التحليل اللغوي واللاهوتي لتعريف مفهوم الإيمان في (العبرانيين 11: 1) – ترجمة ودراسة: Patricia Michael

التحليل اللغوي واللاهوتي لتعريف مفهوم الإيمان في (العبرانيين 11: 1) – ترجمة ودراسة: Patricia Michael

التحليل اللغوي واللاهوتي لتعريف مفهوم الإيمان في (العبرانيين 11: 1) – ترجمة ودراسة: Patricia Michael

 

🟥الجزء الثاني (يمكنك قراءة الجزء الأول من هنا: هل الإيمان الحقيقي تصديق أعمى؟ – أليس هذا ما يقوله الكتاب المقدس؟ ج1 – ترجمة ودراسة: Patricia Michael)

 

◼️مقدمة

في الجزء الأول من هذه الدراسة، تناولنا الشبهات الشائعة التي تلاحق مفهوم الإيمان المسيحي، خاصة تلك التي تصوُّره على أنه تصديق أعمى غير مبني على أساس معرفي أو عقلاني وكأنه قفزة في الظلام. وقد اوضحنا كيف أن هذا التصوُّر السائد لا يعكس الجوهر الحقيقي للإيمان المسيحي، بل هو تحريف يُبسّط ويقلّل من عمق العلاقة المعرفية والروحية التي يقيمها المؤمن مع الله.

 

أما في هذا الجزء الثاني، فسوف ننتقل إلى تحليل النص الأساسي في رسالة العبرانيين (11: 1)، الذي يقدم تعريفًا متوازنًا ودقيقًا للإيمان. وسنتطرّق إلى التحليل اللغوي واللاهوتي للنص، موضحين كيف أن الإيمان المسيحي، وفق هذا النص، هو بُنية معرفية وروحية متينة، تتجاوز التصديق الأعمى، وتتأسّس على يقين موضوعي مدعوم بعلاقة حيوية مع الله وتجربة تاريخية ثابتة.

 

بهذا الانتقال، نؤسّس لفهم أعمق للإيمان المسيحي، لا كاعتقاد عاطفي أو شعور عابر، بل كمعرفة واعية تجمع بين الروح والعقل، وتشكّل أساسًا صلبًا للثقة والرجاء في الحياة المسيحية

 

◼️ أولا: بين الجوهر والبرهان: تحليل ὑπόστασις وἔλεγχος في تعريف الإيمان (عب 11: 1)

 

كثيرًا ما يُساء فهم الإيمان المسيحي على أنه حالة عاطفية مُبهمة أو تصديق دون دليل، لا سيما في الثقافة الحديثة التي تضع الإيمان في مقابل المعرفة والعقل. غير أن العهد الجديد، وبخاصة في (عب 11: 1)، يقدّم مفهومًا مغايرًا. ففي هذا النص، يُعرَّف الإيمان بأنه:

وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى. (عب11: 1)

“Ἔστιν δὲ πίστις ἐλπιζομένων ὑπόστασις, πραγμάτων ἔλεγχος οὐ βλεπομένων.”

يتطلّب هذا التعريف الرجوع إلى اللغة اليونانية الأصلية لتحليل المُصطلحين المفتاحيين للنص: ὑπόστασις (hypostasis) وἔλεγχος (elenchos)، وكَشَف خلفيتهما الفلسفية واللاهوتية، لفهم الإيمان الحقيقي لا كبديل عن المعرفة، بل كامتداد أعمق لها، قائم على الإعلان الإلهي والثقة الموضوعية.

 

◼️ثانياً: التحليل الدلالي للمصطلحات اليونانية “semantic analysis”.

 

✝Ὑπόστασις (Hypostasis)

يشير هذا المصطلح حرفيًا إلى “ما يقوم عليه الشيء”، أي الأساس أو الجوهر الثابت. يُترجم أحيانًا إلى substance (كما في ترجمة الملك جيمس KJV) للدلالة على الكيان الحقيقي والثابت، وأحيانًا إلى assurance (كما في ESV وNASB) للدلالة على اليقين والثقة الراسخة.

في الفلسفة اليونانية، كان المصطلح يُستخدم للدلالة على الجوهر او الكيان الحقيقي الذي يقوم وراء الظواهر المتغيّرة. وبالتالي فإن استخدام الكاتب لهذا المصطلح يشير إلى أن الإيمان ليس مجرد أمل أو توقّع، بل هو يقين موضوعي يقوم على أساس راسخ من وعود الله الثابتة.

يؤكد معجم BDAG المعنى الفلسفي العميق لهذا المصطلح بقوله:

“the essential or basic structure/nature of an entity, substantial nature, essence, actual being.”

وبناءً على ذلك، يُقدَّم الإيمان هنا على أنه يقين موضوعي راسخ بحقيقة الأمور المرجوّة، وليس مجرد شعور عاطفي غامض أو توقُّع غير مستند إلى أساس.

 

✝Ἔλεγχος (elenchus / elenchos)

 

يعني هذا المصطلح “البرهان المنطقي” أو ” الدليل العقلي”(وليس مجرّد اثبات عشوائي)، وقد استُخدم على نطاق واسع في الجدل الفلسفي الكلاسيكي، لا سيما في محاورات أفلاطون (مثل Apology وEuthyphro)، وفي كتابات أرسطو، حيث يشير إلى التفنيد المنطقي المؤسَّس على العقل.

في هذا السياق، لا يُفهم الإيمان بوصفه تصديقًا أعمى، بل كاقتناع عقلاني مبني على دليل داخلي ومنطقي، يتجاوز حدود الرؤية الحسيّة إلى واقع أعمق غير مرئي.

وبناءً على ذلك، يُقدَّم الإيمان هنا على أنه يقين موضوعي راسخ بحقيقة الأمور المرجوَّة، وليس مجرَّد شعور عاطفي غامض أو توقُّع غير مستند إلى أساس.

 

◼️ثالثاً: البعد السياقي في الرسالة إلى العبرانيين

 

يأتي هذا التعريف للإيمان في سياق لاهوتي محدّد، يُبرز عمق معناه اللغوي والروحي كما سبق وأوضحنا من خلال تحليل المصطلحين ὑπόστασις (hypostasis) وἔλεγχος (elenchos).

 

ففي الإصحاح العاشر الذي سبق وأشرنا اليه في الجزء الاول، يناقش الكاتب أوقات الشدة والاضطهاد التي يبدو فيها أن الله غائب عن واقع الألم. في مثل هذه الظروف، يدعو الكاتب إلى التمسُّك بالثقة في الله، ليس كتجاهل للواقع، بل كردّ مبني على اختبارات سابقة لأمانة الله وتحقيقه لوعوده.

 

هكذا، يُصبح الإيمان فعلًا مبنيًا على الذاكرة والوعي، مستندًا إلى جوهر يقيني ثابت (ὑπόστασις)، ومُثبتًا بعقلانية وواقعية (ἔλεγχος) في ذاكرة شعب الله والمؤمنين في العهدين، مما يجعل الحاضر منفتحًا على الرجاء، ويُقيم أساسًا متينًا للثقة في الله وسط تحديات الواقع.

 

◼️رابعا: البُعد الدفاعي والمعرفي للإيمان

 

يتّضح من التحليل اللغوي والسياقي أن الإيمان في الفكر الرسولي لا يُقدَّم كنقيض للعقل، بل كشكل من أشكال المعرفة اليقينية المرتكزة على إعلان موثوق. ومن ثمّ، يُمكن تقديم الإيمان كمفهوم دفاعي ضد التهمة الشائعة بأن المسيحية تدعو إلى التصديق الأعمى.

 

فالإيمان بحسب ما يقدّمه كاتب الرسالة إلى العبرانيين (11: 1)، ليس افتراضًا عاطفيًا أو تصديقًا أعمى، بل هو ὑπόστασις – “الجوهر الثابت” أو “الأساس الموضوعي” لما يُرجى؛ أي يقين حقيقي استباقي لوعود لم تتحقّق بعد، وهو كذلك ἔλεγχος – “البرهان العقلي–الروحي” لما لا يُرى؛ أي دليل داخلي راسخ يتجاوز الحس دون أن يتناقض معه.

إنه التقاء بين المعرفة العقلية والمعرفة الكاشفة، يُنتج يقينًا روحيًا متجذرًا في الواقع التاريخي والوعد الإلهي.

بهذا المفهوم، يُقدَّم الإيمان كموقف معرفي قائم على إعلان موثوق، ومُدَعَّم بتاريخ من أمانة الله، ليُصبح ردًّا عقلانيًا–لاهوتيًا على فكرة أن المسيحية تقوم على تصديق بلا دليل، أو إيمان منفصل عن الواقع.

 

◼️خاتمة

 

الإيمان المسيحي، كما يقدّمه النص في (عبرانيين 11: 1)، لا يقوم على شعور داخلي عابر أو تصديق أعمى، بل على بُنية معرفية راسخة، تتجسّد في ὑπόστασις (الجوهر الثابت) وἔλεγχος (البرهان المنطقي).

ويكشف هذا التعريف أن الإيمان، بحسب التصوُّر الرسولي، ليس موقفًا شعوريًا ذاتيًا ولا مجرّد تصديق دون أساس، بل هو نَمَط معرفي متكامل يرتكز على إعلان إلهي موثوق، ويتجذّر في خبرة تاريخية ملموسة، ويتجاوز في الوقت ذاته حدود الإدراك الحسّي والعقلي المجرّد نحو أفق غير منظور.

لذلك، لا يُطرح الإيمان في تضاد مع العقل، بل بوصفه نوعًا من المعرفة يتجاوز العقل دون أن ينقضه. فهو يجمع بين موضوعية الحقيقة المُعلَنة ويقينية البرهان الداخلي، مُؤسِّسًا علاقة معرفية متبادلة بين الإنسان والله، قوامها الثقة في الأمانة الإلهية حتى في لحظات الألم أو الشك أو الصمت الإلهي الظاهري.

وبهذا المعنى، لا يُختزل الإيمان المسيحي في تجربة باطنية أو معتقد فردي، بل يُقدَّم كمعرفة روحية مؤسَّسة على تفاعل حيّ مع الوحي الإلهي. إنّه يقين يُغذّي الرجاء، ويمنح صاحبه ثباتًا في مواجهة الشكوك والتجارب، حتى في غياب ما يُعدّ دليلًا مباشرًا أو محسوسًا.

 

ليكون للبركة

Patricia Michael

Bauer, W., Danker, F. W., Arndt, W. F., & Gingrich, F. W. A Greek-English Lexicon of the New Testament and Other Early Christian Literature (3rd ed.). Chicago: University of Chicago Press, 2000.

Nestle-Aland. Novum Testamentum Graece (28th ed.). Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 2012.

The Holy Bible: English Standard Version (ESV). Wheaton, IL: Crossway, 2016.

Hornblower, S., Spawforth, A., & Eidinow, E. (Eds.). The Oxford Classical Dictionary (4th ed.). Oxford: Oxford University Press, 2012.

Various Editors. The Cambridge Companions to Religion and Classics Series. Cambridge: Cambridge University Press.

التحليل اللغوي واللاهوتي لتعريف مفهوم الإيمان في (العبرانيين 11: 1) – ترجمة ودراسة: Patricia Michael

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

 

 المقدمة:

إنَّ المنطق، بوصفه طريقة منهجية ومتماسكة للتفكير، يُعدُّ ركيزة أساسية في ميدان الدفاع عن الإيمان المسيحي، لا سيّما عند المسيحيين الإنجيليين المحافظين. فالمنطق يُمثّل الأساس الذي يُتيح للباحثين تقديم حجج عقلية رصينة تُعزِّز إيمانهم، ومن خلاله، يتمكَّن المسيحيون من إظهار أن الإيمان بالله وكلمته الموحى بها لا يرتكز على الايمان وحده فحسْب، بل هو مُستندٌ أيضًا على أدلة عقلية دامغة.

المنطق ليس بعيدًا عن جوهر الكتاب المقدس فالكتاب ذاته يحثُّ الباحثين على التفكير ولا سيّما التفكير النقدي المنطقي.

ففي قول الرب لإسرائيل في إشعياء (1: 18): “هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ الرَّبُّ “. هنا نلاحظ دعوة صريحة لاستخدام العقل والتفكير النقدي، وعليه، فإن المنطق ليس غريبًا عن الفكر المسيحي، بل هو بمثابة أداة قوية لإيضاح وشرح الحقائق اللاهوتية، وإثباتها، والدفاع عنها.

 

ما هو المنطق؟

المنطق هو طريقة التفكير التي تمكّن الانسان من استخلاص الاستنتاجات الصحيحة من مجموعة من المقدّمات.

المقدّمات هي الجُمل أو العبارات التي تُستخدم كأساس لبناء الحجّة المنطقية، وهي الافتراضات أو الادعاءات التي نبدأ بها ونستدل منها للوصول إلى النتيجة.

 

– خصائص المقدمات:

  • أساس الحجّة: تمثّل المقدّمات نقطة البداية التي يتم بناء الحجّة عليها، حيث تُستخدم للوصول الى النتيجة المتوقعة.
  • علاقتها بالنتيجة: يجب أن تكون المقدمات مرتبطة ارتباطاً منطقيًا بالنتيجة كي تكون الحجة صحيحة وموثوقة من الناحية المنطقية.

 

– الصدق والصلاحية في المنطق:

المنطق كعلم يهدف الى تقييم الحجج والاستدلالات من زاويتين رئيسيتين:

 

١- صدق المقدّمات أو الأفكار او العبارات:

يشير هذا المعيار إلى أنه يجب أن تتوافق المقدّمات او الأفكار أو العبارات التي تُستخدم كأساس لأي حجة أو نقاش مع الواقع، أي أن تكون صادقة وتعكس الحقيقة بشكل دقيق.

 

٢- صلاحية البنية المنطقية للحجة:

تشير الصلاحية إلى التماسك الداخلي للحجة وتسلسل أفكارها بشكل منطقي، بحيث تكون النتيجة مستخلصة بطريقة صحيحة من المقدّمات وفقًا للقواعد المنطقية. تعتمد الصلاحية على انسجام الأفكار وترابطها، مع خلو الحجة من أي شائبة تناقض داخلي.

 

الصدق والصلاحية مفهومان مترابطان في المنطق، ولكل منهما دور خاص في تقييم الحجج. الصلاحية تضمن الاتساق المنطقي، بينما الصدق يضمن مطابقة المقدمات للواقع. عندما يجتمعان، تتكون حجة قوية تُعرف ب’الحجة الصحيحة’ (Sound Argument)، التي تتيح الوصول إلى استنتاجات دقيقة تستند إلى أسس سليمة ومترابطة. في هذا السياق، يعمل المنطق كأداة أساسية لتحليل الاستدلالات وتقييمها بفعالية.

 

مثال على حجة سليمة حول مسألة لاهوت السيد المسيح، حيث تُستخدم الصلاحية والصدق لإثبات نقطة منطقية:

 

المقدمة الاولى:

كل من يغفر الخطايا يملك سلطانًا إلهيًا

(مقدمة مقبولة في الفكر اللاهوتي المسيحي واليهودي، بناءً على أن غفران الخطايا من اختصاص الله وحده).

