القبر الفارغ والمعضلة أمام الخصوم – بحث ودراسة: Patricia Michael
القبر الفارغ والمعضلة أمام الخصوم – بحث ودراسة: Patricia Michael
يتناول هذا البحث الحجّة الدفاعية المرتبطة بالقبر الفارغ، مركّزاً على تحليله من منظور نقدي تاريخي وقانوني. ويرتكز بشكل رئيسي على دراسة النص الوارد في إنجيل متى (28: 11–15)، مع تحليل هذه الشهادة ضمن سياق الأدلة التاريخية التي تُبرز كيفية تعامُل خصوم المسيحية الأوائل مع حَدَث القبر الفارغ. ترتكز الفكرة الأساسية للبحث على أن القبر الفارغ كان حقيقة غير قابلة للإنكار حتى من قبل أعداء المسيحية آنذاك، الذين أقرّوا ضمنيًا بواقعية القبر الفارغ من خلال محاولاتهم تفسيره عبر فرضيات زائفة، كادعائهم بأن التلاميذ سرقوا جسد المسيح.
يُعزز البحث الحجّة القائلة بأن الشهادات الصامتة التي قدمها الخصوم — مثل محاولة رشوة الحرّاس وتقديم تفسيرات ملتوية — تشكل دليلاً قويًا على أن القبر كان فارغًا بالفعل. كما يُستشهد بتحليل فرانك موريسون في كتابه “من دحرج الحجر؟”، الذي استخدم مبدأ الإثبات القانوني للتمييز بين الشهادات الفعلية (التصريحات المباشرة) والشهادات الصامتة (الدلالات السلوكية غير المباشرة)، حيث أظهرت أفعال خصوم المسيحية — كرشوة الحرّاس — إقرارًا ضمنيًا بحقيقة القبر الفارغ.
🟤إن هذه النصوص، من الناحية النقدية، تملك وزنًا دفاعيًا خاصًا؛ إذ يُعد إقرار الخصم بأمر ما، حتى ضمنيًا، من أقوى أشكال الشهادة التاريخية والقانونية. وبما أن هذه الشهادة جاءت من أعداء المسيحية الأوائل، فإنها تؤكد أن القبر الفارغ كان حقيقة تاريخية قائمة لا يستطيع حتى الخصوم إنكارها، بل سعوا فقط إلى الالتفاف على تفسيرها. وقد لجأ رؤساء الكهنة والشيوخ إلى اختراع رواية بديلة تتحدّث عن سرقة التلاميذ لجسد يسوع أثناء نوم الحرّاس (متى 28: 13)، مما يكشف أن مسألة اختفاء الجسد لم تكن موضع جَدَل، بل كانت واقعًا مُعترفًا به من قِبَل الجميع، حتى من قِبَل أكثر الأطراف حرصًا على نفي قيامة يسوع.
إن محاولة رشوة الحرّاس بمبلغ كبير من المال (متى 28: 12) وتوفير ضمانات لهم ضد انتقام الوالي الروماني (متى 28: 14) يؤكدان أن السلطات اليهودية كانت في مأزق حقيقي أمام حَدَث لا يمكن تفسيره بطريقة طبيعية. فلو كان جسد يسوع لا يزال في القبر، لما احتاجوا لاختلاق قصة السرقة، ولا لتحمُّل هذا العناء في تهدئة الحرّاس وشراء صمتهم. إنما صمتهم وإقرارهم الضمني أمام الرؤساء ثم قيامهم بالرشوة يشكّلان شاهدين إضافيين على أن القبر كان فعلاً فارغًا، وأن فراغ القبر كان واقعًا قاهرًا للجميع.
وبحسب النص، فإن الاشاعة التي حاول الخصوم ترويجها (“إن تلاميذه أتوا ليلاً وسرقوه ونحن نيام”) لم تكن قادرة على الصمود أمام النقد العقلي، إذ أن شهادة الحرّاس بأنهم كانوا نائمين تفتقر إلى المنطق؛ فالنائم لا يمكنه أن يكون شاهدًا لما حدث أثناء نومه. وهكذا تظهر هشاشة التبرير الذي قُدّم مقابل صلابة الحقيقة التاريخية بأن القبر كان فارغًا، ولم يتمكن خصوم المسيحية الأوائل من تقديم تفسير معقول لهذا الحَدَث.
لذلك، فإن نص (متى 28: 11–15) لا يقدّم فقط سردًا تاريخيًا لأحداث ما بعد القيامة، بل يمثل شهادة دفاعية ذات طبيعة قوية؛ فحين يعجز الخصم عن إنكار الحَدَث، ويحاول فقط تفسيره بطريقة ملتوية، يكون في الواقع قد أقرّ ضمنيًا بحدوثه. وعليه، فإن القبر الفارغ لم يكن مجرد عنصر ضمن رواية القيامة، بل كان محورًا مركزيًا لا غنى عنه في نشأة الإيمان المسيحي المبكر، ودليلًا حيًّا يدفع الباحث المنصف إلى الاعتراف بأن القيامة حقيقة تاريخية وبأنها التفسير الأكثر اتساقًا مع مجمل المعطيات التاريخية المتوفرة ويجد هذا التحليل منطقًا مشابهًا لما طرحه فرانك موريسون في كتابه “من دحرج الحجر؟”، حيث قام بتحليل دقيق لدور القبر الفارغ في ترسيخ الإيمان بقيامة المسيح في المراحل الأولى لنشوء المسيحية.
🟤 يركز فرانك موريسون في كتابه على أن مسألة القبر الفارغ كانت نقطة ارتكاز أساسية في التفكير حول قيامة المسيح. يلاحظ موريسون أنه لم يحاول أحد من السلطات الدينية أو الرومانية إنكار فراغ القبر أو تقديم جسد يسوع كدليل مضاد للقيامة. بل على العكس، اعترف الخصوم الواقعيون بفراغ القبر عبر تقديم تفسيرات بديلة غير منطقية لاختفاء الجسد، مثل الادعاء بأن التلاميذ قد سرقوه بينما كان الحرّاس نائمين.
هذا الاعتراف غير المباشر بفراغ القبر، كما يعلّق موريسون، يحمل وزنًا دفاعيًا كبيرًا، إذ إنه يوضّح أن مسألة فراغ القبر لم تكن موضع نزاع حقيقي، بل كانت حقيقة معترفًا بها من الجميع. وبالتالي، يَخلُص موريسون إلى أن الصمت عن تقديم الجسد واللجوء إلى تفسيرات تبريرية وملتوية يؤكدان بأن حدث القيامة استند إلى حقيقة موضوعية، هي أن القبر كان خاليًا فعلاً.
يعد هذا الكتاب من أهم الأعمال الدفاعية التي تدرس قيامة المسيح من منظور تاريخي نقدي وقانوني. يستخدم موريسون أسلوبًا استقصائيًا مميزًا لتحليل الأدلة التاريخية المتعلقة بالقبر الفارغ ويعرض كيفية تعامل الخصوم مع هذا الحدث.
في منهجه التحقيقي حول قيامة المسيح، استخدم فرانك موريسون في كتابه الشهير مبدأً قانونيًا بالغ الأهمية وهو التمييز بين الشهادة الفعلية والشهادة الصامتة. فالشهادة الفعلية هي التصريح المباشر بالأحداث، أما الشهادة الصامتة فهي الأدلة التي تفرض نفسها منطقياً بصمت، ولا يمكن تجاهلها.
مبدأ الشهادة الفعلية والشهادة الصامتة الذي استخدمه فرانك موريسون في كتابه هو أحد الأدوات المهمة التي استخدمها في تحليل قضية قيامة المسيح. الشهادة الفعلية، كما يوضّح موريسون، هي تلك التي تأتي على شكل تصريحات مباشرة، حيث يُصرّح الشخص بما شاهده أو ما يعرفه عن حدث معين. أما الشهادة الصامتة، فهي أدلة غير لفظية تتضح من خلال الأفعال أو السياقات التي تُظهر الحقيقة بشكل ضمني، حتى في غياب التصريحات المباشرة.
في سياق القبر الفارغ، يوضح موريسون كيف أن الشهادات الصامتة التي يقدمها الخصوم (مثل رشوة الحرّاس الواردة في إنجيل متى) تدل على حقيقة لم يتم التصريح بها بشكل مباشر، ولكنها تفرض نفسها من خلال الأحداث. فلو كان جسد يسوع موجودًا في القبر، لما كان هناك حاجة لرشوة الحراس أو لاختلاق قصة سرقة الجسد.
بناءً على هذا المبدأ، يعزز موريسون فكرتين مهمتين:
-الاعتراف الضمني: حتى وإن كان الخصوم لم يصرّحوا بشكل مباشر بفراغ القبر، فإن تصرفاتهم (مثل اختلاق رواية سرقة الجسد) تمثل اعترافًا ضمنيًا بالفراغ.
-الوزن الإثباتي: هذه الأدلة الصامتة ذات وزن قانوني كبير، لأنها تكشف عن حقيقة كان من المفترض أن يرفضها الخصوم إذا كان لديهم دليل معارض على حدوث القيامة.
هذا المنهج يتيح لموريسون بناء حجّته بطريقة تعتمد على الأدلة التي لا يمكن تجاهلها، مما يجعل القبر الفارغ نقطة ارتكاز قوية في إثبات حقيقة قيامة المسيح.
عند تطبيق هذا المبدأ على حادثة القبر الفارغ، نلاحظ أن تصرفات السلطات الدينية — كما يسجلها إنجيل متى (28: 11–15) — تُعد شهادة صامتة ذات وزن إثباتي عالٍ. إذ أن قيام الكهنة والشيوخ برشوة الحرّاس، وصياغة قصة السّرقة، يدل على اعتراف ضمني بأن جسد يسوع لم يعد موجودًا في القبر. فالخصم هنا، وهو الطرف المعارض، اعترف بسكوت أفعاله بواقع القبر الفارغ دون أن يقصد ذلك.
من منظور قوانين الإثبات الحديثة، فإن موقف الخصوم — محاولتهم إشاعة فرضية سرقة الجسد دون إنكار فراغ القبر — يُعد إقرارًا ضمنيًا بالحقيقة الجوهرية. فالخصم الذي يحاول تقديم تفسير لواقعة ما دون أن ينفي حدوثها أصلاً، يكون قد سلم بها ضمنيًا.
وبهذا المعنى، فإن القبر الفارغ يحظى بإثبات مضاعف:
– شهادة المؤيدين الذين أعلنوا قيامته.
-وشهادة الخصوم الذين اضطروا للاعتراف باختفاء الجسد رغم عدائهم.
إنه لمن المدهش أن الوثائق المعاصرة، سواء كانت نصوص الأناجيل القانونية أو الشهادات الموثوقة الأخرى، تتلاقى جميعها حول هذه الحقيقة الجوهرية: اختفاء الجسد من القبر صباح الأحد. وفي غياب أي وثيقة مضادة من العصر الأول تشير إلى بقاء الجسد في القبر، كما أشار اليه فرانك موريسون بدقة، يصبح من المتعذّر قانونيًا أن نفترض بقاء الجسد أو أن ننكر الحَدَث الجوهري. فالشهادات التاريخية المتوافقة على اختفاء الجسد تؤكد أن القيامة كانت حدثًا محوريًا لا يمكن تجاهله أو إنكاره.
وهكذا، بحكم مبادئ الإثبات المعروفة، لا يعود القبر الفارغ مجرد سردية دينية إيمانية، بل يتحول إلى حقيقة تاريخية مؤكدة، تدعمها أدلة وشهادة الخصوم أنفسهم قبل شهادة الأتباع.
إن دراسة حادثة القبر الفارغ، في ضوء قواعد الإثبات النقدي والمنطقي، تكشف لنا أن المسألة لا يمكن اختزالها في جدل عقائدي داخلي أو في تفسيرات سطحية متسرعة. إذ أن طبيعة الشهادات المتوفرة، ولا سيما الشهادات الصامتة الصادرة عن الخصوم أنفسهم، تقيم دليلاً قويًا لا يمكن تجاهله أو إنكاره ببساطة.
إن محاولات تفسير فراغ القبر من خلال سردية “سرقة الجسد” — كما سجلها متى (28: 11–15) — لا تقلل من وزن الإثبات بل تعززه، لأن هذه السردية كانت بذاتها اعترافًا ضمنيًا بأن القبر قد وجد فعلاً فارغًا. ولو كان الجسد موجودًا، لما احتاج القادة الدينيون إلى تلفيق رواية بديلة أو إلى رشوة الحراس.
وهكذا يصبح القبر الفارغ معضلة حقيقية لكل من يحاول أن يدرس الأحداث دراسة تاريخية مُنصفة. إن الموقف المنطقي الرصين لا يسمح بتجاوز هذا الدليل أو الاستهانة به، بل يلزم الباحث الموضوعي أن يتعامل مع القبر الفارغ باعتباره مُعطىً تاريخيًا يحتاج إلى تفسير معقول. وفي ظل غياب أي وثيقة من الحقبة المبكرة تشير إلى بقاء الجسد في القبر، وفي ضوء الشهادات المتعددة والمتنوعة التي تجمع على اختفائه، لا يجد الباحث المُنصف مفرًا من الاعتراف بأن حقيقة القبر الفارغ كانت منطلقًا تاريخيًا لا يمكن القفز عليه او تجاهله في بداية نشأة الإيمان المسيحي.
ليكون للبركة
Patricia Michael
Morrison, Frank. Who Moved the Stone? London: Faber and Faber, 1930.
القبر الفارغ والمعضلة أمام الخصوم – بحث ودراسة: Patricia Michael
يتحد عدد من العوامل لتقوية حجة قبول شهادة الأناجيل فيما يتعلق بفراغ قبر يسوع.
في الواقع، غالبًا ما لا يتم تقدير الحجج المؤيدة لرؤية فراغ قبر يسوع كقطعة من المعلومات التاريخية الواقعية، حتى بين المسيحيين. في هذه الحالة، يجب أن يُنسب الفضل إلى المنحة في الكشف عن العديد من العوامل التي تتشكل معًا في حالة مثيرة للإعجاب.
1- لاحظ أولاً أن الأناجيل الأربعة تنسب اكتشاف فراغ القبر إلى النساء. في يومنا هذا، كما اعتدنا على الدافع من أجل المساواة بين الجنسين، قد لا يبدو هذا شيئًا خارج نطاق المألوف. لكن في فلسطين في ذلك الوقت لم تكن مكانة المرأة وشهادتها محل تقدير كبير مثل الرجل. في الواقع، ربما كان يُنظر إلى النساء على أنهن شهود غير موثوقين في اليهودية في القرن الأول، لمجرد أنهن نساء.
قضى إعلان أخير في إيران بأن شهادة المرأة ليست سوى نصف قيمة شهادة الرجل. كان موقف مشابه للغاية سائدًا في الطرف الشرقي من البحر الأبيض المتوسط في وقت يسوع. ولما كان الأمر كذلك، يجب أن نستنتج أن الشهادة التي يتم فيها تقديم النساء كشاهد أساسي يجب أن تستند إلى حقيقة سليمة. من الصعب أن تعطي السرد المفتعل شهادة رائدة للمرأة.
لماذا تنسبه للمرأة؟ من سيصدق ذلك؟ السبب الوحيد الجيد لنسب تقرير القبر الفارغ إلى النساء هو أن هذه هي الطريقة التي تم تذكرها على أنها حدثت بالفعل.
2- لا يبدو أن الخلط بين الروايات المختلفة في الأناجيل قد تم اختلاقه. إن تضارب الشهادة دليل على صدق من استُخلصت منهم الشهادة أكثر منه علامة على صدقهم. قد نحكم على الشهود بأنهم مرتبكون بشأن نقاط تفصيلية (لأن الشهود يحدثون غالبًا عندما يحاولون تذكر تفاصيل معينة)، لكن بالكاد يكونون خادعين. ووصفها بأنها غير جديرة بالثقة على أساس مثل هذه الاختلافات هو أمر غير كريم.
على العكس من ذلك، فكلما زادت الشهادة بالإجماع في جميع نقاط التفصيل، كلما اضطررنا إلى استنتاج أنهم جميعًا استمدوا شهادتهم من مصدر واحد. في هذه الحالة لن يكون لدينا أربع شهادات بل شهادة واحدة. لكن في الأناجيل يجب أن نتحدث عن روايتين أو ثلاث روايات مختلفة على الأقل، يكون مقياس الاتفاق والاختلاف فيها كافياً لإعطاء وزن لشهادتهم الموحدة. وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى الطابع المدهش لما قد يكون أقدم الأناجيل الأربعة – مرقس. إذا كان النص الأصلي قد انتهى بالفعل في الآية 8 من الإصحاح 16، كما هو مرجح تمامًا، فهذا يعني أن المبشر انتهى بشهود القبر الفارغ خائفات جدًا من قول أي شيء.
من المؤكد أن هناك إحساسًا دراميًا لطيفًا هنا – حيث ترك الإنجيلي عمدًا التنافر الذي تسببه الملاحظة الأخيرة للخوف دون حل. لكن مع ذلك، فهي تحتوي على ما يسميه جي بي فيليبس “حلقة الحقيقة” – ليس أقلها الإشارة إلى أن علامة القبر الفارغ غامضة إلى حد ما: لم يتم فهمها على الفور كدليل على القيامة.
علاوة على ذلك، فإن حقيقة انتهاء الإنجيل الأول (مرقس) دون أي سجل لـ “ظهورات القيامة”، يجب أن تتطابق مع حقيقة أن الرواية الأولى لـ “ظهورات القيامة” (كورنثوس الأولى 15) لا تشير إلى القبر كونه فارغاً. هذه الدرجة من الاستقلالية وعدم وجود ارتباط بين أقدم سجلين تتحدث بشكل إيجابي عن قيمة كل منهما. لا يوجد ما يشير إلى أن أحدهما قد تم اختراعه لدعم الآخر.
3- من المستغرب إلى حد ما وجود أدلة أثرية تشير بشكل غير مباشر ولكن بقوة إلى أن القبر يجب أن يكون فارغًا. ممارسة الدفن، بالطبع، هي إحدى العادات التي يمكن لعلم الآثار أن يتحدث عنها في كثير من الأحيان بسلطة كبيرة. في هذه الحالة، نعلم أنه في زمن يسوع أصبح من المعتاد العودة إلى القبر حيث وضع أحد أفراد أسرته، بعد انقضاء فترة كافية (عام)، لجمع العظام ووضعها في صندوق عظام (صندوق عظام الموتى). كان المنطق واضحًا: يجب الحفاظ على العظام معًا حتى يتمكن الله في القيامة من استخدامها (لإعادة) بناء الجسد من أجل القيامة.
ستوفر العظام الإطار الذي يمكن لله أن يعيد بناء الجسد على أساسه – العملية الموصوفة، في الواقع، في رؤيا حزقيال الشهيرة لوادي العظام الجافة (حزقيال 37. 7-10). في وقت لاحق، وبعد مناقشة الموضوع، خلص الحاخامات إلى أن الله لا يحتاج إلى بقايا الهياكل العظمية بأكملها. عظمة واحدة ستكون كافية. هذه هي النقطة. قدم علم الآثار الآن دليلاً على أن الفهم الشائع للقيامة في فلسطين في وقت يسوع كان سيشمل بعض “إعادة استخدام” الجسد.
أن هذا كان بالفعل رأيًا شائعًا في الفترة التي نهتم بها، وهو ما يؤكده مقطعين في العهد الجديد، يبدو أنهما يعكسان نفس الرأي الشائع – متى 27. 52-53 ويوحنا 5. 28-29. في كلتا الحالتين يكون الحديث عن القيامة مثل الموتى، أو جثث الموتى “من القبور”. ويترتب على ذلك أن أفكار القيامة والقبر الفارغ في فلسطين تتماشى بشكل طبيعي مع كثير من الناس. لكن هذا يعني أيضًا أن أي تأكيد على أن يسوع قد قام من غير المرجح أن يقطع الكثير من الجليد ما لم يكن قبره فارغًا.
الادعاء الذي تم تقديمه في أورشليم في غضون أسابيع قليلة من صلبه، بأن الله قد أقام يسوع (أي جسد يسوع) من الموت، لن يكتسب الكثير من المصداقية لو لم يزعج قبره أو كان مصير جسده معروفًا بخلاف ذلك.. لذلك فإن عدم وجود مثل هذا الادعاء المضاد في أي أدبيات متاحة لتلك الفترة (مسيحية أو يهودية) أمر مهم. الاستثناء الوحيد، إذا كانت كلمة “استثناء” هي الكلمة الصحيحة، فهو متى 28: 13-15 – محاولة السلطات اليهودية نشر قصة أن تلاميذ “يسوع” جاءوا ليلا وسرقوه بعيدًا “. إلى أي مدى يعود الحساب يتم مناقشته.
ولكن من الواضح على الأقل أنه في وقت متى كان هذا التفسير ساريًا بين اليهود (28 :15). المعنى واضح: حتى الرد اليهودي على الادعاء المسيحي لم يجادل في الشهادة حول كون القبر فارغًا. على العكس من ذلك، لم يكن خلاء القبر موضع خلاف، بل كان فقط تفسيرًا لسبب كونه فارغًا.
4- هناك اعتبار قوي آخر لصالح تقارير القبر الفارغ التي تعتبر متأصلة في الحقائق التاريخية وهو عدم وجود أي تبجيل للمقابر في المسيحية المبكرة. نحن نعلم أنه كان من المعتاد في زمن يسوع أن يلتقي المصلين عند قبر النبي الميت للعبادة. تنعكس هذه الممارسة في متى 23. 29 (“تبني قبور الأنبياء وتزين آثار الصالحين”).
ويستمر هذا اليوم في التبجيل الممنوح لمقابر إبراهيم في حبرون وداود في اورشليم. يسوع: الدليل قدم لقطات رائعة للعبادة التي لا تزال تمارس في قبر الشخص الأقل شهرة القريب زمنياً ليسوع، الحاخام ذو الشخصية الجذابة، هوني، “راسم الدائرة”. ينظر المسيحيون اليوم بالطبع إلى موقع قبر يسوع بتقدير مماثل، وتعود هذه الممارسة على الأقل إلى القرن الرابع. لكن بالنسبة للفترة التي غطاها العهد الجديد وغيره من الكتابات المسيحية المبكرة، لا يوجد دليل على الإطلاق بالنسبة للمسيحيين فيما يتعلق بالمكان الذي دُفن فيه يسوع باعتباره ذا أهمية خاصة. لم يشهد المسيحيون الأوائل ممارسة تبجيل القبور، أو حتى الاجتماع للعبادة عند قبر يسوع.
لو كانت هذه هي ممارسة المسيحيين الأوائل، مع كل الأهمية التي تفترضها الممارسة نفسها، فمن الصعب تصديق أن سجلاتنا عن مسيحية اورشليم والزيارات المسيحية لها لم تكن لتذكرها أو تلمح إليها بطريقة ما أو في مرحلة ما. هذا الصمت الغريب، الاستثنائي في ضوء الممارسة الدينية في ذلك الوقت، له تفسير واحد واضح. لم يعتبر المسيحيون الأوائل المكان الذي دُفن فيه يسوع ذا أهمية خاصة لأنه لم يُعتقد أن قبرًا يحتوي على بقايا يسوع الأرضية. لم يكن القبر مبجلاً، ولم يصبح مكانًا للحج، لأن القبر كان فارغًا!
الاستنتاجات
الشهادة مجزأة بالطبع. قد تتطلب هيئة المحلفين قدرًا أكبر بكثير قبل أن تتمكن من الوصول إلى حكم “بما لا يدع مجالاً للشك”. لكن إذا كان علينا استخلاص استنتاجات على أساس الأدلة المتاحة لنا، يجب أن أقول بقوة: الاحتمال هو أن القبر كان فارغًا. كمسألة إعادة بناء تاريخية، تشير ثقل الأدلة بقوة إلى الاستنتاج القائل بأن قبر يسوع وجد فارغًا وأن فراغه كان عاملاً في إيمان المسيحيين الأوائل بقيامة يسوع.
يبدو لي أن جميع التفسيرات البديلة الرئيسية للبيانات تنطوي على احتمالية أكبر، ومن وجهة نظر العديد من العلماء. إن الإيحاء بأن الجثة قد تركت في الواقع دون إزعاج، أو أن الآخرين قد سرقوها، تجعل الاعتبار الثالث أعلاه عملاً شاقاً. لو كان مصير جسد يسوع معروفًا باستبعاد الادعاء بأن الله قد “أعاد استخدامه”، فمن الصعب أن نفهم كيف ولماذا ذهب الادعاء المسيحي دون اعتراض. في فلسطين في ذلك الوقت، لا شيء يمكن أن يقدم دحضًا أكثر تدميرًا للادعاء المسيحي أكثر من الشهادة بأن جسد يسوع أو عظامه لا تزال في مثواها الأخير.
إن الحجة القائلة بأن التلاميذ أنفسهم سرقوا الجسد تتعارض مع الاعتبار الرابع أعلاه. حتى لو افترضنا أن عددًا قليلاً فقط من المتورطين في المؤامرة، فمن الصعب تصديق أنه لم تصل شائعات عنها إلى مجموعة أكبر من التلاميذ. وإذا علم البعض أن قبر يسوع الأخير لم يكن فارغًا، فمن الصعب تصديق أنهم لم يجعلوا ذلك القبر مكانًا للحج. إن الازدواجية التي ينطوي عليها الأمر، ليس فقط في إعلان قيامة يسوع عندما كان معروفًا أن عظامه لم تتعرض للاضطراب، ولكن أيضًا في عدم تكريم القبر الحقيقي للنبي الميت، من الصعب أن تتطابق مع ما نعرفه عن المسيحيين الأوائل.
يرى عدد من العلماء أن الاعتقاد في القبر الفارغ نشأ في وقت متأخر. بالنسبة لي لا أجد دليلًا على ذلك من النصوص نفسها، بيانات النصوص نفسها في أحسن الأحوال (أو أسوأها) غامضة. لكن الاعتبارات الأخرى المذكورة أعلاه (1-4) يبدو لي أنها ترجح ميزان الاحتمالات بشكل كبير لصالح تاريخية القبر الفارغ. نظرية البروفيسور كويستر الشخصية إلى حد ما حول الموضوع الذي سأتناوله بمزيد من التفصيل في نهاية الفصل.
باختصار، لا ينبغي أن يشعر المسيحيون بأي حرج فيما يتعلق بتقرير الأناجيل عن العثور على قبر يسوع فارغًا. يشكك بعض العلماء في التقرير، لكن الدراسات ككل قد فعلت الكثير لإثباته أكثر من دحضه. أيا كان ما نفعله، هنا، قد نقول بثقة، هو معلومة تاريخية جيدة.
هل قام يسوع من الموت حقا؟! هل قال التلاميذ ذلك أم القصة تطورت؟ وهل إذا قالوا ذلك كانوا يصدقون ما يقولوه ام لا؟ ماذا بخصوص النظريات الحديثة التي تدعي أنها تفسر القيامة بشكل واضح وصريح
سنرى في هذا البحث الأدلة والإثباتات التي توافق أو تختلف مع هذا الكلام.
دعونا ننظر إلى الأدلة التي لدينا ونرى. لدينا خمسة أدلة أساسية تدعي بلا شك قيامة يسوع.
الجزء الأول: حقائق عن قيامة يسوع
الحقيقة الأولى: مات يسوع على الصليب
كان الصلب شكلاً شائعًا من أشكال الإعدام التي استخدمها الرومان لمعاقبة أفراد الطبقة الدنيا والعبيد والجنود والمتمردين العنيفين والمتهمين بالخيانة [1]. 70، شعر الجنود الرومان بالكراهية تجاه اليهود لدرجة أنهم صلبوا عددًا كبيرًا منهم في أوضاع مختلفة [2].
يشير إليها تاسيتوس في القرن الثاني على أنها” العقوبة القصوى.[3] وأن يسوع قد مات على الصليب مسجّل في الأناجيل الأربعة.
لوسيان كتب أحد من ساموساتا، “المسيحيون، كما تعلمون، يعبدون رجلاً حتى يومنا هذا – الشخص المتميز الذي قدم طقوسهم الجديدة، وتم صلبه على هذا الأساس.[4] “
مارا بار سرابيون، يكتب لابنه من السجن: “أو [ما هي الفائدة] لليهود بقتل ملكهم الحكيم، إذ رأوا أنه منذ ذلك الوقت بالذات تم طرد مملكتهم بعيدًا عنهم؟”
كتب الباحث الأهم في سيمينار يسوع، جون دومينيك كروسان: “أن صلبه أمر مؤكد مثل أي شيء تاريخي يمكن أن يكون على الإطلاق.”
الحقيقة الثانية: اعتقد تلاميذ يسوع أنه قام وظهر لهم
التلاميذ ادعوا أن يسوع القائم قد ظهر لهم، بعد موت المسيح على الصليب، تحول تلاميذه بشكل جذري من أفراد خائفين ومرتعدين ينكرون. وتخلوا عنه عند القبض عليه وإعدامه في مبشرين جريئين بإنجيل الرب القائم من بين الأموات. وظلوا صامدين في وجه الاعتقال والتعذيب والاستشهاد. من الواضح جدًا أنهم آمنوا بصدق أن يسوع قام من بين الأموات.
هل التلاميذ ادعوا ذلك حقا؟
إدعى تلاميذ يسوع أنه قام من بين الأموات وظهر لهم. يمكن الوصول إلى هذا الاستنتاج من مصادر مبكرة ومستقلة تقع في ثلاث فئات يمكننا اختصارها في كلمة POW.
(1) شهادة بولس عن التلاميذ. Paul
(2) التقليد الشفوي الذي مر عبر الكنيسة الأولى Oral tradition
الرسول بولس هو مصدر مستقل عن التلاميذ الأصليين. لأنه تحول من حالة الاضطهاد والقتال بشراسة للمسيحين إلى المسيحية واتدعي انه يعرف التلاميذ وخدم معهم.
ثانيا: لأن قلة من الناس يعرفون كيف يقرؤون. لذلك اعتمدوا على التقاليد الشفوية لتعليم الآخرين.
يحدد العلماء عدة حالات تم فيها نسخ التقاليد الشفوية في الكتابات التي تشكل العهد الجديد. وتشمل هذه العقائد التي تم إنشاؤها بعناية وهي الترانيم، وملخصات القصص، والشعر. هذه مهمة، لأن التقليد الشفوي كان يجب أن يكون موجودًا قبل كتابات العهد الجديد حتى يتمكن مؤلفو العهد الجديد من تضمينها. يعيدنا هذا إلى بعض التعاليم المبكرة للكنيسة المسيحية، وهي التعاليم التي سبقت كتابة العهد الجديد. دعونا نلقي نظرة على التقليد الشفهي الموجود في العهد الجديد والذي سيدعم وجهة نظرنا بأن التلاميذ الأصليين ادعوا أن يسوع قام من بين الأموات وظهر لهم.
