التوفيق بين حقيقة الخلق ونظرية التطور

التوفيق بين حقيقة الخلق ونظرية التطور

التوفيق بين حقيقة الخلق ونظرية التطور

233- كيف حاول البعض التوفيق بين حقيقة الخلق ونظرية التطوُّر؟

وفي ختام هذا الفصل نريد أن نتطرق إلى محاولة البعض للتوفيق بين حقيقة الخلق ونظرية التطوُّر، ورأي الكنيسة الكاثوليكية في نظرية التطوُّر، وحكم الإسلام فيها:

ج: قال البعض أن بعض رجال الكنيسة قد اعتقدوا بفكر التطوُّر قبل داروين بمئات السنين، وذكروا على سبيل المثال القديس أوغسطينوس (353 – 430م) وتوما الأكويني، فيقول د. أنور عبد العليم”.. وتوماس الأكويني (1225 – 1274م) حاولوا أن يوفقوا بين نظرية النشوء والتطوُّر وبين قصة الخلق في الكتاب المقدَّس بتفسيرات اجتهادية، ومن ذلك قول أكويناس (توما الأكويني) وكان من رجال الدين البارزين في عصره {إن الله لم يخلق النباتات كاملة في اليوم الثالث من أيام الخلق، وإنما هو منح الأرض في ذلك اليوم القدرة على إنبات الأعشاب فبدأت تنبت نباتها، وتطورت النباتات من البسيطة التركيب إلى المعقدة}”(1) 

ومن المعروف أن نظرية التطوُّر والنشوء لم تكن قد تبلورت بعد، فعلى ما يبدو أن توما الأكويني كان يتأمل في الترتيب الزمني لقول الكتاب ” فأخرجت الأرض عشبًا وبقلًا يبزر بزرًا كجنسه وشجرًا يعمل ثمرًا بذره فيه كجنسه” (تك 1: 12) فالأرض أخرجت أولًا عشبًا لأن القشرة الأرضية التي بردت كانت مازالت رفيعة، وعندما ازداد سٌمك هذه الطبقة أنتجت الأرض بقلًا لأن جذور البقول أطول من جذور العشب، ثم أنتجت الأشجار الضخمة ذات الجذور العميقة، وكلام الكتاب المقدَّس الذي آمن به توما الأكويني بكل قلبه إن كل نوع ينسل كجنسه، ولو كان توما الأكويني يقصد تطوُّر نوع إلى نوع آخر لأوضح ذلك بأفصح العبارات، ولكن هذا لم يحدث.

واختلف رد فعل الناس من جهة قبولهم نظرية التطوُّر، فبعض الذين قبلوا هذه النظرية لم يقبلوها لإقتناعهم بها، ولكن بسبب كراهيتهم للتعاليم الدينية، وآخرون صدموا بها، فيقول دكتور ” موريس بوكاي ” لأنه كانت هناك كراهية متأصلة للتعاليم الدينية لذلك تقبَّل الناس هذه النظرية، وقد ذهب الناس بها أبعد مما ذهبت إليه النظرية ذاتها، وكانت نظرية داروين صدمة عميقة للمتمسكين بتعاليم العهد القديم، الذين يعتقدون أن الله هو الذي خلق الإنسان، فلم يعد مقبولًا بأن الكتاب المقدَّس مُوحى به جملة وتفصيلًا، وظهرت فكرة جديد للوحي وهي أن الله ألهم الكتَّاب الذين كتبوا بأفكار عصرهم(2) وبهذا المنطق قبلوا نظرية التطوُّر ورفضوا فكرة الخلق الإلهي، ووصل بهم الحال إلى الإلحاد، ولذلك يمكن أن نقسم الناس من جهة قبولهم ورفضهم لنظرية التطوُّر أو محاولة توفيقهم بينها وبين نظرية الخلق إلى ثلاث فئات هي:

الفئة الأولى: الذين قبلوا نظرية التطوُّر ورفضوا وجود الله الخالق، فسقطوا في الإلحاد، واقتنعوا أن الحياة انبعثت من الخلية الأولى التي وُجِدت تلقائيًا، وتكوَّرت وتنوعت إلى كل هذه التي نراها الآن.

الفئة الثانية: الذين قبلوا نظرية التطوُّر، ولكنهم تمسكوا بحقيقة الله الخالق، فقالوا إن الله خلق كل الكائنات الحيَّة عن طريق التطوُّر، فالله خلق صور بسيطة للحياة وأعطاها القدرة على التطوُّر، فالتطوُّر في نظرهم هو أسلوب الله في الخلق.

الفئة الثالثة: الذين يعتقدون إن جميع النباتات والحيوانات وكل الكائنات ماعدا الإنسان جاءت نتيجة التطوُّر، فالله خلق الإنسان خلقًا مباشرًا، فهم لا يعتقدون أن الإنسان بقدراته الذهنية والروحيَّة والأدبية قد تطوَّر من القردة،  ويقول ” هيربرت وولف”.. ” لقد رفضت أغلبية المسيحيين استنتاجات داروين نظرًا لتعارضها الواضح مع ما جاء في سفر التكوين، ولكن في نفس الوقت نجد محاولات من البعض لإيجاد نوع من التوفيق بين نصوص الكتاب المقدَّس وما يؤمن به أصحاب نظرية التطوُّر، وذلك بإرجاعهم بداية عملية الخلق إلى الله، كما يتحدث المؤيدون للحل الوسط عن إمكانية توافق سفر التكوين مع وجهة نظر أصحاب نظرية التطوُّر، ولقد مكَّنت الأبحاث العديدة التي أُجريت في السنوات الأخيرة العلماء من فهم أعمق للتغيرات البيولوجية والفيزيائية التي تحدث للأنواع، ولقد أدت هذه الدراسة إلى وجود اصطلاحين متضادين لبعضهما وهما تطوُّر محدود microevolution، وتطوُّر على مجال كبير macroevalation، ونجد أن هناك أعدادًا متزايدة من المسحيين على استعداد لقبول فكرة التطوُّر المحدود داخل الأنواع، وفي نفس الوقت يرفضون فكرة أن الحياة ككل تطوَّرت من مادة غير عضوية، وإنها تطوَّرت عبر عصور حتى انتهت أخيرًا بظهور الإنسان”(3)(4).

كما يقول “هيربرت وولف” أيضًا “لقد حاول بعض المؤمنين أن يقوموا بعملية مزج بين ما ذُكر في الكتاب المقدَّس وبين رؤية نظرية التطوُّر دون التنكر لصحة ولصواب كل منهما، وبالرغم من قبولهم الله الذي خلق الكون إلاَّ أنهم يعتقدون بأن الله استخدم آلية التطوُّر في خلق وإيجاد هذا التنوع والاختلاف الذي يسود حياتنا، وإن عملية الخلق ليست بالضرورة عملية مضادة كلية لعملية التطوُّر إذ أن الله ذاته هو الذي أوجد ما يحرك عملية التطوُّر هذه. إن هؤلاء الذي يمزجون نظرية التطوُّر مع الإيمان بوجود الله يفسرون الإصحاحات الأولى من سفر التكوين بطريقة مجازية، وعلى هذا فإن كان سفر التكوين يعطينا وصفًا عامًا للبدايات الأولى إلاَّ إنه من المرونة بدرجة إنه يمكن أن يتعايش جنبًا إلى جنب مع نظرية التطوُّر، وبسبب التفاصيل الكثيرة والمذكورة عندما خلق الله الإنسان يرى بعض الباحثين أن التطوُّر انتهى قبل أن يظهر آدم على مسرح الأحداث كخليقة الله، بينما يعتقد آخرون بأن الجزء الجسماني من آدم تطوَّر إلى ما هو عليه مأخوذًا من الحيوانات الأكثر تميزًا في خلقها، ثم في وقت ما منح الله ذلك المخلوق روحًا وجعله على صورته”(5)(6).

ثم أوضح ” هيربرت وولف ” بأن القول بأن جسد الإنسان تطوَّر من الحيوانات الراقية يتعارض مع ما جاء في سفر التكوين، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فقال ” إن أي دراسة متأنية للإصحاحين الأولين من سفر التكوين تثير تساؤلات خطيرة عن مدى صحة هذا الرأي الأخير عن أصل الإنسان إذ تذكر الآية تك 2: 7 ” وجبل الرب الإله آدم ترابًا من الأرض ” ولم يذكر أبدًا في أي مكان آخر ما يعني بأن التراب يمكن أن يكون حيوانًا أو ما يشبه الحيوان، وإذا أمكن تفسير كلمة تراب لغويًا على إنها استعارة لكلمة حيوان فيمكن تفسير ” وصار آدم نفسًا حيَّة ” بأنه كحيوان قد مُنح روحًا تجعله يمثل ” صورة الله” (تك 1: 27) وعند ذلك تحوَّل آدم إلى إنسان. إن هذا الرأي لا يتوافق أبدًا مع استخدام تعبير كائن حي أي ” Living Being ” والتي تسري أيضًا على مجموع المخلوقات والحيوانات الأخرى (تك 1: 24) حيث أنها تُرجمت إلى ” Living Creatures ” أي مخلوقات (تك 1: 20، 21) ومن ذلك يتضح أن ” Living Being ” تشير إلى الحياة الطبيعية أكثر مما تعني المقدرة العقلية أو الروحية، ونفس الشيء يسري على استخدام ” ونفخ فيه نسمة حياة ” وعلى هذا فإن آدم لم يكن له أي كيان أو حياة بما تعنيه هذه الكلمة من معنى قبل أن يُشكّله الله، وإنه بسبب الخطية سيعود آدم إلى نفس التراب الذي جُبل منه (تك 2: 12) وذلك إشارة إلى الموت الجسدي.

ثم إننا نجد أنه بعد أن خلق الله آدم خلق له حواء من ضلع من ضلوعه، وهنا نجد أن النص الإنجيلي لا يتوافق بأي حال من الأحوال مع افتراضات نظرية التطوُّر، فالكتاب يذكر كيف أن حواء خُلقت سريعًا وكخليقة منفصلة عن آدم (تك 2: 22) وإن المنزلة الأولى المؤقتة التي كانت لآدم قبل وجود حواء تؤكد أن نظرية التطوُّر لا تتمشى أبدًا مع نظرية أصل الإنسان لداروين”(7)(8).

لقد رأى البعض أنه لا يوجد خلاف بين نظرية التطوُّر وحقيقة الخلق، وربط بروفسور طومسون بين الهدف من الخليقة والعقل الخالق فقال “{أينما تفتح صنبور الطبيعة العضوية، يبدو أنها تفيض بهدف}(9) ويقول أيضًا {لو أن هناك لوجوس (عقل) في نهاية عملية التطوُّر الطويلة المنتهية بالإنسان، فيمكننا أن نجزم بأنه كان في البداية أيضًا عقل}(10) فحيثما يوجد هدف، لا بُد من وجود عقل يعمل لهدف ولغاية محددة، فحيثما يوجد عقل فيمكن أن توجد خليقة في البداية، ومتى سلمنا بالخليقة، فيمكن أن نقبل بوجود العناية المهيمنة.. لا بُد أن الدوق أرجيل كان على صواب في قوله {إن الخلق والتطوُّر – عندما يُنقي هذان التعبيران من البلبلة الذهنية – ليسا مفهومين متضادين يعارض أحدهما الآخر، بل متوافقين ومتممين أحدهما للآخر”(11).

