الوسم: الحياة المسيحية
كتاب الثورة السرية ما هو الإنجيل وما هو الإيمان وما هي الحياة المسيحية الحقيقية – أوسم وصفي PDF
كتاب الثورة السرية ما هو الإنجيل وما هو الإيمان وما هي الحياة المسيحية الحقيقية – أوسم وصفي PDF
كتاب الثورة السرية ما هو الإنجيل وما هو الإيمان وما هي الحياة المسيحية الحقيقية – أوسم وصفي PDF
تحميل كتب دكتور أوسم وصفي PDF كاملة
كتاب الحياة المسيحية – حياة البرية والآلام مع المسيح PDF – د. سامي فوزي
اتحاد الإنسان بالله – د. نصحي عبد الشهيد
اتحاد الإنسان بالله – د. نصحي عبد الشهيد
أولاً: الاتحاد بالله هو غاية الحياة المسيحية:
الهدف الذي من أجله خلق الله الإنسان هو أن يعطي للإنسان الإمكانية لكي يصل في النهاية إلى الإتحاد به. وهذا هو السبب الذي جعل الله عندما خلق الإنسان، أن يقول “نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا.. وخلق الله الإنسان على صورته…” (تك26:1ـ27). وهذا الخلق على صورة الله يشرحه القديس أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة بأن الله بهذا الخلق (أعط نصيبًا للبشر في قوة كلمته ـ يسوع المسيح ربنا ـ لكي يستطيعوا ولهم نوع من انعكاس الكلمة فيهم أن يبقوا في السعادة أبدًا ويحيوا الحياة الحقيقية حياة القديسين في الفردوس” (تجسد الكلمة فصل3 فقرة3).
وهكذا يكشف لنا القديس أثناسيوس الغاية العالية جدًا، التي قصدها الله في خلقه للإنسان. ويوضح القديس أثناسيوس بعبارات أخرى هذه الإمكانية الإلهية المعطاة للإنسان بخلقه على صورة الله فيقول ” أن الإنسان بسبب خلقته على صورة الله الكائن كان ممكنًا أن ينجو من الفساد الطبيعي ويبقى في عدم فساد لو أنه أحتفظ بتلك الصورة بإبقاء الله في معرفته … ولأن الإنسان كان في عدم فساد كان ممكنًا أن يعيش كالله منذ ذلك الوقت. وأظن أن هذا هو ما يشير إليه الكتاب الإلهي عندما يقول “أنا قلت إنكم ألهه وبنى العلي كلكم لكن مثل الناس تموتون وكأحد الرؤساء تسقطون” (مز6:82، 7). (تجسد الكلمة 6:4).
فالحياة الأبدية مع الله أي الإتحاد بالله هي إذًا الهدف من خلقتنا نحن البشر. ولذلك فإن هذه الحياة مع الله إلى الأبد أي حالة الاتحاد بالله هي أيضًا الغاية النهائية والعظمى التي من أجلها جاء ابن الله يسوع المسيح متجسدًا من العذراء القديسة لكي يعطينا إياها بعد أن انفصلنا عن الله وفقدنا الشركة معه منذ سقوط أبوينا الأولين آدم وحواء. هكذا تجسد ابن الله وصار إنسانًا لكي يوصل إلينا الحياة الإلهية بواسطة جسده المتحد بلاهوته اتحادًا بغير انفصال ولا اختلاط ولا تغيير. ولهذا صار المسيح ابن الله هو الطريق الموصل إلى الآب كما قال بفمه الإلهي “أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو6:14).
صور الاتحاد بالله:
يقدم لنا العهد الجديد عدة صور للحالة النهائية المجيدة التي سيصير عليها الإنسان والتي تعبر عن هذا الإتحاد بالله:
1ـ عرس المسيح والكنيسة:
يخبرنا سفر الرؤيا قائلاً: ” وسمعت كصوت جمع كثير وكصوت مياه كثيرة وكصوت رعود شديدة قائلة هلليويا فأنه قد ملك الرب الإله القادر على كل شيء. لنفرح ونتهلل ونعطيه المجد لأن عرس الحمل قد جاء وامرأته هيأت نفسها. وأعطيت أن تلبس برًا نقيًا بهيًا لأن البر هو تبررات القديسين” (رؤ6:19)
فهنا يعلن لنا الروح القدس عن الحالة النهائية التي سيصل إلهيا المؤمنون في الدهر الآتي بأنها هي “ملك الرب الإله القادر على كل شيء”. أي أن هذا هو التحقيق النهائي لملكوت الله. وهذا التحقيق يعبر عنه هنا بأن “الله قد ملك” وهذا هو معنى النهائي للاتحاد بالله أن يملك الله على الإنسان ويسود الله سيادة كاملة على البشر ليست سيادة العبودية ولكن سيادة المحبة الكاملة وفي هذا تكون سعادة الإنسان القصوى إذ يملك الله على حياته كلها دون تعطيل أو مقاومة من جانب الإنسان.
ومما يوضح أن ملك الله هذا على الإنسان في الدهر الآتي هو حالة الإتحاد بالله هو تعبيره في نفس هذه الآيات أن هذا الملك هو عرس الحمل ويعبر عنه بالقول: ” لأن عرس الحمل قد جاء وامرأته هيأت نفسها”، أي هذا الإتحاد بالله في الملكوت الآتي هو عرس المسيح والكنيسة أي الزيجة الروحانية بين المؤمنين والمسيح. فالمسيح هو العريس الذي خطب نفوسنا بدمه على الصليب.
والكنيسة تصل إلى العرس أي يوم زفافها للمسيح، بالاتحاد الكامل به عند مجيئه. وهذا هو الهدف الذي تتطلع إليه الكنيسة الآن في غربتها على الأرض، أن تصل إلى الإتحاد بالعريس ولذلك فهي تهيئ نفسها بالحب والطاعة والسهر والصلاة لكي يوهب لها أن تلبس البز النقي البهي الذي هو تبريرات القديسين كما يقول سفر الرؤيا.
2ـ رؤية الله وجهًا لوجه:
الصورة الثانية التي نجدها في العهد الجديد للحالة النهائية للإنسان في ملكوت الله الآتي هو ما يعبر عنه الرسول بولس بقوله: “فأننا الآن ننظر في مرآة في لغز لكن حينئذ وجهًا لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت” (1كو12:13).
فالرسول بولس يقارن بين معرفتنا الآن للمسيح ونحن في هذا العالم وبين المعرفة الكاملة لله التي ستحدث في الدهر الآتي فيشبه معرفتنا الحالية بمعرفة الطفل بينما المعرفة الكاملة في الدهر الآتي يشبهها بمعرفة الرجل فيقول: ” لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن وكطفل كنت أفتكر ولكن لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل”. وأيضًا يقول ” إننا الآن نعلم بعض العلم وتتنبأ بعض التنبؤ. ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض” (أنظر 1كو9:13ـ 11).