لا ينبغي أن نتفاجأ بالعثور على عدد غير قليل من قوانين الإيمان التي شكلتها الكنيسة الأولى، والتي اقتبسها العديد من مؤلفي العهد الجديد. واحدة من أقدم وأهمها مقتبسة في رسالة بولس الأولى إلى كنيسة كورنثوس 15: 3-8
فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب وأنه ظهر لصفا ثم للاثني عشر وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة أخ، أكثرهم باق إلى الآن. ولكن بعضهم قد رقدوا وبعد ذلك ظهر ليعقوب، ثم للرسل أجمعين وآخر الكل – كأنه للسقط – ظهر لي أنا.
يعتقد العديد من العلماء الناقدين أن بولس حصل عليها من تلميذه بطرس ويعقوب أثناء زيارته لهما في أورشليم بعد ثلاث سنوات من تحوله.[5]
القيامة – هل قام يسوع من الأموات حقا؟ – أمير جرجس
ثالثا التقليد الكتابي:
1- كليمندس الروماني، أسقف روما (حوالي 30-100) رسالة نعرف أن كليمندس كتبها إلى الكنيسة في كورنثوس حوالي عام 95.
في حوالي 185، اعطي إيريناؤس بعض المعلومات من وراء الكواليس حول تلك الرسالة. “خصص كليمندس للأسقفية. هذا الرجل، رأى الرسل المباركين، وكان على معرفة بهم، يمكن أن يقال إنه لا يزال صدى كرازة الرسل، وتقاليدهم أمام عينيه. ولم يكن وحده، لأنه كان لا يزال هناك الكثير ممن تلقوا تعليمات من الرسل.
كتب كليمندس في رسالته إلى كنيسة كورنثوس، “لذلك، بعد أن تلقوا وتأكدوا الكامل بقيامة ربنا يسوع المسيح وإيمانهم بكلمة الله، ذهبوا مع الروح القدس، يبشرون: ملكوت السماوات على وشك القدوم. “[6] يؤكد كليمندس أن رسل يسوع قد تأكدوا تمامًا من قيامة يسوع. إذا كان يعرف الرسل، فسيكون كليمندس في وضع جيد للإبلاغ عما إذا كانوا يعلّمون قيامة يسوع، خاصةً لأنه يشير إلى أنها العقيدة المركزية للكنيسة.
٢- بوليكاربوس
كتب الأب الأفريقي للكنيسة ترتليان، “لأن هذه هي الطريقة التي تنقل بها الكنائس الرسولية سجلاتها: ككنيسة في سميرنا، التي تسجل أن يوحنا رسم بوليكاربوس فيها؛ وكذلك كنيسة روما، التي جعلت كليمندس قد رُسِمَه بطرس بنفس الطريقة». [7]إذا كان إيريناؤس وترتليان على حق، فقد رأى كليمندس الرسل وتعاون معهم، ولا سيما بطرس.
كتب إيريناؤس عن بوليكاربوس “لكن بوليكاربوس لم يتلق فقط تعليمات من الرسل، وتحدث مع كثيرين ممن رأوا المسيح، ولكن أيضًا، من قبل الرسل في آسيا، تم تعيينه أسقفًا للكنيسة”.
إذا كان إيريناؤس وترتليان على حق في أن بوليكاربوس قد علمه الرسل وعينوه، فإن تصريحاته المتعلقة بقيامة يسوع يمكن ربطها بهؤلاء الرسل، لأن تعاليمهم المركزية تجعلها أكثر فائدة. وصلنا إلى هنا أن التلاميذ قالوا إن يسوع قام من الأموات، فهل حقا صدقوا أم لا؟ لقد صدقوا ذلك.
بعد موت يسوع، تغيرت حياة التلاميذ لدرجة أنهم تعرضوا للاضطهاد وحتى الاستشهاد. تشير قوة القناعة هذه إلى أنهم لم يدّعوا فقط أن يسوع قام من بين الأموات وظهر لهم من أجل الحصول على منفعة شخصية. لقد صدقوا ذلك حقًا. قارن هذه الشجاعة بشخصيتهم عند اعتقال يسوع وإعدامه. أنكروه وتركوه ثم اختبأوا خائفين. بعد ذلك، عرّضوا أنفسهم للخطر بإعلانهم علانية عن قيامة المسيح من بين الأموات. لا نحتاج إلا أن نقرا من سفر أعمال الرسل لكي نبين من الكتاب المقدس.
يذكر كليمندس الروماني، المذكور سابقًا، معاناة بطرس وبولس وربما استشهاديهما:
بسبب الحسد والغيرة، تم اضطهاد الأعمدة العظيمة والأكثر صلاح حتى الموت. دعونا نضع الرسل الصالحين أمام أعيننا. بطرس، الذي تحمَّل الكثير من الآلام، وبعد أن استشهد، ذهب إلى المكان المناسب. بسبب الحسد والمنافسات، أشار سبع مرات مقيدًا بالسلاسل، ومنفي، ومرجم، بعد أن أصبح واعظًا في كل من الشرق والغرب، نال تكريمًا من إيمانه، بعد أن علم البر للعالم كله، إلى الحدود التي تغرب عليها الشمس؛ بعد أن شهد في حضور القادة. وهكذا تحرر من العالم وذهب إلى المكان المقدس. وصار مثالا عظيما للصمود
القيامة – هل قام يسوع من الأموات حقا؟ – أمير جرجس
أكد ذلك بوليكاربوس أيضا وسيفعل مثلهم وذكر ذلك إغناطيوس الأنطاكي وترتليان أيضا.
المؤرخين
تاسيتوس
منذ أن كان نيرون إمبراطورًا بين عامي 54 و68، نعلم أنه لا بد أن بطرس وبولس قد استشهدوا خلال تلك الفترة. 64. في ذلك العام، أحرقت روما. ووفقًا للمؤرخ الروماني في أوائل القرن الثاني تاسيتوس، عندما ألقى الناس باللوم على نيرون في الحريق، ألقى نيرون باللوم على المسيحيين وبدأ في اضطهاد رهيب وقتلهم بوحشية.
يوسابيوس (263 – 339 ج)
كتب التاريخ الكنسي، الذي جمع فيه تاريخ الكنيسة المسيحية حتى وقت كتابته، حوالي 325. كان يوسابيوس تحت تصرفه ثروة من الموارد، والعديد منها ضاعت بالنسبة لنا الآن. بالنسبة لاستشهاد بطرس وبولس، يستشهد بديونيسيوس الكورنثي (يكتب حوالي 170)، وترتليان (يكتب حوالي 200)، وأوريجانوس (يكتب حوالي 230-250). يستشهد يوسيفوس (يكتب حوالي 95)، هيجسبوس (يكتب عن 165-175)، وكليمندس الإسكندري (يكتب حوالي 200)، عن استشهاد يعقوب أخو يسوع.
تؤكد جميع هذه المصادر، الكتابية وغير الكتابية على حد سواء، رغبة التلاميذ في أن يتألموا ويموتوا من أجل إيمانهم. [8]بالطبع اقتناع التلاميذ بأن يسوع قام من بين الأموات وظهر لهم لا يعني بالضرورة أنهم كانوا على حق.
الحقيقة الثالثة: مُضطهد الكنيسة بولس تغير فجأة
تغير شاول الطرسوسي، المعروف في التاريخ باسم الرسول بولس، من كونه متشككًا يعتقد أن إرادة الله اضطهاد الكنيسة إلى أن يصبح أحد أكثر رسلها تأثيرًا. في رسائله إلى الكنائس في كورنثوس، 1 غلاطية، 2 وفيليبي 3، كتب بولس نفسه عن تحوله من كونه مضطهدًا للكنيسة إلى شخص يبشر ويكرز بالإيمان الذي حاول تدميره مرة واحدة”
يجب أن نسأل الآن السؤال: ما الذي تسبب في هذا التغيير لبولس؟ يخبرنا كل من بولس ولوقا أن السبب في ذلك هو أنه كان يؤمن إيمانا راسخا بأنه قد اختبر لقاء مع يسوع المقام / إيمان بولس هو أمر مثير للاهتمام لأنه كان عدوًا للكنيسة عندما ادعى أنه رأى يسوع المقام.
الحقيقة الرابعة: يعقوب المتشكك، أخو يسوع، تغير فجأة.
في عام 2002، تم إجراء ما كان يعتقد أنه اكتشاف أثري مهم. تم العثور على صندوق عظام قديم يعود تاريخه إلى القرن الأول مع نقش “يعقوب، شقيق يسوع”. ” بينما يستمر الجدل حول صحة النقش، فإن حقيقة أن مثل هذا الاكتشاف أذهل العالم الديني يظهر الأهمية التاريخية التي تعلق على يعقوب، شقيق يسوع.
يوسيفوس، المؤرخ اليهودي من القرن الأول، يذكر “يعقوب أخو يسوع الملقب بالمسيح “.[9]
يبدو أن يعقوب كان مؤمنًا يهوديًا تقيًا. تدين رسالة بولس إلى أهل غلاطية الرجال الناموسيين الذين يزعمون الانتماء إلى يعقوب الذين كانوا يعلمون الكنائس في غلاطية أن على المسيحيين الحفاظ على الشريعة اليهودية بالإضافة إلى وضع إيمانهم بيسوع.[10]
في القرن الثاني، ذكر هجسيبوس أن يعقوب كان يهوديًا تقيًا يتبع بدقة الشريعة اليهودية: يعقوب، شقيق الرب، نجح في الكنيسة بالاشتراك مع الرسل. لقد دُعي بالبار من قبل الجميع من وقت مخلصنا إلى يومنا هذا؛ لأنه كان كثيرون يحملون اسم يعقوب.
الأناجيل في مرقس ويوحنا ذكروا يعقوب
التقليد الشفاهي في كورنثوس
بعد ظهور يسوع له، تم تعيين يعقوب كقائد لكنيسة أورشليم (أعمال رسل وغلاطية)
لم يعتنق يعقوب المسيحية فحسب، بل كانت إيمانه بيسوع وقيامته قوية لدرجة أنه مات شهيدًا بسببها. شهد يوسيفوس وهجسيبوس وكليمندس الإسكندري على استشهاد يعقوب.
القيامة – هل قام يسوع من الأموات حقا؟ – أمير جرجس
الحقيقة الخامسة: كان القبر فارغًا
دعونا نلقي نظرة الآن على ثلاث حجج فقط للقبر الفارغ
الحجة الأولى: اورشليم
تم صلب يسوع علانية في أورشليم. تم الإعلان أولاً عن ظهوره بعد موته وقبره الفارغ علنًا هناك. وكان من المستحيل على المسيحية النزول إلى الأرض في أورشليم إذا كان الجسد لا يزال في القبر. كان أعداؤه في القيادة اليهودية والحكومة الرومانية سيضطرون فقط إلى إيجاد الجثة وعرضها علانية لتحطيم الخدعة. لم تكن الكتابات اليهودية والرومانية وجميع الكتابات الأخرى غائبة عن مثل هذه الرواية فحسب، بل كان هناك صمت تام من منتقدي المسيحية الذين كانوا سيقفزون عند أدلة من هذا النوع. كما سنرى للحظة، هذه ليست حجة من الصمت.
الحجة الثانية: شهادة العدو
القبر الفارغ ليس فقط مصدّقة من المصادر المسيحية. اعترف أعداء يسوع بذلك أيضًا، وإن كان بشكل غير مباشر. ومن ثم، فإننا لا نستخدم حجة من الصمت. بدلاً من الإشارة إلى قبر فارغ، اتهم النقاد الأوائل تلاميذ يسوع بسرقة الجسد (متى 28: 12-13؛ يوستينوس الشهيد، تريفون 108؛ ترتليان، دي سبيكتاكوليس 30).
كان أول ادعاء يهودي تم الإبلاغ عنه بخصوص قيامة يسوع هو اتهام التلاميذ بسرقة الجسد، وهو اعتراف غير مباشر بأن الجسد لم يكن متاحًا للعرض العام. هذه هي النظرية الوحيدة المعارضة المبكرة التي نعرفها والتي قدمها أعداء يسوع.
الحجة الثالثة: شهادة المرأة
إذا قام شخص ما بتلفيق قصة في محاولة لخداع الآخرين، فإننا نفترض أنه لن يخترع عن قصد بيانات يمكن أن تضر بمصداقية قصته.
عندما نأتي إلى قصة القبر الفارغ، يتم سرد النساء كشاهد أساسي. هم ليسوا فقط الشهود الأوائل المذكورة. تم ذكرهم أيضًا في جميع الأناجيل الأربعة، في حين أن الشهود الذكور يظهرون في وقت لاحق فقط وفي إنجيلين.[11]وهذا من شأنه أن يكون بمثابة اختراع غريب، لأنه في كل من الثقافتين اليهودية والرومانية، كانت المرأة تحظى بتقدير متواضع وكانت شهادتها موضع شك، وبالتأكيد ليست كذلك. ذات مصداقية كرجل.
لا يمكن أن يعيش العالم بدون ذكور وبلا إناث، سعيد لمن أبناؤه ذكور، وويل لمن أولاده إناث.[13]
لكن لا تُقبل شهادة النساء بسبب سخافة وجرأة جنسهن، ولا يُسمح للعبيد بالإدلاء بشهادتهم بسبب جهل أرواحهم؛ لأنه من المحتمل أنهم قد لا يقولون الحقيقة، إما بدافع من الأمل في الكسب أو الخوف من العقاب.[14]
أي دليل [تقدمه] لا يصح عرضه، كما أنه لا يصح تقديمه. وهذا يعادل القول بأن من يُحاسبه ربانيًا على أنه لص مؤهل لإعطاء نفس الأدلة مثل المرأة. [15]
وهذا ما يوضحه الإنجيل أيضا فإن هذا يوفر سياقًا مثيرًا للاهتمام لوقا 11:24
بالنظر إلى النظرة المنخفضة للمرأة في القرن الأول والتي كان يتشاركها اليهود والأمم، يبدو من غير المرجح أن يخترع مؤلفو الإنجيل مثل هذه الشهادات أو يعدلونها.
الجزء الثاني: هل القيامة هي التفسير الوحيد؟
اقترح بعض النقاد أن قيامة يسوع نشأت كأسطورة. هناك أنواع من نظرية الأسطورة.
(1) التزيين.
(2) أسلوب أدبي غير تاريخي.
تفترض نظرية التزيين أن القصة تطورت. حيث تنص نظرية التزيين على أن تلاميذ يسوع لم يزعموا قط أنه قام من بين الأموات. بدلا من ذلك، مع انتشار قصة يسوع وتعاليمه، تم تزيينها بتفاصيل خارقة للطبيعة.
تجارب الرسل إذا حدث أي تزيين للتفاصيل بمرور الوقت بحيث أصبحت نهاية القصة هي قيامة يسوع، فإن القصة الأصلية التي رواها التلاميذ على الأرجح لن تكون كذلك. لكنها قد تضمنت قيامة يسوع. باختصار، تتعارض أدلة التلاميذ مع التزيين.
جاء بولس إلى المسيح من خلال تجربة اعتقد فيها أنه قابل يسوع المقام. يعود تاريخ هذا الحساب أيضًا إلى وقت مبكر جدًا. نحن بحاجة إلى أسباب تحوله عن عدم الإيمان، حيث أن إيمانه كان مبنيًا على المظهر الشخصي ليسوع وهو يحسب بشدة ضد الزخرفة.
نفس الكلام ينطبق على يعقوب
لا تفسر القبر الفارغ وعدم إيجاد اليهود للجثة
التقليد الشفاهي يدمر هذه النظرية تماما
تفترض نظريات الأسلوب أدبي غير تاريخي أنها كانت مجرد قصة
إن الادعاء بأن التلاميذ كتبوا في نوع غير تاريخي هو ادعاء أن التلاميذ لم يقصدوا حرفياً أن يسوع قام من الموت، بل اخترعوا حكاية عن قيامته وخصصوا له صفات إلهية من أجل تكريمه وإيصال رسالة. هدفها شيئا أخر.
على الرغم من أن نظرية الأسلوب الأدبي الغير التاريخي يمكن أن تبدو معقولة جدًا للوهلة الأولى، إلا أنها تعاني من مشاكل خطيرة.
لا يمكنها تفسير القبر الفارغ.
لم تكن هذه القصص تقنع بولس بأن يسوع قد قام من بين الأموات.
نفس الكلام ينطبق على يعقوب
تشير ردود النقاد الأوائل إلى أن الكنيسة الأولى فهمت أن قيامة يسوع هي قيامة تاريخية. اتهم القادة اليهود التلاميذ بسرقة جسد يسوع. على الرغم من أن ناقد القرن الثاني سيلسوس (سي Ao 170) رد لاحقًا على مزاعم قيامة يسوع من خلال اقتراحه هو و/ أو تلاميذه قاموا بالسحر أو الخداع.
تفترض نظريات الاحتيال أن القصة كانت خداعًا. الادعاء بأن شيئًا ما صحيح هو طريق طويل قبل إثبات صحة شيء ما.
ادعى التلاميذ، وبولس، ويعقوب أنهم رأوا يسوع المقام، ولكن لماذا يجب أن نصدقهم؟ قد يقترح أحد المتشككين أن الدافع لاختراع قصة قيامة يسوع يمكن العثور عليه بالتأكيد. لمدة ثلاث سنوات، أوقف التلاميذ حياتهم الطبيعية وتبعوا يسوع بتفانٍ كامل. كان معظمهم من الفلاحين الذين لم يدرسوا الدين بشكل رسمي. ومع ذلك، كانوا يعلمون أن القادة الدينيين اليهود المتعلمين في ذلك الوقت كانوا مخطئين وأن يسوع، نجارًا، كان على حق.
ثم قُبض على يسوع ومات خلال أربع وعشرين ساعة. في حيرة من أمرهم وبدون قائد، أدركوا أنهم ارتكبوا خطأ محرجًا.
لذلك اخترعوا قصة قيامة يسوع من أجل إنقاذ ماء الوجه، أو للترويج لآرائهم أو أسبابهم. يبدو أن الاحتيال هو أول نظرية معارضة اقترحها نقاد يسوع. يذكر إنجيل متى أن القادة اليهود في القرن الأول نشروا قصة أن تلاميذ يسوع قد سرقوا الجسد. 150، في حواره مع تريفون، كتب يوستينوس أن القيادة اليهودية كانت لا تزال تنشر نفس الإشاعة في أيامه. هناك نوعان عامان من نظرية الاحتيال.
الاحتيال الثاني: أن شخصًا آخر غير التلاميذ سرق الجسد، مما دفع التلاميذ إلى الاعتقاد خطأً أن يسوع قد قام من بين الأموات.
الاحتيال الأول: كذب التلاميذ أو سرقتهم للجسد
أولًا: أثبتنا سابقًا أن تلاميذ يسوع ادعوا أنهم رأوا يسوع المقام لأنهم آمنوا حقًا أنهم رأوه. وأعلنوا بجرأة عن قيامة المسيح في وجه الاضطهاد الشديد والموت. لقد واجهوا العذابات الشديدة والاضطهادات – وليس مثل الموجودة اليوم. ومع ذلك، فإننا لا ندرك أن هناك تلميذًا واحدًا قد ارتد.
ثانيًا: مجرد قصة اخترعها التلاميذ لن تقنع بولس، الذي كان عدوًا للكنيسة. كان الاحتيال من جانبهم هو أول شيء كان سيشتبه به. ولكن بدلاً من رفض ادعاءات قيامة يسوع على أنها خداع، اقتنع بولس بما وصفه بظهور يسوع المقام له.
ثالثًا: نفس الكلام ينطبق على يعقوب
الاحتيال الثاني: “سرق الجسد شخص غير التلاميذ”.
أولًا: لم يكن القبر الفارغ في حد ذاته ليقنع مضطهد الكنيسة بولس أو يعقوب الذين اقتنعوا بظهور المسيح المقام.
ثانيا: لم يبدو أن القبر الفارغ يقود أيًا من أتباع يسوع باستثناء يوحنا إلى الاعتقاد بأنه قام من الموت. ” (10) في الواقع، يخبرنا إنجيل يوحنا أن مريم المجدلية قفزت على الفور إلى استنتاج أن شخصًا ما قد سرق الجسد. وتفيد الأناجيل أيضًا أن بطرس، عندما رأى القبر الفارغ، لم يكن مقتنعًا أيضًا. كانت المظاهر هي التي قادت إلى اعتقاد التلاميذ أن يسوع قد قام من الأموات. فشل الاحتيال الثاني في تفسير هذه المظاهر.
ثالثا: حتى لو كان صحيحًا، فإن الاحتمال الثاني يمكنه فقط التشكيك في سبب القبر الفارغ، وليس القيامة نفسها. هذا لأن أقوى دليل على قيامة يسوع هو الظهور للتلاميذ بولس ويعقوب. لكن النظرية القائلة بأن شخصًا غير تلميذ سرق جسد يسوع لا تفعل شيئًا لدحض الادعاء بأن العديد من الأشخاص قد رأوا بالفعل يسوع المقام.
رابعا: تشير الأدلة إلى أن مكان القبر كان معروفاً، لأن رجلاً مشهوراً، يوسف الرامي، دفن يسوع في قبره. إذا كان دفن يوسف اختراعًا، فقد نتوقع من النقاد القدامى أن يذكروا أن يوسف أنكر هذه النسخة من القصة.
أو كان من الممكن أن ينكر النقاد وجود يوسف لو كان شخصية خيالية. بعد كل شيء، يُزعم أن يوسف كان في السنهدريم، أعلى هيئة حاكمة يهودية في زمن يسوع، وبالتالي كان شخصية عامة. لكن بدلاً من التشكيك في مكان الدفن، لجأت هذه المجموعة إلى الادعاء بأن التلاميذ قد سرقوا الجسد.
نظرية الإغماء وقيامة يسوع
من المؤكد أن يسوع قد صلب. (45) على الرغم من ذلك، كيف يمكننا التأكد من أنه مات بالفعل وهو على الصليب؟ لقد سمعنا جميعًا عن حالات بدأ فيها شخص أُعلن عن وفاته في التنفس مرة أخرى بعد بضع ساعات.
أولًا: يبدو أن حدوث مثل هذا الحدوث بعيد الاحتمال، نظرًا لطبيعة الجلد والصلب. نحن الآن نفهم هذه العمليات أكثر بكثير مما كنا نفهمه قبل خمسين عامًا. في عدد 21 آذار (مارس) 1986 من مجلة الجمعية الطبية الأمريكية، درس فريق من ثلاثة أشخاص، بما في ذلك أخصائي علم الأمراض من Mayo Clinic، إجراءات الجلد والصلب وتأثيرها على الضحية. ما يلي مقتطف من تلك المقالة ويبدأ بوصف عملية الجلد:
كانت الآلة المعتادة عبارة عن سوط قصير.. مع عدة سيور جلدية مفردة أو مضفرة بأطوال متغيرة، حيث يتم ربط كرات حديدية صغيرة أو أجزاء حادة من عظام الحيوانات على فترات… ويتم ربط الظهر والأرداف والساقين…. والجَلد كان القصد منه إضعاف الضحية إلى حالة على وشك الانهيار أو الموت… حيث ضرب الجنود الرومان ظهر الضحية مرارًا وتكرارًا بقوة كاملة، ستسبب الكرات الحديدية كدمات عميقة، وسيور الجلد وعظام الحيوانات تقطع الجلد والأنسجة تحت الجلد. ثم، مع استمرار الجلد، تمزق التمزقات في عضلات الهيكل العظمي الأساسية.
ضع في اعتبارك أن هذا الإجراء هو مجرد تحضير للصلب. فيما يتعلق بالصلب الفعلي، كان الهدف من كل جرح إحداث آلام شديدة. أفاد الفريق أنه عندما يتم وضع المسمار في معصم الرجل المُدان على الصليب، “فإن الظفر المدفوع سوف يدمر العصب المتوسط الحسي الكبير إلى حد ما. قد ينتج عن العصب المحفّز براغي مؤلمة من الألم الناري في كلا الذراعين “.18
العديد من الأطباء الذين درسوا الصلب على مر السنين خلصوا بشكل ثابت إلى أن المشكلة الرئيسية التي يواجها ضحايا الصلب كانت التنفس، أو أكثر على وجه التحديد – الاختناق. بمجرد وصوله إلى الصليب، قد يرغب الضحية في تخفيف الضغط عن قدمه المسمرتين. للقيام بذلك، كان سيسمح برفع وزن جسده بواسطة يديه المسمرتين. ومع ذلك، في هذا الوضع “السفلي”، ستكون بعض العضلات في وضع الاستنشاق، مما يجعل الزفير صعبًا.
وبالتالي، سيتعين على الضحية الضغط على قدميه المثقوبة من أجل الزفير. ومع ذلك، فقد فعل ذلك في المرات العديدة الأولى قد يسبب هذا ألمًا شديدًا، لأنه قد يتسبب في تمزق اللحم في القدمين حتى يغوص في نفسه على إحدى العظام. وهكذا، يمكن رؤية ضحية الصلب وهي تدفع للأعلى كثيرًا وتعود إلى الوضع السفلي. كما أن تقلصات وتشنجات العضلات تجعل التنفس أكثر صعوبة وألمًا.
كان من المعتاد أن يعلق المرء على الصليب لأيام. ومع ذلك، في بعض الأحيان عندما يرغب الرومان في تسريع العملية، فإنهم يستخدمون (crurifragium) كسر عظام أسفل الساق. هذا من شأنه أن يمنع الضحية من الدفع والزفير. كان سبب موت الضحية المصلوبة بسيطًا – لم يكن قادرًا على التنفس. كانت عدم القدرة على التنفس هي سبب الموت بالصلب وهي حقيقة تدعمها كتابة قديمة تم تأليفها في منتصف القرن الثاني الميلادي: إنجيل بطرس.
استنتج الفريق الذي كتب المقال إلى أنه “وفقًا لذلك، فإن التفسيرات القائمة على افتراض أن يسوع لم يمت على الصليب تبدو متعارضة مع المعرفة الطبية الحديثة”. 52 علاوة على ذلك، إذا كان جرح الرمح الموصوف في يوحنا 19: 34-35 على الأرجح أن الدم والماء اللذين وُصِفا على أنهما يتدفقان من جسده على يسوع، كانا بسبب تمزق الكيس المحيط بالقلب (يسمى التامور). هذا من شأنه أن يخرج الماء، وإذا تم ثقب الجانب الأيمن من القلب، فسوف يتدفق الدم أيضًا (كما تشهد بذلك مصادرنا الطبية أعلاه). يذكر المؤلف الروماني كوينتيليان (35-95 م) أن هذا الإجراء يتم إجراؤه على ضحايا الصلب.53 ولم يبق أي سؤال بشأن وضع الضحية بعد ذلك.
ثانيًا: كتب العالم الألماني د. إف ستراوس أنه لم يكن من المعقول أن يسوع دفع الحجر الثقيل بعيدًا عن القبر بأيدٍ مثقوبة ومشى على أقدام مثقوبة ومجرحة بعد أن جُلد وصلب. حتى لو كان مثل هذا السيناريو السخيف ممكنًا، عندما ظهر لتلاميذه في حالته المثيرة للشفقة والمشوهة، فهل يقنعهم ذلك بأنه أمير الحياة القائم؟ بالكاد. قام؟ لا لم يكن بطرس ليجيب، “واو، لا أطيق الانتظار حتى يكون لي جسد قيامة مثل هذا!” بالأحرى كان التلاميذ سيقولون، “لنحضر لك طبيبًا. أنت بحاجة إلى المساعدة!
ثالثًا: لا يمكن لنظرية الموت الظاهر أن تفسر تحول بولس الدراماتيكي لوجهات النظر. ادعى بولس أن إيمانه كان نتيجة اختباره لظهور مجيد للمسيح المقام من بين الأموات 57. لذلك، يبدو أن نظرية الإغماء “ميتة” مع عدم وجود أمل في القيامة
ظواهر الهلوسة والأوهام وقيامة يسوع
تتطلع نظريات الظواهر النفسية إلى العقل للحصول على تفسير. الوهم هو اعتقاد خاطئ يتمحور حول الاقتناع بأنه صحيح على الرغم من الأدلة التي تبطل حقيقته. قد تصاب الأرملة الحزينة بالوهم إذا رفضت قبول وفاة زوجها الذي بلغ ستين عامًا، رغم حصولها على شهادة وفاته، وذهبت إلى جنازته.
الهلوسة هي تصور خاطئ لشيء غير موجود.2 الأرملة الحزينة التي تعتقد أن زوجها المتوفى حديثًا معها قد تكون تعاني من هلوسة، لأنها تعتقد أنها تسمع أو ترى شيئًا غير موجود في الواقع.
“الهلوسة تفسر الروايات”
إذا اعتقد التلاميذ أنهم كانوا يقولون الحقيقة عندما شهدوا أن يسوع القائم قد ظهر لهم، فربما يمكن أن نفسر التفسيرات الأخرى هذه المظاهر بشكل أفضل. هل يمكن أن تكون الهلوسة مسؤولة عن الظهور للتلاميذ؟
أولًا: نحن نعلم اليوم أن الهلوسة هي أحداث خاصة تحدث في عقل الفرد. هذه ليست تجارب جماعية. ولن يختبروا نفس الهلوسة. وبهذه الطريقة تشبه الهلوسة الأحلام.
وقد ورد ذكر ثلاث ظهورات جماعية في هذه العقيدة: الاثني عشر؛ الخمسمائة وكل الرسل. يبدو أن هذه المادة العقيدة كانت قائمة ببعض المظاهر (على سبيل المثال، صفا، الاثني عشر، الخمسمائة، يعقوب، جميع الرسل، ثم أضاف بولس نفسه إلى القائمة باعتباره آخر من ظهر لهم المسيح). أخيرًا، تم ذكر المظاهر الجماعية في الأناجيل 8 وكذلك في أعمال الرسل.9 لذلك، فإن الشهود الأوائل، وفي الواقع جميعهم نعرفهم، علموا أن العديد من ظهورات يسوع بعد الوفاة كانت لمجموعات.
ثانياً: الهلوسة لا تأخذ في الحسبان القبر الفارغ. حتى لو كان الاثني عشر وبولس ويعقوب قد اختبروا جميعًا هلوسات يسوع القائم من بين الأموات، لكان جسده لا يزال في القبر.
ثالثًا: الهلوسة لا تفسر إيمان مضطهد الكنيسة بولس.
رابعًا، الهلوسة لا تأخذ في الحسبان إيمان يعقوب المتشكك.
