ع 6-8).

ثم فقد بولس البصر لمدة ثلاثة أيام وتغير اتجاهه 180 درجة. لقد انتقل من ألد أعداء المسيحية إلى أشد الداعين لها.

إن خبرة تحول بولس لا يمكن تفسيرها بيسوع مغمى عليه يمسك مشعلاً ويصدر “صوته الإلهي” من بين أشجار الغابة. إن ما حدث كان استعلاناً مباغتاً مبهراً للقوة الإلهية في وضح النهار أحدث تغييراً جذرياً في هذا الرجل وفي العالم للأبد[3].

سادساً، عدة كتاب غير مسيحيين أكدوا موت يسوع صلباً، ومنهم يوسيفوس، وتاسيتس، وثالوث، والتلمود اليهودي. فالتلمود اليهودي مثلاً يقول إن يشوع (يسوع) علق على خشبة عشية الفصح. وهو ليس من المصادر المحبة للمسيحية، فليس هناك مبرر للشك في صدقه.

لكل ما تقدم من أسباب، وغيرها، لم يعد هناك إلا قلة قليلة من الباحثين الأكاديميين تصدق نظرية الإغماء. فالأدلة المضادة لها كثيرة جداً.

التلاميذ سرقوا الجسد:

 إن النظرية التي تقول بسرقة التلاميذ لجسد يسوع لا تقوى على تأييد آخر خيارات الشكوكيين، ألا وهو أن كُتاب العهد الجديد كانوا جميعاً مخدوعين. لماذا؟ لأن النظرية تجعل كتاب العهد الجديد مخادعين، لا مخدوعين! وهو طبعاً ما يضرب بعرض الحائط كل ما رأيناه من أدلة حتى الآن. إن النظرية تتبنى الموقف الهش القائل بأن كتاب العهد الجديد جميعاً كانوا كاذبين. فلسبب غير مفهوم، سرقوا الجسد ليعرضوا أنفسهم للضرب والتعذيب والاستشهاد! إن أنصار هذه النظرية لا يستطيعون أن يفسروا ما يجعل أي إنسان يفعل ذلك. لماذا يحيل التلاميذ هذه المؤامرة التي تنقلب ضدهم؟ ولماذا استمر كل منهم يقول إن يسوع قام من الأموات رغم أنه كان بإمكانهم إنقاذ أنفسهم بالتراجع عن تلك الشهادة؟

يعتبر التضارب الشديد بين مصالح التلاميذ من عوامل تفنيد هذه النظرية، إلا أنها تتطلب أيضاً توافر عدة عناصر عبثية يعجز أنصارها عن تفسيرها. فمثلاً، كيف اجتاز التلاميذ أمام الحرس الروماني الكفء المدرب على حراسة القبر بحياته؟ ولو لم يقم يسوع من الأموات مطلقاً، فمن الذي ظهر لبولس، ويعقوب، وغيرهما من شهود العيان؟ وهل كذب كتاب العهد الجديد بشأن ما حدث لهم من تحول أيضاً؟ هل بولس اختلق الأدلة الواردة في 1كورنثوس؟

وماذا عن الكتاب غير المسيحيين؟ هل كذب يوسيفوس بخصوص استشهاد يعقوب على يد السنهدريم؟ هل الكاتب الروماني فليجون (المولود حوالي 80م) كذب أيضاً عندما كتب في “السجلات الزمنية” Chronicles «يسوع لم يدافع عن نفسه في حياته، ولكنه قام بعد الموت، وأظهر علامات العقوبة التي تعرض لها، وأظهر آثار المسامير في يديه»؟[4] إن كل هذا يتطلب “معجزة” أكبر من معجزة قيامة يسوع من الأموات. ولكننا لا نملك الإيمان الكافي لتصديق كل هذا!

كما رأينا، فكرة سرقة التلاميذ للجسد هي بالضبط التفسير الذي طرحه اليهود للقبر الفارغ. وبصرف النظر عن أن التلاميذ لم يكن عندهم الدافع لسرقة الجسد ولا القدرة على ذلك، فهذا التفسير اليهودي القديم كذبة فاشلة لسببين آخرين: 1) كيف عرف الحراس وهم نيام أن التلاميذ سرقوا الجسد؟ 2) ما من حارس روماني سيعترف أنه نام أثناء عمله، وهي جريمة عقوبتها الإعدام. (ربما هذا هو ما دفع قادة اليهود أن يدفعوا رشوة للحراس ويعدوهم بأنهم سيحمونهم من أي مشكلات مع الوالي، كما يسجل متى).

وسنة 1878 تم التوصل إلى كشف أثري مدهش قد يؤيد زعم الكتاب المقدس بأن اليهود كانوا يشيعون تفسير السرقة. فقد اكتشفت لوح من الرخام حوالي 38 x 61 سنتيمتر في الناصرة يحمل هذا النقش:

أمر قيصر: يسرني أن تبقى القبور والمقابر دائماً آمنة من أي إزعاج لأجل من بنوها كطقس ديني تكريماً لأسلافهم أو أبنائهم أو أفراد عائلتهم. إلا أنه إذا اتهم أي شخص أحداً بهدمها، أو إخراج المدفونين بأي شكل، أو نقلهم بخبث لأماكن أخرى لإهانتهم، أو وضع الأختام على أحجار أخرى، فإني آمر بمحاكمة مثل هذا الشخص، لإهانة البشر الفانين كما هو الحال في إهانة الآلهة. وذلك لأن تكريم الموتى أم أكثر وجوبية. فليحظر مطلقاً على أي إنسان أن يزعجهم. وفي حالة الانتهاك أود أن يحكم على الجاني بالإعدام بتهمة انتهاك القبر.

يعتقد الباحثون أن هذا المرسوم صدر من الإمبراطور طيباريوس الذي حكم من 14-37م (أثناء معظم حياة المسيح)، أو الإمبراطور كلوديوس الذي حكم من 41-54. وما يلفت النظر في هذا المرسوم أنه يغلظ عقوبة سرقة القبور من الغرامة إلى الإعدام!

لماذا يكلف الإمبراطور الروماني نفسه إصدار هذا المرسوم القاسي في هذا الوقت في منطقة نائية من إمبراطوريته؟ رغم أنه لا أحد يعلم سبب المرسوم على وجه اليقين، هناك احتمالان يشير كلاهما إلى يسوع.

إن كانت هذه الكتابة لطيباريوس، فمن المحتمل أن طيباريوس عرف عن يسوع من أحد تقارير بيلاطس التي يرفعها إليه سنوياً. وهذا هو زعم يوستينوس الشهيد. وربما اشتمل هذا التقرير على التفسير اليهودي للقبر الفارغ (التلاميذ سرقوا الجسد)، مما دفع طيباريوس لمنع أي حالات “قيامة” في المستقبل بإصدار هذا المرسوم.

وإن كانت الكتابة لكلوديوس، فمن المحتمل أن المرسوم كان جزءًا من رد فعله لأحداث الشغب التي وقعت في روما سنة 49م. ففي أعمال 18: 2 يذكر لوقا أن كلوديوس طرد اليهود من روما. وهو ما يؤكده المؤرخ الروماني سويتونيوس Seutonius الذي يخبرنا بأنه «لأن اليهود في روما تسببوا في شغب مستمر بسبب القلاقل التي أثارها المسيح Chrestus، طردهم [كلوديوس] من المدينة». (Chrestus شكل مختلف لهجاء كلمة Christ [المسيح]).

ما علاقة المسيح بأحداث الشغب التي أثارها اليهود في روما؟ ربما مرت روما بالأحداث نفسها التي وقعت في تسالونيكي نحو ذلك الوقت نفسه. ففي أعمال 17 يسجل لوقا أن حالة من “الفوضى”[5] وقعت في تسالونيكي عندما “غار” اليهود من بولس لأنه كان يكرز بقيامة يسوع من الأموات. وهؤلاء اليهود رفعوا دعواهم لحكام المدينة قائلين «إن هؤلاء [بولس ولوقا] الذي فتنوا المسكونة حضروا إلى ههنا أيضاً…. وهؤلاء كلهم يعملون ضد أحكام قيصر قائلين: إنه يوجد ملك آخر: يسوع!» (ع 6، 7).

إن كان هذا هو ما حدث بالضبط في روما، إذن كلوديوس ما كان ليقبل أن جماعة تتحدى أوامره وتتبع ملكاً آخر. فمن المحتمل أنه ما إن علم أن هذه الطائفة الجديدة المتمردة نشأت مع اليهود الذين آمنوا أن قائدهم قام من الأموات، حتى طرد كل اليهود من روما وجعل سرقة القبور جريمة عقوبتها الإعدام.

إن أحد هذين الاحتمالين يمكن أن يفسر توقيت المرسوم ومكانه وشدته. ولكن حتى إن لم يكن المرسوم مرتبطاً بقبر المسيح الفارغ. فلدينا من الأدلة الدامغة ما يكفي لإثبات أن اليهود هم من طرحوا فرضية السرقة (انظر الفصل السابق). والنقطة الرئيسية هي أن فرضية السرقة كان اعترافاً ضمنياً أن القبر كان فارغاً بالفعل. فمهما كان من أمر، ما الذي يجعل اليهود يختلقون تفسيراً للقبر الفارغ لو كان جسد يسوع لم يزل فيه؟

بديل اتخذ مكان يسوع على الصليب:

هذا هو التفسير الذي يطرحه البعض اليوم ومفاده أن يسوع لم يصلب، ولكن شخصاً، ربما يهوذا، قتل بدلاً منه[6].

ووفقاً لهذه الفرضية، يقولون إن كل ما حدث أنه شبه لهم أنهم صلبوا يسوع، ولكن الله رفعه مباشرة إلى السماء.

هذه النظرية تطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات. هل مطلوب منا أن نصدق أن الآلاف ممن شهدوا جانباً من موت يسوع – التلاميذ، والحرس الروماني، وبيلاطس، واليهود، وعائلة يسوع وأصدقائه – أخطأوا جميعاً في هوية الشخص المقتول؟! كيف يمكن أن تخطئ هذه الأعداد الغفيرة في تحديد هوية شخص؟ إنه يشبه من يقول إن ابراهام لينكولن لم يكن هو من قُتل بجوار زوجته في تلك الليلة من شهر نيسان/أبريل 1865 في مسرح فورد… هل أخطأت ماري لينكون في الرجل الجالس بجوارها؟ هل أخطأ حارس لينكون الخاص في الشخص الذي كان يحرسه؟ هل كل الناس أخطأوا في هوية الرئيس أيضاً؟ أمر مستحيل تصديقه.

وتطرح هذه النظرية الكثير من الأسئلة الأخرى. فلو لم يقتل يسوع، فلماذا وجد قبر المقتول الحقيقي فارغاً؟ هل مفترض أن نصدق أن البديل قام من الأموات؟ وإن كان كذلك، فكيف فعلها؟ هل يفترض أن نصدق أن كل المؤرخين غير المسيحيين مخطئون في موت يسوع؟ وماذا نفعل في اعتراف اليهود بموت يسوع؟ هل أخطأ التلمود عندما قال إن يسوع قد أعدم على خشبة عشية عيد الفصح؟ باختصار، هل يجب أن نصدق أن كل هؤلاء الذين عاشوا في القرن الأول أخطأوا في كل شيء؟

فلا بد أن نشك في نظرية تظهر بعد وقوع الأحداث بمئات السنين وتطالبنا أن نصدق أن كل أدلة القرن الأول خاطئة. فالحقيقة أن هذه النظرية تتناقض مع معظم الحقائق الاثنتي عشرة التي يتفق عليها كل الدارسين الأكاديميين تقريباً (انظر بداية هذا الفصل). وهذه النظرية كغيرها من النظريات البديلة تقوم على تخمينات خالصة دون أي دليل يذكر. إذن لسنا نملك الإيمان الكافي لتصديقها.

