بقلم / محمود حسين أصدقائي و أهلي المسيحيين المصريين , أهل مصر الطيبين , اللي على راسي من فوق . . صح اتظلمتو كتير , قوانين دور عباده بالتيله على ما تتعمل , تراخيص بناء كنيسه أصعب من تراخيص بناء كباريه , زمان لما كانت بتحصل حادثه بين عربيتين و كان يبقى طرف فيهم مسيحي كانت بتروح أمن دوله !! , الطالب المسيحي المجتهد لما يخلص جامعه و يطلع الأول كان سهل جدا يطيّروه و يعينو التاني , عشان الأول مسيحي , ولو عايز يتعين معيد يبقى يرفع قضيه !! , و لما واحد يحب ينصح مريض بدكتور , يقوله الدكتور الفلاني ده هو صحيح مسيحي بس شاطر , دي كلمة تدبح , كلمة بنت كلب . . اتظلمتو اكتر من كده لما كنتو كل يوم جمعه تسمعو خطباء الجهل و الضلاله و هما عالمنابر بيدعو عليكو , يعني تبقى قاعد في بيتك مع عيالك كيرلس و ماريانا و تلاقي الخطيب في الميكروفون بيدعي عليك , و انت تبص لعيالك و مش عارف تقول لهم ايه او تشرح لهم ازاي . . اتظلمتو كتير اوي , لازم نعترف , سنين طويله , خليط من وهابيه على جهل على تخلف على اخوان على زفت , و انتو اللي بتدفعو التمن , هانت يا طيبين . . بس مش لاقي مبرر , رغم كل الظلم ده مش لاقي مبرر كافي : . – لما الله يرحمه عم مجدي مكين يتعرض للتعذيب و الموت على إيد ظابط بلطجي , صرخنا و قولنا مصري اتعذب و اتقتل , مش مسيحي , كلمة مسيحي و مسلم ملهاش مكان هنا , واحد مصري اتعرض للتعذيب , و ظابط بلطجي اتقدم للمحاكمه , الحكايه ملهاش مسمى تاني . . – لما ناس يتقتلو في سينا على إيد شوية ارهابيين ولاد حرام , ماسمهاش مسيحيين مسالمين اتقتلو , اسمها مصريين , اسمهم جرجس ولا مصطفى مش هتفرق , في كل حوادث الارهاب و القتل عمري ما ركزت في الأسماء ولا الديانات , شهداء مصر إسمهم المصريين , بلاش تبلعو طعم سخيف , انتو شربتو البحر , لو سمحتو اشربو البحيره , يعني هانت , و مصر من 1400 سنه و هي زي الأوفه اللي لها ودنين , لازم يشيلها اتنين . . أول مره اكتب بوست و ابقى مش عارف اختمه ازاي , مش عارف انا عايز اقولكو ايه , يمكن أكون عايز باختصار , ابوس راسكو و أقول لكو عيب .
كما رأينا، لقد وضع يسوع النموذج الذي اتبعه من كتبوا العهد الجديد، في التعامل مع الكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي. فأمور مثل الحية النحاسية، وأحداث مثل الخروج من مصر، وكلمات مثل التنبؤ بأن إشعياء سيكون له ابن؛ وأشخاص مثل ملكي صادق – يتم فهمهم جميعاً على أنهم إشارات ليسوع المسيح.
بعض الشواهد تكون واضحة بما يكفي بحيث أن المفسرين اليهود للعهد القديم – قبل زمن المسيح – كانوا يرون باستمرار إشارات للمسيا. لكن العديد من الشواهد، مثل تلك التي أشرنا إليها أعلاه، لن ترد إلى ذهن الشخص الذي يبحث عن المعنى الذي كان يقصده المؤلف. فغير المؤمنين قد يقولون إن هناك معنى معين تم فرضه على النص.
أما المؤمنون فيقولون إن المعنى يظل مخفي إلى أن يكشفه المسيح أو رسله. ففي أي حدث، يتم رؤية الكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي، هذا لأن الأحداث المستقبلية لا يمكن التنبؤ بها بدقة وتفصيل زمني، قبل حدوثها بسنوات كثيرة، بواسطة الحكمة البشرية وحدها.
المفسرون اليهود وآباء الكنيسة
لم تكن الطريقة التي فهم بها يسوع الكتب المقدسة وفسرها طريقة غريبة بالنسبة لسامعيه من اليهود. فعلى الرغم من أن بعض المفسرين اليهود تعاملوا مع العهد القديم على أنه وثيقة يتم فهمها بمعناها الواضح، إلا أن معظم المفسرين في زمن المسيح وضعوا على عاتقهم مسؤولية أن يكتشفوا المعاني والفروق الدقيقة والمخفية في الكتب المقدس.
كان المفهوم المحوري في تفسير أحبار اليهود، وربما في تفسير الفريسيين الأوائل كذلك، هو مفهوم “Midrash”، بمعنى أنه مفهوم يحدد “التفسير الذي إذ يتعمق فيما هو أبعد من مجرد المعنى الحرفي، يحاول أن يتغلغل في روح الكتب المقدسة، لكي يفحص النص من جميع الجهات، وبذلك يستخرج تفسيرات لا تكون واضحة مباشرة”[1].
توجد بعض التشابهات الموجودة بين فكرة المجاز اليهودية (التي تعتقد أنه بين طيات “الحرف”، أو المعنى الواضح، يوجد المعنى الحقيقي) وبين الطريقة التي تعامل بها من كتبوا العهد الجديد مع العهد القديم. لكن العهد الجديد لم يتعامل مع كل مقطع في العهد القديم بتلك الطريقة، كما رأينا. الأكثر من ذلك، لا توجد في العهد الجديد الاستنتاجات المتطرفة والخيالية، التي تعتبر نموذجاً لتفسيرات أحبار اليهود.
كان علماء الكتاب المقدس في حقبة الكنيسة ما بعد الرسولية يميلون لاتباع مثال اليهود، بل والمجازيين اليونانيين، أكثر من مثال من كتبوا العهد الجديد. وعلى الرغم من وجود مجموعة من العلماء في أنطاكية (كريزوستوم، وتيودور من موبسيويستيا، وتيودوريت) الذين سعوا لتحديد المعنى الحرفي الذي كان يقصده المؤلفون، إلا أن تلك المدرسة الفكرية لم تنتشر في الكنيسة.
كليمينت، وهو واحد من آباء الكنيسة الأولين العظام من شمال أفريقيا، وتلميذه أوريجن الاسكندري، وضعا نموذجاً لفهم الكتب المقدس منذ القرون الأولى للكنيسة وحتى الإصلاح.
كان أوريجن يعتقد أن المعنى الروحي لمجيء رفقة لاستقاء ماء لعبيد إبراهيم وجماله هو أننا يجب أن نأتي إلى ينابيع الكتب المقدسة لكي نلتقي مع يسوع. كما علم كليمنت أن الخمسة خبزات التي أطعم بها يسوع الجموع كانت تشير إلى التدريب الإعدادي لليونانيين واليهود الذي كان يسبق حصاد القمح. أما السمكتان فتشيران إلى الفلسفة الهلينية: منهج الدراسة، والفلسفة نفسها.
في قصة الدخول الانتصاري، كان الجحش يشير إلى حرف العهد القديم، وأن الأتان، الذي ركبه يسوع كان هو العهد الجديد. كما أن التلميذان اللذان أحضرا الحيوانين إلى يسوع يمثلان المعنى الأخلاقي والمعنى الروحي: لكن رغم أن كليمنت كان يعتقد أنه يمكن أن يكون هناك معنى حرفي ومعنى روحي معاً في النص، إلا أن أوريجن كان يعتقد أن كل شيء في الكتاب المقدس له معنى مجازي رمزي.
هذا الاتجاه في التعامل مع الكتب المقدسة والذي يطلق عليه “the quadriga”، أو “الوسيلة الرباعية في التفسير”، تم تأسيسه بقوة منذ القرن الرابع وحتى القرن السادس عشر. قامت هذه الوسيلة بفحص كل نص من ناحية أربعة معان: حرفية، وأخلاقية، وباطنية (مجازية)، ونبوية. وقد تم تعليم ذلك المنهج بواسطة ترنيمة شهيرة:
الحرف يوضح لنا ما فعله الله وآباؤنا؛
المجاز يوضح لنا أين يكمن إيماننا؛
والمعنى الأخلاقي يعطينا قواعد للحياة اليومية؛
والمعنى النبوي يوضح لنا أين ينتهي جهادنا.
مثال على ذلك كلمة “أورشليم” حرفياً، تمثل أورشليم مدينة بذلك الاسم؛ ومجازياً، تعني أورشليم الكنيسة. أما نبوياً، فهي المدينة السماوية؛ وأدبياً، هي النفس البشرية.[2]
لقد اتخذ المصلحون موقفاً قوياً تجاه ذلك النوع من التفسير. فكان اهتمام لوثر، وكالفن، وزوينجلي هو أن يجدوا المعنى الذي قصده المؤلفون، وأن يجعلوا هذا المعنى هو السلطة للإيمان والأعمال. وقد اتحد هؤلاء المصلحون الثلاثة في رفض زعم الكنيسة في أن تكون هي المفسرة؛ وأكدوا على حرية وقدرة ومسؤولية الفرد في فهم معاني الكتب المقدسة. كما اتفق هؤلاء الثلاثة على سلطة كلمة الله باعتبار أنها فوق كل السلطات الأخرى.
واتفقوا على أن الكتاب المقدس بأكمله جدير بالثقة، وبالتالي، أن الكتب المقدسة يمكنها بل ويجب أن تفسر نفسها بنفسها. الأكثر من ذلك، لقد اتفقوا على أن استنارة الروح القدس هي أمر ضروري لفهم الكتب المقدسة، وأن الدراسة الجادة والقوية هي أمر مطلوب كذلك. لكنهم لم يتفقوا من جميع النواحي على كيفية تفسير الكتب المقدسة.
اختلف المصلحون في أن كالفن كان أكثر ثباتاً وتمسكاً في اتباعه لهذه المبادئ. فقد تمسك بشدة بالمعنى الواحد الواضح لنص الكتب المقدسة. أما لوثر فقد كان أقل تدقيقاً، وكان في بعض الأحيان يستخدم المعنى الرمزي لتفسير المقطع بطريقة تدعم لاهوته الخاص.
وكان تفسيره عقائدياً، يحكمه النظام اللاهوتي الذي كان منتمياً له – وهو الخلاص بالنعمة من خلال الإيمان وحده. أكثر من ذلك، كان تفسيره في بعض الأوقات على أسس ذاتية، أو يزعم أنه تلقاه عن طريق الاستنارة المباشرة بالروح القدس.[3]
لكن على الرغم من اختلاف المصلحين في تلك الطرق، إلا أنهم اتحدوا في التزامهم بالافتراضات المسبقة التي كان يعتنقها من كتبوا العهد الجديد:
1 – بأن الكتاب المقدس هو من الله، وأنه كتب بواسطة البشر.
2 – بأنه نقل مباشرة لمشيئة الله للبشر.
3 – أنه يمكن فهمه باللغة البشرية العادية.
لقد قدم المصلحون جسراً يعبر من المجهودات التفسيرية التي كانت في كثير من الأحيان خيالية ولا يمكن توقعها دائماً في القرون الأولى والمتوسطة للكنيسة، إلى الحقبة البروتستانتية، التي فيها أصبح المعنى الذي يقصده المؤلف هو موضوع البحث لمن يرغبون في فهم كلمة الله.
وإذ قام المصلحون بكسر قبصة التفسير المجازي الرمزي، كانت هناك نتيجة أخرى، وهي أن العقلانيين الآن قد أصبحوا أحراراً في التعبير عن وجهات نظرهم. وفي الحال، أصبح هناك من يرون الكتاب المقدس على أنه كتاب طبيعي صرف. في النهاية، أصبح المنهج الطبيعي سائداً في التفسير البروتستانتي للكتاب المقدس.
المُروحنون المعاصرون
(أي إعطاء روحانية للنص أكثر مما هي فيه)
بقولنا أن المصلحين قد جاهدوا لكي يقربوا الكنيسة أكثر إلى النظرة التي كان يعتنقها الكتاب المقدس نفسه، وأن المصلحين قد حرروا الكنيسة من أولئك الذين كانوا ينظرون للكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي خالص أو حتى سحري، سيكون من الخطأ الكبير أن نفترض أن التفسير الرمزي قد توقف.
فالحقيقة أن هذا الاتجاه في تفسير الكتاب المقدس لا يزال سارياً ومزدهراً، خاصة في الدوائر الإنجيلية. فكر مثلاً في الاستخدام التالي للكتاب المقدس بواسطة أحد المفسرين المشهورين واسعي الانتشار:
ثالثاً، الصمت المطلوب من “الشعب” في هذه المناسبة قدم خطاً مهماً آخر في الصورة النموذجية التي أوردتها هذه الحادثة – رغم أنه خط لا يجذب بالتأكيد الكثيرين من المسيحيين في العصر الحاضر. إن احتلال إسرائيل لأريحا بلا شك سبق تصوير الانتصارات التي حققوها تحت قيادة الله، بواسطة الإنجيل. فالكهنة الذين كانوا ينفخون في الأبواق المصنوعة من قرون الكباش يصورون خدام الله وهم يبشرون بالكلمة.
إن منع “الشعب” من فتح أفواههم تكمن أهميته في أنه يصور أن الأفراد العاديين من المسيحيين لا يجب أن يكون لهم دور في التبشير الشفهي بالحق – فهم غير مؤهلين لذلك، وليسوا مدعوين لخدمة الكلمة. فلا يوجد في أي مكان في الرسائل حث واحد لهؤلاء القديسين على أن يشتركوا في التبشير العلني، وليس حتى على أن يقوموا “بالعمل الفردي” ويسعوا “لربح النفوس”.
كما أنه ليس مطلوب منهم أن “يشهدوا للمسيح” بسلوكهم اليومي في العمل وفي المنزل. بل عليهم فقط أن “يظهروا تسابيح الله”، أكثر من أن “يخبروا” بها. عليهم أن يدعوا نورهم يضيء. فشهادة الحياة هي أكثر تأثيراً من كلام الشفتين السطحي. فالأفعال صوتها أعلى من الكلمات.[4]
لن ينفع لتبرير تلك الطريقة في التعامل مع الكتاب المقدس أن نقول إن هناك معنى واحد فقط لكن تطبيقات كثيرة. صحيح أن المقطع يمكن أن يتم تطبيقه بعدة طرق بالنسبة للخلفيات المعاصرة، لكن أن نتعامل مع الكتاب المقدس بهذه الطريقة، ونستخرج منه رسالة تبعد كثيراً عما يقصده المؤلف، فهذا نموذج للتفسير الذي لا يتعامل مع المؤلف وقصده بمحمل الجد.
في مثل هذا المنهج، لا يكون للكتاب المقدس سلطته الخاصة، ولا يكون حراً في أن يذكر هدفه المعين ويطلب الطاعة لتعاليمه، بل بدلاً من ذلك، فإنه يُستخدم لهدف آخر يكون في ذهن المفسر من خلال عملية الروحنة – والعثور على معنى خفي في النص.
تكون براعة دارس الكتاب المقدس هي القيد الوحيد لتفسيراته المثيرة للكتاب المقدس في مثل هذا المنهج. فعندما يقوم واعظ بالتعامل مع حدث تاريخي مباشر على أن له مضامين خفية وحقائق روحية مثيرة، فلا عجب في أن الكثيرين من المسيحيين الإنجيليين يتعاملون مع الكتاب المقدس بنفس الطريقة في الاستخدام التعبدي وفي طلب المشورة.
كثيرون من المسيحيين المخلصين في قراءة الكتاب المقدس بطريقة تعبدية يشعرون “بالبركة” فقط عندما يجدون فكرة مدهشة مفاجئة يوحي بها النص، وتكون فكرة ليس لها علاقة بقصد وهدف المؤلف. فبالنسبة لهم، يبدو السعي لمعرفة مشيئة الله من خلال الدراسة المتأنية وفهم قصد المؤلف، عملاً جافاً ومملاً.
وبنفس الطريقة، يستخدم كثيرون من المسيحيين الكتاب المقدس بطريقة “سحرية” للحصول على إرشاد معين للقرارات التي يجب أن يتخذوها، مثل، إلى أين يذهبون، وماذا يشترون، وما الوظيفة التي يقبلونها – والتي يتم اكتشافها جميعاً من خلال مقاطع الكتاب المقدس التي، بالمصادفة العجيبة، يكون لها معنى مزدوج. لكن أولاً، هناك الرسالة التي يقصدها المؤلف، ثم هناك المصادفة غير المرتبطة بالموضوع الذي لا يتشابه مع خبرتهم الشخصية الحالية.
على سبيل المثال، قد يسعى زوجين شابين لطلب مشيئة الرب بشأن وظيفتهما الحالية في منطقة جبلية في الولايات المتحدة، ورغبتهما في أن يذهبا عبر البحار لخدمة إرسالية في إحدى الجزر. وأثناء قراءتهما في الكتاب المقدس يكتشفان الأمر القائل: “كفاكم دوران بهذا الجبل” (تثنية 2: 3).
ويلي ذلك اكتشافهما لنبوة كتابية أخرى تقول: “وتنظر الجزائر شريعته” (إشعيا 42: 4). فماذا يمكن أن يكون توجيهاً أوضح لحياتهما الشخصية من تلك الكلمات ذات السلطان من الكتاب المقدس؟ فلا يهم عندها إن كانت الرسالة التي تلقوها ليست لها أية علاقة بالرسالة التي كان يقصد الكاتب توصيلها.
إنني لا أقول إن الله لم يقدم إرشادات مطلقاً من خلال مثل هذه المصادفات الجيدة، فهو ربما يستخدمها، كما يحدث في ظروف الحياة، مثل لقاء شخص بطريق “المصادفة”، والذي يصبح جزءًا مكملاً لإرشاد الله. لكن الكتاب المقدس لم يُعط لأجل هذا الغرض، وعندما نستخدمه بهذه الطريقة، زاعمين السلطة الكتابية أو تصديق الله على قراراتنا الشخصية، فإننا بذلك نسيء استخدامه.
