اعلان الله عن “ذاته” بذاته

اعلان الله عن “ذاته” بذاته

اعلان الله عن “ذاته” بذاته

الله هو الذي يُعرِّفنا “ذاته” بذاته

وإذا تحدثنا بصورة أكثر تدقيقًا ـ كما أشار ق. إيرينيئوس ـ نستطيع أن نقول إن الله فقط هو الذي يَعرف ذاته، وبالتالي فلا يمكن معرفة الله إلاّ من خلال الله فقط. وبما أن الله وحده كائن داخل سرمديته ولانهائيته الذاتية، فإنه هو وحده الذي يستطيع أن يَعرف ذاته بطريقة تتفق تمامًا مع ماهيته، وبما يتناسب مع كينونته وبما يلائم طبيعته بكونه الله، لذلك فإذا أردنا حقًّا أن نعرف الله فهذا يتأتى فقط من خلال المشاركة ـ بشكل لا يصدقه عقل ـ في المعرفة التي يملكها الله عن ذاته[1].

أي إننا نستطيع معرفة الله، فقط إذا أدخلنا هو في شركة معه في العلاقات الداخلية له كآب وابن وروح قدس. وهذه المشاركة في المعرفة التي لله عن نفسه، صارت ممكنة من خلال تجسد ابن الله وبواسطة روح الآب والابن.

 

الله يُعرِّفنا “ذاته” من خلال الابن المتجسِّد وفي الروح القدس

إن الله في التجسُّد، أعطانا ذاته في يسوع المسيح ابنه الحبيب، وهو لم يوصل إلينا شيئًا عن ذاته بل أعطانا ذاته عينها، وبذلك جعل نفسه معروفًا لنا طبقًا لطبيعته الإلهية “كآب”. وفي يوم العنصرة سكب الله علينا روحه القدوس، الذي بكونه روح الآب وروح الابن فهو حضور الله المباشر.

أي إنه في يسوع المسيح الابن المتجسِّد، أدخل الله في وجودنا البشري، المعرفة المتبادلة التي يعرفها الآب والابن كل منهما للآخر، وفي الروح القدس يعطينا شركة في العلاقة المتبادلة التي للآب والابن، وبذلك يجعلنا نشترك في المعرفة التي للآب والابن عن بعضهما البعض. وبتعبير آخر، فإنه من خلال يسوع المسيح الابن المتجسِّد أُعطينا سبيلاً إلى الآب في روح واحد[2].

ولا نبالغ إذا قلنا إن علاقة الابن بالآب هذه، والتي أُعلنت في يسوع المسيح الابن المتجسِّد، قد صارت القاعدة والنقطة المركزية للفكر اللاهوتي النيقي كله، لأن تجسد الابن قد فتح الطريق إلى معرفة الله وفقاً لما هو في ذاته، وهو ما لم يكن من الممكن أن يفعله أي شيء آخر. ففي التجسد، أخذ ابن الله طبيعتنا البشرية لنفسه وجعلها خاصة به تمامًا حتى إنه جاء بيننا “كإنسان”، وبواسطة وجوده بيننا “كإنسان” كشف لنا عن ما هو “كإله”.

وبمعنى آخر، فإنه ـ دون أن يتخلى عن طبيعته الإلهية ـ اتحد بنا في طبيعتنا البشرية بشكل تام كامل، لدرجة أنه بحياته الإلهية التي كان يحياها في داخل حياتنا البشرية ـ بكامل حقيقة هذه الحياة البشرية ـ قد أعلن شيئًا من السر الأعمق لحياته الإلهية “كابن” للآب. ولكنه وبالتحديد في إعلانه لنا عن طبيعته الذاتية “بكونه الابن”، قد أظهر لنا طبيعة “الآب”، ليس فقط بالكلام، مُعْلِمًا إيانا عن الآب، بل بكونه ـ كما هو منذ الأزل ـ ابن الآب الذاتي، المتجسِّد في حياتنا البشرية.

ولذا كان يقين “كنيسة نيقية” الكاسح أنه فقط بتجسُّد الابن، قد أُدخلت معرفة الله الحقيقية في نطاق فهمنا البشري بشكل إيجابي، لأنه فقط بمشاركتنا في معرفة الابن للآب يكون فكرنا وحديثنا عن الله بالحقيقة هدفه ومحوره هو الله، وبالتالي يكون له محتوى إيجابي. وفي عمل من تواضع الذات أو إخلاء الذات لأجلنا، تنازل الله الابن ليشاركنا طبيعتنا المخلوقة وليشاركنا ضآلتنا وجهلنا، لكي يرفعنا في ذاته إلى الشركة مع الله، وإلى معرفة الله وفقًا لما هو في ذاته بالحقيقة.

فالله “هو معروف للابن فقط، لأن ليس أحد يعرف الآب إلاّ الابن ومَن يريد الابن أن يعلن له، ولا أحد يعرف الابن إلاّ الآب. كل منهما له معرفة تامة وكاملة بالآخر. ولذلك بما أنه لا أحد يعرف الآب إلاّ الابن فلنجعل أفكارنا عن الآب متوافقة مع أفكار الابن ـ الشاهد الأمين الوحيد الذي يعلن الآب[3]“.

وهذا التركيز على المعرفة المتبادلة بين الآب والابن بكونها الأساس لمعرفتنا نحن لله، لم يكن أبدًا لينتقص أو يقلل بأي شكل من حقيقة الروح القدس وعمله، لأنه فقط من خلال شركة الروح القدس المُرسل لنا من الآب بواسطة الابن نستطيع بالفعل أن نشترك في علاقة الابن بالآب والذي به (أي بالابن) نُعطى دخولاً إلى الآب نفسه.

وهكذا يصبح مفهومًا أنه بالرجوع الدائم لعلاقة الابن الداخلية بالآب ـ كمحور مركزي للإيمان ـ صاغت الكنيسة فهمها لكل الأمور الأخرى مثل الخلق، والخلاص، والكنيسة، وقيامة الأموات، وحياة الدهر الآتي.

وإذ نحن كائنات عرضية (أي اعتمادية ومتوقفة في وجودها على غيرها)، فإننا محصورون داخل النطاق المحدود لوعينا وإدراكنا المخلوق، ولكن تحت تأثير إعلان الله عن ذاته في المسيح يسوع وعمل روحه القدوس الخلاَّق، تنفتح عقولنا وقدراتنا وتتسع وتمتد أفكارنا إلى ما هو أبعد بكثير من نطاقها المحدود، إلى أن تصير متناسبة ـ على الأقل إلى حد ما ـ مع هدفها الإلهي[4].

إنه الروح القدس الذي يحقق إعطاء الله ذاته لنا في يسوع المسيح، وبالتالي يُمكِّننا من قبول وإدراك ما هو أبعد من ذواتنا تمامًا، ألا وهو المعرفة الحقيقية لله نفسه متجسِّدًا بيننا في المسيح. وهذا ما يتحقق في إيمان الكنيسة وتوقيرها وعبادتها وتكريسها الخاشع المطيع لإعلان الله عن ذاته بالابن وفي الروح القدس. وهنا نورد قول ق. هيلاري مرة أخرى “إن الله لا يمكن أن يُعرف إلاّ عن طريق العبادة والتقوى[5]“.

أي إنه بعلاقة الشركة الحميمة مع الله في المسيح وبالروح القدس ومن خلالها ـ والتي ندخل فيها بواسطة الإيمان والعبادة والتأمل والسجود ـ فإنه يمكن لعقلنا البشري أن يتكيف ويتلاءم ـ على قدر الإمكان ـ مع معرفة الله وفقًا لطبيعته كآب وابن وروح قدس، وبهذا ندخل في معرفةٍ دقيقةٍ ومحددة له وفقًا لما هو الله بالحقيقة في ذاته، وحسبما يكشف هو لنا ذاته.

 

هل ينبغي أن نعرف الله من خلال النصوص الكتابية فقط؟

قبل أن نبحث بتدقيق أكثر فيما يعني السبيل إلى الله الآب من خلال الابن وفي روح واحد، دعونا نبدي ملاحظة هامة وهي أن الدقة في المعرفة لا تعني أبدًا اتباع اسلوب ضيق الأفق في التفكير والحديث عن الله من الكتاب المقدس فقط. لأن المعرفة الصحيحة والدقيقة عن الله لا تُكتسب بترتيب آيات الكتاب المقدس في صف واحد معًا، ولكن بالسماح لفكرنا بأن يتشكَّل وبأن يتحدَّد “بالحق” الإلهي الذي توجهنا إليه هذه الآيات.

لأن اعتبار تعبيرات الكتاب المقدس بأنها تأكيدات إلهية، لا يعني أنه يسهل إدراكها وفهمها على الفور، ولكن يعني أنه يجب أن تُفسَّر في ضوء “الحق” الذي تُشير إليه كما يجب أيضاً لتفسيراتنا تلك من أن تُمتحن وفقًا لهذا “الحق”. لذلك يتعين علينا التفكير بتروٍ فيما تعنيه آيات الكتاب المقدس في ضوء تلك المرجعية[6].

وهذا لا يعني بالطبع أن نطرح جانبًا إرشاد الكتاب المقدس لنا والذي من خلاله أتى إلينا إعلان الله، وإنما يعني أننا نرفض الاكتفاء بذكر نص التعبيرات الكتابية، لمجرد رغبتنا في أن يستند تفكيرنا وحديثنا على “الحق” الإلهي ذاته، والذي يحدثنا بواسطة هذه التعبيرات الكتابية. ومن هنا فإنه يتعين علينا أن نقرر ما الذي نقوله عن “الحق” تحت إرشاد أقوال الكتاب المقدس، وأن نحدد أيضًا الكيفية التي بها نصيغ تعبيراتنا بحيث تكون صحيحة ومتناسبة مع “الحق” ذاته.

وقد عبَّر ق. أثناسيوس عن هذا المعنى بما أسماه “حرية الحديث الديني” على أساس الأسفار المقدسة، وذلك حين نَعبُر إلى ما وراء ما ذكرته هذه الأسفار حرفيًّا، إلى “حقيقة الله” ذاتها ـ التي تنقلها تلك الأسفار ـ ونسعى للتعبير عنها بكل ما أوتينا من صحة ودقة[7]. ونحن لا نتجاسر أو نتجرأ على فعل هذا إلاّ بأسلوب يتسم بأقصى درجات الحذر والخشوع وبصلوات كثيرة[8].

 

[1]  Irenaeus, Adv. haer., 4.11. 1-5, vol. 2, pp. 158-62. See ‘The Deposit of Faith’, SJT, vol. 36, 1983, No. 1, pp. 8ff.

[2]  أف 18:2.

[2]  Hilary, De Trin., 2.6; cf. 2.10, and especially 5.20f.

[3]  Hilary, De Trin., 1.18 or 7.41.

[4]  Hilary, De Trin., 22.44.

[5]  Thus Hilary, De Trin., 3.1ff.

[6]  Athanasius, Con. Ar., 1.9.

[7]  Athanasius, Con. Ar., 1.25; Ad Ser., 1.1; Ad Epict., 13, etc.

اعلان الله عن “ذاته” بذاته

العلاقة الداخلية بين الابن والآب

العلاقة الداخلية بين الابن والآب

العلاقة الداخلية بين الابن والآب

المدخل إلى الله الآب

لنبدأ حديثنا بما قاله ق. أثناسيوس: “إنه يكون أكثر تقوى وحق أن نتعرف على الله من خلال الابن وندعوه “الآب” عن أن نسميه من خلال أعماله فقط وندعوه “غير المخلوق””[1].

ويكشف ق. أثناسيوس في هذه العبارة تأكيد مجمع نيقية على مركزية “علاقة الآب بالابن” في الإيمان كله، وأسبقيتها على “علاقة الخالق بالمخلوق” والتي يجب أن تُفهم في ضوء “علاقة الآب بالابن” وليس العكس. كما أوضح ق. أثناسيوس أن المدخل إلى الله بكونه آبًا* من خلال الابن، هو سبيل أكثر ورعًا ودقة، من المدخل إليه من خلال أعماله بتتبعها وإرجاعها إليه باعتباره مصدرها غير المخلوق.

لذلك فإن الورع والحق (ευ̉σέβεια καὶ α̉λήθεια)، أي التقوى والدقة (θεοσέβεια καὶ α̉κρίβεια) يتلازمان معًا في المعرفة الأصيلة لله من خلال يسوع المسيح ابنه (المتجسِّد)[2]. لذا ينبغي أن ننتبه ونذكر باستمرار أن الجمع بين “الدقة” اللاهوتية واعتبار المسيح “مركزًا” للإيمان كان هو السمة المميزة جدًّا للفكر اللاهوتي النيقي.

 

الفرق بين المدخل إلى معرفة الله من “خلال ابنه” والمدخل إلى معرفته “من خلال أعماله”

وقد أبرز اللاهوتيون بنيقية أن الفرق بين هذين المدخلين إلى معرفة الله، أي من خلال ابنه ومن خلال أعماله، هو الفرق بين من “وَلَده” الله من طبيعته الذاتية وما قد “صنعه” من العدم ويختلف اختلافًا كاملاً عن طبيعته.

فنحن عندما نفكر ونتحدث عن الله من منظور “علاقة الخالق بالمخلوق” أو علاقة غير المبتدئ بالمبتدئ”، فإننا نستطيع فقط أن نفكر ونتحدث عن الله بعبارات نفي عامة وغامضة، لأنه بسبب المسافة غير المحدودة التي بين المخلوق والخالق، فإننا لا نستطيع أن نعرف الله وفقًا لما هو في ذاته* أو حسب طبيعته الإلهية، بل نعرفه فقط في انفصاله التام عنا، بوصفه الأبدي والمطلق وغير الموصوف[3].

ومن هذا المدخل لا يمكننا أن نفعل شيئًا أكثر من محاولة التحدث عن الله من خلال أعماله التي أوجدها بمشيئته وبواسطة “كلمته”، أي من خلال ما يتعلق بالله “من خارج”، الأمر الذي لا يستطيع في الواقع أن يعرِّفنا أي شيء عن مَن هو الله أو ماذا يشبه في طبيعته الذاتية[4].

 

خطورة المدخل إلى معرفة الله من “خلال أعماله”

إن هذا الخط الفكري (أي خط الدخول إلى الله من خلال أعماله) ـ كما أصَّر كل من القديسين أثناسيوس وهيلاري ـ يفتقر تمامًا إلى الدقة والضبط (α̉κρίβεια)، وقد أبعد الاثنان نفسيهما بصورة حاسمة ـ من جهة هذا الأمر ـ عن نظرية باسيليدس الغنوسي الإسكندري، الذي علَّم مستندًا على تعبير أفلاطون، بأن الله أعلى من كل الوجود حتى إننا لا نقدر أن نقول شيئًا عن ما “هو” الله ولكننا نقدر فقط أن نقول شيئًا عن ما “ليس هو” الله[5].

وقد أوضح ق. غريغوريوس النزينزي أننا إذا لم نستطع أن نقول شيئًا إيجابيًّا عن ما “هو” الله، فبالتالي نحن في الحقيقة لا نقدر أن نقول بدقة أي شيء عن ما “ليس هو” الله[6]. وطبقًا لآباء نيقية، فإنه لا يصح أبدًا التحدث عن الله بمفاهيم سلبية جوفاء.

 

المدخل إلى الله من “خلال أعماله” يفتقر إلى الطريقة العلمية السليمة والدقيقة

وإذا لم نفكر في الآب من مدخل علاقته بالابن، بل فقط من مدخل إظهار الفرق بينه كخالق وبين المخلوقات، فإننا حتمًا سوف ننتهي إلى التفكير في الابن نفسه على أنه أحد أعمال الله المخلوقة، مما يقودنا بالتالي إلى التحدث عن الله والتفكير فيه بأسلوب غير مؤسس شخصيًّا في الله ذاته، وإنما بأسلوب غير شخصي بعيد كل البعد عن “ما هو” الله في ذاته[7].

وفضلاً على ذلك، فإننا إذا حاولنا التوصل إلى معرفة الله من نقطة ما “خارج عن الله”، فإننا لن نستطيع التعامل مع أي نقطة “في الله” ـ والتي بواسطتها فقط يمكننا أن نمتحن ونضبط مفاهيمنا عن الله ـ بل سنرتد حتمًا إلى أنفسنا (لنأخذ منها معرفتنا عن الله). وحتى إن حاولنا أن نربط بطريقة سلبية بين الله وبين ما نحن عليه في ذواتنا (بقولنا أنه غير المحدود، غير المتغير،..)، فلن نستطيع أبدًا تجنب وضع أنفسنا بنوع ما كمقياس لما نفكر أو نقوله عن الله.

وهكذا في نهاية المطاف سيكون الاستناد إلى رأينا الشخصي  (κατά τὸν ί̉διον νου̃ν)، بالإضافة إلى ما نفكر فيه أو نبتكره من عندياتنا بشكل اعتباطي (έπινοει̃ν)، هو الذي يكوِّن حكمنا عن كل من الابن والآب، وهذا بالتحديد هو ما اتُهم الأريوسيون بعمله[8].

إن أية محاولة للتوصل إلى معرفة الله بهذه الطريقة، هي اتباع للمشيئة الذاتية (وهو نوع من العناد الشخصي) البعيد تمامًا عن التقوى (ευ̉σεβής)، كما أنها تتصف أيضًا بأنها طريقة غير علمية (ε̉πιστημονική) وغير دقيقة (α̉κριβής). وفي الإسكندرية على الأخص أُعطي قدر كبير من الاهتمام للبحث العلمي والأسلوب العلمي، وهو ما كان له تأثيره على مفكرين مسيحيين أمثال كليمندس وأناتوليوس وأثناسيوس[9].

وأساس هذا الأسلوب هو أن المعرفة العلمية الدقيقة تكون ناتجة عن “بحث” يُجرى بطريقة متوافقة تمامًا مع طبيعة (κατὰ φύσιν) “الحقيقة” التي يُجرى بحثها، أي أن ما يُعرف عن هذه “الحقيقة” يتم الوصول إليه بالالتزام بما هو فعليًّا وجوهريًّا داخل هذه “الحقيقة”، وليس طبقًا لأي عرف اعتباطي (κατὰ θέσιν).

إن معرفة الأمور بهذه الطريقة ـ أي طبقًا لطبيعتها ـ هي المعرفة التي تتوافق مع حقيقة هذه الأمور وواقعها (κατὰ α̉λήθειαν)، وبالتالي يمكن التفكير فيها والحديث عنها بحق (α̉ληθω̃ς)[10]. وهذا هو الطريق الوحيد للتوصل إلى معرفة حقيقية ودقيقة أو معرفة علمية في أي مجال من مجالات البحث، وذلك من خلال قبول العقل بأمانة لمتطلبات “الحقيقة” التي تلح عليه.

هذا المدخل العلمي والذي به نعرف الأشياء فقط طبقًا لطبيعتها المميِّزة لها، ينطبق بشكل أقوى على معرفة الله، وحيث إنه لا يوجد تشابه بين جوهر الله الأزلي وبين جوهر الواقع المخلوق، فإن الله يمكن معرفته فقط من خلال ذاته[11]. لذلك إذا أردنا أي معرفة علمية ودقيقة وحقيقية عن الله، فلا بد أن نعطي لطبيعته الذاتية ـ كما أظهر ذاته لنا ـ أن تحدد كيف ينبغي أن نعرفه، وكيف ينبغي أن نفكـر فيـه وماذا ينبغي أن نقوله عنه.

وهذا بالضبط هو ما يحدث عندمـا نقتــرب إلى الله كآب من خلال يسوع المسيـح ابنــه المتجسِّـد، لأن الابـن هو من نفس الطبيعة الواحــدة والجوهر الواحـد (ο̉μοφυής καὶ ο̉μοούσιος) مع الآب “إن كل ملء لاهوت الآب هو كيان الابن والابن هو الله بأكمله”[12] لأنه هو إله من إله وهو الطريق الوحيد للوصول إلى الله الآب.

 

المدخل إلى الله من “خلال أعماله” لن يجعلنا نعرفه كآب

إننا عندما نسعى لمعرفة الله من خلال مخلوقاته، فإننا لن نعرفه “كآب” بل سنعرفه فقط “كخالق”، وفي هذا لن نكون أفضل من اليونانيين (الوثنيين)[13]. ولكن من يعرف الله “كآب” في ابنه “كلمة الله” ومن خلاله، فإنه سيعرفه أيضًا “كخالق” لأنه “بالكلمة” قد خلق كل شيء[14].

 

أمران يجب ملاحظتهما في دخولنا إلى معرفة الله

الأمر الأول: أنه إذا أردنا حقًّا أن نعرف الله فلا بد أن تكون قد أُعطيت لنا نقطة للدخول إليه، بحيث تكون هذه النقطة في كل من الله ذاته وفي كياننا نحن كمخلوقات.

وهذا بالتحديد هو ما حصلنا عليه في التجسد، حيث إعلان الله عن ذاته “كآب” يتم من خلال إعطائه ذاته لنا في يسوع المسيح ابنه، وعندما يعطينا الله أن نصل إلى معرفته بهذه الصورة فهو يفعل هذا في إطار ظروف المكان والزمان، أي داخل حدود ما يمكن أن نفهمه نحن البشر. وفي نفس الوقت، فإن المعرفة التي يعطيها لنا الله عن ذاته في ابنه المتجسِّد يكون مركزها في الله ذاته، وبالتالي يكون كل فهمنا البشري لله وكل تصوراتنا عنه يمكن فحصها وضبطها وفقًا لطبيعته الإلهية[15].

لذلك عندما نقترب إلى الله “كآب” من خلال الابن، فإن معرفتنا للآب في الابن يكون أساسها قائمًا في صميم كيان الله، كما أن هذه المعرفة تتحدد بما هو الله بالحقيقة في طبيعته الذاتية. و بما أننا في يسوع المسيح نستطيع بالحقيقة أن نعرف الله وفقًا لطبيعته الذاتية كآب وابن، فإننا من الممكن أن نعرفه بطريقة تقوية ودقيقة معًا.

الأمر الثاني: أنه عندما نعرف الآب بهذه الطريقة، أي في يسوع المسيح الابن المتجسِّد ومن خلاله، فإننا ندرك أنه يفوق بطريقة لانهائية كل ما نقدر أن نفكر فيه أو نقوله عنه. إننا نعرف أن الله الآب ذاته ـ الذي أُعطينا السبيل إليه من خلال الابن ـ هو غير محدود ويفوق الإدراك في حقيقته الإلهية، وكما يقول ق. هيلاري: “إن الله اللانهائي والذي لا يُحد لا نقدر أن نفهمه ببعض كلمات من الحديث البشري”[16]، ولذلك فإننا في الإيمان نعترف بحقيقة أن الإيمان نفسه غير كفء لإدراك الله، الذي هو الموضوع الإلهي للإيمان على حد تعبير ق. هيلاري[17].

ونحن في إدراكنا الفعلي لله، نتحقق من أننا لا نستطيع أن نستوعبه، فنحن نعرف أكثر بكثير مما نستطيع أن نستوعب أو نعبِّر، كما أننا نشعر أو نختبر أكثر بكثير مما يمكننا أن نصوغه في أفكار أو كلمات[18]. ونحن لا نستطيع أن نحتوي ونستوعب كل ما هو الله داخل معرفتنا له، لأنه يتخطى كل مفاهيمنا وتعريفاتنا المحدودة، ولكن كما يقول ق. هيلاري: بينما الله في كليته يفلت من إدراك عقولنا، فهو مع ذلك يترك لنا شيئًا من ذاته ضمن حدود إدراكنا.

غير أن ما نعرفه عن الله، هو بالطبع ليس جزءًا من الله، لأن الله لا يمكن أن يتجزأ إلى أجزاء، ولكننا بالأحرى نعرف بصورة جزئية “الله كله”، الذي يفوق ما يمكن أن ندركه داخل إطار فكرنا وحديثنا البشري. ويعود ق. هيلاري ليقول: “إن معرفة الله الكاملة، هي أن نعرفه متيقنين أننا ينبغي ألا نجهله، إلا إننا لا نستطيع أن نصفه. إننا ينبغي أن نؤمن به، وينبغي أن ندركه، وينبغي أن نعبده بوقار، لأن هذه العبادة هي التي يجب أن تحل محل تعريفنا له”[19].

وهكذا نكون أمناء تجاه حقيقة الله غير الموصوفة التي لا تحد، كما نكون أمناء أيضًا تجاه معرفتنا لله معرفة إيجابية ودقيقة في يسوع المسيح وبواسطته. وهذه المعرفة تعني أن نعرف الله بطريقة تليق حقًّا بالله، أي بطريقة جديرة به وتتسم بالتقوى. وهي تعني أيضًا أن نعرف الله بطريقة حقيقية ودقيقة تحددها طبيعته كما أُظهرت لنا في الابن المتجسِّد.

وفقط كلما تفتحت عقولنا وتوافقت مع الله طبقًا لطبيعته المعلَنة، وكلما استجبنا له في إيمان وطاعة وعبادة، استطعنا أن نفكر فيه ونتحدث عنه بنوع من الدقة التي تلائم طبيعته الإلهية.

فالخشوع والدقة، التقوى والإتقان ينتمي بعضها للبعض الآخر، ويحكم كل منها الآخر، لأن معرفة الله تنشأ وتتشكَّل في عقولنا حسب ما تحدِّده طبيعته المعلَنة، وتظل هذه المعرفة مُصانة وقائمة داخل اختبار العبادة، والصلاة، والقداسة، والتقوى. وهكذا تمتزج العناصر العملية والنظرية، التقوية واللاهوتية، هذه كلها معًا بغير انفصال، في الفهم اللاهوتي والصياغة اللاهوتية[20].

 

الله هو الذي يُعرِّفنا “ذاته” بذاته

وإذا تحدثنا بصورة أكثر تدقيقًا ـ كما أشار ق. إيرينيئوس ـ نستطيع أن نقول إن الله فقط هو الذي يَعرف ذاته، وبالتالي فلا يمكن معرفة الله إلاّ من خلال الله فقط.

وبما أن الله وحده كائن داخل سرمديته ولانهائيته الذاتية، فإنه هو وحده الذي يستطيع أن يَعرف ذاته بطريقة تتفق تمامًا مع ماهيته، وبما يتناسب مع كينونته وبما يلائم طبيعته بكونه الله، لذلك فإذا أردنا حقًّا أن نعرف الله فهذا يتأتى فقط من خلال المشاركة ـ بشكل لا يصدقه عقل ـ في المعرفة التي يملكها الله عن ذاته[21].

أي إننا نستطيع معرفة الله، فقط إذا أدخلنا هو في شركة معه في العلاقات الداخلية له كآب وابن وروح قدس. وهذه المشاركة في المعرفة التي لله عن نفسه، صارت ممكنة من خلال تجسد ابن الله وبواسطة روح الآب والابن.

 

الله يُعرِّفنا “ذاته” من خلال الابن المتجسِّد وفي الروح القدس

إن الله في التجسُّد، أعطانا ذاته في يسوع المسيح ابنه الحبيب، وهو لم يوصل إلينا شيئًا عن ذاته بل أعطانا ذاته عينها، وبذلك جعل نفسه معروفًا لنا طبقًا لطبيعته الإلهية “كآب”. وفي يوم العنصرة سكب الله علينا روحه القدوس، الذي بكونه روح الآب وروح الابن فهو حضور الله المباشر.

أي إنه في يسوع المسيح الابن المتجسِّد، أدخل الله في وجودنا البشري، المعرفة المتبادلة التي يعرفها الآب والابن كل منهما للآخر، وفي الروح القدس يعطينا شركة في العلاقة المتبادلة التي للآب والابن، وبذلك يجعلنا نشترك في المعرفة التي للآب والابن عن بعضهما البعض. وبتعبير آخر، فإنه من خلال يسوع المسيح الابن المتجسِّد أُعطينا سبيلاً إلى الآب في روح واحد[22].