فهنا يقدم لنا حالة الملكوت الكاملة ـ أي الإتحاد بالله ـ على أنها رؤية الله وجهًا لوجه. وهذه الرؤية لله وجهًا لوجه تعطينا أن نعرفه معرفة كاملة. يقول عنها الرسول أننا سنعرف الله في المستقبل كما عرفنا الله. أي أننا سنعرفه بنفس قوة المعرفة التي يعرفنا بها الله نفسه الآن، وهذا هو ما يتحدث عنه سفر الرؤيا أيضًا في الأصحاح الأخير عندما يقول عن المؤمنين “وهم سينظرون وجهه وأسمه على جباههم ولا يكون ليل فيما بعد ولا يحتاجون إلى سراج نور أو إلى نور شمس لأن الرب الإله ينير عليهم. وهم سيملكون إلى أبد الآبدين” (رؤ4:22ـ 5).
وهذه الرؤية وجهًا لوجه باعتبارها حالة الملكوت الأبدي للإنسان يتحدث عنها الرسول يوحنا أيضًا عندما يقول: ” أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون، ولكن نعلم أنه إذ أظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو” (1يو2:3).
فهنا يخبرنا الرسول يوحنا أيضًا أننا عندما يأتي المسيح في ظهوره الثاني المجيد من السماء في نهاية هذا الدهر فإنه سيغيرنا بواسطة رؤيته وجهًا لوجه في مجده غير المحجوب الذي سيظهر به في السماء وهذا هو معنى قوله “سنراه كما هو” أي كما هو على حقيقة في مجده الإلهي غير الموصوف. وهذه الرؤية للمسيح في مجده السماوي هي التي ستغيرنا تغيرًا كاملاً ونهائيًا روحًا وجسدًا، لنكون مثله.
3ـ ميراث لا يفني ولا يضمحل:
الصورة الثالثة للاتحاد بالله التي نجدها في العهد الجديد هي في قول معلمنا بطرس الرسول ـ “ولدنا ثانية بقيامة يسوع المسيح من الأموات، ـــ لرجاء حي ـــ لأجل ميراث لا يفني ولا يتدنس ولا يضمحل محفوظ في السموات لأجلكم. أنتم الذين بقوة الله محروسون بإيمان وخلاص مستعد أن يعلن في الزمان الأخير” (1بط3:1ـ 5).
فهنا يقدم لنا الرسول بطرس حالة الملكوت الأبدي الذي ننتظره في صورة ميراث لا يفني ولا يضمحل ولا يتدنس. أي ليس مثل أي ميراث أرضي مخلوق يمكن أن يتلاشى أو يضيع أو يتدنس. لأن هذا الميراث هو مجد الله الأبدي ذاته أو هو الحياة الأبدية مع الله الثالوث القدوس الأب والإبن والروح القدس. أو هو حالة الاتحاد بالله، أو ما عبر عنه الرسول بطرس في رسالته الثانية بقوله “لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية هاربون من الفساد الذي في العالم بالشهوة” (2بط4:1).
ويعبر الرسول بطرس عن هذا الميراث الأبدي غير الفاني بأنه هو الخلاص الذي سيُعلن في الزمان الأخير أي سيعلن بظهور المسيح في مجده العظيم من السماء. ويوصينا معلمنا بطرس أيضًا بأن “نلقى رجائنا بالتمام على النعمة التي يؤتى بها إلينا عند استعلان يسوع المسيح”. ومعنى هذا الكلام أنه عند ظهور المسيح ثانية ستعطى لنا نعمة عظيمة تحقق اتحادنا الكامل بالله وتغييرنا الكلي لنكون مثل المسيح عند مجيئه الثاني كما أخبرنا يوحنا الحبيب.
ولأجل انتظار هذه النعمة التي سيأتي بها إلينا يوصينا الرسول بطرس قائلاً “لذلك منطقوا أحقاء ذهنكم صاحين فألقوا رجائكم بالتمام على النعمة التي يؤتى بها إليكم….” (1بط13:1). وهذا معناه أن نسهر سهرًا قلبيًا وذهنيًا ونكون يقظين ملقين رجائنا على نعمة المسيح ومنتظرين باستعداد وحب وطاعة ظهوره المجيد الذي ننتظره من السماء لكي يكمل خلاصنا إلى التمام.
ثانيًا: طريق الاتحاد:
كما علمنا المسيح أنه هو الطريق الموصل إلى الآب أن قال “أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو6:14). وقال أيضًا للتلاميذ “لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم الآب أيضًا ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه” وأيضًا “الذي رآني فقد رأي الآب” (يو7:14ـ 10).
فالاتحاد بالله الذي هو غاية الحياة المسيحية كلها، وهو تحقيق الملكوت الكامل، هذا الاتحاد يبدأ من الآن في صورة عربون عن طريق الإيمان بالمسيح الذي وحَّد (شدة على الحاء) الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية بتجسده من العذراء، وعن طريق اندماجنا في جسد المسيح بعمل الروح القدس في المعمودية يوصلنا لنهاية الطريق أي غاية الطريق، لأنه هو الطريق إلى الآب. وغير ممكن الوصول إلى الآب كما قال هو نفسه: ” ليس أحد يعرف الآب إلا الإبن ومن أراد الإبن أن يعلن له” (مت27:11) كما أن المسيح هو الباب الذي ندخل به إلى الآب” (أنظر يو9:10).
فالاتحاد بالله أي نهاية الطريق، يبدأ منذ بداية الطريق، أي منذ الآن ونحن في الجسد على الأرض، ولكن يبدأ ليس بحالة كاملة بل في صورة عربون عن طريق عمل الروح القدس في حياتنا، فالاتحاد بالله موجود في المسيح منذ الآن.
فعندما نعرف المسيح الذي هو الطريق فإننا ننال عربون نهاية الطريق أي عربون الاتحاد بالله، ” فالروح القدس هو عربون ميراثنا” (أف14:1)، لأن الروح القدس يجذبنا إلى المسيح، ويجعلنا نذوق المسيح ساكنًا في قلوبنا أي يجعلنا نذوق ميراثنا كعربون ــ والعربون يكون من نفس نوع الميراث ــ أي ميراث المجد الأبدي في الملكوت الكامل، لأننا نرى الآب في المسيح منذ الآن ونعرف الآب بالمسيح منذ الآن، كما قال الرب نفسه من رآني فقد رأي الآب”، “ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه”.
وهكذا كما يقول القديس إيريناؤس “بالروح القدس نأتي إلى المسيح الأبن وبالابن نصل إلى الآب” (ضد الهرطقات 2:36:5). فالغاية هي الاتحاد بالله، والطريق هو يسوع بالروح القدس. فالنهاية موجودة في البداية. لأن الآب موجود في الإبن “أنا في الآب والآب في” (يو10:14). فعندما نجد المسيح نجد الآب فيه أي نجد الملكوت فيه.