إيمان التلاميذ هو ما أدى لاعتقادهم في القيامة:

جون دومينيك كروسان John Dominic Crossan هو أحد مؤسسين مجموعة الأكاديميين والناقدين اليسارية المتطرفة التي تطلق على نفسها “الحلقة النقاشية عن يسوع” The Jesus Seminar قد قرروا أن 18٪ فقط من الأقوال المنسوبة ليسوع في الأناجيل حقيقية (للمزيد عن هذا الموضوع انظر الملحق 3). ولكنهم لا يقدمون أي أدلة حقيقية على هذا الموقف المتشكك، بل كلها نظريات تخمينية عن أن إيمان التلاميذ أدى إلى اعتقادهم في القيامة، وتنسحب هذه التخمينات على كل شيء تقريباً في العهد الجديد.

وقد طرحت هذه النظرية بوضوح أثناء مناظرة كروسان مع وليم لين كريج عن القيامة. فقد طرح كروسان النظرية القائلة بأن التلاميذ اخترعوا قصة القيامة لأنهم “فتشوا الكتب” بعد موته ووجدوا أن “الاضطهاد، إن لم يكن الإعدام، كان مثل توصيف وظيفي لمختاري الله”.

ودارت المناظرة كلها التي استمرت ساعتين حول إجابة كريج. فقد قال: «صحيح، وهذا حدث بعد أن رأوا ظهورات القيامة…. إن إيمان التلاميذ لم يؤد إلى ظهورات [القيامة]، ولكن الظهورات هي التي أدت إلى إيمانهم، وبعدئذ فتشوا الكتب».

حقيقة التلاميذ الخائفون المشتتون المتشككون لم يكونوا في حالة تسمح لهم أن يخترعوا قصة قيامة ثم يخرجوا بها للعالم ويموتوا من أجلها. ولكن حالتهم كانت تسمح لهم بالاختباء بسبب الخوف من اليهود! إن ظهورات القيامة هي ما زودتهم بإيمان جسور، لا العكس، كروسان فهم الأمر بالعكس.

بالإضافة إلى عدم وجود أدلة على نظرية كروسان، فهو لا يستطيع أن يفسر ظهورات القيامة لأكثر من 500 شخص. ولا يمكنه أن يفسر القبر الفارغ ولا محاولة اليهود لتفسيره. لقد عرف اليهود أن التلاميذ كانوا يزعمون أن القيامة حدث تاريخي حقيقي، لا مجرد نتاج لإيمانهم. فلو لم تحدث القيامة حقاً، كما يقول كروسان، فلماذا استمرت السلطات اليهودية طيلة القرن الثاني في الإصرار على أن التلاميذ سرقوا الجسد؟ كروسان ليس لديه إجابة لأن نظريته خاطئة تحتاج لقدر ضخم من الإيمان، مع تجاهل الكثير من الأدلة، حتى تصدقها.

كتاب العهد الجديد نقلوا أساطير القيامة الوثنية:

تؤكد هذه النظرية أن العهد الجديد ليس تاريخياً لأن كتاب العهد الجديد لم يفعلوا شيئاً إلا أنهم نقلوا أساطير القيامة الوثنية. إن الشكوكيين بارعون في التقاط أحداث القيامة المزعومة لبعض الشخصيات الأسطورية مثل مردوخ، وأدونيس، وأوزيوريس، هل العهد الجديد مجرد أسطورة أخرى؟ هل يمكن أن تكون هذه النظرية صحيحة؟ إنه احتمال مستبعد لعدد من الأسباب.

أولاً، كما رأينا العهد الجديد أبعد ما يكون عن العمل الأسطوري. فالعهد الجديد، يختلف عن الأساطير الوثنية في أنه مشحون بأدلة شهود عيان وشخصيات تاريخية حقيقية، وهو مؤيد بعدة مصادر خارجية. وقد قال سي. إس. لويس، وهو نفسه كاتب أساطير، إن قصص العهد الجديد لا ترى فيها أي إمارات أسطورية. فقد قال لويس «إن ناقد أدبي ومؤرخ حتى النخاع، هذه وظيفتي.

وعلى هذا الأساس فأنا مؤهل أن أقول إنه إذا كان أي شخص يظن أن الأناجيل أساطير أو روايات خيالية، فهذا الشخص يكشف ببساطة عدم أهليته للعمل في النقد الأدبي. لقد قرأت العديد من الروايات الخيالية ولدي معرفة كافية بالأساطير التي نشأت بين الشعوب القديمة، وأعلم علم اليقين أن الأناجيل لا تنتمي لهذه الفئة».

ثانياً، نظرية الأسطورة الوثنية لا تستطيع أن تفسر القبر الفارغ، ولا استشهاد شهود العيان، ولا شهادة الكتابات غير المسيحية. ولا تستطيع أن تفسر الأدلة التي تقود كل الدارسين الأكاديميين تقريباً إلى قبول الحقائق التاريخية الأخرى التي سردناها في بداية هذا الفصل.

ثالثاً، الكتاب القدماء غير المسيحيين عرفوا أن كتاب العهد الجديد لم يقدموا روايات أسطورية. وكما يشير كريج بلومبرج «لقد فهم نقاد القيامة الأوائل من اليهود والوثنيين أن كتاب الأناجيل كانوا يزعمون مزاعم تاريخية، لا يكتبون أسطورة أو قصة خيالية. وكل ما فعلوه أنهم جادلوا في معقولية تلك المزاعم».

رابعاً، ما من أسطورة يونانية أو رومانية تحدثت عن تجسد حرفي لإله واحد لا شريك له في صورة بشرية (قارن يوحنا 1: 1-3، 14)، بميلاد عذراوي حرفي (متى 1: 18-25)، أعقبه موته وقيامته الجسدية. فقد آمن اليونانيون بتعدد الآلهة، ولم يكونوا موحدين مثل مسيحي العهد الجديد. علاوة على ذلك، آمن اليونانيون بتناسخ الأرواح في أجساد أخرى فانية، ولكن كتاب العهد الجديد آمنوا بالقيامة بالجسد المادي نفسه الذي يتحول إلى جسد خالد (قارن لوقا 24: 37؛ يوحنا 9: 2؛ عبرانيين 9: 27).

خامساً، أول شيء يشبه موت إله وقيامته لا يظهر إلى سنة 150م أي بعد نشأة المسيحية بأكثر من 100 سنة. لذا إن كان شيء أثر على الآخر، فإنه حدث العهد الجديد التاريخي هو الذي أثر على الأسطورة، لا العكس.

والرواية الوحيدة المعروفة قبل المسيحية عن إله ينجو من الموت هي قصة الإله المصري أوزوريس. وتقول الأسطورة إن أوزوريس يقطع إلى أربع عشرة قطعة، تنشر في أنحاء مصر، ثم تجمعها الإلهة إيزيس مرة أخرى وتعيدها إلى الحياة. إلا أن أوزوريس لا يعود فعلياً إلى الحياة المادية ولكنه يصبح شبحاً في عالم الموتى. وكما يشير هابرماس Habermas وليكونا Licona «إنها مختلفة تماماً عن قصة قيامة يسوع حيث كان رئيس الحياة الذي أقيم بمجد ورآه آخرون على الأرض قبل صعوده إلى السماء».

أخيراً، حتى وإن وجدت أساطير قبل المسيحية عن آلهة تموت وتقوم، فهذا لا يعني أن كتاب العهد الجديد نقلوا منها. فالمسلسل التليفزيوني الخيالي ستار ترك Star Trek سبق برنامج المكوك الفضائي الأمريكي U. S. Space Shuttle، إلا أن هذا لا يعني أن التقارير الصحفية عن رحلات المكوك الفضائي متأثرة بحلقات ستار ترك.

ولكن يجب على المرء أن ينظر في أدلة كل تقرير ليتحقق مما إذا كان تاريخياً أم أسطورياً. فليس هناك شهود عيان ولا أدلة تؤيد تاريخية قيامة أوزوريس ولا أي إله وثني آخر. ولا أحد يعتقد أنها شخصيات تاريخية حقيقية. ولكن كما رأينا هناك شهود عيان وأدلة دامغة تؤيد تاريخية موت يسوع المسيح وقيامته.

هل عندك أي دليل على ذلك؟

لقد اعتاد المسيحيون على “رد لكمات” النظريات البديلة للقيامة. والحقيقة أن هذا هو ما فعلناه تواً بإبراز العديد من النقائص التي تشوب النظريات البديلة. إلا أن هذا لا يكفي. فبالرغم من أن الشكوكيين محقون في مطالبة المسيحيين بإظهار بيئة القيامة (وكما رأينا المسيحيون قادرون على تحقيق هذا المطلب بالأدلة الدامغة)، يجب على المسيحيين مطالبة الشكوكيين بإظهار البيئة على النظريات البديلة.

إن اختراع نظرية بديلة للقيامة شيء، والعثور على أدلة تؤيدها من القرن الأول شيء آخر. فالنظرية ليس دليلاً. والعقلاء يطالبون بأدلة، لا بمجرد نظريات. فأي شخص يمكنه أن يخترع نظرية لتفسير أي حدث تاريخي. مثلاً إن أراد أحد أن يزعم أن كل تسجيلات الفيديو لمعسكرات الاعتقال في الهولوكوست من تمثيل وإنتاج اليهود ليكسبوا تعاطفاً ودعماً لقيام دولة يهودية، هل ستصدق تلك النظرية؟ بالطبع لا، لأنها تضرب بعرض الحائط كل الأدلة المعروفة.

وإن أردنا أن نأخذ الأمر بجدية، فمن يطرحون هذه النظرية عليهم أن يقدموا تقارير شهود عيان مستقلين لها مصداقية وأدلة مؤيدة أخرى لمجابهة العديد من التقارير التي تقول إن الهولوكوست حقيقة قام بها النازيون. إلا أن هذه الأدلة المضادة لا وجود لها.

وينطبق هذا الوضع على القيامة. فرغم أن الشكوكيين صاغوا العديد من النظريات البديلة لنفي القيامة، ليس هناك أدلة من أي مصدر من القرن الأول تؤيد أياً منها. والنظرية البديلة الوحيدة المذكورة في مصدر من القرن الأول (سرقة التلاميذ للجسد) مأخوذة من متى الذي يصفها صراحة بأنها كذبة. فما من أحد في العالم القديم، ولا حتى أعداء المسيحية، طرح تفسيراً بديلاً معقولاً للقيامة.

والكثير من النظريات البديلة التي صيغت على مدى القرنين الماضيين تقوم على رفض ما هو فائق للطبيعة. وبما أن الأكاديميين المحدثين لديهم رفض فلسفي مسبق للمعجزات، فهم يحيكون تفاسير مخصوصة لنفي القيامة. وكما رأينا تفاسيرهم المخصوصة تنطوي على كم كبير من العبث أو الاستحالة.

فيجب أن نسأل من يقدمون نظريات بديلة للقيامة: «ما الأدلة التي تقدمها على نظريتك؟ هل يمكن من فضلك أن تسمي ثلاثة أو أربعة مصادر من القرن الأول تؤيد نظريتك؟» وعندما يواجه الشكوكيون الأمناء بهذا السؤال، عادة ما يجيبون بالصمت أو باعتراف متلعثم أنهم لا يملكون مثل هذه الأدلة لأنها غير موجودة.