ولا نبالغ إذا قلنا إن علاقة الابن بالآب هذه، والتي أُعلنت في يسوع المسيح الابن المتجسِّد، قد صارت القاعدة والنقطة المركزية للفكر اللاهوتي النيقي كله، لأن تجسد الابن قد فتح الطريق إلى معرفة الله وفقاً لما هو في ذاته، وهو ما لم يكن من الممكن أن يفعله أي شيء آخر. ففي التجسد، أخذ ابن الله طبيعتنا البشرية لنفسه وجعلها خاصة به تمامًا حتى إنه جاء بيننا “كإنسان”، وبواسطة وجوده بيننا “كإنسان” كشف لنا عن ما هو “كإله”.

وبمعنى آخر، فإنه ـ دون أن يتخلى عن طبيعته الإلهية ـ اتحد بنا في طبيعتنا البشرية بشكل تام كامل، لدرجة أنه بحياته الإلهية التي كان يحياها في داخل حياتنا البشرية ـ بكامل حقيقة هذه الحياة البشرية ـ قد أعلن شيئًا من السر الأعمق لحياته الإلهية “كابن” للآب. ولكنه وبالتحديد في إعلانه لنا عن طبيعته الذاتية “بكونه الابن”، قد أظهر لنا طبيعة “الآب”، ليس فقط بالكلام، مُعْلِمًا إيانا عن الآب، بل بكونه ـ كما هو منذ الأزل ـ ابن الآب الذاتي، المتجسِّد في حياتنا البشرية.

ولذا كان يقين “كنيسة نيقية” الكاسح أنه فقط بتجسُّد الابن، قد أُدخلت معرفة الله الحقيقية في نطاق فهمنا البشري بشكل إيجابي، لأنه فقط بمشاركتنا في معرفة الابن للآب يكون فكرنا وحديثنا عن الله بالحقيقة هدفه ومحوره هو الله، وبالتالي يكون له محتوى إيجابي. وفي عمل من تواضع الذات أو إخلاء الذات لأجلنا، تنازل الله الابن ليشاركنا طبيعتنا المخلوقة وليشاركنا ضآلتنا وجهلنا، لكي يرفعنا في ذاته إلى الشركة مع الله، وإلى معرفة الله وفقًا لما هو في ذاته بالحقيقة.

فالله “هو معروف للابن فقط، لأن ليس أحد يعرف الآب إلاّ الابن ومَن يريد الابن أن يعلن له، ولا أحد يعرف الابن إلاّ الآب. كل منهما له معرفة تامة وكاملة بالآخر. ولذلك بما أنه لا أحد يعرف الآب إلاّ الابن فلنجعل أفكارنا عن الآب متوافقة مع أفكار الابن ـ الشاهد الأمين الوحيد الذي يعلن الآب[23]“.

وهذا التركيز على المعرفة المتبادلة بين الآب والابن بكونها الأساس لمعرفتنا نحن لله، لم يكن أبدًا لينتقص أو يقلل بأي شكل من حقيقة الروح القدس وعمله، لأنه فقط من خلال شركة الروح القدس المُرسل لنا من الآب بواسطة الابن نستطيع بالفعل أن نشترك في علاقة الابن بالآب والذي به (أي بالابن) نُعطى دخولاً إلى الآب نفسه. وهكذا يصبح مفهومًا أنه بالرجوع الدائم لعلاقة الابن الداخلية بالآب ـ كمحور مركزي للإيمان ـ صاغت الكنيسة فهمها لكل الأمور الأخرى مثل الخلق، والخلاص، والكنيسة، وقيامة الأموات، وحياة الدهر الآتي.

وإذ نحن كائنات عرضية (أي اعتمادية ومتوقفة في وجودها على غيرها)، فإننا محصورون داخل النطاق المحدود لوعينا وإدراكنا المخلوق، ولكن تحت تأثير إعلان الله عن ذاته في المسيح يسوع وعمل روحه القدوس الخلاَّق، تنفتح عقولنا وقدراتنا وتتسع وتمتد أفكارنا إلى ما هو أبعد بكثير من نطاقها المحدود، إلى أن تصير متناسبة ـ على الأقل إلى حد ما ـ مع هدفها الإلهي[24].

إنه الروح القدس الذي يحقق إعطاء الله ذاته لنا في يسوع المسيح، وبالتالي يُمكِّننا من قبول وإدراك ما هو أبعد من ذواتنا تمامًا، ألا وهو المعرفة الحقيقية لله نفسه متجسِّدًا بيننا في المسيح. وهذا ما يتحقق في إيمان الكنيسة وتوقيرها وعبادتها وتكريسها الخاشع المطيع لإعلان الله عن ذاته بالابن وفي الروح القدس. وهنا نورد قول ق. هيلاري مرة أخرى “إن الله لا يمكن أن يُعرف إلاّ عن طريق العبادة والتقوى[25]“.

أي إنه بعلاقة الشركة الحميمة مع الله في المسيح وبالروح القدس ومن خلالها ـ والتي ندخل فيها بواسطة الإيمان والعبادة والتأمل والسجود ـ فإنه يمكن لعقلنا البشري أن يتكيف ويتلاءم ـ على قدر الإمكان ـ مع معرفة الله وفقًا لطبيعته كآب وابن وروح قدس، وبهذا ندخل في معرفةٍ دقيقةٍ ومحددة له وفقًا لما هو الله بالحقيقة في ذاته، وحسبما يكشف هو لنا ذاته.

 

[1]  Athanasius, Con. Ar., 1.34: (Ου̉κου̃ν ευ̉σεβέστερον καί α̉ληθές α̉́ν ει̉́η μα̃λλον τόν Θεόν ε̉κ του̃ Υι̉ου̃ σημαίνειν καί Πατέρα λέγειν η̉́ ε̉κ μόνων τω̃ν ε̉́ργων ο̉νομάζειν καί λέγειν αυ̉τόν α̉γένητον). Cf. 1.16, 33; De decr., 31; Hilary, De Trin., 1.17; 3.22; cf. 2.6-8.

*  إن معرفتنا لله بكونه ’آبًا‘ إنما تعني ضمنيًّا: أنه آب مولود منه الابن ومنبثق منه الروح القدس، لأنه الله في جوهره ثالوثي ومعرفتنا له تعني معرفتنا له بكونه ثالوثًا (كما سيأتي ذكره في الفصل الأخير). وهذا هو المنهج الذي نراه في قانون الإيمان؛ إذ يبدأ بالاعتراف بالله بكونه آبًا ثم بعد ذلك يعلن الإيمان بالابن المولود من هذا الآب والروح القدس المنبثق من هذا الاب أيضًا. (المترجم)

[2]    عند ق. أثناسيوس كلمة ’التقوى‘ (ευ̉σέβεια) كانت تعني ’الأرثوذوكسية‘ كما يتضح من:

De syn,3; De decr., 1; Con. Ar.,1.7, etc.; Ep. Enc., 2; Ad Afr., 2; Ad Ant, 8  بينما كانت كلمة ’عدم التقوى‘ (α̉σέβεια, δυσσέβεια) تشير إلى ’الهرطقة‘ كما في: Con. Ar., 1.1ff, 37, 52f; 2.18; 3.10.55,etc.

*  إن معرفة الله في ذاته أو وفقًا لما هو في ذاته إنما تعني معرفة الله فقط كما أعلن هو لنا ذاته أي معرفته في علاقاته الداخلية الأقنومية كآب وابن وروح قدس. (المترجم)

[3]  Hilary, De Trin., 2.6f.

[4]  See Athanasius, De decr., 13; Con. Ar., 1.29; 2.22, etc.

[5]  Athanasius, De decr., 22; De syn., 34.

[6]  Cf. Gregory Naz., Or., 28.9; Athanasius, Ad mon., 2; Basil, Con. Eun., 1.10, and contrast John of Damascus, De fide orth., 1.4.

[7]  Athanasius, Con. Ar. 1, 29-34; De Syn., 35, 46-47.

[8]  Athanasius, Con. Ar. 1.1f, 14f, 37, 52f; 2.18, 38; 3.10, 55; De Syn., 15.

وقد اتهم ق. أثناسيوس الأريوسيين بأنهم يفكرون في الله (κατ’ ε̉πίνοιαν) بأن يتخيلوا عنه تصورات معينة لا تمت للحقيقة بصلة:

De sent. Dion., 2, 23f; Ad episc., 12ff; Con. Ar., 1.12; 2.37; 4.2f, 8f, 13; cf. Con. Apol., 2.7.

[9]  T. F. Torrance, Oikonomia. Heilsgeschichte als Thema der Theologie, edit. by F. Christ, 1967, pp.223-238; Theol. in Reconcil., 1975, pp. 215ff, 239ff, 255ff.

[10]  Athanasius, Con. Apol. 1.10, 13, 16f; 2.9.

أن تفكر ’بحسب الطبيعة أو بما يتمشى مع الطبيعة‘ (in accordance with nature) هو على النقيض مع وهم محاولة التفكير فيما وراء الطبيعة (beyond nature):

1.9; cf. 1.13, 17; 2.18f. See also Ad Epict., 2.7; De syn., 54.

[11]  Athanasius, Con. Ar., 1.20; Ad Ser., 1.9, 24; 2.5;cf. also Con. gent., 9; Con. Ar., 2.21, 41; De decr., 11.

[12]  Athanasius, Con. Ar., 1.9; cf. 3.11.

[13]  Cf. Plato, Timaeus, 28c, cited by Origen, Con. Cel., 42.

[14]  Athanasius, Con. Ar., 1.33.

[15]  يقول ق. هيلاري: “إن صميم الإيمان الخلاصي، ليس هو مجرد الإيمان بالله ولكنه الإيمان به بكونه آبًا، وليس هو مجرد الإيمان بالمسيح ولكنه الإيمان بالمسيح بكونه ابن الله وبأنه ليس ضمن الخليقة بل بأنه هو الله الخالق المولود من الله (الآب)”. (في الثالوث 17:1؛ 22:3؛ 20:5؛ 30:6) 

[16]  Hilary, De syn., 62 & 69; cf. De Trin., 2.5ff; 3.1ff; 4.2.

[17] Hilary, De Trin., 2.6-11.

[18]  Hilary, De Trin., 2.6-7; cf. Athanasius, Ad mon., 1ff; Gregory Nyss., Or. Cat., 3.

[19]  Hilary, De Trin., 2.7; cf. 2.6, 11; 3.1-5; 4.1ff; 11.44-49; De syn., 69.

[20]  See especially Athanasius, Expositio fidei, 1-4; and In illud “Omnia mihi tradita”, 1-6.

[21]  Irenaeus, Adv. haer., 4.11. 1-5, vol. 2, pp. 158-62. See ‘The Deposit of Faith’, SJT, vol. 36, 1983, No. 1, pp. 8ff.

[22]  أف 18:2.

[23]  Hilary, De Trin., 2.6; cf. 2.10, and especially 5.20f.

[24]  Hilary, De Trin., 1.18 or 7.41.

[25]  Hilary, De Trin., 22.44.

العلاقة الداخلية بين الابن والآب

كتاب معرفة الله والنفس – أوسم وصفي وماهر صموئيل PDF

كتاب معرفة الله والنفس – أوسم وصفي وماهر صموئيل PDF

كتاب معرفة الله والنفس – أوسم وصفي وماهر صموئيل PDF

كتاب معرفة الله والنفس – أوسم وصفي وماهر صموئيل PDF

تحميل كتب دكتور أوسم وصفي PDF كاملة

تحميل الكتاب PDF

دور التقوى في حفظ الإيمان

دور التقوى في حفظ الإيمان

دور التقوى في حفظ الإيمان

دور التقوى في حفظ الإيمان

وعبر تاريخ الكنيسة، قُدِّمت مرارًا وتكرارًا أفكار عن الله ناتجة عن تجاسر وعدم توقير، وقد رفضتها الكنيسة بصورة بديهية بسبب احترامها العميق لسر الله وجلاله، هذا الاحترام العميق الذي كان قد تأسس ونما داخل نسيج الإيمان بواسطة الصلاة والعبادة. وكان هذا هو بالضبط ما حدث بسبب الهرطقة الأريوسية في فترة حرجة من تاريخ الكنيسة، حيث شككت هذه الهرطقة في وحدانية الثالوث القدوس بإصرارها على أن الابن مخلوق، وبالتالي فصله عن جوهر الآب وإدخال نوع من التضارب في الألوهية.

وكان رد فعل الأساقفة بنيقية هو الفزع الشديد لتلك الإهانة التي إنما تنم عن “عدم التقوى” و”عدم الورع” (ασέβεια) الأريوسي، وهذا قد جعلهم يقدمون ضد تلك البدعة “مجادلات تتسم بالتقوى” (απόδειζις ευσεβείας)[1].

وقد أخبر ق. أثناسيوس أساقفة مصر بأنه عندما كان يدوِّن تعبيرات الأريوسيين المنحرفة والعديمة التقوى، كان يتعين عليه أن يطهر نفسه بالتفكير في عكس هذا الاتجاه تمامًا، وأن يتمسك “بذهن التقوى” (τὴν τη̃ς ευσεβείας διάνοιαν)[2].

وبالإشارة إلى حقيقة أن مجمع نيقية اضطر إلى استخدام التعبير غير الكتابي (أي الذي لم يرد في الكتاب المقدس) “هوموأووسيوس” (μοούσιος) لشرح ما كان يعنيه الكتاب المقدس في حديثه عن المسيح (بكونه كابن) “لـ الله” أو “من الله”، أوضح ق. أثناسيوس أنه لا يهم إذا استخدم المرء أو لم يستخدم تعبيرًا غير كتابي طالما أن له “ذهن تقوّي” (ευσεβη̃ τὴν διάνοιαν)، كما أوضح ق. أثناسيوس أيضاً حقيقة أن الآباء بنيقية كانوا بعيدين كل البعد عن التحدث عن المسيح بدون توقير، فهم تحدثوا عنه بوقار “وبذهن متسامٍ وتقوى تنم عن محبة للمسيح”  (υψηλὴ διάνοια καὶ φιλόχριστος ευσέβεια). [3]

وفي فترة لاحقة، عندما تجاسر بعض رجال الكنيسة من دعاة الأريوسية على القول بأن الروح القدس مخلوق، وتجرأوا على إخضاع العلاقات الداخلية للثالوث القدوس ـ حيث “يبسط الشاروبيم أجنحتهم للتغطية” ـ للفحص الوقح، قدَّم ق. أثناسيوس حججًا مضادة بنفس أسلوب نيقية (الورع)، وكان يفعل هذا بروح التقوى المتمركزة حول المسيح. فالتعليم الذي سبق أن سُلِّم يجب أن يُقبَل بخبر الإيمان، ويجب أن يُشرَح “بنمط فكري يتسم بالتقوى” (ευσέβει̃ λογισμω̃ μετ ̉ ευλαβείας)[4] وليس بمجادلات لغوية تفتقر للوقار.

وكان ق. أثناسيوس يصرُّ دائمًا على أن إطاعة الإيمان تؤدي إلى أسلوب شرعي في التفكير والتحدث عن الله، وذلك بفضل الاتزان الداخلي الذي يتولد نتيجة عبادة الله. ففي كل محاولة للفهم وإعطاء تعبير عن أسرار الإيمان، يكون المطلوب هو انضباط خشوعي وترتيب للعقل وصل إلى حالة الانسجام “بواسطة صلاة دائمة لله، ومعرفة تتسم بالتقوى، وتضرعات مقدمة ليس بشكل عرضي ولكن بتسليم كامل للقلب”.

هكذا يمكن أن يكون الدخول إلى الله، والذي فيه الإيمان والتقوى كل منهما يحكم الآخر في معرفتنا لله “لأن (كلمتي) الإيمان والتقوى مرتبطتان، وهما أختان: فمن يؤمن بالله لا ينفصل عن التقوى، ومَن يملك التقوى فهو حقًّا يؤمن”[5].

دور التقوى في حفظ الإيمان

وقد لعب نفس مبدأ (lex orandi – lex credendi) أي ’قانون التقوى ـ قانون الإيمان‘ دورًا هامًّا في فكر ق. هيلاري، وكما قد رأينا فإن ق. هيلاري كانت تزعجه بالأكثر الطريقة التي استغل بها الهراطقة ’المجال المفتوح‘ للإيمان لإقحام أفكارهم الخاصة الوقحة في معرفة الله، كما أقلقه أيضًا ـ في الرد على الهراطقة ـ الحاجة إلى فكر لاهوتي مستقيم (أرثوذكسي)، لصياغة اعترافات محددة ـ أبعد من تصريحات الكتاب المقدس ـ عن أمور هي في الأساس تفوق الوصف.

واعتقد ق. هيلاري أنه في هذه الظروف، ينبغي علينا أن نعتمد على ذلك النوع من الإدراك والفهم لله، المتضمَّن في الإيمان الذي يزداد بالعبادة، كما نعتمد على تلك العبادة التي يدخلنا فيها الله بنفسه؛ إذ إننا قد أُعطينا قدومًا إلى الآب من خلال الابن[6]. فإننا مهما حاولنا تطويع لغتنا لتعرب عن عظمة الله، فهي تبقى قاصرة بصورة لا حد لها في التعبير عن ’ماهية الله‘ في كيانه وطبيعته السرمدية. ولكن رغم هذا فإن لغتنا يمكن توجيهها والتحكم فيها من جانبنا بواسطة أعمال العبادة الرئيسية التي يطلبها الله منا، من خلال إعلانه عن ذاته في الإنجيل.

وهكذا فإن ق. هيلاري عمل بمفهوم للإيمان مؤسس على التقوى الإنجيلية، وبمفهوم للتقوى التي تتسع بالإيمان بحقيقة الله التي لا تستنفذ. وفي هذا يقول ق. هيلاري: “ينبغي علينا أن نصدِّقه وندركه ونعبده وأن نسمح لأعمال العبادة هذه أن تكون الطرق الأساسية التي نتحدث بها عن الله”[7].

وبهذا الأسلوب لم يكن ق. هيلاري يعني أن نرتد في ذعر أمام جلال الله الفائق الإدراك، ونتراجع تمامًا إلى التوقير القلبي الصامت (فقط)، ولكن بالأحرى كان يعني أننا يجب أن نفكر في الله، فقط بالطريقة التي بها ندرك أنه يفوق بصورة لا نهائية إمكانيات الفكر والكلام البشرى؛ إذ يجب أن نجعل عبادتنا لله من خلال الابن ـ والذي فيه ينكشف سر الآب غير المدرك ـ هي التي تحكم كل ما نعترف به في الإيمان أو ما نعبِّر عنه في صياغات لاهوتية[8].

لأن الفكر اللاهوتي، كما سعى فيه ق. هيلاري نفسه، لا بد أن يمتزج ويتشابك مع الصلاة بصفة دائمة، حتى إنه في كل محاولاتنا للتعبير عن إيماننا واعترافنا بإله واحد الآب، ورب واحد يسوع المسيح ـ حسب ما قد تعلمناه بالأنبياء والرسل ـ فإن الله سوف يهبنا ما نريده من معنى في اللغة، ونور في الفهم، ووقار في التعبير والعرض، وإخلاص وأمانة للحق[9].

دور التقوى في حفظ الإيمان

[1] Athanasius, De decr., 1-3; cf. Ep. Enc., 1 (ευ̉σέβεια α̉πό α̉σεβείας διώκεται)

وهنا تكلم ق. أثناسيوس عن التقوى التي تُضطهد بواسطة عدم التقوى

[2]  Athanasius, Ad episc. Aeg., 13; cf. 4, 9, 12.

[3] Athanasius, De syn., 39.

[4] Athanasius, Ad Ser., 1.17, 20; 4.4.

[5] Athanasius, Ep., 11.9-11.

[6] Hilary, De Trin., 5.18, 20.

[7] Hilary, De Trin., 2.6f, 11.

[8] Hilary, De Trin., 2.2, 5-8, 10-11.

[9] Hilary, De Trin., 1.38.

دور التقوى في حفظ الإيمان

في اسم الآب – فيليب يانسي

في اسم الآب – فيليب يانسي

في اسم الآب – فيليب يانسي

في اسم الآب – فيليب يانسي

“إن كل الناموس للوجود الإنساني يتلخص في الآتي: أن يتمكن الإنسان من أن يركع أمام الذي لا حدود لعظمته”.

فيدود ديستوفسكي

دمجت “دورثي سايرز” وظيفتين معاً لما لهما من صفات مشتركة معاً كثيرة. وبفضل الـ BBC  وPBS عرف معظم الناس مؤلفة القصص البوليسية المبنية على شخصية “لورد بيتر وينسي”. والبعض عرفها كلاهوتية تتبع مبادئ “ج. ك. تشسترتون”، و “س. إس. لويس”. وفي كلتا المحاولتين كانت تتطرق إلى الأمور الغامضة بذكاء وبراعة.

إقرأ أيضاً: معرفة الله أو أي شخص آخر – فيليب يانسي

في كتابها الذي يحمل بذور التطور في الفكر “عقلية الله” اتبعت سايرز أثر أكثر الأسرار غموضاً، وهو الثالوث الأقدس. فحديث الإيمان صعب عليه فهم هذا المبدأ، ولكننا لا نستطيع أن نعرف الله، أو نفهم جيداً طبيعة علاقته معنا، بدون فهم ضروري وأساسي للثالوث الأقدس.

تقول سايرز إننا نفهم الله بصورة أفضل إذا فكرنا فيه على أنه فنان مبدع. تخيل الله كمهندس أو صانع ساعات، أو قوة هائلة، وفي هذه الحالة سوف تضل الطريق. إن صورة الله تُشرق من خلالنا، وبصورة واضحة في عمل خليقته – متضمنة الثلاث مراحل وهي: الفكرة، والتعبير، والإدراك – وبتكرار وإعادة إنتاج هذا العمل يمكننا أن نبدأ في فهم الثالوث الأقدس بالتشبيه الجزئي.

إنني أطبق فكرة سايرز على صورة إبداعية أعرفها جيداً وهي الكتابة، فكل كاتب يبدأ بفكرة. خذ مثالاً هذا الكتاب، لقد قرأت كتباً كثيرة لعدة سنوات، وتحدثت مع كثير من الناس، وسجلت ملاحظات على قصاصات من الورق ترتبط بالفكرة التي ما زالت غير واضحة.

فلم يكن في ذهني عنوان الكتاب، لا الشكل الذي سيكون عليه، ولكن كانت لديّ فقط رغبة قوية لاكتشاف أسئلتي عن كيفية أننا نحن البشر يمكننا أن نتواصل مع إله غير منظور. وأحياناً يتساءل بعض الأصدقاء: “فيمَ تعمل يا فيليب؟”، وأحاول أن أوضح لهم، ولكن نظراتهم كانت تقول لي أن فكرتي الأصلية عسرة الفهم.

أخيراً، أتى وقت بدء الكتابة، واختيار أفضل تعبير عن فكرتي، فأنا لا أكتب بطريقة الأدب الروائي، على الرغم من إمكانية كتابة اللاهوت بهذا الأسلوب، وقد أثبت ذلك كل من: دانتي، وميلتون، كما يمكن التعبير عنه بصيغ أخرى مثل الشعر الملحمي. فقد كتب “جون ويسلي” خدماته وكتب الترانيم لأخيه بهذا الأسلوب. فكل فنان يختار أسلوبه ووسيلته: الشعر، الأوبرا، الرسم، الرواية، الكورال، السينما، التصوير، النحت، الأغنية، ليعبر عن فكرته التي يبدأ بها.

تتغير صورة تعبيري يومياً، فبالأمس نقلت جزءً كبيراً من النص، من فصل إلى فصل آخر، كما أبعدت تماماً العديد من الصفحات. وغالباً ما أحذف مئات الصفحات من المسودة الأولى من كل كتبي. وأثناء الكتابة، أدرك أن بعض الصفحات التي أخذت مني عدة أيام لكتابتها، تعطل فكرة الكتاب الأصلية، وتتسبب في وجود اتجاهات متعارضة. إن للفكرة حياة في ذاتها، وبمرور الوقت تعلمت أن أتبع ميولي التي تنشطني، وتوقظني، عندما يسيء تعبيري تقديم فكرتي.

وبالمثل؛ فأصدقائي الذين يكتبون الأدب الروائي يخبرونني ان القصة ذاتها تقودهم إلى طريق لم يخططوا لها، أو يفكروا فيها من قبل. بغض النظر عن وسيلة التعبير فكل مبدع بشري يسعى لأن يعبر عن الفكرة بطريقة كاملة، ولربما لن يتمكن من ذلك. فبعدما زار مايكل أنجلو كنيسة سيستين بعد اكتمالها، فأنا متأكد من أنه لاحظ كل خطأ ونقص فيها.

إن عملية الخلق والإبداع لا تنتهي مع أنه عندما أنتهي من العمل يتلقاه شخص آخر. وفي الحقيقة، فإن هذه الخطوة الأخيرة تتم في نفس اللحظة وأنت تقرأ هذه الجملة. ويبدع الفنان من أجل غرض واحد، هو أن يتواصل، وستظل عملية الإبداع بلا توقف إلى أن يتلقاها على الأقل شخص واحد. وتُسمى سايرز هذه الخطوة الأخيرة بالإدراك.

يتطلب العمل الفني الناجح استجابة من المتلقي. وفي الحقيقة؛ عندما يتضمن هذا العمل الفني فناً عظيم عندئذ شيء مماثل للمادة الكيميائية الرابطة يحدث في أجسادنا: في العضلات، والقلب، والتنفس.

قال الكاتب المسرحي “آرثر ميللر”: أنه لم يشعر بالاسترخاء إلا عندما يجلس بين المتفرجين، ويشاهد بعيون الناس. وعندما يرى شرارة الإدراك في عيون الناس، يعرف أن مسرحيته قد نجحت. إن الإدراك يكمّل دائرة الإبداع.

يرسم كتاب سايرز بكل رشاقة التماثل الجزئي بين كل ذلك، وبين الثالوث الأقدس. ومع أن الله واحد فإنه بإمكاننا تمييز عمل الثلاثة أقانيم. فالله الآب هو الفكرة وأساس كي حقيقة. أنا “أهيه الذي أهيه” هكذا عرّف نفسه لموسى، في كلمة عبرية يمكن ترجمتها بأكثر دقة: “سأكون في الصورة التي أريدها”. وكل شيء موجود ينبع من هذا الجوهر.

نحن نتعلم شيئاً ما عن الله من كل الخليقة، ولكن الله الابن يمثل التعبير الكامل لهذا الجوهر.

“هو بهاء مجده ورسم جوهره”، كما دون كاتب رسالة العبرانيين، وقال عنه بولس الرسول: “صورة الله غير المنظور”. وإذا أردنا أن نعرف من هو الله فلننظر ببساطة إلى يسوع.

والخطوة الأخيرة في الرؤية الإبداعية لله أثمرت واكتملت في يوم الخمسين، عندما سكن الله بالروح القدس داخل أشخاص بشريين. وشيء من جوهر الله وهو نفس الروح القدس الذي كان يرف على وجه المياه في عملية الخلق، إنه يعيش الآن في داخل أناس خطاة، مُعطياً إيانا إدراكاً للهوية الجديدة التي أصبحت لنا. وبه نستطيع أن نصرخ: “يا أبا الآب”، فـ “الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله”. لقد وصل عمل الله في الخليقة إلى القمة.

يقول إيلي ويسل: “إن الله خلق الإنسان لأنه يحب القصص. وجزء أساسي من هذه القصة يتطلب تدخل الله مع خليقته. وفي كلمات دورثي سايرز عن التواصل الجزئي للفنان، كتب الله مسرحية وأخرجها على كوكب الأرض، وأطلق الحرية للأشخاص أن يفعلوا ما يردون.

وكل فنان يعرف ماذا تشبه عملية الإبداع، والتي تلد فكرة يقذف بها إلى العالم ليفعل بها الآخرون ما يريدون. إن الخلق والإبداع يعني أن تُطلق ما أبدعته حراً، وفي حالة الله، فقد سمح لكل خلائقه البشرية لأن يفسدوا كل ما تبقى.