ورأى البعض أن ما دعاه البعض بالطفرة أو القفزة يتمشى مع قصة الخلق كما وردت في سفر التكوين، فجاء في دائرة المعارف الكتابية ” نادى – حديثًا – البروفسور ” هوجو دي فريس ” من أمستردام ” بنظرية الطفرة ” وهو تعبير استخدمه هو للدلالة على عملية نشأة أنواع جديدة.. فقد أقر ” ليل ” في كتابه ” العصور القديمة للإنسان ” وقد أصبح شيئًا فشيئًا من أنصار نظرية داروين بإمكانية حدوث طفرات واسعة أحيانًا، وثغرات في سلسلة متصلة من التغيرات السيكولوجية وبذلك تخطى الإنسان – في قفزة واحدة – الفجوة الفاصلة بين أعلى مراتب الحيوان خامل الذكاء، وبين أول وأدنى صور العقل النامي في الإنسان.

بل أن البرفسور هكسلي -وهو من أقوى أنصار نظرية دارون- أقرَّ بأن {الطبيعة تقفز من حين لآخر قفزات واسعة}.. وبالتأكيد أن نظرية التطوُّر تتعرض لتعديلات كثيرة قد يكون لها أهمية خاصة في تفسير قصة سفر التكوين عن الخلقة، وبخاصة من جهة نشأة الإنسان، وعليه فالإنسان من وجهة نظر علمية بحتة – قد يكون كائنًا جديدًا تمامًا لم ينتج عن ارتقاء بطئ متدرج من قرد شبيه بالإنسان. قد يكون الإنسان قد وُجِد في طفرة، لا كنصف حيوان بدوافع بهيمية، ولكن ككائن عقلاني أخلاقي {متوافق داخليًا له إمكانات النمو بلا خطية، ولكنه قضى عليها بتصرفه الحر} ومتى قُبلت النظرية الجديدة عن التطوُّر بالطفرة، فإن الرأي الكتابي عن أصل الإنسان يصبح ثابتًا ليس هنا ما يدحضه.. ” وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا.. فخلق الله الإنسان” (تك 1: 26، 27) إن القفزة عند ليل وهكسلي أو الطفرة عند فريس، ما هي إلاَّ أسماء تختفي في القصة البسيطة أمام العبارة المفعمة بالمعاني ” وقال الله ” لقد أعطى علماء اللاهوت المشهورين صبغة إيمانية لنظرية التطوُّر”(12)(13).

والحقيقة أن الأخذ بأي مرحلة من مراحل التطوُّر، بمعنى ظهور نوع من نوع آخر، يخالف قول الكتاب أن كل نوع ينسل كجنسه، كما يخالف قوانين الوراثة التي وضعها الخالق في الكائنات الحيَّة، ويقول ” هنري م. موريس”.. ” فلو كان الله قد خلق الكون بما فيه من كائنات حيَّة بطريقة التطوُّر وكان هدفه النهائي خلقة الإنسان، فما الداعي إذًا لأن تتحكم الديناصورات وتجول في الأرض لملايين السنين، وتموت قبل مدة طويلة من ظهور الإنسان؟! وإذا كان المفروض أن التطوُّر قد حدث نتيجة الصراع من أجل الحياة والبقاء للأصلح، فإنه إذا صح ذلك، يكون معناه أن الله وضع قانونًا يعتمد في تنفيذه على أحقية القوي في القضاء على الضعيف. لذلك فلابد أن الملايين من الحيوانات قد هلكت خلال عملية التطوُّر لا لسبب مفهوم سوى أن يكون الإنسان هو الهدف النهائي من العملية، وبالتالي فإن المحاولة التي قام بها علماء التطوُّر المؤمنون (الذين اعتقدوا أن الله استخدم أسلوب التطوُّر في الخلقة) تعتبر فاشلة. وكما قال أحد الأساتذة الملحدين {يكشف تاريخ التطوُّر ويشهد بأنه لا يوجد عقل وراء هذه العملية، فلا يمكنك أن تفهم نظرية التطوُّر وتؤمن بالله في نفس الوقت}”(14).

ويقول العالِم الألماني ” فون رينكه”.. ” إذا سلمنا أن المادة الحيَّة أتت من المواد الغير الحيَّة في زمن من الأزمنة، فإني أعتقد أن عقيدة الخلق هي النظرية الوحيدة التي يقبلها المنطق.. لأنها تجيب على كل سؤال يسأله طالب الحقيقة الغير مغرض، واسمع ما يقوله الفيلسوف الألماني والعالم البيولوجي الشهير الأستاذ هانس دريش في صدد النمو الجنيني: إنه لا يمكن للعوامل الطبيعية بمفردها أن تفسر النمو الجنيني”(15).

_____

(1) قصة الحياة ونشأتها على الأرض ص 10، 11.

(2) راجع ما أصل الإنسان؟ ص 15، 16.

(3) AN INTRODUCTION TO THE OLD TESTAMENT PENTATEUCH, P89.

(4) ترجمة خاصة بالبحث بتصرف قام بها الأستاذ الفاضل بشرى جرجس خليل أستاذ اللغة الإنجليزية بإكليريكية طنطا.

(5) AN INTRODUCTION TO THE OLD TESTAMENT PENTATEUCH, P 93.

(6) ترجمة خاصة بالبحث بتصرف قام بها الأستاذ الفاضل بشرى جرجس خليل أستاذ اللغة الإنجليزية بإكليريكية طنطا.

(7) AN INTRODUCTION TO THE OLD TESTAMENT PENTATEUCH, P93, 94.

(8) ترجمة خاصة بالبحث بتصرف قام بها الأستاذ الفاضل بشرى جرجس خليل أستاذ اللغة الإنجليزية بإكليريكية طنطا.

(9) كتاب الطبيعة ص 25.

(10) ص 86.

(11) دائرة المعارف جـ 1 ص 434.

(12) أنظر فلنت في ” الإيمان بالله ” ص 195.

(13) دائرة المعارف جـ 1 ص 436.

(14) ترجمة نظير عريان ميلاد – الكتاب المقدَّس ونظريات العلم الحديث ص 58، 59.

(15) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 178.

التوفيق بين حقيقة الخلق ونظرية التطور 

القفزات في نظرية التطور – وهل يمكن أن يكون أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف؟

القفزات في نظرية التطور

هل وافق أصحاب التطور عن طريق القفزات على فكر داروين؟ وهل يمكن أن يكون أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف؟

القفزات في نظرية التطور
هل وافق أصحاب التطور عن طريق القفزات على فكر داروين؟ وهل يمكن أن يكون أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف؟

خامسًا: التطور على قفزات أو التوازن المتقطع:

ج: يرفض أصحاب هذا الرأي فكر داروين الذي قال أن التطور يحدث بشكل تدريجي وتراكمي، إنما قالوا أن التطور يتم بقفزات كبيرة ومتفرقة، ففي بداية السبعينيات أدرك “نايلز إلدردج” و”ستيفن غولد” أن سجل الحفريات لا يؤيد الداروينية الجديدة التي تنادي بالطفرة كأساس للتطور، بل أن هذا السجل يثبت أن الكائنات الحيَّة قد ظهرت فجأة بكامل تكوينها، ولذلك قدم هذان العالِمان نموذجًا جديدًا يعتمد على أن التطور لم يحدث نتيجة تراكم اختلافات صغيرة.

إنما حدث نتيجة تغيُّرات فجائية كبيرة، وزعم عالِم الحفريات الأوربي “شانيدولف” -الذي أتبع نفس النهج- أن أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف كقفزة كبيرة وطفرة هائلة نتيجة مصادفة ضخمة في التركيب الجيني. وبلا شك أنه بهذا نقل الحقائق العلمية إلى قصص خيالية مثل قصة تحوُّل الضفادع إلى بشر أُمراء، وفي أحسن الأحوال نقول أنها محاولات فاشلة لسد الفجوة التي يكشفها سجل الحفريات(1).

ويقول هارون يحيى ” يكاد يكون من غير المعقول أن تجرى محاولة لتفسير فجوات الحفريات الموجودة في تطور الطيور عن طريق الإدعاء بأن الطائر قد خرج فجأة من بيضة إحدى الزواحف.. لا يمكن لأية طفرة أيا كانت أن تُحسّن المعلومات الوراثية أو تضيف إليها معلومات جديدة، ذلك أن الطفرات لا تؤدي سوى إلى إفساد المعلومات الوراثية، ومن ثمَ فإن الطفرات الهائلة التي تخيلها التوازن المتقطع لن ينتج عنها غير إضعاف وإتلاف هائل أي كبير في المعلومات الوراثية.. إن سيناريو التطور برمته ما هو إلاَّ قصة خيالية وخدعة تتعارض تمامًا مع العالم الواقعي، وقد أُستخدم هذا السيناريو لخداع العالم منذ مئة وأربعين سنة، وبفضل الاكتشافات العلمية الأخيرة أصبح من المستحيل – أخيرًا – الاستمرار في الدفاع عنه”(2).

_____

(1) راجع هارون يحيى – خديعة التطور ص 36.

(2) خديعة التطور ص 36، 37.

القفزات في نظرية التطور

هل وافق أصحاب التطور عن طريق القفزات على فكر داروين؟ وهل يمكن أن يكون أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف؟

ما هي الفروض التي اعتمدت عليها نظرية التطور عن طريق الطفرة؟

ما هي الفروض التي اعتمدت عليها نظرية التطور عن طريق الطفرة؟

ما هي الفروض التي اعتمدت عليها نظرية التطور عن طريق الطفرة؟

ج: يمكن القول أن نظرية التطور في ضوء عمل الطفرات تعتمد على ثمانية فروض، يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات هي:

المجموعة الأولى: تتناول العمليات الأساسية في التطور وهي:

1- يمكن إحداث تغيير في الأنواع الحية إذا عزلنا الأفراد ذوي الصفات المرغوبة، وحصر التكاثر بينها، ويتناول هذا الفرض الذين يهتمون بتربية الحيوانات الداجنة مثل إنتاج أنواع من البقر تتميز بتكوين اللحم مثل أبقار شورتهورن في إنجلترا، وأخرى تتميز بإدرار اللبن مثل أبقار الفريزيان الهولندية.

2- استمرار التغيير في الأمور الظاهرية يؤدي في النهاية إلى تغيير في الأمور الجينية، فاختيار أفراد معينة وحصر التكاثر بينها يؤدي إلى تغيير في المعين الجيني.

3- دائما تحدث طفرات، سواء كانت الطفرة صبغية (كروموزومية) أم جينية. كما يمكن أن تحدث معمليا بواسطة الإشعاع.

4- الطبيعة تحكم الاختيار عند التكاثر، فمثلا كانت الفراشات البيضاء كثيرة التواجد في مدينة مانشستر، ولكن عندما صارت المدينة قلعة صناعية ظهرت الفراشات السوداء ليس نتيجة عادم الصناعات، ولكن لأن الفراشات السوداء استطاعت أن تتخفى من أعدائها بواسطة دخان العوادم، فسادت في البيئة، بينما أخذت الفراشات البيضاء في الاختفاء لأنها لم تستطع أن تتخفى من أعدائها.