والقيامة ليس الشيء الوحيد الذي يجب على الشكوكيين تفسيره. ولكن عليهم أن يفسروا أيضاً الخمس والثلاثين معجزة الأخرى التي نسبها شهود عيان ليسوع. هل ينبغي علينا أن نصدق أن كتاب الأناجيل الأربعة كانوا جميعهم مخدوعين بشأن كل تلك المعجزات كما كانوا مخدوعين في القيامة؟

إن نظرية الخداع الجماعي هذه تتطلب أدلة. هل لدينا أي مصادر أخرى من القرن الأول تقدم تفسيراً مختلفاً لأعمال يسوع؟ المصدر الوحيد الذي اكتُشف (والأرجح أنه من القرن الثاني) هو التلمود اليهودي الذي يعترف أن يسوع قام بأفعال غير عادية إذ يقول إنه “مارس السحر”. ولكن هذا التفسير ضعيف ضعف التفسير اليهودي للقيامة (التلاميذ سرقوا الجسد). قد يكون السحر تفسيراً لبعض “معجزات” يسوع، ولكن هل الخمس والثلاثين معجزة؟ إن السحرة لا يستطيعون أن يفعلوا نوعية الأفعال التي يقال عن يسوع أنه فعلها مثل إقامة الموتى، وتفتيح عيون العمي، والمشي على الماء، وغيرها.

إذن، إن لم يكن هناك أدلة قديمة على الخداع، هل ينبغي أن نقبل معجزات العهد الجديد كما هي مدونة هكذا في الأناجيل؟ لم لا؟ إننا نعيش في كون خلقه الله حيث المعجزات ممكنة. وبالرغم من أننا لا نملك أدلة مستقلة على كل معجزات العهد الجديد (لأن بعضها لم يذكره إلا كاتب واحد)، فمن المؤكد أن عندنا أدلة عديدة على الكثير منها (بما فيها القيامة). فالمعجزات التي صنعها يسوع المذكورة في مصادر مستقلة كثيرة جداً بحيث يستحيل تفسيرها بأنها خدعة كبيرة. فمن الممكن أن ينخدع شخص واحد مرة واحدة، ولكن لا يمكن أن ينخدع العديد من المشاهدين عدة مرات.

ويكتب الباحث الأكاديمي الألماني ولفجانج تريلينج Wolfgang Trilling «إننا مقتنعون أن يسوع صنع معجزات بالفعل ونعتبر ذلك حقيقة تاريخية مؤكدة… إن روايات المعجزات تشغل مساحة كبيرة جداً في الأناجيل حتى إنه يستحيل أن تكون جميعها قد اخترعت أو نسبت لاحقاً ليسوع». ويخلص وليم لين كريج إلى أنه «لم يعد أحد ينفي صحة انتساب المعجزات ليسوع التاريخي». وهو ما يعني أنه لا أحد ينفي صحة المعجزات من الناحية التاريخية ولكن من ينفونها يؤسسون موقفهم على منظور فلسفي بحت (المزيد عن ذلك بعد لحظات).

والفكرة المحورية هي أنه يوجد عدد ضخم جداً من المعجزات وعدد ضخم جداً من الشهادات، بحيث لا يمكننا أن نصدق أن كل شهود العيان أخطأوا كل مرة. وبخصوص القيامة، كل النظريات البديلة مشوبة بأخطاء قاتلة، ولدينا أدلة ظرفية[7] قوية وشهود عاين على أن يسوع قام حقاً من الأموات. وهو ما يعنى أننا لا نملك تفسيراً طبيعياً للقبر الفارغ، بل يعني كذلك أن عندنا أدلة إيجابية تؤيد القيامة. والتفسير الذي يتطلب أقل قدر من الإيمان هو أن يسوع صنع معجزات حقاً وقام من الأموات حقاً كما تنباً. لذلك لسنا نملك الإيمان الكافي لتصديق أن كتاب العهد الجديد كانوا جميعهم مخدوعين.

لماذا لا يؤمن كل الباحثين الأكاديميين؟

إن كان عندنا نسخة دقيقة من شهادة مبكرة، وإن كانت تلك الشهادة مبكرة ومن شهود عيان أيضاً، وإن كان شهود العيان أولئك قد سجلوا ما رأوا بدقة، وإن لم يكن شهود العيان أولئك مخدوعين فيما سجلوا، إذن لماذا لا يقبل كل الأكاديميين العهد الجديد كما هو؟ لنفس السبب الذي لأجله يرفض الداروينيون الاعتراف بالأدلة التي تفند موقفهم: إن متحيزون فلسفياً ضد المعجزات.

قد تم الاعتراف بهذا التحيز أثناء مناظرة بين كريج وكروسان. كريج يؤمن مثلنا أن الأدلة على تاريخية القيامة الحرفية أدلة قوية. ولكن كروسان لا يؤمن أن يسوع قام حرفياً من الأموات. وإلا حوار كاشف جداً بين الرجلين:

كريج: دكتور كروسان هل من شيء يمكن أن يقنعك أن قيامة يسوع من الأموات حقيقة تاريخية؟

كروسان: أود أن أتحقق مما نتحدث عنه. فلنفترض أننا خارج القبر الفارغ صباح أحد القيامة. فلو كان مع أحدنا كاميرا فيديو. هل كان سيمكننا تصوير شيء يخرج من القبر؟ هل هذا هو السؤال؟

كريج: أظن أن سؤالي، وما أظن أن مستر بكلي Buckley [مدير الحوار] يصر عليه، هو: ما الدليل الذي يمكن أن يقنعك؟ أم هل أفكارك المسبقة عن استحالة المعجزات، وما إلى ذلك، في منتهى القوة لدرجة أنها تؤثر على حكمك التاريخي بحيث أن حدثاً كهذا يستحيل حتى أن يقبل في محكمتك؟

كروسان: لا… إن طبيباً في لورد[8] Lourdes قد يعترف قائلاً: «ليس عندي أي تفسير طبي على الإطلاق لما حدث». هذه عبارة صحيحة. ومن ثم للمرء أن يقول: «إذن أنا أصدق بالإيمان أن الله تدخل في هذه الحالة». ولكني شخصياً مقتنع بافتراض لاهوتي مسبق مفاده أن الله لا يعمل بتلك الطريقة…. ما المطلوب لتثبت لي ما تسأل عنه؟ لا أعرف، إلا إذا غير الله الكون. يمكنني أن أتخيل أني صباح الغد اكتشفت أن كل شجرة خارج بيتي تحركت مترين. إنه أمر يتطلب تفسيراً. أنا لا أعرف التفسير، ولكني لن أفترض فوراً أنه معجزة.

إن جملة كروسان الصريحة عن افتراضه اللاهوتي المسبق المضاد للمعجزات اعتراف صادق من جهته. ولكن كروسان لا يتحدث طبعاً نيابة عن كل الأكاديميين الشكوكيين. ولكن من المؤكد أن معظمهم ينكرون القراءة المباشرة للعهد الجديد لأنهم يشتركون معه في تحيزه الفلسفي ضد المعجزات. فالمشكلة ليست أن الأدلة التاريخية على العهد الجديد ضعيفة (بل هي في منتهى القوة). ولكن المشكلة أنهم استبعدوا المعجزات مسبقاً. وهم يتوصلون إلى استنتاج خاطئ بسبب تحيزهم الذي يستحيل معه التوصل إلى الاستنتاج الصحيح.

الإطار الإطار الإطار

لنلق نظرة على آخر تعليق قاله كروسان عن أشجار حديقته التي تحركت مترين ذات ليلة. فهو يقول إنه لن يفترض “فوراً أنها معجزة”. ولا نحن، لأن معظم الأحداث لها بالفعل تفسير طبيعي (وهو ما يساعد بالمناسبة على إبراز المعجزات عندما تحدث حقيقة). لذا، يعد البحث عن تفسير طبيعي أولاً أمراً منطقياً جداً.

ولكن هل يعني ذلك أنه يجب ألا نستنتج أبداً أن أي حدث (كتحرك الأشجار معجزة)؟ كروسان لن يستنتج ذلك بسبب افتراضه اللاهوتي المسبق الذي يقول إن الله لا “يعمل بتلك الطريقة”. ولكن بما أنه لا مبرر لذلك الافتراض المسبق، لأن الله موجود. فما هو الاستنتاج الصحيح؟ إن هذا يتوقف على إطار الحدث. تذكر ما قلناه في الفصل الخامس عن ضرورة تفسير الدليل في ضوء الإطار الذي يقع فيه[9].

فلنفترض أن حدث تحرك الأشجار عند كروسان وقع في الإطار التالي: منذ مائتي عام يزعم شخص ما أنه نبي من الله ويكتب نبوة تقول إن كل الأشجار في منطقة ما في أورشليم ستتحرك مترين في إحدى الليالي في سنة معينة. وبعد مائتي عام، يأتي رجل ليخبر أهل المدينة أن معجزة تحرك الأشجار وشيكة الحدوث. ويزعم هذا الرجل أنه الله، وهو يعلم حقائق عميقة ويقوم بالكثير من الأفعال الأخرى غير العادية يبدو أنها معجزات.

وفي صباح أحد الأيام يزعم العديد من شهود العيان أن الأشجار في حديقة أورشليم التي يملكها كروسان، ومنها عدة أشجار سنديان عميقة الجذور يصل ارتفاعها إلى أكثر من 30 متراً، تحركت مترين بالفعل أثناء الليل، تماماً كما تنبأ الله المتأنس. ويقول شهود العيان هؤلاء أيضاً أن هذه واحدة من أكثر من ثلاثين معجزة صنعها هذا الإله المتأنس. وبعدئذ يتعرضون للاضطهاد والاستشهاد لأنهم أعلنوا هذه المعجزات ورفضوا إنكار شهادتهم.

وخصوم الله المتأنس لا ينكرون الأدلة على معجزة الأشجار أو غيرها من المعجزات، ولكنهم يطرحون تفسيرات طبيعية تعج بأخطاء قاتلة. وبعد سنوات طويلة، بعد موت كل شهود العيان، يطرح الشكوكيون تفسيرات طبيعية أخرى يثبت أيضاً أنها مليئة بأخطاء قاتلة. والحقيقة أنه على مدى الألف والتسعمائة سنة التالية يحاول الشكوكيون أن يفسروا الحدث طبيعياً، دون أن ينجح أحد.

سؤال: بناء على ذلك، أليس من المنطقي أن نفترض أن حركة الأشجار ليست طبيعية بل منشؤها فوق طبيعي؟ طبعاً. الإطار يحدث كل الفرق.

وهذا هو الحال مع القيامة. فالأمر لا يقتصر على انعدام التفسير الطبيعي للقبر الفارغ. ولكن عندنا شهود عيان وأدلة ظرفية تؤيد معجزة القيامة. وإليك الإطار الذي يجب أن نقيم فيه الأدلة:

أ – حقيقة خلق الكون تجعل المعجزات ممكنة: إننا نعيش في كون من خلق الله حيث المعجزات ممكنة. (وبالحقيقة أعظم معجزة، وهي خلق الكون من عدم، حدثت بالفعل). لذا يمكن أن يستخدم الله الأنبياء لإعلان رسائله والمعجزات لتثبيتها. أي أن المعجزة يمكن أن تستخدم لتثبيت كلمة الله لشعب الله من خلال رجال الله.

ب – الوثائق القديمة تقول إن المعجزات متوقعه: وثائق العهد القديم التي كتبت قبل أحداث العهد الجديد بمئات السنين تتنبأ أن المسيا، وهو رجل سيكون هو الله فعلاً، سوف يأتي، ويقتل في وقت محدد كذبيحة عن البشر الخطاة، ويقوم من الأموات (المزيد عن ذلك في الفصل القادم).