“الوهم يفسر الحسابات”
لماذا لا نستخدم الأوهام كتفسير لظهور وصعود المسيحية؟ هل يمكن للقائد الجذاب بطرس أن يقنع الآخرين بأنهم رأوا يسوع المقام، وبالتالي يشرحون معتقدات التلاميذ؟
أولًا: يعتقد الأشخاص المرشحون للأوهام أن شيئًا يتجاوز منطقهم. لأنهم لا يبدو أن بولس ولا يعقوب كان لديهما أي رغبة في رؤية يسوع حياً. لذلك فهي لا تفسر إيمان يعقوب وبولس
ثانيا: الأوهام لا تفسر القبر الفارغ.
نظريات نفسية أخرى تستهدف بولس
لقد فشلت النظريات المعارضة التي لاحظناها حتى الآن في تفسير ظهورات يسوع المقام للآخرين. ولكن ماذا لو ركزنا على بولس فقط؟ هل هناك أي احتمالات يجب أن نأخذها في الاعتبار والتي قد تكون مسؤولة عن تغيير رأيه المفاجئ؟ دعونا نلقي نظرة على ثلاثة.
نظرية الذنب وقيامة يسوع
يمكننا أن نتخيل بولس في طريقه لاضطهاد المسيحيين وهو يشعر بالندم الشديد على أفعاله الأخيرة في تدمير العائلات المسيحية والموافقة على موت اسطفانوس. هل يمكن أن يكون بولس قد عانى من الألم بسبب أفعاله التي دفعته إلى التحول إلى المسيحية؟
أولًا: لا يوجد أي دليل من كتابات بولس أو وصف لوقا لتصرفات بولس في سفر أعمال الرسل بأنه شعر بالذنب أثناء قيامه باضطهاده. ومع ذلك، حتى لو فعل ذلك، فمن المرجح أن يؤدي هذا إلى وقف إرهابه تجاه المسيحيين (“أنا متأكد من أنهم تعلموا درسهم”)، بدلاً من أن يصبح كذلك. كان تفسيره للكتاب المقدس الذي يحرم يسوع من كونه المسيا سيكون قوياً للغاية.
ثانيًا: تشير شهادة بولس إلى عكس ذلك تمامًا – أنه كان مقتنعا جدًا باليهودية وواثقًا من أفعاله. في فيلبي 3: 5-6 يقدم سيرته الذاتية كيهودي: لقد كان يهودي ومعلم متحمس للشريعة التي كان بلا لوم. لا يعطي أي مؤشرات على الشعور بالذنب أثناء وجوده في هذا المنصب.
ثالثًا: حتى لو كان الشعور بالذنب سببًا في ظهور يسوع لبولس، فإنه لا يأخذ في الحسبان ظهوره للآخرين.
رابعًا: الذنب لا يفسر القبر الفارغ.
هل يمكن أن يكون بولس جائعًا للسلطة وتحول إلى المسيحية على أمل أن يأتي لقيادة الكنيسة من أحد أبرز مواقعها؟
أولًا: إذا كان بولس يبحث عن قوة سريعة من خلال موقع بارز للسلطة في الكنيسة، فإن أفعاله بالتأكيد لا تقدم أي إشارة إلى أن هذا هو الحال. وفقًا لشهادة بولس نفسه، حتى بعد أن كان مسيحيًا لمدة سبعة عشر عامًا، زار أورشليم ليقارن الإنجيل الذي كان يكرز به بتلك التي بشر بها الرسل. أراد أن يتأكد من أن أعماله لم تذهب سدى وأنه لم يكن يبشر بإنجيل كاذب. ربما كان الرسل في هذا الوقت قد قبلوه أولاً بشكل كامل في شركة كقائد في الكنيسة
ثانيًا: إذا كان بولس يبحث عن المزيد من القوة، لكونه مواطنًا رومانيًا، فلماذا لم يسعى إلى مركز قوة داخل الحكومة الرومانية؟
ثالثًا: الحياة الصعبة التي عاشها بولس بمرح كمسيحي لم تعكس شخصًا خرج من أجل إرضاء نفسه. قبل بولس الضربات المتعددة والسجن، وعرض حياته للخطر باستمرار، وعاش حياة قريبة من الفقر من أجل الإنجيل.
“مزيج من النظريات يمكن أن تفسر القيامة.”
أولًا: تؤدي مجموعات النظريات عمومًا إلى عدم احتمالية أعلى، وليس حلًا أكثر احتمالية. إذا كانت النظرية المركبة صحيحة، فيجب أن تكون جميع نظرياتها الفرعية صحيحة. إذا لم يكن الأمر كذلك، فإن النظرية تفشل في تفسير جميع البيانات بشكل مناسب. إذا فشلت نظرية فرعية واحدة، يفشل الجمع. لماذا يؤدي هذا إلى ارتفاع الاحتمالية الفشل؟ لنفترض أننا نقلب عملة في الهواء. فرصة أن تهبط مع الجانب الأول هي 50 بالمائة. ثم نضيف عملة ثانية ونلقيهم معا في الهواء. احتمال ظهور كليهما على نفس الوجه هو 25 بالمائة (.5 ×.5). إذا أضفنا ثلاث عملات أخرى وألقينا الخمسة جميعها في الهواء، فإن احتمالية ظهور الجميع على رؤوسهم هي 3 بالمائة.
ثانيًا: في حين أن النظريات المجمعة تقوم بعمل أفضل في حساب المزيد من البيانات، فإن العديد من المشكلات الموجودة عند النظر إليها بشكل فردي تظل قائمة عند النظر إليها معًا.
ثالثا، حتى لو لم تكن هناك مشاكل ولم تكن هناك علامات على وجود عنصر خاص، فإن مجرد ذكر نظرية معارضة لا يفعل شيئًا لإثبات أن هذا هو ما حدث بالفعل. يقع العبء على عاتق الشخص الذي لديه نظرية معارضة لإثبات أن هذا ليس ممكنًا فحسب، بل إن كل مكون هو تفسير محتمل للحقائق.
الملخص إلى الآن:
لقد رأينا أن قيامة يسوع هو حجر الزاوية في المسيحية، والتي تقف أو تنهار اعتمادًا على ما إذا كان هذا الحدث قد وقع بالفعل. يأخذ “نهج الحد الأدنى من الحقائق” في الاعتبار فقط تلك البيانات التاريخية التي تم إثباتها بقوة لدرجة أن جميع العلماء الذين يدرسون الموضوع تقريبًا يمنحونها كحقائق، حتى غالبية العلماء غير المؤمنين.
لذلك، لا يمكن للمرء أن يعترض على قيامة يسوع لأنه يرفض الكتاب المقدس، نظرًا لأنه في حجتنا لا شيء يتوقف على مصداقية الكتاب المقدس. وباستخدام هذا النهج، لاحظنا أربع حقائق قليلة، بالإضافة إلى حقيقة خامسة تم منحها بأغلبية رائعة، وإن لم يكن جميع العلماء تقريبًا. نشير إلى هذه الحقائق الخمس كـ “4 + 1.” لقد رأينا ذلك:
(1) يسوع مات بسبب صلبه.
(2) اعتقد التلاميذ الأصليون بصدق أن يسوع قام من بين الأموات وظهر لهم.
نظرًا لأن التلاميذ أنفسهم ادعوا أنهم شهود عيان على يسوع المُقام من الموت، فإن الأسطورة التي تطورت بمرور الوقت لا يمكن أن تفسر القصة. نظرًا لوجود دليل جيد على أنهم يعتقدون أن ما قالوه كان حقيقة، فإن الأكاذيب المتعمدة لا يمكن تفسيرها أيضًا. لقد رأينا أيضًا أن هناك أدلة جيدة تدعم مصداقية ادعاءات التلاميذ حول قيامة يسوع.
(3) لدينا شهادة ذات مصداقية من عدو للمسيحية
(4) أحد المتشككين، كلاهما تحول إلى المسيحية بناءً على إيمانهما بأن يسوع القائم قد ظهر لهما. لذلك، لم يؤمن أصدقاء يسوع فقط أنه قام وظهر لهم، بل فعل أحد أعدائه أيضًا، كما فعل أحد المتشككين.
(5) كان القبر فارغًا، وهي حقيقة تتفق تمامًا مع القيامة. لقد رأينا أنه، حتى الآن، لم يتم تطوير أي نظريات معارضة يمكن أن تفسر بشكل مناسب مجموعة الحقائق التي لدينا. هذا يترك لنا سببًا وجيهًا في حمل يسوع من بين الأموات ولا توجد أسباب وجيهة لرفضه. لذلك، فإن قيامة يسوع هي أكثر من مجرد تفسير منطقي للبيانات. إنه التفسير الوحيد الذي يراعي بشكل كاف جميع الحقائق.
الدكتور غاري هابرماس عند إلقاء حديثه حول حقيقة القيامة. يحمل الكتاب المقدس ويقول:
إذا كان هذا الكتاب المقدس هو كلمة الله المعصومة من الخطأ، فإن يسوع قام من بين الأموات. إذا لم يكن هذا الكتاب المقدس معصومًا ولكنه لا يزال موثوقًا به، فإن يسوع قد قام من الموت. ولكن ماذا لو لم يكن الكتاب المقدس موثوقًا به ولا معصومًا؟ لا يزال يسوع قام من بين الأموات.
Gary R. Habermas, “Video Debates and Lectures with Dr. Gary R. Habermas,”
http://garyhabermas.com/video/video.htm.
مقتبس في كتاب رايس بروكس [إنسان، أسطورة أم المسيح المنتظر] ص 115
الهوامش
[1] Gerard S. Sloyan, The Crucifixion of Jesus: History, Myth, Faith (Minneapolis: Fortress, 1995), 18-20. Also see Martin Hengel, Crucifixion (Philadelphia: Fortress, 1977).
[2] “عندما تم القبض عليهم، قاوموا، ثم تعرضوا للتعذيب والصلب أمام الجدران كتحذير رهيب للناس في الداخل. كان تاسيتوس يشفق عليهم – تم القبض على حوالي 500 شخص يوميًا – لكن طرد أولئك الذين تم أسرهم بالقوة كان أمرًا خطيرًا، وحراسة مثل هذه الأعداد ستسجن الحراس: بدافع الغضب والكراهية، سمّر الجنود سجناءهم في أوضاع مختلفة، وكان عددهم كبيرًا لدرجة أنه لم يكن من الممكن إيجاد مساحة للصليبين.
[3] Cornelius Tacitus, The Annals 15.44. For more on crucifixion in antiquity, see Hengel, Crucifixion.
[4] Lucian of Samosata, The Death of Peregrine, 11-13 (c. mid-second century).
[5] أولاً، تعليق بولس التمهيدي، “لقد أوصلت إليك… ما تلقيته أيضًا”، يشير إلى نقل التقليد الشفوي (راجع 11، 23). يقول بولس إنه قدم إلى كنيسة كورنثوس المعلومات التي تلقاها من الآخرين.
ثانيًا، بما أن المسيحيين الأوائل كانوا يهودًا، نتوقع ظهور المذاهب والترانيم المبكرة في لغتهم الأساسية المنطوقة، الآرامية. هناك دلائل على أن الآيات 3-5 لها أصل آرامي، مثل الاستخدام الرباعي للمصطلح اليوناني لـ “ذلك” (hoti) الشائع في السرد الآرامي والاسم Cephas، وهو آرامي لبطرس (انظر يوحنا 1).: 42).
ثالثًا، محتوى النص منمق ويحتوي على التوازي. في اليونانية، السطران الأول والثالث أطول، ولهما نفس البناء، ويحتويان على عبارة “وفقًا للكتاب المقدس” في النهاية، متبوعة بجملة قصيرة بداية ب “ذلك”. (أ) “أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتاب المقدس (ب) وأنه دُفن (ج) وأنه قام في اليوم الثالث وفقًا للكتاب المقدس (د) وأنه ظهر لصيفاس.
رابعًا، تشير المصطلحات غير البوليسية إلى أنه ربما لم يشكل العقيدة ولكنه حصل عليها في مكان آخر، كما يقول في الآية 3. للحصول على تحليل مفصل لهذه العقيدة والتقليد المبكر الذي يقف وراءها شاهد عيان، انظر John Kloppenborg، “An Analysis من صيغة ما قبل بولس 1 كورنثوس 15: 3-5 ب في ضوء بعض الأدبيات الحديثة
79- لماذا لا يكون رأي “ليك” بأن النسوة قد أخطئن في تحديد قبر المسيح صحيحًا، ولاسيما أن الظلام كان يُخيم على المكان؟
س79: لماذا لا يكون رأي ” ليك ” K. Lake بأن النسوة قد أخطئن في تحديد قبر المسيح صحيحًا، ولاسيما أن الظلام كان يُخيم على المكان؟ فقد ادَّعى “ليك” أن النسوة أتين إلى القبر والظلام باقٍ وأنوار الفجر مازالت خافتة ولذلك لم يستطعنَّ تمييز قبر المسيح من غيره، وقال أن أورشليم كانت محاطة بعدد كبير من القبور المحفورة في الصخور، ولذلك اتجهوا إلى قبر فارغ وظنوه هو قبر المسيح، رغم إن الشاب الذي كان لابسًا ثيابًا بيضاء قال لهم ” ليس هو ههنا. هوذا الموضع الذي وضعوه فيه ” وأشار للقبر التالي، ولكن النسوة لم يفطنَّ لإشارة الملاك، فعدن وأشعن أن القبر فارغ والمسيح قام من الأموات.
ج: نظرية ” ليك ” التي تدعي بأن هناك خطأ في تحدي مكان القبر مرفوضة كل الرفض للأسباب الآتية:
1- كان قبر المسيح محفورًا في بستان، ومعنى هذا أنه لم يكن هناك أية قبور أخرى تجاوره ” وكان في الموضع الذي صُلِب فيه بستان وفي البستان قبر جديد لم يُوضع فيه أحد قط. فهناك وضعا يسوع بسبب استعداد اليهود لأن القبر كان قريبًا” (يو 19: 41، 42).. حقًا إن السيد المسيح لم يختر قبره في منطقة قبور لئلا يحدث التباس وينسبون قيامته إلى شخص آخر، إنما اختار قبره في مكان به بستان ليس به قبور، فمن أين جاء القبر الآخر المفتوح والفارغ في تلك الساعة المبكرة؟!
2- النسوة خرجن من بيوتهن والظلام باقٍ، ولكنهن لم يقدرن عبور أبواب أورشليم إلاَّ في الصباح الباكر، لأن هذه الأبواب لا تُفتح إلاَّ في الصباح الباكر.
3- النسوة اللاتي ذهبن إلى القبر كنَ يعرفنَ مكان القبر جيدًا، لأنهنَّ حضرن مراسم التكفين والدفن ” وكانت هناك مريم المجدلية ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر” (مت 27: 61).. ” فاشترى كتانًا فأنزله وكفنه بالكتان ووضعه في قبر كان منحوتًا في صخرة ودحرج حجرًا على باب القبر. وكانت مريم المجدلية ومريم أُمُّ يوسي ينظران القبر وكيف وضع جسده” (لو 23: 55) فكيف ينسين هؤلاء النسوة مكان القبر بين عشية وضحاها؟!
4- بعد أن أخبرن النسوة الرسل بقيامة الرب ذهب بطرس ويوحنا إلى القبر، ويوحنا الذي تبع المسيح حتى القبر وحضر مراسم التكفين والدفن لا بُد أنه كان يعرف القبر جيدًا ” فخرج بطرس والتلميذ الآخر وأتيا إلى القبر. وكان الاثنان يركضان معًا. فسبق التلميذ الآخر بطرس وجاء أولًا إلى القبر.. وانحنى فنظر الأكفان موضوعة ولكنه لم يدخل. ثم جاء سمعان بطرس يتبعه ودخل القبر ونظر الأكفان موضوعة. والمنديل الذي كان على رأسه ليس موضوعًا على الأكفان بل ملفوفًا في موضع وحده. حينئذ دخل أيضًا التلميذ الآخر الذي جاء أولًا إلى القبر ورأى فآمن” (يو 20: 3 – 8). فلو كان هذا القبر ليس قبر المسيح فمن الذي أحضر الأكفان ووضعها في هذا المكان؟!
5- لو لم يكن هذا القبر قبر المسيح، فمن هو الشاب اللابس ثيابًا بيضاء ؟! وما الذي أتى به ليجلس في قبر فارغ في تلك الساعة المبكرة من اليوم؟!
6- قال الملاك للنسوة ” لا تخافا أنتما. فإني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب ليس هو ههنا لأنه قام كما قال. هلما أنظرا الموضع الذي كان الرب مضطجعًا فيه” (مت 28: 5، 6) فهل الملاك أيضًا أخطأ في تحديد قبر المسيح ونزل من السماء ليجلس في قبر آخر؟!!
7- لو كان الملاك أشار للنسوة على القبر الصحيح، فلماذا لم يذهبنَ هؤلاء النسوة لهذا القبر الصحيح، ولاسيما أنهنَّ أحضرنَ معهنَّ أطيابًا ليطيبنَ جسده، عوضًا عن عودتهنَّ بالأطياب؟!
8- عندما كرز الرسل بالقيامة.. لماذا لم يتصد لهم رؤساء الكهنة ويظهرون قبر المسيح الذي يجهله التلاميذ، ولاسيما أنهم يعرفونه جيدًا لأنهم سبقوا وطلبوا من بيلاطس حراسًا لضبط هذا القبر؟
9- ولو صمت رؤساء الكهنة ولم يهتموا بالأمر.. فلماذا لم يعلن يوسف الرامي ونيقوديموس أن جسد يسوع مازال في قبره، ولاسيما أنهما هما اللذان توليا عملية تكفينه ودفنه، والقبر الذي دُفن فيه هو ملك خاص ليوسف الرامي؟!
الإيمان وموجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح بالجسد
الإيمان وموجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح بالجسد
الإيمان وموجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح بالجسد
بعد أن أقدمت على تسويغ الإيمان المسيحي على صعيدي كل من اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية فكرية، والكتاب المقدس بصفته كلمة الله، سأدافع الآن، كما كنت قد صرحت في الفصل الأول عن اضطراري للقيام بذلك، عن بعض الظواهر التاريخية للإيمان المسيحي، بحيث تُبرهن كل واحدة منها أن يسوع كان ولا يزال المسيح الخارق للطبيعة. في هذا الفصل، سأدافع عن الحدث التاريخي المركزي في المسيحية، ألا هو تاريخية قيامة المسيح في الجسد من بين الأموات، والنتيجة التابعة لها، أي صعوده إلى السماء في الجسد. أما في الفصول الثلاثة التالية، فسأدافع عن حبله العذراوي في رحم العذراء مريم، وعن عجائبه المقتدرة، وعن حادثة اهتداء بولس على طريق دمشق بالطريقة التي ذكرها لوقا في سفر الأعمال. وقد يسأل القارئ، لماذا هذه العقائد؟ حسناً، لنعد رجوعاً إلى تاريخ الكنيسة المشيخية قبل أقل بقليل من قرن من اليوم لنرى الأسباب.
في العام 1924، تبنت الجمعية العمومية للكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة الأميركية PCUSA “التوكيد أوبرن” The Auburn Affirmation والتي حظيت بتوقيع 1274 خادماً مرسوماً. تناولت هذه الوثيقة القرارات من خمس نقاط المختصة بالعقيدة، والتي كانت قد أقرتها الجمعيات العمومية للأعوام 1910، 1916، 1923، والتي كانت قد أكدت أن عصمة الكتاب المقدس، وولادة المسيح العذراوية، وفداءه البديلي، وقيامته في الجسد من بين الأموات، وعجائبه المقتدرة “تعد كل واحدة منها عقيدة أساسية من كلمة الله”. هذه القرارات الثلاثة من خمس نقاط، شكلت المجهود المحافظ ضمن PCUSA، على الأقل، على بعض الشبه بالإيمان الحق في كنيسة كانت تبتعد رويداً رويداً، لكن بخطى ثابتة، عما يعرف باسم “أركان الأيمان”. لكن، وفيما أعلن الموقعون على توكيد 1924 تمسكهم “بكل جدية بهذه الحقائق وبالعقائد العظمى”، عادوا ليعلنوا أيضاً:
ينظر بعضنا إلى النظريات المحددة المتضمنة في إقرار الجمعية العمومية للعام 1923 كتفاسير لهذه الحقائق والعقائد. لكننا مجمعون على الاعتقاد أن ليست هذه النظريات الوحيدة التي تسمح بها الأسفار المقدسة، كما أن معاييرنا لا تصلح وحدها كشروحات لهذه الحقائق والعقائد في ديانتنا. إلى ذلك، جميع المتمسكين بهذه العقائد، مهما كانت النظريات التي قد يعتمدونها لتفسيرها، هو أهل لكي نوليهم كل الثقة وتكوين شركة معهم (الخط المائل لأجل التركيز).
بالطبع، ما أقدم أحدهم على عرض “نظريات” تفسيرية بديلة لهذه العقائد كما كان قد جرى شرحها تقليدياً وتاريخياً، إلا وأنكرها بالتمام أو بلاها بآلاف الأوصاف والنعوت. مثلاً، ما من نظرية تفسير أخرى لقيامة يسوع في الجسد من الأموات، إلا وتنكرت لها؟ برأي، كان ينبغي حصول تقص رئيس للقضية، إن لم نقل محاكمة جماعة على ارتكاب هرطقة، تطال الموقعين مع العديد من مؤيديهم من فريق الوسطيين في الجمعية.
كل ذلك لأن المحافظين في الكنيسة كان عددهم قليلاً، كما أن روح المسالمة السائدة خلال مرحلة ما بعد الحرب، كان منتشراً على نطاق واسع في البلاد وفي الكنيسة. كل هذا جعل PCUSA ببساطة أضعف من خوض “حرب” داخل الكنيسة. لذا، فإن المحافظين الذين كانوا قد تبنوا هذه “الأركان الخمسة للإيمان”، أخفقوا في معرض ما بذلوه من جهد جريء لرد PCUSA عن منحدر عدم الإيمان الذي كانت قد انحدرت إليه على مدى سنين طوال. لذا، أقدم بعضهم في نهاية المطاف على الشهادة ضد ارتداد[1] PCUSA من خلال خروجهم من تلك الكنيسة، كما في اعتقادهم تعلمهم 2كورنثوس 6: 14-18 أن يفعلوا، لكي ينشئوا الكنيسة الأرثوذكسية المشيخية. أقدموا على ذلك لأنهم آمنوا أن هذه العقائد، كما كانت الكنيسة قد فهمتها تقليدياً وتاريخياً، هي أساسية، ليس لخير الكنيسة وحسب، بل أيضاً حتى لوجودها.
سبق لنا أن تناولنا عقيدة عصمة الكتاب المقدس، هذه العقيدة التي بالمناسبة، أعلن عنها توكيد أوبرن:
† أولاً، أن الكتاب المقدس لا يؤكد في أي مكان على صفحاته كون كُتابه جرى صونهم “من الخطأ”.
† ثانياً، أن اعتراف الإيمان وستنستر لا يلحظ هذا التوكيد[2].
† ثالثاً، أن عقيدة العصمة “تنتقص في الواقع من سلطة [الكتاب المقدس] العليا للإيمان والحياة، كما أنها تضعف شهادة الكنيسة عن قوة الله للخلاص من خلال يسوع المسيح”[3]. هذا التصريح لو صح، يعني أن عقيدة العصمة الكتابية هي شر إيجابي!
يا لها من تصريحات مدهشة للغاية! يكفيني القول إن السبب الرئيس وراء قبول عصمة الكتاب المقدس هو الولاء البسيط ليسوع. من أجل هذا، سأتناول العقائد المتبقية على التوالي، للدفاع عنها ولإظهار كيف أن كل واحدة منها تشكل جانباً من السيني كوانن (“الذي من دونه لا يبقى أي شيء”) للمسيحية.
قيامة يسوع المسيح في الجسد
نبدأ من عقيدة قيامة يسوع في الجسد من الأموات، هذا الحدث الرئيس من جملة أحداث عديدة تفرزه وتميزه عن كل شخصية دينية أخرى من الماضي. هناك قاسم مشترك يجمع بين سائر القادة الدينين من الماضي، وهو أنهم ماتوا جميعهم واستمروا أمواتاً. أما يسوع المسيح فهو الذي قام وحده من بين الأموات. بالطبع، يجب أن يعنى هذا شيئاً في نظر العالم! كما أن بولس، في معرض تناوله قيامة المسيح في 1كورنثوس 15، يستنتج في الأعداد 14-19 سبعة انعكاسات على الكنيسة لو أن الله لم يقم المسيح في الجسد من الأموات:
وإن لم يكن المسيح قد قام، [1] فباطلة كرازتنا و[2] باطل [أي وهمي وخادع، كيني] أيضاً إيمانكم، [3] ونوجد نحن [الرسل] أيضاً شهود زور لله، لأننا شهدنا من جهة الله أنه أقام المسيح… وإن لم يكن المسيح قد قام، [4] فباطل إيمانكم [أي غير فعال: ماتايا]. و[لاحظوا جيداً: لم يقل “وبالتالي، لا وجود لله، لذا لا داعي للقلق عندما تموتون”؛ لكنه يقول بالحري] [5] أنتم بعد في خطاياكم! إذاً [6] الذين رقدوا في المسيح أيضاً هلكوا! [7] إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح، فإننا أشقى جميع الناس.
يُظهر هذا النص وحده مدى أهمية الإيمان المسيحي بقيامة المسيح في الجسد من الموت. من هنا أهمية إيلائنا الدفاع عنها مكانة مركزية. سأبدأ ببعض الحقائق الكتابية الأساسية.
صلبت السلطات الرومانية يسوع كصانع شغب بإيعاز من قادة اليهود الدينين. [قليلون، حتى إن وجدوا، هم الذين ينكرون هذا اليوم. كما أن هنا يكمن السبب وراء سخط العالم اليهودي على فلم “مل غبسن” Passion of The Christ (“آلام المسيح”) بحيث اعتبروا أنه “مناهض للسامية[4].] لكن، وبكلمات بولس، “قام في اليوم الثالث حسب الكتب” (1كورنثوس 15: 4)[5]. يسلط هذا الاقتباس الضوء على التعليم الرئيس في كل من العهد الجديد وفي كرازة الكنيسة.
على المسيحيين التسليم بأنه في ضوء الجو اليهودي السائد لدى حصول قيامة المسيح، لم يكن ذلك على الإطلاق ما كانت تتوقعه أمة إسرائيل. أنا لا أقصد من وراء هذا التعليق، الإيحاء بخلو العهد القديم من عقيدة القيامة بما أنها حضارة فيه حقاً (راجع إشعياء 26: 19؛ دانيال 12: 2)، أو كون اليهود في القرن الأول ما كانوا ليؤمنوا بقيامة الأموات، لأنها لحقيقة معروفة جداً أن العديد من اليهود كانوا حقاً يؤمنون بالقيامة (راجع أعمال 23: 6-8). إنما كانوا يؤمنون بأن القيامة من الأموات سوف تحدث في المستقبل في نهاية الزمن (راجع يوحنا 11: 24). لكن قامت شلة صغيرة من الرجال لتعلن، ليس في مكان قصي مثل “أزوتس”، بل في أورشليم نفسها – المركز السياسي والديني للأمة – أن الله أقام يسوع من الأموات. لم يكن وقع هذا التعليم غريباً جداً على الأذن اليهودية وحسب، لكنه كان أيضاً تعليماً مهيناً جداً للقيادة الدينية اليهودية، بمن فيهم شاول الطرسوسي، ذلك لأن يسوع كان قد أعدم كمجدف على صليب روماني، ما يعني أنه مات تحت لعنة الله (تثنية 21: 23)، وبموافقة السهندريم الذي يعد أعلى وأرفع محكمة في الأمة.
غير أن تلاميذ يسوع آمنوا بوجود أسباب موجبة لهكذا كرازة، ذلك لأنهم في وجه التهديدات، والاضطهاد الجسدي، والاستشهاد، ظلوا ينادون بأنه قام في الجسد من بين الأموات. ما هي هذه الأسباب؟ أنا أقر بوجود مجموعتين متشابكتين من الدلائل عملت على أقناعهم فوق كل الشكوك المنطقية بأن يسوع قام من الأموات تماماً كما كان قد أعلن، وذلك في جسد حقيقي له خصائصه الروحية الجديدة التي تمكنه من اختراق الأبواب الموصدة. هاتان المجموعتان هما القبر الفارغ وحقيقة ظهوراته العديدة في الجسد بعد صلبه وطبيعتها. كل واحدة منهما تدفعنا إلى التعليق عليها بعض الشيء.
أول مجموعة عظمى من الدلائل: القبر الفارغ
تذكر الأناجيل الأربعة جميعها كيف أنه في اليوم الثالث بعد صلب يسوع ودفنه، اكتشف تلاميذه أن جسده اختفى من القبر حيث كان قد وضع وأن القبر فارغ (متى 28: 6؛ مرقص 16: 5، 6؛ لوقا 24: 3، 6، 22-24؛ يوحنا 20: 5-8). مباشرة بعد هذا تقريباً، كما لاحظنا قبلاً، شرع التلاميذ في إعلان اقتناعهم بأن يسوع قام من بين الأموات. الآن لو كان القبر في الواقع، لا يزال يحتوي جسده – بحيث تكون النساء ولاحقاً بطرس ويوحنا جميعهم قد قصدوا القبر المغلوط (الأمر الذي حدوثه غير محتمل جداً في ضوء متى 27: 61؛ مرقص 15: 47؛ لوقا 23: 55) – لكان من المؤكد أن تلجأ السلطات، اليهودية والرومانية، إلى تصويب خطأ التلاميذ من خلال توجيههم إلى القبر الصحيح وإلى حقيقة كون القبر لا يزال يحتوي على بقايا جسد يسوع.
العديد من الدارسين النقاد عبر السنين، الذي لم يسلموا بتاريخية قيامة يسوع في الجسد، شعروا بضرورة قبول أن القبر كان، بلا شك، فارغاً، لكن إذعانهم هذا للواقع، عادوا وأفسدوه بتقديمهم نظريات من صنف نظرية الجسد المسروق ونظرية الإغماء لتفسير لماذا كان فارغاً.
نظرية الجسد المسروق
فيما يخص هذه النظرية، بوسعنا استنتاج بكل ثقة أنه لو كانت بعض الأيدي البشرية هي التي أخرجت يسوع من القبر، فهذه الأيدي يجب أن تكون لتلاميذه، أو لأعدائه، أو لشلة من سالبي القبور المحترفين. الآن، إن كان تلاميذه هم الذي سرقوا جسده، وهو الاحتمال الأول المعروض لتفسير ظاهرة اختفاء الجسد (متى 28: 12-15)، على أحدنا مواجهة مسألة كيف كان بإمكان تلاميذه تخطي صفوف الحراس الرومان (والذين بحسب متى 27: 62-66 كانوا قد جعلوا هناك لهذا القصد المحدد بالذات، أي منع تلاميذه من سرقة جسده). ثم كيف كان بوسعهم دحرجة الحجر من دون أن يكتشف أحد أمرهم. ويبقى التفسير المحتمل الأوحد هو أن كتيبة الحراس بأكملها كانت قد غطت في نوم عميق، الأمر الذي يشكل من جديد أول تفسير معروض.