 

المقدمة الثانية:

يسوع غفر الخطايا (كما هو مذكور في العهد الجديد في قصة شفاء المفلوج “فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ، قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ».” (مر 2: 5).

 

النتيجة:

إذن، يسوع يملك سلطانًا إلهيًا.

 

التحليل:

 

الصلاحية (Validity):

البنية المنطقية للحجة سليمة، حيث إن النتيجة تتبع منطقيًا من المقدّمات وفقًا للقواعد المنطقية. إذا كانت المقدمات صحيحة، فإن النتيجة ستكون صحيحة أيضًا.

إذا كان غفران الخطايا يختص بالله فقط (المقدمة 1)، وإذا غفر يسوع الخطايا (المقدمة 2)، فمن المنطقي أن يسوع يملك سلطانًا إلهيًا.

 

الصدق (Truth):

  • المقدمة الأولى: صحيحة في سياق الفكر اللاهوتي، حيث غفران الخطايا مرتبط بسلطان إلهي.
  • المقدمة الثانية: صحيحة بناءً على النصوص الكتابية التي تُظهر أن السيد المسيح غفر خطايا الناس.
  • النتيجة: صحيحة بناءً على صحة المقدمات وصلاحية البنية.

 

الخلاصة:

هذه الحجة تُظهر أحد الأدلة اللاهوتية المستخدمة لإثبات طبيعة المسيح الإلهية.

 

الحجة سليمة لأنها:

  • تحتوي على مقدمات صحيحة ضمن السياق اللاهوتي المسيحي.
  • بنيتها المنطقية صحيحة (النتيجة تتبع بالضرورة من المقدّمات).

 

في مجال الدفاعيات، يُعتبر الصدق والصلاحية ذا أهمية قصوى لأنهما يضمنان أن تكون الحجج التي نقدمها قائمة على معلومات صحيحة ومرتبة ومتّسقة بطريقة منطقية ومقنعة، هذا النهج يساعد على تقديم الإيمان المسيحي كأمر منطقي وعقلاني، وليس مجرد اعتقاد إيماني بعيدا عن العقل. وبالتالي فانّ المنطق يساعدنا على التفكير بوضوح واتخاذ قرارات مبنية على أسس قوية.

 

استنادًا إلى قول السيد المسيح: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي.” (يوحنا 14: 6). يُظهر ذلك ارتباط الإيمان المسيحي بالحقيقة وبما أن السيد المسيح هو تجسيد للحقيقة، فإنه من المنطقي ان تُعتَبر العقائد التي علّمها صادقة ومتّسقة منطقياً. يساعد المنطق في الدفاع عن حقيقة ان يسوع هو ابن الله، وان الكتاب المقدس هو كلمة الله، وان الايمان بهذه الحقائق منطقي ومعقول يعتمد على أسس عقلانية متينة.

 

أساس المنطق: الجذور الكتابية واللاهوتية

إن قوانين المنطق متأصلة في طبيعة الله ذاتها. فالله هو إله النظام، وليس إله الفوضى. ويؤكد بولس الرسول ذلك في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس بقوله: “لأَنَّ اللهَ لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلهُ سَلاَمٍ، كَمَا فِي جَمِيعِ كَنَائِسِ الْقِدِّيسِينَ.” (1 كو 14: 33).

 

إن الثبات والنظام اللذان يتّسم بهما الله ينعكسان على خليقته مما يساهم في تأسيس الهيكل المنطقي ذاته. تماما كما تحكم القوانين الفيزيائية الكون، فانّ قوانين المنطق تحكم التفكير البشري. هذه القوانين تنبع من طبيعة الله الثابتة وغير المتغيرة، مما يجعلها صالحة وقابلة للتطبيق في جميع الاماكن والازمنة.

 

القوانين الاساسية للمنطق:

تشمل هذه القوانين قانون عدم التناقض، قانون الهويّة، وقانون الوسط المُستبعَد. وكل واحد من هذه القوانين يتوافق مع طبيعة الله وكيفية تفاعله مع خليقته:

 

1- قانون عدم التناقض:

ينص هذا القانون على أن العبارتين المتناقضتين لا يمكن أن تكونا صحيحتين في الوقت نفسه وفي المعنى ذاته. على سبيل المثال، لا يمكن القول بأنّ: “يسوع هو ابن الله” و”يسوع ليس ابن الله” في آن واحد.

هذا القانون (قانون عدم التناقض) يعكس صدق الله، كما ورد في سفر العدد “لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلاَ يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلاَ يَفِي؟” (عد 23: 19).

 

2- قانون الهويّة

هذا القانون يقرر أن الشيء هو ما هو عليه؛ بمعنى أن لكل شيء هويته المحددة. في الكتاب المقدس، يعلن الله عن هويته بوضوح «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ»: “فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ».” (خر 3: 14). إذا ليس هناك أي التباس حول هويّة الله.

 

3- قانون الوسط المُستبعَد

ينص هذا القانون على أن أي مقولة إما أن تكون صحيحة أو خاطئة، ولا يوجد خيار ثالث،ولا يمكن ان تكون هناك حالة محايدة. يؤكد يسوع هذا المفهوم في انجيل متى “مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ.” (مت 12: 30). فلا وجود لموقف محايد فيما يتعلق بالإيمان بالمسيح.

 

تظهر هذه القوانين كيف ان المنطق يعكس النظام والدقة في طبيعة الله، لذا، يُعتبر المنطق أداة لاهوتية قوية تساعد في الدفاع عن الايمان وفهم الحقائق الإلهية، كما يوفّر هذا الاطار المنطقي للمسيحيين الوسيلة لتقديم الحقائق الكتابية بأسلوب عقلاني ومنهجي.

 

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

تطبيق المنطق على الدفاعيات المسيحية

تسعى الدفاعيات المسيحية إلى إثبات أن تعاليم الكتاب المقدس منطقية ومتماسكة، وأن الإيمان بالله هو عقلاني وقابل للتبرير. وللقيام بذلك يتم استخدام المنطق لتحليل وتقييم الحجج المعارضة للكتاب المقدس، ودحض المنطق الخاطئ، وتأكيد صحة العقيدة المسيحية.

على مر العصور، قام اللاهوتيون والفلاسفة بتطوير العديد من الحجج المنطقية لدعم وجود الله. من أبرز هذه الحجج:

 

1- الحجة الكونية (Cosmological Argument):

تعتمد هذه الحجة على المبدأ القائل بأن كل شيء يبدأ في الوجود لا بدّ له من سبب، وتشير إلى أن خَلْق الكون هو دليل على وجود الله.

الكون لا يمكن أن يكون قد أتى إلى الوجود من تلقاء نفسه أو عن طريق الصدفة. لابد أن يكون هناك سبب أولي أو مُسبب (وهو الله) بدأ هذا الوجود.

 

صياغة الحجة منطقياً:

  • الفرضية الأولى: كل شيء بدأ في الوجود، لابد أن يكون له سبب.
  • الفرضية الثانية: الكون بدأ في الوجود.
  • الاستنتاج: إذا كان الكون قد بدأ في الوجود، فلا بد أن يكون له سبب. وهذا السبب هو الله.

هذا المنطق يتماشى تمامًا مع الكتاب المقدس في سفر التكوين: ” فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.”(تكوين 1: 1). تقدّم الحجة الكونية أساسًا منطقيًا عقلانيا للإيمان بالخالق.

 

2- الحجة الغائية (Teleological Argument):

وبالمثل، تؤكد الحجة الغائية أن النظام والدقة في الكون يشيران إلى وجود مُصمّم. كما ورد في المزمور: “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ.” (مز 19: 1).

التصميم المعقد والدقيق في الطبيعة دليل واضح على وجود الله، حيث تُظهر هذه الحجة أن هذا التعقيد والدقة لا يمكن أن يكون نتيجة صدفة، بل نتيجة خالق ذكي.

هنا يستخدم الدفاع المسيحي المنطق لربط العقل بالإيمان، مما يُثبت أن الإيمان بالله وتعاليم الكتاب المقدس ليس مجرد شعور أو تقليد، بل هو مبني على أسس عقلية ومنطقية متينة.

 

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

 

الدفاع عن ألوهية السيد المسيح باستخدام المنطق

يلعب المنطق دورًا أساسيًا في الدفاع عن ألوهية السيد المسيح. أحد المجالات الأساسية التي يكون فيها المنطق حاسماً هو الدفاع عن ألوهية المسيح. قدّم السيد المسيح عدة تصريحات حول هويته، والمنطق يساعد المسيحيين على إظهار التناسق والتماسك في هذه التصريحات.

على سبيل المثال في انجيل يوحنا، يعلن السيد المسيح صراحة “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ».” (يو 10: 30). هذا التصريح يشير إلى طبيعته الإلهية.

قد يعترض المشككون بأن يسوع لم يكن أكثر من معلم أخلاقي عظيم أو نبي، لكنه ليس إلهاً. ورغم ادّعاءاتهم تلك،فإن المنطق يدحض هذا الاعتراض من خلال استخدام ما يُعرف بحجة “الكاذب، المختل عقليا، أو الرب”.

حجة “الكاذب، المختل عقليا، أو الرب” هي واحدة من أبرز الحجج التي طرحها الكاتب والفيلسوف المسيحي سي. إس. لويس(C.S. Lewis) في كتابه (Mere Christianity) المسيحية المجردة.

تهدف هذه الحجة إلى تحليل ما إذا كان يسوع المسيح هو ابن الله حقاً أو مجرد شخص عادي من خلال ثلاث احتمالات منطقية:

 

  • إذا كان يسوع يدّعي أنه ابن الله وهو في الواقع ليس كذلك، يكون شخصًا غير صادق أو مخادع.
  • إذا كان يسوع يعتقد حقًا أنه ابن الله بينما هو ليس كذلك، يكون شخصًا مختلاً غير متزن عقليًا.
  • إذا كان يسوع حقاً كما كان يدّعي انه ابن الله وكانت تصريحاته صحيحة، فهذا يعني أنه الرب، أي أن السيد المسيح هو فعلاً الإله المتجسد.

 

فكرة الحجة:

سي. إس. لويس (C.S. Lewis) يريد ان يقول إنه لا يمكن أن يكون السيد المسيح مجرد “معلّم اخلاقي جيّد” أو “نبي حكيم” فقط، كما يعتقد البعض، لأن ادعاءاته عن نفسه كانت خارجة عن المألوف. إما أنه كان كاذبًا أو ومختلاً عقليا، أو أنه فعلاً الرب الذي جاء إلى الأرض. وبالتالي، لا توجد خيارات وسط بين هذه الاحتمالات. يسوع لم يكن شخصية يمكن التعامل معها بتردد او اتخاذ موقف وسط، إما أن نقبله كاله أو نرفضه تمامًا.

 

صياغة الحجة منطقيا:

  • الفرضية الأولى: يسوع ادّعى أنه الله: “قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ».” (يو 8: 58).
  • “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ».” (يو 10: 30).
  • الفرضية الثانية: يسوع إما كان صادقًا في ادعائه، أو كان يكذب، أو كان مخطئًا.
  • التحليل

 

إذا كان يسوع صادقًا ويقول الحق، فهو الرب.

إذا كان يكذب، فهو شرير.

إذا كان مخطئًا، فهو مجنون او مختل عقليا.

 

  • النتيجة

بالنظر إلى الادلة وشخصية يسوع المسيح وسلوكه وتعاليمه واعماله التي اتّسمت بالكمال الأخلاقي والحكمة، يظهر بوضوح انه لا يمكن أن يكون كاذبًا أو مجنونًا وبالتالي، فإن الخيار المنطقي الوحيد هو أن يسوع كان صادقًا وهو الرب ويجب أن نتبعه ونسلّم له حياتنا.

ان الاتساق المنطقي لهذه الحجة يعزز حقيقة الوهية السيد المسيح.

هذه الحجة تُظهر التماسك المنطقي لإعلان يسوع عن ألوهيته، مما يُعزز الإيمان بأن المسيح هو الله المتجسد. يساعد هذا الأسلوب العقلي المؤمنين في الرد على الشكوك وتقديم حجة عقلانية رصينة تدعم العقيدة المسيحية.

 

 

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

كيف يدحض المنطق التفكير الخاطئ؟

المنطق ليس أداة تُستخدم للدفاع عن الحق فحسب، بل هو كذلك وسيلة فعّالة لكشف الأخطاء في التفكير ودحض الاعتراضات المبنية على أسس واهية. إنّ العديد من الانتقادات الموجهة إلى العقيدة المسيحية تنبثق من استنتاجات مغلوطة او من سوء فهم لطبيعة الله وأهدافه.

على سبيل المثال: إشكالية الشر

تُعد “إشكالية الشر” من أكثر الاعتراضات شيوعًا التي يثيرها المشككون، حيث يدّعون أن وجود الشر يتنافى مع وجود إله كلي القدرة وكلي المحبة.

نلاحظ في هذا الاعتراض انه مبني على سوء فهم لطبيعة الله وطبيعة الشر.

 

يطرح المشككون الحجة التالية:

  • إذا كان الله كلي القدرة، فهو يستطيع منع الشر.
  • إذا كان الله كلي المحبة، فهو يريد منع الشر.
  • الشر موجود.
  • الخلاصة بحسب منطق المشككين: إما أن الله لا يستطيع منع الشر أو لا يريد منع الشر، وبالتالي لا يمكن أن يكون هذا الاله موجودًا.

 

الرد من منظور منطقي:

هذه الحجّة مبنية على سوء فهم لطبيعة الله ومقاصده وحكمته.

على سبيل المثال، الله يسمح بوجود الشر لفترة محدودة ليُظهر عواقب تمرُّد الإنسان على سيادة الله وسلطانه، بمعنى آخر اظهار الخلل المتأصّل في رغبة الانسان في استقلاله عن الله وعن بعضنا البعض كمؤمنين.

“وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ».” (تك 3: 17-19).

“هكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ، كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ.” (رو 12: 5).

وبالتالي بدلاً من ان يكون الشر دليلا على عدم وجود الله، فهو في الحقيقة يؤكد ويعزز الرواية الكتابية عن العالم الساقط. بالإضافة إلى ذلك، تظهر قوة الله ومحبته من خلال تدبيره للفداء من خلال السيد المسيح (يوحنا 3: 16). من الناحية المنطقية، تسقط حجّة المشككين لأنها لا تأخذ في الاعتبار خطة الله النهائية للعدالة والمحبة.

إن وجود الشر لا يتناقض مع صفات الله، بل يعزز السرد الكتابي لعالم سقط في الخطيئة. الله في محبته وقدرته، قدّم الحل النهائي للشر وللبشرية من خلال الفداء بالمسيح، كما جاء في الكتاب: لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. (يوحنا 3: 16).

وليس ذلك فقط بل سيعيد الله في النهاية العدالة ويزيل كل أثر للشر كقول الكتاب:

“وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ».” (رؤ 21: 4).

