أريستون الذي من بيلا (البيللاوي) Aristo of Pella

أريستون الذي من بيلا (البيللاوي) Aristo of Pella

أريستون الذي من بيلا (البيللاوي) Aristo of Pella

أريستون الذي من بيلا (البيللاوي) Aristo of Pella

يبدو أن أول مُدافع عن المسيحية ضد اليهودية في مقالة مكتوبة هو أريستون الذي من بيلا[1] (Aristo of Pella)، فقد قام بكتابة “المحاور بين ياسون (Jason) وبابيسكوس (Papiscus) حول يسوع المسيح”، ذلك العمل الذي فقد للأسف. ولقد كان “ياسون” مسيحياً من أصل يهودي، بينما “بابيسكوس” يهودي من مدينة الإسكندرية بمصر.

ويخبرنا أوريجينوس أن الفيلسوف الوثني كيلسوس قد هاجم هذا الدفاع في كتابه “حوار الحق”، وذلك لأن كاتب الدفاع كان يميل لتفسير العهد القديم تفسيراً رمزياً. وقد دافع أوريحينوس عن هذا العمل القصير، مُشيراً إلى أن هذه المقالة قد كُتبت لأجل الناس عامة، ومن ثم، ما كان ينبغي أن تستفز شخصاً منفتح العقل ليُعلق عليها تعليقاً سلبياً.

وتبعاً لما يقوله أوريجينوس في عمله “الرد على كيلسوس” (فصل 4: 52)، فإن هذا الدفاع يصف “الكيفية التي بها يقوم مسيحي، مدعوماً بالكتابات اليهودية (العهد القديم)، بمناظرة يهودي، وهو يستمر ليثبت أن النبوءات المتعلقة بالمسيح تتحقق في يسوع. وذلك بينما يقوم الخصم، بأسلوب شجاع وليس بساذج، بدور اليهودي في هذا الجدال”، ثم ينتهي النقاش ببابيسكوس اليهودي وقد اعترف بأن المسيح هو ابن الله، طالباً المعمودية.

وتسرد الشذرة المتبقية من الترجمة اللاتينية لهذه المحاورة، والتي هي بالمثل مفقودة، القصة نفسها. وفي الحقيقة، كانت هذه الشذرة، المنسوبة بالخطأ إلى كبريانوس، تحت العنوان (Ad Vigilium Episcopum de Judaica Incredulitate)، هي مقدمة الترجمة اللاتينية لهذه المحاورة ولابد من أن أريستون قد قام بتأليف عمله هذا حوالي عام 140م، كما أن التفسير الرمزي وحقيقة كون بابيسكوس اسكندرياً، يشير إلى مدينة الإسكندرية باعتبار مكان الكتابة.

[1] هي مدينة بيلا “Pella” بفلسطين، مدينة خربة فحل الحالية. (المراجع)

أريستون الذي من بيلا (البيللاوي) Aristo of Pella

أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

إن أقدم دفاع حفظ لنا هو ذلك الذي كتبه أرستيدس (Aristides) الأثيني. ولقد اتبع يوسابيوس الملاحظات التي أرودها بشأن كوادراتوس بالكلام التالي: “أرستيدس أيضاً، وهو رجل إيمان ومخلص لديانتنا، قد ترك مثل كوادراتس دفاعاً عن الإيمان وجهه إلى هادريان، وقد حُفظت كتاباته أيضاً بواسطة الكثيرين”. (Eccles Hist. 4: 3: 2). ومن فقرة أخرى ليوسابيوس نعرف أن أرستيدس كان فيلسوفاً من مدينة أثينا.

وقد اعتُبر عمل أرستيدس لوقت طويل في حكم المفقود، لكن العلماء قد فوجئوا بأن “رهبان سان لازارو المخيتاريين”[1] (Mechitarists) نشروا عام 1878م مخطوطاً يعود إلى القرن العاشر الميلادي، وهو عبارة عن شذرة أرمينية من عمل دفاعي يحمل العنوان التالي: “إلى الإمبراطور أدريانوس قيصر من الفيلسوف الأثيني أرستيدس”. ولقد قبل معظم العلماء هذه الشذرة باعتبار بقايا ترجمة أرمينية لدفاع أرستيدس الذي ذكره يوسابيوس، وقدر لهذا الرأي أن يحظى بالكثير من التأييد.

وفي عام 1889م، عثر العالم الأمريكي راندل هاريس على ترجمة سريانية كاملة لدفاع أرستيدس في دير القديسة كاترين بجبل سيناء. وقد ساعدت هذه الترجمة السريانية العالم (J. A. Robinson) على أن يثبت أن النص اليوناني للدفاع ليس فقط موجوداً، بل أنه قد حرر في بعض الأحيان ليأخذ شكل رواية دينية تدور حول “برلعام ويوآصاف”.

ومؤلف هذه الرواية، هو راهب من دير القديس سابا بفلسطين في القرن السابع الميلادي، يقدم دفاع أرستيدس باعتباره من قلم فيلسوف وثني يدافع عن المسيحية. ووصلنا النص في ثلاثة أشكال، وقد كُتبت رواية “برلعام ويوآصاف”، تلك التي نملكها باللغة اليونانية، حوالي عام 630م.

وكُتب مخطوط دير القديسة كاترين، الذي يحوي الترجمة السريانية، في وقت ما بين القرن السادس والقرن السابع الميلادي على أرجح التقديرات، لكن الترجمة نفسها تعود إلى حوالي عام 350م، ولم تكن الترجمة الأرمينية حينها قد اكتملت. كذلك نشر مؤخراً جزآن كبيران من النص اليوناني الأصلي – الفصل الخامس والسادس والفصل 15: 6 – 16: 1 من بردية المتحف البريطاني. ويمكننا أن نعيد تكوين النص الأصلي في خطوطه الرئيسية بمساعدة كل هذه المواد.

المحتوى

المقدمة تصف الله مستخدمة لغة رواقية[2] متطورة، وتخبرنا أيضاً بأن أرستيدس قد توصل إلى معرفة خالق وحافظ العالم من خلال تأمله في العالم وما فيه من تناغم. وبالرغم من أن كل التأملات والجدالات التي تدور حول الله هي ذات قيمة قليلة، إلا أنه من الممكن من خلالها على الأقل تحديد إلى حد ما بعض الصفات الإلهية سلبياً[3]. ويقول الكاتب إن المفهوم الواحد الحقيقي الوحيد، الذي تم اقتناؤه، سيعمل كوسيلة اختبار لصحة الديانات القديمة.

وهو يقسم الجنس البشري إلى أربعة أقسام من جهة الديانة: البرابرة، واليونانيين، واليهود، والمسيحيين. ولقد عَبد البرابرة العناصر الأربعة؛ السماء، والأرض، والماء، والنار، والرياح، والشمس، والقمر، وأخيراً الإنسان، ما هم جميعاً إلا خليقة الله، ومن ثم، لم يكن لهم أبداً الحق في الإكرام كآلهة. واليونانيين يعبدون آلهة، تلك التي بضعفها وتصرفاتها الشائنة تُثبت أنها قد تكون أي شيء غير أن تكون آلهة.

واليهود يستحقون الاحترام بسبب المفهوم الأنقى عن الطبيعة الإلهية، وأيضاً بسبب معاييرهم الأخلاقية الأسمى، لكنهم قد احترموا الملائكة أكثر من الله، واهتموا بمظاهر العبادة الخارجية مثل الختان، والصوم، وحفظ أيام الأعياد، أكثر من العبادة الحقيقية. المسيحيون فقط هم من يمتلكون الإعلان الوحيد الحقيقي عن الله، وهم “الوحيدون من بين كل أمم العالم الذين قد عرفوا الحق، لأنهم يعترفون بالله الخالق، صانع كل شيء في الابن الوحيد والروح القدس؛ ولا يشركون بعبادته أحداً”.

(فصل 15) وتظهر عبادة المسيحيين للإله الوحيد الحقيقي نفسها بشكل خاص في طهارة حياتهم، تلك التي يمدحها أرستيدس بأسمى المدائح: “إنهم يمتلكون وصايا الرب يسوع المسيح نفسه منقوشة على صفحة قلوبهم ويحفظونها. مترقبين قيامة الأموات والحياة في العالم الآتي. إنهم لا يزنون ولا يرتكبون الفاحشة، ولا يشهدون بالزور، ولا يشتهون مقتنيات غيرهم؛ يكرمون الأب والأم ويحبون جيرانهم؛ يحكمون بالحق ولا يفعلون بالآخرين ما لا يرغبون في أن يُفعل به.

إنهم يتوقون لصنع الخير بأعدائهم. إنهم متواضعون ولطفاء، يجتنبون العلاقات الجنسية غير الشرعية وكل نجاسة. إنهم لا يحتقرون الأرملة ولا يظلمون اليتيم، الغني بينهم يعطي الفقير بلا تقتير. وإذا رأوا غريباً أخذوه تحت سقفهم وفرحوا به كما لو كان أخاهم، لأنهم يدعون أنفسهم أخوة، ليس بحسب الجسد بل بحسب الروح. إنهم مستعدون ليضعوا حياتهم من أجل المسيح.

إنهم يحفظون وصاياه بلا أي انحراف، يعيشون حياة صالحة مقدسة كما أمرهم الرب إلههم، ويشكرونه كل ساعة من أجل كل الطعام والشراب والبركات الأخرى. من الواضح إذن أن هذا هو طريق الحق الذي يقود من يسافرون عليه إلى المملكة الأبدية التي وعد بها المسيح في الدهر الآتي”.

ودفاع أرستيدس محدود المجال، وأسلوبه الأدبي غير متكلف، وتعاليمه وحججه بسيطة. وبالرغم من بساطة هذا الدفاع، إلا أن لهجته متكبرة؛ فأرستيدس، كما لو كان يحتل منزلة أسمى، يستعرض الجنس البشري باعتباره وحدة مركبة، وهو متأثر جداً بالأهمية الكبرى التي للدين الجديد ورسالته.

كما أنه، بثقة مسيحية في النفس، يرى في القطيع الصغير من المؤمنين الشعب الجديد والجنس الجديد الذي سيقود العالم الفاسد ليخرج من مستنقع الفساد الأخلاقي: “الأمم الأخرى كلها تضل وتخدع نفسها، تسير في الظلام متخبطة في بعضها البعض كما السكارى (فصل 16) إني لا أتردد في أن أقول إن العالم مستمر في الوجود فقط بسبب تضرعات المسيحيين“.