كما يمكن للمصادفة أن تحدث كذلك كترتيب من العناية الإلهية من خلال الصحف اليومية، مفترضة مساراً ما للسلوك للشخص الذي يسعى لمعرفة مشيئة الله. لكن لا يمكن للمرء أن يزعم، في كلتا الحالتين، إعلاناً معصوماً من الخطأ لمشيئة الله، كمثل ما يمكنه أن يزعم بالنسبة لتعاليم مقطع كتابي قصد المؤلف توصيلها.
بل أن الكتاب المقدس يساء استخدامه بصورة أكبر إذا كانت هذه “الرسالة” السرية من الله تم استخدامها لاستبعاد تعليم واضح للكتاب المقدس – أو مبدأ كتابي، على سبيل المثال، يحظر المسار المقترح للسلوك. لأن الروح القدس لن يقول مطلقاً شيئاً من خلال كاتبي الكتاب المقدس، ثم يقوم بمناقضته أو تغييره بالنسبة للقارئ.
بكلمات أخرى، لن يقوم الله بإرشاد المسيحي من خلال فهم أو تطبيق للكتاب المقدس يبتعد بأي حال من الأحوال عما هو مكتوب. فإن لو قام بذلك، لن تكون هناك طريقة لمعرفة إن كان تفسيرنا هذا من الروح القدس، أم من ميولنا الخاطئة، أم من الشيطان، أم من باعث نفسي أو مادي آخر.
يجب أن يكون واضحاً أن الانطباعات الذاتية لا يمكن أن تتناقض مع تعاليم الكتاب المقدس، إن كنا نريد أن يكون الكتاب المقدس هو السلطة الوظيفية لتفكيرنا وسلوكنا.
لكن الخطر الأساسي من الاعتماد على الانطباعات الذاتية التي يثيرها الكتاب المقدس ليس أن تتناقض مع الكتاب المقدس، بل أن تمضي لمعان أكثر مما يقصده الكتاب المقدس، فتجد معاني لم يقصدها المؤلف على الإطلاق، خاصة فيما يتعلق بالمشورة والإرشاد الشخصي، ثم استخدام هذه الانطباعات بسلطة إلهية كما لو كانت كلمة الله المعصومة من الخطأ.
بمعنى أن استخدام الكتاب المقدس كوسيلة عادية للإرشاد الشخصي يروج لوهم “الحق المعلن” الذي يكون مستوى سلطته أعلى من سلطة ظروف العناية الإلهية الأخرى في الحياة، لمجرد أن هذا “الإرشاد” موجود في الكتاب المقدس.
لكن الكتاب المقدس يجب أن يستخدم للإرشاد “بطرق صحيحة”. وهذه الطرق الصحيحة تتكون من مشيئة الله المعلنة للسلوك البشري، التي تتفق مع المعنى الذي كان يقصده المؤلف. فعندما يكون للنص علاقة عرضية بالظروف الشخصية الحالية والقرار المبني على مثل هذا “الإعلان”، يمكن عندها للشخص أن ينادي فقط بانطباعه الذاتي الخاص عن إرشاد الروح القدس من خلال ظروف غير معتادة، وليس بسلطة الإعلان الكتابي.
إن الخطأ الأساسي في كل المناهج الأربع الخاطئة في التعامل مع الكتاب المقدس هو صفة الذاتية. ففي خاصية الذاتية، يصبح المفسر هو السلطة المطلقة النهائية للتفسير. وقد رأينا أن المنهج الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس هو ذاتي، لأن المفسر يقرر مسبقاً ما هو المقبول في الكتاب المقدس، بحسب افتراضاته الطبيعية المسبقة. على أن النوع الأقل ظهوراً للذاتية، خاصة بالنسبة للذين يتأثرون به، هو الروحنة الذاتية.
يعتبر الإنجيليون أكثر عرضة لهذا الخطأ، ربما لأنهم يتعاملون بجدية مع العلاقة بين الروح القدس وكلمة الله. لا يمكن الاستغناء عن عمل روح الله في التفسير الكتابي السليم. فقد ألهم الروح القدس الأشخاص الذين كتبوا الكتاب المقدس، وهو الذي ينير أذهان المسيحيين الذين يقرأون هذه الكلمات بعد ذلك بقرون.
فالوحي أو الإلهام يعني أن الله كان يراقب تدوين الكتاب المقدس حتى آخر كلمة فيه. والاستنارة تعني أن الروح القدس يعمل الآن في المسيحي لكي يساعده على فهم ما هو موجود بالفعل في الكلمة، ويساعده على تطبيق الكلمة بطريقة أصيلة وصحيحة.
أعطانا الوحي إعلاناً لمشيئة الله بدون خطأ، بحسب ما يقر الكتاب نفسه. ولكن الكتاب المقدس لا يقر بمثل هذا الوعد بالنسبة للإستنارة أو الفهم أو التطبيق الذي يساعد عليه الروح القدس. فكما يعمل الروح القدس فينا لكي يجعلنا قديسين، ولكننا لسنا قديسين بعد، هكذا يعمل فينا أيضاً لكي ينير أذهاننا من خلال الكتاب المقدس، لكن نتيجة هذه الاستنارة ليست فهماً كاملاً، لأنها لو كانت كذلك، لاتفق جميع المفسرين الأتقياء معاً في تفسيراتهم.
فعندما يتعامل المفسر مع الاستنارة كأمر معصوم من الخطأ، تماماً كما يتعامل مع نص الكتاب المقدس، يكون عندئذ قد سقط في الذاتية. لأنه عندما يدعى شخص ما مثل هذه السلطة في تفسيره لمعاني الكتاب المقدس يكون أمراً سيئاً بما يكفي، لكنه عندما يدعي مثل هذا المستوى من السلطة في انطباعه الذاتي بخصوص الإرشاد الشخصي، فإنه يخطئ أكثر، لأنه يتجاوز معنى النص الموحى به.
هل هذا يعني أن التفسير السليم و”البركة” الذاتية هما أمران متبادلان؟ بالتأكيد! لأن استخدام مبادئ التفسير لفهم وتطبيق الكتاب المقدس بصورة أصيلة، وإدراك المعنى الذي يقصده الله، سوف يسر الله بالتأكيد، ولكنه سيأتي أيضاً بالبركة الشخصية لحياتنا. فالكتاب المقدس يجب أن يكون له علاقة موضوعية بحياتنا، وإلا لن يتحقق هدفه في تغييرها. لكن التشبه بالمسيح لن يتحقق عندما نجعل الله وكلمته يتفقان معنا. لكن عندما نكون نحن أنفسنا متفقين مع الله ومع كلمته.
هل يوجد أكثر من معنى واحد؟
هل لكل مقطع كتابي معنى واحد، أم أن هناك معان خفية يجب استخراجها من خلال اتباع قواعد خاصة في التفسير، أم من خلال الحدس المباشر بالروح القدس؟ يقدم لنا الكتاب المقدس أمثلة لكلمات تم إعلانها لشخص، ومعنى هذه الكلمات تم إعلانها لشخص آخر. فعلى سبيل المثال، في اختبار كل من يوسف ودانيال، أعطيت الرسالة اللفظية أو الرؤية لشخص، بينما التفسير قد أعطي لشخص آخر (تكوين 41؛ دانيال 2).
فهل هذا هو ما حدث في حالة الكتاب الذين كتبوا العهد الجديد وبالنسبة ليسوع نفسه؟ هل كان لمؤلفي العهد القديم معنى واحد في ذهنهم، بينما كان المؤلف (الله) الذي هو خلف أولئك المؤلفين يقصد معنى آخر أو إضافياً، كشفه لشخص آخر في العهد الجديد؟
يوجد على الأقل رأيان في هذا المسألة. يعتقد البعض أنه يمكن أن يكون هناك معنى واحداً فقط للمقطع الكتابي إذا كانت اللغة يعتمد عليها وكان إيصالها للمعنى ممكن. هؤلاء الناس لا ينكرون احتمال أن يكون هناك عدة تطبيقات للمعنى الواحد. بل الأكثر من ذلك، فهم لا ينكرون احتمال أن يكون هناك معنا آخر أشمل محتوى داخل الإعلان الأصلي.
على سبيل المثال، في المشكلة الصعبة الخاصة باقتباس متى بشأن دعوة ابن الله من مصر (متى 2: 14-15)، يشير هذا الاقتباس بوضوح إلى خروج إسرائيل من مصر (هوشع 11: 1). فكيف إذاً يشير متى بذلك إلى إقامة مريم ويوسف والطفل يسوع في مصر؟ ألا يوجد هنا معنى مزدوج؟ لذلك فإن من يعتقدون بأن هناك معنى واحد فقط، وأن ذلك المعنى كان هو القصد الواعي للمؤلف، يفهمون المقطع على أنه تصريح عن قصد الله تجاه الرب يسوع منذ البداية.
وأثناء عملية الإعداد لهذا الأمر، وكرمز لحقيقة أن يسوع المسيح كان سيأتي من مصر، سمح الله لشعبه إسرائيل أن تكون لهم إقامة هم أيضاً في مصر. فالحقيقة أنه في البداية، دعا الله أول شخص اختاره، إبراهيم، من مكان اقامته في مصر. لذلك فإنه منذ البداية، كان هناك معنى واحد هو المقصود. لكن التحقيق التام لذلك المعنى انتظر حتى مجيء الشخص الذي حققه بالكامل.
هناك آخرون يجدون صعوبة في مثل هذا الاتجاه, إذ أنهم يؤمنون أن هناك مقاطع معينة في الكتاب المقدس لا يمكن تفسيرها على أن لها معنى واحد؛ فمثل هذه المقاطع يمكن أن يكون لها أكثر من معنى واحد مقصود. فالمعنى الثاني (الخفي أو الأقل ظهوراً) كان يمكن أن يكون في ذهن المؤلف أو ربما كان فقط في ذهن الروح القدس، الذي أوحى للمؤلف.
في كلتا الحالتين، فإنهم يعتقدون أن المعاني الإضافية موجودة هناك بواسطة القصد الإلهي. فالروح القدس قام بترميز الرسالة، ثم قام في وقت لاحق بإعلان المعنى الثاني لها من خلال متحدث آخر ملهم من الله. (معظم الكتب المقدسة التي يوجد جدل حاد بشأنها تتضمن نبوات). لكن سنقوم بالتعامل مع هذه المشكلة بتعمق أكثر في الفصل 18.
لكن لا بد من التسليم بأنه أمر مشروع بالنسبة لمؤلف أن يكون له معنى ثاني أو خفي. فإن كان أوليفر ويندل هولمز، مؤلف “The One-Hoss Shay”، قصد أن يكتب بيت شعري ليس فقط عن تحطم عربة تجرها الخيول، لكن لكي يسخر من النظام الكالفيني، فقد كان هذا حقه. وإن قصد كاتب فكاهي أن يخفي رسالة سياسية في مؤلفه الفكاهي، فإن له الحق الكامل في أن يقوم بذلك. فالحقيقة أن هذه تقنية أدبية شائعة.
لكن هناك قاعدة واحدة يجب مراعاتها، وهي أنه إذا تنصل المؤلف عن معنى خفي، لا يمكن لشخص آخر بمنتهى الثقة أو السلطة أن ينسب له هذا المعنى الخفي. بكلمات أخرى، أن المؤلف نفسه هو الوحيد الذي يستطيع بصورة شرعية أن يعرف ذلك المعنى الثانوي. هذه هي الحال مع الكتاب المقدس. إذا تم التسليم بأن هناك معنى ثانوي في مقاطع معينة. فالروح القدس هو الذي أوحى للمؤلف وهو الذي أوحى فيما بعد بالتفسير لذلك المؤلف.
إن مسألة ما إذا كان المؤلف لديه معنى مباشر ومعنى آخر أشمل في ذهنه هي أمر معقد وشديد الأهمية بالنسبة لغرضنا هنا من إقامة افتراض أساسي لفهم الكتاب المقدس، أعتقد أن هذه المسألة تحتاج أن يتم حسمها. لأنه حتى لو اعتقد المرء أن هناك معنى واحداً فقط في المقطع، وأن المؤلف كان على وعي بهذا المعنى في البداية وفي المضمون النهائي، إلا أنه يجب علينا أن نتفق أن ليس أي إنسان يمكنه أن يميز ذلك المضمون الأشمل أو النهائي.
ومن ناحية أخرى، إذا اعتقد الإنسان أن هناك مقاطع معينة في الكتاب المقدس تم ترميزها عن عمد بمعنى مزدوج – أحدهما واضح والآخر سيتم التعرف عليه في وقت لاحق – مرة أخرى، ليس أي شخص يمكنه أن “يفك الشفرة” أو يجد ذلك المعنى الخفي.
هذه نقطة مهمة، فمهما كان الوضع الذي لدى الشخص فيما يخص بمسألة المعنى الخفي أو الثانوي في النبوات، أو المعنى الأشمل المقصود منذ البداية، فإن يسوع المسيح أو كتاب الكتاب المقدس الموحى لهم هم الأشخاص الوحيدون الذين يمكنهم أن يحددوا ذلك المعنى الثانوي أو الأشمل. فعندما تحدث المسيح، كان له كل الحق في تفسير المؤلف. نفس هذا الأمر يمكن أن يقال عن أولئك الرسل الذين خول لهم أن يعلنوا عن مشيئة الله من خلال العهد الجديد.
فأن ينسب الشخص معان خفية للكتاب المقدس، فإنه بذلك يفترض لنفسه سلطة مساوية أو لاغية لسلطة ذلك المؤلف. فالمفسر، سواء كان فرداً أو كنيسة، يعني بذلك أنه سلطة تعلو فوق سلطة الكتاب المقدس. لكن الكتاب المقدس يجب أن يكون هو السلطة النهائية المستقلة لما يقوله الله لشعبه.
صحيح أن الإعلان هو فوق طبيعي في محتواه وفي الطريقة التي أعطي بها، وأن الكتاب المقدس له تأثيرات فوق طبيعة في حياة الذين يقرأونه ويسمعونه. لكن الأداة في توصيل تلك الرسالة فوق الطبيعة هي طبيعة، فهي اللغة البشرية التي توصل كلمات مفهومة لما هو في فكر الله.
فإن كان هناك معنى خفي، فإن المؤلف البشري أو الله نفسه هما الوحيدان اللذان لديهما السلطة لتأكيد ذلك. لذلك فإن أبناء الله الذين يرغبون في معرفة مشيئته وعملها يجب أن يدرسوا باجتهاد لك يتمكنوا من التعامل بطريقة سليمة مع كلمة الحق. فيجب عليهم أن يبذلوا كل اجتهاد لكي يتعرفوا على المعنى الواحد المقصود للمؤلف، وليس أن يبحثوا عن معان خفية.
وعندما يقوم الرب يسوع نفسه أو أحد مؤلفي الكتب المقدسة بإظهار معنى خفي في النص الكتابي، فإننا نفرح بذلك، ولا نندهش، لأن الكتاب المقدس هو كتاب فوق طبيعي، وهناك مؤلف واحد (الله) خلف كل هؤلاء المؤلفين له. لكننا يجب أن نترك مثل هذا النوع من التفسير لمؤلفي الأسفار المقدسة، إذ أننا غير مخولين من الله لأن نكون متحدثين باسمه معصومين من الخطأ بإعلان إضافي.
مراجع مختارة لمزيد من الدراسة
أكرويد، بي آر، وسي إفي إفانز، محرران. The Cambridge History of the Bible Cambridge: U. Press 1970.
فارار، فريدريك دبليو. History of Interpretation. 1886 reprint. Grand Rapids: Baker, 1961.
جرانت، روبرت إم. A Short History of the Interpretation of the Bible. مع ديفي تريسي طبعة ثانية منقحة Philadelphia: Fortress, 1984.
“History of the Interpretation of the Bible” The Interpreter’s Bible.
New York: Abingdon-Cokesbury, 1952. 1:106-41.
سمولي، بيريل. The Study of the Bible in the Middle Ages. Notre Dame: U. of Nortre Dame, 1964.
وود، جيمس دي. The Interpretation of the Bible: A Historical Introduction. London: Duckworth, 1958.
[1] إس هوروفيتز، Midrash, Jewish Encyclopedia، 12 مجلد (New York: Ktav, 1904)، 8: 548.
[2] جيمس دي وود، The Interpretation of the Bible: A Historical Introduction (London: Ducworht, 1958)، صفحة 72.
[3] نفس المرجع. صفحة 87. انظر أيضاً بيمارد رام، Protestant Biblical Interpretation (Grand Rapids: Baker, 1870)، صفحة 54.
[4] آرثر دبليو بينك، Gleanings in Joshua (Chicago: Moody, 1978)، صفحة 102.
لا يسمح المتعصبون من أنصار المنهج الطبيعي بأي شيء فوق طبيعي في الكتاب المقدس، أو في أي مكان آخر. يأخذ بعض المفسرين هذا الاتجاه بينما يكون الآخرون أقل تصلباً، ويدركون وجود بعض العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس. إن من يتعاملون مع الكتاب المقدس بالمنهج الطبيعي يعتقدون أنهم يجب أن يقللوا أو يبعدوا من العناصر غير المقبولة بالنسبة لمنطقهم، لأن الكتاب المقدس كتبه بشر. وعلى الرغم من أن هناك الكثير من المناهج الطبيعية، إلا أننا سوف نناقش أكثر ثلاثة مؤثرين منها:
1 – العقلانية، التي أصبحت سائدة في القرن السابع عشر.
2 – النقد الأدبي، الذي أصبح سائداً في القرن التاسع عشر.
3 – النسبية الثقافية، والتي أصبحت مؤثرة بصورة متزايدة في النصف الأخير من القرن العشرين.
1 – العقلانية
الكتاب المقدس عقلاني لأنه يخاطب العقل. فالواقع “تجديد” الذهن وتغييره عن الأفكار السائدة في العالم (رومية 12: 2). والكتاب المقدس عقلاني من ناحية أنه حق صرف، ولا يناقض نفسه مطلقاً. وهكذا يتعامل المسيحي مع الكتاب المقدس بعقلانية وليس بدون عقلانية. لكن العقلانية يستدل عليها بنظام للتفسير ينبع من نظرة طبيعية للعالم. فالعقلاني يعتمد على منطقه الشخصي باعتبار أنه السلطة النهائية المطلقة.