هنا نلاحظ ضعف حجة المشكك، فالافتراض القائل إن الله ملزم بمنع الشر فورًا يتجاهل حكمته الإلهية وأهدافه السامية، كإظهار سيادته وتعليم الإنسان الدروس الأخلاقية الكبرى وغيرها من الاهداف. هذا التفكير الذي يعرضه المشكك هو اختزال غير منطقي لطبيعة الله وأفعاله.

منطقيا اذاً نستطيع القول بأنّ وجود الشر لا ينفي وجود إله كلي القدرة وكلي المحبة، بل يكشف عن الحاجة البشرية الملحّة إلى وجود الله ويؤكد سَرْد الكتاب المقدس عن سقوط الإنسان وفداء الله له. بذلك، يصبح المنطق أداةَ حاسمة لتفنيد الاعتراضات وإثبات انسجام العقيدة المسيحية مع العقل والحقائق.

 

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

دور المنطق في الرد على التناقضات المزعومة في الكتاب المقدس

من الاعتراضات الشائعة أيضًا وجود تناقضات مزعومة في الكتاب المقدس. يدّعي المشككون أن التناقضات بين بعض النصوص الكتابية تدحض مصداقية الكتاب وتؤكد عدم موثوقيته.

عند التمحيص والتدقيق والفحص في هذه الاعتراضات، يتبين أن العديد من التناقضات المزعومة تنبع من سوء فهم للسياق أو للمعنى المقصود من النصوص. إن المنطق يساعد على توضيح هذه القضايا الاشكالية من خلال التحليل الدقيق للغة والسياق والهدف من هذه النصوص بعناية.

على سبيل المثال، قد يُشير المشككون إلى الاختلافات في تفاصيل روايات القيامة بين الأناجيل كدليل على التناقض.

يكشف التحليل المنطقي أن هذه الروايات متكاملة تماما لا يشوبها أي تناقضات، بل هي متّسقة تماما عندما تُفهم في سياقها الصحيح. كل كاتب إنجيلي يسرد الحدث وفقًا للجانب الذي يراه مهمًا في توصيل الرسالة الإلهية، ولا يُقصد منها تقديم صورة متماثلة تمامًا من كل زاوية بل توصيل صورة متكاملة. تمامًا كما قد يركز شهود عيان مختلفون على تفاصيل متنوعة لحادث واحد.

إن الفروق بين النصوص لا تدحض موثوقية الكتاب المقدس، بل على العكس، تُظهر تنوعًا في الأسلوب والرؤية التي تكمّل بعضها البعض. يمكن للمنطق أن يوضح هذه الفروق ويُبين أن الكتاب المقدس يظل وثيقة متّسقة وموثوقة عندما يُفهم في سياقه الصحيح.

 

الأساس الكتابي للتفكير العقلاني؟

يشجع الكتاب المقدس على التفكير العقلاني والمنطقي، حيث يستخدم العديد من الأساليب والمفاهيم والحجج المنطقية داخل نصوصه.

على سبيل المثال قول بولس الرسول في رسالته الى رومية: “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.” (رو 1: 20).

هنا، يستخدم بولس الرسول المنطق ليبين أن الدليل على وجود الله واضح في الخليقة، بحيث لا يمكن لأحد أن يدّعي الجهل بوجوده.

لأن صفاته غير المنظورة، أي قدرته الأبدية وطبيعته الإلهية، تظهر بوضوح، منذ خلق العالم في الأشياء المصنوعة. فهكذا هم بلا عذر.”

بولس الرسول في هذا النص يقدم حُجّة منطقية مفادها أن من الواضح أن هناك خالقًا، وأن كل ما في الكون يشهد على وجوده وقدرته، وبالتالي لا يوجد عذر لمن ينكر وجود الله.

وبالمثل في رسالة كورنثوس الاولى، يستخدم بولس منطقًا مشابهًا للدفاع عن حقيقة القيامة. فيقول: “”وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ. أَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَاكُمْ!” (1 كو 15: 17).

حُجَّة بولس هنا واضحة ومباشرة: إذا لم تكن القيامة قد حدثت، فإن الإيمان المسيحي كله يتهاوى. ولكن بما أن القيامة قد حدثت بالفعل، فهي تُشكل أساس الإيمان والرجاء في الحياة الأبدية.

كثيرا ما كان السيد المسيح ذاته يستخدم المنطق في تعاليمه. على سبيل المثال، في انجيل متى طرح يسوع معضلة منطقية على الفريسيين بشأن هويته. “وَفِيمَا كَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ مُجْتَمِعِينَ سَأَلَهُمْ يَسُوعُ قَائلًا: «مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟» قَالُوا لَهُ: «ابْنُ دَاوُدَ». قَالَ لَهُمْ: «فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟ قَائِلًا: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟» فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً.” (مت 22: 41-46).

سألهم كيف يمكن أن يكون المسيح ابن داود وفي نفس الوقت رب داود. هذا السؤال كان تحديًا لفهمهم وأظهر قصور تفسيرهم للكتاب المقدس. من خلال هذا السؤال، أظهر يسوع براعته في استخدام التفكير المنطقي وحكمته الإلهية.

من خلال الكتاب المقدس، نرى أن العقلانية والتفكير المنطقي ليست أشياء غريبة على التعليم المسيحي، بل هما جزءًا لا يتجزأ من طريقة الكتاب المقدس في تقديم الحقائق الإيمانية.

 

أهمية المنطق في الخطاب اللاهوتي

يشكّل المنطق ركيزة أساسية في الخطاب اللاهوتي وفي الدفاع عن العقائد الكتابية. يقوم اللاهوت المسيحي على اساس ان الحقيقة متماسكة ومتّسقة وقابلة للفهم. بما أن السيد المسيح هو تجسيد للحقيقة عندما عرّف عن نفسه بقوله: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ.” (يو 14: 6). فإنه من الطبيعي والمنطقي أن تكون العقائد التي علّمها صادقة، منسجمة ومتّسقة منطقياً.

بالإضافة الى ذلك، يُعد المنطق اداةَ ضرورية للتمييز بين الحق والباطل.

في رسالة يوحنا الاولى يحذر يوحنا الرسول المؤمنين قائلاً: أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ. (1يو 4: 1).

هذا التحذير يدعو المسيحيين إلى دراسة التعاليم بتمعُّن للتأكد من مطابقتها للكتاب المقدس، وهنا يظهر دور المنطق في الكشف عن المغالطات والتناقضات في التعاليم الزائفة.

ليس المنطق اداةَ لفهم العقائد اللاهوتية فقط، بل ايضا يُعَدُّ وسيلة أساسية لفحص ودحض الأفكار المغلوطة. باستخدام المنطق، يُمكن للمدافعين عن الإيمان اثبات اتّساق الحقائق الكتابية وموثوقيتها، مما يعزز إيمان المؤمنين ويمنحهم ثقة اكبر في مواجهة التعاليم المخالفة والافكار المغلوطة.

 

المنطق والإيمان: تكامُل لا تعارُض

غالبًا ما يُساء تصوير العلاقة بين المسيحية والعقل، فيُظَنُّ انهما نقيضان لا يجتمعان. لكن الحقيقة، كما يظهر من تعاليم الكتاب المقدس فإن الإيمان والمنطق غير متناقضين ولا يستبعد أحدهما الآخر، بل على العكس من ذلك، هما مكمّلان لبعضهما البعض.

يدعو السيد المسيح أتباعه إلى محبة الله بكل قلوبهم وأرواحهم وعقولهم “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ.” (مت 22: 37). وهذا يشمل استخدام العقل للتفكير من خلال حقائق الكتاب المقدس، والدفاع عن العقيدة، والسيْر وفقًا لحكمة الله.

يوفر المنطق الإطار الهام الذي يساعد المسيحيين على فهم وشرح معتقداتهم والدفاع عنها بفعالية. فهو يساعد على توضيح التماسك الداخلي للعقائد المسيحية واتّساقها، مُبرزاً أن الإيمان بالله ليس إيمانًا أعمى، بل قائم على اساس عقلاني ومنطقي. إن دعوة الكتاب المقدس الى التفكير والبحث، مع بنية حججه المنطقية واهتمامه بالحقيقة تؤكد على اهمية العقل في حياة المسيحي.

من خلال المنطق، يستطيع المسيحيين والمهتمين بمجال الدفاعيات من تحقيق الوصيّة التي أوصى بها بطرس الرسول: “بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ،” (1 بط 3: 15).

 

الخاتمة:

المنطق ليس مجرد أداةَ لفهم الايمان المسيحي فقط، بل هو أداة فعّالة في الدفاع عن العقيدة المسيحية واظهار الاتّساق بين الإيمان والعقل. يتمكن المسيحيون من تقديم حجج عقلانية متماسكة، تدعم صحة الكتاب المقدس وألوهية المسيح، وهكذا يجمع الإيمان المسيحي بين عمق الاحساس القلبي واتساق التفكير العقلي، مما يجعله تجربة شاملة متكاملة.

 

ليكون للبركة

ترجمة: Patricia Michael

 

What Role Does Logic Play in the Defense of Christian Doctrine?

 

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

الولادة العذرية هل امر ضد المنطق؟ جيمي والاس – ترجمة: لينا عفيصة

الولادة العذرية هل امر ضد المنطق؟ جيمي والاس – ترجمة: لينا عفيصة

الولادة العذرية هل امر ضد المنطق؟ جيمي والاس – ترجمة: لينا عفيصة

أراد شخص في الماضي أن يشير إلى مدى “سخافة” المسيحية، مما دفعني لإجراء العديد من المحادثات حول المسيحية. يبدو أن قصة ولادة المسيح من عذراء تظهر دائمًا في المقدمة. بدت فكرة أن يسوع قد ولد من عذراء ساذجة للغاية بالنسبة لهم لدرجة أنها تجاوزت كل السذاجات؛ بالطبع، ولادة العذراء شيء موجود فقط في الأساطير والحكايات الخيالية، وهو شيء قد يؤمن به الأطفال، لكنه ليس شيئًا مفروضا على أي شخص بالغ وعاقل ان يتقبله او يؤمن به. مع ذلك، فإن فكرة ولادة يسوع من عذراء لا تزعجني كمسيحي، هناك مشاكل أكبر يجب أن نتعامل معها قبل أن نصل إلى ولادة يسوع.

ان أول ادعاء في الكتاب المقدس يتعلق بخلق الكون. أنه لم يكن هناك شيء، ثم خلق الله كل شيء من عدم. هذه المعجزة، (أن كل شيء في عالمنا العملاق خلق من عدم)، ليست فقط مشكلة يجب على المسيحي التعامل معها وحسب، بل هي مشكلة يجب على الجميع التعامل معها. تشير جميع الأدلة العلمية الحديثة إلى أنه في وقت ما في الماضي البعيد، كان للكون بداية. ويشير العلم نفسه إلى أن كل شيء نشأ من العدم. ومع ذلك، عمل العلماء جاهدين لإيجاد قانوناً طبيعياً أو آليةً ما لشرح كيف يمكن أن يحدث هذا. يبدو أن العالم الطبيعي لا يستطيع تقديم تفسير مقنع لكل شيء يأتي من العدم.

يصرح الكتاب المقدس أيضًا أن الله خلق كل الحياة، بما في ذلك البشر. تشير أدلتنا العلمية الحديثة إلى أنه في الماضي البعيد لم تكن هناك حياة في الكون، وأنه من اللا حياة هذه، ظهرت الحياة فجأة. ومع ذلك، يسعى العلماء لإيجاد تفسير طبيعي للحياة، ناهيك عن التنوع الهائل الذي نراه في العالم من حولنا وناهيك عن ظهور الوعي نفسه، الذي نكافح لشرح ما إذا لم يكن هناك وعي قبل وجود الوعي.

بينما يكافح العلماء للتعامل مع الحقائق العلمية التي لا تستطيع القوانين الطبيعية تفسيرها، فإننا نجد المسيحي لا يكترث بهذه الأفكار، لان ايمانه هو ان هذه كلها كانت أفعالًا خارقة للطبيعة من قبل الله. نستطيع القول ان المسيحي يقرأ في الكتاب المقدس العديد من المعجزات التي قام بها الرب الاله في العهد القديم، لذلك عندما يصلون إلى العهد الجديد ويقرؤون عن ولادة يسوع، تبدو الولادة العذرية شيئاً بسيطاً، ومعجزة بسيطة لا تقارن بالعمل الذي قام به الله بالفعل. كتكتيك خلال الجدل، فإن إثارة “سخافة” الولادة العذرية مع مسيحي أمر غير فعال. يؤمن المسيحيون كلهم بالمعجزات ويعرفون أن الله قد فعل أشياء أعظم من هذه بكثير. إن كان الله قد خلق كل شيء من العدم، فيمكنه بالتأكيد السماح لعذراء بالولادة.

لا تتعلق القضية هنا بمعجزة الولادة العذرية بقدر ما تتعلق بوجود المعجزات نفسها. إذا بدأت بالافتراض المسبق بأن المعجزات لا يمكن أن تحدث، فإن أي معجزة، كبيرة كانت أم صغيرة، ستكون سخيفة وتشكل عائقًا رئيسيًا أمام الإيمان. لذلك نرى ان المسيحي لا يبدأ بأي افتراض مسبق من هذا القبيل. في الواقع، يجب أن يكون الموقف المسيحي المتعلق بالمعجزات هو أن المعجزات قد تحدث، ولكن يجب تقييم كل حدث على أساس مزاياه لتحديد ما إذا كان طبيعيًا أم خارقاً للطبيعة. يمكن تفسير شروق الشمس كل صباح من خلال العمليات الطبيعية، لذلك يمكن للمسيحي أن يكتفي بالاعتقاد بأن شروق الشمس ليس معجزة.