ورغم أن الله لم يُسر لأن تلك الشخصيات (البشر) أفسدت خطته، إلا أنه وضع خطة ليدخل في تاريخهم. كتب البشير يوحنا: “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله… والكلمة صار جسداً وحل بيننا”. هذه الحادثة وضعت تاريخاً للعالم قبل الميلاد وبعده. ففي ثلاث سنوات قصيرة من خدمة الرب يسوع عمل أكثر من كل الأنبياء الذين سبقوه، لكي ينقل ويوصل جوهر الله للبشرية.

ذات مرة سأله أحد التلاميذ، في لحظة شك “يا رب نريد أن نرى الآب، وكفانا”، أجاب يسوع: “من رآني فقد رأى الآب… إن ما أقوله ليس من عندي، بل من الآب الذي يحيا فيّ…”

فيما بعد؛ عندما كان يسوع يستعد للرحيل عن كوكبنا، أعطى تلاميذه تكليفاً ثلاثياً، مشجعاً إياهم لأن: “تلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس”. إن التجسد وانسكاب الروح القدس في يوم الخمسين، أعلن كلاهما سراً جديداً عن الله، وأحدث ثورة في طريقة تفكير الناس عن الله.

لقد أمضى أكثر الناس ذكاءً في الكنيسة الأولى خمسة قرون لكي يصلوا إلى صيغة لتُعبر عن فكرة الثالوث الأقدس. وفي العالم غير المنظور ليس هناك أن ارتباك في كيفية كون الثلاثة أقانيم هي إله واحد.

ومع ذلك؛ فنحن كبشر يمكننا أن نتعلم شيئاً عن الثلاثة أقانيم، وهو ما يمكن أن تتعلمه الخليقة المحدودة بزمن عن أي شيء: بالتتابع. نتعلم أولاً عن الله الآب من العهد القديم، ثم نتعلم عن الرب يسوع من الأنجيل، وعن الروح القدس من سفر الأعمال، ومن الرسائل.

كنت أناقش موضوع الثالوث مع بعض الأصدقاء في مجموعة صغيرة، محاولاً ربط اللاهوت النظري بالحياة العملية، فقالت إليسا هذه الفكرة: “لقد عرفت الله من خلال الثلاثة أقانيم في الثالوث الأقدس.

تعرفت أولاً على الله الآب في الكنسية حيث تعلمت أن الله مقدس ومهوب، ويستحق أن نعبده. وفيما بعد، وأنا في فترة المراهقة، تعرفت على الرب يسوع، وأردت أن أتبعه بقية حياتي. ثم تنبهت وأحسست بقوة الروح القدس يحيا فيّ”.

في أسلوب شخصي وبسيط فهمت إليسا تطور رؤية الله كما يفهمها البشر المحدودون. إن الله أعلن عن نفسه أولاً كمقدس، وكائن فوق كل الوجود لقبيلة أحبها كما يحب الوالدين أطفالهم، من خلال المراحل الأولى لتطورهم ونموهم. “رأس الحكمة مخافة الله” فهذه الآية يمكن أن تكون درساً ثابتاً من العهد القديم، فيما أدخل يسوع مرحلة جديدة من الصلة والتواصل: “لا أعود أدعوكم عبيداً بعد، بل أصدقاء.

لأن كل ما تعلمته من أبي علمتكم إياه”. وأثناء استعداده للصعود إلى السماء وعد تلاميذه بالروح القدس، الروح المعزي، الذي سيقيم علاقة قوية وحميمة جداً، حتى أننا نشترك في أعمال الله على الأرض: فالله يتمم عمله من خلالنا.

في مؤتمر التقيت ببعض الشخصيات الهامة: بيلي جراهام، رئيس الولايات المتحدة، رياضيين مشهورين، وكتاب ذوي سمعة قومية. كنت أتواصل معهم بطريقة تختلف تماماً عن تواصلي مع جيراني، وأفراد عائلتي. فلكي أتواصل بواحد منهم كان عليّ أن أجتاز على الكثيرين من أفراد السكرتارية، والوكلاء، ووقتي معهم محدود ومركز.

بينما في تواصلي مع جيراني فإن ذلك ابسط بكثير، وهو أمر عادي. فنادراً ما أحدد موعداً معهم، إذا ما رغبت في رؤيتهم وقد ألتقي بهم عند صندوق البريد، أو وهم يتمشون مع كلابهم في الطريق، ونتحدث معاً عن الطقس، أو الرياضة، أو عن خطة قضاء الإجازة، أو أي شيء آخر قد يكون مشتركاً بيننا.

وقد أطلب منهم المساعدة إذا تعطلت سيارتي على الجليد، أو إذا احتجت لأحدهم ليوقع بدلاً عني في استلام طرد البريدي أثناء غيابي. وقد نتعشى معاً في احدى عطلات نهاية الأسبوع.

أما مع عائلتي فالأمر يختلف تماماً، إذ أنني أتواصل معهم بانتظام وبطريقة حميمية. فإذا أخبرني الطبيب ببعض الأخبار المزعجة بعد فحصي طبياً، فهم أو من يعلم بذلك. ولا نتعامل داخل الأسرة بطريقة رسمية، فعلاقتنا القوية تسود علاقاتنا معاً.

معرفة الله الذي هو ثالوث يُشابه علاقتنا بالناس في أمور معينة. وتعتمد علاقتنا بالله على ما يريده هو منا أن نعرفه عنه، وهي مرسومة ومحددة بأدوار متغايرة. فإذا سألت شخصاً إسرائيلياً من العهد القديم “صف لي العلاقة الشخصية مع الله”، فسأحصل على إجابة تختلف تماماً عن نفس السؤال لو سألته لأحد تلاميذ المسيح أو بولس الرسول. لهذا السبب فإنني سأكتب في الجزء الباقي من هذا الفصل، وفي الفصلين التاليين عن كل أقنوم على حدة.

واختياري للكلمات قد لا تتسم بالاحترام والتقدير، ولكنني أقصد النظر إلى الثالوث الأقدس في ضوء “المزايا” و” العيوب” الي يفكر فيها كل شخص في عملية معرفته لله. فلا يوجد إنسان بإمكانه أن يفهم جوهر الله فهماً كاملاً.

فنحن نعرف الله غير المنظور فقط كما يكشف الله ذاته لنا بتعبيرات مختلفة. وحينما يتنازل الله غير المنظور بطريقة يمكننا أن نستوعبها في عالمنا المادي، فنحن نستفيد في طرق معينة، ونعاني في أخرى.

كما أشار الكاتب تيم ستافورد قائلاً: أنه بالرغم من أن اللاهوتيين يميلون للتأكيد على صفا لله: القداسة، القدرة…، فهذه الطريقة العادية التي نعرف بها الأشخاص. فنحن نُعرّف الناس بصفاتهم، ولكننا نعرف الناس من خلال أحاديثهم معنا: “أخبرني عن نفسك”، هكذا أبدأ حديثي عندما ألتقي شخصاً ما لأتعرف عليه، متوقعاً منه أن يخبرني: أين نشأ، وما نوع أسرته، وأين تعلم.

وبمرور الوقت تتعمق الصداقة، ونتشارك خبراتنا، فتزداد معرفتنا لبعضنا البعض – مثلما يحدث معي ومع تيم ستافورد، وهو صديق حميم لي، وزميل سابق في الجامعة، فبمجرد ذكر اسمه يذكرني: كيف كنا نجلس معاً في فناء ملعب التنس في الصباح الباكر، منتظرين شروق الشمس. أو كيف كان يخيفنا نعيق البومة ونحن في المعسكر معاً، نجري على شاطئ مهجور في أفريقيا.

فبالمثل، نحن نعرف الله الآب مبدئياً من خلال القصص التي ذُكرت في العهد القديم، فالله قادر على أن يتواصل مع كل الخليقة في آن واحد، ومسانداً وجودها، مثلما كان يحتفل العبرانيون في مزاميرهم بالشكر.

ومع ذلك، فقد اختار الله أن يتواصل عن قرب مع عشيرة من الناس، هم سلالة إبراهيم، واسحق ويعقوب، وازداد قربه منهم، وتحرك بينهم أولاً في خيمة الاجتماع في البرية، ثم في هيكل بناه سليمان.

لقد شارك الله إقامته مع العبرانيين في خيمة، لا لأنه يحتاج إلى مكان ليعيش فيه. بل لأنهم محتاجون لوجوده الفعلي حتى يتعرفوا عليه أكثر. ومن الأمور الهامة أن الله أقام “عهداً” مع إسرائيل، إنه بمثابة عقد به شروط على كلا الطرفين. وكما قال العالم “باري ميللر”: عندما يكون لك عهد مع الله فأنت لم تعد بعيداً عنه، بل أصبح لك إلهاً بإمكانك أن تعتمد عليه، وتعرف ماذا تتوقع منه.

بالإضافة إلى ذلك، فقد ظهر الله بطريقة نادرة ودرامية للأفراد. فتحدث الله إلى قايين، وإبراهيم، وصموئيل، وأعطى نوح تعليمات مفصلة لبناء الفلك. وموسى رأي العليقة المشتعلة، وسمع صوت الله، وفيما بعد كان يُحادث الله “وجهاً لوجه”. كما صارع يعقوب مع زائر الليل فحصل على اسم جديد، بعد هذه الزيارة بدأ يعرج، وكان مندهشاً لأنه: “رأى الله وجهاً لوجه، ولم يمت”.

في كل هذه القصص يتصل الله بالعالم المادي في كل الجوانب مصمماً – بشكل خاص – بالتركيز على نقطة واحدة، أن يختار جسداً، أو شجيرة، أو حلماً كوسيلة لإعلان حضوره بين البشر. يمكن للبشر أن يروا الله بحواسهم، وبعيونهم، وآذانهم. واستمر ظهوره في السحابة، وعمود النار في البرية، لفترة من الوقت.

وفي رقة بالغة، كتب الشاعر جورج هيربرت عن تلك الفترة:

ما أعذب تلك الأيام، عندما أقمت مع لوط،

وناضلت مع يعقوب، وجلست مع جدعون،

وتشاورت مع إبراهيم….

ومن لا يتوق إلى مثل هكذا علاقة، أكيدة، ومحسوسة مع الله، والتي تمتع بها إبراهيم، وموسى؟ وكتابي المُسمى “خيبة أمل مع الله”، تحدثت فيه عن ثلاثة أسئلة يسألها كثير من المؤمنين: هل الله محتجب؟  هل الله صامت؟ هل الله ظالم؟ وقد صُدمت بشدة وأنا أكتب هذا الكتاب، بأن تلك الأسئلة لم تُسبب أية مشكلة للعبرانيين، وهم في برية سيناء.

لقد رأوا دلائل واضحة لوجود الله كل يوم، وسمعوه يتكلم، واتفقوا على شروط عقد عادل، وقعه الله بيده.

ظهرت من هذه العلاقة هدية اليهود العظيمة للعالم: التوحيد، الإيمان بإله واحد، الله القدوس. وانتبذ الأنبياء الأصنام المصنوعة من الخشب والحجارة، ومنها عبدوا الله الحي الحقيقي، صانع الخشب والحجر.

إن الأمريكيين المحدثين، الذين يميلون لمعاملة الله كرفيق كوني طيب، بإمكانهم أن يأخذوا دورة دراسية تجديدية عن عظمة الله في العهد القديم. قال الراعي والكاتب “جوش ماكدويل”: إن محبته لله قد تحولت بعيداً من النموذج العاطفي الذي لن يُشبع، إلى شيء قريب من نموذج الآب والابن. لقد تعلم أن يحترم ويطيع، ويشكر الله، ويعبر عن أسفه من أجل عيوبه وأخطائه، وأن يسعى إلى هدوء وسكينة يتمكن فيها من سماع همسات الله.

وبمعنى آخر، إنه يسعى لعلاقة مع الله تتناسب مع الفرق العميق بين الطرفين. ويضيف “جوردن” هذا التحذير: “إن أكبر الخطايا المكلفة التي ارتكبتها جاءت في وقت أوقفت فيه احترامي وتقديري لله: ففي مثل هذا اللحظة استنتجت بهدوء أن الله لا يهتم، ولا يتدخل، لو أنني غامرت وعصيت إحدى وصاياه”.

لقد شعرت أنني بحاجة للعودة إلى ثقافات أخرى لأوجد نوعاً من التوازن مع الأسلوب الأمريكي الإنجيلي للاقتراب إلى الله. فمثلاً؛ كتب لي صديق ياباني أنه فهم الروح الصحيحة للصلاة بطريقة أفضل عندما أصغى إلى مؤمنين يابانيين أكثر منه عند سماعه تعليم المرسلين الأمريكيين. وقال: “نحن نعرف كيف نأتي إلى الله كعبيد متواضعين. وأنت لست مضطراً أن تخبر اليابانيين عن الكهنوت والأساقفة.

فعندما يعرفون ويتعلمون أن الله هو الرب فهم يعرفون فوراً مضمون ذلك. إنهم يعلمون من هو الرئيس، ولا يشككون في ذلك. وعندما يصلّون يستخدمون لغة تربط بين أفضل أشكالها وأكثرها سمواً، مع أكثر عبارات الحب والتكريس حميمية. وعندما يطلبون شيئاً فهم يطلبونه بتواضع حقيقي، عالمين أنه لا يحق لهم في ذلك إلا أن الله يعطيهم الحق في الطلب، ويعد بالاستجابة”.

يؤكد العهد القديم على هذا الشيء العجيب، والمدهش، وهو أن الله العظيم، القدوس، يرغب في التواصل مع خليقته الخاطئة. الله يريد أن يتواصل مع الناس، وهذا يوضح لنا لماذا استمر في محاولاته مع الإسرائيليين المتمردين. إله عظيم القدرة يخلص شعبه من أقوى الإمبراطوريات على الأرض، ويشتاق لأن يتنازل ليسكن بينهم في خيمة. وفي كل مرة، بغض النظر عن مدى بعدهم عنه، برهن الله على أنه عمانوئيل “الله معنا”.

لقد صنع ملابس لآدم وحواء بعد سقوطهم، وأعطى إبراهيم، وموسى، فرصة تلو الأخرى محتملاً عدم أمانة شعب إسرائيل له، ومع ذلك؛ رجع إليهم وقدم لهم مزيداً من الحب.

في الحقيقة؛ لقد كانت محبة الله، وليس قوته، هي التي أسرت العبرانيين، وأثرت فيهم. وانتهز إسرائيل الفرصة عندما أدركوا أن الله يهتم بهم، وبمعاناتهم في مصر: “عندما سمعوا أن الرب مهتم بهم، ورأى مذلتهم، وسجدوا له وعبدوه”. كم كان الله في نظرهم مختلفاً كثيراً عن آلهة المصريين القاسية.

يوضح لنا العهد القديم “امتيازاً” واضحاً: أن هذا الإله العظيم لها طاقة غير محدودة للتواصل مع البشر كأفراد فهو ليس مثل المشاهير من الناس الذين لهم هيئة سكرتارية ويحددون موعداً للزيارة. “الله يحب كل واحد منا كما أنه يوجد شخص واحد فقط لكي يحبه”، هذا ما قاله القديس أوغسطينوس.

يتعامل الله الآب مع كل خلائقه باهتمام بالغ، مثلما وضّح ذلك يسوع في تعليقه عن أن كل شعورنا محصاة لديه. وقد أشرت سابقاً إلى صديقي ستانلي الذي قال: “لا يمكنني أن أصدق أنه في عالم يصل تعداد سكانه ستة بلايين نسمة، وأن الله يعرف اسمي”.

وباختصار، لأن الله غير محدود فبإمكانه أن يهتم بالستة بلايين نسمة، كل واحد على حدة وبشكل خاص، وبدون أن يشعر بأي نوع من النقصان، أو الاستنزاف. وهذا ما يعني أن يكون إلهاً. إن العهد القديم يكشف لنا عن أب له شهية غير محدودة للمحبة.

ما هي تلك “العيوب” التي يقدمها العهد القديم من جراء معرفة الله؟ ربما تكون أفضل طريقة للإجابة على هذا السؤال الوقح هو اقتباس ما قاله يهودي معاصر، والذين من أجلهم يقدم العهد القديم رؤيا الله الكاملة مكتوبة، يقول جيرشوم شوليم: إن اليهودية ما زالت تخاطب نفسها على أساس “الهوة الواسعة” بني الله والإنسان. ويعترف أن اليهودي الحديث “يتخيل البعد الكبير والرئيسي” بينه وبين الله.

وقد فات على شوليم أن رسالة الله هي في أنه يرغب في أن يقيم علاقة وصلة بينه وبين الإنسان.

إن المحبة تتناقص كلما ازدادت القوة، والعكس صحيح. ونفس القوة الي استحوذت على الإسرائيليين مرات عديدة صعب الأمر عليهم لكي يعرفوا محبة الله. ويقف الآباء شامخين ليغرسوا الاحترام في أطفالهم، وينحنون كثيراً ليحتضنوهم ويظهرون لهم كل حب.

وفي العهد القديم يقف الله شامخاً وعظيماً. وإذا أردت أن تعرف أي نوع من “العلاقة الشخصية مع الله” كان يستمتع بها الإسرائيليين وهم يصغون لهذه الكلمات: “إننا سنموت! وأي شخص يقترب من تابوت العهد سوف يموت”… “لا نريد أن نسمع الرب إلهنا، ولا أن نرى هذه النيران العظيمة مرة أخرى، وإلا سنموت”.

“إن سماع صوت الله للآذان الفانية هو أمر مميت”، هكذا كتب الشاعب ميلتون. والذين دونوا العهد الجديد، لأنهم تدربوا في المدارس العبرية، وتربوا في بيوت يهودية مخلصة، وأظهروا القليل من الشعور بالحنين إلى مرحلة العهد القديم. لقد احترموها كفترة إعداد لمجيء المسيح.

وطبقاً لما قاله بولس الرسول، وهو في الأصل يهودي تعرّف على الكثير من فوائد العهد القديم (اقرأ رومية 9-11) يقول إن هذا الترتيب فشل في تحقيق أهم أهدافه: إنه لم يعد أو يوجد نمواً روحياً.

كلما ازداد الضوء قوة، كلما اشتد ظلام الظلال من حوله. إن ظل الله لاح وبدى بقوة حتى أنه أعاق ومنع النمو. وكمثل الأطفال الذين يعتمدون على والديهم، اشتكى الإسرائيليون وثاروا كثيراً حتى أن الرحلة السهلة التي كانت لا تستغرق أكثر من أسبوعين، استمرت أربعين سنة.

وعندما أدخلهم الله أبوهم إلى أرض الموعد، وتراجع عنهم قليلاً، وعن هذه الشركة القريبة معهم – توقف نزول المن بعد عبورهم نهر الأردن – خطوا خطوات عرجاء وسقطوا على وجوههم. وسيلي ذلك أمور معجزية.

وقد استنتجت أن معظم المسيحيين اليوم يتجنبون قراءة العهد القديم لسبب بسيط وهو أنهم وجدوا الله موصوفاً على أنه مخيف وبعيد. وتقول دوريس ليسنج في عبارتها الساخرة: “إن يهوه لا يفكر أن يتصرف كمن يعمل في الحقل الاجتماعي”. وبدلاً من ذلك فهو يتصرف كإله قدوس، محاولاً بكل اجتهاد أن يتواصل مع أناس مشاكسين ومتخاصمين. وتعودت في قراءتي للعهد القديم أن أبحث عن طرق تجعل الله مقبولاً وأقل عنفاً.

والآن أركز على أن أجعل نفسي مقبولاً لدى الله، وكان هذا هو الهدف من العهد القديم. إن الله كان يسعى لإقامة علاقة وثيقة مع شعبه حتى وإن كان بشروطه هو.

استمع إلى رأي الله في أزمنة العهد القديم: “ولكن شعبي لا يسمع إليّ، وإسرائيل لا يخضع لي. لهذا اسلمتهم إلى قلوب عنيدة ليفعلوا ما يريدون”.

كان الله يشكو لإرمياء كما لو أنه صُدم مما يفعله الشعب وقال: “ابحثوا وتحققوا بين الأمم. من سمع كلاماً مثل هذا؟ إن إسرائيل العذراء ارتكبت أمراً مريعاً… شعبي قد نسيني. إنهم قد تركوني”.

وبعدما استشهد ابراهام هيسشيل بعشرات العبارات مثل هذه قال: “إن نغمة الحزن تظهر بوضوح في كلمات الله…” ويواصل القول: “إن محنة إسرائيل تسبب حزناً وأسى لله…. تشردهم في الأرض، وفي العالم… إن هجران إسرائيل وتشردهم ليس مجرد إساءة لإنسان بل إهانة لله. وهذا هو صوت الله الذي شعر بأنه نأى بنفسه عنهم، وتألم وجرحت مشاعره”.

توضح اختبارات بني إسرائيل أن الله يمكن أن يبتعد بعيداً، أو يحتجب كنتيجة لما يفعله شعبه. ويسمح الله، في بعض الأحيان، أن نقرر مدى قوة حضوره.

يضم مشهد من العهد القديم كلا من الجانبين للعلاقة مع الله الآب. ويظهر هذا المشهد في (1ملوك 18) في وقت ساءت فيه حالة بني إسرائيل إلى أسوء درجة. حيث قام الملك آخاب وزوجته إيزابيل بذبح أنبياء الله وحلوا محلهم أنبياء البعل. وفي موجهة قوية تحدى إيليا 850 من أنبياء البعل. وبينما كان إيليا يسخر منهم جرحوا أنفسهم بالسيوف حتى سالت دماؤهم وهم يصيحون لآلهتهم طوال اليوم، ولكن بلا جدوى أو جواب.

وأخيراً؛ وعند غياب الشمس، بنى إيليا المذبح، وملأه ثلاث مرات بالماء – حدث هذا كله بعد ثلاث سنوات من الجفاف – ودعا إيليا الله لكي يعلن ذاته: “فنزلت نار الرب وأكلت المحرقة، والحجارة، والتراب، ولحست المياه التي في القناة. فلما رأى جميع الشعب ذلك سقطوا على وجوههم وقالوا: “الرب هو الله… الرب هو الله”.

فإذا كانت القصة قد انتهت هناك، فإننا نستعيد ذلك بحنين شديد لأزمنة العهد القديم. ولكن هذا لم يحدث. ولم تحدث نهضة بين العبرانيين، والملك آخاب، الذي كان يراقب كل شيء وهو في الصفوف الأمامية الأولى على جبل الكرمل، ترك أسوء تراث للشر، لأنه كان من أكثر ملوك بني إسرائيل خداعاً.

وأعاد آخاب وزوجته بسرعة سيطرته على الحكم والدين. وإيليا نفسه الذي استجابه الله بنار، وذبح 850 من أنبياء البعل في يوم واحد، هرب لحياته خوفاً من إيزابل. وقال في ألم: “كفى يا رب خذ نفسي”.

لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الْعَلِيُّ الْمُرْتَفِعُ، سَاكِنُ الأَبَدِ، الْقُدُّوسُ اسْمُهُ: «فِي الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ الْمُقَدَّسِ أَسْكُنُ، وَمَعَ الْمُنْسَحِقِ وَالْمُتَوَاضِعِ الرُّوحِ، لأُحْيِيَ رُوحَ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَلأُحْيِيَ قَلْبَ الْمُنْسَحِقِينَ.

إشعياء 57: 15

في تصرف اتسم بالرقة والحنان، زار الرب إيليا وهو في قمة يأسه. وما حدث بعد ذلك يتحدث عن نوعية الأسلوب المؤثر عندما يقرر الله، كلي القدرة، أن يتواصل مع الإنسان الضعيف:

“…ريح عظيمة وشديدة قد شققت الجبال وكسّرت الصخور أمام الرب، ولم يكن الرب في الريح. وبعد الريح زلزلة، ولم يكن الرب في الزلزلة. وبعد الزلزلة نار ولم يكن الرب في النار. وبعد النار صوت خفيض خفيف. وسمع إيليا الصوت المنخفض الخفيف. وظهر الله لنبيه إيليا كما لو كان ساكناً”.

في اسم الآب – فيليب يانسي

لمحة شخصية عن الله – فيليب يانسي

لمحة شخصية عن الله – فيليب يانسي

لمحة شخصية عن الله – فيليب يانسي

لمحة شخصية عن الله – فيليب يانسي

“الله يمنحنا القدر الكافي للبحث عنه ولكن ليس كافياً لكي نجده بصورة كاملة. ولكي نفعل أكثر بحثاً عنه فهذا سوف يضر بحريتنا التي هي عزيزة للغاية عليه”.

رون هانس

إن “السمات الشخصية” لله تجعل بكل تأكيد أية علاقة معه نوعاً من التحدي الرهيب. وتميل كتب اللاهوت إلى استخدام كلمات جامدة – كلي الوجود، لا يتألم، رابط الجأش – لكي تصف شخصية الله، ولكن الكتاب المقدس يخبرنا أن الله ليس بجامد أو غير متفاعل. لقد دخل الله التاريخ يناصر المظلوم ويجادل مع البشر (وقد يسمح لهم بالغلبة أحياناً)، وقد يظهر قوته ويستخدمها أو قد يكبحها.

إن الحياة مع الله في الكتاب المقدس تبدو كقصة غامضة أو رومانسية، أكثر منها قصة لاهوتية. وما أجده في صفحاته يختلف كثيراً عما أتوقعه، وما يتوقعه معظم الناس في محاولة معرفتهم لله. والمظاهر الآتية عن شخصية الله قد تُدهش أو تحير من يبحث عن علاقة مع الله.

الله خجول: لست أقصد بهذا أنه جبان ورعديد. إن الله بإمكانه أن يتحدث بصوت يشبه الرعد، وعندما يُظهر ذاته، يسقط البشر على وجوههم مرتعبين. بل أنني أقصد أن الله ينأى بنفسه عن التهديد بالقوة. وعندما يفكر في الأمور الكثيرة التي تغضبه على هذا الكوكب فإن الله يمارس قدراً كبيراً (لا يصدق) من ضبط النفس.

إقرأ أيضاً: معرفة الله أو أي شخص آخر – فيليب يانسي

ويقدم لنا الكتاب المقدس هدف الخليقة على أنه كيوم السبت يوم الراحة عندما يمكن لله وكل خليقته أن يستمتعوا بالسلام والتآلف. ولكن التاريخ يواصل إزعاج هذه الراحة بمعوقات ومشاحنات مزعجة. وفي العهد القديم، على وجه الخصوص، يتغلب الله على خجله عندما يبلغ الشر أو المعاناة إلى درجة الأزمة. وأحياناً يتدخل الله بظهور شخص مباشر، وأحياناً أخرى من خلال الظواهر الطبيعية وفي معظم الأحيان بتكليف شخص لكي يوصل كلمته نيابة عنه.

وبالمقارنة مع الكتابات المقدسة للديانات الأخرى فإن الكتاب المقدس يقدم مناظر قليلة عن الارتباط بين العوالم المرئية وغير المرئية. وسوف نركز على المعجزات الظهورات المثيرة والدرامية مثلما ظهر لموسى في العليقة المشتعلة وللأنبياء في الأحلام والرؤى. ومع ذلك فهذه الأحداث موجودة في فترات ليس لدينا عنها أية سجلات عن العالم غير المنظور وظهوراته. وعادة ما يظهر تدخل الله بعد تضرعات وصلوات كثيرة. إن الله ليس عنيفاً بل حذراً ومتحفظاً عندما يعمل.

لماذا هذه الصفة؟ ليس بإمكاني التحدث نيابة عن الله ولكن الإجابة يجب أن تعكس “مشكلة” كائن غير منظور يتصل بإناس في عالم مادي. وإذا كان عالم غير منظور موجود مشابه لما نحن فيه، كما يقول الكتاب، فإننا بحاجة إلى جهاز حساس لكي نكتشفه. إنني لم أشاهد على الإطلاق مؤمناً له قوة إيليا لكي يرى العربات النارية. حتى بعد أن نُنمي ونطور مراسلاتنا مع العالم غير المنظور، فنحن نفعل ذلك بالإيمان الذي عرفته رسالة العبرانيين بأنه “الإيقان بأمور لا تُرى”.