المجموعة الثانية: تتناول أسلوب حدوث عمليات التطور:

5- إذا أدى التغيير إلى توافر صفات مميزة، فإنها تساعد الأنواع على التكيف.

6- التغيرات التكيفية تراكمية في طبيعتها، ففي خلال الأجيال المتعاقبة تبدأ الزيادة المتدرجة في الصفات الجديدة.

المجموعة الثالثة: تتناول نتائج عملية التطور

7- نتيجة العمليات المذكورة في المجموعتين الأولى والثانية تظهر أنواع جديدة، لا تقبل التناسل مع أفراد النوع الذي نشأت منه، وأخيرا يتوفر لها الانعزال الجيني أو الوراثي Genetic Isalation.

8- استغرقت عملية تكوين أنواع جديدة ما يزيد عن 500 مليون سنة، ولذلك يعجز العلم عن الدخول في مرحلة التجربة بهذا الشكل لطول الفترة الزمنية، ولكنه يكتفي بالبحث في الشواهد التي يؤيدها واقع ملموس(1).

_____

(1) راجع علم الأحياء للصف الثالث الثانوي سنة 1990 / 1991م ص 201 – 207.

ما هي الفروض التي اعتمدت عليها نظرية التطور عن طريق الطفرة؟

هل يمكن إلقاء الضوء على نشأة داروين، ورحلته، ومؤلفاته؟

هل يمكن إلقاء الضوء على نشأة داروين، ورحلته، ومؤلفاته؟

هل يمكن إلقاء الضوء على نشأة داروين، ورحلته، ومؤلفاته؟

ثانيا: داروين (1809 – 1882م) والانتخاب الطبيعي

ج: ولد شارلز روبرت داروين Charles Robert Darwin في 12 فبراير 1809م من أب طبيب وأم من أسرة غنية، فهو الابن الثاني من الزوجة الثانية ” سوزان ودجوود ” Syzan Wedgewood التي كانت تشجعه على البحث رغم أنها توفيت وهو في الثامنة من عمره، وفي أحد الأيام كانت قد أعطته زهرة وأخبرته أنه يستطيع أن يعرف صفة النبات بالنظر إلى داخله، وكان جده دكتور ” أراسموس داروين ” Erasmus Darwin الطبيب المشهور يؤيد أفكار التطور التي إعتنقها ” دي ميل ” De Mille والتي تعتبر مقدمة لظهور مذهب ” دي لامارك ” وقد أصدر د. أراسموس داروين كتابا بعنوان ” أسماء الحيوانات”.

أمضى شارلز سبع سنوات في مدرسة ” شروزبوي ” حيث إقتصر التعلم على الحفظ عن ظهر قلب فكره الدراسة، واتهمه مدرسوه بأنه بليد الذهن، فانصرف إلى الرياضة واقتناص الفئران، وكان شارلز داروين شغوفا بإجراء التجارب الكيميائية مع شقيقه الأكبر حتى أطلق عليه زملاؤه لقب ” السيد غاز ” Mr. Gas كما كان شغوفا بالأدب ولاسيما بكتابات ” شكسبير” و”والترسكوت ” و” بيرون ” وحتى سن السادسة عشر لم يكن وضعه يبشر بنجاح، فقد كان يهوى الصيد ومطاردة الكلاب، وجمع عينات الأصداف والأحياء البحرية والحشرات والطيور، ووجد فرصته لممارسة هواياته في مزرعة أخواله.

ثم ألحقه والده مع أخيه بكلية الطب جامعة أدنبرة باسكتلندا ليخلفاه مهنة الطب، ولكن ما أن رأى شارلز غرف العمليات وجثث الموتى حتى كره الكلية.. تصادق شالز داروين مع ” كولد ستريم ” Cold Stream و” جرانت ” Grant، وقد صار الاثنان من علماء الحيوان، وتعرف أيضا شارلز على عالم الطيور ” ماك جلفاري ” Mac Galvery، و” أوزوبون ” Ozobun الذي كان مغرما بدراسة الطيور، وكان يرسمها في صورها المختلفة، وبعد سنتين أرسله والده إلى كامبريدج Cambridge في أكتوبر 1827م ليدرس اللاهوت، ويحصل على مؤهلا يؤهله لأن يكون أحد رجال الدين، وبعد ثلاث سنوات حصل شارلز على المؤهل إكراما لوالده، بينما لم يكف عن ممارسة هوايته المفضلة في الصيد ودراسة التاريخ الطبيعي،

وأثناء دراسته في كامبريدج التحق بشعبة النبات لحبه في الرحلات العلمية المرحة التي كان يقوم بها أستاذه المحبوب ” جون هنسلو ” وقد تصادق داروين مع عالم النباتات المشهور هذا، حتى عرف داروين بالشاب الذي يمشي مع البروفسور هنسلو، وقرأ داروين في السنة الأخيرة من دراسة اللاهوت كتاب ” إسكندر فون همبولت ” عن رحلاته لأمريكا الجنوبية خلال المدة 1799 – 1804م، فحفزه هذا على السفر والرحلات، كما قرأ كتاب ” مقدمة الفلسفة الطبيعية ” لصاحبة السير ” جون هرشل ” فحفزه على دراسة التاريخ الطبيعي وعلم طبقات الأرض.

ويرى دكتور كمال شرقاوي غزالي رئيس قسم العلوم البيولوجية والجيولوجية بكلية التربية جامعة الإسكندرية أن داروين كان عبئا على أسرته، فقد بدأ في دراسة الجيولوجيا بعد أن قرأ كتاب ” مبادئ الجيولوجية ” للجيولوجي الاسكتلندي ” تشارلز لايل ” Charles Lyell وأعجب بسهولة أسلوبه، ووصف داروين نفسه بأنه أصبح جيولوجيا، لكنه ما لبث أن سئم الجيولوجيا فتركه واصفا إياه بأنه علم فاتر وممل، وعندما التحق بكلية الطب بأدنبرة أخفق في دراسته وتركها بعد عامين، وبعد أن أمضى ثلاث سنوات في دراسة علم اللاهوت في كمبردج قال إن وقته قد ضاع هباءا وإنه معرض للضياع، فاتجه لممارسة الرياضة مع مجموعة من الشباب، ولكنه هجرها إلى الموسيقى، وعندما فشل في التمييز بين نغمة وأخرى هجرها أيضا، حتى إنه أحس أنه قد فشل في جميع الميادين(3).

رحلة داروين: زكى ” جون هنسلو ” تلميذه داروين ليصحب السفينة الحربية الصغيرة ” إتش. إم. إس. بيجل ” H. M. S. Peagle بقيادة القبطان ” متزوري ” وأقلعت السفينة من ميناء ” ديفون بورت ” يوم 27 ديسمبر 1831م إلى جنوب المحيط الأطلنطي والمحيط الهادي لمدة خمس سنوات، وهي تحمل على متنها داروين كباحث بدون راتب، وعندما رست السفينة في ميناء برايا Praia في 16 يناير 1833 رأى داروين لأول مرة أشجار التمر الهندي والموز والنخيل، ولاحظ داروين أن هناك طبقة من طبقات الأرض بيضاء ترتفع مئات الأمتار وتمتد عدة أميال، ووجد بها بعض الأصداف البحرية التي تشبه الأصداف الموجودة في بحر تلك المنطقة،

فتأكد داروين أن هذه الطبقة كانت في يوم ما غارقة في قاع البحر، وبذلك قال أن البيئة المحيطة هي في حالة تغير مستمر، وقطعت السفينة الرحلة إلى البرازيل، وداروين يجمع الحيوانات وعظامها والنباتات البحرية ويدرسها، بالإضافة إلى ما شحنه إلى إنجلترا من عظام ونماذج ليدرسها على مهل.

وعند مجاري الأنهار في الأرجنتين أكتشف حفرية الحيوان المنقرض ” توكسودون ” Toxodon الذي يصل حجمه إلى حجم الفيل، وله أسنان كأسنان الخرتيت، وأذنين وعينين وأنف كفرس البحر، فقال أن هذه إثباتات أن هذا الحيوان المنقرض كان يعيش في الماء، وعندما وصلت السفينة إلى ميناء ” تيراويل فويجو ” قرب القطب الجنوبي رأى بعض البشر الذين يسيرون عراة في مياه شديدة البرودة، فقال لا بد أن هؤلاء البشر قد ذودوا باستعداد بيولوجي لتحمل عذاب هذا الماء البارد.

وعندما وصل داروين إلى جزر جلاباجوس Galapagas الست المعزولة عن قارات العالم، والتي تقع على بعد نحو 1200 كم من شواطئ الأكوادور بأمريكا الجنوبية رأى أنوعا ضخمة من السحالي يصل وزن بعضها إلى مائة كيلوجرام، فسجل في مذكراته وصفا دقيقا لتلك السحالي والطيور وفي 2 أكتوبر 1836م انتهت رحلة السفينة بيجل، وعاد داروين إلى وطنه وقد بلغ عمره سبعة وعشرون عاما(2).

كما شاهد داروين بهذه الجزر بعض النباتات القليلة، وعندما تساءل بينه وبين نفسه: كيف نبتت هذه النباتات في هذه البيئة المالحة؟ ومن أين أتت؟ ثم أخذ بعض البذور من هذه النباتات ووضعها في ماء مالح بارد ثم زرعها فوجدها تنمو طبيعيا، فعلم أن هذه البذور قد جاءت إلى هذا المكان المنقطع عن طريق أمواج المحيط، فمن السهل أن تنتشر النباتات عبر البحار بعدة طرق مختلفة، فقد تحمل الأمواج البذار أو أفرع الأشجار اليابسة المحملة بالبذار، كما ذكرنا أيضا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. 

ورغم أنها تمضي أياما طويلة في المياه المالحة ولكن عدد كبير منها يمكنه أن ينبت بعد ذلك، وأجرى داروين مع السيد ” بيركلي ” Mr. Berkley بعض التجارب فوجد 64 صنفا من إجمالي 87 صنفا يمكنها أن تنبت بعد غمرها في المياه المالحة لمدة 28 يوما، بل أن القليل منها أنبت بعد غمره في المياه المالحة لمدة 137 يوما، ولوحظ أن ثمار البندق اليانعة تغوص في المياه المالحة، بينما التي تعرضت للجفاف فإنها تستطيع أن تطفو على الأمواج لمدة 90 يوما، ثم تنبت بعد هذا..

كما أنه يمكن لبعض البذور أن تنتقل بواسطة الطيور المهاجرة، وذلك بأن تلتصق بأرجلها أو منقارها، أو قد تكون في حوصلتها وتتعرض للموت نتيجة الرحلة الشاقة، وقد لا تتعرض هذه البذار للهضم وتنزل مع زرق الطيور ويمكنها أن تنبت(1).

مؤلفات داروين: أخذ داروين يدرس الملاحظات التي دونها أثناء الرحلة، ولم يكن بعد قد إقتنع أن الكائنات الحية هي كائنات متحولة إلا بعض مضي سنتين أو ثلاث، ولم تكتمل نظرية ” نشأة الأنواع الحية ” في عقل داروين إلا سنة 1844م. ثم ظل طيلة خمسة عشر عاما يجمع الحقائق العلمية التي تؤيد نظريته قبل نشرها لأول مرة في 24 نوفبمر 1859م، وكان داروين قد نشر عدة كتب قبل هذا التاريخ، وأخرى بعد هذا التاريخ، وهي:

1- كتابا عن الجزر البركانية سنة 1844م.