مع ذلك، فإن وجود الشمس (وبقية الكون حولها) عندما لم يكن هناك شيء سابقًا لا يمكن تفسيره بوسائل طبيعية، ولذلك من المعقول أن يؤمن المسيحي بأن الوجود له تفسير خارق للطبيعة (وبالتالي هو معجزة). المسيحي في هذه الحالة لديه الموقف الأكثر منطقية، الذي يسمح له باتباع الأدلة إلى حيث تؤدي. البدء بالاستنتاج المسبق (أن المعجزات لا يمكن أن تحدث)، يمنعك من اتباع الأدلة إلى حيث تؤدي إذا كانت الأدلة تشير إلى اتجاه كنت قد قررت بالفعل عدم الذهاب إليه.

https://coldcasechristianity.com/writings/what-is-the-deal-with-the-virgin-birth/

الولادة العذرية هل امر ضد المنطق؟ جيمي والاس – ترجمة: لينا عفيصة

كتاب لماذا أؤمن؟ إجابات منطقية عن الإيمان – بول ليتل PDF

كتاب لماذا أؤمن؟ إجابات منطقية عن الإيمان – بول ليتل PDF

كتاب لماذا أؤمن؟ إجابات منطقية عن الإيمان – بول ليتل PDF

كتاب لماذا أؤمن؟ إجابات منطقية عن الإيمان – بول ليتل PDF

 

محتويات الكتاب:
هل المسيحية منطقية ؟
 
هل يوجد اله ؟
 
هل المسيح هو الله ؟
 
هل قام المسيح من بين الاموات ؟
رواية القبر الفارغ
ظهورات المسيح
البرهان المعاصر
 
هل الكتاب المقدس هو كلمة الله ؟
 
هل يمكن الاعتماد على وثائق الكتاب المقدس ؟
 
هل الاثار تؤيد الكتاب المقدس ؟
هل المعجزات ممكنة ؟
هل يتفق العلم مع الكتاب المقدس ؟
لماذا يسمح الله بالمعاناة و الشر ؟
هل تختلف المسيحية عن اديان العالم الاخرى ؟
هل الاختبار المسيحي صحيح ؟

 

تحميل الكتاب PDF

كتاب الله والإلحاد الدليل المختصر للأسئلة حول وجود الله – القس أمير ثروت PDF

كتاب الله والإلحاد الدليل المختصر للأسئلة حول وجود الله – القس أمير ثروت PDF

 

كتاب الله والإلحاد الدليل المختصر للأسئلة حول وجود الله – القس أمير ثروت PDF

كتاب الله والإلحاد الدليل المختصر للأسئلة حول وجود الله – القس أمير ثروت PDF

 

تحميل الكتاب PDF

كتاب ليتني أستطيع أن أؤمن – ويم ريتكريك – ترجمة سليم إسكندر PDF

كتاب ليتني أستطيع أن أؤمن – ويم ريتكريك – ترجمة سليم إسكندر PDF

كتاب ليتني أستطيع أن أؤمن – ويم ريتكريك – ترجمة سليم إسكندر PDF

كتاب ليتني أستطيع أن أؤمن – ويم ريتكريك – ترجمة سليم إسكندر PDF

تحميل الكتاب PDF

كتاب المنطق والايمان – م. هـ. فنلي

كتاب المنطق والايمان – م. هـ. فنلي

المنطق والايمان – م. هـ. فنلي

المنطق والايمان – م. هـ. فنلي

 

لتحميل الكتاب

كتاب المنطق والايمان – م. هـ. فنلي

الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

الثالوث القدوس – دراسة دائرة المعارف الكتابية

خرج علينا أحمد سبيع، وهو شاب مسلم كل معرفته بالعقيدة المسيحية لا تتجاوز معرفة من لم يتجاوز عمره في المسيحية 10 أعوام، بفيديو يتكلم فيه عن عقيدة الثالوث، ويصفها بأنها عقيدة غير منطقية ووثنية وأنها عقيدة لا يمكن فهمها حتى من الآباء الأولين وأن الأمثلة التي يسوقها المسيحيون إنما هي لا تمت بصلة للثالوث ولا تشرحهُ. ونحن في هذا الرد المختصر سنقتبس كلامه بالعامية المصرية ثم نجبه في نقاط محددة مرتبة لكي يكون الاعتراض والرد واضحين.

اقتباس

من فترة بسيطة كنت بتكلم مع شخص مسيحي على الفيس بوك فبيقول لي: أنتوا عارفين أننا بنعبد إله واحد، وأنتوا يا مسلمين بتستعبطوا، أو ربما التعليم الفاشل خلاكم أغبياء مش فاهمين، فرديت عليه وقلت له: إحنا فعلا بنستعبط: إزاي مش قادرين نفهم الدين البسيط ده؟ إله واحد وعنده إبن، وهذا الإبن هو أيضًا إله، وعندهم روح قدس هو أيضا إله ومع ذلك هم مش 3 هم واحد بس. لأ فعلا إحنا بنستعبط جدًا.

التعليق:

أولًا: قال الناس قديمًا “تكلم حتى أراك” وقالوا أيضًا “لغتك تظهرك”، وما قاله أحمد سبيع هنا يُعد بيانا لمستوى علمه بالعقائد المسيحية ومثالها هنا هو الثالوث. فأحمد سبيع يعتقد أن الثالوث المسيحي هو “إله واحد وله ابن الذي هو أيضًا إله، ولهما الروح القدس الذي هو أيضًا إله، لكنهم ليسوا 3 بل واحد”، هذا الشرح الذي لربما لم يقله أي مسيحي على الإطلاق من بين كل المسيحيين، لكن أحمد سبيع ينسبه لنا كتعريف عن عقيدة الثالوث. فالثالوث القدوس هو كشف الوهي أكثر عن طبيعة الله الواحد، فعندما نبدأ شرح الثالوث نبدأ من الإله الواحد الجوهر، ثم نتعمق في معرفتنا بهذا الإله الواحد فنعرف –عن طريق الوحي- أنه مثلث الأقانيم. ومعرفتنا بأنه مثلث الأقانيم ليست خروجا عن الجوهر الواحد فنعدده إلى ثلاثة، بل هو دخول لعمق الله أكثر وأكثر لمعرفة طبيعته كما أعلنها لنا. لكن أحمد سبيع بدأ بالثالوث أولًا، وليس بالجوهر الواحد، رغم أن النصوص التي تصرح بعبادتنا لإله واحد متواجدة في شرق الكتاب وغربه، بل أنها حتى أول اعتراف في قانون الإيمان [بالحقيقة نؤمن، بإله واحد].

ثانيًا: في وصفه للعلاقات الأقنومية، استخدم احمد سبيع لفظ “عنده ابن” لوصف علاقة الآب بالابن، ولفظ “عندهم روح قدس”، في فصل واضح للأقانيم، فكيف يستقيم شرحه إذن لو علمنا أن الأقانيم الثلاثة متحدة جوهريًا وليس بين أقنوم وآخر تفاوت زمني في الوجود، فليس الآب لأنه آبًا قد سبق الابن في الوجود باعتباره ابنًا، وليس الآب لأنه باثقًا للروح القدس قد كان هناك وقت لم يكن فيه الروح القدس منبثقًا، فالعلاقات الأقنومية هي علاقات لشرح طبيعة العلاقة بين الأقانيم وليس لترتيبهم زمنيا أو تراتبيًا، فالآب دوما هو آب لأنه دومًا والدًا للابن، والابن دوما هو ابن لأنه دومًا مولود من الآب، والروح دوما هو منبثق من الآب. فالتعبيرات التي استخدمها احمد يظهر منها بجلاء الانفصالية بين الأقانيم، وكان الانسان يستطيع تحجيم الآب ورؤيته منفصلا عن ذاك الذي هو الابن مثلاً. وكيف يكون هذا وكل أقنوم هو غير محدود بمكان أو غير مكان؟

ثالثًا: العبارة الأخيرة له تقول [ومع ذلك هم مش 3 هم واحد بس]، والحقيقة أنهم 3، والحقيقة أيضًا أنهم 1، لكن واحد ماذا، وثلاثة ماذا؟ إنهم ثلاثة أقانيم وجوهر واحد. فعندما ننفي أنهم ثلاثة فإننا بذلك ننفي أنهم 3 جواهر، وعندما ننفي أنهم واحد، فإننا ننفي أنهم أقنوم واحد. فتعبير أحمد سبيع الذي يذكر أننا نؤكد أنهم ليسوا ثلاثة بل واحد، هو تعبير صبياني في هذا السياق، لأنه لم يحدد من هو الواحد ومن هم الثلاثة، بل أنه لو قرأ سيعرف أننا نقول إنهم واحد وثلاثة، وثلاثة وواحد في آن، فهم جوهر واحد وثلاثة أقانيم، فلا تنفي الأولى الثانية ولا الثانية الأولى.

اقتباس

فهل فعلا المشكلة في المسلمين ولا المشكلة في الثالوث نفسه وأنه لا يمكن أن يُفهم لأنه غير منطقي وغير صحيح.

اكتفيت باقتباس هذه الكلمات القليلة لأنها رغم قلتها إلا أنها فحوى اعتراض غير المسيحين خصوصًا العرب منهم، ولن نجد شخصًا يعبر عن أقل مستوى معرفي لاهوتي بعقائد المسيحية أفضل من أحمد سبيع، فلنناقش ما يقوله.

 

أولًا: المشكلة ليست في المسلمين، المشكلة في طبيعة الجنس البشري كله الذي ما ان بدأ في أي أمر جديد يجده صعبًا في البداية، حتى ابتدعنا عبارة [كل شيء في بدايته صعبًا]، فكل المواد الدراسية في بدايتها صعبة على أغلبنا، وكل تعليم صعب، جرب أن تقرأ عن أي علم آخر، بل جرب أن تقرأ عن أي لغة أخرى وتبدأ في تعلمها، ستجدها في البداية صعبة، جرب أن تتعلم فيزياء الكم، أو الفيزياء بفروعها أو الرياضيات أو الكيمياء..إلخ، فستجدها صعبة في بدايتها. هذه ليست مشكلة المسلمين، بل طبيعة الجنس البشري كله. فكم وكم تكون الصعوبة عندما تنشأ على معتقد يكفر المسيحيين، وعطي أوصافا لا يؤمن بها المسيحيون أصلًا مثل أن الله هو “ثالث ثلاثة” أي “أحد ثلاثة”، في حين أن الثالوث في المسيحية هو داخل الله، فالله ليس أحد أطراف الثالوث، بل أنه هو الثالوث، ومثل أن الثالوث هو “الله اتخذ صاحبة (مريم) وأنجب منها الولد (عيسى)”، ثم تجد السواد الأعظم منكم يؤمنون أن هذا ما نؤمن به، ويكون علينا عبء بيان أوضح الواضحات أن هذا ليس ثالوثنا ولا هذه عقيدتنا في الثالوث. فهنا تكمل المشكلة، شخص يريد أن يدرس عقيدة غيره، التي تم شيطنتها منذ نعومة أظافره في أذنيه وأمام عينيه، فكيف سيفهم بحق؟

 

ثانيًا: نطرح هنا سؤالًا، كف يحكم الانسان على شيء أنه منطقي أو أنه غير منطقي؟ وما هو المنطق المقصود هنا كمقياس للحكم على الأشياء؟ لكي نستطيع إجابة هذه الأسئلة يجب أولا ان نعرف كيف يُدرِك عقل الانسان. إن عقل الإنسان لهو مرآة لما مر به من خبرات عبر حواسه ليختبره ويستطيع استرجاعه في كل مرة يحدث أي شيء يذكره به. فمثلاً، أن الذين وُلدوا مكفوفين، لا يمكن أن تشرح لهم ما هو اللون الأحمر، أو الأزرق أو الأخضر أو غيرها من الألوان الأخرى، وهذا لأن كل ما يروه مجبرين هو اللون الأسود، ولا يمكن لغالبيتهم شرح ما هي الدرجات الأفتح والأغمق من أي لون، حتى الأسود، لأنهم وببساطة لم يختبروا هذا التدرج في عقولهم التي لم تر يومًا أي لون آخر. لذا، فعندما تصف لأحدهم شيء، فهو يحاول تكوين صورة عنه في ذهنه، ومتى تم ذلك، فأنه حين يذكر أحدهم هذا الاسم امامه، فأنه يسترجع هذه الصورة التي رسمها هو بنفسه في عقله عن هذا الشيء، ويمكن ان تكون هذه الصورة هي صورة غير صحيحة، لكنها هي التي استقرت في عقله في الأخير.

إذا تخيلنا وجود إنسان لا يملك حاسة الشم منذ ولادته، فكيف يمكن أن تشرح له اختلاف رائحة عطر ما عن عطر آخر؟ لكن، وعلى النقيض، عندما يشم من لديه حاسة الشم رائحة عطر ما، فهذا العطر يحفظه في عقله عبر حواسه، وإذا تعرف على رائحة عطر آخر، سيستطيع تلقائيًا التفريق بينهما، فيقول لك أن هذا العطر ليس ذاك، وإذا شم رائحته في مكان آخر سيتذكره وربما يتذكر أسمه أيضًا. كل هذا لأن رائحة العطر هذه تم تخزينها كمُعَرَّف داخل عقله. هكذا كل الموصوفات التي يعرفها الانسان يوميا، أوصاف مثل، الأقصَر والأطول، السمين والنحيف، الناعم الملمس والخشن، الكبير والصغير، القوي والضعيف، السخن والبارد، الآمن والخطر..إلخ.

كل هذه الأوصاف إنما هي أوصاف لموصوفات تعامل معها الانسان يوما ما فاستقر الوصف الذي توصف به على الموصوف، بمعنى أنك اليوم حينما تقرأ الآن أن فلانا طويلاً، فسيكون عقلك تلقائيًا قد استحضر واسترجع معنى الطول، فلن يأتي في عقلك مثلا الشخص السمين، لأن مفهوم السِمنة في عقلك مفهوم مختلف عن هذا اللفظ “طويل”.  هكذا كل وصف آخر، فعملية الادراك والفهم تقع وفق ما اختبره الانسان وما جمّعه من خبرات طوال حياته ليستطيع استرجاعها متى مر امامه شيء يُذكرهُ بها.

أما عن الحكم على شيء أنه منطقي أو غير منطقي، فعقل الإنسان يربط ما يعرفه من معارف سابقًة معًا، وهذه المعارف هي الأوصاف والخبرات التي مر بها في حياته، ثم بعدما يربط هذه المعارف يرى كيف أنها تتوافق مع بعضها أم لا تتوافق، فإن توافقت فهي منطقية وإلا فهي غير منطقية. فهل من المنطق أن يوصف شخص أنه سمين ورفيع؟ هذا مع عدم تغير العوامل الأخرى مثل النسبية في الحُكم. بالطبع لا، فإن الانسان إما سمينا أو رفيعا أو لا هذا ولا ذاك. هل يمكن لإنسان أن يصف كوب من الماء مثلا أنه ساخن ومثلج في نفس الوقت بالنسبة له؟ بالطبع لا، فهذا غير منطقي ولا يمكن لعقل الإنسان اختبار هذا لأن يده لم تمس شيء ساخن ومثلج في نفس الوقت، وبالتالي، فهذا الكلام بالنسبة له غير منطقي لأنه لا يمثل له خبرة سابقة قد اختبرها.