وتنعكس تلك النظرة في الافتراضات المسبقة لدى العقلاني: وهي أن ما لا يمكن التحقق منه بواسطة الخبرة المعاصرة أو الفكر المنطقي، لا يمكن قبوله على أنه حقيقي، وبالتالي لا يمكن أن يكون كلمة الله. فالمعيار النهائي للعقلاني لتحديد ما إذا كان تعليم ما أهل للثقة، هو المنطق الفردي المستقل ذاتياً.
بالنسبة للعقلاني، توجد ثلاثة أحجار عثرة في الكتاب المقدس لكي يقبله على أنه جدير بالثقة، وبالتالي ككلام له سلطان من الله. الأولى، بعض تعاليم الكتاب المقدس تم اعتبارها تعاليم لا تليق بالله أخلاقياً. فصلوات دواد لأجل الانتقام من أعدائه (مزامير اللعنات)، والأوامر بإهلاك شعب كنان هي أمثلة لمثل تلك العناصر غير المقبولة. لا يسعى العقلاني لتوفيق هذه العناصر مع تعاليم الكتاب المقدس الأكثر قبولاً (بالنسبة له)، ولكنه يؤكد ببساطة على أنها ليست كلمة الله. وفي السنوات الأخيرة تم إدراج الكثير من تعاليم الكتاب المقدس الأخرى تحت نفس التصنيف بواسطة العقلانيين. فتعاليم الكتاب المقدس عن الطلاق، ودور المرأة في الزواج، وقبول السلطة المدنية، والكثير غيرها قد تم رفضها بسبب ما يطلقون عليه الأسس الاجتماعية.
كما أن هناك عنصران آخران في الكتاب المقدس تم رفضهما بواسطة العقلانيين، وهما: المعجزات، وعبارات الكتاب المقدس التي يبدو أنها تناقض عبارات أخرى فيه (مثل الشواهد التاريخية التي لا تتفق معاً).
بعد الإصلاح تصاعد انتشار التفسير العقلاني بسبب التقدم العلمي. وفجأة ظهرت أعداد أكبر كثيراً من المشاكل في الكتاب المقدس مما كانت تعتبر من قبل. فأية نظرية للعلوم الفيزيقية أو البيولوجية كان يمكن للعقلاني أن يقبلها باعتبار انها أقرب إلى الصدق والحقيقة من أي شيء يمكن للكتاب المقدس أن يقوله في هذا الموضوع. وقد عجل هذا الصراع العظيم بين نظرية التطور وتعاليم الكتاب المقدس الخاصة بالخلق. وبتقدم العلم أكثر، ظهر أن عدداً من التفسيرات الكتابية التي كانت مقبولة منذ زمان طويل تتناقض مع النظريات العلمية الناشئة حديثاً. وهكذا كان العقلاني يميل إلى اتخاذ جانب النظريات العلمية.
وحيث أن العالم المادي ليس هو المحور الرئيس لتركيز الإعلان الكتابي، فإن الصراع حول النظريات الفيزيقية والبيولوجية، رغم شدته، كان محدوداً. لكن بميلاد العلوم السلوكية في القرن التاسع عشر، ازداد بسرعة عدد التعاليم الكتابية التي أصبحت غير مقبولة للعقلانيين. فقد كان علم النفس وعلم الاجتماع يتجهان مباشرة إلى قلب الإعلان الكتابي، بالتعامل مع الموضوعات العامة، مثل الإنسان، وطبيعته، وعلاقاته، وما يجعله مكتملاً. واتسعت ساحة المعركة بسرعة لكي تشمل معظم الكتاب المقدس.
كان هؤلاء هم العقلانيون العلمانيون، ولكننا عندما نتحدث عن الافتراضات العقلانية المسبقة في التفسير، فإننا لا نشير أساساً إلى المواجهة بين المؤمن، الذي يرغب في فهم الكتاب المقدس، والعقلاني غير المؤمن، الذي يهاجم من الخارج. لكننا نتحدث عن أولئك الذين، في سعيهم لفهم الكتاب المقدس، يتبنون اتجاهاً عقلانياً في افتراضاتهم المسبقة. فيعتمدون بالكامل على العقل أو المنهج “العلمي” في التوصل إلى معنى النص ورسالة الله التي قد تكون هناك.
يعتبر العقلاني فهمه الشخصي (أو فهم شخص آخر) هو السلطة التي يقيم بها العناصر الموجودة في الكتاب المقدس. فإذا كان هناك خطأ ما في الكتاب المقدس، فيجب أن يقوم شخص ما بتحديد وجه الخطأ وما هو الصواب. وبحسب رأي العقلاني، يتم تحديد ذلك بواسطة التفكير البشري.
على هذا الأساس، لا يستطيع العقلاني أن يقبل المعجزات الموجودة في الكتاب المقدس لأنه لم يختبرها هو شخصياً، وأيضاً لأن الروايات المتعلقة بالمعجزات لا يمكن التحقق منها بواسطة التجربة. ولذلك يجب تفسير المعجزات إما على أنها سوء فهم للأحداث الطبيعية، أو على أنها أساطير تنمو حول نوع من الأحداث التاريخية او التخيلية.
على سبيل المثال، بحسب العقلانيين، كان عبور البحر الأحمر فعلياً هو عبور لبحر “ريد”، هو عبارة عن مستنقع ضحل، والذي استطاع الإسرائيليون السير عبره. نبوات دانيال أيضاً لم يكتبها دانيال نفسه، بل كتبها شخص آخر بعد وقوع الأحداث. بالإضافة إلى أن يسوع لم يطعم الخمسة آلاف نفس، بل أن يسوع استخدم سخاء الصبي الذي أعطاه غذاءه لتحفيز الباقين للمشاركة بغذائهم بسخاء أيضاً.
فالافتراض المسبق هو أن المعجزة أمر مستحيل. لذلك، فبدلاً من اللجوء إلى القواعد العادية التي يستخدمها المؤرخون للتحقق من الأحداث التاريخية، يقوم العقلاني ببساطة باستبعادها على أنها غير مقبولة. يُستخدم نفس هذا المنهج لاستبعاد ما يعتبر تعليم غير مقبول أخلاقياً، وللمقاطع التي تبدو أنها تناقض البراهين التاريخية الأخرى أو النظريات العلمية المعاصرة.
النتيجة النهائية للمنهج العقلاني في الكتاب المقدس هي ببساطة أنه: لا توجد كلمة أكيدة من الله، بمعنى أن الكتاب المقدس ليست له سلطة مستقلة في ذاته، لأن التفكير البشري هو السلطة النهائية في الحكم على كل ما يعبر عن نفسه بأنه كلام من الله.
2 – نقد الكتاب المقدس (النقد الأدبي)
واحدة من السمات المميزة للإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر كان إصرار قادته على “الكتاب المقدس وحده”. فرفض المصلحين لتساوي سلطة الكتاب المقدس بسلطة التقليد قد تأثر باكتشاف أن وضع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية كان مؤسساً على وثائق مزورة. وبالتالي أصبح البروتستانت مهتمين للغاية بالمسائل المتعلقة بالسمة الأدبية للوثائق الدينية، وخاصة الكتاب المقدس.
وهكذا كان هناك احتياج للحكم النقدي لتمييز الصواب من الخطأ. و”نقد الكتاب المقدس” هو مصطلح فني لا يتضمن معناه الجلوس في موضع الحكم على الكتاب المقدس، كما يحدث عندما يقوم الناقد الفني بتقييم عمل فني، أو النزعة السلبية التي يقوم بها شخص ذو “روح ناقدة”. لكن هذا المصطلح يشير إلى التقييم الدقيق للبيانات لتقرير الحقيقة بشأن الكتاب المقدس.
يأخذ النقد الكتابي شكلين. أولاً، النقد النصي أو “الأدنى”، إذ سعى النقاد النصيون لتقرير ما هو النص الأصلي للكتاب المقدس. فالكثير من النسخ القديمة من الكتاب المقدس تم حفظها في أجزاء أو بأكملها، وهذه تمثل درجات مختلفة من الاتفاق. فالنقد النصي هو علم مقارنة النص بالنص الآخر لتحديد النص الأصلي. ورغم أنه لا يوجد لدينا أي من المخطوطات الأصلية اليوم، إلا أنه بسبب الأعداد الضخمة من النسخ والترجمات القديمة المتاحة (أكثر من 5000)، يمكننا أن نتيقن تقريباً من النص الأصلي.
وفي الحالات الضئيلة التي يظل بها نوع من الأسئلة، لا يشكل هذا أي مخاطرة بمبدأ عقائدي مهم. فكل نقاد النصوص الأوائل تقريباً كان يدفعهم الاقتناع بأن النص الأصلي هو الموحى به من الله، ولهذا كان للنص الدقيق أهمية عظمى. وهكذا يسعى النقد النصي لإظهار النص الأصلي بأكثر دقة ممكنة.
أما النوع الثاني من نقد الكتاب المقدس، فهو أمر يطلق عليه النقد “الأعلى”، ويقوم بفحص النص التاريخي للوثيقة والسمات الأدبية للسفر نفسه. هذا النوع من التحليل يحاول أن يجيب على أسئلة مثل: تاريخ كتابة السفر، ومن هو كاتبه، والأسلوب الأدبي في أي مقطع. مثل هذه الدراسة ليست عقلانية في الأصل. فمعرفة الاختلاف بين نصوص الشريعة والأمثال، أو بين الشعر والرسالة، يساعد على فهم ما يقصده الكاتب بطريقة سليمة.
كما أن ملاحظة الهدف اللاهوتي لأي ممن قاموا بكتابة الكتاب المقدس له قيمته وأهميته أيضاً. لكن على يدي العقلانيين، أصبحت الوسيلة النقدية التاريخية هي تماماً ما يطلق عليه “النقد الأعلى الهدام” – وهو النقد الذي تكون نتيجته النهائية، إن لم يكن هدفه، هو هدم الثقة في مصداقية الكتاب المقدس، أو في أنه ذو سلطة على الإطلاق.
النقد التاريخي من هذا النوع قد أصبح بديل شديد الفائدة بالنسبة لأولئك الذين استبعدوا فكرة الكتاب الموحى به من الله، ولكنهم لا يزالون يرون نوعاً من القيمة في الكتاب المقدس كسجل للسعي الديني. فسعي إسرائيل، إذ يعاد بناؤه بواسطة الناقد، تم جعله يتفق، وفي معظم الأحيان يتم تفسيره بالكامل، بالحياة الدينية للشعوب حوله. وهذه نظرة طبيعية لأنها ترفض أي احتمال أن يكون الله قد اختار وأفرز شعب إسرائيل لتحقيق أغراضه الخاصة، وأنه استطاع أن يوحي للكتاب لكي يسجلوا بدقة رحلتهم الروحية.
كانت نظرية JEDP التي كان هناك الكثير من الجدل بشأنها، هي المثال النموذجي لاستخدام الوسيلة النقدية التاريخية بطريقة تهدم الثقة في سلطة ومصداقية الكتاب المقدس. تعتقد هذه النظرية أن التوراة، أي أسفار موسى الخمس، كان في الحقيقة تجميع لمواد أربعة مؤلفين مختلفين على مدى عدة قرون. باستخدام تقنية مشابهة، جادل آخرون بأن سفر إشعياء كتبه اثنان أو ثلاثة “إشعياء”، وأن بولس لا يمكن أن يكون قد كتب الرسائل الرعوية التي يزعم أنه كتبها.
يؤكد هذا المنهج كبداية على وجود أخطاء في الكتاب المقدس، كما يقوض سلطة الكتاب المقدس في النهاية، جاعلاً من السهل “تفسير” النص بطرق تتفق مع منطق الفرد الشخصي بالنسبة لما هو ممكن أو مقبول. ولذلك فإن العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس أو التعاليم، والتي لا تتفق مع منطق الفرد الشخصي بالنسبة لما هو ممكن أو مقبول. ولذلك فإن العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس أو التعاليم، والتي لا تتفق مع الأسس الحديثة التي يتبناها الشخص، لا تعد حقيقية أو ذات سلطة.
جميع نقاد الكتاب المقدس، لو قاموا بواجباتهم الدراسية، يعملون من منطلق نفس البرهان. فإذا بدا هذا البرهان أنه يقوض مصداقية الكتاب المقدس، تبدأ افتراضات الشخص المسبقة في العمل. أولئك الذين يؤمنون أن النص حق وصادق، سيبحثون عن حلول تدعم ثقتهم في مصداقية الكتاب المقدس – وقد نجح العلماء المؤمنون بصورة ملحوظة في حل تلك المشاكل. لكن الذين يعتقدون أن الكتاب المقدس، مثل أي كتاب ألفة البشر، قد يخطئ، لا يحتاجون أن يسعوا للمزيد من التحليلات، إذ أنهم يحلون المشكلة باستنتاج أن عبارات الكتاب المقدس على خطأ. هكذا نرى أن افتراضات الشخص المسبقة بشأن طبيعة الكتاب المقدس تسبق التفسير، وتتحكم فيه.
فعلى سبيل المثال، المفسر الذي يعتنق افتراضات طبيعية مسبقة قد يجادل ضد السلطة المزعومة لسفر ما، مثل أسفار موسى أو بولس، لمجرد أن محتوى السفر لا يتفق مع الافتراضات الخاصة بالمفردات والأسلوب. وهذا يقوض سلطة أجزاء رئيسية من الكتاب المقدس.
على أن المفسر الذي يقبل تصريحات الكتاب المقدس الخاصة بالتأليف، سيجادل من ناحية أخرى، بشأن إمكانية أن يستخدم المؤلف أساليب مختلفة في فترات مختلفة من حياته عندما يتعامل مع موضوعات مختلفة أو عندما يقتبس من مؤلفين مختلفين. وبالمثل، فإن المفسر صاحب المنهج الطبيعي قد يجادل ضد وحدة سفر إشعياء لأن العناصر الموجودة في جزء من السفر تزعج افتراضه المسبق بشأن استحالة تنبؤ أي شخص بالمستقبل. في كلتا الحالتين، يتم حرمان الكتاب المقدس مسبقاً من ممارسة أي سلطة مستقلة.
إلا أن التصميم الكامل للكتاب المقدس مبني على أن يتحدى الافتراضات المسبقة، وليس أن يحكم بها. وإن لم يكن الكتاب المقدس فوق طبيعي، لأن يفقد منه فقط المعجزات، بل يُزال منه كذلك مفهوم الإعلان الإلهي السلطوي بأكمله. لذلك يختار النقد التاريخي الهدام أن يعترف فقط بالسلطة البشرية في الكتاب المقدس. لكن لكي نكون صادقين فيما يؤكده الكتاب المقدس عن نفسه، يجب أن يعمل كل من النقد التحليلي والنصي والتاريخي والأدبي على أساس افتراضات مسبقة يكون مصدرها بشري وإلهي معاً.
3 – النسبية الثقافية
إن مهمة عبور الفجوة بين العالم البعيد لكتاب الكتاب المقدس والعالم المعاصر ليس جديدة. فدراسة السياق الذي كتب فيه الكتاب المقدس كانت دائماً أمراً مهماً لأي شخص لكي يفهم معاني الكتاب المقدس. باستثناء الكثيرين الذين يسعون لفهم “روحي” آخر غير المعنى الطبيعي للنص، يسعى جميع المفسرين للحصول على فهم واضح للكتاب المقدس بدراسة المحيط التاريخي والثقافي والديني للمؤلف.
على هذا الجانب من الفجوة بين القديم والحديث، يسعى المفسرون الأصليون الحقيقيون للكتاب المقدس لتطبيق المعنى على الوضع الحاضر. ولكي يقوموا بذلك بفاعلية، يجب على المفسرين أن يفهموا محيط وبيئة القارئ أو السامع. لأن الشخص الذي يسعى لتوصيل حق الكتاب المقدس للناس في ثقافة مختلفة عن ثقافته، يكون من أكثر الأمور أهمية بالنسبة له هو أن يدرس سياق ثقافة المتلقي. إن عملية “وضع حق الله في سياق المتلقي” أو السامع، هو ما يعنيه التجسد كله. فقد قام يسوع المسيح بترجمة حق السماء إلى كلمات وأفعال يمكن للبشر أن يفهموها. وأتبع الرسل ذلك بتطبيق حق الله بطريقة مختلفة تماماً بما يتناسب مع كل من سامعيهم من اليهود ومن الأمم.
هذان السياقان أو المحيطان، محيط المؤلف ومحيط القراء المعاصرين، مهمان للغاية لفهم وتطبيق حق الكتاب المقدس حتى أن عدة فصول في هذا الكتاب سوف تتعامل مع تطوير المهارات في هاتين المنطقتين. لكن يجب أولاً حسم الافتراضات المسبقة. ماذا يعني المرس إذاً “بتكييف السياق”؟ عملياً، يتراوح من يقومون بتكييف السياق ما بين أولئك الذين يقومون بدراسة السياق الثقافي للنص ببساطة كوسيلة لتوضيح معنى النص، وبين الذين يركزون كثيراً على “السياق” حتى أنهم يصبحون طبيعيين في منهجهم.
الأسئلة الجوهرية هنا هي: هل تعتمد صحة مقطع كتابي على الفهم الحالي للثقافة القديمة؟ وهل تعتمد سلطة الكتاب المقدس على توافقها مع المقاييس الثقافية في عصرنا الحاضر؟
“الثقافة” هي الطريقة التي ترى بها جماعة من الناس الأمور المختلفة، أو التي تفعل بها الأشياء. تؤمن النسبية الثقافية بأن قيمة أو حقيقة أية فكرة تعتمد على الثقافة التي وجدت فيها. وحيث أن العقلاني يرى الثقافة على أنها متعادلة أخلاقياً، فإن ما يأتي بنتائج مقبولة في ثقافة ما قد لا ينجح في ثقافات أخرى، وبالتالي فإنه لا يكون صالحاً للثقافات الأخرى. هذا المنهج مشروع في القضايا المتعادلة أخلاقياً. لكن أن نجعل هذا المنهج ينطبق على كل شيء في الثقافة، فإن هذا يزعزع مكانة الكتاب المقدس كسلطة مستقلة تحكم على جميع أفكار وطرق السلوك البشري. في الحقيقة أنه ليس كثير أن نقول أن الكتاب المقدس قد أعطي تحديداً لكي يغير الثقافة البشرية ويخلق أسلوباً إلهياً في التفكير والسلوك. وهذا هدف أساسي من أهداف الكتاب المقدس.