ولكن الله يواجه موقفاً معاكساً. فالله ليس مثلنا، فله نظرة شاملة تنظر إلى العالم الذي نراه نحن والعوالم الأخرى المخفية عنا. وبالإضافة إلى هذا، فالله يرى كل تاريخنا في لحظة. ولأنه غير محدود بجسد، فالله موجود في كل مكان في آن واحد.

نفس الحاجز الذي يمنعنا عن الله هو نفسه الذي يمنع الله عنا ولكن بطريقة مختلفة تماماً. ففي كل مرة يختار الله أن يعلن عن ذاته لعالمنا، يجب أن يقبل حدوداً. إنه يتنازل ليكون معنا ويتواضع ويوافق على وجهة نظرنا.

رأي موسى العليقة المشتعلة الي أذهلته وغيرت طريق حياته كما غيرت التاريخ. ومن النار المشتعلة سمع صوت الله يتحدث. ومع ذلك فإن الله ذاته اختبر نفس هذه العليقة المشتعلة كسكن له ليحدد مكانه فيها. وظهرت العليقة أمام موسى في برية سيناء ولكن ليس في الصين أو في أمريكا اللاتينية. ولهذا بدأ ما يسميه النقاد “فضيحة الخصوصية” لماذا يختار الله إسرائيل بالذات دونا عن كل القبائل الأخرى؟

لماذا يأخذ الله صورة الجسد ويتجسد في المسيح في موضع خلفي منعزل في فلسطين؟ إن اختيار الله محدود إذا أراد أن يتواصل بطريقة تُمكن الإنسان من أن يفهمه. ولكي يرتبط بعالمنا، كان على الله أن يُخضع نفسه لقوانين ذلك العصر. فأية اتصالات بين العالم غير المنظور والمنظور، بين الله والبشر، يعمل في اتجاهين، كلاهما يتأثر بالآخر.

تشابه جزئي: بإمكاننا ان نتخيل أن الإنسان يوماً ما سيعرف لغة الحيتان، حتى يمكننا التواصل معها من خلال الأصوات القصيرة الحادة التي يمكن للحوت أن يفهمها. وإذا تمكنا من أن نفعل ذلك، فسوف نضع أنفسنا في درجة أقل، ونُحد ذواتنا بطريقة مفهومة لدى الحيتان. إنهم لن يفهموا المعنى الكامل للإنسان، فبإمكاننا فقط أن نتحدث معها عن السمك والمحيطات وليس عن الكمبيوتر وناطحات السحاب والفرق المشهورة لكرة السلة. وهذا التشابه الجزئي يعطينا صورة مصغرة عن كيفية أن الله كلي القدرة وكلي المعرفة يتواصل مع البشر.

باختصار؛ إن الله هو الذي يجب أن يُحدد مدى التواصل، حتى يمكننا أن نعرف الله كما يختار هو كيفية الإعلان عن ذاته. إن الشركة غير المتكافئة بين الله غير المنظور، والإنسان المخلوق المادي، تتضمن ان الكثير سيظل غامضاً وغير معروف، والله يعرفنا جميعاً ولكننا لن نستطيع أن نعرف كل شيء عن الله. كما قال الله لأرميا: “هل أنا فقط إله قريب، ولست إلهاً بعيداً؟”.

لا يحوي الكتاب المقدس أية إشارات واضحة، أو سبب واحد يمنع الله من أن يتدخل مرات عديدة بطريقة مباشرة: إن الله يمتنع عن ذلك رحمة منه بنا ولمنفعتنا. بطرس الرسول يجيب على الذين يسخرون ويشكون في أن الله يتحكم في التاريخ بالقوة: “إن يوماً واحداً عند الرب كألف سنة. وألف سنة كيوم واحد. لا يتباطأ الرب عن وعده كما يحسب قوم التباطؤ، لكنه يتأنى علينا، وهو لا يشاء أن يهلك أناس بل أن يقبل الجميع إلى التوبة”.

عندما أنظر إلى تدخلات الرب المذهلة في العهد القديم – فلك نوح، برج بابل، الضربات العشر على مصر، السبي الأشوري والبابلي – أشعر بالامتنان لصفة الخجل السماوي. يقول “جون أوبديك”: “لا يمكنني أن أوقف إحساس أن الله يتمتع بصفة السكينة والهدوء”…. “لو أظهر الله قوته سيكون عنيفاً وجباراً، وماحقاً، بدلاً من كونه مشجعاً لنا بلا حدود، نحن الكائنات المضطربة والخائفة”.

الله يحتجب: يقول الفيلسوف اليهودي “مارتن بوللر”: “يُعرّفنا الكتاب المقدس أن الله يحجب وجهه في المرات التي يبدو فيها ان الصلة بين السماء والأرض مقطوعة. ويبدو أن الله أخلى نفسه تماماً عن الأرض ولم يعد موجوداً بها، وعندئذ يمتلئ فراغ التاريخ بالضوضاء؟ كما أنه فرغ من نسمة الله”. هل نعيش في مثل هذا الوقت الآن، وأتساءل أحياناً: هل يمتلئ العالم بالضوضاء، ولكنه خال من وجود الله؟ ولماذا يتوهج حضور الله في لحظة ويختفي في أخرى؟

قال إشعياء النبي: “أنت حقاً إله الذي يحجب نفسه”. ويقول بلدن س. لان، في تعليقه على هذه الآية: إنه اعتاد أن يقلق من طريقة لعب أطفاله “الاستغماية/ الغميضة”. يقول ابنه “مستعد” عندما يجد مكاناً جيداً للاختباء. ويواصل “لان” الأب مراجعة الهدف من هذه اللعبة. “من المفروض عليك أن تختبئ، ولا يعرف مكانك أحد”، حتى أنه في يوم ما تبادر إلى ذهنه أنه نسي هدف هذه اللعبة. فكل المتعة تأتي عندما يجدك الأطفال أخيراً. ومن منا يرغب في أن يُترك وحده، ولا يكتشفه أحد؟

يقول ميستر إيكهارت: “إن الله يشبه شخصاً يرفع صوته حين يحتجب، كما لو انه يريد أن يُعرف الآخرين مكان اختبائه”. وربما يشعر الله بالسرور عندما يجده الآخرون.

استخدمت ابنة “لان” اسلوباً آخر في لعبة “الاستغماية”. فهي تتظاهر بأنها تجري وتختبئ، ثم تتسلل وتختبئ بجوار والدها بينما هو ما زال منتظراً اختبائها وعيناه مغلقتان. مع أنه يسمع صوت لهاثها وهي واقفة على بُعد بوصات منه، فلن يُظهر إطلاقاً أنه يعرف مكانها. وبدلاً من ذلك يتظاهر بالفرح وهو يفتح عينيه قائلاً لها: “هل أنت جاهزة لأبحث عنك، إنني سأبدأ البحث”، وهنا يرى ابنته تسرع إليه وتلمسه قبل أن يبحث عنها. وعن ذلك يقول “لان”:

“بالطبع كانت ابنتي تخدعني، ولا أعرف لماذا، ودائماً ما كنت أتركها تفعل ذلك. هل لأنني أشتاق كثيرً لتلك اللحظات التي نقترب فيها من بعضنا البعض، متظاهرين بأننا لا نسمع بعضنا البعض، في لعبة تنتهي في لحظات بين أب وابنته، وتعطينا الحرية أن نتلامس معاً، ونبحث عن بعضنا البعض، ونحاول أن يجد كل منا الآخر. إنه عمل النعمة البسيط والجدير بالاهتمام، عندما لم أكن أُعرفها بأنني أعرف مكانها.

ومع ذلك فإنني أشك أنني بهذا العمل أكون قد عكست صورة الله لطفلتي أفضل من أي طريقة أخرى. يبدو أنه حتى هذا اليوم، الله بالنسبة لي هو ابنتي ذات السبع سنوات، تتسلل نحوي عبر الحشاش وهي تكتم أنفاسها لكي تدهشني بحضورها القريب مني أكثر مما كنت أتوقع. لقد أعلن إشعياء مرة: “أنت حقاً الله الذي يحجب نفسه”. إنها لعبة هزلية وسر غامض يندمجان معاً في هذا الحق العظيم والمُعقّد”.

هل يجد الله صعوبة في البحث عنا واكتشافنا؟ ومرة أخرى، لا يمكنني التحدث نيابة عن الله. فأحياناً يصور الكتاب المقدس الله بأنه هو الذي يبدأ بحثه عنا، وتعقبنا، ومع ذلك؛ فعندما نعتقد أننا صرنا مع الله، نشعر فجأة بما شعر به إشعياء الذي يبحث عن شخص يظهر ثم يختفي. الآن أنت ترى الله، والآن أنت لا تراه.

نعلم أن الله في علاقاته مع البشر يضع مكافأة للإيمان، الذي يمكن فقط ممارسته في ظروف قد تسمح بتسرب الشك إلينا، مثل احتجاب الرب عنا في مثل هذه الظروف. لقد أجاب يسوع أولئك الذين تساءلوا عن احتجاب الله وتكتمه بهذه الكلمات: “ألا يُنصف الله مختاريه الصارخين إليه نهاراً وليلاً؟ أقول لكم أنه ينصفهم سريعاً” ثم يضيف هذا التحذير الكئيب: “ألعل ابن الإنسان عندما يأتي يجد الإيمان على الأرض”. فيما بعد كتب يوحنا الرسول: “وهذه الغلبة التي نغلب بها العالم، إيماننا”.

فإذا كان الله يريد فقط أن يُعرف كل الناس على الأرض بوجوده، إلا أنه إله محتجب. ومع ذلك؛ فحضور الله المباشر سوف يهيمن على حريتنا ويحل المنظور بدلاً من الإيمان. وبدلاً من ذلك فإن الله يريد نوعاً مختلفاً من المعرفة، معرفة شخصية تتطلب التزاماً من الشخص الذي يبحث عنه ليعرفه.

إن فهمي لفكرة احتجاب الله ترتد للوراء لا إلى لعبة الأطفال “الاستغماية”، بل إلى أول زيادة قمت بها لمتحف التاريخ الطبيعي. هناك حدّقت باندهاش إلى الدب الرمادي الضخم، وإلى الأفيال الضخمة التي انقرضت، والهياكل الصفراء للحيتان والديناصورات المُعلقة بالسقف. إنه معرض يتميز بالجاذبية، وخداع العرض.

عندما مررت بالحيوانات رأيت مناظر نباتات الصيف والشتاء جنباً إلى جنب، وعندما حدقت النظر فيها رأيت الحيوانات المختبأة في حجرة مظلمة، ونظرت إليها من خلال ثقب في جدار الحجرة ورأيت حيواناً يُدعى ابن مقرض يطارد الأرانب الوحشية في منظر الشتاء، ثم رأيت ما يُسمى بالسرعوف، أو فرس النبي، والطيور، والفراشات في منظر الصيف. وكان هناك لافتة تعلمنا بعدد الحيوانات المختبأة، وأمضيت نصف اليوم في تأن محاولاً معرفة مكان كل حيوان في هذه اللوحات.

ذكرت في مكان آخر كيف أنني رجعت إلى الرب: فلا الكتاب المقدس، ولا الكتب المسيحية، ولا أية خدمة روحية، أعانتين في الرجوع إلى الرب. لقد رجعت للرب لأنني اكتشفت صلاح الله ونعمته في هذا العالم: من خلال الطبيعة، والموسيقا الكلاسيكية، والحب الرومانسي. وأنا أستمتع بكل هذه العطايا بدأت أبحث عن المُعطي نفسه، وأنا مملوء بالامتنان والشكر، كنت أشعر بحاجتي إلى من أشكره على كل هذا. ومثل الحيوانات التي كانت في المتحف الطبيعي، كان الله هناك طوال الوقت منتظراً من يلاحظه. ومع أنه ليس لديّ أي برهان، قادتني مفاتيح اللغز لممارسة الإيمان.

في إحدى السنوات تركت احتفال رأس السنة قبل منتصف الليل بفترة قصيرة لكي أتفادى زحام المرور عند عودتي. وكنا نقود السيارة لمدة ساعتين لحضور هذا الحفل في كولورادو، وكنا نرجو أن نُقصر المسافة لبضعة أميال قبل أن يأتي السكارى المترنحون معطلين المرور. لم أكن أعلم أن بعض متسلقي الجبال لديهم تقليد يمارسونه ليلة رأس السنة. إنهم يملأون حقائبهم التي على ظهورهم بالألعاب النارية ويسيرون على الجليد في الظلام حتى يصلوا إلى قمة تُدعى “بيك”.

وفجأة بينما كنت أقود سيارتي في منتصف الليل رأيت الصواريخ الحمراء والزرقاء والصفراء تنطلق من قمة الجبل. ولم أسمع صوتاً نظراً لارتفاع الجبل العالي. ولكن هذه الصواريخ شكلت أشكالاً من الزهور الضخمة سابحة في سكون السماء، مضيئة قمة جبل بيك. لقد كان منظراً رائعاً، وبديعاً. لقد كان هناك، ولكن لم تكن لنا العيون لكي نراه. قال يعقوب: “الرب موجود في هذا المكان بكل تأكيد، ولكنني لم أدرك ذلك”، ونحن إذا لم نشعر بوجود الله في العالم فنحن بذلك نكون قد نظرنا إلى أماكن خاطئة، أو نظرنا ولم نر النعمة أمام عيوننا.

الله لطيف ووديع: لا أعرف طريقة أفضل لتوصيل هذا الحق إلا من خلال التعارض. الإصحاح التاسع من إنجيل مرقص يُعطينا وصفاً حياً لامتلاك الروح الشرير على الغلام. ففي كلمات الأب المُعذب تصف للمسيح معاناة ابنه: “…. وحيثما أدركه يمزقه فيزبد ويصر بأسنانه وييبس. فقلت لتلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا…. وكثيراً ما ألقاه في النار وفي الماء ليهلكه. لكن إن كُنتَ تستطيع شيئاً فتحنن علينا وأعنا”. عندما أدرك الروح الشرير بوجود يسوع ففي الحال صرع الغلام بشدة. يمكنني بسهولة أن أصور المشهد لأنني رأيت إنساناً في مثل هذه الحالة، حيث تختل خلايا المخ، وتتيبس العضلات، وينقبض الفكين.

قارن هذا المشهد مع امتلاك الروح القدس على شخص ما، يقول بولس الرسول: “لا تحزنوا روح الله الساكن فيكم”، الله بنفسه يتواضع ويسكن فينا، في حين أن الروح الشرير يُلقي بالشخص في النار، والماء مشـوهاً صـورته، لكن الله العظيم يسـكن في نفـس الشخص قائلاً: “… لا تؤذني”. بإمكانك فقط أن تُحزن شخصاً ما له مشاعر، ويهتم اهتماماً عميقاً.

يعرف الآباء التوازن غير الثابت بين إرشاد أطفالهم، والتأثير عليهم. غير أن هدف الوالدين ليس تربية الأطفال ليكونوا نسخة أخرى منهما، بل تربية أبناء يكبرون ويقررون اختياراتهم. بعض الوالدين يحققون هذا الهدف أفضل من غيرهم. أما أبونا السماوي، فيبدو، أنه “يخطئ” فيما يختص بحرية الإنسان، فهو يعمل في داخلنا أكثر من عمله في خارجنا، وبذلك يؤثر على اختيارنا.

قد يُلقي هذا النموذج الضوء على صفات شخصية أخرى لله. لماذا يخجل الله؟ لماذا يحتجب؟ لماذا يوصف بالوداعة واللطف؟ إن الله يُدرك أننا نحن الذين نسير في الرحلة، وليس هو. وهي ليست مثل البحث عن كنز، وإذا سلكنا بحسب التعليمات ودققنا النظر بدرجة كافية فسوف نجد الكنز. كلا؛ فالرحلة ذاتها هي الهدف…. والبحث عن الله واصرارنا على ذلك يغيرنا لما هو أهم. والسكون والظلمة التي نواجهها، والتجارب والمعاناة، كلها تساهم في تحقيق هدف الله لتحويلنا إلى أشخاص بحسب قصده، لكي نشبه صورة ابنه.

لم ينجح الإكراه والإجبار في إعادة تشكيل الناس، لذلك فهناك قلة من الماركسيين النظريين، وقلة من النازيين النظريين، ما زالوا في العالم، وحتى المصلحون السياسيون، والاجتماعيون النظريون اضطروا لأن يوافقوا على أن التغيير الإنساني يبدأ من الداخل وليس من الخارج. وهذا ما يوضح ما كتبه “جون ف. تايلر”:

“إن كلمات الله المتكررة بلا توقف لكل خليقته هي: “اختر، لقد وضعت أمامك الحياة والموت، البركة واللعنة، فاختر الحياة لتحيا”. فكلما أعرف عن عمليات الخليقة أندهش من جديد للجرأة التي لا تُصدق لروح الخالق الذي يبدو أنه يُضحي بكل المكاسب السابقة في مبادرة جديدة ليُحرض مخلوقاته على مثل هذه المقامرة المجنونة”.

إقرأ أيضاً: لمحة شخصية عن الله – فيليب يانسي

حضور الله يتغير ويختلف: أثناء سكوت الله على تجربة أيوب لفترة طويلة قال: “ما أضعف الهمسات التي نسمعها منه”. وفي نهاية السفر نجده وقد صحح خطأه بقوله: “ما أعلى صوت زئيره الذي نسمعه منه”، على صفحات سفر واحد نجد أن نفس الشخص قد اختبر إحساساً غامراً بحضور الله، وبغيابه أيضاً.

لقد ذكرت مؤمنين مثل: “مارتن مارتي”، و”فردريك بوتشنر”، الذين لم يخطئا علامات حضور الله، وبإمكاني أن أسرد بسهولة نماذج معاكسة لذلك مثل: رؤيا أوغسطينوس… أو الزيارات والتجليات في كتاب وليم جيمس “الاختلافات في الخبرة الدينية“. كما أن الكتاب المقدس يكشف عن الكثير من نفس هذه النماذج: أو بالحري يعوّق نموذج حضور الله لكل من يجاهد من أجل ذلك، إنه يقدم الله الذي أحياناً يبتعد، وأخرى يقترب جداً. ففي أيام سليمان ظهر الله بصورة مذهلة في الهيكل، واختفى الله في أيام حزقيال، أما في أيام يونان فكان يتعقب النبي كما لو كان يطارده.

لقد اختبرت “جوليان” كل من حضور الله واحتجابه في تتابع سريع، وتخبرنا في رؤياها السابعة عن بعض المرات التي فيها “امتلأت من حضور الله الأكيد”، والذي استمر للحظات قليلة، ووجدت نفسها تشعر بالثقل والمعاناة من حياتها والشعور بالضيق من نفسها: “حتى أنني لم أرغب في الاستمرار في الحياة”. كان مزاجها الروحي يتأرجح بين الارتفاع والانخفاض، حوالي عشرين مرة، هكذا قالت جوليان.

وقد تعلمت مبدأ عند محاولة حسابي لحضور الله وغيابه، وهو أنه ليس بإمكاني أن أفعل ذلك. إن الله غير المنظور وذا السلطان، والذي يقول عنه المزمور: “إنه يفعل ما يسره”، هو الذي يضع شروط العلاقة معه. أصر اللاهوتي كارل بارت على القول بأن الله له مطلق الحرية: حر في أن يعلن ذاته أو يحجبها، أن يتدخل أو لا يتدخل، أن يعمل في نطاق الطبيعة أو خارجها، أن يحكم العالم أو يُرفض من العالم، أن يعلن عن ذاته أو يحد ذاته. وحريتنا الإنسانية مقتبسة من الله الذي يحترم الحرية.

لو كان الله يظهر ولكن بصورة أقل من تلك التي يراها القديسون والملائكة في السماء، فإن طبيعتنا الضعيفة سوف تهبط تحتها…. فمثل هذه الفقاعة (طبيعتنا الضعيفة) أضعف من أن تحمل مثل هذا الثقل العظيم (ظهور الله). لهذا فنحن لا نستغرب القول: “لا يراني إنسان ويعيش”

جوناثان إدوارد

لا يمكنني التحكم في مثل هذا الإله، وكل ما في وسعي أن أفعله هو أن أضع نفسي في الإطار المناسب لألتقي به. بإمكاني أن أعترف بالخطية وأزيل العقبات وأطهر حياتي، وأنتظر بتوقع، وأبحث عن الوحدة والسكون. إنني لا أقدم نموذجاً مضموناً لكي أتحصل على حضور الله، لأن الله وحده هو الذي يحدد ذلك. إن الوحدة والسكون تمهد لحضور صوت الله الهامس. ومع ذلك؛ فهناك طريقة أكيدة تتسبب في غياب الله، ويعبر عنها بوضوح س. إس. لويس بالقول:

“تجنب الوحدة، تجنب السكون، وتجنب أي قطار للأفكار يبعدك عن الطريق المعروف، وركز على المال والجنس، والحالة القائمة، والصحة، وفوق الكل أحزانك. أترك الراديو مفتوحاً، أسكن بين جمهور من الناس، استخدم الكثير من المسكنات. إذا كان عليك أن تقرأ كتباً فاخترها بعناية، ولكن سيكون من الأفضل أن تقرأ الصحف. فسوف تسعدك الإعلانات، وخاصة تلك التي بها جاذبية جنسية”.

ويضيف لويس قائلاً: إنه لا يستطيع أن يعطي نصيحة للسعي وراء الرب، لأنه لم يكن له هذه الاختبار، “بل على العكس من ذلك فالله هو الصياد، وأنا الغزال الذي يحاول هو أن يصطاده. ولكن من المهم أن نعرف أن هذه المطاردة الطويلة من الله تحدث في ذات الوقت الذي أبذل فيه أنا مجهوداً لطاعة ضميري”.

 

لمحة شخصية عن الله – فيليب يانسي

معرفة الله أو أي شخص آخر – فيليب يانسي

معرفة الله أو أي شخص آخر – فيليب يانسي

معرفة الله أو أي شخص آخر – فيليب يانسي

معرفة الله أو أي شخص آخر – فيليب يانسي

“إنه لشيء مبهم أن الله يجب أن يكون موجوداً، وشيء مبهم أيضاً ألا يكون موجوداً، وأن الروح يجب أن ترتبط بالجسد وألا يكون لنا روح، وأن العالم يجب أن يُخلق وألا يُخلق”

بلاسي باسكال

في إحدى الليالي سهرت حتى الثانية صباحاً مع صديقين يحكيان لي عن متاعب علاقتهما مع الله. أخبرني ستانلي كيف أنه قضى حياته في صراع لكي يؤمن ويثق أن الله يهتم ويعتني به. وقاطعت “جودي” الكلام في عدم صبر وقالت: “لا يمكنني أن أخبرك كم عدد المرات التي حاولت فيها أن أتواصل مع الله. وكل ما حصلت عليه بعد هذه المجهودات هو شعور بارد وسكون مستهجن”.

إقرأ أيضاً: لمحة شخصية عن الله – فيليب يانسي

ولأنني أعرف هؤلاء الأصدقاء جيداً، لم أتمكن من أن أمنع نفسي من الظن بأنهما ربما يحاولان أن يعطونا فكرة عن الخلل في علاقاتهما الأسرية مع الله. فقد فقدت جودي والتدتها وهي في سن صغيرة، وبالرغم من أن والدها كان يعمل بكل اجتهاد لكي يربي الثلاث بنات في بيت مستقر، ولكنه لم يمنحهم الحب والدفء الكافي. فكانت تنظر إليه كالمدرس أو المدرب الذي سيحكم على أدائها. أما عن الله، فقالت جودي أنها سمعت جملة واحدة في جنازة والدتها: “إن الله أخذها لأنه يحتاج إليها أكثر منكم”. هذه الجملة تسببت في إقامة حاجز مع الله وما زالت تحاول أن تتغلب عليه.

أما ستانلي فقد جاء من عائلة كبيرة تتكون من سبعة أفراد وتمتعت بالحب والدفء. ولأن ترتيبه كان الرابع في الأسرة وكان توأماً، كان لديه الشعور بأنه مهمل من الأسرى. كان أبوه يخبره باستمرار” لو اختفيت فجأة عن الأسرة فسوف نتنبه إلى ذلك ربما بعد أسبوع من غيابك”. وكان يقول ذلك بابتسامة ساخرة.

هذه الليلة ذكرّتني بأن كل واحد منا له صورة الله ولكنها شُوهت بطريقة ما – والله يفوق قدرتنا على أن نتصوره. وتربط خبراتنا عن الأسرة والكنيسة بلمحات متفرقة نأخذها من الأدب والأفلام لكي نرسم صورة عن الله في أذهاننا. كيف إذن يمكننا أن نعرف الله الحقيقي؟

إن معرفة الله غير المنظور لها علاقة مشتركة مع معرفة أي شخص حي آخر. وكلما زادت معرفتنا عن كيفية عمل المخ كلما اتضح لنا أن المعرفة – لله وللناس ولأيس شيء أخر – تتضمن نوعاً من الشك وتتطلب عمل الإيمان.

وتحدث عملية المعرفة في المخ، أكثر أجزاء الجسم انعزالاً. فالمخ لا يرى حتى وإن عرضه الجراح للضوء. والمخ لا يسمع وهو محصن ضد الصدمات حتى أن خلايا المخ يمكنها أن تعرف الأصوات المرتفعة مثل الطائرة النفاثة التي تسبب اهتزازها. وليس لدى المخ خلايا تستطيع أن تلمس أو تتألم: ويجب على جراح الأعصاب أن يعطي مخدراً حتى يتمكن من قطع الجلد والجمجمة، وبذلك يمكن أن نجري عمليته دون إيذاء المريض. ودرجة حرارة المخ لا تتغير كثيراً فيا عدا درجات قليلة ولهذا فهو لا يشعر بالحرارة ولا بالبرودة.

ولأن المخ معزول، فكل شيء يكوّن معرفتي عن العالم يتناقص حتى يصل إلى إشارات كهربية، مثل النقط والشُرط الي كانت في نظام التلغراف Morse، تسجل من ملايين الأعصاب الحساسة. فكّر في الصوت الذي يأتيك عبر التليفون. شخص يتحدث على الطرف الآخر ويحول الجهاز الالكتروني الموجات الصوتية إلى إشارات كهربية التي تصل إلى محطات معينة تُعيد تجميعها في تليفونك في صورة اهتزازات تُنتج صوتاً مسموعاً. وإذا استخدم من يطلبك التلفون المحمول (الموبايل) فإن الصوت يُترجم إلى نظام رقمي وينتقل عبر الهواء، مثل الإرسال الإذاعي، قبل دخوله إلى الموبايل الخاص بك. ومع ذلك فإنك تسمع صوت والدتك كما لو أنه حقيقة. وبالمثل، فإن المخ المعزول يعتمد على الرسائل بنظام رقمي من أعضائه الحساسة.

ويدق جرس الباب وأسرع لكي أفتح. ويحضر لي توم السائق الخص بالبريد، طرداً فأشكره وأوقع على الإيصال وأعود لمكتبي وأواصل عملي. والخلايا التي تتلقى الأصوات في أذني تتبين ترددات جرس الباب ثم تترجم الصوت الأعلى الصادر من توم.

وعين الإنسان التي بها 130 مليون خلية للاستقبال تسجل فوراً الشكل والصفة المميزة ولون شفاه توم وحاجبيه وأنفه وشعره. ولن أكون مضطراً لتجميع كل هذه المعلومات لأن المخ يقوم بكل ذلك دون أي مجهود حاملاً التقرير من خلايا العين إلى بنك الذاكرة الذي به كل صور الوجوه التي أعرفها ويتعرف على توم في جزء من الثانية.