أما الكلام عن الله، حتى في دين أحمد سبيع، فأنه غير متصور، حتى في الأوصاف التي قالها عن نفسه، فمثلا عندما يصف الإله نفسه فيقول “الرحمن على العرش استوى”، فمع أنك لو سمعت شخصًا يقول “أخي على العرش استوى” ستفهم مباشرة أن أخيه قد جلس على عرشه كأن يكون ملكا مثلاً. إنما هذا الفهم المنطقي التلقائي ستجدهم يمنعوه عن فِعل الاستواء لله ويقولون لك “الكيف مجهول” مع أن الكيف معلوم في حق غير الله لأنه متصور لدى العقل البشري كيف لإنسان أو حيوان ان يستوي على كرسي مثلا، لكن لأن الله غير متصور الهيئة والذات فلا يستطيعون رسم صورة ذهنية لاستواء الله على عرش. هكذا مع كافة الأوصاف التي يصفون الله بها، فما معنى أن لله يد؟ وساق؟ وأنه ينزل ويصعد؟ إلخ، فمع أن هذه الأوصاف هي أوصاف بسيطة وأفعال بسيطة يعرفها كل انسان اذا ما قيلت أمامه عن انسان اخر، إلا ان التوقف عن فهم كيفيتها هو المتبع لديهم، فإذا علمنا أنهم لا يتخيلون حتى الأوصاف والأفعال المذكورة لديهم عن إلههم، فكيف يتخيلون الله نفسه؟ إذا كانت أفعاله وأوصافه الواردة نصًا، غير متصورة، فكم وكم بفاعل هذه الأفعال نفسه؟ ما طبيعته؟ إن سألناهم عن طبيعته؟ فهل يعرفون؟

 

ثالثًا: لكي نحكم على شيء ما أنه منطقي، لابد أولا أن يكون هذا الشيء معقولًا أي متصورا داخل عقولنا لكي نستطيع قياسه على ما في عقولنا من معارف وخبرات، ولما كان هذا ممتنعا عندنا وعندهم، صار مجرد إدراك طبيعة الله الواحد، من المحال على البشر، بل أن رؤيته في طبيعته من محال أيضًا. فإن كنا لا نستطيع معرفة ذات الله الخاصة، فكيف نحكم فيها بأنها منطقية أو غير منطقية؟ نحن ليس لدينا خبرات سابقة في التعرض لآلهه في طبيعتها لكي نعرف كيف نقيس هذا الأمر أهو منطقي أم غير منطقي، فعدم فهمنا لطبيعة الله الواحد حتى ناتجة عن إنعدام معرفتنا السابقة بكينونة هذا الإله، فلم يختبر العقل البشري معرفة سابقة بإله غير محدود وغير مرئي ولا مدرك أو متصور.

فمن يصفون الثالوث أنه غير منطقي يتعدون كل قواعد المنطق، فالمنطق البشري الذي هو استقراء لقواعد بشرية عرفناها في خبراتنا البشرية المتراكمة ليس حكما على من هو خارج الزمان والمكان والقوانين الفزيائية، فكيف لإنسان يحكم بقواعد محددة بمعرفته البشرية أن يحكم على ما يتجاوز حدود كل المعرفات البشرية؟ والأكثر من ذلك، أن حتى مسألة الروح لا يعرفون لها معنى أو تفسير، ويتوقفون عن الكلام فيها بعبارة “هي من أمر ربي” فلا يمكن تخيلها، فكم وكم بالخالق؟ وسوف نورد فيما يأتي أقوال علماء الإسلام أنفسهم في نقض ما يقوله أحمد سبيع والتعدي على العقل.

 

رابعًا: عندما يسأل شخص عن كيف يتكلم الله، فهل يمكن لمسلم أن يجيبه؟ ستكون الإجابة العامة هي “يتكلم كما يليق بجلاله تعالى وعظمته”، وكيف استوى؟ استواء يليق بجلاله تعالى وعظمته..إلخ. فأن تكلمنا عنه هو، وقلنا، أداخل العالم هو أم خارجه؟ أفي كل مكان أم لا؟ إن سألناهم عن “ساق الله” في “يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) القلم” فالساق معروفة، فهل له مثل التي لنا؟ سيقولون لا، سنقول، إذن ما هي؟ سيتوقفون وسيقولون إنها ساق تليق بعظمته وجلاله! وخلاصة القول في هذا أن المعترض نفسه لا يمكنه التفكير في أفعال الله وصفاته لأن ذات الله عنده غير موصوفة وغير معروفة، فتجده يؤمن بالشيء ونقيضه في آن واحد، فتجده ينسب لله اليد واليد والنزول، لكنه ينزه الله عن الساق واليد والنزول ولا يعرف ماهيتهم، ثم تجده فجأة يسألك أنت عن طبيعة الله الواحد الثالوث ويريد أن يفهمها هو بنفسه، وإلا لصارت عقيدة غير منطقية!

 

اقتباس

الإله في الإسلام، هو إله واحد، وحدانية مطلقة، لكن في المسيحية إله واحد لكن مكون من ثلاثة أقانيم.

أولًا: نشكر الله الواحد أن أحمد سبيع اعترف أن الإله في المسيحية هو إله واحد!

ثانيًا: الإله في المسيحية ليس “مكون من” ولا “مركب”! فهذا من الجهل المدقع الذي يملأ عقول البعض ممن يتصدرون الهجوم على العقيدة المسيحية! فإن كان أحمد سبيع لا يعرف أصلا ما يعتقده المسيحيون في إلههم، فكيف يريد أن يفهمه إلههم نفسه؟

ثالثًا: عن ماهية هذا الإله الواحد في الإسلام نبدأ المناقشة، فنريد أن نعرف، أي نوع من الوحدانية هو؟ أوحدانية النوع أم العدد أم الجنس أم ماذا؟ مع العلم أن الإله في الإسلام هو “ليس كمثله شيء” وليس “ليس مثله شيء”، فالنص ينسب لله وجود المثل، وينفي أن شيء مثل هذا المثل، لكن هذه قضية أخرى. فكل نوع من هذه الأنواع يماثله آخر فيها، فوحدانية الجنس يماثله فيها وحدانية للأجناس الأخرى، فكل جنس يكون واحدا في جنسه، فكيف ليس كمثله شيء؟ ووحدانية العدد يماثله فيها وحدانية كل إنسان منا، فكل منا واحد في عدده، فأنا واحد وأنت واحد وهو واحد كما أن الواحد العددي هو واحد من ضمن العدد الكثير فالواحد جزء من الأعداد، ووحدانية النوع يماثله فيها الأنواع الأخرى، مثل الذكور والإناث وخلافه. فأي نوع من الواحد هو؟ فكلمة “واحد” ليست كلمة بسيطة إذا أردنا فهمها بشكل أعمق، فصفة الواحد يجب أن يلازمها صفة أخرى ليتم تعريف هذه الوحدانية فيها.

 

اقتباس

كلمة قنوما تعني شخص بالسريانية، يعني إله واحد مكون من ثلاث أشخاص.

يحلو للإخوة المسلمين اقتباس هذه الكلمة واختيار هذا المعنى من معاني كلمة “قنوما” أو “قنومو” السريانية من بين المعاني الأخرى. وعلى الرغم من أن هذا المعنى ليس كما يدل عليه اللفظ الآن، لأن هذا اللفظ لفظ قديم. فمثلاً كلمة “راجل” قديمًا تختلف عن المعنى المعروف الآن بين عوام الناس. فالكلمة قديمًا تعني “الترجل” أي السير على الأقدام، ومنها جاءت كلمة “رِجل”، لكن الآن تستخدم مثلا في مصر بمعنى “ذَكرٌ” ففلانة إمراة وفلان راجل، ويقال “راجل من ظهر راجل” وهناك كلمات كثيرة على هذا النمط. لكن ليس هذا المستغرب فقط في كلامه، بل أن أحمد سبيع من المفترض أن الكلمة السريانية هي مجرد ترجمة لكلمة أخرى أتت في الإنجيل والكلمة اليونانية أدق قليلاً في المعنى اللاهوتي عن الكلمة السريانية المنتشرة. فالكلمة لا تعني “شخص” بالمعنى المعروف الآن، أن فلان هذا شخص وفلان شخص آخر فهم منفصلون. بل أن من معاني الكلمة الطبيعة، وهنا المقصود هو الطبيعة المشخصنة أي العاقلة.

اقتباس

المسيحيون يضربون أمثلة عشان يوضحوا الثالوث، مثل الإنسان، عبارة عن جسد وعقل وروح، ولكن ليس ثلاثة أشخاص. وأنظروا للشمس، مكونة من كتلة وضوء وحرارة، ومع ذلك ليست ثلاثة شموس، ومثل الإصبع مكون من ثلاثة أجزاء، لكنه هو إصبع واحد. (بتصرف). وهذه الأمثلة يقولها كل مسيحي تتكلم معه، ولكن المشكلة أن هذه الأمثلة ليست لها علاقة بالثالوث المسيحي أصلا، فالمشكلة ليست في أن كيف ثلاثة مكونات يكونوِّا شيء واحد، هذا ليس به مشكلة، إنما المشكلة أن الثالوث ليس مكونات لشيء واحد. لكن كل واحد من الثالوث هو إله، مش جزء من إله ولا صفة من صفات الإله ولا خاصية من الإله. لكن في مثال الإصبع والشمس والإنسان فأننا نتكلم عن مكونات وخواص، فالإصبع مكون من ثلاث أجزاء، لكن لا نقول عن كل جزء منه أنه إصبع، لكن الثالوث بنقول على كل واحد منه أنه إله.

أولاً: الأمثلة لا تعطى للتطابق، بل للإيضاح، فعندما أقول لك أنك سريع مثل الفهد، فلا تقل لي أني إنسانا ولستُ حيوانًا، فسبب ضرب المثال هنا ليس كونك مطابق للفهد في كل شيء، بل التشابه في عامل السرعة فقط. هكذا الله، لا يوجد مثال له، ولا شبه مثال، ولا شبه شبه شبه مثال لطبيعة لاهوته، فهو غير موصوف وغير مدرك وغير مرئي، ولا يماثله من مخلوقاته شيء، إنما نضرب الأمثلة لكم لتقريب الفهم مع الفارق الكبير بين المثل وطبيعة الله. ففي مثال الإنسان نضرب المثل لا لكي نقول أن الله إنسانا أو أن الإنسان إلها، بل لنقول أن نفس الإنسان وروحه وجسده يمثلان الإنسان بلا انفصال، فلا يمكن فصل الروح أو النفس أو الجسد عن أي من الإثنين الآخرين، وهذا لكي نشرك لك ولو بقليل الاتحاد الثالوثي في الله الواحد. فمع معرفتنا أن هذه الأمثلة وغيرها هي أمثلة في أفضل أحوالها قاصرة جدا جدا، إلا أننا كبشر نضربها لكي نقرب المفهوم ولو من بعيد. فالقرآن مثلا يضرب لنا مثلا ويقول:

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) النور

فهل نور الله هو عبارة عن مشكاة فيها مصباح في زجاجة؟ الغريب ان القرآن بنفسه يضرب الأمثال ومع ذلك لا يفهم أحمد سبيع مغزاها، فيقول القرآن في غير موضع: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) الحشر، وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) العنكبوت، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) إبراهيم

ثانيًا: في بداية كلامه، ولأكثر من مرة قال أحمد سبيع أن الثالوث “مكون من”، والآن يقول إن “الثالوث ليس مكونات لشيء واحد” فلا أعلم سبب تناقض أحمد سبيع في كلامه!

ثالثًا: عندما نقول عن الآب أنه إله وعن الإبن أنه إله وعن الروح القدس أنه إله، فهذا يعني أن الطبيعة الخاصة بالآب والإبن والروح القدس هي طبيعة اللاهوت، ولإعطاء مثال تقريبي لشرح مشكلة أحمد سبيع له. نعم عقلة الأصبع ليست هي الأصبع، ولكنها من طبيعة الإصبع، فهي عظام مثل أن الإصبع هو في طبيعته عظام. ورغم قولي أن هذا مثال تقريبي إلا أني سأجد أحدهم يقول لكن العقلة ليست هي الإصبع، فأرد عليه وأقول، ليس هذا هدف المثال، والمثال لا يتطابق مع طبيعة الله التي لا يماثلها طبيعة أو شيء. إنما غرض المثال بيان ما معنى ان العُقلة من نفس طبيعة الأصبع. لكن في حالة كلامنا عن الله، فالله ليس إصبع، فالله غير محدود ولا مجزأ ولا مركب ولا مُبَعَض. كذلك عندما نضرب لكم مثال 1 * 1 * 1 = 1 فلا نقصد به أن الله “واحد رقمي” بل نقصد به بيان أن الآب مساو للإبن مساوٍ للروح القدس وكل منهم هو الله وليس جزء منه. فلا تأخذوا الأمثال التي نضربها لهدف معين وتفهموها وكأنها لهدف آخر.

 

اقتباس

هذه الأمثلة لا تحل المشكلة، لكنها تعتبر إعتراف أن المشكلة ليس لها حل، فيضطر المسيحيون للجوء لأمثلة ليس لها علاقة بالثالوث. وهذا يعني أن الثالوث لا يمكن فهمه لأنه غير صحيح. وهو مجرد إيمان يؤمن به المسيحيون بدون أن يستطيعوا شرحه.

في الحقيقة، فإن هذا المقطع مليء بالقفزات والأخطاء المنطقية، وسوف نعلق عليها جميعا واحدة فواحدة.

أولاً: ما هي المشكلة أصلا، التي نبحث لها عن حل؟ هل صار عدم فهم طبيعة ذات الله الخاصة اليوم مشكلة؟ ومن الذي يقول هذا؟ مسلم لا يعرف حتى كيف يفهم أفعال وصفات الله المذكورة في كتابه؟ هل يُتوقع من الإنسان بعقله القاصر أن يفهم طبيعة من خلقه؟ هل هذه هي المشكلة؟ أم أن المشكلة أن أحمد سبيع وغيره يطالبونا بما ليس في إمكان البشر، وهم أول المتوقفين عن الكلام في طبيعة الله وصفاته وحدثت بينهم وبين المتكلمين (الباحثين في طبيعة الله وصفاته) لديهم المجازر الفكرية والتكفيرية مكفرينهم بها، وفي نهاية كلامهم تجسدهم لا يردون عليهم بشيء عندهم يخالف ما يقوله هؤلاء المتكلمين، بل تجدهم يقولون أننا نتوقف عن السؤال عن الكيف والغرض كما سنعرض بعد قليل.

ثانيًا: بالفعل، إن كانت المشكلة ان البشر لا يمكنهم وصف طبيعة الله بشيء من المخلوقات التي يعمل على فهمها أصلا العقل ولا يعمل إلا من خلالها، فهذه المشكلة ليست لها حل. فطبيعة الله تفوق بما لا يقارن طبيعة البشر وعقلهم القاصر مهما بلغ. فأنت مثلا لا تستطيع معرفة كيفية الاستواء، رغم ان الاستواء كفعل، هو فعل معروف، لكنك لا تجرؤ أن تتكلم فيه مطلقًا ولماذا؟ لأنك لا تتخيل شكلاً معينا لله، فلا تعرف كيف سيستوي ذلك الذي لا أعرف له ذات ولا شكل، فإن كان الاستواء هو مجرد فعل من أفعال هذا الذات، وانت تعجز عن شرح هذه “المشكلة” فكم وكم لو طالبناك بمعرفة وشرح ذات الله نفسها؟

ثالثًا: هذا يوضح ان المشكلة ليست في الثالوث أو الوحدانية، بل في إرادة فهم الله وفق تصورات بشرية محضة، فالبشر لكي يشرح أي شيء سيشرحه بما يتصوره في عقله القاصر، والله، أواحدا كان او ثالوث، لا يمكن الدنو من معرفة طبيعته اللاهوتية بشيء من هذا الشرح، فبدلا من أن يعترف أحمد سبيع أن الله في الإسلام لا يمكن وصف ولا فهم ولا التفكر في أفعاله وصفاته، كما لا يمكن التفكر في ذاته أيضًا، فيكتفي بما نسبه لنفسه فقط، فهو يحاول أن ينقل مشكلة البشر أجمعين وهي وصف غير الموصوف، إلى المسيحين خاصة. فبدلا من القول إن اليهودي والمسيحي والمسلم لكونهم مجرد بشر لا يمكنهم شرح عقيدة إلههم الواحد، فهو يتبرأ ويتناسى أنه لا يستطيع شرح مجرد أفعال وصفات إلهه، وينقل الكرة في ملعب المسيحي ليقول أن سبب عدم قدرة المسيحي على الشرح هو إيمان المسيحي بالثالوث، وهذا أسلوب فاسد، فالمسلم لا يستطيع وصف الروح مثلاً أو أفعال أو صفات إلهه وهو يدعي أنه يؤمن بإله واحد، وإن سألته لتوقفوا، فبدلا من أن يكون مُحقًا في عرض السبب الصحيح، وهو عجز البشر، يتغافل عامدًا عن هذا ويقول أن المشكلة هي حصرًا في إيمان المسيحين.