لكن من غير المحتمل أبداً أن يجرؤ التلاميذ غير المنظمين والخائفين حتى على محاولة خوض هكذا مغامرة. كما أنه من غير المحتمل أكثر بعد، أن يخلد الحراس الرومان جميعهم إلى النوم معاً، وذلك خلال تأديتهم للواجب، بما أنه سيترتب عليهم من جراء ذلك عقاب محتم وصارم. إلى ذلك، كان على هذين الأمرين غير المحتملين أن يحصلا معاً لكي يحظى هذا التفسير للقبر الفارغ بالدعم اللازم. وبالنسبة إلى هذا التفسير الأول المعروض، من الواضح أن أي سامع عنيد وصلب العود سوف يرفض فوراً التفسير الخاص بالحراس فيما يتعلق بجسد يسوع، لأنهم لو ناموا فعلاً لما تسنى لهم معرف هوية سارقي الجسد (راجع متى 28: 13).
ثم هناك مشكلة أخرى يترتب على هذا الحل مواجهتها: لو كان تلاميذ يسوع هم المسؤولون عن اختفاء جسده – هذا الأمر غير المحتمل جداً في ضوء ردة فعلهم على كل ما كان قد حل لتوه بيسوع (راجع يوحنا 20: 19)، علينا تصديق أنهم خرجوا بعد ذلك وأذعنوا كحقيقة تاريخية مجرد وهم كانوا قد استنبطوه هم. كما أنهم أمام الاضطهاد والتهديدات بالقتل، جميعهم وليس مجرد واحد منهم، وحتى لدى مواجهتهم الاستشهاد، لم يتراجعوا عن إعلانهم هذا، مبينين أن الأمر كان ينطوي على خدعة. أنا أقر بأن هكذا سيناريو، ليس غير محتمل وحسب، بل حتى قل غير محتمل بدرجة عالية؛ ذلك لأن الكذبة والمرائين ليسوا من الطينة الصانعة للشهداء!
ثم، إن كان أعداء يسوع (القيادة الدينية اليهودية) هم الذين دبروا عملية رفع الجسد، يترتب على أحدنا التساؤل عن السبب وراء إقدامهم على هذا الفعل الذي ساهم في دعم الفكرة نفسها التي كانوا حريصين أشد الحرص على منع حصولها (راجع متى 27: 62-66). ولو كانوا في الواقع، حازوا على جسده أو عرفوا مكان تواجده، يتساءل أحدنا لماذا لم يحضروا الجسد أو شهوداً جديرين بالثقة بوسعهم تفسير ظاهرة اختفاء الجسد، وبرهان أن التلاميذ كانوا على خطأ لدى شروعهم في إعلان أن يسوع كان قد قام من الموت.
أخيراً، نسب حقيقة القبر الفارغ إلى سالبي القبور، أمر حصوله يحظى بأقل نسبة ممكنة من الاحتمال. فهذا بمثابة إقحام في واقع الحدث تفسير لا يقف وراءه ولا حتى ذرة واحدة من الدلائل. إلى ذلك، لم يكن الحراس الرومان ليحولوا دون حصول ذلك وحسب، لكن ولو افترضنا أنه كان بإمكانهم، بشكل أو بآخر، من تجنب اكتشاف أمرهم وأمعنوا في نهب القبر، كان بإمكانهم بالجهد بعد فتحه، أن يأخذوا جسد يسوع العاري معهم، مخلفين وراءهم الأكفان مرتبة في مكانها وكأن أحد ما لم يمسها (يوحنا 20: 6، 7).
نظرية الإغماء
أما فيما يتعلق بنظرية الإغماء، إن كنا نسلم بحكم “ألبرت شوايتزر” (راجع إصداره فوم رايمارس زو وريدي [1906]، تحت عنوان بحسب الترجمة الإنجليزية The Quest of the Historical Jesus)، كان “دايفد شتوارس” قد صوب على هذه النظرة “الضربة القاضية” قبل أكثر من مئة وخمسين سنة، مع أن أحدنا قد لا يزال يسمع اليوم، من حين إلى آخر، عن عرضها كاحتمال ضمن الأوساط الشعبية. هذه النظرية التي يرفض أحد تصديقها، تعتبر أن يسوع لم يمت فعلياً على الصليب، إنما أصيب بحالة أشبه بالإغماء. لكنه عاد وانتعش خلال مكوثه في القبر، وفي اليوم الأول من الأسبوع استطاع بطريقة ما من شق طريقه عبر الحراس للانضمام إلى تلاميذه في العلية، الذين استخلصوا من ذلك أنه قام من الموت. ثم ما لبث أن مات بعد هذا بوقت قليل.
لكن تصديق هذا، يدفع بدرجات التصديق إلى ما بعد جميع الحدود المشروعة. إنه يستلزم أن يصدق أحدنا أن المسؤولين عن قتله على الصليب (ناهيك أيضاً بأصدقائه الذين أعدوا فيما بعد جسده للدفن) ظهروا بشكل يرثى له ويدعو إلى الشفقة، إنهم غير أكفاء كمنفذين لحكم الإعدام وكحكام على حالة ضحاياهم المصلوبين لدى تنفيذهم فيهم الكروريفراجيوم (كسر السيقان) (راجع يوحنا 19: 31-33). كما أنه يفترض من أحدنا تصديق أن يسوع – بالرغم من مكابدته الآلام المبرحة الناجمة عن الجراح الثخينة في كل من اليدين والقدمين، ناهيك أيضاً بخسارة الدم. وما كان يعانيه من ألم جسدي مع الاختلال الذي من الطبيعي أن يصيب كامل جهازه على أثر الصلب الرهيب نفسه وفي غياب أية عناية بشرية أو تغذية جسدية – تمكن بطريقة ما من البقاء على قيد الحياة بالرغم من الجرح في جنبه والجو البارد داخل القبر.
ثم، ومن دون أية مساعدة بشرية، تمكن من إزاحة الحجر الهائل عن مدخل القبر بواسطة يديه الجريحتين لكي يجتاز عبر جمهور الحراس على قدمين جريحتين إلى داخل المدينة حيث كان تلاميذه مختبئين. وهناك، أقنع أتباعه بأنه – بجسمه المنهك والمرهق – هو رب الحياة! هذا السيناريو يبقى حصوله فوق كل احتمال ولا يستحق أن يوافق عليه أي شخص يفكر. إن كتباً من صنف The Passover Plot (“مؤامرة الفصح”) للكاتب “هاغ سكونفيلد”، وThe Jesus Scroll (“بيان يسوع”) للكاتب “دونوفان جويس”، يعدان صيغتين مختلفتين بعض الشيء عن هذا الموضوع، ولا يأخذ معشر الباحثين هذا الصنف من الكتب على محمل الجد.
لكن، إن كان بعض الدارسين النقاد قد أقروا بحقيقة القبر الفارغ وحاولوا (عبثاً) تقديم تفسيرات له، اكتفى آخرون بإعلان أن القبر الفارغ لم يكن جزءًا أساسياً من رواية القيامة في الأصل، لكن الكنيسة لاحقاً فقط ابتكرت “الحقيقة” لتعزيز رواياتها عن ظهورات القيامة. هذا غير صحيح. ذلك لأن القبر الفارغ شكل جزءًا من مناداة الكنيسة منذ البدء (راجع أعمال 2: 31؛ 1كورنثوس 15: 4). كما أنه لتعليم مغلوط ببساطة، التأكيد بأن التلاميذ الأوائل آمنوا بإمكانية حصول قيامة فعلية من دون القبر الفارغ. قال “ج. س. بركوفر” الصواب عندما لحظ ما يلي:
لم يكن القبر الفارغ بل قيامة المسيح هي التي شكلت الحقيقة الخلاصية العظمى. لكن القيامة بحد ذاتها ترتبط بشكل لا ينفصل عن القبر الفارغ، لأنه من غير الممكن التفكير فيها بمعزل عنه. إنه لأمر مناف في المطلق للأسفار المقدسة الإقدام على حذف رسالة القبر الفارغ والاستمرار في الكلام عن الرب الحي. فالأناجيل تصور القيامة بالارتباط بمعلومات، ولحظات، وأماكن تاريخية تخص ظهوراته. كما أن الأسفار المقدسة لا تدعم في أي مكان منها كونه حياً. بمعزل عن قيامته في الجسد والقبر الفارغ[6].
الخلاصة بديهية: اللاهوتي الذي يصرف النظر عن القبر الفارغ كأمر عرضي لا صلة له بالرسالة المسيحية، ومع هذا يبقى يتحدث عن “قيامة يسوع”، فهذا الشخص لا يقصد “بقيامته” هذه ما يقصده العهد الجديد أو ما قصدته الكنيسة تقليدياً بذلك. لقد أمسى الأمر “فكرة” خلاصية أكثر منه حدثاً خلاصياً. لكن هذه النظرة إلى قيامة يسوع كانت الكنيسة الأولى لترفضها فوراً على اعتبار أنها ليست قيامة على الإطلاق (راجع 2تيموثاوس 2: 17، 18: “هيمينايس وفيليتس، اللذان زاغا عن الحق قائلين: إن القيامة قد صارت”).
نحن دافعنا عند هذا الحد عن حقيقة القبر الفارغ. لكن علينا الآن الإشارة إلى كون هكذا وصف غير دقيق بالتمام. ذلك لأن القبر لم يكن فارغاً بالكلية. فلم يظهر ملائكة فقط للنساء في القبر معلنين لهن أن يسوع قد قام (مرقص 16: 5-7؛ لوقا 24: 3-7)، بل يتحدث أيضاً كل من لوقا (24: 12) ويوحنا (20: 5-7) عن وجود داخل القبر أكفان يسوع الفارغة. فقطع الكتان التي كان جسد يسوع ملفوفاً بها، لا تزال هناك، مع المنديل الذي كان يلف رأسه موضوعاً على حدة، وبشكل منفصل عن الأكفان. توحي هذه الأكفان داخل القبر الفارغ بأن الجسد لم يكن لتمسه أية أياد بشرية وحسب، (لأنه من غير المحتمل جداً أن يقدم الأصدقاء أو الأعداء على السواء على نزع الأكفان أولاً قبل أخذ الجسد)، بل كونه أيضاً بعد أن كان ملفوفاً بالأكفان قد اختفى ببساطة. تاركاً الأكفان وراءه أشبه بغلاف اليرقانة الفارغ. هذا الأمر هو من الأهمية بمكان، لأن بحسب شهادة يوحنا نفسه (يوحنا 20: 3-9)، لم يدرك هو نفسه أن يسوع قد قام من الأموات إلا بعد معاينته الأكفان داخل القبر.
ثاني مجموعة عظمى من الدلائل: ظهورات يسوع العديدة بعد صلبه
ثاني مجموعة عظمى من الدلائل، بعد حقيقة قبر يسوع الفارغ، هي الظهورات العديدة التي قام بها ربنا لتلاميذه في ظروف متنوعة وأماكن مختلفة. يدون العهد الجديد أحد عشر ظهوراً على الأقل، خمسة منها حصلت في ذلك “الفصح” الأول، والخمسة الباقية خلال فترة الأربعين يوماً التالية وحتى يوم صعوده، بما فيها هذا اليوم، إلى جانب ظهروه لشاول (أعمال 9: 1-5).
ظهر أولاً للنساء اللواتي كن قد تركن القبر (متى 28: 8-10)[7]، ومن ثم لمريم المجدلية التي كانت قد رجعت إلى القبر بعد إعلامها بطرس ويوحنا ما رأته مع النساء الأخريات (يوحنا 20: 10-18). بعد هذا ظهر لكلوباس وللتلميذ الآخر الذي لا ذكر لاسمه، وذلك على طريق عمواس (لوقا 24: 13-35)، ومن ثم لبطرس، بلا شك، في وقت ما من بعد ظهر ذلك اليوم عينه (لوقا 24: 34؛ 1كورنثوس 15: 5). إن ما يكتسب أهمية بالغة في تلك المناسبة الأخيرة، هو دعوة يسوع التلاميذ إلى لمسه للتأكد من كونه هو الذي في وسطهم. كما أنه أكل أمامهم قطعة من السمك المشوي كبرهان على الطابع المادي الحقيقي لجسده، وأنه لم يكن مجرد خيال أو شبح.
بعد أسبوع من هذا، عاد ليظهر مجدداً لتلاميذه، مع توما هذه المرة الحاضر مع التلاميذ العشرة الآخرين (يوحنا 20: 26-29). في سياق الكلام الموجز المتعلق بتوما في الإنجيل الرابع (11: 16؛ 14: 5؛ 20: 24)، يصوره يوحنا على أنه شخص بعض الشيء متشائم. وبليد روحياً، ومشكك خال من العاطفة، والمستمد لمواجهة بشكل مباشر المغزى من كون يسوع قد صلب وهو مطروح في هذه اللحظة، بحسب اعتقاده، في قبر يوسف. لم يكن بالتأكيد ذلك الشخص الساذج الذي يصدق كل شيء، أو بالإمكان إقناعه بتصديق أي شيء تقريباً. كان توما في ذلك الحين المشكك المقتنع بأن اللعبة قد وصلت إلى نهايتها، وأن “الرحلة كانت جميلة” طوال الفترة التي استغرقتها.
من هنا يتحتم عليهم الانتقال إلى شيء مفشل أقل ويعد بتحقيق نجاح أوفر! لا بد أنه سأل نفسه أكثر من مرة: “لماذا لا يرى الآخرون بوضوح ما أراه أنا؟” من هنا الصفة التي لصقت به “توما المشكك” بحسب التقليد المسيحي. هو يستحق ذلك فعلاً، لكنه في الواقع لم يكن يختلف كثيراً عن سائر التلاميذ، هؤلاء الرجال الطبيعيين، والعقلانيين، والأصحاء عقلياً، وعما كانوا عليه قبل أيام قليلة فقط! ومن جديد، شجع يسوع على الثقة بحقيقة قيامته وبواقعها من خلال دعوته توما إلى فعل بالتحديد ما كان قد اعتبر قبلاً التلميذ المشكك أنه ضروري لكي يؤمن بأن يسوع قد قام في الجسد من الأموات، أي بوضع إصبعه في جراحات يدي يسوع وجنبه: “هات إصبعك إلى هنا وأبصر يدي، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً” (يوحنا 20: 27). لا يخبرنا يوحنا إن كان توما فعل هذا أم لا.
أنا أميل إلى الاعتقاد أنه لم يقدم على ذلك، بما أن امتحاناً كهذا، كان حقاً غير ضروري. ألم يشر المسيح المقام من خلال كلماته بالذات، إلى الامتحانات التي طالب بها توما، وذلك قبل أن يسأل هذا أي شيء؟ وبذلك، يكون يسوع قد برهن على طريقته هو، لا على طريقة توما، أنه كان هو فعلاً. توما، بلا شك، ضُرب بشيء آخر في تلك اللحظة: فجراح مسيح الجلجثة المقام (يوحنا 20-29) كلمته بقوة، حتى زالت كل شكوكه. من ثم، تلفظ توما فوراً بأحد أعظم الإعلانات في الكتاب المقدس، وبكل تأكيد الإعلان الأعظم في أي من الأناجيل: “[أنت] ربي وإلهي!” لنلاحظ كلمات توما بالتحديد ليس مجرد “[أنت] رب والله” بل “[أنت] ربي أنا وإلهي أنا“.
لم يكن كافياً في نظر توما معرفة أن يسوع كان سيداً وإلهاً. لقد بات الآن يسوع هذين الأمرين بالنسبة إلى توما هو شخصياً! ثم ظهر يسوع لسبعة تلاميذ (توما من جملتهم) عند بحر الجليل. إنها المرة الثالثة التي فيها يظهر لتلاميذه. كما أنه أعد طعام الفطور وأكل معهم (يوحنا 21: 1-22). ثم ظهر للأحد عشر على جبل من الجليل (متى 28: 16-20). ولعل هذه المناسبة هي نفسها عندما ظهر لأكثر من خمسمئة تلميذ دفعة واحدة، كان العديد منهم لا يزالون على قيد الحياة عندما كتب بولس 1كورنثوس (1كورنثوس 15: 6). ثم ظهر ليعقوب غير المؤمن (يوحنا 7: 5)، هادياً إياه بذلك إلى الإيمان (1كورنثوس 15: 7)، وأخيراً للأحد عشر من جديد بمناسبة صعوده إلى السماء (لوقا 24: 44-52؛ أعمال 1: 4-9؛ 1كورنثوس 15: 7). وبعد هذا بسنوات، ظهر لعدو الكنيسة اللدود شاول الطرسوسي، هادياً إياه إلى الإيمان (أعمال 9: 1-5)، وربما لحنانيا أيضاً (أعمال 9: 10).
صحيح أن حقيقة القبر الفارغ، إذا نظرنا إليها من زاوية “الدليل”، لا تبرهن وحدها أن يسوع قام من الموت، لكنها تشير حقاً إلى حدوث شيء ما لجسد يسوع بعد دفنه. ثم تأتي ظهورات يسوع العديدة بعد موته لتفسر على أفضل حال ما كان قد حل بجسده: لقد قام في الجسد من بين الأموات. لأنه متى وُجد لاحقاً قبر رجل ميت فارغاً، وهو يظهر في كل مكان لأناس مختلفين، يبقى التفسير الأفضل لهذه الظاهرة أن هذا الرجل حصل على قيامة في الجسد! كما أن حقيقة كون هذه الظهورات حصلت (1) لأفراد (مريم، بطرس، يعقوب)، ولتلميذين، ولمجموعات صغيرة، ولجماعات كبيرة، (2) ولرجال ونساء على السواء، (3) في العلن وعلى صعيد شخصي، (4) وفي كل ساعات اليوم – في الصباح، خلال النهار، وفي الليل، و(5) وفي كل من أورشليم والجليل. كل هذا يزيل أي احتمال أن تكون هذه الظهورات مجرد ضروب من الهلوسة. فالإنسان الفرد قد يشعر بالهلوسة، لكن من غير المحتمل جداً، بل إنه لضرب من المستحيل أن تصاب مجموعات بأكملها بل حشود كبيرة من الناس بالهلوسة عينها في الوقت عينه!
من الضروري ملاحظة جانب آخر في غاية الأهمية من روايات الإنجيل لظهورات يسوع: إنها تفتقر إلى التصنع السلس الذي يحصل دائماً لدى تآمر بعض الرجال المخادعين لجعل رواية مركبة تبدو منطقية. فالواحد منا يواجه على الفور صعوبة في إيجاد توافق وتطابق بين الروايات الأربع لظهورات يسوع المتعددة بعد صلبه. إلى ذلك، وبحسب التدوين داخل الأناجيل، النساء هن اللواتي أول من اكتشفن القبر الفارغ، كما أن يسوع ظهر أولاً لنساء بعد قيامته. وحيث إن شهادة النساء لم تكن تكتسب مبدئياً أية قيمة في المحاكم في ذلك الزمان، من غير المحتمل جداً لو أن التلاميذ كانوا قد تآمروا معاً لتلفيق الروايات المتعلقة بالقبر الفارغ وبظهورات يسوع العديدة بعد صلبه، أن يبدؤوا سردهم بتفصيل هام كان من شأنه إضعاف الثقة به منذ البداية.
لذا، كان من المرغوب فيه أكثر من وجهة نظر التلاميذ – لجعل مناداتهم منطقية أكثر – أن يكون بإمكانهم التصريح بأن رجالاً هم الذين أول من اكتشفوا القبر الفارغ، وأن رجالاً هم الذين أول من ظهر يسوع لهم، فهذا العامل كما يظهر في روايات الأناجيل، يفرض علينا استخلاص أن الأمور ببساطة لم تجر على هذا النحو. بل كان جل اهتمامهم تدوين ما حصل فعلاً لأنهم كانوا رجالاً مخلصين. وهكذا اكتفى التلاميذ بنقل الأحداث كما هي، رافضين تجميلها أو التغيير فيها كما كان سيفعل الكُتاب الكلاسيكيون. هذه الظاهرة في السرد الموجود في الإنجيل، تضفي على التدوين طابع الحق.
هاتان المجموعتان العظيمتان من المعلومات في العهد الجديد – القبر الفارغ وظهورات يسوع المتعددة بعد صلبة – أوكد أنهما تدعمان فوق كل شك شرعي، حقيقة قيامة يسوع في الجسد من الموت وتاريخها.
إلى جانب هذه الخطين من الحجج مع ما يحملانه من قيمة لدعم تاريخية قيامة يسوع في الجسد من الموت، بوسع أحدنا أن يذكر ثالثاً، التغيير الجذري الذي طرأ على التلاميذ من خلال تحولهم من الفشل الذي يشل بعد موت الرب مباشرة إلى الإيمان واليقين بعد هذا بثلاثة أيام. رابعاً، عندنا اهتداء كل من يعقوب وشاول الطرسوسي الذي حصل لاحقاً، وخامساً هناك المؤسسة المنظورة في هذا العالم، أقصد بها كنيسة يسوع المسيح، من كان أعضاؤها قد دأبوا منذ البداية على عبادة يسوع المسيح بصفته الله، في اليوم الأول من الأسبوع بدل اليوم السابع[8]. كل واحدة من هذه الحقائق تستلزم لتفسيرها حدثاً وراءه، كحدث قيامة المسيح في الجسد.
قد يقر أحدهم بأن كل ما قيل حتى الآن من المسلم به أنه يدعم بقوة قضية قيامة المسيح في الجسد بالنسبة إلى المؤمنين بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله، بما أن البحث بجملته تمركز واستمد جوهره من تعليم الكتاب المقدس حول هذا الحدث. لكن قد يزعم أحدهم أن الحجة لا تعني شيئاً في نظر الذين لا يؤمنون بشهادة الكتاب المقدس. كيف أرد على هذا؟ حسناً، ألحظ أن الذين لا يتأثرون بهذه الحجة، ثمة كيان، غير الكتاب المقدس، عليه تفسيره. وهذا يتمثل بوجود الكيان المنظور من خارج الكتاب المقدس والمعروف بكنيسة يسوع المسيح التي دأبت منذ البداية على عبادة المسيح بصفته الله. والأكثر من هذا، أقدمت الكنيسة من قبيل مجرد الصدفة على عبادة المسيح بهذا الشكل جهاراً في اليوم الأول من الأسبوع.
كيف عسانا تفسير هذه الحقائق؟ كيف ولماذا ظهرت كنيسة يسوع المسيح في العالم؟ وأية قوة تقف وراء نشوئها في الأصل؟ ولماذا تعبد المسيح، ولماذا تعبده جهاراً في اليوم الأول من الأسبوع؟ لا يمكن لغير المؤمن، بل يجب ألا يتجاهل هذه الأسئلة؛ بل يترتب عليه مواجهتها مباشرة لعرض تفسير لا يقل منطقياً عن الذي يعرضه الكتاب المقدس. لكن، هذا ما يعجز عنه. وكل محاولة من الزاوية الطبيعية لنشوء الكنيسة في العالم، بمعزل عن قيامة يسوع المسيح في الجسد، تفتقر إلى المعقولية، وقد وجدت ناقصة. وكما يصرح “ن. ت. رايت”: “كل التفسيرات البديلة [للقبر الفارغ و”للقاءات مع يسوع”] تخفق، الأمر المتوقع لها”.[9] باختصار، يعرض الحدث التاريخي لقيامة يسوع المسيح في الجسد في اليوم الأول من الأسبوع، السبب ليس فقط وراء إقدام الكنيسة على عبادة المسيح بصفته الله وحسب، بل لعبادته أيضاً في اليوم الأول من الأسبوع.
يظهر كل هذا التجديف الفارغ من أي معنى للمخرج “سمشا جاكوبوفيتشي” من خلال إنتاجه في العام 2007 الفيلم المسمى “وثائقي” تحت العنوان The Last Tomb of Jesus (“القبر الفارغ ليسوع”)، والذي فيه يحاول زعم أن عشرة صناديق صغيرة لحفظ عظام الموت، كان قد تم اكتشافها في ضواحي أورشليم عام 1980، من شأنها أن تكون قد احتوت عظام يسوع وعائلته. بمعزل عن كون الأسفار المقدسة الموحى بها تشهد لما هو نقيض هذا، احتمال أن تكون صناديق العظام هذه تحوي عظام يسوع، هي ضئيلة إلى أقصى الحدود، بل قل لا وجود لها. إنه لأمر محزن حقاً رؤية على أية حدود من الجهل والغباء قد يبلغ بعض القوم، لسلب البشرية وحرمانها من رجائها الأوحد، لأنه بمعزل عن قيامة يسوع المسيح في الجسد، لا يكون للبشرية أي رجاء بالفداء، حتى إنهم لا يزالون في خطاياهم.
أكرر أن التلاميذ كانوا مقتنعين في المطلق. من كون يسوع المسيح قام في الجسد من الموت في اليوم الثالث، وذلك في ضوء حقيقة قبر يسوع الفارغ والعديد من ظهوراته بعد صلبه. وعلى هذا الأساس كانوا على استعداد لمكايدة الاضطهاد، وحتى الموت من أجل اقتناعهم هذا. لو كانت شهادتهم مجرد ضرب من ضروب الخيال، يكون من الصعب تفسير لماذا لم يقدم ولا حتى واحد منهم، لدى مواجهتهم الاستشهاد، على إعلان أن روايتهم كانت مجرد حيلة مصنعة ليس إلا.
الرد على آراء النقاد
إن روايات ظهورات المسيح المدونة في الأناجيل، هي أساطير في نظر العديد من النقاد. لكن المحير في الأمر هو أن هؤلاء الدارسين أنفسهم غير المستعدين للتسليم بقيامة يسوع في الجسد من الموت، هم في معظمهم، إن لم نقل جميعهم، يقرون بتاريخية موت المسيح صلباً على عهد بيلاطس البنطي، وبحالة اليأس التي أصابت التلاميذ، وباختبارات “الفصح” التي اعتبروها بمثابة ظهورات المسيح المقام لهم، وما ينتج من ذلك من تغيير فيهم، وصولاً إلى اهتداء شاول الذي تلا ذلك. باختصار، بالنسبة إلى العديد من الباحثين اليوم، بينما لا يجب اعتبار قيامة يسوع بمثابة حدث تاريخي، يقرون بأن التلاميذ حصلوا على بعض الاختبارات الشخصية والوهمية، والتي راحوا على أساسها ينادون بأن يسوع قام من الأموات وقد ظهر لهم. كيف علينا الرد على هؤلاء؟
بالنسبة إلى الزعم بأن روايات الظهورات كانت مجرد أساطير لاحقة ابتدعتها الكنيسة الأولى، من الأهمية بمكان ملاحظة كيف أن دارسي العهد الجديد يؤيدون بأعداد متزايدة كون تصريحات بولس في 1كورنثوس 15: 3-5 (أول رواية مكتوبة لظهورات القيامة، بما أن كتابة 1كورنثوس حصلت قبل الأناجيل القانونية) إنما تعكس مضمون معتقد مسيحي قديم شبه رسمي، وهو أقدم من 1كورنثوس نفسها (هذه الرسالة التي كانت قد كتبت على الأرجح في ربيع عام 56م. من أفسس) والتي كانت قد انتشرت ضمن جماعة المؤمنين المحلية[10].
يبنى هذا التوكيد على (1) إشارات بولس إلى “تسليمه” الكورنثيين ما كان قد “تسلمه” هو، الأمر الذي يوحي بأننا هنا أمام قطعة من “التقليد”، (2) التطابق في الأسلوب للمواد نفسها التي جرى “تسليمها” (راجع الجمل الأربع هوتي، مع تكرار العبارة كاتا تاس غرافس في الأولى والثالثة بينها)، (3) اللفظة الأرامية “صفا” بالإشارة إلى بطرس، والتي توحي ببيئة محلية أبكر، وليس ببيئة يونانية – رومانية لاحقة لهذا التقليد، (4) الوصف التقليدي لمعشر التلاميذ “كالاثني عشر”، و(5) حذف من القائمة الظهورات للنساء. إن كان بولس، في الواقع، قد “تسلم” بعضاً من هذا “التقليد” مثلاُ، ما يتعلق بظهورات يسوع لبطرس ويعقوب (المشار إليها في 15: 5، 7: راجع أيضاً أعمال 13: 30، 31) مباشرة من بطرس ويعقوب نفسيهما خلال زيارته الأولى إلى أورشليم بعد ثلاث سنوات على هدايته (راجع أعمال 9: 26-28؛ غلاطية 1: 18، 19)، الأمر الذي من المحتمل جداً أن يكون قد حصل، فهذا النص يعكس ما كان يعلمه على التراب المحلي أوائل شهود العيان للأحداث الحاصلة في أورشليم، وذلك في غضون أيام بعد الصلب.
الإشارة الضمنية الواضحة هنا هي إلى كون المادة في 1كورنثوس 15: 3ب-5 هي مبينة على شهادة فلسطينية باكرة لشهود عيان، وتعد بالجهد انعكاساً لتقارير اسطورية كانت قد نشأت بعد وقت طويل ضمن ما يعرف بجماعات الإيمان اليهودية – الهلينية أو الأممية الهلينية. لم يكن هناك ببساطة الوقت الكافي، مع أخذ بعين الاعتبار التلاميذ الأولين الذين كانوا لا يزالون متواجدين في أورشليم لتصحيح روايات مغلوطة قد تكون قد نشأت عن يسوع، حتى تكون إضافات اسطورية من هذا الصنف قد نشأت وباتت بمثابة ظاهرة مقبولة ضمن “التقليد”. يثير وجود هذا “الاعتراف الباكر” بدوره اعترافات جدية حول ما إذا كانت روايات الظهور ضمن الأناجيل القانونية هي قصص اسطورية مبنية على مصادر غير محلية، كما أصر على ذلك العديد من الدارسين “البلتمانيين”. تأتي الحقائق لتوحي بقوة بما هو عكس ذلك. أي أن رايات الظهورات في الأناجيل ليس من قبيل القصص الأسطورية، كما يزعم هؤلاء الدارسون “البلتمانيون”.