إن شخصاً يعاني من عمى الألوان لا يمكنه ملاحظو عيون توم الزرقاء، كما أن الأصم لا يعرف صوته. وفي الحقيقة فإن كل منا استثناءات قد تسيء توصيل المعلومات إلى المخ وقد تعطي لأي شخص فكرة مختلفة عن العالم. ومع ذلك فإن للمخ قدرة لملء الفراغات وخلق الشعور بالحقيقة. فالمؤلف الموسيقي العظيم بيتهوفن كان يتمكن من سماع سيمفونية كاملة في رأسه بالرغم من أنه كان أصم تماماً.

لقد ذكرت كل هذه الخلفية التشريحية لكي أوضح أن معرفتي بالآخرين، مثل توم سائق البريد، تعتمد أساساً على عمل الإيمان. وبالرغم من أن مخي قد اختزن صورة أصدقائي ومعارفي، فإنني أدرك أن تلك الصورة تتطلب قدراً كبيراً من الثقة. فأثق أن توم لا يرتدي قناعاً أو يضع شارباً مستعاراً وأنه يعمل سائقاً بهيئة البريد وليس لصاً أتى ليسرق منزلي. وأعتقد أنني أعرفه، ولكن كيف أتأكد من ذلك؟ ربما يكون لتوم توأماً يشارك أخيه في الوظيفة.

ومرات كثيرة أدهشني الناس وخدعوني. فعرفت مرة أن إحدى أعز صديقاتي في حياتها الخاصة تُدمن الجنس وأخرى مارس معها والدها الجنس لمدة 15 عاماً. واعتقدت بأنني أعرف هؤلاء الصديقات فقط لأكتشف بأنني أفتقد معلومات هامة عنهم. فكل العلاقات الإنسانية موجودة على منصة الشك التي تحتفظ بصفة الغموض التي للآخرين. في معرفتنا لبعضنا البعض، كلنا لنا عيوبنا الخاصة.

وبالرغم من ذلك، فإنني أثق أن هؤلاء الأصدقاء يعيشون كأفراد حياة عادية مثلنا. هل يمكنني أن أتأكد من ذلك؟ إن مشكلة “العقول الأخرى” أنها تمتلك لغزاً كبيراً شغل الفلاسفة لعدة سنوات. أنا أعلم أنني موجود، وأعتقد بأنني أعرف عقلي. ولكن كيف يمكنني أن أعرف عقلك؟ فمثلاً، عندما تغلق باب السيارة على اصبعك يحدث شيء في داخلك يشابه ما اختبره أنا عندما أغلق باب السيارة على أصبعي. ومع ذلك فلا يمكنني أن أعرف ذلك بالتأكيد لأنني لا أستطيع أن أدخل داخل عقلك، وبالرغم من ذلك فأنا أصدق كلامك عندما تحكي لي عن مدى الألم الذي شعرت به.

كيف تعرف أنت بأنني موجود؟ أنت تقرأ الكلمات التي أكتبها على صفحات الكتاب ولكن ربما يكون اسم “فيليب يانسي” اسم مستعار وليس الحقيقي. وإذا حاولت الاتصال بي عبر الانترنت، فلن يمكنك معرفة ما إذا كتن أنا الذي أجيب أو اسم ملفق على الشاشة. بالنسبة لي أنا ضمير المتكلم “أنا” وبالنسبة لأي شخص آخر أنا ضمير المخاطب “أنت” وهذا الفرق يتسبب في إحداث شك شديد.

إن معظم الناس في الواقع لا يتساءلون ما إذا كانت العقول أو الأشخاص الآخرين موجودين. نحن نصدق بدون أي تفكير. ومع ذلك فإن العقول الفردية تكوّن صوراً مختلفة عن نفس الشخص. ولنأخذ مثلاً كتّاب الأناجيل الأربعة، كل منهم كتب عن جوانب مختلفة من شخصية وحياة يسوع. وعند تفكيرهم فيما عرفوه عنه تواردت إلى أذهانهم كلمات ومناظر مختلفة.

ومثلُ آخر عن التلاميذ الاثني عشر: كلهم تبعوا يسوع لمدة ثلاث سنوات ولكن ما أكثر الفرق الذي توصل إليه كل من يهوذا ويوحنا عن الرب يسوع. وفيما بعد اعتقد شاول الطرسوسي أن لديه صورة حقيقية عن يسوع حتى قابله وهو في طريقه إلى دمشق فغير فكره واتجاهات حياته. إن “معرفة” شخص آخر عملية قد يشوبها نوع من الخداع وتتضمن تقديراً تقريبياً ونوعاً من الغموض.

وعملية التعرف على الآخرين والتواصل معهم قد تُلقي ضوءً على كيفية التعرف على الله. في المقام الأول، إنني أدرك أن التعرف على “عقول الآخرين” سواء كانوا أشخاصاً أم الله، فإن ذلك يحتاج دائماً إلى عمل الإيمان. ويطبق هذه الحقيقة “ألفين بلنتيفا”، وهو فيلسوف معاصر، على سؤال وجود الله. فيقول: إنه لا يمكنني التأكد من وجود الله ولا اثبات ذلك عقلياً. كما أنني غير متأكد من وجود أي شخص آخر، فقد يكونون جميعاً من نتاج خيالي.

وأثق بأنني لست الوحيد في هذا الكون، ولكن ما أنني لا أستطيع الدخول لعقل أي شخص آخر إذن يجب أن أقبل هذا الاعتقاد بهذا التشابه الجزئي أو الإيمان. ويذهب بلنتيفا بعيداً ويقول: بعد مجادلات فلسفية كثيرة، بأنه لدينا الكثير من الأدلة لنؤمن بالله مثلما لدينا من أدلة لنثق في الآخرين.

وبالإضافة إلى ذلك، فيجب أن أفترض بأن حواسي لن يمكنها أن تكون صورة كاملة عن شخص آخر. وبإمكاني أن أعرف الكثير عنك من خلال مراقبتي لك واستماعي إليك ولمس إياك. ومع ذلك فسيظل جزءاً منك متعذراً معرفته، فالشخص الذي داخل جسدك “حقيقتك” وجوهرك. وفهمت هذا بكل وضوح في الناس المعاقين الذين فقدوا الصلة القريبة والوثيقة بين العقل والجسم.

أعرف صديقة رائعة مصابة بشلل دماغي لعدة سنوات ووضُعت في منزل مخصص للمعاقين ذهنياً. وذراعاها ترتعشان بسبب الشلل التشنجي، ولا تستطيع المسي، ويصدر عنها بعض الأصوات غير المفهومة بدلاً من الكلمات. ومعظم من التقوا بها – حتى من أفراد أسرتها – قالوا إنها مُعاقة. وفي الوقت المناسب أدرك المتخصصون أن كارولين لديها مخ سليم تماماً في داخل هذا الجسد المعتل. ونقلوها إلى مكان أفضل، ووصلت إلى المدرسة الثانوية ثم إلى الجامعة. وأخيراً أصبحت كاتبة. وفي إحدى المرات، وهي في الكلية، قرأت لها إحدى صديقاتها عظة مكتوبة بكنيسة الكلية.

وجلس الطلبة في هدوء كامل يستمعون لكلمات كارولين البليغة وهي جالسة على الكرسي المتحرك على المنبر بجوار صديقتها التي قرأت عظتها بدلاً منها. واختارت للعظة الآية الموجودة في 2كورنثوس: “لنا هذا الكنز في أواني خزفية”. الجميع كانوا قد رأوا هذا الكرسي المتحرك داخل مباني الجامعة والبعض استهزئ بها، وقليلون هم الذين حاولوا أن يعرفوا تفوقها العقلي داخل جسد كارولين المريض.

وصديق آخر يُدعي دون، يعاني من مرض في الأعصاب. عرفت “دون” كرجل رياضي قوي يدير مزرعة لتربية الخيول، كما يشارك في سباق القوارب. وبالرغم من ذلك، ففي المرة الأخيرة التي زرته فيها وجدته جالساً على كرسي متحرك. ومع أنه كان قادراً على الكلام فإن أعصابه التي تتحكم في الصوت واللغة لم تتمشى مع تعليماته العقلية. وكان يتعثر في الكلام. وفضّل أن يكتب أفكاره على كمبيوتر صغير يحمله على رجليه، والذي يستطيع أن يتكلم نيابة عنه. وأي شخص يمر بالغرفة سوف يجد رجلاً جالساً في هدوء، لا يتكلم وتعلو وجهه ابتسامة رقيقة. ولكن الكلمات التي كتبها وينطق بها الكمبيوتر والرسائل الالكترونية التي تصلني منه حتى هذا اليوم، تبرهن على أنه بداخل هذا الرجل الهادئ خارجياً عقل ذكي مشحون حيوية.

كم أشكر الله من أجل التكنولوجيا الحديثة التي سمحت لأناس مثل: “دون” و “كارولين” أن يتواصلا مع الآخرين حتى بعد أن فقدوا بعض وظائف أعضاء الجسد التي تساعدهم على الكلام. “ستيفن هوكنج” واحد من أذكى علماء العالم كان بإمكانه أن يحرك إصبعاً واحد في يد واحدة فقط، ومع ذلك فبمساعدة الكمبيوتر يستطيع أن يتحدث إلى أي تجمع للعلماء. حتى وإن فقد هؤلاء الناس كل القدرة على التواصل بسبب الشلل الكامل، فإنني أدعي أنه يوجد بداخلهم عقلاً كاملاً سيساعدهم على الاستمرار في الحياة. ومع ذلك فإننا يجب أن نعول على أجساد الآخرين لأنهم من خلالها ينقلون لنا ما بداخل عقولهم.

هذا التمهيد الذي كتبته عن التواصل مع أصدقائي المعاقين يُبرز سؤالاً لاهوتياً مهماً. لأن الله لا جسد له، كيف يمكننا إن نتخيله؟ كيف يمكننا أن نتواصل معه؟ هل لأننا نمتلك القدرة للمعرفة المباشرة لله، بمعنى عدم التعويل على الجسد وحواسه؟ إذا كان الأمر كذلك فإن معرفتنا بالله سوف تعمل بطريقة تختلف عن تعرفنا على الآخرين. إننا نتصور، أن روح الله بإمكانه استخدام نوع من الإيمان بالمباشر لكي يتواصل مع الناس في عملية تحكمها قوانين مختلفة، لن الله لا يحتاج لأجسادنا لكي يصل إلى عقولنا، كما قال الشاعر تينسون في أشعاره: “إنه أقرب إلينا من التنفس وأقرب إلينا من قرب أيدينا وأقدمنا”.

وقد أشار الرب يسوع إلى ذلك بوضوح بأنه بعد موته سوف تكون هناك طريقة جديدة للمعرفة: ليست الطريقة العادية للمخ المنعزل في الراس والذي يكوّن صوراً للحقيقة ولكنه طريق داخلي ومباشر للمعرفة. قال يسوع: “وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ”.

وكل مخلوق على الأرض له طريقته في التواصل مع البيئة المحيطة به. وسأطلق على هذا الأسلوب كلمة التراسل أو المراسلة. وفي بعض الحالات، يتفوق كثيراً تواصل الحيوان على قدراتنا الإنسانية. فالخفافيش تلتقط الحشرات التي تأكلها بالسونار (جهاز الموجات الصوتية المنعكسة). والجرّيث (نوع من السمك) يمسك بالفريسة عن طريق الكهرباء، ويطير الحمام لمسافات طويلة بالمجال المغناطيسي وكلاب المطاردة تعمل عن طريق حاسة شم خاصة بها، وهي غير ممكنة لنا.

وهذا العالم غير المنظور ربما يتطلب جهازاً داخلياً خاصاً للتواصل يعمل من خلال نوع خاص من التنشيط الروحي. الله ليس “موجوداً هناك” في العالم المادي الذي نعيش فيه، ويمكننا أن نتخيله فقط باكتساب مقدرة جديدة على التواصل والمراسلة. قال الرسول بولس: “ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأن عنده جهالة. ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يحكم فيه روحياً”. (1كو2: 14-15).

وقال يسوع: “وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته”. وفي قلب القصة المسيحية يوجد الوعد بالتواصل المباشر مع العالم غير المنظور، حلقة عميقة للغاية وقد شُبهت بالولادة الجديدة ومفتاح الحياة التي بعد الموت العضوي.

ويقدم الكتاب المقدس الإيمان كالطريق إلى العالم غير المنظور والذي تعرّفه الرسالة إلى العبرانيين بأنه: “الثقة بما يُرجى والإيقان بأمور لا تُرى”. وموسى “رأي ما لا يُرى” ويواصل هذا الفصل (عبرانيين 11) موضحاً عمل التواصل والمراسلة غير العادية. فمن أول صفحة في الكتاب المقدس حتى آخر صفحة يعرض الكتاب المقدس تقريرً عن حقيقة أخرى تعمل في ذات الوقت – وعادة ما تكون مخفية عنا – مع الحقيقة المادية في الأرض.

وفي بعض الأحيان قد “يستعير” العالم غير المنظور شيئاً من العالم المنظور في محاولة للاتصال، مثل العُليقة المشتعلة التي رآها موسى بعينيه. وباستثناء تلك الأمور غير العادية، فنحن البشر نعتمد مبدئياً على “وسائط النعمة”. مثل الكنيسة والمبادئ الروحية والقربان المقدس لكي نتواصل مع العالم غير المنظور. والصلاة، مثلاً، هي بمثابة التنفس، إنها تُبقينا أحياء روحياً. وكما قالت إيفلين أندرهيل: “إننا مخلوقات حساسة وروحية ويجب أن نعيش حياة ثنائية الطبيعة”.

وطبقاً لكلمة الله فإن الفارق الكبير بين البشر ليس مبنياً على الجنس، أو الذكاء، أو نسبة الدخل، أو الموهبة. إنه اختلاف مبني على مدى اتصالنا بالعالم غير المنظور. إن “أبناء النور” لديهم هذا النوع من الاتصال الكامل مع هذا العالم. كما قال الرسول يوحنا: “أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله ولم يُظهر بعد ماذا سنكون ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو” (1يو 3: 2).

عندما ناقشت مشكلة “العقول الأخرى” لم أذكر كل شيء عنها. والسبب الذي يجعل الفلاسفة يقلقون على مثل هذه الأسئلة بينما معظم الناس الآخرين لا يفعلون ذلك، وهو أن الفلاسفة يجلسون في حجراتهم وسط الكتب ويسمحون للأفكار المجردة أن تطفو وتدور في أذهانهم، بينما بقية الناس ينشغلون بأمورهم المعيشية مثل إعداد أطفالهم للمدرسة، أو قضاء بعض الأمور في مجلس المدينة، أو رعاية الأقرباء من كبار السن. ونثق في العقول الأخرى لأننا نواجهها طوال اليوم ونتواصل معها.

وفي الحقيقة، نحن نقرر الحالة التي نكون عليها من خلال تلك العلاقات. فنحن لمن ندخل هذا العالم بعقول متميزة وُضعت بطريقة سحرية داخل أجساد منظورة. إن خبراتنا وعلاقاتنا هي التي تشكلنا كأشخاص. الأطفال المتوحشون – هؤلاء الأطفال النادرون ولكنهم حالات موثقة وقامت بتربيتهم حيوانات متوحشة – لم تنمو فيهم القدرة على التواصل مع الآخرين. ويصعب أن نعتبرهم كأشخاص بأي شكل من الأشكال. وبالمثل، فالأطفال الذي حُبسوا في أماكن مغلقة لعدة سنوات في ظروف صعبة وسيئة، واعتُدي عليهم، لم يتعلموا مهارات لغوية، وأعيق نموهم الطبيعي.

ويقضي الإنسان في نموه فترة أطول من الحيوان. فالظبي يمكنه أن يخرج من رحم أمه ويقف ويتمكن من الجري والأكل في ظرف ساعات قليلة. وعلى النقيض من ذلك فإن الأطفال يعتمدون بعد ولادتهم على الآخرين لشهور طويلة. والطفل لا يمكنه أن يصبح شخصاً عاقلاً بعيداً عن العلاقات الإنسانية.

وبالمثل، فإن الحياة الروحية، كقدرة، تُبنى داخل الإنسان، ولا يمكنها أن تنمو إلا بالعلاقة مع الله. ويقول القديس أوغسطينوس: “إنني أدعوك لتأتي إلى روحي التي أعددتها أنت لكي تقبلك بالشوق الذي خلقته أنت فيها”. ومع أننا جميعاً نمتلك القدرة فسوف يظل اشتياقنا الروحي غير مُشبع إلى أن نتصل ثم ننمي مهارات “التواصل”. إن الولادة الجديدة، وهي بداية عملية الاتصال بالحقيقة الروحية، تُوقظ فينا الحياة الجديدة. وكأولاد الله نصبح على الحالة التي نحن فيها من خلال علاقتنا مع الله ومع شعبه.

إنني أفكر الآن في الشخص الذي أثر على حياتي المسيحية أكثر من أي شخص آخر: وهو المرسل الجرّاح بول بروكنول. ولأكثر من خمسة عشر عاماًن كتبت ثلاثة كتب مع الدكتور براند. وصاحبته في رحلته إلى الهند وانجلترا حيث استعدنا الأحداث الرئيسية في حياته. لقد أمضيت مئات الساعات وأنا أسأله أية أسئلة عن خبراته مع الطب والحياة ومع الله. وأجريت مقابلات مع مرضاه السابقين ومع زملائه وأسرته والممرضات اللاتي عملن معه. لقد كان الدكتور براند رجلاً صالحاً وعظيماً وأشعر بامتنان كبير له من أجل الوقت الذي قضيناه معاً. وفي مرحلة من المراحل نموي الروحي عندما لم تكن لدي ثقة كافية لأكتب عن إيماني، كانت لدي ثقة كاملة لكي أكتب عن إيمانه هو.

لقد تغيرت نتيجة لعلاقتي مع الدكتور براند الذي أصبح قناة للنمو الروحي بالنسبة لي. وتقوّي إيماني لأنه كان لدي مثل حي لشخص يتقدم في كل شيء من خلال علاقته مع الله. وأنا الآن انظر إلى العدالة وأسلوب الحياة والأمور المالية من خلال نظرته هو لها، وأرى البيئة الطبيعية من حولي بطريقة مختلفة، كما أنظر إلى الجسم الإنساني، وخاصة الألم بنظرة مختلفة تماماً. وعلاقتي مع الدكتور براند أثرت فيّ بعمق في داخلي وكياني.

ومع ذلك فعندما أستعيد ذكرياتي معه، أجد أنه لم يحدث ولا مرة واحدة أنه قد فرض نفسه علىّ أو حاول أن يغيرني بالقوة. لقد تغيرت بكامل إرادتي وبك سرور لأن عالمي الخاص ونفسي تقابلت مع عالمه ونفسه. وأعتقد أن عملية مشابهة تعمل مع الله. فأنا أصبحت مؤمناً بعلاقتي مع الله. وبطرق غامضة يصعب وصفها تغيرت بمرور الوقت كنتيجة لتواصلي مع الله.

وإذا تمكنت من عمل لقاءات مع الشخصيات الكتابية مثل إرميا، ويعقوب، وأيوب، ويهوذا…، كل واحد منهم سوف يعطيني إجابة مختلفة على السؤال: “أخبرني عن علاقتك مع الله – كيف كانت؟” وإذا سألت داود وكتّاب المزامير الآخرين فسوف أحصل على إجابة مختلفة من نفس الشخص. والعلاقة تختلف من مزمور لآخر بل قد تختلف في نفس المزمور. فمثلاً مزمور 143 يتفكر في “الأيام الماضية” عندما كان الله قريباً جداً لهم، ثم يصيح داود ويقول “لا تحجب وجهك عني”. وداود، على وجه الخصوص، ربما يفهم أفضل من أي شخص آخر، مدى العلاقة الحية المتحركة التي تحدث بين الإنسان والله.

وفي الحقيقة فإنني أرى أوجه شبه كثيرة بين معرفة الله ومعرفة أي إنسان آخر. فأول كل شيء أعرف اسم الشخص. وشيء ما في شخصيته تجذبني إليه. ثم أقضي وقتاً مع صديقي الجديد وأعرف منه نوعية الأنشطة المشتركة بيننا. وأعطيه بعض الهدايا وقد أقدم له بعض الخدمات. وأشاركه في ظروفه الطيبة والصعبة نضحك معاً ونبكي معاً. وأكشف له عن كل أسراري. وأحتمل الكثير للحفاظ على هذه العلاقة. وألتزم معه بأمور كثيرة. وقد نختلف ونتجادل معاً ثم نصطلح. كل هذه المراحل في العلاقة يمكن تطبيقها مع الله أيضاً.

قد يعترض أحدهم ويقول، إنك قد جعلت هذا التماثل سهلاً للغاية. إن لي الكثير من العلاقات الناجحة مع الناس الآخرين. فبإمكاني رؤيتهم وسماعهم ولمسهم. ولكن عندما أحاول أن أقيم علاقة مع الله غير المنظور لا يحدث شيء. وقد لا يتولد لديّ الإحساس على الإطلاق وأن الله موجود هناك. وأنا لا أقلل من مثل هذا الاعتراض لأنه في عدة مرات في حياتي اجتازت نفسي هذا الشعور. وحتى الآن فعلاقتي مع الله ترتفع وتنخفض على أساس إيماني.

ويمكنك رؤية المشكلة بمشاهدة مناظر الاختبارات الدينية في الأفلام. وفي كلمة واحدة إنها متعبة ومرهقة. فالقديس يركع ويصلي وينتهي الأمر كله بأن يتعثر. ونقول، إن شيئاً ما يحدث ولا تستطيع الكاميرات تسجيله. العملية غير المنظورة والتي – بالنسبة لكل الناس – تستحوذ على اهتمام ضئيل للغاية، بل أقل من أية مناظر مرتبطة بالأجساد مثل الجنس.

أنا أعلم أن علاقتي مع الله لا يمكن مساواتها تماماً مع علاقاتي بالبشر، وفي بعض الجوانب تختلف في أمور أساسية. إن الله غير محدود وغير ملموس وغير المنظور. إذا كان بإمكاني استخدام هذه اللغة، فنحن البشر لدينا القليل من التعاطف مع المشاكل التي يجب أن تواجه الله الذي يرغب في التواصل معنا. سجل “بارون فون هيجل” التشابه بين علاقات الإنسان مع الكلب*. كان التشابه كريماً بالنسبة لنا. إله غير محدود يتصل بالإنسان، فإن هذا يمثل تحدياً أكثر من علاقة الإنسان بكلبه.

والتواصل بين مثل هذه المخلوقات غير المتساوية سوف يتسبب بالضرورة في نوع من الارتباك والحزن لكلا الطرفين. ما نريده نحن كبشر من علاقتنا قد يتعارض في أهدافه مع ما يريده الله. نحن نريد من الله أن يكون مثلنا: ملموساً، مادياً، يمكن تخيله. نريد أن نتحدث إليه بكلمات مسموعة يمكننا أن نفهمها. وبعيداً عن التجسد والظهورات النادرة فإن الله يُظهر اهتماماً قليلاً في التواصل على مستوانا. الله ليس لديه سبب لأن يُحد نفسه بوقت أو مكان غير ما هو ضروري لذلك.

وبالحري، فالله، يريد منا تواصلاً في مجال روحي ويُظهر سروراً أكثر في أنواع أخرى من النمو: العدالة، الرحمة، السلام النعمة والمحبة، صفات روحية تعمل بين الناس في عالم مادي. باختصار فإن الله يريدنا أن نشابهه.

كتب كاتب قديم ما يلي: “لا يمكننا أن نفهم الله بعقولنا. فإذا كان من الممكن فهمه فلن يكون إلهاً”. ونحن مختلقون اختلافاً عميقاً، الله وأنا، وهذا ما يوضح: لماذا لم تكن الصداقة النموذج الأول الذي استُخدم في الكتاب المقدس لوصف علاقتنا معاً. إنها العبادة.

بعد أن أفلت من الموت وكُتبت له الحياة بعد فترة قضاها في المعسكرات النازية، أصبح فيكتور فرانكل طبيباً نفسياً. وهو يستعيد ذكريات هذه الفترة وتذكر عندما يخاف الموت في أية لحظة، وكيف أنه هو ومسجونين آخرين كان الحراس يُكرهونهم على السير نحو اتجاه مجهول… وكتب ما يلي:

“… وبينما كنا نسير لمسافة أميال على كتل من الجليد كنا نشدد بعضنا بعضاً بين الحين والآخر، ولكننا نسير في سكون، وكنا نعرف بعضنا البعض فكل منا كان يفكر في زوجته. نظرت إلى السماء ولكن عقلي كان متعلقاً بصورة زوجتي متذكراً إياها بذكاء مفرط. سمعتها تجيبني ورأيت ابتسامتها المشجعة. وسواء كان هذا حقيقة أم سراباً فقد كانت نظرتها أشد إشراقاً من الشمس التي كادت أن تشرق.

واستحوذت فكرة على عقلي: لأول مرة في حياتي رأيت الحقيقة كما عبر عنها الكثير من الشعراء في صورة أغنية وأعلنها الكثير من المفكرين على أنها قمة الحكمة. وهذه الحقيقة هي أن الحب هو الهدف الأسمى الذي يصبو إليه الإنسان. وعندئذ فهمت معنى أعظم سر يجب أن ينقله الشعر الإنساني والفكر والإيمان الإنساني: إن خلاص الإنسان هو من خلال الحب وفي الحب….

ولأول مرة في حياتي استطعت أن أفهم معنى الكلمات “واختفت الملائكة في تأمل أبدي لمجد بلا حدود”.

وحينما أقرأ ذكريات فرانكل هذه، كنت أعلم بدون أدنى شك أنني كنت أفكر لو كنت قد وُضعت في مكان مرعب والمعاناة والموت. ومثلما عمل فرانكل كنت سأثبت كل قواي وتركيزي على وجه زوجتي التي شاركتني الحياة وعلمتني معنى الحب. وأتساءل ما إذا كنت أستطيع أن أحب الله، لو لم أكن أتعلم أولاً من خلالها أن أحب. وأتساءل ما إذا كنت أستطيع أن أحب الله، لو لم أكن أتعلم أولاً من خلالها أن أحب.

وإذا كنا قد أصبحنا أشخاصاً من خلال العلاقة، فالشخص الذي أنا عليه اليوم يرجع الفضل كلها في هذا إلى زوجتي. وبالرغم من أنني عندما التقيت بها كنت خجولاً بدرجة شديدة وغير كفؤ اجتماعياُ ومحكم عاطفياً، تغاضت عن كل هذه العقبات وغمرتني بحبها ورعايتها.

وأنا أكتب هذه الكلمات تقوم زوجتي بزيارة عائلتها على مسافة ألفي ميل ومع ذلك فهي “تعيش” في داخلي. فالتاريخ الذي شاركناه معاً يملاً تفكيري ويكوّن شخصيتي. طوال اليوم وأنا أشعر بوجودها معي رغم غيابها عني. وأفكر فيما قد تفعله الآن. وأصلي من أجلها. لقد افتقدتها كثيراً.

وبينما أفكر في الطريقة التي تؤثر بها جانيت عليّ، فهمت قصد الكتاب المقدس عندما يشير إلى المحبة والزواج لكي يصور لنا العلاقة التي يريدها الله معنا. وعندما كان فرانكل يفكر في زوجته، فهم ولأول مرة معنى العبارة التي غابت عن فكره دائماً. نحن لسنا بملائكة اختفت في مجد أبدي، ولكننا بشر مخطئون نُثبت عدم قدرتنا على الاستمرار في عقد حبنا مع الله ومع اخوتنا. إن زواجي الذي استمر لثلاثة عقود مبني على عهد أساسي نُنجزه ونُتممه كل يوم، الإخلاص والأمانة، وليس الرومانسية، هي التي حفظتنا معاً.

