الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة – ولماذا نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة – Patricia Michael
الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة – ولماذا نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة – Patricia Michael
من أبرز مزايا التعمّق في دراسة تاريخ المسيحية المبكرة، إدراك أن التحديات التي تواجه الإيمان المسيحي في الزمن المعاصر ليست طارئة أو غير مسبوقة. فعلى الرغم من أن بعض الهجمات الحديثة قد تبدو جديدة في صياغتها أو شكلها—مما يدفع البعض أحيانًا إلى ردود فعل تتّسم بالقلق أو الارتباك—إلا أن الكنيسة الأولى قد واجهت صعوبات مماثلة، بل في كثير من الأحيان كانت أشد وطأة وأكثر جذرية.
ويُعدّ القرن الثاني الميلادي نموذجًا بارزًا لذلك السياق. فقد كانت الكنيسة آنذاك في طور التأسيس، ما تزال فتية وهشّة، شبيهة بمخلوق حديث الولادة على أراضي السافانا، يخطو خطواته الأولى المرتجفة وسط بيئة معادية لا ترحم. إذ لم تكن الظروف السياسية أو الاجتماعية أو الدينية تميل لصالحها، بل كانت الهجمات على المسيحيين تتوالى من كل جانب، بعنف وسرعة.
ومع ذلك، لم تقف الكنيسة موقف الدفاع السلبي أو الانكماش. بل استجابت بمبادرة فكرية ولاهوتية جريئة، حيث صاغ القادة المسيحيون حججًا متماسكة، وبلوروا أفكارهم العقائدية، ودخلوا في حوار نقدي مع خصومهم. ومن ثمّ، أُطلق على تلك المرحلة عن جدارة لقب “العصر الذهبي للدفاعيات المسيحية” (The “golden age” of apologetics)
ترتليانالقرطاجي
من بين العديد من المدافعين عن الإيمان المسيحي في العصور الأولى—وكان عددهم كبيرًا—يبرز ترتليان كأحد ألمع الشخصيات وأكثرهم تأثيرًا. هذا الأب الكنسي من شمال إفريقيا كتب مؤلَّفه الدفاعي الشهير (Apologeticum) نحو عام 197م، وقد تميّزت حججه بمستوى رفيع من العمق المنطقي والوضوح الخطابي، حتى إن قارئها اليوم قد يظن أنها كُتبت في زمننا المعاصر.
وقد أشار المؤرخ ديفيد رايت (David Wright) إلى أن جاذبية هذا العمل الدفاعي تكمن في “روعة الحُجّة التي لا تزال، حتى يومنا، قادرة على أن تُلهِم القارئ وتثير إعجابه”.
أما إيفريت فيرغسون (Everett Ferguson)، فقد وصفه بأنه “التحفة الأدبية لترتليان” بلا منازع.
فما الذي جعل استراتيجية ترتليان الدفاعية بهذه الفاعلية؟
يمكن تمييز عدد من الخصائص الجوهرية التي ساهمت في نجاح خطابه الدفاعي، وسنستعرض أبرزها فيما يلي:
المناداةبالمعاملةالعادلة
في السياق الاجتماعي والسياسي لعصر ترتليان، كانت المسيحية هدفًا دائمًا لسلسلة من الاتهامات العامة التي ألقت على أتباعها اللوم في كل واقعة مأساوية. فبسبب امتناع المسيحيين عن تقديم العبادة للآلهة الرومانية، اعتُبروا سببًا مباشراً لغضب الآلهة، وهو ما فسّره المجتمع الروماني على أنه السبب الكامن وراء الكوارث العامة، من أوبئة ومجاعات وهزائم عسكرية.
وقد أدّى هذا الربط المتعسّف بين المسيحية والكوارث العامة إلى انتشار واسع لأشكال العدالة الغوغائية، حيث كان المسيحيون يتعرضون للاتهام والإدانة دون أي سند قانوني أو محاكمة عادلة. فالاتهام باسم الانتماء الديني وحده كان كافيًا لإصدار الحكم.
أمام هذا الواقع الجائر، سعى ترتليان في دفاعه إلى تفنيد الأسس الظالمة التي بُني عليها الاضطهاد، مطالبًا السلطات الرومانية بتطبيق مبدأ العدالة الإجرائية. فقد شدّد على أن مجرّد الانتماء إلى “المسيحية” لا يُشكّل تهمة بحد ذاته، بل ينبغي أن يستند أي حكم إلى دليل على ارتكاب فعل جُرمي فعلي. وعندما تُخضع التهم الموجّهة إلى المسيحيين للفحص العقلاني، يتّضح – في نظر ترتليان – أنها تفتقر تمامًا إلى أي أساس واقعي أو قانوني.
وفي إحدى صوره البلاغية الرفيعة، يلخّص ترتليان المفارقة بقوله:
“وإنما دليل جهلهم، الذي يُدينهم ويعذرهم في آنٍ معًا على ظلمهم، هو أن الذين كانوا يكرهون المسيحية من قبل، لكونهم يجهلون حقيقتها، ما إن يكتشفوها حتى يُسقطوا فورًا عداوتهم، ومن أعداء يصيرون تلاميذ.”(Apol. 1.6)
بهذا، ينطلق ترتليان في مناشدته للسلطات العامة والجمهور على السواء، داعيًا إلى الإنصاف العقلي والأخلاقي: “لا تدينونا قبل أن تعرفونا”—وهي عبارة تختزل جوهر دعوته إلى معاملة قائمة على الفهم لا التحامُل، وعلى المعرفة لا الجهل.
🔸تطبيق على الكنيسة المعاصرة:
ادعُ حتى أكثر النقّاد عداءً إلى التعرُّف عليك وعلى مجتمعك المسيحي. فكثيرًا ما ندين ما نجهله. ان تقديم وعرض المسيحية من الداخل، لا من خلال مجرد التصورات الخارجية المسبقة عنها، قد يكون استراتيجية مؤثرة وناجحة.
الحريةالدينية
كثيرًا ما يُنظر إلى مفهوم “الحرية الدينية” بوصفه ثمرة تطورات فكرية حديثة، ارتبطت بمرحلة ما بعد التنوير وبالتحولات الفلسفية في الغرب الحديث. غير أن هذا التصور يتعرض للطعن من خلال كتابات آباء الكنيسة الأوائل، وعلى رأسهم ترتليان، الذي قدّم دفاعًا لافتًا عن هذا المبدأ في كتابه (Apologeticum).
فمن اللافت أن استراتيجية ترتليان لم تكن دعوة لإقصاء الأديان الأخرى أو المطالبة بفرض المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية، بل تمحورت حول مبدأ جوهري: وجوب السماح لكل جماعة دينية بأن تعبّر عن إيمانها بحرية، دون خوف من القمع أو الانتقام. لقد نادى بأن تكون العبادة فعلًا حرًّا يصدر عن القناعة الداخلية، لا نتيجة للإكراه أو الضغط.
وتبرز المفارقة حين نعلم أن هذا النوع من الحرية كان مكفولًا فعليًا لسائر الديانات ضمن النظام الديني المتسامح نسبيًا في روما، لكنّه كان يُسلب على نحو خاص من أتباع المسيح. فبينما سُمح لعبدة الأوثان بممارسة شعائرهم، حُرم المسيحيون من أبسط حقوقهم في التعبّد الحر، وكأن عبادة يسوع المسيح وحدها تُمثّل تهديدًا.
وقد عبّر ترتليان عن هذا المبدأ بوضوح حين كتب:
“فليكرّس أحدهم حياته لإلهه، وليقدّم آخر تيسًا ذبيحة. ولكن احذر أن تُضيف سببًا آخر لتهمة عدم التديّن، بأن تُنْتزع الحرية الدينية، وتُمنع حرية اختيار الإله، حتى لا أعود أعبد بحسب ميولي، بل أُجبر على عبادة ما يخالفها.”(Apol. 24.5-6)
العبارة التي قالها ترتليان تعبر عن دفاعه القوي عن الحرية الدينية وحرية المعتقد، وهي تحوي رسالتين أساسيتين:
حريةالعبادةالشخصية:
يقول ترتليان إن لكل إنسان الحق في أن يكرّس حياته لعبادته الخاصة، مهما كان هذا الإله—سواء كان إلهه هو الله الحقيقي الذي يعبده المسيحيون، أو حتى إلهًا من نوع آخر مثل “تيس” (وهو رمز لحيوان يُقدّم في بعض الطقوس الوثنية).
الرسالة هنا أن الحرية في العبادة يجب أن تُحترم بغض النظر عن طبيعة الإله الذي يختاره الفرد.
التحذيرمنالإكراهالديني:
يحذر ترتليان من أن تُنتزع هذه الحرية، أي أن يُجبر الإنسان على عبادة إله معين ضد رغبته، لأن هذا يُعتبر سببًا إضافيًا لتهمة “عدم التدين” أو الافتقار إلى التقوى من وجهة نظر المجتمع. بمعنى آخر، عندما تُمنع حرية الاختيار الديني، يتحول ذلك إلى ظلم يعزز الاتهامات ضد المسيحيين ويجعل الوضع أسوأ، لأن الإكراه على العبادة يُعد انتهاكًا لحرية الضمير والعبادة.
باختصار: ترتليان يدعو إلى احترام حرية المعتقد والعبادة لكل فرد، وينتقد بشدة أي محاولات لفرض العبادة قسرًا، لأن ذلك يزيد من الظلم والاتهامات ضد المسيحيين.
🔸تطبيقعلىالكنيسةالمعاصرة:
ينبغي أن تعي الكنيسة اليوم أن مهمة الدفاعيات المسيحية لا تكمن في السعي لفرض العقيدة بالإكراه السياسي أو الاجتماعي، بل في المطالبة المبدئية بحق مزدوج: أولًا، الحق في عبادة السيد المسيح بحرية وكرامة دون اضطهاد، وثانيًا، الحق في تقديم المسيح للآخرين بأسلوب مقنع لا يُقابل بالعقوبات أو المنع. هكذا يكون الدفاع عن الإيمان شهادة للحرية، لا وسيلة للهيمنة.
التمسكبالأساسياتفيالدفاعياتالمسيحية
في عالم الدفاعيات المسيحية، تتعدد القضايا والمواضيع التي يمكن تناولها للنقاش والجدال حولها، ولسوء الحظ، قد نسمح للموضوعات الساخنة في آخر الأخبار أن تتحكم في كل حوار نقوم به.
غير أن ترتليان يُذكّرنا بأهمية التمسك بالأسئلة الأساسية والجوهرية التي تقوم عليها الرسالة المسيحية، لأنه حين يُحقق النجاح في معالجة هذه القضايا المحورية، فإن الكثير من المسائل الأخرى ذات الطابع الفرعي أو الثانوية يمكن أن تُحلّ وتتضح في ضوئها لاحقًا.
أما هذه القضايا المحورية بالنسبة لترتليان، فتكمن في نقطتين رئيسيتين:
صدق وأصالة الكتاب المقدس
هوية المسيح وطبيعته الإلهية
فيما يخص الكتاب المقدس، قدّم ترتليان دفاعًا متقنًا عن أصالة النصوص، مؤكّدًا أن الكتب المقدسة ذاتها تحمل في طياتها الأدلة الكافية والشهادة على مصدرها الإلهي، إذ يقول:
“فالكتب المقدسة ذاتها تقدم برهانًا على أنها إلهية.” (Apol. 20.1)
أما فيما يتعلق بالمسيح، فقد أولى ترتليان اهتمامًا خاصًا لإثبات ألوهيته، مستعينًا بلغة “اللوغوس” (logos) التي استُخدمت من قبل كتّاب سابقين مثل يوستينوس الشهيد، وخصوصًا كما وردت في مقدمة إنجيل يوحنا.
🔸تطبيقعلىالكنيسةالمعاصرة:
في خضم الحوارات الدفاعية المعاصرة، يجب على المؤمنين أن يحافظوا على تركيزهم الحاسم على حقيقة كلمة الله وهويّة السيد المسيح. إن استقرت هذه الركائز الجوهرية في الفكر، فإن سائر القضايا والموضوعات الدفاعية يمكن بناؤها عليها بثقة وثبات.
على الرغم من أن ترتليان كرس معظم جهوده للدفاع عن المسيحية ضد الانتقادات الموجهة إليها، إلا أنه لم يقتصر على موقف المدافع السلبي. بل على العكس، كان يتخذ أحيانًا موقفًا هجوميًا يظهر من خلاله نقاط الضعف والتناقض في الأنظمة الفكرية والدينية غير المسيحية.
لقد أدرك ترتليان أن المسؤولية في تقديم مبررات للمعتقدات والسلوكيات لا تقع على عاتق المسيحيين فقط، بل ينبغي أيضًا أن تتحملها الأديان الوثنية. فعندما وُجهت إلى المسيحيين تهم باطلة مثل أكل الأطفال والانحلال الأخلاقي في اجتماعاتهم السرية، لم يكتفِ فقط بالنفي، بل كشف أن هذه الانحرافات كانت شائعة في الطقوس الوثنية التي لم يبدِ الرومان أيّة اعتراضات عليها.
وبالنسبة لرفض المسيحيين لعبادة الآلهة الرومانية، لم يكتفِ ترتليان بالمطالبة بالحرية الدينية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك ليجادل بأن آلهة الرومان لم تكن آلهة حقيقية بالأساس، وبالتالي فلا يمكن لوم المسيحيين على امتناعهم عن عبادتها.
🔸تطبيقعلىالكنيسةالمعاصرة:
لا ينبغي أن تقتصر الدفاعيات المسيحية على الموقف الدفاعي فحسب، بل يجب أن تتضمن أيضًا استراتيجيات وتدابير مدروسة متنوعة. فمن المهم الرد على الاعتراضات، ولكن من الضروري أيضًا اغتنام الفرص لكشف التناقضات أو ضعف التماسك المنطقي في النظم الفكرية والدينية المنافسة.
الخاتمة
إذا اقتصر تركيزنا على الهجمات المعاصرة الموجهة إلى الإيمان المسيحي، فقد نقع في وهم الاعتقاد بأننا نواجه تحديات غير مسبوقة في تاريخ الكنيسة. غير أن نظرة متأنية وسريعة إلى مسيرة الكنيسة وتاريخها ، لا سيما خلال القرن الثاني الميلادي، تكشف لنا أن واقع الأمر مختلف تمامًا.
لقد مثّل القرن الثاني بحق العصر الذهبي للدفاعيات المسيحية، وكان عمل ترتليان بمثابة ذروة هذا العصر وتاجه المضيء. دفاعه اتسم بالعمق والرؤية، إلى حد أنه يبدو كأنه كُتب في زمننا الراهن. فقد دافع بجرأة عن حق المسيحيين في المعاملة العادلة، وحرية المعتقد الديني، ومصداقية الكتاب المقدس، وألوهية المسيح، كما اتسم بشجاعة المبادرة في توجيه النقد الحاد إلى منتقديه من غير المسيحيين، مما مكّنه من قلب الطاولة وموازين النقاش وتحويل الهجوم إلى دفاع حاسم عن المسيحية.
وبينما كانت استراتيجية ترتليان حاسمة وضرورية في زمنه، فإن قيمتها تزداد إلحاحًا في عصرنا الحديث، وربما أكثر من أي وقت مضى.
ليكون للبركة
Patricia Michael
The Brilliant Apologetic Strategy of the Ancient Church And Why We Need It Now More Than Ever – Michael J. Kruger
الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة – ولماذا نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة – Patricia Michael
أبوليناريس أسقف هيرابوليس Apollinaris of Hierapolis
أبوليناريس أسقف هيرابوليس Apollinaris of Hierapolis
أبوليناريس أسقف هيرابوليس Apollinaris of Hierapolis
كان كلاوديوس أبوليناريس أسقفاً لهيرابوليس، مدينة بابياس، في عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس (161-180م). ويقول عنه يوسابيوس في (Hist. Eccl. 4: 27): “من بين كتابات أبوليناريس الكثيرة والتي حفظت على نطاق واسع، وصلتنا الكتابات التالية: مقالة موجهة إلى الأمبراطور سابق الذكر ماركوس أوريليوس، خمسة كُتب ضد اليونانيين، وكتابان عن الحق، وكتابان ضد اليهود، ثم بعد هذا المقالة التي كتبها ضد هرطقة الفيرجيين (المونتانيين) والتي كانت قد قامت منذ وقت ليس بطويل، ثم بدأت حينها في النمو حيث كان مونتانوس مع نبياته الكاذبات، يضعون بداية الضلالة”.
ولم يبق لدينا أي كتاب من هذه الكتب التي ذكرها يوسابيوس، والأمر نفسه صحيح بالنسبة لعمل آخر لأبوليناريس لم يذكره يوسابيوس، لكنه كان معروفاً لكاتب كتاب “Chronicon paschale”. وقد كان عنوان هذا العمل هو “عن الفصح”. (##) والاقتبسان اللذان يستشهد بهما كاتب الـ (Chronicon) توحيان بأن أبوليناريس كان ضد الموعد الأربعشري للفصح[1].
[1] أي الاحتفال بالفصح في الرابع عشر من شهر نيسان بغض النظر عن كونه أي يوم من أيام الأسبوع (المراجع).
أبوليناريس أسقف هيرابوليس Apollinaris of Hierapolis
هناك عمل آخر ذو طبيعة دفاعي يجب علينا أن نذكره هنا، هو العمل المعروف بعنوان: “السخرية من الفلاسفة الدنسين”، الذي كتبه شخم ما يدعى “هرمياس” (Hermias) [1] ويحاول هرمياس في عشرة الفصول التي يتكون منها هذا الكتاب أن يظهر تفاهة الفلسفة اليونانية بالتهكم عليها، مظهراً تناقض تعاليمها فيما يتعلق بجوهر الله، والعالم، والنفس. ولا يعرف أي شيء عن شخص الكاتب حتى اليوم، وسيكون من الخطأ أن نفترض أنه كان فيلسوفاً متخصصاً، فهو لا يدين بمعرفته الفلسفية إلى دراسة مكثفة للفلسفة القديمة، لكنه يستمدها من الملخصات الشعبية الخاصة بالفلسفة. وعمله في الأساس ساخر لا تعليمي.
ولم يرد ذكر هذا العمل الساخر في أي موضع في الأدب المسيحي القديم، ولهذا السبب من المستحيل تحديد زمن كتابته، خاصة لأن المحتوى لا يزودنا بأي معلومات يمكن لها أن تساعدنا. وتختلف الآراء فيما بين عام 200م إلى 600م، لكن إذا حكمنا على أساس الأدلة الداخلية، سيكون القرن الثالث الميلادي هو الزمن الأرجح للكتابة. والمقالة موجودة في ست عشرة مخطوطة، واحدة منها فقط ترجع إلى ما قبل القرن الخامس عشر الميلادي، وهي مخطوطة (Codex Patmius 202) التي تعود إلى القرن العاشر الميلادي.