ج – وثائق شهود العيان الثابتة تاريخياً تقول إن المعجزات حقيقية: هناك 27 وثيقة كتبها تسعة شهود عيان، أو معاصروهم، تصف العديد من الأحداث المعجزية. والكثير من هذه الوثائق تحوي شهادات عيان ثابتة تاريخياً يرجع تاريخها إلى زمن الأحداث، والأدلة تبين أن القصة ليست من اختراع الكتاب، وليس فيها تجميل، ول هي نتاج خدعة. ونحن نعرف ذلك لأن وثائق العهد الجديد تجتاز كل اختبارات التاريخية السبعة المذكورة في الفصل التاسع. فوثائق العهد الجديد:

  • مبكرة (معظمها مكتوب في غضون 15-40 سنة من زمن الأحداث، أي في خلال جيلين من وقوع الأحداث).
  • تشتمل على شهادات شهود عيان.
  • تحوي شهادات شهود عيان مستقلين من مصادر متعددة.
  • كتبها أناس أهل ثقة ابتعوا أرقى المقاييس الأخلاقية في حياتهم، وماتوا من أجل شهادتهم.
  • تصف أحداثاً ومواقع وأفراداً ثابتين في علم الآثار وفي كتابات أخرى.
  • تصف بعض الأحداث التي يعترف الأعداء ضمناً بأنها صحيحة (شهادة الأعداء).
  • تصف أحداثاً وتفاصيل محرجة للكتاب وحتى ليسوع نفسه.

ووثائق شهود العيان هذه الثابتة تاريخياً تروي القصة التالية:

  • يسوع يأتي إلى أورشليم ويزعم أنه المسيا، في الوقت والمكان وبالطريقة التي تنبأ عنها العهد القديم. وهو يعلم حقائق عميقة، ويصنع خمساً وثلاثين معجزة (بعضها معجزات جماعية) ويقوم من الأموات بشهادة العديد من شهود العيان المستقلين.
  • وشهود العيان الذين كانوا يوماً جبناء ومتشككين، يبدؤون بغتة في المجاهرة بإعلان قيامة يسوع أما الاضطهاد والموت. (المضللون قد يموتون من أجل كذبة يظنونها حقيقة، ولكنهم لن يموتوا من أجل كذبة يعرفون أنها كذبة. إلا أن كتاب العهد الجديد كانوا في وضع يسمح لهم أن يعرفوا الحقيقة من جهلة القيامة).
  • في المدينة عينها التي شهدت موت يسوع وحَوَت قبره، تولد حركة جديدة (الكنيسة) وسرعان ما تنتشر بطرق سليمة على أساس الاعتقاد بقيامة يسوع من الأموات. (وهو أمر يصعب تفسيره لو لم تكن القيامة حقيقة. فكيف تنشأ المسيحية في مدينة معادية مثل أورشليم لو كان جسد يسوع قابعاً في القبر؟ كان السلطات الدينية والحكومية المعادية ستظهر الجسد وتكشف زيف المسيحية).
  • آلاف اليهود في أورشليم، ومنهم كهنة فريسيون، يجرون خمساً من أعز معتقداتهم وممارساتهم ويتبعون معتقدات وممارسات جديدة غريبة بعد تحولهم إلى المسيحية.
  • شاول، أشرس أعداء الكنيسة الناشئة، يتحول فجأة إلى الإيمان المسيحي ويصبح من أنشط مناصري الكنيسة. فهو يجوب أصقاع العالم القديم ليعلن القيامة، ويضطهد ثم يستشهد. (لو لم تكن القيامة حقيقة، فلماذا تحول ألد أعداء المسيحية بغتة إلى أعظم قادتها؟ لماذا قبل طوعاً الاضطهاد والموت؟)
  • يعقوب أخو يسوع المتشكك يقتنع فجأة أن أخاه – حسب الجسد – ابن الله، ثم يصير قائد كنيسة أورشليم. ثم يستشهد على يد رئيس الكهنة. (جميعنا يعرف أن أفراد الأسرة قد يكونون أصعب من يمكن إقناعهم بموقفنا الديني. في البداية كان يعقوب هو أخو يسوع غير المقتنع به [يوحنا 7: 5]. فلو لم تكن القيامة حقيقة، إذن لماذا آمن يعقوب فجأة أن أخاه هو فعلاً المسيا، وقد أطلق عليه مؤرخا القرن الثاني أكليمندس وهيجيسيبوس Hegesippus لقب يعقوب “البار”؟ لو لم يكن يعقوب قد رأى المسيح المقام، فلماذا يصبح قائد كنيسة أورشليم ويموت شهيداً؟)
  • أعداء المسيحية من اليهود لا ينكرون الأدلة، ولكنهم يطرحون لها تفسيرات طبيعية معيبة.

د – تأكيدات إضافية: إن مجموعة من مراجع المؤرخين والكتاب القدامى الآخرين تؤكد هذه القصة الرئيسية التي ترويها وثائق العهد الجديد، وعدد من الكشوف الأثرية يؤكد التفاصيل التي تصفها تلك الوثائق.

وعندما تضع الأدلة في الإطار الصحيح، يمكنك أن تفهم لماذا لسنا نملك الإيمان الكافي للشك فيها. ولكن الشك في الشكوكية هو الخيار الأكثر منطقية!

إن الشكوكيين الذين ينظرون إلى النقاط ب – د أعلاه (ونقاطها الفرعية) قد يخلصون إلى أن يسوع لم يقم من الأموات. ولكنهم إن فعلوا ذلك، ينبغي عليهم أن يقدموا أدلة النظرية البديلة التي يمكنها أن تفسر كل هذه النقاط. ولكنهم فشلوا كما رأينا، بل فشلوا فشلاً ذريعاً. فالقيامة هي أفضل تفسير لكل الأدلة.

وبما أنه يوجد إله قادر على الفعل، إذن يمكن أن تكون هناك أفعال يفعلها الله. وعندما يعلن قصد الله مسبقاً، ثم تجد شهادات شهود عيان محكمة وأدلة داعمة تؤكد حقيقة وقوع هذه الأحداث، فإن إنكار هذه الأحداث يتطلب مقداراً من الإيمان أكبر بكثير مما يتطلبه تصديقها.

مزاعم غير عادية وأدلة تنفي نفسها

هناك اعتراضان آخران غالباً ما يطرحهما الشكوكيون ضد القيامة والمعجزات. أولهما يتمثل في المطالبة بأدلة غير عادية.

الأدلة غير العادية: بعض الشكوكيين قد يعترفون أن القيامة ممكنة، ولكنهم يقولون إن تصديقها يتطلب أدلة غير عادية. أي أنه بما أن العهد الجديد يزعم مزاعم غير عادية، كالمعجزات، يجب أن نعطى أدلة غير عادية لنصدق تلك المزاعم. ويبدو هذا الاعتراض منطقياً إلى أن تسأل «ما المقصود بتعبير “غير عادية”؟»

إن كان يعنى أعلى من الطبيعي. إذن الشكوكي يطلب تأكيد القيامة بمعجزة أخرى. كيف يتم ذلك؟ حتى يؤمن الشكوكي بالمعجزة الأولى (القيامة)، يحتاج معجزة ثانية لتأييدها. وآنذاك سيطالب بمعجزة ثالثة لتأييد الثانية، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية. وبناء على هذا المعيار، لن يؤمن الشكوكي أبداً بالقيامة حتى إن كانت حقيقة. إن مقياس البرهان الذي يجعل تصديق الحدث الحقيقي أمراً مستحيلاً هو مقياس خاطئ.

وإن كان تعبير “غير عادية” يعني قابلاً للتكرار في المعمل، إذن يستحيل تصديق أي حدث تاريخي لأن الأحداث التاريخية غير قابلة للتكرار. ولا يمكن التحقق من إمكانية تصديق الأحداث التاريخية إلا بفحص جودة أدلة شهود العيان وطبيعة الأدلة الجنائية في ضوء مبدأي النمطية والسببية (استعرضنا هذين المبدأين في الفصل الخامس). فضلاً عن ذلك، الملحدون الذين يطالبون بتكرار “المعجزات” الكتابية متناقضون لأنهم لا يطالبون بتكرار “المعجزات” التاريخية التي يؤمنون بها. كالانفجار العظيم، والتولد التلقائي لأول حياة، والماكرو تطور لأشكال الحياة اللاحقة.

وإن كان “غير عادية” يعنى أكثر من “معتادة”، فهذه هي بالضبط نوعية الأدلة المتوافرة عندنا على القيامة. فنحن عندنا وثائق شهود عيان على القيامة أكثر وأقرب لتاريخ القيامة من أي شيء آخر في العالم القديم. فضلاً عن ذلك، هذه الوثائق تشتمل على تفاصيل وشخصيات تاريخية أكثر من أي شيء في العالم القديم. وكما رأينا، لدينا كذلك ما هو أكثر من الأدلة الظرفية العادية التي تؤيد القيامة.

وأخيراً، يمكن تحدي الافتراض المسبق للشكوكي. فنحن لا نحتاج أدلة “غير عادية” لتصديق شيء ما. وهو ما يؤكده الملحدون من منظورهم الفلسفي. فهم يؤمنون بالانفجار الكبير لا لأنهم يملكون أدلة “غير عادية” عليه ولكن لأن هناك أدلة قوية على أن الكون انفجر إلى الوجود من العدم. فالأدلة القوية هي كل ما تحتاجه لتصديق شيء. إلا أن الملحدين ليس عندهم أدلة قوية حتى على بعض معتقداتهم الثمينة. فمثلاً الملحدون يعتقدون في التولد التلقائي والماكرو تطور بناء على الإيمان فقط. ونقول الإيمان فقط لأن التولد التلقائي والماكرو تطور ليس لهما إلا أدلة قليلة أو ربما ليس لهما أدلة على الإطلاق، كما رأينا في الفصلين الخامس والسادس، ومن ناحية أخرى هناك أدلة قوية ضد تلك الاحتمالات.

بالإضافة إلى ذلك، الشكوكيون لا يطالبون بأدلة “غير عادية” على سائر الأحداث التاريخية “غير العادية”. فمثلاً، إنجازات الإسكندر الأكبر (356-323ق.م) من أبرز أحداث التاريخ “غير العادية”. وذلك لأنه رغم أن الإسكندر لم يعش إلى 33 سنة، حقق نجاحاً منقطع النظير. فقد غزا الكثير من العالم المتحضر آنذاك. بدءًا من اليونان، وشرقاً حتى الهند، وجنوباً حتى مصر. ولكن كيف نعرف هذا عن الإسكندر؟ ليس عندنا مصادر من زمن حياته ولا بعد وفاته مباشرة.

وليس لدينا إلا أجزاء من مؤلفين بعد وفاته بنحو 100 سنة. والحقيقة هي أننا نؤسس كل معرفتنا تقريباً عن حياة الإسكندر الأكبر “غير العادية” على ما كتبه المؤرخون بعد موته بثلاثمائة إلى خمسمائة عام! وفي ضوء الأدلة الصلبة على حياة المسيح، أي شخص يشك في تاريخية المسيح عليه أيضاً أن يشك في تاريخية الإسكندر الأكبر. ففي الحقيقة، حتى يكون هذا الشكوكي متسقاً مع نفسه عليه أن يشك في التاريخ القديم كله[10].

 لماذا يطالب الشكوكيون بأدلة “غير عادية” على حياة المسيح ولكنهم لا يطالبون بأدلة كهذه على حياة الإسكندر الأكبر؟ لأنهم مرة أخرى منزعجون من المعجزات. فرغم أن المعجزات ممكنة لأن الله موجود، ورغم أن المعجزات تم التنبؤ بها ثم شوهدت عياناً. فالشكوكيون لا يحتملون أن يعترفوا أن المعجزات حدثت بالفعل. ومن ثم فهم يرفعون مقياس التصديق إلى ارتفاعات شاهقة. وكأن بعض الشكوكيين يقولون: «لن أؤمن بالمعجزات لأني لم أر معجزة. فإن ظهر لي يسوع المقام سأؤمن به». وهذا هو الدليل غير العادي.

مؤكد أنه غير عادي، ولكن هل هو ضروري حقاً؟ هل ينبغي على يسوع أن يظهر لكي شخص في العالم حتى يضفي مصداقية على مزاعمه؟ ولماذا يفعل ذلك؟ لسنا بحاجة لرؤية كل شيء رؤى العين حتى نصدق أن الحدث وقع بالفعل. وفي الحقيقة هذا شيء مستحيل الحدوث مادياً. ولكننا نصدق شهادة الآخرين إن كانوا أهل ثقة، وخاصة إن كانت شهادتهم مؤيدة ببيانات أخرى. وهو ما ينطبق تماماً على شهادة كُتاب العهد الجديد.