2- صحيفة البحوث العلمية في رحلة بيجل سنة 1845م.

3- كتابا عن المريجيات إلى الحيوانات النباتية كالأسفنج سنة 1846م.

4- ” إخصاب الزهور ” مقال مهم سنة 1857م.

5- وسائل التخصيب المختلفة للسحلبيات بواسطة الحشرات سنة 1862م.

6- النباتات المفترسة سنة 1875م.

7- النباتات المتسلقة سنة 1875م.

8- تأثير التهجين والإخصاب الذاتي في المملكة النباتية سنة 1876م.

9- الأشكال المختلفة للزهور في النباتات التابعة كنوع واحد سنة 1877م.

10- القدرة على الحركة في النباتات سنة 1880م.

11- التعبير عن الانفعالات.

12- تكوين الفطريات بفعل الديدان.

أما أهم الكتب التي ألفها داروين وأثارت ضجة كبيرة، فهي كتاب ” أصل الأنواع ” الذي ظهرت طبعته الأولى التي تقع في 490 صفحة في 24 نوفمبر 1859م، حيث طبع منه 1250 نسخة نفذت في نفس اليوم الذي طرحت فيه، ومازال يعاد طبع الكتاب بلغات عديدة حتى اليوم، وكتاب ” نشأة الإنسان ” الذي طبع سنة 1871م.

وكان قد أصيب داروين بمرض غريب سنة 1834م في ميناء ” فلباريزو ” ورغم أنه برأ منه إلا أنه ترك آثاره على جسده، فكانت تعاوده نوبات من دورات متعاقبة من الغثيان والشعور بالألم والتعاسة، وفي سنة 1839م تزوج داروين، وفي سنة 1842 م ترك لندن إلى مقاطعة ” كنت ” حيث اشترى منزلا ومزرعة واستمر في دراساته وتأليف كتبه.

_____

(1) راجع أصل الأنواع ص 595 – 603.

(2) راجع مقدمة سمير حنا صادق لكتاب أصل الأنواع – ترجمة مجدي محمود المليجي ص 17 – 20.

(3) راجع التطور بين الضلال وممارسة حق النقد ص 20، 21، 71.

هل يمكن إلقاء الضوء على نشأة داروين، ورحلته، ومؤلفاته؟

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

4- الكائنات الحية لا تأتي إلا من كائنات حية

ج: لقد أخطأ الذين ظنوا أن الكائنات الحية – مثل البكتيريا التي تظهر على الخبز، أو الديدان التي تظهر في الجبن أو اللحوم، أو الديدان التي تظهر في الأرض الرطبة – تأتي من غير كائنات حية، وقد أوضح ” باستير ” هذه الحقيقة عندما أستخدم أسلوب التعقيم، ولو أن الحياة نشأت من التوالد الذاتي، فلماذا لا يحدث مثل هذا التوالد الآن؟ لماذا لا نرى مادة حية تخرج من الجماد..؟!

هل أصيبت القوى الطبيعية بالعقم فلم تعد قادرة على إيجاد كائنات حية من الجماد..؟! هل تغيرت نواميس الطبيعة للأضعف؟! ويقول د. حليم عطية سوريال ” ولكن تجارب العلامة ” باستير ” صدمت نظرية التوالد الذاتي صدمة قاتلة، فإن ذلك الباحث العبقري ” باستير ” اكتشف أعظم ناموس حيوي وهو أن الكائنات الحية لا يمكن أن تأتي إلا من كائنات حية مثلها، وهذا الناموس يسري على أصغر الميكروبات كما يسري على الحيوانات الكبيرة، وغني عن البيان أن هذه القاعدة قبلت بالإجماع، ولم يسع المكابرون سوى التسليم بها..

وعلى ذلك نرى أنه كان يجب أن لا يكون مجال للتكلم عن التوالد الذاتي بعد باستير، ولكن عقلية الماديين غريبة مدهشة لا تقبل التسليم بالواقع.. يناقضون أنفسهم تناقضا بينا ويخلقون لأنفسهم مشاكل لا يمكنهم حلها لأن قبولهم نظرية التوالد الذاتي يضع أمامهم معضلات أعظم من معضلة الاعتقاد بالخلق الخاص، ويمكننا أن نشير إلى بعض تلك المعضلات:

(أولا) إنهم يعترفون أن التوالد الذاتي لا يحدث الآن.. فإن كان التوالد الذاتي لا يحدث الآن ألا يحق لنا أن نسأل ما الذي جعل قوة الطبيعة والمادة تشيخ وتهرم – ما لها عقمت وعجزت عن خلق كائنات حية من الجمادات كما فعلت سابقا؟ إذا نواميس الطبيعة متغيرة متقلبة لا تثبت على حال فإذا قالوا بذلك يواجهون مشكلة أخرى، لأن القول بعدم ثبات نواميس الطبيعة يترتب عليه انهيار العلم كله.

(ثانيا) إنهم يقولون أن أول الكائنات الحية أعني التي نشأت بالتوالد الذاتي كانت صغيرة جدا وعلى غاية البساطة.. وتولدت منها المخلوقات الكبيرة، وهذا القول لا يتفق مع الحقائق العلمية لأن المخلوقات الحية مهما كانت صغيرة الحجم لا يعتبرها العلم بسيطة لأن البساطة لا تتفق مع مميزات الحياة، لأنه بين أصغر خلية حيوانية أو نباتية وبين المواد الغير عضوية الجمادية هوة عميقة لا يمكننا أن نتصور عبورها.. إن الخلايا الحية مهما صغر حجمها فهي عالم في ذاتها.. لها جميع مميزات الحياة الجوهرية الأساسية، فإنها تأخذ المواد الغذائية التي تصلح لها من الوسط الذي تعيش فيه وتهضمها كما نهضم طعامنا بواسطة عصارات متشابهة.

وبعد هضمها تنبذ فضلات الطعام بطرق غاية في الدقة، وبعد ذلك تستخدم الطعام المهضوم لنفس الأغراض التي يستعمل فيها عند الحيوانات الكبيرة، فإنها تخلق منه مادة برتوبلازمية تشبه المادة المكون منها جسمها وتعوض بذلك المواد التي استهلكت في العمليات الحيوية.. على أن أروع وأبدع ما تشاهده في تلك المخلوقات الصغيرة هو عملية التوالد بالانقسام.. لأنها تنقسم بعملية غاية في الدقة إلى نصفين متساويين تمام المساواة يصير كل منهما فردا مشابها تمام المشابهة لوالده.. ولقد قال الأستاذ ولسن بصدد هذه الحقائق أن تقدم العلم قد وسع الهوة التي بين الكائنات الحية ذوات الخلية الواحدة وبين المواد الغير عضوية”(1).

وقد قام عالم الكيمياء ” لافوازييه ” Lavoisier في القرن التاسع عشر بتقسيم المواد الكيميائية إلى مجموعتين أحدهما لا يستطيع أن يصنعها إلا الأحياء من إنسان وحيوان ونبات، وأتفق على تسميتها بالكيمياء العضوية، والثانية هي المواد الكيميائية التي تنتشر في الطبيعة من تربة وماء

ثم اكتشف ” فوهلر ” Wahler سنة 1828م أنه يمكن تحضير البول معمليا، لذلك قالوا أن الكيمياء العضوية هي التي يدخل في تركيبها الكربون، وذرات الكربون لها قدرة فذة على الإتحاد بغيرها من العناصر، حتى وصلت مركبات الكربون إلى أكثر من ربع مليون مركب، ولا أحد يستطيع أن يدعي أن المواد غير الحية يمكن أن تجتمع معا لتكوين حياة، لأن الحياة لا تولد إلا من حياة، ولم ينجح للآن أي إنسان في تكوين خلية حية بالجمع بين المواد غير الحية!! وهذا ما يقر به علماء التطور أنفسهم.

أما القول بأن الحياة وجدت من تلقاء ذاتها فإنه يشبه القول بأن هذا المبنى وجد من ذاته بالصدفة بكل ما فيه من تجهيزات كهربائية وصحية ودهانات ونجارة وأثاث.. إلخ ومن يقدر أن يتصور أن الصدفة تدخلت في قطع الأشجار وتصنيعها أبوابا وشبابيك وأثاثات فاخرة بدون تدخل يد إنسان، والصدفة تدخلت أيضا فاختارت المواد التي يصنع منها السيراميك ووصلت به إلى هذه الدرجة من الجودة بدون تدخل إنسان.. إلخ ومع كل هذا فإن إمكانية وجود مبنى ضخم بكل ما يحويه من تحف وأثاث وأجهزة بمجرد الصدفة لهو أهون من وجود خلية حية واحدة!!

_____

(1) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 71 – 77.

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

3- الحياة ليست مجرد تركيب كيميائي

ليست الحياة مجرد تركيبا كيميائيا، والمظهر الكيميائي واحد من ثلاث مظاهر للحياة، والمظهران الآخران هما المظهر التشريحي والمظهر الفسيولوجي، ويقول د. حليم عطية سوريال ” أما القول بأن الحياة نشأت تدريجيا من المواد.. تمشيا مع ناموس النشوء والارتقاء على نحو ما ذكره الأستاذ شيفر في خطبته بالمجمع العلمي البريطاني سنة 1912م فلا يقبله العقل بتاتا، ويكفي لدحضه أن نذكر أن الحياة ليست مركبا كيميائيا، وأن لها ثلاثة مظاهر، وهو المظهر الكيميائي والمظهر التشريحي، والمظهر الفسيولوجي. أما المظهر الكيميائي فقد أشرنا إليه ويمكن فهمه إذا منعنا عن الكائن الحي عنصرا واحدا من العناصر التي يتركب منها فإنه ينهار بنيان حياته لا محالة.

ومن الوجهة التشريحية يلاحظ أن أجزاء الكائن الحي مرتبطة ببعضها ارتباطا في غاية الدقة والترتيب وحتى الخلية البسيطة ترينا أن أجزاءها ليست مبعثرة في داخلها خبط عشواء بل نرى أجزاءها الدقيقة وضعت بعناية فائقة في مواضع مخصوصة كعجلات وأتراس الساعة كذلك من الوجهة الفسيولوجية نرى أنه مع تعدد وظائف الحياة واختلافاتها، اتفاقا لغاية مخصوصة هي حفظ الحياة وحفظ النوع..

وتعدد مظاهر الحياة يبين استحالة توصل الإنسان إلى تكوين مخلوقات حية، ولا عبرة بالقول أن بعض الكيماويين توصل إلى صنع مواد عضوية مثل التي تصنعها البروتوبلازما وكان يجب على الذين يحاولون أن يصنعوا خلية حية أن يلموا بأسرار الحياة وأسرار البرتوبلازم التي مازالوا يجهلون عنها أكثر مما يعلمون. وهب أنهم توصلوا إلى صنع مادة كيماوية تشبه البروتوبلازما فهل تعتبر هذه خطوة نحو صنع كائن حي؟! وهل الكائن الحي مجرد مركب كيماوي؟! من ذلك يتضح أن محاولة صنع كائن حي هي إضاعة للوقت ومقضى عليه بالفشل”(1).