الآن، من الأهمية بمكان أن كل النقاد مبدئياً اليوم، كما لاحظنا قبلاً، هم على استعداد للتسليم بأن التلاميذ بعد وقت قصير على موت يسوع – لسبب أو لآخر – قد جرى لهم تغيير عاطفي ملحوظ ورائع بحيث حل عندهم اليقين والثقة فجأة مكان الفشل واليأس اللذين كانا يمتلكانهم. وحتى “بلتمان” نفسه يقر بتاريخية اختبارهم “الفصح”[11] ويسلم بأن هذه الثقة الحديثة العهد هي التي أنشأت الكنيسة كحركة إرسالية. ما الذي أحدث هذا التغيير؟ إن كان أحدنا يجيب، على نسق بعض الدارسين، بأن اعتقادهم أنهم رأوا يسوع حياً، هو السبب الذي أجرى هذا التغيير فيهم من الخوف إلى الثقة، فعليّ الإشارة إلى أن في هذا تكراراً للمعنى ذاته: هنا يزعم أحدنا في نهاية المطاف أن اعتقادهم بأنهم قد رأوا يسوع الحي، هو الذي أنشأ فيهم إيمانهم بقيامة يسوع. نحن لا نزال أمام السؤال عينه: ما الذي أنشأ فيهم اعتقادهم أنهم رأوا يسوع الحي وعلى صعيد شخصي؟ لعل حدثاً سابقاً هو الذي أثر في اعتقادهم أنهم رأوا الرب المقام.
ترى، ما كان ذلك الحدث؟ إن كان أحدنا يجيب بالقول إن الأمر كان ينطوي على اختبار رؤيوي، أي على هلوسة، كان الحدث الذي أسفر عنه إيمانهم الفصحي، علينا أن نسأل عما تسبب بهذا الاختبار الرؤيوي. هنا، تختلف الآراء بالطبع. بعض الدارسين (“لامب”، “شوايتزر”، و”بورنكم” مثلاً) رأوا أن ظهورات القيامة كانت بمثابة صور ذهنية للذات الروحية ليسوع من دون جسده، والتي قد تواصل من خلالها مع تلاميذه من السماء. بكلام آخر، كانت ظهورات القيامة أنشطة فعلية من قبل يسوع “المروحن” والتي من خلالها دخل في علاقة حقيقية فعلية مع تلاميذه. اعتبر آخرون أن اختبار رؤية يسوع بعد صلبه، كانت ظاهرة طبيعية بحتة، جاءت ببساطة نتيجة عمل الإيحاء الذاتي.
يوحي “بلتمان”، مثلاً، بأن علاقة يسوع “الحميمة والشخصية” بهم إبان أيام خدمته بينهم، هي التي كانت قد شرعت في تغذية هكذا ذكريات طيبة فيهم حتى بدؤوا باختبار “رؤى شخصية وغير موضوعية” له، مع تخيلهم كونهم قد رأوه حياً من جديد[12]. “مايكل غولدر” في الأولى من مساهمتية في كتاب The Myth of God Incarnate (“أسطورة الله المتجسد”)، يعيد الإيمان بقيامة يسوع إلى بطرس الذي نعته نفسياً بأنه “mumpsimus” (مامبسيمس) أي من كانت معتقداته تقوى بدل أن تضعف، على قدر ما تتعرض أكثر فأكثر للدحض[13]. فبطرس هذا حصل على “اهتداء اختبره تحت شكل رؤيا” وتخيل أنه رأى يسوع في صبيحة أول يوم فصح ذاك. وفي تلك الليلة نقل اختباره إلى التلاميذ الآخرين، وهكذا.
…. سرت قوة الهستيريا بشكل عظيم داخل جماعة صغيرة حتى أنه في المساء، وتحت تأثير [السحر المنوم (؟)] لنور الشمعة مع [حالة التوتر العاطفي الشديد السائدة] من جراء خشيتهم من احتمال إلقاء القبض عليهم، وقد بدأت تنمو فيهم براعم الأمل بالعزم والإقدام أيضاً [لكن، على أي أساس؟]، بدأ لهم كأن الرب أتاهم عبر الباب الموصد، قبل أن غادرهم. [والآن، لنلاحظ كيف انتقل “غولدر” إلى خلاصته من دون بذل أي جهد]… أضرم اختبار الفصح إيماناً رفع يسوع إلى مصاف الألوهية، وحمل تعاليمه إلى كل زوايا المعمورة[14].
ينظر “غرد لودمن” إلى قصة القيامة كضرب من التخيل الوهمي الناتج من حزن الرسل وشعورهم بالذنب[15]. لكن فعلياً الآن، هل هذه تفسيرات منطقية تقف وراء وجود الكنيسة وإيمانها؟ بالجهد كذلك. أضف إلى ذلك حقيقة كون كل هذه الآراء (1) تترك حقيقة القبر الفارغ من دون تفسير (ولسنا نبالغ إن قلنا إنها تتحطم على “صخرة” القبر الفارغ، و(2) يفوتها تقبل التنوع في التفاصيل المجردة للروايات المتعددة للظهورات نفسها. أصاب جداً “جورج أ. لاد” من خلال إشارته إلى كون:
…. الرؤى لا تحصل بشكل عشوائي. فاختبارها يستلزم بعض الشروط المسبقة عند الأشخاص المعنيين، هذه الشروط المسبقة الغائبة بالتمام عن تلاميذ يسوع. أن نتصور التلاميذ وهم يراعون ويغذون ذكريات حميمة عن يسوع بعد موته، ويشتاقون إلى رؤيته مجدداً، ولا يتوقعون له أن يموت فعلاً. كل هذا هو نقيض الدلائل التي في حوزتنا. كما أن تصوير التلاميذ على أنهم مشبعون بهذا المقدار من الرجاء من جراء ما خلفه يسوع فيهم من تأثير، ما مكن إيمانهم من التغلب بسهولة على حاجز الموت لكي ينصبوا يسوع كربهم الحي والمقام. كل هذا يفترض إعادة صياغة جذرية للتقليد الإنجيلي. وبينما قد لا يكون من المطري للتلاميذ، التصريح بأن إيمانهم كان بإمكانه فقط أن ينتج من اختبار حقيقي بتجرد، هذا ما تدونه الأناجيل فعلاً[16].
عدد من تلامذة “بلتمان” بمن فيهم “غيرهارد إيبلينغ” و”إرنست كازمان” و”غنثر بورنكام” و”إرنست فاكس” رفضوا عملية تذويب معلمهم للروابط التي تجمع بين الإيمان والتاريخ العلمي، وذلك على أساس أنها تجعل من غير الممكن التمييز بين الإيمان المسيحي والتزام رب أسطوري. يسلم “بورنكام” أحد تلامذة “بلتمان” الأكثر نفوذاً، “بعدم وجود تفسير مرض لمعجزة القيامة في طبيعة التلاميذ الداخلية”:
الرجال والنساء الذين يقابلون المسيح المقام [في الأناجيل] وصلوا إلى نهاية حكمتهم. كانوا في حالة اضطراب وانزعاج من جراء موته. راحوا يسيرون كمفجوعين على غير هدى حول قبر سيدهم في محبتهم العاجزة عن فعل أي شيء، محاولين بوسائل تدعو إلى الشفقة – على غرار النساء عند القبر – أن يوقفوا العملية وانبعاث رائحة النتانة. كان هؤلاء التلاميذ متجمهرين معاً على نسق الحيوانات في العاصفة (يوحنا 20: 19 والأعداد التالية). هكذا كانت أيضاً حال التلميذين على طريق عمواس عشية يوم الفصح، بعد أن كانت قد تحطمت آخر آمالهم. يحتاج أحدنا إلى قلب جميع روايات الفصح هذه رأساً على عقب في حال أراد إظهار هؤلاء القوم بكلمات “فاوست”: “إنهم يحتفلون بقيامة الرب من الأموات، لأنهم هم قاموا من الأموات”. كلا، هم لم يقوموا من الأموات. فما يختبرونه هو الخوف والشك، كما أن الشيء الوحيد الذي يوقظ الفرح والسرور في قلوبهم هو مجرد هذا: التلاميذ في يوم الفصح هم الذين يتميزون بالموت، فيما المصلوب والمدفون هو الحي[17].
يواصل “بورنكام” كلامه بالقول إن “رسالة قيامة يسوع، لم تكن بأي شكل من الأشكال، من نتاج الجماعة المؤمنة وحدها”. ثم يستخلص أنه “لمن المؤكد أن ظهورات المسيح المقام مع كلمة شهوده، هي التي أنشأت هذا الإيمان في المرتبة الأولى”[18]. أنا أوافق، بل أصر على أن “الاختبار الحقيقي بتجرد” الذي كان قد حصل عليه التلاميذ، والذي كان “لاد” قد تحدث عنه قبلاً، جاءهم نتيجة “البراهين المقنعة الكثيرة” (أعمال 1: 3) على قيامته في الجسد من خلال ظهوراته العديدة لهم بعد صلبه. إذ لا شيء أقل من القيامة الفعلية في الجسد من الموت، باستطاعتها تفسير ظاهرتي كل من القبر الفارغ والتحول الجذري الذي حصل للتلاميذ والذي نقلهم من حالة الشك والغم إلى الإيمان وفرح الشهيد. لذا، لا داعي للبحث عن تفسير آخر يصلح كأساس لإيمانهم الفصحي.
مكانة قيامة يسوع في الجسد على صعيد المناداة المسيحية في الكنيسة الأولى
اعتمدت الكنيسة الأولى حق قيامة يسوع في الجسد من الأموات “كالمدخل” لإعلان بشارة الإنجيل. يوضح المسح الشامل السريع للعظات المدونة في أعمال 2: 14-39؛ 3: 13-26؛ 4: 10-12؛ 5: 30-32؛ 10: 36-43؛ 13: 17-41؛ 17: 22-31 إلى جانب تعاليم رسائل العهد الجديد (رومية 1: 2-4؛ 2: 16؛ 8: 34؛ 9: 5؛ 10: 8، 9؛ 1كورنثوس 15: 3، 4) كيف أن اعتماد الرسل قيامة يسوع في الجسد من الأموات، لم يكن بالأمر الشاذ على الإطلاق. استخدموه بسبب ما يحدثه من صدمة، وهنا تكمن قيمته.
حقاً، كان التركيز في “الكريغما” (المناداة) البدائية دائماً على قيامة المسيح في الجسد من الأموات. لا يلحظ أي من هذه العظات المدونة إقدام الواعظ على التوقف أمام الحاضرين للتركيز على ما ينطوي عليه موت المسيح من أهمية خلاصية. لكنهم يشددون جميعهم على أن الله كان قد قلب رأساً على عقب حكم الناس من خلال إقامته من الأموات رجلاً – يسوع المسيح – والذي كانت السلطات الرومانية قد صلبته كمجرم، وذلك بإيعاز من السنهدرين اليهودي. وفي هذا السياق، يؤكد “ولبر م. سميث” ما يلي: “يشهد سفر الأعمال لحقيقة أنه من خلال الكرازة بقيامة المسيح [وليس الصليب] قد جرى قلب العالم رأساً على عقب”[19]. وبأكثر دقة، فإن الانعكاسات التي كان الرسل قد استنتجوها من هذا الحدث الجلل، هي التي هزت العالم الروماني من القرن الأول حتى جذوره. والمقصود بذلك كون:
† قيامة المسيح في الجسد من الأموات، أظهرت هويته الإلهية (رومية 1: 3، 4)[20].
† قيامة المسيح في الجسد، السبيل لجلوسه على العرش في السماء رباً على بني البشر (أعمال 2: 36؛ 10: 42؛ رومية 14: 9).
† المسيح بفضل قيامته في الجسد تبرهن أنه مخلص الناس الأوحد (أعمال 4: 12). وبالتالي أبرزت جميع ديانات العالم الأخرى على أنها على خطأ وغير أهل لكي يعطيها الناس ولاءهم.
† قيامة المسيح في الجسد من الأموات، أظهرت كيف أن الله جعل ختم رضاه على عمل المسيح الفدائي (رومية 4: 25؛ عبرانيين 9: 24، 25؛ 13: 20).
† قيامة المسيح في الجسد من الأموات، جعلت منه “موقع الهيكل” الحقيقي حيث بإمكان الناس العثور على الله وعبادته (يوحنا 2: 19، 21؛ مرقص 14: 58).
† قيامة المسيح في الجسد من الأموات، تشكل جانباً أساسياً من الإيمان الذي يخلص الخطاة (رومية 10: 9).
† قيامة المسيح في الجسد من الأموات، تؤكد للمسيحيين مدى مصداقية تعليمه (متى 16: 21) وتحثهم على البقاء أمناء له لدى تعرضهم للاضطهاد من أجل إيمانهم (2تيموثاوس 2: 8).
† قيامة المسيح في الجسد من الأموات، بصفته “باكورة الراقدين”، تؤكد للمسيحيين، وضمناً لجميع الشعوب الأخرى، أن قيامة الأموات في نهاية الأيام قد بدأت، وأنهم بالتالي سيقامون في الجسد ذات يوم إما لسرورهم، وإما لويلهم (يوحنا 5: 28، 29؛ أعمال 24: 15؛ رومية 8: 19 والأعداد التالية؛ 1كورنثوس 15: 20 والأعداد التالية؛ 1تسالونيكي 4: 14؛ 1بطرس 1: 3، 4).
† قيامة المسيح في الجسد من الأموات، وما تلى ذلك من صعود وارتقائه إلى الربوبية، قد ثبتاه دياناً لكل الناس (أعمال 17: 31).
† كان على الكنيسة الاحتفال بحقيقة قيامة المسيح في الجسد من الأموات، من خلال اجتماعها معاً في كل أول يوم من الأسبوع، على مدار السنة، وحتى نهاية العالم! على الكنيسة ألا تدع البشرية تنسى السبب وراء انتقال السبت من اليوم السابع إلى اليوم الأول.
بينما يبقى أحدنا غير متأثر بالإعلان عن أحد الأشخاص الذي يدعي بأنه مسيا اليهود، كون صلب على صليب روماني، بما أن آلافاً من الناس لقوا هذا المصير نفسه، لا يمكن لأحدنا البقاء محايداً حيال الإعلان بأن الله قد أقام يسوع هذا في الجسد من الأموات. لا يستطيع أحدنا أن يقول متثائباً: “ما أروع هذا”، قبل أن يهز رأسه ويمضي في طريقه بلا مبالاة! لكن قيامة يسوع كانت ولا تزال معجزة! فإما أن تكون قد حصلت، وإما ألا تكون قد حصلت! فلا مكان للحياد هنا! هذا الجانب من المناداة في بدايتها، استحوذ على اهتمام السامع، واستلزم منه قراراً فكرياً. وفي حال رفضها، عرض بذلك نفسه للخطر من خلال تنكره للرب المرفع والمزمع ذات يوم أن يدينه. وإن قبلها، فإنه يكون بذلك قد تحول إلى مخلص البشرية الأوحد الذي مات من أجل خطاياه. وعندما شرح له بولس تلك “الأخبار السارة”، شرحها، رجاء ملاحظة هذا جيداً، من زاوية التبرير بالإيمان وحده!
هذا “المدخل” على طريقة مناداة الكنيسة الأولى بالإنجيل، كنت قد أشرت إليها في محاضراتي على مر السنين. ولئن تأثر تلامذتي في حينه دائماً بهذه الحقيقة. لا أحد منهم، كما أعلم، خرج لتطبيق أسلوب الكنيسة الأولى هذا في التبشير على الذين لا يعرفون الكتاب المقدس. صلاتي أن يقدم على ذلك أحدهم في يوم من الأيام. ومن يعلم؟ فهذا الشخص قد يفتن المسكونة من جديد، كما حصل مع الكنيسة الأولى!
[1] أحد المؤشرات على استمرار في PCUSA هو ما حصل خلال الجمعية العمومية في دورتها التي تحمل الرقم 217، والملتئمة في “برمنغهام”، “ألاباما”، خلال صيف 2006. فلقد “قيلت” بناء على اقتراع 282-212 وثيقة بحث تلحظ أن المعروف بلغة الكنيسة التقليدية بشأن الثالوث (والذي يصدف أنه لغة الكتاب المقدس) تصور الله على أنه ذكر، الأمر الذي يشير ضمناً إلى تسامي الرجال على النساء (“ونحن نندم على هذا التشويه”، كما صرح التقرير). هذا يسمح لكل كنيسة بمفردها بتقرير لنفسها إن كانت تفضل التحدث عن “التجسيدات الثلاثة” لله تحت شكل “الأم الحنونة”، و”الطفل المحبوب”، و”الرحم الواهب الحياة”، أو “المحب”، و”المحبوب”، و”المحبة” التي تربط المحب بالمحبوب، أو “قوس قزح الوعد”، و”تابوت الخلاص”، و”حمامة السلام” أو “الصخرة”، و”حجر الزاوية”، و”الهيكل”، أو “الشمس”، و”النور”، و”الشعاع المحرق”، أو “المتكلم”، و”الكلمة”، و”النفس”.
[2] إلا أنه يتحدث عن “الحق المنزه عن الخطأ” للأسفار المقدسة في 1,5، كما يعلن أن “القانون المنزه عن الخطأ لتفسير الأسفار المقدسة، هي الأسفار المقدسة نفسها” في 1,9. هذا مع العلم أن “القانون” يفترض عدم وجود أخطاء فيه.
[3] لا يعرض التوكيد أي تفسير منطقي لماذا عقيدة العصمة تنتقص من سلطة الكتاب المقدس أو تضعف شهادة الكنيسة للإنجيل. أنا أفترض أن التوكيد يقصد بذلك القول إن عقيدة عصمة الكتاب المقدس تحول الاهتمام بعيداً عن “الكلمة الحي” (المسيح) إلى “الكلمة المكتوبة” (الكتاب المقدس). في الواقع، نقيض ذلك هو الصحيح: لأننا في حال راعينا نظرة أدنى إلى الكتاب المقدس، لا نضفي بذلك أهمية أكبر على المسيح؛ بل بالحري ننتقص من شهادته. إلى ذلك، فالكتاب المقدس الذي هو عرضة للخطأ وغير معصوم، من شأنه الانتقاص من سلطة هذا الكتاب وإضعاف شهادته للمسيح الكلمة الحي. بوسعي فقط استخلاص أن الذهن الليبيرالي هو ذهن مشوس.
[4] غالباً ما يجري التأكيد بشكل مغلوط على أن السلطات الرومانية، أي بيلاطس وهيرودوس، هما المسؤولان عن صلب يسوع المسيح، مع النظر إلى القيادة الدينية اليهودية، على الغالب، كمجرد ممثلين متواطئين في هذا الحدث. لكن واقع الأمر يظهر عكس ذلك تماماً؛ لم يكن للسلطات الرومانية أي اهتمام بسوع قبل إقدام القيادة الدينية اليهودية على إرغامهم على النظر في قضيته. وحتى بعد ذلك، وجد القائدان الرومانيان يسوع بريئاً من التهم التي وجهها إليه اليهود. لكن القيادة الدنية اليهودية ظلت متصلبة في رفضها قرار الرومان القاضي بإطلاقه، وطالبت بصلبه. حقاً، أمن الرومان “السكين” في صلب يسوع، أي أسلوب القتل، في حين ظهرت القيادة الدينية اليهودية بمثابة “اليد التي دفعت السكين”. إذاً، القيادة الدينية اليهودية هي التي حرضت على صلب المسيح فيما قامت روما بدور الممثل المتواطئ.
[5] تستلزم العبارة “في اليوم الثالث”. بعض التعليق. أين يعلم العهد القديم أن يسوع سيقوم من الأموات في اليوم الثالث بعد موته؟ يحاجج “أندرو ثيسلتن” في تفسيره
(NIGTC; Grand Rapids: Eerdmans, 2000), 1196-97) The First Epistle to the Corinthians
في كون العبارة “بحسب الكتب” لا تتعلق “باليوم الثالث” بل فقط بالعبارة “قام”. لكن يسوع نفسه أعلن في لوقا 24: 44-46 أن العهد القديم شهد لكون المسيا سوف يموت ويقوم في اليوم الثالث. تأمل الباحثون لوقت طويل في هذه المسألة وذلك في غياب العديد من نصوص العهد القديم من أجل الاختيار منها. في معظم الأحيان، يتم اختيار هوشع 6: 2 وأحياناً يجري عرض يونان 1: 17 و2ملوك 20: 5. لكن المشكلة مع هوشع 6: 2 هي أنه يتحدث عن قيامتنا نحن، لا عن قيامة المسيا. كما أن المشكلة مع يونان 1: 17 هي أنه يستلزم متى 12: 40 كرابط أما المشكلة مع 2ملوك 20: 5 فهي أنه لا يتحدث قط عن القيامة.
أنا أقترح أن حادثة المريا في تكوين 22، والتي قليلاً ما تؤخذ بعين الاعتبار، تبقى على الأرجح الخيار الأفضل بعد التفكير بكل شيء آخر. فتصريح إبراهيم في تكوين 22: 5 يشير ضمناً بوضوح إلى أن إبراهيم آمن بأن اسحق سوف يقام من الأموات في اليوم الثالث بعد أن كان الله قد أمره بتقريبه. في ذلك الوقت، كان إبراهيم يعتبر اسحق كأنه ميت، كما صرح كاتب العبرانيين بوضوح أن إبراهيم “من الزاوية الرمزية” استرجع اسحق من الموت في ذلك الوقت. يحتاج أحدنا فقط أن يفهم رمزية “موت وقيامة” اسحق، وينظر إليها كرمز لموت المسيح وقيامته الفعليين من أجل استيعاب ما كتبه بولس عن المسيح الذي “قام في اليوم الثالث حسب الكتب”.
[6] G. C. Berkouwer, The Work of Christ, translated by Cornelius lambregste (Grand Rapids: Eerdmans, 1965), 184.
[7] بحسب مرقص 16: 9، يسوع “ظهر أولاً لمريم المجدلية” وقد يكون هذا ما حصل فعلاً. لكن هذا التصريح من خلال وروده ضمن الخاتمة الطويلة لمرقص 16، تثار بعض التساؤلات حول مدى مصداقيته وصحته. برأي، روايات الظهور هذه يكون من الأسهل تنظيمها. إن كان يعتبر أحدنا أن يسوع ظهر أولاً للنساء اللواتي خرجن بسرعة من القبر (متى 28: 8, 9)، ومن ثم لمريم التي تبعت بطرس ويوحنا رجوعاً إلى القبر بعد اخبارهما أن القبر فارغ (راجع يوحنا 20: 1-18). لكن هذا التنظيم يبقى ممكناً حتى ولو ظهر يسوع لمريم أولاً.
[8] فيما يتعلق بتحول الكنيسة لجهة حفظ يوم السبت من اليوم السابع إلى اليوم الأول من الأسبوع، أؤكد وجود عنصرين أساسيين في الترتيب المتعلق بيوم السبت في العهد القديم: أولاً، كونه يجب أن يكون يوماً يستريح فيه المرء من أعماله، وثانياً، ضرورة تخصيصه لعبادة الله وفي خدمة الدين. وكل شيء آخر كان ظرفياً وقابلاً للتغيير. وحتى اليوم المحدد من الأسبوع كان قابلاً للتغيير (1) لسبب وجيه، و(2) من قبل سلطة أهل لذلك. حقاً، مع توافر هذه العنصرين، كان التغيير إجبارياً. هل حضر هذان العنصران في القرن الأول، ما يضفي شرعية على تبديل حفظ يوم السبت من اليوم السابع إلى اليوم الأول من الأسبوع؟ كانا حاضرين حقاً! فإن سبباً وجيهاً توافر بوضوح: الحدث الجليل المتمثل بقيامة يسوع من الموت في اليوم الأول من الأسبوعّ! كما أن السلطة الجديرة حضرت أيضاً بوضوح: مثال المسيح نفسه وكلماته، رب السبت، ورسله (يوحنا 20: 1، 19، 26؛ أعمال 20: 7؛ 1كورنثوس 16: 2؛ عبرانيين 10: 25؛ رؤيا 1: 10).
كانت الخلاصة الحتمية التي توصلت إليها الكنيسة المسيحية، أن التبديل في الأيام لم يكن ملائماً وحسب، بل حظي أيضاً بالموافقة الصريحة من قبل المسيح ورسله. فلو كانت الكنيسة لتواصل حفظها السبت في اليوم السابع، لكان في هذا التأكيد ضمناً أن حدث الفداء الرمزي في سفر الخروج مع الوصية المتعلقة باليوم السابع مقابل عمل المسيح الفدائي المرموز إليه، شكل الحدث الفدائي الأهم بينما لم يكن حدث الخروج سوى ظل لعمل المسيح الفدائي. أو تكون الكنيسة بذلك قد أنكرت حدث القيامة بجملته. ثانياً، إن حفظاً كهذا كان سيعني رفض سلطة المسيح ورسله (ناهيك أيضاً بأسفار العهد القديم النبوية أيضاً) على الكنيسة. بكلام آخر، مواصلة الكنيسة حفظها السبت في اليوم السابع، كان سيعني تجاهل طبيعة الإعلان التدريجي الذي كان هنا سيد الموقف. يشرح “غيرهاردس فوس” نقطتي هذه في كتابته Biblical Theology (Grand Rapids: Eerdmans, 1954, 158).
على قدر ما كان العهد القديم لا يزال ينظر قدماً إلى أداء العمل المسياني، من الطبيعي أن تأتي أولاً أيام العمل التي تصب في هذا الاتجاه، وفي هذه الحال، يقع يوم الراحة في نهاية الأسبوع. أما نحن تحت العهد الجديد، فننظر رجوعاً إلى العمل الذي كان قد أكمله المسيح. لذا، نحتفل أولاً بالراحة التي كان المسيح مبدئياً قد أمنها لنا، هذا مع كون السبت لا يزال علامة تنظر قدماً على الراحة النهائية في آخر الأيام. كان على شعب الله في العهد القديم أن يرمزوا من خلال حياتهم إلى التطور العتيد للفداء. من هنا، كان على أسبقية العمل ونتيجته الراحة أن يجد تعبيراً له ضمن روزنامتهم. أما كنيسة العهد الجديد فليس عليها تتميم هكذا عمل رمزي، ذلك لأن الرموز قد تمت.
لكن عندها حدث تاريخي عظيم عليها تذكره، إنجاز العمل بواسطة المسيح، ودخوله هو وشعبه من خلاله، حالة الراحة التي لا نهاية لها. نحن يفوتنا إدراك بما فيه الكفاية، الأبعاد العميقة التي كانت لدى الكنيسة الأولى بشأن الأهمية العظمى لظهور المسيا، ولا سيما لقيامته. لم يكن هذا الحدث الأخير في نظرهم أقل من إحضار خليقة جديدة، الخليقة الثانية، فشعروا بضرورة التعبير عن ذلك من خلال جعلهم السبت مقابل أيام الأسبوع الأخرى. عرف المؤمنون أنفسهم أنهم، إلى حد ما، شركاء في تتميم السبت. إن كان أحد أعمال الخلق يستلزم تسلسلاً معيناً، فعمل الخلق الآخر في هذه الحال يستلزم تسلسلاً آخر.
[9] Nicholas T. Wright, The Resurrection of the Son of God (Minneapolis, 2003), 717.
[10] يشير “غنثر بوونكام”، مثلاً، على تعداد بولس لظهورات المسيح المقام في 1كورنثوس 15: 3-7 على أنها “النص الفصحي الأقدم والأكثر موثوقية… والذي كانت قد جرت صياغته قبل بولس بوقت طويل”. يصرح بشأن هذه “الصيغة القديمة” أنها تبدو أشبه “بسجل رسمي”.
(Jesus of Nazareth [New York: Harper and Brothers, 1960], 182)
راجع أيضاً” ولفهارت بانتبرغ”.
Jesus – God and Man (Philadephia: Westminster, 1968), 90, 91.
هذه النظرة المقبولة على وجه العموم، جرى تناولها بشكل مميز في الكتب التالية:
George E. Ladd, “Revelation and Tradition in Paul,” in Apostolic History and the Gospel, eds, W. Ward Gasque asn Ralph P. Martin (Exeter: Paternoster, 1970), 233, 30, particularly 244, 25; Grant R. Osborne, The Resurrection Narratives: A Redactional Study (Grand Rapids: Baker, 1984), 221 -25; and Gary R. Habermas, Ancient Evidence for The Life of Jesus (Nashville: Thomas Nelson, 1984), 124-27.
[11] يكتب “رودلف بلتمان” ما يلي: “ليست القيامة بحد ذاتها حدثاً من التاريخ الماضي. كل ما بإمكان النقد التاريخي إقراره هو حقيقة كون التلاميذ الأوائل آمنوا بالقيامة”
“New Testament and Mythology” in Kerygma and Myth, ed. Hans-Werner Bartsch [London: Spck, 1972], I, 42].
بالمقابل، “دونالد غثري” هو على حق بالكامل في إصراره عند هذا الحد على تفسير “إيمانهم الفصحي” هذا: “تنشأ فوراً الحاجة الملحة لتفسير “حدث نشوء الإيمان الفصحي”. إن واقع تشكيك “بلتمان” بأهمية البحث التاريخي في الأساس وراء الإيمان المسيحي، ينفي إمكانية عرض تفسير مرض لأي حدث، سواء أكان القيامة بحد ذاتها، أو نشوء إيمان الفصح. فالواحد بينهما لا يختلف في موقعه عن الآخر. إن نشوء الإيمان يستلزم نشاطاً خارقاً وفوق الطبيعية بالمقدار عينه للقيامة نفسها، وبالأخص بما أنها نشأت في أصعب الظروف”.
(New Testament Theology [Leicester: Inter-Varsity, 1981], 183).
[12] الكلمات الفعلية التي اعتمدها “بلتمان” في هذا السياق هي التالية: “لعل باستطاعة المؤرخ، إلى حد ما، تفسير ذلك الإيمان في ضوء تلك العلاقة الشخصية الحميمة بيسوع، التي كان التلاميذ يستمتعون بها إبان حياته الأرضية، وبذلك نحصر ظهورات القيامة بسلسلة من الظهورات الشخصية وغير الموضوعية” (Kerygma and Myth, 42).
[13] “المامبسيمس” هو الشخص الذي يتمسك برأيه بعناد، بالرغم من أوضح الدلائل على كونه على خطأ هذه اللفظة بالإنجليزية أول ما وردت عام 1530 في كتاب “وليام تندايل” The Practice of Prelates (“ممارسة الأساقفة”). يبدو أن راهباً إنجليزياً من القرون الوسطى، كان قد أصر على استخدام جملة من الافخارسيتا اللاتينية بطريقة مغلوطة إما لأنه كان أمياً وإما لكون نسخته من الطقس كانت قد نقلت مشوبة بالأخطاء. فعوضاً عن كود، إن أور سامبسيمس، بمعنى “ما تناولناه داخل الفم” كان يقول كود إن أور مامبسيمس، هذه العبارة الخالية من أي معنى. ما يجعل خطأه محفوراً في الذاكرة، هو ما قاله لدى تصحيح لغته اللاتينية. فحسب “ريتشارد بايس” عام 1517. والذي أصبح فيما بعد عميد كاتدرائية مار بولس في لندن، صرح الراهب بالقول: “تلوت الإفخارستيا بهذه الطريقة على مدى أربعين سنة. لن أبدل مامبسيمس القديمة عندي بـ سامبسيمس الحديثة التي عندكم”.