فضلاً عن ذلك، كما أشرنا في الفصل الثامن، إن كان الله شديد الانكشاف بسبب فرط تكرار تجلياته المعجزية، فقد يجور على حرية إرادتنا في بعض الحالات. وإن كان غرض هذه الحياة أن نختار اختيارات حرة تعدنا للأبدية، فالله سيزودنا بأدلة مقنعة على وجوده ومقاصده ولكنها ليست أدلة قهرية. إذن من يريدون أن يتبعوا الله يمكنهم أن يتبعوه بثقة، ومن لا يريدون يمكنهم أن يخمدوا الأدلة أو يتجاهلوها ويعيشوا حياتهم كما لو كانت هذه الأدلة غير موجودة.

معجزات تنفي نفسها: جادل الشكوكي الكبير ديفيد هيوم بأن المعجزات لا تستطيع أن تؤكد أي دين لأن المعجزات تقوم على شهادة ضعيفة وهي موجودة في كل الأديان. هو ما يعني أن المزاعم المؤيدة للمعجزات تنفي نفسها. ولكن من سوء حظ هيوم أن اعتراضه لا يصف الواقع الفعلي.

أولاً، هيوم يطلق تعميماً متسرعاً بقوله إن المعجزات المزعومة في كل الأديان متماثلة. فكما رأينا في الفصل التاسع، المعجزات المتصلة بالمسيحية لا تقوم على شهادة ضعيفة. ولكنها تقوم على شهادة شهود عيان مبكرة من مصادر متعددة لا منافس لها في أي ديانة أخرى من ديانات العالم. وهو ما يعني أنه ما من ديانة أخرى في العالم تحتوي على معجزات تم التحقق من صحتها مثل معجزات العهد الجديد.

ثانياً، اعتراض هيوم يسبق اكتشافات العلم الحديث التي تؤكد أن هذا الكون مخلوق (الفصول 3-6). بما أن هذا العالم قد خلقه الله. فالديانات التي تؤمن بالله الخالق الحافظ هي التي يمكن أن تكون صحيحة. والمعجزات التي تؤكد العهد القديم اليهودي تؤكد المسيحية بالتبعية.

أخيراً، تفرد معجزات العهد الجديد، وعددها، وجودتها، لا يمكن تفسيرها بأي شيء إلا بمسبب فائق للطبيعة. لقد صنع يسوع أكثر من ثلاثين معجزة فورية، وفريدة، وناجحة دائماً. بل إن بعضها جاءت نبوات عنه. إن صناع المعجزات المزعومين الذين لا يحققون إلا نجاحاً جزئياً لا يمكنهم سوى إحداث شفاء نفسجسمي، أو استخدام الخداع، أو الإتيان بآيات شيطانية، أو الاعتماد على أحداث يمكن تفسيرها طبيعياً.
الحقيقة أنه ما من شاف معاصر يزعم حتى أنه قادر على شفاء كل الأمراض (بما فيها الأمراض “المستعصية”) فورياً بنسبة نجاح مائة في المائة. ولكن يسوع ورسله فعلوا ذلك. وهو ما يبين طبيعة معجزات العهد الجديد من حيث تفردها وعمل الله فيها مقابل كل ما عداها من مزاعم فائقة للطبيعة. وباختصار، لا شيء “يبطل” معجزات العهد الجديد.

الخلاصة: حياة وحيدة فريدة

في بداية الفصل التاسع قلنا إن هناك سؤالين يجب أن نجيب عنهما لنتحقق من تاريخية العهد الجديد:

1 – هل لدينا نسخ دقيقة من الوثائق الأصلية التي كتبت في القرن الأول؟

2 – هل تلك الوثائق تقول الحق؟

كما رأينا في الأربعة فصور الأخيرة، لدينا أدلة قوية على أن إجابة هذين السؤالين هي: نعم. وهو ما يعني أنه يمكننا أن نتيقن بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن العهد الجديد موثوق تاريخياً.

ونحن في هذه النقطة لا نقول إن العهد الجديد خال من الأخطاء. فسوف نبحث هذا السؤال لاحقاً. ولكن كل ما نستطيع أن نستخلصه الآن هو أن الأحداث الرئيسية في العهد الجديد حدثت بالفعل منذ ما يقرب من 2000 سنة. فيسوع عاش على أرضنا فعلاً، وعلم، وصنع المعجزات، ومات مصلوباً، ثم قام من الأموات.

إن لم تكن مقتنعاً حتى الآن، فكر في دليل آخر يؤيد ما نقول: تأثير حياة المسيح المذهل الذي يعبر عنه هذا المقطع الصغير من عظة عادة ما تعرف بعنوان “حياة وحيدة فريدة” One Solitary Life:

ولد في قرية مجهولة، ابناً لامرأة ريفية. ونشأ في قرية أخرى حيث عمل في ورشة نجارة حتى بلغ الثلاثين. وبعدئذ صار واعظاً متجولاً لمدة ثلاث سنين.

لم يكتب كتاباً. لم يتقلد منصباً. لم يكون أسرة ولم يكن له بيت. لم يذهب إلى الجامعة. لم يعش في مدينة كبيرة. لم يسافر حتى 300 كيلومتر بعيداً عن محل ميلاده. لم يفعل شيئاً واحداً من تلك الأشياء التي عادة ما تصاحب العظمة. لم تكن عنده أي مؤهلات إلى نفسه.

كان عمره 22 سنة فقط عندما انقلب عليه تيار الرأي العام. ففر أصدقاؤه. وواحد منهم أنكره. وأسلم لأعدائه وتحمل مهانة المحاكمة. وقد سمر على صليب بين لصين. وفي ساعاته الأخيرة، اقترع قاتلوه على ثيابه التي كانت كل ما يملك على الأرض. وبعد موته، وضع في قبر مستعار، بفضل شفقة أحد الأحباء.

[عشرون] قرناً مضت وانطوت، وهو اليوم الشخصية المركزية في التاريخ البشري. ولست مخطئاً عندما أقول إن كل الجيوش التي حاربت على مر التاريخ ولك الأساطيل التي مخرت عباب البحار، وكل البرلمانات التي اجتمعت. وكل الملوك التي ملكت، كل هؤلاء مجتمعين، لم يؤثروا في حياة إنسان على هذه الأرض كما أثرت تلك الحياة الوحيدة، الفريدة.

لو لم تكن القيامة حقيقة، كيف تستطيع هذه الحياة أن تكون الأكثر تأثيراً على مر التاريخ كله؟ لسنا نملك الإيمان الكافي لتصديق أن هذه الحياة الوحيدة الفريدة النابعة من قرية نائية قديمة يمكن أن تكون الأكثر تأثيراً على مر التاريخ كله…. إلا إذا كانت القيامة حقيقة.

[1] رغم عدم إجماع الباحثين على القبر الفارغ. معظمهم (حوالي 75٪) يعتقدون أن القبر كان فارغاً، أما الإحدى عشرة حقيقة الأخرى المذكورة هنا تتمتع بتأييد كل الدارسين.

[2] سنة 1968 اكتشف موقع دفن قديم في أورشليم يحوي نحو خمساً وثلاثين جثة. وقد تبين أن معظمهم عانوا ميتات بشعة في ثورة اليهود على روما سنة 70م. ومنهم رجل يدعى يوحانان بن هجالجول Yohanan Ben Ha’galgol. وكان يبلغ من العمر حوالي أربعة وعشرين عاماً، وكان مشقوق الحنك، وكان مسمار طوله ثمانية عشر سنتيمتراً تقريباً لا يزال في كلتا قدميه. وقد أديرت القدمان للخارج بحيث يمكن دق المسمار المربع في الكعب داخل وتر أخيل. وهو ما يؤدي لتقوس الساقين للخارج أيضاً، بحيث لا يمكن أن يحملا المصلوب. وقد أدخل المسمار في إسفين من خشب السنط، ثم في الكعبين، ثم في عمود من خشب الزيتون.

ووجدت دلائل تبين وضع مسامير مشابهة بين عظمتي الجزء السفلي من الذارعين. وهو ما يؤدي إلى تهرؤ العظام العلوية بينما يرفع الضحية جسمه وينزله باستمرار للتنفس (رفع الذراعين لأعلى يمنع التنفس). فكان على ضحايا الصلب أن يرفعوا أنفسهم لأعلى لفك عضلات الصدر، وعندما تستنزف قواهم ولا يتمكنون من ذلك كانوا يموتون بالاختناق. انظر Norman Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1999). 48.

[3] يزعم بعض الشكوكيين أن هذا لم يكن إلا ظهوراً ذاتياً في عقل بولس لأن رفقاءه لم يروا أحداً (أعمال 9) ولا فهموا ما قاله الصوت (أعمال 9: 22). إلا أن هذا الاستنتاج خاطئ لأن رفقاء بولس شهدوا ظاهرة موضوعية: 1) رأوا نوراً حقيقياً، ولكنهم لم يروا شخصاً. 2) سمعوا صوتاً حقيقياً، ولكنهم لم يفهموا ما قاله.

[4] اقتبسها أوريجانوس (185؟-254؟). انظر Habermas. Historical Jesus. كتابات فليجون ليست باقية حتى الآن ولكن أوريجانوس ويوليوس أفريكانوس Julius Africanus اقتبسا منه. وقد يعترض الشكوكيين على استخدام مقولات اقتبسها مسيحيون مثل أوريجانوس، إلا أنه اعتراض غير منطقي. فرغم أننا لا نستطيع أن نتأكد من دقة اقتباس أوريجانوس من فليجون، يمكننا أن نفترض أنه كان دقيقاً في اقتباسه لأن كتابات فليجون كانت غالباً متاحة لقراء أوريجانوس في عصره. ومن ثم لا يعقل أن يبتدع أوريجانوس مقولة فليجون أو يحرفها طالما أنه كان يسهل التحقق منها آنذاك.

[5] ترجمة كتاب الحياة (أعمال 17: 5). (المترجمة)

[6] إن بعضاً ممن يتبنون هذه الفرضية يستندون على “إنجيل برنابا” الذي ثبت أنه إنجيل مزيف. انظر Norman Geisler and Abdul Saleeh, Answering Islam. 2nd cd (Grand Rapids: Mich.: Baker. 2002). Appendix 3.

[7] أدلة تستنتج من الظروف ليست مبنية على معرفة شخصية أو على مشاهدة الوقائع.

[8] مدينة في جنوب غرب فرنسا تعتبر مزاراً كاثوليكياً مقدساً منذ 1858 لأنه يقال إن فتاة صغيرة رأت فيها مجموعة رؤى للعذراء مريم، ويقال أيضاً إن الكثير من معجزات الشفاء تتم فيها.

[9] تذكر مثال الفصل الخامس عن ضرورة توافر إطار للدليل: الرجل الذي يفتح بطن امرأة إما مجرم أو بطل بناء على إطار الحدث. فإن حدث في زقاق وكان الرجل ينوي إيزاءها، فهو مجرم. وإن حدث في غرفة الولادة بأحد المستشفيات، فهو بطل.

[10] طرحت حجة مشابهة بخصوص إنجازات نابليون بونابرت غير العادية في الكتاب الساخر “شكوك تاريخية حول نابليون بونابرت” Historical Doubts Relative to Napoleon Bonaparte بقلم ريتشادر واتليRichard Whately   انظر Morely. Ed, Famous Pamphlets (New York: Routledge, 1890).