إن الرسالة إلى ديوجينتوس هي عبارة عن دفاع عن المسيحية كُتب على شكل رسالة موجهة إلى الوثني ذي المنصب المرموق ” ديوجينتوس” (Diognetus)، ونحن لا نعرف المزيد عن الكاتب أو المرسل إليه. ويعتقد ليتزمان (H. Leitzmann) أنه من الممكن أن يكون ديوجينتوس هو نفسه المعلم الخاص بالإمبراطور ماركوس أوريليوس. أما زمن الكتابة فهو محل تخمين.
وهناك الكثير من الأمور المشتركة بين محتوى الرسالة إلى ديوجينتوس وكتابات أرستيدس، لكن لا يبدو أن الرسالة تعتمد عليها بشكل مباشر. ومن ناحية أخرى، استخدم الكاتب كتابات إيرينيوس، وعلاوة على ذلك، يذكرنا الفصل (7: 1-5) بما ورد في عمل هيبوليتوس (Philosophoumena) الفصل (19: 33)، أما الفصلان (11 و12) فهما بكل بساطة خاتمة هذا العمل.
لهذا السبب اعتقد (R. H. Connolly) أن هيبوليتوس الروماني هو الكاتب، وهذا سيضع تاريخ كتابتها في بداية القرن الثالث، وهناك سبب آخر لهذا التاريخ يقترحه ما ذكره الكاتب في سياق العمل بأن المسيحية كانت قد انتشرت بالفعل في كل مكان.
وقد ظهر مؤخراً اقتراح بخصوص كاتب الرسالة، ذلك لأن (P. Andressen) يعتقد أن كوادراتس هو من كتبها، وأنها ليست إلا الدفاع المفقود الذي كتبه هذا الكاتب. وبالرغم من أنه من الصحيح أن العبارة الوحيدة التي اقتبسها يوسابيوس (Hist. Eccl. 4: 3: 2) من هذا الدفاع غير موجودة في الرسالة إلى ديوجنيتوس، إلا أن هناك فجوة بين العدد 6 والعدد 7 من الفصل السابع تنساب جداً مع الشذرة التي من دفاع كوادراتس المفقود.
كذلك تتفق المعلومات التي لدينا عن كوادراتس من كتابات يوسابيوس، وجيروم، وفوتيوس، وسلسلة الشهداء الخاصة بـ (Bede) والرسالة الأبوكريفية الموجهة من القديس يعقوب إليه، مع محتوى الرسالة إلى ديوجنيتوس. أيضاً يتفق الانطباع الذي نأخذه عن الكاتب من قراءة الرسالة إلى ديوجنيتوس مع ما نعرفه عن المدافع كوادراتس تقليدياً، أي كونه كان تلميذاً للرسل، وأنه كان يكتب مستخدماً الأسلوب الأدبي الكلاسيكي، وأنه لم يكن فقط معادياً للوثنية، بل لليهودية أيضاً.
بالإضافة إلى هذا، وكما نعرف من يوسابيوس، وجه كوادراتوس دفاعه إلى الأمبراطور هادريان؛ والحقائق التي تزودنا بها تلك الرسالة عن المرسل إليه ديوجنيتوس ستتناسب بشدة مع هذا الإمبراطور.
وأخيراً، إذا افترضنا أن كوادراتس هو نفسه كاتب الرسالة إلى ديوجنيتوس، سيكون السؤال حول أصالة الفصلين الأخيرين (الفصلين 11 و12)، الذين يشكلان معاً نوعاً من الخاتمة، هو في ضوء مختلف تماماً.
فكاتب هذه الخاتمة يسمي نفسه “تلميذ الرسل ومعلم الوثنيين”، ويبدو لـ (P. Andriessen) أنه لا يوجد كاتب كنسي آخر يمكن لهذا الوصف أن ينطبق عليه كل الإنطباق، غير أن اختلاف الأسلوب بين الفصلين الأخيرين وما سبقهما من فصول يبقى قائماً. وهكذا، تعيد فرضية (Andriessen) فتح النقاش حول كاتب الرسالة إلى ديوجنيتوس.
ولسوء الحظ، لم يبق لدينا اليوم أي مخطوطات للرسالة، فالمخطوطة الوحيدة التي كنا نمتلكها هلكت عام (1870م) عندما احترقت مكتبة ستراسبورغ أثناء الحرب الفرنسية البروسية. وكانت هذه المخطوطة، التي تعود إلى القرن الثالث عشر أو الرابع عشر، مملوكة فيما مضى لدير (Maursmuenster) الألزاسي (Alatian). وأدرجت الرسالة في هذه المخطوطة ضمن كتابات يوستينوس الشهيد. ولقد اعتمدت كل الطبعات الخاصة بالرسالة على هذه المخطوطة.
وكانت مناسبة لكتابة الرسالة هي طلب ديوجنيتوس الذي سأل صديقه المسيحي أن يمده بمعلومات عن ديانته، ويمكن للمرء أن يستنتج الأسئلة التي سألها ديوجنيتوس من مقدمة الرسالة: “أرى يا ديوجنيتوس أنك تبذل الكثير من الجهد لتتحقق من ديانة المسيحيين وتسأل بشأنهم أسئلة دقيقة جداً متأنية، إنك تسأل “من هو هذا الإله الذي يثقون به؟
وما هي نوعية عبادتهم التي تمكنهم جميعاً من أن يحتقروا العالم ويستخفوا بالموت، ولا يقيموا اعتباراً للآلهة التي يؤمن بها اليونانيون، ولا يمارسون خرافات اليهود؟ وما هو سر هذه المحبة القوية التي يكنونها لبعضهم البعض؟ ولماذا أتى هذا الدم الجديد أو الروح الجديدة إلى العالم الذي نعيش فيه في وقتنا هذا وليس قبل ذلك؟”
ويصور الكاتب (فصول 2-4) بكلمات تتوهج حماسة تفوق المسيحية على وثنية الأمميين الحمقاء وشكلية العبادة الخارجية عند اليهود. وهو في نقده للديانتين الوثنية واليهودية يستخدم براهين يمكن للمرء أن يجدها بالفعل في كتابات المدافقين اليونانيين.
وأفضل جزء من الرسالة هو التقرير الذي يصف فيه الكاتب الحياة الفائقة للطبيعة التي للمسيحيين (فصول 5-6): “إن المسيحيين لا يختلفون عن بقية البشر في الموطن، أو اللغة، أو الملبس، فالحقيقة أنهم لا يسكنون في مدن خاصة بهم، ولا يستخدمون لغة معينة؛ ولا يعيشون نمطاً شاذاً من الحياة. وبكل تأكيد لم تكن عقائدهم اكتشافاً يرجع الفضل فيه إلى أفكار بعض الرجال المحبين للبحث أو تأملاتهم؛ كما أنهم لا يدافعون – كما تفعل بعض الجماعات الأخرى – عن أية عقيدة ذات منشأ بشري.
لكنهم يعيشون في مدن يونانية أو غير يونانية كما هو نصيب كل واحد منهم، ويمتثلون لعادة البلد في الملبس، والمأكل، وطريقة الحياة. إن فحوى أسلوب حياتهم بكليته يدل على أنها تستحق الإعجاب، وهي باعتراف الجميع تخالف كل توقع.
إنهم يقيمون في مواطنهم، ولكن كما لو كانوا غرباء؛ إنهم يشتركون في كل شيء كمواطنين، ويتحملون كل الأعباء كغرباء؛ كل أرض غريبة هي موطنهم؛ وكل وطن هو أرض غريبة. إنهم يتزوجون كالآخرين وينجبون أطفالاً؛ لكنهم لا يهملون أطفالهم. إنهم يبسطون مائدتهم للجميع، لكن ليس مضاجعهم.
إنهم في الجسد، ولكنهم لا يعيشون بحسب الجسد. إنهم يقضون أيام حياتهم على الأرض، ولكنهم يحملون جنسية السماء. إنهم يطيعون القوانين المستقرة، لكن حياتهم الخاصة تذهب إلى ما هو أبعد من تلك القوانين.
إنهم يحبون الجميع، ويضطهدون من الجميع. إنهم غير معروفين، إلا أنهم يُدانون؛ يحكم عليهم بالموت، ولكن يعادون إلى الحياة. إنهم فقراء، لكنهم يغنون كثيرين. إنهم محرومون من كل شيء، لكنهم أغنياء في كل شيء، إنهم مهانون، لكنهم في إهانتهم يجدون مجدهم. يفترى عليهم، لكنهم يُبرئون. يُشتمون، ولكنهم يباركون؛ يُهانون لكنهم يعطون كرامة.
يفعلون الخير، ولكنهم يعاقبون كفاعلي شر، وعندما يُعاقبون يبتهجون لأنهم قد أسرعوا للحياة. يحاربهم اليهود كأشخاص من قبيلة مختلفة؛ ويضطهدهم اليونانيون. وهؤلاء الذي يضطهدونهم لا يستطيعون أن يعطوا سبباً لما يكنوه لهم من عداوة. ولنقل ذلك باختصار، كما أن الروح في الجسد، هكذا أيضاً المسيحيون في العلم، فالروح منتشر في كل أعضاء الجسد، والمسيحيون منتشرون في كل مُدن العالم.
والروح يسكن في الجسد لكنه ليس جزءً منه؛ هكذا يسكن المسيحيون في العالم، لكنهم ليسوا جزءاً منه. إنه هو نفسه غير مرئي، لكنه محبوس في الجسد المرئي؛ هكذا المسيحيون معروفون في العالم هكذا، لكن ديانتهم تبقى خفية. وبالرغم من أن الروح لم يسئ إطلاقاً إلى الجسد إلا أن الجسد يكرهه ويحاربه لأنه يمنعه من الانغماس في شهواته؛ هكذا أيضاً العالم، بالرغم من أن المسيحيين لم يسيئوا إطلاقاً إليه، إلا أنه يكرههم لأنهم يقاومون مسراته. والروح يحب الجسد الذي يكرهه؛ هكذا يحب المسيحيون الذين يكرهونهم.
والروح محبوس في الجسد، ولكنه يحفظه؛ هكذا أيضاً المسيحيون محبوسون في العالم كما في سجن، إلا أنهم هم الذين يحفظونه. وبالرغم من أن الروح خالد، إلا أنه يسكن في مسكن مائت؛ هكذا أيضاً المسيحيون بالرغم من أنهم يسكنون كغرباء بين الأشياء القابلة للفساد، إلا أنهم يتطلعون لعدم الفساد الذي ينتظرهم في السماء.
وكما أن الروح يكون في حال أفضل بتقنين المأكل والمشرب؛ هكذا أيضاً المسيحيون عندما يضطهدون يزدادون يوماً بعد يوم. هذا هو الدور المهم الذي أسنده الله إليهم، ومن غير المسموح به أن يهربوا منه”.
ويحتوي الفصلان (7، 8) على تعليم ملخص فيما يتعلق بالمصدر الإلهي للإيمان المسيحي، ذاك الذي أعلنه ابن الله، بهدف إظهار جوهر الألوهة. ولقد ظهر الملكوت على الأرض في زمن متأخر كهذا لأن الله قد أراد أن يُظهر للبشرية عجزها وحاجتها للخلاص (فصل 9). وفي الختام، ينصح الكاتب ديوجنيتوس أن يقبل العقيدة المسيحية (فصل 10).
والرسالة تستحق أن تصنف ضمن أروع وأجمل أعمال الأدب المسيحي اليوناني، فالكاتب متمكن بلاغياً، وعباراته مليئة بالجمال وموزونة بحذق، كما أن أسلوبه الأدبي واضح وصاف. ويكشف المحتوى عن رجل ذي إيمان متقد ومعرفة واسعة، وذهن متشرب تماماً بمبادئ المسيحية. كما أن أسلوب الكتابة يتلألأ بالحرارة والحيوية.
ميليتوس أسقف مدينة ساردس[1] بمقاطعة ليديا هو واحد من أكثر شخصيات القرن الثاني الميلادي احتراماً. وفي رسالة إلى البابا فيكتور أسقف روما (189-199م9 ذكر “بوليكراتيس الأفسسي” اسمه من ضمن “كواكب الكنيسة في آسيا” الذين ذهبوا الآن إلى موضع راحتهم، وهو يدعوه “ميليتوس البتول (أي غير المتزوج) الذي عاش بكليته في الروح القدس، والذي يرقد في سادرس، منتظراً مكافأة السماء عندما سيقوم من الموت”. (Eusebius. Hist. Eccl. 5: 24: 5). وإلى جانب ما ذكر في تلك الملاحظة القصيرة، لا نعرف إلا أقل القليل عن حياته. ولقد كان ميليتوس كاتباً غزير الإنتاج، وكتب في عدد كبير من الموضوعات المتنوعة في النصف الثاني من القرن الثاني.
في حوالي عام 170م، وجه ميليتوس دفاعاً عن المسيحيين إلى الإمبراطور ماركس أوريليوس، ولم يبق منه إلا شذرات حفظت بواسطة يوسابيوس وفي كتاب “Chronicon Pasxhale”. وتوجد من ضمن هذه الشذارت عبارة ذات أهمية بالنسبة لمفهوم ميليتوس عن علاقة الكنيسة بالدولة، فهو أول من دافع عن فكرة تضامن المسيحية مع الدولة، فالدولة الدنيوية والديانة المسيحية أختان في الرضاعة، إنهما يشكلان معاً ثنائياً.
بالإضافة إلى أن الديانة المسيحية تعني البركة والرخاء للإمبراطورية: “إن فلسفتنا أصبحت فألاً حسناً على إمبراطوريتك، لأنه منذ ذلك العهد – الذي لأغسطس قيصر – زادت قوة روما في الحجم والعظمة. وأنت الآن خليفته السعيد، وسيكون هذا أيضاً مع ابنك إذا راعيت الفلسفة التي كبرت مع الإمبراطورية وبدأت منذ عهد أغسطس، وكان أجدادك يبجلونها مع الأديان الأخرى. أما الدليل الأكثر اقناعاً على أن ازدهار ديانتنا كان بركة للإمبراطورية، التي كانت حينها قد دشنت بسعادة، هي حقيقة كونها لم تعان من أية حوادث مؤسفة منذ عهد أغسطس، بل على العكس، كل شيء قد زاد من عظمتها وشهرتها في توافق مع الصلاة العامة” (Eusebius. Hist. Eccl. 4: 26: 7-8).
وحتى وقت قريب لم يكن لدينا من هذا الدفاع وأعمال ميليتوس الأخرى سوى الشذرات الصغيرة أو العناوين التي حفظها كل من يوسابيوس (Hist. Eccl. 4: 26: 2) وأنستاسيوس السينائي (Viae Dux 12: 13). ولهذا السبب كان أحد الاكتشافات الحديثة مثيراً للاهتمام بشكل كبير، فقد اكتشف “كامبل بونر” مقالاً لميليوس بعنوان “عظة عن الآلام” كاملاً تقريباً، وقد قام بنشره. وكانت هذه العظة حتى ذلك الحين غير معروفة عنواناً، إلا أنه كان يوجد منها بعض شذرات بلا عنوان باللغات السريانية والقبطية واليونانية.
وتشغل تلك العظة الجزء الأخير من مخطوطة بردية تعود إلى القرن الرابع الميلادي تحتوي على الفصول الأخيرة من سفر أخنوخ، تنتمي ثماني أوراق منها إلى مجموعة تشيستر بيتي والمتحف البريطاني، وست أوراق إلى جامعة متشيجان. وكما يدل عنوان العظة “عظة عن الآلام” تتناول العظة المكتشفة حديثاً آلام ربنا. وتوحي الكلمات الافتتاحية أنها عبارة عن عظة ألقيت في قداس بعد قراءة من العهد القديم، كما أن موضوعها يتناسب مع أسبوع الآلام حتى إن بونر يطلق عليها “عظمة الجمعة العظيمة”.
وبما أن ميليتوس كان من أصحاب وجهة النظر الأربعشرية، إذاً كان هذا اليوم يوافق يوم الاحتفال بعيد الفصح اليهودي. وقد أعيدت فيها صياغة قصة الخروج – وخاصة تأسيس وليمة الفصح – وفُسرت على أساس أنها رمز لعمل المسيح الخلاصي، فكلاهما أطلق عليه لفظة أي “سر” بمعنى أن الأحداث لها تأثير فائق للطبيعة يتجاوز تاريخيتها، فلقد أصبح كل من الخروج والفصح رمزاً لما حدث لاحقاً عندما مات يسوع وقام مجدداً.
إن آلام المسيح وموته تضمن للمسيحي هروبه من الخطية والفناء كما أن حمل الفصح المذبوح ضمن للعبرانيين الهروب من مصر. إن المسيحيين مثلهم مثل اليهود قد خُتموا كعلامة على خلاصهم، لكن اليهود قد رفضوا الرب وقتلوه كما تنبأ الأنبياء، وبالرغم من أن موته كان محدد مسبقاً، إلا أن مسؤوليتهم عنه كانت باختيارهم بالإضافة إلى هؤلاء الذين على الأرض سوف يشاركون في انتصارات القيامة.
وتكشف لغة هذه العظة عن ولع بالكلمات الغريبة والشعرية، والأدوات البلاغية الأدبية. وأسلوب العظة الأدبي متكلف للغاية ومصطنع، كما أن الطباق والجناس لهما فيه مكانة خاصة، وهذا يفسر إشارة ترتليانوس لامتلاك ميليتوس عبقرية ولباقة خطابية (Jerome De Viris Illus.: 24).
التعليم اللاهوتي في العظة
أولاً: الخريستولوجي
إن عقيدة ألوهية المسيح ووجوده السابق الأزلي يسيطر على تعليم اللاهوتي لميليتوس، فهو يدعوه: إله، كلمة، أب، ابن، بكر الله، سيد، ملك إسرائيل، ملكنا. والحقيقة إن استخدام لقب “أب” في الإشارة للمسيح هو استخدام غير معتاد، هو يأتي في فقرة مهمة تشرح وظائف المسيح المختلفة: “لأنه قد ولد كابن وسيق كحمل وقدم ذبيحة كشاة ودفن كإنسان، قام من الموت كإله، كونه بالطبيعة إنساناً وإلهاً. إنه هو كل شيء: هو القانون لأنه يحكم، هو الكلمة لأنه يعلم، هو النعمة لأنه يخلص، هو الأب لأنه يلد، هو الابن لأنه مولود، هو الحمل الذبيح لأنه قد تألم، هو إنسان لأنه دفن، هو إله لأنه قام. هذا هو يسوع المسيح الذي له كل المجد إلى دهر الدهور” (Bonner 8-10).