ثالثًا: الحياة المسيحية العملية:
أ ـ الحصول على الإتحاد بالله كعربون منذ الآن ضروري لأجل أن نعيش الحياة المسيحية ونحن على الأرض. فالإنسان لا يستطيع أن يحب الله بكل قلبه وبكل قوته وبكل فكره، ولا أن يحب قريبه كنفسه، ولا أن يحب أعداؤه حسب وصية المسيح بدون أن ينال الاتحاد بالله كعربون في داخله منذ الآن. فكما يقول معلمنا بطرس الرسول أنه قد “وهب لكم المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة” (2بط4:1). فالشركة في الطبيعة الإلهية هي التي تهبنا القوة الإلهية التي بها نهرب من الفساد الذي في العالم.
ب ـ هذه الشركة تحدث منذ الآن بالإيمان بالمسيح والمعمودية باسمه، فنسلك في جدة الحياة (رو4:6).
ج ـ وهذه الشركة تتحقق أيضًا بالصلاة، فنتحد بالمسيح بالحب والصلاة ” من التصق بالرب فهو روح واحد” (1كو17:6).
د ـ وهذه الشركة تتحقق أيضًا بالافخارستيا فنتحد بالمسيح ونصير معه واحدًا “تؤلفنا بك بواسطة تناولنا من أسرارك الإلهية” (القداس الإلهي) إذ أننا بالتناول “نكون في المسيح ويكون المسيح فينا” وتكون “لنا حياة أبدية” منذ الآن (يو54:6ـ 56).
ه ـ الثبات في المسيح: لكي نسير في الطريق إلى الاتحاد بالله لا بد أن نكون ثابتين في المسيح، أي ثابتين في محبة المسيح، لأننا بالالتصاق بالمسيح نصيرا روحًا واحدًا معه “من التصق بالرب فهو روح واحد” (1كو17:6).
كل عمل نعمله حبًا في المسيح يثبتنا في المسيح. ” ان حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي” (يو10:15).
- طاعة الوصية حبًا في المسيح تثبتني في المسيح وتوحدني به منذ الآن.
- الصلاة بمحبة تلصقني بالمسيح فأصير روحًا واحدًا معه.
- كل عمله محبة مع الغير حبًا في المسيح يثبتنا في المسيح ويوحدنا.
- كل سهر لأجل محبة المسيح. كل إنكار ذات لأجل محبة المسيح. كل صوم لأجل محبة المسيح وحبًا فيه كل هذه ثبتنا في المسيح وتوحدنا.
- كل مجهود من أجل محبة المسيح مهما كان صغيرًا وهو عمل معمول بقوة الروح القدس الذي يشهد للمسيح في داخلنا، ويكشف لنا المسيح في داخلنا، ويوحدنا بالمسيح. وبوجودنا في المسيح ــ الطريق ــ يكشف لنا الآب ويعلن لنا محبته في داخلنا بعمل الروح القدس، وبذلك يوصنا إلى غاية الطريق منذ الآن.
عمومًا لا يمكن الوصول إلى نهاية أي طريق إلا بالسير في الطريق المؤدي إلى النهاية.
ولكي نصل إلى الإتحاد بالله الذي هو غاية الحياة لابد أن نسير في الطريق ـ أي نوجد في المسيح وتتحد به منذ الآن.
انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان
مختصر تاريخ ظهور النور المقدس
مدرسة الاسكندرية اللاهوتية – د. ميشيل بديع عبد الملك (1)
القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس
اتحاد الإنسان بالله – د. نصحي عبد الشهيد
مقالة المتنيح د/ نصحي عبد الشهيد، بالكتاب الشهري للشباب والخدام والذي كان يصدره بيت التكريس لخدمة الكرازة -شهر ديسمبر 2017 م-
جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس – أيمن فايق
جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس
أولاً – مدخل للموضوع
أن حياة المسيحية الحقيقية لا تعتمد على الشكل الخارجي للإنسان وتنفيذه للطقوس والعقائد وحفظة البنود المعلنة من خلال القوانين والمعرفة المسيحية كمعلومات فكرية جدلية!!!
فحياة المسيحي الحقيقية هي في الداخل، في داخل كيانه الشخصي، فهي باختصار شديد وأكثر تحديد، هي الحياة في الله…
أي أن المسيحي الحقيقي هو من حياته في الله، بمعنى أني لو قلت أني مسيحي حقيقي، يعني الله في داخلي أكثر من أي شيء آخر، وسعيي كله أن ألتقية وأفتش عنه في الداخل وليس في الخارج بسبب أن الكلمة صار جسداً وحل فينا، ونحن هياكل الله وروح الله يسكن فينا، وفي داخلنا طبيعياً – حسب الخلق – صورة الله المطبوعة في الداخل والذي أعاد شكلها الأصيل تجسد الكلمة واستعلانه في ملء الزمان…
الإنسان بطبيعة خلقه هو صورة الله، له كيان روحي مستمد من خالقه العظيم، وهذا هو سر حنينه الدائم إلى خالقه، ولكي نتعود نعيش في هذا المجد العظيم ونعود لأصل الصورة فينا لابد من أن ننزل إلى داخلنا، أي نقطع مسيرة الدخول لأعماق قلوبنا لنلتقي مع الله المطبوع سراً في داخل القلب بصورة مجيده وضعنا عليها تراباً على مر الأيام وأخفيناها حتى أننا في حالة قلق دائم واضطراب في هذا الزمان نحمل الأوجاع لأننا لم ندخل لهذا العمق ونعرف أنفسنا في جمال صورتها الحقيقية المخلوقة عليها والمطبوعة فيها!!!
فكل ما يتعب النفس أنها أخفت سرها وضاع معه حل مشاكلها وضيقاتها الكثيرة والتي تشعر أن ليس لها سبب محدد، لأن مهما ما بلغ الإنسان من مراكز أو معرفة عقلانية يظل يشعر بنقص يزيد كلما ابتعد عن حقيقة جوهره الأصيل!!!
وطبعاً الرجوع للنفس والعودة إليها ليس شيئاً سهلاً، بل صعب للغاية، لأننا في الواقع أصبحنا غرباء عن أنفسنا، نجهل حقيقتها المخفية فيها!!
فمن السهل التعرف على العالم الخارجي والمحيط بنا، ومن السهل أيضاً التعرف على الحياة المسيحية من جهة الفكر والبحث والمعرفة، لأن كل هذا يأتينا عن طريق الحواس والعقل، وكل شخص يستوعب حسب قدراته العقلية، أما من جهة الداخل فصعب للغاية لأنه لا يأتي على مستوى العقل أو الفكر أو القدرة على المعرفة والفهم إنما على مستوى اللقاء الحي!!!
فالحياة المسيحية الحقيقية هي باختصار وتركيز:
الرجوع إلى النفس للدخول بالنعمة في الله، فحضرة الله بملء نوره العظيم هو أعمق ما في الإنسان من عظمة ومجد، لأن الإنسان خلق في هذه الحضرة وهي أساس دعوته وأصل حياته كلها، ونبع حريته وكمال سعادته الحقيقية، بل هي مصيره الأبدي الذي لا يقدر أن يحيا بدونه قط !!!