 

[1] هم جماعة رهبان بينديكتين ينتمون إلى “الكنيسة الكاثوليكية الأرمينية” تأسست عام 1717م. وقد اشتهروا بسلسلة المنشورات العلمية من الإصدارات الأرمينية القديمة، والنصوص اليونانية القديمة والمفقودة، وأبحاثهم في اللغة الأرمينية الكلاسيكية والحديثة. (المراجع).

[2] أي تشبه فلسفة المدرسة الرواقية، وهي مدرسة فلسفية والتي تعتمد على تعاليم زينون الرواقي (333-264ق.م). واعتقد الفلاسفة الراقيون أن لكل الناس ادراكاً داخل أنفسهم، يربط كل واحد بكل الناس الآخرين وبالحق – الإله الذي يتحكم في العالم. أدى هذا الاعتقاد إلى قاعدة نظرية للكون، وهي فكرة أن الناس هم مواطنو العالم، وليس مواطني بلد واحد، أو منطقة معينة. قادت هذه النظرية أيضاً إلى الإيمان بقانون طبيعي يعلو على القانون المدني ويعطي معياً تقوم به قوانين الإنسان.

ورأى الرواقيون أن الناس يحققون أعظم خير لأنفسهم. ويبلغون السعادة باتباع الحق، وبتحرير أنفسهم من الانفعالات، وبالتركيز فقط على أشياء بوسعهم السيطرة عليها. وكان للفلاسفة الرواقيون أكبر الأثر في القانون والأخلاق والنظرية السياسية. على أنهم وضعوا أيضاً نظريات مهمة في المنطق، والمعرفة، والفلسفة الطبيعة. (المراجع).

[3] التعاليم اللاهوتية السلبية، أي التي تستخدم أسلوب النفي وهي مجرد نفي لما هو بشري مثل “غير المائت، غير المحدود، غير المدرك….” (المراجع).

أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

كوادراتس Quadratus – الآباء المدافعون اليونانيون

كوادراتس Quadratus – الآباء المدافعون اليونانيون

كوادراتس Quadratus – الآباء المدافعون اليونانيون

كوادراتس Quadratus – الآباء المدافعون اليونانيون

كوادراتس (Quadratus) هو أقدم المدافعين المسيحيين، ونحن ندين ليوسابيوس القيصري بكل ما نعرفه عنه، فهو يقول بشأنه في كتابه “تاريخ الكنيسة” (4: 3: 1-2): “بعد أن ملك تراجان لمدة تسع عشرة سنة ونصف، خلفه إيليوس هدريان على العرش، وإليه وجه كوادرتس مقالته مدافعاً عن ديانتنا، لأن بعض الأشرار حاولوا مضايقة المسيحيين. ولا يزال هذا الدفاع موجوداً عند بعض الإخوة، ولدينا منه نسخة خاصة بنا.

ومن خلاله يمكننا أن نرى دليلاً قوياً على ذكاء كوادراتس وأورثوذكسيته الرسولية. ويدلل كوادراتس على الزمن المبكر الذي عاش فيه بما قاله هو نفسه بكلماته: “لكن أعمال مخلصنا كانت حاضرة، لأنها كانت حقيقية، فهؤلاء الذين شفوا، والذين قاموا من الموت، لم يشاهدهم الناس فقط وقت شفائهم أو قيامتهم، بل كانوا حاضرين دائماً، وليس فقط أثناء حياة المخلص، بل حتى بعد ذهابه عاشوا فترة طويلة حتى إن بعضهم كان عائشاً حتى يومنا هذا.”

وهذه الكلمات التي اقتبسها يوسابيوس منسوبة إلى كوادراتس هي الشذرة الوحيدة التي وصلت إلينا من دفاعه. أما بالنسبة لافتراض هاريس (Harris)، والذي يقول بأن كلاً من كتابات كليمندس المنحولة، وأعمال القديسة “كاترين السينائية” (Cathrine of Sinai)، وتاريخ “يوحنا مالالاس” (John Malalas)، ورواية “برلعام ويوآصاف” (Barlaam and Joasaf) قد تخللتها شذرات من دفاع كوادراتس، فقط ثبت خطؤه.

وتبعاً لأرجح الأقوال، قدم كوادراتس دفاعه إلى الإمبراطور هادريان أثناء فترة إقامته في آسيا الصغرى بين عامي 123م و124م أو في عام 129م. ومن الصعب أن نثبت أن كوادراتس هو نفسه النبي وتلميذ الرسل الذي ذكره يوسابيوس في (Hist. Eccles. 3: 37: 1; 5: 17: 2)، كما أن الخلط بينه وبين الأسقف كوادراتس الأثيني الذي عاش في عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس، كما فعل القديس جيروم في (Vir. Ill. 19; Ep 70.4)، وهو أمر بادي الخطأ.

كوادراتس Quadratus – الآباء المدافعون اليونانيون

الأباء المدافعون اليونانيون – مقدمة عامة

الأباء المدافعون اليونانيون – مقدمة عامة

المدافعون اليونانيون – مقدمة عامة

 المدافعون اليونانيون – مقدمة عامة

كانت كتابات الآباء الرسوليين والكتابات المسيحية المبكرة موجهة لإرشاد وتثقيف المؤمنين، إلا أنه مع المدافعين اليونانيين توجهت الكتابات الكنسية إلى العالم الخارجي لأول مرة، ودخلت إلى ميدان الثقافة والعلم. ففي مواجهة السلوك العدواني الذي انتهجته الوثنية ضد المسيحية، استبدلت العظات الكرازية التي في بعض الأحيان فقط تكون دفاعية، بالشروحات التي يغلب عليها الطابع الدفاعي، تلك التي تعطي لكتابات القرن الثاني طابعها المميز.

ولم يقتصر السلوك العدواني ضد المسيحية على مجرد شائعات قبيحة انتشرت وسط العامة، بل امتد الأمر إلى اعتبار الدولة الرومانية اعتناق المسيحية بمثابة جريمة كبرى ضد العبادة الرسمية وعظمة الإمبراطور. بل حتى آراء العلماء المستنيرة، ومعظم آراء الطبقات المثقفة في المجتمع قد أدانت الدين الجديد باعتباره خطراً متزايداً على السيادة الرومانية العالمية.

ويمكننا أن نذكر من ضمن خصوم المسيحية البارزين في القرن الثاني الميلادي الكاتب الساخر لوسيان الساموساطي (Lucian of Samosata)، الذي سخر في عمله “موت برغرينوس” (De Morte Pergrini) الذي كتبه عام 170م، من المؤمنين المسيحيين بسبب محبتهم الأخوية لبعضهم البعض واستهانتهم بالموت. وكذلك فعل الفيلسوف فرونتو السيرتي (Fronoto of Cirta)، معلم الإمبراطور ماركوس أوريليوس، في كتابه الخطب (Oration).

وعلى رأسهم جميعاً نجد الفيلسوف الأفلاطوني كيلسوس الذي أصدر كتابه الهجومي على المسيحية “حوار الحق” عام 178م. وتُمكننا المقتطفات الكثيرة من هذا العمل الأخير، والتي حُفظت لنا في رد أوريجينوس عليه، من أن نُقدر كيف كان مؤلفه خصماً خطيراً وداهية، فبالنسية لكيلسوس لم تكن المسيحية سوى خليط من الخرافات والتعصب.

ولم يكن من الممكن لمثل هذا الإهانات الموجهة إلى حالة أخذت تُصبح بالتدريج عاملاً مؤثراً في التاريخ وتجذب يومياً إليها رجالاً معروفين بثقافتهم أن تمر بصمت، وهكذا، وضع المدافعون نصب أعينهم ثلاث مهام:

  1. تحدوا الافتراءات الشائعة واهتموا على وجه الخصوص بالرد على الاتهام القائل بأن الكنيسة خطر على الدولة. وبالإشارة إلى الحياة الجادة، والعفيفة، والمشرفة التي يحياها إخوتهم في الإيمان، أصروا على أن الإيمان بمثابة قوة مسيطرة لازمة للحفاظ على بقاء ورخاء العالم، لا شخص بعينه أو دولة بعينها، بل الحضارة نفسها.
  2. كشفوا سخافة ولا أخلاقية العبادة الوثنية وأساطير آلهتها وفي الوقت نفسه أظهروا أن المسيحي وحده يمتلك فهماً صحيحاً لله وللكون، ومن هنا انطلقوا مدافعين عن العقائد التي تتكلم عن وحدانية الله، ألوهية المسيح وقيامة الجسد.
  3. لم يكتفوا بالرد على حجج الفلاسفة، بل استمروا ليظهروا أن هذه الفلسفة، ولأنها تعتمد على المنطق البشري فقط، لا تبلغ الحقيقة قط، أو بلغت حقيقة ناقصة ومختلطة بالكثير من الأخطاء أو مثل “بيض الشياطين” (Spawn of the Demons). وقد أكد المدافعون على أن المسيحية تمتلك الحق المطلقن حيث أن اللوغوس، الحكمة الإلهية نفسها، قد نزلت على الأرض في يسوع المسيح، ولذلك تتفوق المسيحية على الفلسفة اليونانية بما لا يقاس، فهي، في الحقيقة، “الفلسفة الإلهية”.

وقد أرسى المدافعون أسس “علم اللاهوت” في أثناء شرحهم هذا للإيمان، وبهذا أصبحوا أول معلمين للاهوت في الكنيسة، وهي حقيقة تؤكد أهميتهم. ونحن، بالطبع، نجد في كتابتهم مجرد بدايات لدراسة منتظمة للعقائد اللاهوتية، وذلك لأنهم لم يقصدوا في الأساس إلى تنظيم العقائد اللاهوتية تنظيماً علمياً ولا حاولوا أن يضعوا جسم الإعلان برمته تحت عدستهم، إلا أن وصف مجهودات المدافعين بأنها كانت عملية “تهلن”[1] (Hellenization) للمسيحية فهو أمر خاطئ.

ومن المتوقع بالطبع أن تؤثر طريقة التفكير، التي تأصلت فيهم بشدة قبل أن يتحولوا إلى المسيحية، على رؤيتهم الدينية؛ فالمدافعون اليونانيون هم أبناء عصرهم، وهذا يظهر على وجه الخصوص في المصطلحات التي استعانوا بها وطريقتهم في شرح العقيدة، كما يظهر أيضاً في الشكل الذي تأخذه كتابتهم – وهو في أغلب الأحيان عبارة عن معالجة جدلية أو حوارية مصاغة وفقاً لمعايير البلاغة اليونانية.