وفي بداية زواجنا نصحنا زوجين قديمين بما يلي: “لا تعتمدا على الحب الرومانسي فلن يظل طويلاً. إن الحب هو قرار وليس مجرد شعور”. وفي شهر العسل نسيت هذه النصيحة واعتبرتها من أناس من جيل مضى، ولكنني الآن وبعد مضي سنوات فإنني أوافق عليها. نعم فإن الزواج يحيا على الحب، ولكنه نوع الحب الذي يطلبه الوالدين أو التلمذة المسيحية. قرار حازم وشجاع للسير للأمام خطوة خطوة.

كثيراً ما نسمع الناس يقولون: “لا يمكنني معالجة الأمر وفهمه”. عندما يرفضون صورة الله الكتابية كأب كأم وكالسيد، الله المحب والذي يغضب، الله على الصليب. وإنني أجد أن هذا الاختيار لتلك الكلمات يكشف عما بداخلهم ومع ذلك فهو يعكس الألم الذي يشعرونه في الداخل: فإذا بحثنا عن “إله” يمكننا أن نفهمه فسوف يكون هذا ما سنحصل عليه تماماً. إله يمكننا أن نناور به فيما حولنا وهنا نكون جزئنا رحمته.

كاثرين نوريس

وبالنسبة لي، فقد ظل الكثير كما هو منذ أن اتخذت قرار اتباعي للرب يسوع. بعض الأمور ازدادت صعوبة وتعقيداً. مع ذلك، فبالنسبة للزواج، وجدت أن حياتي مع الله ممتعة ومشبعة إلى حد بعيد. واتباع الرب هو نقطة البداية لاختيار الطريق الذي ستسير فيه. وما زلت أسير في نفس الطريق لسنوات عديدة. إن الله يعيش داخلي، وغيابه عني هو نوع من الحضور، إنه يغيرني ويوجهني ويذكرني بهويتي الحقيقية.

وستظل دائماً الفوارق بين عهد الزواج والعهد مع الله. وكلا العهدين يتطلبان الإخلاص والأمانة، ولكن الإنسان يحتاج إلى الإيمان بمعنى أن نكون “متأكدين مما لا نراه”. إنني لن أشك في وجود زوجتي لأنه في كل صباح يمكنني أن أراها وألمسها وبذلك يكون عندي برهان ملموس.

ومن طبيعة الله أنه يُظهر ذاته ويعرّف نفسه. ومع ذلك فهو أيضاً يخفي ذاته. “الأسرار للرب إلهنا” وهكذا قال موسى لبني إسرائيل. إننا نعيش بين أسرار تُخفى عنا ربما لحمايتنا، وأمور أخرى تُكشف لنا. إن الله الذي يروي عطشنا هو ذاته غير المعروف والذي لا أحد يراه ويعيش. إن غياب وحضور الله لازمين لبقائنا وحياتنا.

* كلابنا تعرفنا وتحبنا ومع ذلك فهي فقط تعرفنا باندفاع وليس عن معرفة ووضوح، فأحياناً نُتعب عقولنا فتتركنا وتذهب بين الأطفال والخدم، فالحقيقة هي تحب أن تهرب من صحبة الإنسان… ومع ذلك، كم هو رائع! إن الكلاب تحتاج إلى مثيلاتها التي هي فارغة وواضحة، ولكنها أيضاً تحتاج إلينا، إنها تحتاج إلى ما بمكن أن تفهمه… إن مصدر وموضوع الدين، إذا كان الدين وموضوعه أمراً حقيقياًن فلا يمكن، بأية إمكانية، أن يكون واضحاً بالنسبة لي، مثلما أكون أنا بالنسبة لكلبي.

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

معرفة الله أو أي شخص آخر – فيليب يانسي

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس – أيمن فايق

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس

أولاً – مدخل للموضوع

أن حياة المسيحية الحقيقية لا تعتمد على الشكل الخارجي للإنسان وتنفيذه للطقوس والعقائد وحفظة البنود المعلنة من خلال القوانين والمعرفة المسيحية كمعلومات فكرية جدلية!!!

فحياة المسيحي الحقيقية هي في الداخل، في داخل كيانه الشخصي، فهي باختصار شديد وأكثر تحديد، هي الحياة في الله…

أي أن المسيحي الحقيقي هو من حياته في الله، بمعنى أني لو قلت أني مسيحي حقيقي، يعني الله في داخلي أكثر من أي شيء آخر، وسعيي كله أن ألتقية وأفتش عنه في الداخل وليس في الخارج بسبب أن الكلمة صار جسداً وحل فينا، ونحن هياكل الله وروح الله يسكن فينا، وفي داخلنا طبيعياً – حسب الخلق – صورة الله المطبوعة في الداخل والذي أعاد شكلها الأصيل تجسد الكلمة واستعلانه في ملء الزمان…

 

الإنسان بطبيعة خلقه هو صورة الله، له كيان روحي مستمد من خالقه العظيم، وهذا هو سر حنينه الدائم إلى خالقه، ولكي نتعود نعيش في هذا المجد العظيم ونعود لأصل الصورة فينا لابد من أن ننزل إلى داخلنا، أي نقطع مسيرة الدخول لأعماق قلوبنا لنلتقي مع الله المطبوع سراً في داخل القلب بصورة مجيده وضعنا عليها تراباً على مر الأيام وأخفيناها حتى أننا في حالة قلق دائم واضطراب في هذا الزمان نحمل الأوجاع لأننا لم ندخل لهذا العمق ونعرف أنفسنا في جمال صورتها الحقيقية المخلوقة عليها والمطبوعة فيها!!!

فكل ما يتعب النفس أنها أخفت سرها وضاع معه حل مشاكلها وضيقاتها الكثيرة والتي تشعر أن ليس لها سبب محدد، لأن مهما ما بلغ الإنسان من مراكز أو معرفة عقلانية يظل يشعر بنقص يزيد كلما ابتعد عن حقيقة جوهره الأصيل!!!

 

وطبعاً الرجوع للنفس والعودة إليها ليس شيئاً سهلاً، بل صعب للغاية، لأننا في الواقع أصبحنا غرباء عن أنفسنا، نجهل حقيقتها المخفية فيها!!

فمن السهل التعرف على العالم الخارجي والمحيط بنا، ومن السهل أيضاً التعرف على الحياة المسيحية من جهة الفكر والبحث والمعرفة، لأن كل هذا يأتينا عن طريق الحواس والعقل، وكل شخص يستوعب حسب قدراته العقلية، أما من جهة الداخل فصعب للغاية لأنه لا يأتي على مستوى العقل أو الفكر أو القدرة على المعرفة والفهم إنما على مستوى اللقاء الحي!!!

 

فالحياة المسيحية الحقيقية هي باختصار وتركيز:

الرجوع إلى النفس للدخول بالنعمة في الله، فحضرة الله بملء نوره العظيم هو أعمق ما في الإنسان من عظمة ومجد، لأن الإنسان خلق في هذه الحضرة وهي أساس دعوته وأصل حياته كلها، ونبع حريته وكمال سعادته الحقيقية، بل هي مصيره الأبدي الذي لا يقدر أن يحيا بدونه قط !!!

 

إذن فالمنهج الحقيقي والأصيل للمسيحي الحقيقي هي حياته الداخلية، واستمرار وجوده في الحضرة الإلهية على مستوى اللمس من جهة كلمة الحياة [ الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة ] (1يوحنا 1: 1)

 

والعائق الرئيسي الذي يفصل الإنسان ويشوه طبعه ويشوش فكره ويجعل النور الإلهي منطفئ فيه هو الأهواء التي هي أصل الخطايا وسبب تحركها فيه، لأنها سبب الانفصال عن الله وتشويه الطبع الإنساني الأصيل، والإنسان أن لم يتحرر من هذه الأهواء لن يستطيع أن يكتشف في داخله اللؤلؤة الكثيرة الثمن فيبيع كل شيء لاقتنائها حتى نفسه يحسبها رخيصة عنده من أجل اقتناء هذا الكنز العظيم !!!

 

ثانياً – تمهيد -دعوة الإنسان العليا

الكنيسة تعرف شخص يسوع المسيح، لأنه رأسها وهي جسده من لحمه وعظامه، فهو مُستعلن فيها، يتجلى فيها، ويحضر حضوراً سرياً فائقاً في كل أسرارها المقدسة… والكنيسة كل عملها وشغلها الشاغل فقط هو إظهار وتمجيد واستعلان شخص ربنا يسوع، وتقديمه للعالم مُخلّص شافي النفس ومُحييها، وللمؤمنين إلهاً حياً محيياً من خلال سرّ الكلمة والإفخارستيا…

 

والكتاب المقدس في الكنيسة هو استعلان صوت المسيح الحسي والمحيي، الذي نادى لعازر هلم خارجاً فسرت فيه قوة حياة تقيم من الموت، وهو هو نفس ذات الصوت التي تنادي به الكنيسة أولادها بفم شخص ربنا يسوع المسيح القائم من الموت، فقراءة الكلمة في الكنيسة هو سرّ قوة الحياة لكل من يسمع هذا الصوت بإيمان دون أن يرتاب فيه:

+ الحق الحق أقول لكم أنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون (يوحنا 5: 25)

 

وعلى هذا الأساس نتقدم إلى سماع الكلمة من فم الله الذي نطق بها ولازال ينطق بها في كل زمان، وبالطبع زماننا هذا الآن، والكتاب المقدس لو بلغنا سره الإلهي وأصغينا لهذا الصوت المُحيي، سنجد أن لغته لغة حوار بين طرفين، الله والإنسان، ومن صميم هذا الحوار – حوار المحبة – نجد اللذة المتبادلة والحب المتدفق الحاصر للإنسان (محبة المسيح تحصرنا)، ومن صميم هذا الحب الفائق نجد الدعوة الإلهية لكل إنسان يقترب من هذا المجد الفائق :

دعوة من الله للإنسان للتمتع بالشركة مع العريس السماوي، دعوة الوحدة والاتحاد والالتصاق كثمرة التجسد الإلهي

 

“وجعل يسوع يكلمهم أيضاً بأمثال قائلا:

يشبه ملكوت السماوات إنسانا ملكا صنع عرسا لابنه. وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس فلم يريدوا أن يأتوا. فأرسل أيضا عبيداً آخرين قائلا قولوا للمدعوين هوذا غذائي أعددته ثيراني ومُسمناتي قد ذبحت وكل شيء مُعد تعالوا إلى العرس. ولكنهم تهاونوا ومضوا واحد إلى حقله وآخر إلى تجارته. والباقون امسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم.

فلما سمع الملك غضب وأرسل جنوده وأهلك أولئك القاتلين وأحرق مدينتهم. ثم قال لعبيده أما العرس فمستعد وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين. فاذهبوا إلى مفارق الطرق وكل من وجدتموه فادعوه إلى العُرس. فخرج أولئك العبيد إلى الطرق وجمعوا كل الذين وجدوهم أشراراً وصالحين فامتلأ العرس من المتكئين.

فلما دخل الملك لينظر المتكئين رأى هناك إنساناً لم يكن لابساً لُباس العرس. فقال له يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس فسكت. حينئذ قال الملك للخدام اربطوا رجليه ويديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. لان كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون.” (متى 22: 1 – 14)

 

الدعوة غالية وكريمة جداً، وثوب المدعوين هو شخص الكلمة المتجسد: “لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح (في المسيح) قد لبستم المسيح” (غلاطية 3: 27)

هذا هو ثوب البرّ المنسوج بعمل الله وحده بدم ربنا يسوع الذي سفك على عود الصليب، ثوب برّ مجاني مهدى من الملك نفسه بلا قيد أو شرط، إلا لمن يقبل الدعوة ويتوب ويعود للحضن الحلو ويكتسي بالنعمة…

 

“ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح. لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط. أي العداوة، مُبطلا بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً. ويُصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلا العداوة به. فجاء وبشركم بسلام أنتم البعيدين والقريبين. لان به لنا كُلينا قدوما في روح واحد إلى الآب. فلستم إذاً بعد غرباء ونزلاً، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله. مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية. الذي فيه كل البناء مركباً معاً ينمو هيكلاً مُقدساً في الرب. الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً مسكناً لله في الروح” (أفسس 2: 13 – 22)

 

وما هي طبيعة الدعوة ؟

“تعالوا لأن كل شيء قد اُعد”. لأن الله الآب قد أعد في المسيح لجميع الناس تلك العطايا التي مُنحت للعالم بواسطته، التي هي غفران الخطايا، والتطهير من كل دنس، وشركة وعطية الروح القدس، والتبني فيه، واستعلان ملكوت الله في الداخل:

+ وأُعطيكم قلباً جديداً وأجعل روحاً جديدة في داخلكم وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأُعطيكم قلب لحم، وأجعل روحي في داخلكم، وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها (حزقيال 36: 26 و27)

+ ولما سأله الفريسيون متى يأتي ملكوت الله أجابهم وقال: “لا يأتي ملكوت الله بمراقبة. ولا يقولون هوذا ههُنا أو هوذا هُناك، لأن ها ملكوت الله داخلكم (لوقا 17: 20 و21)

 

“مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح. كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحب. إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته. لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب. الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته. التي أجزلها لنا بكل حكمة وفطنة.

إذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه. لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات وما على الأرض في ذاك. الذي فيه أيضا نلنا نصيباً مُعينين سابقاً حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته. لنكون لمدح مجده نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح الذي فيه أيضا أنتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم الذي فيه أيضا إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده” (أفسس 1: 3 – 14)

 

+ وحينما نعي هذه الدعوة المقدسة المهيبة والمفرحة جداً لكل نفس، لن نتعجب أو نندهش من الذين باعوا كل شيء – بسهولة – ورضوا أن يخسروا كل ما للعالم وأن يحسبوه مع القديس بولس خسارة ونفاية من أجل أن يربحوا اللؤلؤة الواحدة الوحيدة الكثيرة الثمن، بل – نحن أنفسنا – سنبيع كل شيء بسهولة وبلا تردد ، ونبغض الخطية فتسقط من تلقاء ذاتها دون معاناة أو صراع داخلي، إذ قد ربحنا الواحد الوحيد ربنا يسوع وصار الكنز الخفي الذي للنفس المخفي في داخلها، بل صار هو ثوبها النفيس الذي يستحيل أن تفرط فيه أبدا أو تطرحه عنها !!!

 

فلنختتم هذه المقدمة بكلمات القديس مكاريوس الكبير:

 الديانة المسيحية ليست إذن شيئاً عادياً “هذا السرّ عظيم” (أفسس 5: 32)، لذلك فاعرف قدرتك وسموك لكونك دُعيت إلى الكرامة الملوكية “جنس مختار كهنوت ملوكي وأمة مقدسة”(1بط2: 9)، لأن سرّ المسيحية هو غريب بالنسبة لهذا العالم. والمجد المنظور الذي للإمبراطور أو الملك وكل غناه، إنما هو أرضي وفاني ومضمحل وأما ذلك الملكوت وذلك الغنى السماوي فهو إلهي سماوي ومملوء مجداً وهو لا يفنى ولا يضمحل لأن مثل هؤلاء المسيحيون يملكون مع الملك السماوي في الكنيسة السماوية “وهو البكر من الأموات” (كولوسي 1: 18)، وهم أيضاً أبكار، ولكن رغم أن هذه هي حالتهم وهم مختارون ومقبلون أمام الله، فإنهم يعتبرون أنفسهم أقل الكل وليس لهم أي استحقاق، وقد صار أمراً طبيعياً عندهم أن يعتبروا أنفسهم كلا شيء.

عظات القديس مكاريوس الكبير 27 : 4 صفحة 249

 

في الجزء الثاني سنتحدث عن: [ ثالثاً – مقدمة: معرفة الكتب وقوة الله ]

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

كيف يمكنني أن اعرف الله؟

كيف يمكنني أن اعرف الله؟

كيف يمكنني أن اعرف الله؟

كيف يمكنني أن اعرف الله؟

 

تمييز حجر العثرة

القيام بالخطوة الاولى

 

“إنَّه يسوع. إنَّه يسوع مَن غير حياتي. “أريد لكلِّ إنسان أن يعرف إنَّه يسوع”.

الراحل ﭙاين ستيوارت، لاعبُ الغولف المحترف، مخاطبًا القسِّيس ج. ب. كولنغزورث، بعد مشاهدة ڤيديو يصوِّر انتصار ستيوارت الساحق عام 1999.[1]

 

“الله وحدَه يُغيِّر القلوب”.

يول آزينغر، لاعب الغولف المحترف، مُعلِّقًّا على اهتداء صديقه ﭙاين ستيوارت إلى الايمان بالمسيح

 

“عندكم وعندي، في لبِّ كياننا، فراغٌ لا يسدُّه سوى الله”.

بلايز ﭙاسكال، الفيزيائي الفرنسي البارز في القرن السابع عشر

 

قبل عدَّة سنين، شغلتُ وظيفة العميد الأكاديميّ في كليَّة صغيرة بغرب أميركا الأوسط. وكانت مهمَّتي ان أُقابِل طالبي الوظائف في الكلِّيَّة. وأتذكَّر واحدًا من المرشَّحين كان جديرًا بأن يُحَبّ جدًّا ولكنَّه كان محدود الثقافة. وقد استمتعتُ كثيرًا بزيارته حَرَم كليَّتنا، إلَّا إنَّه تأكَّد  لي إنَّه غير مؤهَّل للوظيفة. فبعد وقت بدا إنَّه نحو ساعةٍ من الملاحظات والتلميحات المُداوَرة، سعيًّا منِّي لأن اكون ودودًا ولبقًا، نظر الرجُل إليَّ وسألني: “ما هي النقطة الجوهريَّة؟” ومِن ثَمَّ، في ظرف خمس ثوانٍ تقريبًا وبجُملةٍ واحدة، أطلعتُه على الحقيقة بصراحة.

وأذكر أيضًا إنَّ طالبًا كان قد حضر دروسي الجامعيَّة اتَّصل بي تليفونيًّا من بيته، على غير توقُّع منِّي، في أثناء العطلة الصيفيَّة. وبعد تبادُل السلام والكلام، مضى يتحدَّث بإسهابٍ كثير عن فرصةٍ انفتح بابُها أمامه. وقد أطرأني كثيرًا وأثنى على كوني شخصًا رائعًا وأُستاذًا رائدًا. فكان لابُدَّ ان أسأله أخيرًا: “ما هي النُقطة الجوهريَّة؟ ولماذا اتَّصلتَ بي؟” وعندئذٍ اعترف بإنَّه يريد أن أُعطيَه 1500 دولار.

وقبلَ ذلك بسنين، حدث لي شيءٌ من هذا النَّوع في مسيرة بحثي عن الله. فإنَّي كنتُ قد قضيت شهورًا طويلة متفاعلاً مع خطوط شتَّى من البيَّنات المُمتازة. كما كنتُ قد تحاورتُ مع أشخاصٍ غير أقلّاء، ورُزتُ الحجَج المؤيدة والحجج المُعارِضة للقيام بالتزامٍ لاتِّباع يسوع المسيح. ولكنْ حلَّ الوقتُ الذي فيه اضطُررتُ لأنْ أطرح السؤال: “ما هي النقطة الجوهريَّة الروحيَّة؟” وقد جعلني ذلك السؤال أرتقي إلى مواجهة الحقيقة: إنَّ ما يؤخِّرني عن الإيمان لم يعُد تلك السلسلة من الأسئلة العقلانيِّة المشروعة. فكان عليَّ أن أتعامل مع أمرٍ أصعب بكثير جدًّا، ألا وهو مبدأ روحيٌّ مُتأصِّل في أعماق طبيعتي.

 

تحديد المبدإ الروحيّ

يمكن تحديد المبدإ الأساسيِّ من خلال حادثة جَرَت لبطرس، قبل أن يصير مؤمنًا ورسولاً.

وإذ كان الجمع يزدحم عليه ليسمع كلمه الله، كان واقفًا عند بحيرة جنِّيسارت. فرأى سفينتين واقفتين عند البحيرة، والصيّادون قد خرجوا منهما وغسلوا الشِباك. فدخل إحدى السفينتين التي كانت لسمعان، وسأله أن يُبعِد قليلاً عن البرّ. ثمَّ جلس وصار يُعلِّم الجموع من السفينة.

ولمّا فرغ من الكلام، قال لسمعان: “ابعُد إلى العُمق، وألقوا شِباككم للصيَّد”.

فأجاب سمعان وقال له: “يا معلِّم، قد تعبنا الليلَ كلَّه ولم نأخذ شيئًا. ولكنْ، على كلمتك، أُلقي الشّبكة”.

ولمَّا فعلوا ذلك، أمسكوا سمكًا كثيرًا جدًّا، فصارت شبكتهم تتخرَّق. فأشاروا إلى شركائهم الذين في السفينة الأُخرى أن يأتوا ويساعدوهم. فأتَوا وملأُوا السفينتين حتَّى أخذنا في الغرق.

فلمَّا رأى سمعان بطرس ذلك، خرَّ عند ركبتي يسوع قائلاً: “اخرُج من سفينتي، ياربُّ، لإنَّي رجُل خاطئ!” إذِ اعترته وجميعَ الذين معه دهشةٌ على صيد السمك الذي أخذوه …[2]

 

 

 

الشرط الأساسيُّ للإيمان

بعد قضاء الليل بطوله في الصيد بغير إمساك أيِّ شيء، كان بطرس وصيّادو السمك الذين يُعاوِنونه يغسلون الشِباك، مُتشوِّقين على الأرجح إلى قسط من الراحة. ولم يكن الصَّيد هواية العطلة الأُسبوعيَّة لدى بطرس، بل كان بالحريِّ مهنة حياته. فكان خبيرًا وعليمًا بكل لمحة من ملامح البحيرة علمًا دقيقًا. ولا شكَّ إنَّه استخدم كلَّ طريقةٍ يعرفُها في تلك الليلة. فلم يكُن السمك يؤاتي صيَّاده الذي ربَّما اشمأزَّ واعتكر مزاجه.

في ذلك الإطار، ظهر يسوع، النّجار والمعلِّم الدينيُّ الجوَّال (وصيّاد السمك المُبتدئ!)، ليقترح طرح الشباك في المياه العميقة. ثُمَّ تحدث حادثةٌ تنطوي على عِبَرٍ ودلالات وافرة. فقد تباطأ بطرس، على نحوٍ بادٍ، لثقته بإنَّه يعرف تمامًا ما سيجري (وفضلاً عن الإخفاق في اصطياد أيِّ سمك، لا بدَّ أن يعني ذلك غسل الشِباك من جديد). وتجنُّبًا لأيَّة خيبة بمشهدٍ من مُعاونيه، يتيقّن بأن يعرفوا إنَّ تلك ليست فكرته (“على كلمتك”). فبطرس يعتقد إنَّه يعرف أفضل ممّا يعرفه يسوع. إذ إنَّ الصَّيد ميدانُه وله فيه صولاتٌ وجولات، وهو على الشاطئِ الخبيرُ البارع. وعلى كلِّ حال، ماذا يعرف معلِّمٌ دينيٌّ طوَّاف عن الصَّيد؟ من هذا المُنطلَق يُخاطِب بطرسُ الربَّ يسوع قائلاً له “يا مُعلِّم”، وهذا لقبُ احترامٍ بالطبع، إلاَّ إنَّه يلحظ ناسوته فقط.

الرسم 1

بعدئذٍ يأتي صيدُ السمكِ العجيبُ المُذهِل. وتصدر عن بطرس استجابةٌ ذاتُ شأن. فهو الآن يصف نفسه بإنَّه “رجُل خاطئ” ويُخاطِب يسوع على إنَّه “ربّ”، بمعنى صاحب السيادة المُطلقة. والكلمة اليونانيَّة التي استخدمها هي “كيريوس”، ومعناها أحيانًا “سيِّد” إلاَّ إنَّها في أغلب الحالات الترجمةُ اليونانيَّة للكلمة العبريَّة “يهوه” أي الربّ أوِ الله. فبالنظر إلى اتِّضاع بطرس المُفاجئ واستجابته بالتعبُّد، يتَّضح إنَّه ينسب الأُلوهة إلى يسوع.[3]

إنَّ المبدأ الروحيَّ يمكن أن يظهر بوضوح لدى الرجوع إلى الرسم 1. فالمُثلَّثان الأعلى والأدنى داخل المُستطيل يُمثِّلان بطرس ويسوع على التوالي. وقبل صيد السمك العجيب، يبدو بطرس بصفته “الخبير” ويتصوَّر إنَّه يعرف أكثر ممَّا يعرفه يسوع (كما يتَّضح من قاعدة مُثلَّثِه الكبيرة عند أقصى اليمين). وإذ تتكشَّف الحادثة، مثلما يُصوِّرها سهمُ “سبيل الإيمان” المائلُ صعودًا من اليمين إلى اليسار، يصغر المُثلَّث الأعلى الذي يُمثِّل بطرس، ويكبر المُثلَّث الأدنى الذي يُمثِّل يسوع (كما يتَّضح من قاعدة مُثلِّثه الكبيرة عند أقصى اليسار). فإنَّ تلك المعجزة أظهرت محدوديَّات بطرس واستقلاليَّته المتَّسمة بالكبرياء. وقد كانت النتيجة اعترافه بخطيَّته وإقراره بكون يسوع ربًّا. فإدراك بطرس إنَّ يسوع هو الربُّ نقله من الكبرياء إلى الإتِّضاع. وغالبًا ما يحصل هذان التبصُّرُ والانسحاق عند سلوك السبيل إلى علاقةِ إيمانٍ بيسوع.

 

مفتاحُ الانتِفاع

في الإيضاح المعروض في الرسم 1 مضامين جليَّة تتعلَّق بحياتنا. فعلى الصعيد العقليّ، ربَّما تكون مقتنعين من البيَّنات بإنَّ يسوع هو الله مُتجسِّدًا. ولكنَّ غرورنا وكبرياءنا قد يحولان دون اعترافنا بإنَّنا في حاجةٍ إليه. فما دُمنا نعتقد إنَّنا نحنُ الفُهَماءُ والخُبَراء، نبقى غير مستعدِّين للإذعان لحقِّ يسوع من حيث كونُه ربًّا في توجيه حياتنا. وكما قال المسيح للفرِّيسيِّين ذوي البرِّ الذّاتيِّ والكبرياء: “لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى: لم آتِ لأدعوَ أبرارًا، بل خُطاةً، إلى التوبة”.[4]

وفي حالتي الشخصيَّة، لم يكُن الاتِّضاع من شِيَمي الثابتة. فإنَّ كبريائي كانت العائق الأكبر الذي حال دون قبولي الإيمان والإتِّكال على الربِّ يسوع. وفي سبيل اتِّباعي له طائعًا، كنتُ في حاجةٍ إلى اختبار غفرانه لى وإخضاع حياتي لأغدوَ متّكلاً على القوَّة التي يعطيني إيّاها الروحُ القدس.

 

إيضاحُ المبدإ الروحيّ

قد يكون من المفيد أن نُوضِح كيف ظهر هذا المبدأُ الروحيُّ في حياة كلٍّ من يوحنّا المعمدان وموسى، وهُما شخصان استخدمهما الله في دورين بالِغي الأهميَّة.

 

يوحنّا المعمدان

كان يوحنّا المعمدان أكبر من يسوع بستَّة أشهر، وقد عاش حياةً اتَّسمت بنكران الذات ووحدة الغَرَض. فإنَّ حياته بكاملها كانت تهيئةً لإعلان مجيء يسوع المسيح، “حمل الله الذي يرفع خطيَّة العالم.”[5]  وكان له تلاميذ كثيرون يتبعونه شخصيًّا، كما كانت له شعبيَّة مرموقة. وقد ضحَّى تضحياتٍ عظيمةً في سبيل النجاح الذي كان يختبره. وكان سهلاً عليَّ أن أتصوَّره مدافعًا باستماتةٍ عن حقّه في منصبه وشهرته.