إذن فالمنهج الحقيقي والأصيل للمسيحي الحقيقي هي حياته الداخلية، واستمرار وجوده في الحضرة الإلهية على مستوى اللمس من جهة كلمة الحياة [ الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة ] (1يوحنا 1: 1)
والعائق الرئيسي الذي يفصل الإنسان ويشوه طبعه ويشوش فكره ويجعل النور الإلهي منطفئ فيه هو الأهواء التي هي أصل الخطايا وسبب تحركها فيه، لأنها سبب الانفصال عن الله وتشويه الطبع الإنساني الأصيل، والإنسان أن لم يتحرر من هذه الأهواء لن يستطيع أن يكتشف في داخله اللؤلؤة الكثيرة الثمن فيبيع كل شيء لاقتنائها حتى نفسه يحسبها رخيصة عنده من أجل اقتناء هذا الكنز العظيم !!!
ثانياً – تمهيد -دعوة الإنسان العليا
الكنيسة تعرف شخص يسوع المسيح، لأنه رأسها وهي جسده من لحمه وعظامه، فهو مُستعلن فيها، يتجلى فيها، ويحضر حضوراً سرياً فائقاً في كل أسرارها المقدسة… والكنيسة كل عملها وشغلها الشاغل فقط هو إظهار وتمجيد واستعلان شخص ربنا يسوع، وتقديمه للعالم مُخلّص شافي النفس ومُحييها، وللمؤمنين إلهاً حياً محيياً من خلال سرّ الكلمة والإفخارستيا…
والكتاب المقدس في الكنيسة هو استعلان صوت المسيح الحسي والمحيي، الذي نادى لعازر هلم خارجاً فسرت فيه قوة حياة تقيم من الموت، وهو هو نفس ذات الصوت التي تنادي به الكنيسة أولادها بفم شخص ربنا يسوع المسيح القائم من الموت، فقراءة الكلمة في الكنيسة هو سرّ قوة الحياة لكل من يسمع هذا الصوت بإيمان دون أن يرتاب فيه:
+ الحق الحق أقول لكم أنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون (يوحنا 5: 25)
وعلى هذا الأساس نتقدم إلى سماع الكلمة من فم الله الذي نطق بها ولازال ينطق بها في كل زمان، وبالطبع زماننا هذا الآن، والكتاب المقدس لو بلغنا سره الإلهي وأصغينا لهذا الصوت المُحيي، سنجد أن لغته لغة حوار بين طرفين، الله والإنسان، ومن صميم هذا الحوار – حوار المحبة – نجد اللذة المتبادلة والحب المتدفق الحاصر للإنسان (محبة المسيح تحصرنا)، ومن صميم هذا الحب الفائق نجد الدعوة الإلهية لكل إنسان يقترب من هذا المجد الفائق :
دعوة من الله للإنسان للتمتع بالشركة مع العريس السماوي، دعوة الوحدة والاتحاد والالتصاق كثمرة التجسد الإلهي
“وجعل يسوع يكلمهم أيضاً بأمثال قائلا:
يشبه ملكوت السماوات إنسانا ملكا صنع عرسا لابنه. وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس فلم يريدوا أن يأتوا. فأرسل أيضا عبيداً آخرين قائلا قولوا للمدعوين هوذا غذائي أعددته ثيراني ومُسمناتي قد ذبحت وكل شيء مُعد تعالوا إلى العرس. ولكنهم تهاونوا ومضوا واحد إلى حقله وآخر إلى تجارته. والباقون امسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم.
فلما سمع الملك غضب وأرسل جنوده وأهلك أولئك القاتلين وأحرق مدينتهم. ثم قال لعبيده أما العرس فمستعد وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين. فاذهبوا إلى مفارق الطرق وكل من وجدتموه فادعوه إلى العُرس. فخرج أولئك العبيد إلى الطرق وجمعوا كل الذين وجدوهم أشراراً وصالحين فامتلأ العرس من المتكئين.
فلما دخل الملك لينظر المتكئين رأى هناك إنساناً لم يكن لابساً لُباس العرس. فقال له يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس فسكت. حينئذ قال الملك للخدام اربطوا رجليه ويديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. لان كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون.” (متى 22: 1 – 14)
الدعوة غالية وكريمة جداً، وثوب المدعوين هو شخص الكلمة المتجسد: “لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح (في المسيح) قد لبستم المسيح” (غلاطية 3: 27)
هذا هو ثوب البرّ المنسوج بعمل الله وحده بدم ربنا يسوع الذي سفك على عود الصليب، ثوب برّ مجاني مهدى من الملك نفسه بلا قيد أو شرط، إلا لمن يقبل الدعوة ويتوب ويعود للحضن الحلو ويكتسي بالنعمة…
“ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح. لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط. أي العداوة، مُبطلا بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً. ويُصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلا العداوة به. فجاء وبشركم بسلام أنتم البعيدين والقريبين. لان به لنا كُلينا قدوما في روح واحد إلى الآب. فلستم إذاً بعد غرباء ونزلاً، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله. مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية. الذي فيه كل البناء مركباً معاً ينمو هيكلاً مُقدساً في الرب. الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً مسكناً لله في الروح” (أفسس 2: 13 – 22)
وما هي طبيعة الدعوة ؟
“تعالوا لأن كل شيء قد اُعد”. لأن الله الآب قد أعد في المسيح لجميع الناس تلك العطايا التي مُنحت للعالم بواسطته، التي هي غفران الخطايا، والتطهير من كل دنس، وشركة وعطية الروح القدس، والتبني فيه، واستعلان ملكوت الله في الداخل:
+ وأُعطيكم قلباً جديداً وأجعل روحاً جديدة في داخلكم وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأُعطيكم قلب لحم، وأجعل روحي في داخلكم، وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها (حزقيال 36: 26 و27)
+ ولما سأله الفريسيون متى يأتي ملكوت الله أجابهم وقال: “لا يأتي ملكوت الله بمراقبة. ولا يقولون هوذا ههُنا أو هوذا هُناك، لأن ها ملكوت الله داخلكم (لوقا 17: 20 و21)
“مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح. كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحب. إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته. لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب. الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته. التي أجزلها لنا بكل حكمة وفطنة.
إذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه. لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات وما على الأرض في ذاك. الذي فيه أيضا نلنا نصيباً مُعينين سابقاً حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته. لنكون لمدح مجده نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح الذي فيه أيضا أنتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم الذي فيه أيضا إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده” (أفسس 1: 3 – 14)
+ وحينما نعي هذه الدعوة المقدسة المهيبة والمفرحة جداً لكل نفس، لن نتعجب أو نندهش من الذين باعوا كل شيء – بسهولة – ورضوا أن يخسروا كل ما للعالم وأن يحسبوه مع القديس بولس خسارة ونفاية من أجل أن يربحوا اللؤلؤة الواحدة الوحيدة الكثيرة الثمن، بل – نحن أنفسنا – سنبيع كل شيء بسهولة وبلا تردد ، ونبغض الخطية فتسقط من تلقاء ذاتها دون معاناة أو صراع داخلي، إذ قد ربحنا الواحد الوحيد ربنا يسوع وصار الكنز الخفي الذي للنفس المخفي في داخلها، بل صار هو ثوبها النفيس الذي يستحيل أن تفرط فيه أبدا أو تطرحه عنها !!!