وهذا التطابق الكامل بين المسيح واللاهوت نفسه يمكن أن يُفسر في صالح (الموداليزم الموارخية) أي وحدة الرئاسة التي تلغي تمايز الأقانيم والتي ظهرت في فترة لاحقة، فإذا كان الأمر هكذا فربما سيفسر هذا سبب إهمال كتابات ميليتوس وفقدانها في آخر الأمر.
ومن ناحية أخرى، كان ميليتوس واضحاً جداً فيما يتعلق بعقيدة التجسد: “هذا هو الذي صار جسداً في العذراء، الذي لم تُكسر – عظامه – على الشجرة، الذي في دفنه لم ينحل إلى تراب، الذي قام من الأموات وأصعد الإنسان من القبر السفلي إلى أعالي السماوات. هذه هو الحمل الذي ذُبح، هذا هو الحمل الذي كان صامتاً، هذا هو من ولد من مريم الشاة الحسنة” (Bonner 70-71). وبطريقة مماثلة، يدعو الكاتب المسيح: “ذاك الذي تجسد عن طريق والعذراء مريم”.
ويشرح ميليتوس وجود المسيح الأزلي السابق في شكل مدائح ترنيمية، كما في الفقرة التالية: “هذا هو بكر الله، الذي ولد قبل نجمة الصبح، الذي جعل النور يطلق، وجعل النهار يسطع، الذي جعل النور يطلع، وجعل النهار يسطع، الذي فصل الظلمة، وثبت أول علامات الخليقة، الذي علق الأرض في مكانها، وجفف لجج المياه، الذي بسط قبة السماء، ورتب العالم (82).
وكانت وظيفة المسيح هي أن ينقذ الإنسان من الخطية (54. 103) والموت (102. 103) والشيطان (67. 68. 102).
وكان وصف ميليتوس لنزول المسيح إلى الجحيم يوحي بأنه ربما قد ضمن في عظته بعض الأجزاء من ترنيمة ليتورجية أقدم: “لقد قام من الموت وصرخ إليك قائلاً: “من ذا الذي يقاومني؟ دعوه يقف أمامي، فلقد حررت المدانين، وجعلت الموتى يحيون مجدداً، وأقمت من دفن. من ذا الذي يرفع صوته ضدي؟” ثم يقول مجدداً: “أنا المسيح، أنا من هزمت الموت، وانتصرت على العدو، ودست الجحيم، وقيدت القوي، ورجعت بالإنسان سالماً إلى الوطن في أعالي السماوات” ثم يقول: “أنا هو المسيح” (101-102).
ثانياً: الخطية الأولى
لقد وصف ميليتوس هذه العقيدة بكل وضوح: “تترك الخطية علامتها على كل نفس، وتكرسها جميعاً للموت، فلا بد لها من أن تموت. هكذا يقع كل جسد تحت سلطان الخطية، ويسقط الجميع تحت سلطان الموت” (54-55).
ثالثاً: الكنيسة
يطلق ميليتوس على الكنيسة لقب “مستودع الحق” (40)
أعمال ميليتوس الأخرى
وبالإضافة إلى الدفاع والعظة المكتشفة حديثاً، كتب ميليتوس الأعمال التالية:
كتابان عن الفصح دافع فيهما عما يدعى بالعادة الأربعشرية (كتبا حوالي عام 166-167م).
مقالة عن الحياة المسيحية والأنبياء، وقد كانت في الغالب ذات طابع مضاد للمونتانية.
عن الكنيسة.
عن يوم الرب.
عن إيمان الإنسان.
عن الخليقة.
عن طاعة الإيمان.
عن الحواس.
عن حسن الضيافة.
عن النفس والجسد.
عن المعمودية.
عن الحق.
عن الإيمان وميلاد المسيح.
عن النبوة.
المفتاح.
عن الشيطان.
عن رؤيا يوحنا.
عن الله المتجسد.
ستة كتب تحتوي على “مقتطفات من الناموس والأنبياء عن مخلصنا وكامل إيماننا”، ولقد حفظ يوسابيوس مقدمة هذا العمل في (Hist. Eccl. 4: 26: 13-14)، وهي تحتوي على أقدم قائمة لأسفار العهد القديم القانونية.
كتاب عن تجسد المسيح.
ويظهر من كل عناوين كتاباته الضائعة تلك أن ميليتوس قد ناقش الكثير من الأسئلة العملية واللاهوتية الخاصة بزمانه بعقلية منفتحة.
كتابات منسوبة إلى ميليتوس
تحتوي مخطوطة سريانية خاصة بالمتحف البريطاني (Add. 14658) على دفاع تحت اسم ميليتوس، غير أنه ليس بقلمه. ويظهر محتوى هذا الدفاع أن كاتبه كان على معرفة جيدة بدفاعات أرستيدس ويوستينوس، ويبدو أنه قد كُتب بالسريانية ولم يترجم عن اليونانية. أما زمن كتابته فهو على الأغلب كان في عهد الإمبراطور “كاراكالا” (Caracalla).
هناك كتاب آخر في ترجمة لاتينية تعود إلى القرن الخامس منسوب بالخطأ إلى ميليتوس، وعنوانه هو: (##)، وتوجد أدلة على أن هذه الرواية الأبوكريفية التي تدور حول رقاد العذراء المطوبة وصعودها إلى السماء لم تظهر قبل القرن الرابع الميلادي، وهي بمثابة نظير لإنجيل الطفولة الأبوكريفي. والنص موجود في عدة تنقيحات يونانية وعدد من الترجمات.
عمل آخر منسوب إلى ميليتوس هو (Clavis Scriptura)، وهو عبارة عن قاموس للمصطلحات الكتابية جمع من كتابات كل من أغسطينوس، وغريغوريوس الكبير، وكُتاب لاتين آخرين. ولقد حرره الكاردينال “بيترا” (Pitra) في عمله (Analecta Sacra, Vol. 2: 1884).
[1] سادرس هي من أهم مدن آسيا الصغرى (تركيا حالياً)، وكانت قديماً عاصمة ولاية ليديا. (المراجع)
كان ثيوفيلوس، كما يقول يوسابيوس في (Hist. Eccl. 4: 20)، سادس أسقف على مدينة أنطاكية بسوريا. ويظهر من كتاباته أنه ولد بالقرب من نهر الفرات من أبوين وثنيين، ونال تعليماً هيلينياً. ولم يعتنق ثيوفيلوس المسيحية إلا بعد أن بلغ سن الرشد، وحتى في ذلك الحين، لم يكن هذا إلا بعد تفكير طويل ودراسة للكتب المقدسة. وهو يقول التالي بشأن اهتدائه إلى المسيحية: “لا تكن متشككاً بل مؤمناً؛ لأني أنا نفسي أيضاً كنت أشك في قيامة الموتى؛ لكن بعد أن فكرت في هذه الأمور، صرت مؤمناً. وفي الوقت عينه، تقابلت مع الكتب المقدسة التي للأنبياء القديسين، هؤلاء الذين بروح الله سبق وأخبروا بالأمور التي تمت بالفعل كما حدثت، والأمور التي تحدث الآن كما تقع، والأمور المستقبلية بالترتيب الذي ستكمل فيه. لهذا، معترفاً بدليل الأحداث التي جرت كما سبق وتنبأ الأنبياء عنها، أصبحت لا غير مؤمن بل مؤمناً مطيعاً لله”. (الرسالة إلى أوتوليكوس 1: 14).
كتاباته
لم يتبق من كتاباته سوى ثلاثة الكتب الموجهة إلى “أوتوليكوس” (Ad Qutolycum). ولابد من أنها قد كتبت بعد سنة 180م بفترة قصيرة، لأن الكتاب الثالث يحتوي على تسجيل لتاريخ العالم حتى موت الإمبراطور ماركوس أوريليوس (17 مارس 180م). والكاتب في هذه الكتب الثلاثة يدافع عن المسيحية ضد اعتراضات صديقه الوثني أوتوليكوس (Autosycus).
في الكتاب الأول، يتكلم عن طبيعة الله، الذي لا يمكن أن يُرى إلا بعيون الروح: “يبصر الله هؤلاء الذين أعطي لهم أن يبصروه عندما فتحت عيون أرواحهم؛ لأن الجميع لديهم عيون؛ لكنها في البعض مشتتة ولا تبصر نور الشمس. إلا أن كون الأعمى لا يرى لا يعني أن الشمس لا تشرق؛ لكن على العميان أن يلوموا أنفسهم وعيونهم… مثل المرآة المصقولة، هكذا يجب على الإنسان أن ينقي قلبه. فعندما يكون هناك صدأ على سطح المرآة، لا يمكن للإنسان أن يرى وجهه فيها؛ هكذا أيضاً عندما يكون في الإنسان خطية، لا يمكن لمثله أن ينظر الله”. (الرسالة إلى أوتوليكوس 1: 2) وفوق ذلك، يتناول الكتاب الأول سخافة الوثنية، والفرق بين الاحترام المؤدي للإمبراطور والعبادة اللائقة بالله: “أنا أفضل أن أحترم الإمبراطور، لن أعبده بكل تأكيد، بل أصلي من أجله. لكن أعبد الله، الإله الحي والحقيقي، عارفاً بأنه هو من خلق الإمبراطور”. (الرسالة إلى أوتوليكوس 1: 11) وفي الختام يناقش ثيوفيلوس معنى وأهمية اسم “مسيحي”، ذلك الأسم الذي استهزأ به خصمه. ثم بعد شرحه لعقيدة قيامة الأموات، يختم بالكلمات التالية: “بما أنك قلت لي: “أرني إلهك”، فهذا هو إلهي وأنصحك بأن تخافه وتثق به”. (الرسالة إلى أوتوليكوس 1: 14(.
ويقارن الكتاب الثاني بين تعاليم الأنبياء، الذين أوحي لهم بالروح القدس، وحماقة الديانة الوثنية وتناقض أقوال الشعراء اليونانيين – مثل هوميروس وهيرودوت – فيما يتعلق بالآلهة وأصل العالم، ويحلل بشكل مفصل رواية سفر التكوين فيما يخص خلق العالم والجنس البشري، والفردوس والسقوط، ويفسرها رمزياً. وفي الختام يقتبس الكاتب بعضاً من وصايا الأنبياء التي تدور حول الأسلوب الصحيح لعبادة الله والسلوك الحياتي اللائق. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أن ثيوفيلوس يشير إلى هذه الوصايا باعتبارها متساوية في السلطة مع الأقوال السيبلية[1] (Sibyl)، وهكذا يحفظ لنا شذريتن طويلتين من أقوال السيبلية غير موجودة في أي من مخطوطات (Oracula Sibyllina). وتتكون هاتان الشذراتان من أربعة وثمانين عدداً، وهي تمتدح الإيمان بإله واحد بكلمات جميلة.
ويظهر الكتاب الثالث تفوق المسيحية من وجهة النظر الأخلاقية، وهو يفند افتراءات الوثنيين واتهامهم للمسيحيين بالاستباحة. ومن ناحية أخرى، يُثبت الكتاب لا أخلاقية الديانة الوثنية من خلال الشرور التي نسبها الكتاب الوثنيين إلى الآلهة الوثنية. وأخيراً، وحتى يظهر أن الديانة المسيحية أقدم من كل الديانات الأخرى، يستعمل ثيوفيلوس تاريخ العالم ليثبت أن موسى والأنبياء أقدم من كل الفلاسفة.
كتاباته المفقودة
وإلى جانب ثلاثة الكتب الموجهة إلى أتوليكوس، كتب ثيوفيلوس – بحسب ما يذك يوسابيوس في (Hist. Eccl. 4: 24) مقالة “ضد هرطقة هيرموجينيس[2] (Hermogenes)”، وعملاً “ضد ماركيون”[3]، وبعض “الكتابات التعليمية”. كذلك يذكر جيروم في (De Viris Illustribus: 25)، إلى جانب المقالات التعليمية، عملين آخرين لثيوفيلوس، وهما “تفسير الأناجيل” و”تفسير أمثال سليمان”. كما يتحدث جيروم في فقرة أخرى (Epistula) عن “اتفاق الأناجيل” بقلم ثيوفيلوس. ويشير ثيوفيلوس نفسه عدة مرات إلى عمل “عن التواريخ” (##) كان قد كتبه قبل أن يكتب ثلاثة الكتب الموجهة إلى أوتوليكوس. ويظهر من كلامه أنه كان عملاً يضم تاريخ البشرية، فهو يقول في (2: 30(: “أما بالنسبة لهؤلاء الذين يرغبون في أن يكونوا على دراية بكل الأجيال، من السهل أن يقدم إليهم شروحات باستخدام الكتب المقدس، لأننا كما سبق وذكرنا قد عالجنا جزئياً هذا الموضوع، أي ترتيب سلسلة نسب الإنسان، في الجزء الأول من كتابنا “عن التواريخ”.
ولقد فقدت جميع كتابات ثيوفيلوس ما عدا ثلاثة الكتب الموجهة إلى أوتوليكوس. وقد بُذلت جهود لإعادة تجميعها، لكنها حتى هذه اللحظة قد باءت بالفشل. وقد ظن (Zhan) أنه قد اكتشف “تفسير الأناجيل” في تفسير لاتيني للأناجيل الأربعة حرره (M. de la Bigne) تحت اسم ثيوفيلوس في (Biblotheca SS. Patrum. Paris 1575, 5, 169-192)، إلا أنه قد اتضح أن هذا التفسير ما هو إلا خليط من أقوال كبريانوس، وأمبروسيوس، وجيروم، وأرنوبيوس الصغير المنحول، وأغسطينوس، وقد كتب في نهاية القرن الخامس الميلادي. وعلى نحو مماثل، فشل (Loofs) عندما حاول أن يثبت أنه من الممكن بشكل جزئي إعادة تجميع مقالة ثيوفيلوس المعنونة بـ “ضد ماركيو” من عمل إيرينيوس “ضد الهرطقات”.
وبالرغم من أن ثيوفيليوس يقول عن نفسه إنه “غير بارع في فن الكلام” (2: 1)، إلا أنه يظهر دراية جيدة بفن البلاغة. صحيح أنه يكتب بأسلوب سهل ولبق مليء بالحيوية والقوة، إلا أنه أيضاً معتاد على استخدام أدوات بلاغية مثل الطباق والجناس، ويصل عمله إلى ذروة جاذبيته بما فيه من وفرة الصور المجازية الدقيقة. وثيوفيلوس يظهر بكونه متضلعاً في أدب وفلسفة عصره، وهذا يوحي بأنه كان ذا ثقافة ومعرفة شاملة.
وبالرغم من أنه – بشكل عام – يأخذ من المصادر نفسها التي أخذ منه المدافعون اليونانيون الآخرون، إلا أنه يستخدم كتابات العهد الجديد أكثر بكثير منهم، فبالنسبة له، لم يكن كتبة الإنجيل أقل من أنبياء العهد القديم إلهاماً من الروح القدس: “إن الأقوال الداعمة موجودة في كل من كتابات الأنبياء والأناجيل، لأن جميع هذه الأقوال قد نطق بها بوحي من الروح الواحد الذي لله” (3: 12). والأناجيل بالنسبة له هي “الكلمة المقدسة”، كما أنه دائماً ما يقدم لرسائل القديس بولس بجملة لا تتغير هي: “الكلمة الإلهية تعلمنا”. (##) (3: 14). وبكل وضوح يحسب ثيوفيلوس القديس يوحنا من ضمن حاملي الروح: “هكذا تعلمنا الكتب المقدس وكل الرجال حاملي الروح، الذي يقول أحدهم هو القديس يوحنا: في البدء كان الكلمة”. (2: 22) وهكذا كان ثيوفيلوس هو أول من علم بوضوح أن العهد الجديد هو موحى به.
سمات التعاليم اللاهوتية لثيوفيلوس
ثيوفيلوس هو أول من استخدم كلمة ثلاثة، للتعبير عن الثالوث، فهو يقول إن ثلاثة الأيام الأولى للخليقة قبل خلق الشمس والقمر هي بمثابة صور للثالوث: “إن الثلاثة أيام التي سبقت خلق المنيرين هي رموز للثالوث: الله، وكلمته، وحكمته” (2: 15).
ثيوفيلوس هو أول كاتب مسيحي يميز بين اللوغوس (##)، واللوغوس (##)، أي بين “الكلمة” الداخلي أو الكامن بداخل الله، و”الكلمة” المنطوق من الله، أما فيما يتعلق بأصل اللوغوس فيقول: “بما أن الله لديه “الكلمة” الداخلي (##) بداخله؛ فقد ولده وأصدره مع الحكمة قبل كل الأشياء. ولقد كان الكلمة معاوناً له في خلق الأشياء التي خلقها، وبه صنع كل شيء” (2: 10). وهذا اللوغوس قد تكلم إلى آدم في الفردوس: “إن إله وأبا الكل بكل تأكيد لا يمكن احتواؤه، وهو لا يوجد في مكان، لأنه لا مكان لراحته؛ لكن كلمته، ذاك الذي به صنع كل شيء، كونه هو قوته وحكمته، اتخذ شخص أبي ورب الكل، وذهب إلى الجنة في شخص الله وتكلم مع آدم. لأن الكتب المقدسة نفسها تعلمنا أن آدم قال إنه قد سمع الصوت، لكن لمن يكون هذا الصوت إلا لكلمة الله الذي هو أيضاً ابنه؟ إنه ليس كما يتكلم الشعراء ومؤلفو الأساطير عن أبناء الآلهة أنهم نتيجة اتصال جنسي، لكنه – كما يبين الحق – هو الكلمة الذي كان كائناً دائماً في قلب الله، لأنه قبل أن يُخلق أي شيء كان عنده مشيراً، كونه هو عقله وفكره. لكن عندما أراد الله أن يخلق كل ما عزم على أن يخلقه، ولد كلمته ونطق (##) ببكر كل خليقة، لا كمن أصبح هو نفسه خالياً من الكلمة، لكنه كمن ولد العقل، ومتحدثاً دائماً مع العقل” (2: 2).
وثيوفيلوس، مثله مثل يوستيوس (Dial. 5) وإيرينيوس (Adv. Haer. 4. 4. 3)، يعتبر أن خلود النفس ليس من طبيعتها، بل مكافأة على حفظها لوصابا الله. إن النفس في ذاتها ليست بفانية ولا بخالدة، لكنها قابلة للفناء كما أنها قابلة للخلود: “هل خُلق الإنسان فانياً بطبيعته؟ لا بكل تأكيد. هل كان خالداً إذن؟ لا نوافق على هذا أيضاً. لكن سيسأل أحدهم، هل كان إذن لا شيء؟ هذا أيضاً لم يصب الهدف. فالإنسان بطبيعته ليس فانياً ولا خالداً، لأنه لو كان الله قد خلقه فانياً، سيبدو وكأنه هو سبب موته. إذاً، لم يخلقه الله فانياً ولا خالداً، لكنه خلقه، كما قلنا سابقاً، قابلاً لكلتا الحالتين؛ حتى إذا مال إلى أمور الخلود حافظاً وصية الله، ينال الخلود كمكافأة ويصبح إلهاً؛ لكن من ناحية أخرى، إذا عاد إلى أمور الموت عاصياً الله، سيكون هو نفسه سبب موته، لأن الله قد خلق الإنسان حراً ذا سلطان على نفسه” (2: 27).