فمن جهة المظهر الكيميائي نجد الخلية تتركب من البروتوبلازم (وهو عبارة عن سيتوبلازم ونواة) واشتقت كلمة البروتوبلازم من البروتين، لأن البروتين هو الذي يكون البروتوبلازم، وتتكون مادة البروتين من خمس عناصر (كربون – أيدروجين – أكسجين – نيتروجين – كبريت) لا يمكن الاستغناء عن عنصر منها، ويقول د. ” فرانك اللن”.. ” أن البروتين الذي يدخل في تركيب الخلية الحية نباتية أو حيوانية يحتوي على خمسة عناصر الكربون والأيدروجين والنيتروجين والأكسحين والكبريت، ويبلغ عدد الذرات في الجزيء البروتيني الواحد 40 ألف ذرة، ولما كان عدد العناصر في الطبيعة نحو 103 عنصر، فإن احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة في كل هذه الأعداد ضئيلا جدا لدرجة المستحيل”.

ومن جهة المظهر التشريحي فالخلايا تختلف بحسب وظيفتها، فالخلايا العصبية تختلف عن العضلية، والاثنتان تختلفان عن خلايا عضلة القلب، وخلايا الدم تختلف عن كل ما سبق وهلم جرا.. وجميعها تعمل في انسجام تام، فالخلية الواحدة لا توجد قط في حالة فوضى وتبعثر، إنما توجد في غاية من النظام والدقة، وأيضا تختلف أجهزة الإنسان وأعضائه، ولكن كلها تعمل في انسجام تام في منتهى الدقة والبراعة.

ويقول ” كريسي موريسون ” في مقاله ” كيف بدأت الحياة؟”.. ” ونحن بوصفنا كائنات بشرية يتكون كل منا من أمم منتظمة من بلايين فوق بلايين من أمثال تلك الخلايا، وكل خلية فينا كأنها مواطن صالح يؤدي نصيبه الكامل من الخدمة الخالصة، كأنه في ذكاء.. ففي أي مخلوق حي يجب أن تكيف نفسها لتكون جزءا من اللحم أو تضحي بنفسها كجزء من الجلد الذي لا يلبث أن يبلى..

وهذه الخلية ترغم كل نسلها على أن يؤدي الخدمات وأن يتبع دون انحراف.. أن مئات الآلاف من الخلايا تبدو كأنها مدفوعة لأن تفعل الشيء الصواب، في الوقت الصواب، وفي المكان الصواب، والحق أنها طائعة.. بيد أنك قد تقول الآن، ولكن كل هذا لا يفسر لنا كيف بدأت الحياة، أو كيف جاءت إلى هذه الأرض، والكاتب لا يعرف كيف إلا أن يكون هناك خالق قد أوجدها”(2).

أما المظهر الفسيولوجي فيتجلى في أنه رغم اختلاف الوظائف الحيوية لخلايا وأعضاء وأجهزة الإنسان، إلا أنها لا تتعارض قط، إنما تتكامل معا لحفظ حياة النوع من الأحياء.

_____

(1) تصدع مذهب داروين ص 80 – 83.

(2) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 213.

 

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

2- فشل المحاولات للوصول للمادة الحية

لم يتمكن العلماء رغم كثرة التجارب التي أجروها من التوصل للمادة الحية، وجميع نظريات التوالد الذاتي فشلت في تفسير كيفية تكون الجزئيات الحية، فيقول د. أنور عبد العليم ” لم يتوصل أحد من العلماء حتى اليوم إلى تكوين جزئيات حية أو شيئا قريبا منها على الإطلاق، كما أن ثمة فراغات في هيكل نظرية نشأة الحياة لا بد من ملئها حتى تكتمل الصورة، وذلك الأمر لا ينكره العلماء المعاصرون أنفسهم الذين وضعوا أسس النظرية بل هم يسلمون به”(1).

وقال ” الكسندر ايفانوفيتش أوبارين ” A. I. Oparin أستاذ الكيمياء الحيوية بمعهد باخ بموسكو وعضو أكاديمية العلوم في المؤتمر الدولي الأول لعلوم البحار بنيويورك سنة 1959م والذي حضره مئات العلماء لبحث نشأة الحياة ” أن جميع المحاولات التي أجريت لتوليد الحياة من المواد غير العضوية سواء تحت ظروف طبيعية أو في المعمل قد باءت بالفشل”(2) كما قال “اسكندر أوبارين” أيضا (وهو أحد دعاة التطور) في كتابه ” أصل الحياة ” سنة 1936م ” لسوء الحظ، مازال أصل الخلية سؤالا يشكل -في الواقع- أكثر نقطة مظلمة في نظرية التطور بأكملها”(3)(4).

وقال الأستاذ ” كلاوس دوز ” رئيس معهد الكيمياء الحيوية بجامعة جوهانز جوتنبيرج ” لقد أدت أكثر من ثلاثين سنة من إجراء التجارب عن أصل الحياة في مجالات التطور الكيميائي والجزيئي إلى الوصول إلى إدراك أفضل لضخامة مشكلة أصل الحياة على الأرض بدلا من حلها، وفي الوقت الحالي فإن المناقشات الدائرة حول نظريات وتجارب أساسية في هذا المجال إما أن تنتهي إلى طريق مسدود أو إلى اعتراف بالجهل(5)(6).

ويقول الكيميائي الجيولوجي ” جيفري باد”.. ” ونحن نترك القرن العشرين اليوم، نواجه أكبر مشكلة لم يتم حلها استمرت معنا منذ دخولنا القرن العشرين، ألا وهي: كيف بدأت الحياة على الأرض”(7)(8).

إن العلم لا يدرك ماهية الروح، ولا يدرك سر الحياة، كل ما يدركه العلم هو مظاهر الحياة من تغذية ونمو وحركة وتنفس وانفعالات، وتكاثر.. إلخ، ويقول ” جون ألدر”.. ” عندما يموت الكائن الحي، فإننا لا نرى شيئا يخرج من جسده المنظور، ولكننا نعرف أنه مات أو فقد الحياة. إن جسده هو هو في مظهره بعد مضي ساعة على موته، كما كان قبل موته، ولكننا نعرف أن الحياة قد فارقته. فإن كانت الحياة موجودة ولو أنها غير منظورة، فلا غرابة على الإطلاق إن كان مصدرها موجودا ولو كان غير منظور، فالعقل والعلم ينتهيان من جهة الحياة إلى الله كأصلها ومنشئها”(9)(10) وقد سبق ” جورج ” ابن ” تشالز داروين ” وقال ” إن سر الحياة سيظل كما هو.. لا يسبر غوره”(11).

وحتى لو فرضنا جدلا أن الإنسان نجح في تصنيع خلية حية، فسيظل السؤال: ومن الذي خلق العناصر التي كونت هذه الخلية؟ وحتى لو فرضنا المستحيل أن العلماء نجحوا في تكوين جسم إنسان، فمن أين لهم بالروح سر الحياة..؟

لقد نجح العالم الروسي الملحد ” اسكندر أوبارين ” في تكوين يشبه إلى حد كبير البروتوبلازم، ولكنه فشل في أن يجعل هذا التجمع يقوم بالوظائف الحيوية التي تقوم بها الخلية الحية، وأيضا فشل الإنسان تماما في التغلب على قضية الموت وحفظ الحياة، حتى عندما أعلن عالم روسي أنه اخترع جهازا كهربائيا يعيد للغدد البشرية حيويتها، أعترف في نفس الكتاب قائلا ” أن الموت هو الصعوبة الوحيدة التي أعيت حيل العلم وأثبطت همم العلماء، وهو العدو الوحيد الذي لا يستطيع الإنسان قهره أو صده”(12)(13) كما أن الاستنساخ لا يعني أبدا قدرة الإنسان على خلق الحياة، لأن النعجة دوللي مثلا لم يتم استنساخها من مجرد مواد كيميائية، بل من خلية حية.

_____

(1) قصة الحياة ونشأتها على الأرض ص 153.

(2) المرجع السابق ص 112.

(3) Alexander I , Oparin , Origint of Life , P. 196.

(4) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 106.

(5) Klaus Dose , the Origin of Life: More Questions than Answer – Jnterdis ciplimary Science Revieus , Vol 13 , No. 4 , 1988 , P. 348.

(6) المرجع قبل السابق ص 106.

(7) Jeffery Bada , Earth , P. 40.

(8) المرجع قبل السابق ص 106.

(9) الإيمان بالله ص 23.

(10) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 58.

(11) المرجع السابق ص 48.

(12) أسرار الحياة ص 112.

(13) نيافة الأنبا بولا أسقف الغربية – الكتاب المقدس والعلم ص 35.

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

كيف ساعدت نظرية التطور على تفشي الإلحاد والحروب؟

كيف ساعدت نظرية التطور على تفشي الإلحاد والحروب؟

كيف ساعدت نظرية التطور على تفشي الإلحاد والحروب؟

 

 201- كيف ساعدت نظرية التطوُّر على تفشي الإلحاد والحروب؟

لقد أنكرت نظرية التطوُّر الله الخالق، فاصطبغت هذه النظرية بالصبغة الإلحادية ويقول ” دلاج ” أستاذ التشريح المقارن وعضو أكاديمية العلوم الفرنسية سابقًا ” لقد كانت هذه النظرية أعظم معول استخدمه الملحدون في محاولة هدم الإيمان بوجود الخالق. فقال هيجل المُلحد مثلًا، أن داروين باكتشافه نظرية التطوُّر قد سحق الاعتقاد برواية الخليقة بضربة واحدة””(1)(2) كما قال الأستاذ ” دلاج ” أيضًا ” مما لا شك فيه أن للقول بنظرية التطوُّر أهمية فلسفية أكثر منها علمية، ولم يغب هذا عن الماديّين والملحدين أمثال هيجل الألماني وهكسلي الإنجليزي وغيرهما من منكري الخالق وإعلانه، فاتخذوا منها سلاحًا ضد الاعتقاد بالخالق وبوحي كتابه””(3)(4).

ويقول دكتور كمال شرقاوي غزالي ” عندما ظهرت نظرية داروين كانت بمثابة قنبلة فكرية هزت العالم أجمع، وقلبت المفاهيم رأسًا على عقب. أحدثت دويًا هائلًا انعكست آثاره العميقة على العلم والدين والسياسة معًا، فقد أصبحت النظرية محورًا للنقاش.. ولا زالت تحظى بالشهرة حتى الآن ولازال هناك من يؤيدها أو يسعى لتأييدها.. كان الغرض الخفي (من هذه النظرية) هو هدم العقائد المقدَّسة والقضاء عليها، وبالفعل سادت موجة عجيبة من الإلحاد.. كذلك ظهرت مذاهب سياسية كان من مصلحتها القضاء على سلطان رجال الدين الذين كانوا يسيطرون على مقاليد الحكم في الدول الأوربية، ومن ثمَّ استغلوا تلك الآراء في ترويج الإلحاد لخدمة أهدافهم الشخصية”(5).