لكن بالرغم من هذا، كان تأثر التعاليم اللاهوتية للآباء المدافعين بالفلسفة الوثنية أقل بكثير مما يزعمه البعض أحياناً، فلقد تأثرت بها فقط في التفاصيل الصغيرة، ونحن هنا يمكننا أن نتكلم عن “مسحنة للهيلينية”، لكن لا يمكننا أن نتكلم عن “تهلن للمسيحية”، خاصة إذا كنا بصدد تقييم الإنجاز الفكري الذي للآباء المدافعين بكل ما فيه[2].

ولم يواجه هؤلاء الكُتاب، في دفاعهم عن دينهم، اليهود والوثنين فقط، فمعظمهم قد كتبوا أيضاً مقالات ضد الهراطقة، لكنها فُقدت للأسف الشديد. وقد كانت هذه المقالات لتصبح ذات قيمة لا تُقدر بثمن في سبيل الفهم الكامل للتعاليم اللاهوتية للآباء المدافعين. إذاَ، ينبغي علينا في تناولنا لكتاباتهم الباقية أن نتسلح بالحذر الواجب[3].

وبرغم أن توافق تلك الكتابات مع مُثل الكنيسة الجامعة وفكرها هي أقل من المتوقع، إلا أنه لا نبغي تفسير الندرة النسبية لمثل هذا التوافق على أنه ميل إلى العقلانية (rationalism)، فنحن لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نكون متأكدين أن قُراء هذه الكتابات الدفاعية كانوا متعاطفين بشكل كاف مع وجهة نظر الكنيسة الجامعة أو أنهم كانوا يفهمونها بشكل واف.

لقد كانت مواطن الضعف عن القُراء هي السبب الرئيس الذي جعل موضوعات مثل “شخص المُخلص” أو “فاعلية النعمة” تتراجع إلى خلفية المشهد. وتُصور المسيحية في هذه الكتابات بشكل أساسي، وإن لم يكن بشكل حصري، على أنها دين الحق، ومن ثم، نادراً ما تؤكد صحة ادعاءاتها بإيراد معجزات المسيح كبرهان، في حين لا تفتأ تكرر أن قدم الديانة المسيحية دليل على مصداقيتها.

وتظهر الكنيسة هنا لا باعتبارها مؤسسة حديثة أو جديدة، فالعهد القديم باتحاد داخلي، بعلاقة فطرية مؤسسة على النبوءات التي تنبأت بالمخلص القادم. وبما أن موسى قد عاش قبل المفكرين والفلاسفة اليونانيين بزمن طويل، فإن المسيحية إذن أقدم من كل الديانات والفلسفات وأعظمها.

وربما يكون الآباء المدافعون قد وصلوا إلى أسمى مكانة لهم في نظرنا عندما أظهروا أنفسهم كأبطال لحرية الضمير باعتبارها أصل ومصدر الدين الحقيقي برمته، وباعتبارها عنصراً لا يمكن للدين أن يعيش بدونه.

كيف وصلت الكتابات إلينا

يمكننا أن نجد معظم أعمال المدافعين اليونانيين في مخطوطة “أريثاس” (Arethas ) الموجودة بالمكتبة الوطنية (Codex Parisinus Gr. 451)، وهي التي نسخت بناء على طلب أريثاس أسقف قيصرية عام 914م، وقد رتبت لتحتوي الكتابات الدفاعية المسيحية منذ العصر المبكر للمسيحية حتى أيام يوسابيوس. لكنها لا تحتوي على كتابات القديس يوستنوس، ولا ثلاثة كتب التي كتبها ثيوفيلوس المعروفة باسم (Ad Autolycum)، ولا (Irrisio) لهيرمياس (Hermias)، ولا الرسالة إلى ديوجنيتوس.

 

[1] أي رؤية وشرح الإيمان المسيحي من منظور الثقافة والفلسفة اليونانية. (المراجع)

[2] إن النقطة التي يجب أيضاً أخذها في الاعتبار عند التعامل معك كتابات آباء القرنين الثاني والثالث هي أن الشرح اللاهوتي للإيمان الذي قدمه هؤلاء الآباء كان لا يزال في مهده، كما ان التعبيرات اللاهوتية لم تكن قد صيغت بشكل محدد بعد، ولم يكونوا فيما ذكروه من أمور لاهوتية يعارضون فكراً لاهوتياً مستقراً من قبل في الكنيسة بل كانوا يقدمون محاولة جادة رائدة – وإن كانت غير مكتملة – لشرح الإيمان، وفي هذا تكمن عظمتهم.

لذا فنحن عندما نقرأ تعاليمهم وكتاباتهم يجب أن نتعامل مع أفكارهم بطريقة تتناسب مع الظروف والملابسات الخاصة بزمنهم والتي تختلف عن الطريقة التي يجب أن نتعامل بها مع تعاليم الآباء الذي جاءوا بعدهم، مثل القديس أثناسيوس والقديس كيرلس. وفي الحقيقة يكون من الخطأ بل ومن الظلم أن نقوم بتقييم الفكر اللاهوتي لأولئك الآباء على خلفية الفكر اللاهوتي الذي استقر في الكنيسة في القرن الرابع. (المراجع)

متابعة قراءة الأباء المدافعون اليونانيون – مقدمة عامة

الآباء المدافعون عن الإيمان وإيمانهم بلاهوت المسيح

الآباء المدافعون عن الإيمان وإيمانهم بلاهوت المسيح

الآباء المدافعون عن الإيمان وإيمانهم بلاهوت المسيح

الآباء المدافعون عن الإيمان وإيمانهم بلاهوت المسيح

كتب الآباء المدافعون عن الإيمان في رسائلهم وكتاباتهم التي أرسلوها للأباطرة الرومان أو ضد الهراطقة وغيرهم دفاعا عن الإيمان المسيحي وشرحوا لهم حقيقة المسيح ابن الله المولود من ذات الله، قبل كل الدهور والأزمنة مثل ولادة النور من النور والكلمة من العقل، والذي فيه وبه وله خلق الله الكون والخليقة، وكانوا أكثر شرحا للإيمان والعقيدة من الآباء الرسوليين بسبب نوعية الذين كتبوا لهم ومن ثم فقد استخدموا تعبيرات لاهوتية توضح العقيدة والإيمان مثل تعبيرات التجسد والثالوث ونور من نور وولادة الكلمة من العقل وواحد مع الآب في الجوهر ومساوي للآب في الجوهر ومن نفس جوهر الآب … الخ وفيما يلي فقرات مما كتبه هؤلاء الآباء:

(1) الرسالة إلى ديوجنيتس (كتبت ما بين 120 – 150م)؛ والمرسلة من أحد آباء الكنيسة إلى أحد الوثنيين، والتي تقول: ” انه ليس اكتشافاً أرضياً ذاك الذي استؤمن عليه المسيحيين. انه ليس فكراً ميتاً حتى يظن المسيحيون انه جدير بكل هذه العناية والحفظ، انه ليس مجرد أسرار بشرية استؤمنوا عليها. بل على العكس، أنه المقياس للكل، انه خالق الكل، انه الله نفسه غير المنظور، الذي هو في السماء أسس الكلمة الحق، والقدوس غير المدرك بين الناس، وثبتها جداً في قلوبهم. وهو- ليس قد يُظن – لم يرسل للبشر احد أتباعه أو ملاكاً، أو رئيساً، أو أحداً ممن استؤمنوا على تدبير السماويات، بل بالحري أرسل المدبر والخالق للكون نفسه، الذي به خلق السموات وحدد البحار في حدودها – الذي تسير عناصر العالم بحسب مقاصده الخفية .. لقد أرسل الذي به انتظمت كل الأشياء وتميزت وخضعت … الله أرسله للبشر … لقد أرسله عن رحمة وحنان … أرسله كإله، وأرسله كإنسان، للبشر. لقد أراد أن يخلص الناس بالإقناع لا بالإكراه، لأن الإكراه ليس هو طريقة الله في العمل … أرسله الله في محبة وليس لدينونة. لكنه سيرسله يوماً ما كديان … وحينما دبر خطة عظيمة غير منطوق بها، أو كلها إلى ابنه الوحيد … لقد أعلنها من خلال ابنه الحبيب وجعل كل شئ معروفاً ما كان أعده منذ البدء … لقد دبر كل شئ بنفسه في وحدة مع ابنه … ثم حينما اتضح له أننا غير قادرين على دخول ملكوت الله بمجهوداتنا الخاصة، فأن قوة الله جعلت ذلك ممكناً لنا … يا لحنان الله المتدفق ومحبة الله تجاه الإنسان، الله لم يبغضنا ولم يلق بنا خارجاً أو يحمل لنا نية سيئة. بل بالحري، كان طويل الأناة ومحتملاً ضعفنا. في رحمته، رفع عن كاهلنا حِمل خطايانا. هو نفسه بذل ابنه كفدية عنا، القدوس عن النجسين … البريء وحده عن المذنبين، البار وحده عن الأثمة، الذي لا يعتريه الفساد عن الخاضعين للفساد، غير المائت عن المائتين. فما الذي يمكن أن يستر على خطايانا غير بره؟ وفي من يمكن نحن الأشقياء والأشرار أن نصير قديسين إلا في ابن الله وحده؟ يا للمبادلة الحلوة جداً. يا لعمل الله الذي لا يمكن فحصه. يا للبركات التي تفوق كل توقع. فان خطايا الكثيرين قد اختفت في القدوس وحده وقداسة الواحد قد قدست الخطاة بلا عدد … لقد أرسل ابنه الوحيد الجنس … لقد ظهرت قوة المخلص في تخليص حتى عديمي القوة بنية أن يكون لنا إيمان في صلاحه وان ننظر إليه كمغذى لنفوسنا، وكأب، وكمعلم، وكمعزى، وكشاف وكعقل ونور وكرامة ومجد وقوة وحياة “(10).