[1] هي خليط من تقاليد يهودية وإضافات مسيحية، وهي على نفس نمط النبوات (العرافة) اليونانية. (المراجع).
[2] هو رسام غنوسي من قرطاج، ظن أن المادة أزلية وأنها معادلة لله، وهكذا هناك إلهان، وبحسب ترتليان استقى هرموجينيس عقيدته هذه من الفلسفة الوثنية ومن الرواقيين الذين علموه أن يضع المادة في نفس المكانة مع الله كما لو كانت سرمدية، غير مولودة وغير مخلوقة، بلا بداية ولا نهاية. (المراجع).
[3] ولد في مدينة سينوب شمال تركيا نحو سنة 120م، وكان أبوه اسقفاً على المدينة، وتأثر ماركيون بالغنوسية بسبب تردده على مدرسة سردون الغنوسي السرياني في روما. (المراجع).
كان أثيناغوراس معاصراً لتاتيان، لكنه يختلف عنه وعن يوستينوس على حد سواء، فرأيه في الفلسفة والحضارة اليونانية كان أخف وطأة من رأي تاتيان، لكنه من ناحية أخرى يُظهر قدرات أكبر بكثير من قدرات يوستينوس، وذلك من حيث اللغة والأسلوب الأدبي وترتيب المحتوى. وهو بالفعل وبكل تأكيد أكير المدافعين المسيحيين القدامى بلاغة، فهو يحب الاقتباسات المأخوذة من الشعراء والفلاسفة، ويستخدم مصطلحات وعبارات فلسفية. ويمكن أن نرى في كل من أسلوب أثيناغوراس الأدبي وإيقاعه أنه قد درس بمدرسة للبلاغة، وأنه قد قصد الكتابة وفقاً لأسلوب الأتيكيين (Atticists) البلاغي والأدبي.
ونحن لا نكاد نعرف أي شيء عن حياة أثيناغوراس، لأنه قد ذُكر في الأدب المسيحي القديم مرة واحدة (Methodius De ressurrectione. 1: 36: 6 – 37: 1). وكان (Th. Zanh) يرى أن أثيناغوراس هو نفسه الذي أهدى إليه “بويثوس” (Boethos) الفيلسوف الأفلاطوني، كتابه المُعنون بـ “عن المصطلحات الصعبة عند أفلاطون” كما ذكر فوتيوس في (Bibl. Cod. 154f). وقد لقب أثيناغوراس في عمله المعنون بـ “التوسل من أجل المسيحيين” بلقب “الفيلسوف المسيحي الأثيني”. وبالإضافة إلى هذا العمل، كتب أثيناغوراس مقالة عن قيامة الأموات.
كتابات أثيناغوراس
أولاً: التوسل من أجل المسيحيين
كتب “التوسل من أجل المسيحيين” حوالي عام 177م، ووجهه أثيناغوراس إلى الإمبراطور ماركوس أوريليوس أنطونينوس ولوكيوس أوريليوس كومودوس. وكان هذا الأخير ابناً لماركوس أوريليوس الذي منحه لقب “إمبراطور” عام 176م. ولقد كُتب هذا العمل في لهجة هادئة، وهو مرتب بشكل جيد.
وتحتوي مقدمة هذا العمل (الفصول 1-3) على العنوان، وتذكر صراحة الهدف من كتابته “سوف تعرفون من هذا الخطاب أننا نتألم ظلماً ومخالفة لكل القوانين والمنطق، مما سوف يحتم على الحكام أن يُبطلوا بقوة القانون هذه المعاملة المُهينة”.
ثم يفند أثيناغواس في الفصول (4-36) التهم الثلاث التي وجهها الوثنيون إلى المسيحيين، وهي الإلحاد، وأكل لحوم البشر، وارتكاب زنى المحارم مع الأم:
ليس المسيحيون ملحدين، فبالرغم من أنهم لا يؤمنون بالآلهة الوثنية إلا أنهم يؤمنون بالله، فهم يعبدون الإله الواحد. ويمكن للمرء أن يجد الميل إلى التوحيد حتى عند بعض الشعراء والفلاسفة الوثنيين، لكن لم يحدث أبداً أن اتهم أحد ما هؤلاء الرجال بالإلحاد بالرغم من أنهم لم يعطوا سوى أدلة ضعيفة على صدق أفكارهم. لكن المسيحيين قد تلقوا إعلاناً وتعليماً إلهياً بخصوص هذا الأمر من أنبيائهم، هؤلاء الذين أوحي إليهم بالروح القدس. إضافة إلى هذا، توجد لدى المسيحيين إثباتات منطقية لإيمانهم، فالمفهوم المسيحي عن الله أكثر نقاوة وكمالاً من الذي للفلاسفة، وهذه حقيقة يُظهرها المسيحيون، لا بالكلام فقط، بل بالأفعال أيضاً: “مَن مِن هؤلاء الفلاسفة اليونانيين قد طهر روحه حتى إنه بدلاً من أن يكره أعداءه أحبهم؛ وبدلاً من أن يتفوه بكلام بزيء عمن لعنوه باركهم؛ وصلى من أجل الذين يتآمرون على حياته؟… لكنكم سوف تجدون بيننا رجلاً غير متعلمين، وحرفيين، ونساء عجائز، هؤلاء الذين وإن لم يستطيعوا بالكلام أن يثبتوا فائدة تعاليمنا، إلا أنهم بأفعالهم يظهرون فائدة امتلاكهم للحق الذي بها”. (Aplo. 11) وللسبب نفسه، أي كونهم يعبدون إلهاً واحداً، فإن المسيحيين لا يعبدون آلهة متعددة، ولهذا ليست لديهم ذبائح مثل الوثنيين، ولا يؤمنون بالآلهة الوثنية. والأكثر من ذلك أنهم لا يحبون العالم الذي هو أكبر من أي وثن، لكنهم يعبدون خالقهم.
ليس المسيحيون مدانين بجريمة أكل لحوم البشر. إنهم لا يقتلون أحداً، والأكثر هو أنهم لا يشهدون جريمة قتل وهي تتم، بالرغم من أن هذا الأمر يعد متعة خاصة عند الوثنيين كما تدل عروض المصارعين. كذلك يحترم المسيحيون الحياة البشرية أكثر من الوثنيين، ولهذا السبب يدينون جريمة التخلي عن الأطفال وإهمالهم. إن إيمانهم بقيامة الأجساد كاف وحده لجعلهم يمتنعون عن أكل لحوم البشر.
اتهام المسيحيين بارتكاب الزنى مع أمهاتهم – عقدة أوديب[1] – ليس إلا نتيجة للكراهية، فالتاريخ يظهر أن الرذيلة كان دائماً تضطهد الفضيلة. إن المسيحيين بعيدون جداً عن ارتكاب مثل هذه الجرائم حتى أنهم لا يسمحون بارتكاب خطية ضد طهارة الفكر. كما أن الأفكار المسيحية فيما يتعلق بالزواج والعذرية تدل على شدة احترامهم للعفة.
وخاتمة الدفاع (الفصل 37) عبارة عن توسل من أجل محاكمة عادلة: “والآن، بعد أن فندت التهم العديدة، وأثبت أننا صالحون، ولطفاء، وودعاء بالروح؛ أحنيا رأسيكما الملكيتين في موافقة. لأن من يستحق أن يأخذ ما يسأل، أكثر من هؤلاء الذين مثلنا يصلون لأجل حكومتكما، لكي يكون، وهو الأكثر إنصافاً، أن تسلم المملكة للابن من الأب، و(يصلون) حتى تزيد مساحة إمبراطوريتكما ويضاف إليها، وحتى يخضع البشر جميعهم تحت سلطانكما؟ أيضاً من مصلحتكما أن نعيش حياة سلامية هادئة، وأن نفعل بطيب خاطر كل ما عهد إلينا به”.
ثانياً: عن قيامة الأموات
يتكلم أثيناغوراس في نهاية الدفاع (فصل 36) عن خطبة عن قيامة الأموات، وقد حفظت لنا تحت عنوان “عن قيامة الأموات” (##). وتذكر مخطوطة “أريثاس”، التي تعود لعام 914م، صراحة أن هذه الخطبة بقلم أثيناغوراس، وهي تأتي مباشرة بعد دفاعه. والطابع الفلسفي موجود بوضوح في هذه المقالة، كما أنها تثبت قيامة الأموات مستخدمة المنطق.
وتتكون المقالة من قسمين: الأول (فصول 1-10) يتناول موضوع الله والقيامة، مظهراً أن حكمة الله، وقدرته الكلية، وعدالته، لا تتعارض مع قيامة الأموات، بل أنها في تناغم معها.
أما القسم الثاني (فصول 11-25) فيتناول موضوع الإنسان والقيامة. وقيامة الأموات ضرورة تقتضيها الطبيعة البشرية:
لأن الأنسان قد خلق من أجل الأبدية (فصول 12-13).
لأن الإنسان يتكون من جسد ونفس. وعلى هذه الوحدة التي دمرها الموت أن تجدد بواسطة القيامة حتى يتمكن الإنسان من أن يعيش للأبد. (فصول 14-17).
سيكافأ الجسد والروح على حد سواء، لأن كليهما كان خاضعاً للنظام الأخلاقي، هكذا سيكون من الظلم أن تترك الروح تعاقب وحدها على ما فعلته مدفوعة من الجسد، هكذا أيضاً، على نحو مماثل، سيكون من الظلم ألا يكافأ الجسد على الأعمال الصالحة التي تمت بالتعاون معه. (فصول 18-23).
خُلق الإنسان لينال السعادة، تلك السعادة التي لا يمكنه أن يبلغها في هذه الحياة الأرضية، لكنه سيبلغها في حياة أخرى (فصول 24-25).
سمات الفكر اللاهوتي لأثيناغوراس
كان أثيناغوراس هو أول من حاول أن يثبت وحدانية الله علمياً. هفو، في سبيل تحقيق هذا الهدف، حاول أن يُثبت وحدانية الله، التي شهد لها الأنبياء، باستخدام أسلوب التفكير التأملي. وهو يقوم بهذا عن طريق دراسة العلاقة القائمة بين الله والمكان: “إذاً، فيما يتعلق بالتعليم الذي يقول بأنه من البداية كان هناك إله واحد، خالق هذا الكون، تفكرا فيه بالحكمة التي تجعلكما عارفين بالأساس الجدلي الذي تأسس عليه إيماننا. فإن إن كان هناك منذ البدء إلهان أو أكثر، فإما أن يكونا في المكان الواحد نفسه أو أن كلا منهما كان في مكانه الخاص المنفصل عن الآخر. ولا يمكن أن يكونا في المكان الواحد نفسه. لأنهم إن كانوا آلهة فهم غير متشابهين؛ لأن غير المخلوقين غير متشابهين. الأشياء المخلوقة تشبه من خلقت على مثاله؛ لكن غير المخلوقين غير متشابهين، لأنهم لم يولدوا من أحد ولم يخلقوا على مثال أحد…. لكن لو كان الأمر على العكس من هذا، وكان كل منهم في مكانه منفصلاً عن الآخر، وبما أن هذا الإله الذي خلق العالم يسكن فوق الأشياء التي خلقها ورتبها، أين إذن يمكن أن يوجد الإله الآخر أو الآلهة الأخرى؟ لأنه إن كان العالم قد خلق دائرياً، محدوداً بدائرة السماء، وخالق العالم يسكن فوق الأشياء التي خلقها، مدبراً إياها بعنايته الإلهية، أي مكان إذن قد بقي لإله آخر أو آلهة أخرى؟”
أثيناغوراس أكثر وضوحاً من القديس يوستينوس وأقل تحفظاً منه في تعريفه للاهوت اللوغوس ووحدته مع الآب. فهو يتجنب الخضوعية التي نادى بها المدافعون اليونانيون الآخرون كما يمكننا أن نرى في الفقرة التالية: “لكن إذا حدث وطلبتما أن تعرفا بذكائكما الفائق معنى “الابن”، فسوف أقول باختصار إنه ناتج من الآب، ليس كمن أُحضر إلى الوجود، لأنه من البدء، كان الله، الذي هو العقل (##) الأزلي، لديه اللوغوس في نفسه، كونه منذ الأزل مفعم باللوغوس. لكن ما إن صدر ليكون هو الفكرة والقوة المنشطة لكل الأشياء المادية، تلك التي كانت خامدة كطبيعة بلا أي صفة مميزة، وأرضاً غير نشطة، حتى اختلطت الأجزاء الأثقل بالأجزاء الأخف. والروح النبوي أيضاً يتفق مع أقوالنا، فهو يقول: “الرب جعلني أول طرقه لأجل أعماله”. (Apol. 10.ANF 2. 133).
أما بخصوص الروح القدس، فيقول أثيناغوراس: “نحن نؤكد أيضاً أن الروح القدس، العامل في الأنبياء، ينبثق من الله، ويفيض منه، ثم يعود إليه مرة أخرى مثل شعاع من الشمس” (Apol. 10).
واحدة من أفضل الفقرات اللاهوتية الموجودة في الدفاع، هو ذلك التعريف الماهر لعقيدة الثالوث المسيحية، والذي يعد، بالنسبة لزمن ما قبل مجمع نيقية، متطوراً بشكل مدهش: “لقد أظهرت بما يكفي أننا لسنا ملحدين، كوننا نعبد إلهاُ واحداً، فمن إذن لا يصيبه الذهول عندما يسمع أن الرجال الذين يتكلمون عن الله الآب، الله الاين، والروح القدس، معلنين اتحادهم في القوة وتمايزهم في الترتيب، يلقبون بالملحدين؟” (Apol. 10. Ibidem).
وهو يقول في الفصل نفسه بشأن وجود الملائكة: “نحن نعترف أيضاً بوجود جماهير من الملائكة والخدام الذين وزعهم الله، صانع العالم ومخططه، وحدد لهم مهامهم المتعددة بواسطة كلمته، ليعتنوا بالعناصر، والسماء، والعالم، والأشياء التي به، والتدبير الجيد لهم جميعاً.”
كما أن أثيناغوراس هو شاهد ممتاز لعقيدة الوحي: “لأن الشعراء والفلاسفة قد أتبعوا طريق الحدس في هذا الأمر كما في كل الأمور الأخرى، فتحرك كل واحد منهم بروحه، بسبب انجذابه للإلهام الذي من الله، ليجرب ما إذا كان سيكتشف الحقيقة ويدركها أم لا. لكنهم لم يكونوا أهلاً بشكل كامل ليدركوها، لأنهم ظنوا أنه من المناسب ألا يتعلموا من الله عن الله، بل أن يُعلم كل واحد نفسه، هكذا توصل كل واحد منهم إلى استنتاج خاص به عن الله، والمادة والشكل، والعالم. لكن، نحن لدينا شهود على الأمور التي ندركها ونؤمن بها، إنهم الأنبياء، وهم رجال قد تكلموا عن الله وأمور الله مسوقين بروح الله. أنتما أيضاً ستعترفان… بأنه سيكون من غير المنطقي بالنسبة لنا أن نكف عن الإيمان بالروح الذي من الله، الذي قد حرك أفواه الأنبياء مثل آلات موسيقية، ونكترث لمجرد آراء بشرية”. (Aplo. 7. ANF 2. 132).
وهو يرفع من شأن البتولية كواحدة من أجمل ثمار الأخلاق المسيحية: “سوف تجدان بيننا رجالاً ونساء قد كبروا ولم يتزوجوا رغبة في شركة أعمق مع الله”. (Apol. 33) وبهذه الكلمات يحدد أثيناغوراس بشكل جيد الهدف الإيجابي من البتولية المسيحية.
وفيما يتعلق بالمفهوم المسيحي عن الزواج يقول أثيناغوراس في نفس الفصل: “ولأننا لدينا رجاء في الحياة الأبدية، نرفض كل أمور هذه الحياة، حتى مُتع النفس، فكل واحد منا يعتبر المرأة التي تزوجها بحسب القوانين التي وضعناها زوجة له، وهذا فقط بغرض إنجاب الأطفال. لأنه كما أن المزارع ينثر البذور في الأرض ينتظر الحصاد ولا ينثر المزيد منها، هكذا أيضاً بالنسبة لنا إنجاب الأطفال هو مقياس انغماسنا في الشهوة الغريزية”. وتدل كلمات أثيناغوراس بكل وضوح على أن الأطفال هو الهدف الأولى والأخير من الزواج، وبالمثل، تُظهر فقرة أخرى الصراع الذي كان على المسيحيين الأوائل أن يخوضوه في سبيل الدفاع عن حق الأطفال الذين لم يولدوا بعد في الحياة. فبينما كان الوثنيون يتهمون المسيحيين بارتكاب جرائم قتل أثناء عبادتهم، رد أثيناغوراس على هذا الاتهام كالتالي: “حينما نقول إن أولئك النسوة اللائي يتعاطين العقاقير ليجهضن أنفسهن يرتكبن جريمة قتل وسوف يعطين حساباً أمام الله عن هذا، على أي أساس يمكننا نحن أنفسنا أن نرتكب جريمة قتل؟ لأنه لا يمكن لنفس الشخص أن يعتبر الجنين في بطن أمه كائناً مخلوقاً ومن ثم موضعاً لعناية الله، ثم يقتله عندما يخرج إلى الحياة؛ ولا أن يترك رضيعاً – لأن من يهملونهم متهمون بقتل الأطفال – ثم عندما يكبر يقتله. لكننا في كل الأمور (مواقفنا) واحدة لا تتغير، مُخضعين أنفسنا للعقل لا مهيمنون عليه”. (Apol. 35. ANF 2. 147). وإشارة أثيناغوراس هنا للجنين باعتباره “كائناً مخلوقاً” هي على جاب كبير من الأهمية، فوفقاً للقانون الروماني في ذلك الوقت، لم يكن الجنين يعتبر “كائناً” على الإطلاق، ولم يكن له حق في الوجود.
وأثيناغوراس مقتنع للغاية باستحالة انفصام الزواج، لدرجة أنه، بحسب رأيه، حتى الموت لا يمكنه أن يفصم الرابطة الزوجية. كما أنه يذهب إلى أبعد من هذا بإطلاقه على الزواج الثاني لقب “الزنى المهذب”: “على المرء إما أن يبقى كما ولدته أمه أو أن يكتفي بزيجة واحدة، لأن الزواج الثاني ما هو إلا زنى مهذب…. لأن من يفصم نفسه عن زوجته الأولى، حتى لو كانت ميتة، فهو زان مقنع، ويقاوم يد الله، لأنه من البدء خلق الله رجلاً واحداً وامرأة واحدة”. (Apology. 33. ANF 2. 146 f).