كما يقول القس عبد المسيح بسيط ” وطبق داروين هذه النظرية على الدين، وقال أن الدين نشأ أولًا على الإيمان بقوى روحيَّة غير مرئية ثم الإيمان بقوى سحرية ثم انتقل إلى الوثنية أو تعدد الآلهة حتى وصل إلى غايته في التوحيد!! ورفض ما جاء في العهد القديم مثل برج بابل وظهور قوس قزح بعد الطوفان.. وكان ظهور هذه النظرية سببًا في ترك الأديان، وانتشار الإلحاد، وعبادة الطبيعة، وإنكار الكتب الدينية والوحي والأنبياء عمومًا، ونفى وجود الله ووجود آدم وحواء.. إلخ ونتج عن هذه النظرية سيطرة الأفكار المادية على عقول المفكرين ومناداتهم بخضوع الإنسان للمادة وعبادة الطبيعة التي قال عنها داروين {الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق}!!”(6).

لقد كان داروين في البداية يعتقد أن الله هو الذي أبدع الأنواع المختلفة، ولكن في النهاية قال ” أن كل ما عمله الله في الخلق أنه أبدع جرثومة واحدة وتركها لذاتها، وهي تلقائيًا أخذت تتفرع وتتنوع حتى صارت ملايين من الأنواع التي تختلف عن بعضها بخواص متباينة كما هو مشاهد الآن”(7) فالتطوُّر في نظر داروين قد تم بعيدًا عن أي تدخل إلهي، ولذلك يتصوَّر التطوُّريون أن نظرية داروين قد وجهت ضربة قاسية لنظرية الخلق الإلهي المذكورة في سفر التكوين، فيقول ” برتراند راسل”.. ” لقد سدد مذهب داروين إلى علم اللاهوت ضربة قاسية تمامًا، كما فعل كوبرنيكوس في عالم الفلك، فالداروينية لم تجعل فحسب من الضروري التخلي عن الاعتقاد بثبات الأنواع والتخلي عن فكرة إتيان الله بأعمال الخلق المنفصلة التي يبدو أن سفر التكوين في الكتاب المقدَّس يؤيدها. بل أنها جعلت من الضروري أن نفترض انقضاء حقب سحيقة منذ بداية الحياة. الأمر الذي صدم مشاعر المؤمنين بالأرثوذكسية الدينية””(8)(9).

ويقول ” هنري موريس”.. ” تتضح الطبيعة الإلحادية لهذه النظرية في العقائد الاجتماعية الهدامة التي أفرزتها، فنيتشه وماركس، وكلاهما ملحد، تأثر بأفكار داروين عن الاختيار الطبيعي Natural selection والبقاء للأصلح Survival for the Littest فقد أدخلا في المجالات الفلسفية والاجتماعية والتربوية ما حاوله داروين في العالم البيولوجي، فعن ماركس وَرَثَ العالم الشيوعية ورفض وجود الخالق. أما فلسفة نيتشه فد أثرت بعمق في اتجاهات السياسة الألمانية حتى أصبحت أساس القوة الحربية الألمانية المكثفة التي حشدتها في فترة الثلاثينيات من هذا القرن وكانت سببًا من أسباب الحرب العالمية الثانية، وكان موسليني واحدًا من أكبر المتابعين المتحمسين لنيتشه، وكانت الفاشية هي النتيجة النهائية. كذلك وُلدت النازية في نفس البالوعة، وتعتبر نظرية التطوُّر كذلك أساسًا لأنواع متعددة من الاعتقادات غير الإصلاحيَّة والتي تُدرَّس الآن في المجالات السيكولوجية لفرويد ورَسل وغيرهما”(10).

لقد قرأ كارل ماركس وانجلز كتاب داروين ” أصل الأنواع ” بمجرد صدوره وأنبهر به، وهذا واضح من المراسلات التي جرت بين ماركس وانجلز، فعندما كتب ماركس كتابه ” رأس المال ” أهداه إلى داروين قائلًا ” من مُحِب مخلص إلى داروين ” وعندما كتب انجلز كتابه ” المنطق الجدلي للطبيعة ” أغدق المديح على داروين، و” بليخانوف ” Plekhanov الذي يُعد مؤسس الشيوعية الروسية كان يعتبر الماركسية تطبيقًا للدوارونية في العلوم الاجتماعية، واعتبر ” تروتسكي ” اكتشاف داروين أكبر نصر للمنطق الجدلي في مجال المادة العضوية، وأنقلب ” ستالين ” الذي كان متدينًا إلى الإلحاد بفضل كتب داروين، و” ماو ” Mao الذي أسَّس الحكم الشيوعي في الصين وقتل ملايين الصينيين قال أن ” الاشتراكية الصينية تقوم على فكر داروين ونظرية التطوُّر”(11) كما يقول ” هارون يحيى”.. ” وإذا اعتبرنا المفهوم الشيوعي للنزاع الجدلي الذي قتل نحو 120 مليون شخص طوال القرن العشرين (إله القتل) يمكننا حينئذ أن نفهم بشكل أفضل حجم الكارثة التي ألحقتها الداروينية بكوكبنا”(12).

ويقول ” كوستي بندلي”.. ” قرأ كارل ماركس (1818 – 1883م) ورفيقه أنجلز مؤسِّسَا الشيوعية كتاب أصل الأنواع بمجرد ظهوره، وانبهرا بالأسلوب المادي الجدلي الذي أتبعه (داروين).. وكتب ماركس في بيان الحزب الشيوعي سنة 1848م استكمالًا وتوضيحًا للماركسية أن هذا المؤلَف {يضع الخطوط العريضة لتصور جديد للعالم، هو المادية المتماسكة، وهو تصُّور يضم أيضًا مجال الحياة الاجتماعية والجدل، باعتباره أكثر نظريات التطوُّر شمولًا وعمقًا، ونظرية صراع الطبقات، ونظرية الدور الثوري التاريخي العالمي للبروليتاريا (الطبقة العمالية) خالقة المجتمع الشيوعي الجديد}(13)(14).

ويقول دكتور كمال شرقاوي غزالي إن كارل ماركس كتب إلى إنجلز Engels يقول له ” على الرغم من أن هذا الكتاب يعالج نظرية التطوُّر بأسلوب إنجليزي فج، إلاَّ أنه يحتوي أساس التاريخ الطبيعي لنظريتنا.. إن كارل ماركس حين قرأ مؤَلف أصل الأنواع لداروين تعرَّف على اتجاه ذلك المؤَلف نحو المادية والإلحاد فأُعجب به إلى درجة فائقة، وكان هذا المؤَلف هو السبب الذي من أجله استخدمه بالطريقة التي استخدمه بها، فكان ميلاد نظرية ماركس في تنازع البقاء بين الطبقات، ولقد وجد ماركس في صفحات مؤَلف داروين المادة المطلوبة لتصفية العقيدة الدينية وإزالتها من الوجود”(15).

كما يقول دكتور كمال شرقاوي ” لقد عرف ماركس ولينين ما في افتراضات داروين من اتجاه نحو المادية والإلحاد، ولم يكن ثمة حد لإعجابهما بداروين وأفكاره، فشيدوا متحفًا في قلب موسكو للدروانية وتمجيد داروين، ولكي تكون الخطة مُحكمة لانطلاق الماركسية على أساس نظرية داروين.. فقد خطط ماركس ولينين لاستخدام هكسلي في ترويج أفكار نظرية داروين، وكان (هكسلي) في ذلك مستميتًا.. من هنا كانت أفكار داروين عونًا ومددًا لترسيخ المادية والإلحاد في المواجهة التي كانت دائرة بين العلم والدين. والآن انحسرت موجات المادية والإلحاد، وبطلت الشيوعية، وبان غيها وضلالها.. ووقف الجميع حائرين أمام الشفرة الوراثية يصفونها بأنها لُغز مُحيّر”(16).

لقد أدخلت نظرية التطوُّر الإنسان في صراعٍ قاسٍ من أجل البقاء، بدلًا من التعاون بين البشر، وزرعت هذه النظرية فلسفة العنف والاعتداء، فالقوي يجتهد لكيما يصعد على أشلاء الضعفاء، وتمخضت النظرية عن ” نيتشه ” الذي له الباع الأكبر في النازية، وسيادة الجنس الأري على جميع الأجناس، فأثارت هذه النزعة الحروب ونشرت الدمار، وجاء في كتاب علم الأحياء للصف الثالث الثانوي 1990/1991م ص 237 ” ومما هو جدير بالذكر في هذا المجال الآثار التي أدت إليها نظرية داروين وبخاصة في مجال الفلسفة والسياسة والعلاقات البشرية، فقد ترتبت على نظرية الانتحاب الطبيعي ما يمكن أن يُسمى ” فلسفة الاعتداء ” أو فلسفة ” العنف والاغتصاب ” وتجاوبًا واطمئنانًا إلى هذه الفلسفة التي ساعد الفيلسوف الألماني نيتشه Nietzsche (1844 – 1900م) على رواجها فدخل العالم في غمار حروب عامة منها حرب السبعين عامًا والحربين العالميتين الأولى والثانية، فقد أثارت النزاعات العدائية والحروب وأطلقت الشعارات بسيادة جنس على آخر (كشعار سيادة الجنس الأري الذي سبب قيام الحرب العالمية الثانية)”(17).

وقد تأثر أدولف هتلر Adolf Hitler بفكرة الصراع من أجل البقاء بين الأجناس، واستوحى منها أفكاره في كتابه ” كفاحي “، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وقال عن الصراع بين الأجناس ” سوف يصل التاريخ إلى أوجه في إمبراطورية ألفية جديدة تتسم بعظمة لا مثيل لها، وتستند إلى تسلسل جديد للأجناس تقرره الطبيعة ذاتها”(18) كما أعلن سنة 1933م في الاجتماع الموسع لحزب نيورمبيرج Nuremberg أن ” الجنس الأعلى يُخضِع لنفسه الجنس الأدنى.. وهو حق نراه في الطبيعة ويمكن اعتباره الحق الأوحد القابل للإدراك”(19) كما يصف المؤرخ ” هيكمان ” Hickman تأثير الداروينية على هتلر قائلًا ” لقد كان (هتلر) مؤمنًا راسخًا بالتطوُّر ومبشرًا به، وأيا كانت عقده النفسية الأعمق والأغوص، فإنه من المؤكد أن (فكرة الصراع كانت مهمة بالنسبة له) لأن في كتابه.. ” كفاحي ” Mein Kampt يبين بوضوح عددًا من الأفكار التطوُّرية، وخاصة تلك التي تؤكد على الصراع، والبقاء للأصلح، وإبادة الضعفاء لإنتاج مجتمع أفضل”(20).

ويقول الدكتور كمال شرقاوي غزالي ” وانتقلت فكرة التطوُّر لتصبح منهجًا للبعض، وجاء هتلر يومًا ما فأعلن عن فكرته النازية في إستيلاد سلالات بشرية قوية، وإعدام السلالات الضعيفة، واتخذت الفاشية الافتراض المتعلق بالانتقاء الطبيعي والبقاء للأصلح مبررًا القضاء على بعض الأجناس البشرية، واتخذها تجار الحروب مبررًا لهم لأن الحروب تقضي على العناصر الضعيفة وتستبقي العناصر القوية”(21).