فكر في مضامين النسبية الثقافية على كلا طرفي “فجوة الفهم” بين النص القديم والمؤمن في عصرنا اليوم. ماذا تفعل النسبية الثقافية للمعنى الذي يقصده المؤلف من ناحية، ولتطبيق الكتاب المقدس على إيمان وحياة العصر الحالي، من ناحية أخرى؟
عندما تختلف النظرة الحالية لسياق الكتابة الأصلية عن المعنى الواضح للنص، فأي تفسير هو الذي يسود؟ إذا تم السماح لفهم العصر الحالي للثقافة القديمة – الذي يكون غير دقيق في أفضل حالاته – بأن يغير من المعنى الواضح للنص، فقد أصبح هذا المنهج عندها منهجاً طبيعياً.
كثير من تعاليم الكتاب المقدس تعتبر مصدر إزعاج ومشاكل بالنسبة للثقافة المعاصرة. عدد من المفسرين الذين يعتبرون أنفسهم إنجيليين يتعاملون مع هذه المشاكل من خلال عملية يطلق عليها عدة أسماء مختلفة مثل، “تكييف السياق”، “التفسير الديناميكي المعادل”، أو “علم اللغويات العرقي”. وهذا العلم يقول أن التصريح الكتابي هو مجرد “هيكل” ثقافي مؤقت، فقد كانت له سلطة فقط بالنسبة لسامعيه الأصليين، ويمكن أن يتم استبعاده على أنه غير ملزم لشعوب أخرى ذات ثقافات مختلفة. لكن “جوهر” الحق المخفي في هيكل هذه الثقافة هو المبدأ والعقيدة الثابتة الباقية، والتي هي مشيئة الله لجميع الشعوب وفي كل العصور.
إلى أي حد يصبح هذا المنهج طبيعياً؟ إنه يصبح كذلك عندما يتم وصف أي تعليم من الكتاب المقدس بأنه هيكل ثقافي يمكن الاستغناء عنه في سبيل الجوهر، أو المبدأ العقائدي الباقي المفترض أنه يحويه – إلا إذا قدم الكتاب المقدس نفسه الأساس لمثل هذا التمييز.
لا يقر الكتاب المقدس في أي جزء منه بوجود تمييز بين الهيكل والجوهر. فعلى أي أساس إذاً يتم هذا التمييز؟ ومن الذي يحكم فيه؟ على سبيل المثال، أي من الوصايا التالية هيكل ثقافي يمكن الاستغناء عنه؟
“أيتها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب” (أفسس 5: 22).
“أيها الأولاد أطيعوا والديكم في الرب لأن هذا حق”. (أفسس 6: 1).
“ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس” (أعمال 5: 29).
إن الشخص الذي يقيم أية تعاليم هي التي يتعامل معها كمبدأ ثابت، وأيها يتعامل معه كثقافة يمكن الاستغناء عنها، قد أصبح هو نفسه سلطة فوق سلطة الكتاب المقدس. فإذا حكم على الزواج “بالموت” في عيني مشير الزواج، يخبروننا بأنه يجب أن ينصح بالطلاق. لكن ماذا عن أمر المسيح ضد الطلاق؟ حسناً، سيقولون أن المسيح قد أعطى هذه الأوامر في محيط الثقافة اليهودية في القرن الأول الميلادي، وهكذا فإن المبدأ وراء هذا الأمر هو الذي يجب أن يطاع، وليس الأمر نفسه. فالمبدأ هو اهتمام المحبة من الشريكين تجاه بعضهما البعض. لكن في بعض الأحيان يعتقد الناس أن اهتمام المحبة يعفي الطرف الآخر من الروابط الشرعية للزواج. وهكذا يقول أنصار تكييف السياق في معظم الأحيان أنه يجب على المفسر ألا يلتزم بالشرعية الحرفية البسيطة.
فكر مثلاً في تعليم الكتاب المقدس عن سلوك الجنس المثلي. إن حظر ممارسة علاقات الجنس المثلي في الكتاب المقدس قد تم بسبب السمعة السيئة للأشخاص الذين يمارسون الجنس المثلي في العالم الروماني، السمعة التي كانت ستجلب العار على الكنيسة لو أن المسيحيين قبلوا بهذه الممارسة. وهكذا فإن المبدأ خلف هذا الحظر كان الإخلاص الزوجي، وهكذا يتم التعليم بأن علاقة الجنس المثلي تصبح مدانة فقط لو أنها صارت مختلطة. في النهاية، يصبح فهم المفسر للثقافة القديمة هو السلطة لقبول أو رفض التعليم الكتابي. وحيث أن كل الكتاب المقدس قد أعطي في سياق حضارة ما، فإن أي تعليم فيه تقريباً يخضع لهذا النوع من الاستغلال السيء للسياق.
افتراضات أنصار النسبية الثقافية هي نفس افتراضات العقلانيين: وهي افتراضات المنهج الطبيعي. فبالنسبة لأصحاب المنهج الطبيعي، عندما يكون هناك تعليم واضح في الكتاب المقدس يتعارض مع أسلوب التفكير البشري بشكل ما، يجب أن يبتعد الإعلان ويفسح الطريق للفكر البشري. وبالنسبة لأنصار النسبية الثقافية، إذا كان فهم الشخص لخلفية المؤلف الثقافية أو للخلفية الثقافية المعاصرة يجعل التفسير مخالفاً للمعنى الطبيعي للنص نفسه، فإن الافتراض هو أن من يقوم بتكييف السياق له سلطة أعظم في تقرير الحق من الكتاب المقدس نفسه، وهذا يعتبر منهجاً طبيعياً. (تعتبر مسألة تكييف السياق هي القضية الجوهرية بين المفسرين الإنجيليين. لذلك سنقوم بمعالجة هذا الموضوع بصورة أدق في الفصول التالية).
مراجع مختارة للمزيد من الدراسة
آلاند كيرت، وبارباراد ألاند. The Text of the New Testament: An Introduction to the Critical Edition s and to the Theory and Practice of Modern Textual Criticism. ترجمة إيرول إف رودس Grand Rapids: Eerdmans 1989.
بروس إف إف. The New Testament Documents: Are Thwy Reliable? Downers Grove, 111.: InterVarsity, 1973.
جرينلي، جي هارولد. Introduction to New Testament Textual Criticism. Grand Rapids: Eermans, 1964.
كرتنر، إدجار. The Historical – Critical Method. Philadephia: Fortress, 975.
سولين، ريتشارد إن. Handbook of Biblical Criticcism. Atlanta: John Knox, 1981.
ستين، روبرت إتش. The Synoptic Problem: An Introduction. Grand Rapids: Baker, 1987.
ستولماكر، بيتر. Historical Criticism and Theological Interpretation of Scripture: Toward a Hermeneutic of Consent. ترجمة روي أيه هاريسفيل. Philadelphia: Fortress 1997.
يوستينوس الشهيد هو أهم مدافع يوناني في القرن الثاني الميلادي[1]، وواحد من أنبل شخصيات الأدب المسيحي المبكر. ولد يوستينوس في مدينة “فلافيا نيابوليس” (Flavia Neapolis)، والتي كانت تعرف قبلاً باسم “شكيم” (Sichem)، بفلسطين. وكان والداه وثنيين، وهو نفسه يخبرنا، في (Dialog 2 -8)، أنه قد جرب أولاً أن يلتحق بمدرسة فيلسوف رواقي (Stoic)، ثم بمدرسة فيلسوف مشائي[2] (Peripatetic)، لكن، ولا واحد من هؤلاء الفلاسفة قد أقنعه أو أشبع نهمه.
لقد فشل الرواقي لأنه لم يشرح له أي شيء يتعلق بشخص الله، وأكثر ما كان يهتم به المشائي هو أن يدفع له يوستينوس أجرة الدرس فوراً، الأمر الذي قابله يوستينوس بأن تجنب حضور محاضراته؛ والفيثاغوري طلب منه أن يدرس أولاً الموسيقا، والفلك، والهندسة كضرورة، ولم يكن لدى يوستينوس الرغبة في ذلك.
ومن ناحية أخرى، راقت له الفلسفة الأفلاطونية لفترة من الوقت، وقد كان ذلك إلى أن أقنعه رجل، عندما كان يتمشى على شاطئ البحر، بأن الفلسفة الأفلاطونية لا يمكنها أن تُشبع قلب الإنسان، ولفت نظره إلى “الأنبياء الذين وحدهم قد أعلنوا الحق”. ثم يحكي يوستينوس قائلاً: “وعندما تكلم بهذا وأشياء أخرى كثيرة لا وقت لذكرها الآن، ذهب طالباً مني أن أفكر فيما تكلم به إليّ؛ ولم أره من حينها.
لكن للفور اشتعل في روحي لهيب، وتملكني محبة للأنبياء ولهؤلاء الرجال الذين هم أصدقاء للمسيح. وبينما كنت أقلب كلماته في رأسي، وجدت أن هذه الفلسفة هي الوحيدة الآمنة والمفيدة. هكذا، ولهذا السبب، أصبحت فيلسوفاً، وأتمنى أن يكون كل البشر لهم نفس فكري، ولا يتحولوا عن تعاليم المخلص”. (Dial. 8)
لقد قاده طلبه للحق إلى اعتناق المسيحية. كما يخبرنا يوستينوس أيضاً أن هذه الاستهانة البطولية التي كان المسيحيون يقابلون بها الموت قد لعبت دوراً ليس بصغير في تحوله للمسيحية: “أنا نفسي كنت أستمتع بتعاليم أفلاطون وأستمع إلى كلام شرير عن المسيحيين، لكن لما رأيت أنهم لا يظهرون أي خوف في مواجهة الموت وكل الأمور الأخرى التي تبعث على الخوف، فكرت في أنه لا يمكنهم أن يكونوا متوحشين وشهوانيين”. (Apol. 2: 12).
وقد أدى به البحث الأمين عن الحق والصلاة المتضعة إلى اعتناق المسيحية في آخر الأمر: “عندما اكتشف الخداع الشرير الذي ألقته الأرواح الشريرة حول عقائد المسيحيين الإلهية لتصرف الآخرين عن الانضمام إليهم، وأعترف إني صليت وجاهدت بكل قوتي لأصبح مسيحياً”.
وبعد اهتدائه، الذي حدث على الأرجح في مدينة أفسس، كرس يوستينوس حياته كلها ليدافع عن الإيمان المسيحي. لقد سافر متنقلاً وهو يرتدي “الباليم” (Pallium) – وهي عباءة كان يرتديها الفلاسفة اليونانيون – باعتبار مُعلماً متجولاً. ووصل يوستينوس إلى روما في عهد الإمبراطور “أنطونينوس بيوس” (138-161م)، وأسس مدرسة هناك، وكان من تلاميذه “تاتيان” الذي قدر له لاحقاً أن يصبح مدافعاً.
وهناك أيضاً لقي مقاومة شديدة تمثلت في شخص الفيلسوف الكلبي[3] “كريسكنس” (Crescens)، الذي اتهمه يوستينوس بالجهل. ولدينا رواية موثقة عن استشهاد يوستينوس مذكورة في (Martyrium S. Justini et Sociorum)، وهي معتمدة على محضر المحاكمة الرسمي. ووفقاً لهذه الوثيقة، قطعت رأس القديس يوستينوس ومعه ستة آخرون عام 165م على أرجح الأقوال، ذلك في حين كان الحاكم “يونيوس روستيكوس” (Junius Rusticus) (163-167م) لا يزال في منصبه.
كتابات القديس يوستينوس
كان يوستينوس كاتباً غزير الإنتاج، ولم تصلنا من كتاباته التي كان يعرفها يوسابيوس (Hist. 4: 18) إلا ثلاثة أعمال فقط موجودة في مخطوطة وحيدة حالتها متدهورة نسخت عام 1364م (Paris. No. 450). وهذه الأعمال الثلاثة هي دفاعاه ضد الوثنيين وحواره مع تريفيون اليهودي.
أما أسلوب هذه الأعمال فهو أبعد ما يكون عن الجاذبية، لأنه يتبع ما تمليه عليه اللحظة كونه غير معتاد على اتباع خطة محددة. إنه ينحرف عن الموضوع، وأفكاره غير مترابطة، كما أنه ضعيف في صياغة الجمل الطويلة. يفتقد أسلوب يوستينوس التعبيري برمته إلى القوة، كما أنه نادراً ما يصل إلى البلاغة أو دفء المشاعر.
لكن، بالرغم من كل ما تنطوي عليه كتابات يوستينوس من عيوب، إلا أنها بالنسبة لنا ذات جاذبية لا تحد، فهي تكشف لنا عن شخصية متفتحة وأمينة تحاول أن تصل إلى مساحة مشتركة مع الخص. كان يوستينوس مقتنعاً بأن “كل شخص يستطيع أن يتكلم بالحق ولا يفعل سوف يدينه الله” (Dial. 82)، وهو أول كاتب كنسي يحاول أن يقيم جسراً بين المسيحية والفلسفة الوثنية.
أولاً: دفاعا القديس يوستينوس
إن أهم كتابات يوستينوس الباقية هما دفاعاه، ويعلق يوسابيوس عليهما في (Hist. Eccles. 4: 18) قائلاً: “ترك لنا يوستينوس مقالات ذات فكر مُثقف متمرس لاهوتياً، ومليئة بكل ما هو نافع. وسنحيل الدارسين إليها، مشيرين إلى ما قد وصلنا منها بشكل نافع. هناك مقالة كتبها دفاعاً عن عقيدتنا موجهاً إياها إلى أنطونينوس الملقب بـ “بيوس” وأولاده، ومقالة أخرى كتبها إلى مجلس الشيوخ الروماني تحوي دفاعاً ثانياً عنا، وجهه إلى خليفة الإمبراطور السابق الذكر وسميه المدعو أنطونينوس فيروس”.
ونحن بالتأكيد لدينا دفاعان بقلم القديس يوستينوس، أطولهما الدفاع المكون من ثمانية وستين فصلاً، موجه إلى أنطونينوس بيوس، وأقصرهما، المكون من خمسة عشر فصلاً، موجه إلى مجلس الشيوخ الروماني. لكن (E. Schwartz) يعتبر الأخير مجرد خاتمة للأول، ففي الغالب، كان كلام يوسابيوس عن دفاعين هو السبب الذي لأجله قسم العمل الكامل في المخطوطة إلى قسمين، ثم وضعت الخاتمة في المقدمة كما لو كانت عملاً مستقلاً بذاته.
أما اليوم فيوافق معظم الدارسين على أن العمل المعروف بالدفاع الثاني كان يشكل في الأصل ملحقاً للأول أو إضافة لاحقة عليه. وعلى أرجح الأقوال، كانت الأحداث التي وقعت في عهد الحاكم أوربيكوس (Urbicus) هي الدافع الذي يقف وراء كتابة هذا العمل، وهو يبدأ بوصف لأحداثها.
والدفاعان موجهان إلى الإمبراطور أنطونينوس بيوس (138-161م). ويبدو أن القديس يوستينوس قد كتبهما في الفترة ما بين عامي 148م و161م، لأنه يقول في (Apology I: 46): “لقد ولد المسيح من مائة وخمسين عاماً في عهد كيرينيوس (Quirinius)”، وقد كُتبا هذا الدفاعان في مدينة روما.
الدفاع الأول ليوستينوس
في المقدمة (الفصول 1-3)، يطلب يوستينوس من الإمبراطور باسم المسيحيين، أن يتناول قضيتهم باهتمام، وأن يكوّن قراره بدون أن تُضلله تحيزات الجماهير أو كراهيتهم.
يتكون الجزء الرئيسي في الدفاع من قسمين:
1) القسم الأول (الفصول من 4-12) هو نقد لموقف الدولة الرسمي من المسيحيين. وهنا ينتقد الكاتب الإجراءات القضائية التي تتبعها الدولة بشكل منظم ضد شركائه في الإيمان، والاتهامات الباطلة الموجهة إليهم. إنه يحتج على تصرفات السلطات الحمقاء في إنزال العقاب لمجرد اعتراف الشخص باعتناق المسيحية؛ فاسم “مسيحي” مثله مثل اسم “فيلسوف” لا يثبت إدانة شخص ما أو براءته. يمكن إنزال العقوبات على جرائم أدين بها متهم، لكن الجرائم التي اتُّهم المسيحيون بها ما هي إلا محض افتراءات. إنهم ليسوا بملحدين، فإذا رفضوا أن يعبدوا الآلهة، فهم يفعلون ذلك لأن تقديم العبادة لهذه الآلهة حماقة. إن معتقداتهم الأخروية وخوفهم من العقاب الأبدي تحفظهم من السلوك الخاطئ، وتجعل منهم أفضل أعوان للدولة.
2) يتحول القسم الثاني (الفصول من 13-67) إلى شرح الديانة المسيحية، معطياُ وصفاً تفصيلياً بوجه خاص لتعاليمها وعباداتها وأساسها في التاريخ، وأسبابها لاعتناقها.
أولاً: تعاليم المسيحيين العقائدية والأخلاقية:
من النبواءت الإلهية يمكن إثبات أن يسوع المسيح هو ابن الله ومؤسس الديانة المسيحية، ولقد أسسها بحسب إرادة الله حتى يحول الجنس البشري ويصلحه. ولقد حاكت الشياطين نبوات العهد القديم وقلدتها في الأديان الوثنية السرية، وذلك يفسر سبب الكثير من التشابهات والتماثلات بين الديانة المسيحية وأشكال العبادة الوثنية. وبالمثل، اقتبس الفلاسفة، مثل أفلاطون، من العهد القديم، ولهذا السبب، لا يمكننا أن نتعجب من وجود بعض الأفكار المسيحية في الفلسفة الأفلاطونية.