هل حقاً قام يسوع من الأموات؟ عندما تتكلم الأدلة

ما هي ادلة القيامة ؟ هل قام المسيح من بين الاموات ؟ – ترجمة جان كرياكوس

ما هي ادلة القيامة؟ هل قام المسيح من بين الاموات؟ – ترجمة جان كرياكوس

ما هي ادلة القيامة ؟ هل قام المسيح من بين الاموات ؟ – ترجمة جان كرياكوس

ما هي ادلة القيامة ؟ هل قام المسيح من بين الاموات ؟ – ترجمة جان كرياكوس

اشراف فريق اللاهوت الدفاعي

جدل حول قيامة يسوع من الموت

يبرز هذا المقال الله بأنه أفضل تفسير لقيامة يسوع، سوف نركز على الحقائق الصغيرة لخطوات Gary Habermas (MFA)، وفيها يفسر Habermas “فكر فقط في المعلومات التي تأكدت بقوة تاريخيا والتي يضمنها تقريبا كل باحث يدرس الموضوع، حتى المتشككين منهم “(1)، هذا يأتي بعد ان قرأ Habermas 3000 مقال أكاديمي لباحثين بعدة لغات، بعد ذلك قام Habermas بتعريف 12 حقيقة (2) (3) ولكننا سوف نركز فقط على أربعة حقائق احتاجها لتوضيح الموضوع:

  • صلب يسوع
  • دفن يسوع
  • قبر يسوع الفارغ
  • ظهورات يسوع بعد موته

الموثوقية العامة:

بما اننا سوف نتطرق للعهد الجديد، فأنا اريد ان نثق به كوثيقة تاريخية، سوف لا نفترض ان ورد بالإنجيل موحي به اوانه معصوم من الخطأ، سوف نتطرق اليه فقط على انه وثيقة تاريخية، كما ناقشت سابقا، سوف نركز على ستة مواضيع رئيسية (4)، ان الأناجيل هي مصادرنا الأولية للتعرف على يسوع، يؤكد الناقد المعاصر Bart Ehrman اننا نستطيع الاستفادة من “اناجيل العهد الجديد”، فهو يوضح ان ذلك “ليس لأسباب دينية او لاهوتية،،، يمكننا ان نثق بها، وانما لأسباب تاريخية، واضحة وبسيطة” (5)، فيما يتفق البروفيسور Richard Burridge يدعي انه عندما “نحكم على مقاييس القرن الأول، اعتقد ان الاناجيل وثائق يمكن الاعتماد عليها جيدا” (6)

فلا يقبل الجدال كون الاناجيل بحد أقصى او اقل، تعطينا معلومات تاريخية عن يسوع، وضع كهذا قد قوي منذ الاجماع عليه (10) واليوم تندرج الاناجيل ضمن “نوعيات السير الذاتية” (7)، “السير الذاتية القديمة” (8)، و” كما تصنف بالسير الذاتية القديمة” (9)، فهذه الحقيقة الهامة توضح لنا دافع الكاتب، وهوان يروي لنا ما حدث بالفعل، سوف يكون شيء اخر إذا كان ينوي الكاتب كتابة رواية رومنسية خيالية او شعريه بدلا عنها،

يدون المؤرخون ان علماء الاثار يؤيدون رويات الاناجيل التي تظهر تناسقا مع التاريخ، فيوجد العديد من التأكيدات التي تتعلق بالأناجيل، كما يميز البروفيسور Craig Evans ويشرح “اناجيل متي، مرقس، لوقا، يوحنا، سفر اعمال الرسل – فهذه هي الاسفار القصصية الاساسية للعهد الجديد، فهم يتحدثون عن أناس حقيقية، أحداث حقيقية، أماكن حقيقية، وعلماء الآثار يوضحون ذلك”(11)، يتفق الباحث Paul Johnson كاتبا ان “يدون المؤرخون هذا الدليل الداعم من علم الاثار يؤكد أكثر من ما يعرض روايات يسوع” (12)، لدي المؤرخون ادلة اضافية على احداث الانجيل.

كما يشرح المفسر Habermas “عندما تجتمع الادلة من المصادر القديمة، فهي تلخص عدد من المعلومات المؤثرة التي تخص يسوع والمسيحية القديمة” (13)، وفوق ذلك فأن الموثوقية العامة تعزز أكثر بواسطة شهادة المخطوطات، فنحن لدينا أكثر من 5000 نسخة باللغة اليونانية الاصلية (14) التي تتفوق على اي شيء اخر لدينا من الاعمال الرومانية اليونانية القديمة، يوضح Habermas ذلك جيدا، “المقصود عادتا هو ان العهد الجديد له ادله كثيرة من المخطوطات التي ترجع لفترات ابعد من الاعمال الكلاسيكية الأخرى، يوجد فقط اقل من 6000 مخطوطة للعهد الجديد بنسخ لغالبية العهد الجديد، يرجع تاريخها ب 100 سنة او أكثر من كتابته.

بأخذ هذا في الاعتبار، فالاعمال الكلاسيكية غير موثقة، في حين ان هذا لا يضمن المصداقية، لكنه يفسر انه من الاسهل بكثير اعادة بناء نص العهد الجديد” (15)، لا يقل اهمية قدم دليل النص الذي لدينا، فكل تواريخ العهد الجديد ترجع لأواخر القرن الأول، لقد مات يسوع حوالي سنة 30 ميلادية، ومعظم الباحثين يؤرخون الاناجيل من سنة 70 وحتى سنة 95 ميلادية، في حين ان رسايل بولس الرسول يرجع تاريخها لما قبل الخمسينات من القرن الأول، وهذا يعني ان ما لدينا هو شهادة القرن الأول عن حياة يسوع.

يناقش الباحث Mike Bird ان هذا مبكرا وخاصةّ “بالمقارنة بالأشخاص التاريخية الاخري” (16)، يشرح البروفيسور Keener ان “نصوص الانجيل قد كتبت في خلال أربعة عقود من اعدام يسوع، وهذا يمنحنا فرصة استثنائية للدخول الي اعماق خدمة يسوع المبكرة” (17)، يدعي الباحث Dan Wallace انه ” كحقيقة تاريخية لا يمكن انكار ان هذه الاناجيل هم شهودنا الاوائل عن ما كان يؤمن به المسيحيين بالقرن الآول” (18)، يوضح ايضا الباحثون انه في الواقع يمكننا العودة حتى الي ما قبل سنة 70 ميلادية عندما نحلل التقاليد الاجتماعية التي كانت وراء الاناجيل،

الحقائق الصغيرة:

سوف نبدأ العمل من القواعد التي يتقبلها عادتا المؤرخون، وهوان مصدران مستقلان يؤكدان حدث تاريخي يعتبر تاريخيا (19)، سوف استخدم ايضا مقياس المصداقية كمرجع (CoA)، CoA هو اداة يستخدمها المؤرخون لتحديد امكانية حدوث أفعال وأقوال يسوع، وبالطبع كلما زادت الامكانية، زادت ثقتنا في الأقوال او الأحداث المزعومة (27)، من خلال CoA سوف نركز على (28):

  1. الاستقلالية والشهادة المبكرة: يظهر الحدث في عدة مصادر قريبة من الوقت المزعوم لحدوثها،
  2. الحرج: فالحدث من الممكن ان يكون فظ او غير نافع بالنسبة للشخص الذي هو مصدرا للمعلومات، مما لا يرجح انه قد قام بأختلاقه،
  3. شهادة الاعداء: يصدق على الحدث الاعداء ايضا مما يمنحه امكانية حدوث عالية،

الحقيقة الآولي: موت الموت يسوع مصلوبا

لا يوجد اتجاه سائد للمؤرخين يشك في صلب يسوع، بحسب رأي البروفيسور James Dunn فأن صلب يسوع “حاز على اجماع غالبية العالم” و”من المستحيل الشك فيه او انكاره” (20)، ويتفق Bart Ehrman على “انه واحد من الحقائق المضمونة عن حياة يسوع” (21)، يقول البروفيسور Luke Johnson ان الدليل “كاسح” (22)، ويقول البروفيسور الملحد Ludemann “ان الصلب غير قابل للمناقشة،” ويقول Crossan “انه يأخذه كشيء مضمون كليا” (23)، ويطلق عليه Borg “من الجائز جدا ان يكون مؤكدا” (24)، وتقول Paula Frederickson “انها أكثر حقيقة مؤكدة لدينا عن يسوع” (25).

ان الصلب وحده مؤكدا فيما لا يقل عن 11 مصدر مستقل من داخل وخارج العهد الجديد: رواية الام المسيح بحسب ما قبل انجيل مرقس، Q، يوحنا، بولس، عبرانيين، رسالة بطرس الاولي 2: 24، Clement of Rome، Ignatius، Martyr، Josephus Flavius، & Cornelius Tacitus، ما قبل انجيل مرقس وQ يعدوا سابقين تاريخيا بعدة سنوات من حدث الصلب، ثم اخرون، اقل قيمة.

مصادر مثل لوسيان، سيرابيون (تعتمد على التواريخ)، الثالوث والتلمود يؤكدان تقليدا ثابتا لصلب يسوع (26)، ايضا يتجاوز الصلب ال CoA، فهو سابقا ومتعددا الادلة (29)، يتجاوز مقياس الحرج (30) (31)، الاتساق (32)، كما ايضا يتفق مع علم الاثار (33)، ان تفاصيل الصلب التي بالانجيل تتفق ايضا مع ما نعرفة عن علم الطب المعاصر وهو الشيء الذي يمنحها مصداقية (33) (34)،

الحقيقة الثانية: دفن يسوع

أجمعت الآراء على دفن يسوع، بحسب CoA فأنه حدثا قديما ومتعدد الاثباتات، فهو مؤكدا منذ ان تسلم بولس الايمان بنحو ما يقل عن خمسة أعوام بعد صلب يسوع (35)، يوضح Habermas ان هذه المعتقدات “تحتفظ ببعض التقارير القديمة التي تتعلق بيسوع منذ ما يقرب من سنة 30- 50 ميلادية” (36)، ان الدفن مؤكدا ايضا برواية مرقس لما قبل الام المسيح، والتي بحسب تفسير William Craig “يعتبر مصدرا قديما جدا والذي غالبا يعتمد على شهادة شهود عيان وتواريخ بعد عدة أعوام من صلب يسوع” (37)، يؤرخها ايضا البروفيسور Richard Bauckham لما قبل عام 40 ميلادية وهو التاريخ الذي غالبا “يعود لكنيسة اورشليم” (38).

فهذا دليل قديم قوي ومستقل، ان الدفن في حد ذاته مثبت بمادة فريدة M & L، سفر أعمال الرسل وانجيل يوحنا، فنحن لدينا بشكل شامل ستة مصادر مستقلة ومبكرة جدا تؤكد دفن يسوع، وبحسب John Robinson فأن الدفن هو واحد من “أقدم وأفضل الحقائق حول يسوع” (39)، والأكثر من ذلك، فالدفن مثبتا ايضا من الاعداء، أعداء يسوع اليهود المتدينين قد اتهموا التلاميذ بسرقة جسد يسوع من القبر وفقا لإنجيل متي 28: 13، Martyr (Dialogue with Tryphyo, 108)، وTertullian (De Spectaculi, 30)، اتهام كهذا يفترض ان يسوع قد دفن داخل القبر وان القبر وجد فارغا،

الحقيقة الثالثة: قبر يسوع الفارغ

ان الحقيقة الثالثة هي الاستثناء، بما انها مؤكدة بنحو75% من الباحثين ومعارضة من نحو99%، ولكن بأي حال، فهي تظل غالبية كما يفسر Habermas قائلا “يبدوان الغالبية العظمي من النقاد الباحثين المعاصرين يؤيدوا ،،، ان يسوع قد دفن في قبر ووجد ذلك القبر فيما بعد فارغا” (40)، اولا، في اوائل عقيدة ما قبل بولس الرسول بالرسالة الاولي الي اهل كورنثوس 15: 1- 11 كما يدون William Craig “عندما نقول ان يسوع مات – دفن – قام – ظهر، فأن ذلك يتضمن بديهيا ان القبر الفارغ قد ترك خلفا” (41)، ثانيا، اذا لم يكن القبر فارغا بالفعل، لكانت المسيحية قد اصطدمت بحائط، فأن ابسط وسيلة لإثبات عدم صحة الايمان المسيحي بقيامة يسوع المخلص، هي ان تذهب الي القبر الذي دفن به يسوع وتعرضه.