رابعًا: هل كل ما لا يمكن فهمه هو غير صحيح؟! أو: هل كل ما لا يمكن فهمه، فلا يمكن فهمه بسبب عدم صحته؟ حسنًا، أشرح لي الروح. أشرح لي كيف لإلهك أن يكون له ساق ويد؟ فإن عجزت عن شرح الروح وماهيتها وعن شرح كيفية الاستواء وكيف يكون لله يد وساق، أتوافق أن هذا بسبب أن عقيدتك غير مفهومة لأنها غير صحيحة! إن مبدأ أحمد سبيع لهو من الخطل، فحتى علماء الاسلام يكذبونه كما سنبين بالدليل. فهذه مجرد أفعال وصفات لألهك، فكم وكم إن طلبت منك شرح ذات إلهك الواحد؟ فهذا كله لا علاقة له بالثالوث، ومع ذلك لن تستطيع أن تخط قلم فيه وأن تبدأ برد إيجابي واحد. فلماذا تطلب من غيرك الكمال في الشرح والفهم وانت لا تستطيع شرح مستَصغر الأمور؟

خامسًا: أما الجملة الأخيرة، فتستحق أن أعيد اقتباسها هنا لنرد عليها تفصيلاً، فقد قال أحمد سبيع [وهو مجرد إيمان يؤمن به المسيحيون بدون أن يستطيعوا شرحه]، فتفاجئت أن مسلم سني سلفي يقول مثل هذه الجملة! فأحمد سبيع قد تجاوز كل عقل ومنطق قبل أن يتفوه بهذه الجملة، فهو الآن يربط بين صحة الإيمان وقدرة المؤمن على شرحه! وعلى الرغم من أن الثالوث قد صُنفت فيه المصنفات وكتب فيه آباء الكنيسة كُتبًا كاملة وعظات شاملة وشروحات وافية وردود دامغة على كل الأفكار المخالفة إلا أن أحمد سبيع يربط بين قدرة المؤمن على شرح إيمانه وبين صحة إيمانه، فهنا يجب أن نتوقف ونضع أحمد سبيع أمام علماء الاسلام، لنرى كيف أن احمد لم يعرف حتى قشور عن عقيدته ويذهب لينتقد عقائد غيره.

 

يقول السدي:

{وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظموه جل جلاله حق عظمته إذ عبدوا غيره تعالى وطلبوا من نبيه صلى الله عليه وسلم عبارة غيره سبحانه قاله الحسن. والسدي، وقال المبرد: أصله من قولهم: فلان عظيم القدر يريدون بذلك جلالته، وأصل القدر اختصاص الشيء بعظم أو صغر أو مساواة، وقال الراغب: أي ما عرفوا كنهه عز وجل. وتعقب بأن معرفة كنهه تعالى أي حقيقته سبحانه لا يخص هؤلاء لتعذر الوقوف على الحقيقة، ومن هنا: العجز عن درك الإدراك إدراك… والبحث عن كنه ذات الله إشراك.[1]

 

يقول القرطبي:

قلت: وإذا كان هذا في المخلوق لا يجوز، فالأخبار عن صفات الله عز وجل كاليد والرجل والاصبع والجنب والنزول إلى غير ذلك أولى بالمنع، وأنه لا يجوز الابتداء بشيء من ذلك إلا في أثناء قراءة كتابه أو سنة رسوله، ولهذا قال الامام مالك بن أنس رضي الله عنه: من وصف شيئا من ذات الله عز وجل مثل قوله: ” وقالت اليهود يد الله مغلولة ” (1) [المائدة 64 ] فأشار بيده إلى عنقه قطعت يده، وكذلك في السمع والبصر يقطع ذلك منه، لأنه شبه الله تعالى بنفسه.[2]

 

يقول الغزالي:

القسم الثاني الفكر في جلال الله وعظمته وكبريائه

وفيه مقامان المقام الأعلى الفكر في ذاته وصفاته ومعاني أسمائه وهذا مما منع منه حيث قيل تفكروا في خلق الله تعالى ولا تفكروا في ذات الله وذلك لأن العقول تتحير فيه فلا يطيق مد البصر إليه إلا الصديقون ثم لا يطيقون دوام النظر. بل سائر الخلق أحوال أبصارهم بالإضافة إلى جلال الله تعالى كحال بصر الخفاش بالإضافة إلى نور الشمس فإنه لا يطيقه البتة بل يختفي نهارا وانما يتردد ليلا ينظر في بقية نور الشمس إذا وقع على الأرض.

وأحوال الصديقين كحال الإنسان في النظر إلى الشمس فإنه يقدر على النظر إليها ولا يطيق دوامه ويخشى على بصره لو أدام النظر ونظره المختطف إليها يورث العمش ويفرق البصر. وكذلك النظر إلى ذات الله تعالى يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل فالصواب إذن أن لا يتعرض لمجاري الفكر في ذات الله سبحانه وصفاته فإن أكثر العقول لا تحتمله بل القدر اليسير الذي صرح به بعض العلماء وهو أن الله تعالى مقدس عن المكان ومنزه عن الأقطار والجهات وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا هو متصل بالعالم ولا هو منفصل عنه قد حير عقول أقوام حتى أنكروه إذ لم يطيقوا سماعه ومعرفته. بل ضعفت طائفة عن احتمال أقل من هذا إذ قيل لهم إنه يتعاظم ويتعالى عن أن يكون له رأس ورجل ويد وعين وعضو وأن يكون جسما مشخصا له مقدار وحجم.

 فأنكروا هذا وظنوا أن ذلك قدح في عظمة الله وجلاله حتى قال بعض الحمقى من العوام إن هذا وصف بطيخ هندي لا وصف الإله لظن المسكين أن الجلالة والعظمة في هذه الأعضاء. وهذا لأن الإنسان لا يعرف إلا نفسه فلا يستعظم إلا نفسه فكل ما لا يساويه في صفاته فلا يفهم العظمة فيه نعم غايته أن يقدر نفسه جميل الصورة جالسا على سريره وبين يديه غلمان يمتثلون أمره فلا جرم غايته أن يقدر ذلك في حق الله تعالى وتقدس حتى يفهم العظمة…

 ولما كان النظر في ذات الله تعالى وصفاته خطرا من هذا الوجه اقتضى أدب الشرع وصلاح الخلق أن لا يتعرض لمجاري الفكر فيه لكنا نعدل إلى المقام الثاني وهو النظر في أفعاله ومجاري قدره وعجائب صنعه وبدائع أمره في خلقه فإنها تدل على جلاله وكبريائه وتقدسه وتعاليه وتدل على كمال علمه وحكمته وعلى نفاذ مشيئته وقدرته. فينظر إلى صفاته من آثار صفاته فإنا لا نطيق النظر إلى صفاته كما أنا نطيق النظر إلى الأرض مهما استنارت بنور الشمس. ونستدل بذلك على عظم نور الشمس بالإضافة إلى نور القمر وسائر الكواكب لأن الأرض من آثار نور الشمس والنظر في الآثار يدل على المؤثر دلالة ما وإن كان لا يقوم مقام النظر في نفس المؤثر. وجميع موجودات الدنيا أثر من آثار قدرة الله تعالى ونور من أنوار ذاته بل لا ظلمة أشد من العدم ولا نور أظهر من الوجود.[3]

 

يقول محمد بن المرتضى (ابن الوزير):

والذي وضح لي في هذا وضوحا لا ريب فيه بحسن توفيق الله أمور: أحدها أن الكلام في ذات الله تعالى على جهة التصور والتفصيل أو على جهة الاحاطة على حد علم الله كلاهما باطل بل من المتشابه الممنوع الذي لا يعلمه إلا الله تعالى لقوله تعالى ولا يحيطون به علما ولقوله تعالى ليس كمثله شيء وانما تتصور المخلوقات وما هو نحوها ولما روي من النهي عن التفكر في ذات الله والامر بالتفكر في آلاء الله ولما اشتهر عن أمير المؤمنين عليه السلام أن ذلك مذهبه حتى رواه عنه الخصوم ومن أشهر ما حفظ عنه عليه السلام في ذلك قوله في امتناع معرفة الله عز و جل على العقول امتنع منها بها واليها حاكمها ومن التفكر في الله والتحكم فيه والدعوى الباطلة على العقول والتكلف لتعريفها ما لا تعرفه حدثت هنا البدع المتعلقة بذات الله وصفاته وأسمائه فمن أكبرها قول البهاشمة من المعتزلة أن الله تعالى عن قولهم لا يعلم من ذاته غير ما يعلمونه قال بن أبي الحديد في شرح النهج وهذا مما يصرح به أصحابنا ولا يتحاشون عنه وقد كثرت عليهم الردود حتى تولى عليهم في ذلك كثير من أصحابهم المعتزلة كابن أبي الحديد وغيره حتى قال في ذلك قصائد كثيرة بليغة.[4]

 

يقول محمد الأمين الشنقيطي:

فالجواب من وجهين:

الوجه الأول: أن العرب لا تدرك كيفيات صفات الله من لغتها، لشدة منافاة صفة الله لصفة الخلق. والعرب لا تعرف عقولهم كيفيات إلا لصفات الخلق، فلا تعرف العرب كيفية للسمع والبصر، إلا هذه المشاهدة، في حاسة الأذن والعين، أما سمع لا يقوم بإذن وبصر لا يقوم بحدقة، فهذا لا يعرفون له كيفية ألبتة. فلا فرق بين السمع والبصر، وبين اليد والاستواء، فالذي تعرف كيفيته العرب من لغتها من جميع ذلك، هو المشاهد في المخلوقات. وأما الذي اتصف الله به من ذلك، فلا تعرف له العرب كيفية، ولا حداً لمخالفة صفاته لصفات الخلق، إلا أنهم يعرفون من لغتهم أصل المعنى، كما قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. كما يعرفون من لغتهم، أن بين الخالق والمخلوق، والرزق والمرزوق، والمحيي والمحيا، والمميت والممات. فوارق عظيمة لا حد لها، تستلزم المخالفة، التامة، بين صفات الخالق والمخلوق.

الوجه الثاني: أن نقول لمن قال: بينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما ذكرتم، من كونها صفة كمال، وجلال، منزهة عن مشابهة جارحة المخلوق. هل عرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة باليد، فلا بد أن يقول: لا. فإن قال ذلك. قلنا: معرفة كيفية الصفات تتوقف على معرفة كيفية الذات. فالذات والصفات من باب واحد. فكما أن ذاته جل وعلا تخالف جميع الذوات، فإن صفاته تخالف جميع الصفات. ومعلوم أن الصفات، تختلف وتتباين، باختلاف موصوفاتها. ألا ترى مثلاً أن لفظة رأس كلمة واحدة؟ إن أضفتها إلى الإنسان فقلت رأس الإنسان، وإلى الوادي فقلت رأس الوادي، وإلى المال فقلت رأس المال، وإلى الجبل فقلت رأس الجبل. فإن كلمة الرأس اختلفت معانيها، وتباينت تبايناً، شديداً بحسب اختلاف إضافتها مع أنها في مخلوقات حقيرة.[5]

 

يقول ابن عادل الدمشقي:

وقد كان السَّلَفُ الأولُ – رضي الله عنهم – لا يقولون بنفي الجهةِ ، ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكَافَّةُ بإثْبَاتِهَا لله – تعالى – كما نَطَقَ كِتَابهُ ، وأخبرت [ رسله ] ، ولم ينكر أحدٌ من السَّلَفِ الصَّالِح أنَّهُ استوى على عَرْشِهِ حقيقة ، وخُصَّ العَرْشُ بذلك ؛ لأنَّهُ أعْظَمُ مخلوقاته وإنما جهلوا كيفية الاسْتِوَاءِ ، فإنَّهُ لا تُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ ، كما قال مالكٌ – رحمه الله – : ” الاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ – يعني في اللغة – والكيْفُ مَجْهُولٌ ، والسُّؤالُ عن هذا بِدْعَةٌ ” ، وكذلك قالت أمُّ سلمة – رضي الله عنها – ، وهذا القدرُ كافٍ.[6]

فكل هذه الاقتباسات أنما هي ترد على أحمد سبيع، في كونه لا يعرف حتى الأفعال والصفات والأسماء التي لله، فضلا عن معرفة ذات الله نفسه! كل هذا وهو يؤمن بإله واحد كما يدعي. إذن فالمشكلة ليست في كوننا نؤمن بالثالوث القدوس المتحد في الجوهر، بل في كون طبيعة الله غير موصوفة وغير مختبرة.

اقتباس

فمعنى الكلام أن الأقانيم هي ذوات أو أشخاص، والمسيحي ينكر أنه يؤمن بثلاث أشخاص رغم أن هذا من صميم دينه، لكن طبعا لأنه عايش في مجتمعات صعب تقبل فكرة تعدد الألهه حاليا، فبيلفوا ويدوروا عشان يفسروا الثالوث على أنه مش تعدد.

أولاً: هذا الكلام لا يسوى الوقت الذي استمعنا إليه فيه. فكله أكاذيب. فالمسيحي الذي يرفض الشخص، يرفض فهمك أنت للفظ شخص، كما أنك تؤمن بـ”الله” وترفض اعتقاد العرب الوثنيين قبل الإسلام في نفس هذا الاسم “الإله” فاللفظ يجب أولا أن يتم تحرير معناه لنعرف، هل ما نؤمن به هو ما تقصده أنت أم لا؟ فإن كان هو نفسه، فسنوافقك، وإن كان لا، فسنرفض اللفظ لا لعيب في اللفظ بل لعيب في فهمك له.