وإن كان معظم الملحدين يُدرك الحقيقة في نهاية دربه، فمنهم من تاب وأناب ومنهم من ذهب إلى قبره بفكره وإلحاده، فقد اصطدم تولستوي الفيلسوف الروحي الملحد في نهاية أيامه بصخرة القلق والانزعاج فلجأ للفلاحين البسطاء يستلهم منهم الإيمان، وقال في كتابه ” اعترافي”.. ” كنت أُفتش عن جواب لسؤالي والعقل لم يمنحني إياه. الحياة نفسها منحتني الجواب من معرفتي الخير والشر، وهذه المعرفة لم أحصل عليها من أي طريق لأنها أُعطيت لي من الابتداء، خُلقت معي، أُعطيت لي لأني ما كنت أجدها عن طريق آخر. من أين أتت..؟ من الذي أخبرني بأن أحب قريبي؟ من الذي علمني بأن لا أعيش لنفسي فقط. من كشف عنها..؟ ليس العقل، لأن العقل كشف عن نظرية تنازع البقاء وبقاء الأنسب، وذلك القانون الذي يستدعي أن أرضي شهواتي على حساب غيري. نعم إن هذه المعرفة لم تأتيني من العقل بل أعرفها بقلبي بإيماني بتعاليم الكنيسة.

إني كلما زدت تأملًا في حياة أولئك الفلاحين ازددت اقتناعًا بأنهم يملكون إيمانًا صادقًا، ومنه وحده يحصلون على معنى الحياة.. نعم نعم إننا بقدر ما نعيش بعقولنا نتأخر في فهم معنى الحياة. نعم فنحن لا نرى في الآلام والموت إلاَّ مزاحًا عنيفًا. أما أولئك فيعيشون ويتأملون ويقربون من الموت بهدوء وفي أحيان كثيرة بسرور..”(22).

كما يقول نيافة المتنيح الأنبا إيسيوذوروس عن ” أديسون ” الذي أنكر في البداية وجود الروح ثم عرف الحقيقة في نهاية حياته ” وليس انقلاب أديسون من رجل ملحد إلى رجل مؤمن أمرًا غريبًا، وقد أصبح على مقربة من نهاية رحلته وصار يلمح شبح الأبدية أمامه. وفي الواقع أن الكثيرين من الملحدين الذي قضوا سواد عمرهم في إنكار الخالق والخلود انقلبوا وهم على أهبة الرحيل من هذا العالم إلى مؤمنين يعتقدون حقيقة الخلود يضيق المكان عن تعداد أسمائهم. وإنما نقول أن ظهور أديسون وهو على عتبة الثمانين من العمر بمظهر المؤمن المُعتَقد يوقد نظرية القائلين بأن الإيمان بالخلود غريزي في النفس مهما حاول المرء أن يستأصله منها أو يقنع نفسه بعكس ذلك. فالمرء يولَد وفي نفسه عقيدة الخلود.. يقول أديسون.. لاشك أن الذي يفنى من الإنسان إنما هو هذه المادة التي نسميها جسدًا، ولكن الجسد ليس سوى غلاف النفس، والنفس خالدة لا محالة إلاَّ إذا أنكرنا وجودها بتاتًا.. فأساس الدين القويم هو الإيمان بوجود الخالق وبخلود النفس.. ولا شك أن الحياة إذا جردناها من فكرة الخلود تصبح عبئًا ثقيلًا على الإنسان بل تصبح كالسراب الخادع يحسبها الإنسان شيئًا وهي ليست شيئًا، لأنه إذا انتفى الخلود فأي فرق بين المرء وأدنى أنواع النبات الذي تطوءه الأقدام فييبس..؟ إذا انتفى الخلود أصبح الناس كالأسماك يبتلع كبيرها صغيرها ولا يجد ما يردعه عن ارتكاب أكبر الجرائم في سبيل مصلحته الذاتية”(23).

_____

(1) البروتوبلازم والوراثة ص 112.

(2) أورده برسوم ميخائيل في كتابه حقائق كتابية جـ 1 ص 203.

(3) البروتوبلازم والوراثة ص 8.

(4) المرجع السابق ص 208.

(5) التطور بين الضلال وممارسة حق النقد ص 5.

(6) الكتاب المقدَّس يتحدى نقاده ص 14، 15.

(7) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 208.

(8) برتراند راسل – الدين والعلم ص 70.

(9) أورده القس عبد المسيح بسيط – الكتاب المقدَّس يتحدى نقاده ص 14.

(10) ترجمة نظير عريان ميلاد – الكتاب المقدَّس ونظريات العلم الحديث ص 59.

(11) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 13.

(12) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 13.

(13) إله الإلحاد المعاصر.

(14) أورده القس عبد المسيح بسيط – الكتاب المقدَّس يتحدى نقاده ص 15، 16.

(15) التطوُّر بين الضلال وممارسة حق النقد ص 41، 42.

(16) التطوُّر بين الضلال وممارسة حق النقد ص 74.

(17) تأليف د. أمين عرفان دويدار أستاذ ورئيس قسم العلوم البيولوجية والجيولوجية كلية التربية جامعة عين شمس، ود. عبد الله محمد إبراهيم أستاذ علم الحيوان كلية العلوم جامعة عين شمس، ود. عدلي كامل فرج مدير عام سابق بوزارة التربية والتعليم.

(18) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 11.

(19) المرجع السابق ص 11.

(20) المرجع السابق ص 11.

(21) التطوُّر بين الضلال وممارسة حق النقد ص 37.

(22) نيافة المتنيح الأسقف ايسيذورس – الإخاء والسلم بين الدين والعلم ص 65، 66.

(23) نيافة المتنيح الأسقف ايسيذورس – الإخاء والسلم بين الدين والعلم ص 67، 68.

 

كيف ساعدت نظرية التطور على تفشي الإلحاد والحروب؟

هل يمكن للصدفة أن تكون خلية حية أو جزئ بروتين واحد؟

هل يمكن للصدفة أن تكون خلية حية أو جزئ بروتين واحد؟

هل يمكن للصدفة أن تكون خلية حية أو جزئ بروتين واحد؟

ج:

من كثرة تعقد الخلية قال ” فرد هويل ” عالم الرياضيات والفلك الإنجليزي، وهو من دعاة التطور ” أن احتمال ظهور الحياة العليا بهذه الطريقة يقارن بفرصة قيام إعصار جارف، يمر بساحة خردة، بتجميع طائرة بوينج طراز 747 من المواد الموجودة في الساحة”(1)(2).

وتتكون الخلية من مئات الآلاف من الجزئيات البروتينية المعقدة، بالإضافة إلى الأحماض النووية، والكربوهيدرات، والدهون، والفيتامينات، والكيماويات الأخرى في تصميم فائق للطبيعة، فإن كان يصعب الحديث عن الخلية الحية فدعنا يا صديقي نتحدث عن جزئ البروتين الواحد، ونرى هل يمكن أن يتكون بمجرد الصدفة؟!

يتكون جزئ البروتين من خمسة عناصر هي الكربون والأيدروجين والنيتروجين والأكسجين والكبريت، ويوجد في الطبيعة أكثر من مائة عنصر، فتصور كم يكون احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة فقط معا، دون أن ينقص عنصر معين من العناصر الخمسة، ودون أن يزيد عليها عنصرا سادسا، وحتى لو اجتمعت هذه العناصر الخمسة فلابد أن تجتمع بنسب معينة لتكون جزئ البروتين (الذي يتكون من 40 ألف ذرة)؟!!

ويقول هارون يحيى أن ” البروتينات هي عبارة عن جزئيات عملاقة تتكون من وحدات أصغر تسمى الأحماض الأمينية، تنتظم في تتابع معين بكميات وتركيبات محددة.. وتتكون أبسط هذه البروتينات من خمسين حمضا أمينيا، ولكن بعضها يتكون من آلاف الأحماض الأمينية، وتتجسد النقطة الحاسمة من أن غياب حمض أميني واحد من الأحماض الموجود في البروتين، أو إضافته، أو استبداله، يحول البروتين إلى كومة جزيئية عديمة الفائدة، ويجب أن يحتل كل حمض أميني المكان الصحيح والترتيب الصحيح، ويعتري اليأس نظرية التطور – التي تدعي أن الحياة قد ظهرت نتيجة صدفة – في مواجهة هذا الترتيب، لأن إعجازه أكبر من أن يفسر بواسطة الصدفة”(3).

وباستخدام نظرية الاحتمالات نجد أن جزئ البروتين متوسط الحجم يتكون من 288 حمضا أمينيا، مرتبة ترتيبا معينا، فاحتمال تكوينه فرصة واحدة من 10 300 أي فرصة واحدة من رقم = 1 ويمينه 300 صفرا. أما بقية التركيبات فإما تكون عديمة الفائدة أو ضارة بالحياة. وبما أن النسبة – في عالم الرياضيات – التي تصل إلى 1 من 10 50 = صفر، إذا فرصة تكون هذا الجزئ من البروتين أكثر من مستحيلة، وإن كان الوضع هكذا مع جزئ البروتين الذي يتكون من 288 حمضا أمينيا، فما بالك بالجزئ الذي يتكون من آلاف الأحماض؟!!.

ولذلك عندما أحتسب ” تشالز يوجين ” العالم السويسري نسبة إحتمال تكوين جزئ البروتين بمجرد الصدفة وجده نسبة 1: 10 160 أي فرصة واحدة من رقم = 10 ويمينه 160 صفرا، ويعلق نيافة الأنبا بولا أسقف طنطا وأستاذ مادة العلم والدين بالإكليريكيات على هذا الرقم قائلا ” وهو رقم لا يمكن النطق به أو التعبير عنه بكلمات، بل وجد بالدراسة أن كمية المادة التي تلزم لحدوث هذا التفاعل بالمصادفة – حيث ينتج جزئ واحد – أكبر من أن يتسع لها هذا الكون بلايين المرات. بل ويتطلب تكوين هذا الجزئ على سطح الأرض وحدها عن طريق المصادفة بلايين لا تحصى من السنوات قدرها العالم السويسري (تشالز يوجين) بأنها عشرة مضروبة في نفسها 243 مرة من السنوات 10 2430.

وحتى لو تجمعت كل هذه الذرات بالنسبة المطلوبة فهذا لا يعني تكوين جزئ البروتين.. لأن البروتين له الكثير من الأشكال والتي تختلف عن بعضها في نوعية وشكل ترتيب الذرات فيها، مما ينتج عن ذلك أنواعا كثيرة من البروتين، منها ما هو نافع، ومنها ما هو شديد السمية. ولقد حصر العالم الإنجليزي ” ج. ب. ليثز B. Leathes الطرق التي يمكن بها أن تتألف الذرات في أحد الجزئيات البسيطة من البروتينات فوجد أن عددها يبلغ (4810) وعلى ذلك فإنه من المحال عقليا أن تصنع الصدفة جزيئا بروتينينا واحدا”(4).

ويقول ” هارولد بلوم ” وهو من أنصار التطور ” أن التكوين العفوي لبوليببتيد Polypeptide في حجم أصغر البروتينات المعروفة أمر يفوق كل الاحتمالات”(5) وكثير من علماء التطور يعلمون أن ” احتمال تكوين البروتين C (Cytochrome) الضروري للحياة عن طريق الصدفة هو احتمال ضعيف جدا يعادل كتابة قرد لتاريخ الإنسانية كلها على آلة كاتبة دون أي أخطاء!!”(6).