يشرح Paul Althaus ادعاء القيامة بأنه “اذا لم يكن قد ثبت خلو القبر لكل المهتمين، لما كان هذا الادعاء استمر في اورشليم لمدة يوم او حتى ساعة” (42)، ثالثا، كون ان النساء اللاتي كن يتبعن يسوع هن اول من اكتشف القبر الفارغ، فهذا يتجاوز مقياس الحرج، كما يلقي الضوء Chris Price “في ظل البيئة الثقافية في ذلك الوقت، اذا اردت ان تختلق قصة حول قبر فارغ، فعليك ان لا تجعل النساء هن اول الشهود العيان، فان ذلك يعتبر تفاصيل ضاره تضمنها الكاتب فقط لأنه اراد ان يخبر بالحقيقة” (43)، وهو ايضا يشكل برهان مستقل، انه مثبت مبكرا وبشكل مستقل في كورنثوس الاولي 15: 1- 11.

وفي رواية الام المسيح لما قبل مرقس الرسول (44)، وهو ايضا مثبتا في اناجيل (مرقس، متي، لوقا) ويوحنا، فهذه المصادر الاربعة المستقلة كما يدون Habermas “ان القبر الفارغ قد ذكر في على الاقل ثلاثة اناجيل ان لم يكن الاربعة” ولهذا السبب “قد اخذ الخبر بجدية من النقاد الباحثين المعاصرين” (45)، وكان ايضا جزء من التعاليم الاولي للمسيحية في سفر اعمال الرسل (3: 29- 31 & 36- 37) وهو ايضا مؤكدا من قبل اعداء المسيحية (46)،

الحقيقة الرابعة: ظهورات يسوع بعد موته

ان الغالبية العظمي تشير الي ان يعقوب، بولس والتلاميذ لديهم خبرات حول قيامة يسوع، طبقا للملحد التاريخي Gerd Ludemann “ربما قد اعتبر شيء مؤكد تاريخيا ان بولس التلاميذ لديهم خبرات بعد موت يسوع حيث ان يسوع قد ظهر لهم كالمسيح القائم من الموت” (47)، يقول Agnostic James Crossley “انه أصعب وأفضل دليل لدينا” (48)، ويدعوه Ehrman “حقيقة تاريخية” (49)، فجميع الاناجيل الاربعة تشهد كل منها بشكل مستقل على القيامة، فظهور يسوع لبولس يشهد عنه لوقا مستقلا، وظهوره للاثني عشر تلميذا يشهد عنه لوقا ويوحنا، ونحن لدينا شهودا مستقلين عن ظهورات الجليل في انجيل مرقس، متي ويوحنا (50)

هناك ما هو  أكثر من ذلك هو  شهادة بولس في بداية ايمانه (كورنثوس الاولي 15: 1- 11)، في رسائل بولس المثبتة والمتجادل عليها، Q وسفر اعمال الرسل، فبداية الايمان تعتبر شيئا مميزا جدا حيث يسجل ان بطرس، الاثني عشر تلميذا، 500 شاهد، يعقوب واخيرا بولس لديهم خبرات حول يسوع القائم من الموت، ما هو أكثر من ذلك، Clement of Rome في القرن الاول وPolycarp في بداية القرن الثاني لديهم ادلة مؤكدة لظهورات القيامة، فكلاهما يعرف التلاميذ وهو الشيء الذي يمنح شهادتهم المصداقية،

ما هو أكثر من ذلك، هو ان التلميذان يعقوب وبولس كانا مخلصان في ادعائهما بقيامة يسوع كما أكدت تسعة مصادر مبكرة ومستقلة، بولس كان يضطهد الكنيسة الاولي حتى ظهر له يسوع (51)، كان يعقوب أخو يسوع الشكاك الذي اقتنع ايضا بسبب ظهور القيامة (52)، نحن ايضا نعرف 11 مصدرا يخبرنا بالادعاءات المبكرة للتلاميذ بالقيامة واستعدادهم للمعاناة والموت من اجلها (53)، واخيرا، فنحن نعلم ان المسيحيين الاوائل بولس، يعقوب (أخو يسوع)، يعقوب (أخو يوحنا)،

اسطفانوس وبطرس جميعهم قد استشهد بسبب ايمانهم بقيامة يسوع، ما هو أكثر من ذلك، هو انه لا يمكن تفسير تلك الظهورات على انه هلوسة، حيث ان بولس قد أمن بقيامة يسوع جسديا (54)، قد أكل يسوع بعد قيامته السمك (لوقا 24: 42)، وعرض على تلاميذه ان يلمسوا جسده القائم (لوقا 24: 39، يوحنا 20: 27)، وان يمسكوا بقدميه (متي 28: 9)، والتلميذ توما قد وضع اصبعه ويده في المكان الذي كان به المسامير بجسد يسوع (يوحنا 20: 27)، بحسب المفسر Craig William Craig “فنحن لدينا شهادات متطابقة بالأناجيل بأن جسد المسيح بعد القيامة كان جسد حقيقي” (55)،

النتيجة: “اذن، فالله هو أفضل تفسير لكل هذه المعلومات،”

ان نقاشي هو ان القيامة هي ان انسب تفسير لكل هذه المعلومات وان وجود الله هو سبب هذه الحقائق،

المراجع:

1، Habermas, G، & Licona, M، 2004، The Case for the Resurrection of Jesus،p، 44،

2، Habermas, G، 2012، The Minimal Facts Approach to the Resurrection of Jesus: The Role of Methodology as a Crucial Component in Establishing Historicity، Available،

3، 12 Historical Facts (Most Critical Scholars Believe These 12 Items)، Available،

4، Bishop, J، 2016، The General Reliability of the Gospels، Available،

5، Ehrman, Bart، 2008، The New Testament، p، 229،

6، Burridge, R، 2013، All Four One And One For All، Available،

7، Stanton, G، 2004، Jesus and Gospel، p، 192،

8، Dunn, J، 2003، Jesus Remembered: Christianity in the Making، p، 185،

9، Cornerstone Institute، New Testament Studies، 2015،

10، Keener, C، 2009، Will the Real Historical Jesus Please Stand Up? The Gospels as Sources for Historical Information about Jesus، Available،

11، Evans, C، Interview: Is the Bible Reliable? Available،

12، Johnson, P، 1986، A Historian Looks at Jesus (Speech)،

13، Habermas, G، 1996، The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ، p، 219،

14، Elliott, K، & Moir, I، 2000، Manuscripts and the Text of the New Testament، p، 1،

15، Habermas, G، Dr، Habermas Answers Important Questions، Available،

16، Bird, M، 2014، Yes Jesus existed… but relax, you can still be an atheist if you want to، Available،

17، Keener, C، 2009، Will the Real Historical Jesus Please Stand Up? The Gospels as Sources for Historical Information about Jesus، Available،

18، Wallace, D، 2010، Dethroning Jesus: Exposing Popular Culture’s Quest to Unseat the Biblical Christ، p، 100،

19، Craig, W، 2009، Independent Sources for Jesus’ Burial and Empty Tomb، Available،

20، Dunn, J، 2003، Jesus Remembered: Christianity in the Making، p، 339،

21، Ehrman, B، Why Was Jesus Killed? Available،

22، Johnson, L، 1996، The Real Jesus، p، 125،

23، Ludemann, G، 2004، The Resurrection of Christ، p، 50،

24، Crossan quoted by Stewart, R، & Habermas, G، in Memories of Jesus، p، 282،

25، Paula Frederickson, remark during discussion at the meeting of “The Historical Jesus” section at the annual meeting of the Society of Biblical Literature, November 22, 1999،

26، Habermas, G، & Licona, M، 2004، The Case for the Resurrection of Jesus، p، 50،

27، Bishop, J، 2016، The Historical Jesus and the Criteria of Authenticity، Available،

28، Craig, W، 2013، A Reasonable Response، Also see, Craig, W، 2014، Gospel Authorship – Who Cares? Available،

29، Craig, W، The Resurrection of Jesus، Available،

30، Hengel, M، 1977، Crucifixion، According to Hengel: “The social stigma and disgrace associated with crucifixion in the Roman world can hardly be overstated،”

31، Craig, W، 2013، Stephen Law on the Non-existence of Jesus of Nazareth، Available،

32، Wallace, D، 2010، Dethroning Jesus: Exposing Popular Culture’s Quest to Unseat the Biblical Christ، p، 109،

33، Edwards, W، 1986، Journal of the American Medical Association، p، 1463،

34، Bishop, J، 2015، Jesus Fact #2 – The Piercing of Jesus’ Side and Medical Science، Available،

35، Ludemann, G، 1994، The Resurrection of Jesus: History, Experience, Theology، p، 38،

36، Habermas, G، 1996، The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ، p، 143

37، Craig, W، 2009، Independent Sources for Jesus’ Burial and Empty Tomb، Available،

38، Bauckham, R، 2008، Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony، p، 243،

39، Robinson, J، 1973، The Human Face of God، p، 131،

40، Habermas, G، The Empty Tomb of Jesus، Available:

41، Craig, W، The Historicity of the Empty Tomb of Jesus، Available،

42، Althaus, P، quoted by Dale Allison in: Resurrecting Jesus: The Earliest Christian Tradition and Its Interpreters، 2005، p، 317،

43، Price, C، 2015، Resurrection: Making Sense of Historical Data، Available،

44، Exploring Biblical Greek، 30-60 AD – Pre-Markan Passion Narrative، Available،

45، Habermas, G، 2005، Recent Perspectives on the Reliability of the Gospels، Available،

46، Flowers, D، 2013، The Resurrection of Jesus of Nazareth، Available

47، Ludemann, G، 1995، What Really Happened? p، 80،

48، Crossley, J، 2015، Unbelievable? New Testament Q&A – Gary Habermas & James Crossley،

49، Ehrman, B، 1999، Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium، p، 231،

50، Craig, W، The Resurrection of Jesus، Available،

51، Ehrman, B، 2006، Peter, Paul, and Mary Magdalene: The Followers of Jesus in History and Legend، p، 101،

52، Habermas, G، 2003، The Risen Jesus and Future Hope، p، 22،

53، Sources: Luke, Paul, Josephus, Clement of Rome, Clement of Alexandria, Polycarp, Ignatius, Dionysius of Corinth, Tertullian, Origen, and Hegesippus،

54، Bock, D، & Wallace, D، 2010، Dethroning Jesus: Exposing Popular Culture’s Quest to Unseat the Biblical Christ، p، 208،

55، Craig, W، 2008، Reasonable Faith، p، 383،

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

 

ما هي ادلة القيامة؟ هل قام المسيح من بين الاموات؟ – ترجمة جان كرياكوس

كتاب من دحرج الحجر – فرانك موريسون

كتاب من دحرج الحجر – فرانك موريسون

كتاب من دحرج الحجر – فرانك موريسون

كتاب من دحرج الحجر – فرانك موريسون

 

للتحميل اضغط هنا

لقراءة الكتاب أون لاين

 

فصول كتاب من دحرج الحجر مُفرغة (مكتوبة) على موقع فريق اللاهوت الدفاعي

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

ترى مَن هو ذلك الشاب – لو صحّ هذا التعليل الذي ذهبنا إليه – الذي سبق النسوة إلى القبر، وشاركهنّ اختباراتهن في ذلك الفجر المأثور في التاريخ لعلّنا لا نعرف. فإن إذا كان مرقص البشير قد أخفى اسمه، فلأسباب وجيهة. على أن في هذا الموقف فكرة أجرؤ على أن أبديها، وهي تحتمل كثيرً من الدرس والتمحيص.