[14] Michael Goulder, “Jesus, The Man of Universal Destiny” in The Myth of God Incarnate, edited by John Hick14 (Philadelphia: Westminster, 1977), 59.
[15] Gerd Ludemann, The Resurrection of Jesus: History, Ecperience, Teheology, translated by John Bowden (Minneaplis, 1994).
[16] George E. Ladd, “The Resurrection of Jesus Christ” in Christian Faith and Modern Theology, edited by Carl F. H. Henry (Grand Rapids: Baker, 1964), 270-71.
[17] Bornkamm, Jesus of Nazareth, 184-85.
[18] Bornkamm, Jesus of Nazareth, 183.
لكن على القارئ تذكر أن “بورنكام” يتبنى فكرة أن ظهورات يسوع بعد القيامة، كانت بمثابة رؤى مرسلة من السماء، وليست بطبيعتها مادية.
[19] Wilbur M. Smith, “Resurrection” in Baker’s Dictionary of Theology (Grand Rapids: Baker, 1960), 453.
في سفر الأعمال الذي كتبه لوقا، “دم” المسيح مذكور مرة واحدة، وذلك في سياق كلام بولس إلى شيوخ أفسس (20: 28)، كما أن حقيقة “مقتل” يسوع مذكورة مرة واحدة (3: 15)، وحقيقة “صلبه” مرتين (2: 5؛ 4: 10). أما الخشبة التي مات عليه فمذكورة ثلاث مرات (5: 30؛ 10: 39؛ 13: 29) فيما لا ذكر على الإطلاق “للصليب”؛ بالمقابل، قيامته مذكروة 10 مرات. وحقيقة كونه “أقيم” في الجسد من الأموات، مذكروة 14 مرة. كما أن الشهادة الرسولية لحقيقة قيامته في الجسد من الأموات وانعكاساتها.
[20] راجع تفسيري لهذا النص في كتابي
Jesus, Divine Messiah: The New and Old Testament Witness (Ross – shire, Scotland: Mentor, 2003), 372-84.
ترى مَن هو ذلك الشاب – لو صحّ هذا التعليل الذي ذهبنا إليه – الذي سبق النسوة إلى القبر، وشاركهنّ اختباراتهن في ذلك الفجر المأثور في التاريخ لعلّنا لا نعرف. فإن إذا كان مرقص البشير قد أخفى اسمه، فلأسباب وجيهة. على أن في هذا الموقف فكرة أجرؤ على أن أبديها، وهي تحتمل كثيرً من الدرس والتمحيص.
ولو فكّر القارئ ملياً في الآيات الثماني الأخيرة من بشارة مرقص (فصل 16 آية 1: 8) ذاكراً أنها أقدم الروايات عن الحادث، يجد نفسه متأثراً بحقيقة بارزة – أعني بها خلّو القصة من أي تصريح أو تلميح إلى كيفية دحرجة الحجر من تلقاء ذاته. فإن ستاراً كثيفاً يُسدل فجأة على ختام الدفن في العصارى يوم الجمعة، ولا يُزاح إلاّ في فجر الأحد حين يُقال إن الحجر قد دُحرج. فلماذا هذا؟ ألم تعرف الكنيسة شيئاً حتى سنة 58 ب.م. عما حدث في تلك الفترة العصيبة، أم أن مرقص كتب روايته تحت ضغط كثير من التحفُّظ التمنُّع؟
هذه نقطة جديرة بالتفكير، لأن هذا التحفّظ نفسه في الإشارة إلى علّة دحرجة الحجر يبدو واضحاً في الروايات الأخرى التي رواها لوقا ويوحنا. فيقول لوقا:
“ثم في أول الأسبوع أتين (أي النسوة) إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه. فوجدن الحجر مدحرجاً عن القبر. فدخلنَ ولم يجدنَ جسد الرب يسوع”.
ورواية يوحنا لا تقل عن هذه غرابة وتحفظاً:
“وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر والظلام باق. فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر، فركضت….”.
وفي كلتا الحالتين يجيء النسوة إلى القبر، يجدن الحجر مدحرجاً، دون أن يشير البشيرون إلى كيفية حدوث ذلك. أما حين نقرأ رواية متى، نراه يقول إن ملاكاً نزل ورفع الحجر عن القبر.
والشيء المهم في الأمر حين نقرأ كتابات الأبوكريفا غير القانونية، لا نجد أي تلميح إلى أن السيد نفسه هو الذي رفع الحجر بيده، بل أجمعت كلها على أن الحجر دُحرج من تلقاء نفسه، أو أن كائنات علوية هي التي نزلت ودحرجته. ولسنا نجد في أية رواية إشارة إلى أن يسوع نفسه هو الذي دحرج الحجر.
فلماذا لم يقل أحد أن السيد نفسه، بقوته واقتداره، أزاح الحجر وأطلق نفسه من قيود القبر؟ ولماذا أجمعت كل الوثائق التي تصدّت إلى هذه القصة على أن الحجر قد دُحرج من الخارج، إما بيد ملاك أو بقوة غير منظورة؟
أراني هنا أمام حقيقة تاريخية بعيدة الغور عميقة المعنى – حقيقة ألحّت على كل كاتب وحملته أن يتخذ سياقاً آخر في حديثه. فإن دحرجة الحجر لم تُعْزَ إلى قوة الرب المقام، لأنه كان في أورشليم أناس وقفوا على بواطن الأمور التي حدثت في ساعات الظلمة التي سبقت بزوغ فجر يوم الأحد. وهذه الحقائق التي عرفها الناس حالت دون الافتراضات والمزاعم. وللتدليل على ذلك لا مندوحة من الرجوع مرة أخرى إلى قصة الحراس الغريبة المبتذلة.
بيّنتُ فيما سبق أن الكهنة ذهبوا إلى بيلاطس عصارى يوم السبت أو بعد الغسق ليلتمسوا منه أن يقيم على القبر حرّاساً – وهو تحّوط مرغوب فيه لأن رجال الشرطة خشوا أن يتطور موقف الجماهير بعد أن تزول موانع السبت وتعود إليهم حرّية العمل والقول – ولكن بيلاطس رفض هذا الطلب كما يشير إلى ذلك صراحة البشير متى. فلم يكن أمام الكهنة إلاّ مخرج واحد، وهو أن يعهدوا إلى حرس الهيكل بمهمّة الحراسة.
وهذه الحقيقة تبدو لنا بارزة في أسلوب الضمان الذي قيل إن الكهنة أتحفوا به الأفراد الذين كُلفوا بالحراسة، حيث قيل على لسان الكهنة حين علموا بخلو القبر: “وإذا سُمع ذلك عند الوالي فنحن نستعطفه ونجعلكم مطمئنين”. وإذا كان الحراس من الفرقة الرومانية، وممن أقامهم بيلاطس كما كان يُظن، فإن هذا الضمان يبدو سخيفاً بعيداً عن المنطق كل البعد، لأن عقوبة النوم في وقت أداء الواجب كانت الحكم بموت الجندي. ولم يكن في مقدور حنّان، ولا قيافا، ولا أي فرد آخر من زعماء اليهود، أن يحمي جندياً واحداً من غضب روما.
على أنه كان في سلطة قيافا بحكم وظيفته كنائب رئيس الكهنة، وصاحب الكلمة العليا في تقرير الشؤون المدنية في اليهودية، ان يحمي رجال جنده الذين رضخوا لأمره في حادث قيل أن الوالي الروماني نفض يده منه وفوض الأمر فيه إلى السلطات اليهودية. والعبارة القائلة “وإذا سُمع ذلك عند الوالي….” تبيّن عدم إمكان حدوث شيء مثل هذا.
على أن هناك دليلاً آخر أهم وأوقع يثبت صدق القصة التي دونتها الأسفار من ناحيتها التاريخية. وهذا نجده في كلمات الكهنة الأخيرة: “قولوا إن تلاميذه أتوا ليلاً وسرقوه ونحن نيام”.
تُرى ما ضرورة هاتين الكلمتين في وثيقة مناصرة للمسيحية ذاعت في طول فلسطين وعرضها، لو لم تكن تمثّل أمراً واقعاً وحقيقة فعلية في التهمة الأصلية؟ لنفرض جدلاً أنه كان لقصة إقامة الحراس عند القبر قيمة دفاعية في نظر المسيحيين الأولين، لأنها جعلت من العسير على النقّاد المنصفين أن يصدقوا خطف الجسد.
غير أن قوة هذا الدفاع إنما في بقاء الحراس ساهرين، ولم يكن للمسيحيين أدنى فائدة في حراس نعسوا إثناء الحراسة، بل إن هذه الدعوى تضرُّى بدفاعهم ضرراً بليغاً. فلماذا إذن ذكرت القصة هذه الإشارة الغريبة إلى نوم الحراس، لا في متن التهمة فقط، بل في القصة المسيحية التي روت الحادث؟
أعتقد أن حَرج الموقف ومنطق الحوادث، لم يتركا منفذاً للكهنة، لأنهم عجزوا عن الجهر بالحق كله. وقد يكون حقاً أن الحراس ناموا فعلاً من فرط الإعياء بعض الوقت في تلك الليلة المأثورة. وليس هذا بعيد الاحتمال حين نذكر أن الحراس جُردّوا على عجل من فرقة شرطة الهيكل الذين ظلوا يعملون دائبين بلا انقطاع منذ ساعة القبض على المتهم في يوم الخميس الفائت.
فضلاً عن أن السهر على حراسة بستان مهجور خارج أسوار المدينة في ساعات الظلمة، وفي ليلة من ليالي شهر أبريل، وبعد جهاد طويل لا راحة فيه، كان عملاً مملاً لا لذة فيه. وهم لم يروا أي أثر لطارق ليلي، فلا عجب أن يدركهم النعاس بعد مرور ساعات مضنية طوال.
ونحن لا نقد أن نستوثق من حقيقة الأمر، فليس بين أيدينا من الوثائق ما يحملنا على الجزم بقول. على أن هناك تلميحاً في وثيقة غامضة منسيّة، تلميحاً له عندي فيما أعتقد وزنه وقدره. جاء هذا التلميح في أثر قديم من الأسفار غير القانونية لم تبقَ منه إلاّ جُمل مبعثرة – وهو المسمى بإنجيل العبرانيين. وقد ورد بتلك الوثيقة نصّ يصف كيف ظهر يسوع بعد قيامته لأخيه يعقوب. وإليك هذا النص حرفياً:
“وبعد أن سلّم الرب ثياب الكتّان إلى خادم الكاهن، ذهب وظهر ليعقوب (لأن يعقوب هذا كان قد حلف ألاّ يذوق خبزاً من تلك الساعة التي شرب فيها من كأس الرب حتى يراه قائماً من بين الراقدين). ثم أخذ خبزاً وبارك وكسر وأعطى ليعقوب قائلاً: كُلْ خبزك يا أخي لأن ابن الإنسان قد قام من بين الراقدين”.
تُرى ما الذي يسترعي نظرنا وفكرنا في هذا العبارة الغريبة؟ أول كل شيء أن الواقعة التي تتحدث عنها يؤيدها دليلان تاريخيان، مستقلٌّ كل منهما عن الآخر. أولهما أن يعقوب هذا أخا يسوع، على الرغم من عدائه في أول الأمر، انضم إلى حظيرة الكنيسة، واستُشهد في سبيل نصرتها، على قول يوسيفوس المؤرخ الشهير.
والثاني ذلك الصوت الداوي الذي تردد صداه مدى الأجيال المنبعث من فم بولس الرسول قائلاً: “ظهر ليعقوب”. واتفاق هذه الدليلين يخلعان على العبارة التي أوردناها من إنجيل العبرانيين معنى خاصاً.
تُرى ما التعليل الصحيح لهذه العبارة المستغربة التي تقول إن يسوع سلّم “ثياب الكتّان إلى خادم الكاهن”. أهي محـض اختلاق، أم فلتة من فلتات الخيـال، أم نحـن أمام ذكرى من الذكـريات الغامضة لتفاصيل ما وقع في تلك الليلة؟ وهنا أرجو ألاّ يتسـرع القارئ في الإجابة قبل التفكير.
وإن كان هناك شيء في العهد الجديد لا يمكن لأية قوة أن تتحداه، فهو حقيقة ظهور المسيح مرات بعد موته، فلا يمكن أن تكون هذا الظاهرة الرائعة من نسج الخيال، بل أنها تعبّر عن قوة عظيمة خفيّة لم ندركها بعد، والتعليل الوحيد لها أن يسوع ظهر بشخصه فعلاً لتلاميذه أكثر من مرة.
ويدور في فكر، لا أستمده فقط من العبارة المفردة في إنجيل العبرانيين، يوعَز إليَّ أنه عند انبثاق الفـجر في ذلك البسـتان الهـادئ حـدث أمـر حمل أحد الحراس على أن يوقـظ زملاءه على عجل ليروا القبر وقد يكون ذلك الحـادث حفيفاً بين أوراق الشـجر، أو قرقعة باب حمل النسيم صوته، بل قد يكون شيئاً خارقاً أشبه بما حدث فيما بعد لبولس فأذلّه وألان روح عناده وعجرفته “ظهر لصفا…. ثم للاثني عشر…. وظهر ليعقوب…… وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا”.
فهل ظهر أيضاً أول ما ظهر إلى “خادم الكاهن” أي حارس الهيكل الذي أقامه اليهود على القبر؟
إن صحّت هذه الفكرة، فنكون قد عثرنا، ونحن لا ندري، على الجواب الصادق لسؤال من أعمق الأسئلة التي شغلت أفكار الكنيسة من عهد الآباء الأولين حتى اليوم – وهو لماذا وثق التلاميذ وثوقاً راسخاً من أن القيامة وقعت في الساعات الباكرة من صباح الأحد؟
“…… تألم على عهد بيلاطس البنطي، وصُلب، ومات، وقُبر، وقـام أيضاً في اليوم الثالث….”
هذه عبارة قانون الإيمان القديم، وما من شك أنها تستند إلى أساس تاريخي متين، تأصلت جذوره في أعماق الحق والتاريخ.
والآن ما سرّ هذا القبر الفارغ المختوم؟ سـؤال يسـتحثُنا للإجـابة عليه، وهو ما سـأعالجه في هذا الفصـل.
في هذه القصة أشياء تؤثر فيَّ أعمق تأثير، وهي ليست من الأشياء الثانوية التافهة التي يمكن إغفالها او التغاضي عنها، ولكنها أشياء تمسُّ المشكلة في الصميم. ولست أؤمن، ولا يسعني أن أؤمن، أن جسد يسوع الناصري رقد في بستان يوسف الرامي في أية فترة من الزمن معاصرة لقومة المسيحية ونشأتها الأولى.
وإذا استطاع إنسان أن يدلّنا على وثيقة واحدة من وثائق العصر الأول التي عالجت صلب يسوع ودفنه، تُلمح ولو من بعيد، إلى أن الجسد كان ثاوياً في القبر، فأنا من جانبي لا أتورّع عن أن أقيم لهذا التلميح وزناً، فهو تكأة، وإن تكن هزيلة مرضوضة، يقوم عليها بعض الشك، على أن الوثائق كلها شديدة الصلابة قوية الإجماع على صدق هذا المظهر الخارق الذي تبدّى للعيان في فجر يوم القيامة.
وسواء رجعنا إلى بشارتي متى ولوقا من بشائر الإنجيل، أو إلى ما يسمونه بشارة بطرس غير القانونية خارج الإنجيل، أو إلى بشارة يوحنا أو وثيقة عمواس التي بقيت من آثار لوقا، أو بشارة مرقص أقدم أسفار الإنجيل – في هذه كلها نصطدم بشهادة قوية ثابتة تدلّ على اختفاء الجسد. ولو كان الأمر عكس ذلك، ولو أنه طُلب إلينا أن نؤمن بشيء أنكرته الوثائق كلها التي بقيت على الأجيال.
لما تردّدنا في التشبُّث بهذا الإنكار واتخاذه دليلاً قوياً لا سبيل إلى تفنيده. على أن بين أيدينا وثائق ومؤلفات من مصادر عدّة تناولناها من عصور بعيدة، وكتبها أشخاص تفاوتت أمزجتهم، ومن وجهات نظر مختلفة، عن سير الحوادث – وليس فيها مطلقاً أي تلميح أو تصريح يغاير الحقائق التي أثباتها مرقص في بشارته، وهو أول رواة هذه القصة وأسبقهم في التاريخ. ولست أشك أن هذا الإجماع الصارخ من جانب الكُتّاب والمؤلفين يلقى ما يستحقه من التقدير لدى كل باحث منصف.
على أن هناك آخر أبعد غوراً من هذه الشهادة التي أجمع عليها هذا الإجماع الرائع كل الكتّاب والمؤلفين. ولست أدري كيف يقدر أبرع النقاد المحدثين على مواجهته دون أن يعيروه شيء من الاضطراب والقلق الفكري، وأعني بذلك صمت الآثار صمتاً رهيباً عن الإشارة إلى قبر يسوع في التاريخ اللاحق لموته.
وإنه لغريب حقاً أن يصمت علم الآثار هذا الصمت الطويل الرهيب إزاء بقعة كان لها بلا شك قدسية وحرمة في نفوس ألوف من الناس خارج دائرة المؤمنين المسيحين أنفسهم. ألم يوجد وقتها من يرمق بعين التوقير والاحترام القبر الذي ضمّ بين جنباته جسد أعظم معلم عرفه شعب إسرائيل بعد عصر الأنبياء؟
ألم يكن لأمثال يوسف الرامي، ونيقوديموس الحبر اليهودي، نظائر واخوان بين الجماهير العاملة التي زحمت يوماً ما سفن الصيد في بحيرة الجليل، وعجّت بهم من قبل طرقات كفرناحوم وقانا والناصرة؟ لا شك أنه إلى جنب كل امرأة أو رجل وقع تحت تأثير التلاميذ، مائة غيره أو غيرها ممن لم تخطر بأذهانهم فكرة عن القبر، ولكن قلوبهم تثقّلت بالأسى والشجن والتفجع إزاء موت المسيح المكبر قبل الأوان.
ومع كل هذا فإنك تنقّب عبثاً عن إشارة أو تلميح أو همسة تستخلص منها أن سيلاً من الحجيج دلف إلى ذلك القبر الصامت في خلال السنوات الأربع التي نادى فيها المسيحيون بعقيدتهم الغريبة داخل أسوار مدينة أورشليم. ولسنا نسمع أي صدى خافت لجدل أو حوار بين الكثيرين الذين عرفوا الحقائق كما هي، ولا بين القليلين المضللين الذين نادوا بما لا يؤمنون به. فتُرى لماذا تبقى على الزمن ما نتخيله أغرب عقائد المسيحية وأبعدها عن التصديق، دون أن تترك وراءها أثراً لنظرية تباينها، كنا ننتظر بحكم المعقول أن تطغى عليها وتنتصر دونها؟
بل خذ المشكلة من وجه آخر ودُرْ حولها كيفما شئت: وهنا أطلب إلى القارئ الكريم ان يجلس في هدأة غرفته ويفكر تفكيراً رزيناً جدّياً في مسألة لها مع بساطتها قدرها العظيم: لماذا صادرت أورشليم ذاتها مركز القيادة لهذه الدعاية الغريبة عن القيامة، والي قُدّر لها فيما بعد أن تُذاع في أقصى أطرف الإمبراطورية الرومانية؟ لماذا فُضِّلت أورشليم على كفرناحوم أو الناصرة مثلاً؟ وهناك أسباب لا حصر لا تحملنا على الظن أن أسطورة واهية مثل قيامة يسوع بالجسد – هذا على فرض أنها أسطورة – كانت تلقى مرتعاً خصيباً في ربوع الجليل الطيبة اللينة، ولكنها تذبل في المنطقة التي كان بها القبر الحقيقي؟
وغير خافٍ أن أورشليم كانت دائماً معادية للمسيح، ناقمة عليه رافضة له، بينما كان الجليل موطنه الذي حَنا عليه ورحب به. والذين أحبوه أشد الحب، وبكوه أمرّ البكاء، هم الذين استوطنوا هذا الإقليم الضاحك الباسم، وما انقضت أربعة عشر يوماً على حادثة الصلب حتى كان بطرس وأندراوس وغيرهما من الصحابة الرسولية قد هرعوا إلى شطئان تلك البحيرة حنيناً إلى صناعتهم القديمة الشريفة.
ولنماشِ أصحاب المزاعم ونفترض جدلاً أن رؤيا سيدهم قد لاحت لواحد منهم او ربما لكلهم. فلماذا لم تنشأ جماعة المؤمنين هذه – التي كان أساس إيمانها الرؤى والأحلام! – في الجليل، وتضرب أصولها العميقة في تلك الأرض الطيبة اللينة، في ذل الإقليم الذي كان موطن يسوع الروحي، والذي دوت في ربوعه تعاليمه، وسرى فيها سحر شخصيته؟ لماذا ينجذب كل الذين سحرتهم هذه الفورة إلى أورشليم انجذاب الفولاذ إلى المغناطيس؟ ولماذا تزهر هذه العقيدة غير المعقولة في الوسط الذي أُنكرت فيه، وتتأصل وتتماسك أمام الذين افتروا عليها وجحدوها؟
ليس لهذه الأسئلة إلاّ جواب واحد، هو الذي يتماشى مع الإجماع الرائع في القصة ومع منطق الحوادث التاريخية ومطاليبها – هو أن قصة زيارة النسوة الحقيقية التي لا كذب فيها – قصة تروي الوقائع عارية، وتمثل حقائق التاريخ أصدق تمثيل في أبسط عبارة.
وحين نقبل قصة النسوة واقعة تاريخية صادقة، لا أسطورة مختلقة في عصر متأخر، نتميز بين ثنايا رواية مرقص مميزات خاصة تدمغها بطابع الصدق والحق:
انظر أولاً إلى شخصيات النسوة اللواتي زُرن القبر: كنا نحسبه غريباً حقاً ألاً يفكر أحد في أداء الواجب الأخير لصديق كريم ودود مثل المسيح. وكنا نحسبه أغرب من هذا لو أن الباكين عليه كانوا من غير النساء، أو غير اللواتي ذكرت القصة أسماءهن. والحق أن هؤلاء النسوة بالذات يناسبنَ الموقف أتمّ مناسبة، لأن يسوع كان سيدهنّ ومعلمهنّ، وكنّ له تابعات مخلصات.
فلو كان قيل لنا أن كلوديا بروشلا، أو لعازر، أو حتى نيقوديموس، هم الذين قاموا بهذه الزيارة الخفيّة للقبر، لكنا نرتاب في الأمر بعض الريبة، إذا انتفت الأدلة القوية التي تسند القصة. ولكن مَن كان أولى بهذه الخدمة الأليمة على النفس للزعيم المائت من أمهات صحابته، والمرأة التي انتشل حياتها من وهدة البؤس والشقاء؟
أجل، حين نقبل هذه القصة حقيقة تاريخية، نراها مؤسسة على دعائم صلدة، هي دعائم الإختبار البشري المحض.
ونظرة أدقّ إلى القصة نستبين منها صدقها إذا حسبناها واقعة تاريخية، وبطلانها إذا اعتبرناها أسطورة مختلقة. فإن البشير مرقص يقول إن النسوة هربنَ مهرولات بعد اللقاء الذي أفزعهنّ عند القبر، والأسلوب الذي يوصف به هذا الهرب يدل على ذعر وهلع: “خرجن سريعاً وهربن من القبر لأن الرعدة والحيرة أخذتاهنّ، ولم يقلن لأحد شيئاً لأنهن كنّ خائفات….
ولسنا نعرف الكلمات التي ختم بها الكاتب هذه العبارة، لأن هذا الأثر الشهير الخالد ينقطع فجأة عند هذا النقطة. على أنه مهما تكن الألفاظ الختامية فإن المعنى واضح من سياق الكلام. فالنسوة قد قررن فيما بينهنّ – بعد أن شهدنَ الدفن عصارى يوم الجمعة – أن يقمنَ بواجب التكريم والمحبة نحو يسوع في الصباح الباكر من يوم الأحد. وكانت زيارتهن خفية. ويرجع بعض هذا التستُّر إلى أن البستان كان ملكاً خاصاً كما هو المرجح. والأغلب أنهم كنّ خائفات من الكهنة وزعماء اليهود. وإنكار بطرس لسيده في فناء رئيس الكهنة أقرب دليل على الخطر الذي كان يتعرض له مَن تربطه صلة – ولو من بعيد – بصحابة ذلك الناصري، في تلك الساعات العنيفة الجامحة التي أُطلقت فيها الشهوات والنزوات عن عقالها.
بدأ النسوة السير حسب تدبيرهنّ السابق قبيل الفجر، في ساعة يقلُّ فيها المارة ويخلو البستان حسب تقديرهنّ. ولم يكنّ يتوقعن أي شيء خارق للعادة. انحصر كل همهنّ في الحجر الذي عرفن من قبل حجمه، وخشينّ ألا يقدرن على دحرجته. وبعد أن أدار النسوة أبصارهن ذات اليمن وذات الشمال لئلا يكشف أحد أمرهنّ، تقدمن بهدوء نحو القبر، ولكن بعد دقائق معدودات كنت تراهنّ هاربات مهرولات من مدخل البستان إلى الطرق العام.
هذه هي قصة مرقص في عبارتها الصريحة، تصّور واقعة من الحياة أصدق تصوير. وما يعتريها من نقص كأسطورة مختلقة. هو أقوى دليل على صدقها التاريخي. فذُعر النساء ورعبهنّ وعجزهنّ عن الوقوف واستقصاء جليّة الخبر، وتقهقرهنّ السريع وصمتهن الخائف. كل هذه تبدو عناصر غريبة في قصة اختلقها الراوي بعد ثلاثين سنة من وقوع الحادث لإثبات عقيدته. ولكن حين ننظر إليها كحقيقة تاريخية، نحسُّها كنسيم من الحق يهفهف ليناً وادعاً في جو البستان، في ذلك الصباح الرائع في تاريخ الإنسانية.
ونرى في هذه المسألة حقيقتين بارزتين من الحقائق التاريخية اليقينية: أولاهما أن طائفة من النسوة من صحابة يسوع ذهَبن إلى القبر في الساعات المبكرة من صباح الأحد. والثانية أنهن هربن من البستان في حالة من الذعر والهلع. ويخيُل إليّ أننا مضطرون إلى التسليم – بغض النظر عما روته بشارة مرقص – بأن النسوة لقينَ إنساناً عند القبر، وهو ما يعلل اضطراب أعصابهن وفرارهن السريع – فلو كان البستان خاوياً مهجوراً، ولو كنّ قد وجدن فقط القبر خالياً (أو حتى مختوماً ومغلقاً)، لوقفن حائرات مذهولات، ولما هربن خائفات مذعورات. ولكن ظهور إنسان في تلك الساعة المريبة هو الذي صدم أعصابهن فهرولن لا يلوين على شيء. وأرجو أن يقف القارئ عند هذه النقطة متأملاً مفكراً:
وإنه طبيعي أن يضطرب المرء ويجزع حين يلقى فجأة وعلى غير انتظار إنساناً آخر في داخل قبر وفي ساعة مريبة من ساعات الفجر الغابشة. فإن موقفاً كهذا يحفل بطبيعة الحال بشتى الاحتمالات المرعبة. وينشأ عنه ذلك الجزع العقلي والأدبي الذي أشار إليه مرقص في روايته. وغير خافٍ أن هذا الزيارة إلى القبر كانت مجازفة خطيرة حافلة بكل أنواع المخاطر، ولم يقع اختيار النسوة الأمينات المخلصات على ساعة الفجر صدفة واتفاقاً، ولم يكن ذكر الرواة لها تدبيراً مفتعلاً لحبك القصة، إنما كانت الفرصة الذهبية السانحة لهنّ، وكل دقيقة تمضي بعد شروق الشمس تجعلهن أكثر عُرضة للخطر. ومن بدء الأمر خاف النسوة لئلا يراهنّ أحد، وهذا هو المعنى الذي تحمله رواية البشير مرقص.
إذن نقف الآن وجهاً لوجه أمام حقيقة شائقة حقاً، ونرى القصة كيفما قلّبناها تشعّ بنور الحق والصدق. وأنت إذ تقرأها لا تحسها قصة مبتكرة كُتبت بعد سنوات طوال لتسند النظرية المسيحية عن القيامة، بل تتمثلها ذكريات صريحة أصلية عن حدث وقع فعلاً. الحق أن القصة كما دُونت في بشارة مرقص، ذلك الأثر القديم الخالد، ليست إلاّ من الحقائق التاريخية المحضة، ولن نفهم مشكلة القيامة فهماً صحيحاً حتى ندرك أن قصة مغامرة النسوة في الذهاب إلى القبر كما روتها تلك الوثيقة التاريخية القديمة تمثل أصدق تمثيل الوقائع التي جرت، لا من حيث ذهاب النسوة فقط وهربهن عند رؤية شخص آخر هناك، بل أيضاً من حيث أن المكان الذي ذهبنُ إليه هو القبر الأصلي الذي وُضع فيه جسد يسوع.
والذي أرجوه أن يخلو القارئ بنفسه إلى مكان هادئ ويفكّر في الأمر ويستخلص ما يجره إليه تفكيره من نتائج منطقية. وليذكر قبل لكل شيء أن كل الفروض والمزاعم التي أثارها ألدّ أعداء المسيحية وأصلب النقّاد عوداً، ممن حاولوا تعليل مظاهر القيامة من أقدم العصور – كلّهم قد افترضوا أساسياً، هو خلّو القبر الأصلي من جسد المسيح.
ومن الغريب أيضاً أنه لم يفكّر أحد في أن يواجه صحابة يسوع – وخصوصاً النسوة – بذلك الإنسان الذي عرف يقيناً ما حدث، لأنه كان هناك شاهد في البستان في صباح ذلك اليوم. فإن كان ذلك الشاب الذي تخيّله النسوة في البستان هو البستاني، فلماذا لم يُسأل، وعنده الخبر اليقين لأنه شاهد عيان؟ فإنه ليس معقولاً أن يذكر مواجهته لثلاث من النسوة المذعورات في ساعة كهذه غير منتظرة، وللغرض الذي جئن من أجله.
أجل، كان هناك الشاب الذي يمكن له أن يدلي بالقول القاطع. فهل يجوز لنا أن نتصور – مع وجود هذا الدليل – أن أعداء صحابة المسيح، وهم كثيرون، يغفلون عن مثل هذا التفكير، ويفلت من أيديهم دليل حاسم كهذا؟
لا نظن ذلك. وهذا الجواب وحده كافٍ لدحض النظرية القائلة إن النسوة أخطأن في التعرف
إلى القبر. وحسبُ القارئ أن يفكّر في السنوات الأربع التي نشطت فيها الدعاية فلقيت نجاحاً باهراً، وأن يفكّر في المناقشات الأسبوعية والمنازعات الجدلية في مجامع اليهود، وفي الحوار والنقاش بين الأفراد عن حقيقة المسيح أهو المسيا أو غيره، وأن يفكّر في الصدوقيين ذوي الكرامة والمقام الرفيع الذين لم يألوا جهداً في كبح جماح الدعوة وطمس معالم القضية، وفي قوة المقاومة التي ثارت فجأة يغذيها عقل منطقي جبار وعزيمة عنيدة صلبة. هو عقل شاول وعزيمته….