إنَّما بعد بضعة أشهر، جاء إلى المعمدان تلاميذُه يشكون همًّا مسؤّغًا: إنَّ مزيدًا من النّاسِ شرعوا يتبعون يسوع بدلاّ منه. وبدا جليًا إنَّ أتباع يوحنّا أخذت فيهم الغيرة ورأوا في أنشطة يسوع انتهاكًا لحقوق معلِّمهم. غير إنَّ يوحنّا رأى الأمر من زاوية أخرى، إذ شهد قائلاً: “يأتي بعدي رجلٌ صار قدَّامي، لإنَّ كان قبلي… لستُ بمستحقٍّ أن أحلَّ سيور حذائه.”[6] وباتِّضاعٍ كلِّيٍّ صرَّح بعدُ: “لا يقدر إنسان أن يأخذ شيئًا إن لم يكُن قد أُعطي من السّماء…  ينبغي إنَّ ذلك يزيد، وإنَّي أنا أنقص.”[7]

كيف استطاع يوحنّا أن يفعل ذلك؟ لإنَّه كان على علاقة إيمانٍ بالله، وعلم إنَّ العمل بمشيئة الله الأزليَّة أهمُّ من المنصب والنّجاح الوقتيَّين. بعبارةٍ أخرى، لقد تعلَّم الاتِّضاع. وقد امتدح المسيح مثل هذا الموقف إذ تكلَّم فيما بعد عن يوحنَّا المعمدان، فقال: “إنَّه بين المولودين من النساء ليس نبيٌّ أعظم من يوحنّا المعمدان.”[8] ولا شكَّ إنَّه في سني دراستي الجامعيَّة كان صعبًا عليَّ أن أتصوَّر طبيعتي المُنافِسة خاضعةً للسّيطرة والتوجيه في مثل هذا السبيل المتَّسِم بالاتِّضاع.

 

موسى

لا بدَّ لأيِّ امرئٍ تعرَّف بمآثر موسى في مصر من أن يَرنوَ إليه كما لو كان عملاقًا بين البشر. ولكنَّ قلَّةً يدركون إنَّ شهرته مؤسَّسةٌ كلِّيًّا على مرحلة حياته التي عاشها بعدما بلغ من العمر ثمانين سنة. وكما سأُحاوِل أن أُبيِّن، في الواقع إنَّ إعمال المبدإ الروحيِّ المُحدَّد آنفًا في حياته الباكرة كان هو مفتاحَ عظمته المتأخِّرة.

وُلِد موسى ابنًا لأبوين مُستعبدَين بمصر في زمن تالٍ لإعلان الفرعون حكمًا بالإعدام بحقِّ الأطفال العبرانيِّين الذكور حالَ ولادتهم.[9] وفي تحرُّكٍ يائس لإنقاذ حياته، وضعته أُمُّه في سلَّ بين بعض القَصَب على مقربة من نهر النيل خلف القصر الملكيّ. ولدى عثور ابنة الفرعون على الطفل الباكي، تحنَّنت على موسى وتبنَّته باعتباره ابنًا لها. فبفضل هذه الظروف التي رتَّبتها عناية الله، تنعَّم موسى برفاهيَّة القصر وامتيازاته طيلة أوَّل أربعين سنة من حياته. ويُوصَف بإنَّه “تهذَّب… بكلِّ حكمة المصريِّين، وكان مقتدرًا في الأقوال والأفعال.” وبغير استثناء، كان هو العبرانيُّ الأكثر ثقافةً ونفوذًا في عالَمِ زمانه.

وفي نحو الأربعين من العمر، ارتكب موسى فعلَ خيانةٍ بقتله حارسًا مصريًّا بدافع العطف على عبدٍ عبرانيٍّ كان يتلقَّى منه الضرب. وحاول أيضًا أن يكون حَكَمًا أو قاضيًا في النزاعات بين العبرانيِّين وتكمن أهميَّة أنشطةٍ من هذا النوع في تصوُّر موسى لنفسه، إذ “ظنَّ إنَّ إخوته يفهمون إنَّ الله على يده يُعطيهم نجاةً.”[10] إنَّما لا يتضمَّن الكتابُ المقدَّس أيَّة عبارة، ولا حتَّى تلميحًا، تُفيد إنَّ الله فاتَح موسى آنذاك بأن يكون المُنقِذ المُختار لدَيه. فإنَّ الله فاتَحه بذلك فعلاً وانتدبه لهذه المهمَّة بعد مُضيِّ أربعين سنة. وقد كان ذلك تأجيلاً حاسمًا لسبب مهمٍّ جدًّا.

يبدو جليًّا إنَّ موسى تصرَّف من تلقاء ذاته. لماذا؟ لقد كان هو “الآمِرَ المُطاع” في القصر! ومهما كانت نيَّته حسنة، فواضحٌ إنَّه بالغَ في تقدير أهميَّته ومعصوميَّته الذاتيَّتين. فهو كان الخبيرَ العليم! وقد دفعت موسى كبرياؤه إلى الظنِّ بإنَّه لو وُجِد أحدٌ له قدرةٌ وقوَّة لإنقاذ العبرانيِّين من العبوديَّة لكان هو ذلك الشخص. غير إنَّه لقي الصدَّ من قِبَل بني قومه، وممَّا زاد الطين بلَّةً إنَّ عائلته المصريَّة المُتبنيَّة لفظت بحقّه حكمًا بالإعدام. وها هو قد فشل فشلاً ذريعًا، هرب لينجو بحياته إلى صحراء العربيَّة السعوديَّة حاليًّا، بقربِ خليج العقبة.

ما مِن مُرشِدٍ مهنيَّ كفوء تخطر في باله فكرةُ إسناد مهنة رعيٍ في البرِّيَّة إلى العبرانيَّ الأكثر ثقافةً وكفاءةً في العالم. إنَّما الله وحده قادرٌ أن يعلم كيف يكون تعيينُ عملٍ مدَّتُه أربعون سنةً في الصحراء علاجًا إصلاحيًا لصاحب دعوى خاسرة بالكفاءة الذاتيَّة والقيمة الشخصيَّة. وفي وسعي أن أتصوَّر إنَّ موسى لا بدَّ ان يكون قد فكَّر مرارًا وتكرارًا في إخفاقه وكيفيَّة تبديده كلَّ شيءٍ تبديدًا مروِّعًا من جرّاء تهوُّره. فلقد كانت الدُّنيا مِلكَ يمينه، إلاّ إنَّه ضيَّعها!

 

فَهْمُ سؤاَلين

“مَن أنا؟”

على هذه الخلفيَّة، بعد أربعين سنة، تكلَّم الله إلى موسى من وسط عُلَّيقة متَّقدة في الصحراء، قائلاً: “الآنَ هلمَّ فأرسلك إلى فرعون، وتُخرِج شعبي، بني إسرائيل، من مصر!”[11] قبل ذلك بأربعين سنة، ربَّما كان من شأن موسى أن يُفكِّر قائلاً: “يا الله، إنَّي لا أعرفك جيِّدًا جدًا، ولكن عليَّ أن أُناوِلك يدي. يقينًا إنَّك تعرف كيف تنتقي الرجال. فإذا كان أحدٌ يستطيع أن يُنجز مهمَّة كهذه، فإنَّا أستطيع بكلِّ تأكيد”. ولكنْ في الثمانين من العمر، بعد أربعين سنةً في البرِّيَّة، يُجيب موسى: “مَن أنا حتَّى أذهب إلى فرعون، وحتَّى أُخرِج بني إسرائيل من مصر؟” هذا هو موسَى آخر، رجلٌ ذو اتِّضاع! ثُمَّ إنَّه قبل أربعين سنة جرَّب فعلاً ما يطلبه الله منه الآن، فلم يُفلِح. فلماذا قد يختلف الأمرُ الآن في شيء؟ لم يكُن موسى قد فهم بعدُ أهميَّة سؤاله الخاصِّ الحيويّ: “مَن أنا؟”

إنَّ جواب الله لموسى حاسمٌ في مبحثي: “إنَّي أكون معك!” فالمعنى الضمنيُّ جليّ: لمَّا حاول موسى إنقاذ شعبه قبل أربعين سنة، فعل ذلك من تلقاء ذاته، ربَّما لإنَّه ظنَّ إنَّه كفوءٌ تمامًا وحده. ولذلك أخفق. فهذه المرَّة لن يكون التعويلُ على كفاءة موسى بل على قوَّة الله العاملة فيه لأجل ضمان النجاح. وفي الأربعين، كان موسى العبرانيَّ الأكثر ثقافةً وكفاءةً في العالم، فكان رجُلاً ذا كبرياء بوصفه الخبيرَ العليم. أمَّا في الثمانين، فكان رجُلاً ذا اتِّضاع يُقِرَّ بحاجته إلى الله كي ينجح حقًّا في حياته وأعماله.

“مَن أنا؟”، أو بصورةٍ أفضل: “مَن أظنُّ أننَّي أنا؟”، كان هو السؤال الحاسم الأوَّل الذي واجهتُه أنا بوصفه النقطة الجوهريَّة الروحيَّة لديَّ. وقد كان تقاعُسي عنِ الاعتراف بقُصوري الخُلقيِّ الخاصِّ واحتياجي الفعليِّ عائقًا أكبر من أيِّ عاملٍ آخر يحول دون اعترافي بالمسيح ربًّا اعترافَ إيمانٍ صادق.

 

“اللَّهمَّ، مَن أنت؟”

ما زال موسى غير مُتيقِّن. فلديه ذكرى أليمة ما برح يحملها منذ أربعين سنة، أعني رفض شعبِه له: “مَن جعلك رئيسًا وقاضيًا علينا؟” كما قال واحدٌ منهم. وإذ خشي موسى تكرار هذا الرَّفض، سأل: “اللَّهمَّ، مَن أنت؟” إذ قال لله: “إذا قالوا لي: ما اسمُه؟ فماذا أقول لهم؟” فجاء جواب الله جليلاً مهيبًا: “أهْيَهِ الذي أهْيَه … أهْيَه أرسلني إليكم!” ومعنى الاسم: “أكونُ الذي أكون” أو “أنا الكائن بذاتي”. فعلى موسى أن يذهب إلى الشعب بوصفه أداةً بيد الله الذي هو “أنا الكائن”، مَن لا بداية له ولا نهاية، الحاضر دائمًا وأبدًا، الواحدُ الأزليّ. ثُمَّ إنَّ موسى عبَّر عن خشيته ألاَّ يُصدِّقوه، إذ قال: “ولكنْ ها هم لا يُصدِّقونني ولا يسمعون لقولي! …”[12] فمضى الله قُدمًا ليُحوِّل عصا الراعي التي بيد موسى إلى حيَّة ثمَّ يردَّها عصا، ويجعلَ يده برصاء كالثلج ثُمَّ يعيدَها سليمة. إنَّ الله لم يكن يُركِن إلى ثقافة موسى وقدراته. فله كاملُ السُّلطة والقوَّة في الكون كلِّه. وقد بينَّ لموسى بوضوحٍ إنَّه قديرٌ وراغبٌ في ملء الأواني البشريَّة الخاضعة والمتواضعة بمحبَّته وقدرته، ما دام المدح والفضل يُعادان على النحو الموافق إلى مصدر كلِّ خير وصلاح، إلى الله نفسه.

هذان هما السؤالان الخالِدان اللذان ينبغي لكلِّ واحدٍ منّا أن يواجههما في فكره واختباره عند الإقبال إلى الإيمان بيسوع المسيح. فعلى الرُّغم من قدراتنا، ينبغي أن نُدرِك إنَّ أمرًا ما يظلُّ ناقصًا من حياتنا. وطِباقُ القوَّةِ والإتِّضاعِ الظاهرُ في حياة موسى المتأخِّرة لا بدَّ أن يكون جذَّابًا لنا. وقد امتُدح موسى من أجل “جميع الآيات والعجائب التي أرسله الربُّ ليعملها في أرض مصر بفرعون”، ومن أجل “كلِّ اليد الشديدة وكلِّ المخاوف العظيمة التي صنعها …” ومع ذلك فقد وُصِف بإنَّه “كان حليمًا جدًّا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض.”[13] ومن المُستبعَد أن يكون تعلَّم الإتِّضاع في بلاط الفرعون بمصر. فلعلَّنا نحن أيضًا ينبغي لنا أن نُفكِّر في زيارة إلى الصحراء كي نتعلَّم الرعاية!

 

تطبيقُ المبدإ الروحي

لم يكُنِ السؤالان “مَن أنا؟” و”اللَّهمَّ، مَن أنت؟” قد تشكَّلا في تفكيري حين كنتُ أخوض صراعًا مع التزامي الشخصيِّ للإيمان. غير إنَّ المفهوم كان حاضرًا. فقد تبيَّن لي إنَّ “مَن ظننتُ إنَّني أنا” حدَّد إلى مدَّى بعيد “كم يمكن أن يكون إلهي عظيمًا”. وقد وقعتُ على هذه الفكرة في قراءتي سي أس لِويس:

“إنَّ علاقةَ المرء بالله وبيسوع المسيح هي علاقةُ شخصيَّة صرف. فلا يستطيع المرء أن يبقى على الحياد بشأن الله”.

شارلز كولسُن

مُعاوِن سابق

في البيت الأبيض

تجد في الله ما هو مُتفوِّقٌ عليك تفوُّقًا لا حدود له من كلِّ ناحية. وما لم تعرِف الله بهه الصفة (ومن ثمَّ تعرف نفسك باعتبارك لا شيئًا مقارنةً به) فلن تعرفه أبدًا. فما دمتَ متكبّرًا، فلا يمكنك أن تعرف الله.[14]

إنَّني كنتُ في الوقت نفسه مُتردَّدًا وغير قادرٍ على جعل نفسي أصغر، إن صحَّ التّعبير. فلم يكُن قبل أن أعلن لي الله كم هو كبيرٌ إنَّني أخيرًا رأيتُ نفسي صغيرًا مقارنةً به. ولقد غيَّر ذلك مجرى حياتي.

 

جَردةُ لموجوداتي

وُلِدت وتربَّيت في حيٍّ زراعيٍّ صغير في الجنوب الشرقيِّ في ولاية داكوتا الجنوبيَّة. ولم يَكَد يُعقَل أن تكون تلك البيئة منشأً للغطرسة، مع إنَّنا كُنّا على سبيل الدُّعابة نُعبِّر عن فخرنا بكوننا على الأقلّ لسنا من ولاية أيوا المجاورة!

وقد ورثت عن أبويَّ عدَّة موجودات، إلاَّ إنَّ أمرين يبرزان بكونهما تميَّزا بأهميَّة خاصَّة في نظري. وبالحقيقة إنَّهما كانا مهمَّين جدًّا عندي حتَّى سمحتُ لهما بأن يصيرا عائقَين. الأوَّل إنَّني كنتُ ذا قدرة رياضيَّة جيِّدة. ولئن أدركتُ في ما بعد تمامًا إنَّ نطاق مقارنتي لم يكن واسعًا جدًّا، فإنَّني من حيثُ كنتُ أقف بدَوتُ “جيِّدًا إلى حدٍّ بعيد”. وقد أتاحت لي بطولات الأفرِقة والمنطقة والولاية، في مختلف الألعاب الرياضيَّة، أساسًا لحسبان نفسي أفضل من الآخرين؛ الأمرُ الذي تعزَّز دوريًّا بالتغطية الصحافيَّة التي حظيتُ بها من قِبَل صحيفتنا المحليَّة الأُسبوعيَّة. وكانت أخبار الصفحة الأُولى تشتمل على إنجازات كرة القدم في الثانويَّات المحليَّة، فضلاً عن الأنباء البارزة الأُخرى في المجال الرِّياضيّ. وكُلَّما خُبِّر عنِّي مزيدٌ من المقالات أوِ الأخبار، تضاعفت أنانيَّتي. وكان المُدرِّبون أوَّل من تنبَّهوا إلى وجود مشكلة إذ وجب عليهم كلِّ أسبوع أن يُعطوني خُوذةَ كُرةِ قدم أكبر!

أمَّا ثاني إرثٍ حوَّلتُه إلى عائقٍ شخصيّ فكان فطنتي العقليَّة. وقد جاءتني العلامات العالية بكلِّ يُسر، ورمقني أترابي على إنَّي “صاحبُ دماغٍ كبير”. فإذا بالاعتبار والجوائز التي نلتُها في المجال الأكاديميّ، مضافةً إلى إنجازاتي الرياضيَّة، تُشكِّل الصيغة التي أمدَّت هويَّتي الذاتيَّة وقِيَمي بالوقود الفعّال. في ذلك الحين لم يكُن الله ضروريًّا عندي، ما دمت أُبلي حسنًا بمعزلٍ عنه. ولم أكن مُتغطرِسًا بمقدار ما كنتُ مكتفيًا بذاتي ومغرورًا.

وكان في أثناء درسٍ عمليّ في مختبر علم الأحياء، وأنا في السنة الجامعيَّة الثانية، إنَّني التقيتُ فتاةً لها نظرةٌ مختلفة إلى الحياة. وقد كانت ﭬِرني أيضًا مقتدرة جدًّا، غير إنَّها تحدَّثت عن علاقة شخصيَّة بينها وبين الربِّ يسوع. كانت تلك هي النقطة المحوريَّة في حياتها، وقد حدَّدت رضاها الذاتيُّ وقِيَمها. وكان لديها تواضُعٌ أيضًا. فوجدتُها جذَّابة، وشرعنا نقضي بعض الوقت معًا. وقد دفعني تأثيرها إلى الإنطلاق في مسيرة بحثٍ روحيَّة دامت بضع سنين. وكان بعد بضعة أعوامٍ إنَّنا تزوَّجنا. وقد أحببتُها هي ومادَّةَ علم الأحياء والربَّ الذي دلَّتني عليه مُذ ذاك! غير إنَّ السنين السابقة لذلك الحين انتجت لديَّ إفلاسًا روحيًّا وضع قدميَّ على دربٍ جديد.

 

النجاح الوقتيُّ

كان من البديهيِّ أن أُعِدُّ نفسي لدخول الجامعة. وكان من شأن النظر في عُروض المِنَح التعليميَّة واختيار الأنسب من بينها أن يكون اختبارًا من اختبارات القصر (على غِرار موسى)، وقد جعلني أشعر بإنَّني مُمسِكٌ بزمام مصيري. وقد يسَّرت لي سنو الدراسة في الجامعة فُرَصًا لإحراز مزيد من المآثر الرياضيَّة، والإنجازات الأكاديميَّة، بلِ الاعتبار الاجتماعيِّ أيضًا، إذ دُعيتُ “مَلِك حفلة فالنتين” في حَرَم الجامعة.

وعلى الصعيد الفكريِّ، تكوَّن لديَّ الانطباعُ الأقوى حيال من تعرَّفتُ بهم في كليِّة العلوم الطبيعيَّة من مدرَّسين وباحثين منطقيَّين وعقلانيِّين لكنْ جذَّابين ومحبوبين. فإنَّهم لم يتزحزحوا عن قناعتهم العلميَّة بشأن التطوُّر البشريِّ في وجه الانتقاد الصادر عمَّن اعتبرتُهم آنذاك أشخاصًا أقلَّ علمًا وذوي أُفق دينيٍّ ضيِّق. وقد انطوى اختياري التخصُّص في علم الأحياء والإعداد التربويّ للمرحلة الثانويَّة على عُنصرٍ إنقاذيّ. أعني إنَّي كنتُ ناويًا أن أنطلق وأُنقِذ الجيل التالي من التزمُّت الدينيّ حتّى ينعم أهلُه بهذا الفهم العلميّ الأكثرِ تَنوُّرًا.

أمَّا قمَّة غروري الباطل باعتباري “الخبير الفهيم” فقد برزَت في سنتي الأولى مُعلِّمًا ثانويًّا لموادِّ العلوم العامَّة، وعلم الأحياء والكيمياء. إذ تلقَّيتُ اتِّصالاً تلفونيًّا من المسؤول عن برنامج دراسات عُليا في علم الأحياء بجامعةٍ رسميَّة، بقصد إقناعي بزيارة الجامعة على سبيل التعرُّف. ولكنّي شرحتُ له إنَّ سني دراستي الجامعيَّة، وممارستي لثلاث رياضات طوال تلك المدَّة، وإنجازي المُقرَّرَ الشاقَّ في العلوم، جعلتني كلُّها مُجهَدًا مرهقًا. فلم أكن أرنو إلى استئناف الدراسة الجامعيَّة العُليا في الحال. غير إنَّني على كلِّ حال أكملتُ عمليَّة تقديم الطلب، لإنَّه في الجوهر بعد تدريس العلوم العامَّة ثلاثة أشهُر لطلاّبٍ في أوائل المرحلة الثانويَّة بدا جليًّا لي إنَّ في الحياة أُمورًا أسوأ من العودة إلى الدراسة.

وبُعيدَ عطلة عيد الميلاد، استُدعيتُ إلى مكتب المدير لتلقّي مخابرة خارجيَّة. وقد كان ذلك المسؤول عينُه في قسم الدراسات العُليا يتَّصل بي مُهنّئًا إيّاي بقبولى في دائرة علم الأحياء، ويُعلِمني باختياري مُستفيدًا من منحةٍ وطنيَّة كاملة تتكفَّل بدفع جميع نفقات تخصُّصي، فضلاً عن مُرتَّب يكفي لإعالتي على مدى السنين الأربع أو الخمس التي يستغرقها إعدادي لشهادة دكتوراه في الفلسفة. وكان ينبغي لي أن أخرَّ على ركبتي ذارفًا دموع العرفإنَّ والامتنان… إلاَّ إنَّي لم أفعل ذلك. ويُربِكني ويُخجِلني الآن أن أسترجع أفكاري وأنا أتوجَّه إلى مُختبر العلوم المُخصَّص لي: “عندما تكون جيِّدًا كفايةً، يحصل لك هذا النوع من الأمور!” لقد تصوَّرت إنَّني فُزتُ بتلك المكافأة عن جدارة. وبدلاً من اختبار العرفإنَّ والشُكران، كانت تلك أقصى رحلةٍ ما على طريق الأنانيَّة، كيف لا وأنا سأصير دكتورًا في الفلسفة؟!

 

الإفلاسُ الروحيّ

لا بدَّ إنَّ الله ضحك ضحكةً رنّانة، إن جاز التعبير، إزاء إدّعائي القبض على ناصية الدُّنيا! وبُعيدَ وصولي إلى الجامعة للبدء بدراستي العُليا، قابلتُ بضعة رجالٍ من المؤمنين بالمسيح، ممَّن لم يُناسِبوا قالب فكرتي المقرَّرة عن المؤمنين بإنَّهم لاعقلانيُّون. حتَّى إنَّ بعضهم كانوا عُلَماء جامعيِّين من حَمَلة الدكتوراه. ولم يكن أيٌّ منهم من مُزعِج عند ترويج إيمانه، الاّ إنَّهم دافعوا عنه فعلاً ببيِّناتٍ ما كنتُ أعرف قطُ إنَّها موجودة. ولقد تساءلت خصوصًا كيف يُعقَل أن يُسوِّغ أحدٌ تصديق كتابٍ مقدَّس يُروِّج لأساطير سبقت حقائق العلم، منها – على سبيل التمثيل – خلقُ العالم بصورة خاصَّة في ستَّة أيَّام يتكوَّن واحِدَها من أربعٍ وعشرين ساعة، وجهنّمٌ فعليَّة (من نارٍ وما شابه)، وإبليسٌ حقيقيّ.

لستُ أستذكر أيَّةَ علائقِ مُخاصمةٍ بأولئك الرجال، ولكنَّني في قرارة نفسي عقدتُ العزم على أن أُبرهِن إنَّني على صواب. وشرعتُ أقرأ كتبًا أعطَوني إيّاها عن البيِّنات الخارجيَّة المستمدَّة مثلاً من عِلم الآثار ودراسة المخطوطات. وكم كانت مفاجأتي شديدةً إذ تبيَّن لي إنَّ مضمون كتاب العهد الجديد هو الأكثر موثوقيَّةً بين جميع الآثار الكتابيَّة القديمة! ثُمَّ استنهض رجلٌ آخر همَّتي كي أقرأ كتاب العهد الجديد مباشرةً وأدرسَه دراسةً نقديَّة مُجرَّدة. صحيحٌ إنَّني كنت مُطَّلِعًا على الكتاب المقدَّس منذ صِغَري، ولكنَّني لم أكُن قد فحصتُ صِدقيَّته راشدًا.

وأوَّلَ مرَّة في حياتي وجدتُني أستخدم أدوات البرهنة والاستدلال والتعليل العقليِّ في فحص الإيمان والنظر فيه. ثمَّ استمرَّت هذه العمليَّة الدراسيَّة أشهُرًا. وكنتُ أقضي في تفحُّص الكتاب المقدَّس والكتب البُرهانيَّة عنه وقتًا يُعادِلُ ما أقضيه في إنجاز دراساتي العُليا في عِلم الأحياء. وقد تكشَّف لي تدريجيّاً إنَّني كنتُ مُخطئًا في مُعظَم ما بنيتُ شُكوكيَّتي على أساسه. فإنَّ البيِّنات المؤيِّدة للمسيحيَّة، والتي كنتُ أتعلَّمها، بدأت تُشبِع فُضولي وتُرضي عقلي. ولكنَّ الله لم يكن على مَقرُبةٍ منّي، ولا شعرتُ بأيَّة علاقةٍ به آنذاك.

إنَّما كان الأمرُ اللافت إنَّ قراءاتي ظلّت تعود بي إلى التركيز على شخص يسوع المسيح. وقد خلب لبّي فعلاً، فإنَّجذبتُ إليه ونفرتُ منه في آنٍ معاً. فإنَّ حياته راقتني: عطفُه وحنانه وفطنته، وإحساسه المُرهف، وقدرته وقوّته وسمّوه الخُلقيّ. ولكنَّ بعضًا من تعاليمه هالتني: السُّلطان المطلق، القداسة التي لا هوادة فيها، الغفران اللامُتناهي ولو من نحو الأعداء. ففي سرِّي، على غِرار بطرسَ “الخبيرِ” العليم بالصَّيد، كنتُ ما أزال أعتقد إنَّ هذه بعضٌ من الأُمور التي أنا أعلمُ من يسوع بها!

وقد حصلت نقطة التّحوُّل في حياتي في أواخِر إحدى الليالي بطريقةٍ ما كنتُ أتوقَّعها قطّ. كانت زوجتي ڤرني قد أوَت إلى السرير، تاركةً إيّاي وحدي أُقارع الكتب كعادتي حتَّى ساعات الصباح الباكرة. وعند نُقطةٍ ما، عزمتُ على القراءة في الكتاب المقدَّس حينًا. ولستُ أذكُرُ السبب، غير إنَّي اجتُذِبتُ إلى سفر أيُّوب من العهد القديم. وإذ كنتُ مطبوعًا على التنافُس، قرأتُ بانتباهٍ التحدِّيَ الذي قدَّمه إبليس لله بشأن حياة أيُّوب.[15] ولمَّا قرأتُ عن المُصيبة التي حلُّت بأيُّوب، خُيَّل إليَّ إنَّ الله كان غير مُنصِفٍ في معاملته، وتعاطفتُ مع أيُّوب عندما صرخ مظلومًا: “اِعلموا إنَّ الله قد عوَّجني”.[16] وتراءى لي إنَّ من حقِّه تمامًا أن يقول: “فقط أُزكِّي طريقي قدَّامه… هَأنذا قد أحسنتُ الدعوى…  ادعُ فإنَّا أُجيب، أو أتكلَّم فتجاوبني.”[17] إذ ذاك رأيتُ إنَّ على الله أن يُقدِّم حسابًا ما. تُرى، مَن يحسب تعالى نفسه على كُلِّ حال؟

ولقد أُعطي أيُّوبُ فُرصتَه. وأنا دُهشتُ مثل أيُّوب لمَّا ظهر الله وتكلَّم إليه: “مَن هذا الذي يُظلِم القضاء بكلامٍ بلا معرفة؟ اشدُدِ حَقَويك كرجُل، فإنَّي أسألك فتُعلِّمني!”[18] وقد تكلَّم الله مُتهكِّمًا عندما قال إنَّه سيجلس عند قدميّ أيُّوب كي يتعلَّم منه! وليس ممكنًا أن نشعر بتأثير هذه المحاورة كاملاً دون أن نقرأها كلَّها في الإصحاحات 38 – 42 من سفر أيُّوب. إلاَّ إنَّ من شأن بعض المُقتَطَفات من مُساءلات الله أن تُعطيَنا فحواها فحسْب:

أين كنتَ حين أسَّستُ الأرض؟ أخبِر إن كان عندك فهم مَن وضع قياسها؟ لإنَّك تعلم! …

هل في أيَّامك أمرتَ الصُّبح؟ هل عرُّفتَ الفجر موضعه؟ ….