[1] عقدة أوديب هي مفهوم أنشأه سيجموند فرويد واستوحاه من أسطورة أوديب الإغريقية وهي عقدة نفسية تطلق على الذكر الذي يحب والدته ويتعلق بها ويغير عليها من أبيه ويكرهه، وهي المقابلة لعقدة إليكترا عند الأنثى. (المراجع)
ولد ميليادس الخطيب في آسيا الصغرى، وهو معاصر لتاتيان، وقد كان أيضاً على أغلب الظن تلميذاً ليوستينوس. ولسوء الحظ فُقدت كل كتاباته؛ لكن ترتليانوس (Adv. Valent. 5) وهيبوليتوس (Eusebius. Hist. Eccl. 5: 28: 4) يذكران أنه قد دافع عن المسيحية ضد الوثنيين والهراطقة على حد سواء. وبحسب مايذكر يوسابيوس في (Hist. Eccl. 5: 17: 5) كتب ميلتيادس “دفاعاً عن الفلسفة المسيحية” وجهه إلى “الحكام الأرضيين”.
ويبدو أن “الحكام” المقصودين هنا هم على الأرجح الإمبراطور ماركوس أوريليوس (161-180م) وشريكه في الحكم لوسيوس فيروس[1] (161-169م). وقد كان عمله “ضد اليونانيين” المكون من جزئين ذا طبيعة دفاعية مشابهة، وكذلك كان الحال بالنسبة لعمله الآخر “ضد اليهود” والمكون أيضاً من جزئين. وقد تناولت المقالة التي كتبها ميلتيادس ضد المونتانيين مسألة “أنه لا يجب أن يتكلم النبي بنشوة صوفية (أو دهش) (Ecstasy)”، مبيناً أن الأنبياء المونتانيين أنبياء كذبة. كذلك توجد مقالة أخرى لميلتيادس ضد الهراطقة كانت موجهة ضد الغنوسيين الفالنتينيين[2].
[1] لوسيوس فيروس كان قد شارك ماركوس أوريليوس الحكم في الفترة (161-169م)، وقد انتصر على المملكة الفارسية في الشرق بعد محاولة لعودتها مرة أخرى.
[2] نسبة إلى فالنتينوس الذي ولد في دلتا النيل حوالي عام 100م وتعلم في الإسكندرية. وقد أوجد أكاديمية للبحث الحر، كان من ثمرتها جماعات لها صبغة دينية بلا ضوابط. شهد له حتى مقاوموه بأنه كان معروفاً ببلاغته وعبقريته. وربما كان أكثر الغنوسيين تأثيراً وكان له أتباع كثيرون وأقام كثير من تلاميذه مدارس خاصة بهم. (المراجع).
ولد تاتيان – السوري المنشأ – من أبوين وثنيين. وكما ذكرنا أعلاه، كان تاتيان تلميذاً ليوستينوس الشهيد. وهو يشترك مع معلمه في أنه بعد الكثير من الحيرة قد وجد أن التعاليم المسيحية هي الفلسفة الوحيدة الصحيحة. وهو يزودنا بالمعلومات التالية عن أسباب اهتدائه إلى المسيحية:
“ولأني كنت قد رأيت هذه الأشياء، وبالأكثر لأني أيضاً قد سمح لي بالدخول إلى الأسرار، ولأني في كل مكان قد فحصت الشعائر الدينية التي يقوم بها المخنثون والمأبونون، ووجدت أنه بين الرومان يتلذذ “جوتيتر” بالأشلاء البشرية ودماء الرجال المذبوحين، وأن أرطميس – في مكان لا يبعد كثيراً عن المدينة العظيمة – تجيز أفعالاً من نفس النوع، وأن شيطاناً هنا وآخر هناك يحض على ارتكاب الشر، أويت إلى نفسي وبحثت عن الكيفية التي بها يمكنني أن أصبح قادراً على أن أجد الحق.
وبينما كنت أولي اهتماماً جاداً جداً لهذه المسألة، حدث أن وقعت في يدي كتابات قديمة جداً مقارنة بآراء اليونانيين، وإلهية جداً على أن تقارن بضلالهم.
وقد قادني عدم تكلف هذه الكتابات، وشخصية كُتابها غير المصطنعة، ومعرفتها المُسبقة بأحداث المُستقبل، ونوعية وصاياها الممتازة، وإعلانها عن أن مقاليد الأمور في الكون تتمركز في يد كائن واحد، إلى أن أؤمن بها. ولقد تعلمت روحي من الله، فاكتشفت أن الفئة الأولى من الكتابات – كتابات اليونانيين – تقود إلى الدينونة، في حين تصنع هذه (الفئة) حداً للعبودية التي في العالم وتنقذنا من تعددية الحكام ومن عشرة آلاف طاغية، في حين لا تعطينا بكل تأكيد ما لم يكن لنا قبل أن نناله، لكن تعطينا ما كنا قد نلناه لكن الضلالة قد منعتنا من الاحتفاظ به”. (Orat. 29).
ويبدو أن اهتداء تاتيان إلى المسيحية قد حدث في روما، وهناك تردد على المدرسة التي أنشأها يوستينوس. وبالرغم من أن يوستينوس كان معلم تاتيان. إلا أنه بمجرد مقارنة كتابتهما سنلاحظ وجود تضاد حاد بينهما، وهذا يظهر على وجه الخصوص في التقييم الذي يعطيه كل منهما للفلسفة والثقافة غير المسيحية، ففي حين يحاول يوستينوس أن يجد عناصر للحق في كتابات بعض المفكرين اليونانيين، يعلم تاتيان بالتخلي الكامل عن الفلسفة اليونانية من حيث المبدأ.
ويظهر يوستينوس في دفاعه عن المسيحية الكثير من الاحترام للفلسفة غير المسيحية، في حين يظهر تاتيان كراهية صميمة لكل ما ينتمي إلى الحضارة، والفن، والعلوم، واللغة اليونانية.
لقد تطرفت شخصيته حتى إنه تصور أن المسيحية لم ترفض التعليم والثقافة المعاصرة بشكل كاف. وقد عاد تاتيان إلى الشرق حوالي عام 172م حيث أصبح مؤسساً لطائفة “الإنكراتيين” (Encratites) أي “المتقشفين” التي تنتمي إلى مجموعة الغنوسيين المسيحيين. لقد رفضت هذه الهرطقة الزواج باعتبار زنى، وأدانت استخدام اللحوم تحت أي صورة، وشرب الخمر، وتمادت في هذا حتى استبدلت بالخمر الماء في الخدمة الإفخارستية، ولهذا السبب لُقب المنتمون إلى هذه الطائفة بالـ “Aquarii” أي المائيون. ونحن لا نعرف شيئاً عن موت تاتيان.
كتابات تاينان
أولاً: الخطاب إلى اليونانيين
بقي من أعمال تاتيان عملان فقط، هما: “الخطاب إلى اليونانيين” و”الدياتسرون” (Diatessaron). وزمن كتابة “الخطاب إلى اليونانيين” والهدف من كتابته موضع خلاف، وأغلب الظن أنه قد كتب بعد موت القديس يوستينوس، لكن من الواضح أنه لم يكتب في روما. أما أن كان تاتيان قد كتبه قبل ارتداده أم بعده فلا يزال غير مؤكد.
ويعتقد بعض الدارسين أن “الخطاب” ليس دفاعاً كُتب بهدف الدفاع عن المسيحية أو لتبرير تحول الكاتب إليها، بل عظة تعليمية تشتمل على دعوة للالتحاق بالمدرسة التي أنشأها الكاتب. لكن حتى لو كان قد ألقي كخطاب في افتتاح المدرسة، فلا شك أنه في البداية كان التفكير هو أن يكون خطاباً موجهاً إلى العامة.
غير أنه يبقى صحيحاً أن هذا الخطاب ليس دفاعاً عن المسيحية بقدر ما هو مقالة هجومية عنيفة متطرفة ترفض الثقافة اليونانية برمتها وتستخف بها، فهو يرى أن فلسفة، ودين، وإنجازات اليونانيين أمور حمقاء، مخادعة، ولا أخلاقية، وبلا قيمة. ويقول تاتيان في المقدمة أن أي شيء يبدو ذا قيمة في الحضارة اليونانية، قد أخذه اليونانيون من البرابرة، لكن معظمها بلا قيمة أو يشجع على اللا أخلاقية، كأشعارهم وفلسفتهم وبلاغتهم.
وينقسم الجزء الرئيس من هذا العمل إلى أربعة أقسام:
القسم الأولى (الفصول 4: 3 – 7: 6) ويحتوي على رؤية الكون من منظور مسيحي:
1) يعطي الكاتب تعريفاً للمفهوم المسيحي عن الله (فصل 4: 3-5).
2) ثم يتناول علاقة اللوغوس بالآب، وتكون المادة، وخلق العالم (فصل 5).
3) يتبع هذا وصف لخلق الإنسان، وقيامة الموتى، والدينونة الأخيرة (فصول 6-7: 1).
4) في نهاية القسم (فصل 7: 2-8) يتناول تاتيان خلق الملائكة، وحرية الإرادة، وخطية آدم وحواء، والملائكة الأشرار والشياطين، وهذا الموضوع يقودنا إلى القسم الثاني.
القسم الثاني (فصول 8 -20) ويحتوي على رؤية للشياطين من منظور مسيحي:
1) علم التنجيم من اختراع الشياطين، ولقد أساء الإنسان استخدام حرية الإرادة، ومن ثم أصبح عبداً للشياطين. لكن هناك إمكانية أن يحرر الإنسان نفسه من هذا القيد، وذلك بان يتخلى تماماً عن كل الأمور العالمية. (الفصول 8-11).
2) وللحصول على قدرة على هذا التخلي ومن ثم الهروب من قوة الشياطين، يجب علينا أن نسعى لكي ترجع نفوسنا لتتحد بالروح السماوي. وقد كان هذا “الروح في الأصل يسكن في صدر الرجل الأول[1]، لكنه قد رحل عنه بسبب الخطية الأولى، تلك التي كانت من عمل الشياطين. (الفصول 12-15: 1)
3) الشياطين هي صورة للمادة والشر، لذا لا تستطيع أن تُقدم توبة، لكن البشر هم صور لله، وهكذا يستطيعون أن يبلغوا الخلود عن طريق إماتة الذات (الفصول 15: 2 – 16: 6).
4) على الإنسان ألا يخاف الموت لأنه مُرغم على أن يرفض المادة كلها حتى يحوز الخلود. (فصل 16: 7-20).
القسم الثالث (فصول 21-30) ويتناول الحضارة اليونانية في ضوء الموقف المسيحي من الحياة:
1) جهل التعاليم اللاهوتية اليونانية تتناقض مع سمو سر التجسد تناقضاً حاداً. (فصل 21).
2) المسارح اليونانية هي مدارس الرذيلة، وحلبة المصارعين تشبه المجزرة. والرقص، والموسيقا، والشعر هي أمور أثيمة وبلا قيمة. (فصول 22-24).
3) الفلسفة اليونانية والقانون اليوناني متناقضان ومخادعان (فصول 25-28).
4) يُشرق على خلفية الحضارة اليونانية المظلمة سمو الديانة المسيحية بإشراق أكثر لمعاناً. (فصول 29-30).
القسم الرابع ويتناول عصر المسيحية وقيمها الأخلاقية (فصول 31-41):
1) الديانة المسيحية أقدم من كل الديانات الأخرى، لأن موسى عاش قبل هوميروس والمشرعين اليونانيين كلهم بزمن طويل، بل وحتى قبل الحكماء السبعة. (فصول 31: 1-6، 36-41).
2) الفلسفة المسيحية والسلوك الحياتي المسيحي يخلوان من كل حسد وحقد، ولهذا السبب يختلفان عن حكمة الكُتاب اليونانيين. وتعود الاتهامات الباطلة الموجهة إلى المسيحيين باللا أخلاقية وأكل لحوم البشر على هؤلاء الذين افتروها من عابدي الآلهة اليونانية، لأن مثل هذه الجرائم متكررة ومعروفة في العبادة اليونانية. ولا يمكن وصم أخلاقية ونقاء المسيحيين بمثل هذه الافتراءات (فصول 31: 7-35).
وفي الختام يقدم تاتيان نفسه لأي نقد:
“يا أيها اليونانيون، أنا تاتيان، تلميذ الفلسفة البربرية، قد كتبت هذه الأمور من أجلكم. لقد ولدت في أرض الآشوريين، وتثقفت أولاً بتعاليمكم، ثم بعد هذا تثقفت بهذا التعاليم التي أخذت على عاتقي أن أنشرها من الآن فصاعداً، عارفاً من هو الله وما هي أعماله، أقدم نفس إليكم مستعداً لاختبار عقيدتي في حين ألتزم ثابتاً بأسلوب الحياة الذي بحسب الله”. (Ch. 42, ANF 2: 81/2).
ثانياً: الدياتسرون
إن أهم أعمال تاتيان هو “الدياتسرون”. وهو في حقيقته، عبارة عن توفيق بين الأناجيل الأربعة. ولقد أطلق عليه تاتيان عنوان “الذي من خلال الأربعة” لأنه ينسق فقرات من الأناجيل الأربعة معاُ ليؤلف منها رواية إنجيلية واحدة متواصلة. وقد كان هذا الكتاب لوقت طويل يستخدم رسمياً في ليتورجية الكنيسة السريانية، ولم تُستبدل به الأناجيل الأربعة القانونية قبل القرن الخامس الميلادي.
وقد كُتب الدياتسرون في أغلب الظن بعد عودة تاتيان إلى الشرق، وقد فقدت النسخة الأصلية، فيبقى السؤال قائماً إذا ما كان الدياتسرون قد جمع معاً باليونانية أم السريانية، إلا أن هناك من الأسباب ما يجعلنا نفترض أن تاتيان قد كتبه باليونانية ثم ترجمه بعد ذلك إلى السريانية.
ومؤخراً فقط اكتشف الأثريون الأمريكيون شذرة من نص الدياتسرون اليوناني، وهي تتكون من أربعة عشر سطراً وجدت أثناء الحفريات التي قامت بها جامعة “جون هوبكينز” (John Hopkins) في منطقة “دورا أيروبوس” بسوريا عام 1934، ومن الواضح أنها قد كُتبت قبل عام 1934، ومن الواضح انها قد كتبت قبل عام 254م. ويبدو أن وجود نص يوناني يعود إلى مثل هذا التاريخ المبكر يعزز من الرأي القائل بأن الدياتسرون قد كتب أصلاً باليونانية. ويمكننا أن نعيد تكوين النص كاملاً من الترجمات الباقية لدينا.
ولقد حفظ الدياتسرون في ترجمات عربية، ولاتينية، وفرنكونية متوسطة. علاوة على ذلك، ألف “أفرايم سايروس” (Ephrem Syrus) تفسيراً للدياتسرون في الفترة بين 360م و370م، وهو لا يزال في حوزتنا، وإن يكن ليس في نصه السرياني الأصلي، بل في ترجمة أرمنية تعود إلى القرن السادس الميلادي. وتوحي كل هذه الترجمات للدياتسرون بأن قد أثر بدرجة عالية على النصوص الإنجيلية الخاصة بالكنيسة كلها. ولقد نشأ نص الترجمة اللاتينية للدياتسرون في زمن مبكر، وهو يشكل المحاولة الأولى لتقديم الإنجيل باللغة اللاتينية.
وقد فقدت كل كتابات تاتيان الأخرى، وهناك ثلاثة منها قد ذكرت بواسطة المؤلف نفسه في الدفاع الذي كتبه، فالفصل الخامس عشر من هذا العمل يفترض مسبقاً أن تاتيان كان قد كتب فيما مضى مقالة بعنوان “عن الحيوان”، وفي الفصل السادس عشر يوضح أنه في مناسبة أخرى كتب عملاً عن الشياطين، ثم يعلن في الفصل الرابع عشر أنه بصدد كتابة عمل مستقبلي عن “هؤلاء الذين يتباحثون في الأمور الإلهية”. ويقتبس كليمندس السكندري في (Stromat. 3: 81: 1f) فقرة من مقالة تاتيان “عن الكمال بحسب وصايا المخلص”.
كذلك يقول رودون (Rhodon) إن معلمه تاتيان “قد أعد كتاباً عن المعضلات” أخذ فيه على عاتقه أن يبين ما كان مبهماً أو مخفياً في الكتب الإلهية، إضافة إلى ذلك، يقول يوسابيوس إن تاتيان: “قد جرؤ على أن يعيد صياغة بعض كلمات الرسول “بولس” ظناً منه أنه يصحح أسلوبه الأدبي” (Hist. Eccl. 4: 29: 6)
يوستينوس الشهيد هو أهم مدافع يوناني في القرن الثاني الميلادي[1]، وواحد من أنبل شخصيات الأدب المسيحي المبكر. ولد يوستينوس في مدينة “فلافيا نيابوليس” (Flavia Neapolis)، والتي كانت تعرف قبلاً باسم “شكيم” (Sichem)، بفلسطين. وكان والداه وثنيين، وهو نفسه يخبرنا، في (Dialog 2 -8)، أنه قد جرب أولاً أن يلتحق بمدرسة فيلسوف رواقي (Stoic)، ثم بمدرسة فيلسوف مشائي[2] (Peripatetic)، لكن، ولا واحد من هؤلاء الفلاسفة قد أقنعه أو أشبع نهمه.
لقد فشل الرواقي لأنه لم يشرح له أي شيء يتعلق بشخص الله، وأكثر ما كان يهتم به المشائي هو أن يدفع له يوستينوس أجرة الدرس فوراً، الأمر الذي قابله يوستينوس بأن تجنب حضور محاضراته؛ والفيثاغوري طلب منه أن يدرس أولاً الموسيقا، والفلك، والهندسة كضرورة، ولم يكن لدى يوستينوس الرغبة في ذلك.
ومن ناحية أخرى، راقت له الفلسفة الأفلاطونية لفترة من الوقت، وقد كان ذلك إلى أن أقنعه رجل، عندما كان يتمشى على شاطئ البحر، بأن الفلسفة الأفلاطونية لا يمكنها أن تُشبع قلب الإنسان، ولفت نظره إلى “الأنبياء الذين وحدهم قد أعلنوا الحق”. ثم يحكي يوستينوس قائلاً: “وعندما تكلم بهذا وأشياء أخرى كثيرة لا وقت لذكرها الآن، ذهب طالباً مني أن أفكر فيما تكلم به إليّ؛ ولم أره من حينها.