حَسْبُ القارئ أن يفكر في هذا الأشياء التاريخية البارزة، ثم يفكّر أن الدليل الذي كان في مقدوره أن يقضي على كل هذه الفقاقيع، لا يبعد أكثر من نصف ميل يقطعه الكهنة لاستنطاق البستاني!!!
وأنا مقتنع شخصياً أنه لم يكن مستطاعاً لأية جماعة من الرجال أو من النساء، تنادي في أورشليم بتعليم منطوٍ على خلّو القبر، ما لم يكن ذلك القبر خالياً حقيقة. فالحقائق كانت كلها قريبة إلى الأذهان، والقبر كان ملاصقاً للحياة التي عجّت بهذه الدعوة الغريبة. ولم يكن في مقدور أية وسيلة من وسائل الإقناع في العالم أن تشتري هذا الصمت الرهيب الذي التزمته الآثار والعاديات، ولا ذلك الإجماع الرائع المؤثر الذي نلمسه في الوثائق التاريخية. وليس يقدر على الظفر بهذا كله إلاّ الحق الأبلج في صراحته وبساطته.
وأريد هنا أن ينتبه القارئ أيضاً إلى نقطة غريبة مليئة بالمعاني في القصة، ما أظن أنها لقيت من الرعاية والتفكير ما تستحقه. تلك هي حادثة الشاب الذي قيل عنه في رواية البشير مرقص إنه أفزع النسوة إذ رأينه داخل القبر. ولم يترك البشير مرقص في روايته شكاً في موضع ذلك الشاب، فلا حاجة بنا إلى أن نسأل أكان الشاب واقفاً على مقربة من القبر أم كان يعمل على مسافة منه، لأن الراوي يقول في صريح اللفظ عن النسوة إنهن “لما دخلن رأين شاباً جالساً عن اليمين”. فكأنه كان محجوباً عن الأنظار، ولم يُكشف أمره إلا حين همّ النسوة بالدخول إلى القبر. ومن هنا كان فزعهنّ وهربهنّ.
ولو كان ذلك الشاب البستاني المعيّن هناك، ولو كان يعمل في تلك الساعة في العراء، لما أقبل النسوة نحو باب القبر، بل كنّ يترددن ويقفن على مسافة منه حتى لا يراهنّ، بل لفكرن في العودة متخفيات متسللات. على أن هذه ليست الصورة التي ترسمها رواية مرقص، فإنها تمثّل فزعاً طارئاً حلّ بهنّ، وذعراً أخذهنّ وهنّ غافلات عند باب القبر، ما لم يكنّ متأهبات له.
وإذا كان عنصر المفاجأة والذعر من مقّومات الصورة التي رسمها البشير مرقص، فماذا عسانا نقول عن مهمة ذلك الزائر، وماذا كان يفعل في ذلك المكان؟ إن داخل القبر المظلم المهجور، لا يصحُّ أن يكون مكاناً يستريح فيه عامل منهوك القوى في ساعة الفجر الباكر.
وإذا كان هو البستاني فماذا كان يفعل داخل القبر، وقد كان في وسعه أن يستريح خارجه في مكان ظليل يستروح نسمات الفجر العليلة؟ وما الحاجة إلى طلب الراحة في جّو القبر الخانق، بعد أن تكون قد بزغت أنوار الفجر من الشرق؟ ليس هناك سبب مفهوم يحمل إنساناً بشرياً عادياً على اللجوء إلى غرفة من غرف الموت الرطيبة وفي ساعة غير منتظرة، إلا إذا كان ذلك الإنسان قد جاء وفي نفسه غرض معين، مسوقاً إلى القبر بدافع قويّ واهتمام شديد.
وما من شك أن هذا الاهتمام الشديد بالقبر ومَن فيه هو الذي يعلل ذهاب الشاب إلى القبر في ساعة كهذه، ثم جلوسه في داخله. وما من شك أن فكرة عنيفة قد ألحّت عليه وهو في ذلك القبر الفارغ، لا سيما حين رأى الأكفان موضوعة في مكانها والجسد ليس ملفوفاً فيها. ونقدر أن نتصوره جالساً مستغرقاً في التفكير في هذه الظاهرة الغريبة، وإذا به يسمع وقع أقدام وهمسات أصوات. وبعد لحظة يقع على المشهد ظل امرأة تطلُّ من الخارج، فيظلم النور الضئيل الباهت المنبعث من الباب، ويخرج الشاب سريعاً ليرى من القادم، فإذا بثلاث نسوة مضطربات يجرين في خوف وحيرة.
وهناك سبب آخر أقوى من هذا يحملنا على اليقين أن المكان الذي زاره النسوة لا يمكن أن يكون إلا قبر المسيح الأصلي. ولا ريب أن مريم المجدلية وصاحباتها قد روين قصتهن عند سنوح أول فرصة حرصاً على سلامتهن وسلامة التلاميذ. ومن السخف والحماقة أن يزعم إنسان أن ثلاثاً من النسوة (بينهن اثنتان قد شارفتا على دور الكهولة) يجزْن اختباراً عنيفاً كهذا، وله أثره العميق في عقولهن، دون أن يقلنَ شيئاً عنه لأقرب الناس إليهنَّ، ولا ريب أن التلاميذ كانوا على علم بالقصة قبل يوم الخمسين المشهور.
وهنا نصطدم بحقيقة لها خطورتها التاريخية العظيمة، وهي أن التلاميذ لم يلجأوا إلى هذه القصة كدليل على قيامة المسيح. فأنت لا تجد كلمة واحدة عن اختبار النسوة في كل عظات يوم الخمسين، يوم بدأت الحركة المسيحية سيرها التاريخي الظافر.
كما أنك لا تجد أية إشارة إلى هذا الاختبار في كل الخطب التي سجلها سفر الأعمال، وكأنما قد تأيد صكُّ الكتمان هذا بذلك الصمت الغريب عن هذا الحادث في رسائل الإنجيل، ومنها رسالة بولس إلى كورنثوس، التي كنا ننتظر أن نجد فيها تلميحاً إلى حادث النسوة عند كلامه عن القيامة.
وإنه لمن الغريب حقاً أن نلحظ في كل هذه المؤلفات والرسائل إغفالاً لهذا الحادث يكاد يبلغ حد التعمد في الإخفاء والكتمان. ومع ذلك فإن لوقا البشير الذي لعب دوره في عمل الكنيسة الأولى، والذي كان رفيقاً لبولس في رحلاته شهوراً طوالاً، عرف القصة لأنه رواها في بشارته. كذلك عرفها مرقص الذي قضى أيضاً مع بولس زمناً.
فما علّة الكتمان الملحوظ لمظهر أخّاذ من مظاهر القيامة، قُدّر له أن يكون فيما بعد من أحب الذكريات المسيحية وأروعها؟ ولماذا نجد قصة النسوة على نقيض ذلك قد احتلت مكانتها الرفيعة عند ظهور كتب السيرة التي وضعها البشيرون وسجلوا فيها الحوادث والأحاديث التي استخلصوها من ذكريات الكنيسة مما نُقش بأحرف من نور على أذهان الأنصار والتابعين؟ أراني أمام تعليل واحد يحلُّ هذا الاشكال حلاً مرضياً مقنعاً:
لنعُد إلى الساعات الأولى من صباح القيامة. وهناك أسباب – لا تخفى عن كل من يقرأ بشائر الإنجيل الكريم بإمعان – تحملنا على الظن أن الرسالة التي حملتها مريم المجدلية إلى المدينة بُعيد الفجر، لم يكن مؤدّاها أن يسوع قام، بل أن الجسد قد نُقل لأسباب لا تعلمها. وهذا هو الذي تشهد به رواية الإنجيل على لسان إحدى النسوة بعد دقائق معدودات من وقوفهن أمام القبر الفارغ.
وهنا نتصور النسوة الثلاث يركضن مهرولات بأقصى سرعتهن، بعد ذلك الاختبار المخيف عند القبر، نحو الطريق العام. وهنَّ لم يكنَّ في سنّ واحدة. فالمجدلية كانت شابة قوية، بينما كانت الأخريات والدتين لرجلين ناضجين في السنّ. فبعد أن بلغنَ الطريق العام، رأينَ أن تتقدم إحداهن مسرعة لإخبار التلاميذ، ويكاد يكون محققاً أن المجدلية هي التي تطوعت لهذه الخدمة لخفة حركتها وصغر سنها، تاركة المرأتين الأخريين تسيران وراءها على مهل. وبعد دقائق من هذا المشهد نقراً عن امرأة لاهثة مضطربة تطرق على باب دار في أورشليم، لتلقي رسالتها التاريخية المأثورة: “أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه”.
تلك كانت الرسالة، التي جاءت بها المجدلية إلى التلميذين بطرس ويوحنا وهي إن دلت على شيء، فعلى يأس ولهفة. ثم أني أميل إلى الظن أن المرأتين الأخريين المتقدمتين في السنّ، بعد أن رجعتا إلى البيت، روتا لصديقاتهما قصة كاملة مما حدث وخاصة عن الزائر الغريب الذي سبقهنَّ إلى القبر. وليس من المستبعد أن يكون قد خطر ببالهن أن ذلك الشاب هو ملاك من السماء. هذا يعلل البيان الصريح في قصة عمواس التي رواها البشير لوقا في قوله:
وهكذا تقضّت الساعات الأولى من الصباح في غمرة من الحيرة والاضطراب والتساؤل حول معنى الحوادث التي جرت في البستان.
ولو أن الأمر انتهى عند هذا الحد، لأتخذ سير التاريخ طريقاً آخر. لأنه لم يكن شك في أن التلاميذ كانوا بطبيعة الحال يقبلون شهادة النسوة كبرهان قوي بعد أن يكونوا قد اقتنعوا أن الرب قام، وكانوا أيضاً يبحثون في هوّية الشاب الذي وُجد عند القبر، بل أن حادث اللقاء الغريب كله في البستان كان يُوضع على بساط الجدل والمناقشة….
على أن الحوادث، حسب قول رواة الإنجيل، قد اتخذت طريقاً غير هذا، فإنه قبل أن ترتفع شمس الضحى، ذاعت إشاعة في طرقات المدينة وأسواقها، من مصادر مسئولة بين حرس الهيكل، مؤداها أن التلاميذ سرقوا جسد الناصري (متى 28: 11-15).
وكانت ضربة ظالمة قاسية هوت فجأة على رؤوس نفر مضطرب من الناس لم يلمّوا شعثهم بعد الهرب في ليلة الخميس. وقد هدّدت هذه الإشاعة الكاذبة سلامة كل من يمتّ بصلة إلى الناصري من قريب أو بمن بعيد. فاضطر التلاميذ في مساء ذلك اليوم أن يجتمعوا خفية وراء أبواب مغلقة. وفي تلك الليلة كما تقول الأحاديث المسندة، بدأ المسيح يظهر لهم من عالم الخلود، في عالم الحسّ والشعور.
ومع الاضطراب الذي اعترى القوم الذين شهدوا هذه الحوادث وسمعوها، فإن حقيقة واحدة تبدو صافية صفاء البلّلور، هي خلو القبر من الجسد. وحين ندرك هذا، نفهم الأسباب التاريخية التي دعن إلى اخماد قصة النسوة والسكوت حيالها.
والذي أراه أن اختبار النسوة لم يُلجاً إليه كدليل في المناقشات التي دارت بين المسيحيين واليهود في ذلك العصر الأول لسببين:
أولهما أن قصة النسوة لا تبرهن في الواقع على شيء ينكره الجانب الآخر. فإنّ كل ما نخرج به من القصة هو أنه حوالي الساعة السادسة من صباح الأحد لم يكن جسد يسوع في القبر حيث وضعه يوسف الرامي، فما فائدة القصة في إثبات واقعة كانت شائعة بين الناس، وقد اتخذها الأعداء مادة لتهمة خطيرة ضد التلاميذ أنفسهم؟
والثاني أن القصة تحمل بين ثناياها نقطة ضعف لقضية التلاميذ، وذلك لأنها تعترف أن فريقاً من صحابة يسوع كانوا فعلاً على مقربة من القبر في ساعة مريبة وفي ظروف تدعو إلى إثارة الشبهات.
ولا يخفى أن في الاعتراف خطراً على التلاميذ في ظروفهم الخاصة. ومن أصول الدفاع السليم في تهمة خطيرة أن يُثبت الإنسان عدم وجوده في المكان والزمان اللذين وقعت فيهما الجريمة. فإذا أُتهم أحدهم مثلاً بجريمة قتل في مدينة القاهرة، واستطاع أن يثبت بالدليل أنه في ساعة ارتكاب الجريمة كان نائماً في بيته في الإسكندرية، أو غائباً في مدينة القدس مثلاً، فمن المرجح جداً أن يُطلق سراحه.
أما إذا اعترف في التحقيق بأنه كان يجول على مقربة من المكان الذي وقعت فيه الجريمة بُعيد وقوعها، وأنه كان يبحث فعلاً عن الشخص المقتول، فإن هذا الاعتراف يقّوي الشبهة ضده ويزيد مصاعب محامية الذي يتولى الدفاع عنه عشرة أضعاف.
هذا هو الموقف، كما أفهمه، الذي كان فيه أتباع يسوع. فلقد أُتهموا علانية بأنهم سرقوا الجسد. ولم يكن من الميسور دحض تهمة كهذه، حتى لو توفّرت لهم حرية القول والظهور بين الناس، فما قولك وقد كانوا مختفين وراء أبواب مغلّقة؟ وكيف يرون من أصالة الرأي، وهم على تلك الحال من الذعر والخوف أمام تهمة شنيعة، أن يعترفوا جهارً أن النسوة منهنّ كنّ عند القبر؟ أليس في هذا الاعتراف تسليم السلاح للخصوم الذين كانوا يذيعون بين الناس أن المسيحيين باعترافهم كانوا يحومون حول البستان في ساعة الفجر، وهذا دليل يثبت عليهم تهمة سرقة الجسد.
وكل باحث منصف في القضية يرى أن الظروف قضت على التلاميذ أن لا يكثروا من التحدث عن زيارة النسوة إلى القبر في ذلك الأسبوع الأول الذي كانت تترصّدهم فيه المخاطر وتبطن لهم الأيام ما كانوا يجهلون من حادثات. ومن الغريب أن تمنّع المسيحيين الأولين عن الإشارة بزيارة النسوة للقبر قد امتدّ زمناً في السنين الأولى من تاريخ المسيحية.
وأنت لا تقرأ الفصول الأولى من سفر الأعمال وبياناتها المفصلة عن الدعاية المسيحية البدائية، إلاّ ويأخذك العجب من اختفاء كل نزاع وجدل في موضوع القبر. ولو كان هناك شك في اختفاء الجسد، لاضطر المدافعون عن العقيدة المسيحية بقوة ضغط الحوادث إلى وضع قصة النسوة في مقدمة الأدلة، وكان عليهم، قبل السير في دعايتهم، القضاء على هذه الشكوك أولاً بكل ما ملكت أيديهم من أدلة الإثبات.
على أن التلاميذ لم تعوزهم الحالة إلى التورط في مثل هذا النزاع العقيم، فإن حقائق القبر الفارغة كانت معروفة بحيث أحسّوا أن حملتهم تلقى أوفر النجاح في أورشليم ذاتها حيث كان القبر الفارغ المهجور. وبهذا هان عليهم (كما يؤخذ من سفر الأعمال) أن يركّزوا جهودهم في الأمرين الجوهريين اللذين شطرا اليهودية شطرين وهما: أن يسوع هو المسيا الموعود به، وأنه قد أُقيم بيمين الله القادرة. ولم يكونوا يستطيعون أن يبلغوا هذا الطور في دعايتهم الأولى، لو لم تكن قد صارت قصة القبر الفارغ حقيقة مفروغاً منها، معلومة للقريب والبعيد.
وهكذا نرى كيف نُسيت قصة مغامرة النسوة إلى القبر إلى جانب الحقائق الجوهرية الأخرى التي قررتها الحوادث. ولم تبق ذكراها إلاّ في عقول النسوة أنفسهنّ، لأنهن هنّ اللائي دبّرنَ القيام بخدمة إنسانية كريمة لجسد سيدهن في ساعة تعرّضن فيها للخطر وسوء المصير. وكانت القصة معروفة أيضاً للتلاميذ أنفسهم، وما من شك أنهم كانوا يتناقلونها في الساعات الهادئة التي كانوا يلقّنون فيها التعليم الجديد للكنيسة الناهضة. وكان من آثار تلقين القصة في كنائس أوروبا وآسيا أن رواها الكُتّاب في بشائر الإنجيل، على أنها وراء إثباتها في السفر المقدس، الحقائق التاريخية الصريحة التي لا تُمارى.
وحين ندرك هذا كله، نستطيع أن نفهم بعض المعنى الذي تضمنته تلك الوثيقة العجيبة التي أطلقت عليها في بحثي اسم بشارة مرقص البدائية. فإنه بعد سنوات حينما أخذت تزول الآمال في مجيء المسيح السريع كما كانوا يتوقعون، وحينما أخذت الكنيسة تستقر في وضعها التاريخي، أحسّ القوم بحاجتهم إلى تدوين الحوادث البارزة في سيرة يسوع وموته. وكانت أولى تلك السير بشارة مرقص الشهيرة. وإن كان كتبها يوحنا مرقص، فهو بلا شك أَوْلَى الناس بكتابة هذه السيرة وخاصة فصولها الختامية. فقد كان من أهل أورشليم، وقضى سني شبابه في فترة من التاريخ عاصفة مضطربة.
ويبدو لنا من دقة سرده للحوادث، وإخلاصه في تسجيل التفاصيل الصغرى – أنه ثقة وحُجّة في حوادث الأسبوع الأخير. فلا يستطيع، إلاّ كاتب واقف على بواطن الأمور وخفايا الحوادث، أن يرسم تلك الصورة البديعة التي انعكست عليها أنوار القمر الفضية في بستان جثسيماني. وفي قصة مغامرة النسوة دقائق وصفية تدلُّ على أن كاتبها يكتب عن ثقة وصدق.
وقد آمن مرقص أن يسوع لم ينبئ مقدماً بموته فقط، بل بقيامته أيضاً. وآمن أيضاً أنه صرّح بهذا قبيل موته في طريقه إلى جثسيماني. وبهذه الأفكار التي اختلجت في عقله، وبالمعلومات التي استقاها من مصادر وثيقة، صاغ قطعة رائعة من الأدب الوصفي التاريخي، وهي تمتاز عن زميلاتها بإيجازها في الموضوع الجوهري، وبصفاء أسلوبها في السرد القصصي.
فهو يصف اليقظة في البستان، والقبض في منتصف الليل، بألفاظ مستندة إلى الحقائق الصريحة، ثم يسرد بيانات رائعة صافية عن المحاكمة أمام قيافا، وسقطة بطرس، والمحاكمة الرومانية، والطريق إلى الجلجثة، والصلب. كل هذا بأسلوب رائع في بساطته، أخاذ في عمق تأثيره، حتى أن القارئ يحسّ، على حد قول أحد كتّاب الإنكليز، أن الحجارة تتدحرج عليه.
ثم يصف كيف ذهب يوسف الرامي، في الساعة التي بلغت فيها المأساة ذروتها، إلى بيلاطس ملتمساً أن يُؤذن له بدفن جسد الميت، وكيف اقتفى النسوة الباكيات الحزينات خطى الرامي ليعرفن موضع الدفن، وكيف أُحكم الحجر الكبير على باب القبر في الساعة التي غًرُبت فيها الشمس. ويصف أيضاً كيف أعدّ النسوة الحنوط والأطياب في فجر الأحد وذهبن إلى القبر.
وفي بحث ما يعقب هذا، ينبغي ألاّ ننسى أن مرقص كان يسجل كتابةً اختبارات يوم القيامة ربما لأول مرة. ولأن قصة النسوة لم تلقَ العناية الأولى بين الدعايات التي نادى بها الرسل الأولون، فقد انفسح المجال لاختلاف كبير في الرأي والعقيدة إزاء ما حدث فعلاً عند القبر. لذلك كانت مهمّة شاقة دقيقة تلك التي تصدّى لها مرقص حين أراد أن يسجل كتابة حوادث تلك الأيام. وقد كان شاباً يافعاً في وقت الصلب، فكان أحد الأحياء الباقين القليلين في الكنيسة الأولى. وهو قد عاش في أورشليم أثناء ذلك الأسبوع الخطير المفعم بالحوادث – وعرف جوهر الحقيقة كما عرفها التلاميذ الأصليون.
إنّه كان من المستغرب ألاّ يعمد النسوة إلى إذاعة نبأ القيامة سريعاً، واستدعاء أورشليم كلها لرؤية القبر، ولكن مرقص عرف الحقائق. ولكي يشبع هذه الرغبة في المتسائلين كتب عبارة تبدو مقتضبة، قال:
“لم يقلن لأحد شيئاً لأنهن كن خائفات….”
وقد كُتب الشيء الكثير تعليقاً على هذا الآية، وأراد الكاتبون أن يثبتوا أن النسوة صمتن صمتاً مطبقاً وكفى. ولسنا ننكر أن هذا الموقف غريب من جانبهنّ، ولكن ها هي الكلمات تنطق بما حدث ولا تخفي تحتها معاني أخرى.
وليس حقاً ما يذهب إليه بعض النقاد حين يزعمون أن صمت النسوة كان بلا قيد ولا شرط. فإن البشير أضاف عبارة، كأنما أراد أن يجيب على ما قد يجول بفكر من يقرأ روايته من تساؤل. فقد يقول الناس: “إن النسوة قد كشفن القيامة في ساعة مبكرة من صباح الأحد، فلماذا لم يوقظن كل أورشليم لتشهد ما رأين؟” ومرقص يجيب على هذا التساؤل: “لم يَقلن شيئاً لأنهم كن خائفات….”
فإلى قائمة الشهود الذين كنا نفحص شهادتهم في هذه الفصول – بطرس الصياد الذي وقف في صدر المعركة في أورشليم، وكُتاب البشائر لوقا ومتى ويوحنا، ويعقوب العادل، وشاول الطرسوسي، ومؤلفي أسفار الأبوكريفا غير القانونية وبشارتي بطرس ونيقوديموس، بل شهادة الحجر الأصمّ ذاته – إلى هذه كلها نضيف أخيراً شهادة أخرى هي شهادة مرقص في بشارته التي نعتبرها أشهر وثيقة موجزة العبارة في عالم الأدب والتاريخ.
بين الغروب والشروق – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟
بين الغروب والشروق – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟
بين الغروب والشروق – فرانك موريسون
رأينا في فصل سابق كيف تعجلت الحوادث القبض على يسوع، واشتد ضغطها فدفعت أيدي السلطات إلى العمل، وأطالت ساعات المحاكمة التمهيدية، وعدّلت ماهية المحاكمة الرومانية تعديلاً كبيراً. وكأن كل شيء في هذه القضية قد ألهبه سوط غير منظور، ولم يكن مردٌّ لأحكامه.
والآن سنرى المشكلة تضيق رويداً رويداً حتى تنحصر في بحث ما حدث خارج أسوار أورشليم قبل نيف وتسع مائة وألف من السنين، في فترة من الزمن بين غروب يوم من أيام السبت وبين انبثاق أنوار الفجر في صباح اليوم التالي. ولنبدأ أولاً ببحث الفروض والمزاعم المختلفة التي أدلى بها أصحابها لتعليل الوقائع:
وثمة زعم لا ينتظر أن تناوله جدّياً وتبسَّط فيه إلا الأقلّون من قراء هذا الكتاب – وأعني به الزعم القائل إن التلاميذ أنفسهم هم الذين سرقوا جسد يسوع وهربوا به. ولست أريد الإطالة في تفنيد هذا الزعم تاريخياً، لأن شعور الجنس البشري قاطبة قد حكم عليه وحسبه أكذوبة جريئة. وليس بين النقّاد الذين يقام لأقوالهم وزن في هذا العصر، مَن يرضى أن يجعل هذا الزعم مثاراً للبحث والنقاش، وذلك لأنه مستحيل من الوجهة النفسية. ونحن نعرف جيداً التلاميذ الأحد عشر من تصرفاتهم اللاحقة ومن كتاباتهم.
ومعرفتنا لهم تدلنا على أنهم ليسوا من هذا الطراز من الرجال الذين يُقْدِمون على هذه المجازفة. وليس بينهم زعيم جريء مقدام يرسم خطة كهذه في خيالاته، ثم يُقدم على تنفيذها دون أن يفتضح أمره. وحتى لو فرضنا أن عملاً كهذا كان ممكناً، وأن التلاميذ كانوا له أكفاء، لأتّخذ تاريخ المسيحية اللاحق طريقاً غير هذا الذي نراه، ولنشَقّ، عاجلاً أو آجلاً، عن الجماعة المسيحية أحد الذين عرفوا بواطن الأمور.
وإن كانت هذه الأكذوبة الجريئة على شيء من الحق، فكيف استطاعت الكنيسة المسيحية الأولى أن ترفع رأسها، وتقيم دعامتها، وتشق طريقها في بحر خضمّ من الاضطهاد والآلام –كيف يتم كل هذا على أساس واهٍ يعلم الرسل الأحد عشر أنه أكذوبة مختلقة صاغوها بأيديهم! ولطالما سألت نفسي مراراً: أيستطيع بطرس أن يكون طرفاً في هذه الخديعة المضلّلة؟ أيفعل هذا يوحنا أو اندراوس أو فيلبس أو توما؟ ومهما يكن من تعليل للحوادث الخارقة التي تلت الصليب فإن الزعم أبعد ما يكون عن الصواب.
وتبقى بعد هذا مشكلة القبر الفارغ. فهل نجد في التأويلات الأخرى التي أدلى بها أصحابها ما يلقي عليها بصيصاً من النور؟
أعتقد أن هناك ستة حلول مستقلة أدلى بها الناقدون لحل المشكلة – أربعة منها تفترض أنّ خلّو القبر من الجسد حقيقة تاريخية، والحلاّن الآخران يشطان في التعليل ويزعمان إما أن القصة مشكوك في صحتها، وإما أن القبر لم يُفحص وينقب على نحو ما جاء في رواية الإنجيل.
ويمكن تلخيص هذه المزاعم فيما يلي:
1 – أن يوسف الرامي نقل الجسد خفية إلى مرقد آخر أكثر ملائمة.
2 – إن الجسد نُقل بأمر السلطات الرومانية.
3 – إن الجسد نُقل بأمر السلطات اليهودية للحيلولة دون ما قد يُخلّع عليه من أسباب التكريم والتقديس في المستقبل.
4 – أن يسوع لم يمت موتاً نهائياً حاسماً، فاستفاق من إغمائه في برودة القبر.
5 – أن النسوة قد أخطأنَ في التعرّف إلى القبر في غبشة الصباح القاتمة.
6 – أن القبر لم يزره أحد مطلقاً، وأن القصة عن النساء اختلاق في عصر متأخر.
هذه كلها مزاعم واسعة النطاق. وتشمل، فيما أعتقد، كل الفروض التي أدلى بها الناقدون في تحدّي قصة الإنجيل. فلنلق الآن نظرات عابرة على كل منها:
1 – أن يوسف الرامي نقل الجسد:
يقول أصحاب هذا الزعم إنه من المحتمل جداً أن يقدم الرجل – الذي التمس أن يُعطى جسد
يسوع من الوالي الروماني – على نقل الجسد إلى مثوى آخر لأسباب خاصة عنده. وهو زعم يبدو لأول وهلة على شيء من الوجاهة.
ولقد استنتج بعض الكتاب من روايات الإنجيل المقتصدة في أقوالها أن القبر ربما اشتراه يوسف الرامي لمنفعته الخاصة، وأن قربه من مشهد الصلب حمله على استعماله مؤقتاً في يوم السبت على أن يعود في أول فرصة لنقل الجثة إلى مثوى آخر. كل هذا قول مفهوم، ويبدو عليه شيء من مسحة الانسجام والقوة لو أننا نظرنا إليه بمعزل عن الملابسات الأخرى التي أحاطت بالموقف كله.
على أنه من المتعذر علينا أن نترك هذه الزعم التاريخي الخطير في هذه الحالة، ولا بد من تمحيصه على ضوء الملابسات الأخرى في الموقف كله، ثم نحكم له أو عليه بعد أن نكون قد استعرضنا النتائج كلها واستكشفنا بواطن الأمور ومجرياتها.
ولدى تمحيص هذه الزعم يتكشف لنا كثير من نقط الضعف والشذوذ وعدم الانسجام مما يبعده كثيراً عن نطاق الترجيح. ونلاحظ قبل كل شيء أن الساعة التي تمّ فيها هذا النقل المزعوم (وهي بالضرورة واقعة بين نهاية السبت اليهودي وبين تباشير الفجر في اليوم التالي) من الساعات التي قلما يختارها زعيم له كرامته بين الشعب لأداء عمل جائز لا حرج فيه، وقد كان في وسعه أن يقوم بمهمّة النقل على وجه أتم وبطريقة أكثر لياقة، لو انتظر طلوع النهار.
ولا يغرب عن الأذهان أنه على فرض صحة هذا الزعم كان كل من يوسف الرامي والنسوة، كل فريق مستقل عن الآخر وغير معروف له، يتأهبون لأداء خدمة عند القبر في ساعة مبكرة جداً تتفق وحفظ فرائض السبت اليهودي. وكانت تلك الساعة بلا شك عند شروق الفجر اجتناباً للصعاب التي يتعرضون لها في الظلام. والمفروض نظرياً أن مريم المجدلية وصويحباتها قد التقين عند مجيئهن إلى القبر يوسف الرامي وأصحابه يعملون ناشطين في هذه المهمة.
على أنه ليس هناك لمثل هذا اللقاء الوهمي. ونحن لذلك مسوقون إلى أن نفترض حدوث النقل قبل هذا الأوان في ساعة من الليل لكي نتمشى مع أصحاب هذا الزعم في دعواهم. وعلينا أن نصّور لأنفسنا فريقاً من الناس يعملون على ضوء المصابيح أو المشاعل في ظروف تحيط بها صعاب جمة، يتحسّسون طريقهم في مناطق معتمة وراء أسوار المدينة حاملين بين أيديهم جسداً ثقيلاً – ربما لمسافة بعيدة – لإيداعه مثوى آخر.