ثانياً: العبادة المسيحية:
يعطي الكاتب هنا وصفاً لسر المعمودية، وخدمة الإفخارستيا وحياة المسيحيين الاجتماعية.
الخاتمة (فصل 68) عبارة عن تحذير جاد للإمبراطور. ثم أضاف يوستينوس في نهاية الدفاع الأول المرسوم الذي أرسله الإمبراطور هادريان، حوالي عام 125م، إلى “مينوكيوس فوندانوس” (Minucius Fundanus) حاكم آسيا. وهذه الوثيقة ذات أهمية كبرى بالنسبة لتاريخ الكنيسة، فهي تنص على أربعة قوانين وضعت من أجل إجراءات قضائية أعدل وأصح في المحاكمات المقامة ضد المسيحيين، وهذه القوانين هي:
1) الحكم على المسيحيين يجب أن يتم من خلال إجراء قانوني أمام محكمة جنائية.
2) يمكن أن يدان المتهمون فقط إذا كان هناك دليل على أنهم قد ارتكبوا جريمة ضد القانون الروماني.
3) يجب أن تتناسب العقوبات مع طبيعة الجرائم ودرجتها.
4) يجب أن يعاقب كل اتهام كاذب بشدة.
وبحسب يوسابيوس في (Hist. Eccles. 4: 8: 8) ضم يوستينوس هذه الوثيقة في نصها اللاتيني الأصلي إلى دفاعه، ولقد ترجمها يوسابيوس إلى اليونانية، ثم أدرجها في كتابه “تاريخ الكنيسة” (4: 9).
الدفاع الثاني للقديس يوستينوس
يبدأ هذا العمل بذكر الأحداث التي كانت قد وقعت مؤخراً، فأوربيكوس، حاكم مدينة روما، كان قد قطع رأس ثلاثة من المسيحين لأنهم اعترفوا بكونهم مسيحيين. ويلجأ يوستينوس مباشرة إلى الرأي العام الروماني محتجاً مرة أخرى ضد المعاملة الخشنة غير العادلة التي يتعرض لها المسيحيون ومجيباً على انتقادات عدة. فهو، على سبيل المثال، يجيب عن السؤال الساخر الذي كان يسأله الوثنيون، وهو: لماذا لا ينتحر المسيحيون حتى يصلوا إلى إلههم بأقصى سرعة؟
فيجيب يوستينوس قائلاً: “لأننا، إن فعلنا هذا، سوف نسلك نحن أنفسنا ضد إرادة الله. لكن عند استجوابنا لا ننكر، لأننا لم نقصد أي شر، بل أننا نعد عدم قولنا الحق في كل الأشياء أمراً شريراً” (Apol. 2: 4). لقد أثارت كراهية الشياطين للحق والفضيلة الاضطهادات ضد المسيحيين، وتلك القوى الشيطانية نفسها هي التي أتعبت “أتقياء العهد القديم والعالم الوثني.
لكن، لن يكون لهذه القوى سلطان على المسيحيين إذا لم يكن الله يريد أن يقود أتباعه عبر التجارب والقلاقل إلى الفضيلة والمكافأة، وعبر الموت والخراب إلى الحياة الأبدية والسعادة. وفي الوقت نفسه، يعطي الاضطهاد المسيحيين فرصة ليظهروا سمو ديانتهم على الوثنية بطريقة مؤثرة. وختاماً، يطلب يوستينوس من الإمبراطور أن يتبع، في محاكمته للمسيحيين، العدل والصلاح ومحبة الحق.
ثانياً: الحوار مع تريفون
هو أقدم دفاع مسيحي ضد اليهود لا يزال في حوزتنا. لكننا، للأسف، لا نملك نصه الكامل، فلقد فُقدت منه المقدمة وجزء كبير من الفصل (74). ولا بد من أن الحوار قد كُتب بعد كتابة الدفاعين، لأن هناك إشارة إلى الدفاع الأول في الفصل 120. ويحتوي الحوار على نقاش دار على يومين مع شخص يهودي متعلم، وهو على الأرجح الرابي “تارفون” المذكور في المشناه[4].
ويعتقد يوسابيوس (Hist, Eccles. 4: 18: 6) أن مدينة أفسس هي المكان الذي أقيم فيه هذا الحوار. وقد أهدى القديس يوستينوس عمله هذا لشخص يدعى “ماركوس بومبيوس” (Marcus Pompeius)، وهو عمل طويل، يبلغ طوله مئة واثنين وأربعين فصلاً. وتحتوي المقدمة (الفصول من 2-8) على قصة مفصلة يرويها يوستينوس عن نموه الفكري واعتناقه المسيحية.
ويشرح القسم الأول من الجزء الرئيس (الفصول من 9-47) وجهة النظر المسيحية بخصوص العهد القديم. لقد كان الناموس الموسوي ذا سلطة قانونية مؤقتة، فالمسيحية هي الناموس الجديد والأبدي لكل جنس البشر. ثم يُفسر القسم الثاني من الجزء الرئيس (الفصول من 48-108) سبب عبادة المسيح كإله، أما القسم الثالث من الجزء الرئيس (الفصول 109-142) فيبرهن على أن الأمم التي آمنت بالمسيح وتبعت ناموسه هي إسرائيل الجديد وشعب الله المختار الحقيقي.
ويختلف النهج الدفاعي المتبع في الحوار عن ذاك المتبع في الدفاعين لأنه موجه إلى نوع مختلف تماماً من القراء، فالقديس يوستينوس، في حواره مع تريفون، يركز على العهد القديم، ويقتبس من أقوال الأنبياء كبرهان على أن الحق المسيحي كان موجوداً حتى من قبل المسيح. وبالفحص الدقيق لاقتباسه من العهد القديم، يكشف المرء أن يوستينوس يفضل الفقرات التي تتكلم عن رفض الله لإسرائيل واختياره الأمم الوثنية.
ومن الواضح أن هذا الحوار ليس بأي حال من الأحوال إعادة إنتاج لتقرير اختزالي خاص بمناظرة حقيقية. لكن من ناحية أخرى، نجد أن صيغة الحوار ليست بكاملها مجرد أسلوب أدبي؛ إذ يبدو أن كتابة هذا العمل قد سبقته حوارات ونقاشات حقيقية. ومن الممكن أن تكون هذه المناقشات قد حدثت في أفسس في زمن حرب “باركوخبا” المذكورة في الفصل الأول والتاسع.
ثالثاً: أعمال يوستينوس المفقودة
بالإضافة إلى الدفاعين والحوار مع تريفون، كتب يوستينوس عدداً من الكتابات الأخرى التي فقدت، ولم تبق من هذه الأخيرة سوى عناوين أو بعض الشذرات الصغيرة. أحد هذه الأعمال ذكرها يوستينوس بنفسه، وآخر اقتبس منه إيرينيوس، وكثير منها جاء ذكره في قائمة يوسابيوس. كما لا تزال هناك أعمال أخر اقتبس منها الكتاب الكنسيون اللاحقون، وفيما يلي قائمة كتابات يوستينوس المعروفة لنا اليوم:
مقال ضد كل الهرطقات: ذلك العمل الذي يشير إليه يوستينوس بنفسه في الدفاع الأول: فصل 26.
ضد ماركيون: وهو العمل الذي استخدمه إيرينيوس في (ضد الهرطقات 4: 6: 2)، ويذكره يوسابيوس في (Hist. Eccl. 4: 11: 8ff).
مقالة ضد اليونانيين: وهو الذي يقول يوسابيوس بشأنه: “بعد مناقشة طويلة وموسعة تدور حول الكثير من الأشياء التي يتباحث فيها كل من المسيحيين والفلاسفة، يتحدث القديس يوستينوس عن طبيعة الشياطين”.
النُصح: وهو مقالة أخرى كانت بحسب يوسابيوس في (4: 18: 4)، موجهة إلى اليونانيين.
عن سلطان الله: ذلك العمل الذي بناه يوستينوس ليس فقط على كتبنا المقدسة، بل على كتب اليونانيين أيضاً.
عن النفس: ويصف يوسابيوس محتوى هذا العمل في (4: 18: 5) هكذا: “يعرض يوستينوس فيه عدة أسئلة حول المشكلة محل النقاش، ويورد آراء الفلاسفة اليونانيين التي يعد بتفنيدها والإدلاء برأيه الخاص في كتاب آخر.
كتاب بعنوان “المُرتل”.
في كتاب يوحنا الدمشقي “Sacra Parallela” ثلاث شذرات كبيرة من مقالة يوستينوس “عن قيامة الأموات”، ولكن أصالتها محل شك.
وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الكتابات كلها قد فُقدت، احتوت المخطوطات على عدد من الكتابات المنحولة تحت اسم يوستينوس. غير أنه من الجدير بالملاحظة أن ثلاثة من هذه الأعمال المنحولة لها عناوين تشبه عناوين أعمال يوستينوس الأصلية المفقودة:
يحاول كتاب “نصح اليونانيين” (Cohortatio ad Graecos) أن يقنع اليونانيين بالدين الحق في صورة خطبة، فالأفكار التي كانت لدى الشعراء اليونانيين بخصوص الآلهة مستهجنة، كما أن تعاليم الفلاسفة فيما يتعلق بالقضايا الدينية مليئة بالتناقضات. ويجد المرء الحق مع موسى والأنبياء، هؤلاء الذين عاشوا قبل الفلاسفة اليونانيين. لكن، يمكن للمرء أن يجد آثاراً من معرفة الله الحقيقية حتى في أعمال الشعراء والفلاسفة اليونانيين، إلا أن القدر القليل من الصلاح الذي تحتويه تلك الأعمال مأخوذ من كُتب اليهود. ويختلف موقف كاتب “نصح اليونانيين” من الفلسفة اليونانية عن موقف القديس يوستينوس بشكل لافت للنظر، حتى إنه لهذا السبب وحده لا يمكن أن تنسب كتابة هذا العمل إليه. لكن إلى جانب هذا، فإن أسلوبه الأدبي يفوق أسلوب يوستينوس، كما أنه يستخدم مفردات لغوية مميزة. كل هذه الأسباب معاً كافية لتثبت أن العمل ليس أصيلاً. وقد كتب “نصح اليونانيين” على الأرجح في القرن الثالث الميلادي، ويتكون من 38 فصلاً، وهو أطول الكتابات المنسوبة إلى يوستينوس.
أما العمل الأقصر كثيراً فهو المعروف باسم “خطاب إلى اليونانيين” (Oratio ad Graecos)، والذي يبلغ عدد فصوله خمسة فقط. والعمل زاه ومفعم بالحياة من حيث الأسلوب الأدبي، ومكثف وجذاب من حيث الترتيب. ومثلما هو واضح من محتواه، هو عبارة عن دفاع مهتد يوناني عن نفسه، إنه “دفاع عن حياته” (Apologia pro vita sua). يهاجم الكاتب استباحة الآلهة الوثنية كما يصورها هوميروس (Homer) وهيزيود (Hesiod)، ثم يختم خطابه بدعوة حماسية لاعتناق المسيحية. ويدل كل من الأسلوب البلاغي الرفيع والمعرفة الممتازة بالأساطير اليونانية على أن القديس يوستينوس ليس بكاتب هذا العمل. ويرجع كتابة “الخطاب” على الأرجح إلى النصف الأول من القرن الثالث الميلادي، ونحن نملك نصين له: النص الأقصر موجود باللغة اليونانية، أما الأطول، والذي حرره شخص اسمه أمبروسيوس (Ambrosius)، فموجود فقط في ترجمة سريانية.
أما العمل المعروف باسم “عن الرئاسة الواحدة” (De Monarchia) (6 فصول) هو مقال يسعى لإثبات وحدانية الله من خلال الاستشهاد بأشهر شعراء اليونان. ويشهد اختلاف الأسلوب الأدبي لهذا العمل عن أسلوب يوستينوس بأن يوستينوس ليس بكاتبه، علاوة على ذلك، يعطي يوسابيوس وصفاً لمحتوى عمل يوستينوس الأصيل (De Monarchia)، وهو لا يتطابق مع محتوى هذا المقال.
وإلى جانب هذه الأعمال الثلاثة، هناك عدد من الأعمال الأخرى التي تنسبها المخطوطة إلى يوستينوس. وتتشابه أربعة من هذه الأعمال بشدة من حيث اللغة والتعاليم اللاهوتية حتى إنه لا بد من أن يكون كاتبها شخصاً واحداً، ويبدو أن هذا الأخير قد عاش حوالي عام 400م وكان له علاقة ما بسوريا. وهذه المقالات هي:
أسئلة وأجوبة عن الأرثوذكس: عمل يحتوي على مائة وواحد وستين سؤالاً وإجابة تتعلق بمسائل تاريخية، وعقائدية، وأخلاقية، وتفسيرية.
أسئلة المسيحيين للأمم: تشتمل هذه المقالة على خمسة أسئلة عقائدية يوجهها المسيحيون إلى الوثنيين ثم يجيب الوثنيون عليها، لكن يتم تفنيد هذه الإجابات لكونها تعج بالتناقضات.
أسئلة اليونانيين للمسيحيين: تشتمل هذه المقالة على خمسة عشر سؤالاً يسألها الوثنيون، والعدد نفسه من أجوبة المسيحيين، وذلك فيما يتعلق بجوهر الله، وقيامة الأموات، وعقائد مسيحية أخرى.
تفنيد بعض العقائد الأرسطوطالية: ويفند هذا العمل، في خمس وستين فقرة، تعاليم أرسطو فيما يتعلق بالله والعالم.
ولقد تعذرت معرفة هوية الكاتب الحقيقية لهذه المقالات حتى اليوم، فينسبها (A. Harnack) إلى “ديودوروس الطرسوسي” (Diodorus of Tarsus)، في حين فكر آخرون في ثيودوريت الكورشي” (Theodoret of Cyrus) الذي تنسب إليه مخطوطة القسطنطينية كتابة “أسئلة وأجوبة عن الأرثوذكس”، لكن لا يمكننا أن نضمن بأي حال من الأحوال أن أياً منها هو الكاتب.
وإلى جانب هذه المقالات الأربع، تنسب المخطوطات المقالات التالية ليوستينوس:
شرح الإيمان أو عن الثالوث (Expostitio Fedei seu de Trinitte)، وهو شرح لعقيدة الثالوث، وكاتب هذا العمل غير معروف، لكن يبدو أنه لا يعود إلى ما قبل القرن الخامس الميلادي.
رسالة إلى زينا وسيرينوس (Epistola ad Zenam et Serenum)، وهي دليل مفصل للسلوك النسكي المسيحي، مع وصايا تتعلق بفضيلتي التواضع والهدوء وهي تذكرنا بالتعاليم الأخلاقية التي للفلسفة الرواقية. ويعتقد (P. Batiffol) أن “سيسينيوس القسطنطيني” هو كاتب الرسالة، وأنها قد كتبت حوالي عام 400م.
فكر القديس يوستينوس اللاهوتي
ينبغي أن نتذكر عند تحليل الفكر اللاهوتي للقديس يوستينوس، أننا لا نملك وصفاً كاملاً ومفصلاً للإيمان المسيحي بقلمه، كذلك يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار أن أعماله اللاهوتية الأصلية، مثل “عن سلطان الله” و”عن النفس” و”عن قيامة الأموات” و”تفنيد جميع الهرطقات” و”ضد ماركيون”، قد فُقدت. ولا يمدنا “الدفاعان” و”الحوار مع تريفون” بصورة شاملة عن يوستينوس الشهيد كمعلم لاهوتي.
لقد كانت لدي يوستينوس، في الأعمال المضادة للهرطقات، فرصة أكبر بكثير ليبحث ويتعمق في المسائل الخاصة بالعقيدة، في حين أنه، عند دفاعه عن الإيمان ضد غير المؤمنين، يركز بالأكثر على احتكام الإيمان إلى العقل. ويسعى يوستينوس ليشير إلى التشابهات الحاصلة بين تعاليم الكنيسة وتعاليم المفكرين والشعراء اليونانيين، وذلك لكي يبين أن المسيحية هي الفلسفة الوحيدة الآمنة والمفيدة.
ولهذا السبب، ليس من المفاجئ أن يكشف التعليم اللاهوتي للقديس يوستينوس عن تأثير أفلاطوني؛ فمن بين كل النسق الفلسفية الوثنية، كان يوستينوس يُجل النسق الأفلاطوني بالأكثر.
1 – مفهوم الله
هناك بالفعل، في مفهوم يوستينوس عن الله، ميل واضح للفلسفة الأفلاطونية. الله لا بداية له، ومن هذه الحقيقة يجب علينا أن نستنتج أنه لا اسم له: “لا ينبغي أن نطلق اسماً على أبي الكل، غير المولود. لأن كل من يُدعى باسم يكون من سماه أكبر منه. أما الكلمات مثل “الآب” و”الله” و”الخالق” و”السيد” فليست أسماء، لكنها ألقاب مشتقة من أعماله ووظائفه الصالحة. إن لقب “الله” ليس اسماً، لكنه فكرة مزروعة في طبيعة البشر بخصوص الشيء الذي لا يمكن تفسيره”. (2: 6).
وأفضل اسم له هو “الآب”، لأنه بما أنه هو الخالق، فهو حقاً أبو كل الأشياء. وينكر يوستينوس الحضور الجوهري لله في كل مكان، فبحسبه، يسكن الله الآب في المناطق التي تعلو السماء، ولا يمكنه أن يغادر مكانه، ولهذا السبب لا يمكنه أن يظهر في العالم:
“إن من يملك أقل قدر من الذكاء لن يجرؤ أن يقول إن الخالق وأبا كل الأشياء قد ظهر في بقعة صغيرة من الأرض تاركاً كل الأمور فوق السمائية” (Dial. 60) “لأن الآب الذي لا ينطق به، ورب كل الأشياء، لا يأتي إلى أي مكان، ولا يسير، ولا ينام، ولا يقوم، بل يبقى في مكانه أيا كان هذا المكان، ينظر بسرعة ويسمع بسرعة، بلا عيون له ولا آذان، إلا أنه ذو قوة لا توصف؛ يعرف كل الأشياء، ولا يفلت واحد من ناظريه.