(2) أريستيدس الأثيني (حوالي 140م)؛ والذي يقول عنه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري: ” كذلك ترك لنا أريستيدس، وهو مؤمن غيور، دفاعا عن الإيمان مثل كوادراتوس، موجها إلى أدريان. ولا يزال مؤلفه باقيا إلى الآن أيضا لدى أشخاص كثيرين “(11). يقول في دفاعه معبرا عن لاهوت المسيح وتجسده كما يقدم الثالوث في بساطة إيمان الكنيسة الأولى به: ” يرجع المسيحيون في أصلهم إلى الرب الذي جاء من السماء بالروح القدس لخلاص البشرية ونعترف بأنه ابن العلي، وولد من العذراء بدون زرع بشر وأتخذ جسداً بغير فساد، وظهر بين الناس ليدعوهم من خطأ الوثنية، وعندما أتم مهمته العجائبية، ذاق الموت بإراته الحرة على الصليب لهدف سام، ثم عاد إلى الحياة ثانية بعد ثلاثة أيام وصعد إلى السماء.

ومن الممكن لك أيها الملك أن تتعلم لتعرف خبر مجيئه في الإنجيل المقدس المكتوب كما ننادي به، ويمكن لنا أن نقدم لك نسخة منه. وكان له أثنا عشر تلميذا الذين ذهبوا بعد صعوده إلى السماوات إلى بلاد العالم ليعلموا بعظمته. وبهذه الطريقة جاء واحدا منهم إلى الأماكن التي حولنا يعلن عن عقيدة الحق. ومنذ ذلك الوقت فالذين استمروا يدركون الحق الذي بشر به تلاميذه يدعون مسيحيين. وهؤلاء هم الذين فوق جميع شعوب الأرض، وجدوا الحق. لأنهم يعترفون بالله خالق وصانع كل شيء في الابن المولود الوحيد وفي الروح القدس “(12). 

(3) يوستينوس الشهيد (100 إلى 165م)؛ عاش يوستينوس الشهيد في بداية القرن الثاني، وكرس حياته للدفاع عن المسيحية وكان أول المدافعين عنها، وقد بقى لنا من كتاباته دفاعان عن المسيحية وجههما للإمبراطور الروماني أنطونيوس بيوس (138 – 161م) والسانتوس الروماني(13)، وحوار مع الفيلسوف اليهودي فيلو والذي شرح فيه التسليم الرسولي، المسلم من رسل المسيح للكنيسة، فيقول ” لأنه كما آمن إبراهيم بصوت الله وحسب له ذلك برا، ونحن بنفس الطريقة آمنا بصوت الله الذي تحدث لنا بواسطة رسل المسيح وأعلن لنا بواسطة الأنبياء حتى الموت لأن إيماننا تبرأ بكل ما في العالم “(14)، ويقول عنه الدارسون أنه يصف تكرارا التقليد كما تسلمه عن المسيح(15).

وقد تكلم، مثله مثل غالبية آباء الكنيسة الأولى، عن المسيح باعتباره كلمة الله الذي كان موجودا قبل كل خليقة وهو نفسه الله الذي ظهر للآباء البطاركة في العهد القديم وكلمهم باعتباره إله إبراهيم واسحق ويعقوب، وأنه ابن الله الوحيد الذي من ذات الله وغير المنفصل عنه مثلما لا ينفصل نور الشمس عن الشمس، والذي صار إنسانا بولادته من عذراء وتألم في عهد بيلاطس البنطي لأجل خلاصنا. ومن أقواله، على سبيل المثال:

U ” أب الكون له أبن وهو أيضاً لكونه كلمة الله المولود منه وهو إله “(16).

U ” يسوع المسيح هو الابن الوحيد المولود من الله وهو كلمته وبكره وقوته وقد صار إنساناً بإرادته “.

U ” المسيح لكونه الله موجود قبل كل الدهور وقد خضع للولادة وصار إنساناً “.

U ” نحن نسجد له ونعبده (الآب) مع الابن الذي ولد منه وعلمنا هذه الأشياء “. وفي نفس الوقت يقول: ” أعبد الله وحده “، و ” نقدم العبادة لله وحده “.

U ” مكتوب في مذكرات رسله (أي الأناجيل) أنه ابن الله، ولأننا ندعوه الابن، فقد أدركنا أنه ولد من الآب قبل كل الخلائق بقوته وإرادته … وصار إنسانا من العذراء لكي يدمر العصيان الذي نتج بسبب الحية “(17).

U ” يدعى المسيح إله ورب الجنود “(18).

U ويستشهد بعبرانيين (1: 8) لإثبات لاهوت المسيح فيقول: ” كرسيك يا لله إلى الدهر الدهور “(19).

U ” وعلاوة على ذلك فهذه الكلمات تشهد بوضوح أنه [المسيح] أنه قد شهد له الذي صنع كل شيء ليكون معبوداً كالله والمسيح “(20).

U ” كما يستشهد مثل كل الآباء بما جاء في مزمور 110 مؤكدا حقيقة لاهوت المسيح قائلاً: ” واستشهد أيضا بما قاله داود لأنه مكتوب: ” قال الرب لربي أجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك “، كما اقتبست تواً وفي كلمات أخرى أيضاً ” كرسيك يا الله إلى دهر الدهور “(21).

U ” تعلمنا أن الخبز والخمر كانا جسد ودم يسوع الذي صار جسداً “(22).

U ” يسوع المسيح هو الابن الوحيد المولود من الله لكونه كلمته (Logos – λογος) وبكره وصار جسدا بحسب إرادته “(23).

U ” نعبد ونحب الكلمة (Logos – λογος) الذي من الله غير المولود وغير المنطوق به، فقد صار بشراً لأجلنا “(24).

U ” الكلمة ( Logos – λογος) ذاته الذي اتخذ شكلاً وصار بشراً ودعي يسوع المسيح “(25).

U ” قال يسوع وليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا الآب إلا الابن، ومن أراد الابن يعلن له، لأن اليهود لم يعرفوا من هو الآب ولا من هو الابن … والآن نقول، كما قلنا سابقا، كلمة الله هو ابنه “(26).

” يسمي المسيحيون المسيح ” الكلمة “، لأنه يحمل بشارة من الآب للبشر. ولكنهم يُصِرُّون على أن هذه القوة (الكلمة) غير مُنقسِم وغير مُنفصِل عن الآب، كما أن شعاع الشمس الذي يصل إلى الأرض هو غير مُنقسِم وغير مُنفصِل عن الشمس في السماء.

وهذه القوة أي ” الله الكلمة “، مولود من الآب … ليس بالانقسام كما لو كان جوهر الآب قد انقسم. فكل الأشياء إذا انقسمت أو تجزَّأت لا تكون كما كانت قبل الانقسام أو التجزئة.

وعلى سبيل المثال، النيران التي تُشعَل من مصدر ناري نجدها مُتمايزة عن النار الأصلية. ومع ذلك، فالنار التي منها نُشعِل نيران كثيرة لا تَنقُص بل تبقى كما هي “(27).

نحن نؤكِّد أن كلمة الله قد وُلِدَ بطريقة خاصة تختلف تمامًا عن الولادة العادية “(28).

وفي حواره الطويل مع تريفو الفيلسوف اليهودي يؤكد له أن الله والرب الذي ظهر للآباء البطاركة هو ابن الله نفسه، الرب يسوع المسيح، فيقول: ” تبين الأسماء المختلفة للمسيح، بحسب الطبيعتين أنه، هو الله الذي ظهر للآباء، وقد دعي مرة بملاك المشورة العظيم (ملا 1:3)، ودعي إنساناً في حزقيال، ومثل ابن إنسان في دانيال، وولد في اشعياء، ودعاه داود مسيح وإله ومعبود … هو الله ابن الله الغير مولود وغير المنطوق به، لأن موسى يقول الآتي في مكان ما في الخروج ” تكلم الرب لموسى وقال له أنا الرب، أنا ظهرت لإبراهيم وأسحق ويعقوب بأني إلههم وأما اسمي فلم اكشف لهم، وقطعت عهدي معهم ” (خر3:6). ويقول أيضا أن إنساناً صارع مع يعقوب، ويؤكد أنه الله، رؤيا الله،، فقد قال يعقوب ” نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي ” (تك24:32-30)، ومكتوب أنه دعا اسم المكان الذي صارعه فيه وظهر له وباركه فيه وجه الله ” فنيئيل ” … ودعي بالكلمة لأنه يحمل الأخبار من الآب للبشر ولكنه غير منقسم أو منفصل عن الآب أبدا كما يقال أن نور الشمس الذي على الأرض غير منقسم وغير منفصل عن الشمس في السماء … أنه مولود من الآب بقوته وإرادته ولكن دون انفصال “(29).

U وقال عن ناسوته ” دعي يسوع نفسه ابن الإنسان إما بسبب ولادته من خلال عذراء أو لأنه جاء من نسل داود والبطاركة “(29).

(4) تاتيان السوري (كتب حوالي 160م)؛ كان تلميذا للقديس يوستينوس ولكنه ترك الكنيسة وأسس شيعة تدعى الإنكراتية، أي ذاتية الإرادة، ترفض الزواج وتعتبره نوع من الزنا ومال إلى الغنوسية قليلا، كما يقول القديس إيريناؤس ” وعلم مثل ماركيون وساتريينوس بأن الزواج فاسد “(30). وكان تاتيان يرى في المسيحية فلسفة لكنها فلسفة ذات تعاليم وعقائد وقال أن الله هو العلة الأولى الحتمية لكل المخلوقات. وليست خليقة أتت من نفسها إلى الوجود. وأن اللوجوس، الكلمة، ليس منفصلاًً عن الله لكنه من الله وفى الله. ” انه القوة، والأساس الحتمي لكل الأشياء، ما يرى وما لا يرى، وبه كان كل شيء. اللوجوس نفسه كان معه، مع الله، بقوة اللوجوس. ومشيئته البسيطة ولد. والابن لم يولد عبثاً، بل صار بكر عمل الآب. فنحن نعرف أن اللوجوس هو بدء أو أصل ومصدر الكون.

لكن اللوجوس أتى إلى الوجود بالشركة وليس بالانفصال، لأن ما يُبتر ينفصل عن الأصل لكن الذي يأتي من الشركة لا يجعله ناقصاً عن المصدر الذي خرج منه. فكما انه من الشعلة الواحدة تضاء نيران عدة بينما لا ينقص الضوء من الشعلة الأولى بإشعال مشاعل كثيرة، هكذا اللوجوس إذ خرج من القوة العقلية التي للوالد الذي ولده “(31).

U وأيضا: ” الله الكلمة، حتى قبل خلْق الإنسان، كان هو صانع الملائكة “(32).