ونحن نتصورهم يُعنون أولاً بتجريد الجسد من أكفانه، تاركين إياها في القبر، وبعدُ إما يلفونه في أكفان جديدة غير التي ابتاعوها وأنفقوا عليها في الدفن الأول، وإما ينقلون الجسد عارياً إلى المثوى الجديد. ونتصور أيضاً أنهم نسوا إغلاق القبر القديم، أو ربما لم يريدوا إضاعة الوقت في ذلك.
الآن لنلقِ نظرة على ما في هذا المشهد من تماسك وقوة. وهنا أتصور أحد المكابرين يقول: “ألسنا هنا أمام حقيقة لا وهم. فإن الأخبار تتطاير بسرعة البرق الخاطف، ولعلّ يوسف الرامي قد خشي أن يتجمع حوله المتسكعون من المارة إذا هو بدأ بعد شروق الشمس في عمل يستغرق ساعتين على الأقل. أفلا يكون قد قام بالأعمال التمهيدية تحت جُنح الظلام، وحينما جاءت مريم المجدلية وصويحباتها إلى القبر، كان الفريق قد غادر إلى المدفن الآخر الذي نقلوا إليه الجسد”.
وقد يفترض الزاعمون المكابرون أن هذا التأويل ينسجم مع القصة التي دوّنها رواة الإنجيل. وهو يعلل دهشة النسوة حين رأين الحجر مدحرجاً عن القبر، ويعلل القبر الفارغ، ثم يتفق تماماً والرسالة التي حملتها المجدلية بأنفاس متقطعة لاهثة إلى التلميذين: “أخذوا السيد ولسنا نعلم أين وضعوه!” ولو لم تكن هناك نواحٍ أخرى للمشكلة، لقلنا إن هذا التعليل يذهب إلى حد بعيد في الإقناع والانسجام مع طبائع الأشياء.
على أنه لا يمكن لأية نظرية مهما بدت وجيهة مقنعة لأول وهلة، أن تقف وحدها، ولا مندوحة من أن تنسجم مع الحقائق الكبرى والصغرى في الموقف كله. وسنرى أن هذا التعليل لا ينسجم مع الحقائق الكبرى في الموقف الذي نحن بصدده.
وهناك طريقتان ندلّل بهما على موقف يوسف الرامي في القصة:
1 – فهو إما تلميذ متخفِّ ليسوع أراد أن يقوم جهاراً بخدمة لزعيم لم يستطع لظروف خاصة أن يعترف له بالزعامة في حياته على الأرض.
2 – وإما عضو متدين تقيّ من أعضاء السنهدريم لم يُعن إلا بمراعاة فرائض الناموس اليهودي التي أوجبت أن يُدفن المصلوب قبل مغيب الشمس.
وقد قيل الشيء الكثير عن الاحتمال الثاني، لا سيما من جانب الذين يهمهّم الأمر في تصوير يوسف رجلاً يتردد في إبقاء جسد يسوع في قبره الخاص. ويبدو لي أن ثمة صعوبة تُذلّل قائمة في سبيل قبول هذا الزعم، فإن الناموس اليهودي الذي أوجب الدفن قبل غروب الشمس يتمشى على اللصين المصلوبين سواء. وليست في القصة أية إشارة إلى أن يوسف عني أو فكر بجد في المصلوبَين. وهذا أمر غريب حقاً لأن الحالات الثلاث التي نفذت فيها عقوبة الإعدام كانت في نطاق السلطة الرومانية.
فكان محتوماً الحصول على إذن بيلاطس في حالتي اللصين الآخرين. وما من شك أن السلطات التمست فيما بعد إذناً رسمياً بدفن الجسدين، وربما دفنا في المقابر العامة، ولكن هذا لم يتمّ إلى بعد أن أجيب يوسف الرامي إلى رغبته الخاصة التي تقدّم بها للوالي الروماني لدفن جسد يسوع. وفي تقدم يوسف بهذا الطلب المنفرد إلى بيلاطس دليل على أنه لم يفعل هذا بصفته الرسمية أو بشعور الغيرة على الناموس.
وليت شعري ما الذي حمل ذلك الرجل الكبير المشير الكريم وعضو السنهدريم الأعلى، على أن ينفق من ماله لشراء الطيوب والحنوط والأكفان، ويؤدي بيده عملاً وضيعاً كان يصحّ أن يدعه لرجال السلطة المدنية؟
ثم أن هناك تلميحات صريحة، لا في بشائر الإنجيل، بل في مؤلفات الأبوكريفا غير القانونية، تدل على أن الكهنة نقموا على يوسف الرامي واستدعوه أمام مجلسهم لمحاكمته. ولم يكن ثمة داع لهذا السخط لو أن الرجل فعل ما فعل بصفته الرسمية، وبإيعاز منهم بتنفيذ فرائض الناموس اليهودي في الدفن. والدلائل متوافرة على أنه بتكريمه جسد يسوع ودفنه دفناً كريماً لائقاً قد سفّه تصرفات زملائه في أعين الشعب وفي عيني بيلاطس.
ولا نغفل الإشارة أخيراً إلى العبارة الصريحة التي ذكرها متى في بشارته في قوله أن يوسف هذا كان تلميذاً، والتي ذكرها لوقا في قوله إنه لم يكن راضياً عن عمل زملائه من أعضاء السنهدريم.
وهذه الاعتبارات مجتمعة تدلّنا على أن يوسف كان يعطف على يسوع أشدّ العطف، وأنه قد تأثر في أعماق قلبه بما شهد من شذوذ وتعصب في قضيته، فاعتزم أن يجهر بتكريمه هذا المعلم الكبير في دفنه. ولهذا مضى إلى بيلاطس، ولهذا اختار القبر الذي أعدّه لنفسه، مثوى للملم الذي أكرمه.
حين نسلّم بوجهة النظر هذه عن يوسف الرامي، نسلّم أيضاً بكثير من الآراء التي تتصل بها اتصالاً لا ينفصم. فإنه يبدو لنا بعيد الاحتمال جداً أن يعمد يوسف الرامي إلى نقل جسد يسوع في مثل الظروف التي كان فيها، وهو الرجل الذي غامر بمقامه الاجتماعي وكرامته بين مواطنيه، وعرّض نفسه لامتهان زملائه بإقدامه على ما فعل، وهو الرجل الذي ألقى بنفسه جهراً في زمرة صحابة يسوع. وما نظن رجلاً عاقلاً يقف مثل هذا الموقف، لو لم يكن يُكنٌّ ليسوع أعمق عواطف الاحترام والتوقير.
وإذ قد بذل هذه التضحية في نهاية الأمر، وهي تضحية تقاعس عن بذلها في حياة يسوع، فإنه مما لا شك فيه أن فكرة غالبة طغت على نفسه حملته على تكريم ذلك الزعيم الشهيد إرضاءً لنفسه وتعزية لها، وإبقاءً على ذكرى مقدسة ستكون بمثابة نقطة لامعة بين الذكريات الحزينة السوداء في أيام شيخوخته. ولكما أمعنا النظر في موقف يوسف، رأينا فيه رجلاً نبيلاً يعمل بحافز من نفسه، فانتهز الفرصة الأخيرة العابرة لنصرة قضية يسوع قبل أن تفوت فيندم.
فهل يعقل أن يفرض على نفسه هذه العقوبات الشائنة – احتقار زملائه القدماء، إثارة عداء الكهنة ضده، وعار اتّباعه لنبيّ مصلوب مُهان – ثم يخلع عنه هذا الشرف ولمّا تمضِ عليه ست وثلاثون ساعة؟ لا أظن هذا مما يسيغه العقل، أو يسلّم به علم النفس.
وهناك سبب أقوى للدلالة على أن يوسف الرامي لم ينقل جسد يسوع. فإنه بعد ستة أسابيع من تاريخ الحادث كان التلاميذ في أورشليم ينادون بملء أفواههم وقلوبهم على مسمع من الناس أن يسوع قام من الأموات. فلو كان يوسف نقل الجسد بطريقة قانونية، وفي منتصف الليل (ليتجنب المظاهرة الشعبية) قبل أن تصل مريم وصويحباتها إلى القبر، لكان هيناً على الكهنة ان يعلموا سر الأمر.
ثم كان هيناً أن يكتشفوا القبر الجديد الذي وضعوا فيه الجسد، لأن اثنين أو ثلاثة اشتركوا مع يوسف في عملية النقل على فرض حدوثها. فلماذا لم يجرؤ الكهنة، والمجادلات المسيحية محتدمة في أورشليم، على أن يقولوا الحق، ويضعوا حدّاً للشائعات التي لاكتها الألسن حول اختفاء الجسد؟
وأخيراً – وهذا عندي دليل قوي البنيان – فإننا لا نجد في مؤلفات التاريخ المعاصرة أثراً لقبر أو مزار صار فيما بعد موضعاً للتكريم والعبادة، على أساس أنه ضمّ بين جنباته رفات يسوع. وهذا أمر لا يكاد يصدقه العقل لو كان قيل جدّياً في ذلك الوقت أن يسوع دُفن فعلاً في مكان آخر غير هذا القبر الفارغ. وأغلب الظن أن الشائعات كانت تحوم حول مئات من الأمكنة التي يحتمل أن يكون الجسد قد ثوى فيها، وكان كثيرون من الناس يحجّون إليها.
ويخيل إلينا أن المخرج الوحيد لتعليل هذه الظاهرة، أي عدم حجّ الناس إلى القبر، هو قبول ما روته قصة الإنجيل من أن القبر كان معروفاً، وأن فريقاً من الناس زاروه بعد ساعات من الدفن، فوجوده فارغاً والجسد مختفياً.
2و3 – أن السلطات اليهودية أو الرومانية نقلت الجسد:
من اللائق أن نأخذ هذه الفَرضين معاً، لأن الموقف الناشئ عنهما لا يختلف كثيراً عن الموقف الذي كنّا نعالجه.
ومما لا شك فيه، حتى بعد مضيّ هذا الزمن الطويل، أن ننتحل أسباباً وتعلاّت نفترض بها أن الجسد ربما نقلته السلطات الرومانية أو اليهودية، ولو أن هذا الزعم في حدّ ذاته يبدو ركيكاً واهياً. فقد كان بيلاطس رجلاً شديد المراس بدليل تمنّعه عن تغير العنوان الذي كتبه على الصليب. وكان يرحب في حرج موقفه بأية حجة تحلّله نهائياً من آثار هذه الحادثة الأليمة. وإذا كان قد منح الإذن ليهوديّ ممتاز بدفن الجسد، فماذا يعوزه بعد ذلك، وما الذي يحمله في موقفه على تغيير رأيه حتى بإيعاز من السلطات اليهودية؟
وفي بشائر الإنجيل، وفي مؤلفات الأبوكريفا غير القانونية، حديث مسند قوي يقول إن اليهود ذهبوا فعلاً إلى بيلاطس وطلبوا إليه أن يقيم على القبر حرّاساً. وسأعالج مشكلة الحرّاس في فصل تالٍ. ولكن الحديث كله لا يذهب إلى أكثر من طلب وضع القبر تحت الحراسة لمنع نقل الجسد، لا الحصول على تصريح لنقله. وليس في الكتابات الأولى، قانونية كانت أو غير قانونية، أية إشارة إلى أن الكهنة فكروا في تغيير مكان الدفن، بل على نقيض ذلك تدل الروايات الصريحة على أنهم قد شُغلوا فعلاً لئلا يُقدم أحد الأشخاص غير المأمورين على خطف الجسد وتهريبه.
على أن الزعم بأن السلطات الرسمية هي التي نقلت الجسد ينهار إلى الحضيض حين نجابه الحقائق الرائعة بعد الحادث. لأنه إذا كان الكهنة قد حملوا بيلاطس على تغيير مكان الدفن، أو أنه صرح لهم بذلك، فلا شك أنهم عرفوا المثوى الأخير الذي استقر فيه بعد نقله. وفي هذه الحالة ما كانوا ليلجأوا قد إلى تشويه الواقع تشويهاً يضرُّ بقضيتهم، فيقولوا كذباً إن التلاميذ هم الذين سرقوا الجسد. بل كان المفروض أن يذيعوا بين الناس المنطق السليم المعقول، فيقولوا إن الجسد نُقل لأسباب قانونية بأمر بيلاطس أو بناءً على طلبهم.
ومثل هذا التصريح من جانب رئيس الكهنة كان يقضي على كل زعم، وكان يفسد كل نداء من جانب أنصاره بقيامة الجسد الفعلية. وذلك لأنه كان في وسعهم في أية لحظة، إذا تحداهم أحد، أن يُظهروا للناس على بقايا هذا الجسد. أما وقد فشل الجميع في إظهار الناس على بقايا الجسد، وعجزوا عن الإدلال إلى قبر رسمي أو غير رسمي، فإن في هذا وحده القضاء المبرم على كل نظرية تزعم أن الجسد نُقل بيد بشرية.
4 – أن يسوع لم يمت فعلاً على الصليب.
وما أظن القارئ يرى في هذا الزعم الباطل أساساً صالحاً للمناقشة، ولكني أدمجه بين المزاعم الأخرى رغبة في استيفاء الموضوع لا غير. وهو لا يعدو في الواقع مجرد مماحكة تاريخية. فإن العالم الألماني فينتوريني Venturini وهو من أنصار المذهب العقلي، قد هالته الأدلة القوية التي أيدت القبر الفارغ، فابتكر مماحكة سمجة (نقلها عنه بعض من يكتبون ضد المسيحية في الشرق) وقال إن المسيح لم يمت فعلاً على الصليب ولكنه أُغمي عليه فقط، ولما أُودع القبر الرطب استفاق ثم خرج وظهر للتلاميذ.
وهذا الزعم الذي يحاول به صاحبه تعليل الحادث تعليلاً عقلياً محضاً، هو أبعد المزاعم عن العقل، لأنه يتجاهل الجراح العميقة التي أُثخن بها الجسد، والضرب الوجيع الذي أحدثته السياط، وتمزيق اليدين والرجلين من أثر المسامير، وفقدان القوة الناشئ عن نزف الدماء، وطعنه الحربة التي خرقت جنبه، وانقطاع المداد البشري عن إغاثته في ساعات عصيبة هو أحود ما يكون فيها إلى الإغاثة، والأكفان الضيقة التي أُحبكت حول جسمه الممزق، والحجر الضخم الذي وُضع على باب القبر، وكان حجمه هائلاً بحيث لم يكن في طوق بضع نساء دحرجته مجتمعات معاً، وكنّا يفكرنَ في مُعين من الخارج.
ويكفي أن نحكم على سخافة هذا الزعم وبُعده عن العقل بمجرد التفكير فيما كان عليه ذلك الهيكل البشري المحطّم بعد نزف الدماء من جروح الجلد الوجيع وتاج الشوك والمسامير والحربة دون أن يُعنى أحد بتضميدها، وبعد وضعه على أرضية القبر الرطب في يوم من أيام شهر أبريل (نيسان) محروماً من أية عناية بشرية. على أن الضربة القاضية التي أجهزت على هذا الزعم الفاسد هي التي أعدّها العلاّمة “ستروس” والتي نقتبسها هنا لما فيها من قوة وإفحام.
قال: “إنه من المحال على شخص تسلل من القبر في حالة من الإغماء والوهن والمرض، وفي حاجة إلى العلاج الطبي وتضميد الجراح والعناية والإسعاف، وفي حالة من الخنوع والاستسلام لآلامه – إنه من المحال أن يطبع شخص كهذه أثره العميق في نفوس التلاميذ، ويخدعهم بأنه قاهر الموت والقبر وأنه رئيس الحياة – ذلك الأثر البارز الذي كان أساساً لوعظهم وخدمتهم.
أن مثل هذا الانتعاش بعد الإغماء، لو أنه حدث، لما كان له هذا الأثر الذي انطبع على نفوسهم في الحياة والموت، ولما بدّل أحزانهم غيرة وحماساً، ولما حولّ توقيرهم له سجوداً وتعبُّداً” Straus, New Life of Jesus, i, 412.(tr.).
5 – أن النسوة قد أخطأنَ في التعرّف إلى القبر:
وهذا ما يأتي بنا إلى زعم لا يمكن أن يُوفى حقه من البحث إلاّ بعد دراسة المقابلة التاريخية عند القبر دراسة وافية. على أنه يمكن البحث هنا في بعض النتائج العامة التي تترتب على هذه النظرية.
يقول أصحاب هذا الزعم أن مريم المجدلية وصويحباتها جئن إلى القبر في صباح الأحد والظلام باقٍ، وكانت أنوار الفجر خافتة ضئيلة. والأشياء تبدو في النور المكمد القاتم على غير حقيقتها. ويذهبون إلى أن النسوة ربما أخطأن في التعرف إلى القبر.
ويزعمون أنه عند وصولهن إلى القبر التقين هناك بشاب – قيل إنه البستاني – عرف المهمة التي جئن من أجلها، فقال لهنّ أن يسوع ليس هنا، فارتعبن لقوله، ودون أن يتريثن حتى يفرغ الشاب من كلامه ويشرح لهنّ الخطأ، أسرعن مهرولات من البستان.
ويبدو لنا، على الرغم من مسحة المعقولية التي تلابس هذه النظرية، ان بها ضعفاً هائلاً. فإنه إذا كان الوقت ظلاماً بحيث أخطأ النسوة في التعرّف إلى القبر، فكيف يكون البستاني قد صحا وبدأ في مزاولة عمله؟ أما إذا كان النور قد انبثق من وراء الأفق فكيف يخطئ النسوة في معرفة القبر؟
ولكي نبسط هذه النظرية كل البسط أشير إلى ما كتبه عنها أحد كبار شارحيها وهو الأستاذ “ليك” الذي عالج النظرية علاجاً وافياً واضحاً في كتابه “قيامة يسوع المسيح”. وسأقتبس نصّ كلامه على قدر الإمكان لما امتاز به أسلوبه من صراحة:
يبدأ الأستاذ ليك – وهو على حق في ذلك – بحثه مفترضاً أن زيارة النسوة للقبر قصة صادقة من التاريخ، فإن هذه القصة بالذات أصيلة في كل المؤلفات الأولى، فهي واردة في أقدم الوثائق التي لدينا وهي بشارة مرقص، ثم في بشارتي متى ولوقا، يؤيدها يوحنا أيضاً فيما يتعلق بمريم المجدلية نفسها.
وجاءت القصة أيضاً في بشارة بطرس من أسفار الأبوكريفا. والأهم من هذا كله وردت أيضاً في الأثر القديم المستقل المأثور المتضمن الفصل الرابع عشر (آية 13 – 24) من بشارة لوقا عن الرحلة إلى عمواس.
وليس بين المؤرخين مَن يخامره شك في تاريخية زيارة النسوة للقبر، ولذلك يعمد الأستاذ “ليك” إلى بحث مسألة القبر الذي وفد إليه النسوة، فيسأل: أهو القبر الأصلي الحقيقي أم قبر آخر غيره.
ويعالج المسألة في فصلين، فيقول في الفصل الذي عنوانه “الحقائق الجاثمة وراء التقليد”.
“من المسائل المشكوك فيها أن يكون النسوة في وَضْع يساعدهن على تعرف القبر الذي وضع في يوسف الرامي جسد الرب… فإذا لم يكن هو القبر بذاته، انهارت القضية من أركانها. والمفهوم أن النسوة جئن في الصباح الباكر إلى القبر حسبْنَهُ القبر الذي وُضع فيه جسد الرب وأمِلْن أن يرين قبراً مختوماً، ولكنهن وجدن قبرً مفتوحاً وشاباً واقفاً عند بابه، حاول بعد أن عرف موضوع مهمتهن أن يخبرهنَّ بما وقعن فيه من خطأ، فقال. ليس ههنا، اذهبن إلى المكان الذي وضعوه فيه.
وربما أشار إلى قبر آخر. ولكن النسوة فزعن وارتعبن عند افتضاح المهمة التي بكّرن لأجلها، وهرولنَ مسرعات دون أن يفهمن ما سمعنه. أو ربما كان فهمهنّ له ناقصاً. ولم يدركن إلا مؤخراً – بعد أن عرفنَ أن الربّ قام وأن القبر فارغ – أن ذلك الشاب الذي وقف على باب القبر كان غير الذي زعمن، وأنه لم يلفتهن إلى ما ارتكبنَ من الخطأ في التعرّف إلى القبر، بل كان مزوداً بإعلان قيامة المسيح من الأموات وإبلاغ رسالته إلى التلاميذ”.
وتبرز هذه الفكرة عينها في العبارة الآتية تعليقاً على “القصة كما رواها مرقص” فيقول الأستاذ “ليك”:
“راقب النسوة، اللواتي بقين حتى الساعات الأخيرة، دفن سيدهن، ربما عن بُعد. ولم يكن معهن أحد من التلاميذ الذين تفرقوا عقب القبض على يسوع (ففرّ بطرس بعد الآخرين بقليل من الزمن). وهم إما أن يكونوا قد عادوا إلى أوطانهم، وإما اختفوا في مخابئ أورشليم حتى تسنح فرصة للهرب”.
“وبعد قليل وجد التلاميذ أنفسهم في موطنهم القديم، فتأهبوا للعودة إلى أساليب حياتهم القديمة. ولكن لفرط دهشتهم يظهر لهم الربُّ، أولاً لبطرس ثم للآخرين – لمن سكنوا اليهودية ولم سكنوا الجليل. وتحت تأثير ظهوره لهم مراتٍ لم تُتوخَّ الدقة في تدوينها تفصيلاً، آمنوا أن الرب قام وصعد إلى السماء، وأنهم دُعوا للرجوع إلى أورشليم وحمل أعباء رسالته.
“وفي أورشليم التقوا بالنسوة اللائي راقبن الدفن، فقلن لهم أنهن ذهبن إلى القبر في صباح اليوم الثالث لتكميل فرائض الدفن التي لم يستطع يوسف الرامي أن يقوم بها فوجدن القبر مفتوحاً، وأفزعهن شاب واقف على القبر بقوله إن يسوع الذي يطلبنه ليس هنا. وهذه الرواية على لسان النسوة مضافة إلى اليقين الثابت الذي رسخ في أذهانهم عن حقيقة القيامة، وهو يقين اقتضاه القبر الفارغ، أدّت إلى القول إن القيامة حدثت في اليوم الثالث”.
ولقد أثبتُّ العبارتين بنصّيهما من أقوال الأستاذ “ليك” لأنهما تشرحان الدعائم التي أقام عليها مزاعمه الآتية:
1 – أن النسوة ربما أخطأنَ في التعرّف إلى القبر.
2 – أنهن لم يذعن النبأ مباشرة لأن التلاميذ كانوا قد فرّوا من أورشليم.
3 – وإن التلاميذ سمعوا القصة عند عودتهم من الجليل بعد انقضاء بضعة أسابيع.
ولست أقصد هنا بحث النقط الغامضة في النصوص الأصلية، فموضع هذا في فصل لاحق، ولكني أراني هنا أمام اعتبارات ثلاثة وجيهة:
وأول كل شيء أن الحجة التي يفترضها في غياب التلاميذ أو اختفائهم في أحد القيامة (وهي حجة جوهرية لتأييد مزاعم الأستاذ ليك) مشكوك فيها ومزعزعة الأركان. وهي تستند إلى عبارة مقتضبة في بشارة مرقص. وإلى جانب هذه الحجة الواهية دليلاً إيجابياً قوياً فليس مرقص وحده هو الذي يشير صراحة وضمناً إلى حضور التلاميذ في قوله “اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس إنه يسبقكم إلى الجليل. وهناك ترونه كما قال لكم” (مرقص 16: 7)، بل تؤيده أيضاً روايات البشائر الأخرى.
وإذا كان في قصة الإنجيل شيء لا يتسرب إليه الشك، فهو أن التلاميذ لم يهربوا كلهم، وإن يكن قد قيل إنهم تركوه وهربوا. فإن واحداً منهم على الأقل صارع أهوال المدينة في تلك الليلة، وتمكن من رؤية مشهد المحاكمة في منتصف الليل – وهو بطرس.
ولا تخامرني ريبة البتة في صدق القصة المؤثرة التي رُويت عن سقطة بطرس في تلك الليلة وتوبته وندامته، فهي قصة تصور لنا أصدق تصوير ناحية من نواحي الحياة البشرية ولا يمكن تعليلها على أساسي انها رواية خيالية، إذ كيف نعلل إدخال قصة تَصِمُ رسولاً من قادة الرسل بوصمة الخزي والخجل وسوء الأحدوثة، إلاّ إذا كانت صورة لواقعة حقيقية لم تُمح ذكراها. وإذا كان بطرس موجوداً في أورشليم في صبيحة يوم الجمعة، فمن الذي يدّعي واثقاً أنه وزملاءه قد فرّوا من المدينة قبل يوم الأحد التالي؟
ونرى ثانياً أن موقف النسوة يبدو غريباً شاذاً بحسب هذا الزعم. وهنّ لسن مجرد معارف للجماعة الرسولية، بل يرتبطن بهم بأوثق روابط القرابة. فكانت سالومة أماً لتلميذين من المقربين، ومريم زوجة كلوبا أختها أماً لاثنين آخرين، فضلاً عن ذلك لم يكن من المقيمات في المدينة أصلاً، بل جئن إليها خصيصاً للعيد.
وإن كان التلاميذ كهيئة عرضة للخطر، فبالأولى تكون أمهاتهم وهن نسوة ضعيفات. ولم يكن معقولاً أن يتركوهنّ وحيدات تحت رحمة الكهنة الحاقدين وجمهور الدهماء الأحمق. ولو كان الأمر كما يذهب إليه أصحاب هذه الزعم، لما فات التلاميذ أن يكفلوا الأمن لأمهاتهم بإخراجهن عاجلاً من المدينة.
ويخيل إليّ أن صلة النسوة بالتلاميذ الرجال واعتمادهن عليم تُحرج نظرية الأستاذ “ليك” كل الاحراج في أدق نقطة فيها. فهو مضطر لأن يُبقي النساء في أورشليم حتى صباح الأحد لأنه يؤمن يقيناً أنهن ذهبن إلى القبر، وهو مضطر أيضاً أن يخرج التلاميذ من أورشليم قبل شروق شمس يوم الأحد لأنه يذهب إلى أن النسوة قد صمتن ولم يفهنَ بشيء.
ولكي يوفق بين هذا وبين سردهن القصة فيما بعد بكل ما ترتب عليها من نتائج منطقية لا مفّر منها، نراه يضطر أيضاً إلى إبقاء النسوة في أورشليم أسابيع معدودات، بينما قفل التلاميذ راجعين إلى مواطنهم، ثم عادوا بعد ذلك إلى العاصمة على أثر بعض الحوادث.
وليت شعري ما الذي كان يفعله النسوة، في عُرْف الأستاذ ليك، طيلة هذه الأسابيع في مدينة بعيدة عن أوطانهن، بينما تجذبهن إلى الشمال روابط الأهل وموحيات الغريزة؟ أتراه هو نفسه في موقف كهذا يفرُّ لاجئاً تاركاً زوجته أو أمه في موقف الخطر المحقق؟ إنه ليصعب عليّ تصديق هذا. فإنه إذا كان الأمن مكفورً للنسوة ولا خوف عليهن من البقاء في المدينة والذهاب إلى القبر، فهو أيضاً مكفور للتلاميذ، ولا حرج عليهم أن يبقوا في أورشليم.
أما إذا كان في بقاء التلاميذ خطر عليهم، فإنه من البديهي أن يشاركهم الفرار سالومة ومريم زوجة كلوبا وأم يسوع.
على أن هناك صعوبة أدق وأعمق من هذه. فإنه يبدو لنا أنه، لا الأستاذ “ليك” ولا “جاردنر سميث” الذي نحا نحوه مع بعض التحفظ، فَطن إلى أن هذه النظرية لو صحّت، لوضعت سلاحاً ماضياً بتّاراً في أيدي رؤساء الكهنة. ولم يكن عسراً على قيافا وزملائه، وهم كما نعهدهم، أن يفندوا أكذوبة القبر الفارغ ويسفّهوا دعاتها بإبراز البستاني والاستشهاد بأقواله.
فهو الإنسان الذي كان في وسعه أن يتكلم بثقة وسلطان لا مردّ لهما، وكلمة منه كانت كافيه للقضاء على القصة السخيفة وإطارتها عصافة في الهواء. فأين آثار المجادلات التي كان من البديهي أن تثور في وجه هذا التحدي الذي نادى به التلاميذ عقيب القيامة؟ وأين دعاوي الكهنة بأن القبر لم يكن فارغا، وإن بقايا الجثة البالية المتعفنة ثاوية فيه؟ لا أثر البتة لشيء من هذه المجادلات أو الأقوال – إلا صدى هزيل خافت لتهمة قالوا فيها أن التلاميذ هم الذين سرقوا الجسد.
والحق ان هناك سببين قويين يمتّان بأمتن صلة إلى الحقيقة التاريخية، من أجلهما لم يجرؤ أعداء المسيحية على إستدعاء ذلك الشاب الي رُئي عند باب القبر لسماع شهادته. أما السبب الأول فهو أن ذلك الشاب لم يكن البستاني مطلقاً، كما سنرى فيما بعد، وأن وجوده أمام القبر في نور الفجر الشاحب، في صباح ذلك اليوم، كان لدواعٍ أخرى.
ولكن السبب الحاسم الأقوى هو أن خلّو القبر كان حقيقة تاريخية ثابته لم يعترضها أي شك في عصور المسيحية الأولى وفي عالم معادٍ للمسيحية. والظاهر أن الحوادث مجتمعة قد ائتمرت كلها على إثبات هذه الحقيقة فكانت بنجوة عن كل اعتراض أو شك.
6 – أن النسوة لم يزرن القبر
وهذا يأتي بنا إلى نظرية لعلّها تكون على شيء من المنطق إذا أراد المكابرون تحدّي رواية الإنجيل.
وهم لو استطاعوا أن يدللوا على أن القبر لم يزره أحد في صباح الأحد، وأنه بقي مجهولاً لم يفكّر فيه إنسان شهوراً طوالاً، لو استطاعوا شيئاً من هذا، لتحطمت الصخرة التي قامت عليها الفروض والمزاعم التي أسلفنا. وإذا لم يكن النسوة قد أعلنّ خلّو القبر، لما كان ثمة داعٍ لأن يصطنع رؤساء الكهنة نظريتهم، ولظلّت المدينة هادئة منصرفة إلى حياتها العادية، إلا ما تحدثه حادثة الصلب من جدل عادي ورجّة في الأفكار.
على أنني أراني مضطراً إلى القول إنه ما من نظرية من النظريات التي ذكرنا تتعرض لمثل ما تتعرض له هذه النظريات من التحطًم والبوار على ضوء الأسانيد العقلية. وسنرى في الفصول التالية أن الحوادث اللاحقة تسدّ عليها المنافذ وتخنقها خنقاً.