ثانيًا: بعد هذا ينتقل أحمد إلى كذبة جديدة ويقول أن المسيحي بسبب أنه يعيش في مجتمعات لا تقبل تعدد الآلهه فهو يلجأ للف والدوران. ولست أعرف لماذا ينسى أحمد سبيع كلام أحمد سبيع نفسه؟! أليس هو القائل منذ قليل أن المسيحين يؤمنون “بإله واحد”؟ فكيف يؤمن أحمد سبيع أن المسيحيون يؤمنون بإله واحد، ويؤمن أيضا أنهم يؤمنون بتعدد الآلهه؟ أليس هذا يبين أن أحمد سبيع لا يعرف ما يقول ولا يعرف عقيدة المسيحين من الأساس؟ أما للرد على كلامه، فالمسيحي يؤمن بالعهد القديم الذي يكتظ بشواهد يؤمن بها بأن الإله واحد، ويؤمن أيضا بالعهد القديم الذي يمتليء بالشهادات عن أن الله واحد، فكيف يؤمن أي مسيحي بتعدد الآلهه؟! هذا إبتداءً. والمسيحيون يعيشون قبل أن يأتي الإسلام بقرابة ستة قرون، كانوا يقولون فيها ما يقولوه الآن، لكن مع عقول كانت تفهم ما يقولوه أكثر من الآن من المعارضين. فشروحات الآباء الكبار للثالوث كلها كانت قبل القرن السابع الميلادي فما علاقة وجودنا في مجتمعات لا تقبل تعدد الآلهه بشرحنا للثالوث؟ فنحن نشرحه بذات الشرح حتى قبل أن يكون هناك شيء أسمه إسلام، فدعك من الكذب الرخيص.

ثالثًا: مرة أخرى يعود أحمد سبيع لأمله في أن يفسر أحد ذات الله، وهل لهذا سبيل؟ أحمد ينسى أنه لا يستطيع حتى التفكر في بعض مخلوقات الله، ولكنه يتذكر أن المسيحي لا يستطيع شرح ذات الله الخاصة! لماذا يكيل بمكاييل؟

رابعًا: الثالوث ليس ثالوثا للألوهية، أي لطبيعة الجوهر، فليس لاهوت الإبن بآخر عن لاهوت الروح القدس عن لاهوت الآب، بل هو لاهوت واحد وطبيعة واحدة لأنه إله واحد فقط وليس إثنين أو ثلاثة. إنما الثالوث هو أن كل أقنوم له نفس ما للأقنوم الآخر من اللاهوت، حتى قال الآباء أن الصفات الأقنومية هي الصفات الوحيدة التي تميز تمييزا عقليا بين الأقانيم، فأقنوم الآب يميزه عن الأقنومين الآخرين عقليًا فقط هو كونه آبا، فهذه صفته الأقنومية، وأقنوم الإبن يميزه عن الأقنومين الآخرين عقليا فقط هو كونه إبنا، وأقنوم الروح القدس يمزيه عن الأقنومين الآخرين عقليًا فقط هو كونه منبثقا. ولا يوجد أي خلاف آخر بين الأقانيم، فالأقانيم ليست خروجا عن ذات الله الواحد فنعدده إلى إله وإله وإله، بل دخولا إلى ذات الإله الواحد فنعرفه أكثر في عمقه بحسب ما أعلن لنا عن كونه جوهر واحد وثلاثة أقانيم، فالأقانيم هي زيادة معرفة عن طبيعة الله الواحد، وليست تغييرًا لطبيعته كواحد فقط.

 

اقتباس

عرض أحمد سبيع فيديو للأنبا رافائيل، من عام 2004، وجاء فيه:

أولاً: وبمجرد سماعك لهذا الفيديو المبتور، ستعرف أنه مبتور وان الإقتصاص من الفديو قد غير معناه الحقيقي، فكيف لأسقف في الكنيسة بل كيف لمسيحي أن يقول أننا نؤمن بالثالوث، لو كان يقصد أن هذا ضد الإيمان بوحدانية الإله؟ فحتى إن كنت مسلمًا عارفًا من هو هذا الأسقف الذي تسمعه ستعرف أن هذا الكلام الذي سمعته بأذنيك هو غير حقيقي لأنه مبتور، وهذا واضح، ولهذا، رجعت للعظة كاملة التي إقتطع منها احمد سبيع هذا المقطع وجمعت عدد المرات التي قال فيها الأنبا رافائيل أن المسيحية تؤمن بإله واحد (طبيعة واحدة) وثلاثة أقانيم:

https://www.youtube.com/watch?v=5xf8RYkjdho

وهذه مجرد عيّنة مما قاله الأنبا رافائيل، الغريب والعجيب أن أول كلمة قالها الأنبا رافائيل في الفيديو الكامل الذي إقتطعه أحمد سبيع، كانت هي “إله واحد متحد وغير منفصل”! فهذه كانت أول كلمة وليست مثلا الكلمة الثانية أو الثالثة. فترى، لماذا التدليس؟

ثانيًا: هل هذا هو الفيديو الوحيد للأنبا رافائيل الموجود على يوتيوب لكي يفهم منه أحمد سبيع كلام الأنبا رافائيل؟ بالطبع لا، فإلى اليوم هناك أكثر من 7 فيديوهات أخرى للأنبا رافائيل عن ذات الموضوع. فلو كان أحمد سبيع صادقًا وطالبًا للحق، كان سيرجع لهذه الفيديوهات ليعرف أن ما فهمه ليس هو الصحيح بل هو الكذب بعينه. والأغرب من ذلك، هل الأنبا رافائيل هو الوحيد الذي يشرح الثالوث المسيحي على بين كل المسيحين على اليوتيوب؟ أفلا يوجد غيره من الفيديوهات لمعرفة ما يؤمن به المسيحيون متى استعصى كلامه البسيط على عقلك؟ هناك الكثير من الأساقفة والكهنة والدكاترة على اليوتيوب ستجدهم يشرحون الثالوث ووحدانية الإله في المسيحية. هذا بخلاف الكتب التي يوجد منها العشرات المنشورة هنا وهناك. فأحمد سبيع لو كان يريد أن يعرف حقيقة إيمان المسيحين لما كان هذا بالصعب عليه، فأمامه فيديوهات لنفس الشخص الذي بتر الفيديو له، وأمامه فيديوهات لآخرين على نفس الموقع الذي اقتطع منه الفيديو، وهناك عشرات المؤلفات التي كان يمكنه الرجوع إليها، لكن ماذا نقول؟ إنه التدليس وعدم الرغبة في الهداية.

ثالثًا: ألم يقل أحمد سبيع بنفسه أننا نؤمن بإله واحد؟! فهل نسى كلامه سريعًا هكذا!

رابعًا: كلمة “توحيد” على وزن “تفعيل” وهي ستعني أننا لدينا أكثر من إله ونقوم بتوحيدهم. وهذا خاطئ، فالمسيحية لا تؤمن إلا بإله واحد، أي بلاهوت واحد فقط، وثلاثة أقانيم لهم نفس هذا اللاهوت وليس مخالفا عنه. ولهذا سنجد الأنبا رافائيل عندما قال إن الـ”توحيد” مسلط علينا، أجاب بعدها مباشرة على نقطة أخرى وهي “جعل الآب هو الابن والابن هو الآب” وقال حرفيا “الآب غير الابن”، فكلام الأنبا رافائيل واضح لمن لديه عقل، وهو أننا لا نوحد الأقانيم بمعنى أننا لا نوحدهم في “أقنوم” واحد.

 

هل كان الآباء الأولين يفهمون الثالوث بسهولة؟

في هذا الجزء، يحاول أحمد سبيع أن يقول ان حتى الآباء الأولين لم يكونوا يفهمون الثالوث بسهولة، أو كانوا يفهمونه بطريقة خاطئة. فماذا فعل؟ أتى باقتباس للقديس يوستينوس الشهيد مبتور كعادته ولم يقرأ إلا هو، وفهم من كلامه أنه يؤمن بالتبعية، ويقصد أن يوستينوس يؤمن أن الابن أقل من الآب في اللاهوت! تخيلوا؟! ثم أتى بكتاب يقول عن أوريجانوس أنه تم اتهامه بذات البدعة (لاحظ أن الكتاب الذي أتى به لا يقول إن أوريجانوس قد وقع في التبعية حتى، بل يقول إنه تم اتهامه بها)، وهكذا عن العلامة ترتليان. ومجرد سماع هذا الكلام من ناقد محقق، أو من قارئ للآباء بعمق، سيجعله يضحك ويشفق على حال أحمد سبيع، ولكيلا نطيل عليكم، سنضع لكم اقتباسات مباشرة من هؤلاء الثلاثة الذين تكلم عنهم أحمد، وفي هذه الاقتباسات ستجدهم يصرحوا حرفيا بلاهوت المسيح وانه يهوه نفسه في مواضع معينة معبرين بذلك عن مساواة الابن والآب.

يوستينوس الشهيد:

لأن هؤلاء الذين يؤكدون أن الآب هو الابن أثبتوا انهم لم يعاينوا الآب ولا حتى عرفوا أن أبو الكون (الآب) له ابن. الذي هو (الابن) ايضًا بكر الله وكلمته، وهو أيضاً الله. وقديماً ظهر في شكل نار وصورة ملاك لموسى والأنبياء الآخرين. لكنه الآن في زماننا ـ وكما قلنا من قبل ـ تجسد من عذراء، بمشورة الآب من أجل خلاص المؤمنين به. وتحمل الهوان والمعاناة. لكي بموته وقيامته مرة أخرى يغلب الموت، وهذا الذي قاله من العليقة لموسى سابقًا “أكون الذي أكون أنا إله إبراهيم وإله أسحق وإله يعقوب، إله آبائك” (خر3: 6)؛ يوضح أن هؤلاء بالرغم من كونهم ميتين إلا أنهم موجودون وانهم رجال ينتمون للمسيح نفسه. لأنهم كانوا أول البشر الذين شغلوا بالبحث عن الله، و إبراهيم هو أبو اسحق و اسحق أبو يعقوب كما كتب موسى.[7]

 

وقال تريفو: لقد سمعنا رأيك في هذه الأمور فأكمل كلامك من حيث توقفت ومن ثمّ قم بإنهائه، لأنه بعضه يبدو لي أن لا يعقل وغير قابل للإثبات. حيث عندما تقول بأن هذا المسيح هو الله الكائن قبل الدهور، الذي وافق على أن يولد ويصير إنسانًا مع أنه ليس من أصل بشرى لا يبدو لي متناقضًا فقط بل مناف للطبيعة والعقل.[8]

على سبيل المثال، هم علموكم أن هذا النص المقدس الذي نناقشه الآن يشير إلى حزقيا، وكما وعدتك أني سأثبت خطأهم، فهم يضطرون للموافقة على أن بعض النصوص التي ذكرناها لهم والتي تثبت بوضوح أن المسيح لابد أن يتألم ويُعبَد (او: يسجد له) ويدعى الله تشير إلى المسيح. ولكن معلميكم ينكرون بجسارة أن هذا الرجل هو المسيح، ولكنهم يعترفون أنه سوف يأتي ليتألم ويحكم ويُعبَد (او: يسجد له) كـ”الله”.[9]

قلت: ولكن يا تريفو لو كنت تعلم من هو الذي دعيّ ذات مرة حزقيال ملاك المشورة[10] وإنسانًا بواسطة حزقيال، ومثل ابن إنسان يدعوه دانيال، وولداً بواسطة أشعياء، ويدعوه داؤود الله والمسيح لكي يُعبَد، ويدعوه (أنبياء) كثيرون مسيحًا وحجرًا، ويدعوه سليمان الحكمة، ويدعوه موسى يوسف ويهوذا والنجم، ويدعوه زكريا الشرق، ويدعوه أشعياء أيضا المتألم ويعقوب وإسرائيل والعصا والزهرة وحجر الزاوية وابن الله، لو كنت تعلم ما جدفت عليه، ذاك الذي الآن قد اتى ووُلدَ وتألمَ وصعد إلى السماوات والذي سيأتي أيضاً مرة أخرى، حينئذ تبكى وتنوح عليه أسباطكم الاثني عشر.[11]حقًا لو أنكم فهمتم ما كتبه الأنبياء لما أنكرتم أنه الله وابن الإله غير الموصوف (المرئي) والمولود (الآب).[12]

 

أوريجانوس:

العبارة: “تعرفونني وتعرفون من أين أنا” (يو ٧: ٢٨) خاصة بشخصه كإنسانٍ، أما العبارة “لستم تعرفونني أنا ولا أبي” فخاصة بلاهوته… فمن الواضح أن كلمات القوم الذين من أهل أورشليم: “هذا نعلم من أين هو” (يو ٧: ٢٧) تشير إلى حقيقة أنه وُلد في بيت لحم (مت ٢: ١). وقد عرفوا أنه ذاك الذي أمه تُدعى مريم وأن اخوته (أبناء خالته) هم يعقوب ويوحنا وسمعان ويهوذا (مت ١٣: ٥٥). لهذا شهد للقائلين: “هذا نعلم من أين هو” قائلاً: “تعرفونني وتعرفون من أين أنا”. لكنه حينما تحدث مع الفريسيين قال: “وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق، لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب”، إذ كان يتحدث عن طبيعته الإلهية، كشخص يتحدث عن الأساس الذي به هو بكر الخليقة (كو ١: ١٥).[13]

أن السيّد أعلن لاهوته للذين صعدوا على الجبل العالي، أمّا للذين هم أسفل فظهر لهم في شكل العبد. إنه يسأل من يشتاق أن يتعرّف على حقيقة السيّد ويتجلّى قدامه أن يرتفع مع يسوع خلال الأناجيل المقدّسة على جبل الحكمة خلال العمل والقول.[14]

تأمَّل الرسل الله الكلمة لا بكونهم قد أبصروا المسيح المخلِّص المتجسّد، بل رأوا الله الكلمة (هنا لا يقصد انفصال المسيح إلى شخصين إنما يؤكِّد التزامنا إدراك حقيقة المخلِّص المتجسّد وبالطبع الرؤية هي رؤية إيمانية). لو كانت رؤيّة المسيح بالجسد (مجردًا) يعني رؤيّة الله الكلمة، لكان هذا يعني أن بيلاطس الذي أسلم يسوع قد رأى الكلمة، وكذا يهوذا الذي أسلمه وكل الذين صرخوا: “أصلبه أصلبه”. هذا الفكر بعيدًا عنه تمامًا، إذ لا يستطيع غير المؤمن أن يرى كلمة الله. رؤيّة الله الكلمة أوضحها المخلِّص بقوله: “الذي رآني فقد رأى الآب”[15].