(5) أثيناغوراس الأثيني (كتب حوالي 180م)؛ كان فيلسوفا مسيحيا من أثينا وكان معاصرا للقديس يوستينوس وتاتيان وترك لنا دفاعان أحدهما بعنوان (توسل للمسيحيين Supplication for the Christians)(33). يقول فيه: ” ابن الله هو كلمة الآب بالفكر والحقيقة الذي فيه وبه كل شيء خُلق، لكون الآب والابن واحد. ولأن الابن في الآب والآب في الابن بوحدة وقوة الروح القدس، فابن الله هو عقل وكلمة الآب … فماذا نعني بالابن؟ سأقول لك باختصار: أنه بكر الآب، ليس كصانعه، – لأنه منذ البدء كان لله كلمته في ذاته، فالله عقل أبدي وعاقل أبداً … والروح النبوي أيضا يؤكد هذا المنطق عندما يقول ” لأن الرب قناني أول طريقه “. فالروح القدس أيضا الذي يعمل في الذين يتكلمون بالنبوّة والذي نؤمن به كتأثير الله ينسكب ويعود مثل أشعة الشمس … الله الآب والله الابن والروح القدس متحدين بقوة كواحد ومتميزين في الترتيب “(34). 

ثم يضيف ” وكما نؤكد أنه يوجد إله، وابن هو كلمته، وروح قدس، متحدين في قوة، الآب والابن والروح القدس، الابن لكونه عقل وكلمة وحكمة الآب، والروح يتدفق مثل النور من النار “(35).

+ ” لقد خُلِقَ الكون ووُضِعَ له تدبيرٌ بواسطة كلمة الله … إذ نؤمن به كابن الله “(36).

+ ” لنا إله واحد والكلمة، أي الابن، مولود منه. ونحن نعي أن الابن غير مُنفصِل عن

الآب “(37).

وهو هنا يشرح العلاقة بين الآب وكلمته ويقدم الثالوث الآب والابن والروح القدس بصورة بسيطة تتكلم عن الوحدانية الجامعة في الذات الإلهية ببساطة قريبة من بساطة الإنجيل.

(6) ثاؤفيلس الأنطاكي (حوالي 180م)؛ يقول المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري أنه كان الأسقف السادس لأنطاكية بعد القديس بطرس(38)، وقد كتب سلسلة من الكتب وصل لنا منها ” إلى أوتوليكوس ” في ثلاثة كتب. وفي كتبه هذه نجد تعبيرات عبرت عن فكر المسيحيين في القرن الثاني حيث وصف الإنجيليين بـ ” حاملي الله – Theophoritoi ” والموحي إليهم مثل أنبياء العهد القديم وكان أول من ظهرت كلمة ثالوث ” Trias – Triavs ” في كتاباته حيث يقول ” وبنفس الطريقة أيضا فالثلاثة أيام التي كانت قبل الأنوار هي رموز للثالوث … ، الله وكلمته وحكمته “(39). وواضح هنا أن تعبير الثالوث كان معروفاً ومقبولاً في الكنيسة في زمنه، ولا يبدو من السياق أنه هو أول من وضعه. ويصف الله بأنه ” غير منطوق به “، ” وغير موصوف “، و” غير ممكن رؤيته بأعين الجسد “، و” غير ممكن اختراقه “، و” غير محوي “، و” غير مولود “، و” غير متغير “، و” أزلي “، و” غير المدرك “. ” لأنه أن قلت انه نور فأني اسمي فقط عمله. وان قلت انه اللوجوس فأْني اسمي فقط ملكوته. وان دعوته العقل فأنا أتكلم فقط عن حكمته، وأن أنا قلت انه روح فانا أتكلم عن نسمته. وان دعوته الحكمة فانا أتكلم عن ذريته. وأن دعوته القدرة فانا أتكلم عن سلطانه. وان أنا دعوته القوة فانا أتكلم عن أفعاله. وأن دعوته العناية الإلهية فأنا أتكلم عن صلاحه. وأن دعوته الملكوت فأنا إنما أشير إلى مجده. وان أنا دعوته الرب فأنا أتكلم عنه كديان. وان دعوته دياناً فأنا أتكلم عنه باعتباره عادلاً. وان دعوته أباً فانا أتكلم عن أن كل الأشياء قد أتت منه ” (1:3).

ثم يقول أن الله ” عنده كلمته التي فيه، ولده وأخرجه هو وحكمته قبل كل الأشياء “(40).

(7) ميليتو أسقف ساردس (حوالي 172م)؛ يقول عنه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري(41) أنه كتب عددا من الكتب منها كتاب باسم ” تجسد الله ” وكتب دفاعا إلى الإمبراطور مرقس أورليوس حوالي سنة 172م، وقد اكتشفت له عظة ” على آلام المسيح ” شبه كاملة موضوعها الرئيسي هو إبادة المسيح للموت، يؤكد فيها على لاهوت المسيح ووجوده الأزلي ويشير فيها إلى المسيح كـ ” إمبراطورنا أو ملكنا ” كإله، كلوجوس، كابن، كبكر الله، كسيد، كملك إسرائيل، وكأب ( وليس أقنوم الآب طبعاً. وفى سياق إشارته للمسيح كأب يصور نواحي أعمال المسيح المتعددة هكذا: ” لأنه ولد كابن، واقتيد كحمل، وقدم ذبيحة كشاه، دفن كإنسان، قام من بين الأموات كإله، وكائن بالطبيعة كإله وإنسان. هو كل شيء. هو الناموس لأنه الديان، هو اللوجوس لأنه يعلم. هو النعمة لأنه يخلص، هو الأب لأنه يلد البشر إلى الخلاص، هو الابن لأنه المولود (من الآب) هو الشاه المقدمة كذبيحة لأنه تألم. هو الإنسان لأنه دفن، هو الله لأنه قام. هذا هو يسوع المسيح، الذي له المجد إلى دهر الدهور ” (8-6).

ويذكر ميلاده العذراوي بقوله: ” هو الذي صار بشراً من عذراء … الذي ولد من مريم حواء الجديدة ” (70-71). وفى مكان أخر يقول أن المسيح: ” اخذ جسداً من العذراء مريم “(42).

ويقول أيضا عن تجسد المسيح وأعماله الإلهية والإنسانية، شارحا لاهوته وناسوته، كالإله المتجسد: ” أننا نقدم أعمال المسيح بعد معموديته كبرهان على أن نفسه وجسده، طبيعته الإنسانية كانت مثل طبيعتنا، حقيقة وليست خيالاً، فأعمال المسيح بعد معموديته توضح وتؤكد للعالم اللاهوت المخفي في جسده، لأنه لكونه إلهاً وأيضاً إنساناً تاماً فقد أعطى إيضاحات إيجابية لطبيعته اللاهوتية بالمعجزات خلال الثلاث سنوات التي تلت معموديته، وإنسانيته في الثلاثين سنة التي سبقت المعمودية، والتي أخفى خلالها علامات لاهوته بحسب الجسد، بالرغم من أنه كان الإله الحق الموجود قبل كل الدهور “(43).

وهو هنا يوضح كل الحقائق الخاصة بلاهوت المسيح، باعتباره الله والكلمة والابن، وناسوته، ولكنه هو المسيح الواحد. 

(8) إيريناؤس أسقف ليون (120-202م)؛ كان إريناؤس أسقف ليون بالغال (فرنسا حالياً) هو أحد تلاميذ الرسل وخلفائهم وحلقة الوصل بين تلاميذ الرسل ومن جاءوا بعده، فقد شاهد واستمع لتلاميذ الرسل، خاصة بوليكاربوس الذي استمع إليه ورآه في شبابه، ويقول عنه ” أنه إلى الآن لم يزل ثابتاً في مخيلتي نوع الاحتشام والرصانة الذي كان يتصف به القديس بوليكاربوس مع احترام هيئته ووقار طلعته وقداسة سيرته، وتلك الإرشادات الإلهية التي كان يعلم بها رعيته وأبلغ من ذلك كأني اسمع ألفاظه التي كان ينطق بها عن الأحاديث التي تمت بينه وبين القديس يوحنا الإنجيلي وغيره من القديسين الذين شاهدوا يسوع المسيح على الأرض وترددوا معه وعن الحقائق التي تعلمها وتسلمها منهم “(44).

وقد كتب مجموعة من الكتب ” ضد الهراطقة ” دافع فيها عن المسيحية وأسفارها المقدسة ورد على هرطقة الغنوسيين وهرطقة الأبيونيين وشرح الإيمان المسيحي في عصره كما تسلمه من تلاميذ الرسل ” الإيمان المسلم مرة للقديسين ” (يه3). وذلك إلى جانب كتاب أخر بعنوان ” الكرازة الرسولية “. وأكد من خلال آيات الكتاب المقدس أن الرب يسوع المسيح هو ابن الله الوحيد، الله الابن، وكلمته وحكمته وقوته، الموجود مع الآب، في ذات الآب، بلا بداية، الذي خلق به كل شيء في الكون. كما أكد على حقيقة تجسده، اتخاذه جسدا، وكان من أوائل آباء الكنيسة الذين استخدموا تعبير ” التجسد – sarkosis – σαρκσις أو ensarkosis – ενσαρκοσς “، أي اتخذ جسدا من تعبير القديس يوحنا ” والكلمة صار جسدا – και ό λογος σαρκς εγενετο – kai ho logos sarx egeneto “(45). وأن المسيح بتجسده اتخذ الطبيعة الإنسانية الكاملة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كما أنه لم يتخذ جسدا من طبيعة أخرى غير طبيعة الإنسان، من لحم ودم وروح إنسانية(46). ويؤكد على أنه كان له روح بشرية كالتي لنا ” كما أننا نتكون من جسد مأخوذ من التراب ومن نفس تقبل روح من الله. فهذا ما صار إليه كلمة الله متخذا لنفسه صنعة يديه وعلى هذا الأساس أعترف بنفسه كابن الإنسان “(47). وفيما يلي بعض من أقوله:

U ” لذلك أيُّ مَنْ يسألنا عن كيفية ولادة الابن من الآب، نجيبه أنه لا يدرك أحد هذا الخروج أو هذه الولادة أو هذه الدعوة أو هذه الرؤيا أو أي تسمية أخري يمكن أن نصف بها هذه الولادة. لأنها في الحقيقة بالإجمال غير قابلة للوصف “(48).