فلنختتم هذه المقدمة بكلمات القديس مكاريوس الكبير:
الديانة المسيحية ليست إذن شيئاً عادياً “هذا السرّ عظيم” (أفسس 5: 32)، لذلك فاعرف قدرتك وسموك لكونك دُعيت إلى الكرامة الملوكية “جنس مختار كهنوت ملوكي وأمة مقدسة”(1بط2: 9)، لأن سرّ المسيحية هو غريب بالنسبة لهذا العالم. والمجد المنظور الذي للإمبراطور أو الملك وكل غناه، إنما هو أرضي وفاني ومضمحل وأما ذلك الملكوت وذلك الغنى السماوي فهو إلهي سماوي ومملوء مجداً وهو لا يفنى ولا يضمحل لأن مثل هؤلاء المسيحيون يملكون مع الملك السماوي في الكنيسة السماوية “وهو البكر من الأموات” (كولوسي 1: 18)، وهم أيضاً أبكار، ولكن رغم أن هذه هي حالتهم وهم مختارون ومقبلون أمام الله، فإنهم يعتبرون أنفسهم أقل الكل وليس لهم أي استحقاق، وقد صار أمراً طبيعياً عندهم أن يعتبروا أنفسهم كلا شيء.
عظات القديس مكاريوس الكبير 27 : 4 صفحة 249
في الجزء الثاني سنتحدث عن: [ ثالثاً – مقدمة: معرفة الكتب وقوة الله ]
جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس
رسالة يقظة وانتباه – أيمن فايق
+ لقد قَبِلَ السيد أن يُسكب الطيب فوق رأسه، حتى يُعطَّر الكنيسة بنسائم عدم البلى
+ لا تُدهنوا بعفونة تعليم رئيس هذا الجيل لئلا يقودكم إلى الأسر بعيداً عن الحياة المعدة لكم
+ لماذا لا نحظى بمعرفة الله أي بيسوع المسيح فنصبح كلنا حكماء؟
+++ القديس إغناطيوس المتوشح بالله +++
إخوتي الأحباء المغمورين بعظمة رحمة الله الآب في ابنه المحبوب ربنا يسوع المسيح، الذي اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم أمامه في المحبة، وباركنا فيه بكل بركة روحيه في السماوات، إذ جعلنا آنية تخص حلوله الخاص لنحيا في شركة المحبة بإعلان مجده في داخلنا، ليكن لكم – حسب مسرة مشيئته – فيض نعمة وسيل بركة وسلام وافر بروح الحق وبكلمة مسرة الله القدوس…
أنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم، وندعو الجميع أن يستيقظوا معنا لأنها الساعة الأخيرة:
“أيها الأولاد هي الساعة الأخيرة وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي، قد صار الآن أضداد للمسيح كثيرون من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة” (1يوحنا 2: 18)
“ولكن الروح يقول صريحاً أنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قومٍ عن الإيمان تابعين أرواحاً مُضلة وتعاليم شياطين” (1تيموثاوس 4: 1)
لذلك علينا أن نكون مسيحيين لا بالاسم بل في واقعنا العملي المُعاش، ولا نُشبه أولئك الذين انخدعوا بشكل ورسم صورة الروحانيين: “سالكون بحسب شهواتهم وفمهم يتكلم بعظائم (كبرياء) يحابون بالوجوه من أجل المنفعة… هؤلاء هم المعتزلون بأنفسهم نفسانيون لا روح لهم” (يهوذا 1: 16و 19)
“لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله” (رومية 8: 14)
فالأفضل أن نصمت ونحيا وفق تعاليم ربنا يسوع، على أن نتكلم ونشابه أولئك الذين بأفواههم يشهدون لعمل الله وفي باطنهم لا يعرفوه !!!
+ فقال السيد (الرب) لأن هذا الشعب قد اقترب إليَّ بفمه وأكرمني بشفتيه وأما قلبه فأبعده عني وصارت مخافتهم مني وصية الناس مُعلمة (وَمَا مَخَافَتُهُمْ مِنِّي سِوَى تَقْلِيدٍ تَلَقَّنُوهُ مِنَ النَّاسِ) (إشعياء 29: 13)
+ فأجاب وقال لهم: حسناً تنبأ إشعياء عنكم أنتم المُرائين كما هو مكتوب: “هذا الشعب يُكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً (جداً) (مرقس 7: 6)
فلنحذر من لهم شكل وصورة من لهم الحرية وواعدين بها:
“واعدين إياهم بالحرية وهم أنفسهم عبيد الفساد، لأن ما أنغلب منه أحد فهو له مستعبد أيضاً، لأنه إذا كانوا بعدما هربوا من نجاسات العالم بمعرفة الرب والمخلص يسوع المسيح يرتبكون أيضا فيها فينغلبون، فقد صارت لهم الأواخر أشر من الأوائل” (2بطرس 2: 19 و20)
إذاً فماذا ينفعنا من الأحاديث الروحية والكلام عن الله وعن التعليم اللاهوتي بدون أن نتحرر من شهواتنا وندخل في حرية مجد أولاد الله، ونحيا بحرية المسيح الرب الذي أتى ليهبها لنا فيه، لأننا لن ننتفع من الكتب ودراستها أن لم تتحول فينا إلى حياة مُعاشه لندخل في شركة مع الله والقديسين في النور، نلمس يسوع فتخرج منه قوة تمس كياننا فنُشفى من أمراض أوجاع النفس الداخلية فنتذوق حلاوة النعمة ونتحد بالله الكلمة وينطق الروح في قلوبنا ويشهد أننا أولاد الله، فنتيقن أن لنا الحياة في المسيح الرب، فلا نخاف شيء ولا نهاب الموت لأنه انكسر بقيامة الرب، ونختبره في حياتنا لأننا بقوة الله نقهر الظروف وننتصر على شهواتنا ونغلب عدو كل خير بقوة الله الظاهرة فينا…
وهذه هي الخبرة المسيحية الحقيقية، لأن الحياة المسيحية ليست معلومات ولا مجرد خدمة الآخرين ليعرفوا الحق، لأن الحق ليس كلام بل هو الله ظاهر في الجسد، لأن الرب يسوع قال [ أنا هو الحق والحياة ]، فأن كان الحق ليس متحداً بنا والحياة ليست فينا، فلن تنفعنا معرفتنا لأنها خاوية من حضور الله، وهذا هو ضلال العدو الذي يخدعنا بالمعرفة لكي لا نتحرر وندخل في المسيح الرب ونلبس قوته ونرتدي رداء العُرس المقدس، بالثوب الفوقاني المزين بزينة الروح القدس وثمره النفيس …
يا إخوتي أن لكل شيء نهاية؛ ولكل زرع ثمرته الخاصة – فليفهم كل قارئ – وكل ما تحت السماء له وقت، للكلام وقت وللصمت وقت، والخلط في الأزمنة والأوقات يجعلنا نفقد معنى الحياة، فلنا أن ننتبه ونتيقظ ونُميز زماننا !!! فمن لا يُميز زمانه لا يعرف نفسه، ومن لا يعرف نفسه، لا يعرف الله، ومن لا يعرف الله لا يستحق أن يعبده بالروح والحق…
وكما أن هناك نوعان من العملة، عملة الله وعملة العالم، ولكل عملّة طبعها الخاص:
* غير المؤمنين وكل من لهم شكل وصورة الإيمان، يحملون كل ما للعالم، ويتبعوا رئيسه، ويحيوا بلا ترتيب، بلا فهم، بلا إدراك، بلا وعي، ويحيون في العداوة والانقسام والرغبة في الانتقام وطرد الاخرين ويسعون للوشاية، وبرغبون في الكراسي والمراكز…
* أما المؤمنين بالله، بمحبة عميقة، مُتعلمين من مصدر الحق التعليم الصحيح، فيحملون ختم الله الآب بيسوع المسيح في الروح القدس: الختم الحي الذي على قلوبهم. لذلك كما قال أح
د الآباء القديسين: إذا لم نُسرع لنموت بالإيمان في آلامه فحياته لن تكون فينا:
“أن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية وأما الروح فحية بسبب البرّ. وأن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات سيُحيي أجسادكم المائته أيضاً بروحه الساكن فيكم … إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه” (أنظر رومية 8)
لنتذكر أن الله لا يشمخ عليه (غلاطية 6: 7)، وهو فاحص الكلى والقلوب؛ وليس خفي إلا ويُعلن أو مكتوم إلا ويُستعلن، وهو الذي يعرف طريق المنافقين والمخالفين ويبيدها بنفخه فمه، والفأس وضعت على أصل الشجرة، فهو من يأتي “ليصنع دينونة على الجميع ويعاقب جميع فجارهم على جميع إعمال فجورهم التي فجروا بها وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار” (يهوذا 1: 15)
وحياتنا يجب أن تكون جديرة بإرادته ومجده بحسب الإيمان العامل بالمحبة وفق التعليم الصحيح !!!