صمت زكريَّا هو صمت الأنبياء عند شعب إسرائيل، فلا يتكلَّم الله بعد مع اليهود بينما جاء الله الكلمة الذي من البدء. لقد صار معنا المسيح الذي لا يصمت، لكنه صامت حتى يومنا هذا بالنسبة لليهود.[16]

إن كان ليس هو إله أموات بل أحياء، وكما أنه هو إله إبراهيم واسحق ويعقوب فهو إله بقية الأنبياء، والأنبياء هم أحياء، إذ حفظ هؤلاء كلمة ابن الله عندما جاءت كلمة الله إلى هوشع وإلى إرميا وإلى أشعياء. فإنه ليست كلمة الله جاءت إلى أي واحدٍ منهم سوى ذاك الذي من البدء مع الله، ابنه، الله الكلمة.[17]

 

العلامة ترتليان:

ان النطق العبري لعمانوئيل، له ترجمة او تفسير الذي هو “الله معنا”. أستفسر، اذن فيما إذا العبارة “الله معنا” التي هي عمانوئيل، استعملت اعتياديا للمسيح من حين لاح فجر نور المسيح، واظن لن تقدر ان تنكر ذلك. لان اللذين من اليهودية امنوا بالمسيح من اول ايمانهم به، وكلما ارادوا ان يقولوا عمانوئيل، يشيروا الى ان الله معنا، وهكذا اتفق ان الذي تم التنبؤ عنه كعمانوئيل هو الان وسطنا، لان ذاك الذي يشار اليه عمانوئيل قد جاء – الذي هو، الله معنا.[18]

لانالله وحده بلا خطية، والرجل الوحيد الذي هو بلا خطية هو المسيح، لان المسيح هو الله ايضا.[19]

والان رغم ان المسيح هو الله، مع ذلك، كونه ايضا انسان، مات حسب الكتب، وحسب الكتب ذاتها دفن.[20]

الآن، من الضروري ان نبين ما كان السبب المسبق لابن الله يولد من عذراء. إن الذي كان سيقدس ترتيباً جديداً للولادة، ينبغي انه هو بنفسه يولد على اسلوب الرواية، فيما يتعلق بنبوة أشعياء وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً. ماذا اذن هي الآية؟ “هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا”. وفقا لذلك، حبلت عذراء وولدت عمانوئيل، الله معنا هذه هي الطبيعة الجديدة؛ انسان يولد في الله. وفي هذا الانسان الله ولِدَ، اخذاً جسداً من سبط قديم، بدون معونة بذر قديم أيا كان، لكي يقدر ان يكون نسل جديد، على نحو روحي، ويطهره بطرح كل اللطخات او البقع القديمة.[21]

هذه الشجرة هي التي نوه عنها ارميا، عندما كان يتنبأ لليهود، قَائِلِينَ: «لِنُهْلِكِ الشَّجَرَةَ بِثَمَرِهَا، (الخبز) من ذلك هو جسده. لذلك قال الله في انجيلك الخاص بك وحتى كشف المعنى المخفي، عندما دعا الخبز جسده؛ حتى فيما بعد تفهم أنه قد أعطى لجسده هيئة الخبز، الذي جسده تحول رمزيا الى الخبز بحسب النبي في العهد القديم، والرب نفسه يصمم بإعطاء التفسير للسر.[22]

اقول لكم كيف ان ايمانها كان يفوق الكل او اعظم من الكل: جعلها تؤمن ان الهها فضل الرحمة حتى لو قادته الى التضحية والفداء؛ كانت متأكدة ان الهها يعمل من خلال المسيح؛ لمسته ولهذا، فليس لكونه انسانا مقدسا بكل لبساطة، ولا لكونه نبيا، الذي عرفته بانه قادر ان لا يتلوث في طبيعته البشرية، ولكن لأنه الله الحقيقي، الذي توقعت انه بما لا يقاس من كل احتمالات التلوث او الفساد باي شيء غير طاهر.[23]

تعلَّمنا أن الابن خرج من الله الآب، وبخروجه هذا قد وُلِدَ من الآب. إذن فهو ابن الله، ويُدعى الله لأجل وحدته مع الآب في الجوهر… فحتى شعاع الشمس عندما يخرج منها، يظل متّصلاً بها. وتظلّ الشمس في الشعاع لأنه منها. فلا يوجد إذن تقسيم في الجوهر، فالشعاع هو مجرد امتداد للشمس… هكذا المسيح هو روح من روح، وإله من إله. مثل شمعة مضيئة تُوقَد من شمعة مضيئة، فيظل لهب الشمعة الأصلية بكامله دون أن يتأثر، على الرغم من أنه قد يُوقَد منه أي عدد من الشمعات الأخرى التي لها لهب بنفس الصفات. كذلك أيضًا الذي خرج من الله (الآب) هو بآنٍ واحدٍ الله وابن الله، والاثنان هما واحد “.[24]

نؤمن حقا أنه يوجد إله واحد، ونؤمن تحت هذا التدبير، أو كما نسيمه الأيكونوميا (οικονομια)، أنه يوجد أيضاً ابن لهذا الإله كلمته المولود منه والذي به كل شيء كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. ونؤمن أنه أُرسل من الآب إلى عذراء وولد منها، إله وإنسان، ابن الإنسان وابن الله، ودعي باسم يسوع المسيح. ونؤمن أنه تألم بحسب الكتب ومات ودفن وقام ثانية بواسطة الآب ليسترد مكانه في السماء وجلس عن يمين الآب. وسيأتي ليدين الأحياء والأموات. ونؤمن أنه أرسل الروح القدس، البارقليط، من الآب، بحسب وعده، ليقدس إيمان هؤلاء الذين يؤمنون بالآب والابن والروح القدس”.[25]

 

فكل هذه النصوص تصرخ في وجه أحمد سبيع وتقول له: أنك على خطأ، فقد وصفوا المسيح بأنه الله نفسه، فهل الله أقل من الله؟ لكن، أريد هنا افتراض صحة ما قاله سبيع، فإن كان هناك من أخطأ في فهم الثالوث ومن أصاب، أفلا يدل هذا على إمكانية فهم الثالوث بحسب كلامك أنت؟ فأنت قد وسمت أوريجانوس ويوستينوس وترتليانوس بأنهم رغم قربهم لعهد كتابة الأناجيل إلا أنهم لم يستطيعوا استيعاب فكرة الثالوث ووجود إله وإله وإله (بحسب كلام أحمد نفسه)، أفلا يدل النقيض على النقيض؟ بمعنى، أفلا يدل فهم الآخرون للثالوث أنه يمكن فهمه كما فهموه هم؟! أم أنك ستتشدق بمن لا يفهموه (حسب رأيك) وتترك من فهموه؟

فأنت وسمت هؤلاء الثلاثة بأحد إحتمالين، إما أنهم لا يفهمون، أو أن العقيدة لا يمكن فهمها وشرحها ولا يؤمن بها إلا من يلغي عقله. فهل يدل فَهَم الآخرون لها أنهم يفهمون وأن العقيدة يمكن فهمها وشرحها ولا يؤمن بها إلا من يُعمل عقله؟ فحتى منطقيًا، وفي العلوم الطبيعية، تجد أفهام الناس مختلفة متفاوتة في الطباع والقدرات، فلا يدل عدم فهم أحدهم على خطأ العلم نفسه، لأن غيره يفهمه، فما بالك أن هذه العقيدة آمن بها المليارات منذ آلاف السنوات؟ فمع خطأ كلامك ومنطقك كاملاً، إلا أننا حين نتبعه ستكون أنت المخطيء الخاسر أيضًا، فأنظر ما فعلته بنفسك، فحتى كلامك لا ينصفك.

 

اقتباس

الثالوث هو نتيجة واضحة لإختلاط المسيحية بالوثنية، لذلك قالوا: حينما دخلت المسيحية روما لم تصبح روما مسيحية، بل أصبحت المسيحية رومانية.

إنه لشيء جميل يدعو للرأفة بحال أحمد سبيع أن يقتبس أحمد سبيع المسلم، من مسلم آخر كلام عن المسيحية ويعتبره حجة أو شهادة ضد المسيحية! فأحمد سبيع الذي لم يذكر مصدر هذا القول، وربما لا يعرف مصدره يقول “لذلك قالوا” فمن هم الذين قالوا؟! إنه عبدالجبار الهمذاني المتوفى 415هـ. فهل كلامه له وزن أو قيمة عندنا ليستشهد به علينا؟ ماذا لو قام أحد المسيحين باقتباس نقد ما من شخص مسيحي آخر؟ أهذا منطق. على كلٍ، تعودنا من هؤلاء عدم الخوض معهم في أمور المنطق، فلا هم يفهموها ولا يريدوها.

إن ادعاء ان عقيدة الثالوث هي عقيدة وثنية، لهو ادعاء يدعو للسخرية من قائله وذلك لعدة أمور:

أولاً: إن المسيحية نشأت في مجتمع يهودي صِرف، على يد يهودٍ صِرف وهم المسيح الذي هو بحسب الناموس يهودي، والتلاميذ الاثني عشر، وأغلب الرسل كانوا من اليهود، وتكلم المسيح والرسل عن الثالوث في مجتمع يهودي قبل خروج المسيحية للبشارة للأمم، فما علاقة الثالوث الذي أعلنه المسيح ورسله في اليهودية بين اليهود بدخول المسيحية إلى روما بعد هذا؟ إن أحمد سبيع يتخبط ولا يعرف ما يقول ليثبت فكرته الهشة. فاليهود، وبالأخص في هذا العصر، كان لديهم الطوائف المتزمتة والحرفية للنصوص، والتي تتصارع فيما بينها فيمن تكون الطائفة الأفضل في فهم الناموس وتنفيذه، أهم الصدوقيين؟ أم الكتبة أم الفريسيين؟ فكان الرب يسوع حتى ينتقد تقاليدهم وأفهامهم الحرفية للعهد القديم، فكيف يأتي شخص بعد هذا ليتهم المسيحية بأنها أخذت الثالوث من الوثنية؟ ألم يتكلم عنه المسيح في حياته شارحًا من هو الآب والابن والروح القدس؟! عجبًا.

ثانًيا: إن الكتاب المقدس بعهديه مكتظ بالنهي عن التشبة بالوثنيين بل بمجرد الاشتراك معهم في شيء، والحث على عدم فعل ما يفعلون ولا قول ما يقولون ولا حتى الأكل معهم، فكيف للمسيحية إذن أن تأخذ عقائدها من الوثنية؟! هذه بعض النصوص:

1Co 5:11 وأما الآن فكتبت إليكم: إن كان أحد مدعو أخا زانيا أو طماعا أو عابد وثن أو شتاما أو سكيرا أو خاطفا أن لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا.

1Co 6:9 أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله؟ لا تضلوا! لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور.

1Co 10:19-21 فماذا أقول؟ أإن الوثن شيء أو إن ما ذبح للوثن شيء؟ 20 بل إن ما يذبحه الأمم فإنما يذبحونه للشياطين لا لله. فلست أريد أن تكونوا أنتم شركاء الشياطين. 21 لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس شياطين. لا تقدرون أن تشتركوا في مائدة الرب وفي مائدة شياطين.

1Co 10:28 ولكن إن قال لكم أحد: «هذا مذبوح لوثن» فلا تأكلوا من أجل ذاك الذي أعلمكم والضمير. لأن للرب الأرض وملأها

2Co 6:15-17 وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟ وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟ 16 وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان؟ فإنكم أنتم هيكل الله الحي، كما قال الله: «إني سأسكن فيهم وأسير بينهم، وأكون لهم إلها وهم يكونون لي شعبا. 17 لذلك اخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجسا فاقبلكم.

ثالثًا: إن مجرد النظر لتاريخ المسيحية عموما، وتاريخ روما خصوصًا، يخبرنا أن ما يقوله أحمد سبيع هو مجرد كلامًا لا قيمة له ولا يسوى الجهد المبذول في ذِكره أو الرد عليه. فالمسيحيون عموما، وفي روما خصوصًا، قد عانوا كثيرًا بسبب تضييق الولاة الرومان عليهم، حتى بولس الرسول نفسه لم يسلم منهم عندما رفض آلهتهم وعباداتهم، فتعرض المسيحون للتضييق في الحياة والعبادة وتعرضوا للسجن والتعذيب والقتل، وكل هذا لأجل ألا يتركوا عبادة الإله الحقيقي يسوع المسيح ويعبدون ويبخرون للأوثان، ولم يحدث هذا في عام أو إثنين، بل أن هذه كانت سمة المسيحية في القرون الثلاثة الأولى، حتى أنهم المسئولون عن استشهاد القديسين بولس وبطرس. كل هذا ثم يأتي أحمد سبيع من على سريره ليتفوه بمثل هذه الكلمات الداعية للسخرية منه.

 

إلى ههنا أعاننا الرب، ويُعين..

 

 

[1] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي – جـ18، صـ 16.

[2] تفسير القرطبي، جـ 11، صـ256. الشاملة.

[3] إحياء علوم الدين – محمد بن محمد الغزالي أبو حامد – دار المعرفة – بيروت – جـ4، صـ434. الشاملة.

[4] إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات الى المذهب الحق من أصول التوحيد: محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي – دار الكتب العلمية – بيروت، صـ91. الشاملة.

[5] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني الشنقيطي – دار الفكر للطباعة والنشر – بيروت – 1415هـ – 1995م – مكتب البحوث والدراسات. جـ7، صـ 276. الشاملة.

[6] اللباب في علوم الكتاب: أبو حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي الحنبلي – دار الكتب العلمية – بيروت / لبنان – 1419 هـ -1998 م – تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض – جـ9، صـ144.

[7] Justin Martyr. (1997). The First Apology of Justin [The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus.]. In The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus. (184). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[8] Ibid. (219).

[9] Ibid. (233).

[10] النص اليوناني لكلام يوستينوس في هذا اللقب هو ” ἄγγελος μεγάλης βουλῆς” وهو مأخوذ من النص اليوناني السبعيني لسفر أشعياء حيث جاء فيه اللقب “Μεγάλης βουλη̂ςἄγγελος “.

[11] زكريا 12: 10: وافيض على بيت داود وعلى سكان اورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون اليّ الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره.

[12] Ibid. (262).

[13] Commentary on John, Book 19:7, 10.

[14] In Matt. 17.

[15] In Luc. hom 1: 5.

[16] In Luc. hom 5: 1.

[17] Commentary on John, Book 20: 398.

[18] Tertullian. (1997). An Answer to the Jews S. Thelwall, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (161). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[19] Tertullian. (1997). A Treatise on the Soul P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (221). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[20] Tertullian. (1997). A Treatise on the Soul P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (231). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[21] Tertullian. (1997). On the Flesh of Christ P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (536). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[22] Tertullian. (1997). The Five Books against Marcion P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (337). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[23] Tertullian. (1997). The Five Books against Marcion P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (380). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[24] ANF, Vol. III, p. 34. مقتبس عن كتاب القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير: لاهوت المسيح حقيقة كتابية تاريخية أم تأليف مجمع نيقية؟ – صـ28.

[25] Against Praxeas, ch 1, 2. مقتبس عن كتاب القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير: لاهوت المسيح حقيقة كتابية تاريخية أم تأليف مجمع يقية؟ – ص29.

 

الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

الشك ف الكمين – المعجزات ضد المنطق

الشك ف الكمين – المعجزات ضد المنطق

الشك ف الكمين – المعجزات ضد المنطق

Exit mobile version