لكن للفور اشتعل في روحي لهيب، وتملكني محبة للأنبياء ولهؤلاء الرجال الذين هم أصدقاء للمسيح. وبينما كنت أقلب كلماته في رأسي، وجدت أن هذه الفلسفة هي الوحيدة الآمنة والمفيدة. هكذا، ولهذا السبب، أصبحت فيلسوفاً، وأتمنى أن يكون كل البشر لهم نفس فكري، ولا يتحولوا عن تعاليم المخلص”. (Dial. 8)
لقد قاده طلبه للحق إلى اعتناق المسيحية. كما يخبرنا يوستينوس أيضاً أن هذه الاستهانة البطولية التي كان المسيحيون يقابلون بها الموت قد لعبت دوراً ليس بصغير في تحوله للمسيحية: “أنا نفسي كنت أستمتع بتعاليم أفلاطون وأستمع إلى كلام شرير عن المسيحيين، لكن لما رأيت أنهم لا يظهرون أي خوف في مواجهة الموت وكل الأمور الأخرى التي تبعث على الخوف، فكرت في أنه لا يمكنهم أن يكونوا متوحشين وشهوانيين”. (Apol. 2: 12).
وقد أدى به البحث الأمين عن الحق والصلاة المتضعة إلى اعتناق المسيحية في آخر الأمر: “عندما اكتشف الخداع الشرير الذي ألقته الأرواح الشريرة حول عقائد المسيحيين الإلهية لتصرف الآخرين عن الانضمام إليهم، وأعترف إني صليت وجاهدت بكل قوتي لأصبح مسيحياً”.
وبعد اهتدائه، الذي حدث على الأرجح في مدينة أفسس، كرس يوستينوس حياته كلها ليدافع عن الإيمان المسيحي. لقد سافر متنقلاً وهو يرتدي “الباليم” (Pallium) – وهي عباءة كان يرتديها الفلاسفة اليونانيون – باعتبار مُعلماً متجولاً. ووصل يوستينوس إلى روما في عهد الإمبراطور “أنطونينوس بيوس” (138-161م)، وأسس مدرسة هناك، وكان من تلاميذه “تاتيان” الذي قدر له لاحقاً أن يصبح مدافعاً.
وهناك أيضاً لقي مقاومة شديدة تمثلت في شخص الفيلسوف الكلبي[3] “كريسكنس” (Crescens)، الذي اتهمه يوستينوس بالجهل. ولدينا رواية موثقة عن استشهاد يوستينوس مذكورة في (Martyrium S. Justini et Sociorum)، وهي معتمدة على محضر المحاكمة الرسمي. ووفقاً لهذه الوثيقة، قطعت رأس القديس يوستينوس ومعه ستة آخرون عام 165م على أرجح الأقوال، ذلك في حين كان الحاكم “يونيوس روستيكوس” (Junius Rusticus) (163-167م) لا يزال في منصبه.
كتابات القديس يوستينوس
كان يوستينوس كاتباً غزير الإنتاج، ولم تصلنا من كتاباته التي كان يعرفها يوسابيوس (Hist. 4: 18) إلا ثلاثة أعمال فقط موجودة في مخطوطة وحيدة حالتها متدهورة نسخت عام 1364م (Paris. No. 450). وهذه الأعمال الثلاثة هي دفاعاه ضد الوثنيين وحواره مع تريفيون اليهودي.
أما أسلوب هذه الأعمال فهو أبعد ما يكون عن الجاذبية، لأنه يتبع ما تمليه عليه اللحظة كونه غير معتاد على اتباع خطة محددة. إنه ينحرف عن الموضوع، وأفكاره غير مترابطة، كما أنه ضعيف في صياغة الجمل الطويلة. يفتقد أسلوب يوستينوس التعبيري برمته إلى القوة، كما أنه نادراً ما يصل إلى البلاغة أو دفء المشاعر.
لكن، بالرغم من كل ما تنطوي عليه كتابات يوستينوس من عيوب، إلا أنها بالنسبة لنا ذات جاذبية لا تحد، فهي تكشف لنا عن شخصية متفتحة وأمينة تحاول أن تصل إلى مساحة مشتركة مع الخص. كان يوستينوس مقتنعاً بأن “كل شخص يستطيع أن يتكلم بالحق ولا يفعل سوف يدينه الله” (Dial. 82)، وهو أول كاتب كنسي يحاول أن يقيم جسراً بين المسيحية والفلسفة الوثنية.
أولاً: دفاعا القديس يوستينوس
إن أهم كتابات يوستينوس الباقية هما دفاعاه، ويعلق يوسابيوس عليهما في (Hist. Eccles. 4: 18) قائلاً: “ترك لنا يوستينوس مقالات ذات فكر مُثقف متمرس لاهوتياً، ومليئة بكل ما هو نافع. وسنحيل الدارسين إليها، مشيرين إلى ما قد وصلنا منها بشكل نافع. هناك مقالة كتبها دفاعاً عن عقيدتنا موجهاً إياها إلى أنطونينوس الملقب بـ “بيوس” وأولاده، ومقالة أخرى كتبها إلى مجلس الشيوخ الروماني تحوي دفاعاً ثانياً عنا، وجهه إلى خليفة الإمبراطور السابق الذكر وسميه المدعو أنطونينوس فيروس”.
ونحن بالتأكيد لدينا دفاعان بقلم القديس يوستينوس، أطولهما الدفاع المكون من ثمانية وستين فصلاً، موجه إلى أنطونينوس بيوس، وأقصرهما، المكون من خمسة عشر فصلاً، موجه إلى مجلس الشيوخ الروماني. لكن (E. Schwartz) يعتبر الأخير مجرد خاتمة للأول، ففي الغالب، كان كلام يوسابيوس عن دفاعين هو السبب الذي لأجله قسم العمل الكامل في المخطوطة إلى قسمين، ثم وضعت الخاتمة في المقدمة كما لو كانت عملاً مستقلاً بذاته.
أما اليوم فيوافق معظم الدارسين على أن العمل المعروف بالدفاع الثاني كان يشكل في الأصل ملحقاً للأول أو إضافة لاحقة عليه. وعلى أرجح الأقوال، كانت الأحداث التي وقعت في عهد الحاكم أوربيكوس (Urbicus) هي الدافع الذي يقف وراء كتابة هذا العمل، وهو يبدأ بوصف لأحداثها.
والدفاعان موجهان إلى الإمبراطور أنطونينوس بيوس (138-161م). ويبدو أن القديس يوستينوس قد كتبهما في الفترة ما بين عامي 148م و161م، لأنه يقول في (Apology I: 46): “لقد ولد المسيح من مائة وخمسين عاماً في عهد كيرينيوس (Quirinius)”، وقد كُتبا هذا الدفاعان في مدينة روما.
الدفاع الأول ليوستينوس
في المقدمة (الفصول 1-3)، يطلب يوستينوس من الإمبراطور باسم المسيحيين، أن يتناول قضيتهم باهتمام، وأن يكوّن قراره بدون أن تُضلله تحيزات الجماهير أو كراهيتهم.
يتكون الجزء الرئيسي في الدفاع من قسمين:
1) القسم الأول (الفصول من 4-12) هو نقد لموقف الدولة الرسمي من المسيحيين. وهنا ينتقد الكاتب الإجراءات القضائية التي تتبعها الدولة بشكل منظم ضد شركائه في الإيمان، والاتهامات الباطلة الموجهة إليهم. إنه يحتج على تصرفات السلطات الحمقاء في إنزال العقاب لمجرد اعتراف الشخص باعتناق المسيحية؛ فاسم “مسيحي” مثله مثل اسم “فيلسوف” لا يثبت إدانة شخص ما أو براءته. يمكن إنزال العقوبات على جرائم أدين بها متهم، لكن الجرائم التي اتُّهم المسيحيون بها ما هي إلا محض افتراءات. إنهم ليسوا بملحدين، فإذا رفضوا أن يعبدوا الآلهة، فهم يفعلون ذلك لأن تقديم العبادة لهذه الآلهة حماقة. إن معتقداتهم الأخروية وخوفهم من العقاب الأبدي تحفظهم من السلوك الخاطئ، وتجعل منهم أفضل أعوان للدولة.
2) يتحول القسم الثاني (الفصول من 13-67) إلى شرح الديانة المسيحية، معطياُ وصفاً تفصيلياً بوجه خاص لتعاليمها وعباداتها وأساسها في التاريخ، وأسبابها لاعتناقها.
أولاً: تعاليم المسيحيين العقائدية والأخلاقية:
من النبواءت الإلهية يمكن إثبات أن يسوع المسيح هو ابن الله ومؤسس الديانة المسيحية، ولقد أسسها بحسب إرادة الله حتى يحول الجنس البشري ويصلحه. ولقد حاكت الشياطين نبوات العهد القديم وقلدتها في الأديان الوثنية السرية، وذلك يفسر سبب الكثير من التشابهات والتماثلات بين الديانة المسيحية وأشكال العبادة الوثنية. وبالمثل، اقتبس الفلاسفة، مثل أفلاطون، من العهد القديم، ولهذا السبب، لا يمكننا أن نتعجب من وجود بعض الأفكار المسيحية في الفلسفة الأفلاطونية.
ثانياً: العبادة المسيحية:
يعطي الكاتب هنا وصفاً لسر المعمودية، وخدمة الإفخارستيا وحياة المسيحيين الاجتماعية.
الخاتمة (فصل 68) عبارة عن تحذير جاد للإمبراطور. ثم أضاف يوستينوس في نهاية الدفاع الأول المرسوم الذي أرسله الإمبراطور هادريان، حوالي عام 125م، إلى “مينوكيوس فوندانوس” (Minucius Fundanus) حاكم آسيا. وهذه الوثيقة ذات أهمية كبرى بالنسبة لتاريخ الكنيسة، فهي تنص على أربعة قوانين وضعت من أجل إجراءات قضائية أعدل وأصح في المحاكمات المقامة ضد المسيحيين، وهذه القوانين هي:
1) الحكم على المسيحيين يجب أن يتم من خلال إجراء قانوني أمام محكمة جنائية.
2) يمكن أن يدان المتهمون فقط إذا كان هناك دليل على أنهم قد ارتكبوا جريمة ضد القانون الروماني.
3) يجب أن تتناسب العقوبات مع طبيعة الجرائم ودرجتها.
4) يجب أن يعاقب كل اتهام كاذب بشدة.
وبحسب يوسابيوس في (Hist. Eccles. 4: 8: 8) ضم يوستينوس هذه الوثيقة في نصها اللاتيني الأصلي إلى دفاعه، ولقد ترجمها يوسابيوس إلى اليونانية، ثم أدرجها في كتابه “تاريخ الكنيسة” (4: 9).
الدفاع الثاني للقديس يوستينوس
يبدأ هذا العمل بذكر الأحداث التي كانت قد وقعت مؤخراً، فأوربيكوس، حاكم مدينة روما، كان قد قطع رأس ثلاثة من المسيحين لأنهم اعترفوا بكونهم مسيحيين. ويلجأ يوستينوس مباشرة إلى الرأي العام الروماني محتجاً مرة أخرى ضد المعاملة الخشنة غير العادلة التي يتعرض لها المسيحيون ومجيباً على انتقادات عدة. فهو، على سبيل المثال، يجيب عن السؤال الساخر الذي كان يسأله الوثنيون، وهو: لماذا لا ينتحر المسيحيون حتى يصلوا إلى إلههم بأقصى سرعة؟
فيجيب يوستينوس قائلاً: “لأننا، إن فعلنا هذا، سوف نسلك نحن أنفسنا ضد إرادة الله. لكن عند استجوابنا لا ننكر، لأننا لم نقصد أي شر، بل أننا نعد عدم قولنا الحق في كل الأشياء أمراً شريراً” (Apol. 2: 4). لقد أثارت كراهية الشياطين للحق والفضيلة الاضطهادات ضد المسيحيين، وتلك القوى الشيطانية نفسها هي التي أتعبت “أتقياء العهد القديم والعالم الوثني.
لكن، لن يكون لهذه القوى سلطان على المسيحيين إذا لم يكن الله يريد أن يقود أتباعه عبر التجارب والقلاقل إلى الفضيلة والمكافأة، وعبر الموت والخراب إلى الحياة الأبدية والسعادة. وفي الوقت نفسه، يعطي الاضطهاد المسيحيين فرصة ليظهروا سمو ديانتهم على الوثنية بطريقة مؤثرة. وختاماً، يطلب يوستينوس من الإمبراطور أن يتبع، في محاكمته للمسيحيين، العدل والصلاح ومحبة الحق.
ثانياً: الحوار مع تريفون
هو أقدم دفاع مسيحي ضد اليهود لا يزال في حوزتنا. لكننا، للأسف، لا نملك نصه الكامل، فلقد فُقدت منه المقدمة وجزء كبير من الفصل (74). ولا بد من أن الحوار قد كُتب بعد كتابة الدفاعين، لأن هناك إشارة إلى الدفاع الأول في الفصل 120. ويحتوي الحوار على نقاش دار على يومين مع شخص يهودي متعلم، وهو على الأرجح الرابي “تارفون” المذكور في المشناه[4].
ويعتقد يوسابيوس (Hist, Eccles. 4: 18: 6) أن مدينة أفسس هي المكان الذي أقيم فيه هذا الحوار. وقد أهدى القديس يوستينوس عمله هذا لشخص يدعى “ماركوس بومبيوس” (Marcus Pompeius)، وهو عمل طويل، يبلغ طوله مئة واثنين وأربعين فصلاً. وتحتوي المقدمة (الفصول من 2-8) على قصة مفصلة يرويها يوستينوس عن نموه الفكري واعتناقه المسيحية.
ويشرح القسم الأول من الجزء الرئيس (الفصول من 9-47) وجهة النظر المسيحية بخصوص العهد القديم. لقد كان الناموس الموسوي ذا سلطة قانونية مؤقتة، فالمسيحية هي الناموس الجديد والأبدي لكل جنس البشر. ثم يُفسر القسم الثاني من الجزء الرئيس (الفصول من 48-108) سبب عبادة المسيح كإله، أما القسم الثالث من الجزء الرئيس (الفصول 109-142) فيبرهن على أن الأمم التي آمنت بالمسيح وتبعت ناموسه هي إسرائيل الجديد وشعب الله المختار الحقيقي.
ويختلف النهج الدفاعي المتبع في الحوار عن ذاك المتبع في الدفاعين لأنه موجه إلى نوع مختلف تماماً من القراء، فالقديس يوستينوس، في حواره مع تريفون، يركز على العهد القديم، ويقتبس من أقوال الأنبياء كبرهان على أن الحق المسيحي كان موجوداً حتى من قبل المسيح. وبالفحص الدقيق لاقتباسه من العهد القديم، يكشف المرء أن يوستينوس يفضل الفقرات التي تتكلم عن رفض الله لإسرائيل واختياره الأمم الوثنية.
ومن الواضح أن هذا الحوار ليس بأي حال من الأحوال إعادة إنتاج لتقرير اختزالي خاص بمناظرة حقيقية. لكن من ناحية أخرى، نجد أن صيغة الحوار ليست بكاملها مجرد أسلوب أدبي؛ إذ يبدو أن كتابة هذا العمل قد سبقته حوارات ونقاشات حقيقية. ومن الممكن أن تكون هذه المناقشات قد حدثت في أفسس في زمن حرب “باركوخبا” المذكورة في الفصل الأول والتاسع.
ثالثاً: أعمال يوستينوس المفقودة
بالإضافة إلى الدفاعين والحوار مع تريفون، كتب يوستينوس عدداً من الكتابات الأخرى التي فقدت، ولم تبق من هذه الأخيرة سوى عناوين أو بعض الشذرات الصغيرة. أحد هذه الأعمال ذكرها يوستينوس بنفسه، وآخر اقتبس منه إيرينيوس، وكثير منها جاء ذكره في قائمة يوسابيوس. كما لا تزال هناك أعمال أخر اقتبس منها الكتاب الكنسيون اللاحقون، وفيما يلي قائمة كتابات يوستينوس المعروفة لنا اليوم:
مقال ضد كل الهرطقات: ذلك العمل الذي يشير إليه يوستينوس بنفسه في الدفاع الأول: فصل 26.
ضد ماركيون: وهو العمل الذي استخدمه إيرينيوس في (ضد الهرطقات 4: 6: 2)، ويذكره يوسابيوس في (Hist. Eccl. 4: 11: 8ff).
مقالة ضد اليونانيين: وهو الذي يقول يوسابيوس بشأنه: “بعد مناقشة طويلة وموسعة تدور حول الكثير من الأشياء التي يتباحث فيها كل من المسيحيين والفلاسفة، يتحدث القديس يوستينوس عن طبيعة الشياطين”.
النُصح: وهو مقالة أخرى كانت بحسب يوسابيوس في (4: 18: 4)، موجهة إلى اليونانيين.
عن سلطان الله: ذلك العمل الذي بناه يوستينوس ليس فقط على كتبنا المقدسة، بل على كتب اليونانيين أيضاً.
عن النفس: ويصف يوسابيوس محتوى هذا العمل في (4: 18: 5) هكذا: “يعرض يوستينوس فيه عدة أسئلة حول المشكلة محل النقاش، ويورد آراء الفلاسفة اليونانيين التي يعد بتفنيدها والإدلاء برأيه الخاص في كتاب آخر.
كتاب بعنوان “المُرتل”.
في كتاب يوحنا الدمشقي “Sacra Parallela” ثلاث شذرات كبيرة من مقالة يوستينوس “عن قيامة الأموات”، ولكن أصالتها محل شك.
وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الكتابات كلها قد فُقدت، احتوت المخطوطات على عدد من الكتابات المنحولة تحت اسم يوستينوس. غير أنه من الجدير بالملاحظة أن ثلاثة من هذه الأعمال المنحولة لها عناوين تشبه عناوين أعمال يوستينوس الأصلية المفقودة:
يحاول كتاب “نصح اليونانيين” (Cohortatio ad Graecos) أن يقنع اليونانيين بالدين الحق في صورة خطبة، فالأفكار التي كانت لدى الشعراء اليونانيين بخصوص الآلهة مستهجنة، كما أن تعاليم الفلاسفة فيما يتعلق بالقضايا الدينية مليئة بالتناقضات. ويجد المرء الحق مع موسى والأنبياء، هؤلاء الذين عاشوا قبل الفلاسفة اليونانيين. لكن، يمكن للمرء أن يجد آثاراً من معرفة الله الحقيقية حتى في أعمال الشعراء والفلاسفة اليونانيين، إلا أن القدر القليل من الصلاح الذي تحتويه تلك الأعمال مأخوذ من كُتب اليهود. ويختلف موقف كاتب “نصح اليونانيين” من الفلسفة اليونانية عن موقف القديس يوستينوس بشكل لافت للنظر، حتى إنه لهذا السبب وحده لا يمكن أن تنسب كتابة هذا العمل إليه. لكن إلى جانب هذا، فإن أسلوبه الأدبي يفوق أسلوب يوستينوس، كما أنه يستخدم مفردات لغوية مميزة. كل هذه الأسباب معاً كافية لتثبت أن العمل ليس أصيلاً. وقد كتب “نصح اليونانيين” على الأرجح في القرن الثالث الميلادي، ويتكون من 38 فصلاً، وهو أطول الكتابات المنسوبة إلى يوستينوس.