+ إن كان احد يعلم تعليما آخر ولا يوافق كلمات ربنا يسوع المسيح الصحيحة والتعليم الذي هو حسب التقوى (1تيموثاوس 6: 3)
+ تمسك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته مني في الإيمان والمحبة التي في المسيح يسوع (2تيموثاوس 1: 13)
+ لأنه سيكون وقت لا يحتملون فيه التعليم الصحيح بل حسب شهواتهم الخاصة يجمعون لهم معلمين مستحكة مسامعهم (2تيموثاوس 4: 3)
+ ملازما للكلمة الصادقة التي بحسب التعليم لكي يكون قادراً أن يعظ بالتعليم الصحيح ويوبخ المناقضين (تيطس 1: 9)
+ وأما أنت فتكلم بما يليق بالتعليم الصحيح (تيطس 2: 1)
أهديكم أرق مشاعر المحبة انتم الذين بقوة الله محروسون بإيمان لخلاص مستعد أن يُعلن في الزمان الأخير (1بطرس 1: 5)، وذلك أن كنتم تؤمنون بالحق وتحيون الإيمان العامل بالمحبة، فسوف يتحول فيكم لثمر وأعمال تليق بالتوبة؛ طالباً لكم ولي ملئ قوة الفرح الحقيقي النابع من الإيمان والمحبة اللذان هما عطية الله لكل نفس تمسك فيه بقوة، ولا تهاب إنسان بل تخاف الله وتحترم الجميع وتصلي من أجل كل عدو وحبيب، لنُصلي بعضنما لأجل بعض؛ كونوا معافين باسم الثالوث القدوس آمين
جوهر الحياة المسيحية 5 الجزء الأخير ماذا نفعل بالتحديد!
جوهر الحياة المسيحية 5 الجزء الأخير ماذا نفعل بالتحديد!
للرجوع للجزء الرابع أضغط هــنــا.
+ ماذا نفعل بالتحديد +
يقول القديس أغسطينوس: [ عُد إلى نفسك مما هو خارج عنها، ثم سلِّم نفسك إلى خالقك الذي بحث عنك ضائعاً، ووجدك ضالاً، وردك إليه… عُد إلى نفسك وكمل سيرك إلى خالقك ] وهنا يلزمنا شيئين:
- أولاً العودة إلى النفس مما هو خارج عنها:
أي ما هو ليس من طبعها الأصلي، أي كل ما هو دخيل عليها وغريب عنها، وهناك مثل قوي يشرح لنا هذه الحقيقة وهو مثل الابن الضال، الذي عاد إلى نفسه بعد أن رأى المزلة التي يعيشها بعد ما أفلس من كل ما كان له من أبيه، ويقول الشيخ الروحاني القديس يوحنا سابا: [ لا يقدر إنسان أن ينظُر الحُسن الذي داخله، قبل أن يُهين ويرذل كل حُسن (باطل) خارجه. ولا يُمكنه التمتع بالله قبل أن يحتقر العالم كله (طبعاً يقصد الشر والفساد وكل رغبة في غناه الزائل والاعتماد عليه) ]
ويقول القديس مقاريوس الكبير: [ إن الكتاب المقدس يقول: ” من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته “، وذلك من أجل حفظ كيان المحبة الجسدية، فكم يكون علينا إذا أردنا أن نشترك مع الله في حياة الحب الإلهي والعِشرة معه، يتحتم علينا أن نتجرد من كل حب العالم وكل الأمور الخارجية المنظورة ]
ولنصغي لوصية القديس الأنبا أنطونيوس الكبير: [ وأنا أطلب إليكم باسم ربنا يسوع المسيح أن لا تتوانوا عن حياتكم وخلاصكم، ولا تَدعوا هذا الزمان الزائل يسرق منكم الحياة الأبدية، ولا هذا الجسد اللحمي الفانييُبعدكم عن المملكة النورانية. ولا هذا الكرسي الفاني (المراكز العالمية) الهالك يُنزلكم عن كراسي محفل الملائكة. بالحقيقة يا أولادي إن نفسي لمندهشة، وروحي مُنزعجة، لأننا أُعطينا كُلنا الحرية أن نكون قديسين،ونحن بعمانا سكرنا بأوجاع هذا العالم ]
فبالرغم من دعوتنا للقداسة في المسيح، ومع ذلك نحن لا نهتم بها ونشرب من كأس خمر العالم الذي يتسبب في الأوجاع الداخلية للنفس ويُدمرها تماماً حتى تصير حِطاماً مثل الجيفة التي لا حياة فيها، لأننا نمس فيه كل رجس ونجس وننجرف بتيار الفساد والشرّ ونشرب من نبع الغم ونحمل الهم والقلق ونحيا بالاضطراب في عدم سلام…
لذلك واجب علينا أولاً أن نعرف حالنا تمام المعرفة بفحص أنفسنا بأمانة وإخلاص أمام مرآة الوصية، ونواجه أنفسنا بكل شجاعة تامة معترفين بهول مشكلتنا أمام محبة الله وحده، وهذا يقودنا للشيء الثاني الذي ينبغي أن نعمله…
- ثانياً: أو الشيء الثاني كما قال القديس أغسطينوس: [ سَلِم نفسك إلى خالقك ]:
أي يستودع الإنسان نفسه في يد خالقه، أي يعطي نفسه ويقدمها لخالقه، أي بمعنى أدق بتسليم ذاته لله، أي يستسلم كاملاً لإرادة الله ويخضع له، أولاً يتركها (يترك نفسه) ليعمل الله فيها، متكلاً عليه طالباً أن يتدخل في حياته ليُصلحها ويقيمه إنساناً جديداً روحياً، ويثق فيه ثقة تامة (ثقة إيمان حي) مستودعاً نفسه في يد خالقه الأمين، قابلاً كل شيء من عنده، مطمئناً وغير قلق مما حدث وفيما سيحدث في حياته وما حوله، ويحيا دون قلق أو تزمر أو يأس مكتفياً بما عنده لأن الذي معه اقوى من الذي عليه