U ” تسلمت الكنيسة … من الرسل ومن تلاميذهم هذا الإيمان [فهي تؤمن] بإله واحد الآب القدير خالق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، وبيسوع المسيح الواحد، ابن الله الذي تجسد لأجل خلاصنا “(49).

U ” صار الله إنسانا والرب نفسه خلصنا معطيا لنا علامة العذراء “(50).

U ” كلمة الله ربنا يسوع المسيح الذي صار إنسانا بين البشر في الأيام الأخيرة ليوحد النهاية في البداية، أي الله بالإنسان “(51).

U ” لأجل خلاصنا، يسوع المسيح ربنا “(52).

U ” كان الكلمة موجودا في البدء مع الله، وبه خلق كل شيء وكان دائما موجودا مع الجنس البشري، وحديثا جدا، في لحظة معينة من الآب، اتحد مع صنعة يديه وبه صار إنسانا خاضعا للألم “(53).

U ” الابن هو سيد القوات الملائكية، إله من إله، وابن من الآب “(54).

U ” خالق العالم هو بالحقيقة كلمة الله. هذا هو ربنا “(55).

وقد شرح القديس إيريناؤس التجسد ووحدة شخص المسيح الواحد، من خلال حديثه عن حلول الروح القدس على العذراء وولادة عمانوئيل الذي هو الله معنا منها، في مجمل رده على الغنوسيين؛ ” ولد ابن الله من عذراء، وهو نفسه المسيح المخلص الذي تنبأ عنه الأنبياء، ليس كما يقول هؤلاء الناس (أي الغنوسيين) أن يسوع هو الذي ولد من مريم ولكن المسيح هو الذي نزل من فوق “. ثم يقول أن متى لم يقل ” أما ولادة يسوع فكانت هكذا ” (مت18:1) إنما قال ” أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا “، ” وهو عمانوئيل لئلا نتخيل أنه مجرد إنسان: لأنه ليس من مشيئة جسد ولا من مشيئة إنسان، بل بإرادة الله صار الكلمة جسدا. ويجب أن لا نتخيل أن يسوع واحد والمسيح آخر، ولكن يجب أن نعرف أنهما نفس الواحد “(56).

U كما رد على الأبيونيين قائلا ” وباطل أيضا الأبيونيين الذين لم يقبلوا الإيمان لنفوسهم في اتحاد الله والإنسان … ولم يريدوا أن يفهموا أن الروح القدس حل على العذراء وأن قوة العلي ظللتها، ولذا فالذي ولد هو قدوس وابن الله العلي أبو الكل، ونتج التجسد “(57).

U ومثل أغناطيوس الأنطاكي الذي شرح كيفية قبول المسيح للحدود البشرية ” من لا يتغير، أي ذاك الذي يعلو الزمان والمكان ولا يرى ولكن صار مرئيا لأجلنا، لا يلمس ولا يتألم ولكنه صار ملموسا ومتألما وأحتمل كل شيء لأجلنا “، فقال أن الرب يسوع المسيح من أجلنا قبل الحدود الجسد والإنسانية، الذي كان غير مرئي صار مرئيا، غير المتألم صار متألما لأجلنا، غير المدرك صار مدركا،لأجلنا(58).

وهكذا قدم آباء الكنيسة، خلفاء الرسل، الذين تسلموا منهم ” الإيمان المسلم مرة للقديسين “، الإيمان الصحيح والعقيدة القويمة (الأرثوذكسية) للكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية وردوا على هرطقات القرنين الأول والثاني، والتي أتت من خارج الكنيسة وأظهروا فساد أفكارها وبدعها.

وفي كتابه ” الكرازة الرسولية ” والذي شرح فيه الإيمان المسيحي تفصيلياً نلخص منه الفقرات التالية(59):

U ” أن الكلمة أيضًا يقول لموسى: ” أنا هو الكائن (خر3:14) ” (ف2).

ويركز دائما على أن ما يعلمه هو ما تسلمه من تلاميذ الرسل وخلفائهم: ” إذن ما الذي يخبرنا عنه الإيمان كما سُلم لنا من الشيوخ تلاميذ الرسل(60). فإن الإيمان أول كل شئ يحثنا أن نتذكر أننا قبلنا المعمودية باسم الله الآب ويسوع المسيح ابن الله، الذي تجسد وصلب وقام، وروح الله القدوس، لغفران خطايانا، وأن هذه المعمودية هي ختم الحياة الأبدية وميلادنا الثاني(61) من الله ” (ف 3).

U ويشرح الإيمان المسيحي بالله الواحد وأبنه، كلمته الذي منه، وروحه القدوس؛ الآب والابن والروح القدس فيقول: ” في الحقيقة، إن كل المخلوقات تستمد بالضرورة بداية وجودها من علة أولى عظيمة، وعلة كل الأشياء هو الله. الكل يأتي منه، أما هو فلم يُوجِده أحد. لذا فإنه من الاستقامة والحق أن نؤمن بأنه يوجد إله واحد، الآب، الذي خلق الكل، وصنع كل ما لم يكن موجودًا من قبل، وهو يحوى ” الكل “، هذا الذي هو نفسه غير المحوى من أي شئ. كما أن العالم يدخل في نطاق ذلك ” الكل ” الذي يحويه الله ومن بين هذا ” العالم ” الإنسان أيضًا، وبالتالي فإن الله خلق هذا العالم كله ” (ف4).

” ويتضح تعليم إيماننا في الآتي: واحد فقط هو الله، الآب، غير مولود، غير منظور خالق الجميع، فوقه لا يوجد إله آخر(62). ولأن الله هو ناطق فقد خلق كل الأشياء بكلمته. ولأن الله روح ولذلك فقد زيّن كل الأشياء بروحه، كما يقول النبي ” بكلمة الرب صُنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها ” (مز33:6). وبينما الكلمة يؤسس أي يعطى الكائن جوهره ويمنحه الوجود، فإن الروح يمنح الشكل والجمال لهذه القوات المختلفة، لذا فإنه من الصواب أن يُدعى الابن كلمة الله، بينما يُدعى الروح حكمة الله(63). لذلك بالصواب أيضًا يقول بولس: ” إله وآب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم “(64). فالآب هو ” فوق الجميع “، والكلمة ” بالكل، طالما أن كل الأشياء بواسطته خُلقت من الله. الروح هو فينا جميعًا ” في كلنا ” وهو يصرخ ” يا أبا الآب ” (غل4:6).

كما أنه يمنح الإنسان أن يكون على صورة الله. والروح أيضًا يُظهر الكلمة، لذلك تنبأ الأنبياء عن ابن الله. والكلمة أيضًا متحد بالروح. لذلك فهو يفسر كتب الأنبياء ويُدخل الإنسان إلى الآب ” (ف5).

U ويشرح الإيمان المسيحي في ثلاثة بنود هي: ” إن البند الأول من قانون إيماننا، وقاعدة البناء وأساس الخلاص هي أن: ” الله الآب غير المولود، غير المُحوى، غير المرئي إله واحد خالق الجميع “.

والبند الثاني: هو أن كلمة الله ” ابن الله، يسوع المسيح ربنا، الذي تنبأ عنه الأنبياء، الذي كل شئ به كان وبتدبير الآب في الأيام الأخيرة صار إنسانًا بين البشر (يو1:14) وتراءى للكل لكي يُبطل الموت ولكي يجمّع كل شئ ويُظهر الحياة ويصنع شركة بين الله والإنسان “.

والبند الثالث هو أن: ” الروح القدس هو الذي بواسطته تنبأ الأنبياء وتعلّم الآباء بأمور الله، والذي بواسطته دخل الأبرار إلى طريق البر، كما أنه انسكب في الأيام الأخيرة بطريقة جديدة على جنس البشر مجددًا الإنسان لله ” (ف6).

U ويكمل شرحه للثالوث الأقدس: ” هذا الإله يُمجد بواسطة كلمته الذي هو ابنه الأزلي وبالروح القدس الذي هو حكمة الآب الذي هو أب الجميع. هذان الأقنومان الإلهيان، الكلمة والحكمة لهما في خدمتهما طغمة من الأرواح الملائكية تُدعى الشاروبيم والسيرافيم الذين يمجدون الله بتسابيحهم التي لا تنقطع، وكل ما في السموات المخلوقة يعطى مجدًا لله، آب الجميع، الذي بكلمته خلق العالم – بما فيه – الملائكة وأعطى قوانين (نواميس) لكل العالم، حتى أن الجميع يظلون في مكانهم ولا يتجاوزن حدودهم المرسومة لهم بواسطة الله، بل إن كل واحد منهم يتمم العمل المحدد له من قِبَل الله ” (ف10).

U ومثل كل آباء القرن الثاني وما بعده آمن أن جميع الظهورات الإلهية في العهد القديم كانت للابن، الكلمة، المسيح: ” كلمة الله (ابن الله) كان يتمشى هناك باستمرار يتحدث مع الإنسان عن الأمور العتيدة، بل حاول بالحري أن يوضح له أنه سيكون رفيقًا له ويتحدث ويتحاور معه، وأنه سوف يسكن مع البشر لكي يعلّمهم البر. لكن الإنسان كان طفلاً، لم يكن لديه بعد إرادة ناضجة، لذا خُدع بسهولة من المضلّل.

وقال: ” صورة الله هي الابن، والذي على صورته خُلِق الإنسان. لذلك ظهر الابن في الأيام الأخيرة لكي يجعل الإنسان، الذي خُلِق على صورته، مشابهًا له (ف22).

U وتأكيده مثل سائر الآباء في كل القرون الأولى على أن جميع الأنبياء تنبأوا عن كل تفاصيل حياة المسيح: ” هنا أرسل الله الأنبياء الذين بإلهام الروح القدس قادوا الشعب إلى إله الآباء، الكلى القدرة، وتنبأوا عن مجيء ربنا يسوع المسيح، ابن الله معلنين أنه سوف يأتي من نسل داود، بحسب الجسد وهكذا يكون المسيح هو ابن داود، الذي هو من خلال سلسلة من الأنساب من نسل إبراهيم، أما حسب الروح فهو ابن الله الكائن أزليًا، مولود من الآب قبل (كل الدهور) وكل الخليقة، ثم ظهر كإنسان في العالم في الأزمنة الأخيرة، فهو كلمة الله الذي يجمع في ذاته كل الأشياء ما في السماء وما على الأرض ” (ف30).