إنه لا يتحرك لأي بقعة من العالم كله ولا يتقيد بها، لأنه كان موجوداً قبل أن يخلق العالم. كيف إذن يمكنه أن يتكلم لأي شخص، أو أن يراه أي شخص، أو أن يظهر على أصغر بقعة من الأرض في حين كان الشعب في سيناء غير قادرين حتى على النظر إلى مجده الذي أرسله؟” (Dial. 127)
ولكن بما أن الله مُتعال وسام فوق كل البشر، من اللازم إذن أن يُقام جسر فوق الهوة التي تفصل بين الله والإنسان، وهذا ما فعله اللوغوس “الكلمة”، فاللوغوس هو الوسيط بين الله الآب والعالم. فالله يتواصل مع العالم من خلال اللوغوس فقط، ويظهر نفسه من خلاله بشكل حصري. إذاً، يكون اللوغوس هو الدليل إلى الله ومعلم الإنسان، وهو في الأصل كان يسكن كقوة بداخل الله، لكن قبل خلق العالم بوقت قصير، خرج وصدر منه ثم خلق العالم بنفسه.
ويوستينوس في حواره مع تريفون يشرح ولادة اللوغوس بصورتين مختلفتين: “إنها تشبه بالضبط ما نراه يحدث في حالة النار، تلك التي لا ينقص منها شيء عندما تُشعل منها نار أخرى لكن تبقى على حالها كما هي، كذلك تظهر النار التي أشعلت كما لو كانت موجودة من تلقاء نفسها بدون أن تنقص من وهج تلك التي أُشعلت منها”. (Dial. 61). أو بالضبط مثل العمل الذي يخرج من الإنسان بدون أن ينقص من جوهره. هكذا لا بد أن تفهم ولادة اللوغوس، الكلمة الإلهي، باعتبار عملية تحدث داخل الله.
أما عند الحديث عن العلاقة بين الآب والابن، فيبدو أن يوستينوس يميل إلى “الخضوعية” أو “التبعية التراتبية” (Subordinationism)، وهذا يتضح من كلامه في (Apology 2: 6): “ابنه الوحيد الذي يليق به وحده أن يسمى “الابن” و”الكلمة”، الوحيد الذي كان معه وولد منه قبل المخلوقات.
وعندما خلق الآب به في البدء كل شيء ودبره، سماه “المسيح” في إشارة إلى أنه قد مسح، وأن الله به دبر كل شيء”. ومن ثم، يبدو أن يوستينوس يفترض أن اللوغوس قد استقل خارجياً بغرض خلق العالم وتدبيره فقط[5]. لقد منحه الوظيف الشخصية وجوداً شخصياًن فأصبح شخصاً إلهياً، لكنه خاضع للآب[6]. (Cf. Dial. 61)
وتعاليم يوستينوس عن اللوغوس هي أهم تعاليمه، لأنها تشكل جسراً بين الفلسفة اليونانية والمسيحية، ذلك لأن يوستينوس يعلم أنه بالرغم من أن اللوغوس الإلهي قد ظهر بملئه في المسيح، إلا أن “بذرة اللوغوس” كانت قد انتشرت بين الجنس البشري برمته قبل المسيح بوقت طويل، لأن كل إنسان يمتلك بذرة من اللوغوس. ومن ثم، ليس فقط أنبياء العهد القديم، بل حتى الفلاسفة اليونانيون، قد حملوا بذرة خصبة من اللوغوس في نفوسهم، فعلى سبيل المثال، كان “هيراقليطس” (Heraclitus).
و”سقراط”، والفيلسوف الرواقي “ميسونيوس” (Musonius) هؤلاء الذين عاشوا بحسب توجيهات اللوغوس الكلمة الإلهي – مسيحيين حقاً: “لقد تعلمنا أن المسيح هو بكر الله، وقد أوضحنا أنه هو اللوغوس الذي يشترك فيه كل البشر، وأن هؤلاء الذين عاشوا بحسب اللوغوس هم مسيحيون، حتى لو اُعتبروا ملحدين، مثل هؤلاء الذين كانوا بين اليونانيين، سقراط، وهيراقليطس، وأناس مثلهم” (Apology 1: 46).
هكذا، لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين المسيحية والفلسفة، لأن: “كل حق نطق به البشر مهما كان هو ملك لنا نحن المسيحيين. لأننا، إلى جانب الله، نعبد ونحب اللوغوس الذي هو من الله غير المولود وغير الموصوف. لأنه من أجلنا صار إنساناً، حتى يشترك في آلامنا ويجلب لنا الشفاء. فكل الكُتاب، من خلال بذرة اللوغوس التي طعمت فيهم، كان لهم قبس من الحقيقة، لأن بذرة الشيء وتقليده الذي يعطى بحسب قدرة ذاك الذي يناله هو أمر، والشيء نفسه الذي يشترك فيه بحسب نعمة الله هو أمر مختلف تماماً” (Apology 2: 13)
ويقول أيضاً: “لأنه مهما كان الشيء الحسن الذي نطق به المشرعون أو الفلاسفة، فقد توصلوا إليه بعثورهم على جزء من اللوغوس والتأمل فيه. لكن بما أنهم لم يكن لديهم معرفة باللوغوس كاملاً، الذي هو المسيح، كانوا كثيراً ما يناقضون أنفسهم. كذلك هؤلاء الذين كانوا من جهة الولادة أقدم من المسيح، عندما كانوا يحاولون أن يفكروا في الأشياء ويثبتونها بالمنطق، كانوا يمثلون أمام المحاكم باعتبارهم أشراراً وفضوليين.
ولقد أُتُهم سقراط، الذي كان في هذا الاتجاه أكثر اجتهاداً من جميعهم، بنفس الجرائم التي نُتهم بها نحن. لأنهم قالوا إنه قدم آلهة جديدة، ولم يعتقد بهذه الآلهة التي اعترفت بها الدولة… لكن مسيحنا قد فعل هذه الأشياء بقوته الخاصة، لأنه لم يحدث أن أحداً آمن بسقراط إلى درجة أن يموت في سبيل هذه التعاليم، لكن المسيح، ذاك الذي كان معروفاً لسقراط جزئياً، لأنه كان ولا يزال اللوغوس الذي يسكن في كل إنسان.” (Apology 2: 10).
هكذا يعطي يوستينوس إثباتاً ميتافيزيقياً لوجود عناصر الحق في الفلسفة الوثنية، لكنه بالإضافة إلى هذا، لديه أيضاً إثبات تاريخي. فالفلاسفة الوثنيون قد نطقوا بالكثير من الأقوال الصحيحة لأنهم كانوا قد استعاروها من أدب اليهود، من العهد القديم:
“إن موسى أقدم من جميع الكُتاب اليونانيين، كما أنه مهما كانت أقوال كل من الفلاسفة والشعراء عن خلود النفس او العقاب ما بعد الموت، أو التأمل في الأمور السماوية، أو ما يشبه هذا من تعاليم، فقد حصلوا على مثل هذه التلميحات من الأنبياء، لأنها قد مكنتهم من أن يفهموا هذه الأمور ويفسروها. ومن ثم، يبدو أن هناك بذاراً للحق منتشرة بين جميع الناس”. (Apology 1: 44).
لكن المسيحيين وحدهم هم الذين يمتلكون الحق الكامل، لأنه في المسيح يتجلى الحق بذاته.
2 – مريم وحواء
كان يوستينوس هو أول كاتب مسيحي يضيف نظيراً للمقارنة التي كتبها القديس بولس الرسول بين آدم والمسيح، وذلك بمقارنة مريم بحواء، فهو يقول التالي في حواره مع تريفون (فصل 100) “لكن المسيح صار إنساناً بواسطة العذراء حتى يدمر العصيان الذي خرج من الحية نفس الطريقة التي بدأ بها.
لأن حواء التي كانت عذراء لم تدنس، بعدما حبلت بكلمة الحية، ولدت عصياناً وموتاً. لكن العذراء مريم نالت إيماناً وفرحاً عندما بشرها الملاك جبرائيل بالأخبار السارة، وهي أن روح الرب سيحل عليها، وقوة العلي ستظللها؛ لأن القدوس المولود منها هو ابن الله. وأجابته قائلة: “ليكن لي كقولك”. ومنها قد ولد ذاك الذي قد ثبت أن الكثير من نبوات الكتب المقدس تشير إليه، والذي به يدمر الله كلا من الحية وهؤلاء الملائكة، ومن مثلهم من البشر”.
3 – الملائكة والشياطين
يوستينوس هو أحد الكُتاب الأوائل الذين يشهدون لإكرام الملائكة: “الطغمات الأخرى من الملائكة الصالحين الذين يتبعونه ويتشبهون به، والروح النبوي الذي نعبده ونكرمه”. (Apology 1: 6).
والملائكة يعتنون بالبشر جميعاً من السماء: “إنه قد أسند مهمة العناية ببني البشر وكل الأشياء التي تحت السماء إلى ملائكة عينها عليهم” (Apology 2: 5).
ويوستينوس ينسب إلى الملائكة أجساماً تشبه الأجسام البشرية بالرغم من طبيعتها الروحانية: “مما هو واضح بالنسبة لنا هو أنهم يأكلون في السماء، هذا بالرغم من أنهم لا يتغذون على طعام يشبه طعام البشر؛ لأنه بالنسبة للمن الذي اغتذى عليه آباؤكم في الصحراء تقول الكتب المقدسة إنهم أكلوا “طعام الملائكة” (Dial. 57)
أما حقيقة كون القديس يوستينوس ينسب الجسد للملائكة فتظهر في رأيه بشأن سقوط الملائكة، فلقد كانت خطيئة الملائكة الساقطين تتمثل في اتصالهم الجنسي بنسوة بشريات: “لقد تعدت الملائكة هذه الوظيفة، وفتنت بحب النساء، وولدت أولاداً هم هؤلاء الذين نسميهم بالشياطين”. (Apol 2: 5).
والشياطين عقابهم في النار الأبدية بعد عودة المسيح (Apol. 1: 28). ولهذا، ما زالت لديهم القدرة حتى الآن ليضلوا البشر ويغووهم، فبعد مجيء المسيح أصبح كل مسعاهم هو أن يمنعوا الإنسان من الاهتداء إلى الله واللوغوس (Apol. 1: 26, 54, 57, 62). وهذا قد أثبته الهراطقة الذين هم أدوات الشياطين، لأنهم يبشرون بإله غير الآب وابنه.
لقد أعمت الشياطين اليهود وأثارتهم ليسببوا كل تلك الآلام للوغوس الذي ظهر في يسوع، لكن ولأنهم يعرفون أن المسح سوف يضم أغلب أتباعه من بين الأمم، لذلك كانوا متلهفين على نحو خاص ليفسدوا فرصته بينهم. ومن اللافت للنظر في هذا الخصوص ما يقوله يوستينوس عن تأثير اسم يسوع على الشياطين: “نحن نسميه المعين والمخلص، والقوة التي باسمها ترتعد الشياطين.
واليوم، عندما تُطرد الشياطين باسم يسوع المسيح، الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي حاكم اليهودية، تتم هزيمتهم. وهكذا يظهر للجميع أن أباه قد منحه قوة عظيمة جداً بها تخضع الشياطين لاسمه” (Dial. 30).
4 – الخطية الأصلية[7] والتأله
كان يوستينوس مقتنعاً بأن كل إنسان له إمكانية التأله وكان هذا على الأقل هو الحال في بداية الخليقة، لكن الأبوين الأولين قد وقعها في الخطية وجلبا الموت على نفسيهما. ولكن الآن، استعاد كل إنسان القدرة على أن يصبح إلهاً: “لقد خلقوا على مثال الله، متحررين من الآلام والموت، بشرط أن يحفظوا وصاياه، وحسبوا مستحقين أن يحملوا اسم أبنائه.
لكنهم – مثل آدم وحواء – جلبوا الموت على أنفسهم: ليكن تفسير المزمور (81) كما تريدونه أن يكون، لكن هكذا يظهر أن كل البشر قد حسبوا مستحقين أن يصبحوا آلهة وأن يكون لهم القدرة على أن يصبحوا أبناء للعلي. إلا أنهم سقطوا تحت الحكم والدينونة كآدم وحواء”. (Dial. 124).
5 – المعمودية والإفخارستيا
إن وصف ليتورجية المعمودية وليتورجية الإفخارستيا الذي يعطيه يوستينوس في نهاية الدفاع الأول هو ذو قيمة استثنائية، فهو يقول بشأن المعمودية: “ولسوف أحكي أيضاً عن الطريقة التي بها نكرس أنفسنا لله حينما نُجدد من خلال المسيح، مخافة من أن نبدو غير منفصلين في الشرح الذي نقوم به إذا لم نذكرها. بما أن هناك كثيرين مقتنعون ومؤمنون بأن ما نعلم به ونقوله حقيقي آخذين على عاتقهم أن يعيشوا بحسبه، يتم إرشادهم ليصلوا ويتضرعوا إلى الله بالصوم من أجل غفران خطاياهم السابقة، ونصلي ونصوم معهم.
ثم نحضرهم إلى حيث يوجد ماء، فيجددون بنفس الطريقة التي تجددنا بها. لأنهم حينئذ ينالون الغسل بالماء باسم الله الآب سيد الكون، ومخلصنا يسوع المسيح والروح القدس… وقد تعلمنا من الرسل السبب في هذا – الطقس – لأننا في ميلادنا الأول قد ولدنا من اجتماع أبوينا بدون معرفتنا وبلا اختيار منا ثم كبرنا في عادات سيئة وتدريب شرير، وحتى لا نظل أولاداً للجبر والجهل بل نصبح أولاداً للاختيار والمعرفة، وحتى نحصل على غفران الخطايا التي ارتكبناها في السابق.
وهناك، يدعى ذاك الذي اختار أن يولد من جديد وتاب عن خطاياه باسم الله الآب سيد الكون، فذاك الذي يقود الشخص المزمع أن يغتسل إلى حيث الجرن يدعوه بذلك الاسم وحده. ويسمى هذا الغسل بـ “الاستنارة”، لأن هؤلاء الذين يتعلمون هذه الأمور يستنيرون روحياً. لكنه يدعوه أيضاً باسم يسوع المسيح الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي، وباسم الروح القدس الذي بواسطة الأنبياء سبق وأخبر بكل الأمور المتعلقة بيسوع المسيح”. (Apol. 1, 61).
وهناك وصفان لخدمة الإفخارستيا في دفاعي يوستينوس. يصف يوستينوس في الأول (فصل 65) الليتورجية الإفخارستية الخاصة بالمعمدين حديثاً، ويعطي في الثاني (فصل 67) تفاصيل خدمة الأحد المعتادة. وتبدأ خدمة الآحاد بقراءة من الأناجيل القانونية التي يسميها يوستينوس صراحة بـ “مذكرات الرسل”، أو قد جاء في القراءات. بعد هذا تصلي الجماعة من أجل المسيحيين وجميع البشر في العالم كله، وفي ختام الصلاة يتبادل الأعضاء جميعهم قُبلة السلام.
حينئذ، يقدم إلى الرئيس الخبز والخمر والماء، فيتلو صلاة التقديس عليها. ويوزع الشمامسة التقدمات التي تم تقديسها على الحاضرين ويوصلونها إلى الغائبين. غير أن يوستينوس يضيف صراحة أن هذا الخبز ليس خبزاً عادياً، وأن هذا الخمر ليس خمراً عادياً، لكنهما جسد ودم يسوع المتجسد، وهو يستشهد بكلمات التأسيس كدليل على هذا.
وقد تُرك أمر صياغة كلمات الصلاة الإفخارستيا للرئيس المحتفل، لكن يوستينوس يذكر أن الإفخارستيا تُقدس بصلاة تحتوي على كلمات المسيح نفسه. إذاً، يبدو أنه ليس فقط كلمات التأسيس هي التي كانت جزءً من الصلاة، بل على الأرجح كانت رواية التأسيس برمتها جزءً من الصلاة، بل على الأرجح كانت رواية التأسيس برمتها جزءً ثابتاً من صلاة التقديس. لهذا السبب، يمكن للمرء هنا أن يتكلم عن ليتورجية نصف ثابتة (semirigid)، لأن بها عناصر ثابتة ولكن مع ذلك يبقى فيها مكان أيضاً للارتجال الشخصي الذي يقوم به الكاهن المُقدِس.
ومن الملفت للنظر أن يوستينوس، في وصفه لخدمة الإفخارستيا التي تتبع نوال سر المعمودية، لا يذكر القراءات التي تتلى من الكتب المقدسة ولا العظة التي يلقيها الرئيس، ويبدو أنهما قد حذفتا بسبب مراسم المعمودية التي سبقتهما.
أما وصفه للقداس الخاص بالمعمدين حديثاً فهو كالتالي: “لكننا، بعد أن نغسل ذاك الذي قد آمن ورضي، نحضره إلى هؤلاء المدعوين إخوة في مكان اجتماعهم، حتى نرفع معاً بكل قلوبنا صلاة لأجل أنفسنا، ولأجل الشخص الذي نال الاستنارة، ولأجل الآخرين الذين في كل مكان، حتى نُحسب مستحقين. والآن بعد أن عرفنا الحق، يجب أن نكون مواطنين صالحين وحافظين للوصية، وذلك حتى ننال الخلاص الأبدي. وبعد أن نفرغ من الصلاة، نسلم على بعضنا بعضاً بقبلة.
حينئذ يُقدم إلى رئيس الإخوة خبزاً وكأساً من الماء والخمر، فيستلمهما، ثم يأخذهما معطياً التسبيح والمجد لأبي كل شيء باسم ابنه والروح القدس؛ ثم يقدم شكراً طويلاً لكوننا قد حُسبنا مستحقين أن ننال هذه الأمور على يديه. وبعد أن يختم الصلوات والتشكرات، يبدي جميع الحاضرين موافقتهم بقولهم “آمين”، وهذه الكلمة “آمين” باللغة الآرامية تعني “ليكن كذلك”.