  هلِ انكشفَت لك أبوابُ الموت؟ …

  هل تربط أنت عُقَد الثريّا، أو تفكُّ رُبط الجبّار؟

  أتُخرِج المنازلَ في أوقاتها؟ …

  مَن وضع في الطَخاء (أو القلب) حكمةً، أو مَن أظهر في الشُّهب (أو العقل) فِطنة؟ …

 

لقد كانت هذه كلُّها أسئلةً عن الدِّقة والرَّوعة اللتين يتميَّز بهما الكون. وخطر في بالي إنَّ الله قد تبحًر حقًّا في العلوم. وقد كان ذلك هو المجال الذي كنتُ أنا بارعًا فيه. غير إنَّ هذه الأسئلة غاصت في أسرار الأُصول والوظائف غوصًا أعمق ممَّا واجهتُه في أيِّ امتحانٍ اجتزتُه. ومهما يكُن، فالأفضلُ آتٍ، بعدُ: علمُ الأحياء، اختصاصي!

مَن يُهيّئ للغراب صيده، إذ تنعب فراخُه إلى الله، وتتردَّد لعدم القوت؟ …

من سرَّح الفراء حُرًّا، ومَن فكَّ رُبط حمار الوحش؟ …

هل أنت تُعطي الفرس قوَّته، وتكسو عنقه عرفًا؟

أمن فهمك يستقلُّ العُقاب، وينشر جناحيه نحو الجنوب؟ أو بأمرك يُحلِّق النَّسر ويُعلِّي وكره؟ …

وبعدَ أصحاحَين كاملَين من الأسئلة العلميَّة، توجَّه الله نحو أيُّوب سائلاً: “هل يُخاصِمُ القديرَ موبَّخه، أم المُحاجُّ الله يُجاوِبه؟” وقد جاء جوابُ أيُّوبٍ خلافَ ما توقَّعتُه: “ها أنا حقير، فماذا أُجاوِبك؟ وضعتُ يدي على فمي. مرَّة تكلَّمتُ فلا أُجيب، ومرَّتين فلا أزيد.”[19]

وفي غروري، تصوَّرتُ إنَّ جواب أيُّوب كان تملُّصًا على الأرجح. أفلم يعرف أيَّ شيء عن هذه المسائل؟ إنَّني لم أكن بعدُ قد رأيتُ بمثل الوضوح الذي به رآه أيُّوب.

ثُمَّ أردف الله قائلاً لأيُّوب: “لعلَّك تُناقِض حكمي: تستذنبني لكي تتبرَّر أنت؟ هل لك ذراعٌ كما لله، وبصوتٍ مثل صوته تُرعِد؟… فرِّق فيض غضبك، وانظُر كلَّ مُتعظِّم واخفِضه… فإنَّا أيضًا أحمدك لإنَّ يمينك تُخلِّصك!”

يلي ذلك أصحاصان آخران حافِلان بالأسئلة المتعلِّقة بالنظام والتصميم الجليَّين في العالم.

وفجأةً، بطريقةٍ شخصيَّة على نحوٍ عميقٍ جدًّا، لم يعُد الله يُخاطِب أيُّوب، بل شرع يُخاطِبني أنا! فبقوَّة غامرة، وإن لم يكن بصوتٍ مسموع، اختبرتُ صوت الله يسألُني: “دُن، مَن تحسب أنت نفسك على كلِّ حال؟” وإذا بعين ذهني تلتفتُ حالاً إلى الأحداث الكثيرة التي نمَّت عمَّا كنتُ عليه من كبرياء وحسد وغرور، واستقلاليَّة سلبيَّة وانخداع. لقد أخذ الله يكشف لي طبيعة قلبي الحقيقيَّة. وعلى نقيض ذلك، بدا لي إنَّني في حضرةِ إلهٍ قدير وحكيم وبارّ. وقد كان في ملاحظات أيُّوب الختاميَّة وصفٌ لِما كنتُ أختبره:

قد علمتُ إنَّك تستطيع كلَّ شيء، ولا يعسر عليك أمر.

(سألتَ:) “فمن ذا الذي يُخفي القضاء بلا معرفة؟” ولكنّي قد نطقتُ بما لم أفهم، بعجائب فوقي لم أعرِفها.

(قلتَ:) “اسمع الآن وأنا أتكلَّم: أسألك فتُعلمني!” بسَمْـع الأذن قد سمعتُ عنك، والآن رأتك عيني. لذلك أرفض (ذاتي) وأندم (تائبًا وجالسًا) في التراب والرماد.

إذ ذاك انزلقت عن كُرسيِّ وجثوتُ على رُكبتيَّ، وأخذتُ أبكي. واستحوذَت عليَّ فكرةٌ عاطفيَّة عميقة: “يا ربِّ، إنَّي آسِف!” كنتُ قد تربَّيتُ مُتكيِّفًا بمقتضى الفكرة القائلة بإنَّ الأقوياء لا يبكون، وإنَّ البُكاء علامةُ ضعفٍ في الرجُل. ولكنْ في تلك الليلة لم تكُن المُكابرة لتُجديَ نفعًا. فقد هالني التبكيتُ على خطاياي ولم أستطع إلاَّ أن أُكرِّر مرَّةً بعد أخرى :”أنا آسف… ياربّ، إنَّي آسِف!” ولا أدري كم من الوقت مضى قبل أن يُفاجئني تطوُّرٌ غير مُتوقَّع.

كنتُ ما أزال جاثيًا على رُكبتيَّ، مُتأمَّلاً هيبة الله وجلاله، ومُفكِّرًا في تصميمي الجديد على وضع ذاتي تحت سُلطته. وانطلقتُ من فكرة كوني قد تحرَّرتُ… من حاجتي لأنْ أفوز دائمًا، وأن أكون دائمًا في المرتبة الأولى، وأن أُثبِت ذاتي، ومن عبوديِّتي لذاتي. وليس عليَّ أن أُنجِز بعد. عجبًا، يا لها من راحة! عندئذٍ فقط غمرني الإدراك إنَّي مغفور الخطايا. فإنَّ محبَّة الله، من خلال ذبيحة المسيح، حَمَلِ الله، قد تولَّت دفع الثمن كاملاً. وكإنَّما تبدَّدت جميعُ الأُصول والنُّظم التي سبق لي أن أنَطتُها بالكنيسة وبالله. ومحلَّها – مجازيًّا – وقف إلَهٌ شخصيُّ عطوف، فاتحًا ذراعيه وقائلاً: “دُن، أنا أُحِبُّك!” فكان عليَّ أن أعترِفَ في اتِّضاع بإفلاسي الروحيّ، وأقبل الغفران هِبةً من الله لي. ثمَّ فاضت دموعي ثانيةً، ليس من أسفٍ أو ندم هذه المرَّة، بل كانت دموع فرح، إذ هتف قلبي “شكرًا لك يا رب… شكرًا لك… شكرًا لك!” لقد غدَوتُ إنسانًا جديدًا، مغفور الخطايا ومُحرّرًا.

 

تحتَ إدارةٍ جديدة

مضت سنون كثيرة بعد تلك الليلة الحافلة. ومضيتُ أُعِدُّ شهادة الدكتوراه تلك في علم الأحياء، وبعدها شهادة أُستاذيَّة في الدراسات المختصَّة بكتاب العهد الجديد، إنَّما ليس إرضاءً لأناي. فإنَّ حقيقة قيام علاقة شخصيَّة بين المسيح وبيني، تلك العلاقة التي أعرف الآن إنَّها كانت حيَّة وفعَّالة حقًّا، غرست فيَّ حسَّ مسؤوليّةٍ تجاه خالقي وقاضيَّ الأسمى. وليس الأمر صارمًا كما قد يبدو؛ إذ هو المزيج الصحيح من المحبَّة والانضباط. فقد حُرِّرتُ حتَّى أخدم، وأكونَ ذاتي تحت سيادة الربّ أكثر منِّي في أي وقتٍ مضى، بالطريقة التي خلقتُ كي أكون عليها. وها أنا في سلام… تحت إدارةٍ جديدة.

تُرى، أيّ فرقٍ أحدث المسيح في حياتي؟ هاك نقاطًا محدَّدة:

1)       لقد نلتُ غفران خطاياي، وما زلتُ أختبره.

فإنَّ المسيح أيضًا تألَّم مرَّةً واحدة من أجل الخطايا، البارُّ من أجل الأثمَة، لكي يُقرِّبنا إلى الله”.[20]

        “إنِ اعترفنا بخطايانا، فهو أمين وعادلٌ حتّى يغفر لنا خطايانا ويُطهِّرنا من كلِّ إثم.”[21]

2) أنا وَلَدٌ لله بالمعنى الروحيّ، والروحُ القدس الساكنُ فيَّ يُقدِّرني على اتِّباعه تعالى.

        “وأمَّا كلُّ الذين قبلوه، فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنين باسمه”.[22]

        “وأمَّا المُعزّي، الروح القدس الذي سيُرسِله الآب باسْمي، فهو يُعلِّمكم كلَّ شيء، ويُذكِّركم بكلِّ ما قلتُه لكم”.[23]

3) أنا في سلامٍ مع الله ولا أخشى الدّينونة.

“لإنَّه لم يُرسِل الله ابنه إلى العالم ليَدين العالم، بل ليخلُصَ به العالم: الذي يؤمن به لا يُدان”.[24]

  إذًا لا شيءَ من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع… لإنَّ ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطيَّة والموت.[25]

4) لي يقينٌ بالحياة الأبديَّة بعد الموت.

“أنا هو القيامة والحياة: مَن آمن بي، ولو مات، فسيحيا…”[26]

  “كتبتُ هذا إليكم – أنتم المؤمنين باسم ابنِ الله – لكي تعلموا إنَّ لكم حياةً أبديَّة”.[27]

“ما برح اِّتباع يسوع المسيح اختبارًا يتزايد فيه التحدِّي والمغامرة والسعادة. إنَّه كليًّا مستحقٌ التقدير والتعب. فما أصدق قوله: “وأمّا أنا فقد أتيتُ لتكون لهم حياة ويكون لهم أفضل”!”.

مارك هاتفيلد،

سيناتور أمريكيّ سابق

وليُفهَم تمامًا إنَّني لا أدَّعي لنفسها هذه الأُمور لإنَّني أحسب نفسي مستحقًا، أو لإنَّي قد عملتُ عملاً مّا لكي أكسبها. فالكتاب المقدَّس يقول: “لإنَّكم بالنِّعمة مُخلَّصون، بالإيمان: وذلك ليس منكم؛ هو عطيَّةُ الله. ليس من أعمال، كي لا يفتخر أحد.”[28] ثمّ إنَّنا، أنا وزوجتي ﭬِرني معًا، نُدرِك إنَّنا ما كنَّا لنبقى معًا في علاقة الزواج مدَّةً زادتِ الآن عن أربعين سنة لولا نعمةُ الله التي تتيح لنا المسامحة والتغيير. وقد تعرَّف ابنانا كلاهما أيضًا على المسيح وأقرَّا به ربًّا ومخلّصًا. ويا له من رجاء عظيم في يقيننا بإنَّه عندما تنتهي علاقتنا العائليَّة هُنا ذات يوم، فإنَّ الموت لن يعمل إلاَّ على جمع شملنا من جديد، في لقاءٍ لا فراق بعده إلى الأبد! إنَّ كل ناحية من نواحي حياتي قد تعزَّزت واغتنَت تحت إدارةِ الربِّ يسوع المسيح، تلك الإدارة الجديدة الرائعة!

 

دعوة شخصيَّة

لقد عبَّر كلارك ﭙنُّك، بإيجاز وإحكام، عمَّا اكتشفتُه شخصيًّا بشأن الإيمان في رحلة حياتي:

أنا مقتنع بإنَّ الإيمان لا بدَّ أن ينجح في امتحان الصدقيَّة، وبإنَّ الرسالة المسيحيَّة تُوافِق الحقائق والوقائع. فهو ليس افتراضًا مُسبَّقًا يجب قبوله بناء على سُلطةِ مرجعيّةٍ ما، ولا حقيقةً ظاهرة بذاتها لا تحتاج إلى مُحاجَّة. إنَّه دعوى حقٍّ متينة يمكن فحصُها وإثبات صحَّتها عبر سلسلة الاختبار البشريِّ بكاملها. فهو يُلبِّي حاجاتنا الوجوديَّة، ويُضفي المعنى على حصائل حدسنا الدينيّ، ويصمد أمام التفحُّص العقليّ الدقيق، ويتوافق مع البيِّنات التاريخيَّة، ويتصدَّى للضرورات الخُلقيَّة السائدة اليوم…

إنَّ وقوفك تحت ربوبيَّة المسيح ليس نكدًا عليك ولا إذلالاً لك، بل هو بالحريِّ سبيلْ الدخول إلى رحاب الحياة الفيّاضة، وإلى وجودٍ مُشتهى حقًّا.

لذلك أُناشِدَك هذه المناشدة: افتحْ مغاليق نفسك لله، واعترفْ له بفشلك في عيش حياةٍ مستقيمة ومقدَّسة، واعقدْ عزمك على اتِّباع الربِّ يسوع. تصرَّف بموجب البيِّنات القاطعة الماثلة واقبل عرض الخلاص المُقدَّم إليك بالنّعمةِ.[29]

يقول الكتاب المقدَّس إنَّ المسيح “قد جاء لكي يطلب ويُخلِّص ما قد هلك.”[30] والربُّ يسوع يحترم إرادتك. فهو ينتظر دعوةً: تسليمًا من جانبك بأن تطلب منه غفران خطاياك، وإعطاءَه زمام حياتك. وليس في وسع أحدٍ أن يُعبِّر عن ذلك مثلما فعل هو نفسه:

” تعالَوا إليَّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم. اِحملوا نيري عليكم وتعلَّموا منِّي، لإنَّي وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحةً لنفوسكم: لأنَّ نيري هيِّن وحِملي خفيف”.[31]

 

ولقد وعد الرسولُ بولس بأنَّك “إنِ اعترفت بفمك بالربِّ يسوع، وآمنت بقبلك بإنَّ الله أقامه من الأموات، خَلَصتَ.[32]

إنَّما هذه الوعود لن تعنيَ لك شيئًا كثيرًا إلاَّ إذا مددتَ يدك وتناولتَها لنفسك. فإن كنتَ راغبًا ومستعدًّا أن تدخل في علاقةٍ حيَّةٍ بالله عن طريق الإيمان بيسوع المسيح، فأعلِمه ذلك بصلاةٍ ترفعها. ولعلَّ الصلاة البسيطة تفيدك إذا لم تكن على يقين من جهة ما ينبغي أن تقوله:

أللَّهمَّ، أشكرك على تزويدنا ببيِّناتٍ تدلُّ على وجودك. إنَّني أُريد أن أختبر بالحقيقة علاقةً شخصيًة بك. وإنَّي أعترف بأنَّ كوني خاطئًا قد فصلني عنك. فأنا أتوب، وأعترف بيسوع المسيح على أنَّه مُخلِّصي وربِّي. إنِّي أُومن بأنَّه مات بدلاً منِّي، وأنَّك قد أقمتَه حيًّا من بين الأموات. أرجو أن تُعطيني هِبَةَ الروح القدس كي يوجِّه حياتي ويُقدِّرني على أن أفهم كلمتك المقدَّسة وأُطيعها من اليوم فصاعدًا. شكرًا لك على جعْلك إيَّاي ولدًا من أولادك بالمعنى الروحيّ، وعلى إعطائي اليقين بالحياة الأبديَّة. آمين!

 

للتركيز والبحث

1)     ورد في المتن إنَّ رفض المرء للإقرار بكونه خاطئًا هو عائقٌ أقوى من أيَّ عاملٍ فردٍ آخر دون الإعتراف بألوهة المسيح. اشرح المقصود. أيمكنك رؤية ذلك في ضوء اختبارك الشخصيّ؟

2)     أي سؤالين يجب أن يطرحهما كلُّ شخص ويُجيب عنهما بصدق على طول طريق الإيمان؟ وكيف يترابطان؟

3)     ما “النقطة الجوهريَّة” في تصالُح الإنسان مع الله؟ لماذا تشكِّل الكبرياء أو الاكتفاء الذاتيُّ أمرًا تصعب معالجته جدًّا؟ وهل الصعوبة عقلانيَّة بطبيعتها جوهريًّا؟

4)     ماذا لو أنَّ أحدهم قال: “إنَّ صيرورة المرء مسيحيًّا هي أسهل أمرٍ في الدُّنيا”؟ ماذا تظنُّ إنَّه يقصد بذلك؟

5)     ماذا تتضمَّن حقيقةُ كون الخلاص هِبةً من عند الله بشأن أساسِ يقين المؤمن المسيحيِّ بالحياة الأبديَّة؟ علامَ يعتمد؟

 

 

اتخاذ الخطوة التالية

أهنِّئُك بإنجاز قراءة “أدهشني الإيمان”. أرجو أن يكون قد أعانك في بحثك عن معرفة الله، مُجيبًا عن أسئلتك بشأن الإيمان، أو قد قوَّى وعمَّق إيمانك الموجود فعلاَ.

إنَّ التزامك أن تتبع يسوع المسيح هو أهمُّ قرارٍ تتَّخذه في حياتك على الإطلاق. لذلك أدعوك لأن تخطو الخطوة التالية التي تُطَمئنك إلى التمتُّع بالشبع الروحيّ المُتاح. فإنَّ الكتاب المقدَّس يقول:

“فكما قبلتُم المسيح يسوع الربّ، اسلكوا فيه، متأصِّلين ومبنيِّين فيه، وموطِّدين في الإيمان… مُتفاضِلين فيه بالشكر” (رسالة كولوسِّي 2: 6 و7).

لقد قطع لنا المسيح وعدًا حين قال: “وأمَّا أنا فقد أتيتُ لتكونَ لهم حياة، وليكون لهم أفضل” (يوحنّا 10:10). والعبارة “يكون لهم أفضل” تُترجم أيضًا “وتكون حياةً فيّاضة”. فالفرق بين “إيمانٍ بَين بين” والحياة الفيَّاضة التي وعد بها الربُّ يسوع كامنٌ في تعزيز علاقتنا بالله من خلال دراسة كلمة الله، أيَ الكتاب المقدَّس، ومن خلال الصلاة والشركة مع المؤمنين. هكذا عاشت الكنيسة أوًلَ عهدها، وهكذا ينبغي أن يعيش المؤمنون دائمًا: “كانوا يُواظِبون على تعليم الرسل، والشركة، وكسر الخبز، والصلوات” (أعمال الرسل 42:2). ولا تنسَ نصيحة الرسول بولس أن “اتْبع البرَّ والإيمان والمحبَّة والسلام، مع جميع الذين يدعون الربَّ من قلبٍ نقيّ” (رسالة تيموثاوس الثانية 22:2 ب).

 

وليُباركْكَ الربُّ ويستخدمُك لمجده!

 

[1]  الاقتباسات مأخوذة من Sports Spectrum Magazine وبموجب إذن:

Art Stricklim, “The Transformation”, (March 2000): 17,19, Paul Azinger, “Only God Changes Hearts,”, (Mach 2000): 20,21.

[2]  لوقا5: 1-11.

[3]  إجابةٌ مماثلة تُستخدم فيها الكلمة اليونانية “كيريوس” تصدر عن توما في يوحنّا 28:20.

[4]  لوقا 31:5و32.

[5]  طلبًا لمعلومات عن خلفيَّة يوحنا المعمدان، راجع مرقس 1: 1-8؛ 14:6 -32؛ لوقا 1:13-17؛ 3: 1-20.

[6]  يوحنّا 1: 26-30.

[7]  يوحنّا 3: 26-30.

[8]  لوقا28:7.

[9]  طلبًا لِما ورد في الكتاب المقدَّس عن سيرة حياة موسى، راجع خروج 2 و3؛ أعمال 7: 17-38.

[10]  أعمال 25:7.

[11]  راجع خروج 3: 10-22 طلبًا لهذه الحادثة التاريخيَّة.

[12]  راجع خروج 4: 1-17.

[13]  راجع تثنية 3: 10-12 وسفر العدد 3:12 طلبًا لهذا الطِّباق (أي التعارُض أو التناقض).

[14]  C.S. Lewis, Mere Christianity, p.111.

[15]  راجع أيُّوب 1و2.

[16]  أيُّوب 6:19و7.

[17]  أيُّوب 13: 15-22.

[18]  أيُّوب 2:38و3.

[19]  أيُّوب 40: 1-5.

[20]  1 بطرس 18:3.

[21]  1 يوحنّا9:1.

[22]  يوحنّا 21:1.

[23]  يوحنّا 26:14.

[24]  يوحنّا 17:3و18.

[25]  رومية 1:8و2.

[26]  يوحنّا25:11.

[27]  1 يوحنّا 13:5.

[28]  أفسس 8:2و9.

[29] Pinnock, pp. 119, 121-2.

[30]  لوقا 10:19.

[31]  متّى 11: 28-30.

[32]  رومية 9:10.

متى نعرف يسوع ! – أيمن فايق

في الواقع الاختباري، أي في واقعية الحياة الروحية أن معرفة الله لا تبدأ بالبحث عن العلم والأفكار العُاليا السامية والأبحاث المتخصصة، ولا بالدخول في الفلسفات وكثرة معارف الكتب الضخمة والعظيمة، ولا دراسة الجامعات اللاهوتية المتخصصة، بل تبدأ من حيث المزود، من جهة الإخلاء وفي أبسط صورة للدعوة الإلهية:
[ توبوا وآمنوا بالإنجيل – تعالى وأنظر وجدنا مسيا ]
+ فهل يوجد أبسط من هذا للدخول في سرّ لقاء المسيح الحياة !!!

فالله افتقر لكي يغنينا بفقره، واختار رعاة فقراء وبسطاء ليكونوا أول الزائرين، فالفريسيين وعلماء اليهود لم تأتيهم الدعوة، ولا الأغنياء المعتمدين على أموالهم، ولا حتى أصحاب العقائد الصحيحة، ولا الفلاسفة، ولا أصحاب الشهرة والمجد وأصحاب الفخامة أو السيادة، ولا أصحاب الطقوس العظيمة.. الخ

فالرعاة الفقراء البسطاء فازوا بلقاء طفل المزود وأتوا إليه وهم لا يملكون ثمن أبسط هدية، والمجوس الذين لا يعرفون من هو الله الحقيقي أتوا بأثمن ما عندهم ليستقبلوا طفل صغير ولم يتعالوا على الأسرة الفقيرة التي قمطت الطفل بقليل من الخرق…

فهكذا اختار الله فقراء العالم والمزدري وغير الموجود والفجار والأثمة والزناة والزواني، لأن حينما نأتي لله بعلمنا وفكرنا ومعارفنا الكثيرة وفلسفتنا وبرنا وقداستنا وأعمالنا الصالحة، نتوه عنه حتماً بكل تأكيد بل وبالضرورة، أو نحاول أن نأخذ كراسي العلماء ونحاول أن نكون مدافعين عن الحق، فالحق يهرب منا، لأننا لم نحمل روح التواضع ونأتي لمسيح الحياة عن حاجة نطلبه حياة لأنفسنا ونور لذهننا…

لذلك يضل الكثيرين ويتوهوا عن الطريق لأنهم لم يسيروا في طريق المزود طريق الإخلاء، لأن الرب يسوع أخلى ذاته وأخذ شكل العبد، فكل من لا يستطيع أن يخلي ذاته ويبحث عن مسيح البساطة الوديع المتواضع القلب فأنه حتماً يضل عنه ويتوه تماماً، لذلك أنشدت العذراء القديسة مريم أنشودتها الحلوة:
“تعظم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلصي.. أنزل الأعزاء من على الكراسي رفع المتضعين… صرف الأغنياء فارغين أما الجياع أشبعهم خيرات”؛ والرب نفسه قال: “طوبى للجياع إلى البرّ لأنهم يُشبعون”.

آن الأوان يا إخوتي نغلق كل شيء، ونتخلى عن كل معرفة فكر حتى لو كان صحيح تماماً، ولا نعتمد على ذكاءنا ولا فطنتنا ولا حكمتنا بل ولا على برنا وأعمالنا ولا على قداستنا وأفعالنا الحسنة، بل نأتي كفقراء معوزين إلى الرب الوديع المتواضع القلب، لنأخذ منه ونغتني…

ولكن احذروا تمام الحذر من أن تأتوا لتطلبوا شيء يجعل الرب يترككم ويمضي، ويخرج كل واحد فيكم في حالة فلس ولم ينال شيئاً قط، بل تركه الرب ومضى، لأنه طلب مثل التلاميذ واحد عن يمينك وآخر عن يسارك، لأن هُناك من يطمعون ومن يريدوا مراكز وجلوس شرفي بل وأشياء أخرى كثيرة ومتنوعة تختلف من واحد آخر، غير مسيح القيامة والحياة بشخصه، لأن الرب لم يأتي ليعطينا مجرد عطايا، بل ليعطينا ذاته، ولا بد من أن يكون الطلب على مستوى العطية: [ أطلبوا الرب ما دام يوجد ادعوه فهو قريب ]

فهذه هي الطلبة التي يستجيب لها: [ أطلبوني فتجدوني إذ تطلبوني بكل قلوبكم ]…

أطلبوا الله في حياتكم، خذوه في قلوبكم، في أفكاركم، ضعوه في عيونكم، واكرموه فوق رؤسكم، بيعوا أنفسكم له، استودعوا كل حياتكم أمامه، عند قدميه، قولوا يا رب أبيع لك نفسي، مش عايز حاجة في العالم كله ولا الدهر الآتي غيرك انت تكون بشخصك وذاتك ونفسك حياتي: لي حياة هي المسيح والموت ربح؛ حسبت كل الأشياء خسارة ونفاية من أجل فضل معرفة المسيح يسوع؛ كل الأشياء في عيني صارت رخيصة وبلا قيمة، وتخليت عن كل شيء من قلبي بل وفكري لكي أربح المسيح وأوجد فيه، وهذه هي الحياة المسيحية باختصار: “أربح المسيح وأوجد فيه”

الطريق سهل جداً والعطية مجانية، والمسيح الرب منتظر في كل مخدع، منتظر أن تُعطيه قلبك، تسلم له حياتك كلها، ليس مجرد كلام ولا ألفاظ، بل تعطيه نفسك من كل قلبك وفكرك واحساسك فعلاً، بمعنى أن كيانك كله يصرخ:

+ أنا بايع نفسي ليك، لا أُريد شيءٌ قط،
+ لا في الأرض ولا السماء غيرك انت ياربي وإلهي وملكي وسيدي وحياتي ومخلصي الوحيد…
+ أنت فقط وليس غيرك
+ وحدك فقط أطلبك وأُريد أن أحيا بك
+ ولن أتنازل عن أن تكون معي كل حين
+ فبدونك أنا ميت وليس لي وجود
+ سأظل متمسكاً بكلمتك: اطلبوني فتجدوني
+ فاظهر لي ذاتك بقوة ووضح
+ أنا أُريد أن تكون أنت حياتي
+ فحضورك رغبتي وغايتي
+ أنا لك فامتلكني تماماً وقودني بروحك آمين

 
 

 

Exit mobile version