حقا أن جزئ البروتين يمثل انسجاما لا يسبر أغواره، فمن المستحيل أن يكون قد تكون بمجرد الصدفة، بينما يزعم التطوريون أن ملايين البروتينات تكونت بطريق الصدفة، وتجمعت لتكون خلايا بالصدفة أيضا, بينما لو رأى أحدهم ثلاثة أحجار بناء صفت الواحد فوق الآخر، وحاولت إقناعه أن الصدفة هي التي جمعت الأحجار بهذه الصورة لا يصدق.

ويقول دكتور “مايكل بيهي” عالم الكيمياء الحيوية الأمريكي وهو من مؤيدي نظرية ” التصميم الذكي ” intelligent design ” على مدى الأربعين سنة الماضية أكتشف علم الكيمياء الحيوية الحديث أسرار الخلية، وقد استلزم ذلك من عشرات الآلاف من الأشخاص تكريس أفضل سنوات حياتهم في العمل الممل داخل المختبرات.. وقد تجسدت نتيجة كل هذه الجهود المتراكمة لدراسة الخلية (ودراسة الحياة عند المستوى الجزيئي) في صرخة عالية، واضحة وحادة تقول: التصميم المبدع!

وكانت هذه النتيجة من الوضوح والأهمية بمكان بحيث كان من المفترض أن تصنف ضمن أعظم الإنجازات في تاريخ العلم، ولكن -بدلا من ذلك- أحاط صمت غريب ينم عن الارتباك بالتعقيد الصارخ للخلية.. ولكن لماذا لا يتوق المجتمع العلمي إلى قبول هذا الاكتشاف المذهل..؟ تكمن الورطة هنا في أن قبول فكرة التصميم الذكي المبدع، يؤدي حتما إلى التسليم بوجود الله”(7)(8).

ولئلا يرجع أحد ويقول أن بلايين السنين كفيلة بتخطي هذا المستحيل، يقول “وليم ستوكس ” في كتابة ” أساسيات تاريخ الأرض”.. ” أن هذه الصدفة من الصغر بمكان بحيث لا يمكن أن تتكون البروتينات خلال بلايين السنين وعلى بلايين الكواكب التي يكسو كل منها غطاء من المحلول المائي المركز الذي يحتوي على الأحماض الأمينية الضرورية”(9)(10).

وقام ” روبرت شابيرو ” أستاذ الكيمياء بجامعة نيويورك وأحد خبراء الحمض النووي، بحساب احتمال التكوين العرضي لألفى نوع من أنواع البروتينات الموجودة في بكتيريا واحدة (يوجد مئتا ألف نوع من البروتينات في الخلية البشرية!) فجاءت نتيجة الحساب 1 من 400010- أي رقم 10 أس أربعة آلاف – وهذا رقم هائل لا يمكن تخيله”(11) وعقب على هذا ” تشاندر ويكرا ماسنغي ” أستاذ الرياضيات التطبيقية والفلك بالكلية الجامعية في كارديف ويلز قائلا ” تتجسد احتمالية التكوين العضوي للحياة من مادة غير حية من احتمال واحد ضمن احتمالات عدد مكون من الرقم 1 وبعده 4000 صفر. وإذا لم تكن بدايات الحياة عشوائية فلابد أنها قد نتجت عن عقل هادف”(12).

ويقول نيافة الأنبا بولا أسقف طنطا ” بل وإن اجتمعت جزيئات البروتينات وفق الطرق المختلفة التي ذكرت، فكيف تتلاقى الجزيئات المتشابهة لتكون نسيجا واحدا, وكيف تتجاور معا بالطريقة والشكل الذي يعطينا شكل الأنسجة حيث يتميز كل منها بشكل مختلف عن الآخر. بل وكيف للأعضاء أن تتجمع لتكون لنا جهازا من أجهزة الإنسان وهكذا..!! بل وإن وجدت كل هذه، فسنجد أنفسنا أمام مواد كيماوية, وإن كان لها شكلا إلا أنها بلا حياة, ولا تحل فيها الحياة إلا عندما يحل فيها ذلك السر العجيب الذي لا ندري عن كنهه شيئا”(13).

_____

(1) Hoyle on Evolution, Nature, Vo I، P 105.

(2) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 109.

(3) خديعة التطور ص 110.

(4) الكتاب المقدس والعلم – أيام الخلق ص 31، 32.

(5) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 111.

(6) المرجع السابق ص 172.

(7) Michael j.Behe، Darvrin’s Black Bax, pp. 232-233.

(8) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 26.

(9) W.R.Bird،The Origin of Species Revisited،p.305.

(10) المرجع السابق ص 112.

(11) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 112.

(12) المرجع السابق ص 113.

(13) الكتاب المقدس والعلم – أيام الخلق ص 32.

هل يمكن للصدفة أن تكون خلية حية أو جزئ بروتين واحد؟

كيف فسرت نظرية التطور التدني الأخلاقي للإنسان؟

كيف فسرت نظرية التطور التدني الأخلاقي للإنسان؟

كيف فسرت نظرية التطور التدني الأخلاقي للإنسان؟

 

 200- كيف فسرت نظرية التطوُّر التدني الأخلاقي للإنسان؟ وكيف ساعدت على نشر الفلسفة المادية؟

ثانيًا: المخاطر الجسيمة التي نجمت عن نظرية التطوُّر؟

ج:

عندما أنكر التطوُّريون خلق الله للإنسان فإنهم أنكروا بالتبعية قصة سقوط الإنسان، ولذلك أرجعوا التدني الأخلاقي للإنسان للغرائز البهيمية المتوارثة، وبالتالي فإن شر الإنسان لا يرجع إلى فساد طبيعته بالخطية، إنما يرجع إلى أصله الحيواني، وبهذا أضفت هذه النظرية على الإنسان صفة الحيوان، كما برَّرت للإنسان التدني الأخلاقي وارتكاب الشرور. وأيضًا أرجع التطوُّريون مبادئ الأخلاق والأدب إلى رقي الإنسان وتطوُّره من الناحيَّة الأدبية مع الزمن، وليس للضمير الذي يمثل صوت الله داخل الإنسان.

وقد ساعدت نظرية التطوُّر على انتشار الفلسفة المادية والنفسية، فيقول دكتور ” هنري موريس ” Henery Morris ” من الخطأ أن نتغاضى عن نظرية التطوُّر، ونبقى غير ملمين بالمهاوي التي تؤدي إلى التردي فيها، فغالبية الجامعيّين والجامعيات تعلموا أن يقبلوا التطوُّر كحقيقة علمية ثابتة، والذي زاد الطامة أنها ساعدت على انتشار الفلسفات، كالفلسفة المادية والفلسفة النفسية، فنظرية لها مثل هذه الخطورة يجب أن المجموعة الضخمة من الأدلة التي توفرت ضدها، تحظى دراستها باهتمام المفكرين”(1)(2) فالدافع الأساسي للتمسك بنظرية التطوُّر ليس توافقها مع العلم الحديث، ولكن بسبب توافقها مع الفلسفة المادية التي تنكر وجود الخالق، وتنظر للمادة على أنها أزلية، بالرغم من أن نظرية ” الانفجار العظيم ” Big Bang قد أطاحت بنظرية أزلية المادة.

وقد اختزلت نظرية التطوُّر كل أبعاد الحياة من روحيَّة وسيكولوجية واجتماعية وأخلاقية.. إلخ في بُعد واحد هو البُعد البيولوجي، فطرحت بالإنسان بعيدًا عن الله، كقول ” نوبل لورييت جاك مونود ” J. Monod في كتابه ” الصدفة والحاجة ” أنه ليس إله ” أن العهد (الميثاق) القديم قد انهار، فقد عرف الإنسان أخيرًا أنه وحيدًا في هذا الكون الشاسع المُوحِش، وأنه لم يوجد فيه إلاَّ عن طريق الصدفة(3).

ويقول الدكتور كمال شرقاوي غزالي رئيس قسم العلوم البيولوجية والجيولوجية بكلية التربية – جامعة الإسكندرية ” وكانت الفترة التي صدر فيها كتاب ” أصل الأنواع ” هي وقت ازدهار الفلسفات بكل أنواعها، وكان ” هيجل ” Haeckel أحد هؤلاء الفلاسفة من أصدقاء داروين وأنصاره، وراقت له النظرية فكانت فكرة أن أصل الإنسان هو أصل حيواني هي إحدى بنات أفكاره(4) وهنا بدا للناس أن النظرية تتعارض مع النصوص الدينية، وبالذات نصوص العهد القديم، التي تقرر بوضوح كامل أن الأنواع ثابتة وأنها غير قابلة للتغيير. ولما كانت للناس في ذلك الوقت كراهية متأصلة للتعاليم الدينية الكنسية، فقد بدأ الاقتناع بصحة النظرية يغلب على الاقتناع بالتعاليم الدينية، وصارت النظرية والدين على طرفي نقيض، وأدى اقتناع الناس بالنظرية إلى أن قالوا بثبوت خطأ التوراة ورفض النص الكامل للإنجيل، ودار صراع بين العلم والدين.. وفي هذا الصدد ذهبوا إلى أبعد مما ذهبت إليه نظرية داروين ذاتها، ويبقى ذكر أهم نقطة فيما أعطى نظرية داروين الحجم الكبير ألا وهو الاستغلال البشع للنظرية من قبل اليهود، فحين ظهرت النظرية استغلوها في تحطيم العقيدة المسيحية وتأجيج نار الثورة على الكنيسة، وزجوا بالنظرية في ساحة المعركة الحامية الوطيس ليهدموا آخر قلعة حصينة من قلاع الديانة المسيحية وهي إنسانية الإنسان وخلقه المباشر بأمر الله. تقول بروتوكلات اليهود في ذلك: لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء، لاحظوا هنا أن نجاح داروين وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل.. إذًا لم يعد الأمر أكثر من شيئين: فكرة فلسفية لهيجل استخدمها بعض العلماء الذين لهم أغراض في محاربة الكنيسة وتخطيط مرتب من اليهود”(5).

ويقول الأستاذ محمد قطب عن آثار نظرية داروين ” أول نتائجها زلزلة الإيمان بالله وبالعقيدة، وثاني نتائجها زلزلة الإيمان بالإنسانية والإنسان ورفعته وسموه وروحانيته، وثالث نتائجها زلزلة الإيمان بثبات أي نظام من النظم أو قيمة من القيم أو فكرة من الأفكار، ورابع وخامس وسادس زلزلة كل شيء كان راكزًا من قبل، وتحطيم كل بنيان راسخ الأساس”(6).

_____

(1) الكتاب المقدَّس والعلم الحديث ص 29.

(2) أورده برسوم ميخائيل في كتابه حقائق كتابية جـ 1 ص 203.

(3) J. Monod, Chance and Necessity, P. 167.

(4) موريس بوكاي 1985م.

(5) التطوُّر بين الضلال وممارسة حق النقد ص 38، 39.

(6) المرجع السابق ص 40.

كيف فسرت نظرية التطور التدني الأخلاقي للإنسان؟

Exit mobile version