وبعد أن يحتفل الرئيس بالإفخارستيا، ويبدي الجميع موافقتهم، يقوم هؤلاء الذين ندعوهم شمامسة بإعطاء كل واحد من الحضور جزءً من خبز الإفخارستيا والخمر والماء، ثم يبقون على جزء للغائبين. ونحن نسمي هذا الطعام “الإفخارستيا”، ولا يسمح لأحد أن يشترك فيه إلا من يؤمن أن الأمور التي نُعلم بها صحيحة واغتسل في الحوض من أجل غفران الخطايا والولادة الجديدة، ومن ثم يعيش وفقاً لما أمر به المسيح.
نحن لا نتناول الخبز والخمر كأنهما خبز وخمر عاديان، لكن كما أن كلمة الله يسوع المسيح مخلصنا قد صار جسداً وصار له لحم ودم من أجل خلاصنا، هكذا أيضاً الطعام الذي يبارك بكلمة الصلاة التي خرجت منه والذي تغتذي عليه أجسادنا ودماؤنا بالاستحالة، هو أيضاً – كما تعلمنا – جسد ودم يسوع المسيح نفسه الذي صار جسداً؛ لأن الرسل في المذكرات التي كتبوها والمدعوة أناجيل قد أوضحوا أنهم قد أُمروا أن يفعلوا كالتالي: أن يسوع قد أخذ خبزاً وشكر وقال: “اصنعوا هذا لذكري، هذا هو جسدي”، وبطريقة مماثلة، شكر وقال: “هذا هو دمي”، ثم ناولهما لهم وحدهم”. (Apology 1: 62).
ويعطي القديس يوستينوس وصفاً لقداس الأحد العادي في الفصل رقم (67). وهو يفسر حقيقة كون هذا اليوم قد أُختير ليصبح يوم الاجتماع الليتورجي للجماعة المسيحية بقوله إنه فيه خلق الله العالم وقام المسيح من بين الأموات: “وفي ذلك اليوم الذي يُدعى الأحد، يجتمع كل من يعيش في القرى أو المدينة في مكان واحد، ثم تُقرأ مذكرات الرسل أو كتابات الأنبياء بحسب ما يسمح الوقت. ثم يختم القارئ، فيرشدنا الرئيس ويعظنا لنتمثل بهذه الأمور الرائعة، ثم ننهض جميعاً ونقدم صلواتنا.
وكما قلت قبلاً، بعد أن نختم صلواتنا يؤتى بخبز وخمر وماء، ثم يقوم الرئيس على نحو مماثل برفع صلوات وتشكرات بقدر ما يستطيع، فيوافق الناس قائلين: “آمين”، وتوزع الإفخارسيتا ويشترك الجميع فيها، وترسل أجزاء للغائبين بواسطة الشمامسة. ثم يتبرع الأغنياء إذا ما أرادوا، بالذي يريدون أن يتبرعوا به، كل بحسب ما يقدمه.
وتترك التبرعات في عهدة الرئيس الذي يساعد بها الأيتام، والأرامل، والمحتاجين بسبب المرض أو أي سبب آخر، وهؤلاء الذين في السجون والغرباء الذين في سفر، وباختصار، كل من في حاجة. لكن يوم الأحد هو اليوم الذي نقيم فيه اجتماعنا العام لأنه هو اليوم الأول الذي خلق فيه العالم عندما حول الظلام والمادة. وقد قام يسوع المسيح مخلصنا من بين الأموات في اليوم نفسه”. (Apology 1: 67).
وقد ثار نقاش حاد لا يزال مستمراً حول ما إذا كان يوستينوس قد اعتبر الإفخارستيا ذبيحة أم لا. لكن، يمكننا أن نجد الفقرة الحاسمة بخصوص هذا الأمر في حواره مع تريفون اليهودي (الفصل 41): “لا مسرة لي بكم يقول الرب؛ ولا أقبل ذبائحكم من أيديكم. لأنه من مشرق الشمس إلى مغاربها قد تعظم اسمي بين الأمم، وفي كل مكان يقدم لاسمي بخور وذبيحة طاهرة.
لأن اسمي عظيم بين الأمم يقول الرب، أما أنتم فنجستموه”. ثم يتكلم عن هؤلاء الأمم، يقصدنا نحن، الذين في كل مكان يقدمون له الذبائح. أي خبز الإفخارستيا وأيضاً كأس الإفخارستيا، مؤكداً على أننا نعظم اسمه وأنتم تنجسونه”. ولا شك أن يوستينوس هنا يساوي بوضوح بين الإفخارستيا والذبيحة التي تنبأ عنها ملاخي.
غير أنه ثمة فقرات أخرى يرفض فيها يوستينوس الذبائح بشكل واضح، وهكذا يقول في حواره (فصل 117): “اعترف أنه الآن عندما تُقدم هذه الصلوات والتشكرات – ذبيحة الشكر (الإفخارستيا) بواسطة رجال يستحقون، تكون هي الذبائح الوحيدة المرضية عند الله”.
كما أن لديه فكرة مشابهة تظهر في الفصل (13) من دفاعه الأول: “إن الإكرام الوحيد اللائق به هو ألا نحرف بالنار ما قد خلقه لإعالتنا، لكن أن نستخدمه لفائدتنا ولفائدة المحتاجين، وأن نقدم له الشكر بامتنان بالتسابيح والتراتيل، لأنه قد خلقنا”.
وقد استنتج البعض من هذه التعليقات أن يوستينونس يرفض الذبائح كلها ويقبل الصلاة فقط، خاصة الصلاة الإفخارستيا. لكن هذا التفسير لا يفي فكره حقه، فلا يمكن لأحد أن يدرك مفهوم يوستينوس عن الذبيحة إن لم يأخذ في حسبانه تعاليمه فيما يخص اللوغوس. إن ما يرفضه يوستينوس حقاً عن الذبائح المادية الحيوانية كما مارسها كل من اليهود والوثنين.
وهو يحاول بمفهومه عن الذبيحة أن يصنع جسراً يعبر الفجوة التي تفصل بين الفلسفة الوثنية والمسيحية بالضبط كما يستخدم مفهومه عن اللوغوس لنفس الغرض. إن مفهومه المثالي عن الذبيحة هو أو الذبيحة العقلية التي أعلن الفلاسفة اليونانيين أنها هي العبادة الوحيدة اللائقة بالله. في هذه الحالة، كما في حالة اللوغوس تعتبر المسيحية بمثابة التحقيق الكامل للمُثُل الفلسفية لأن بها مثل هذه الذبيحة.
لهذا السبب، يتفق يوستينوس مع كل من الفلاسفة اليونانيين وأنبياء العهد القديم في أن الذبائح الخارجية لا بد أن تبطل، فلم يعد هناك مكان للذبائح الدموية المادية. إن الإفخارستيا هي الذبيحة العقلية التي طال انتظارها، إنها هي الـ، وذلك لأن اللوغوس نفسه يسوع المسيح هو الذبيحة. وتعريف يوستينوس لـ باعتبار هي نفسها الإفخارستيا قد ثبت أنه صحيح.
كما أنه بإدخال يوستينوس هذه الفكرة الى التعليم المسيحي، استأثر للمسيحية بأرفع إنجازات الفلسفة اليونانية، وشدد في الوقت نفسه على الطابع الجديد والمميز للعبادة المسيحية. لقد أبقى يوستينوس على الذبيحة المدركة بالحواس، لكنه من ناحية أخرى شدد على الطابع الروحاني للعبادة المسيحية، الذي بسببه تفوقت على الذبائح الوثنية واليهودية جميعها. وهكذا يُعبر مصطلح “الذبيحة العقلية” (Oblatio rationabilis) الوارد في ليتورجية القداس الروماني، عن مفهوم يوستينوس للذبيحة أفضل من أي كلمة أخرى.
6 – الأفكار الأخروية
أما فيما يتعلق بأفكار يوستينوس الأخروية، فهو يشارك المؤمنين بالملك الألفي اعتقادهم بهذا الملك: “لكن أنا وغيري من المسيحيين ذوي الآراء السليمة في كل شيء متأكدون من أنه سيكون هناك قيامة للموتى ثم ألف سنة في أورشليم التي سوف تُبنى وتُزين وتوسع”. لكنه يشعر أنه ملزم بأن يعترف بأنه ليس كل المسيحيين لهم نفس وجهة النظر الألفية تلك: “إني أقول لك إن كثيراً من هؤلاء الذين ينتمون إلى الإيمان النقي والصالح هم مسيحيون حقيقيون لكنهم يفكرون بطريقة مختلفة”. (Dialogye 80).
وبحسب يوستينوس، تدخل أرواح المنتقلين إلى الهاوية أولاً ثم تبقى هناك إلى أن ينتهي العالم. والاستثناء الوحيد هم الشهداء، فأرواحهم تذهب مباشرة إلى السماء. لكن حتى في الهاوية، تنفصل أرواح الصالحين عن أرواح الأشرار، فأرواح الصالحين تبتهج متوقعة خلاصها الأبدي، بينما أرواح الأشرار تعسة بسبب عقوبتها وشيكة الوقوع. (Dialouge 5; 80).
[1] لمزيد من المعلومات عن حياة وكتابات فكر القديس يوستينوس، انظر “القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، مركز باناريون للتراث الآبائي، الطبعة الأولى، 2012.
[2] هي مدرسة فلسفية في اليونان القديمة، استمدوا أفكارهم من مؤسس تلك المدرسة الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي سماه تلاميذه المشّاء. (المراجع)
[3] الفلسفة الكلبية (Cynicism) مذهب فلسفي أسسه في القرن الرابع قبل الميلاد الفيلسوف أنتيسثينيز، أحد أتباع الفيلسوف اليوناني سقراط. وكانت نقطة البداية لهذا الفيلسوف هي مذهب معلمه، الذي يرى الفضيلة وليس المتعة – الهدف الأساسي للحياة، وأنها تمثل السعادة الحقيقية. (المراجع)
[4] هو كتاب يحوي الشريعة الشفوية، ويشمل التشريعات والشروحات اليهودية، وقد جمعه يهوذا هاتاسي حوالي عام (200-220م) (المراجع).
[5] إن تعبير “ولد منه قبل المخلوقات” لا يعني أن الولادة قد حدثت قبل خلق المخلوقات بفترة وجيزة أو قد حدثت فقط من أجل خلق المخلوقات، ولكن هذا التعبير قد يعني التفريق بين ولادة الابن الأزلي والتي بالتأكيد هي قبل خلق المخلوقات في الزمن. (المراجع)
[6] يقول ق. يوستينوس في حوار: 61 عن الابن “يصنع إرادة الآب وولد بإرادة الآب” ومن الواضح أنه لم يكن يفرق بين الولادة بالطبيعة من جوهر الآب والولادة بإرادة الآب وهو ما يبدو واضحاً من كلامه التالي، فعلى الرغم من أنه يقول عن الابن إنه ولد بإرادة الآب إلا أنه يصفه بأنه كلمة الآب وحكمته وقدرته ومجده وهذا في الحقيقة يتماشى مع التعليم بأن الابن مولود بالطبيعة وليس بالإرادة من جوهر الآب. وهذا الأمر قد حسمه الآباء في مجمع نيقية فيما بعد حيث أكدوا أن الابن مولود بالطبيعة من جوهر الآب وليس بإرادة الآب. (المراجع)
[7] المقصود هنا هو الخطية الأولى التي دخل بها الموت إلى العالم.
إن أقدم دفاع حفظ لنا هو ذلك الذي كتبه أرستيدس (Aristides) الأثيني. ولقد اتبع يوسابيوس الملاحظات التي أرودها بشأن كوادراتوس بالكلام التالي: “أرستيدس أيضاً، وهو رجل إيمان ومخلص لديانتنا، قد ترك مثل كوادراتس دفاعاً عن الإيمان وجهه إلى هادريان، وقد حُفظت كتاباته أيضاً بواسطة الكثيرين”. (Eccles Hist. 4: 3: 2). ومن فقرة أخرى ليوسابيوس نعرف أن أرستيدس كان فيلسوفاً من مدينة أثينا.
وقد اعتُبر عمل أرستيدس لوقت طويل في حكم المفقود، لكن العلماء قد فوجئوا بأن “رهبان سان لازارو المخيتاريين”[1] (Mechitarists) نشروا عام 1878م مخطوطاً يعود إلى القرن العاشر الميلادي، وهو عبارة عن شذرة أرمينية من عمل دفاعي يحمل العنوان التالي: “إلى الإمبراطور أدريانوس قيصر من الفيلسوف الأثيني أرستيدس”. ولقد قبل معظم العلماء هذه الشذرة باعتبار بقايا ترجمة أرمينية لدفاع أرستيدس الذي ذكره يوسابيوس، وقدر لهذا الرأي أن يحظى بالكثير من التأييد.
وفي عام 1889م، عثر العالم الأمريكي راندل هاريس على ترجمة سريانية كاملة لدفاع أرستيدس في دير القديسة كاترين بجبل سيناء. وقد ساعدت هذه الترجمة السريانية العالم (J. A. Robinson) على أن يثبت أن النص اليوناني للدفاع ليس فقط موجوداً، بل أنه قد حرر في بعض الأحيان ليأخذ شكل رواية دينية تدور حول “برلعام ويوآصاف”.
ومؤلف هذه الرواية، هو راهب من دير القديس سابا بفلسطين في القرن السابع الميلادي، يقدم دفاع أرستيدس باعتباره من قلم فيلسوف وثني يدافع عن المسيحية. ووصلنا النص في ثلاثة أشكال، وقد كُتبت رواية “برلعام ويوآصاف”، تلك التي نملكها باللغة اليونانية، حوالي عام 630م.
وكُتب مخطوط دير القديسة كاترين، الذي يحوي الترجمة السريانية، في وقت ما بين القرن السادس والقرن السابع الميلادي على أرجح التقديرات، لكن الترجمة نفسها تعود إلى حوالي عام 350م، ولم تكن الترجمة الأرمينية حينها قد اكتملت. كذلك نشر مؤخراً جزآن كبيران من النص اليوناني الأصلي – الفصل الخامس والسادس والفصل 15: 6 – 16: 1 من بردية المتحف البريطاني. ويمكننا أن نعيد تكوين النص الأصلي في خطوطه الرئيسية بمساعدة كل هذه المواد.
المحتوى
المقدمة تصف الله مستخدمة لغة رواقية[2] متطورة، وتخبرنا أيضاً بأن أرستيدس قد توصل إلى معرفة خالق وحافظ العالم من خلال تأمله في العالم وما فيه من تناغم. وبالرغم من أن كل التأملات والجدالات التي تدور حول الله هي ذات قيمة قليلة، إلا أنه من الممكن من خلالها على الأقل تحديد إلى حد ما بعض الصفات الإلهية سلبياً[3]. ويقول الكاتب إن المفهوم الواحد الحقيقي الوحيد، الذي تم اقتناؤه، سيعمل كوسيلة اختبار لصحة الديانات القديمة.
وهو يقسم الجنس البشري إلى أربعة أقسام من جهة الديانة: البرابرة، واليونانيين، واليهود، والمسيحيين. ولقد عَبد البرابرة العناصر الأربعة؛ السماء، والأرض، والماء، والنار، والرياح، والشمس، والقمر، وأخيراً الإنسان، ما هم جميعاً إلا خليقة الله، ومن ثم، لم يكن لهم أبداً الحق في الإكرام كآلهة. واليونانيين يعبدون آلهة، تلك التي بضعفها وتصرفاتها الشائنة تُثبت أنها قد تكون أي شيء غير أن تكون آلهة.
واليهود يستحقون الاحترام بسبب المفهوم الأنقى عن الطبيعة الإلهية، وأيضاً بسبب معاييرهم الأخلاقية الأسمى، لكنهم قد احترموا الملائكة أكثر من الله، واهتموا بمظاهر العبادة الخارجية مثل الختان، والصوم، وحفظ أيام الأعياد، أكثر من العبادة الحقيقية. المسيحيون فقط هم من يمتلكون الإعلان الوحيد الحقيقي عن الله، وهم “الوحيدون من بين كل أمم العالم الذين قد عرفوا الحق، لأنهم يعترفون بالله الخالق، صانع كل شيء في الابن الوحيد والروح القدس؛ ولا يشركون بعبادته أحداً”.
(فصل 15) وتظهر عبادة المسيحيين للإله الوحيد الحقيقي نفسها بشكل خاص في طهارة حياتهم، تلك التي يمدحها أرستيدس بأسمى المدائح: “إنهم يمتلكون وصايا الرب يسوع المسيح نفسه منقوشة على صفحة قلوبهم ويحفظونها. مترقبين قيامة الأموات والحياة في العالم الآتي. إنهم لا يزنون ولا يرتكبون الفاحشة، ولا يشهدون بالزور، ولا يشتهون مقتنيات غيرهم؛ يكرمون الأب والأم ويحبون جيرانهم؛ يحكمون بالحق ولا يفعلون بالآخرين ما لا يرغبون في أن يُفعل به.
إنهم يتوقون لصنع الخير بأعدائهم. إنهم متواضعون ولطفاء، يجتنبون العلاقات الجنسية غير الشرعية وكل نجاسة. إنهم لا يحتقرون الأرملة ولا يظلمون اليتيم، الغني بينهم يعطي الفقير بلا تقتير. وإذا رأوا غريباً أخذوه تحت سقفهم وفرحوا به كما لو كان أخاهم، لأنهم يدعون أنفسهم أخوة، ليس بحسب الجسد بل بحسب الروح. إنهم مستعدون ليضعوا حياتهم من أجل المسيح.
إنهم يحفظون وصاياه بلا أي انحراف، يعيشون حياة صالحة مقدسة كما أمرهم الرب إلههم، ويشكرونه كل ساعة من أجل كل الطعام والشراب والبركات الأخرى. من الواضح إذن أن هذا هو طريق الحق الذي يقود من يسافرون عليه إلى المملكة الأبدية التي وعد بها المسيح في الدهر الآتي”.