U وشرح التجسد الإلهي وأسبابه بصورة تفصيلية: ” وهكذا وَحّدَ (اللوغوس المتجسد) الإنسان مع الله وصنع شركة بين الله والإنسان. فلو لم يكن قد أتى إلينا لكان من غير الممكن أن نشترك في عدم الفساد، لأنه لو كان عدم الفساد ظل غير منظور ومخفي عن أعيننا، لما كنا قد انتفعنا بأي شئ. لذلك فإن اللوغوس بواسطة تجسده جعل عدم الفساد منظورًا حتى يمكننا بكل الطرق أن نشترك فيه. ولأن الجميع اقتيدوا إلى الموت بسبب عصيان أبونا الأول، آدم ” (ف31).

U الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته ” وهكذا فإن كلمة الله متقدم في كل شئ لأنه هو الإنسان الحقيقي، وهو في نفس الوقت ” عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا”، وهو الذي يدعو الإنسان من جديد ليكون له شركة قوية مع الله، لكي بهذه الشركة معه ننال شركة في عدم فساده ” (ف40).

U وأنه الابن الذي كان في البدء مع الآب: ” يجب أن نؤمن بالله في كل شئ لأنه صادق في كل شئ. ويجب أن نؤمن بابن الله الذي هو كائن ليس فقط قبل زمن مجيئه إلى العالم، بل وقبل خلق العالم. فموسى، الذي هو الأول تنبأ، مُعبِّرًا باللغة العبرية قائلاً: ” في البدء كان الابن، ثم خلق السماء والأرض “. هذا ما يؤكده النبي قائلاً: ” قبل نجمة الصبح ولدتك واسمك قبل الشمس” أي قبل خلق العالم، طالما أن النجوم خُلقت في نفس الوقت مع العالم. هذا النبي يقول: ” طوبى، للذي كان قبل أن يصير إنسانًا”. فبالنسبة لله كان الابن موجودًا في البدء، فهو الذي خلق العالم، أما بالنسبة لنا فهو يُعتبر موجودًا الآن منذ اللحظة التي أُعلن فيها لنا، لأنه قبل ذلك لم يكن موجودًا بالنسبة لنا نحن الذين لم نكن نعرفه. لذلك فإن تلميذه يوحنا يخبرنا عن من هو ابن الله، الذي كان عند الله قبل خلق العالم، وأن به خُلق الكل، إذ يقول: ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان”، مظهرًا بوضوح، أن الكلمة الذي كان في البدء عند الآب والذي به خُلِقت كل الأشياء، هذا هو ابنه ” (ف43).

ثم يشرح في بقية الكتاب كيف أنه هو الذي ظهر لإبراهيم واسحق ويعقوب في القديم: ” وأيضًا يقول موسى، إن ابن الله نزل بالقرب من إبراهيم وتكلّم معه ” … كذلك يعقوب وهو ذاهب إلى ما بين النهرين رآه في حلم واقفًا على سُلّم، وكان السلم منتصبًا من الأرض إلى السماء، الذي هو كمثال الصليب. … هكذا تحدث في العليقة المشتعلة مع موسى.

U الآب والابن كلاهما ربٌ وإله: ” فالآب إذًا رب والابن رب، الآب إله والابن هو إله، لأن الذي يُولد من إله هو إله. هكذا إذن فبحسب كيانه وقوته وجوهره هو إله واحد. ولكن بحسب تدبير خلاصنا يوجد آب واحد وابن واحد. وحيث إن أبا الجميع هو غير منظور وغير مدرك من المخلوقات، فمن الضروري على من يريدون أن يقتربوا إلى الله أن ينالوا نعمة القدوم إلى الآب بالابن ” (ف47).

U وأن الابن هو الله: ” ويتحدّث داود بوضوح عن الآب والابن فيقول: ” كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك”. طالما أن الابن هو إله بالحقيقة فهو يأخذ عرش الملكوت الأبدي من الآب أي من الله ويُمسح بدهن الابتهاج أكثر من رفقائه ” (ف47).

U الابن هو الرب: ” ويقول داود أيضًا: ” قال الرب لربى اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك. يرسل الرب قضيب عزك من صهيون. تسلط في وسط أعدائك. شعبك منتدب في يوم قوتك في زينة مقدسة من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك. أقسم الرب ولن يندم. أنت كاهن إلى الأبد على رُتبة ملكي صادق. الرب عن يمينك يُحطم في يوم رجزه ملوكًا. يدين بين الأمم. ملأ جثثًا أرضًا واسعة سحق رؤوسها. من النهر يشرب في الطريق لذلك يرفع الرأس”. بهذه الكلمات يتضح تمامًا أن المسيح كائن قبل الكل، وأنه يسود على الأمم وأنه يدين كل البشر والملوك الذين يضطهدون اسمه الآن، لأن هؤلاء هم أعدائه، وإذ يدعوه كاهن الله الأبدي، فهذا إعلان بأنه الحي الذي لا يموت. وعندما يقول: “من النهر يشرب في الطريق لذلك يرفع رأسه” فهو يشير إلى تمجيد ناسوته وصعوده بعد المهانة والذل ” (ف48).

(9) أكليمندس الإسكندري (150 – 215م)؛ مدير مدرسة الأسكندرية اللاهوتية وخليفة خلفاء الرسل وتلميذهم، والذي مثله مثل الآباء في عصره، يشرح لنا لاهوت المسيح وتجسده وكونه ابن الله وكلمته وصورة جوهره، كما يشرح لنا علاقة الآب بالابن، الكلمة، وولادة الكلمة، الابن، من الآب والتي يصورها بولادة النور من النور والكلمة من العقل مثل سائر الآباء في عصره. ويلخص لنا القمص تادرس يعقوب جوهر تعليمه هذا كما يلي: [الله (الآب) غير مُدرَك بعقولنا البشرية، وبالتالي لا يمكن أن يكون موضوع معرفة. لكن الابن هو الحكمة والمعرفة والحق وما يماثل ذلك يمكن وصفه وتعريفه. الابن هو إعلان عقلي للآب(65)، هو ختم مجد الآب، يُعلِّمنا الحق(66). هو صورة الله(67)، وفكره(68)، ووجهه(69). هو النور الذي به نعاين الله(70). يعلن عن طبيعة الآب(71)، يُدعى قوّة الله(72) وذراعه(73).

يُقصَد بلقب ” الآب ” أن ” الابن ” أيضًا كائن على الدوام بدون بداية(74).

إن الكلمة نفسه – الذي هو ابن الله – واحد مع الآب بمقتضى مساواته له في الجوهر، وهو أبدي وغير مخلوق(75).

(الابن الكلمة) هو الله وهو الخالق. كما قيل: ” كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان” (يو1: 3)(76).

وفيما يلي بعض فقرات من أقواله عن لاهوت المسيح وتجسده:

U ” كان يوجد إذا كلمة يحوي أبدية لا بداية لها، كما هو الكلمة نفسه أيضاً، الذي هو ابن الله، الذي لكونه مساوي للآب وواحد معه في الجوهر، هو أبدي وغير مخلوق “(77).

U ” المخلص الرحيم، الكلمة الإلهي الذي أعلن اللاهوت بالحقيقة، والذي صار مساوياً لرب الكون لأنه ابنه، والكلمة كان في الله، الذي لم يؤمن به الكل عندما بُشر به أولاً، ولا كان معروفا للكل، عندما اتخذ صورة الإنسان واتخذ لنفسه جسدا وقام بدراما الخلاص “(78).

U ” أنا لا أعرف شيء أخر غير أن الثالوث القدوس يعني أن الروح القدس هو الثالث والابن هو الثاني الذي به كل شيء كان بحسب إرادة الآب “(79).

U ” عندما يقول [يوحنا] الذي كان من البدء (1يو1 :1) فهو يلمس الأجيال التي لا بداية لها للابن المساوي للآب. فقد ” كان ” هو نفسه، أي الابن، لكونه واحد مع الآب بحسب المساواة في الجوهر، أبديا وغير مخلوق. وكون الابن موجود دائماً واضح في قوله: ” في البدء كان الكلمة “ (يو1:1) “(80).

U ” لأن كليهما واحد (أي الآب والابن) – أي الله. لأنه قال: ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله “(81).

U ” [كان يسوع المسيح] محتقرا في المظهر، ولكن في الحقيقة هو المعبود، والفادي، والمخلص، والهادي، والكلمة الإلهي، وهو بوضوح تام إله حق وموضوع في نفس مستوى الآب لأنه ابنه “(82).

U ” هذه هي الترنيمة الجديدة، إعلان الكلمة الذي كان في البدء وقبل البدء، المخلص، الموجود من قبل وقد ظهر في الأيام الأخيرة، والذي فيه (في الآب) بالحقيقة، ظهر لأنه الكلمة الذي ” كان عند الله ” والذي كل شيء به خُلق، ظهر كمعلمنا، الكلمة الذي في البدء منحنا حياة كالخالق عندما صورنا علمنا أن نعيش جيداً عندما ظهر كمعلمنا، وسيمنحنا بعد ذلك الحياة التي لا تنتهي كإله “(83).  

(10) ويقول العلاَّمة أوريجانوس (185- 254):

U ” ليَعلَم مَنْ يقول بأن ” كلمة الله ” أو ” حكمة الله ” ليس أزليًّا، مُذنِب في حق الآب نفسه، إذ ينكر أنه كان ” الآب ” على الدوام، أو أنه كان يلد الكلمة على الدوام، أو أنه كان

يملك الحكمة في كل الحقب السابقة سواء كانت هذه الحقب أزمنة أو دهور(84).

U ” الآب يلد الابن غير المخلوق ويأتي بالروح القدس. ليس كما لو كان الابن لم يكن له وجود سابق (ثم وَلَدَه الآب)، لكن لأن الآب هو الأصل والمصدر للابن وللروح القدس(85).

U ” قيل عن المُخلِّص إنه ” نور”. وفي رسالة القديس يوحنا الأولى، نجد عبارة ” الله نور” (1يو1: 5). فإذا كان الأمر كذلك، سنجد فيه برهانًا على أن الابن لا يختلف عن الآب في الجوهر “(86).

U ” كلمة الله (اللوغوس) يُعلِن عن الآب الذي يعرفه. إذ ليس أحد من المخلوقات يستطيع أن يقترب من الآب إلا من خلال مُرشِد. فلا يعرف أحد الآب إلا الابن ومَنْ أراد الابن أن يعلن له “(87).