ولو فكّر القارئ ملياً في الآيات الثماني الأخيرة من بشارة مرقص (فصل 16 آية 1: 8) ذاكراً أنها أقدم الروايات عن الحادث، يجد نفسه متأثراً بحقيقة بارزة – أعني بها خلّو القصة من أي تصريح أو تلميح إلى كيفية دحرجة الحجر من تلقاء ذاته. فإن ستاراً كثيفاً يُسدل فجأة على ختام الدفن في العصارى يوم الجمعة، ولا يُزاح إلاّ في فجر الأحد حين يُقال إن الحجر قد دُحرج. فلماذا هذا؟ ألم تعرف الكنيسة شيئاً حتى سنة 58 ب.م. عما حدث في تلك الفترة العصيبة، أم أن مرقص كتب روايته تحت ضغط كثير من التحفُّظ التمنُّع؟

هذه نقطة جديرة بالتفكير، لأن هذا التحفّظ نفسه في الإشارة إلى علّة دحرجة الحجر يبدو واضحاً في الروايات الأخرى التي رواها لوقا ويوحنا. فيقول لوقا:

“ثم في أول الأسبوع أتين (أي النسوة) إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه. فوجدن الحجر مدحرجاً عن القبر. فدخلنَ ولم يجدنَ جسد الرب يسوع”.

ورواية يوحنا لا تقل عن هذه غرابة وتحفظاً:

“وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر والظلام باق. فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر، فركضت….”.

وفي كلتا الحالتين يجيء النسوة إلى القبر، يجدن الحجر مدحرجاً، دون أن يشير البشيرون إلى كيفية حدوث ذلك. أما حين نقرأ رواية متى، نراه يقول إن ملاكاً نزل ورفع الحجر عن القبر.

والشيء المهم في الأمر حين نقرأ كتابات الأبوكريفا غير القانونية، لا نجد أي تلميح إلى أن السيد نفسه هو الذي رفع الحجر بيده، بل أجمعت كلها على أن الحجر دُحرج من تلقاء نفسه، أو أن كائنات علوية هي التي نزلت ودحرجته. ولسنا نجد في أية رواية إشارة إلى أن يسوع نفسه هو الذي دحرج الحجر.

فلماذا لم يقل أحد أن السيد نفسه، بقوته واقتداره، أزاح الحجر وأطلق نفسه من قيود القبر؟ ولماذا أجمعت كل الوثائق التي تصدّت إلى هذه القصة على أن الحجر قد دُحرج من الخارج، إما بيد ملاك أو بقوة غير منظورة؟

أراني هنا أمام حقيقة تاريخية بعيدة الغور عميقة المعنى – حقيقة ألحّت على كل كاتب وحملته أن يتخذ سياقاً آخر في حديثه. فإن دحرجة الحجر لم تُعْزَ إلى قوة الرب المقام، لأنه كان في أورشليم أناس وقفوا على بواطن الأمور التي حدثت في ساعات الظلمة التي سبقت بزوغ فجر يوم الأحد. وهذه الحقائق التي عرفها الناس حالت دون الافتراضات والمزاعم. وللتدليل على ذلك لا مندوحة من الرجوع مرة أخرى إلى قصة الحراس الغريبة المبتذلة.

بيّنتُ فيما سبق أن الكهنة ذهبوا إلى بيلاطس عصارى يوم السبت أو بعد الغسق ليلتمسوا منه أن يقيم على القبر حرّاساً – وهو تحّوط مرغوب فيه لأن رجال الشرطة خشوا أن يتطور موقف الجماهير بعد أن تزول موانع السبت وتعود إليهم حرّية العمل والقول – ولكن بيلاطس رفض هذا الطلب كما يشير إلى ذلك صراحة البشير متى. فلم يكن أمام الكهنة إلاّ مخرج واحد، وهو أن يعهدوا إلى حرس الهيكل بمهمّة الحراسة.

وهذه الحقيقة تبدو لنا بارزة في أسلوب الضمان الذي قيل إن الكهنة أتحفوا به الأفراد الذين كُلفوا بالحراسة، حيث قيل على لسان الكهنة حين علموا بخلو القبر: “وإذا سُمع ذلك عند الوالي فنحن نستعطفه ونجعلكم مطمئنين”. وإذا كان الحراس من الفرقة الرومانية، وممن أقامهم بيلاطس كما كان يُظن، فإن هذا الضمان يبدو سخيفاً بعيداً عن المنطق كل البعد، لأن عقوبة النوم في وقت أداء الواجب كانت الحكم بموت الجندي. ولم يكن في مقدور حنّان، ولا قيافا، ولا أي فرد آخر من زعماء اليهود، أن يحمي جندياً واحداً من غضب روما.

على أنه كان في سلطة قيافا بحكم وظيفته كنائب رئيس الكهنة، وصاحب الكلمة العليا في تقرير الشؤون المدنية في اليهودية، ان يحمي رجال جنده الذين رضخوا لأمره في حادث قيل أن الوالي الروماني نفض يده منه وفوض الأمر فيه إلى السلطات اليهودية. والعبارة القائلة “وإذا سُمع ذلك عند الوالي….” تبيّن عدم إمكان حدوث شيء مثل هذا.

على أن هناك دليلاً آخر أهم وأوقع يثبت صدق القصة التي دونتها الأسفار من ناحيتها التاريخية. وهذا نجده في كلمات الكهنة الأخيرة: “قولوا إن تلاميذه أتوا ليلاً وسرقوه ونحن نيام”.

تُرى ما ضرورة هاتين الكلمتين في وثيقة مناصرة للمسيحية ذاعت في طول فلسطين وعرضها، لو لم تكن تمثّل أمراً واقعاً وحقيقة فعلية في التهمة الأصلية؟ لنفرض جدلاً أنه كان لقصة إقامة الحراس عند القبر قيمة دفاعية في نظر المسيحيين الأولين، لأنها جعلت من العسير على النقّاد المنصفين أن يصدقوا خطف الجسد.

غير أن قوة هذا الدفاع إنما في بقاء الحراس ساهرين، ولم يكن للمسيحيين أدنى فائدة في حراس نعسوا إثناء الحراسة، بل إن هذه الدعوى تضرُّى بدفاعهم ضرراً بليغاً. فلماذا إذن ذكرت القصة هذه الإشارة الغريبة إلى نوم الحراس، لا في متن التهمة فقط، بل في القصة المسيحية التي روت الحادث؟

أعتقد أن حَرج الموقف ومنطق الحوادث، لم يتركا منفذاً للكهنة، لأنهم عجزوا عن الجهر بالحق كله. وقد يكون حقاً أن الحراس ناموا فعلاً من فرط الإعياء بعض الوقت في تلك الليلة المأثورة. وليس هذا بعيد الاحتمال حين نذكر أن الحراس جُردّوا على عجل من فرقة شرطة الهيكل الذين ظلوا يعملون دائبين بلا انقطاع منذ ساعة القبض على المتهم في يوم الخميس الفائت.

فضلاً عن أن السهر على حراسة بستان مهجور خارج أسوار المدينة في ساعات الظلمة، وفي ليلة من ليالي شهر أبريل، وبعد جهاد طويل لا راحة فيه، كان عملاً مملاً لا لذة فيه. وهم لم يروا أي أثر لطارق ليلي، فلا عجب أن يدركهم النعاس بعد مرور ساعات مضنية طوال.

ونحن لا نقد أن نستوثق من حقيقة الأمر، فليس بين أيدينا من الوثائق ما يحملنا على الجزم بقول. على أن هناك تلميحاً في وثيقة غامضة منسيّة، تلميحاً له عندي فيما أعتقد وزنه وقدره. جاء هذا التلميح في أثر قديم من الأسفار غير القانونية لم تبقَ منه إلاّ جُمل مبعثرة – وهو المسمى بإنجيل العبرانيين. وقد ورد بتلك الوثيقة نصّ يصف كيف ظهر يسوع بعد قيامته لأخيه يعقوب. وإليك هذا النص حرفياً:

“وبعد أن سلّم الرب ثياب الكتّان إلى خادم الكاهن، ذهب وظهر ليعقوب (لأن يعقوب هذا كان قد حلف ألاّ يذوق خبزاً من تلك الساعة التي شرب فيها من كأس الرب حتى يراه قائماً من بين الراقدين). ثم أخذ خبزاً وبارك وكسر وأعطى ليعقوب قائلاً: كُلْ خبزك يا أخي لأن ابن الإنسان قد قام من بين الراقدين”.

تُرى ما الذي يسترعي نظرنا وفكرنا في هذا العبارة الغريبة؟ أول كل شيء أن الواقعة التي تتحدث عنها يؤيدها دليلان تاريخيان، مستقلٌّ كل منهما عن الآخر. أولهما أن يعقوب هذا أخا يسوع، على الرغم من عدائه في أول الأمر، انضم إلى حظيرة الكنيسة، واستُشهد في سبيل نصرتها، على قول يوسيفوس المؤرخ الشهير.

والثاني ذلك الصوت الداوي الذي تردد صداه مدى الأجيال المنبعث من فم بولس الرسول قائلاً: “ظهر ليعقوب”. واتفاق هذه الدليلين يخلعان على العبارة التي أوردناها من إنجيل العبرانيين معنى خاصاً.

تُرى ما التعليل الصحيح لهذه العبارة المستغربة التي تقول إن يسوع سلّم “ثياب الكتّان إلى خادم الكاهن”. أهي محـض اختلاق، أم فلتة من فلتات الخيـال، أم نحـن أمام ذكرى من الذكـريات الغامضة لتفاصيل ما وقع في تلك الليلة؟ وهنا أرجو ألاّ يتسـرع القارئ في الإجابة قبل التفكير.

وإن كان هناك شيء في العهد الجديد لا يمكن لأية قوة أن تتحداه، فهو حقيقة ظهور المسيح مرات بعد موته، فلا يمكن أن تكون هذا الظاهرة الرائعة من نسج الخيال، بل أنها تعبّر عن قوة عظيمة خفيّة لم ندركها بعد، والتعليل الوحيد لها أن يسوع ظهر بشخصه فعلاً لتلاميذه أكثر من مرة.

ويدور في فكر، لا أستمده فقط من العبارة المفردة في إنجيل العبرانيين، يوعَز إليَّ أنه عند انبثاق الفـجر في ذلك البسـتان الهـادئ حـدث أمـر حمل أحد الحراس على أن يوقـظ زملاءه على عجل ليروا القبر وقد يكون ذلك الحـادث حفيفاً بين أوراق الشـجر، أو قرقعة باب حمل النسيم صوته، بل قد يكون شيئاً خارقاً أشبه بما حدث فيما بعد لبولس فأذلّه وألان روح عناده وعجرفته “ظهر لصفا…. ثم للاثني عشر…. وظهر ليعقوب…… وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا”.

فهل ظهر أيضاً أول ما ظهر إلى “خادم الكاهن” أي حارس الهيكل الذي أقامه اليهود على القبر؟

إن صحّت هذه الفكرة، فنكون قد عثرنا، ونحن لا ندري، على الجواب الصادق لسؤال من أعمق الأسئلة التي شغلت أفكار الكنيسة من عهد الآباء الأولين حتى اليوم – وهو لماذا وثق التلاميذ وثوقاً راسخاً من أن القيامة وقعت في الساعات الباكرة من صباح الأحد؟

“…… تألم على عهد بيلاطس البنطي، وصُلب، ومات، وقُبر، وقـام أيضاً في اليوم الثالث….”

هذه عبارة قانون الإيمان القديم، وما من شك أنها تستند إلى أساس تاريخي متين، تأصلت جذوره في أعماق الحق والتاريخ.

فصول كتاب من دحرج الحجر

 

خادم الكاهن – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

Exit mobile version