ودفاع أرستيدس محدود المجال، وأسلوبه الأدبي غير متكلف، وتعاليمه وحججه بسيطة. وبالرغم من بساطة هذا الدفاع، إلا أن لهجته متكبرة؛ فأرستيدس، كما لو كان يحتل منزلة أسمى، يستعرض الجنس البشري باعتباره وحدة مركبة، وهو متأثر جداً بالأهمية الكبرى التي للدين الجديد ورسالته.
كما أنه، بثقة مسيحية في النفس، يرى في القطيع الصغير من المؤمنين الشعب الجديد والجنس الجديد الذي سيقود العالم الفاسد ليخرج من مستنقع الفساد الأخلاقي: “الأمم الأخرى كلها تضل وتخدع نفسها، تسير في الظلام متخبطة في بعضها البعض كما السكارى (فصل 16) إني لا أتردد في أن أقول إن العالم مستمر في الوجود فقط بسبب تضرعات المسيحيين“.
[1] هم جماعة رهبان بينديكتين ينتمون إلى “الكنيسة الكاثوليكية الأرمينية” تأسست عام 1717م. وقد اشتهروا بسلسلة المنشورات العلمية من الإصدارات الأرمينية القديمة، والنصوص اليونانية القديمة والمفقودة، وأبحاثهم في اللغة الأرمينية الكلاسيكية والحديثة. (المراجع).
[2] أي تشبه فلسفة المدرسة الرواقية، وهي مدرسة فلسفية والتي تعتمد على تعاليم زينون الرواقي (333-264ق.م). واعتقد الفلاسفة الراقيون أن لكل الناس ادراكاً داخل أنفسهم، يربط كل واحد بكل الناس الآخرين وبالحق – الإله الذي يتحكم في العالم. أدى هذا الاعتقاد إلى قاعدة نظرية للكون، وهي فكرة أن الناس هم مواطنو العالم، وليس مواطني بلد واحد، أو منطقة معينة. قادت هذه النظرية أيضاً إلى الإيمان بقانون طبيعي يعلو على القانون المدني ويعطي معياً تقوم به قوانين الإنسان.
ورأى الرواقيون أن الناس يحققون أعظم خير لأنفسهم. ويبلغون السعادة باتباع الحق، وبتحرير أنفسهم من الانفعالات، وبالتركيز فقط على أشياء بوسعهم السيطرة عليها. وكان للفلاسفة الرواقيون أكبر الأثر في القانون والأخلاق والنظرية السياسية. على أنهم وضعوا أيضاً نظريات مهمة في المنطق، والمعرفة، والفلسفة الطبيعة. (المراجع).
[3] التعاليم اللاهوتية السلبية، أي التي تستخدم أسلوب النفي وهي مجرد نفي لما هو بشري مثل “غير المائت، غير المحدود، غير المدرك….” (المراجع).
من أقيم مصادر المعلومات التي لدينا عن عصر الاضطهاد هي تلك الروايات التي تتحدث عن الآلام التي جازها الشهداء؛ والتي كانت تُقرأ للجماعات المسيحية في أثناء الخدمة الليتورجية التي تقام في الذكرى السنوية لاستشهاد الشهيد. وتنقسم تلك الروايات من وجهة النظر التاريخية إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: وتتكون من محاضر المحاكمات الرسمية وهي لا تحتوي على أي شيء سوى الأسئلة التي واجهتها السُلطات إلى الشهداء، وإجاباتهم عليها كما سجلت بواسطة الموثقين القانونيين أو كُتاب المحكمة، وكذلك الأحكام التي نُطقت ضدهم. وقد كانت هذه الوثائق تحفظ في الأرشيف العام، وأحياناً كان المسيحيون ينجحون في الحصول على نسخ منها. ويجب أن يكون العنوان “أعمال الشهداء” مقصوراً على هذه المجموعة لا غيرها، لأنه هنا فقط توجد مصادر تاريخية مباشرة وموثوق منها، وترد المعلومات ببساطة وبتجرد.
المجموعة الثانية: وتضم شهادات شهود العيان أو المعاصرين، ويُطلق على هذه الروايات عنوان “روايات الآلام” (Passiones) أو “روايات الاستشهاد” (Martyria).
المجموعة الثالثة: وتحتوي على الأساطير التي تدور حول الشهداء والتي أُلفت لغرض تهذيبي وتعليمي بعد وقت طويل من حادثة الاستشهاد. وفي بعض الأحيان تكون هذه الأساطير عبارة عن خليط رائع من بعض الحقائق ومحتوى أسطوري صرف، والبعض الآخر ما هو إلا خيال بدون أي أساس تاريخي.
أولاً: ينتمي إلى المجموعة الأولى[1] كل من التالي:
أعمال القديس يوستينوس ورفقائه: ولهذه الأعمال قيمة كبيرة، لأنها تحتوي على محضر جلسة المحكمة الرسمية التي أقيمت ضد أهم المدافعين اليونانيين، الفيلسوف يوستينوس الشهير. وكان يوستينوس قد ألقي في السجن ومعه ستة مسيحيين آخرين بأمر من الحاكم الروماني (Q. Junius Rusticus) في عهد الإمبراطور “ماركوس أوريليوس أنطونينوس” الفيلسوف الرواقي. وتتكون “أعمال يوستينوس ورفقائه” من مقدمة مختصرة جداً، يتبعها التحقيق مع الشهيد ورفقائه ثم الحكم الذي حكم به عليهم، ثم خاتمة قصيرة. ولقد كان منطوق الحكم الذي نطق به الوالي الروماني هو التالي: “ليُجلد هؤلاء الذين لا يضحون للآلهة ولا ينصاعون لأمر الإمبراطور، وليُساقوا لتقطع رؤوسهم وفقاً للقانون”. وقد استشهد القديس يوستينوس ورفقاؤه في مدينة روما عام 165م على أرجح الأقوال.
أعمال شهداء سيليوم[2] في أفريقيا: وهي تشكل أقدم وثيقة في تاريخ الكنيسة الأفريقية، وهي في الوقت نفسه أقدم وثيقة مسيحية لدينا باللغة اللاتينية من شمال أفريقيا. أما من حيث المحتوى، فهي عبارة عن المحضر الرسمي لجلسة مُحاكمة كل من “نامفانو الذي من مادورا” (Namphano of Madaura) و”ميجن” (Miggin) و”سانام” (Sanam) وستة مسيحيين آخرين من “نوميديا”[3] (Nuimidi)، حُكم عليهم بالموت بواسطة القُنصل “ساتورنينوس” (Saturninus)، وقُطعت رؤوسهم بتاريخ 17 يوليو عام 180م. وبالإضافة إلى الأصل اللاتيني، لدينا ترجمة يونانية لهذه الأعمال.
الأعمال الحكومية للقديس كبريانوس أسقف قرطاج: الذي استشهد يوم 14 سبتمبر 258م. وهي تعتمد على تقارير رسمية رُبطت معا بعبارات قليلة من قلم المحرر. وهي تتكون من ثلاث وثائق منفصلة تحتوي على: (1) المحاكمة الأولى التي حكمت بنفي كبريانوس إلى (Curubis). (2) القبض عليه والمحاكمة الثانية، ثم (3) عملية الإعدام. ولقد كانت شهادة القديس كبريانوس في عهد الإمبراطورين “فاليريان” (Valerian) و “جالينوس” (Gallienus).
ثانياً: ينتمي إلى المجموعة الثانية[4] كل من التالي:
شهادة بوليكاريوس: وهي تعود إلى سنة 156م.
رسالة كنائس فيينا وليون إلى كنائس آسيا وفريجية: وتعطي تلك الرسالة تقريراً مؤثراً عن آلام الشهداء الذين ماتوا في الاضطهاد العنيف الذي وقع على كنيسة ليون عام 177م أو 178م، والذي سجله يوسابيوس القيصري في (Hist. eccl. 51: 1-28). وتُعد تلك الرسالة واحدة من أكثر الوثائق التي تتكلم عن الاضطهادات إثارة للاهتمام، وهي لا تخفي أمر ارتداد بعض أعضاء الجماعة. ونجد من ضمن الشهداء الشجعان الأسقف “فوتينوس” (Photinus)، وذاك الذي “كان يتنفس بصعوبة لكونه تجاوز التسعين من عمره ومريضاً جداً، لكنه قد تقوى بحماس الروح الذي استمده من رغبته الملتهبة في الاستشهاد”؛ و”بلاندينا” (Blandina) الجديرة بالإعجاب، والتي كانت جارية ضعيفة ورقيقة عززت من شجاعة إخوتها بمثالها وكلامها؛ و”ماتوروس” (Maturus)، الذي كان مؤمناً جديداً ذا شجاعة مذهلة؛ و”سانكتوس” (Sanctus) الشماس من فيينا؛ و”أليكساندر” (Alexander) الطبيب؛ و”بونتيكوس” (Ponticus) الذي كان صبياً في الخامسة عشرة من العمر.
وتقول الرسالة عن بلاندينا: “إن المباركة بلاندينا، التي كانت آخرهم جميعاً، وشجعت أولادها مثل أم نبيلة وأرستلهم قبلها إلى الملك متوجين بالمجد، قد عادت لتخوض بنفسها كل المعارك التي خاضها أولادها، مسرعة إليهم، مبتهجة ومنتصرة في رحيلها كما لو كانت مدعوة إلى عشاء عرس لا إلى الطرح للوحوش المفترسة. وبعد الجلد، وبعد الجلد، وبعد الوحوش المفترسة، وبعد الحريق، طُرحت أخيراً في شبكة وأُلقيت أمام ثور. وبعد أن ظل الوحش يتقاذفها لوقت طويل وهي غير مدركة لما يحدث بسبب رجائها، وتمسكها بما تؤمن به، وشركتها مع المسيح، فاضت روحها أيضاً. إن الوثنيين أنفسهم يعترفون أنهم لم يروا قط امرأة تحملت آلاماً كثيرة هكذا أو عظمية هكذا”.
آلام بيريتوا وفيليسيتاس: ويروي هذا العمل قصة استشهاد ثلاثة موعوظين هم: “ساتوروس” (Saturus)، و”ساتورنينوس” (Saturninus)، و”ريفوكاتوس” (Revocatus)، وشابتين هما: “فيبيا بيريتوا” (Vibia perpetua) ذات الاثنين والعشرين عاماً، والتي كانت “ذات نسب عريق، متعلمة جيداً، متزوجة زيجة كريمة، لديها أب وأم وأخان واحد منهما موعوظ مثلها، وابن رضيع على ثديها”، وجاريتها “فيليسيتاس” (Filicitas) التي كانت حبلى وقت القبض عليها ثم ولدت بنتاً قبل أن تموت في حلبة المصارعين بوقت قصير. وقد استشهدوا جميعاً في يوم 7 مارس 202م بمدينة قرطاج.
وتعد هذه الرواية واحدة من أجمل قطع الأدب المسيحي المبكر، كما أنها فريدة من حيث تأليفها، ذلك لأن الجزء الأكبر من الرواية (من الفصل 3 إلى الفصل 10) هو من مذكرات بيربتوا اليومية: “من الآن فلاحقاً ستروي هي نفسها قصة استشهادها وفقاً لما تركته هي مكتوباً بخط يدها وبحسب أفكارها”. (فصل 2) وكتب ستاوروس (أو ستافروس) الفصول من 11 إلى 13.
وهناك سبب يجعلنا نصدق أن كاتب الفصول الأخرى ومحرر العمل كله لم يكن إلا ترتليانوس الذي كان معاصراً لبيريتوا وأعظم كاتب في الكنيسة الأفريقية في ذلك الوقت، فتشابه العبارات وبناء الجُمل والكلمات بين عملي ترتليانوس: (Ad Martyres) و(De Patientia)، وآلام بيربتوا وفيليسيتاس” مُلفت للنظر. وقد كان الناس في زمن القديس أغسطينوس لا يزالوا يكنون احتراماً كبيراً لهذا العمل، حتى إن أغسطينوس كان مضطراً لتحذير مستمعيه ألا يضعوا هذا الكتاب على قدم المساواة مع الأسفار القانونية.
والعمل موجود في نص يوناني وآخر لاتيني، ويبدو أن النص اللاتيني هو الأصلي، لأنه يوحد بالنص اليوناني فقرات محُرفة وخاتمة مشوهة. ويعتقد (C. Van Beek) أن المؤلف الذي حرر قصة الآلام في اللاتينية هو نفسه الذي حررها في اليونانية، ولك الفقرات (21: 2) و(16: 3) تثبت أنه لا بد من أن يكون النص اللاتيني هو الأصلي، وأن النص اليوناني ما هو إلا ترجمة لاحقة له، لأن اللعب بالكلمات الموجود في هذه الفقرات لا يمكن فهمه إلا في اللاتينية.
ولمحتوى هذا العمل أهمية كبيرة في تاريخ الفكر المسيحي، خاصة أن الرؤى التي رأتها بيربتوا أثناء فترة سجنها ودونتها لها قيمة كبيرة في معرفة الأفكار الإسخاتولوجية التي اعتقد بها المسيحيون الأوائل، وتضرب رؤيا “دينوكراتس” (Dinocrates)، ورؤيا “السلم والتنين” أمثلة مدهشة على ذلك، وقد أطلق هذا العمل على الاستشهاد اسم “المعمودية الثانية” مرتين (18: 3 و21: 2)، وكذلك تظهر طقوس التناول في الرؤيا التي رأتها بيربتوا عن الراعي الصالح.
4 – أعمال القديسين كربوس وبابيلوس وأغاثونيس: وهي رواية أصيلة من قلم شاهد عيان على استشهاد “كربوس” (Carpus) و”بابيلوس” (Papylus) اللذين ماتا مشدودين إلى وتد في مسرح مدينة برغامس المدرج، واستشهاد أغاثونيس (Agathonice) التي كانت امرأة مسيحية ألقت بنفسها في النار. ويبدو أن العمل في صورته الحالية غير كامل، فالجزء الذي ذكر فيه صدور الحكم على أغاثونيس – كالشخصين الآخرين – مفقود، وذلك جعل أغاثونيس تبدو كما لو كانت قد ماتت منتحرة. وقد استشهد الثلاثة في عهد الإمبراطورين “ماركوس أوريليوس” و”لوسيوس فيروس” (161-169م). وقد كان هذا العمل لا يزال متداولاً في زمن يوسابيوس القيصري”[5].
5 – أعمال أبوللونيوس: ويعطي يوسابيوس القيصري في كتابه (Eccl. Hist. 5: 21: 2-5) ملخصاً لهذا الكتاب الذي ذكره ضمن ما جمعه من روايات الاستشهاد القديمة. وقد كان أبوللونيوس (Apollonius) فيلسوفاً متعلماً حوكم بواسطة بيرينيس (Perennis) حاكم دار الولاية بروما وقطعت رأسه في عهد الإمبراطور كومودوس (Commodus) (180-185م).
وتشبه الخُطب التي دافع بها أبوللونيوس عن إيمانه أمام بيرينيس كتابات المُدافعين في الحجج التي توردها، وهي في الغالب تعتمد على الإجابات التي أعطاها الفيلسوف في أعمال الولاية الرسمية. ويطلق (A. Harnack) على هذه الخطب “أبرز دفاع عن المسيحية وصلنا من العصور القديمة”.
وقد نشرت ترجمتان لهذا العمل، واحدة أرمينية نشرها كونيبير (Conybeare) عام 1893م، والثانية يونانية نشرها البولانديستيون[6] (The Bollandists) عام 1895م.
ثالثاً: ينتمي إلى المجموعة الثالثة كل من التالي:
أعمال الشهداء الرومانيين: القديسة أجنس (Agnes)، والقديسه سيسيليا (Cecilia)، والقديسة فيليسيتاس (Filicitas) وأولادها السبع، والقديس هيبوليتس، والقديس لورانس (Lorandce)، والقديس سيكتوس، والقديس سباستيان (Sebastian)، والقديسون يوحنا، وبولس، وكوزماس (Cosma)، ودميان (Damian)؛ وأيضاً استشهاد القديس كليمندس واستشهاد القديس إغناطيوس. ولكن هذه الأعمال لا تُثبت بأي شكل من الأشكال وجود هؤلاء الشهداء من عدمه، لكنها تعني فقط أن هذه الوثائق لا يمكن استخدامها كمصادر تاريخية.
المجموعات: لقد جمع يوسابيوس مجموعة من أعمال الشهداء في كتابه المعنون بـ “حول الشهداء القدامى” (On the Ancient Martyrs)، وقد فقد هذا المرجع المهم للأسف، لكن يوسابيوس لخص معظم هذه الأعمال في كتابه “تاريخ الكنيسة”. ومن ناحية أخرى، لدينا مقالته عن شهداء فلسطين، وهو تقرير عن ضحايا الاضطهادات التي وقعت بداية من سنة 303م إلى 311م، تلك التي كان شاهداً عليها باعتباره أسقفاً لقيصرية.
جمع كاتب مجهول أعمال الشهداء الفرس الذين قتلوا في عهد سابور الثاني (Sabor II) (339-379م)، وهي موجودة لدينا باللغة السريانية التي كُتبت بها. ولقد وردت المحاكمات ومحاضر التحقيقات هنا بطريقة تشبه تقارير أعمال الشهداء الأصلية، أما “الأعمال السريانية لشهداء إديسا” فعبارة عن أساطير.
[1] هي التي تحتوي على محاضر وأحكام المحاكمات الرسمية للشهداء كما سجلت بواسطة الموثقين القانونيين.
[2] قرية صغيرة في نواحي قرطاج بشمال أفريقيا (المراجع)
[3] تقع شمال الجزائر الحالية (المراجع)
[4] وهي المجموعة التي تحتوي على شهادات شهود العيان أو المعاصرين.
[5] Hist. eccl. 4, 15, 48.
[6] البولانديستيون هم مجموعة من الرهبان اليسوعيين المقيمين في بلجيكا، وقد سموا باسم قائدهم “جان بولاند”، وهو راهب يسوعي عاش في القرن السابع عشر. وقد كلف الكرسي الرسولي البولانديستيين بمهمة جمع وتأليف مؤلف رسمي معتمد يضم سير القديسين، وهو ذلك المسمى بـ “Acta Sanctorum” (المراجع).