لا بمعنى أن يُبطل جهاده لحل المشاكل ودفع الأضرار بقدر إمكانه، بحسب ما وهبه الله من حكمة وفطنة ومعالجة الأمراض وحسم المواقف بمشيئة روحية يقظة مستمدة من الله الحي بإلهام الروح وحكمة عقل واعي مستنير…
عموماً القصد الحقيقي للاستسلام لإرادة الله هو: [ الرضا بكل النتائج النهائية – مهما كانت – بعد أن يبذل الإنسان قصارى جهده حسب حكمة الله باستنارة الفكر وتحكيم العقل، على أن يتحقق دائماً وباستمرار من إن إرادته وفق إرادة الله، ولا يعمل شيئاً بكبرياء أو حماقة أو تسرع واندفاع بمشيئته الخاصة، بدون معرفة مشيئة الله ]، أما إن كان هُناك جهل بمشيئة الله وإرادته، فعلاجه في الإنجيل والصلاة المستمرة…
- ثالثاً: أو الشيء الثالث كما قال القديس أغسطينوس: [ كمل سيرك إلى خالقك ]:
الإنسان عموماً حينما يبدأ يعي نفسه يُدرك أنه مرتبط بالله لأنه منه وبه وله خُلق، لذلك تظل نفسه في حالة قلق واضطراب إلى أن يجد راحته فيه، وبذلك يبدأ المسيرة نحو الله، وكل يوم يحيا مُشابهاً له حينما يتطلع لنور وجهه في كلمته، فتُغرس فيه بالنعمة وهو يسقيها بالصلاة مهتماً بالتعليم الإلهي لكي يكون سماد قلبه القوي لتنمو الكلمة وتأتي بالثمر المطلوب وتنطبع فيه ملامح خالقه في داخله، وهذه مسيرة تحتاج أن تُكتمل
لذلك ففي النهاية لازم يحيا في هذه المسيرة بلا توقف إلى القبر، لذلك اكتمال المسيرة هي نتيجة ما قبلها – كما سبق وقلنا في النقاط السابقة – وعليها تعتمد، لأن بدون أن يسير وفق الخطوات التي سبق ذكرها فأنه لن يستطيع أن يسير نحو خالقه، وبذلك تتعطل حياته كلها ويخسر نفسه…
- ملحوظة مهمة للغاية:
الخضوع لله والتسليم الكامل لمشيئته وتدبيره، هو في الواقع هبة ونعمة، لذلك فهو يحتاج إلى صلاة وتوسل مع ثقة الإيمان في نوال هذه الموهبة
عموماً إذا أردنا فعلاً أن نصل لهذه النتيجة، يلزمنا أولاً أن نعرف أنفسنا المُزيفة لنرفضها، أي لا بُدَّ أولاً من مواجهة النفس وكشف ضعفها وجهلها وفقرها الروحي واللاهوتي من جهة الخبرة وليس المعرفة وأيضاً مقدار عماها الداخلي وتورطها في الفساد الذي في العالم بالشهوة، وبعد أن نعرف هذا كله نقرّ بذلك معترفين أمام الله دون خوف من هول ما قد نكتشفه، ولنصغي لقول الله في هذه الحالة: [ لا تخف يا دودة يعقوب، يا شرذمة إسرائيل، أنا أُعينك يقول الرب، وفاديك قدوس إسرائيل ] (إشعياء 21: 14)
ولننظر للابن الضال وكيف عاقبه أبوه: عوض العقوبة = أعطاه قبله [ رآه أبوه فتحنن، ووقع على عنقه وقبله ] (لوقا 15: 20)
وعوض الفرقة = فتح له حضنه واحتضنه
يقول القديس مقاريوس الكبير: [ فلنقبل إذاً إلهنا وربنا – الشافي الحقيقي – الذي يستطيع وحده أن يأتي ويشفي نفوسنا… فأن طعامه وكساءه ومأواه وراحته، هي في نفوسنا، لذلك فأنه دائماً يقرع طالباً الدخول إلينا. فلنقبله إذن وندخله إلى داخل نفوسنا، لأنه هو طعامنا وشرابنا وحياتنا الأبدية ] (عظة 30: 9)
وبذلك نستطيع أن نحيا في مسيرة مقدسة، لأن الطريق الإلهي لا ينتهي، بل هو مسيرة النفس المُحبة لله، والإنسان الذي يتوقف سعيه نحو إلهه الحي، تتوقف مسيرته، وأي توقف كفيل أن يُصيب الإنسان بالشلل الروحي التام، وبخاصة لو اعتاد على حالة الجمود، لأن التوقف يعني الجمود، والجمود هو موت روحي يصيب النفس بالعطب، فتتعطل مسيرتها وتظل تفكر في الماضي وتنسى الحاضر ولا تتطلع لمستقبلها الأبدي، واستمرارها في هذه الحالة يجعلها تفقد كل شيء حتى نفسها فتتغرب عن الله، وقد تصل لحد المرض النفسي حتى تصل لليأس وتبتعد عن الله تماماً، وهذه هي مشكلة الكثيرين في الطريق الروحي..
وهو حالة الجمود والشلل التام والاعتماد على المضي فقط بدون استكمال المسيرة والاكتفاء بالذي كان عنده، مثل من افلس وعايش في قصر وظل لا يسعى لكي يعمل ليغتني مرة أخرى، فيصير لحالٍ أردأ، لأن بعد ذلك بسبب الإهمال سيصير القصر في حالة من الفوضى ويمتلئ من الحشرات الضارة ثم الروائح الكريهة.. الخ، ويصبح جحيماً لا يُطاق… لذلك علينا أن نحذر يا إخوتي من اي توقف أو جمود ونستمر في مسيرتنا، وحتى لو كنا سقطنا فلنذكر من أين سقطتنا ولنتب ونعود لنبدأ مسيرتنا مرة أخرى بلا توقف…
جوهر الحياة المسيحية 5 الجزء الأخير ماذا نفعل بالتحديد!
جوهر الحياة المسيحية 4 العودة للنفس ومعرفة الله
جوهر الحياة المسيحية 4 العودة للنفس ومعرفة الله
للرجوع للجزء الثالث أضغط هنـــــا.