أما العمل الأقصر كثيراً فهو المعروف باسم “خطاب إلى اليونانيين” (Oratio ad Graecos)، والذي يبلغ عدد فصوله خمسة فقط. والعمل زاه ومفعم بالحياة من حيث الأسلوب الأدبي، ومكثف وجذاب من حيث الترتيب. ومثلما هو واضح من محتواه، هو عبارة عن دفاع مهتد يوناني عن نفسه، إنه “دفاع عن حياته” (Apologia pro vita sua). يهاجم الكاتب استباحة الآلهة الوثنية كما يصورها هوميروس (Homer) وهيزيود (Hesiod)، ثم يختم خطابه بدعوة حماسية لاعتناق المسيحية. ويدل كل من الأسلوب البلاغي الرفيع والمعرفة الممتازة بالأساطير اليونانية على أن القديس يوستينوس ليس بكاتب هذا العمل. ويرجع كتابة “الخطاب” على الأرجح إلى النصف الأول من القرن الثالث الميلادي، ونحن نملك نصين له: النص الأقصر موجود باللغة اليونانية، أما الأطول، والذي حرره شخص اسمه أمبروسيوس (Ambrosius)، فموجود فقط في ترجمة سريانية.
أما العمل المعروف باسم “عن الرئاسة الواحدة” (De Monarchia) (6 فصول) هو مقال يسعى لإثبات وحدانية الله من خلال الاستشهاد بأشهر شعراء اليونان. ويشهد اختلاف الأسلوب الأدبي لهذا العمل عن أسلوب يوستينوس بأن يوستينوس ليس بكاتبه، علاوة على ذلك، يعطي يوسابيوس وصفاً لمحتوى عمل يوستينوس الأصيل (De Monarchia)، وهو لا يتطابق مع محتوى هذا المقال.
وإلى جانب هذه الأعمال الثلاثة، هناك عدد من الأعمال الأخرى التي تنسبها المخطوطة إلى يوستينوس. وتتشابه أربعة من هذه الأعمال بشدة من حيث اللغة والتعاليم اللاهوتية حتى إنه لا بد من أن يكون كاتبها شخصاً واحداً، ويبدو أن هذا الأخير قد عاش حوالي عام 400م وكان له علاقة ما بسوريا. وهذه المقالات هي:
أسئلة وأجوبة عن الأرثوذكس: عمل يحتوي على مائة وواحد وستين سؤالاً وإجابة تتعلق بمسائل تاريخية، وعقائدية، وأخلاقية، وتفسيرية.
أسئلة المسيحيين للأمم: تشتمل هذه المقالة على خمسة أسئلة عقائدية يوجهها المسيحيون إلى الوثنيين ثم يجيب الوثنيون عليها، لكن يتم تفنيد هذه الإجابات لكونها تعج بالتناقضات.
أسئلة اليونانيين للمسيحيين: تشتمل هذه المقالة على خمسة عشر سؤالاً يسألها الوثنيون، والعدد نفسه من أجوبة المسيحيين، وذلك فيما يتعلق بجوهر الله، وقيامة الأموات، وعقائد مسيحية أخرى.
تفنيد بعض العقائد الأرسطوطالية: ويفند هذا العمل، في خمس وستين فقرة، تعاليم أرسطو فيما يتعلق بالله والعالم.
ولقد تعذرت معرفة هوية الكاتب الحقيقية لهذه المقالات حتى اليوم، فينسبها (A. Harnack) إلى “ديودوروس الطرسوسي” (Diodorus of Tarsus)، في حين فكر آخرون في ثيودوريت الكورشي” (Theodoret of Cyrus) الذي تنسب إليه مخطوطة القسطنطينية كتابة “أسئلة وأجوبة عن الأرثوذكس”، لكن لا يمكننا أن نضمن بأي حال من الأحوال أن أياً منها هو الكاتب.
وإلى جانب هذه المقالات الأربع، تنسب المخطوطات المقالات التالية ليوستينوس:
شرح الإيمان أو عن الثالوث (Expostitio Fedei seu de Trinitte)، وهو شرح لعقيدة الثالوث، وكاتب هذا العمل غير معروف، لكن يبدو أنه لا يعود إلى ما قبل القرن الخامس الميلادي.
رسالة إلى زينا وسيرينوس (Epistola ad Zenam et Serenum)، وهي دليل مفصل للسلوك النسكي المسيحي، مع وصايا تتعلق بفضيلتي التواضع والهدوء وهي تذكرنا بالتعاليم الأخلاقية التي للفلسفة الرواقية. ويعتقد (P. Batiffol) أن “سيسينيوس القسطنطيني” هو كاتب الرسالة، وأنها قد كتبت حوالي عام 400م.
فكر القديس يوستينوس اللاهوتي
ينبغي أن نتذكر عند تحليل الفكر اللاهوتي للقديس يوستينوس، أننا لا نملك وصفاً كاملاً ومفصلاً للإيمان المسيحي بقلمه، كذلك يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار أن أعماله اللاهوتية الأصلية، مثل “عن سلطان الله” و”عن النفس” و”عن قيامة الأموات” و”تفنيد جميع الهرطقات” و”ضد ماركيون”، قد فُقدت. ولا يمدنا “الدفاعان” و”الحوار مع تريفون” بصورة شاملة عن يوستينوس الشهيد كمعلم لاهوتي.
لقد كانت لدي يوستينوس، في الأعمال المضادة للهرطقات، فرصة أكبر بكثير ليبحث ويتعمق في المسائل الخاصة بالعقيدة، في حين أنه، عند دفاعه عن الإيمان ضد غير المؤمنين، يركز بالأكثر على احتكام الإيمان إلى العقل. ويسعى يوستينوس ليشير إلى التشابهات الحاصلة بين تعاليم الكنيسة وتعاليم المفكرين والشعراء اليونانيين، وذلك لكي يبين أن المسيحية هي الفلسفة الوحيدة الآمنة والمفيدة.
ولهذا السبب، ليس من المفاجئ أن يكشف التعليم اللاهوتي للقديس يوستينوس عن تأثير أفلاطوني؛ فمن بين كل النسق الفلسفية الوثنية، كان يوستينوس يُجل النسق الأفلاطوني بالأكثر.
1 – مفهوم الله
هناك بالفعل، في مفهوم يوستينوس عن الله، ميل واضح للفلسفة الأفلاطونية. الله لا بداية له، ومن هذه الحقيقة يجب علينا أن نستنتج أنه لا اسم له: “لا ينبغي أن نطلق اسماً على أبي الكل، غير المولود. لأن كل من يُدعى باسم يكون من سماه أكبر منه. أما الكلمات مثل “الآب” و”الله” و”الخالق” و”السيد” فليست أسماء، لكنها ألقاب مشتقة من أعماله ووظائفه الصالحة. إن لقب “الله” ليس اسماً، لكنه فكرة مزروعة في طبيعة البشر بخصوص الشيء الذي لا يمكن تفسيره”. (2: 6).
وأفضل اسم له هو “الآب”، لأنه بما أنه هو الخالق، فهو حقاً أبو كل الأشياء. وينكر يوستينوس الحضور الجوهري لله في كل مكان، فبحسبه، يسكن الله الآب في المناطق التي تعلو السماء، ولا يمكنه أن يغادر مكانه، ولهذا السبب لا يمكنه أن يظهر في العالم:
“إن من يملك أقل قدر من الذكاء لن يجرؤ أن يقول إن الخالق وأبا كل الأشياء قد ظهر في بقعة صغيرة من الأرض تاركاً كل الأمور فوق السمائية” (Dial. 60) “لأن الآب الذي لا ينطق به، ورب كل الأشياء، لا يأتي إلى أي مكان، ولا يسير، ولا ينام، ولا يقوم، بل يبقى في مكانه أيا كان هذا المكان، ينظر بسرعة ويسمع بسرعة، بلا عيون له ولا آذان، إلا أنه ذو قوة لا توصف؛ يعرف كل الأشياء، ولا يفلت واحد من ناظريه.
إنه لا يتحرك لأي بقعة من العالم كله ولا يتقيد بها، لأنه كان موجوداً قبل أن يخلق العالم. كيف إذن يمكنه أن يتكلم لأي شخص، أو أن يراه أي شخص، أو أن يظهر على أصغر بقعة من الأرض في حين كان الشعب في سيناء غير قادرين حتى على النظر إلى مجده الذي أرسله؟” (Dial. 127)
ولكن بما أن الله مُتعال وسام فوق كل البشر، من اللازم إذن أن يُقام جسر فوق الهوة التي تفصل بين الله والإنسان، وهذا ما فعله اللوغوس “الكلمة”، فاللوغوس هو الوسيط بين الله الآب والعالم. فالله يتواصل مع العالم من خلال اللوغوس فقط، ويظهر نفسه من خلاله بشكل حصري. إذاً، يكون اللوغوس هو الدليل إلى الله ومعلم الإنسان، وهو في الأصل كان يسكن كقوة بداخل الله، لكن قبل خلق العالم بوقت قصير، خرج وصدر منه ثم خلق العالم بنفسه.
ويوستينوس في حواره مع تريفون يشرح ولادة اللوغوس بصورتين مختلفتين: “إنها تشبه بالضبط ما نراه يحدث في حالة النار، تلك التي لا ينقص منها شيء عندما تُشعل منها نار أخرى لكن تبقى على حالها كما هي، كذلك تظهر النار التي أشعلت كما لو كانت موجودة من تلقاء نفسها بدون أن تنقص من وهج تلك التي أُشعلت منها”. (Dial. 61). أو بالضبط مثل العمل الذي يخرج من الإنسان بدون أن ينقص من جوهره. هكذا لا بد أن تفهم ولادة اللوغوس، الكلمة الإلهي، باعتبار عملية تحدث داخل الله.
أما عند الحديث عن العلاقة بين الآب والابن، فيبدو أن يوستينوس يميل إلى “الخضوعية” أو “التبعية التراتبية” (Subordinationism)، وهذا يتضح من كلامه في (Apology 2: 6): “ابنه الوحيد الذي يليق به وحده أن يسمى “الابن” و”الكلمة”، الوحيد الذي كان معه وولد منه قبل المخلوقات.
وعندما خلق الآب به في البدء كل شيء ودبره، سماه “المسيح” في إشارة إلى أنه قد مسح، وأن الله به دبر كل شيء”. ومن ثم، يبدو أن يوستينوس يفترض أن اللوغوس قد استقل خارجياً بغرض خلق العالم وتدبيره فقط[5]. لقد منحه الوظيف الشخصية وجوداً شخصياًن فأصبح شخصاً إلهياً، لكنه خاضع للآب[6]. (Cf. Dial. 61)
وتعاليم يوستينوس عن اللوغوس هي أهم تعاليمه، لأنها تشكل جسراً بين الفلسفة اليونانية والمسيحية، ذلك لأن يوستينوس يعلم أنه بالرغم من أن اللوغوس الإلهي قد ظهر بملئه في المسيح، إلا أن “بذرة اللوغوس” كانت قد انتشرت بين الجنس البشري برمته قبل المسيح بوقت طويل، لأن كل إنسان يمتلك بذرة من اللوغوس. ومن ثم، ليس فقط أنبياء العهد القديم، بل حتى الفلاسفة اليونانيون، قد حملوا بذرة خصبة من اللوغوس في نفوسهم، فعلى سبيل المثال، كان “هيراقليطس” (Heraclitus).
و”سقراط”، والفيلسوف الرواقي “ميسونيوس” (Musonius) هؤلاء الذين عاشوا بحسب توجيهات اللوغوس الكلمة الإلهي – مسيحيين حقاً: “لقد تعلمنا أن المسيح هو بكر الله، وقد أوضحنا أنه هو اللوغوس الذي يشترك فيه كل البشر، وأن هؤلاء الذين عاشوا بحسب اللوغوس هم مسيحيون، حتى لو اُعتبروا ملحدين، مثل هؤلاء الذين كانوا بين اليونانيين، سقراط، وهيراقليطس، وأناس مثلهم” (Apology 1: 46).
هكذا، لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين المسيحية والفلسفة، لأن: “كل حق نطق به البشر مهما كان هو ملك لنا نحن المسيحيين. لأننا، إلى جانب الله، نعبد ونحب اللوغوس الذي هو من الله غير المولود وغير الموصوف. لأنه من أجلنا صار إنساناً، حتى يشترك في آلامنا ويجلب لنا الشفاء. فكل الكُتاب، من خلال بذرة اللوغوس التي طعمت فيهم، كان لهم قبس من الحقيقة، لأن بذرة الشيء وتقليده الذي يعطى بحسب قدرة ذاك الذي يناله هو أمر، والشيء نفسه الذي يشترك فيه بحسب نعمة الله هو أمر مختلف تماماً” (Apology 2: 13)
ويقول أيضاً: “لأنه مهما كان الشيء الحسن الذي نطق به المشرعون أو الفلاسفة، فقد توصلوا إليه بعثورهم على جزء من اللوغوس والتأمل فيه. لكن بما أنهم لم يكن لديهم معرفة باللوغوس كاملاً، الذي هو المسيح، كانوا كثيراً ما يناقضون أنفسهم. كذلك هؤلاء الذين كانوا من جهة الولادة أقدم من المسيح، عندما كانوا يحاولون أن يفكروا في الأشياء ويثبتونها بالمنطق، كانوا يمثلون أمام المحاكم باعتبارهم أشراراً وفضوليين.
ولقد أُتُهم سقراط، الذي كان في هذا الاتجاه أكثر اجتهاداً من جميعهم، بنفس الجرائم التي نُتهم بها نحن. لأنهم قالوا إنه قدم آلهة جديدة، ولم يعتقد بهذه الآلهة التي اعترفت بها الدولة… لكن مسيحنا قد فعل هذه الأشياء بقوته الخاصة، لأنه لم يحدث أن أحداً آمن بسقراط إلى درجة أن يموت في سبيل هذه التعاليم، لكن المسيح، ذاك الذي كان معروفاً لسقراط جزئياً، لأنه كان ولا يزال اللوغوس الذي يسكن في كل إنسان.” (Apology 2: 10).
هكذا يعطي يوستينوس إثباتاً ميتافيزيقياً لوجود عناصر الحق في الفلسفة الوثنية، لكنه بالإضافة إلى هذا، لديه أيضاً إثبات تاريخي. فالفلاسفة الوثنيون قد نطقوا بالكثير من الأقوال الصحيحة لأنهم كانوا قد استعاروها من أدب اليهود، من العهد القديم:
“إن موسى أقدم من جميع الكُتاب اليونانيين، كما أنه مهما كانت أقوال كل من الفلاسفة والشعراء عن خلود النفس او العقاب ما بعد الموت، أو التأمل في الأمور السماوية، أو ما يشبه هذا من تعاليم، فقد حصلوا على مثل هذه التلميحات من الأنبياء، لأنها قد مكنتهم من أن يفهموا هذه الأمور ويفسروها. ومن ثم، يبدو أن هناك بذاراً للحق منتشرة بين جميع الناس”. (Apology 1: 44).
لكن المسيحيين وحدهم هم الذين يمتلكون الحق الكامل، لأنه في المسيح يتجلى الحق بذاته.
2 – مريم وحواء
كان يوستينوس هو أول كاتب مسيحي يضيف نظيراً للمقارنة التي كتبها القديس بولس الرسول بين آدم والمسيح، وذلك بمقارنة مريم بحواء، فهو يقول التالي في حواره مع تريفون (فصل 100) “لكن المسيح صار إنساناً بواسطة العذراء حتى يدمر العصيان الذي خرج من الحية نفس الطريقة التي بدأ بها.
لأن حواء التي كانت عذراء لم تدنس، بعدما حبلت بكلمة الحية، ولدت عصياناً وموتاً. لكن العذراء مريم نالت إيماناً وفرحاً عندما بشرها الملاك جبرائيل بالأخبار السارة، وهي أن روح الرب سيحل عليها، وقوة العلي ستظللها؛ لأن القدوس المولود منها هو ابن الله. وأجابته قائلة: “ليكن لي كقولك”. ومنها قد ولد ذاك الذي قد ثبت أن الكثير من نبوات الكتب المقدس تشير إليه، والذي به يدمر الله كلا من الحية وهؤلاء الملائكة، ومن مثلهم من البشر”.
3 – الملائكة والشياطين
يوستينوس هو أحد الكُتاب الأوائل الذين يشهدون لإكرام الملائكة: “الطغمات الأخرى من الملائكة الصالحين الذين يتبعونه ويتشبهون به، والروح النبوي الذي نعبده ونكرمه”. (Apology 1: 6).
والملائكة يعتنون بالبشر جميعاً من السماء: “إنه قد أسند مهمة العناية ببني البشر وكل الأشياء التي تحت السماء إلى ملائكة عينها عليهم” (Apology 2: 5).
ويوستينوس ينسب إلى الملائكة أجساماً تشبه الأجسام البشرية بالرغم من طبيعتها الروحانية: “مما هو واضح بالنسبة لنا هو أنهم يأكلون في السماء، هذا بالرغم من أنهم لا يتغذون على طعام يشبه طعام البشر؛ لأنه بالنسبة للمن الذي اغتذى عليه آباؤكم في الصحراء تقول الكتب المقدسة إنهم أكلوا “طعام الملائكة” (Dial. 57)
أما حقيقة كون القديس يوستينوس ينسب الجسد للملائكة فتظهر في رأيه بشأن سقوط الملائكة، فلقد كانت خطيئة الملائكة الساقطين تتمثل في اتصالهم الجنسي بنسوة بشريات: “لقد تعدت الملائكة هذه الوظيفة، وفتنت بحب النساء، وولدت أولاداً هم هؤلاء الذين نسميهم بالشياطين”. (Apol 2: 5).
والشياطين عقابهم في النار الأبدية بعد عودة المسيح (Apol. 1: 28). ولهذا، ما زالت لديهم القدرة حتى الآن ليضلوا البشر ويغووهم، فبعد مجيء المسيح أصبح كل مسعاهم هو أن يمنعوا الإنسان من الاهتداء إلى الله واللوغوس (Apol. 1: 26, 54, 57, 62). وهذا قد أثبته الهراطقة الذين هم أدوات الشياطين، لأنهم يبشرون بإله غير الآب وابنه.