U ” الابن لا يختلف عن الآب في الجوهر “(88).

U ” الابن مُشترِك مع الآب في الجوهر، لأن ما ينبثق (أو يُولَد) من الجوهر هو مساوٍ له وواحد معه ” هوموأُوسيوس ” بكل تأكيد “(89).

(11) البابا ديونسيوس السكندري (متوفى سنة 264):

U ” وُلِدَت الحياة من الحياة بنفس الطريقة التي ينبع بها النهر من الينبوع، ويُشعَل بها النور من النور الذي لا ينطفئ “(90).

وسنتكلم عن هذا البابا الذي وُصف بالعظيم وما فهمه البعض خطأ في دفاعه ضد السابيلينية ودفاع القديس أثناسيوس عنه في الفصل التالي.

(12) القديس هيبوليتوس الروماني (استشهد في 235م):

U ” لقد ظهر آخر إلى جانب الآب. ولكن عندما أقول ” آخر” لا أعني أن هناك إلهَيْن، ولكن أعني فقط أنه مثل النور من النور، والماء من الينبوع، والشعاع من الشمس “(91).

U ” الكلمة (اللوغوس) وحده هو الذي من الله (الآب) نفسه. لهذا أيضًا هو إله، لكونه من نفس جوهر الله (الآب). على العكس من ذلك، خُلِقَ العالم من العدم، لذا فهو ليس إله “(92).

(13) ترتليان، العلاَّمة (160- 230):

U ” في البدء كان الكلمة عند الله الآب. لم يكن الآب هو الذي عند الكلمة، فعلى الرغم من كون الكلمة هو الله، إلا أنه كان عند الله، إذ هو إله من إله “(93).

U” تعلَّمنا أن الابن خرج من الله الآب، وبخروجه هذا قد وُلِدَ من الآب. إذن فهو ابن الله، ويُدعى الله لأجل وحدته مع الآب في الجوهر … فحتى شعاع الشمس عندما يخرج منها، يظل متّصلاً بها. وتظلّ الشمس في الشعاع لأنه منها. فلا يوجد إذن تقسيم في الجوهر، فالشعاع هو مجرد امتداد للشمس … هكذا المسيح هو روح من روح، وإله من إله. مثل شمعة مضيئة تُوقَد من شمعة مضيئة، فيظل لهب الشمعة الأصلية بكامله دون أن يتأثر، على الرغم من أنه قد يُوقَد منه أي عدد من الشمعات الأخرى التي لها لهب بنفس الصفات. كذلك أيضًا الذي خرج من الله (الآب) هو بآنٍ واحدٍ الله وابن الله، والاثنان هما واحد “(94).

U ” نؤمن حقا أنه يوجد إله واحد، ونؤمن تحت هذا التدبير، أو كما نسيمه الأيكونوميا (οικονομια)، أنه يوجد أيضاً ابن لهذا الإله كلمته المولود منه والذي به كل شيء كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. ونؤمن أنه أُرسل من الآب إلى عذراء وولد منها، إله وإنسان، ابن الإنسان وابن الله، ودعي باسم يسوع المسيح. ونؤمن أنه تألم بحسب الكتب ومات ودفن وقام ثانية بواسطة الآب ليسترد مكانه في السماء وجلس عن يمين الآب. وسيأتي ليدين الأحياء والأموات. ونؤمن أنه أرسل الروح القدس، البارقليط، من الآب، بحسب وعده، ليقدس إيمان هؤلاء الذين يؤمنون بالآب والابن والروح القدس “(95).

(14) العلاَّمة ثيؤغناسطس الإسكندري (متوفى سنة 282):

U ” جوهر الابن ليس جوهرًا غريبًا من صُنع أحد. ولا وُجِدَ من العدم. بل وُلِدَ من جوهر الآب مثل الشعاع من الشمس، أو مثل مجرى الماء (التيار) من الينبوع. فالشعاع ليس هو الشمس نفسها، كذلك المجرى ليس هو الماء نفسه، ولكن كليهما لا يختلفان عن المصدر (من حيث الجوهر). فالابن هو انبعاث أو فيض من جوهر الآب، ومع هذا يظل جوهر الآب دون تقسيم “(96).

وهكذا يتضح لنا أن آباء الكنيسة ومدافعيها الذين قدموا لنا ولمعاصريهم الإيمان المسيحي وشرحوه ودافعوا عنه، أكدوا لنا على نفس ما تسلموه من الرسل من أن المسيح هو ابن الله وكلمته وصورة جوهره المولود من الآب قبل كل الدهور، إله حق من إله حق، والمولود من الآب قبل كل الدهور والواحد مع الآب والمساوي له في الجوهر، أو الذي له نفس جوهر الآب. وكان هذا الإيمان، كما يقول المؤرخ الكنسي فيليب شاف: ” كان يُعلن في العبادة اليومية والأسبوعية وفي الاحتفال بالعماد، وفي العشاء الرباني، وفي الأعياد السنوية، ولا سيما في عيد القيامة. وقد وجد هذا الإيمان مكانه في الصلوات والتسابيح … وكانت الترانيم التي يكتبها الأخوة تشهد بأن المسيح هو ” كلمة الله “، وكانوا يؤكدون على ألوهيته، وقد دفع كثيرون من المؤمنين حياتهم ثمناً لشهادتهم بأن المسيح هو ابن الله … فهم يرون أن المسيح سابق للوجود، فقد كان هو فكر الآب أو عقله الناطق “(97).

(10) دراسات في آباء الكنيسة لأحد رهبان برية القديس مقاريوس ص 103 و104.

(11) يوسابيوس (ك4 ف3:3). وقد أكتشف الأمريكي رندل هاريس مخطوطة لهذا الدفاع مترجمة إلى السريانية سنة 1893م. (كتاب تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة للمطران كيرلس سليم بسُترس) ص 222.

(12) Apology 15.

(13) يوسابيوس ك 4 ف 12و18.

(14) Dialogue 76.

(15) Jesus After the Gospels p. 59.

(16) 1 Apology, ch 63.

(17) Dial. 100.

(18) Dial. ch, 36.

(19) Dial. ch 56.

(20) Dial. ch. 63.

(21) Dial. ch 56.

(22) Dial.. 66.

(23) Apology 1:23.

(24) Apology 2:13.

(25) Apology 1:

(26) Apology 1:63.

(27) Dial. ch 108.

(28) Apology 1:22.

(29) Dial. 126 – 129.

(29) Dial. 100.3.

(30) Ag. Haer. 28.

(31) دراسات في آباء الكنيسة لأحد رهبان برية القديس مقاريوس ص 105 و 106.

(32) Address to the Greeks ch.7.

(33) تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة ص 244.

(34) Supplication for the Christians 10,24. William A. Jurgens, The Faith of the Early fathers vol. 1 ; 70.

(35)Ibid. (24), vol. 1 ; 70.

(36) A Plea For The Christians ch.6.

(37) Ibid. ch.18.

(38) يوسابيوس 4 :20.

(39)To Autolycus 2 :15.

(40) دراسات في آباء الكنيسة ص 108.

(41) يوسابيوس 4 :26.

(42) السابق 110.

(43) Fragment in Anastasius of Sinai’s The Guide 13.

(44) الآباء الرسوليين للقمص تادرس يعقوب ص 126 أنظر أيضا Ag. Haer. 3:3,4

(45) Catholic Encyclopedia, Incarnation.

(46) Ag. Hear. 5:12,2.

(47) Ag. Hear. B5:14,2.

(48) Ag. Hear. 2.28.

(49) Ag. Hear. B 1:10,1.

(50) Ag. Hear. B3:21,1.

(51) Ag. Hear. B4:20,4

(52) Ag. Hear. B3:16,2.

(53) Ag. Hear. B3:18,1.

(54) ANF, Vol. I , p. 577 (fragments from the lost writings of Irenaeus).

(55) B5:8,3.

(56) Ag. Hear. B3:16,2.

(57) Ag. Hear. B5:1,3.

(58) See Ag. Hear. B3:16,6. And Jesus After The Gospels p. 102.

(59) جميع الفقرات الخاصة بكتاب ” الكرازة الرسولية “، مأخوذة من كتاب ” الكرازة الرسولية للقديس إيرينيوس إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد و د. جورج عوض إبراهيم.

(60) يعطى إريناؤس أهمية كبرى لأصالة وشهادة الشيوخ الذين كانوا حاملين للتقليد الرسولي. وكشيوخ يصفهم أحيانًا بالتلاميذ المباشرين للرسل (AH5:5:1) وأحيانًا تلاميذ بوليكاربوس (AH3:3:4).

(61) انظر تي5:3ـ6.

(62) راجع الحوار مع تريفو6:5 أيضًا انظر ضد الهرطقات1:1:1، 3:28:1.

(63) راجع AH2:47:2, 3:28:2.

(64) أف6:4 راجعAH4:34::2, 5:18:1.

(65) Strom 4: 156.

(66) Ibid 7: 58.

(67) Ibid 5: 94.

(68) Ibid 5: 16.

(69) Paed 1: 57.

(70) Prot 84.

(71) Strom. 5: 34.

(72) Ibid 7: 7.

(73) Prot. 120.

(74) ANF, Vol. II , p. 574.

(75) ANF, Vol. II, p. 574.

(76) ANF, Vol. II, p. 234.

(77) Fragments, Part I, section III.

(78) Exhortations, Chap 10.

(79) Strom, B. V, ch. 14.

(80) fragment in Eusebius History, Bk 6 Ch 14; Jurgens, p. 188.

(81) The Instructor, B. 1, ch 8.

(82) Exhortation to the Greeks, 10:110:1.

(83) Exhortation To The Heathen, ch 2.

(84) ANF, Vol. IV , p. 246.

(85) ANF, Vol. IV, p. 270.

(86) ANF, Vol. X , p. 336

(87) ANF, Vol. X , p. 320.

(88) ANF, Vol. X, p. 336.

(89) PG XIV:1308.

(90) ANF, Vol. VI, p. 93.

(91) ANF, Vol. V, p. 227.

(92) ANF, Vol. V, p. 151.

(93) ANF, Vol. III, p. 610.

(94) ANF, Vol. III, p. 34.

(95) Against Praxeas, ch 1,2.

(96) ANF, Vol. VI, p. 155.

(97) موسوعة آباء الكنيسة ج 1: 227.

الآباء المدافعون عن الإيمان وإيمانهم بلاهوت المسيح

Exit mobile version