فالنفس تدخل في هذه الحالة إلى قبر الشهوة وتفقد كل شعور بالحياة ولا تدرك قيمتها ووضعها السليم والصحيح، لأن الشيطان ضحك عليها وأفقدها توازنها وجعلها تحت سلطانه التي يجعلها تخاف على الخروج منه لأنها تعيش في وهم اسمه الخطية والموت ورفض الله: [ فدعي اسم ذلك الموضع قبروت هتأوة (أي قبور الشهوة) لأنهم هناك دفنوا القوم الذين اشتهوا ] (عدد 11: 34)
وحينما يشعر الإنسان بأنين تحت ثقل سُلطان الخطية المُدمر للنفس، يحاول أن يخرج منها ويتحرر من سطوتها، فيُصيغ لنفسه معرفة خاصة ليتخلص من ثقل الخطية التي يحملها، فينشأ لنفسه منهج تدريبي شخصي ليتخلص من ثقل الضمير وتعب الخطية المتسلط على نفسه ويظن أن هذه هي طريق الخلاص، وتنشأ عنده توبة مريضة تدخله يا إما في الكبرياء لو كانت إرادته قوية وانتصر على ذاته وكف عن فعل الشر، يا إما تدخله في حزن ضميره الإنساني الذي يصل به إلى الفشل واليأس من رحمة الله وحنانه الفائق !!!
- والسؤال الذي سيُطرح ما هو المطلوب من الإنسان لكي يدخل في سر معرفة الله الحقيقية ويتخلص من الموت الذي ساد عليه بالخطية ؟!!!
في الحقيقة أن الإنسان لا يستطيع ان يتعرف على وجهه ومدى اتساخه إلا في النور واقفاً أمام المرآة، لأن الأعمى والسالك في الظلمة لا يستطيع أحد منهم أن يعرف مدى اتساخه بل حتى أنه لا يعرف شكل وجهه، وبالمثل فأننا لن نعرف الله ولن نتحرر من الخطية إلا إذا التقينا معه شخصياً فيفتح أعيننا ونراه حاضراً معنا، وأن أردنا أن نرى الله حقاً، فلابدَّ من أن نراه حيث يكون سكناه ولا نبحث عنه بعيداً !!!؛ وأين يا تُرى مكان سكنى الله !!!
وكيف يُمكننا أن نرى الله إن لم يُزال عن أعيُننا الغشاوة أو البرقع الحاجز للنور !!! وكيف يُمكننا أن نلتقي مع الله إذا لم نفتح قلبنا لاستقباله !!! لأن القلب هو مكان اللقاء الحقيقي، وقد دلنا الرب يسوع بفمه الطاهر على الطريق لمعاينته ورؤيته الحقيقية حين قال: [ طوبى لأنقياء القلب فأنهم يُعاينون الله ] (متى 5: 8)
- ومن منا لم يحاول وسعى بكل قوته أن يُنقي قلبه بكل طريقة يراها ممكنه ولم يفشل !!!
لقد حاول الإنسان عَبر التاريخ الإنساني كله، أن يعود إلى نفسه ويُنقي قلبه، لكي تعود له الصورة الأولى من البراءة والحُرية الحقيقية، ولكنه ضلَّ وصار من تيه لتيه، ومن ضعف لموت، إذ أنه حينما عاد إلى نفسه، عادبمعزل عن الله، وحاول أن يصلح نفسه بنفسه بكثير من الأعمال الحسنة لكي يُرضي الله الذي وضع معرفته في قلبه حسب ما توصل إليه من معلومات وأفكار، فسار إلى ضلالٍ أشد، لأن ما يجمعه الإنسان عن الله ويضع له صورة في عقله لكي يصل إليها ويحياها
لأن النفس الميتة لا تستطيع أن تقوم من تلقاء ذاتها بعمل الأحياء، فهل رأينا ميت يموت ويفسد ثم يقوم من تلقاء ذاته ويعمل الأعمال التي تليف بالأحياء!!! هذا بالطبع مستحيل مهما ما صنعنا له، بل ومهما ما وضعنا عليه أغلى العطور وأثمنها، بل وحتى لو تم تحنيطه في ناووس من الذهب والفضة والحجارة الكريمة، وهكذا هي أعمالنا، لأنها هي التابوت الخارجي الجميل الذي يحوي ممات نفوسنا الشقية في داخله، كقبور مُبيَّضة من الخارج ومن الداخل مملوءة عفونة وعظام نخرة يأكلها السوس !!!
ولكن الحل الحقيقي أتانا من فوق مُتجسداً [ والكلمة صار جسداً وحل فينا (حسب النص اليوناني) ] (يوحنا 1: 14)، لقد عَبَرَ المسيح كلمة الله المتجسد الفرقة والعُزلة التي بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والله، فقد وَحَدَّ الكل في نفسه مع الله، ويقول القديس أثناسيوس الرسولي: [ أنهُ منذ التجسد الإلهي لم يعُد الإنسان يُعرف بمعزل عن الله، ولا الله بمعزل عن الإنسان، لأن الكلمة صار جسداً ]
وهذه الحقيقة التي يقولها القديس أثناسيوس الرسولي ليست فكرة نفرح بها ولكنها تحتاج لأن تتحقق فينا ونتذوقها على المستوى العملي بقبولنا لسرّ التجسد الإلهي على مستوى الخبرة !!!
- وقبول تجسد الرب ليس هو فقط مجرد الإقرار به، بل هو:
* قبول تحولنا إلى صورة الابن بالروح القدس الذي يعمل في داخلنا سراً حتى به نعمل كل شيء صالح إذ يغرس فينا كلمته فتثمر فينا حسب قصده.
* وأيضاً هو قبولنا لمعمودية الرب وتحقيقها فينا بمعموديتنا التي تتجدد فينا بالتوبة، ومعموديتنا هي قبولنا مسحة يسوع لكي نصير مسيحيين ولكي يقودنا الروح القدس إلى البرية، وإلى الجلجثة، بل وإلى القبر لنموت مع المسيح الرب عن إنسانيتنا القديمة، وندخل في سرّ القيامة معه، وهي قيامة النفس التي هي القيامة الأولى، التي تجعلنا ننتظر – طبيعياً – بسهر دائم على حياتنا خاضعين للنعمة مستعدين للقيامة الثانية والأخيرة، قيامة الجسد وتمجيده.
ومن صميم هذه العلاقة الجديدة في المسيح الرب نتذوق حضور الله في القلب، ومن هُنا نُدرك سرّ كرامتنا في المسيح، ويقول القديس مقاريوس الكبير: [ أعرف أيها الإنسان سموك وكرامتك وشرفك عند الله، لكونك أخاً للمسيح (من جهة أنه اتخذ بشريتنا)، وصديقاً للملك، وعروساً للعريس السماوي، لأن كل من استطاع أن يعرف كرامة نفسه، فأنه يستطيع أن يعرف قوة وأسرار اللاهوت، وبذلك ينسحق ويتضع أكثر.. ] (عظة 27: 1)
وسوف نتحدث في الجزء القادم والأخير عن [ ماذا نفعل على وجه التحديد ]