لقد أعمت الشياطين اليهود وأثارتهم ليسببوا كل تلك الآلام للوغوس الذي ظهر في يسوع، لكن ولأنهم يعرفون أن المسح سوف يضم أغلب أتباعه من بين الأمم، لذلك كانوا متلهفين على نحو خاص ليفسدوا فرصته بينهم. ومن اللافت للنظر في هذا الخصوص ما يقوله يوستينوس عن تأثير اسم يسوع على الشياطين: “نحن نسميه المعين والمخلص، والقوة التي باسمها ترتعد الشياطين.
واليوم، عندما تُطرد الشياطين باسم يسوع المسيح، الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي حاكم اليهودية، تتم هزيمتهم. وهكذا يظهر للجميع أن أباه قد منحه قوة عظيمة جداً بها تخضع الشياطين لاسمه” (Dial. 30).
4 – الخطية الأصلية[7] والتأله
كان يوستينوس مقتنعاً بأن كل إنسان له إمكانية التأله وكان هذا على الأقل هو الحال في بداية الخليقة، لكن الأبوين الأولين قد وقعها في الخطية وجلبا الموت على نفسيهما. ولكن الآن، استعاد كل إنسان القدرة على أن يصبح إلهاً: “لقد خلقوا على مثال الله، متحررين من الآلام والموت، بشرط أن يحفظوا وصاياه، وحسبوا مستحقين أن يحملوا اسم أبنائه.
لكنهم – مثل آدم وحواء – جلبوا الموت على أنفسهم: ليكن تفسير المزمور (81) كما تريدونه أن يكون، لكن هكذا يظهر أن كل البشر قد حسبوا مستحقين أن يصبحوا آلهة وأن يكون لهم القدرة على أن يصبحوا أبناء للعلي. إلا أنهم سقطوا تحت الحكم والدينونة كآدم وحواء”. (Dial. 124).
5 – المعمودية والإفخارستيا
إن وصف ليتورجية المعمودية وليتورجية الإفخارستيا الذي يعطيه يوستينوس في نهاية الدفاع الأول هو ذو قيمة استثنائية، فهو يقول بشأن المعمودية: “ولسوف أحكي أيضاً عن الطريقة التي بها نكرس أنفسنا لله حينما نُجدد من خلال المسيح، مخافة من أن نبدو غير منفصلين في الشرح الذي نقوم به إذا لم نذكرها. بما أن هناك كثيرين مقتنعون ومؤمنون بأن ما نعلم به ونقوله حقيقي آخذين على عاتقهم أن يعيشوا بحسبه، يتم إرشادهم ليصلوا ويتضرعوا إلى الله بالصوم من أجل غفران خطاياهم السابقة، ونصلي ونصوم معهم.
ثم نحضرهم إلى حيث يوجد ماء، فيجددون بنفس الطريقة التي تجددنا بها. لأنهم حينئذ ينالون الغسل بالماء باسم الله الآب سيد الكون، ومخلصنا يسوع المسيح والروح القدس… وقد تعلمنا من الرسل السبب في هذا – الطقس – لأننا في ميلادنا الأول قد ولدنا من اجتماع أبوينا بدون معرفتنا وبلا اختيار منا ثم كبرنا في عادات سيئة وتدريب شرير، وحتى لا نظل أولاداً للجبر والجهل بل نصبح أولاداً للاختيار والمعرفة، وحتى نحصل على غفران الخطايا التي ارتكبناها في السابق.
وهناك، يدعى ذاك الذي اختار أن يولد من جديد وتاب عن خطاياه باسم الله الآب سيد الكون، فذاك الذي يقود الشخص المزمع أن يغتسل إلى حيث الجرن يدعوه بذلك الاسم وحده. ويسمى هذا الغسل بـ “الاستنارة”، لأن هؤلاء الذين يتعلمون هذه الأمور يستنيرون روحياً. لكنه يدعوه أيضاً باسم يسوع المسيح الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي، وباسم الروح القدس الذي بواسطة الأنبياء سبق وأخبر بكل الأمور المتعلقة بيسوع المسيح”. (Apol. 1, 61).
وهناك وصفان لخدمة الإفخارستيا في دفاعي يوستينوس. يصف يوستينوس في الأول (فصل 65) الليتورجية الإفخارستية الخاصة بالمعمدين حديثاً، ويعطي في الثاني (فصل 67) تفاصيل خدمة الأحد المعتادة. وتبدأ خدمة الآحاد بقراءة من الأناجيل القانونية التي يسميها يوستينوس صراحة بـ “مذكرات الرسل”، أو قد جاء في القراءات. بعد هذا تصلي الجماعة من أجل المسيحيين وجميع البشر في العالم كله، وفي ختام الصلاة يتبادل الأعضاء جميعهم قُبلة السلام.
حينئذ، يقدم إلى الرئيس الخبز والخمر والماء، فيتلو صلاة التقديس عليها. ويوزع الشمامسة التقدمات التي تم تقديسها على الحاضرين ويوصلونها إلى الغائبين. غير أن يوستينوس يضيف صراحة أن هذا الخبز ليس خبزاً عادياً، وأن هذا الخمر ليس خمراً عادياً، لكنهما جسد ودم يسوع المتجسد، وهو يستشهد بكلمات التأسيس كدليل على هذا.
وقد تُرك أمر صياغة كلمات الصلاة الإفخارستيا للرئيس المحتفل، لكن يوستينوس يذكر أن الإفخارستيا تُقدس بصلاة تحتوي على كلمات المسيح نفسه. إذاً، يبدو أنه ليس فقط كلمات التأسيس هي التي كانت جزءً من الصلاة، بل على الأرجح كانت رواية التأسيس برمتها جزءً من الصلاة، بل على الأرجح كانت رواية التأسيس برمتها جزءً ثابتاً من صلاة التقديس. لهذا السبب، يمكن للمرء هنا أن يتكلم عن ليتورجية نصف ثابتة (semirigid)، لأن بها عناصر ثابتة ولكن مع ذلك يبقى فيها مكان أيضاً للارتجال الشخصي الذي يقوم به الكاهن المُقدِس.
ومن الملفت للنظر أن يوستينوس، في وصفه لخدمة الإفخارستيا التي تتبع نوال سر المعمودية، لا يذكر القراءات التي تتلى من الكتب المقدسة ولا العظة التي يلقيها الرئيس، ويبدو أنهما قد حذفتا بسبب مراسم المعمودية التي سبقتهما.
أما وصفه للقداس الخاص بالمعمدين حديثاً فهو كالتالي: “لكننا، بعد أن نغسل ذاك الذي قد آمن ورضي، نحضره إلى هؤلاء المدعوين إخوة في مكان اجتماعهم، حتى نرفع معاً بكل قلوبنا صلاة لأجل أنفسنا، ولأجل الشخص الذي نال الاستنارة، ولأجل الآخرين الذين في كل مكان، حتى نُحسب مستحقين. والآن بعد أن عرفنا الحق، يجب أن نكون مواطنين صالحين وحافظين للوصية، وذلك حتى ننال الخلاص الأبدي. وبعد أن نفرغ من الصلاة، نسلم على بعضنا بعضاً بقبلة.
حينئذ يُقدم إلى رئيس الإخوة خبزاً وكأساً من الماء والخمر، فيستلمهما، ثم يأخذهما معطياً التسبيح والمجد لأبي كل شيء باسم ابنه والروح القدس؛ ثم يقدم شكراً طويلاً لكوننا قد حُسبنا مستحقين أن ننال هذه الأمور على يديه. وبعد أن يختم الصلوات والتشكرات، يبدي جميع الحاضرين موافقتهم بقولهم “آمين”، وهذه الكلمة “آمين” باللغة الآرامية تعني “ليكن كذلك”.
وبعد أن يحتفل الرئيس بالإفخارستيا، ويبدي الجميع موافقتهم، يقوم هؤلاء الذين ندعوهم شمامسة بإعطاء كل واحد من الحضور جزءً من خبز الإفخارستيا والخمر والماء، ثم يبقون على جزء للغائبين. ونحن نسمي هذا الطعام “الإفخارستيا”، ولا يسمح لأحد أن يشترك فيه إلا من يؤمن أن الأمور التي نُعلم بها صحيحة واغتسل في الحوض من أجل غفران الخطايا والولادة الجديدة، ومن ثم يعيش وفقاً لما أمر به المسيح.
نحن لا نتناول الخبز والخمر كأنهما خبز وخمر عاديان، لكن كما أن كلمة الله يسوع المسيح مخلصنا قد صار جسداً وصار له لحم ودم من أجل خلاصنا، هكذا أيضاً الطعام الذي يبارك بكلمة الصلاة التي خرجت منه والذي تغتذي عليه أجسادنا ودماؤنا بالاستحالة، هو أيضاً – كما تعلمنا – جسد ودم يسوع المسيح نفسه الذي صار جسداً؛ لأن الرسل في المذكرات التي كتبوها والمدعوة أناجيل قد أوضحوا أنهم قد أُمروا أن يفعلوا كالتالي: أن يسوع قد أخذ خبزاً وشكر وقال: “اصنعوا هذا لذكري، هذا هو جسدي”، وبطريقة مماثلة، شكر وقال: “هذا هو دمي”، ثم ناولهما لهم وحدهم”. (Apology 1: 62).
ويعطي القديس يوستينوس وصفاً لقداس الأحد العادي في الفصل رقم (67). وهو يفسر حقيقة كون هذا اليوم قد أُختير ليصبح يوم الاجتماع الليتورجي للجماعة المسيحية بقوله إنه فيه خلق الله العالم وقام المسيح من بين الأموات: “وفي ذلك اليوم الذي يُدعى الأحد، يجتمع كل من يعيش في القرى أو المدينة في مكان واحد، ثم تُقرأ مذكرات الرسل أو كتابات الأنبياء بحسب ما يسمح الوقت. ثم يختم القارئ، فيرشدنا الرئيس ويعظنا لنتمثل بهذه الأمور الرائعة، ثم ننهض جميعاً ونقدم صلواتنا.
وكما قلت قبلاً، بعد أن نختم صلواتنا يؤتى بخبز وخمر وماء، ثم يقوم الرئيس على نحو مماثل برفع صلوات وتشكرات بقدر ما يستطيع، فيوافق الناس قائلين: “آمين”، وتوزع الإفخارسيتا ويشترك الجميع فيها، وترسل أجزاء للغائبين بواسطة الشمامسة. ثم يتبرع الأغنياء إذا ما أرادوا، بالذي يريدون أن يتبرعوا به، كل بحسب ما يقدمه.
وتترك التبرعات في عهدة الرئيس الذي يساعد بها الأيتام، والأرامل، والمحتاجين بسبب المرض أو أي سبب آخر، وهؤلاء الذين في السجون والغرباء الذين في سفر، وباختصار، كل من في حاجة. لكن يوم الأحد هو اليوم الذي نقيم فيه اجتماعنا العام لأنه هو اليوم الأول الذي خلق فيه العالم عندما حول الظلام والمادة. وقد قام يسوع المسيح مخلصنا من بين الأموات في اليوم نفسه”. (Apology 1: 67).
وقد ثار نقاش حاد لا يزال مستمراً حول ما إذا كان يوستينوس قد اعتبر الإفخارستيا ذبيحة أم لا. لكن، يمكننا أن نجد الفقرة الحاسمة بخصوص هذا الأمر في حواره مع تريفون اليهودي (الفصل 41): “لا مسرة لي بكم يقول الرب؛ ولا أقبل ذبائحكم من أيديكم. لأنه من مشرق الشمس إلى مغاربها قد تعظم اسمي بين الأمم، وفي كل مكان يقدم لاسمي بخور وذبيحة طاهرة.
لأن اسمي عظيم بين الأمم يقول الرب، أما أنتم فنجستموه”. ثم يتكلم عن هؤلاء الأمم، يقصدنا نحن، الذين في كل مكان يقدمون له الذبائح. أي خبز الإفخارستيا وأيضاً كأس الإفخارستيا، مؤكداً على أننا نعظم اسمه وأنتم تنجسونه”. ولا شك أن يوستينوس هنا يساوي بوضوح بين الإفخارستيا والذبيحة التي تنبأ عنها ملاخي.
غير أنه ثمة فقرات أخرى يرفض فيها يوستينوس الذبائح بشكل واضح، وهكذا يقول في حواره (فصل 117): “اعترف أنه الآن عندما تُقدم هذه الصلوات والتشكرات – ذبيحة الشكر (الإفخارستيا) بواسطة رجال يستحقون، تكون هي الذبائح الوحيدة المرضية عند الله”.
كما أن لديه فكرة مشابهة تظهر في الفصل (13) من دفاعه الأول: “إن الإكرام الوحيد اللائق به هو ألا نحرف بالنار ما قد خلقه لإعالتنا، لكن أن نستخدمه لفائدتنا ولفائدة المحتاجين، وأن نقدم له الشكر بامتنان بالتسابيح والتراتيل، لأنه قد خلقنا”.
وقد استنتج البعض من هذه التعليقات أن يوستينونس يرفض الذبائح كلها ويقبل الصلاة فقط، خاصة الصلاة الإفخارستيا. لكن هذا التفسير لا يفي فكره حقه، فلا يمكن لأحد أن يدرك مفهوم يوستينوس عن الذبيحة إن لم يأخذ في حسبانه تعاليمه فيما يخص اللوغوس. إن ما يرفضه يوستينوس حقاً عن الذبائح المادية الحيوانية كما مارسها كل من اليهود والوثنين.
وهو يحاول بمفهومه عن الذبيحة أن يصنع جسراً يعبر الفجوة التي تفصل بين الفلسفة الوثنية والمسيحية بالضبط كما يستخدم مفهومه عن اللوغوس لنفس الغرض. إن مفهومه المثالي عن الذبيحة هو أو الذبيحة العقلية التي أعلن الفلاسفة اليونانيين أنها هي العبادة الوحيدة اللائقة بالله. في هذه الحالة، كما في حالة اللوغوس تعتبر المسيحية بمثابة التحقيق الكامل للمُثُل الفلسفية لأن بها مثل هذه الذبيحة.
لهذا السبب، يتفق يوستينوس مع كل من الفلاسفة اليونانيين وأنبياء العهد القديم في أن الذبائح الخارجية لا بد أن تبطل، فلم يعد هناك مكان للذبائح الدموية المادية. إن الإفخارستيا هي الذبيحة العقلية التي طال انتظارها، إنها هي الـ، وذلك لأن اللوغوس نفسه يسوع المسيح هو الذبيحة. وتعريف يوستينوس لـ باعتبار هي نفسها الإفخارستيا قد ثبت أنه صحيح.
كما أنه بإدخال يوستينوس هذه الفكرة الى التعليم المسيحي، استأثر للمسيحية بأرفع إنجازات الفلسفة اليونانية، وشدد في الوقت نفسه على الطابع الجديد والمميز للعبادة المسيحية. لقد أبقى يوستينوس على الذبيحة المدركة بالحواس، لكنه من ناحية أخرى شدد على الطابع الروحاني للعبادة المسيحية، الذي بسببه تفوقت على الذبائح الوثنية واليهودية جميعها. وهكذا يُعبر مصطلح “الذبيحة العقلية” (Oblatio rationabilis) الوارد في ليتورجية القداس الروماني، عن مفهوم يوستينوس للذبيحة أفضل من أي كلمة أخرى.
6 – الأفكار الأخروية
أما فيما يتعلق بأفكار يوستينوس الأخروية، فهو يشارك المؤمنين بالملك الألفي اعتقادهم بهذا الملك: “لكن أنا وغيري من المسيحيين ذوي الآراء السليمة في كل شيء متأكدون من أنه سيكون هناك قيامة للموتى ثم ألف سنة في أورشليم التي سوف تُبنى وتُزين وتوسع”. لكنه يشعر أنه ملزم بأن يعترف بأنه ليس كل المسيحيين لهم نفس وجهة النظر الألفية تلك: “إني أقول لك إن كثيراً من هؤلاء الذين ينتمون إلى الإيمان النقي والصالح هم مسيحيون حقيقيون لكنهم يفكرون بطريقة مختلفة”. (Dialogye 80).
وبحسب يوستينوس، تدخل أرواح المنتقلين إلى الهاوية أولاً ثم تبقى هناك إلى أن ينتهي العالم. والاستثناء الوحيد هم الشهداء، فأرواحهم تذهب مباشرة إلى السماء. لكن حتى في الهاوية، تنفصل أرواح الصالحين عن أرواح الأشرار، فأرواح الصالحين تبتهج متوقعة خلاصها الأبدي، بينما أرواح الأشرار تعسة بسبب عقوبتها وشيكة الوقوع. (Dialouge 5; 80).
[1] لمزيد من المعلومات عن حياة وكتابات فكر القديس يوستينوس، انظر “القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، مركز باناريون للتراث الآبائي، الطبعة الأولى، 2012.
[2] هي مدرسة فلسفية في اليونان القديمة، استمدوا أفكارهم من مؤسس تلك المدرسة الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي سماه تلاميذه المشّاء. (المراجع)
[3] الفلسفة الكلبية (Cynicism) مذهب فلسفي أسسه في القرن الرابع قبل الميلاد الفيلسوف أنتيسثينيز، أحد أتباع الفيلسوف اليوناني سقراط. وكانت نقطة البداية لهذا الفيلسوف هي مذهب معلمه، الذي يرى الفضيلة وليس المتعة – الهدف الأساسي للحياة، وأنها تمثل السعادة الحقيقية. (المراجع)
[4] هو كتاب يحوي الشريعة الشفوية، ويشمل التشريعات والشروحات اليهودية، وقد جمعه يهوذا هاتاسي حوالي عام (200-220م) (المراجع).
[5] إن تعبير “ولد منه قبل المخلوقات” لا يعني أن الولادة قد حدثت قبل خلق المخلوقات بفترة وجيزة أو قد حدثت فقط من أجل خلق المخلوقات، ولكن هذا التعبير قد يعني التفريق بين ولادة الابن الأزلي والتي بالتأكيد هي قبل خلق المخلوقات في الزمن. (المراجع)
[6] يقول ق. يوستينوس في حوار: 61 عن الابن “يصنع إرادة الآب وولد بإرادة الآب” ومن الواضح أنه لم يكن يفرق بين الولادة بالطبيعة من جوهر الآب والولادة بإرادة الآب وهو ما يبدو واضحاً من كلامه التالي، فعلى الرغم من أنه يقول عن الابن إنه ولد بإرادة الآب إلا أنه يصفه بأنه كلمة الآب وحكمته وقدرته ومجده وهذا في الحقيقة يتماشى مع التعليم بأن الابن مولود بالطبيعة وليس بالإرادة من جوهر الآب. وهذا الأمر قد حسمه الآباء في مجمع نيقية فيما بعد حيث أكدوا أن الابن مولود بالطبيعة من جوهر الآب وليس بإرادة الآب. (المراجع)
[7] المقصود هنا هو الخطية الأولى التي دخل بها الموت إلى العالم.